العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 30-11-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

سبعة أشهر إضافية من البلطجة الإيرانية .. بكر صدقي

القدس العربي - الخميس 27-11-2014

حقاً لا أعرف ما الذي يمكن أن يفعله الطرفان المتفاوضان حول الملف النووي الإيراني، خلال الأشهر السبعة القادمة، ليتوصلا إلى اتفاق. فالخلاف بين الجانبين حول عدد أجهزة الطرد المركزي المسموح بها، وكذا حول الجدولة الزمنية لرفع العقوبات عن إيران، بات معروفاً للقاصي والداني. وفي حين أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما بوضوح عدم ربط المفاوضات النووية بالوضع الاقليمي المضطرب، تعمل إيران بكل زخم على تمتين تمددها الإقليمي لرفع سقف شروطها في المفاوضات النووية. بحيث يبدو أن التمديد الذي فرضته إيران على مفاوضيها الغربيين مهلةً لهم للتراجع عن سقف مطالبهم منها، وليس العكس. بكلمات أخرى تبدو إيران هي الطرف القوي الذي يسعى لفرض شروطه على الطرف الضعيف (5الخميس 27-11-20141). وما المهلة الإضافية إلا ليقتنع الطرف الغربي بالتراجع عن شروطه والاقتراب من الشروط الإيرانية. ووسيلة إيران لهذا «الإقناع» هي كسب مزيد من النقاط في صراعها الاقليمي مع جوارها العربي، بالنظر إلى المهلة السابقة التي استثمرتها بالطريقة نفسها: تعطيل الاستحقاق الرئاسي في لبنان والتمديد لمجلسه النيابي، والاستيلاء على صنعاء، وأخيراً الهدية الصاروخية لحزب الله الإيراني في لبنان عشية انتهاء المفاوضات في فيينا. ويمكن القول إن صاروخ «الفاتح» هذا «المخصص لإسرائيل» كما قيل، كان وسيلة إقناع ناجعة للحصول على سبعة أشهر إضافية تستثمرها إيران للحصول على مزيد من وسائل الإقناع.

بالمقابل، ماذا لدى الطرف الآخر؟ ولنقل اختصاراً ماذا لدى الإدارة الأمريكية من وسائل ضغط على إيران لإرغامها على القبول بشروط التسوية النووية؟

إذا قسنا على الفترة السابقة أيضاً، لرأينا أن الأمر الوحيد الذي فرضته واشنطن على طهران هو إقالة نوري المالكي واستبدال حيدر العبادي به. ورئيس الوزراء العراقي الجديد ليس شيعياً فقط كسلفه، بل أيضاً من حزب الدعوة إيراني الهوى. وعلى أي حال تم هذا الاستبدال لغرض مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية الذي استولى على الموصل. أي لمواجهة عدو خطير لإيران. وفي سوريا، حرصت الإدارة الأمريكية على طمأنة نظام دمشق الكيماوي بأن غارات التحالف داخل الأراضي السورية لن تستهدفه. بل أكثر من ذلك، وصلت الإشارة إلى الجزار السوري بأنه حر في استهداف منطقة عمليات طيران التحالف بطيرانه وبراميله، فكان هناك نوع من تقسيم العمل بين الجانبين طوال الفترة الماضية منذ بداية غارات التحالف: طيران التحالف يضرب مواقع «داعش» ليلاً، وطيران النظام يقصف المدنيين، في المناطق ذاتها، نهاراً.

وهكذا كانت أولى الثمار الإيرانية من تمديد المفاوضات النووية، قصف مدينة الرقة بطيران النظام الكيماوي الذي أدى إلى مقتل نحو مئة مدني، بينهم عائلات بكاملها، قبل مضي أربع وعشرين ساعة على انتهاء مفاوضات فيينا بالتمديد.

أما باراك أوباما فقد بدأ بـ»استثمار» فترة التمديد بإقالة وزير دفاعه تشاك هيغل، هديةً لولي الفقيه واسترضاءً له. فكل التحليلات حول «استقالة» هيغل تشير إلى أن السبب هو المذكرة من صفحتين التي وجهها إلى مستشارة الأمن القومي سوزان رايس، قبل أسابيع، يعبر فيها عن اعتراضه على استراتيجية أوباما في الحرب على داعش في سوريا. وعلى هذه الخلفية سربت محطة سي إن إن التلفزيونية خبرها الشهير حول «إعادة النظر» في سياسة الإدارة بشأن سوريا. ثم جاء النفي الصريح لإعادة النظر هذه على لسان أوباما بالذات في قمة العشرين في أوستراليا.

نحن إذن أمام مفارقة غريبة: في نهاية المهلة المحددة لإبرام اتفاق نووي، يعلن الطرفان تمديدها سبعة أشهر إضافية لـ»إنضاج» الاتفاق. وفي الوقت الذي يعلن فيه كل من الرئيس الإيراني حسن روحاني وممثلو الدول الست المفاوضة حرصهما على الوصول إلى اتفاق، يعلن ممثلو ولي الفقيه تمسكهم بما يسميها هذا الأخير الخطوط الحمراء. أما الإدارة الأمريكية فتفعل كل ما يرضي إيران لتبقيها على طاولة التفاوض. ويتضمن ذلك السكوت عن عربدتها الإقليمية التي من المحتمل أنها سترتفع وتيرتها في الأشهر القادمة، بما يؤدي إلى «إقناع» الدول الست بالقبول بالدور الامبريالي الاقليمي لإيران مقابل تخلص بطيء من برنامجها النووي. بطيء بما يكفي لنظام دمشق الكيماوي تحقيق بعض الانتصارات العسكرية كما يأمل، وبمساعدة من ممثل الأمم المتحدة دي ميستورا الذي يتكفل بترجمة ذلك إلى انتصارات سياسية.

في الإطار ذاته من استماتة أوباما في إرضاء إيران، رأينا كيف انتهت زيارة نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى اسطنبول. لم يحصل الرجل على أي تنازل من الرئيس التركي أردوغان بخصوص فتح قاعدة إنجرلك لاستخدامها في شن الغارات الجوية على مواقع داعش في سوريا. وسبب هذا التعنت التركي أمام حليفها الأمريكي هو أن أوباما يرفض الطلبات التركية المتعلقة باستهداف نظام الأسد بموازاة استهداف قوات داعش.

رضي «الأخ الأكبر» الأمريكي بهذا الإذلال من القيادة التركية، للحفاظ على ذله الأصلي المستطاب في خطب ود طهران.

الأشهر السبعة القادمة ستشهد مزيداً من التمدد الاقليمي الإيراني، وربما تحرشاً بإسرائيل بواسطة أداتها حزب الله. لكن الثمن الأكبر سيدفعه كالعادة السوريون، وكانت إشارة البداية من الرقة الجريحة.

٭ كاتب سوري

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

رحيل هاغل… ماذا يعني لسياسة أمريكا تجاه العرب؟ .. رأي القدس

القدس العربي - الخميس 27-11-2014

وسط تكهنات متضاربة بالاقالة او الاستقالة، ترك وزير الدفاع الأمريكي تشاك هاغل منصبه قبل يومين، بعد مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس باراك اوباما، لم يتبادلا فيه النظرات، في تعبير واضح عن الخلاف بين الرجلين.

وقالت صحف امريكية ان الوزير وجه انتقادات للادارة بشأن أزمات دولية كتلك التي تعصف بالعراق أو سوريا أو أفغانستان، وأنه واجه خلافات متزايدة مع مستشارة الأمن القومي سوزان رايس ومع وزير الخارجية جون كيري، وخاصة في أعقاب إعداد هاغل تقريرا انتقد فيه السياسات الأمريكية في سوريا ومناطق أخرى.

ومن المتوقع ان تصبح الادارة الأمريكية «اكثر تجانسا» بعد تعيين خليفة لهاغل اقرب إلى الحزب الديمقراطي، الا ان الاسئلة الأهم ان كانت ستكون اكثر «فاعلية»، ام ستواصل الاندفاع في مسار الفشل الذي اقر به اوباما ضمنيا عبر الاضطرار إلى تغيير وزير دفاعه في وسط حرب كبرى تخوضها الولايات المتحدة في الشرق الاوسط؟ ثم كيف ستؤثر مغادرة هاغل على اجندة التدخل الأمريكي في العراق وسوريا بشكل خاص؟ وكيف ستؤثر على السياسة الأمريكية تجاه المنطقة بشكل عام؟

وللاجابة عن هذه الاسئلة ينبغي العودة قليلا إلى الوراء، حيث ان تعيين هاغل كان يهدف اساسا إلى منع عودة امريكا إلى التورط في حروب بالشرق الاوسط وليس العكس، بل ان التقارب الشخصي بين هاغل واوباما يعود إلى عملهما في مجلس الشيوخ اثناء عهد جورج دبليو بوش، ضد الغزو الأمريكي للعراق.

ومن هذا المنطلق فان اوباما سيجد دعما اكبر من البنتاغون خلال المرحلة المقبلة لزيادة عدد القوات الأمريكية في العراق. الا ان التأثير قد يكون مغايرا في سوريا، حيث ان هاغل كان مساندا للنظرية التي تعتبر ان القضاء على داعش يتطلب اسقاط نظام بشار الاسد اولا، لمنعه من الاستفادة من النتائج. اما اوباما فيعتبر ان الاسد فقد شرعيته، لكن تدخلا عسكريا لاسقاطه سيحتاج إلى قرار واضح من مجلس الامن، والا فان تدخلا احاديا من جانب واشنطن سيفتقد إلى الدعم الدولي الكافي وقد يشعل حربا او حروبا اقليمية لا يمكن توقع نتائجها.

ويبدو ان اوباما سيكون القائد العسكري الحقيقي للحرب ضد داعش، خاصة ان صدقت التوقعات بتعيين ميشيل فلورونوي المساعدة السابقة لوزير الدفاع وهي الأوفر حظا في خلافة هاغل على رأس البنتاغون، في سابقة من نوعها في التاريخ العسكري الأمريكي.

وكانت فلورونوي المرأة الأولى التي تشغل منصب مساعدة وزير الدفاع الأمريكي لشؤون السياسات، والتحقت بوزارة الدفاع في عهد الرئيس الأسبق بيل كلينتون حيث عملت على تقديم دراسات تهم الاستراتيجية الأمنية الأمريكية.

كما ستتيح مغادرة هاغل للرئيس الأمريكي ان يشعر بحرج اقل فيما يتجه إلى مزيد من التقارب مع ايران سعيا إلى تعاون امني على الارض لمحاربة داعش، خاصة اذا نجح في التوصل لاتفاق نووي مع طهران قبل منتصف العام المقبل.

اما على صعيد العلاقات مع مصر، فقد خسرت القاهرة «صديقا مهما» في الادارة الأمريكية، اذ كان هاغل من المعارضين لقرار تجميد المساعدات العسكرية الأمريكية العام الماضي، كما ساعد في احتواء خلافات ثنائية عديدة عندما فتح قناة اتصال غير مباشرة بين الرئيسين السيسي واوباما خلال الفترة التي اعقبت عزل الرئيس محمد مرسي، وحتى اجراء الانتخابات الرئاسية في مصر الصيف الماضي.

وبالنسبة إلى دول الخليج، فان مغادرة هاغل تشكل خبرا سيئا ايضا، اذ يعتبره مسؤولون خليجيون «اكثر تفهما من غيره لمخاوفهم من عواقب التقارب الأمريكي مع ايران».

اما تجاه اسرائيل فمن المستبعد ان يعني رحيل هاغل كثيرا، حيث ان الادارة الأمريكية وصلت إلى نهاية الطريق المسدود بالفعل فيما يتعلق بدورها في احياء عملية السلام، ولا يمكن الا ان تغير هذا الواقع خاصة بعد الانتخابات النصفية للكونغرس التي منحت اصدقاء اسرائيل اغلبية متحفزة في المجلسين ضد اي سياسة تميل إلى الاعتدال او التوازن بهذا الشأن.

وعلى اي حال يبقى مستبعدا ان ينجح اوباما في تعديل صورة ادارته في الشرق الاوسط، التي يمثل الضعف والتردد وفقدان المصداقية سماتها الرئيسية.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

العصبوية داء العقول والقلوب .. أزمة صناعها وأبطالها هم ضحاياها الأولون .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 27 / 11 / 2014

لا أعتقد أن ابن خلدون هو أول من أشار إلى دور العصبية في حركة الدول في أدوار قوتها وضعفها . قد يكون ابن خلدون هو أول من صاغ المعطى في نظرية أصبحت ترتبط باسمه كلما قارب الناس تاريخ العمران السياسي وقيام الدول واندثارها.

والعصبوية كحالة عنصرية تستحكم في العقول والقلوب البشرية : ( فاعلة وقابلة ) ليست خاصة بأمة دون أمة ، ولا بحضارة دون حضارة ، بل لعلها في عالم أمة العرب في بداوتهم وحضارتهم وجاهليتهم وإسلامهم أقل شأنا منها في تاريخ غيرهم من الأمم والحضارات ؛ حيث لاحظنا تاريخيا هرمية مجتمعية أكثر انغلاقا وصلابة ، كما كان عليه الحال في أوربة الطبقات الثلاث : النبلاء ورجال الدين ثم العامة وذلك قبل أن تتشكل ما سميت بالبرجوازية التي كانت بحد ذاتها شكلا من أشكال الثورة الاجتماعية . فالبرجوازي هو رجل اغتنى ونال حظا من ثقافة جعله يرى نفسه أهلا ليلحق بالنبلاء ، والتركيز هنا على كلمة يلحق مهم و جوهري .

 في المجتمع الهندي توزع الناس على خمس طبقات كتيمة غير نافذة ، بمعنى أنه لا يمكن للإنسان مهما تغير وضعه الاقتصادي أو الثقافي أن يخرج من طبقته التي هي جزء من جيناته التكوينية إلى طبقة أخرى في مجتمع يختلط فيه المجتمعي بالمقدس الديني . وحيث يحرّم المجتمع الهندي على اختلاف ملله الاختلاط أو التزاوج بين أبناء الطبقات . ولعل وضع طبقة المنبوذين في ذلك المجتمع هو أكثر الأوضاع الإنسانية مأساوية و إثارة للشفقة ..

لا نريد في هذا المقام الحديث عن العصبوية في تجلياتها وتداعياتها الاجتماعية فلهذا البحث مواطنه التي تليق به . وإنما نريد الحديث عن العصبوية السياسية وتداعياتها وانعكاساتها على الحياة العامة للأمم والشعوب في إطاريها الوطني العام والعصبوي الخاص .

يمثل لبنان جزء من الواقع العربي بواقعه الطائفي المزمن والمستعلن صورة واضحة للمرض العضال الذي تعاني منه مجتمعاتنا . يموت الزعيم اللبناني الذي كنت في مرحلة ما ترى حديثه ملء السمع والبصر وفجأة يطالعك خلفه وقد أصبح ( زعيما ) بالوراثة المدعومة من العصبية السياسية والطائفية والإقطاعية تتكدس العصبيات في شخصه بعضها فوق بعض فتجعل منه زعيما وتنفخ فيه من كيرها الأسود المربد ، فتسأل نفسك جادا : ماذا رأى فيه قومه حتى سودوه؟! ثم لا تلبث أن تعود باللوم على العصبية ، وأنت ترى كل الذين يلعنونها ينغمسون حتى آذنهم فيها ...

مفكرون وباحثون وسياسيون كثيرون تساءلوا عن إمكانية المواءمة بين الإسلام والديمقراطية . لا أريد أن أقلل من أهمية السؤال ، ولا أن أتجاهل خطورته وجديته ، ولكن التهديد الأخطر الذي يجب أن يُطرح سؤاله حول العالم وفي منطقتنا الغارقة في العصبية : الدينية والمذهبية والعرقية والسلالية هو تهديد العصبية التي تعمى تحت تأثير أشعتها الصادة العقول والقلوب ، فأي مكان للديمقراطية في شعوب تصوت على خلفيات مذهبية أو طائفية أو قبلية او سلالية أو ربما حزبية تقوم على هذه الخلفيات ؟! ...

الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم واجه هذه الظاهرة الخطيرة بالتحذير منها ابتداء فهي منتنة وهي دعوى الجاهلية . ثم حاول احتواء الحالة الضاربة في أعماق اللاوعي العربي بنوعين من الخطاب ؛ الأول حديث خبري ساير فيه واقع المجتمع بما هو قائم فقال ( الأئمة من قريش ..) قريش القبيلة ذات العصبية التي قال عنها أبو بكر يوم السقيفة مخاطبا الأنصار : لقد علمتم أن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش ، وفي الوقت نفسه ندب رسول الله المسلمين بحديث أخرجه مخرج ( الأمر ) ، والذي أول دلالته الوجوب ، ودعوة للارتقاء إلى أفقه فقال : ( اسمعوا وأطيعوا ولو ولي عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ) . الحديث الذي تم القفز عليه في تاريخ الفكر السياسي لفقهاء الإسلام .

عمليا ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم يواجه إباء النفوس بطرائق من العلاج العملي فيتفنن في تولية أمرائه وقادة سراياه وجيوشه ومن يوليهم على المدينة في تولية الصغار على الكبار ، وحديثي الإسلام على سابقيه ، والضعفاء على الأقوياء . وأكثر من مرة ولى ابن أم مكتوم الضرير على مدينته أثناء غيابه عنها .

وكما اعتبر مالك بن نبي رحمه الله القابلية للاستعمار حالة من حالات الارتكاس الفكري والحضاري للمجتمع ، فإن القابلية للتبعية خلف كبير من الكبراء على أي خلفية كانت ( الادعاء ) أو ( الخلع ) والادعاء ما يدعيه الإنسان لنفسه ، والخلع ما يخلعه عليه لأتباع ، فما أكثر ما يخلع الأتباع على كبرائهم ما لا يدعونه لأنفسهم ..

لن تلام العقائد ولا الشرائع ولا الملل والنحل ما دامت العقول والقلوب تستطيب أن تتبع ويلذ لها أن تنقاد . إنها أزمة خانقة تستحكم في العقول والقلوب تضرب عالمنا تاريخيا على محور طنجة - جاكرتا . أزمة صناعها وأبطالها هم ضحاياها من حيث يعلمون أو لا يعلمون ...

وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا ...

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

المنظور الروسي وخطة دي ميستورا .. سلامة كيلة

العربي الجديد - الخميس 27-11-2014

تبدو روسيا منشغلةً بترتيب حل في سورية، حيث طرحت الأمر مع أميركا، وتوافقا على العودة إلى جنيف 2، ودعت شخصيات معارضة إلى موسكو، منها معاذ الخطيب، واستقبلت وفداً من السلطة، وذلك كله في سياق التحضير لحوارٍ، ربما يفضي إلى العودة إلى جنيف 3.

من كل ما تسرّب، لا يبدو أن المنظور الروسي قد اختلف عما كان في جنيف 2، أي محاولة إقناع بعض أطراف المعارضة المشاركة مع بشار الأسد في الحكم (بعد تقليص صلاحياته)، على الرغم مما قيل لمعاذ الخطيب، إن روسيا ربما باتت توافق على رحيل الأسد. وكرر الروس ذلك مراراً في فترات سابقة، لكنهم لم يستطيعوا تجاوز التمسك ببشار الأسد. وهذا ما ظهر في جنيف 2، وأدى إلى فشله أصلاً، حيث أن من يريد التوصّل إلى حل، ويعرف أن بقاء الأسد لا يساعد عليه، يعمل على الإتيان بوفد لا يمثل الأسد، بل يمثّل طرفاً في السلطة، يوافق على مبادئ جنيف 1، ويقبل بتشكيل هيئة انتقاليةٍ بمعزل عنه. فهذا ما يمكن أن ينجح الوصول إلى حل، ولكن، ما زال الروس يناورون لبقاء الأسد، ربما لأن إيران هي التي تمسك بالسلطة، وما زالت لم تتنازل عن بقاء الأسد في الحكم، وربما لأن المصالح الضخمة التي حصلوا عليها أتت عن طريق الأسد نفسه، وبالتالي، يشعرون أن رحيله سوف يفقدهم ما حصلوا عليه، نتيجة أزمة النظام، وحاجته إلى دعم روسيّ. أو، أخيراً، لعجزهم عن تغيير المعادلة داخل بنية السلطة ذاتها.

وفي هذا السياق، تُطرح خطة دي ميستورا التي تنطلق من "تسكين" الصراعات، اعتماداً على بعض "الهدن" التي تمت في السنة الأخيرة، وصولاً إلى تشكيل "حكومة انتقالية"، يرأسها الأسد، ليغادر بعدها المسرح. وهي الخطة التي تبدو مدعومة من روسيا، وتحبذها السلطة، لأنها تسمح لها بأن تتحكم في مواقع الصراع، من دون أن تقدّم شيئاً مهماً. وإذا كان ظرف الحصار الشديد الذي تفرضه السلطة على مناطق عديدة إلى حدّ خنقها وتجويعها هو ما يفرض تلك الهدن التي تحتاجها السلطة، لتركيز معاركها، بعد أن فقدت جزءاً مهماً من قوتها، وعدم مقدرة حزب الله والميليشيات الطائفية العراقية وإيران على ملء كل مواقع الصراع، فإن تحويل الأمر إلى بداية حل لا يقود سوى إلى تسهيل الأمر على السلطة، لكي تمركز قواتها في المعارك ضد الثورة (خصوصاً أنها لا تقاتل داعش)، كما أن بقاء بشار الأسد لا يفتح على تحقيق حل بأي شكل كان، حتى وإن وافقت أطراف في المعارضة، أو الذين دسّوا في المعارضة.

يتعلق الأمر، هنا، بقناعة القطاعات الشعبية التي بقيت، أو التي هُجِّرت، والمقاتلين بأن قبولهم الحل الذي ليس هو مطمحهم يفترض تحقيق "إنجاز"، كما حدث في الثورات الأخرى، أي إطاحة الرئيس. فالثورة انطلقت من أجل تحقيق مطالب في التغيير الاقتصادي والحرية السياسية، أي بالتخلص من مجمل النظام السياسي الاقتصادي القائم، لكن كل ظروف الثورة وملابساتها، والتدخلات الإقليمية والدولية المضرّة بها، باتت تفرض قبول "حدّ أدنى"، هو بالضبط إزاحة الرئيس وحاشيته. وحده هذا الأمر يقنع بوقف الصراع والانتقال إلى السياسة. وهذا يقتضي أن يزاح الرئيس قبل بدء الحل، أو أن يكون المدخل إلى بدء الحل.

ربما تناور روسيا للإتيان بمعارضةٍ تقبل حلها، لكن المعارضة التي ستقبل هذا الحل ستسقط، بالضرورة، لأنها لا تمتلك التأثير أصلاً على واقع الثورة، وحتى المعارضة الخارجية لن يكون لها أثر، في حال قبلت هذا الحل. لذا، ستفشل لعبة إدخال معارضة جديدة، على الرغم من أن الأمر لا يعني حصر الحل في المعارضة الخارجية التي هي أسوأ، وأهزل، وأعجز، من أن تلعب أي دور. أساس الحل هو "ارحل".

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

لا "داعش" ولا واشنطن .. أمجد ناصر

العربي الجديد - الخميس 27-11-2014

لا حركة فعلية، على جبهة الحل السياسي في سورية، ولا اختراق عسكرياً، أيضاً. كل ما هنالك أن النظام السوري يجني فوائد "موضعية" من ضربات "التحالف" قواعد "داعش" و"النصرة"، وهذا لا يغيّر كثيراً في وضع القوى شبه المستقر على الأرض. الحل السياسي في سورية ممكن أكثر من أي وهمٍ بحسم عسكري، لصالح النظام أو المعارضة، لكنه لا يزال بعيد المنال، والأمر، كما يعرف الجميع، يتعلق بـ"تفاهمات" و"تسويات" خارجية، لا تلعب فيها "الأطراف" المحلية أدواراً حاسمة، بما في ذلك نظام بشار "الطرف" العسكري الأقوى في المعادلة. الحل في سورية خارج سورية، وليس في أيدي السوريين، بمن فيهم بشار نفسه، المتشدّق بالسيادة والاستقلال في الرأي والقرار. ولا يشكل وضع دي ميستورا، بعد فشل مهمتي الأهم منه، كوفي أنان والأخضر الابراهيمي، دفعاً على سكة الحل السياسي. القصة أن "العالم" يريد القول إنه لم يتخلَّ عن محاولات الحل السياسي، وإن تركيزه منصبّ، الآن، على قتال "داعش"، لم يصرفه عن مأساة الشعب السوري، وربما للايحاء بأن بشار لا يزال طرفاً في "الأزمة"، وليس طرفاً في الحلف الدولي ضد الإرهاب. فالكل يعلم أن لا قدرة لمبعوث دولي، مهما علا شأنه، على إخراج سورية من الظلمات بقدراته الذاتية، فالأمر منوط بتوفر "توافق" بين أجندات ومصالح تتصارع على الأرض السورية (والعراقية استطراداً)، ولا يبدو أن هناك فرصة متاحة، حالياً، لهذا النوع من التوافق الذي قد يوقف الحرب في سورية بمكالمة هاتفية.

متى يمكن لهذا "التوافق" أن يتوفر؟ الجواب يكمن، في ظني، بما ستسفر عنه الحرب الأميركية الجديدة على الإرهاب، وهذه عكس سابقاتها، تأتي بناء على ما يشبه المناشدة العربية الرسمية والشعبية، لدحر الذين يجزّون الأعناق أمام الكاميرا. ولكن، لا "المناشدة" "المساعدة" العربيتان كفيلتان بإحداث فرق حقيقي في نتائج هذه الحرب. لذلك، على العرب ألّا يفاجأوا بأن تسفر الحرب الجديدة التي لا تزال تستجمع حديدها الجرّار من جهات شتى، عن تقاسم نفوذ، مرة ثالثة، بين طهران وواشنطن. فمن قبل، حصل هذا "التقاسم" في أفغانستان، على الرغم من أن السعودية دفعت لدحر الشيوعيين "الكفار"، وحدها، نحو عشرين مليار دولار، وبعدها سلمت أميركا العراق كاملاً إلى إيران، على الرغم من أن الحرب الأميركية عليه انطلقت من أراضٍ عربية. فالطرفان القادران على الحسم في المسألة السورية هما واشنطن وطهران، وأي طرف ثالث، بما في ذلك موسكو، مجرد "عامل مساعد".

لبنان، سورية، العراق، اليمن، البحرين، وربما نصف فلسطين، هي أوراق إيران على مائدة المفاوضات، عندما يحين حينها، أو عندما يربط الإقليمي بالشأن النووي في المفاوضات بينها وبين الغرب، فماذا لدى العرب الذين تدورالحروب على أرضهم؟

لا شيء. لدى بعضهم "داعش". ولدى آخرين واشنطن. وهذان خياران، أحلاهما مرّ. "داعش" كارثة على كل المستويات، ومن يشدُّ أزره بها كمن يرمي بنفسه إلى التهلكة، أما واشنطن فهي لا تقطع الرؤوس أمام الكاميرا، لكنها أخرجت بلداً عربياً، كالعراق، من التاريخ، وربما الجغرافيا، بعدما أحدثت فيه دماراً وتفتيتاً في نسيجه الاجتماعي، وجعلت منه لبنان آخر في المحاصصة الطائفية التي يصعب أن يخرج من نفقها المظلم لأمد طويل. لم تقطع واشنطن عنقاً أمام الكاميرا، ولكنها دكت مدناً بـ"التوما هوك"، وكانت في صميم كل حروب إسرائيل ضدنا.

لا "داعش" التي فتحت باباً لحرب جديدة علينا، ولا أمثالها، خيارنا ولن يكونا. ولا واشنطن التي كما خرجت من باب في المنطقة عادت من الشباك، هي حليفنا. فحليف إسرائيل، بل ضامنة وجودها في الحياة، لا يمكن أن تكون حليفاً.

ما حكّ جلدك مثل ظفرك. ولكن، ألم نقصف ظفرنا، قبل أن يشتدَّ عوده ويتصلَّب؟

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

مقترحات دي ميستورا في سورية: تسويات صغيرة وعوائق كبيرة .. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

العربي الجديد- الخميس 27-11-2014

يسعى ستيفان دي ميستورا، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى سورية، لحشد التأييد الدوليّ والإقليميّ، لمقترحاته المتعلقة بـإقامة مناطق صراع "مجمَّدة" في مناطق سوريّة مختلفة، وفي مقدمتها مدينة حلب، والتوصل إلى هدناتٍ، أو مصالحاتٍ مؤقتةٍ، تتيح ممارسة إدارة ذاتيّة في هذه المناطق، ويجري التعبير عن هذه الإدارات، من خلال مجالس محليّة منتخبة، أو توافقيّة، يتمّ فيها تمثيل فصائل المعارضة المسلحة، بحسب حجم كلّ فصيلٍ وفاعليته. ولكن، ثمة عوائق جمّة تحول دون نجاح هذه الخطة التي تستهدف تحقيق تسويات محلية.

خطة لتحريك الجمود

عُيِّن دي ميستورا في منصبه الحالي في مطلع يوليو/تموز 2014 مع انسداد أفق الحل السياسيّ في الأزمة السورية، وذلك بعد فشل مؤتمر "جنيف 2"، وعجز الأطراف الراعية للمؤتمر عن إطلاق جولة جديدة من المفاوضات بين النظام السوري والمعارضة، ثمّ إصرار النظام على إجراء الانتخابات الرئاسيّة في سورية في 3 يونيو/حزيران 2014، والتي نسفت ما تبقى من آمال المبعوث السابق، الأخضر الإبراهيمي، بشأن بيان "جنيف 1"، والمتعلق بإنشاء هيئة حكم انتقاليّة، كاملة الصلاحيات، تمهِّد الطريق إلى حلٍ شاملٍ للأزمة.

 

وقد تزامن تعيين دي ميستورا مع صعود تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وتوسّع نفوذه بعد سقوط الموصل في 10 يونيو/حزيران 2014، وسيطرته على مساحات واسعة في سورية والعراق، ثمّ إعلانه الخلافة الإسلامية في 29 يونيو/حزيران 2014؛ ما أدى إلى تراجع الاهتمام الدوليّ بالحل السياسيّ للأزمة السوريّة، في مقابل تركيز القوى الكبرى، وخصوصاً الولايات المتحدة، على أولوية التفاوض مع إيران حول ملفها النووي من جهة، واحتواء تنظيم "داعش" ووقف تمدِّده في العراق، وحرمانه من " الملاذات الآمنة" في سورية، من جهة أخرى.

 

واعتمادًا على قراءته التشابك الدوليّ والإقليميّ، وتناقض المصالح وتغيّر الأولويات، واستنادًا إلى تجربته الشخصيّة، وسيطٍ دولياً في صراعات، مثل كوسوفو ولبنان والعراق والسودان وغيرها، وعمله ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في أفغانستان، انطلق دي ميستورا من فكرة أنّ الأزمة السوريّة نزاع أهليّ مركّب، وأزمة دوليّة بالغة التعقيد، يصعب حلها في المدى المنظور، أو المتوسط.

 

الأخضر الإبراهيمي

لذلك، اختار مدخلًا يختلف عن نهج سلَفَيه، كوفي أنان والأخضر الإبراهيمي، وركز على حلولٍ جزئيّةٍ وأهدافٍ متواضعةٍ، تتمحور حول خفض مستوى العنف وتحسين وصول المساعدات الإنسانية، وزرْعِ ما سماها "بذوراً لعملية سياسية شاملة"، بدلًا من الاستمرار في الرهان على توافقٍ دولي وإقليمي، يؤدي إلى وضع بيان "جنيف 1" موضع التنفيذ.

بمعنى آخر، لم يقدِّم دي ميستورا تصورًا لحلٍ شاملٍ للأزمة، بل قدّم ما يعتبرها محاولةً "لتحريك" العجلة لإيجاد حلٍ لها. وبهذا، فهو لا يفكّر بحلٍ جذريٍ للأزمة السوريّة، بل بحلٍ لمهمته، بحيث تحقق نجاحًا ما في شأنٍ ما.

رهانات دي ميستورا

راهن دي ميستورا على موافقة النظام السوري وإيران على مقترحاته التي تتطابق شكليًا مع مشروعهما، والذي بُدئ فعليًا العمل بمقتضاه في مطلع العام الحاليّ، عبر عقد هدناتٍ مؤقتةٍ ومصالحاتٍ في مناطق حيويّة محاصرة، يصعب استرجاعها عسكريًا، فقد حققا من خلاله، ومن دون دي مستورا، اختراقات في جبهات مهمة مثل المعضمية، وببيلا، وأحياء دمشق الجنوبيّة، وحي الوعر في حمص، بالإضافة إلى اتفاق خروج المقاتلين من حمص القديمة.

كوفي عنان

لكنّ مشروع الهدنات السابق يختلف عما يطرحه دي ميستورا في بعض التفاصيل المهمة؛ فبينما يشترط النظام وقف إطلاق النار، وتجريد مناطق الهدنات من الأسلحة الثقيلة في مقابل إدخالٍ جزئي للمساعدات الإنسانيّة وتسوية أوضاع المطلوبين لديه، ما يمكّنه من خرق الهدنة، واقتحام المناطق، بعد أن ضمن تجريدها من سلاحها الثقيل (كما جرى في حمص القديمة، ويجري الآن في حي الوعر)، فإنّ دي ميستورا يطرح تجميدًا للصراع، بحيث يحتفظ كل طرفٍ بقدراته العسكرية.

لذلك، وعلى الرغم من ترحيب رئيس النظام السوري بتصريحات المبعوث الدولي، بعد لقائهما في دمشق في 12 سبتمبر/أيلول 2014، عن إعطاء الأولوية لمكافحة الإرهاب، وضرورة إطلاق حوارٍ وطني داخلي، فإنه تجنّب إعطاء موقفٍ واضحٍ من المبادرة المطروحة، مكتفيًا بالقول "إنها جديرة بالدراسة".

في المقابل، يتجاهل دي ميستورا مرجعية الحل السياسيّ التي قبلت بها المعارضة في "جنيف 2". وتنقسم المعارضة تجاه مقترحاته بين رفضٍ مطلقٍ (بعض أعضاء الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، والحكومة المؤقتة، وفصائل من المعارضة المسلحة)، وقبولٍ مشروطٍ، عبَّر عنه رئيس المجلس العسكري في حلب، العميد زهير الساكت.

ولا يقتصر الانقسام تجاه مبادرة دي ميستورا على المعارضة السياسية والعسكريّة فحسب، وإنما يمتد إلى الشرائح الشعبية المناهضة للنظام، بين من يرى أنّ الأفكار المطروحة حلولٌ مجتزأة، تمثِّل انقلابًا على الثورة، واستسلامًا للنظام، وتفريطًا بما جرى تقديمه من تضحيات، وبين آخرين ينظرون إليها بوصفها تجميدًا مؤقتًا للحرب يخفِّف مأساتهم ومعانتهم.

ويعدّ الانقسام الراهن امتدادًا لنقاشٍ احتدم سابقًا، بشأن جدوى الهدنات والمصالحات المحلية والمبادرات التي أطلقها رئيس الائتلاف السابق، معاذ الخطيب، بما فيها زيارته أخيراً موسكو. وفي ضوء ذلك، ومع استمرار المعاناة وتغيّر الأولويات الدوليّة، يستمر دي ميستورا في حشد الدعم لمقترحاته، معوِّلًا على عدم ممانعة القوى الدوليّة والإقليميّة الفاعلة في الأزمة السوريّة، وعلى قبولٍ غربي ضمني، ولاسيما أنه يطرح أفكاره تحت عنوان "وقف تقدّم داعش".

كما يعوِّل دي ميستورا على دعمٍ روسي لمقترحاته، والضغط على النظام لقبولها، بشكلها الحاليّ، من دون أي تعديلٍ على غرار مبادرة نزع السلاح الكيماوي. ومن ثمّ، يأمل أن تُطرح المبادرة على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بحيث يجري تبنيها مشروع قرارٍ ملزمٍ لجميع الأطراف، لوقف إطلاق النار في عموم سورية، أو في بعض الجبهات الساخنة على الأقل، وبطريقة تجعلها مكمّلة لقرار مجلس الأمن 2139 القاضي بإيصال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة، ودعوة جميع الأطراف لـ "وضع حـدٍ فـوري لجميع أعمـال العنـف الـتي تـؤدي إلى المعاناة الإنـسانية في ســورية".

عوائق تعترض سبيل المبادرة

على الرغم من ترحيب أطرافٍ داخليةٍ وخارجيةٍ عدة بمقترحات دي ميستورا، فإنّ ترجمتها العملية تصطدم بعوائق عديدة، تعبِّر عنها (وإن بشكلٍ مواربٍ) مواقف هذه الأطراف.

النظام وإيران: يتشابه مقترح دي ميستورا شكليًا مع مشروع الهدنات والمصالحات الذي بلورته إيران صيغةً لحل الأزمة السورية، وألزمت النظام بتنفيذه، لكنه يختلف، في تفاصيله المهمة وفي آلية التنفيذ. وترى إيران أنّ الموازين العسكريّة الحاليّة ترجّح كفّة النظام بشكل واضح، ولاسيما أنّ ضربات التحالف الدوليّ ضد تنظيم "داعش"، وضد حركات أخرى، مثل جبهة النصرة وأحرار الشام، أفادت النظام، وعزّزت موقفه العسكريّ، خصوصاً في حلب، وذلك باعتراف المسؤولين الأميركيين.

وعلى الرغم من أهميّة مدينة حلب بالنسبة إلى النظام، فإنه يفتقد للعدد والعتاد اللذين قد يمكّناه من حسم المعركة فيها. لذلك، ربما يتجاوب النظام مع مقترح دي ميستورا في ما يتعلق بمدينة حلب فحسب، لكنه سيستمر في مسعاه، للسيطرة على الريف الشماليّ لحلب، وفك الحصار عن بلدتي نبل والزهراء، واستخدامهما قاعدة عسكرية للانطلاق باتجاه المدينة غربًا، ومحاربة تنظيم "داعش" في الريف الشرقي، وتقديم نفسه طرفاً ميدانياً، يساعد التحالف في وقف تمدِّده.

وفضلًا عن ذلك، يخشى النظام وإيران من ترويج مقترحات دي ميستورا دوليًا لتتحول إلى قرارٍ دولي ملزم. لذلك حرص، كعادته، في التعاطي مع المبادرات السياسية، على إبداء مرونة في دراسة المقترحات، من دون التزام قبولها. وفي هذا الإطار، أيضًا، يمكن فهم موقف علي أكبر ولايتي، مستشار مرشد الثورة، علي خامنئي، للشؤون الدولية، والذي رفض في 1 نوفمبر/تشرين ثاني 2014 طرح دي ميستورا إقامة ما أسماها "مناطق آمنة" في سورية.

سوري وابنته وسط دمار خلفه في شارع في حلب قصف جوي من النظام (يوليو/2014/أ.ف.ب)

المعارضة المسلحة: يقترح دي ميستورا هدنات ومصالحات في مناطق تسيطر عليها المعارضة المسلحة، لكنه يتجاهل قدراتها ووضعها ومواقفها من مقترحاته. فعلى سبيل المثال، نجده يطالب بتجميد الوضع العسكريّ في مدينة حلب، وإلى التفات فصائل المعارضة إلى محاربة "داعش" والحركات الجهادية، بيد أنه يتجاهل حقيقة عدم وجود فصائل قوية تابعة للجيش السوري الحر في المدينة، للقيام بذلك؛ فجبهة النصرة وجبهة أنصار الدين اللتان يصنفهما الغرب حركات إرهابية، فضلًا عن حركة أحرار الشام، المستهدفة بقصف التحالف، هي الفصائل الأكبر والأكثر تأثيرًا في المعادلة العسكريّة في المدينة. لذلك، من غير المفهوم كيف ستجمِّد هذه الفصائل القتال من أجل أن يتفرّغ التحالف لاستهدافها.

كما أنّ التطورات الأخيرة في عموم الشمال السوريّ، وتعاظم نفوذ جبهة النصرة وجماعة جند الأقصى المتحالفة معها، وتراجع الجيش الحر، ينزع الواقعيّة عن الأفكار المطروحة.

الموقف التركي:تجنّبت الحكومة التركية، حتى الآن، التعليق رسميًا على مقترحات دي ميستورا، لكنّ مؤشرات عدة تشير إلى تباينٍ في المواقف واختلافٍ في الرؤية. ففي الوقت الذي يسعى المبعوث الدولي لتجميد القتال في حلب، والتفرّغ لقتال "داعش"، تحذِّر تركيا من احتمال سقوط المدينة بيد النظام، وما قد يترتب على ذلك من موجة لاجئين كبيرة. كما تربط مشاركتها في التحالف الدولي ضد تنظيم "داعش" باستهداف نظام بشار الأسد، وإقامة منطقة آمنة، وفرض حظر جوي فوقها.

بالإضافة إلى ذلك، أثارت تصريحات دي ميستورا ودعوته إلى فتح الحدود أمام متطوعي حزب العمل الكردستاني، المصنَّف تركيًا حزباً إرهابياً، للتال إلى جانب وحدات الشعب الكردية ضد "داعش" في مدينة عين العرب، حفيظة الحكومة التركية؛ إذ رفضت هذه الدعوة، ووصفتها بأنها "غير مسؤولة". لذلك، وبخلاف جولاته في معظم الدول الفاعلة والمؤثرة في الأزمة السوريّة، تجاهل دي ميستورا زيارة تركيا حتى الآن.

ونظرًا إلى دور تركيا المهم والمؤثر في الشمال السوريّ، فإنّ طرح مقترحات لتجميد القتال في حلب، من دون التنسيق مع تركيا، يبدو "غير واقعي".

الموقف الروسي: مع تعطّل الحل السياسيّ، وظهور تنظيم "داعش"، تراجع الحضور الروسيّ في الأزمة السوريّة، في مقابل اندفاعٍ وتدخلٍ عسكريّ غربي وإقليمي. وعلى الرغم من أنّ الضربات الجويّة للتحالف الدولي ضد "داعش" أفادت النظام السوري حليف روسيا، فإنّ الأخيرة تخشى من تغيّر الخطط والأهداف المعلنة في مراحل مقبلة.

وقد عزّز من مخاوفها تجاهل الولايات المتحدة مطالبها باستصدار قرارٍ من مجلس الأمن، ينظِّم عمليات التحالف في سورية، ويحدِّد أهدافه بدقة. وترى روسيا أنّ حضور الغرب في الأزمة السوريّة عبر بوابة التحالف ومحاربة "داعش" قد يهمّش تدريجيًا دورها المحوري في حلٍ مستقبلي للأزمة. لذلك، وعلى الرغم من ترحيبها بمقترحات دي ميستورا، فإنّ روسيا ترى ضرورة تفعيلها في إطار أشمل، وإعادة إحياء عملية سياسية، تجمع طرفي النزاع في جولة مفاوضات جديدة، تحت مسمى مؤتمر "موسكو 1" أو "جنيف 3".

كما تنظر موسكو للمتغيّرات في الملف السوريّ، ولاسيما بعد صعود تنظيم "داعش" وتقدَّم النظام، كفرصةٍ يمكن استغلالها لتعظيم مصالحها، وتبني رؤيتها في أي مفاوضات قادمة. ولتفعيل ذلك، استقبلت روسيا شخصيات من المعارضة السوريّة، لا تمانع في العودة إلى المسار التفاوضي لحلّ الأزمة، كما وجهت دعوة إلى وفدٍ من النظام، لإقناعه بسلوك المسار نفسه. ولهذا، من غير المرجح أن تدعم روسيا مقترحات دي مستورا. كما أنّ تبني هذه المقترحات عبر قرارٍ ملزمٍ من مجلس الأمن قد يسهم في تهميش الدور الروسي في الأزمة السوريّة.

وعلى الرغم من أنّ مقترحات دي مستورا تحظى بفرصةٍ للتنفيذ، فإنّ العوائق التي تنتظرها كبيرة؛ ما يعزّز احتمال استمرار حال الاستعصاء الراهنة في الأزمة السوريّة.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

لماذا التسويف في سوريا؟ .. عثمان ميرغني

الشرق الاوسط- الخميس 27-11-2014

رغم التسريبات الأخيرة عن خطة مرحلية للحل في سوريا وما أثارته من ضجة، فإن هناك مؤشرات قوية على أنه لا حل في الأفق، وأن المجتمع الدولي ما زال يتخبط في تعامله مع الأزمة السورية.

استقالة أو إقالة وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل قبل أيام قليلة جاءت لتؤكد هذا الأمر ولتثبت أن سياسة البيت الأبيض إزاء سوريا ما تزال مضطربة، وأن التوجه العام هو التأجيل وترحيل الأزمة. فقد تحدثت مصادر أميركية عن أن هيغل كان قد بعث أخيرا بمذكرة إلى البيت الأبيض عبر فيها عن قلقه بشأن الاستراتيجية إزاء سوريا وطالب بموقف أكثر وضوحا فيما يتعلق بمستقبل نظام الأسد، كما حذر من أن تجاهل الموضوع السوري سيضر باستراتيجية أميركا لدحر «داعش».

إذا كان هذا موقف وزير الدفاع الذي وصف بأنه كان ينفذ سياسة البيت الأبيض بدقة رغم تحفظاته عليها، تصبح الخلاصة هي أن المشكلة في الاستراتيجية، وتصبح الرسالة هي أنه لا تغيير في سياسة الغموض والتردد، وأن التوجه هو ترحيل الأزمة والتركيز على مواجهة «داعش». إدارة أوباما كما يبدو تركز أيضا في هذه المرحلة على الملف الإيراني، وتستثمر كثيرا من الجهد والوقت في محاولة التوصل إلى تسوية فيه، وربما يصبح الملف السوري مرتبطا بما يحدث مع إيران، الحليف الأساسي لنظام الأسد. فإدارة أوباما كما يتردد تريد التعاون مع إيران، حتى ولو بشكل غير مباشر، في الحرب على «داعش»، وترى دورا لها في الحرب على الإرهاب سواء في العراق أو في سوريا.

الصورة تصبح أكثر التباسا لأن النظام السوري يستفيد بلا شك من غارات التحالف على مواقع «داعش»، ولم يخف اغتباطه بها إلى حد أن بعض وسائل إعلامه تحدثت عن حرب «في خندق واحد» مع أميركا ضد الإرهاب. فحتى إذا اعتبرنا أن النظام السوري يبالغ في هذا الوصف، فإن ما يجري تسريبه في العواصم الغربية عن خطط «للتهدئة» المرحلية في سوريا عبر هدنات محلية بين النظام والمعارضة «المعتدلة»، يؤكد أن التفكير السائد هو تأجيل البت في مصير النظام السوري وتخفيف الضغط على قواته لكي تواجه «داعش». بمعنى أوضح بات النظام السوري جزءا من الاستراتيجية الغربية لمواجهة ما يسمى «الدولة الإسلامية» ودحرها.

آخر تسريبات خطط «التهدئة» تمحور حول تقرير بعنوان «خطوات لحل الصراع السوري» أعده معهد الحوار الإنساني، وهو مركز دبلوماسي مقره جنيف. خطة التقرير جرى تداولها على نطاق واسع بعد تسريبها من قبل أحد أعضاء المركز الذي أرسل تفاصيلها إلى عدد من الصحافيين والمهتمين، وبالطبع فإن تسريب أمر إلى الصحافة يعني أن الغرض هو النشر مهما قيل خلاف ذلك. اللافت أيضا أن التسريب تزامن مع إعلان ستيفان دي ميستورا، المبعوث الثالث للأمم المتحدة منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011. عن اقتراح أو بالأحرى خطة للتهدئة، تنطلق بداية من «تجميد» القتال في حلب، لتخفيف المعاناة الإنسانية في المدينة. ويرى دي ميستورا أن الخطة إذا نفذت، ستكون نموذجا لاتفاقات أخرى في مواقع مختلفة.

هذا الطرح ذاته يمثل جوهر التقرير - الخطة الذي أعده خبراء معهد الحوار الإنساني وتوصلوا فيه إلى أن التهدئة المرحلية عبر اتفاقات هدنة محلية في المدن والمواقع المختلفة قد تشكل النموذج الأفضل لوقف العدائيات. ويستند المعهد في رؤيته هذه إلى صعوبة التوصل إلى اتفاق شامل للهدنة بسبب تعدد الفصائل المعارضة والخلافات والتباينات بينها، ويرى أنه في غياب أي خطة بديلة واضحة من الدول الغربية وبالذات من الولايات المتحدة فإن الأمل الوحيد هو في تحقيق تهدئة متدرجة عبر اتفاقات هدنة جزئية ومحلية. وتفترض هذه الخطة أن تتبع الهدنات الجزئية، انتخابات للمجالس المحلية، وأن يهيئ ذلك لانتخابات عامة تحت إشراف دولي.

التقرير فيه خلاصتان ستصيبان المعارضة بالإحباط؛ الأولى أن «الحل في المستقبل القريب لا يتمثل في انتقال السلطة أو تقاسمها، بل في تجميد القتال والإقرار بأن سوريا أصبحت لا مركزية بفوهة البندقية». أما الخلاصة الثانية كما نشر في التسريبات فهي أنه من الأفضل الحفاظ على بنية الدولة حتى لو كان ذلك يعني بقاء سلطة النظام للمستقبل القريب، بدلا من المغامرة بانهيار النظام وضياع الدولة بوقوعها في أيدي «الجهاديين» الذين يتمددون على حساب المعارضة المعتدلة.

الأزمة السورية ستبقى كما يبدو في غرفة الانتظار لأنه لا توجد استراتيجية واضحة للحل، والمطروح الآن لا يعني سوى التأجيل سنوات قد تتغير خلالها الأوضاع والحسابات، أو في أسوأ الأحوال تتفكك سوريا بين الأطراف المتصارعة، مثلما تفكك العراق في ظل الفوضى، والصراعات الداخلية والإقليمية، والحسابات الدولية. فنحن نعيش كما يبدو مرحلة تدمير الدول وتفكيكها من الداخل.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

بأي ذنب قتلت؟ .. د.خالص جلبي

الاتحاد- الاربعاء 26-11-2014

حين سمعت برجم امرأة في سوريا على يد تنظيم «داعش» الإرهابي، تذكرت طائفة من الآيات.

القرآنية الكريمة، فالله سبحانه وتعالى يغفر للفتيات من عالم البغاء «إن أردن تحصناً»، لكن لا غفران ولا رحمة للقوادين والجلادين وحملة السيف والحجارة والساطور..بغير حق وخارج إطار القانون.

لقد تهاوت الحجارة على الجبين اللطيف لتلك المرأة المسكينة، فهوت إلى الأرض بأنات ضعيفة، تشتكي إلى الله الذي كتب على نفسه الرحمة الأبدية..ألا ليرحمك الله أيتها الشهيدة المجهولة، قسماً لئن وطئت بقدمي أرض الحرية من سوريا لأجعلن من مكان موتك حناناً.

لقد تذكرت سورة التكوير، باستنفار كوني من الشمس والنجوم والعشار والبحار والجبال والوحوش: «إذا الشمس كورت، وإذا النجوم انكدرت، وإذا الجبال سيرت، وإذا العشار عطلت، وإذا الوحوش حشرت، وإذا البحار سجرت، وإذا النفوس زوجت، وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت».

مشاهدٌ مشتركة من شمس تعلن توقفها عن بث النور، ونجوم تعكر مزاجها، وسماء تكشط، وجحيم تسعر، ونظام كوني يدخل لحظة الاضطراب فيتعطل، ووحوش تأتي للشهادة على وحوش البشر، في مناظر الظلم واحتقار المرأة، وتقف المحكمة الكونية لتعلن ماهو الذنب الذي ارتكبته هذه المخلوقة حتى تدفن بوابل الحجارة!

لقد بدت ليس السيدة التي كانت تقاد للإعدام، كما لو كانت أكثر القوم اتزاناً ورحمة وقرباً من الله جل وتعالى.

تذكرت حديث المرأة البغي من بني إسرائيل، والتي قدمت الماء لكلب ليغفر الله لها فتدخل الجنة بشربة ماء تطفئ به عطش حيوان بهيم، أين هؤلاء القوم من كل هذا التراث، وما فيه من معاني الرحمة واللطف والرفق؟ ألا إن هؤلاء قوم انتزعت الرحمة من قلوبهم فتحولوا وحوشاً في صورة آدميين.

استعرضت الشريط والحجارة الثقيلة تهوي على الجسم اللطيف الناعم، صانع الحياة، ومربي الأطفال، وناقل الثقافة.. فقلت أي دين وأي فكر تحمله هذه الكائنات؟ إنه عصر التيه والظلمات السياسي في التاريخ العربي الحديث.

أتذكر جيداً من ذكريات شبابي حين عكفت على كتاب تفسير سورة النور لأبي الأعلى المودودي، وكيف حاول إيصال حد الرجم إلى حافة المستحيل، في حادثة المغيرة بن شعبة وأم جميل، وكيف انتهى عمر رضي الله عنه بعد التحقيق في الواقعة، والتي اتهم فيها حاكم الكوفة بالزنا، أن اكتشف اختلاف شهادة الرابع منهم عن البقية، فجلد الأربعة 320 جلدة، موزعة بثمانين جلدة لكل قاذف.

المجتمع الإسلامي، حسب فهمي لروح القرآن، لا مكان فيه للتجسس على الناس، بأنظمة أمنية لانهاية لتشعباتها وشعبها، ولا مكان فيه لكثرة السؤال والتحقيقات، ولا مكان فيه للغيبة والنميمة..لا مكان فيه للسخرية وانتقاص الآخرين.

بكلمة جامعة الإنسان في هذا المجتمع محترم مصان الكرامة والاعتبار والحرية.

ولعل ساخر أو ساخرة يسخر ممن هو خير منه! فبأي ذنب قتلت تلك المسكينة رجماً؟

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

الأطفال..كيف نعاقب قَتلَتهم؟ .. د. طيب تيزيني

الاتحاد - الثلاثاء 25-11-2014

في عصور مضت كان الناس يختلفون في الحكم على قاتل طفل، واختلف هؤلاء في ذلك، فمنهم من أعلن أن قتل طفل لا يعادله شيء. ورأى آخرون أن ارتكاب هذه العملية يعادل كل جرائم البشرية حتى الآن، مضافاً إليها ما يترتب على حدوث تسونامي بمستوى الكون برمته. أما المجموعة الأخيرة الثالثة من الذين أدلوا بدلوهم، فاقترحت أن يُترك القاتل لكلاب العالم كله، بحيث ينهشه كل واحد منها في عينيه الاثنتين، وحين ينتهي هؤلاء الكلاب كلهم من مهمتهم، يُطلب منهم أن يعاودوا القيام بتلك العملية مرتين اثنتين أخريين، ليقول البشر: كفى، فقد أعلنت أمهات الأطفال أو كادت تعلن أن قلوبهن حصلت على حقوقهن أو أقل قليلاً.

نذكر ذلك في سياق حدثين عالميين اثنين: يوم الطفل العالمي، وإعلان منظمات حقوق الإنسان، والطفل خصوصاً، إن زلزالاً صدع ضمائر البشرية من الأسى والحزن الفريد، حين أعلنت منظمات حقوقية الخبر التالي: إن سبعة عشر ألفاً ومائتين وثمانية وستين طفلاً سورياً قد قُتلوا بأشنع ما يكون القتل، منذ أربعة أعوام وإلى الآن، أي في إطار الانتفاضة السورية التي اندلعت في الخامس عشر من مارس 2011، هكذا إذن يتجلى المصاب الجلل، الذي اخترق قلوب السوريين وضمائرهم وكرامتهم.

والآن تبرز الأسئلة التي تبز غيرها جميعاً: لماذا حدث ذلك ولمِ كان هنالك صمت أو شبه صمت على الأطفال؟ أذكر بـ«اللقاء التشاوري» الذي حدث في أوائل الأحداث، وكان يمثل بادرة مُلفتة للجميع، بحيث يكون نقطة انطلاق جديدة لإعادة بناء البيت السوري، عبر ركائز أصبحت سيد الموقف في التأسيس لمشروع وطني ديموقراطي، وعليّ أن أذكر أن أصواتاً خرجت من اللقاء المذكور، راحت تنادي بأمرين اثنين عظيمين: سحب السلاح من الوطن العزيز، والبدء بتأسيس لجنة تأسيسية لمهمات المستقبل القريب في حينه.

لقد حاول المؤتمرون في مجموعات بارزة منهم أن يغلبوا كلمة التوافق والتفاهم والالتقاء «على كلمة سواء»، هي الحفاظ على سوريا وشعبها بخير، أي بالخير الذي يجنبها أنماط الصراع "غير المثمر تاريخياً"، نعني بذلك الصراع الذي طالما حاول الأعداء التاريخيون أن يأججوه استناداً إلى الطائفية البغيضة والعرقية والمذهبية. لكن المطلوب الآن البدء بما يجمع، وبما يجعل الواحد اثنين وثلاثة.. وخمسة وعشرين مليوناً، ولتكن ذكرى أطفال سوريا الخالدين وأطفالها الباقين، الأعلام التي يرى العالم فيها مشروعنا الوطني الديمقراطي.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

لؤي حسين يضعف الشعور القومي في سورية .. حسين عبد العزيز

العربي الجديد - الاثنين 24-11-2014

لم يلق اعتقال رئيس تيار بناء الدولة السوري، لؤي حسين، الاهتمام الكافي من المؤيدين والمعارضين السوريين على السواء، ليس لأن الرجل وتياره لا يملكون وزناً كبيراً في الساحة السياسية والاجتماعية السورية، كالائتلاف الوطني وهيئة التنسيق الوطنية فحسب، بل لأن الرجل اختط لنفسه تياراً وسطياً من الأزمة السورية (منزلة بين المنزلتين). ومثل هذه المواقف الوسطية في وقت الأزمات الكبرى (اتفقنا معها أو لم نتفق) تبدو رماديةً غير واضحة المعالم، ويزيد من رماديتها تعقد الأزمة وتشعبها. لذلك، سرعان ما تتعرض مثل هذه المواقف للاتهام والعمالة من معظم الأطراف، لا سيما التي تمثل حدي الأزمة، وتعتمد منطق الغلبة.

لم يمنع وصفه النظام السوري بالديكتاتوري، ومن ثم تحميله النظام سبب الأزمة، ورفضه مفاوضة النظام قبل وقفه العمليات العسكرية والأمنية، لم يمنع ذلك كله من اتهام المعارضة الخارجية له، ولأمثاله، بالعمالة للنظام أو أداة بيد النظام.

في المقابل، لم يمنع رفضه التدخل العسكري الخارجي، ومطالبته بالحفاظ على الدولة، وقبوله بحل سياسي للأزمة، عبر تشكيل سلطة ائتلافية تضم أشخاصاً من النظام والمعارضة، لم يشفع ذلك كله له عند النظام.

وصف بعضهم اعتقال لؤي حسين بالمسرحية الأمنية للنظام، من أجل تعويمه سياسياً في المرحلة المقبلة، مع ظهور إرهاصات أولية بدأت من موسكو عن حل سياسي للأزمة، كما فعل النظام تماماً مع رئيس جبهة التغيير والتحرير، قدري جميل، حين ترك منصبه وزيراً للتجارة بشكل مفاجئ، أو أقيل منه، ليستقر به المطاف في موسكو، ويكون جزءاً أساسياً من المشروع الروسي للحل السياسي. واعتبر آخرون لؤي حسين عميلاً للخارج، وإن كان بلباس معارضة داخلية، وتضاعف وصف العمالة له كونه علوياً، بعد خروجه عن معقول الطائفة وأدبياتها، ثم تضاعف هذا الوصف، في المرحلة الأخيرة، من كتاباته التي عكست خوفه من سقوط الدولة.

بغض النظر عن الاتفاق، أو الاختلاف، مع وجهة نظر لؤي حسين، فإن جوهر الموضوع هو اعتقاله، والتهمة التي نسبت إليه "إضعاف الشعور القومي ووهن نفسية الأمة"، وهي التهم الموجودة في أدراج الأنظمة الشمولية والجاهزة مسبقاً. كيف يمكن للمثقف والسياسي، وحتى المواطن السوري العادي، التصديق أن لؤي حسين أضعف الشعور القومي ووهن نفسية الأمة، هل المواطن السوري خالٍ من المصائب والكوارث، ولم يعد يعكر صفو حياته سوى لؤي حسين؟ مئات آلاف القتلى والجرحى، عشرات آلاف المعتقلين، دمار مدن وقرى بكاملها، ملايين النازحين والمهجرين، اقتصاد شبه متوقف، تحالف دولي يشن هجوماً في شمالي سورية، وتنظيم يمارس أبشع أنواع الإرهاب.

كيف يمكن لهؤلاء الذين يأملون بدولة تسودها الديمقراطية ودولة القانون وحرية الرأي الاقتناع أن النظام مستعد لقبول عملية سياسية، تنهي الأزمة، وتؤسس لمرحلة جديدة في سورية؟ كيف يمكن تصديق ذلك؟ والنظام ما زال غير قادر على تحمل المعارضة التي وصفها هو نفسه، يوماً، بأنها واعية ووطنية، في مقابل للمعارضة الخارجية غير الواعية وغير الوطنية؟

"

كيف يمكن للمثقف والسياسي، وحتى المواطن السوري العادي، التصديق أنّ لؤي حسين أضعف الشعور القومي ووهن نفسية الأمة؟

"

لماذا يعتقل لؤي حسين؟ هل فقط لأنه تجرأ، وقال إن الدولة أضحت، بنظر السوريين، كياناً مفارقاً لهم، وأن النظام عمل على تحطيم البنى الاجتماعية، كالقبيلة والطائفة، من دون بناء بنية وطنية، تقوم على المواطنة، ومن ثم تحذيره من انهيار الدولة السورية؟ (راجع مقاله في صحيفة الحياة في 24 يونيو/حزيران الماضي، السوريون لا يشعرون بحاجتهم إلى الدولة)، أم لقوله إن النظام عاجز عن حماية السيادة الوطنية؟ داعياً السوريين إلى القول الصريح والعمل العلني لإنقاذ دولتهم عبر تسوية سياسية، تستبدل النظام بسلطة ائتلافية من السلطة والمعارضة والشخصيات العامة، يكون لديها الأهلية لحماية البلاد (بيان تيار بناء الدولة في 2 / 11 / 2014).

هل تخطى رئيس تيار بناء الدولة الخطوط الحمر في مقالاته وبياناته، أم أن للمسألة وجه آخر، لأنه حاول التواصل مع الشباب السوري، وتشكيل موقف سياسي من الأحداث الجارية في بلده؟

اعتقال ﻟﺴﻴ، وقبله رجاء الناصر وعبد العزيز الخير، يسلط الضوء على الخيبات التي يتعرض لها أنصار الحل السلمي، ويبعث رسائل سياسية تؤكد رفض النظام هذا الطريق، كما رفض عند بدء الأزمة العمل السلمي الشعبي لصالح الحل الأمني.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

موقفنا : دماء على الفرات .. الرقة في مثلث الرعب والتدمير والإبادة .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 26 / 11 / 2014

أكثر من كل الأرض السورية المحترقة ، أصبحت الرقة بؤرة في مثلث الشر ، سيدها الرعب ، وعمرانها للتدمير وإنسانها للإبادة ...

أما الرعب فيبثه بين أبناء المدينة الوادعة الآمنة التي كانت يوما مصطافا لهارون الرشيد ، رجال غرباء التحفوا زورا عباءة الإسلام ، وانتموا بطلا إليه ، وشوّهوا مشروعه مشروع الرحمة والرفق ، وكانوا رسل الإثم والإفك ؛ فساموا الناس الخسف ، ونشروا بينهم الرعب ، بصور تقشعر لها الأبدان من العدوان على أبشار الناس ، وهدر كراماتهم ، وسفك دمائهم .

 لو كانت مدينة ( الرقة ) قبل أن يصير إليها هؤلاء الجفاة الغلاة حاضرة من حواضر الجاهلية العربية كيثرب ، التي آنس بها محمد رسول الله ، لما استحق سكانها الذين لكل واحد منهم في الإسلام أربعون جدا هذا الذي يسومهم إياه هؤلاء الذين لا يعرف لهم أصل ولا فصل في هذا الدين.

لقد نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يثرب ( وهي حاضرة من حواضر الجاهلية الوثنية ) فما حمل على الناس فيها رغم جاهليتهم سيفا ولا سوطا ولا سجن ولا عذب ولا أكره ولا غصب مالا ولا عقارا ولا كراعا ولا زجر ولا تهدد ولا توعد ؛ فأين هؤلاء الذين يزعمون أنهم باسم نبي الرحمة يتحركون ، ولمشروعه يحملون ، أين هم من ( الرقة ) المدينة التي جل سكانها من العشائر العربية بل من ذروة الكرم في عصائب هذه العشائر ، وأين هم منها مدينة عمرها في الإسلام ألف وخمس مائة عام يؤذن على مآذنها بحي على الفلاح ..

وأما التدمير والإبادة فيتناوب عليهما طرفا الشر والجريمة على الأرض السورية بشار الأسد وعصاباته الغارقة في دماء السوريين على مدى ما يقرب من أربع سنوات ، ثم تحالف الأشرار الذين جعلوا من وجود الغلاة على ، الأرض السورية ثم على أرض الرقة ذريعة فأمعنوا في تدميرها ، وفي إبادة سكانها ، ووأد أحياءها رجالا ونساء وأطفالا ...

وبينما كانت مدينة الرقة وكل الأرض السورية بحاجة إلى لمسة الآسي ورفقه تفك عن عنقها أولا طوق الشر والجريمة والإرهاب الأسدي الذي أمعن على هذه الأرض قتلا وتدميرا واعتقالا وتعذيبا ، وتعينها حقيقة على درء شر ( الغلاة والغلو ) بفعل ناجز ومناهج عملية ذكية لا بأسلحة غبية كطبع الذين يستعملونها ، فقد قرر القساة الفاسدون من رعاة الجريمة الدولية أن يمعنوا في التوحش ، وأن يذهبوا أكثر على طريق القتل والموت لينخرطوا بذرائعهم المكشوفة في استكمال ما عجزت عصابات بشار الأسد وحلفاؤه عن تحقيقه ...

حصدت الرقة في الأمس قريبا من مائة شهيد من الرجال والنساء والأطفال ، سويت منازل لآمنين بالأرض ، ووئد سكانها تحت التراب والعبارة تعني أن حليف التحالف الأمريكي ما زال يدفن الناس تحت التراب وهم أحياء ...

كل المتابعين للقصف عن قرب أكدوا أن طائرات المجرم الأثيم تجنبت قصف مواقع الغلاة ، ونقاط تمركزهم وأنها تقصدت عن سابق تصميم قصف البيوت الآمنة والسكان المدنيين ...

واقعة إضافية تسجل في تاريخ الجريمة الدولية أنه بتاريخ 25 / 11 / 2014 قام طيران الجريمة الأسدي المتواطئ مع التحالف الأمريكي بقصف مدينة الرقة فهدم العديد من معالمها ومساكنها ودفن تحت التراب أسرا بأجيالها آبائها وأمهاتها وأطفالها ...

ولن يجدينا شيئا أن نكرر القول ندين ونشجب ونستنكر ...وإنما سنقول لكل القتلة المجرمين بدأ من الأسد وعصاباته المجرمة ، وللتحالف الأمريكي المتواطئ ، سرا كالجهر ، مع أس الشر والجريمة والفساد ، ولشراذم الغلاة ذرائع الشر وأدواته :

أيها القتلة المجرمون جميعا : ارفعوا أيديكم عن الرقة ..ارفعوا أيديكم عن سورية ...ارفعوا أيديكم عن الشام ، بل ارفعوا أيديكم عن الإسلام فأنتم جميعا أعداء للإسلام ، أعداء لعقيدته وشريعته وقبل كل ذلك أعداء لإنسانه ...

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

بين (أسلمة سوريا) و(الثورة في إسلامها).. ملاحظاتٌ منهجية (4) .. د. وائل مرزا

المدينة - الاحد 23-11-2014

لا تقتصر الأسباب الدافعة لتبلور ثورةٍ في فهم الإسلام وتنزيله على الواقع، في سوريا وانطلاقاً منها، على المشكلات التي أظهرت (داعش) وجودَها في التراث الإسلامي كما شرحنا في أكثر من مقال.

فقد أظهرت الثورةُ السورية، قبلَ ذلك، فشلَ ثلاثة أطراف إسلامية، مختلفة في وظائفها وأدوارها، في استيعاب معاني الثورة من خلال قيم الإسلام الأصيلة.

حدثَ هذا مع بداية الثورة التي لم تكن (إسلاميةً) بالمعنى السائد للكلمة. إذ لم يتمكن ممثلو الإسلام الشرعي والسياسي أولاً، ثم العسكري/ الجهادي بعد ذلك، من تركيب معادلةٍ يُمكنُها الجمعُ بين مطالب الثورة الأساسية (الحرية والكرامة والمساواة والتعددية والديمقراطية وسيادة القانون ومحورية مفهوم المواطَنة..)، وبين القيم والأصول، التي لا تُعطي فقط مشروعيةً لتلك المطالب، في جوهر الفهم الإسلامي، بل تمنحُها أولويةً قُصوى في عملية تنزيل الإسلام على الواقع الاجتماعي الإنساني.

ولم يكن في رصيدهم الثقافي ما يُسعفُ حين يتعلق الأمر بملابسات صناعة السياسات الدولية والإقليمية، والتعقيد البالغ الذي يميزها، اللهم فيما عدا اختزال الأمر في أن (الجميع ضد الثورة، والجميع ضد سوريا، والجميع ضد الإسلام).

هذا فضلاً عن الفقر المدقع فيما يتعلق بمفاهيم بناء الدولة، أو استمرارها، في هذا العصر. سواء تعلق الأمر بمقتضياتها أو هياكلها أو ثقافتها أو آليات عملها، وما يتطلبه هذا من خبرات وتخصصات وكوادر.

لهذا، كان طبيعياً في الفترة اللاحقة، حين اشتعل حديثُ البعض، وأحلامُ الآخرين، عن (أسلمة) الثورة، ألا تتمكن الأطراف الثلاثة من تقديم نموذجٍ قيادي ناجحٍ للثورة، ينبثق من الإسلام، لا على مستوى الرؤية، ولا على مستوى الأفراد، ولا على مستوى الهياكل والتنظيمات.

من الضرورة بمكان التأكيدُ هنا على أن هذا الكلام ليس هجاءً، وإنما هو محاولةٌ لتحليل واقع الحال. والحقيقةُ أنه، بالنظر لمرحلة ما قبل الثورة، لم يكن بالإمكان أحسنُ مما كان.

فقد كنا نعيش في سوريا أزمةً كبرى في فهم الدين وفي طريقة تنزيله على الواقع، كما هو الحال مع معظم الشعوب العربية، لكن ظروف ما قبل الثورة و(القوانين) الفكرية والاجتماعية السائدة في تلك الفترة لم تكن تسمح بتداول هذه الأزمة بكل درجات الوضوح والصراحة والشمول المطلوبة لمناقشتها، فضلاً عن تقديم حلول حقيقية لها.

كانت الإشكاليات كبيرةً في فهم الدين، وجاءت، بالتالي، عملية تنزيل الدين وتطبيقه على الواقع مشوهةً إلى حدٍ كبير. فقد كان نادراً جداً أن يكون الدينُ عِلماً وتخطيطاً وتنميةً وإدارةً وتنظيماً وفهماً للعالم واهتماماً بالشأن العام وتركيزاً على قراءة سنن إعمار الأرض، بينما كان شائعاً جداً أن يكون الدينُ كماً هائلاً من فتاوى ودروس ومواعظ تُركز على كل ما هو شخصي ورمزي وشعائري. بمعنى أن الجهد كان قليلاً لربط الشخصي بالعام ولربط الرمزي والشعائري بالمقصد والمناط على مستوى وجود جماعة بشرية في إطار (دولة).

بل إن تلك الفتاوى والدروس والمواعظ رسَّخت في المجتمع السوري، على درجات متفاوتة، قيماً لا تمت بصلة إلى أصالة الإسلام وتعاليم القرآن. حصل هذا في مواضيع أساسية كثيرة، منها على سبيل المثال فقط: قضايا المرأة، العلاقة مع الآخر، الموقف من العقل، الموقف من العلم، حرية المعتقد، الآبائية والتقليد، تحويل الإسلام إلى شريعة إصر وأغلال، تقديس اجتهادات البشر، الإيحاء بأن تعظيم الخالق يزداد بتحقير الإنسان.. وجرى أثناء ذلك الخلطُ بين الكُليات والجزئيات، والأصول والفروع، والثوابت والمتغيرات.

هذا فضلاً عن توظيف الدين لتبرير الواقع القائم في كثير من الأحيان بقصدٍ أو دون قصد.. إذ لم يمتدﱠ النظر والتحليل إلى واقع الظلم والفساد والتخريب الممنهج في كل مجالات الحياة، والذي كان يُمارس على البلاد بأسرها وعلى المجتمع بإجمال. لم تُربى الأجيال في معظمها على أن هذا الواقع والممارسات التي تقف وراءه هي في حقيقتها أكبرُ انتهاكٍ لتعاليم الدين، وأعظمُ في تأثيرها السلبي من انتهاك بعض أوامره ونواهيه على المستوى الفردي.

لا ينفعنا في شيء تلك (الهمسات) التي كانت تتم هنا وهناك، والتي تُعبر عن (استنكارٍ) تقليدي للواقع، يجري التعبير عنه في دوائر مُغلقة وضيقة للغاية. إذ لم يجرِ الربط الواعي، في أذهان الجماهير الواسعة، بين الدين ودوره الحقيقي كأداةٍ كبرى للتحرير والإعمار.

من هنا، اقتصر ما يُسمَّى بـ(العودة) الجماعية للدين بين السوريين، مع تطور أحداث الثورة وكثرة تحدياتها، على المعاني المتعلقة بالإيمان والتوكل والتسليم والتضحية، وغابت تجليات دينٍ يتمثل جوهرهُ في امتلاك أدواتٍ تعين أصحابها على التعامل الفعال مع العالم ومع الفضاء العام، ومن مدخل عالم الأسباب والسنن.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

عثرات الائتلاف الوطني والتحدي الصعب .. فايز سارة

الشرق الاوسط - الاحد 23-11-2014

لم يكن الائتلاف الوطني السوري في نشأته تحالفا من صناعة سورية بحتة، بل كان خليطا من إرادة إقليمية ودولية، ودور سوري متواضع، قدرت الأطراف المشاركة فيه أنها تستجيب لمصالح الشعب السوري، وتدعم ثورته في وجه نظام الأسد وأعماله الإجرامية ضد السوريين، وقد ولدت تلك الخطوة في لحظة تأكد فيها فشل المجلس الوطني السوري، وهو التحالف الأول الذي ولد بحراك سوري، تم دعمه من قبل قوى إقليمية ودولية، رأت فيه قوة قادرة على تنظيم طاقات السوريين وحشدها داخليا وخارجيا في مواجهة نظام الأسد وجرائمه المتصاعدة، ومن أجل انتصار ثورة السوريين ضد نظامهم.

لقد ترتب على تشكيل الائتلاف أخطاء عديدة، لكن الأهم فيها كان نظامه الداخلي الذي حدد إطار معالجة المشاكل والتحديات التي تواجه الائتلاف. فاعتمد أغلبية الثلثين في قبول الأعضاء الجدد، وفي إقالة وإبعاد الأعضاء الموجودين، وفي تغيير النظام الداخلي ذاته من جملة أمور، يفترض أنها يمكن أن تسهم في إصلاح الائتلاف وتطويره ومعالجة مشاكله، وكان لهذه القاعدة أن تكون مقبولة لو أن عضوية الائتلاف استندت إلى معايير ومحددات منسجمة من الناحيتين السياسية والنضالية مع ظروف واحتمالات الثورة، وهو أمر لم يتوافر آنذاك، حيث تم جمع حشد متناقض من الأعضاء، جرى جمعهم كيفيا وفي ظل اعتبارات متناقضة ومتصارعة من حيث الانتماءات السياسية والتجارب النضالية والمواصفات الشخصية، وهي تتماثل مع الاعتبارات التي تم على أساسها بناء العضوية في المجلس الوطني السوري قبل ذلك، وقد حمل الأخير من خلال ممثليه المختارين للائتلاف الوطني مرضه إلى الوليد الجديد.

ولم يكن قد مر سوى ستة أشهر من عمر الائتلاف حتى بدأت ملامح الأزمة فيه، الأمر الذي تطلب حراكا سوريا تناغم مع الإرادة الإقليمية والدولية الراعية للائتلاف للخروج بالأخير من أزمته البنيوية، فكان التوجه نحو توسعة الائتلاف بمضاعفة عدد أعضائه تقريبا. والغريب أن هذه التوسعة لم تكن أحسن بكثير مما أحاط بالائتلاف والعضوية فيه من المشاكل عند التأسيس، خاصة أن تلك الخطوة لم تترافق مع إجراء أي تعديلات في النظام الداخلي للائتلاف، كما كان الحال يتطلب في ذلك الحين.

وإذ حملت التوسعة دفقا جديدا من الروح في جسد الائتلاف المريض، فإن ذلك الدفق لم يتعد الوصول إلى خطوات محدودة، كان الأبرز فيها أربع خطوات؛ أولاها ضم المكون الكردي إلى الائتلاف مما أعطاه قوة تمثيلية أوسع، والثانية تشكيل الحكومة السورية المؤقتة بهدف إدارة شؤون السوريين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، والثالثة ذهاب الائتلاف إلى «جنيف 2» استجابة لمساع دولية، هدفت إلى فتح بوابة محتملة لحل سياسي للقضية السورية عبر مفاوضات من النظام تحت الرعاية الدولية، والرابعة دخول الائتلاف في اتصالات وعلاقات إقليمية ودولية، هدفت إلى تعزيز مكانة الائتلاف وسعيه إلى بناء شراكات سياسية مع العديد من الدول والمنظمات الدولية.

لقد بدت تلك الخطوات رغم محدوديتها بمثابة «إنجازات» في ظل الوضع الخاص للائتلاف، غير أن «الإنجازات» في المستوى الداخلي كانت أصعب بكثير. وبالكاد استطاع الائتلاف أن يشكل بنية إدارية متواضعة، لم يكن يملك منها شيئا في السابق، ووفر إمكانات أفضل وأكثر تنظيما من السابق لأنشطته ومؤتمراته، لكنه عجز عن معالجة مشاكل مؤسساته، ومنها المكتب الإعلامي ولجان الائتلاف ومنها اللجنة القانونية ولجنة العضوية، إضافة إلى عجزه عن تعديل النظام الداخلي بصورة جوهرية، وفشله في إنجاح وتطوير وحدة تنسيق الدعم، التي كانت استسلمت لنظام إداري ومالي مرتبك وغير فعال في ضوء الواقع السوري واحتياجاته.

ورسمت عثرات الائتلاف الأولى خطا لا يستطيع الائتلاف تجاوزه في التقدم الجدي على طريق الإصلاح والتطوير، الأمر الذي جعله عرضة لأزمات متلاحقة، كانت تضعه في كل مرة أمام تحدي انفراط عقده، مما فرض في مواجهة كل أزمة تكاتف جهود مشتركة من جانب الداعمين الإقليميين والدوليين وبمشاركة القوى والشخصيات المشاركة فيه لمعالجة الأزمة القائمة، دون أن تذهب أي من المعالجات إلى عمق مشكلة الائتلاف، والتي أساسها أمران اثنان؛ نظامه الداخلي وطبيعة العضوية فيه من جهة، والتأثيرات الإقليمية والدولية عليه من جهة أخرى.

ويعد الانعقاد الحالي للهيئة العامة للائتلاف، بما في جدول الأعمال من نقاط تتعلق بتشكيل الحكومة المؤقتة وتعديل النظام الداخلي وإصلاح وحدة تنسيق الدعم وموضوع الكتلة العسكرية، بمثابة عامل مفجر في ظل أمرين اثنين؛ أولهما توجه تحالف يقوده «الإخوان المسلمون» للسيطرة على مؤسسات الائتلاف مثل الحكومة ووحدة تنسيق الدعم والمجلس العسكري، والثاني قرب الانتخابات العامة في الائتلاف، إذ سيتم انتخاب قيادة جديدة، سيكون الإخوان في صلبها، بما يعني نهاية التشاركية فيه، مما سيخلق مشاكل عميقة داخل الائتلاف ستؤدي إلى انقسامه وتشظيه من جهة، ومشاكل خارجية أبرزها انفضاض معظم الداعمين (رغم قلتهم وضعف دعمهم) عنه وعن مؤسساته.

ومما لا شك فيه أن التحدي الحالي للائتلاف وقيادته ما لم يواجه بوعي ومسؤولية كبيرين، وبقدرة عالية على الفعل الإيجابي ومعالجة مشكلة الائتلاف بصورة جوهرية وسط دعم قوي من قبل الداعمين، فإن الائتلاف سوف ينتهي، أو سيبقى مجرد عنوان ليس أكثر، وللأسف الشديد فإن بعضا من الداعمين يريدون ذلك بالفعل ليس أكثر في ظل تراجع الاهتمام الدولي بالقضية السورية.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

سورية وفرصة الحل السياسي .. أكرم البني

الحياة - الاحد 23-11-2014

اقتراح المبعوث الدولي، دي ميستورا، إنجاز مصالحات ميدانية في سورية تبدأ بتجميد الوضع في مدينة حلب تمهيداً للتفاوض ولفك الحصار عن مناطق باتت تفتقد أبسط مقومات الحياة، والزيارة المثيرة للجدل التي قام بها الرئيس السابق لائتلاف المعارضة، معاذ الخطيب، إلى موسكو وما أسفرت عنها من ردود فعل، بعضها كان غاضباً ورافضاً، وبعضها وجد فيها بارقة أمل في طريق الخلاص، وعودة الدور الروسي إلى الواجهة وما يثار من أحاديث حول "جنيف "3 أو "موسكو 1" ثم التسريبات عن وجود مساعٍ أو مشروع مبادرة يحركها النظام المصري لاختراق الاستعصاء السوري المزمن...

كل ما سبق وقائع تشير إلى عودة الاهتمام العالمي والعربي بوضع حد للصراع الدائر في سورية منذ أكثر من ثلاث سنوات، وتثير تالياً السؤال: هل ثمة فرصة حقيقية لتقدم حل سياسي يوقف العنف المتمادي وينقذ المجتمع والدولة من براثن التفكك والضياع؟!

ثمة من يجيب بنعم، مستنداً إلى متغيرات حصلت في المشهد السوري وجعلته أكثر استعداداً للتسويات السياسية عما كان عليه عشية انعقاد مؤتمر "جنيف 2". أول المتغيرات الدخول الصريح لتحالف عسكري، غربي وعربي، في الصراع بغرض التصدي لتمدد "دولة الخلافة الإسلامية"، الأمر الذي يفضي بالضرورة إلى دور سياسي أكثر تأثيراً لدول التحالف في تقرير المصير السوري، بما في ذلك الضغط على الأطراف المتصارعة وتطويع مواقفها.

ثاني المتغيرات تنامي الحاجة لدى حلفاء النظام لتمرير حل سياسي يخرجهم من حالة الاستنزاف المنهكة. فموسكو التي تتحمل المسؤولية الأكبر في إدارة الملف السوري، تبدو اليوم أقل قدرة على تحمل مزيد من أعباء استمرار الصراع وأكثر ميلاً لمعالجته سياسياً، خصوصاً مع انشغالها بالحدث الأوكراني وبتخفيف الأضرار الناجمة عن العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، ربطاً بخشيتها من انفلات الخيوط من أيديها بعد أن شرّع العالم حق التدخل العسكري لمواجهة "داعش" على الأرض السورية... في حين تزداد معاناة طهران الاقتصادية مع تراجع عائداتها المالية جراء الانخفاض المتواتر في أسعار النفط، ومع استنزافها المتعدد الوجوه في العراق وسورية واليمن. وقد لا يكفي لخداع أحد التقدم الميداني الذي حققه الحوثيون هناك، طالما سيرثون دولة مفككة واقتصاداً منهاراً، وما يترتب على ذلك من عبءٍ كبير ومرهق على الحليفة إيران.

ثالث المتغيرات، تزايد الضغط الإقليمي لإطفاء بؤرة التوتر السورية. فالتخوف صار على أشده مما تخلفه هذه البؤرة من استقطابات حادة واحتقانات مذهبية وطائفية، ومن أخطار اجتماعية واقتصادية على بلدان الجوار نتيجة الازدياد المتواتر لأعداد اللاجئين السوريين على أراضيها.

ورابع المتغيرات تنامي استعداد الأطراف الداخلية لقبول حل سياسي، إن لجهة شيوع رغبة عارمة لدى الناس بضرورة الخلاص أمام التدهور المريع في شروط حياتهم وعيشهم وأمنهم، وإن لجهة حالة التعب والإنهاك التي أصابت القوى المتصارعة ووصولها كلها إلى اقتناع بعجز أي منها عن تحقيق الحسم، وبأنها باتت، وبدرجات مختلفة، مرتهنة لإرادة داعميها وحساباتهم، وأبعد من رفض أي تسوية سياسية يقررونها.

في المقابل، ثمة من يجيبون بلا، ويعتقدون بأن ما يثار عن مبادرات سياسية ليس أكثر من ذرٍّ للرماد في العيون، مرة لأنهم لا يرون مصلحة دولية عموماً وأميركية تحديداً، في إنهاء الصراع السوري طالما يحقق لأصحاب هذه المصلحة أكبر فائدة في تاريخ مواجهة الإرهاب، وهو كشف واستجرار أهم قادته وكوادره إلى المحرقة، وطالما لا يزال صالحاً للاستثمار في استنزاف خصومهم. ولا يغير هذه الحقيقة بل يؤكدها الإصرار الأميركي على إدارة المعارك من بُعد، عبر الضربات الجوية والحرص على عدم زج قوات برية، ثم وضع زمن افتراضي شبه مفتوح يصل إلى سنوات للنيل من "دولة الخلافة الإسلامية".

ومرة ثانية، لأنهم يعتقدون بأن المجتمع الدولي وإن كان راغباً في وضع حد لما يجري في سورية فهو غير قادر بسبب خصوصية الصراع وتشابكاته الإقليمية. فخارجياً يعترف هؤلاء بالمرونة والميل المستجدين لدى روسيا وإيران للإسراع في المعالجة السياسية، إلا أنهما لن تقبلا بتسوية لا تضمن لهما استمرار جوهر السلطة ونفوذهما المشرقي، يزيد الأمر تعقيداً زجهما الوضع السوري في لعبة المقايضة والابتزاز، بحيث يغدو واحدة من الأوراق التي يمكن أن توظفها موسكو لمقارعة الغرب وتخفيف حدة العقوبات الاقتصادية، أو تلوح بها طهران لتقوية موقعها التفاوضي حول ملفها النووي. وداخلياً يعتقد أصحاب هذا الرأي بأن السلطة ليست على استعداد لتقديم تنازلات سياسية، خصوصاً مع نجاحها في استعادة بعض مناطق ريف دمشق وحمص، وتالياً ليست في وارد التراجع عن خيار الحسم العسكري وتصعيد وتيرة العنف لسحق ما تعتبره مجموعات مسلحة متآمرة ولإعادة المجتمع إلى بيت الطاعة، في حين يصعب على المعارضة السياسية قبول أي حل أو مبادرة لا تتفق مع مطلبها في إحداث تغيير جذري... خصوصاً أنها محكومة برفض أشد يرجح أن يأتي من الجماعات العسكرية المتواجدة على الأرض، وهي الأكثر تأثيراً على مجريات الصراع.

ويبدو أن فرصة السير في طريق المعالجة السياسية للصراع السوري لم تعد مُلكاً لجهة واحدة، بل تحكمها ارتباطات ومصالح متداخلة، زادها تعقيداً طول أمد الصراع وما كرسه من نتائج مؤلمة يصعب تجاوزها راهناً، وقد يقود تفاقمها إلى مسار خطير يصل إلى إطاحة أبسط الحقوق الإنسانية، وتدمير مقومات الحياة المشتركة والمعايير الوطنية الجامعة.

وإذ يلف الغموض مصير السوريين على اختلاف اصطفافاتهم ومعاناتهم، يتعزز إحساسهم بالخسارة والضياع، ربما من خطورة استمرار العنف وما يخلفه من خراب ودمار وأعداد تتزايد من الضحايا والمعتقلين والمشردين، وربما من استباحة بلادهم وتحوّلها ساحة صراع على النفوذ بين الأطراف الإقليمية والعالمية.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

فيلم سوري طويل .. حسام كنفاني

العربي الجديد - الاحد 23-11-2014

ضجّت، قبل أسبوعين، وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية بفيديو لطفل، قيل حينها إنه سوري، يتفادى رصاص القناصة للوصول إلى طفلةٍ، ويحاول إنقاذها. وعلى الرغم من الملامح الهوليوودية في الشريط، إلا أنه لاقى رواجاً كبيراً، قبل أن يتضح أن المقطع المصور مأخوذ من فيلم نرويجي، تم تصويره في مالطا، مخصص للحديث عن وضع الأطفال في الحروب.

فتح الكشف عن أصل الشريط الباب للأبواق المناهضة للثورة السورية للتشكيك في حقيقة كل ما كان يبث خلال سنوات الثورة من مشاهد، تروي ويلات ما يعانيه السوريون، وليعود الحديث عن المجسّمات، الذي انتشر في الأيام الأولى للثورة، حين روجت قناة "الدنيا" وجود مجسّمات تحاكي أحياء دمشق والساحات الرئيسية في المدن الكبرى، يتم فيها تصوير تظاهراتٍ، بمشاركة آلاف من الممثلين.

لكن، شتان بين رواية قناة الدنيا الخرافية وشريط "الطفل البطل"، كما اصطلح على تسميته. فما حاولت القناة السورية، شبه الرسمية، ترويجه وليد كتبة سيناريو رديء، لم يبذل مبدعوه قليلاً من الخيال، ليكون موضع تصديق، ومع هذا، وجد كثيرين من المطبلين للنظام السوري لتصديقه، لكنه لم يلق الرواج اللازم. على عكس الشريط النرويجي الذي لم يبذل منتجوه الكثير، ليتم تناقله وتصديق محتواه، خصوصاً أن السوريين يعيشون فيلماً لم تتفتق بعد أي ذهنية هوليوودية على إنتاجه.

تدور أفلام الحركة (الأكشن) الأميركية دائماً في حبكة "الأخيار" و"الأشرار" لتنتهي في انتصار الأولين على الأخيرين، بعد معاناة وعقد درامية. عقد توزّعت منفردة ومتنوعة في أفلام كثيرة، لكنها لم تجتمع في مكان واحد، على غرار ما يحدث في "الفيلم السوري الطويل"، خصوصاً أن أطراف "الشر" باتت متعددة، فلم يعد النظام السوري وحده محتكراً هذا الدور، على الرغم من أنه استلم البطولة المطلقة في الفترات الأولى للثورة. اليوم، بات هناك من يزاحم الرئيس السوري، بشار الأسد، على البطولة، فها هو "النجم الصاعد"، أبو بكر البغدادي، يظهر على الشاشة في دور "الخليفة"، ليأخذ حصته، أيضاً، من الدم السوري، ويخطف الأضواء بإعمال السكين في الرقاب، وينافس البراميل الساقطة على الرؤوس.

فرادة "الفيلم السوري" لم تقف عند تعدد مصادر الشر، بل في الحبكات التي حولت الخيال الهوليوودي إلى حقيقة، ولا سيما في عكس فداحة الحصار والتجويع، الذي دفع سوريين وفلسطينيين مسجونين في مخيم اليرموك، على سبيل المثال، إلى اللجوء إلى أكل القطط والكلاب للاستمرار. كنا نشاهد مثل هذا الأمر على الشاشات. لكن، لم نتوقع يوماً أن نعيشه واقعاً في القرن الحادي والعشرين. وربما علينا استرجاع مشاهد أفظع كانت تمر أمامنا في هذا الفيلم، أو ذاك، لتوقّع حدوثها على الساحة السورية، المفتوحة على المزيد من "الأبطال" الذين يريدون أن يأخذوا "فرصتهم" في الظهور العالمي.

والأنكى أن هذا الفيلم المرعب لا يزال مستمراً بلا نهاية واضحة، سيفاجئنا بمزيد من المشاهد التي تخطف الأنفاس، لكنها، لاحقاً، تجعلنا متعايشين مع واقع يعيشه السوريون، وكأنه ضمن تفاصيل الحياة اليومية. فكل يوم لا بد لنا من التقاط بعض المقاطع من هذا الفيلم، لنبدي التعاطف والحسرة، ونكمل حياتنا بشكل طبيعي بانتظار الحلقة الأخرى، التي قد نتابعها غداً، أو ربما تهطل علينا فجأة على شكل "خبر عاجل".

أمام هذه التفاصيل السورية، تبدو الضجة التي أثارها الفيلم النرويجي مبررة، خصوصاً أنه جعل الطفل ينجو من رصاص القناصة، ويكمل "مهمته البطولية". أما لو جعله يسقط مضرّجاً بدمائه أمام عدسات الكاميرا، فما كان سيحظى بهذا الكم من النقد. فالموت هو الحقيقة السورية المعتادة والمتابعة يومياً، وعكس ذلك مثير للاستغراب.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

المعارضة المعتدلة هي الأقوى في سورية .. منير الخطيب

الحياة - السبت 22-11-2014

رسمت وسائل الإعلام المختلفة، خلال السنوات الثلاث الماضية، صورة مشوشة، وتنطوي على مقدار كبير من الاختزالية، لمفهوم المعارضة السورية المعتدلة، ودعّمت تلك الصورة السياسات الدولية والإقليمية التي تركبت وتداخلت مع القضية السورية.

ومصدر الاختزال والتشويش، يعود إلى حصر صفة الاعتدال بالمعارضة المسلحة وحسب من جهة، ومن جهة ثانية تبني هذه الرؤية صورة الاعتدال على معادلة المفاضلة مع القوى والفصائل الإسلامية المتطرفة، ومن جهة ثالثة لا تأخذ في الاعتبار أصل القضية الذي هو معارضة شعب في مواجهة نظام تسلطي، فئوي، أوليغارشي.

إن تقدم المشروع الوطني السوري يقتضي إعادة بناء مفهوم المعارضة المعتدلة، فكراً وممارسة، بالتعارض مع الصورة الاختزالية التي قلصّتها إلى بعدها العسكري. ويكون ذلك بالعودة إلى أصل الثورة التي كانت محمولة على أكتاف معارضة مجتمعية وازنة، أفضت إلى تقويض أسس «الدولة التسلطية»، وإزاحة المعارضات الأيديولوجية المغلقة إلى الرصيف. والأهم، أنها كانت تتحرك في فضاء مفتوح على أفق وطني. لذا، تركز جهد النظام ومن خلفه الجهد الإيراني على نزع الطابع الوطني عن الحراك المدني الذي تمت مواجهته بوحشية منقطعة النظير في تاريخ البشرية، لأنه أظهر قوة تلك الكتلة المجتمعية وثقلها، وهي عبارة عن شرائح وفئات اجتماعية واسعة وغير متجانسة، ويصعب تحديدها تحديداً طبقياً أو أيديولوجياً، باستثناء إجماعها على قضيتي الحرية والكرامة وانفتاحها على فكرة المجال الوطني العام. وضمت طلاباً جامعيين وغير جامعيين ومهندسين وأطباء ومحامين ومعلمين وفنانين ومثقفين وكتّاب وصحافيين وشخصيات عامة ورجال أعمال ورجال دين وأساتذة جامعات ومشتغلين بالحقل العام ونشطاء إعلاميين وميدانيين وسياسيين وموظفين وعمالاً وفلاحين وسكان مدن وأرياف، كذلك شاركت في الثورة أعداد كثيرة جداً من قواعد حزب البعث، مؤسسة السلطة الأيديولوجية.

هذه الكتلة الوازنة التي دفعها التاريخ إلى مواقع معارضة وطنية جذرية في مواجهة «الدولة التسلطية»، لحقت بها ظاهرتان فرعيتان، هما الجيش الحر والمجلس الوطني الذي تحول إلى أحد أطراف ائتلاف قوى الثورة السورية لاحقاً. وعندما تراجعت تلك الكتلة التاريخية إلى الصفوف الخلفية، تلاشى الجيش الحر، وانطفأ المجلس الوطني، وصار الائتلاف ظاهرة هامشية في المعارضة، فيما تقدم إلى الواجهة قاع المجتمع التقليدي والفصائل الإسلامية المسلحة المرتبطة فيه، في مواجهة السلطة التي انحدرت إلى سلطة ما دون استبدادية، أي (سلطة تشبيح وقتل)، وفي مواجهة الميليشيات الطائفية المقبلة من خارج الحدود.

هذان القطبان، السلطة وميليشياتها، والمجتمع التقليدي وميليشياته، لم يعد بمقدورهما إلا توليد الحرب والقتل والخراب. لذا، فإن أي مشروع سياسي ذي أفق وطني سوري، يقتضي استعادة تلك الكتلة التاريخية المعارضة، وهي لا تزال، على هول النكبة التي حدثت، الأقوى للأسباب الآتية:

أولاً، لأن تنوعها واختلافها وشمولها لمختلف الشرائح والفئات، يجعل طابعها طابعاً عمومياً، يتطابق مع حدود الوطنية السورية.

ثانياً، لأنها تتصل بالعمل والإنتاج والفكر والسياسة، وتنحو إلى الاستقرار والعيش بسلام وتناهض عناصر الحرب الداخلية، فهي تنسجم سوسيولوجياً مع السياسة بصفتها فاعلية مجتمعية متجهة نحو المركزة والتوحيد، في مواجهة فوضى الفصائل والميليشيات والظواهر الحزبوية والسياسوية التي فتّتت المجال الوطني.

ثالثاً، ثقلها الوطني يعمل على انتشال سورية من موقع الساحة للصراعات الإقليمية والدولية، إلى موقع وطن وشعب يتكتّل حول مسار طويل وشاق باتجاه دولة وطنية منشودة.

إن تعقيدات القضية السورية لا تحتّم استعادة هذه الكتلة التاريخية المعارضة إلى مجال الفعل. لكن تلك الاستعادة تبقى رهان الوطنية السورية الوحيد.

* كاتب سوري

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

دي ميستورا واللعب خارج الملعب .. علي العبدالله

الحياة - السبت 22-11-2014

انطلق السيد ستيفان دي ميستورا في مبادرته تجميد القتال في مدينة حلب من تجزئة الحل كآلية لتوفير مناخ لإقلاع مسار باتجاه حل سياسي للصراع من دون تحديد طبيعة هذا الحل.

فهل من فرصة للنجاح؟

يبدو ان دي ميستورا اراد استثمار استحالة الحسم العسكري والاعياء الذي اصاب المواطنين جراء استمرار القتل والتدمير، وما ترتب عليهما من نزوح وتهجير، فبنى تصوره من نقطة اختبارية جد متواضعة: تجميد القتال في مدينة حلب، واختار حلب كمختبر لخطوته لاعتبارات تتعلق بكثافتها السكانية والأخطار التي يمكن ان تنجم عن استمرار القتال فيها على السكان ودول الجوار في آن.

غير ان خطوة التجميد في حلب فقط لن تكون مجدية لاعتبارات تتعلق بالوضع العام وبالوضع العسكري في ريف حلب تحديداً، وبخاصة الوجود القوي لـ «داعش» و «النصرة» فيه. فقوى المعارضة المسلحة التي تتواجه مع جيش النظام ليست واحدة او موحدة بل تختلف من منطقة الى أخرى وتتباين خياراتها وخططها ما يجعل تجميد القتال في حلب خارج حساباتها وتقديراتها للموقف رغم انعكاسه السلبي عليها وعلى المناطق التي تتحرك فيها اذا ما نجح النظام في تحريك قواته الى ريفها او الى مناطق أخرى، وتحرك جيش النظام الى ريفها قد يمكنه من السيطرة عليه وقطع خطوط الامداد على كتائب المعارضة في الجزء الذي تسيطر عليه، والعمل على فك الحصار عن بلدتي نبل والزهراء المواليتين، ما يكرس تغيّراً في الميزان العسكري في المحافظة لصالحه.

وهذا يستدعي ضمانات قوية لمنع تحريك القوات كي يقبل الطرف الثاني الدخول في العملية، عملية جربت سابقاً ولم يلتزم النظام بها، ناهيك عن ضرورة التزام «داعش» و «النصرة» بذلك، فهل في تصور دي ميستورا خطوة كهذه، واذا لم يتم ذلك فلن تنجح الخطوة ولن يتم تعميمها على المناطق الأخرى. كان الدكتور يزيد صايغ لاحظ في مقاله «لمواجهة الدولة الإسلامية، التمسوا هدنة في سورية» (مركز كارنيغي للشرق الاوسط: 18/9/ 2014) هذا الجانب ودعا الى تجميد شامل للقتال والتفرغ لقتال «داعش». وأشار الى احتمال ان تلعب الفترة الزمنية التي سيستغرقها تجميد القتال دوراً في تغيير المزاج الشعبي على جانبي الصراع والذي قد يضغط لمنع العودة الى القتال ثانية. هذا من دون ان ننسى الأثر السلبي الذي تركه السيد دي ميستورا لدى المعارضة والدول المؤيدة لها بإشراكه ايران بالمشاورات حول خطته، وهي المعتبرة جزءاً من المشكلة في ضوء الدور الذي لعبته في دعم النظام سياسياً ومالياً وعسكرياً وزج ميليشيا تابعة لها في القتال الى جانبه، ناهيك انه لم يزر أياً من الدول المؤيدة للمعارضة.

وهذا جعل المعارضة، والدول المؤيدة لها، تنظر الى المبادرة بحذر وتحفظ بخاصة لجهة عدم وضوح سياق العملية ومآلاتها النهائية، بحيث تتضح مواقف طرفي الصراع من هذه المآلات.

تبقى النقطة الجوهرية التي تعترض نجاح المبادرة، وهي اختلاف وجهات نظر طرفي الصراع حول معنى النجاح الذي سيُقرر في ضوئه نقل العملية الى منطقة أخرى حيث يرى النظام النجاح في عودة سيطرته على المدينة، ويعتبر ما حصل في حمص مقياساً لذلك، في حين تنظر المعارضة الى النجاح نظرة مختلفة أساسها عدم استثمار النظام لفترة التجميد وتحريك قواته لإتمام إغلاق طرقها الى الريف ووقف إلقاء البراميل المتفجرة، مستندة الى القرار الدولي الرقم 2165 الذي دعا الى ذلك، وإعادة الخدمات الى المدينة والإفراج عن المعتقلين.

لا يكمن انعدام فرصة نجاح المبادرة في الجوانب الاجرائية وعدم أخذها هواجس ومخاوف المعارضة في الاعتبار فقط بل وفي تباين المواقف الاقليمية والدولية منها. فمع التلويح بدعم جهود المبعوث الدولي من قبل دول كثيرة فإن مواقفها من المبادرة متباينة، ان لم تكن متعارضة، فالولايات المتحدة التي تركز على الحرب ضد «داعش» في العراق نظرت الى المبادرة كفرصة لكسب الوقت لتأجيل تحركها بخصوص الوضع السوري في ضوء تغير ملموس في موقف الرئيس الاميركي وربطه بين هزيمة «داعش» وإطاحة رئيس النظام. وروسيا كانت تحضر لإطلاق موسكو1، رداً على استبعادها من التحالف الدولي واختراق محميتها السورية من قبل طيران التحالف من دون تنسيق مسبق، لذا ارادت الحفاظ على خطتها فدعت دي ميستورا الى العمل وفق اعلان جنيف1 وفي ضوئه. مصر تحفظت لأنها كانت على تواصل وتنسيق مع روسيا في تحركها لعقد موسكو1، ايران لم تقل كلمتها لأنها تقف على العتبة الاخيرة في مفاوضاتها مع مجموعة الـ 5السبت 22-11-20141 وتخشى من نقلة خاطئة تنعكس سلباً عليها. تركيا رفضت المبادرة ودول الخليج صمتت لأنها لم تتبين نهاية النفق لترى إن كان يناسب توجهها وخياراتها.

على دي ميستورا كي ينجح في اقناع المعارضة وجمهورها والدول المؤيدة لها ان يوضح النهاية التي يسعى اليها وان يربط مبادرته الشاملة بجذر الصراع: ثورة شعبية ضد النظام، وان يصوغ الحل النهائي بحيث يضمن السوريون قيام سورية مستقرة وآمنة، ديموقراطية وعادلة.

* كاتب سوري

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

سوريا: العودة إلى الألعاب الاستعمارية القديمة .. أمير الطاهري

الشرق الاوسط - السبت 22-11-2014

في وقت ما من العام الماضي ربما، اكتشف أحد الذين يقفون على رأس قيادة نظام الأسد في دمشق، دليلا استعماريا كتبه الفرنسيون ويدور حول كيفية السيطرة على سوريا. ويعكس ذلك الدليل السياسة العدوانية التي انتهجها الرئيس الفرنسي السابق ألكسندر ميلران، إذ يوصي الدليل بتطبيق سلسلة من الحيل تهدف في مجموعها إلى السيطرة على الدولة المتكونة حديثا ضد رغبات غالبية شعبها.

وقد صممت الأساليب المذكورة لتتناسب مع «بلقنة» سوريا الكبرى واستدعاء سياسة «فرق تسد» بناء على وعود بإقامة عدة دويلات تحكمها الأقليات. ومن واقع الحقيقة القائلة بأن الرئيس ميلران كان اشتراكيا وكان من المفترض أن تكون الدولة الفرنسية ذات طابع علماني، فلا كان هو اشتراكيا محضا ولا هي علمانية صرفة.

من أبرز وصايا الدليل الاستعماري المذكور، هناك اثنتان مهمتان؛ أولاهما تركيز الإدارة الاستعمارية مواردها على السيطرة على ما وصفته بـla Syrie utile أو «سوريا المفيدة». ويقصي ذلك المفهوم أكثر من نصف أراضي سوريا، التي تتألف من صحراء قليلة السكان. وبدلا من ذلك، يسلط الضوء على قيمة الشريط الساحلي ما بين دمشق ومدينة حلب على ساحل البحر المتوسط، وهي أكثر مدن البلاد اكتظاظا بالسكان، وطريقين رئيسيين؛ أحدهما يربط سوريا بلبنان في الجنوب، والآخر يربطها بتركيا في الشمال الشرقي. وعبر مراحل النضال الوطني السوري من أجل الاستقلال، تابع الفرنسيون تلك الوصفة بحماس عجيب.

واليوم، فإن ذلك هو ما يحاول نظام الأسد القيام به بالضبط.. فقد انسحبت قوات النظام من غالبية الأراضي لأجل تركيز الموارد المتاحة على «سوريا المفيدة». أما الفراغ الذي خلفه ذلك الانسحاب، فأدى إلى ظهور عشرات الجماعات المسلحة في «أرخبيل الجهاد» الممتد من الجنوب الغربي وحتى الشمال الشرقي. ووفقا لأفضل التقديرات، فإن نظام الأسد يسيطر حاليا على نحو 40 في المائة من التراب الوطني. ولا تزال تقديرات عدد السكان القاطنين في تلك المساحة من البلاد محل شكوك، حيث تتراوح التقديرات بين 35 في المائة و60 في المائة من إجمالي عدد السكان. ويعود ذلك التناقض في جزء منه إلى حقيقة أن كثيرا من سكان سوريا مسجلون بوصفهم لاجئين لدى لبنان، والأردن.. وإلى حد ما، قضى بعض السكان جزءا من أوقاتهم في تركيا على مقربة من منازلهم السابقة، محدثين ما يوصف بـ«حركة المد والجزر البشرية» التي تشكل جزءا من التناقض ذاته.

وتضمنت النصائح الاستعمارية الفرنسية أيضا، وربما بمزيد من الأهمية، حيلة هي: تجنيد أفراد في الشرطة والجيش من بين الأقليات الدينية والعرقية. ولأجل تحقيق تلك الغاية، طُبقت مجموعة أخرى من الحيل.

فمن خلال التباهي بـ«هوية الجمهورية العلمانية»، قولبت فرنسا نفسها في دور «حامي حمى المسيحيين في بلاد الشام».

ومولت الحكومة الفرنسية جهود إرسال عشرات الأقليات المسيحية إلى الداخل السوري، وسددت تكاليف ترميم كنائسهم هناك، وشجعت نشر التعاليم المسيحية في كثير من المدارس، وهو الأمر المحظور في فرنسا ذاتها.

ثم توددت فرنسا إلى «الطائفة النصيرية»، التي تغير اسمها لاحقا ليكون «الطائفة العلوية»، بوعود بإقامة دويلة صغيرة على طول الشريط الساحلي للبحر الأبيض المتوسط. وابتلعت الطائفة النصيرية تلك الحيلة الفرنسية وصارت من أشد المؤيدين للوجود وللحكم الاستعماري الفرنسي في البلاد.

وتوددت فرنسا كذلك إلى الأكراد، وهي الأقلية العرقية الرئيسية في الشمال الشرقي من البلاد، وذلك عن طريق تأسيس معهد لدراسات ثقافتهم العرقية، والسماح بحرية التحرك عبر الحدود مع الدولة التركية الناشئة حديثا، ومع العراق كذلك. أما بالنسبة لبقية الأقليات، ومن بينهم الدروز والتركمان، فقد استمالتهم فرنسا أيضا بمجموعة متنوعة من الحيل، ومن بينها دعوات وجهت لزعماء تلك الأقليات لزيارة باريس والسماح لأبنائهم بالدراسة في المدارس الفرنسية الراقية.

بُذلت كل تلك الجهود تحت مظلة ثيمة رئيسية واحدة، ألا وهي التحذير الفرنسي من أن عدم التعاون مع الحكم الاستعماري للبلاد سيؤدي إلى إبادة الأقليات السورية على يد الأغلبية السنيّة المسلمة. وللتيقن من وصول الرسالة للقاصي والداني، قام الفرنسيون برشوة عدد من قادة المجتمعات المحلية. وتظاهر الشباب في تلك الأقليات بالتطوع لخدمة فرنسا.. أما من الناحية العملية، رغم ذلك، فقد تعرض كثيرون من أولئك الشبان للاختطاف على يد عصابات التجنيد وأجبروا على الالتحاق بالخدمة في الجيش والشرطة الاستعمارية.

يوثق السيد دانيال نيب في كتابه الرائع «سوريا تحت الانتداب الفرنسي»، الذي نُشر في عام 2012، لحالة العنف التي استخدمها الاستعماريون الفرنسيون للاحتفاظ بسيطرتهم على البلاد بمعاونة المجندين من الأقليات.

واليوم، يستخدم نظام الأسد حيلا مماثلة من خلال محاولة تعزيز «تحالف الأقليات» عن طريق استخدام البعبع السني المسمى «داعش»، أو «ISIS» اختصارا باللغة الإنجليزية. ومن السهولة بمكان تناسي أن «داعش» قتل بالفعل كثيرين من المسلمين السنّة ودمر كثيرا من البلدات والقرى السنية. وبالتالي، فإننا نرى مشهدا غريبا للغاية يتشارك فيه تنظيم «داعش» مع نظام بشار الأسد في رقصة الموت الثنائية.

أخبرتني مصادر من الأقليات المسيحية والدرزية والتركمانية أن عصابات التجنيد، التي تضم فيما بينها أحيانا عناصر من مقاتلي «حزب الله» اللبناني ومعلميهم من إيران، تحاول إجبار أو إغراء بعض الشباب على الالتحاق بآلة القمع الأسدية نصف المتهالكة والمدعومة من موسكو وطهران.

ليس استخدام جنود الأقليات في خدمة الحكم الإمبريالي بالشيء الجديد؛ فلقد كان جيش الملك الفارسي زركسيس الذي اجتاح أثينا قديما يتألف في معظمه من جنود الأقليات من مختلف أصقاع الإمبراطورية الفارسية. وفي روما، استخدم الملك «سكيبيو الأفريقي» جنودا من هيسبانيا وأفريقيا في حملته الناجحة ضد القرطاجيين تحت قيادة هانيبال. ومنذ عصر الإمبراطور أغسطس فصاعدا تكوّنت أكثرية الفيالق الرومانية من جنود الأقليات من القارات الثلاث.

أما في الآونة الأخيرة، فاعتمدت الإمبراطورية البريطانية في الهند بشكل أساسي على المجندين من تلك الأقليات مثل المسلمين والسيخ، ناهيك بأقلية «الغوركا» النيبالية (المعروفة فارسيا باسم: «الباحثون عن المقابر»)!. وقد أسست فرنسا الفيلق الأجنبي لتجنيد الأقليات من جميع أنحاء العالم. وقد بنى الملك البلجيكي ليوبولد لنفسه إمبراطورية في أفريقيا من خلال جيش من المرتزقة جنده من أكثر من 30 جنسية مختلفة.

وأحد الدروس المستفادة من التاريخ أنه حتى أفضل الجيوش تدريبا وتنظيما إذا تألف في معظمه من الأقليات، فلا يمكنه الحيلولة دون زوال نظام مفروض ضد رغبات الأغلبية. ورغم تمتعهم بوفرة في العتاد والسلاح، فإن البريطانيين أُجبروا في نهاية المطاف على التخلي عن إمبراطوريتهم الهندية. وفشل الفرنسيون في ترويض سوريا، ومن ثم الاحتفاظ بقبضتهم على الجزائر، على الرغم من التجنيد واسع النطاق للمقاتلين الجزائريين الموالين لهم.

من غير المتوقع لنظام الأسد ومن يدعمونه في طهران وموسكو، أن يخرج أداؤهم بصورة أفضل. ومع ذلك، ومن خلال تلك اللعبة الخبيثة من وضع مختلف المجتمعات والأقليات في مواجهة بعضهم بعضا، يمكنهم أن يخرجوا بقالب جديد من الشكوك والكراهية المتبادلة التي سوف تجد سوريا المستقبلية، المحررة كما نأمل جميعا، صعوبة شديدة في تجاهلها في المراحل الأولى من النهضة الوطنية الجديدة على أدنى تقدير.

ليست الحرب في سوريا بين الأغلبية والأقلية من سكان البلاد؛ بل إنها حرب بين الشعب السوري بأسره، الذي يرغب في الحياة بحرية وكرامة، ضد نظام الأقلية الحاكمة الذي يزعم أن له توجهات اشتراكية، وعلمانية عربية، ومع ذلك، فهو يلعب لعبة استعمارية مثالية بالنيابة عن سادته في الخارج.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

النظام السوري وفذلكات الإرهاب المضاد ؟ .. داود البصري

الشرق القطرية - السبت 22-11-2014

ما يحصل من مجازر بشرية وقانونية وأخلاقية في العراق أمر غير مسبوق في تاريخ هذا البلد العربي المفصلي الذي تحول للأسف لحلبة صراع لقوى وإرادات إقليمية ودولية مختلفة ومتباينة ومتصارعة حد النزيف القاتل، لقد عاش العراق السنوات الثماني العجاف الأخيرة تحت ظل سلطة غاشمة أدمنت الخراب والتخريب، ومارست سياسة إقصاء وتشويه وترهيب وإرهاب إرهابية بحق كل من يفكر بصوت حر وعال، واستعملت تلك الحكومة كل أدوات النفاق والمراوغة من أجل تمرير مصالحها وتنفيذ غاياتها وأهوائها ومقاصد أسيادها خارج الحدود حتى تمكنوا من إفراغ العراق من طاقاته القيادية والمخلصة والكفوءة التي يمكنها تسيير عجلة الدولة العراقية بشكل سليم وبما يتناسب وطاقات وإمكانات العراق الكبيرة والكفيلة بتحويله لبلد رفاهية حقيقي وليس لمستوطنة للنهب والفقر والفشل بكل أبعاده وصوره، لقد تمكن الفاشلون والمتآمرون من تنفيذ صفحات تآمر سوداء ضد بعضا من السياسيين العراقيين الذين أخافتهم أخلاقياتهم ومبادئهم بعد أن فبركوا واخترعوا روايات إرهاب خيالية تعلموها من مراجعهم في المخابرات السورية والإيرانية تحديدا فكان السيد الدكتور طارق الهاشمي النائب السابق لرئيس الجمهورية أحد ضحاياهم المباشرين والبارزين بعد أن فبركوا له ما فبركوا وحاولوا تشويه سمعته الوطنية ونقائه الأخلاقي بتهم إرهابية متهاوية رغم أنه وعائلته وأشقائه كانوا ضحايا مباشرين للإرهاب الأسود الذي ضرب العراق بعد احتلاله عام 2003، فضرب المتآمرون البغاة ضربتهم وشردوا السيد طارق الهاشمي واتبعو آخرين من بعده ومارسوا سياسة الابتزاز والمساومة بأبعد منحنياتها وزواياها المظلمة الرثة، ورغم فشلهم وانكشاف أساليبهم وتجلي إرهابهم الذي شمل كل قوى الشعب العراقي الأخرى، فإنهم لم يرتدعوا أو يكتفوا بما فعلوه بل إنهم اليوم باتوا يخططون للعبة ابتزازية على مستوى تقني عالي وعبر استغلال الحملة الدولية القائمة ضد الإرهاب لتصفية الخصوم وإسقاط الأحرار ومحاولة بناء مواقع تمركز سلطوية يتصورون أنها ستحميهم من رياح الغضب الشعبي القادم؟ فعبر الاستعانة بتكنولوجيا الصورة والصوت سيتم فبركة ودبلجة مقاطع فيديو عالية الدقة والفبركة تربط بين السياسيين العراقيين الأحرار المغضوب عليهم وبين التنظيمات الإرهابية مثل تنظيم الدولة وغيرها! وتتم هذه العملية في العاصمة اللبنانية بيروت وبإشراف جهاز مخابرات الحرس الثوري الإيراني وكذلك المخابرات السورية الخبيرة بمثل تلك الأساليب والفبركات ووفق قاعدة إعلامية تابعة للسلطة العراقية! والتي سيشترك في صياغة مفرداتها بعضا من جحوش السلطة العراقية من أهل السنة أيضا ومن المعروفين بقربهم الشديد للنظام الإيراني وحيث سيعقد قريبا مؤتمر مزعوم لمناهضة الإرهاب والتطرف الديني وأين في دمشق!! وبرعاية وزير العدل السوري وهو واجهة الإرهابي الاستخباري علي مملوك! واللواء محمد ناصيف (أبو وائل)، وحيث سيصدر بيان عن المؤتمرين يتهم فيه عدد كبير من رجال السياسة والصحافة والإعلام العراقيين والعرب بالإرهاب ويطالب المجتمع الدولي بإلقاء القبض عليهم!! تفعيلا لمطالب المؤتمرين!! وكذلك اتهام كل من أنقرة والدوحة بتشجيع وإيواء الإرهابيين! في مهزلة ستكون الأكبر في تاريخ الشرق الحديث؟ ومن ضمن الأسماء المستهدفة أيضا كل من عبدالله النفيسي من الكويت وطارق شندب من لبنان ومحمد المسفر من قطر وفيصل القاسم وبسام ضويحي من سوريا وحتى كاتب هذه السطور وشخصيات رفيعة أخرى من قطر والسعودية والكويت والبحرين وآخرون!! تصوروا أنظمة إرهابية معروفة تتهم الشرفاء والأحرار بكونهم إرهابيين في هجمة مضادة ومعاكسة غير مسبوقة؟ ولكن السؤال هل ستظل الدول الكواسر تتفرج على الملهاة الدموية القائمة وحالة الفوضى غير المسبوقة والتي حولت الإرهابيين الحقيقيين لذارفي دموع التماسيح على الإنسانية المعذبة؟ سيناريوهات هزلية تدور فصولها بحدة وشراسة بعد أن وصل الصراع لأقصى مداه بين قوى الحرية والتقدم وقوى الإرهاب والتخلف والعدمية!، طبعا كل تلك الحركات البائسة والتحضيرات الكبرى لذلك العرض المشبوه ليست سوى رفسات احتضار لأنظمة وعصابات وميليشيات طائفية مجرمة مكانها الحقيقي والطبيعي في مزبلة التاريخ.. "ويكيدون كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم رويدا"، "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون" والعاقبة للأحرار والمتقين، وما زالت المعركة بين قوى الحق والباطل مستمرة، وسيولي الجبناء والمخاتلين الدبر، فذلكات الفاشية المندحرة ستواجه بهزيمة تاريخية.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

لماذا ألغي علاج السوريين في الأردن؟! .. ماهر ابو طير

الدستور- السبت 22-11-2014

قرار مفاجئ ذاك  الذي تم اتخاذه بشأن وقف علاج السوريين مجانا في المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية، والقرار يشي بالكثير في هذا التوقيت.

خلفيات القرار ليست سراً، فالعالم الذي حرَّض السوريين على الثورة، ووعدهم بـ»السمن والعسل» إذا ثاروا على دمشق الرسمية، استدرجهم لهكذا ثورة، وتركهم أسارى لظروف صعبة في كل دول الجوار، خصوصا، أن أغلب هذه الدول تعاني من مشاكل اقتصادية مثل: الاردن ولبنان، فيما تركيا والعراق، لهما حسابات اخرى.

الاردن يعاني اقتصاديا اصلا ودَينُه العام يقترب من ثلاثين مليار دولار، وهذا رقم فلكي، والاستدانة تتواصل، واشتراطات المؤسسات الدولية لمزيد من الإجراءات تنهمر على الاردن، والمسؤولون كاشفوا الناس قبل أسابيع أن هناك قرارات اخرى في الطريق، وهذا يعني ان العام المقبل اصعب مما مضى، على غير صعيد، وستذكرون ذلك.

وسط هذه المعادلات تعمَّد العالم تحويل ازمة اللجوء السوري الى ازمات محلية في دول الجوار، وكأنها تدفع الثمن ايضا، فتم تجفيف الدعم المالي تدريجيا، وكل الأرقام التي نسمعها والتي يراها بعض الاشقاء السوريين تكسبا على ظهورهم، لا تغطي نفقات كثيرة، من بينها دخولهم للمدارس  وكلف العلاج وغير ذلك.

باستثناء المستشفيات الأردنية والعربية والأجنبية الميدانية في المخيمات، لن يتلقى السوريون أي علاج مجانا، خارج المخيمات، والقرار جاء بسبب استنزاف موازنة الصحة، وشكوى الأردنيين ايضا من الضغط على الخدمات الصحية.

بوصلة الموقف من الاشقاء السوريين، في كل دول الجوار باتت تختلف، فلبنان منع دخول السوريين، والاردن لوَّح ايضا بهكذا قرار، وبدأ بتطبيقه باستثناء الحالات الانسانية.

المشكلة تكمن هنا، في عدم قدرة السوريين على العودة من جهة، وعدم قدرتهم على ادامة نفقات حياتهم في دول الجوار، وهذا سيؤدي الى تداعيات اجتماعية عديدة، ستطل برأسها تدريجيا، على مستويات مختلفة، كأحد نتائج الفقر، وعدم القدرة على الاستمرار معيشيا.

العراق ذاته الذي كان قد هاجر منه اكثر من مليوني عراقي وعاشوا في سورية، اوصد الابواب في وجه السوريين حين احتاجوه، والاتراك يتعاملون مع الملف السوري، بطريقة انتقائية، واغلب السوريين في البلدين، وفي مخيمات البلدين يعانون فقرا شديدا.

ما يمكن قوله هنا، مؤلم، فالعالم اوقع السوريين في فخ الثورة، وخذلهم لاحقا، مثلما حثَّ كل دول الجوار على سياسة فتح الحدود لاسباب سياسية وانسانية، لكنه عاد وخذل كل دول الجوار، وترك هذه الإعباء على كاهل دول فقيرة اساسا.

الذي حدث ان الازمة السورية هنا، لم تبق محصورة في سورية، بل باتت كل دول الجوار شريكة فيها، اجتماعيا وسياسيا وعسكريا وامنيا، بشكل او آخر.

ما الذي يمكن قوله هنا؟ مباركة القرار. بالطبع لا.لأن هناك اطفالا ومرضى وصغارا وشيوخا بحاجة الى علاج، ولابد هنا من البحث عن حل دولي وعربي لتأمين السوريين بالعلاج، بدلا من اتخاذ القرار، فحسب، خصوصا، أن الأمراض في نهاية المطاف معدية، وبعضها يترك آثارا اجتماعية جرمية، سترتد حتى على المجتمع المضيف.

برغم أن الأردن أطلق رسائل كثيرة، وتم التجاوب معها جزئيا، إلا أن المجال متاح لرسالة عربية دولية لتأمين نفقات العلاج للسوريين في الأردن، ونحن ندعو الجهات الرسمية الى هذا الحلِّ بسرعة عبر ابتداع وسائل تحل هذه العقدة.

لكننا نهاية نعترف بأمرين، أولهما أن بيئة اللجوء في الأردن باتت وعرة، يوما بعد يوم، في ظل هكذا اجراءات، ولم تعد مشجعة للسوريين للقدوم، مع تراجع الامتيازات، وقد يكون هذا أحد مقاصد القرار، هذا مع الاقرار بأنه اساسا لايمكن وصف اللجوء بحالة لها امتيازاتها امام الخسارة التي وقعت على اللاجئ.

 ثانيهما ان المراهنة على جعل البيئة هنا منفرة، بحيث تجعل السوري يحزم حقائبه ويعود الى سورية، مراهنة غير عميقة، لإننا نخيير السوري عمليا بين الحياة -مجرد الحياة بأي ظرف- وبين العودة للموت، والخيار واضح ومعروف والتوقعات حوله ليست بحاجة لذكاء.

*-*-*-*-*-*-

بكاء على المرأة السورية .. خطيب بدلة

العربي الجديد - السبت 22-11-2014

اتصلت بي مذيعة سورية شابة، ذات صوت رقيق، يحتوي على بحة شبيهة ببحة صوت نجاح سلام، وقالت لي إنها تعد برنامجاً عن المرأة لإذاعة سورية تبث من مدينة غازي عنتاب التركية، ورجتني أن أجيبها عن السؤال:

- كيف ترى وضع المرأة في ظل الثورات العربية بشكل عام، وفي ظل الثورة السورية خصوصاً؟

وطلبت مني أن اختصر إجابتي في دقيقة ونصف!

قلت لها: الوضع يُبْكي. ولعل مدة الدقيقة والنصف لا تكفيني لأفرغ رأسي من البكاء.

قالت: أإلى هذه الدرجة؟ لماذا؟

قلت لها: لأننا، نحن الناشطين المدنيين الذين ثرنا على النظام الأسدي في مطلع سنة 2011، كنا قد وضعنا في حسباننا أن نأخذ بيد المرأة السورية لترتقي، وتصبح نداً وصنواً لنساء العالم أجمع، وكانت النساء السوريات معنا، في الثورة، جنباً إلى جنب، لأنهن يمتلكن الطموح نفسه. ولكنْ، استولى الشبانُ المسلحون على ثورتنا، بقوة السلاح، وأعلنوا أنها ليست ثورة وطنية، ولا مدنية، ولا ديمقراطية بل هي جهاد من أجل إقامة دولة خلافة إسلامية ومبايعة شخص بغدادي، وآخر جولاني، وثالث تونسي، ورابع شيشاني... وهؤلاء القوم وضعوا نُصْبَ أعينهم هدفاً رئيساً هو قمع المرأة، وتجريدها مما اكتسبت من حقوق وحريات خلال السنوات السبعين الماضيات، ودفنها في الرمس، حتى ولو كانت على قيد الحياة!   

أرادت المذيعة الشابة أن تقاطعني، وتقول شيئاً ما، لكنني صادرتُ حقها في الكلام، وتابعتُ مندفعاً:

- في المناطق التي استولى عليها هؤلاء المسلحون المحترمون، تركوا القتال ضد النظام، وتخلوا عن الجهاد، وعن رباط الخيل، وانطلقوا إلى مدارس البنات الصغيرات، وبدلاً من أن يوزعوا عليهن السكاكر وربطات الضفائر (يا أم الضفاير حلوة والجبين العالي)، وزعوا عليهن الجلابيب السوداء، وأمروهن بارتدائها! وهرع قسم كبير منهم إلى رجال القرى والمدن والبلدات، ليكسبوا الثواب بوعظهم وهدايتهم إلى الطريق القويم الذي يبدأ بتحصين نسائهم ومحارمهم، وهذا لا يكون إلا بإجبارهنَّ على ترك العمل، إذا كن عاملات، والتزام بيوتهنَّ، وتفانيهن في خدمة أزواجهن، وطاعتهم على الخير والشر، على الخطأ والصواب، إضافة إلى تنفيذ الأعمال التي لا يتنازل الرجل إلى مستواها كـ "تحفيض" الأولاد و"تشطيفهم" وإعداد الطعام للأسرة. باختصار: كفاهن هؤلاء الوعاظُ الجددُ شرَّ الانتماء إلى بشر القرن الحادي والعشرين.

في 1949، أي بعد ثلاث سنوات من استقلال سورية ونهاية الانتداب الفرنسي عليها، استولى العقيد حسني الزعيم على مقاليد الحكم في سورية، في انقلاب عسكري، وكان غريب الأطوار، يَظهر في الصحف دائماً وهو يحمل العصا الماريشالية، ويدلي بتصريحات غريبة، حتى أصبح موضوعاً للتندر في بيوت السوريين وغير السوريين. فاجأ هذا الرجل العجيب الناس بقرارين، كلٌّ منهما يساوي ثورة بأكملها! الأول أنه أعطى المرأة السورية الحق في الانتخاب من دون مقدمات، ومن دون قيد أو شرط! والثاني أنه وضع قانون الأحوال الشخصية السوري! ولو لم يعاجله العقيد سامي الحناوي بانقلاب آخر، بعد أقل من ثلاثة أشهر، لكان، ربما، وضع قوانين تضمن حقوق الإنسان والحيوان والنبات!

ولكن، وعلى ما يبدو، فإن عصر المعجزات الكبرى الذي افتتحه الجنرال حسني الزعيم تم تجميده بضعة عقود، حتى عاد في أوائل القرن الحادي والعشرين مع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" الذي لم يعط للمرأة حقها وحسب، بل أعطاها أكثر من حقها بكثير، ولا سيما عندما أطلق يد المجاهدين القادمين من خلف الحدود على المرأة السورية، فنزلوا بالفتيات الصغيرات في سن البلوغ زواجاً، وبسيدات المجتمع رجماً حتى الموت.       

قالت المذيعة الشابة: بجد، هذا وضع مخيف. يبدو أننا أصبحنا بحاجة إلى ثورة أخرى.

قلت: بل هي، ثورتنا، مستمرة.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

أم المعارك .. ميشيل كيلو

العربي الجديد - السبت 22-11-2014

تشهد المعركة حول سورية جملة انتقالات، منها انتقال جغرافي من الجنوب إلى الشمال، وعسكري من الجيش الحر إلى البيشمركة وقوات حماية الشعب الكردية، وسياسي من سورية إلى العراق، ودولي من تصفية حساباتٍ متبادلةٍ بين دول كبرى وإقليمية إلى حرب تحالف عربي/ دولي ضد الإرهاب. بينما تمر القضية السورية في مرحلة جد حساسة، نعرف مداخلها وملامح من تحولاتها، ونجهل كل شيء آخر عنها، عدا عن تغييبها مطالب شعبنا، وراء مشكلاتٍ ستنتجها، من الآن فصاعداً، التحولات التي تشير إلى احتمال حدوث تبدل جذري في مجمل المسألة السورية، وتشابكاتها العربية والإقليمية والدولية.

تتقاطع التبدلات والتحولات في معركة عين العرب، حيث تبرز، من وراء الكواليس، أدوار كانت داعمة، لكنها تنقلب، اليوم، إلى أدوار مباشرة، أهمها الدوران التركي والإيراني إقليميا، أو تتقدم إلى الواجهة أدوار كانت متفرجة، أو مكتفية بتحريك الأحداث عن بعد، كالدور الأميركي دولياً. بسبب هذه التحولات، لن يكون من المبالغة القول إن المشكلة السورية لن تبقى بعد عين العرب ما كانت عليه قبلها. كما أن الموقف، العربي والإقليمي والدولي، لن يظل على حاله، بل سيذهب في اتجاهاتٍ جديدة، وستحركه حسابات جديدة، يشير إلى هويتها إصرار طرفي الصراع المباشرين، "داعش" وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، على حسم المعركة، أحدهما ضد الآخر: داعش، لأن استيلاءها على عين العرب يضعها في موقع من يستطيع التأثير على اللعبة الإقليمية والدولية. والكرد، لأن انتصارهم يفتح باب الشراكة بينهم وبين التحالف الدولي، مع ما يمكن أن يترتب عليها من دعم غربي لكانتون خاص بهم في سورية، مفتوح على كيان كردي كبير يتجاوزه، يلغي قيامه سايكس بيكو، ويعيد الأمور إلى ما كان قد قرره مؤتمر سان ريمو، إلى جانب تعاظم دورهم تعاظماً غير مسبوق، في مواجهة تركيا التي ستتعرض لضغوط، تطاول وحدتها وكيانها، شأنها في ذلك شأن جارتها سورية.

هل سيفتح دفاع الكيانين، التركي والسوري، عن نفسيهما، أبواب تعاونٍ نوعي بينهما، ينتج شراكة تجمعهما على أسس واحدة، تفضي سورية إلى تأهيل الجيش الحر وتسليحه، واحتواء المخاطر المحتملة على تركيا وسورية، والالتفاف على تحفظ أميركا الواضح حيال هذا الجيش ودوره، وشكها باعتدال الثورة السورية وبنتائجها، ومعارضتها دور أنقرة ضد الأسد و"داعش"؟

ولعله مما يشجع على قيام شراكة استراتيجية بين الثورة السورية وتركيا أن الأخيرة بحاجة إلى التخلص من معارضة أميركا للمنطقة الآمنة التي قررت إقامتها، وأن الجيش الحر القوي الناشط بفاعلية، على حدودها الجنوبية، يمكن أن يكون شريكاً، يسهم في حفظ أمنها، إن حمته من طيران النظام الأسدي، وحمى، من جانبه، المنطقة الآمنة التي ستستوعب ضمن مساحتها عدداً كبيراً من مهجري سورية إلى تركيا والبلدان المجاورة، وستتسع لنواة سياسية وعسكرية صلبة، توسع معاركها جنوباً، لقضم مناطق النظام، وحشره أكثر فأكثر في أماكن ضيقة.

تتبدل منذ إعلان الحرب على الإرهاب طبيعة الدور التركي في سورية، والعلاقات الخارجية للمعارضة السورية والنظام الأسدي. ويتبلور دور تركي مستقل نسبياً عن التحالف، يسعى إلى إسقاط الأسد ومحاربة "داعش"، لحماية تركيا ودول سايكس/ بيكو، بينما تنضوي أدوار العرب في الحرب ضد الإرهاب، وتنتقل واشنطن إلى مرحلةٍ مختلفة من إدارة أزمتنا، تستخدم فيها أساليب وأدوات جديدة، وتنتج إطاراً دولياً وإقليمياً وعربياً مختلفاً عن إطار الصراع الحالي!

ألا يحتم هذا كله إقامة علاقة نوعية بين الثورة وتركيا، تردّ الأذى عنهما؟

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

ثورات «التيك أوي» لا تـُسمن ولا تـُغني من جوع! .. د. فيصل القاسم

القدس العربي - السبت 22-11-2014

كي نكون واقعيين، لا بد من توصيف الثورات العربية في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا بأنها ما زالت «ثورات تيك أوي»، أي أنها أشبه بالوجبات السريعة التي لا تسمن، ولا تغني من جوع، لأنها لم تمر بالتسلسل والتطور الطبيعي للوجبات والثورات، فالوجبة الحقيقية تمر بمراحل خمس أو حتى أكثر، الشوربة، فالسلطة فالمقبلات، فالطبق الرئيسي، فالأجبان، فالحلويات، ناهيك عن الوقت الذي يستغرقه تحضيرها. لكن لو قارنا الثورات العربية، بالوجبات مكتملة الأطباق، لوجدنا أنها مجرد طبق غير مغذ، عابر، معبأ في وعاء بلاستيكي هزيل يتناوله الناس عادة لملء المعدة، إما لأسباب اقتصادية، أو بسبب العجلة، لأنهم غير مستعدين لتحضير وجبة كاملة، أو دفع ثمنها، أو حتى الانتظار لحين نضوجها.

مشكلة الإنسان العربي تاريخياً أنه إنسان عجول، ملول، كما لو أن العرب جميعهم من برج الجوزاء الذي يتميز مواليده بأنهم يتحمسون لأمر ما، لكنهم لا يصبرون لإكماله، فيتوقفون في منتصف الطريق، إن لم يكن في ربعه، وذلك على عكس الشعوب صاحبة النفس الطويل كاليابانيين والإيرانيين، فبينما يمضي حائك السجاد الإيراني سنوات كي ينجز سجادة عجمية رائعة مليئة بالزخارف والتفاصيل، نجد أن الإنسان العربي سرعان ما يترك ما بدأه بالأمس بسبب قلة الجلد والصبر والمثابرة. ومن الواضح تماماً أن هذه الصفة العربية السيئة تركت أثرها السلبي على الثورات العربية. فقد ظنت الشعوب التي ثارت أن الثورات يمكن أن تحدث وتنتهي بكبسة زر على طريقة الوجبات السريعة. فالتونسيون ظنوا أنهم أنجزوا ثورتهم خلال أربعة أسابيع، والمصريون اعتقدوا أن الثورة انتهت بعد ثمانية عشر يوماً، واليمنيون، خلال شهور قليلة، والليبيون، ظنوا أن الثورة تحققت بالقضاء على القذافي. وبدورهم يعتقد السوريون أن ثورتهم ستكتمل بمجرد سقوط بشار الأسد من الحكم.

الثورات تاريخياً، يا جماعة الخير، ليست وجبات سريعة، بل تحولات كبرى على كل الأصعدة، ولا تنتهي بمجرد القضاء على رأس السلطة أو الطاغية، فالمستبد كرأس جبل الجليد الذي لا يظهر منه فوق الماء سوى عشره أو حتى أقل. والتخلص من الرأس لا يعني انتهاء الثورة وتحقيق أهدافها. فالثورة الفرنسية استمرت عقوداً، وتآمر عليها كل ملوك وحكام أوروبا، لكنها نجحت في آخر المطاف ليس في تغيير وجه فرنسا، بل في تغيير وجه أوروبا كلها. على العكس من ذلك، لاحظنا كيف تنحى الثوار جانباً في بعض ثورات التيك أوي، وتركوا الدولة العميقة تعيد ترتيب أوضاعها لتعود بشرعية جديدة أقوى وأشرس بعشرات المرات، كما هو الحال في مصر، حيث عاد العهد القديم بوجوه جديدة أكثر نهماً للطغيان والتسلط والاستبداد. أين هم شباب الثورة المصرية الذين ملئوا الدنيا ضجيجاً، وشغلوها لبضعة أسابيع؟ لقد تبخروا تماماً، لأنهم ظنوا أن الثورة أنجزت أهدافها خلال ثمانية عشر يوماً دون أن يعلموا أن المسار طويل جداً، وبحاجة لمتابعة ونضال أشرس في وجه جذور الاستبداد المترسخة منذ عقود في كل مفاصل الدولة؟

حتى في تونس كما يقول سمير حمدي، «بقي فؤاد المبزع رئيس برلمان زين العابدين بن علي مصدراً للشرعية طوال الفترة الانتقالية، ما منح الفرصة للقوى المضادة للثورة لإعادة التشكل وبناء ذاتها، بصورةٍ منحتها، في فترة وجيزة، قوةً لم تكن لتحلم بها. وفي الوقت نفسه، دخلت القوى الثورية في حالة تنازع حزبي وصراع على كعكة سلطةٍ، لم يتم استخلاصها بعد من أنياب الدولة العميقة». لقد تناسى الثوار التونسيون أيضاً أنك إذا سمحت للعهد البائد أن ينافسك على السلطة، فإنه سيفوز عليك لاحقاً، لأنه يعلم دهاليز السلطة ومنعرجاتها أكثر منك بكثير بفضل خبرته الطويلة في السياسة والتسلط. وهذا ما حصل فعلاً، فبدل بناء دولة جديدة على مدى طويل، قبل الثوار التونسيون بتقاسم السلطة مع بقايا العهد الساقط، مما أدى إلى عودته بقوة بوجوه وأشكال جديدة أكثر خطورة، لأنه، هذه المرة يستمد قوته من صناديق اقتراع حقيقية.

بدوره، «شهد النموذج اليمني خروجاً آمنا للرئيس السابق، وبقاء أهله وأتباعه فاعلين في المشهد السياسي، يعطلون مسيرة الإصلاح، ويستمدون القوة من حلفاء إقليميين، لا يريدون لثورة اليمن أن تصل إلى ما يصبو إليه الشعب، من حرية وكرامة وعدل، قبل أن يتم توظيف الطائفية السياسية في أسوا مظاهرها، للانقلاب على كل التوافقات، وإدخال البلاد في فوضى وعنف.» لقد أراد الثوار اليمنيون تناول الوجبة قبل نضوجها، فنزلت في بطونهم جمراً، بدل أن تنزل برداً وسلاماً.

وفي ليبيا، بدل أن تستمر الثورة في تنظيف الساحة، وبناء دولتها الجديدة، راح الثوار يتصارعون على الكعكة قبل أن تنضج، فتحولت الثورة وبالاً على الليبيين، ناهيك عن أن فلول النظام الساقط، على هزالتهم، استطاعوا أن ينظموا صفوفهم بدعم خارجي، وعادوا بثورة مضادة من خلال اللواء حفتر وشركائه، لأن الثوار الليبيين، كبقية الثوار العرب، لم يطبخوا ثورتهم على نار هادئة، ولم يعطوها الوقت الكافي كي تنضج.

وحدث ولا حرج عن الوضع السوري، حيث تصارعت الجماعات الثورية على جلد الدب قبل أن تصطاده كما يقول المثل الروسي، مما جعل النظام الفاشي يصمد لسنوات.

لا نقول هذا الكلام لتثبيط عزيمة الثوار. لا أبداً، فلكل ثورة كبوات، وليس كبوة واحدة، كما علمنا التاريخ. ويجب على بلدان الثورات أن تعتبر الربيع العربي مجرد «بروفة» للثورات اللاحقة. وهي قادمة لا محالة. لقد خرج المارد من القمقم إلى غير رجعة. وسيكون الجيل القادم أكثر شراسة واندفاعًا وقوة وعزيمة وصلابة من جيل الثورات الحالي بعشرات المرات بعد أن شاهد ما حدث لشباب الثورات. لن تستطيعوا سحق الجيل القادم مهما فعلتم. ومهما تآمرتم. الثورات المضادة مرحلة عابرة، وسيعود السيل الجارف أقوى كثيراً من السيل الذي بدأه البوعزيزي في تونس. لن تكون الثورات القادمة ثورات «جنك فود»، بل كاملة الأطباق. لا شك أنها ستكون مرحلة صعبة ومؤلمة وربما طويلة، لكنها ستنجب مولودًا جديدًا تمامًا ومجتمعات وشعوبًا جديدة. والأيام بيننا.

٭ كاتب واعلامي سوري

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

عقود «الحركة التصحيحية»: بشائر المستقبل بعد ويلات الماضي .. صبحي حديدي

القدس العربي - السبت 22-11-2014

في مناسبة اليوم العالمي للطفل، أو حقوق الطفل، ضمن صيغة أخرى لإحياء المناسبة؛ رصدت «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» الإحصائيات التالية حول الطفل السوري: مقتل 17.268 بأيدي قوّات النظام المختلفة، بينهم 518 برصاص القناصة؛ واعتقال 9500، قضى منهم تحت التعذيب ما لا يقلّ عن 95 طفلاً؛ وجرح 280 ألفاً، ونزوح 4.7 مليون، وحرمان 2.9 مليون طفل لاجىء، ومليونَيْ طفل داخل سوريا، من التعليم. هنالك، إلى هذا، 18.273 تيتموا لجهة الأب، و4573 لجهة الأمّ، ضحايا قوّات النظام في الحالتين؛ كما ولد في مخيمات اللجوء قرابة 85 ألف طفل. فصائل المعارضة المسلحة المختلفة كانت، من جانبها، مسؤولة عن مقتل 304 أطفال، و»داعش» قتلت ما لا يقلّ عن 137 طفلاً، واعتقلت 455، وجندت المئات…

كلّ هذه الويلات، فضلاً عن أكثر من 130 ألف قتيل، وتخريب الزرع والضرع والحجر والعمران والبنى التحتية واقتصاد البشر وأوابد التاريخ؛ وقعت دفاعاً عن بقاء نظام «الحركة التصحيحية»، ذلك الانقلاب العسكري الذي نفّذه حافظ الأسد ضدّ رفاقه في الحزب والحكم، والذي مرّت، يوم 16 من هذا الشهر، 44 سنة على جثومه فوق صدور السوريين: 30 سنة تحت نير حافظ الأسد، و14 سنة تولاها وريثه بشار. ومنذ العلائم الأولى لابتداء سيرورة إعداد الإبن الثاني لوراثة الأب، بعد مقتل الإبن الأوّل، باسل، سنة 1994؛ كنتُ، وهكذا أظلّ اليوم أيضاً، في صفّ الذين آمنوا بأنّ الوريث ليس سوى وليد الماضي، كما أنه صنيعته ورهينته في آن معاً؛ ولا مفرّ له من أن يحكم في إهاب المشارك الفاعل والأساسي في عمليات إعادة إنتاج الماضي وتكريسه وشرعنته، وإسباغ القدسية عليه أيضاً.

كما آمنت، استطراداً، أنّ نظام الأسد الابن، لأنه استمرار صرف لنظام الأسد الأب، ولأنه معدَّل نحو الأسوأ في بنود كثيرة؛ لن يكون عاجزاً عن التطوير والتحديث والتغيير والإصلاح، وسوى هذه من مفردات جرى التشدّق بها في تدشين التوريث، فحسب؛ بل يظلّ، من حيث طبيعته البنيوية ذاتها، مناهضاً لعناصر التبدّل تلك، عازفاً عنها إرادياً، ومعادياً لها موضوعياً: أية بارقة تحوّل جوهري سوف تهزّ الكثير من أركان عمارة النظام، ولعلها تؤذن بأولى علائم تفسّخه وتداعيه. ولقد احتاج الأمر إلى أسابيع قليلة ـ أعقبت كارنفالات التهريج على مقاعد ما يُسمّى «مجلس الشعب»، وتعديل الدستور (الهزيل، الفردي، الدكتاتوري… الذي فُصّل على قياس الأسد الأب نفسه!) بما يلائم سنّ الإبن الذي لم يكن قد بلغ الأربعين يومذاك ـ حتى أثبت الوريث أنه أبن أبيه، في الاستبداد والفساد والسلطة العائلية والتخريب الوطني والحشد الطائفي… بل زاد على الأب، وبزّه، في التشبث بسلطة متوّجة بالدماء والجماجم والخراب والكوارث.

ففي المناسبة الدستورية الأولى لعهده، أي الاستفتاء الرئاسي، كانت الموافقة بنسبة 97.29٪ بمثابة لطمة عنيفة ذكّرت المواطن السوري بما كان يتكرّر في الماضي من نِسَب مماثلة عند التجديد لانتخاب الأسد الأب؛ الأمر الذي شكّل، في كلّ مرّة، مصادرة صريحة للعقل الطبيعي والمنطق السليم. وكانت تلك النتيجة تؤكد سريان مبدأ انطباق الحافر على الحافر، لجهة علاقة السلطة مع الشعب، ثمّ مع القانون والشرعية والحقّ؛ كما كانت خطوة، مبكرة وفورية، على طريق وضع سوريا في فجر السنة الأولى من عقود «الحركة التصحيحية ـ 2».

وفي المناسبة الدستورية الثانية، أي خطاب القسم الشهير، أعلن الأسد أنه لا يملك «عصا سحرية لتحقيق المعجزات». وفي الواقع لم يكن أحد يطالبه بإشهار عصا سحرية، أو يفترض الحاجة إليها؛ قبل أن يتمكن «الرئيس الشاب» ـ كما كان يُلّقب، حتى في أوساط بعض المعارضين ـ من إلزام نفسه أمام الشعب بإلغاء الأحكام العرفية، أو إعادة تنظيم الحياة السياسية بما يكفل بعض التعددية وبعض الحريات في التعبير والتجمّع والتنظيم، أو إصدار عفو عام، أو سنّ جملة من القوانية الإدارية والتنظيمية «التي بات المجتمع بحاجة ماسة إليها»، على سبيل الأمثلة فقط.

وفي المناسبة الدستورية الثالثة، أي بدء أعمال ما يُسمّى «مجلس الشعب» الجديد، ربيع 2003؛ شنّ الأسد حملة شعواء على المعارضة السورية، بحيث بدا وكأنها السبب الوحيد في بلاء سوريا، والورم الخبيث الذي يتوجب استئصاله على الفور، دون تهاون أو شفقة أو تردد! النظام، الرأكد العاجز عن التبدّل والتطوّر والإصلاح، ليس جوهر المشكلة، أو أمّ المشكلات جميعاً؛ بل هي المعارضة التي تجهل معنى مصطلح الديمقراطية، أو تسيء فهمه، أو تطرحه في غير أوانه. والفاسدون، الذين ينهبون الوطن ويستنزفون طاقاته وثرواته، ليسوا مصدر قلق أو سخط؛ بل هم المعارضون الذين يرون أنّ الديمقراطية «حلّ لعقدهم النفسية على حساب الآخرين»!

في السياسة الخارجية لـ»الحركة التصحيحية»، كانت تسعة أعشار الخطوط العريضة التي صاغها الأسد الأب مسخّرة لخدمة الهدف الأكبر والأساسي، أي الحفاظ على أمن النظام واستمراره في البقاء، وخلق شروط داخلية وإقليمية تُكسبه ما أمكن من أسباب القوّة والمنعة والقدرة على المناورة الواسعة، وتنظيم الهجوم المضادّ في الوقت المناسب. هدف آخر، مكمِّل في الواقع، كان يسعى إلى ضمان سكوت القوى الكبرى عن سياسات الاستبداد والبطش وقهر الحرّيات التي يمارسها النظام ضدّ الشعب في الداخل (وأبرز الأمثلة عليه ذلك السكوت الدولي الفاضح عن حملات الاعتقال المتواصلة، وسلسلة المجازر التي ارتكبها النظام بين 1979 و1982، خصوصاً مجزرة حماة، 1982).

كذلك توجّب أن تخلق السياسة الخارجية ما يشبه الاقتصاد التمويلي، كما في ابتزاز مجلس التعاون الخليجي عن طريق التحالف مع إيران أثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية. وتوجّب أن تُستثمر جميع خيارات السياسة الخارجية في تحويل النظام إلى لاعب إقليمي لا يُستغنى عنه، سواء عن طريق تقديم الخدمات (المشاركة عسكرياً في تحالف «حفر الباطن»)، أو التلويح بإفساد هذه اللعبة أو تلك (بسط السيطرة على لبنان، وتوظيف ورقة «حزب الله» بصفة خاصة، واحتضان «جبهة الرفض» الفلسطينية، وتحويل القضايا الكردية إلى ورقة مقايضة وضغط على تركيا والعراق عن طريق رعاية «حزب العمال الكردستاني» أو دعم جلال الطالباني، أو تطويع بعض التنظيمات السياسية الكردية في منطقة الجزيرة…).

وبالطبع، كان من البديهي أن تدخل في هذا المخطط رغبة جامحة، في استرداد ما يمكن من أرض الجولان المحتلّ؛ خصوصاً وأنّ الأسد الأب كان وزير الدفاع حين سقطت الهضبة تحت الاحتلال الإسرائيلي، خلال هزيمة 1967، وكان رئيس الجمهورية حين خسرت سوريا المزيد من الأراضي والهضاب والتلال الستراتيجية في حرب تشرين 1973. وطيلة أربعة عقود ونيف من حكم «الحركة التصحيحية»، عرف خطاب السلطة الكثير من المصطلحات القوموية المتنافرة المتضاربة، والجوفاء الزائفة؛ مثل «فلسطين قبل الجولان»، و»التوازن الستراتيجي»، و»السلام العادل الشامل». ولكنه أيضاً شهد افتضاح المقولات، وانكشاف الشروط، وتحرّر اللغة من المحرّمات؛ وذلك منذ أن نطق الأسد الأب بـ»كلمة السحر»، على حدّ تعبير المعلّق الإسرائيلي زئيف شيف، في لقائيه مع الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون (جنيف ودمشق)، حين أعلن أنّ «السلام خيار سوريا الستراتيجي، ولا رجعة عنه».

وإذْ ترتبط ويلات الطفل السوري، اليوم، بويلات سوريا كلها، على امتداد 44 سنة؛ فإنّ هذا الماضي لا يستقبل أواخر أيام «الحركة التصحيحية»، ويؤشر على احتضار استبدادها وفسادها وحكمها العائلي، فقط؛ بل يبشّر السوريين بآخر الأحزان، أيضاً، وختام الآلام.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com