العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 29-05-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

عن جبلة وطرطوس .. حسام عيتاني

الحياة

الاربعاء 25-5-2016

جنون القتل الذي انتقل أمس، إلى الساحل السوري يدشن مرحلة جديدة من المذبحة المستمرة منذ خمسة أعوام ونيف، قد تكون أشد سواداً ودموية مما سبق، ويتعين ألا تغيب أهميتها عن الأذهان.

المدنيون الذين استهدفتهم التفجيرات التي أعلن "داعش" مسؤوليته عنها، أو "تجمعات العلويين" وفق لغة بيان تبني الجريمة، دفعوا يوم أمس ثمن استعصاء الحل في سورية وتعمق الأزمة (هنا المصطلح بالمعنى الهيكلي وليس بالصيغة السطحية التي يستخدمها إعلام بشار الأسد) على نحو يبدو غير قابل للعلاج في المستقبل المنظور، بغير قدر كبير من العنف لا تملك أي من الجهات الداخلية والإقليمية المنخرطة في القتال وسائل ممارسته وتحمل تبعاته.

دعونا من مباريات تبادل الاتهامات بالمسؤولية عن مقتل عشرات المدنيين في جبلة وطرطوس، والشماتة المشينة بإحالة بشر إلى أشلاء وعصف مأكول، وتحميل الضحايا أوزار سياسات النظام الذي يسيطر على مناطقهم، فكل هذه الأقوال لا تفيد سوى في إيضاح عمق الشقاق الأهلي الذي بلغه السوريون.

وربما يكون اسم الجهة المنفذة لجرائم طرطوس وجبلة ثانوي في اهميته ما دامت الأدلة دامغة (وتنشرها الصحف الغربية التي طالبنا قبل أيام أحد قادة محور دمشق – طهران بالاكتفاء بقراءتها للحصول على حقائق الوضع في المنطقة)، على تعاون متعدد المستويات بين نظام بشار الأسد وبين "داعش". لا شيء يمنع- نظرياً على الأقل- من ارتقاء التعاون في مجالات تجارة النفط وتسلم وتسليم المناطق بين الطرفين إلى تبادل الخدمات الأمنية والإجرامية. وليس سراً أن ضرب التجمعات البشرية في بلادنا غالباً ما يسفر عن تعزيز إمساك السلطات بعنق المجتمع الذي يبحث، في المقابل، عن المزيد من الحماية والأمن.

وفي معزل عن صحة أو خطأ نظريات المؤامرة وتسمية القاتل، لا ريب في أن تفجيرات الساحل، بتعقيدها وحاجتها إلى إعداد واستطلاع مديدين وإمكانات لوجستية معتبرة، تدل على الرغبة في التوظيف الأمني لهذه المناطق بالقدر ذاته الذي يدل على انسداد العملية السياسية وتعفنها. فبعد ثلاث جولات رسمية من المفاوضات في جنيف وعدد لا يحصى من اللقاءات الجانبية في كثير من عواصم ومدن العالم، لم تتحرك التسوية شبراً واحداً إلى الامام. ومهما قيل عن أوراق ونقاشات ومحاور اهتمام، إلا أن الثابت هو أن النظام وجزء من المحور الداعم له، لا يريد حلاً سياسياً ويعلق الآمال على كسر المعارضة الباقية خارج منظومة "النصرة" – "داعش" في الميدان لحصر كل شرعية تمثيل السوريين في نفسه.

تصب التفجيرات في هذه الخانة بالضبط. إذ كيف يعقل التفاوض مع مجرمين يستهدفون المدنيين وتلامذة المدارس؟ وهذه فكرة قديمة يكررها المتحدثون باسم النظام في الإعلام وفي قاعات الاجتماعات.

ستعمق جرائم يوم أمس مشاعر الحقد الطائفي المتبادل وتشحن خطاب الخوف والمظلومية بين الأقليات والأكثريات لأعوام مديدة مقبلة. وستزيد زخم الدوران في الحلقة المفرغة من القتل والقتل المضاد واستعراض الاجساد الميتة والمشوهة في الشوارع ودحرجة الرؤوس المقطوعة أو رفعها على الاسنة والأسيجة. ذلك أن الجلاد الأول لا يعدم وسيلة لتحويل كل خصومه إلى جلادين يشبهونه.

======================

تفجيرات جبلة وطرطوس و«الذبيحة» من أجل الأسد ! .. صالح القلاب

الرأي الاردنية

الاربعاء 25-5-2016

 إنَّ هذا ليس جديداً وإنه مثبت ومؤكد ، فمما نُقل عن تلك الفترة المبكرة من الحرب العالمية الثانية ، أنَّ اليهود همْ من أطلق على المذابح التي إرتكبها النازيون بحق أتباع الدين اليهودي ، إنْ حرقاً وإنْ قتلاً وإنْ تجويعاً وتعذيباً حتى الموت ، مصطلح: «الذبيحة أو الضحية من أجل تحقيق وعْد الرب» المأخوذ من كتبهم القديمة ووعد الرَّب هذا هو ما يعتبرونه عودة إلى القدس (أورشليم) وإلى «الأرض الموعودة» التي هي فلسطين والمعروف أنَّ طلائع مهجريهم ومهاجرينهم بدأت تصل إلى الأراضي الفلسطينية قبل أن تخمد نهائياً نيران هذه الحرب المدمرة ولكن ليس تحقيقاً لهذا الوعد الإلهي وإنما تنفيذاً لوعد بلفور الذي هو ليس أن من أعطى قد أعطى ما لا يملك وفقط بل وأيضاً أن الذي أعطى قد أعطى لمن لا يستحق .

كان الصهاينة يعتقدون ، وربما لا زالوا ، أنه لا بد من إراقة دماء اليهود وذبحهم وحرقهم حتى يرضون الرَّب ، الذي يعتبرونه ربهم وحدهم ، ليفي بـ»وعده» لهم بالعودة إلى الأراضي التي أخرجوا منها التي هي فلسطين ولذلك فإنهم أطلقوا على المذابح التي إرتكبها النازيون ضد أتباع الدين اليهودي نساءً وأطفالاً وشباباً وكهولاً: «الضحية أو الذبيحة من أجل إرضاء هذا الرب «وقد كانوا فرحين لأنها ستشكل ضغط ضمائر على العالم الأوروبي المتفوق لتحقيق وعد بلفور وحيث كانت هذه الأرض التي يعتبرونها موعودة «حصة» لبريطانيا العظمى عندما تقاسم وزير الخارجية البريطاني ووزير الخارجية الفرنسي هذه المنطقة العربية وفقا لما سُمي: إتفاقيات سايكس – بيكو التي بات الحديث عنها يجري كثيراً في هذه الأيام.

ثم وإنَّ المعروف أنَّ شيوخ إيران وبعض مُعمميهم كانوا يدفعون حتى الأطفال الصغار وبمآت الألوف إلى «محرقة» الحرب العراقية – الإيرانية بحجة أن بذل المزيد من الدماء في مثل هذه المواجهات سيقرب الفرج عن المهدي المنتظر وسيُّعجل بعودته وهذا هو ما يفعله الطائفيون الذين يستغلون الأبعاد المذهبية لدفع أبناء هذه الطائفة الكريمة ،التي لا شأن لها في حقيقة الأمر في هذا الصراع المحتدم في سورية وفي العراق وأيضاً في لبنان واليمن، الذي هو صراع قومي - سياسي بين الفرس والعرب لا علاقة للشيعة ، أتباع المذهب الجعفري الأثنى عشري الشريف تحديداً، به ولا للمهدي المنتظر رضي الله عنه .

إنَ هذا هو ما يفسر وما يوضح ويحدد دوافع التفجيرات الإرهابية التي ضربت مدينتي طرطوس وجبلة على الساحل السوري ،التي هناك إتفاق شامل بين المحللين والمتابعين على أن نظام بشار الأسد ومعه إيران وحزب الله وبعض الميليشيات الطائفية الأخرى وبمباركة روسية على الأقل هو من قام به ليس من أجل تقريب فرج الإمام الغائب والتسريع في عودة المهدي المنتظر بل من أجل إلزام الطائفة العلوية بالإلتفاف حوله وتقديم المزيد من أبنائها لهذه المحرقة المدمرة هذا أولاً أما ثانياً فمن أجل إرتكاب القوات الروسية بسلاحها الجوي وبغيره ومعها قوات العائلة «الأسدية» المزيد من المذابح إن في حلب أو في إدلب أو في سهل الغاب وأطراف دمشق وفي منطقة الحدود مع الجولان والمناطق الحورانية الجنوبية.

إن هذه «الذبيحة» ليس من أجل الرب، الذي هو مُنزَّهٌ عن كل هذه الجرائم والأفعال الدنيئة ، ولا من أجل «التعجيل» بعودة الإمام الغائب وإنما من أجل مؤامرة أفتعلها هذا النظام ومعه إيران ومن خلفهما روسيا لتصفية بعض فصائل المعارضة السورية ، التي ليس من بينها لا «داعش» ولا «النصرة» ، ولتدمير باقي ما تبقى من مدن سورية وقراها.. وأيضاً ربما من أجل التمهيد لإقامة الدولة الطائفية التي هي أحد الخيارات التآمرية المطروحة والتي سماها بشار الأسد في بيان معلن :»الدولة المفيدة» ... ويبقى هنا أنه لا بد من الإشارة إلى أمرين هما:الأول ، إن جبلة هي بلد المجاهد الكبير عزالدين القسام الذي قاد إحدى أهم ثورات فلسطين وأستشهد ودفن في منطقة جنين ، رحمه الله ، وثانيا ، أن الخبراء من أبناء هذه المنطقة الساحلية يجمعون على أنه من المتعذر إدخال ولو متفجرة واحدة إلى هذه المنطقة بدون علم الأجهزة الأمنية السورية الرسمية وتسهيلاتها ... فكيف إذاً والتقديرات تشير إلى أنَّ أطناناً من المتفجرات قد أستخدمت في هذه الجريمة التي لا يمكن تبريرها وحتى وإن «صحَّت» إدعاءات تحميل مسؤولياتها إلى بعض التشكيلات المعارضة  وبالطبع فإنها إدعاءات «مُفبركة» وغير صحيحة .

======================

أين أصبحت العواصم الأربع التابعة لإيران؟ .. ياسر الزعاترة

الدستور

الاربعاء 25-5-2016

من يتابع سيل الهذيان الذي يتدفق من أفواه قادة إيران، ومن وسائل الإعلام التابعة، يدرك حجم المأزق الذي يتخبط فيه القوم، ويدفعهم إلى ترديد هراء لا يمر على عقول الأطفال، وفي مقدمته الحديث عن الجماعات التكفيرية التي تدعمها أمريكا والكيان الصهيوني.

حين يتصاعد مأزق أي طرف، فإن الكذب والهذيان يغدو جزءا من خطابه السياسي، بخاصة حين يكون الوضع الداخلي مضطربا بسبب صراع المحاور، فكيف حين يكون هو الأكثر أهمية في صراع سياسي يتعلق بالمصالح والنفوذ؟!

بعد سيطرة الحوثي على اليمن، أصيب القوم بالهستيريا، وصاروا يتحدثون عن السيطرة على أربع عواصم عربية، بل إن بعضهم قد ذهب أبعد من ذلك عبر التبشير بالزمن الجديد، واستعادة ثارات تاريخية عمرها بضعة عشر قرنا.

خرج الخطاب المذهبي من القمقم، وسادت الهستريا، لكن المشهد ما لبث أن انجلى عن مأزق بالغ العمق، وصارت العواصم الأربع أشواكا في حلوق القوم، ولو عادوا سنوات إلى الوراء فسيدركون أي مأزق يتخبطون فيه الآن؟!

والحال أنه ما من شيء في السياسة يعادل كسب عداء غالبية المسلمين، واليوم تصنف إيران بوصفها عدوا لهم، بل لا نعدم من يضعها قبل الكيان الصهيوني في سلم العداء، تبعا لما ترتكبه من جرائم؛ بخاصة في سوريا.

كانوا يسيطرون على العراق، ولهم النفوذ الأكبر في سوريا، وكذلك في لبنان، لكن المشهد اليوم يبدو مختلفا، فكل العواصم المذكورة تتمرد، فيما لم تضف سيطرة الحوثي على صنعاء سوى مأزق ونزيف جديد.

العراق يتمرد، حتى من قبل الشيعة أنفسهم، ونسمع شيعة يهتفون وسط بغداد: “إيران برا برا”، فيما كان سليماني هو الحاكم بأمره قبل سنوات، وكانت الخسارة بسبب دعم طائفية المالكي التي أعادت العرب السنة إلى السلاح، بعد أن ذهبوا للعملية السياسية.

لو مرت ثورة سوريا دون عناد إيران، لما كان للشعب السوري أن يعاديها، ولبقي لها في العراق النفوذ الأكبر، ولكان لربيع العرب أن يبشر بزمن أفضل للجميع من كل الطوائف والمذاهب، لكنها أصرت على الجنون وغطرسة القوة، وذهبت نحو اليمن لكي تزيد النزيف.

اليوم، إيران تنزف في العراق، وتنزف في اليمن، وتنزف في لبنان، والأهم تنزف في سوريا ماليا وبشريا، وتزداد تورطا من دون أي أفق للحسم، ولا ننسى أن مأزق سوريا هو الذي دفعها لقبول الاتفاق النووي الذي كان معروضا عليها بشكل أفضل قبل سنوات.

لا يعني ذلك أن الآخرين مرتاحون، فهم في مأزق أيضا، لكن من فرض هذا الحريق وخدم الأعداء هم محافظو إيران، وهم من كسبوا عداء غالبية الأمة، ونزيفهم يتصاعد، فيما يطالبهم الشارع بتحسين وضعه، ونتيجة الانتخابات شاهدة على ذلك.

إنه غرور القوة الذي يقتل الإمبراطوريات والدول، بل وحتى الجماعات أيضا، وقد قلنا منذ البدء إن سوريا ستكون أفغانستان إيران، وها إن الوضع يؤكد ذلك، فيما سنبقى ننتظر لحظة الرشد التي يأتي فيها محافظو إيران إلى تسوية توقف هذا الحريق الذي دمّرنا، ودمّر التعايش، ولم يخدم سوى أعداء الأمة، وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني.

======================

لماذا تراجعت التبرعات المالية للسوريين؟! .. ماهر ابو طير

الدستور

الاربعاء 25-5-2016

تقول كل المؤشرات ان المساعدات المالية المحولة للسوريين في الاردن، من افراد عرب وسوريين في الخارج، الى افراد في الاردن، أو عائلات او مجموعات، انخفضت خلال الفترة الاخيرة، ونحن هنا نتحدث عن المساعدات المالية التي يتبرع بها عرب وسوريون، لأي سوريين محتاجين في الاردن، مباشرة، او عبر جمعيات.

هذا التجفيف يتم لعدة اعتبارات، ابرزها ان هناك نقصا في الموارد المالية بشكل عام، بين السوريين والعرب خارج الاردن، في العالم العربي، واوروبا واميركا، اذ يلمس الجميع كسلا اقتصاديا بدأ يترك اثره على قدرة هؤلاء بالتبرع لافراد او عائلات، في دول اخرى، يضاف الى ما سبق، ان الازمة السورية، باتت ازمة مزمنة، وقد يشعر كثيرون ان جهود اطفاء الحاجة او الفقر، لا تؤتي اي أثر، فالازمة السورية، تولد المزيد من المشاكل ومضاعفاتها، وليس متوقعا لها ان تتراجع حدتها، هذا فوق ان طبيعة العرب والسوريين ايضا، طبيعة عاطفية، تجعلهم يتجاوبون عاطفيا مع احتياجات السوريين الفردية، ثم ما يلبث هذا التعاطف بالتراجع، مع فتور الهمة والانفعال.

هذا الجانب المتعلق بتبرعات الافراد لا يتنبه له احد، فكل الحديث ينصب عن تبرعات الدول للدول المستضيفة، او لذات الاشقاء السوريين، مباشرة، او عبر مؤسسات اردنية او جمعيات، او عبر دعم الموازنة لتنفيذ برامج محددة، لكن اللافت للانتباه هنا، ان كل القراءات والتحليلات تركز على مستوى هذه المساعدات، ولا احد يتنبه حصرا الى الاهمية الكبيرة جدا لتبرعات الافراد للافراد، والتي تخفف من حدة اللجوء، وهي التي تتعرض اليوم لتراجع كبير، وستقودنا الى واقع آخر تماما.

هذا يعني ان الاشقاء السوريين في الاردن سيتعرضون لتغييرات اصعب، فقد كانوا يعتمدون اولا على مساعدة المؤسسات الدولية، وعلى ابنائهم او اقاربهم خارج سورية، وعلى مالديهم من مدخرات اذا توفرت، وعلى مصادر عملهم ووظائفهم، وعلى تبرعات الافراد للافراد او العائلات، والملاحظ ان كل حزم المساعدات تتراجع، لصالح اعتماد السوري على احد من اقاربه، فقط، او على وظيفته ان كان يعمل، مما يعني ان مصدرا اساسيا مهما بدأ يخرج تدريجيا من المشهد، اي تبرعات الافراد لأفراد، او لعائلات، عبر قنوات وسيطة، او خيرية.

كل هذا سيترك آثارا سلبية على السوريين، وبتنا نسمع ان الاشقاء يتعثرون في دفع ايجارات بيوتهم، او لا يتمكنون بشكل كلي من تسديد التزاماتهم، بسبب التراجعات في تغذية احتياجاتهم المالية، وهذا امر يفرض بصراحة على السوريين، قضايا عدة، ابرزها انعاش الدعم المالي الذي كان يتدفق من اغنياء عرب او ميسورين سوريين، اضافة الى التكيف المسبق مع فكرة نقص الموارد المالية، والمؤكد هنا، ان كل هذا سوف يترك اثرا اجتماعيا ليس سهلا على الكتلة السورية في الاردن، فوق الاثر الاقتصادي على الواقع الاردني المثقل اصلا بمشاكله وبهمومه.

لابد من وقفة مع قصة تراجع تبرعات العرب والسورييين، للاشقاء السوريين في الاردن، وبرغم انها طوعية، الا انها كانت تخفف بقوة من أثر اللجوء، سواء عن السوري ذاته، او حتى عن الدول المستضيفة، بما في ذلك الاردن.

======================

هل يقبل السوريّون رفعت الأسد بديلاً؟ .. سركيس نعوم

النهار

الاربعاء 25-5-2016

بدأ أحد أبرز المسؤولين النافذين في تجمّع لغالبيّة المنظّمات اليهوديّة الأميركيّة اللقاء بأسئلة كثيرة عن "حزب الله" وعن أسلحته وإذا كان لا يزال يتلقّى أسلحة. فأجبتُ: لا أحد يعرف لكن إسرائيل تراقب ما يجري في سوريا ولبنان، كما تفعل ذلك دول أخرى. وهي تضرب بين حين وآخر ما تقول أنه شحنات أسلحة لـ"الحزب" في أثناء نقلها لتخزينها داخل سوريا وفي لبنان، علماً أن "الحزب" في رأيي لا يحتاج إلى أسلحة لأن لديه منها الكثير. ربما هو يحتاج إلى ذخائر. علّق: "صحيح ما تقول. لكن هناك قطع غيار محدّدة يحتاج إليها "الحزب" لإبقاء صواريخه جاهزة للاستعمال". رددت: هذه القطع وغيرها قد تصل بوسائل أخرى متنوّعة. فالحدود مفتوحة وكل "الناس والجهات" مُخترقة. هل تعرف أن المتقاتلين في أثناء حروب لبنان كانوا يوقفون إطلاق النار للتفاوض على تبادل تهريب ما يحتاجون إليه من سلاح وذخائر وغير ذلك في مقابل المال؟ ما رأيك في رئيس تركيا رجب طيّب أردوغان؟ سألتُ. أجاب: "رأيته وكانت لي جلسة معه. انه عثماني وطموحاته عثمانيّة. مع إسرائيل لم تجد حلاً لها مشكلاته كلّها. لكنه يقول إنه يعمل لحلّها. فسألتهُ: ألم تتوصّلوا إلى اتّفاق معها كما سمعنا أخيراً؟ وبحسب علمي كل مواد البناء التي تصل إلى غزّة من إسرائيل تستعمل في بناء الأنفاق. أجاب: "لأن ما عندهم في غزّة طرقات. وصادراتهم من الخضراوات وفي مقدّمها البندورة تحتاج إلى أنفاق". فعلّقت ضاحكاً: أفهم أن تكون الأنفاق مع مصر من أجل المواد الغذائية ومنها البندورة والمحروقات والتهريب الذي تقوم بها المافيات. لكن الأنفاق موجّهة نحو إسرائيل، لماذا؟ طبعاً لم يجب الرئيس التركي عن ذلك".

انتقل الحديث إلى سوريا وما يجري فيها منذ الـ 2011. فسأل: "هل يمكن بقاء الأسد؟". أجبتُ: أميركا أوباما ليس عندها سياسة لسوريا واستراتيجيا للمنطقة كلّها. ردّ: "صحيح ذلك". تابعتُ: كان رأيها في الماضي إبقاء الأسد وتغيير الذين من الحلقة الضيّقة حوله ملطّخة أيديهم بالدماء. كما كان رأيها أن إبداله ممكن بشخص آخر من طائفته قادر على الإمساك بالجيش والأجهزة الأمنية. ربما كان ذلك ليُقبل في حينه. لم يكن تنظيم "داعش" قد وُلد بعد أو بَرَز، وكان حجم القتل والدمار لا يزال مقبولاً. لكن بعد مئات الآلاف من القتلى والجرحى وملايين المهجّرين داخل سوريا وخارجها لا أعتقد أن السوريّين الثائرين وحلفاءهم سيقبلون هذا الأمر. علّق: "لكن هناك مرحلة انتقالية". رددتُ: ليست المشكلة في المرحلة الانتقالية إذ قد يقبلها معارضوه والثائرون عليه. لكنها في صلاحيّاته. إذ لا يُعقل أن يبقى مُمسكاً في المرحلة الانتقاليّة بالجيش والأجهزة ومدعوماً من عسكر "حزب الله" و"الجيش الإيراني" والميليشيات الشيعيّة العربيّة وغير العربيّة بترتيب من طهران وبدعم من روسيا. فأمر كهذا يعني أنه سيبقى ونظامه وطائفته حكّاماً لسوريا. وهذا لن يقبله سنّة سوريا وهم غالبيّة شعبها. سأل: "هل يقبلون رفعت الأسد شقيق الرئيس الراحل حافظ الأسد وعمّ الرئيس الحالي بشار؟" أجبتُ: أنت تعرف أن رفعت هو الذي قاد عملية حماه عام 1982 التي "انتهت" بقتل 20 إلى 30 ألف من السوريّين السنّة المنتمي قسمٌ مهمّ منهم إلى "الاخوان المسلمين"، والتي أنهت تمرُّد هؤلاء بعد سنتين من الملاحقات المستمرّة والبطش. فهل تعتقد أن سنّة سوريا سيقبلونه اليوم؟ كانت له علاقة جيّدة مع الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز. لكنه صار الآن في جوار ربّه. فضلاً عن أن الظروف تغيّرت. علّق: "هو على اتصال معي وأراه بين حين وآخر. كنت سألتقيه مؤخّراً لكنه دخل المستشفى. لم أشأ زيارته هناك لأنّه مُراقب دائماً على رغم إلحاحه. لا أعتقد أنه سياسي. ولا أعتقد أن بشّار يقبل به ولا حتى العلويّون على وجه الإجمال". قلتُ: في رأيي التوصّل إلى حل في سوريا ولأزمتها وحربها الأهليّة لن يتمّ في سرعة. ردّ: "يحتاج إلى Decade أي عقد من الزمن (10 سنوات) على الأقل". علّقتُ: في هذه الأثناء أعتقد أن ما سيحصل هو تقسيم واقعي لسوريا في انتظار الحلول الجدّية والنهائيّة. وفي أي حل موقّت نهائي أشك في أن تكون هناك سيطرة للأقليّة الحاكمة على سوريا كلّها. العلويّون سيحكمهم الأسد وربما غيره لاحقاً. أمّا المناطق السنيّة فستتقاسمها التنظيمات المسلّحة. كما ستكون للأكراد منطقة حكم ذاتي. بماذا علّق احد أبرز المسؤولين النافذين في تجمّع لغالبيّة المنظّمات اليهوديّة الأميركيّة؟

======================

حرب جانبية خطيرة في سوريا .. موناليزا فريحة

النهار

الاربعاء 25-5-2016

وقت كان قائد القوات الاميركية في المنطقة الجنرال جوزف فوتيل يزور كوباني ويتفقد الاستعدادت الجارية لإطلاق معركة تحرير الرقة التي طال انتظارها، كان "داعش" يتحرك خارج معقله بسهولة ويضرب في طرطوس وجبلة في اللاذقية، المحافظتين اللتين سلمتا حتى الآن من وحشيته. وبذلك، لم يقترب من معقل النظام فحسب، وإنما من الحصن المنيع لروسيا التي جعلت قاعدتها البحرية في المدينة الساحلية رمزاً لعودتها المظفرة الى المنطقة.

لا وجود معلناً لـ"داعش" في طرطوس واللاذقية، ولا هو سجل نشاطا في منطقة الساحل السوري منذ اخراجه منها في آذار 2014. ومع ذلك، قد تكون التفجيرات التي هزت المنطقة الاثنين الفائت الأكثر دموية في النزاع السوري، وهي ليست بسيطة، ولا شك في أن طريقة تنفيذها تطلبت بنى تحتية كبيرة وشكلت خرقاً واضحاً لتحصينات النظام وميليشياته.

صار إرهاب "داعش" كما فنونه الدموية، من المحطات البديهية في يوميات السوريين. لكنّ اختراق التنظيم تلك المنطقة تحديدا بسيارات مفخخة وانتحاريين، ينطوي على أهداف تذهب أبعد من نشر الرعب وإيقاع العدد الأكبر من الضحايا من المدنيين. ولعل ما حصل عقب الهجمات من اقتحام مؤيدين للنظام مخيما للاجئين وقتل سبعة من السنة المدنيين هو تحديداً ما رنا إليه "داعش".

منذ نشأته لم يكن خلع نظام الأسد أولوية لتنظيم أبو بكر البغدادي. كان هدفه الأبرز إشعال فتن طائفية تضعف المعارضة المعتدلة وتعزز شعبيته بين السوريين وتقوي المتطرفين. وسبق لأسلافه في العراق أن استخدموا هذه الاستراتيجية بدم بارد، وتعذرت السيطرة عليها إلا بعدما حصدت آلاف الضحايا من المدنيين. على رغم كل التقارير التي تتحدث عن إنهاك "داعش" وانحسار موارده وتراجع عدد المجندين في صفوفه، يثبت التنظيم مجدداً أنه لا يزال قادراً على شنّ هجوم هو من الأكبر له منذ ظهوره في المسرح السوري، ويؤكد مجدداً أن هدفه الرئيسي هو دفع سوريا إلى مزيد من الاقتتال الطائفي.

ما حصل في جبلة وطرطوس يجب ان يشكل جرس إنذار، وسط حرب جانبية تدور بين الفصائل المعارضة العربية والكردية في شمال سوريا، من الحسكة الى القامشلي وحلب وقد تقوض الجهود لدحر "داعش". ووقت تكثف واشنطن جهودها لاقتحام الرقة بـ"قوات سوريا الديموقراطية"، يُخشى تفاقم هذه النزاعات، في ظل اقتناع بأن هذه القوات ذات غالبية كردية، وأن العرب السنة ليسوا إلا أقلية ضئيلة فيها.

صحيح أن الدعم الأميركي لهذه القوات أتاح تحقيق مكاسب مهمة ضد "داعش" في الشمال السوري، إلا أن جعلها رأس حربة في معركة كالرقة، قد يزيد الانقسامات في المنطقة تفاقماً، وهو ما قد يستغله "داعش" لإثارة مزيد من الاقتتال بين الفصائل المعارضة، العربية منها والكردية، وتحويل الهجوم عليه معركة لمد نفوذه مجدداً خارجها.

======================

سوريانتسا على أوراق دي ميستورا .. عمار تباب (سورية)

العربي الجديد

الاربعاء 25-5-2016

ليس التاريخ سرداً للأحداث، ولا تسجيلاً للوقائع، بل هو، كما قال ابن خلدون، ظاهره أخبارٌ وسوابق، وباطنه تعليلٌ وحقائق، فكيف بنا إذا كنَّا أمام تاريخٍ لم تتباعد شواطئه، ولم تتبدَّل رواسيه.

ما زالت تتبادر إلى الأذهان خيالات تلك الكلمة على ذلك الجدار (united nothing)، والتي اختصرت معاناة شعب، سيق إلى الموت تباعاً، حين قامت القوات الصربية بعمليات تطهير عرقي ممنهجة ضد المسلمين "البوشناق" في البوسنة، وقد حدثت الجريمة على مرأى من الفرقة الهولندية التابعة لقوات حفظ السلام الأممية، من دون أن تقوم بأي شيء لإنقاذ المدنيين، في جريمةٍ قالوا عنها في حينه إنها جريمة العصر.

ولكل مِصرٍ عصر، ولكل عصرٍ جريمة، فهنا على أرض سورية، يُراد لأطراف ما قيل عنه الصراع أن يعيد كلٌ منهم تمثيل دورٍ تمَّ بناء عناصر شخصيته في سربنيتسا قبل عشرين عاماً.

بشار "كاراديتش"، معارضة "البوشناق"، والأمم المتحدة نفسها، هذا هو باختصار توزيع الأدوار لمسرح الجريمة الجديدة.

وأمام هذه الاسقاطات، يصبح من السهل على أي قارئ للمشهد استيعاب السيناريو، في فصوله الثلاثة التي حددتها أوراق المبعوث الأممي إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، عندما لخَّص خطته في مراحل ثلاث، تبدأ بوقف إطلاق النار وتنتهي بشكل مستقرٍ لسورية، مروراً بفترة انتقالية متمثلة بهيئة حكم انتقالي، والتي لن تلاحظ فرقاً بينها وبين أوراق الأمم المتحدة في أثناء الحرب في البوسنة.

ليس غريباً اليوم، الحديث عن تطورٍ "حقيقي" على صعيد إدخال المساعدات إلى المناطق المحاصرة، وفق ما أعلن عنه دي ميستورا، في ختام اجتماع لمجموعة العمل الدولية حول الشؤون الإنسانية في جنيف.

ليس غريباً اليوم، الحديث عن إيصال المساعدات إلى أكثر من 680 ألف شخص في المناطق المحاصرة، من دون الحديث عن محاصرهم.

 

ليس غريباً، اليوم، الحديث عن أكبر شاحنة مساعدات إنسانية مشتركة في الرستن، على لسان المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الاحمر، بافل كشيشيك، أو الحديث عن إخلاء لجرحى ومرضى في الزبداني أو مضايا، من دون الحديث عمن قطع عنهم الدواء والحياة، إلا كمتفضلٍ ومانحٍ لهم إياها.

ليس غريباً اليوم، ألا تسمع شيئاً عن قصف للنظام على كامل الخريطة السورية، لملاحقة المعارضين "البوشناق"، الذين ألحق بهم تنظيمات متطرفة ليقاتلهم بها تارةً، ويقتلهم بحجتها تارةً أخرى، بمساندةٍ دولية.

اشتدادٌ لمعارك النظام ضدَّ تنظيم الدولة في تدمر ومناطق مختلفة، تعيد إليه في أيام ما عجزت عنه التحالفات الدولية في شهور، لتكون أشبه بعمليات تسليم، حالها حال عمليات الاستلام السابقة.

ودفعٌ للتنظيم باتجاه الشمال، ضدَّ الكتائب المعارضة هناك، ليعود الخوف من رايات سوداء لم تحظ بمكانٍ لها في تلك المناطق سابقاً، لتسلب عن تلك المناطق هدنةً لم ترق إلى الحديث عن هشاشتها.

ومن جانب آخر لن تلقاه غريباً، اتهام النظام لمعارضيه بالتطرف في جنيف، على لسان مندوبه، بشار الجعفري، لأنه لا يحق للضحية في عالمنا أن تحتج على ما يمارس ضدها من استبداد أو اضطهاد أو قتلٍ وتهجير.

انسحاباً متئداً، كان انسحاب وفد الهيئة العليا للتفاوض من جنيف، بعد إعلان منسقها العام، رياض حجاب، تعليق الهيئة مشاركتها في المفاوضات، احتجاجاً على ممارسات نظام الأسد بحق المدنيين، والتي لم يرض الأخير وصفها بانتهاكات للهدنة وإنما بانتهاكات مستمرة.

المعارضة التي قرّرت قلب الطاولة على الجميع لتجد نفسها خارج الطاولة أساساً، مع الحديث عن استمرار المباحثات في 25 من إبريل/ نيسان الجاري، من دون أن يدرك الوفد المعارض، أو ما يطلق عليه وفد الرياض، من الذي سيجلس قبالة النظام، حتى خرج على لسان الناطق الرسمي باسمها أن النظام ربما يفاوض نفسه من خلال معارضةٍ صنعها على قياسه، لتشاركه آماله وتطلعاته.

ربما يمكن الحديث في المشهد السوري عن تطور لافت لدور المجتمع الدولي في القضية السورية، من بداية الأحداث وحتى الآن على مستوى إدارة الصراع، وليس البحث عن حلولٍ له.

ابتداءً بتصعيد الأحداث، أو تهدئتها، وانتهاءً بفرض سيناريوهات جاهزة لنهايتها، مروراً باستخدام للفيتو من أطراف شاركت بنفسها في الحرب ضد شعبٍ أعزل قتلت منه الصغير والكبير والمرأة والعاجز، وإذكاء للتطرف، واختياراً لوفود ممثلة لثورةٍ أو مجتمع أبعد ما تكون عنه، كاستشاريين لمندوب نفذ دوره جيداً، بخططٍ منسقة على أوراقه، مُحِي عنوانها، ليبقى ظاهراً لمن تمعن به "سوريانتسا".

======================

الأساس الثقافي للمحنة السورية الراهنة .. د.عبدالله تركماني

كلنا شركاء

الاربعاء 25-5-2016

يعيش الشعب السوري محنة حقيقية تجلياتها متشعبة: مئات آلاف القتلى والمعتقلين، ملايين النازحين داخلياً، ملايين اللاجئين إلى الخارج، ملايين البيوت المهدّمة، عشرات ألوف المعوّقين، تصدّع مجتمعي، طغيان العسكرة والتطرف والإرهاب، مهزلة انتخابات مجلس الشعب، تعثر مفاوضات جينيف 3 …

وإزاء كل ذلك، يبدو أنه من الضروري أن يعمل المثقف النقدي على إعادة صياغة وترتيب أفكـاره، بما يمكّنه من فهم وتشخيص هذا الواقع، ومن ثم الانخراط في تغييره نحو اتجاه تحقيق مطامح الشعب السوري في الحرية والكرامة والتكيّف الإيجابي مع معطيات وتحولات العالم المعاصر.

المسألة أننا لم نحسن الخروج من عجزنا وقصورنا لكي نتحول إلى مشاركين في العالم المعاصر بصورة غنية وخلاقة. ولعل ما أعاقنا عن ذلك هو ديمومة الاستبداد والحمولات الأيديولوجية والمسبقات الدوغمائية وطغيان الخطاب الشعبوي الذي منعنا من استثمار طاقاتنا على الخلق والتحـول، بقدر ما حملنا على أن لا نعترف بإنجازات الغرب والتعلّم منه، أو الذي جعلنا نتعامل مع هذه الإنجازات بعقلية تقليدية عقيمة وغير منتجة.

وقد أدى كلُّ ذلك إلى تصاعد نزعات التعصب والتطرف، وتزايد عمليات الإرهاب، وارتفاع درجة العنف الذي صاحب الدعوة إلى الدولة الدينية، أو صاحب الاتجاهات التقليدية الجامدة التي تصف التحديث ببدعة الضلالة المفضية إلى النار.

ولعل التحدي الأكبر الذي يستوجب على السوريين مواجهته هو التحكم في نقاط ضعفهم نفسها، التي كشفتها ثورة الحرية والكرامة، خاصة مخاطر الخيار الأمني لسلطة آل الأسد وعبثية العسكرة والأسلمة والتطرف، وفي مقدمتها عدم قدرة معارضاتها السياسية على تشكيل خيمة سورية جامعة، واكتشاف هذه النقاط وإدراك النقائص والسعي إلى معالجتها. هذه هي الخطوة الأولى نحو تكوين الفاعل السوري القادر على تحديد أهداف وبلورة خريطة طريق للوصول إليها. وسؤال المستقبل عنصر تكويني في هذا الوعي وعلامة عليه، سواء في حرصه على الارتقاء بالإنسان السوري من مستوى الضرورة إلى مستوى الحرية، أو الانتقال بالمجتمع السوري من التأخر إلى التقدم.

وهكذا، لابدَّ من التأكيد على مجموعة جوانب مترابطة للتغيير، الذي يمكّننا من القطيعة مع التأخر والتحرر من المحنة السورية:

(1)- مبدأ الحرية والاختيار، لأنّ الحرية ترتبط بالمسؤولية وتنفي الحتمية أو الجبرية، وتجعل من الضروري إلقاء الضوء على فعل الاختيارات الممكنة تاريخياً، وصنع الاختيار انطلاقاً من الوعي بمعطيات الواقع والذات.

(2)- النسبية والتنوّع والاعتراف بالآخر، فكل حقيقة نسبية، ولكل فكرة تجلياتها الجزئية، ومن حق المجتمع أن يطّلع على كل الاختيارات المتاحة، التي تبلورت بحرية، وأن يختار من بينها.

(3)- ثقافة حسن الاختيار، إذ يترتب على القول بنسبية كل حقيقة أنّ أي اختيار يكون صائباً بقدر ما يتفق مع معطيات الواقع، ويحلُّ بعض أهم معضلاته.

(4)- المؤسساتية، إذ تحتاج الثقافة السورية احتياجاً أساسياً وعميقاً لاستيعاب أهم منجزات الحداثة وهي المأسسة، بما تنطوي عليه من: تمييز الخط الفاصل بين الشخصي والعام فيما يتعلق بالدور والملكية والسلطة، والاتصال والديمومة في أداء الوظائف، والدقة البالغة في تعيين الاختصاص والتمييز بين الأدوار، وتقسيم العمل، وإحداث التكامل بين الوظائف والاختصاصات عبر آليات مستقلة – نسبياً – عن الأشخاص، بهدف الجدوى من العمل.

(5)- التصحيح المستمر والنظر للمستقبل، فبسبب المساحة المهيمنة للمطلقات، والتعلق الشديد بالماضي، لا يحتل المستقبل المساحة الجديرة به في الثقافة السورية، وكأن الزمن لا يفعل سوى إعادة إنتاج نفسه في أنموذج مثالي سرمدي مطلق الصلاحية والحضور. ومن ثم، فإنّ الركود الممتد لأكثر من خمسة عقود له أساس قوي في ثقافتنا، والتحرر من الركود مرهون بتغيير وتجديد نظرتنا للمستقبل. إنّ المستقبل يحمل جديداً وليس مجرد إعادة إنتاج متواصل للماضي، ولذلك يجب أن نصحح – باستمرار – ما نعرفه وما نملكه وما نصنعه، وهو ما يعيدنا للقول بنسبية كل حقيقة بشرية وإخضاعها للنقد والتمحيص.

(6)- استعادة ثقافة المساواة والحق، فمثلاً لم ينجح السوريون في الاتفاق على حق المرأة في المساواة، وما زالت تلك الضرورة والحتمية متعثرة في الوعي وفي الممارسة على السواء، ونعتقد أنّ تحرير المرأة والإقرار بحقها في المساواة هو شرط مهم لتحرير عقولنا جميعاً، بل ولتحرير تاريخنا من الركود.

(7)- جدلية التعاون والتنافس، إذ يجب أن نغرس في الثقافة السورية فكرة أنّ التطور رهن بالتنافس والتعاون معاً، ومن ثم أولوية النضال السلمي من أجل حل التناقضات حلاً عادلاً، ودون إخلال بالحق.

وهكذا، يبدو واضحاً أننا أحوج ما نكون إلى عملية إحياء ثقافي. فالثقافة السورية الراهنة تمرُّ في مرحلة انحطاط وردّة واضحين، فهناك تراجع عن الفكر العلمي لفائدة الفكر الخرافي، وهناك استفحال ظاهرة الخطاب الماضوي الذي يجهد في محاولة إرجاع سورية إلى العصور المظلمة، ويحفّزها على التشبث بمرجعية ماضوية، وكأن الماضي ينبغي أن يحكم الحاضر والمستقبل.

======================

موقفنا : الإدانات التمييزية رسوبات عنصرية وتعبيرات استفزازية وتحريض على الكراهية .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 25-5-2016

ست سنوات مرت ورحى القتل في سورية تطحن شعبا من الرجال والنساء والأطفال من المستضعفين الأبرياء . تدير رحى القتل في سورية إرادة شيطان رجيم ، ما يزال المجتمع الإنساني والمجتمع الدولي يعترف به ( رئيساً لدولة ) ، فيمكنه مع كل يوم ينشق فجره من رقاب إنسانها وأوابد عمرانها .

ست سنوات ويتحول القتل المستحر في الشعب السوري إلى هواء ، يتنفسه السوريون مع كل شهيق أو زفير . ست سنوات ومازال عديد القتلى من هذا الشعب المستضعف المسكين مجرد أرقام ، يتداولها أدعياء الإنسانية والحضارة وممثلو القانون الدولي في هذا العالم .

نصف مليون شهيد ،جلهم من المدنيين العزل ومن المستضعفين بلا حول ولا طول ، لا يعنون للسيد بان كيمون، ممثل المجتمعين الدولي والإنساني ولفيفه من بين يديه ومن خلفه ، غير الرقم خمسة مزيل بخمسة أصفار !! مئات الألوف من المعتقلين برسم ( التمويت والتذويب ) كما تشهد الوثائق المحايدة الناطق ، لا تعني للسيد بان كيمون ولفيفه غير أرقاما مصمتة لا حياة فيها ، ولا عواطف ولا مشاعر تضج في شرايينها !! وعشرة ملايين لاجئ سوري ، شردهم القاتل المجرم ومؤيدوه وداعموه والمتواطئون معه ، لا يرى فيهم السيد الأمين العام المحترم غير عبء إضافي على كاهله ، أو لعله يرى فيهم فرصة لتشغيل المزيد من العاطلين عن العمل في إطار منظمته المترهلة المنهارة ..

كل هذا يعايشه الشعب السوري ليل نهار ؛ ولكن ما أن تقع واقعة على بعض الضحايا من غير الهوية المرصودة للقتل والموت والتعذيب على نحو ما حصل ، في معلولا أو في سنجار وكوباني أو في جبلة وطرطوس ، حتى يبدأ الضجيج والعجيج والشخير والنخير ، ويرتفع الطفح الشرياني الإنساني ، وتتوالى التنديدات والإدانات والشجب والتجريم والتهديد والوعيد !! وكأن الناس الأولين الذين يقتلون في كل لحظة وحين ، مجرد هوام أو صراصير ، وكأن المجرم المساند دوليا رجل البراهمة الهندي يقتل لمنبوذ ، أو النبيل ذي الدم الأزرق يقتل عبده الآبق ، أو كأن ما سمعه العالم من أوس الخفاجي دعاية تجارية لمبيد حشري فتاك ، بدأت بعض الدول تحرمه رحمة بالحشرات ,,,,,

وتأكيدا لحقيقة أننا نؤمن أساسا بوحدة الأصل الإنساني ، وبقدسية الحياة الإنسانية ، وبالمساواة المطلقة بين البشر . ونرفض رفضا قاطعا ساطعا التمييز بين المجرمين أو التمييز بين الضحايا على الهوية ؛ فإننا سنظل ننظر إلى الجريمة على أنها جريمة . وسنظل ننظر إلى الجريمة التي يرتكبها المجرم على كرسي المسئولية ، والممسك بعصا السلطة على أنها الجريمة الأكبر والأخطر والأولى بالإدانة ..

إننا واعتبارا لكل ما سلف

ومن منطلقنا الإنساني ومن فقهنا الشرعي الإسلامي ندين العدوان على النفس الإنسانية على سواء . في حوران وفي الغوطة في حمص وفي حلب في الساحل في جبلة وفي طرطوس وفي الرقة ودير الزور كما في معلولا وعين العرب ...

وندين إلى جانب إدانتنا للجريمة المطلقة الإدانات التمييزية المنحازة التي يبادر إليها بعض المحسوبين على الآدمية ، والمحسوبين على الحضارة والمحسوبين على السياسة . ونرى فيها تعبيرا عن نزعة عنصرية ما تزال مترسبة في العقل الباطن، وفي أعماق اللاوعي لقيادات وجماعات ادّعت منذ قرن أنها انتصرت على نوازعها العنصرية المقيتة ، ليأتي امتحان الثورة السورية فيكشف عن هذه المكبوتات ، ويطلقها في تعبيرات عنصرية مقيتة وبغيضة وإن تبرقعت ببرقع الحضارة والإنسانية .

ونرى في هذه الإدانات المنحازة والتعبيرات العنصرية المقيتة رسائل استفزازية للسواد العام من أبناء الشعب السوري ، الذين يشيّعون في كل دقيقة شهيدا ، ويدفنون في كل ساعة أما أو طفلا قتله وكيل هؤلاء المجرمين من أدعياء الآدمية والإنسانية والحضارة والدفاع عن القانون الدولي وتبني شرعة حقوق الإنسان ..

ونعاين في هذه السياسات العنصرية التمييزية الاستفزازية ثمارا طلعها كأنه رؤوس الشياطين ، بما تدفع إليه من كراهية ، وتحرض عليه من نقمة، وتدفع إليه من مزيد من القطيعة والاحتراب ...

أيها العنصريون الكالحون ...

 لقد بدت عنصريتكم وكراهيتكم وبغضاؤكم من أفواهكم ونحن نعلم أن ما تخفي صدوركم على إنسان هذه الأمة ، وإنسان سورية وشعبها أكبر ..

أيها العنصريون الكالحون ...

سيظل أبناء هذه الأمة ، وشعب سورية في مقدمتهم ، حملة لواء الحضارة السواء ، الحضارة التي تدين الجريمة والمجرمين، بلا هوية ، الحضارة التي ترفض أن يكون أبناؤها مدافعين عن الخائنين والمجرمين ؛ الحضارة التي تنتصر لمظلومية الإنسان الضحية بلا هوية وتسطر قانونها الخالد : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا..

وليسقط القاتل المجرم بشار الأسد على كل بقعة من الأرض السورية ، وليسقط كل القتلة من أدواته وأعوانه ومسانديه وداعميه والصامتين عن جرائمه .

 وليسقط كل القتلة الذين يعتدون على الأبرياء من الناس فيقتلون ويشردون في دمشق وفي حمص وفي إدلب وفي حلب في دير الزور والرقة وفي اللاذقية وطرطوس وجبلة وعلى كل أرض وتحت كل سماء.

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

======================

التّمرين الإمبريالي الروسي في سورية .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الاربعاء 25-5-2016

هل هدف التدخل العسكري الروسي في سورية إلى التدريب، كما قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أم أنه أتى كاستعراض عسكري لأحدث الأسلحة الروسية، من أجل تسويق بيعها، كما أشار بوتين كذلك؟ أم كذلك يهدف إلى فتح بابٍ واسع للشركات الروسية، لكي تحصل على مصالح اقتصادية، كما قال سفير روسيا في دمشق؟ أم أيضاً هدف هذا التدخل منع سقوط النظام، كما كرّر بوتين مراراً، أو محاربة الإرهاب في سورية، قبل أن ينتقل إلى روسيا، كما كرّر كذلك؟

ربما كان هدف منع سقوط النظام أساسياً بعد اختلال ميزان القوى ربيع سنة 2015، واعتراف بشار الأسد بأن جيشه تلاشى، وأن الوضع بات خطيراً. لكن، بالتأكيد لم يكن هدف التدخل محاربة الإرهاب الذي يتمثل في تنظيمي داعش والنصرة، حيث استحوذت الضربات ضدهما على أقل نسبةٍ من الضربات الجوية الروسية، ولم يظهر أن روسيا تريد تصفية الإرهاب فعلياً، بل ظهر التواطؤ بينها وبين داعش على الأقل، وأن لها "داعشها" الذي يسيطر على مناطق واسعةٍ من شرق سورية.

ما ظهر في الواقع أن ضعف النظام وحاجته إلى التدخل الروسي كان المدخل للحصول على قواعد عسكرية في مناطق متعدّدة من سورية، مثل قاعدة حميميم في اللاذقية (وهي قاعدة أساسية)، والقاعدة البحرية في طرطوس التي تأسست قبل عقود، لكنها كانت مغلقة، وعدد من القواعد الأخرى في مناطق حمص. ومن ثم بات وجود قوات برية وجوية وبحرية يلعب دوراً أساسياً في الصراع ضد الثورة، وفرضت تعديل ميزان القوى، بحيث ظهر توازن تريد أن يختلّ أكثر لغير مصلحة الثورة، ويفضي إلى سحقها. وقد كرّست هذا الوجود باتفاق مذلّ، هو أقرب إلى الاحتلال، وقعه بشار الأسد حينما أُخذ إلى روسيا، كما يبدو. وهذا يعني أن روسيا حصلت على مرتكز عسكري مهم في "الشرق الأوسط"، وهو مهم في سعيها إلى تطوير دورها العالمي، وتوسيع سيطرتها، وفرض نفسها قوة عالمية أساسية، وربما كالقوة العالمية الأساسية بعد تراجع الدور الأميركي، والانسحاب من "الشرق الأوسط"، هذا "الشرق الأوسط" الذي يشكل مفصلاً في تكريس الدور العالمي لأي قوة.

إذن، ستكون حماية النظام من السقوط المدخل لفرض السيطرة وتأسيس القواعد العسكرية، من أجل تكريس روسيا قوة إمبريالية عالمية، لديها طموح الهيمنة العالمية. وهذا شكل إمبريالي كلاسيكي، مرّت به كل الإمبرياليات. وإنْ كان أتى ذلك على شكل "دفاع شرعي عن نظام يتهاوى"، على الرغم من سقوط شرعية النظام منذ بدء الثورة، وسعي الشعب إلى إسقاطه، فعادة كانت هناك مبرّرات لتدخل الدول الإمبريالية، مثل "تحرير العرب من الاحتلال العثماني"، أو "امتلاك الأسلحة النووية"، كما فعلت الإمبريالية الأميركية في العراق. وبالتالي، ليس "السبب" هو ما يجب أن يلفت الانتباه، بل طموح الدولة المتدخلة، وحاجتها لمبرر من أجل التدخل والسيطرة، فالدول ليست "جمعيات خيرية" (كما صرّح بوش الابن مرة)، بل تنطلق من مصالح رأسمالياتها، ومن طموح هذه الرأسماليات.

 

هذا ما ظهر في "الاتفاقات الاقتصادية" التي حصلت بعد الدعم السياسي الذي قامت به روسيا

"إمبريالية ناهضة في زمن الأزمة المستعصية على كل الإمبرياليات وللنمط الرأسمالي ككل" بعد بدء الثورة، لكي لا يتخذ مجلس الأمن قرارات بالتدخل كما حدث في ليبيا (على الرغم من أن الأمر لم يكن كذلك في سورية، وكانت أميركا غير معنية بالأمر أصلاً)، حيث تحصلت شركاتها على الاستثمار في النفط والغاز، وفي مشاريع اقتصادية كثيرة. وزادت بعد ذلك باستثمار حقول الغاز التي اكتشفت في البحر المتوسط مقابل الساحل السوري، ومشاريع أخرى في مجالاتٍ متعددة، وربما التقدم للاستحواذ على إعادة الإعمار. وهو ما يُظهر الطابع الإمبريالي لروسيا، ويوضح أن تدخّلها يهدف بالضبط، كما أوضح السفير في دمشق، حيث قال إن هذا الدعم سوف يخدم مصالح الشركات الروسية.

بالتالي، السيطرة الاقتصادية هي أساس التدخل الروسي في سورية، ولكي تتحقق وتُحمى، كان يجب أن تقام قواعد عسكرية، لأجلٍ "غير محدَّد"، كما نصت الاتفاقية الروسية السورية. وهنا، تصبح سورية سوقاً للسلع والرأسمال الروسي، حيث تنشط الشركات للحصول على مشاريع اقتصادية، واضح أنها بدأت في ذلك، حتى قبل انتهاء الصراع. وهي، في ظل سيطرتها العسكرية، تستطيع التحكم في "الصادرات والواردات"، وبالتالي، إلزام الدولة السورية بتحديد استيرادها من روسيا، وبإعطاء الأولوية للرأسمال الروسي. وهي السمة "المثالية" لكل إمبريالية.

نعود إلى "التمرين"، فملاحظة بوتين أن التدخل في سورية "أرخص" من تمرين تدريبي كانت تشي بعنجهية إمبريالية، يكمن خلفها "ضعف بنيوي"، لأنه لا يمكن أن يكون التدخل العسكري مطابقاً لعملية تدريب روتينية. بالضبط، لأنه مفتوح النهايات، فليس قرار بوتين هو الذي سينهي التدخل العسكري، وربما يكون التشدّد في الحسم العسكري، لإظهار قوة روسيا وتفوّق سلاحها، مدخلاً لتورط أفغاني يحاول بوتين الهروب منه، أو يحاول أن يوحي للشعب الروسي أنه لن يحصل. وهذا هو هدف الإعلان عن الانسحاب، على الرغم من أن القوات الروسية لا زالت كما كانت، وربما جرى تبديل بعض الوحدات، فقد اتضح، أخيراً، وجود عدة قواعد عسكرية، ووجود بري غير الطائرات.

لكن، من الواضح الأهمية التي يوليها الروس لإظهار تفوق السلاح الروسي. وهنا، نلمس الميل الإمبريالي إلى تصدير السلاح، وهو الصناعة الأكثر تطوراً في روسيا، بعد أن انهارت وتراجعت مجمل الصناعات الأخرى، حيث يجب إثبات كفاءتها "في الميدان". وهنا، على رأس الشعب السوري، العمل من أجل أن يتدفق الطلب العالمي لشرائها. لهذا، أعلن بوتين فرحاً أن مبيعات السلاح الروسي وصلت إلى 15 مليار دولار، وباتت روسيا البلد الثاني في بيع السلاح، بعد أميركا التي باعت بـ 36 مليار دولار العام الفائت.

بالتالي، تريد روسيا أن تثبت تفوقها العسكري من جهة، وأن يدفع ذلك إلى تشغيل مصانع الأسلحة لديها، بزيادة مبيعاتها من جهة ثانية. ولروسيا منظورها الإستراتيجي في تدخلها في سورية، حيث تعتبر أن السيطرة على سورية، وإظهار جبروتها هنا، المدخل لتسيدها العالمي، بعد أن تراجع وضع أميركا. إنها إمبريالية ناهضة في زمن الأزمة المستعصية على كل الإمبرياليات، وللنمط الرأسمالي ككل.

======================

مشايخ أم مواطنون في الثورة السورية؟ .. نجاتي طيّارة

العربي الجديد

الاربعاء 25-5-2016

تابعت الجماعات الإسلامية في غوطة دمشق القتال ضد أطرافها منذ أواخر إبريل/ نيسان الماضي، لكن قتالها الذي لم يتوقف، حتى قبل أيام، انتهى إلى استفادة النظام منه، ودخوله أكثر من اثنتي عشرة بلدة في القطاع الجنوبي للغوطة التي تضم مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، المنتجة للقمح خصوصاً، وتعتبر خزاناً غذائياً لدمشق وريفها، وحاضنة سكانية مهمة، ما تسبب في خسارةٍ عسكريةٍ كبرى للمعارضة، وموجة نزوح أخرى للعائلات، أضافت مآسيَ جديدة إلى ما تراكم من مآسي ذلك الريف.

وكانت تلك الجماعات التي يشكل "جيش الاسلام" و"فيلق الرحمن" و"جيش الفسطاط" أكبر قواها، قد بدأت صراعها، بعد موجةٍ من حرب البيانات والبيانات المضادة، تركّزت على مطالبة بين أطرافها بتسليم متهمين باغتيالاتٍ ومحاولات اغتيالاتٍ فيما بينها، وخصوصا من "جيش الإسلام" الذي انتشر وسيطر على معظم مناطق الغوطة الشرقية، منذ نهاية العام الثاني للثورة، واتهمه كثيرون بمارسات مستنكرة، من أشهرها اتهامه باختطاف الناشطة الحقوقية رزان زيتونة وزملائها الثلاثة، ولم يستجب قائده الراحل، زهران علوش، لجميع المطالبات بتحقيق حيادي ومستقل في المسألة.

تعارض الجماعات المذكورة كلها النظام وتعلن ذلك، وترفع راية الإسلام، كما هو معروف عنها، وواضح من تسمياتها، وهي لا تختلف، في تلك المرجعية وأهدافها، لكنها ذهبت في الخلاف فيما بينها إلى حد خطف رجالاتها وقادتها، كما استبدّت بشؤون الناس في مناطقها إلى درجة إقامة سجونٍ غدت أسماؤها تضاهي شهرة سجون النظام، مثل سجني الباطون والتوبة.

 

ولم تمنع مرجعية الإسلام الصراع بين قادة هذه الجماعات، كما لم يمنعهم من ذلك عداؤهم للنظام، وقد خالفوا أبسط شروط الوحدة في المعركة ضد العدو المشترك، فقدّموا مناطقهم وسكانها ضحيةً سائغةً له، بعد أن استخدموا كل صنوف أسلحتهم المتوفرة ضد بعضهم بعضاً، فذهب ضحية صراعهم ما يزيد على خمسمئة مقاتل ومدني، فضلا عن التدمير والخراب الذي أضاف مزيداً إلى خراب الغوطة ودمارها السابق الحاصل على يد النظام.

"ما حدث في غوطة دمشق اختباراً جديداً لمشاركة الإسلاميين في الثورة السورية، لكنه الاختبارالميداني الأخطر، نظراً لتداعياته الكبيرة، وتأثيراتها على مسار الصراع العسكري، في مرحلةٍ حرجة"

وطوال ذلك الصراع، لم يسأل قادة هذه الجماعات عن المستفيد منه، ولم يتوقفوا عن زج مزيد من الشبان والمقاتلين ضد بعضهم. وعلى الرغم من أن معظم قادتهم من المشايخ، فإن ذلك لم يمنعهم من التعصب لرأيهم، والانغلاق على نمط تفسيراتهم، والإصرار على انفرادهم بتسيير أمور مناطقهم، فصارت قضيتهم هي الاستبداد بأوضاعها، على شاكلة استبداد النظام بمناطقه، لا فرق بينهم وبينه في النتيجة.

وذلك الاستبداد مرتبط لا بهيبة التسميات الخاصة بكل منها فحسب، والتي تضفي على كل منها ارتباطاً بالمقدسات، بل هو مرتبط، أيضاً، بالهالة الدينية والاجتماعية لقادتها من المشايخ، فتلك الهالة تحظى بهيبةٍ تكاد تماثل هيبة المقدّس دينياً، وهو أمر يرتفع فوق كل بحثٍ أو محاولة استقراء للوقائع، قد تكون مختلفةً ومتجدّدة، ولا خبرة سابقة بشأنها، الأمر الذي يفترض اللجوء إلى السياسة المدنية، بوصفها إدارة للشأن العام، لا إلى المرجعيات بهيبتها الدينية أو طيفها المهيمن اجتماعياً، وإلى إدارةٍ لا يكون الرأي والقيادة فيها للشيخ بصفته داعية دين، بل بصفته مواطناً مشاركاً مع غيره من المواطنين في الرأي والتدبير. عندها، ستواجه هذه الجماعات حقيقة أن الديمقراطية، بما تتيحه من تشاور وتداول على الأقل، وعلى الرغم من كل موقف تقليدي مسبق منها، هي الوسيلة الأنجع لإدارة شؤون جماعاتهم ومناطقها، وذلك فوق كونها هدفاً للتغيير الوطني الذي خرج شباب الثورة السلمية من أجله.

ولا تتعلق الدروس التي يفترض استخلاصها اليوم بتجربة مشاركة الإسلاميين في الثورة السورية، تيارات ومنظمات وأفكاراً، وهي مشاركة ضرورية ومطروحة على قدم المساواة مع غيرهم من مختلف التيارات السورية، لكنها تتعلق بطبيعة القصور الذي أدّى إليه توظيفهم المرجعيات واستلهاماتها، وهي استلهامات كان قد تصاعد تأثيرها في ظل تعاظم بؤس السوريين وفئاتهم المهمشة، ولجوئهم العفوي إلى تلك المرجعيات، هرباً من عنف النظام وعصبويته التشبيحية، لكنها، أي الاستلهامات، إذا كانت قد لبت حاجات اللجوء والتضامن في مرحلةٍ ما، فلم تكن لتحل مشكلات الواقع والحرب المعقدة مع النظام، ولم تتمكّن من توحيد مواقف الجماعات المتجاورة في البيئة وتحت اللافتة نفسها، وهو توحيد تتطلبه أولويات المعركة أيضاً، لكنها كانت تغطي دوماً تلبية المصالح الذاتية، والارتباطات الضيقة لقادة الجماعات، فضلاً عن نزعات الممولين والداعمين. والأمثلة لا تعد ولا تحصى على صغر الخلافات والنزاعات التي تكاد تكون شخصيةً بين أولئك القادة، لكنها صارت بلا قيمة اليوم مقابل الخسارة العسكرية التي تسببت بها أمام قوات النظام.

بذلك، يكون ما حدث في غوطة دمشق اختباراً جديداً لمشاركة الإسلاميين في الثورة السورية، لكنه الاختبارالميداني الأخطر، نظراً لتداعياته الكبيرة، وتأثيراتها على مسار الصراع العسكري، في مرحلةٍ حرجة، يحاول فيها النظام، مع حلفائه، تغيير موازين القوى ميدانياً، بهدف فرض اتجاه آخر للحل السياسي، يعيد إنتاج النظام، ويهدّد كل آمال السوريين في التغيير.

======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com