العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 29-04-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

تقسيم سورية خطة بديلة دائمة .. غازي دحمان

الحياة

الاربعاء 25/4/2018

أن تعلن روسيا، التي باتت تملك اليد العليا في سورية، أنها لا تضمن بقاء البلد موحداً، فهذا يثير إشارات استفهام كثيرة عن حقيقة الأوضاع وتطوراتها في سورية، بخاصة أن التحذير الروسي الذي ورد على لسان نائب وزير الخارجية سيرغي ريابكوف، جاء بعد الضربة الثلاثية ضد نظام الأسد مباشرة. فهل يعني ذلك أن روسيا بدأت تقرأ التطورات في سورية من زاوية تجربتها الأفغانية؟ وهل رأت في التحالف الثلاثي، الأميركي- الفرنسي- البريطاني، مقدمة ونواة لتحالف أعرض سيضع روسيا في عين الإستهداف، وبالتالي فمن الأفضل إشهار ورقة التقسيم في وجه الجميع وإرباكهم.

وتعمل روسيا، في سورية، وفق صيغتي، التقاسم والتقسيم، فمن جهة تقاسمت مع إيران وتركيا مناطق النفوذ في عملية واضحة لا لبس فيها، بحيث توزعت الجغرافية السورية حسب حاجة البلدان الثلاثة، بما يراعي المشاريع الجيوسياسية لكل منها، فالغرب السوري مصلحة روسية نظراً لوجود الموانئ المتوسطية، والوسط من حصة إيران التي ترغب في توسيع هامش مساحة حلفائها شرق لبنان والسيطرة على المقامات في دمشق وجنوبها، والشمال لتركيا لحماية أكرادها من عدوى التمرد القادم من الجنوب.

غير أن من شأن المراقب ملاحظة أن روسيا لم تضف شحطة قلم على الخريطة «الخطة»، التي أطلق عليها الإستراتيجيون، تسمية «الدولة العلوية»، وفي تسمية أخرى «سورية المفيدة» وهو المشروع الاحتياطي لنظام الأسد وحليفته إيران، في لحظات الضعف التي مروا بها، واقتربوا من تطبيقه، وحتى الإعلان عنه بشكل صريح، يوم أعلن بشار الأسد أن قواته مضطرة للتخلي عن مناطق بعيدة ونائية لحماية مناطق ذات أهمية أكبر، كان ذلك قبل أن يطير قاسم سليماني لطلب نجدة بوتين، وقبل أن يتسلّل هذا الأخير بأسلوب قرصاني على السفينة السورية المترنحة. وبناء على هذه التطورات، خرجت إيران من وضعيتها القلقة والتراجعية في سورية، إلى وضع مريح، تستطيع من خلاله استدراك إضافة تفاصيل جديدة ليتحول تدخلها لاستقطاع جغرافية محدّدة من سورية، إلى مشروع جيوسياسي يهدف إلى السيطرة على الطرق البرية، في العراق وسورية، وتسعى للسيطرة على البادية الشامية حتى البوكمال، معبر طريقها من العراق، بديلاً عن التنف الذي سيطرت عليه القوات الأميركية.

اليوم، وبعد الغارة الثلاثية، تعود روسيا إلى الاستئناس بخطتها الأثيرة، القائمة على إجتزاء مساحات معينة من سورية، على قاعدة» ليس في الإمكان أفضل مما كان» واضعة مسؤولية هذا الامر على الأخرين، والظهور بمظهر من أراد الحفاظ على وحدة سورية لكن الحلف الأخر كانت له كلمة مختلفة، وبالطبع بتلميحها بقضية التقسيم تحاول روسيا إبتزاز الغرب، وخلق إنقسامات في تحالفه، على إعتبار أن تقسيم سورية سيشكل التطبيق الحرفي لنظرية» إنهيار قطع الدمينو»، وسيتحوّل التقسيم في سورية إلى دينامية تفكيكية تشتغل على مساحة الشرق الأوسط كله، ولا أحد من داخل المنطقة أو خارجها له في مصلحة في هذا الوضع.

شكّلت فكرة تقسيم سورية، خطة بديلة يضعها الروس والإيرانيون في جيوبهم، بعد أن يحجزوا لأنفسهم مواقع تتطابق مع مشاريعهم، وكما أدارت روسيا لعبة تقاسم النفوذ مع حلفائها وأصدقائها وخصومها في سورية، فليس لديها إشكالية في التكيّف مع واقع تقسيمي مع ثلاثة أو أربعة أطراف، غير أن أي سورية من السوريات الجديدة، لا تلك التي في السواحل أو البوادي أو المناطق الحدودية، ستكون قابلة للحياة، ذلك أن جغرافية الأقاليم السورية مصممة وفق «سايكس بيكو» على منطق الاعتمادية المتبادلة، وهي الصيغة التي لم يبتدع أحد أكثر منها ملاءمةً وقابلية للحياة.

==========================

عجز الحيلة الأميركية في سورية .. غازي دحمان

العربي الجديد

الاربعاء 25/4/2018

ارتكبت النخبة الأميركية، على مدار ثماني سنوات في سورية، كل الأخطاء التي يُفترض أن يقرأها هواة السياسة في كتيب إرشادي لدى محاولة فهمهم عالم السياسة، ذلك أن من أكبر أخطاء السياسة أن يتحول عمل طرفٍ إلى رصيد يصب في خانة الخصم.

أدارت أميركا دورها في الأزمة السورية بطريقةٍ لا يتمناها لها سوى خصومها. ديمقراطيون وجمهوريون، وتقنيون ومحترفون، كامل الطيف السياسي الأميركي، تساندهم كبريات مراكز التفكير، وعتاة الدبلوماسيين المحترفين والمفكرين الاستراتيجيين، انخرطوا في وضع تصورات وسيناريوهات ورسم استراتيجيات للتعاطي مع الأزمة السورية، وكانت النتيجة دائماً أخطاء تُبنى على أخطاء.

وقد شكلت طريقة إخراج الضربة على مواقع للنظام في سورية أخيراً ذروة تلك الأخطاء التي انبنت على خطأ تكتيكي، قام على تحديد خط أحمر من دون بناء خط مواز له من الإرادة والتصميم، وتحويل المسألة إلى شكل من المناكفة وموسم لاستعراض القوّة.

والواقع أنه بات ملحاً التفكير بطريقةٍ مختلفة بمسألة الخط الأحمر، ليس باعتبارها ضمانةً من 

"كانت المعطيات في سورية تتغير بأسرع من قدرة الأميركيين على مجاراتها" دولة عظمى لحماية للشعب السوري من الكيميائي، بقدر ما هي حماية مستقبلية لأميركا من إمكانية مساءلتها عن موقفها الانتهازي حيال المذبحة التي يتعرّض لها الشعب السوري، وهي القوّة التي بشّرت شعوب العالم، عشية إعلانها انتهاء التاريخ لمصلحتها، أن مذابح رواندا والبلقان لن تتكرر، وأسسّت على هذا الوعد عصرها العالمي.

تفيد القراءة المنطقية للخط الأحمر بأن النخبة الأميركية افترضت أن نظام الأسد لن يلجأ لهذا السلاح، طالما أنه يملك أريحيةً وهامشاً واسعاً في استخدام كل أنواع الأسلحة التي تحقق له القضاء على خصومه، بما فيها الأسلحة غير المرئية، مثل عمليات الإبادة في السجون لعشرات آلاف السجناء، والاستنجاد بقوى ومليشيات من دول الجوار، فضلاً عن استخدام سياسات الأرض المحروقة، وإزاء كل هذا الكرم فإن التقدير الأميركي يقوم على عدم حاجة نظام الأسد لاستخدام أسلحة كيميائية، وبذلك لا بأس من الاستقواء بالتهديد بالعقاب، في حال خرق الخط الافتراضي.

ولم تكن المعالجات التالية لهذا الخطأ أفضل حالاً، خصوصاً أن المعطيات في سورية كانت تتغير بأسرع من قدرة الأميركيين على مجاراتها، طالما هم فضلوا الركون على هامش الأحداث، واكتفوا بأن يضعوا ساقاً على ساق في شرق سورية، ويعتقدوا أن الآخرين سيراعون هذا الوجود، ويأتون لاحقاً لمفاوضتهم على وضع ترتيبات مستقبل سورية ونظام الحكم فيها.

والحال، أن خصوم أميركا انتبهوا إلى هذا الخلل الفاضح في التفكير الأميركي، وسارعوا إلى صناعة واقع جديد في سورية، لا يجعل تأثيرها سلبياً وحسب، بل ويضمن أن أي تصرّف لها في مواجهتهم يصب أوتوماتيكياً في أرصدتهم، وهو ما جعل الورطة الأميركية مركبة، وجعل تأثيرها لا يتعدى الجعجعة من دون طحين. وقد اتضح ذلك جلياً في الضربة أخيراً، فلكي تنفذ وعيدها، خاضت أميركا مناورة واسعة جداً، وشكلت تحالفاً من ثلاث قوى عظمى، وحرّكت أقوى قطعها العسكرية البحرية، لتصطدم بحقيقة عدم وجود بنك أهداف لأكثر من ثلاثة مواقع يمكن ضربها، وهي أهداف كان في وسع ثلاث طائرات من الجيل الأول القيام بها، وإن كل هذا التحريك للقوات كان مجرد مصاريف زائدة.

وهذا راجعٌ، بدرجة كبيرة، إلى المعطيات التي صنعتها كل من روسيا وإيران في سورية، ونتيجتها تحوّلت سورية إلى بلد محتل من هاتين الدولتين، وجميع الأصول العسكرية وغير العسكرية قد آلت لهما، وبالتالي ستجد أميركا وغيرها دائماً صعوبات في استهداف نظام الأسد وعقابه، حتى لو كانت النية صادقةً في هذا المجال، وأي محاولة لتوسيع دائرة الاستهداف ستتعثر بالروس والإيرانيين، وأميركا ليست مستعدة للدخول في حربٍ مباشرة مع هذين الطرفين لحسابات كثيرة.

وما دام الأمر كذلك، فإن لعبة الخط الأحمر تكون قد وصلت إلى خواتيمها، فمن الطبيعي أن

"ماذا في وسع أميركا أن تفعل بعدما كشفت أوراقها كاملة؟" الأسد الذي لم يعد يملك من أصول دولته شيئاً، خصوصاً في المستويات العسكرية، ليس سوى واجهة في لعبة الكيميائي، فليس من المعقول أن روسيا وإيران اللتين تديران مسرح المعركة من السماء والأرض تغفلان عن جزئية استخدام السلاح الكيميائي، بل المنطقي في هذه الحالة أن الأمر منسقٌ بينهما، ومدرجٌ على لائحة أهدافهما الإستراتيجية، كما أن لديهما تصوّراً لحدود ردة الفعل الأميركي، بناء على ما أوجداه من معطياتٍ تضيّق هامش التحرك الأميركي، وأكثر من ذلك توظّفه لصالح خططهما المستقبلية في الصراع.

ولعل مراجعة بسيطة للأحداث التي سبقت قصف الغوطة بالكيميائي تكشف أن روسيا وإيران كانتا متضايقتين جداً من الحملات الإعلامية والدعائية ضدهما بسبب أعمالهما الوحشية في الغوطة وفي ريف إدلب، وكان صعباً استكمال السيطرة على بقية المناطق، في إدلب وجنوب سورية، تحت ضغط تلك الحملات، وجاءت الضربات الغربية لتمسح كل ما حصل، وتجدّد طاقة الماكينتين الروسية والإيرانية لمتابعة مسارهما الإجرامي، ولكن هذه المرّة ليس بوصفهما دولتين معتديتين ونظاماً وكيلاً، بل أطرافٌ مقاومةٌ للهيمنة الغربية وأدواتها في سورية والمنطقة.

ماذا في وسع أميركا أن تفعل بعدما كشفت أوراقها كاملة؟ ألم تُسلّم ما تبقّى من سوريين، لروسيا وإيران، لأن تفعلا فيهم ما تشاءان من دون استعمال السلاح الكيميائي؟، حتى لو تم استعماله، هل ستجد في المرّة المقبلة موقعاً لنظام الأسد تستهدفه؟

==========================

واشنطن – موسكو بعد الضربة .. علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 25/4/2018

كشفت الضربة العسكرية الغربية لمواقع عسكرية ومراكز بحثية للنظام السوري فجر 14 إبريل/ نيسان الجاري عن تحولات ميدانية ذات أبعاد جيو سياسية واضحة، آيتها تشكل المحور الثلاثي الغربي، والحشد العسكري، البحري والجوي، الضخم شرق المتوسط، وانتقال المحور من الوعيد بالرد على خرق الخط الأحمر بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية إلى التنفيذ.

جاءت الضربة بعد سجال سياسي غربي روسي صاخب في أروقة الأمم المتحدة (مجلس الأمن الدولي ومجلس حقوق الإنسان) بشأن مسؤولية النظام السوري عن قصف مدينة دوما بسلاح كيميائي يوم 7 إبريل، استمر أسبوعا، أنكرت روسيا خلاله حصول هذا القصف؛ واتهمت المعارضة، الخوذ البيضاء تحديدا، بفبركة الصور، واتهمت المملكة المتحدة بلعب دور في ذلك؛ قبل أن تبدأ ترويج روايات عن اكتشاف مواد كيميائية في مستودعات فصائل المعارضة في الغوطة الشرقية، مصدرها المملكة المتحدة وألمانيا، واستخدمت حق النقض (الفيتو) يوم 11/4 ضد مشروع القرار الأميركي البريطاني الفرنسي، وألقت سحبا من الشك على تحقيق بعثة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بقول وزير خارجيتها سيرغي لافروف إن موسكو تأمل "أن تتغلب المهنية عند التحقيق في هذا الحادث".

شهد السجال السياسي والدبلوماسي تلويحا غربيا بالرد على الضربة الكيميائية، في حال عدم صدور قرار من مجلس الأمن، وتهديدا روسيا "بمواجهة الصورايخ التي ستطلق على سورية، واستهداف منصات إطلاقها"، وفق تصريح السفير الروسي في لبنان، ألكسندر زاسيبكين، ما أضفى على الضربة العسكرية الغربية مغزى استراتيجيا فحواه "الاستخفاف بالردع الروسي"، فالضربة التي صُممت وخُطط لها كي تكون تحديا لغطرسة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ونزعته الإمبراطورية، من خلال امتصاص عنصر القوة الذي يلوح به: السلاح، بإظهار

"لم تقبل روسيا الدعوة الغربية إلى حل يلتزم بالقرارات الدولية لأنه يقلص دورها وحصتها في سورية"  القدرات العسكرية الغربية، وخصوصا الأميركية، التي تتفوق على الروسية وتسبقها بأشواط، عبر تنفيذ ضربة صاروخية جوية تحت أنظار الضباط الروس، وقواتهم الدفاعية التي ملأوا الدنيا ضجيجا بشأن خصائصها الفنية وقدراتها العملياتية، وهذا ألحق بهم وبرئيسهم وبلادهم إهانة قاسية بذهاب تحذيراتهم المتكرّرة ووعيدهم بعواقب وخيمة أدراج الرياح، ناهيك عن التحدّي الأميركي الصريح لروسيا ورئيسها، إن بتغريدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي وجه كلامه إلى روسيا ورئيسها (الصواريخ قادمة)، أو كلام رئيس المخابرات الأميركية مايك بومبيو: "الرئيس بوتين لم يستوعب إلى حد كاف الإشارة. وعلينا مواصلة العمل على هذا الاتجاه".

هزّت الضربة صورة روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين (اعتبرها السفير الروسي لدى الولايات المتحدة إهانة لبوتين) وأفقدتها جزءا مهما من رصيدها الدولي؛ كما حطت من شأن سلاحها، وأجهضت خطة الرئيس الروسي في مناكفته الولايات المتحدة عبر تبني سياسة حافّة الهاوية، واللجوء إلى التصعيد المتواتر حتى يبلغ مرحلة الاستنفار النووي، ما سيضطر الولايات المتحدة إلى الجلوس معه على طاولة التفاوض، لبحث تقاسم النفوذ في العالم، كما في أيام الاتحاد السوفييتي. سياسة رد عليها موقع "NG" الروسي، الذي يدور في فلك الكرملين، في تعليق له على "الاثنين الأسود"، في مقالة بعنوان "أميركا تملك سلاحاً أقوى من سلاح سارمات وبوريفسنيك"، اللذين أعلن عنهما الرئيس الروسي في خطابه أخيرا عن حالة الاتحاد أمام البرلمانيين الروس، بقوله: "لدى أميركا سلاح آخر غير خوض المعارك الحربية وبلوغ حافة النزاع النووي الشامل، فهي بوسعها خنق موسكو بالعقوبات الاقتصادية".

لم يكن هدف الضربة عسكريا بالمطلق، فقد خُطط لها ونُفذت بعد الإعلان عن القرار بشنّها بأيام، ما سمح للنظام وحلفائه الروس والإيرانيين بأخذ احتياطاتهم لتلافى الخسائر عبر إعادة نشر قواتهم وأسلحتهم لتجنب الضربة المباشرة، ما يعني أن هدفها لم يكن تحقيق مكاسب عسكرية، بل استثمار حدث عسكري (ضربة الكيميائي) في تحقيق هدف سياسي: الاعتراض على الحل الذي خطته روسيا مع تركيا وإيران في أستانة وسوتشي للصراع في سورية، وطرح بديل يتسق مع قرارات الأمم المتحدة. وهذا ما أكّده التحرك الدبلوماسي الغربي؛ بعد ساعاتٍ على الضربة؛ عبر طرح مشروع قرار في مجلس الأمن للحل في سورية، قائم على تنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة، وخصوصا القرارات 2118 و2254 و2401، التي تتناول السلاح الكيميائي والحل السياسي ووقف النار والجوانب الإنسانية، مع التمسك بمسار جنيف وحيدا للتفاوض. ولكنها (الدول الثلاث) لا تريد تكرار خطأ روسيا بالعمل على حل منفرد، لا يأخذ مصالح الفاعلين في الملف السوري بعين الاعتبار، فدعت إلى حل توافقي، بالاستناد إلى قرارات دولية صوتت عليها دول مجلس الأمن، بما في ذلك روسيا ذاتها.

هدفت الضربة إلى إفهام روسيا أنه غير مسموح لها بالانفراد في السيطرة على سورية، وأنه لا حل من دون مشاركة الغرب بعامة والولايات المتحدة بخاصة، وإن اللعب على التناقضات وترويج حل سياسي خارج إطار الأمم المتحدة لن يمر؛ وإنه لا بد من تغيير قواعد اللعبة بالعودة إلى مسار جنيف، والتخلي عن المحاولات غير المجدية لتمرير حل عبر مسلسل أستانة وسوتشي، ما يعني تغيير سلوكها وسياستها.

لم تقبل روسيا الدعوة الغربية إلى حل يلتزم بالقرارات الدولية، لأنه يقلص دورها وحصتها في سورية، فشنّت هجوما سياسيا وإعلاميا على الضربة والدول الثلاث، على أمل إجهاض تحركها السياسي، فقد دان الرئيس بوتين "العدوان على بلد مستقل"، وحذر من تداعياته على النظام الدولي، وأعلن عن دعوة بلاده مجلس الأمن لعقد جلسة طارئة لبحث التطور الذي قامت به واشنطن وحلفاؤها، موضحاً أن القصف الذي نفذته واشنطن وحلفاؤها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، ووصفه بأنه "عمل عدواني ضد دولة ذات سيادة، تقف في طليعة الدول التي تكافح الإرهاب". وقال وزير خارجيتها سيرغي لافروف إن "الضربة الثلاثية على سورية نسفت عملية السلام"، وحذر مما أسماها "محاولات لتدمير سورية وتقسيمها وإبقاء وجود قوات أجنبية في أراضيها إلى الأبد"، وشدد على "رفض موسكو تلك المحاولات" التي تأتي في إطار "الهندسة الجيوسياسية"، لأنها تخالف الاتفاقات الدولية في 

"هزّت الضربة صورة روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين" خصوص تسوية الأزمة السورية، مؤكدا "إصرار" بلاده "على تأسيس اللجنة الدستورية بدعم من الأمم المتحدة والدول الضامنة"، ما يعني تمسّكه بنتائج سوتشي ورفضه المشروع الغربي، وهو ما كرّره السفير الروسي في الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، بقوله: "جهود الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا في الأمم المتحدة لبدء تحقيق جديد في الأسلحة الكيميائية في سورية، وإنعاش محادثات السلام تأتي في غير وقتها"، وطرحه خطة مضادة من ست نقاط.

وقد عكس السجال السياسي والإجراءات الميدانية، وقوف روسيا، لأول مرة منذ تدخلها العسكري المباشر في سورية في شهر سبتمبر/ أيلول عام 2015، موقفا دفاعيا، في مواجهة موقف أميركي هجومي يضع لها، بتحرّكه الميداني والسياسي مع المملكة المتحدة وفرنسا، خطوطا حمراء من أجل ردعها وتقليص نفوذها في سورية والمنطقة، وهو ما لم تقبل به؛ فصعدت في نقدها الموقف الغربي (عدم شرعية الوجود الغربي في سورية، خطط أميركية لتقسيم سورية، الضربة عدوان على دولة مستقلة.. إلخ)، وافتعلت مشكلات واختلقت قضايا (عرقلة دخول بعثة المفتشين إلى دوما، الادعاء باكتشاف مواد كيميائية مصدرها بريطاني وألماني، انتقاد إحجام أميركا وبريطانيا عن إرسال خبرائهم إلى دوما، التلويح بتزويد النظام السوري صواريخ إس 300، عقد اجتماع لغرف التنسيق الأمني الروسي الإيراني النظام السوري العراقي في بغداد للرد على التحرك الغربي) كي تربك دول المحور الغربي، وتشل تحركها ريثما ترتب أوراقها في مسرح الجريمة. لكنها عادت وقبلت الانحناء للعاصفة، وتمرير اتفاق أولي في "خلوة باكاكرا" السويدية بالقبول بالعودة إلى مفاوضات جنيف، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين، وتوفير خروج آمن للمدنيين من مناطق القتال، من دون اتضاح حقيقة موقفها، وهو تسليم بالمطالب الغربية في ضوء تقويمها أثر الضربة عليها، أم محاولة لتبريد الأجواء في انتظار فرصة أنسب.

==========================

هل سقط التفاهم الروسي الإسرائيلي؟ .. مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 25/4/2018

عندما لاحظ الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أن الضربة الثلاثية التي قادتها الولايات المتحدة على مواقع للنظام السوري الأسبوع الماضي أحدثت شرخا في العلاقات الروسية - التركية، كان يشير إلى تحولٍ يطرأ على الاصطفافات الإقليمية والدولية في المسألة السورية التي توشك على الانتقال من طور حرب الوكالة إلى طور المواجهة المباشرة بين أطراف الصراع  الرئيسيين. لكن ماكرون فاته أن التأثير الأهم للضربة طاول العلاقات الروسية - الإسرائيلية أكثر مما طاول غيرها، فمنذ قرّرت روسيا زيادة وجودها العسكري في سورية صيف العام 2015، وصولاً إلى التدخل المباشر خريف العام نفسه، وجدت إسرائيل نقاط تفاهم مشتركة عديدة مع روسيا بشأن سورية. وبمقدار ما حد الوجود العسكري الروسي من حرية حركة الطيران الإسرائيلي فوق سورية، إلا أن إسرائيل وجدت أنه يفيد أيضا في الحد من حرية الحركة الإيرانية على الأرض. فوق ذلك، كانت إسرائيل تشارك روسيا موقفها في ضرورة الحفاظ على نظام الرئيس بشار الأسد، على اعتبار أن عدوا تعرفه خيرٌ من عدو لا تعرفه، وأن بديلا إسلاميا يمكن أن يكون أسوأ لها بكثير. وعليه، تم الاتفاق خلال زيارة نتنياهو موسكو في سبتمبر/ أيلول 2015 على إنشاء لجنة عسكرية مشتركة، لمنع أي احتكاك بين الطرفين في الأجواء السورية، ما يعني السماح للطيران الإسرائيلي بضرب أهداف داخل سورية، شريطة ألا تؤثر في نتيجة الصراع بين النظام والمعارضة، وتتجنب قوات النظام التي كانت روسيا تعيد بناءها وتأهيلها، بغية هزيمة المعارضة واستعادة السيطرة على الأراضي التي خسرتها. بمعنى آخر، الاقتصار على ضرب تحرّكات وأهداف لإيران وحزب الله تعمل خارج إطار الصراع البيني السوري. وكان نتنياهو حريصًا على هذا التفاهم، بدليل أنه زار موسكو أكثر من واشنطن منذ خريف 2015، صحبة وزير حربه، أفيغدور ليبرمان، الذي تعد اللغة الروسية لغته الأم.

انتهى هذا التفاهم الآن، أو في طريقه إلى الزوال، لماذا؟ تعتقد إسرائيل أن روسيا، وليس إيران أو النظام السوري، هي من أسقط طائرة إف 15 فوق الجليل، في رحلة العودة من استهداف مطار تي فور في العاشر من فبراير/ شباط الماضي، وأن ذلك كان ردا على سلسلة هجمات طاولت الوجود العسكري الروسي في سورية، كان آخرها إسقاط طائرة السوخوي فوق إدلب بصاروخ محمول على الكتف، تشك موسكو أن واشنطن وراءها. وكان إسقاط الطائرة الاسرائيلية بمثابة رسالةٍ أن روسيا ما عادت تسمح لإسرائيل بحرية الحركة في الأجواء السورية. لذلك لم تنسق إسرائيل، خلاف العادة، مع قاعدة حميميم، عندما عاودت استهداف مصنع طائرات الدرونز الإيرانية في مطار تي فور في التاسع من إبريل/ نيسان الجاري، والذي أسفر عن مقتل الضابط الإيراني المسؤول عنه مع سبعة آخرين، بل استخدمت الطائرات الإسرائيلية ممرات جوية خاصة بالطيران الأميركي، منسقة في ذلك مع القيادة المركزية الأميركية، المسؤولة عن العمليات في سورية.

أثار هذا الأمر غضبا شديداً في موسكو التي تبرعت، خلاف عادتها، بالكشف عن تنفيذ إسرائيل الضربة. وكان لافتا أن إسرائيل نفذت ضربتها في اليوم نفسه الذي باشر فيه مستشار الأمن القومي الأميركي الجديد، جون بولتون، مهامه في البيت الأبيض، في مؤشر على إدراك إسرائيل معنى أن تصبح إيران القضية الوحيدة التي ينشأ عليها إجماع في واشنطن اليوم بين الرئيس ومستشاريه لشؤون الأمن القومي والخارجية والدفاع والاستخبارات.

يعني هذا أيضًا أن حسابات إسرائيل، وقراءتها الوضع في سورية وسياسة واشنطن في المنطقة، بدأت تختلف مع اتضاح عزم إيران البقاء في سورية بعد تثبيت النظام، من خلال بناء قواعد عسكرية، وإنشاء مليشيات محلية على شاكلة حزب الله. كما أن تقديرات إسرائيل الأولية المرحبة بدخول روسيا إلى الميدان السوري تغيرت أيضا، إذ تبدو روسيا إما غير راغبة أو عاجزة عن لجم النفوذ الإيراني. لهذه الأسباب، يمكن القول إن الصراع في سورية مرشح للانتقال إلى مرحلة أعلى مع تحول موقف نتنياهو من موقف يحاكي موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، مناحيم بيغن، عندما أُبلغ باندلاع الحرب العراقية - الإيرانية، وقال إنه يتمنى التوفيق للطرفين (!)، إلى موقفٍ يسعى إلى تغيير الوضع على الأرض في سورية.

==========================

عندما تدمّر الممانعة مخيم اليرموك .. عمار ديوب

العربي الجديد

الاثنين 23/4/2018

تتضمن الممانعة معنى محدّداً، فهي تشير إلى انعدام حالة الحرب أو السلم؛ إذن هي بين بين. سيرورة الواقع تقول إن نتيجة ذلك كله هي حالة السلم الكامل، وربما هناك مضامين تتطلب زمناً للكشف عنها، وتبدأ بمنع كل نشاط مقاوم على الحدود مع دولة الكيان الصهيوني. ضبطت هذه الحالة كل نشاط سياسي في سورية، وبالتالي ليس مسموحاً الخروج عن الشمولية أبدا، وليس من حقٍ لسوريِّ أو فلسطيني بأكثر مما يقرّر نظام الممانعة هذا. استمرار النظام هذا يقتضي ولاء مطلقاً، أو إفناءً مطلقاً؛ وهي صفته المطلقة منذ استقرّ بعد الحركة التصحيحية.

لا يسمح النظام هذا بأي تهديدٍ لمصيره، ويتعامل مع التهديد وفقاً لخطورته، وليس من رادع يرتدع به؛ فعلى مشرحته يضع كل أساليب إخضاع الكائنات المسماة بشراً. الدول المتقدمة أيضاً ليست لديها مشكلة مع تلك الأساليب، شريطة توافق النظام مع سياساتها العالمية. يؤكد تاريخ النظام السوري منذ السبعينيات ذلك، وكذلك الصفقات التي عقدت بخصوص السلاح الكيميائي منذ 2013، وإلى الضربة الثلاثية التأديبية الأسبوع الماضي.

لم تكن مدينة أو بلدة أو قرية أو حي في سورية بمنأى عن الأساليب أعلاه؛ وشكلت الثورة الشعبية 2011 أكبر حالة تحدٍ للنظام؛ فكان رده أمنياً عسكرياً بامتياز. تدرّجت الممانعة بمحاولة إخضاع الشعب، واستخدام كل أصناف السلاح التي تمتلكها، لكن سياسة التهجير كانت الجديدة بتاريخها، والأسوأ على الإطلاق. ربما هي فكرة تخصّ السياسة الإيرانية في سورية، لكنها أيضاً سياسة روسية، وبكل الأحوال هي أيضاً سياسة النظام نفسه. أنظمة القمع والشمولية جميعها تمارس ذلك حينما تتهدّد بالزوال، والنظام السوري هُدّد بذلك، وكاد أن يسقط في العامين 2012 و2015، وبالتالي ليس أقل من الانتقام بالتهجير والتدمير والقتل أساليب عقابية إخضاعية. الاعتقال والسجن ممارسات طبيعية لنظام الممانعة والشمولية.

"فتح مخيم اليرموك أبوابه في 2011 لاستقبال الملاحقين من المناطق المجاورة، ولاحقاً انتقلت الثورة إليه"

كانت الثورة هذه امتحانه الأكبر، فهو إمّا أن يخرج سالماً أو يسقط كما طالب الشعب حينما اشتدت ثورته، واشتد قمعه، بعد الأشهر الأولى من مارس/آذار 2011. مخيم اليرموك الذي أُسس 1957 وسمّي عاصمة الشتات الفلسطيني عايش ذلك، لكنه كان سورياً بامتياز، أي انضم للشعب في ثورته؛ وهنا كان لا بد من عقابه بشكل أشدٍّ! حُوصر المخيم حتى هلك من أهلهِ بالمجاعة أكثر من مائتي شخص في 2012، ولاحقاً عوقب بجبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش). فتح هذا المخيم أبوابه في 2011 لاستقبال الملاحقين من المناطق المجاورة، ولاحقاً انتقلت الثورة إليه. وبذلك أسس الفلسطينيون رابطةً لا تزول أبداً من تاريخ سورية، ولا يغير في الأمر شيئاً تدمير المخيم بأكمله، وتهجير أغلبية الفلسطينيين إلى جهات الأرض.

ليس النظام وإيران وروسيا هم فقط من لم يرأفوا بأهالي عاصمة الشتات، وبمهجري نكبتي 1948 و1967 وسواهما، بل وحتى فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وحركتا حماس والجهاد الإسلامي صمتوا، وكانت محاولاتهم لتحييد المخيم محبطة بالكامل. الحقيقة أنهم تركوا المخيم وفلسطينيي سورية لمصير أهالي سورية، أي لما ذكرناه أعلاه.

الممانعة التي ترفع شعار فلسطين كقضية مركزية، وتبتزّ الشعب بذلك، وأنها مقاومة، لم تتوانَ أو ترحم، بل إن تدميرها مخيم اليرموك لا يستند إلى أية حجة واقعية، فالمخيم وحيا الحجر الأسود والتضامن مناطق هامشية من حيث عدد المقاتلين فيها، و"داعش" مكروهة من كل الفصائل الإسلامية وغير الإسلامية الرافضة للنظام. وبخروج كل مسلحي الغوطة، وبمعاداة فصائل بلدات الجنوب "داعش"، تصبح أية حجة لتدمير المخيم لاغية. نعم، يستطيع النظام استعادة المخيم بقوات محدودةٍ، بل إن بمقدوره عقد اتفاقية لإخراج "داعش"، كما حال اتفاقيته مع داعش القلمون الغربي من قبل. وربما تسجّل مبرّرات التدمير ضمن سياسة تخفيف التوتر المتصاعد بين إسرائيل وإيران، حيث هناك تصعيد كبير بينهما، ولا سيما بعد قصف الأولى مطارات الشعيرات والتيفور والضمير؛ تدمير رمزية مخيم اليرموك مهم لإسرائيل.

هو مركز الحركة الفلسطينية تاريخياً، وفيه أكبر تجمع فلسطيني، وفيه مقرّات لكل هذه الحركة، وفيه مقبرة شهداء الثورة الفلسطينية المستمرة، وأكبر خزان بشري للمقاتلين ضد إسرائيل. عدا ذلك هو مدينة كاملة، وفيه حركة ثقافية وتجارية نشيطة، والسوريون فيه أكثر من الفلسطينيين، وقد كان منطقة آمنة لمعارضين سوريين كثيرين، وظل عصياَ عن تدخّل النظام السوري بشكل سلس، بعكس بقية المدن السورية والمخيمات.

نظام الممانعة هذا، وهو يجتث منطقة تلو الأخرى في محيط العاصمة، يرسّخ تبعيته لكل من الروس وإيران، وهناك من يرى أن ما يحصل هو عملية ممنهجة للتدمير والتهجير من أجل بناء مستوطنات "شيعية" لاستبدال السكان، وتفكيك التجمعات السكانية الكبرى المعادية للنظام وفقاً لنظرية "الشعب المتجانس" والقرار رقم 10 لعام 2018، والقاضي بتنظيم المناطق

"حُوصر المخيم حتى هلك من أهلهِ بالمجاعة مائتا شخص في 2012، ولاحقاً عوقب بجبهة النصرة وداعش" العشوائية المحيطة بدمشق ضمن وحدات إدارية وإخضاعها، وبذلك يأتي تدمير المخيم وأحياء جوبر والحجر الأسود والتضامن ومناطق كثيرة ضمن مخطط للإجهاز الكامل على حياة ملايين السكان، لصالح مافيات تابعة للنظام، والتي ستقيم عليها مناطق سكنية ومشاريع تجارية غالية الثمن، ولن يكون السكان الأصليون من مستهلكيها؛ إذاً لا بد من تهجيرهم وقتلهم وتدمير بلداتهم القديمة والمفقرة "الثائرة".

التهجير والتدمير سياسية ممنهجة لاجتثاث الثورة الشعبية، أي أن المناطق التي لم تثُرْ ظلت كما هي، مع إخضاع أكبر لها كحال "مناطق" الموالاة والرماديين في كل سورية؛ وهذا نقاش لن يتوقف إلا بعودة الأهالي إلى بلداتهم، وهذا مرتبط بحل سياسي، تقول الأحداث إنه لن ينصف أهل الثورة، وبالتالي ليس من عودةٍ قريبة للسوريين المهجرين.

لم تعد مشكلة سورية الآن التدمير والتهجير فقط، بل وكذلك الاحتلالات المتعددة.

==========================

الدخول إلى سوريا… مكافاة للأنظمة المترنحة أم توريط لها؟ .. فادي آدم

القدس العربي

الاثنين 23/4/2018

يكافئ الأمريكان ديكتاتورية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي غير المسبوقة في تاريخ مصر بمنحه جائزة النجاح الخارجي الذي هو في الحقيقة استمرار لنهجه التخريبي خارج مصر فيطلب منه إرسال جيشه إلى سوريا برفقة الجيش السعودي. يكرر الأمريكي هنا ما فعله سابقا مع حافظ الأسد الذي أعطي الضوء الاخضر لاجتياح لبنان ليمارس نهجه التخريبي فيه امتدادا لما فعله في سوريا أساسا.

الخطة التي سربتها صحيفة أمريكية تفيد بنشر الجيشين في مناطق سينسحب منها الجيش الأمريكي في الجزيرة السورية (شمال شرق سوريا)

وليضع الجيشين العربيين ومن وراءهما دولتيهما في مواجهة مباشرة مع تركيا وإيران وربما مع جيش النظام السوري لاحقا في سبيل مزيد من خلط الأوراق ومزيد من توتير أجواء الشرق الأوسط.

غالبا فإن الدولتين، أي السعودية ومصر، ستقعان في الفخ وستخسران على كل حال. فإنْ كانتا مع قوى الأمر الواقع ستذهبان لحماية نفوذها وهيمنتها على الجزيرة السورية وبالتالي الصدام مع السوريين نظاما ومعارضة وكذلك سيصطدمان مع إيران وتركيا، وإنْ كانت قيادتا البلدين استطاعتا تأمين تواصل وتفاهم مع الأتراك والإيرانيين فربما يحدث صدام مع قوى الأمر الواقع، وربما صور الأمر إعلاميا على أنه صدام عربي كردي الأمر الذي يلقي بظلاله السوداء على المزاج الكردي العربي في سوريا السوداوي والملتهب أصلا.

يبدو أن ترامب يحسن تخليص نفسه وجيشه على قلة عدده في شمال شرق سوريا مستغلا حاجة نظام السيسي لانتصار خارجي أو امتداد خارجي يعوض عن فشله في مكافحة تنظيم «الدولة» (داعش) في سيناء وكذلك في مساعدة الحكم الجديد في السعودية لتحقيق نجاح يدفعون كلفته مالا ورجالا في سـوريا يعـوض تعثـرهـم في اليـمن.

والحقيقة أن المأزق الذي ستدخله السعودية في حالة موافقتها على إرسال قواتها إلى سوريا ربما سيكون أكبر من المأزق المصري فللصراع السعودي الإيراني أبعاد إقليمية إسلامية مذهبية تزيد الصراع اللاهب أصلا لهيبا وهو أي الدخول إلى سوريا لو حدث فسيزيد الصراع الحوثي السعودي أوارا وربما شهد تطورا دراماتكيا جديدا.

لا نريد للنظام المصري التورط في سوريا وتحقيق انتصار خارجي إعلامي له يغطي فشله المريع في الداخل المصري ويكون على حساب السوريين شعبا وأرضا. لكن النظام الذي يبيع جزيرتي تيران وصنافير للسعودية بمبلغ بخس سيذهب لدعم العسكر، لن يساهم في سلام أو وحدة سوريا بل تلبية لحاجة أمريكية.

يبدو أن دخول قوات عربية إلى سوريا تحت إطار التحالف الإسلامي سيشعل مزيدا من النيران في كل مكان من الشرق العربي. وربما كانت الغاية الأساسية منه التمهيد للاشتباك مع إيران وتصفية وجودها نهائيا على الأراضي السورية بعدما ضربت بالأمس أهم قواعدها هناك.

 

كاتب سوري

==========================

كانت ضربة سياسية بوسائل عسكرية .. علي العبدالله

الحياة

الاثنين 23/4/2018

أثارت الضربة العسكرية الغربية، الأميركية- البريطانية- الفرنسية، لمواقع عسكرية ومراكز بحثية للنظام السوري فجر 14/4/2018، ردود أفعال محلية وإقليمية ودولية متباينة. وقد اصطبغت غالبية ردود أفعال المعارضة السورية ومثقفيها وحواضنها الشعبية بالإحباط وخيبة الأمل كون الضربة لم تؤد إلى إضعاف النظام ولا إلى تغيير في ميزان القوى لمصلحتها.

فقد كانت ضربة محدودة في المدة الزمنية والأهداف التي قصفتها (قارن مثقف من المعارضة الضربة بالضربات التي وجهها حلف شمال الأطلسي (الناتو) لصربيا: 80 يوماً من القصف المتواصل لإسقاط الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش، وذلك للتعبير عن تطلعه لضربات مماثلة). وقد توزعت تعليقاتها بين اعتبار الضربة بلا فعالية عسكرية، وبين اعتبارها حاجة أميركية إلى حفظ ماء وجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد رفعه سقف التهديدات في وجه روسيا، ذكر الرئيس الروسي بالاسم، كثيراً، وبين ربط محدوديتها بالسعي إلى تجنّب مواجهة مباشرة مع روسيا وإيران، بل وذهب بعضها إلى اعتبار النظام الرابح الأساسي من هذه العملية، «حيث منحته الضربة رصيداً شعبياً داخل سورية وخارجها»، وفق تقدير موقف لمركز «جسور للدراسات» نشره يوم 17/4/2018، تحت عنوان «الضربة العسكرية الثلاثية على سورية: الدلالات والآثار»، قلة من المعارضين السوريين نجحت في إدراك طبيعة الضربة وأهدافها باعتبارها رسالة سياسية أولاً وأخيراً. لم يكن هذا حال المعارضة السورية ومثقفيها وحواضنها الشعبية وحدها، بل حال دول عربية ووسائل إعلامها المرئية والمقروءة والمسموعة التي تبنت تقديراً يشكك في جدية العملية وأهدافها ومراميها.

لم يكن هدف الضربة عسكرياً بالمطلق، فقد خُطط لها ونُفذت بعد الإعلان عن القرار بشنها بأيام، ما سمح للنظام وحلفائه الروس والإيرانيين بأخذ احتياطاتهم لتلافي القصف وتجنب آثار الضربة المباشرة، ما يعني أن هدفها لم يكن تحقيق مكاسب عسكرية بل استثمار حدث عسكري للإعلان عن «نقطة نظام» على سياق سياسي مرتبط بالحل في سورية خطته روسيا مع تركيا وإيران في الأستانة وسوتشي، وهذا ما أكده التحرك الدبلوماسي الغربي في الأمم المتحدة، بعد ساعات على الضربة، عبر طرح مشروع قرار في مجلس الأمن حول صيغة للحل قائمة على تنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة، وخاصة القرارات 2118 و2254 و2401، التي تتناول السلاح الكيماوي والحل السياسي ووقف النار والجوانب الإنسانية، والتمسك بمسار جنيف مساراً وحيداً للتفاوض، إذ لو كان هدف الضربة تحقيق إنجاز عسكري ما كان حوّلها أصحابها إلى سر معلن، كما أن إلحاق خسائر كبيرة ومباشرة بالنظام وحلفائه يجعل جلوسهم إلى طاولة التفاوض مستحيلاً لأنه سيضعهم في موقع المهزوم والمستسلم، وهذا ليس بالتصرف المنطقي المتسق مع خطوة هدفها تصحيح المسار السياسي وتنفيذ حل بالتوافق. تقدير أكده كلام الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون حين قال: «إن بلاده مستمرة في العمل من أجل حل سياسي يشمل الجميع في سورية، من خلال التحدث إلى جميع الأطراف، روسيا وتركيا وإيران والنظام وجميع قوى المعارضة، من أجل بناء سورية الغد وإصلاح هذا البلد». وتأكيد وزير خارجيته جان إيف لودريان لذلك في مقابلة مع صحيفة «لو جورنال دو ديمانش» الأسبوعية بقوله: «إن تدرك روسيا أنه بعد الرد العسكري (...)، علينا أن نضم جهودنا للدفع في اتجاه عملية سياسية في سورية تسمح بإيجاد مخرج للأزمة». وما أكده وزير خارجية ألمانيا هايكو ماس خلال مؤتمر صحافي في برلين، مع وزيرة الخارجية الكندية كريستيا فريلاند بقوله: «علينا أن نستغل هذه اللحظة لتحريك العملية السياسية مجدداً. نحتاج إلى روسيا أيضاً في هذا الحوار».

أرادت الدول الثلاث إعادة روسيا إلى جادة الصواب عبر مواجهة فشلها في فرض الحل السياسي الذي تتصوره من خلال مسلسل آستانة وسوتشي، وانه لا يمكن القفز على الدور الغربي بشكل عام والأميركي بشكل خاص، وأن الدول الثلاث قادرة على قلب الطاولة، بدليل الحشد العسكري الضخم الذي نجحت في تنفيذه في البحر الأبيض المتوسط في فترة زمنية قياسية، والضربة التي نفذتها ضد مواقع النظام السوري وكشفت بها عجز آلة الحرب الروسية من منعها أو التصدي لها، هزت الضربة صورة روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين (اعتبرها السفير الروسي لدى الولايات المتحدة إهانة لبوتين) وأفقدتها جـزءاً مهماً مـن رصيـدها الدولي، كما حطت مـن شـأن سـلاحـها، وهـددت «وحـدة» ثــلاثـي آستانة.

لكن الدول الثلاث لا تريد تكرار خطأ روسيا بالعمل على حل منفرد لا يأخذ مصالح كل الفاعلين في الملف السوري في الاعتبار، وها هي تدعو إلى حل توافقي بالاستناد إلى قرارات دولية صوتت عليها دول مجلس الأمن، بما في ذلك روسيا ذاتها.

لم تبد روسيا استعداداً لقبول الدعوة الغربية إلى حل قائم على تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي، فقد أعلن سفيرها في الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، عن عدم استعداد بلاده التحاور مع الغرب حول سورية بعد الضربات العسكرية، معتبراً أن جهود الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا في الأمم المتحدة لبدء تحقيق جديد في الأسلحة الكيماوية في سورية، وإنعاش محادثات السلام «تأتي في غير وقتها»، ودعت، في الوقت ذاته، واشنطن إلى حوار استراتيجي لحل الملفات العالقة بينهما من سورية إلى أوكرانيا، لكن واشنطن رفضت العرض وذكّرت روسيا بواقعها السياسي (عزلة دولية، بخاصة في مجلس الأمن) والاقتصادي (عجز اقتصادي عكسه انهيار سعر صرف الروبل (الدولار بـ 60 روبلاً)، واستعدادها لمساعدتها في مواجهة أزمتها الاقتصادية في حال غيرت نهجها السياسي) وضعفها التقني (40 في المئة من مكونات الأسلحة الروسية مستوردة من الغرب).

وهذا مع بقاء الحشد العسكري الغربي الضخم شرق المتوسط ينذر بمخاطر جمة على الشعب السوري الذي سيدفع ثمن المواجهة على أرضه إن وقعت.

==========================

ذرائع الاستبداد .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 23/4/2018

لم يختر السوريون حافظ الأسد رئيساً لهم. ففي «الوقائع»، أن الأسد قاد انقلاباً عسكرياً في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1970 على رفاقه في سلطة البعث، التي كانت هي الأخرى نتيجة حركة انقلابية في الثامن من مارس (آذار) عام 1963، جرت بعده صراعات دموية بين الانقلابيين، أبرزها انقلاب 23 فبراير (شباط) الذي جعل من حافظ الأسد ورفاقه الذين تمرد عليهم يمسكون بالسلطة، وقبلها لم يكن معظم من وصلوا إلى السلطة أشخاصاً معروفين، ولا كانوا يمثلون شيئاً بالنسبة للسوريين، إنما مجرد أشخاص أوصلتهم الدبابات إلى مركز السلطة والتحكم في مصير الدولة والمجتمع في سوريا.

عندما حدث «انقلاب آذار» 1963، كان حافظ الأسد مجرد ضابط صغير برتبة نقيب متقاعد، أعاده رفاقه الانقلابيون في اللجنة العسكرية «البعثية» إلى الجيش ورفّعوه إلى رتبة مقدم، وسموه آمراً لقاعدة ضمير الجوية بالقرب من دمشق، ثم رفّعوه مرة ثانية عقب «انقلاب شباط» 1966 إلى رتبة لواء، وجرى تسليمه منصب قائد القوة الجوية، ثم جرت تسميته وزيراً للدفاع في حكومة يوسف زعين، وعندما استقالت الحكومة بعد هزيمة 1967، رفض الاستقالة من وزارة الدفاع، وخاض صراعاً عنيفاً مع رفاقه قاد لانقلابه عليهم ووضعهم في الاعتقال لأكثر من عشرين عاماً.

بعد انقلابه عام 1970، جلب أحمد الخطيب نقيب المعلمين في حينها، وولاه منصب رئاسة الدولة، واحتفظ لنفسه برئاسة الحكومة ووزارة الدفاع وقيادة القوات الجوية، ممهداً لإقامة نظام رئاسي، يتم الصعود إليه بالاستفتاء المضبوط بقوة أجهزة المخابرات وسيطرتها، التي كان قد أحكم قبضته عليها، وبفعلها وصل إلى منصب رئاسة الجمهورية في مارس 1971 وأخذ يكرر استفتاءاته المحسوبة نتائجها مسبقاً، وآخرها عام 1999.

طوال ثلاثين عاماً، لم يرَ الأسد الأب في السوريين شعباً، بل مجرد أداة لوجوده في سدة السلطة، وكان كلما أحس أو لمس مشكلة في تلك الأداة ووظيفتها، قمع حركتها السياسية والمدنية والشعبية، فكان عهده سلسلة متواصلة من القمع والإرهاب والديكتاتورية، ارتكبت فيه كل الجرائم؛ من القتل والاغتيال والاعتقال الطويل ضد معارضيه بمن فيهم رفاقه، إلى المجازر ضد الشعب في دمشق وحمص وحماة وحلب وجسر الشغور وتدمر وغيرها، ليضمن البقاء في سلطة الحكم الفردي – العائلي - الطائفي الذي سعى لتكريسه حكماً وراثياً لأبنائه، فكان لباسل، وعندما مات، استبدل ابنه الثاني بشار به.

ومثلما لم يختر السوريون حافظ الأسد لرئاستهم، فإنهم لم يختاروا وريثه بشار، وقد حمله سدنة النظام من أشخاص وأجهزة وسط قبول إقليمي ودولي إلى كرسي الرئاسة بعد تعديل «الدستور» في جلسة واحدة بما يتوافق ووصوله إلى رأس السلطة، وفق آلية الاستفتاء المحسومة النتائج سلفاً، التي كرست أباه رئيساً حتى الممات في سوريا.

ومثلما فعل الأسد الأب في بداية عهده في إسكات السوريين وتطويعهم بـ«إصلاح النظام» وذهابهم إلى عهد جديد، ساير الابن تطلعات الحراك الثقافي والاجتماعي لربيع دمشق، قبل أن ينقلب عليهم، اعتقالاً وسجناً وملاحقة، وقمعاً للحراك الوليد، وإغلاقاً لكل إمكانيات إصلاح النظام بطريقة تدرّجية وآمنة، واختار طريق أبيه، فجدد رئاسته الثانية بالاستفتاء، وقمع بالقوة الوحشية ثورة السوريين ومطالبهم بالحرية والديمقراطية وبمستقبل أفضل للسوريين وبلدهم، وفتح أبواب التطرف والإرهاب بإطلاق قواه من كل نوع وصنف، ثم استعان بالتدخلات الإقليمية والدولية للتغلب عليهم قبل أن يجدد رئاسته الثالثة وسط بحيرة من الدم والدمار وتهجير ملايين السوريين، مجسداً شعار شبيحته «الأسد أو نحرق البلد».

وسط تلك المحصلة الجهنمية، التي أغرق فيها الأسد الابن سوريا والسوريين، ثمة نقطة تثير الاستغراب، جوهرها أن ثمة من لا يزال يؤيد بقاء الأسد ونظامه في سوريا تحت مبررات مختلفة في سلسلة متواصلة من المحلي إلى الإقليمي والدولي، تارة باسم السيادة الوطنية أو القومية أو معاداة إسرائيل، وبحجة أن لا بديل له، وكلها مبررات أسقطها نظام الأسد وداس عليها بالممارسة العملية طوال أكثر من سبع سنوات.

ولعل الأغرب من الدفاع عن الأسد وتأييد بقائه ونظامه في سوريا، وصف السوريين بأنهم «شعبه» كما يرد في كلمات ومقالات مسؤولين سياسيين بينهم مؤيدون للثورة ومعارضون لنظامه، وفي تقارير دولية حقوقية، وأخرى إخبارية، يتناسى فيها الجميع، وصف الأسد للسوريين في خطابه الأول بعد الثورة عام 2011 بأنهم جراثيم، ثم حديثه عن المجتمع المتجانس الذي كرسه في خلال حربه ضد السوريين، وكلها تثبت أن السوريين ليسوا «شعبه». شعبه فقط، كل من ذهب معه في مسيرة الدم والدمار والتهجير، ومن يؤيد بقاءه في السلطة، والساكتون عن جرائمه.

==========================

الثورة السورية واغتيال الرموز .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاحد 22/4/2018

من أخطر ما تعرّضتْ له الساحة الإسلامية خلال العقود الماضية ظاهرة ضرب الرموز واغتيالها، لتبقى الساحة صحراء قاحلة لا أشجار فيها، ولا رموز قادرة على جمع الشباب حولها، مما يسهّل التشريق فيها والتغريب، إن كان باختراق خارجي أو داخلي، أو بإفنائها في معارك دنكشوتية أقرب ما تكون إلى معارك قطّاع الطرق ما دامت تفتقر إلى العقل الذي يديرها، والاستعاضة عنه بالعضلة المسلحة التي تملكها هذه الفصائل..

أذكر في هذا المضمار ما نقله لي أحد المسؤولين الأفغان حديثاً دار بين مدير المخابرات الأفغانية ورئيسه، يوم عيّنه في منصبه، سأل مدير المخابرات رئيسه ماذا تريد مني كنقطة أساسية خلال فترة إدارتي، فردّ عليه الرئيس ألّا يكون هناك نظير لي، فقد حسم الرئيس المخاطر التي تتهدده وهي الخشية من البديل. ولذا نرى الاستبداد يحارب أكثر ما يحارب الرموز، ولعل الرمزية الدينية تأتي على رأس ما يخشاه الاستبداد، نظراً لقدرتها على الحشد والتعبئة والالتفاف حولها شعبياً، نظراً لمقبوليتها عنده، كما قرر ابن خلدون في مقدمته...

إسقاط الرموز تقوم به دوائر عدة، بعضها بمكر وخداع، وبعضها الآخر بغباء، وما يعنينا هنا الطرف الثاني، ما دام الطرف الأول مكشوفاً ومعروفاً أمام الجميع، فكثير من أتباع جماعات إسلامية درجت على أن ينكب أتباعها على كتب محددة دون أن تكلف نفسها عناء الدرس على أيدي شيوخ وعلماء من غير فصائلها، وبالتالي كان شيخهم الكتاب، وهو ما يفتقر إلى روح الشريعة وروح الدين وروح العمل الإسلامي المتقبل للآخرين والمتّسم بالاعتدال وعدم التشنج والتشدد، وحرصت بعض هذه الجماعات على إغلاق أبواب بيوتها على شبابها أمام علماء آخرين، فكان لدينا ربما لأول مرة في التاريخ الإسلامي شرعيّ الفصيل أو الحزب أو الجماعة، وبعد أن كان العالِم والشيخ عبر التاريخ الإسلامي يهرب من السلطان وشؤونه خشية أن يقع في خانة التبرير له، وليُبقي الفتوى بعيدة عن التسييس والهوى السلطاني، وجدنا هذه الأيام يتماهى الشرعيّ مع قائد فصيله، بل والأنكى من ذلك يُفتي له بالقتل والقتال للطرف الآخر، ورأينا ما هو أسوأ من ذلك كله، وهو أن القائد العسكري والسياسي للفصيل يرضى بتسوية النزاع مع إخوانه من الفصائل، بينما يعارض ذلك الشرعيّ الذي ينبغي أن يكون من أكثر الشخصيات حرصاً على حقن الدماء وتوفير الجهد، فيصدُق فيه قول القائل: رضي القتيل ولم يرضَ القاتل...

الحل هو أن يعود العالِم والشيخ كما قال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رضي الله عنه ورحمه الله إلى محرابه وتعليم طلبته وتثقيفهم، ويتعالى العلماء والشيوخ بالتالي عن الفصائلية، ليكونوا بذلك شرعيّي الأمة وليس شرعيّاً فصائلياً أو حزبياً، فكما أن الإسلام لا يتبعض ولا يتجزأ فكذلك الشرعيّ لا يمكن أن تكون فتاويه مجزأة ومبعّضة لفصيل دون آخر، وبلد دون ثان. وهمسة أخيرة للشباب، فإن ما يحز بالنفس هو لجوء بعض الأتباع إلى استفتاء علماء بلد بعيد كل البعد عن البلد الذي يقيمون فيه، ممن عرفوا مشاكله وتفاصيل أوضاعه، والتي يجهلها من هو بعيد عنهم، والأغرب من ذلك أن يسارع المفتي البعيد عن مناط القضايا بالرد على هذه الفتوى التي كان علماؤنا يهربون منها، فيزيدون بذلك مشاكل ومتاعب البلد ويحطمون رموزه من حيث علموا أو جهلوا..

تصرفات كهذه أدت إلى إسقاط رمزية العلماء والشرعيّين، فغدت كل جماعة فرحة بشرعيّيها، وحريصة كل الحرص على إسقاط رموز الجماعة أو الفصيل الآخر، دون اعتبار لمكانة العلماء والشرعيّين، بعد أن رضي الكثير منهم للأسف أن يكونوا في هذه الوضعية المزرية..;

==========================

كيف نقرأ الهجوم الثلاثي على دمشق؟ .. حسن شامي

الحياة

الاحد 22/4/2018

هل يمكن تقديم جردة حساب بوقائع وتبعات الضربة الصاروخية الثلاثية على دمشق؟. ومن هي الجهة التي تتمتع بقدر معقول من الصدقية بحيث يسعها القيام بهذه المهمة من دون أن تتعرض مسبقاً لتهمة التلفيق والفبركة والتلاعب والتزوير...؟

صحيح أن البرلمان الفرنسي شهد مناظرة ونقاشاً حول الدور الفرنسي في العملية. لكن النقاش بقي أقرب إلى النشاط الإجرائي منه إلى التقويم الحقيقي. إمكانية أن تقوم وسائل إعلام رصينة بالمهمة تبدو صعبة بالنظر إلى تقلص هوامش الاستقلالية والتفلت من سطوة دوائر السلطة والنفوذ والمال. كل هذا يشير إلى تزايد منسوب الغموض أو الالتباس الذي يعتري الحدث. والمفارقة هي أنه كلما ازداد ادعاء الشفافية واستعراضها كلما ازداد الحجب والتجهيل والتدليس. خصوصاً عندما يتعلق الأمر بعمليات وأنشطة ينسب لها تدشين انعطافة أو توليد سلطة جديدة، كما كانت الحال في حرب الخليج المديدة، بالأحرى حروب الخليج الممتدة من الحرب العراقية- الإيرانية واجتياح قوات صدام حسين للكويت ومن ثم اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر) وغزو القوات الأميركية- البريطانية للعراق.

فالحال أنه على رغم من مرور أسبوع على حصول الهجمة الجوية الأميركية- البريطانية- الفرنسية على دمشق وتدمير بضع منشآت علمية، يكاد السؤال عن فحوى الحدث أن يكون فلسفياً أكثر منه سياسياً. ينبغي أن نتذكر بأن الحدث المذكور كان أشبه بعرض دعائي لضربة معلنة، إذ سبقتها وتبعتها طنطنة إعلامية ودعوية من نوع خاص جعلتها في منزلة غريبة وحائرة بين منازل الفلسفة الأخلاقية ذات الرطانة العالية والمتعالية، وبين حسابات سياسية ضيقة وانتهازية. ينبغي أن نتذكر أيضاً أن ترجيح حصول ضربة بعد الهجوم الكيماوي المزعوم في دوما دفع إلى تقليب احتمالات مواجهة من العيار الكبير، ما جعل الفرائص ترتعد والأنفاس تحتبس إثر الشروع في الضربة.

لا نستغرب أن يعتبر البعض أن المطالبة بجردة حساب هي أمر غير لائق أصلاً ما دام هدف الضربة يدور، في نهاية المطاف، على ركل أو صفع نظام استبدادي وقمعي. فالنبرة الأخلاقية، التأديبية والإرشادية في آن، طغت منذ البداية على مقاربة القوى الغربية للحراك السوري. وعندما ترتفع كثيراً النبرة الأخلاقية لدى قوى اعتادت على انتهاج حسابات المصالح الباردة فهذا يدعو إلى توقع الكثير من السوء ومن الصفقات المركنتيلية.

المسألة السورية كلها لم تخرج أصلاً عن النطاق الأخلاقي المزعوم والمضروب حولها، دولياً وإقليمياً، للتحكم بمسارها وتعرجاتها. بل حتى يمكننا القول إن هذا النطاق المضروب تحول إلى مستنقع سعى فيه كل الأطراف إلى إغراق خصومهم وما زالوا يواصلون اللعبة. إن إطلاق توصيف الإستنقاع يكاد يكفي للتدليل على تحول سورية والسوريين إلى مادة نزاعات مفتوحة ومرشحة للتناسل والتشظي.

ما ظهر حتى الآن من حمولة الهجوم الثلاثي لا يبدد الغموض الذي اكتنف حيثيات اتخاذ القرار الحربي وتسويقه ديبلوماسياً. فالمعطيات المعلن عنها تتحدث عن استهداف مبان ومراكز للبحث العلمي يشتبه بأنها أمكنة لتصنيع أسلحة كيماوية. وليس هناك ضحايا باستثناء بضعة جرحى وفق ما ذكرته الحكومة السورية. بالاستناد إلى معطيات من هذا النوع تساءل كثيرون بحق عن ماهية هذه الضربة التي حبست أنفاس بشر كثيرين تخوفوا من نشوب حرب كبرى.

من الصعب التعويل على دونالد ترامب للحصول على جواب مقنع. سيكون أكثر صعوبة أن يقدم ترامب جردة حساب مقنعة. هناك بالطبع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون البارع في التوليف والجمع، الخلط وفق البعض، بين مشارب واتجاهات ومدارس فكرية وسياسية مختلفة. فهو أكد على أن الضربة ليست إعلان حرب على نظام بشار الأسد وأن الهدف طاول حصراً قدرات النظام الكيماوية. واعتبر ماكرون أن الضربة جديرة بأن تكون مناسبة لتكثيف العمل من أجل حل سياسي في سورية. بهذه الطريقة برر ماكرون الهجوم الثلاثي بأنه لإنقاذ شرف الأسرة الدولية. الحديث عن الشرف استدعى طلباً فرنسياً بسحب وسام الشرف الذي منحه الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك لبشار الأسد. وقد رد هذا الأخير الوسام إلى أصحابه. ويفهم من هذا أن الاعتبار الأخلاقي الذي استوجب الضربة فاق أي اعتبار آخر. وهذا لا يتعارض، في نظر ماكرون، مع مطالبته نظيره الأميركي بإبقاء القوات الأميركية في سورية للمساهمة في تفعيل الحل السياسي والديبلوماسي.

غموض على غموض. هذا ما يمكن استخلاصه من قرار الهجوم الثلاثي ومن طريقة تسويقه وتبريره. التصريح الصادر عن البنتاغون قبل أيام يلخص جيداً المعادلة. فقد صرح البنتاغون أن النظام السوري قادر على شن هجمات كيماوية محدودة في المستقبل. ويعني هذا أن الضربة الثلاثية التي وجهت إلى بعض مراكزه أضعفت قدرات النظام الكيماوية، لكنه مع ذلك يبقى موضع اشتباه كبير مما يستدعي وضعه على الدوام تحت مجهر المراقبة والعقاب وجهوزية التدخل. الضربة التي يخيل لكثيرين أنها لم تقع كانت في الواقع منصة رسائل في اتجاهات مختلفة.

في مقدم هذه الرسائل إفهام الروس والإيرانيين والأتراك أنه لن يكون لهم أن يرسموا وحدهم خريطة طريق لمعالجة الأزمة السورية. في هذا السياق يتواصل تبادل الاتهامات ويجري على قدم وساق وهو لن يتوقف في المدى المنظور. فقد اتهمت وزارة الخارجية الأميركية حكومتي روسيا وسورية بتطهير موقع الاعتداء الكيماوي في دوما، كما اتهمت الإدارة الأميركية الحكومة السورية بتأخير وصول المحققين الدوليين في منظمة حظر الأسلحة الكيماوية. هذا فيما اتهم نائب وزير الخارجية الروسية مسلحي المعارضة السورية في دوما بمنع المفتشين الدوليين من الوصول إلى موقع الاعتداء المزعوم.

ينبغي الحفاظ على مبررات التدخل. هذا ما أفصحت عنه الضربة الأخيرة التي مهد لها في الواقع القصف الإسرائيلي لمطار تي فور واستهداف قوات إيرانية فيه. وما دام النقاش يدور على قابلية النظام لارتكاب أعمال وحشية وإجرامية كقصف السكان بمواد كيماوية، فإن مبررات التدخل ستبقى جاهزة. ولا يفيد كثيراً أن نذكر اللاعبين بأن القابلية موجودة لدى الجميع وبأن الخير والشر لا تقررهما هويات طبيعية وأصلية، بل وضعيات وشروط تختزن صراعات تدور على العدل ورفض الامتيازات والغلبة والسيطرة واحتكار السلطة.

==========================

ماذا بعد الضربة؟ .. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 21/4/2018

يتفاءل بعض المحللين بأن يكون التفاهم الروسي الأميركي على تخفيف حجم وفاعلية الضربات الصاروخية التي وجهتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لأهداف تتعلق بتصنيع الأسلحة الكيماوية في سوريا، قد تم بصفقة سرية تخلت فيها روسيا عن تشبثها بالنظام، وربما تكون وافقت على بقائه مع تغيير جذري في قياداته، ولا أستبعد أن تكون الأطراف جميعاً قد اتفقت على حفظ ماء الوجه للولايات المتحدة بعد سيل التغريدات والتهديدات من خلال تضييق حجم الضربات، والتحديد الدقيق للأهداف، واختيار ساعة من الفجر في دمشق موعداً لها، حيث الناس نيام، وقد تم تفريغ المنشآت وضمان عدم إصابة أحد.. ما يجعل الضربة استعراض قوة أكثر من كونها عقاباً يؤلم النظام، أو يوقع خسائر بشرية عند المدنيين.

وقد فهم الروس أن الضربة كانت موجهة لهم، واعتبرها مندوبهم في مجلس الأمن إهانة لبوتين، بينما اعتبرها أنصار النظام نصراً مبيناً، وأقاموا الأفراح والاحتفالات تعبيراً عن النشوة بكونها لم تستهدف النظام حتى لو هدمت بنى ومنشآت، وقد فهموا أن النظام باق، وأن الغضب الدولي كان بسبب استهتار النظام بقوانين حظر الأسلحة الكيماوية فقط، وذلك يعني إطلاق يده باستخدام ما يشاء من أسلحة أخرى دون مساءلة.

وبوصفي مواطناً سورياً، أعلن أنني أتمنى ألا أرى جندياً أجنبياً في بلادي، وطالما وددت أن يبقى الصراع السوري شأناً سورياً داخلياً، ومهما أسرف النظام في العنف وفي قتل الشعب، فإنه لن يقوى على إبادته، ولو حدث واستولى على سوريا كلها، بافتراض خروج روسيا وإيران والمليشيات الطائفية، فإن بقاء النظام سيكون محالاً، ولن تستطيع التنظيمات الدينية المتطرفة بمختلف ولاءاتها، طمس أهداف الشعب في الحرية والكرامة وبناء دولة مدنية ديمقراطية.

لقد كان التهديد قبل شن الضربات الأخيرة موجهاً لروسيا وإيران، لكن الضربات تحاشت هذا الصدام الذي كان مرشحاً لتصعيد يشمل المنطقة كلها، وربما كان سيضع العالم على شفا حرب عالمية ثالثة.

لكن السؤال المهم: ما الذي حققته الضربات على الصعيد السياسي للقضية السورية؟ وهل فهم الروس أنهم لا يستطيعون تغيير النظام الدولي الأحادي القطب، وليس بوسعهم التفرد بسوريا والمنطقة، وأن الولايات المتحدة هي القوة الأعظم عسكرياً في العالم؟ وهل فهمت الدول العظمى الأخرى أن أي استهتار بمكانة أميركا سيعرضها لمثل الإهانة التي تلقتها روسيا؟ وهل فهمت إيران أنها تحت السيطرة الأميركية، ولن تكون قوة إقليمية تتفرد بأي بلد خارج القواعد الأساسية للحراك الدولي؟

لقد كسب ترامب حضوراً أقوى أمام ناخبيه، وحاول ماكرون إعادة حضور ما لفرنسا في منطقة كانت على مدى القرن العشرين تعتبرها ساحة نفوذها السياسي، وتمكنت ماي من أن تبرز كزعيمة حازمة في بريطانيا وقوة أوربية لا يستهان بها رغم خروجها من الاتحاد الأوربي.

لكن الذين غابوا عن الحدث الكبير هم الثوار السوريون، ولئن كان النظام يحتفل بالنصر لنجاته من التهديد مرحلياً، فإن المعارضة التي تنتظر مسعى دولياً حاسماً لإيجاد حل، لا ترى أفقاً واضحاً ما لم يتم سحب أوراق رعاية المفاوضات من روسيا المنحازة للنظام، وما لم تقم الدول التي تعتبر نفسها صديقة للشعب السوري بمهمة إدارة التفاوض بنفسها للوصول به إلى حل مقبول.

ولا يمكن الوصول إلى حل يقبل به الشعب ويعود من خلاله المهجرون إلى وطنهم، وينتهي معه الاقتتال، إلا بوقف كل التدخلات الخارجية، وإنهاء الأحلام الانفصالية، وإقامة هيئة حكم انتقالي تشارك فيها كل الأطياف والمكونات الوطنية، لإنهاء الديكتاتورية التي قادت سوريا إلى الجحيم والدمار الشامل.

==========================

روسيا «المنتصرة» وإدارة الصراع السوري بالوهم .. سميرة المسالمة

الحياة

السبت 21/4/2018

من جديد يمكن السؤال عن إمكان قراءة الضربات»الجراحية» الأميركية والفرنسية والبريطانية في سورية، على أنها واحدة من الأدوات الدبلوماسية الغربية المعتمدة في تقليم أظافر إيران في المنطقة، وإعادة الوعي لروسيا لإدراك حجم دورها الموكل لها في الملف السوري، بعيداً عن «عنتريات» الرئيس فلاديمير بوتن، وتضخم الأنا، الذي عانى من أعراضه إثر نجاحه في عقد اتفاق ثلاثي ضم إليه كل من إيران وتركيا، لنزع حلب من تحت سيطرة المعارضة السورية، وإنشاء مسار تفاوضي جديد في العاصمة الكازاخستانية «آستانة»، يوازي بل يعطل مسار جنيف التفاوضي الأممي الذي يرعاه المجتمع الدولي، وهو ما كان بمكن أن يدفع بالأطراف السورية إلى إيجاد حل سياسي عادل يقوض سلطة نظام الأسد لمصلحة إقامة دولة ذات حكم غير طائفي ديمقراطية تعددية.

الانتصار المتبادل بين كل الأطراف المعنيين بهذه الضربات (سواء الضارب أو المضروب) له دلالاته التي يمكن مناقشتها، فالحلف الثلاثي انتصر في سياق إبعاد وهم التفرد الروسي، وانسياقه وراء وهم تحالفاته، بأن موسكو قادرة على صياغة مفهوم الشرق الأوسط الجديد بدءاً من سورية، وفق رؤيتها ومصالحها وتوافقاتها، وهو -في الآن ذاته- نصر على القدرات الإيرانية العاجزة عن حماية حليفها حتى إعلامياً، وبالتالي فإن الرسالة التي لم توجه أساساً إلى النظام السوري هي بأن القرار في المحصلة النهائية، ورغم تمدد مساحة نفوذه ميدانياً، هو قرار فوق داخلي (سوري- روسي)، أي أن أميركا في اللحظة التي تراها هي مناسبة وموجبة التدخل، ستفعل، بعيداُ عن أي مظلة يستظل بها النظام ومن يدعمه، ومن هنا يمكن قراءة أهمية الضربات للحلف الأميركي الغربي على رغم أنها غير مؤلمة عسكرياً، وغير مجدية ميدانياً.

من جهته، فإن احتفالات النظام «المنتصر» على الحلف الثلاثي الذي ضرب مواقع بحث وإنتاج وتخزين الترسانة الكيماوية وفق إعلان التحالف، ليست ذات موضوع جديد عليه، فهو الذي احتفى مسبقاً بانتصاره على حمص المدمرة، وحلب التي خرجت من موقعها كأكبر منتج لاقتصاد سورية، والغوطة التي لم يبق من مسمياتها ومعالمها «الغناء» إلا مواقع الدمار، والآثار الوحشية التي مارستها القوات النظامية وحلفائها، والتي أدت إلى قتل وتهجير عشرات الآلاف من سكانها الأصليين، فالنظام السوري من منظوره انتصر على ما أمله «المعارضون» له من أن تكون هذه الضربة هي الشعرة التي تقصم ظهر النظام، وهي أي الضربة، باعتبارها لم تهدف إلى ذلك، ولن تهدف أي ضربات غيرها، سواء حدثت أم لوحت الدول على استخدامها مرة أخرى، ما يعطي النظام فرصة الاحتفاء بانتصاره على المعارضة التي تصر حتى اللحظة على إدارة الصراع «بالوهم» المقابل لوهم النظام، من دون الاستفادة من تراكم حجم التخاذل الدولي خلال سبع سنوات في صياغة دور حقيقي لها كطرف وليس كأداة في معادلة الصراع الدائر على سورية وفيها.

يمكن التعاطي مع ضربات الحلف الثلاثي من مبدأ أنها عملية تأديب للنظام على استخدامه السلاح الكيماوي ضد الشعب السوري، فيما لو كانت هذه الدول تريد تجاهل الدورين الروسي والإيراني في إدارة العمليات القتالية في سورية، وهو ما تعبر عنه تصريحات كل من حليفي النظام على أنهما كانا السبب المباشر في حماية النظام من السقوط والهزيمة أمام المعارضة، والتصريحات الغربية حول الدور الروسي في نزع السلاح الكيماوي من النظام وفق القرار الأممي 2118، الذي تم التوصل إليه بين الجانبين الروسي والأميركي لتجنب تلقي النظام ضربة عسكرية إثر هجمات النظام الكيماوية على الغوطة الشرقية عام 2013، ما يعني أن العملية التأديبية ليست ذات معنى إذا كان هدفها النظام السوري المتهالك عسكرياً وسياسياً، ولكنها في حقيقة الأمر عملية تقويمية لإعادة توجيه مسار الصراع وفق تقاسم جديد، يخرج منه لاعبون، ليدخل آخرون، في عملية تبادل أدوار ومصالح وإبعاد شبهات.

من جهتها، يمكن لروسيا اعتبار الضربات العسكرية تصريح جديد لها، بالتعامل مع المجتمع الدولي «منفردة» هذه المرة كممثل وحيد للنظام السوري، دون أيحرج من شريكتها إيران، ودون العودة لرأي النظام الذي يرى مصلحته المطلقة (كسلطة حاكمة وأشخاص منتفعين) تحت العباءة الإيرانية، وليست الروسية، وهذا يفسر تأكيد الولايات المتحدة الأميركية بأنها لن تفاوض النظام في شكل مباشر، وضمناً فإنها لن تقبل بالجلوس مع إيران للتفاوض حول سورية، وهي التي تعتمد سياسة تحجيمها وكفكفة ذيولها الممتدة في المنطقة، وعلى وجه الخصوص من على الحدود السورية الإسرائيلية، بل وهي التي ترى أن أحد أهم أهداف استمرار الوجود الأميركي في سورية بعد محاربة داعش، وضمان عدم العودة لاستخدام الكيماوي من جديد في سورية، هو ضمان نقطة مراقبة جيدة لمتابعة أعمال إيران أو نشاطاتها، وبالتالي إعادة تشكيل المحاصصات وفق ما تقتضيه المصالح الإقليمية والدولية، ومراعاة حصة الغرب الذي ترى فرنسا أنها تمثله في سورية، وهو ما لا يتناقض مع استمرار الحديث عن رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في انسحاب القوات الأميركية من سورية، والتي يمكن أن تحل مكانها القوات الفرنسية لإدارة الصراع وتوجيهه بما يخدم المصلحة الأوربية ودورها من جهة، ويحقق المصالح الأميركية ورعاياها من الكرد في سورية.

لا يمكن لأحد أن يدعي الانتصار في الحروب ذات الطبيعة التكنولوجية، لأن الخسائر عادة هي سيد الموقف على كل الأصعدة، فحتى من يحقق أهدافه القتالية تكون خسائره المادية والشعبية داخل مجتمعاته فادحة، لكن في الحالة السورية الخاصة كل الأطراف «منتصرة»، فالنظام الذي استسلم للضربات التي اجتاحت أراضيه «منتصراً»، لأنه أسقط حسابات معارضته في نزع السلطة منه، والمعارضة «منتصرة» لأن الضربات نزعت الدرع الواقي الذي شكلته موسكو للنظام في أروقة مجلس الأمن، عبر 12 فيتو ضد أي قرار يحد من استخدام النظام للسلاح ضد شعبه، وروسيا بدفاعها عن النظام شكلت نصرها السياسي على شركائها (النظام وإيران).

وفي ظل كل هذه الانتصارات وأطرافها المتعددين، وحده الشعب السوري غارق في هزائمه أينما كانت الضربات موجهة، وأي كان من يوجهها، وفرصة نجاته من هذه الحرب لا تحددها الجهات المحتفلة بانتصاراتها الوهمية، ولكن بما يمكن استثماره دولياً من حاصل مجموع الخسائر في هذه الحرب الطويلة، ومدى رغبة المنتصرين «الحقيقيين» في حماية الأمن والسلم الدوليين، من خلال جر الأطراف «الموهومة بالنصر» إلى طاولة مفاوضات تهزم وحشية الحرب، وتحدد معالم الطريق إلى ولادة الجمهورية السورية الثالثة، بما يتيح الفرصة للسوريين بإعادة إنتاج دورهم في بناء السلام والاستقرار في سورية وما حولها، وهذا لن يتوفر ما لم تأخذ المفاوضات المرجوة شكلاً جديداً ينهي حالة العبث بدم السوريين، ومضموناً تفاوضياً لا يتم فيه تقاسم السلطة بين أمراء حرب مدعومين بحلفائهم الدوليين على الضفتين المتقابلتين.

==========================

لا تراهنوا على الطلاق بين روسيا وإيران! .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 21/4/2018

يتساءل كثيرون منذ بدء التحالف الروسي الإيراني في سوريا قبل سنوات: ما الذي يجمع الروسي الشيوعي سابقاً والإيراني الشيعي؟ (أيه لم الشامي عالمغربي؟) لا شيء يبدو جامعاً لنظامين على طرفي نقيض عقائدياً وسياسياً وثقافياً، فالنظام الروسي نظام مسيحي أرثوذوكسي ديمقراطي رأسمالي ظاهرياً، ومخابراتي واقعياً، والإيراني نظام ديني أوتوقراطي لا مثيل له في العالم إلا في زمن القرون الوسطى حيث كان رجال الدين يسيطرون على كل شيء. لكن مع ذلك يتلاقى النظامان، رغم الفوارق الثقافية والدينية، في أنهما نظامان مارقان من وجهة نظر الغرب، وأيضاً في أنهما يواجهان عدواً مشتركاً يتمثل في أمريكا والغرب عموماً.

إن الطيور على أشكالها تقع. لاحظوا مثلاً أن النظامين الوحيدين اللذين يتحالفان مع أحقر وأقذر نظام في المنطقة هما روسيا وإيران. والمقصود طبعاً النظام السوري الذي لاقى حماية روسية إيرانية رغم أنه تفوق على النازيين والفاشيين في أفعاله وجرائمه. لا شيء مستحيل في السياسة، طالما تلتقي المصالح، فمعروف عن الإيرانيين أنهم براغماتيون وواقعيون رغم اتباعهم سياسة مبنية على الدين. ولا ننسى أن كلمة «بازار» كلمة إيرانية أصلاً. والبازار هو السوق الذي يبيع ويشتري فيه التجار ويعقدون الصفقات بغض النظر عن أي شيء آخر.

البعض الآن يرى على ضوء الهجوم الغربي الأخير على نظام الأسد وقبله الهجوم الإسرائيلي على القواعد الإيرانية في مطار التيفور السوري أن إيران باتت في موقف محرج في سوريا، وأن الضغط الإسرائيلي لطرد الإيرانيين من سوريا سيضع الروس حلفاء الإيرانيين في ورطة حقيقية. هل يضطر الروس لمراضاة الأمريكيين والإسرائيليين إلى فك الارتباط بحلفائهم الإيرانيين في سوريا؟ المتفائلون بفك ذلك الارتباط يفكرون بعقلية رغبوية على أمل أن ينهار التحالف الروسي الإيراني الذي بات رقماً صعباً في سوريا والعراق وحتى لبنان واليمن. لكن الطلاق الروسي الإيراني ليس بالسهولة التي يتمناها أعداء إيران في المنطقة.

لمن لا يعلم فإن التقارب الروسي الإيراني ليس نتيجة الوضع في سوريا أبداً، وليس وليد المصالح المشتركة لموسكو وطهران في سوريا وحتى اليمن، بل هو سابق لذلك. فلا ننسى أن روسيا تعتبر إيران ذراعاً ضرورياً لها فيما يسمى بالمشروع الأوراسي الذي يتبناه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وأوراسيا هو مشروع يحاول الروس من خلاله تشكيل حلف أوروبي آسيوي كما يبدو من الاسم لمواجهة المشاريع والتحالفات الغربية. ولا يمكن لهذا المشروع الاستراتيجي أن يتقدم ويتشكل من دون المشاركة الإيرانية الفعالة، وبالتالي فإن التلاقي الروسي الإيراني ضرورة استراتيجية قبل أن يلتقي الطرفان في سوريا، لا بل إن التقارب بين الجانبين في الشرق الأوسط مرده إلى الزواج الكاثوليكي الذي يتطلبه مشروع أوراسيا.

وحتى لو لم تكن هناك مصالح مشتركة للروس والإيرانيين في مشروع أوراسيا، فإن الطرفين لا يمكن أن ينجحا في سوريا بمفرد كل طرف، فهما يعتمدان على بعضهما البعض اعتماداً حيوياً لتمرير مصالحهما في سوريا حيث يحظيان بترحيب كبير من قبل النظام. لا شك أن روسيا تعلم علم اليقين أنها لا تستطيع أن تنتصر عسكرياً في سوريا على قوى المعارضة السورية بسلاح الطيران فقط على نجاعته وجبروته، فهي تحتاج على الأرض إلى قوات برية كبيرة لتقوم بالمهمة برياً. وكما هو معلوم فإن لإيران ميليشيات كثيرة في سوريا تقاتل إلى جانب النظام، فلا القوات الإيرانية قادرة بمفردها على الانتصار، ولا الطيران الروسي بمفرده قادر على حسم المعركة. وكما نعلم كانت دمشق على وشك السقوط أمام قوات المعارضة لولا التدخل العسكري الروسي كما اعترف وزير الخارجية الروسي نفسه، وأن إيران فشلت من قبل في وقف زحف القوى المعارضة للنظام السوري باتجاه دمشق حتى جاء الروس وتظافرت القوة الجوية الروسية والقوة البرية الإيرانية فتحقق النصر الروسي الإيراني على قوات المعارضة في حلب وريف دمشق مع الأخذ بعين الاعتبار أيضاً أن التقارب التركي الروسي في سوريا لعب دوراً محورياً في ترجيح كفة الروس والإيرانيين في سوريا على حساب قوى المعارضة.

البعض يعتقد أن روسيا يمكن أن تبيع إيران في سوريا لصالح إسرائيل على اعتبار أن الروس أقرب للإسرائيليين منه إلى الإيرانيين. لكن مؤيدي إيران يعتقدون العكس، فهم يرون أن روسيا تستخدم الميليشيات الإيرانية في سوريا كبعبع وكمخلب قط لتخويف الإسرائيليين والأمريكيين. وكلما اقتربت الميليشيات الإيرانية باتجاه الحدود الإسرائيلية في سوريا اضطرت تل أبيب للضغط على أمريكا لتخفيف الضغوط على روسيا في أوكرانيا وسوريا ومناطق أخرى. ويتحدث محللون من الحلف الإيراني على أن هناك تفاهماً قوياً جداً بين المرشد الإيراني علي خامنئي والرئيس الروسي بوتين في هذه القضية وغيرها.

لا تراهنوا على إضعاف الدور الإيراني في المنطقة، فإيران ضرورة استراتيجية للمشروع الأمريكي والإسرائيلي، ويكفي أن تعرفوا أن الصراع السني الشيعي الذي ترعاه القوى الشريرة في المنطقة لا يمكن أن يزدهر بدون النفوذ الإيراني، وأن الخراب والتدمير الممنهج بدءاً بالعراق مروراً بلبنان واليمن والآن سوريا لا يمكن أن يتحقق أيضاً من دول المعوّل الإيراني.

 

٭ كاتب واعلامي سوري

==========================

يا له من عدوان ثلاثي .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 21/4/2018

من حق الأسديّة إطلاق صرخات البهجة والسرور بمناسبة ما أسمته "فشل العدوان الثلاثي" عليها، والذي لا أدري كيف كان له أن ينجح، إذا كان من نفذوه قد أرادوا له أن لا يُسقط بشار الأسد، أو يغير موازين القوى لصالح الثورة، أو يوقف الحرب الروسية/ الإيرانية/ الأسدية ضد السوريين.

وكيف تنجح الملاعبة العسكرية الأميركية/ البريطانية/ الفرنسية، إن كانت لم تستهدف الأسد، أو موازين القوى الراجحة لصالحه، أو وقف حربه ضد السوريين، أو تدمير أسلحته التي يقتل شعب"ه" بواسطتها منذ نيف وسبعة أعوام؟. وكانت أطراف "العدوان الثلاثي" لم ترغب في الضرب على يديه، لمنعه من مواصلة مجازر القتل المنظم بكل سلاح، والتي ينفذها جيشه بدعم روسي مفتوح وإيراني حثيث، بالتعاون مع أحط حثالات الإرهاب في أفغانستان والعراق ولبنان وبنغلادش وأوزبكستان.. إلخ؟. ثم، كيف يكون ما حدث عدواناً، إن كان من نفذوه لم يستهدفوا أيضاً شركاء الأسد، ولم يرموا إلى إخراجهم من سورية، أو إلى تطبيق حل سياسي دولي بقوة قرارات دولية أصدرها مجلس الأمن لوضع حدٍّ للمقتلة المستمرة منذ سبعة أعوام، التي يتعرّض لها ملايين الأطفال، لأن آباءهم ارتكبوا جريمة المطالبة بالحرية، وهي حق يكفله لهم دستور بلادهم الذي أصدرته الأسدية، وتضمنه شرعة حقوق الإنسان والقوانين الوضعية ووصايا الأديان؟.

وأيّ عدوان هذه الملاعبة العسكرية التي حرص منفذوها على عدم المسّ بجيش الأسد ومرتزقته! لذلك لم يصيبوا أحداً منهم بقنابلهم وصواريخهم التي دخلت إلى سورية، وخرجت منها من دون أن يعترضها الروس، أو يجدوا في أنفسهم الجرأة على إطلاق رصاصة واحدة عليها؟ وبأية وقاحة يجيز الأسد لنفسه الحديث عن "عدوان ثلاثي" تشبّهاً بـ "العدوان الثلاثي" على مصر الناصرية بعد تأميم قناة السويس عام 1956، وكان غرضه إسقاط جمال عبد الناصر، حسب تصريح لرئيس وزراء بريطانيا آنذاك، أنطوني إيدن، واحتلال مصر، كما أعلن رئيس وزراء فرنسا، جيه موليه، بينما تستهدف "الملاعبة العسكرية الحالية" الإبقاء على الأسد وسلطته، وعلى تفوقه العسكري على الثورة، وتقتصر على أخذ سلاحه الكيميائي، وعدم المس بأسلحة أشد فتكاً منه، والسماح له باستخدامها، وهو على ثقةٍ من أن أحداً لن يزعجه، مهما أسرف في قتل شعب"ه"؟.

ما الشبه بين ما جرى عام 1956 ضد مصر، واستهدف اقتلاع الثورة العربية من جذورها، والقضاء عليها في مهدها المصري، و"عدوان" مزعوم يحافظ على من يستهدفه، ثم يعلن القائمون به توبة نصوحاً عن تكراره، من خلال تأكيدهم أنه فقد ما كان في حوزته منه، وأنهم دمروه إلى سنين عديدة مقبلة؟

هللت الأسدية لإفشال "العدوان الثلاثي" الذي لو كان عدواناً بحق لاقتلعها من جذورها، ولما وجد بطل البراميل الوقت للاحتفال بانتصاره، لأن الأموات لا ينتصرون ولا يحتفلون. بدورها، هللت الكنيسة الأرثوذكسية "المقدسة" لفشل "العدوان الثلاثي"، وانخرطت، برخصٍ وسفاهةٍ، في جوقة الدجل، فرحاً بنجاة المجرم من "عدوانٍ" لم يقع عليه، لحرص من نفذوه على مواصلته ذبح السوريين إلى آخر طفل وامرأة، وتمكين الكنيسة وكتبتها، الذين تجرّدوا من أي شعورٍ إنساني، من الزحف على بطنها أمام مخابراته.

يثير التهليل لفشل "العدوان الثلاثي" على الأسدية القرف، وأكثر ما يثير القرف فيه عدوان الأسدية الوقح على جمال عبد الناصر ومصر، الذي يشبّه مجرماً قتل الملايين من شعب"ه" وشرّدهم، بزعيم أمة العرب التاريخي الذي استشهد وهو يدافع عنها.

==========================

الحل في سورية وفق نموذج كوسوفو .. رضوان زيادة

الحياة

الخميس 19/4/2018

خلال حرب كوسوفو عام 1999 قام حلف شمال الأطلسي «الناتو» بقصف أهداف تتبع للقوات المسلحة اليوغوسلافية واستمرت الضربات الجوية من 24 آذار (مارس) 1999 إلى 10 حزيران (يونيو) 1999 واستمر سقوط الصواريخ حتى تم التوصل إلى اتفاق أدى إلى انسحاب القوات اليوغوسلافية من كوسوفو وإنشاء بعثة الأمم المتحدة للإدارة الموقتة فيها، وهي بعثة لحفظ السلام تابعة للأمم المتحدة في كوسوفو.

برأيي أن هذا هو السيناريو الوحيد الذي يمكن أن يعيد الاستقرار إلى سورية، ضربات جوية ضد نظام الأسد تجبره على القبول بالحل السياسي الذي يجب أن يكون تحت إشراف الأمم المتحدة بحيث يضع سورية تحت إشراف الأمم المتحدة لفترة موقتة بما يمكّن السوريين من إجراء انتخابات حرة ونزيهة يجري اختيار قيادة جديدة وفقها. من دون ذلك لا أعتقد أن الأسد سيكون جاداً في الوصول إلى أي حل سياسي.

لقد تدخل الناتو في يوغسلافيا السابقة من دون الحصول على قرار صريح من مجلس الأمن للقيام بعمل عسكري كما أن الصين وروسيا عارضتا باستمرار أي استخدام للقوة ضد الرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش تماماً كما يبدو الوضع في سورية اليوم تحت قيادة الأسد. ولذلك أطلق الناتو حملته العسكرية والصاروخية التي استمرت 78 يوماً من دون تفويض من الأمم المتحدة، والتي كانت كافية لإجبار ميلوسوفيتش بقبول الحل السياسي.

لقد أطلقت الولايات المتحدة على هذا التدخل العسكري بوصفه «تدخلاً إنسانياً» لا سيما بعد زيادة عدد النازحين واللاجئين من ألبان كوسوفو إلى مئات الألوف الذين لجأوا إلى دول الجوار، كما هي حال سورية اليوم لكن بعد ضرب هذا العدد من اللاجئين السوريين بالملايين المنتشرين ليس فقط في دول الجوار وإنما في كل الدول الأوروبية.

لقد كانت هذه هي المرة الأولى التي يستخدم فيها حلف الناتو القوة العسكرية من دون موافقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لكن من دون هذه الجرأة والشجاعة السياسية للرئيس كلينتون ورئيس الوزراء البريطاني لربما استمر النزاع في كوسوفو عشرات السنين، ولذلك ما زالت تحتفظ كوسوفو بتمثال ضخم للرئيس كلينتون في عاصمتها بريشتينا.

لقد كانت الضربات العسكرية التي استمرت 78 يوماً على ميلوسوفيتش الرسالة الحاسمة في دفعه لقبول المفاوضات السياسية والتوصل إلى اتفاق، فمن دون هذه الاستراتيجية سيبقى الأسد طليقاً في أوهامه التدميرية التي تجعله يعتقد أنه حر في قتل من يشاء كيفما يشاء وبأي سلاح شاء، فهو شخص لن يقيم احتراماً لفكرة القانون الدولي فضلاً عن احترام فكرة أن سورية التي يقبع على جثثها لن تخضع له كما يريد ويتوهم وأنه لن يستطيع العودة بعقارب الساعة إلى ما قبل عام 2011.

في عام 2012 كتبت مقالاً في «الفاينانشال تايمز» قلت فيه أن نموذج كوسوفو يقدم لنا طريقاً للحل في سورية، للأسف الآن وبعد ستة أعوام بعد أن ارتفع عدد ضحايا الصراع السوري إلى أكثر من 800 ألف ضحية وزاد عدد اللاجئين إلى أكثر من ثمانية ملايين لاجئ نعود لنتذكر أن طريق كوسوفو ربما كان يوفر على السوريين الكثير من الألم والدم الذي سفك على أعتاب المدن السورية المختلفة.

وكتب بيل كلينتون، الذي اتخذ القرار بالتدخل في كوسوفو بكل جرأة قائلاً: «إن حرق القرى وقتل الأبرياء كان تاريخاً. كنت أعلم أن الأمر كان مسألة وقت قبل أن يكون ميلوسيفيتش تاريخاً أيضاً». في سورية اليوم، نرى التاريخ يعيد نفسه. إن «إحجام المجتمع الدولي عن العمل يطيل الفظائع والجرائم بحق المدنيين السوريين».

ذكرت حينها أنه كما هي الحال في كوسوفو، يجب على المجتمع الدولي– أن يشكل بعثة مشتركة بين الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية– تشرف على الحل السياسي وتضمن وصول كل المساعدات الإنسانية إلى كل المناطق من دون استثناء بما يخفف من التوتر الطائفي ويحمي المدنيين في شكل يساعدهم على المشاركة في الحل السياسي لما بعد الأسد.

إن تقاعس المجتمع الدولي عن اتخاذ التدابير الضرورية جرأ الأسد على استخدام السلاح الكيماوي عشرات المرات كما أكدت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وبالتالي إذا لم تغير الولايات المتحدة اليوم استراتيجيتها باتجاه حل سياسي شامل في سورية على طريقة كوسوفو، فإن استخدام الأسد للسلاح الكيماوي مجدداً هي ربما تكون مسألة وقت، لا سيما أن الهدف التالي للأسد هو إدلب التي تؤوي الآن الملايين من المهجرين الذين طردهم الأسد من بيوتهم إلى الشمال السوري، وبالتالي بالنسبة للأسد ومؤيديه تعتبر هدفاً مشروعاً كاملاً لاستخدام السلاح الكيماوي لإبادة كل من تمرد على حكومته في يوم من الأيام.

==========================

جردة تخمينية ببعض الحروب القادمة في سوريا .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 19/4/2018

نعم، لم نعد نكتفي بوصف وتحليل الحروب القائمة أو تلك التي انتهت، بل بات بإمكاننا في سوريا توقع المزيد منها، بناءً على أحدث المؤشرات. هذا يعني ضمناً أن كل حديث عن مساع أو خطط للوصول إلى حلول سياسية، في تصريحات ممثلي الدول الفاعلة على الحيز الجغرافي السوري، والمحيط الإقليمي القريب، لا تعدو كونها تمريكاً للوقت ومحاولة لحجب الرؤية عما يدور في كواليس السياسة الدولية.

كان المندوب الروسي في الأمم المتحدة واضحاً، بهذا الصدد، في الكلمة التي ألقاها في اجتماع مجلس الأمن الدولي، الثلاثاء، حين عبر عن «حرد» موسكو من عواصم الضربة الثلاثية لمواقع النظام الكيماوي، واشنطن ولندن وباريس، قائلاً إن بلاده ستوقف أي تعاون معها بشأن استئناف مباحثات السلام حول الصراع السوري. بل ذهب أبعد من ذلك حين تقمص دور النظام الكيماوي الذي «لن يكون متحمساً للمشاركة في أي مباحثات سلام» كما قال. أراد الروسي، بهذه المطالعة، أن يقول إن الضربة الصاروخية المحدودة لن تكون لها نتائج سياسية، يعرف هو نفسه أن الغرب لا يسعى إليها أصلاً، عنيت بذلك جلب النظام الكيماوي، عنوةً، إلى طاولة مفاوضات جدية يقدم فيها تنازلات حقيقية تفضي إلى تطبيق قرار مجلس الأمن 2254. وهكذا يترجم الروسي النتائج العسكرية الهزيلة للضربة بنتائج سياسية أكثر هزالة، ما لم يحدث ما يقلب الأمور باتجاهات أخرى. والحال أن هناك، على الأقل، مؤشرات لحربين أو ثلاث يمكن اندلاعها في أي لحظة:

أولاً، حرب إسرائيلية ـ إيرانية على الأراضي السورية (واللبنانية؟). ويمكن القول إن شرارتها الأولى قد اندلعت في العاشر من شهر شباط الماضي حين اخترقت طائرة استطلاع إيرانية مسيرة عن بعد المجال الجوي لإسرائيل، وتم إسقاطها، ليتبين لاحقاً أنها كانت مذخرة وفقاً للمصادر العسكرية الإسرائيلية، وإن كان من المستبعد أن يكون في نية الإيرانيين القيام بضربة أولى يمكن أن تستجر عليهم رداً إسرائيلياً مؤلماً. وقد كان الرد الإسرائيلي، آنذاك، فورياً، فقد قامت بقصف مواقع للقوات الإيرانية على الأراضي السورية، بواسطة طائرات حربية من طراز إف 16، أسقطت الدفاعات الجوية للنظام الكيماوي واحدة منها، في سابقة هي الأولى من نوعها بالنسبة لكل من إسرائيل والنظام المذكور معاً.

وفي زحمة تهديدات الرئيس الأمريكي، عبر تويتر، بالاقتصاص من النظام الكيماوي لاستخدامه مواداً كيماوية محرمة دولياً في قصف مدينة دوما، استبقت إسرائيل حصتها من ذلك الاقتصاص فضربت ضربتها لمطار تي فور العسكري شرقي مدينة حمص. وقتل في تلك الضربة سبعة إيرانيين بينهم ضابط كبير في الحرس الثوري. توعد الإيرانيون بالرد على هذه الضربة المؤلمة، فبات النظام الكيماوي في حالة من التوتر الدائم إلى درجة أن «إنذاراً كاذباً» أدى إلى إطلاق دفعة من صواريخ الدفاع الجوي باتجاه أهداف غير موجودة، على ما فهمنا من التغطية «الحصرية» للتلفزيون السوري لهجوم إسرائيلي جديد، لم يقع، على مطار تي فور المستخدم كقاعدة إطلاق لطائرات درون الإيرانية، بعد الهجوم الأول المتحقق بأيام قليلة.

وقد نشر الجيش الإسرائيلي «بنك أهداف» إيرانية على الأراضي السورية، هو عبارة عن خريطة تفصيلية للمواقع العسكرية التي تستخدمها إيران. كما أن إعلام الممانعة يروج، في الآونة الأخيرة، أن جيش النظام الكيماوي الذي انتهى من معركة الاستيلاء على الغوطة الشرقية، سوف يتوجه جنوباً نحو مواقع «الإرهابيين» في مناطق قريبة من الحدود مع إسرائيل والأردن. ثانياً، الصراع بين ثلاثي آستانة على محافظة إدلب ومناطق مجاورة سبق تأطيرها في «منطقة خفض تصعيد» تقيم عليها تركيا «نقاط مراقبة» لوقف إطلاق نار مفترض في إطار الخطة الثلاثية المذكورة. ومن المحتمل أن يشكل «الصراع الصغير» الدائر هناك، على بعض الجبهات، بين «هيئة تحرير الشام» (النصرة سابقاً) وخصومها في «جبهة تحرير سوريا» مدخلاً للحرب الكبيرة بين تركيا وإيران، هي الآن في حالة كمون، والمرجح ألا تتحول إلى حرب حقيقية بفعل الضغط الروسي على كلا البلدين، كما بسبب عدم رغبتهما في التورط في حرب مباشرة يكونان فيها معاً خاسرين. وأعني بالضغط الروسي، هنا، طرح حل وسط يرضي الشريكين، ربما بتقاسم أراضي المحافظة بينهما.

ولكن ماذا عن النظام الكيماوي الذي يريد بسط سيطرته على كامل المحافظة، حتى لو كان ذلك بميليشيات تابعة لإيران؟ هل سيقبل ببقاء قسم من محافظة إدلب المشرفة على الساحل بيد الأتراك؟ صحيح أن الروسي هو الذي يقرر، وليس الدكتاتور العاجز القابع في دمشق، لكن بقاء إدلب تحت سيطرة فصائل إسلامية بإشراف تركي يتعارض حتى مع التصورات الروسية للحل السياسي.

من هذا المنظور، قد تشكل إدلب حيث تم تجميع كل الفصائل المسلحة التي نزحت من الجنوب باتجاهها، إضافة إلى مليونين من المدنيين النازحين، لحظة شقاق تركية ـ روسية/ إيرانية، ينتظرها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بفارغ الصبر لملء الفراغ الأمريكي في المسار السياسي للصراع في سوريا. فالرئيس الفرنسي «القادم من المجهول» بالمعنى السياسي، يريد للمشكلة السورية أن تشكل منصة يطلق منها ملامح سياسية لعهده. نراه، في الآونة الأخيرة، كثير الكلام والتصريحات بشأن سوريا، إضافة إلى مشاركته في الضربة الثلاثية، وفتحه خطاً مع «قوات سوريا الديموقراطية» وتعزيز قواته في مدينة منبج. فهل ستسمح له شبكة التعقيدات الدولية باختراق ما؟

إضافة إلى منطقتي الصراعات المحتملة المذكورتين أعلاه، هناك خط القلمون المحاذي للحدود اللبنانية، وهي منطقة ذات أهمية حيوية لإيران وحزبها الإلهي في لبنان. وقد بدأ الضغط باتجاهها فوراً بعد انتهاء معركة الغوطة الشرقية.

وأخيراً هناك الجيب المتبقي تحت سيطرة فصائل مسلحة في الريف الفاصل بين مدينتي حمص وحماة، سيسعى التحالف الإيراني ـ الأسدي ـ الروسي إلى السيطرة عليه في الفترة القريبة المقبلة، للانتهاء من ترسيم حدود «سوريا المفيدة» تحت الحماية الروسية الدائمة. أما «سوريا المفيدة أكثر» شرقي نهر الفرات وفي الجنوب حول معبر تنف، حيث منطقة النفوذ الأمريكية، ففي الأفق جديدان مترابطان: رغبة أمريكية معلنة في الانسحاب العسكري الذي تم تأجيله حتى إشعار آخر؛ و«قوات عربية» مدعومة أمريكياً على ما «بشرتنا» به صحيفة وول ستريت جورنال، وتأكد في تصريح وزير الخارجية السعودي عادل جبير بشأن استعداد المملكة لإرسال قوات من «التحالف الإسلامي» إلى سوريا.

لا سلام إذن في الأفق السوري، بل حروب تتناسل حروبا.

==========================

سرقة الأملاك تتواصل منذ ثورة البعث .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاربعاء 18/4/2018

أثار القرار الأخير الذي أصدره وزير الإدارة المحلية محمد مخلوف، بإعادة تنظيم المناطق التي تعرضت للحرب، وتحديداً في الغوطة وغيرها، مخاوف وقلق الملايين من السوريين، حيث دعا الوزير إلى إعادة تنظيم هذه المناطق إدارياً، -وبحسب القرار- فإن أصحاب الأراضي عليهم أن يثبتوا ملكيتهم لها خلال مدة لا تتعدى 45 يوماً، وإلا فإن الدولة ستتصرف بالأمر، وهو أمر مستحيل تنفيذه في الظروف الراهنة، فإما القيود والصكوك قد ضاعت من أيدي أصحابها، أو أن المهجرين والمشردين البالغ عددهم 13 مليون مشرد في الداخل والخارج غير قادرين أو لا يتجرؤون على مراجعة دوائر الدولة خشية القبض عليهم، والزج بهم في غياهب السجون، فضلاً عن استحالة قيام مئات الآلاف من المعتقلين بإثبات ذلك، وهو ما يعني سرقة ممنهجة لملكيات الأراضي.

منذ مجيئ حزب البعث إلى السلطة، وتحديداً بعد وصول حافظ الأسد في عام 1970 إلى السلطة، والأخيرة معنية -أكثر ما هي معنية- بإحكام السيطرة على العاصمة دمشق، ثم توسعت إلى إحكام السيطرة على المدن والقرى والبلدات، بحيث حرصت على نشر مستوطنات ومستعمرات عسكرية، لإخضاع أي انقلاب أو تمرد أو ثورة تحصل لاحقاً، فكان أن بدأ النظام بالسيطرة على أراضي السوريين في محيط العاصمة دمشق، بسرقة أخصب الأراضي في الغوطة الشرقية، ودفع أبخس الأثمان لملاكها من أجل نشر قواعد عسكرية، كما حصل مع مطار مرج السلطان، بينما كان من السهل أن يتم تشييده على بعد بضعة كيلومترات في مناطق صحراوية قريبة من الغوطة، لكن ظهر أن المخطط هو السيطرة على هذه الأراضي، وسلبها من أهلها لتقليص الكتلة السنية الحرجة حول العاصمة لاحقاً.

وامتد ذلك إلى منطقة المعضمية التي لا تبعد سوى 3 كيلومترات، حيث اشترى الدونم الواحد من أهلها بعشرة آلاف ليرة سورية، وهو مبلغ زهيد في حينه، مما سلب الأهالي 82 % من أرضهم، حيث كان حجم أراضي المعضمية أكثر من 44 ألف دونم، ونفس الأمر تكرر في التل وقطنا وداريا والزبداني وغيرها، ولذلك رأينا منذ بداية الثورة وعين البعث على داريا لجوارها مطار المزة العسكري، حيث بدأ النظام مبكراً بتفخيخ البيوت والبنايات من أجل تدميرها، والسطو على أراضيها لتسويتها، وجعلها منطقة آمنة للمطار العسكري، وبهذا يسعى النظام إلى ضمان الطوق الدمشقي من الأقليات، بدءاً من عش الورور والسومرية إلى الغوطة فالقلمون والتل، حيث كانت في البداية مستوطنات عسكرية لحماية العاصمة، والأمر نفسه تكرر في المدن والقرى، والآن لينتقل إلى الخطة الثانية المتطورة، وهي نشر مستوطنات ديموغرافية مجتمعية منسجمة مع طائفيته.

أراد النظام إرسال عدة رسائل من خلال هذا القانون، فالرسالة الأولى للموالين والمقيمين تحت سلطته بألا يفكروا -ولو بعد حين- في الانقلاب عليه، ورسالة لدفع المشردين إلى بيع أراضيهم بشكل عاجل خشية خسارة كل شيء، وببيعها الآن ستكون رخيصة، لكونهم على عجلة من أمرهم، أو لأن مناطقهم لم يعد فيها خدمات كالسابق.;

==========================

ما بعد نزهة ترامب في سورية .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاربعاء 18/4/2018

لن تنهي "نزهة" الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، القتالية في سورية الصراع المحتدم بين الدول المتصارعة على فرض نفوذها وانتزاع حصصها من الأرض السورية، كما أنها لم تهدف أساساً إلى وضع نهاية للصراع القائم منذ سبع سنين، بين النظام السوري والمعارضة  الشعبية التي ثارت ضده بسبب الممارسات القمعية التي أثقلت على الناس معيشتهم، وضيقت عليهم أسباب استملاك حقوقهم، بوصفهم مواطنين أحرارا في بلدهم، وتركت تلك "النزهة" للنظام وكل من روسيا وإيران دراسة خيارات الرد على "العبث الأميركي - الغربي المسلح" داخل الأراضي السورية، حسب وصف محور روسيا والنظام وإيران العملية المسلحة التي تحدثت عنها الولايات المتحدة الأميركية، بالتعاون مع حلفائها الفرنسيين والبريطانيين، وإنزال أشد العقوبات على الحاضنة الشعبية للثورة السورية، من مبدأ أنه في جميع المواجهات والدروس المتبادلة بين المحورين، الروسي والأميركي، ستكون الخسائر والضحايا "سورية الهوية".

ويعتبر النظام السوري الضربات العسكرية ضده، إسرائيلية كانت أم أميركية أم أوروبية، والتي لا تستهدف إسقاطه نظام حكم، ولا تعلن انتهاء صلاحية بشار الأسد رئيسا، مجرد "مطبّات" عابرة في مسيرة حربه على ما تبقى من حواضن الثورة، مكانياً وسكانياً، تبعاً للمصلحة المشتركة مع إيران التي ترفض مطالب السوريين بحل سياسي انطلاقاً من بيان جنيف1، 

"أنتج المجتمع الدولي نحو 17 قراراً بشأن سورية ولم يأخذ أيٌّ منها طريقه إلى التنفيذ" وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة بالصراع السوري، ومنها 2118، 2254، وفي الوقت نفسه، يعتمد النظام على ثبات الموقف الروسي المساند له، مستثمراً الخلافات الدولية التي تغرق فيها روسيا مع الولايات المتحدة الأميركية من ناحية، ومع الدول الأوروبية التي تفرض عليها عقوبات مالية واقتصادية، وتحاصرها دبلوماسياً وسياسياً من ناحية ثانية، ما يترك المجال، حسب اعتقاد النظام، لفرصة استمرار سياسته في إطالة أمد الواقع الحالي، متجاهلاً أنه، مع حلفائه، أتاح لنظرية "الفوضى الخلاقة" أن تتجسّد واقعياً في سورية، ما يتيح المجال للولايات المتحدة، في هذه المرحلة، إعادة تشكيل الشرق الأوسط الجديد اعتماداً على التفجير الذاتي للدول (وهذا ما روجته وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس عام 2005)، وعلى ما أحدثته التدخلات الخارجية وأدواتها من مليشيات وفصائل في الواقع السوري اليوم، وهو الأمر الذي أفشل مراهنات النظام وحلفائه على استثمار هذه الفوضى التي أحدثها، عبر السنوات السبع الماضية، لإعادة إنتاج نفسه ودوره الوظيفي في الشرق الأوسط الجديد، خصوصا مع وجود المصالح الأميركية في دحر التمدّد الإيراني في المنطقة، وأنها، أي الولايات المتحدة الأميركية، كانت الغائب الحاضر، وصاحبة القرار النهائي في قطف الثمار لحالتي الحرب والسلام في المنطقة.

وهذا ما يفسر حالة الهلع التي أصابت كلا من النظام السوري وروسيا وإيران، عند أول إشارة إلى جدية التعامل مع انتهاك النظام قرار حظر استخدام السلاح الكيميائي، ليس بسبب الضربة العسكرية التي يمكن لملمة آثارها، كما يفترض النظام دائماً، وإنما لما يريده الحلف الأميركي من الحلف الروسي الإيراني التركي الذي قارب على وضع اللمسات الأخيرة للحل في سورية، ضارباً عرض الحائط بما أنتجه اجتماع باريس في 24 يناير/كانون الثاني الماضي، على هامش مؤتمر عن المسؤولين عن الهجمات الكيميائية في سورية، وضم الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والسعودية والأردن، ونتج عنه ما سميت "اللا ورقة" لتكون محور التفاوض بين طرفي النزاع السوريين (المعارضة والنظام)، والتي تعبر عن رؤية هذه المجموعة لما يجب أن تكون عليه جلسات التفاوض البينية، لإنهاء حالة التلاعب وكسب الوقت خلال جولات التفاوض التي وصل عددها إلى تسع، إضافة إلى جلسات التفاوض التقني وورشات العمل، كما أنها وضعت ملامح جديدة لسورية ما بعد الحرب، وفق خريطة طريقٍ تتجاوز المصطلحات الخلافية والمرجعيات غير الوطنية لكلا الطرفين، ويمكن القول إن من شأن تلك الرؤية أن تسقط نظام الحكم القائم شكلاً ومضموناً، وتؤسس لسورية دولة رئاسية برلمانية غير مركزية، وتمنح كل المواطنين حقوقا متساوية فردية وجمعية.

التعاطي السلبي والمعادي مع حالة التدخل السياسي المباشر للمحور الأميركي الغربي، من

"الحصار الحقيقي الذي ينتهجه الرئيس ترامب لكل من روسيا وإيران هو بإخضاعهم إلى آلية مفاوضات جديدة" خلال تجاهل ثم رفض اللا ورقة المقترحة، والتي جاءت لتسحب البساط من تحت مبادرة موسكو، المتفق عليها مع طهران وأنقرة عبر ما سمي مؤتمر سوتشي، وتفاقم الخلافات بين المحورين بشأن الخرائط المعلنة عن تقاسم النفوذ لمحور روسيا وشركائها في أستانة، وتجاهل المصالح والرغبات الأميركية والغربية وإسرائيل، في إبعاد إيران عن الحدود السورية مع كل من "إسرائيل" والعراق، واستكانة النظام، بفعل شراكته مع كل من موسكو وطهران، لهذه المخططات من جهة، وكذلك موافقة أطراف في المعارضة على هذا التقسيم، بفعل تسليمها الكامل لما تقتضيه مصالح تركيا منه، من جهة مقابلة، هيأ الفرصة لخروج واشنطن أخيراً عن صمتها، وتعاطيها مع جريمة استخدام السلاح الكيميائي هذه المرة، بما يمكن أن ينهي حالة التمرد الروسي على قرارات المجتمع الدولي، ويقوّض الوجود الإيراني في سورية، ويقلل من أهمية تحالفاتها مع مليشيا حزب الله، قبل أن تكون التهديدات والنتائج هدفها المباشر النظام السوري، وتهذيب سلوكه وإعادته إلى طاولة المفاوضات وفق الجدول الأممي الذي يريده المجتمع الدولي الذي أنتج نحو 17 قراراً، ولم يأخذ أيٌّ منها طريقه إلى التنفيذ.

الحصار الحقيقي الذي ينتهجه الرئيس ترامب لكل من روسيا وإيران هو بإخضاعهم إلى آلية مفاوضات جديدة، لا تكون فيها روسيا بيضة القبان في ميزان التسوية السورية، ولا تغيب فيها المصالح الإسرائيلية على حساب تحجيم إيران وردعها، بينما يأخذ الحصار شكلاً آخر مع النظام والمعارضة، اللذين يشكلان الحلقة الأضعف في الصراع الحالي، ما يستوجب على كل طرف أن يعيد حساباته داخلياً وخارجياً، لإقناع المجتمع الدولي بصلاحية تمثيل كلٍّ منهما للجهة التي يدّعي أنه يمثلها من مؤيدين ومعارضين وما بينهما.

==========================

العبث الغربي في سورية .. برهان غليون

العربي الجديد

الثلاثاء 17/4/2018

لم تنقذ الضربة التي قام بها تحالف الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا السياسة الغربية في سورية، ولم تخرجها من الطريق المسدود والفشل المستمر منذ سبع سنوات. وما ضاعف من تهافت الرد الغربي على كيميائي الأسد وروسيا إصرار ممثلي هذه الدول، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، على تأكيد أن الضربة المشتركة لا تهدف إلى التدخل في "الحرب الأهلية" السورية، ولا إلى تغيير النظام، ولا حتى إلى معاقبة الأسد الذي استخدم السلاح المحرّم، وإنما تقتصر على "إنزال العقاب" بالمؤسسات والمواقع والبنى المرتبطة بإنتاج الأسلحة الكيميائية واستخدامها. أي باختصار، ما أريد لها أن تكون ضربة تقنية ترد على استخدام وسيلة حربٍ محرّمةٍ، لا على مضمون هذه الحرب ومجرياتها.

لكن تجدّد الحديث، في اليوم التالي مباشرة، عن مبادرةٍ فرنسيةٍ لإيجاد حل سياسي، والإعلان عن الإعداد لمشروع قرار جديد في مجلس الأمن يؤكد على ضرورة وقف الأعمال القتالية والدخول في مفاوضات جدية من دون شروط، والدعوة إلى تسليم المقاتلين من المعارضة أسلحتهم، يشير إلى أنها لم تكن بريئة سياسياً، كما أراد أن يصورها الفاعلون. كانت بالأحرى رسالةً موجهة بشكل واضح للروس الذين يقودون اللعبة في سورية، ويملكون زمام المبادرة فيها، أن الحرب لا يمكن أن تنتهي كما تريدها موسكو وحلفاؤها، بفرض الأمر الواقع بالقوة، وإنهاء أي مفاوضاتٍ سياسية جدية، كما لا يمكن لاحتلال المناطق وتفريغها من سكانها، كما حصل في الغوطة الشرقية أن يكون نهاية المطاف. هي ضربةٌ على الطاولة، تعبّر عن رفض الثلاثي الغربي طبيعة الحل الذي يريد أن يفرضه ثلاثي أستانة، ويكرّس فيه تقاسم الاحتلال الروسي الإيراني السيطرة على البلاد، من وراء الواجهة الواهية لنظام الأسد الذي لم يعد موجوداً أصلاً من دون دعم الروس والإيرانيين. العودة إلى المفاوضات التي عمل التحالف الروسي الإيراني الأسدي المستحيل لتقويضها، وفرض الحل العسكري هو كلمة السر الوحيدة لهذه الضربة الرمزية، ومن ورائها رفض الحل الأحادي أو الانفراد الروسي بالحل، خصوصاً إذا كان يعني الشراكة مع النظام الإيراني.

"ليس مؤكداً أن تقنع الضربة الاستعراضية الروس والإيرانيين، وتابعهم الأسد، بالكف عن المناورة للانفراد بحل المسألة السورية لصالحهم"

لكن، ليس مؤكداً أن تقنع هذه الضربة الاستعراضية الروس والإيرانيين، وتابعهم الأسد، بالكف عن المناورة للانفراد بحل المسألة السورية لصالحهم، أي بإخراج كل الأطراف الأخرى الدولية، وقبل ذلك، الشعب السوري نفسه، من المعادلة. وإذا لم يكن الطابع الرمزي للضربة جزءاً من تفاهم مشترك روسي غربي على إيجاد مخرج من الحرب، يمكن لها، بالعكس، أن تزيد من مخاطر تقويض صدقية هذه الدول، وتثبيت عجزها عن مواجهة تحدّي مجموعة أستانة لها، وفشلها في إحداث أي تغيير أو تأثير في مجرى الحرب الدائرة منذ سبع سنوات.

لا يوجد في نظري أي سبب كي يتخلى الروس والإيرانيون بمحض إرادتهم عن الأسد، أي أن يقدموه من دون مقابل للغرب الذي وضعه في السلطة ورعاه، قبل أن يتمرّد على أسياد أمره، ويستنجد بطهران، ثم يسقط بين أيدي موسكو، بسبب أخطائه السياسية، ورفضه أي إصلاح، ويتشبث بالسياسة الانتحارية التي اتبعها منذ بداية الثورة السورية، والأزمة الدولية التي نجمت عنها. فالأسد يشكل، في وضعه الراهن، "رئيساً" لسورية، معترفاً به في الأمم المتحدة، وفي الوقت نفسه، دمية فاقدة للسيادة والمقدرة والأهلية، يحرّكها حُماتها من الخارج، وغير قادرة على حماية نفسها، أفضل ستارة يمكن للروس والإيرانيين العمل من ورائها لتحقيق مآربهم، من دون تحمل أي مسؤولية عن الجرائم الكبرى التي تجري، بمساعيهم الشريرة وتحت أنظارهم في سورية المنكوبة، فهو ورقة التوت التي تغطي على عورة سياستهم وأهدافها الاحتلالية غير المشروعة، ومخلب القط الذي يستخدمونه فزاعةً لرفع تكلفة التنافس على سورية. وبينما يعزّز وجود الأسد وإصراره على البقاء في الحكم موقف الروس والإيرانيين الذين يتحكّمون بتقرير مصير سورية وشعبها، اليوم، ويزيد بالتالي من رصيدهم الاستراتيجي، يشكل استمراره، وما يرافقه من مجازر دموية، واستهتار متعمد بقرارات مجلس الأمن، ورفض للمفاوضات أو التسويات الداخلية، تحدياً كبيراً للعواصم الغربية، ودليلاً على فشلها الدائم، وعجزها عن التأثير في الأحداث، وتقويضاً لمركزها السياسي القيادي في المنظومة الدولية.

لا يحتاج الأسد إلى أرضية أخلاقية أو سياسية لتطبيق مشروع الإبادة الجماعية، وقتل الشعب وتشريده وتدمير بلاده للإبقاء عليها مزرعة شخصية عبودية، فمشروعه قائم أصلاً على انعدام الضمير وإعدام السياسة وتجفيف ينابيعها. كما لا يحتاج بوتين وخامنئي إلى أي أخلاقيةٍ إنسانيةٍ أو قانونيةٍ لاستخدام سورية ورقة ضغطٍ ومسرح استعراض للقوة في مواجهة الدول الخصم المنافسة. فمثل هذا المشروع لا يتحقق أصلاً إلا بشرعنة الاحتلال، ومصادرة حق الشعب السوري في تقرير مصيره، وتجريده من حقوقه وسيادته على وطنه، وفرض نظام دميةٍ عليه يخدم الاحتلال، ويبرّر أعماله.

لكن الغرب الذي يدّعي رفض مشروع الاحتلال هذا، ويدافع عن حكم القانون وميثاق الأمم المتحدة، كما يدّعي التمسك بالمسؤولية عن فرض احترامهما وردع منتهكيهما، وفي مقدمهم بشار الأسد الذي لا يكفّ الروس عن التأكيد، على حق، بأنه كان رجل واشنطن والغرب، قبل أن يكون رجلهم، يحتاج إلى حد أدنى من مطابقة الأقوال مع الأفعال، لنيل الصدقية والمحافظة على الاعتبار والاحترام. فلا ينتظر أحد من طهران المتمرّدة على النظام والتقاليد والأعراف الدولية، ولا من موسكو التي لا تخفي الطابع الانتقامي لسياستها الغربية، لكن الوضع يختلف مع الدول الغربية التي بنت هيمنتها العالمية على التأكيد على مبادئ الحق والقانون، وأعلنت تأييدها التحولات الديمقراطية وحرية الشعوب، في الوقت الذي تنظر فيه مكتوفة اليدين إلى مأساة السوريين المستمرة، في أكثر صورها بشاعةً وشناعة، منذ سبع سنوات متواصلة، مع الاستخدام المتكرر للأسلحة الكيميائية وتجويع المدنيين وحصارهم، وقصف المشافي والمرافق العامة، وتفجير المدن وتهديمها على رؤوس ساكنيها، لإجبارهم على إخلائها، وتحطيم حاضنة الثورة الاجتماعية.

ليس لدى الأسد أي حافز يحثه على أن يتراجع عن خياراته الانتحارية التي اتبعها منذ بداية الثورة والأزمة الدولية التي نجمت عنها، فهو يعرف أنه انتهى، ولم يعد قادراً على البقاء إذا ما اختار العودة إلى الحالة الطبيعية، وأن استمرار الحرب، الداخلية والإقليمية والدولية، هي فرصته الوحيدة لكسب الوقت، وتجنّب الموت الحتمي السياسي أو المادي معاً.

وليس لدى الإيرانيين أيضاً، وهم يسعون إلى مشروعٍ لا يقل جنونيةً عن مشروع الأسد في البقاء في الحكم إلى "الأبد"، وهو تحويل سورية إلى منصةٍ خاصة لبسط هيمنتهم الإقليمية، أي مصلحة في وقف الحرب، أو العمل على تسويةٍ سورية داخلية، أو حتى الحد من الاستخدام المتكرّر للأسلحة المحرّمة دولياً، وفي مقدمها الأسلحة الكيميائية التي ليس لها مثيل في ترويع المدنيين، ودفعهم إلى النزوح عن أراضيهم ومدنهم، وتفريغ المناطق من سكانها وإعادة هندستها الديمغرافية والسياسية، ففي هذه العملية وحدها تكمن فرصة طهران لتثبيت وجودها المادي في بلدٍ يبعد عنها آلاف الأميال، ولا تملك فيه أي مرتكز ثابت للنفوذ والقوة.

"ليس لدى الأسد أي حافز يحثه على أن يتراجع عن خياراته الانتحارية التي اتبعها منذ بداية الثورة والأزمة الدولية التي نجمت عنها"

أما الروس، فليس لديهم أفضل من الأسد الفاقد للسلطة والشرعية، والمحكوم بالإعدام السياسي مع وقف التنفيذ، ممسحةً للجرائم التي يرتكبونها ضد الإنسانية، وشبحاً يواجهون من ورائه الدول الغربية التي لا يستطيعون مواجهتها مباشرة، وليس من مصلحتهم الدخول في مواجهةٍ شاملة معها.

لن تنتهي هذه المأساة الدموية، ما لم يُزح الستار عن مسرح هذه اللعبة الجريمة. وليس الستار هنا سوى الأسد الذي يتخفّى وراء شبحه اللاعبون الحقيقيون، ويستخدمون وجهه الشاحب، قناعاً يخفون تحته أهدافهم ورهاناتهم الحقيقية، أي ما لم تنكشف حقيقة اللعبة، وتُعرَّى الأدوار التي تقوم بها جميع الأطراف. من دون ذلك، سوف يحتاج الغرب ضربات مستمرة كثيرة، وربما فقدان ما تبقى له من صدقيةٍ استراتيجية، قبل أن ينجح في وضع حد لهذه اللعبة الدموية التي هو الشريك الرئيسي فيها.

السؤال: هل يريد الغرب بالفعل وضع حد للعبة الموت الدموية هذه؟ من المحتمل أن لا يكون لدى الغرب اليوم سياسة بديلة لسياسة مهاوشة موسكو ومناكفتها، لنقل مركز اهتمامها من أوروبا إلى الشرق، واستنفاد طاقتها التوسعية هناك، فالبديل الوحيد عن سياسة إشعال الحروب والنزاعات وإدارتها هو إزالة أسبابها، وتغيير الشروط التي تولدها، ما يقتضي التعاون على صياغة جدول أعمال مختلف للسياسة الدولية، يتصدى، قبل أي شيء آخر، لمعالجة مشكلات الفقر والمرض والتخلف والتهميش الجماعي وتدهور البيئة وتنامي الجريمة وتدهور شروط الحياة السياسية والقانونية على امتداد المعمورة، وفي إثرها انحسار الثقة وفقدان الأمل واليأس من العالم والشك بالمستقبل.

من الواضح أن هذا ليس جدول أعمال الرئيس ترامب. وهو ليس، بالتأكيد، جدول أعمال بوتين أو خامنئي. وإذا استمرت الأمور في العالم على هذا المنوال، يخشى أن لا يتأخر الوقت كثيراً قبل أن يصبح كيم جونغ أون، رئيس كوريا الشمالية الذي يعيش في جزيرة منعزلة من صنعه، ولا يهمه مستقبل أحد، ولا مصير المجموع، أي المعمورة بأكملها، هو النموذج السائد والمحتذى في معظم أصقاع العالم.

==========================

ضربات جوية لتحجيم روسيا .. عمار ديوب

العربي الجديد

الاحد 15/4/2018

انتهى الروس من تأمين دمشق من أي تهديد، بإخراج آخر فصيل مسلح في غوطة دمشق في 13 إبريل/ نيسان 2018؛ لكن روسيا رغبت بتوجيه رسالة إلى أميركا، أن الاتفاق السابق بخصوص السلاح الكيميائي في 2013 انتهى، وسمحت للنظام باستخدامه في دوما قبل هذا التاريخ المحدد بعدة أيام. الرسالة هذه تعني أن روسيا هي المتحكمة في مآلات سورية، وعلى الأميركان أن يخرجوا من سورية نهائياً. طبعاً، لم يكن ليمر ذلك، فهذا إعلان انتصارٍ روسي في سورية، وربما رد روسي على كل السياسيات الأميركية والغربية بما يتعلق بتشديد العقوبات على روسيا وطرد الدبلوماسيين وسواه؛ إذاً على الغرب أن يتخذ موقفاً مباشراً. كل نقاشات الدول الغربية في مجلس الأمن والأمم المتحدة لم تردع روسيا، ومارست أكاذيب مستمرة بخصوص إنكار ضربة الكيميائي في دوما، بل واتهمت بريطانيا بأنها من وراء فبركة الكيميائي هناك. إذاً لم تترك روسيا لأميركا وبريطانيا خياراً آخر. ولذلك كانت الضربات فجر أمس (14/3/2018) محدّدة بدقة، ووُجهت إلى منشآت وقواعد لها صلة بالسلاح الكيميائي بالتحديد. وفي الوقت نفسه، جاءت رسالة أميركا واضحة، أنه لا يحق لروسيا التحكم بمصير سورية، وهدف الضربات إنهاء هذا الاحتكار، وأن حل الخلافات بين الدول المحتلة لسورية لا يكون في أستانة ولا سوتشي، بل في جنيف.

تضمنت كلمة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن بدء الهجوم رسالة إلى كل من روسيا وإيران، بأن الضربات لن توجه إلى قواعدكما في سورية، وبالتالي هناك قضايا يجب أن 

"الضربات الأميركية والفرنسية والبريطانية بداية جديدة للتعاون مع روسيا وتحجيمها في آن" تفعلاها لتضمنا مصالحكما في سورية. يؤكد هذا التوضيح ضرورة تحجيم إيران في سورية، وأن على روسيا ألا تتوهم إمكانية التحكّم منفردة في سورية. يترابط ما قلته هنا بالاستراتيجية الأميركية ضد إيران، والتي تقوم على تحجيمها في كل المنطقة، وليس في سورية فقط؛ فهناك العراق واليمن ولبنان. الضربات هذه هي بمثابة إعلان سياسي واضح للغرب، إن التراجع الكبير في قوى المعارضة وتأمين العاصمة لن يكون مقدمة لإخراج أميركا من الرقة وشمال وشرق سورية، ولا من إدلب، كما يكرر الايرانيون. ويصب تأييد الأتراك الضربات في إعادة الاعتبار للسياسة، وليس النشوة بتهجير الغوطة وإدارة الظهر للعالم ولحقوق السوريين.

لم تتصد للضربة هذه روسيا ولا ايران، وأيضاً لم توسع من نفوذ أميركا وبريطانيا وفرنسا على الأرض، وظلت المناطق المحددة مسبقاً كمناطق نفوذ وفقاً لما هي عليه. إذا الضربات محدّدة بأهداف عسكرية تنهي السلاح الكيميائي، وتمنع استخدامه مجدداً، وهي قضية دولية متعلقة بالسلم العالمي، وأكدت كل من أميركا وبريطانيا وفرنسا، بأنها ستكرّر الضربات مجدّداً في حال استخدمها النظام السوري؛ والهدف السياسي، كما قلنا، العودة إلى مسار جنيف وحل الأزمة.

تمسّك الروس والإيرانيين بالنظام سنوات طويلة، وإيقاف مسار جنيف لصالح أستانة وسوتشي انتهيا. هناك الآن عودة مجدداً إلى مسار جنيف. ليس الحل السياسي بالضرورة أن يكون وفقاً لمقرّرات "جنيف 1"، لكنه سيكون مساراً يلغي كل أوهام الانتصار للروس والإيرانيين والنظام، وكل ما فعلوه من تدمير لحلب ولغوطة دمشق ولمناطق واسعة لن يسمح بسيطرةٍ منفردةٍ لروسيا وحلفها.

أميركا وحلفها لم يعودا الآن يكتفيان بمحاربة مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وأيضاً لن يسقطا النظام عسكرياً، كما تقول نتائج الضربة المحددوة، وأية ضربة لاحقة، وكما كان واضحاً منذ 2011، لكن الكلام الوارد على لسان وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، وتصريحات كثيرة أخرى عن العودة إلى جنيف، يتضمنان إنذاراً لروسيا بأنه لم يعد مسموحاً التلاعب في الوضعين، السوري والعالمي. التصريحات الروسية الهزيلة إن الصواريخ الأميركية لن تمر فوق حميميم تثير السخرية، وبالتالي فعلاً كانت الضربات موجهة للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ولكل تصوراته عن إعادة بعث روسيا كما كان الاتحاد السوفيتي، واستهتاره بأميركا والمنظومة العالمية. سيعيد بوتين، وعبر هذه الضربات، تعريف ذاته زعيما لدولة هامشية في المنظومة العالمية كإيطاليا مثلاً؛ فإمبرياليته ليست أصيلة، وأهم ما فيها قوتها العسكرية، والأخيرة ذاتها محدودة التأثير في إعادة صياغة العالم، حينما تريد أميركا والمنظومة العالمية شن الحروب، وتغيير الأنظمة وإعادة الانتشار، أي هي المتحكمة الحقيقية في العالم، وحتى في محيط روسيا ذاتها.

حُيّد السلاح الكيميائي نهائياً الآن كما نظن. ولكن الانتقال إلى جنيف قد لا يتحقق، إن لم توافق 

"التحليلات عن إعادة الانتشار العالمي الإمبريالي في منطقتنا ليست خاطئة" روسيا على صفقاتٍ جرى الحديث عنها حالما أكثر ترامب من تغريداته إنه سيضرب كل ما يخص الكيميائي في سورية. ولكن، بالتأكيد سقطت حكايات روسيا وحلفها بما يتعلق باسترجاع الرقة، وكذلك كانت تصريحات ترامب مجرّد عمليات ابتزاز للسعودية، وبالتالي روسيا وأميركا باقيتان في سورية؛ الشيء الواقعي الآن هو رسم خطوط النفوذ بشكل ثابت، والضربة تقوّي هذا الموضوع.

ولكن، هل يكفي الدول رسم خطوط النفوذ أم لا بد لها من الانتقال إلى النهب وتشكيل نظام سياسي يخدم مصالحها؟ هنا الموضوع المطروح حالياً بين روسيا وأميركا والدول الوسطية بينهما، أي البحث عن نظامٍ يخدم مصالحها المتناقضة، ليتم النهب وما تسمى إعادة إعمار المناطق المفيدة لصالح هذا النهب.

التصريحات المتتالية عن إعادة التفاوض لا يستقيم معها مسار أستانة ولا سوتشي، وفقط جنيف أو مسار جديد، ويأخذ بالاعتبار نتائج الضربة الأخيرة. أميركا لن تترك مجدداً سورية لروسيا، ولا بد من صفقات تنهي الوضع المتأزم في كل من سورية والعراق واليمن ولبنان.

إذا كل التحليلات عن إعادة الانتشار العالمي الإمبريالي في منطقتنا ليست خاطئة، فذلك لن يعني أنه لن تكون هناك خرائط جديدة كذلك، وسيتم التوافق مع روسيا بخصوص ذلك، وهذا يقتضي تحييد إسرائيل ضمن حدودها من ناحية، وتقويتها من ناحية أخرى، وتحجيم كل من إيران وتركيا ضمن حدودهما لتعودا دولاً "محلية"، ويسمح لهما فقط بحفظ حدودهما الداخلية؛ إيران بالتحديد معنية بإنهاء كل "خزعبلاتها" في الدول العربية، وأنها تسيطر على أربع عواصم عربية.

الضربات الأميركية والفرنسية والبريطانية بداية جديدة للتعاون مع روسيا، وتحجيمها، في آن واحد، ورسم السياسات للدول الإقليمية، وربما العودة إلى مسار جنيف، بما يشكل نظاما سوريا جديدا، وخاضعا بالكامل لمصالح روسيا وأميركا بالتحديد.

==========================

الضربة الغربية: وقائع مسرح معلَن .. صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 15/4/2018

سوف يمضي بعض الوقت قبل أن تتضح تماماً لائحة المواقع التي استهدفتها الضربة الثلاثية، الأمريكية/ الفرنسية/ البريطانية، في سوريا فجر أمس؛ وما إذا كانت قد اقتصرت على منشآت وترسانة الأسلحة الكيميائية للنظام السوري كما تقول بيانات الدول الثلاث، أم شملت أيضاً بعض وحدات الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة كما أشارت بعض التقارير.

الأرجح، وفق المنطق الأبسط لقراءة هذه الضربة، أنها صُمّمت لكي تكون محدودة النطاق، ومنحصرة بالفعل في خدمة رأي عامّ داخلي، أوروبي وأمريكي، رغب في معاقبة النظام السوري على استخدام الكلور، والسارين حسب تقديرات متقاطعة، في مدينة دوما ومواقع أخرى قبلها على امتداد الغوطة الشرقية. والرسالة هنا لم تكن جلية تماماً، ومحددة ودقيقة، فحسب؛ بل كانت معلنة منذ البدء، وتعاقب تكرار إعلانها طيلة أسبوع أعقب مجزرة دوما وابتداء خطاب التلويح بالضربة. بهذا المعنى فإنها لم تشكل مفاجأة لأحد، ولم يُقصد منها أن تفاجئ أحداً أصلاً؛ بل يجوز القول إنّ التريث سبعة أيام قبل تنفيذها كان يمنح روسيا وإيران فرصة كافية لإخلاء قواتهما من المواقع التي كان قصفها متوقعاً أو محتوماً، وذلك لتفادي أي استهداف غير مقصود لتلك القوات؛ الأمر الذي عنى أيضاً، واستطراداً، استفادة النظام السوري ذاته من محاسن مهلة التأجيل.

صحيح أنّ بعض الأذى يمكن أن يكون قد لحق ببعض منشآت تصنيع الأسلحة الكيميائية في جمرايا أو السفيرة أو برزة أو الرحيبة أو الكسوة… ولكنّ هذا الـ»بعض» لا يشمل الـ»جميع» بالطبع، من جهة أولى؛ كما انه لن يمنع النظام من إعادة صيانة تلك المنشآت، وإعادة تشغيلها، وتصنيع المزيد من القذائف الكيميائية واستخدامها مجدداً، من جهة ثانية. كذلك، في البُعد التالي الأخطر من الرسالة، يفهم النظام ــ كما فهم في الماضي، مراراً وتكراراً ــ أنّ خطّ المحرّم الأحمر هو استخدام الكيميائي؛ ولا حرج في استخدام البراميل المتفجرة أو النابالم أو القنابل الانشطارية والعنقودية أو أيّ سلاح آخر محرّم دولياً، ولكنه لا يندرج في الصنف الكيميائي.

وصحيح، إلى هذا، أنّ الرسالة قد تصل إلى الجمهور الروسي على نحو يخدش صورة سيد الكرملين القوي، وينتهي إلى بعض ما استخلصه السفير الروسي في واشنطن، أناتولي أنتونوف، من أنّ الضربة تُعتبر «إهانة للرئيس الروسي»؛ ولكن لا يخفى، إلا على السذّج والحمقى، أنّ تنسيقاً تاماً جرى مع موسكو بصدد كلّ تفصيل لوجستي يُبعد الوحدات الروسية عن الأذى، وأنّ «كرامة» فلاديمير بوتين حُفظت تماماً. وليس بغير مغزى أنّ وزارة الدفاع الروسية أعلنت أنّ «أياً من الصواريخ العابرة التي أطلقتها الولايات المتحدة وحلفاؤها لم يدخل منطقة مسؤولية الدفاعات الجوية الروسية التي تحمي المنشآت في طرطوس وحميميم».

ضربة علاقات عامة، إذن، تحفظ ماء وجه زعماء أمريكا وفرنسا وبريطانيا، بصدد محظور واحد وحيد في مأساة مفتوحة منذ سبع سنوات ونيف، حظي فيها مجرم حرب مثل بشار الأسد بأنماط شتى من صمت الديمقراطيات الغربية، أو سلوك الجعجعة اللفظية، أو تكتيك التواطؤ المباشر، أو ستراتيجية التفرغ لمحاربة الإرهاب تماماً على النحو الذي خطط له النظام. وفي الغضون، كانت قوى من كلّ حدب وصوب ــ إيران وميليشياتها المذهبية، «داعش» والجهاديون، موسكو وأنقرة ــ تتولى الفتك بالشعب السوري، واحتلال أرضه وسمائه، وتحويل البلد إلى سلسلة محميات واحتلالات. وليست، البتة، مفارقة طارئة أن تكون الصواريخ الإسرائيلية، التي استهدفت عشرات المواقع داخل سوريا، هي السابقة على صواريخ أمريكية وفرنسية وبريطانية لاحقة.

ومن الطريف أنّ هذا العقاب المسرحي المعلَن استولد ذلك التوازي الكاريكاتوري المعلَن أيضاً، بين مؤيدي الضربة (لأنها تؤذي النظام) ورافضيها (لأنها تؤذي السلام)، وكأنّ الضارب لا يتساوى مع المضروب في الشراكة عن المأساة الأمّ؛ في طول سوريا وعرضها، وليس فقط في دوما وخان شيخون وزملكا وعين ترما وعربين…

==========================

قمة أنقرة التي باعت الأوهام .. علي العبدالله

الحياة

الاحد 15/4/2018

لم تكن قمة ثلاثي آستانة، روسيا تركيا وإيران، في أنقرة يوم 4/4/2018 سوى قمة طمس الحقيقة وبيع أوهام وأكاذيب حول نجاح خطة الثلاثي في خفض القتال، اقرأ القتل، في سورية عبر إقامة مناطق خفض التصعيد الأربع. جاء في البيان الختامي للقمة «أن صيغة آستانة هي أكثر مبادرة دولية فعالة من ناحية المساهمة في غرس السلم والاستقرار في سورية، عبر تسريع عملية جنيف الرامية لإيجاد حل سياسي دائم للصراع السوري، والمساعدة على خفض وتيرة العنف في عموم سورية». وأضاف أن «الزعماء الثلاثة شددوا على مواصلة التعاون الفعّال في ما بينهم بهدف إحراز تقدم في المسار السياسي الذي نصّ عليه القرار 2254 الصادر عن المجلس الدولي وتحقيق هدنة دائمة بين أطراف النزاع»، وأن «الزعماء جددوا التزامهم بقوة بسيادة سورية واستقلالها ووحدتها، وحدة ترابها وبنيتها غير القائمة على جزء معين، وأعربوا عن إصرارهم على التصدي للأجندات الانفصالية في سورية».

منذ عقد لقاء آستانة الأول يومي 23 و24/1/2017، الذي اتفق فيه على وقف النار في سورية، وعلى تأسيس آلية ثلاثية لمراقبته «بما يضمن الالتزام الكامل به، ومنع أي أعمال استفزازية، وتحديد كافة سبل عملية وقف النار»، وفق البيان الختامي للقاء، مروراً بمسلسل اللقاءات التي عقدت في آستانة وبلغت ثمانية، حتى الآن، وخاصة اللقاء السادس يوم 13/9/2017، الذي أعلن فيه عن تحديد أربعة مناطق لخفض التصعيد، لم يتوقف القتال، القتل، في هذه المناطق تحت ذريعة استثناء المنظمات الإرهابية «داعش» و «النصرة»، وما تضيفه روسيا إليهما عبر الادعاء بقيام هذه فصائل معارضة بالتعاون والتنسيق مع «النصرة».

لقد حققت آلية خفض التصعيد للنظام وحلفائه الروس والإيرانيين فرصة وقف القتال في هذه المناطق وتحريك قواتها إلى مناطق أخرى تسيطر عليها فصائل المعارضة، حيث تم قضم مساحات شاسعة في أرياف دمشق وحلب وإدلب وحماة والبادية، كانت قبل الاتفاق على مناطق خفض التصعيد تحت سيطرة فصائل معارضة، من جهة، ومواصلة الهجوم على فصائل المعارضة في مناطق خفض التصعيد بذريعة استهداف منظمات إرهابية مستثناة من وقف النار، من جهة ثانية. وهذا ما تم في الغوطة الشرقية أخيراً، ويتوقع حدوثه في ريفي حماة وحمص. لذا لا يمكن قبول ما قاله البيان الختامي لقمة ثلاثي آستانة في أنقرة عن اتفاق خفض التصعيد وزعمه تحوله إلى صيغة «فعالة في غرس السلم والاستقرار في سورية»، في حين شهدت الفترة ذاتها عمليات عسكرية وحصار ومنع دخول المساعدات الإنسانية إلى مناطق سيطرة المعارضة، بما فيها تلك الخاضعة لاتفاق خفض التصعيد وتهجير قسري لآلاف المواطنين، آخرها عملية تهجير سكان الغوطة الشرقية، تنفيذاً لاتفاقات تعقد تحت القصف بمختلف صنوف الأسلحة، بما في ذلك الأسلحة الكيماوية، والحصار والتجويع.

كان فلاديمير فرولوف، الخبير الروسي في العلاقات الدولية قد علق على نتائج لقاءات آستانة بقوله: «تبين أن إطار آستانة لا يعمل إلا على شاشة التلفزيون الروسي، إذ نسفت دمشق وحلفاؤها الإيرانيون كل قراراته تقريباً».

لم يكن مصير سورية، دولة وشعباً، جزءاً من اهتمام ثلاثي آستانة، فعلى رغم الكلام المعسول عن استقلال وسيادة ووحدة سورية، فإن جل هم الدول الثلاث الاتفاق على مناطق نفوذها وتثبيتها ومنع الآخرين من خرق اتفاقها بخصوص هذه المناطق، البيان الختامي عبر عن هذا التوجه عندما أكد «رفض كل المحاولات الرامية لخلق واقع ميداني جديد في سورية تحت ستار مكافحة الإرهاب»، وقول وسائل إعلام رسمية في روسيا فور انتهاء القمة إنها «وجهت رسالة واضحة إلى واشنطن» بأن «الثلاثي» هو اللاعب الرئيسي في سورية حالياً، ولا يمكن الإقدام على أي خطوة من دون أخذ مواقف موسكو وأنقرة وطهران بعين الاعتبار. هذا بالإضافة إلى عدم إنجاز ثلاثي آستانة أي خطوة جدية لتوفير المساعدات الإنسانية أو التعاطي مع قضية المعتقلين والمفقودين والمختطفين والمخفيين قسراً. هذه قضايا خارج آلية خفض التصعيد وليست على أجندة ثلاثي آستانة العتيد.

مثلت مناطق خفض التصعيد لثلاثي آستانة «آلية لشرعنة تواجدها على الأرض السورية، والمشاركة في الصراع السوري كضمانة لتنفيذ نظام التهدئة»، على حد قول كبير أساتذة «مدرسة الاقتصاد العليا» في موسكو ليونيد إيساييف، الذي أكد فشلها في تأدية وظيفتها، ودعا رؤساء الدول الثلاث إلى «اتخاذ قرار بشأن وجودها المقبل». حتى صحيفة الكرملين «فيزغلاد» لم تستطع القفز عن فشل المحاولة فاعترفت بدور دول ثلاثي آستانة في تسعير الصراع في ضوء خلافاتها البينية وتناقضاتها مع الآخرين، وأن ما يجمعها هو خلافها مع الغرب، خصوصاً مع الولايات المتحدة، وقد دفعتها الرغبة في خلق توازن مع أميركا في المنطقة إلى توحيد جهودها. كل هذا دفع وزير دولة في وزارة الخارجية الألمانية نيلس آنن إلى وصف قمة أنقرة بـ «قمة حرب في الواقع»، لأن الأطراف الثلاثة متورطة عسكرياً في الحرب في سورية.

==========================

خريطة الوجود العسكري الأميركي في سورية .. مأمون كيوان   

الوطن السعودية

الاحد 15/4/2018

قد تتعرض خريطة الوجود العسكري الأميركي في سورية للتغيير في المستقبل المنظور وفقا لتحولات موازين القوى السياسية للأطراف الدولية والإقليمية المنخرطة في الصراع

 

اتخذ الوجود العسكري الأجنبي في سورية أشكالا مختلفة، وحمل تسميات متعددة، ومن أبرز الدول المشاركة في الصراع في وعلى سورية عسكريا: روسيا الاتحادية، والولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا، وفرنسا، وتركيا، وإيران.

ويُقدر عدد القواعد العسكرية الأجنبية في سورية بنحو 28 قاعدة عسكرية أميركية وروسية وبريطانية وتركية وإيرانية.

وتتمتع الولايات المتحدة الأميركية بوجود عسكري كبير في منطقة الشرق الأوسط، كما تحظى بوجود قواعد عسكرية في الدول المحيطة بسورية، أبرزها العراق، والأردن، وتركيا. وتنتشر القوات الأميركية في عدد من المناطق السورية، ويتركز انتشارها في جهتين: الأولى قوات سورية الديمقراطية «قسد»، التي تقودها وحدات حماية الشعب الكردية YPG، وتضم إلى جانبها بعض المجموعات العربية الصغيرة، وتنتشر في مناطق سيطرة ما يعرف بـ«الإدارة الذاتية».

والثانية: الفصيل الذي يحمل اسم «جيش سورية الجديد»، والذي ينشط في المنطقة المتاخمة لمثلث الحدود السورية - العراقية - الأردنية، جنوب شرق سورية، ويسيطر على معبر «التنف» الحدودي.

ولا تتوافر إحصاءات دقيقة حول عدد القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في سورية، وعن العدد الحقيقي للقوات الأميركية المتكونة من خبراء ومستشارين وقوات خاصة ومشاة البحرية «المارينز»، لكن تفيد التقديرات أن تنتشر في سورية 12 قاعدة عسكرية متوسطة يوجد فيها 5400 عسكري.

ووفق تقرير لمركز «جسور» للدراسات، المتخصص في الشأن السوري، فقد ارتفع الوجود الأميركي من 50 جنديا، نهاية عام 2015، إلى 904 في مارس 2017، ينتشر غالبهم في المنطقة الممتدة من «المبروكة» شمال غرب الحسكة، إلى «التايهة» جنوب شرق منبج.

ونشرت وزارة الدفاع الأميركية «البنتاجون» تقريرا فصليا كشف أنه في نهاية سبتمبر الماضي، كان 1720عسكريا منتشرين في سورية. وهو رقم مختلف عن رقم نشرته الوزارة أفاد قبلا بنشر 503 عسكريين في سورية. وبرر المتحدث باسم الوزارة روب مانينج هذا الفارق بقوله: «لسنا في نقطة تجعلنا نصدر إعلانا رسميا مختلفا عمّا ذكر سابقا. وسنلتزم أكبر قدر ممكن من الشفافية دون أن نكشف قدراتنا للعدو».

وإجمالا، تتقاطع مختلف التقديرات المتداولة حول عدد القوات الأميركية الموجودة في سورية حول الرقم ألفي عسكري أميركي. ومن أبرز القواعد العسكرية الأميركية في سورية:

1. قاعدة مطار «خراب عشق» جنوب شرق عين العرب، وهي أكبر القواعد العسكرية الأميركية في سورية، وفيها مهبط للحوامات، وتقدم دعما واسعا لميليشيا «قوات سورية الديمقراطية»، كما أُنزلت فيها كتيبة مدفعية «هاوترز» بعيدة المدى، ودُفع بقوى منها باتجاه منبج، كالقوات الخاصة الأميركية، فتتمثل بالقرب من معمل أسمنت «لافارج».

2. قاعدة «رميلان» تقع في مطار «رميلان» شرق مدينة القامشلي. وحوّلت مطار أبوحجر، جنوب شرق مدينة رميلان النفطية، إلى قاعدة لها، وعمل فنّيون أميركيون على توسعة المطار وتجهيزه بمدرجات مخصصة للطيران الحربي، يصل طولها إلى 2500 متر.

3. قاعدة «المبروكة» تقع في قرية «المبروكة» غرب مدينة القامشلي، حيث انتشر في هذه القاعدة ما لا يقل عن 45 من القوات الخاصة الأميركية.

4. قاعدة «عين عيسى»: تقع في مدينة عين عيسى، وتُعدّ كبرى قواعد الجيش الأميركي، حيث انتشر في هذه القاعدة ما يزيد على 100 جندي أميركي.

5. قاعدة «عين عرب» كوباني: تقع في مدينة «عين عرب» كوباني في مطار «روياريا» ويوجد فيها أكثر من 300 جندي أميركي.

6. قاعدة «تل بيدر»: تقع في منطقة «تل بيدر» شمال محافظة الحسكة والقامشلي، ويتم تدريب القوات غير العسكرية في هذه المنطقة.

7. قاعدة «الشدادي»: تم إنشاؤها في منطقة الشدادي جنوب الحسكة ويوجد فيها نحو 150 مقاتلا من القوات الخاصة الأميركية بهدف دعم عمليات «قوات سورية الديمقراطية»

8. قاعدة «تل تمر»: تقع في منطقة تل تمر الزراعية على الحدود السورية التركية ويعمل فيه عدد غير محدد لعسكريين من التحالف الدولي المناهض لـ«داعش»، والذي تقوده الولايات المتحدة.

9. قاعدة تل أبيض: تعد من أكبر القواعد الأميركية في الشمال السوري، إذ ينتشر في هذه القاعدة نحو 200 جندي أميركي.

10. قاعدة منبج: أقامت الولايات المتحدة مركزين لقيادة العمليات في مدينة منبج عام 2016 بعد أن انتزعت «قوات سورية الديمقراطية» السيطرة عليها من تنظيم «داعش». الموقع الأول يقع في بلدة عين «دادات» قرب المدينة، فيما يقع مركز القيادة الثاني في بلدة «أثرية»، ويستخدم من الولايات المتحدة لضمان أمن عناصر «قوات سورية الديمقراطية» أمام «الجيش السوري الحر».

11. قاعدة التنف: تقع في منطقة الركبان ــ معبر التنف، الواقعة أقصى شمال شرق الأردن، وتضم كتائب مدفعية ثقيلة، وراجمات صواريخ أميركية الصنع من طراز HIRMAS. أبرزها كتيبة إنزال جوي، إضافة إلى سريتي هندسة تابعة للجيش الأميركي.

وقد تتعرض خريطة الوجود العسكري الأميركي في سورية للتغيير في المستقبل المنظور وفقا لتحولات موازين القوى السياسية للأطراف الدولية والإقليمية المنخرطة في الصراع في وعلى سورية.

==========================

مسرحية الكيميائي السورية الترامبية .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 14/4/2018

لا يسعك إلا أن تحترم الأنظمة الغربية وعلى رأسها أمريكا عندما يتعلق الأمر بسياساتها الداخلية تجاه شعوبها، فهي تفعل أقصى ما بوسعها عادة لإرضاء مجتمعاتها، وهي تقتصد كثيراً في ممارسة الكذب والدجل داخل بلادها. والحكومات الغربية الديمقراطية تتصرف تاريخياً كالوحوش الضارية التي تراها تصطاد الحيوانات الأخرى، وتأتي بها لجرائها بكل حنان. قبل لحظات نشاهدها وهي تمزق أجساد الفرائس، وعندما تصل إلى صغارها نجدها تتصرف معها بغاية الرأفة والدماثة. وقد شاهدنا رد فعل الحكومة البريطانية وبقية الدول الأوروبية ضد روسيا لمجرد أنها اشتبهت بمحاولة الروس اغتيال جاسوس روسي في بريطانيا، فطردوا مئات الدبلوماسيين الروس، وفرضوا عقوبات رهيبة على موسكو من أجل مواطن روسي يعيش على الأرض البريطانية. وهكذا طبيعة الغرب، فهو يتعامل دائماً مع الداخل بمنتهى العناية والرقة ومع الخارج بعقلية الضباع والذئاب. لا تهمه الشعوب الأخرى أبداً، وإذا ما تعاطف معها، فلغاية في نفس يعقوب، وليس دفاعاً عن حقوق الإنسان كما يدعي.

وقد شاهدنا ذلك عدة مرات في التصرفات الأمريكية تجاه الشعب السوري الذي استخدم النظام وحلفاؤه ضده كل الأسلحة المحرمة دولية بما فيها السلاح الكيماوي. وكل ما تفعله أمريكا كل مرة هو إطلاق التهديدات الجوفاء وابتزاز النظام السوري لأغراض لا علاقة لها مطلقاً بالجريمة الكيماوية.

في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، أطلق الرئيس الكثير من التهديدات، ووضع الخطوط الحمراء إزاء استخدام الغازات السامة في سوريا، لكنه لم يفعل شيئاً لصالح الضحايا مطلقاً. وعندما هدد باستخدام القوة ضد النظام السوري، وحشد البوارج الأمريكية للبدء بقصف النظام لم يكن يريد أن يعاقب الأسد على فعلته النازية، بل كان يستغل أرواح الضحايا لتحقيق مكاسب عسكرية وسياسية لصالح أمريكا وإسرائيل تحديداً في المنطقة. لقد حبس العالم أنفاسه في أيام أوباما انتظاراً لضربة أمريكية قاصمة تنتقم لمئات الأطفال الذين ماتوا اختناقاً بغازات الأسد السامة. لكن فجأة سحب أوباما بوارجه وطائراته، وأعلن أنه تراجع عن الضربة بعد أن توسط الروس بين النظام من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى. وقد أنتجت الوساطة الروسية إقناع النظام بالتخلي عن السلاح الاستراتيجي السوري ألا وهو السلاح الكيماوي الذي تخشاه إسرائيل. ونسيت أمريكا صور الأطفال المرعبة وهم يموتون اختناقاً. لقد تم تجريد النظام من ترسانته الكيماوية ليس حفاظاً على أرواح الشعب السوري، بل كي لا يستخدمها مستقبلاً ضد إسرائيل.

وبما أن النظام وحلفاءه الروس والإيرانيين يعرفون العقلية الأمريكية التجارية جيداً البعيدة عن الأخلاق بعد الشمس عن الأرض، راح يستخدم السلاح الكيماوي عمال على بطال في كل المناطق التي استعصت عليه. ولا يمر شهر إلا وتظهر صور الأبرياء المختنقين بالغازات السامة، ولا أحد ينتبه إليها أو يعيرها اهتماماً إعلامياً لا في أمريكا ولا في أوروبا. لكن فجأة قبل أيام راح الإعلام الأمريكي والأوروبي يتحدث عن جريمة كيماوية في غوطة دمشق. وقد كشر الرئيس الأمريكي ترامب عن أنيابه هذه المرة بطريقة صارخة، ووصف الرئيس السوري بالحيوان في أكثر من تغريدة. وظن العالم أن ترامب سيثأر للضحايا هذه المرة على عكس سلفه أوباما الذي اتهمه ترمب بالتردد والضعف والتغاضي عن جرائم الأسد. هنا أيضاً حبس العالم أنفاسه، خاصة بعد أن أعربت فرنسا وبريطانيا عن استعدادهما لدك الجيش السوري عقاباً على فعلته الكيماوية الجديدة. لا بل إن ترامب نفسه وعد بإطلاق الصواريخ الذكية لتطال كل مواقع النظام رغماً عن أنف روسيا. ووعد بأن العالم سيشهد حدثاً عظيماً، لكنه فجأة كتب تغريدة جديدة ناقضت كل تغريداته السابقة التي جعلت العالم يقف على رؤوس أصابعه لأيام وليال. قال: نحن لم نقرر موعد الضربة، وقد تكون قريبة وقد لا تكون أبداً. واضح تماماً هنا أن شيئاً ما دار خلف الكواليس بين الروس من جهة والإسرائيليين والأمريكيين من جهة أخرى، خاصة وأن الرئيس الروسي اتصل برئيس الوزراء الإسرائيلي وتباحثا طويلاً حول الضربة الأمريكية المزعومة. ويبدو كما في المرة السابقة مع أوباما، توصل الطرفان إلى صفقة جديدة لصالح أمريكا وإسرائيل في سوريا. في المرة الأولى جردوا النظام من السلاح الكيماوي كما قلنا، وهذه المرة لا بد وأن الثمن الذي قبضته أمريكا وإسرائيل مقابل التغريدات العنترية التي أطلقها ترامب كبير جداً، خاصة وأن الرئيس الأمريكي تعهد هذه المرة بأنه لن يكتفي بقصف مطار سوري واحد كما فعل من قبل في مطار الشعيرات، بل سيدمر كل الدفاعات والطائرات الأسدية. وبناء على التهديد الكبير، لا شك أن أمريكا كانت تبحث هذه المرة عن ثمن أكبر من الثمن الذي قبضه أوباما مقابل الصفح عن الأسد وعدم معاقبته على قصف السوريين بالغازات السامة.

واضح تماماً أن إثارة الغرب الاستغلالي لقضية السلاح الكيماوي في سوريا مؤخراً لم تكن أبداً من أجل الضحايا، بل استخدمه هذه المرة لأغراض ومصالح غربية بحتة ربما ضد الروس والإيرانيين. ولم يأخذ في الحسبان عذابات الشعب السوري مطلقاً. لقد كانت هيصة الكيماوي الترامبية الأخيرة مجرد لعبة قذرة ستظهر نتائجها قريباً، وعندها سنعرف الثمن الجديد الذي قبضته أمريكا وإسرائيل في سوريا مقابل الصفقة الكيماوية الأخيرة.

 

٭ كاتب واعلامي سوري

==========================

هل يفعلها ترامب… أم ينحو نحو أوباما؟ .. ميسرة بكور

القدس العربي

السبت 14/4/2018

«هل يفعلها ترامب؟» بات السؤال الأكثر طرحًا في أروقة المنتديات السياسية وبين الناشطين في وسائل التواصل الاجتماعي، منذ أطلق السيد ترامب تغريدته الشهيرة التي رفعت أسهم «تويتر» في البورصة وأدت لانهيار في أسواق العملات في طهران وموسكو ودمشق: «روسيا تعهدت بإسقاط جميع الصواريخ التي سوف تطلق على سوريا، إذن استعدي يا روسيا لأن صواريخ رائعة وجديدة وذكية آتية».

وهنا يطرح متابعون هل الرئيس ورجل الأعمال «ترامب» يمتلك أسهمًا في شركة «تويتر» التي يدير ترامب سياسته عبر منصتها.

كل المعطيات التي تتوفر لدينا تشير إلى أنّ ترامب سيقدم على ضربة عقابية بحق نظام الأسد على خلفية استخدامه الغازات السامة في مدينة دوما السورية، لكن ما حجم تلك الضربة، وما هي أهدافها؟.. نترك هذه التساؤلات لمسؤولي وزارة الدفاع الأمريكية وحلفائهم الدوليين.

المعطيات التي بنينا عليها تحليلنا هذا قالت إنّ غواصات بريطانية تحركت فعلا إلى المنطقة، وطلب رئيسة وزراء بريطانيا الحصول على تفويض من المجلس الوزاري المصغر وتصريحاتها السابقة أنها مستعدة لدعم عملية عسكرية في سوريا دون أخذ موافقة البرلمان.

وقالت مصادر صحافية بريطانية إنّ الطائرات البريطانية المتواجدة في قبرص ستتحرك من هناك للمشاركة في تنفيذ ضربات عسكرية محتملة في سوريا، بالتعاون مع أمريكا وفرنسا.

أيضًا تصريحات الرئيس الفرنسي أنّ بلاده تمتلك أدلة على استخدام تنظيم الأسد للأسلحة الكيميائية في دوما، وتحرك حاملة طائرات أمريكية إلى قرابة السواحل السورية، ووصول مدمرات أمريكية إلى المنطقة.

ومن هذه المعطيات تغيير المسار الدولي للطائرات فوق سوريا ، ومغادرة بوارج وسفن روسية ميناء طرطوس ، تحسباً لضربة قد تقع في أي وقت.

وفي وقت لاحق، أكّد وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس أنّ مجلس الأمن القومي سيبحث خيارات بشأن سوريا في اجتماع يعقد الخميس، وصرح خلال جلسة بالكونغرس بأنّ استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا «لا يمكن تبريره مطلقًا».

نعتقد أنّ ما أخّر الضربة العسكرية التي توعد بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رأس النظام السوري بشار الأسد بعد وصفه له للمرة الثانية بالحيوان، رغم الزخم الذي أثارته تغريدته المزلزلة، هي الأخطاء التي ارتكبها ترامب نفسه، الأخطاء التي أغضبت وزير الدفاع الأمريكي وجعلته يهرول مسرعًا للقاء الرئيس ترامب، على جناح السرعة، في لقاء لم يكن مجدولًا مسبقًا على قائمة الرئيس الأمريكي، في محاولة منه لضبط تصريحات الرئيس ترامب المنلفتة.

الأخطاء التي نتحدث عنها تتمثل في أنّ الرئيس ترامب كشف نوع الأسلحة التي ستستخدم في العملية، وكشف أيضًا أنّ الضربة ستكون صاروخية، لقوله إنّ الصواريخ آتية وهي جديدة وذكية، وهذا ما أغضب الجنرالات الأمريكيين وأربك حساباتهم، وربما دفعهم لإعادة ترتيب الأوراق وربما الخطط، الأمر الذي نقرأه في تراجع ترامب عن تغريدته السابقة والهروب إلى الأمام بالقول إنه لم يحدد موعد الضربة وإنه لم يقل أنه اتخذ قرار الضربة، رغم أنّ مُبتدئ في السياسة يفهم من تغريدته السابقة «استعدي يا روسيا الصواريخ آتية».

يمكننا أيضًا الارتكان إلى أسباب أخرى قادت إلى تأخير أو تأجيل الضربة المزعومة، على سبيل المثال وصول خبراء من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى مطار بيروت للتوجه إلى دوما في غوطة دمشق الشرقية.

وأمر آخر ما ذكره وزير الدفاع «ماتيس» في جلسة استماع عقد أمس الأول الخميس، تعهد بأن يتواصل مع الكونغرس قبل أي هجوم على سوريا، وهذا لم يحصل حتى ساعة كتابة هذه السطور.

في ظل هذه المعطيات والمواقف التي أطلقها ترامب والرئيس الفرنسي ورئيسة الوزراء البريطانية وما تم تناقله من أستراليا، كلها تشير إلى أنّ الضربة واقعة لا محالة، لكن السؤال يظل حائرًا متى وكيف.

لا نعتقد أنّ الرئيس ترامب تراجع عن تهديداته بمعاقبة تنظيم الأسد على خلفية استخدامه الغازات السامة في مدينة دوما في محافظة ريف دمشق، ولست ممن يعتقدون أنّ ترامب بوارد التراجع عن تهديده لأسباب كثيرة داخلية وخارجية، الأسباب الداخلية ترامب يعاني من وضع داخلي غاية في السوء مع اقتحام مكتب محاميه الشخصي والاستحواذ على ملفات مهمة لصالح التحقيقات التي يجريها المحقق مولر بموضوع التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية، وبالتالي هو في حاجة لهذه الضربة لصرف الأنظار عنه قليلًا أو تأخير التحقيق بسبب المخاطر الخارجية، وربما كسب المزيد من التأييد له «شعبية»، الأمر الآخر أنّ ترامب في تغريدته التي وجهها لروسيا، رفع السقف فيها كثيرًا جدًا حتى بات المتابع يعتبر أنّ الأمر أصبح تحديًّا بين القدرات الأمريكية والروسية حين كتب ترامب، في تغريدة على «تويتر»، يقول فيها: «روسيا تعهدت بإسقاط أي صواريخ يتم إطلاقها على سوريا»، وأضاف: «استعدي يا روسيا؛ لأن الصواريخ آتية… صواريخ جميلة وجديدة وذكية».

كما هاجم موسكو لدعمها نظام بشار الأسد، بالقول: «يجب ألا تكوني شريكًا لحيوان (بشار الأسد)، قتل بالغاز شعبه ويستمتع بذلك».

والموضوع أكبر من توجيه ضربة لتنظيم الأسد أو معاقبته، الضربة تحمل رسائل متعددة وهي أكبر من الجغرافية السورية سيصل صداها إلى أوكرانيا والقرم وكوريا الشمالية وطهران.

ترامب لم يعد بمقدوره التراجع لأنه وضع نفسه في هذا الموقف فكيف سيضغط على طهران وكوريا الشمالية في حال لم يستطع معاقبة تنظيم الأسد المتهالك.

خاصة وأنه وضع نفسه في مقارنة مع سلفه الرئيس أوباما وتردده في اتخاذ إجراءات حاسمة ضد الأسد التي كان من شأنها أن تجعل الحديث عن الأسد من الماضي.

نعتقد أنّ هدف الضربة الأمريكية، تدمير ما يعتقد البعض أنّه «إنجاز بوتين» في سوريا عبر إظهاره لاعبًا قزمًا غير قادر على مواجهة الصواريخ الأمريكية «الجميلة والذكية» حسب تعبير ترامب، تدمير سمعة الـ»س 400»، تدمير سمعة بوتين نفسه.

هدف الضربة الأمريكية ليس بشار الأسد بل هيبة روسيا المنتفخة بدماء السوريين، ونعتقد أنّ الضربة تهدف لإفهام بوتين المنهار اقتصاديًّا المحتاج للمساعدات الاقتصادية من أمريكا حسب ما زعم ترامب، غير قادرة على خلق نظام دولي ثنائي القطبية تكون روسيا فيه لاعبًا أساسيًّا أو القطب الثاني معتمدةً على قوتها العسكرية فقط.

بالعودة لموضوع الضربة وأهدافها، أنا ممن يعتقدون أنّ الضربة في حال وقعت ستكون قاسية لكن غير مميتة ولا تؤدي لسقوط تنظيم الأسد على إثرها، بل الهدف منها بالإضافة لما ذكر من رسائل خارجية، تحطيم قدرات تنظيم الأسد وجعله يفهم بأنه لن يكون قادرًا على الاستمرار في الحكم والتوجه لمفاوضات جنيف من أجل نقل الانتقال السياسي، ضمن ترتيبات دولية تضمن عدم إنهيار النظام القائم برمته.

وسبب اتجاهي هذا النحو أنّ الأرضية في سوريا أو الطرف المعارض غير مهيأ لتولي السلطة في ظل خلافاتهم ونزاعاتهم البينية، وأن النظام غير مستعد في هذه اللحظة لتقاسم السلطة مع طرف آخر، فبالتالي ستكون الضربة هي من تهيئ الأجواء لعملية انتقالية في سوريا بتوافق دولي بعد جمع أطراف الصراع.

 

كاتب وباحث سوري يقيم في برلين

==========================

معركة هدفها روسيا .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 14/4/2018

ليس الأسد هدف ما تتخذه واشنطن من تدابير عسكرية، وتمارسه من ألاعيب نفسية، مذ قصفت دوما ببراميل مليئة بغاز السارين. ولا يستهدف الحشد العسكري الغربي الضخم والمؤكد، والاشتراك العربي في العمل العسكري المرجح، بشار الأسد وحده، بل يستهدف التحالف الدولي الذي يتكون تحت أنظارنا بعد سبعة أعوام من الانكفاء الغربي عن الصراع على سورية، إعادة علاقات القوى وموازينها إلى حجمها الحقيقي، وإحداث انقلابٍ فيها داخل سورية وخارجها، يطاول بالدرجة الأولى روسيا  وتحالفها مع إيران الذي يجب وضع حدود له، بعد أن ترك ينفرد بواحدةٍ من أخطر أزمات العالم. ويبدو أن الوقت حان لتكبيل يديه، لأسباب منها تحالفه مع إيران، وتطلعه إلى استعادة ما كان للسوفييت من مواقع ونفوذ في منطقة العرب حاسمة الأهمية استراتيجيا، وهو محظور أعلن الأميركيون عام 1992 أنهم سيكرسونه، في سيناريو عمّموه ضم سبع نقاط، يقول أحد بنوده إن عودة روسيا إلى ما كان للاتحاد السوفييتي من مناطق ونفوذ ممنوعة، ولو أدى الأمر إلى استخدام القوة، فكيف إن كانت العودة تتم، منذ عامين ونيف، بالتحالف مع إيران، الدولة المارقة التي شحنت العالم العربي بفيضٍ من المذهبية والطائفية، منذ انتصار ملالي طهران عام 1979، وعملت لتفكيك مجتمعاتها وللسيطرة عليها من الداخل، بقوة فئات تابعة لها، نظمتها ودربتها وسلحتها ومولتها وكلفتها باحتلال مجتمعاتها من الداخل، بالنيابة عن حرسها الثوري.

بعد تظاهر روسيا بالاستسلام للأمم المتحدة، وبالتخلي عن تعيين اللجنة التي ستكلف بوضع دستور لسورية، وباحترام مناطق خفض التوتر المنفصلة عن الأسدية، استأنفت موسكو سياسة استخدام القوة للانفراد بسورية ومشكلاتها، وكثفت جهودها لضم تركيا إلى تحالفها مع طهران، في محاولة لإحداث انقلابٍ غير مسبوق في علاقات القوى الدولية، يتخطّى الوضع السوري إلى الوضع الدولي برمته، نتيجته المؤكدة إضعاف الولايات المتحدة والغرب، ونجاح الكرملين في وضع أسس جدية لتقويض حضورهما ونفوذهما في الشرق الأوسط، بقوة الابتزاز العسكري الروسي/ الإيراني وتحدي قوته المشتركة وتعاونه. هذا النهج هو ما ستبادر واشنطن إلى كبحه، قبل أن يستفحل ويترسخ. وبما أن نتائجه تمسّ مصالح الغرب بمجمله، وعلاقات القوى بين روسيا وإيران وبينه، فإن الرد عليه سيكون بتفعيل التحالف الغربي عسكريا، ومشاركة دوله الكبيرة، كفرنسا وبريطانيا وألمانيا، والدول العربية المهددة روسيا وإيرانيا.

من جانب آخر، بلور بوتين مبدأً يقوم على استخدام القوة بدل الدبلوماسية وسيلة لفرض علاقات دولية تجعل من روسيا ندّا للولايات المتحدة، على الرغم من أنها ليست ندّا لها في الاقتصاد والتقنية والانتشار الاستراتيجي والتأثير الثقافي والتقدم الاجتماعي والسيطرة الكونية.. إلخ، فإن نزعت ورقة القوة من يده، أعيدت روسيا إلى موقعها في الصف الثاني من الدول، ولم يعد في مقدورها تحدّي سيطرة الغرب الدولية، وفقدت علاقاتها الخارجية شحنتها الخطيرة، واقتنع اقتصادها بدور التابع. هل اختار الغرب نزع ورقة القوة من روسيا في سورية، لإقناع إيران أن تحالفها مع موسكو لا يحميها، ومن الأفضل لها الابتعاد عنها، وفتح حوار مع الغرب يجنّبها معركة قادمة معه، من المحال أن تربحها ستكون كارثية بالنسبة لملاليها؟

هذه هي رهانات الغرب التي تريد انتزاع ورقة سورية من يد موسكو، وتكريس دوره باعتباره دورا مقرّرا في الصراع على سورية، وما وراءها من بلدان المنطقة. إنها رهانات لا تقتصر على إطلاق بضعة صواريخ هنا أو هناك، ولن تتوقف خلال أيام أو أسابيع.

==========================

دوما !! شعر : يحيى حاج يحيى

شـهداء دومـا والـدّماءُ iiغِـزارُ      مـاذا جـنى الـفُجّارُ iiوالأشـرارُ
جـلب الـخسيسُ سلاحه iiوجنوده      نـحو الـحِمى كـي تُستباح iiدِيارُ
كـم من بنيها جُندلوا تحت iiالثرى      هـم  لـلشآم عـلى الزمان فخارُ
هـذي  الـضحايا مُزّقتْ أجسادُها      بـالـمدفعية  ، والــردى iiدوّارُ
مـاذا  جـنى الأطفالُ حتى iiيُقتلوا      مـاذا جـنوْا يـا أيُّـها iiالـجزارُ
هُـدِمتْ مـدارسُها ، وشُرّد iiأهلُها      واسـتُهدفتْ  بـالراجمات iiالـدارُ
أين  المرابعُ والملاعب في iiالحِمى      أيـن  الـحدائقُ في المساء iiتُزارُ
بـل أيـن يـاغدّارُ أمس iiصحبُها      لاأهـــل ، لاأحـبـاب لا iiزُوّارُ
أيـن الـمساجدُ والـمآذنُ iiيعتلي      فـيها الأذانُ ، وتـصدح الأذكـارُ
أيـن الـمحاريبُ الـتي في iiظِلّها      يـتـفيّأُ الـصـلحاءُ والأبــرارُ
أيـن الـمنابرُ يـعتلي iiأعـوادها      شـهمٌ  ، فـيخنس فـاجرٌ كـفّارُ
الـمجرمون وإن تـعاظم شـأنُهم      فهمُ الصِّغارُ ، وفي النفوس iiصغارُ
في غوطة الأحرار قد سفكوا iiالدِّما      وكـسا  الـربوع دمٌ لـنا iiفـوّارُ
وغدتْ ربوعُ الحُسن تنزف بالأسى      كـالليل  إذ يـسودُّ ، صـار نهارُ
دومـا وجـرحُكِ غـائرٌ iiبـقلوبنا      ولــه  هـديـرٌ غـاضبٌ iiوأُوارُ
سـنظلُّ  فـي عـين الطغاة iiقذيّةً      وعـلى  جـباه الـمجرمين iiالعارُ

==========================

خيبة أمل !؟  .. يحيى حاج يحيى

مواقف عدد من الفلسطينيين من جرائم الصفويين ، وسلطة الاحتلال الداخلي في سورية ، محيرة  !؟ بل مؤلمة ومقززة !

بعض الفهم والصدق والإخلاص يكفيهم ! فبماذا تختلف جرائم الهاجانا والصهاينة في ذبح الفلسطينيين في قبية ودير ياسين ، وتهجيرهم عن الجرائم التي ارتكبها الباطنيون والصفويون في دوما والغوطة !

عندما ينتصر شعبنا في دمشق سينتصر أهلنا في غزة ورام الله وعموم فلسطين !

=========================

صراع الشقيقين على حكم سورية (الحلقة 1) زوجة طلاس والشيخ أحمد عبد الجواد .. محمد فاروق الإمام

يقول طلاس: في أوائل شهر شباط (فبراير) من العام 1984م اتصلت زوجتي لمياء الجابري (أم فراس) بالشيخ أحمد عبد الجوّاد وطلبت منه أن يأتي إلى سورية وكان جوابه: إنّني الآن في المدينة المنورة وأمامي المدفأة الكهربائية ولا أقوى على برد الشام في شهر شباط, فقالت له أم فراس: إذاً على خاطرك وفوجئنا في اليوم التالي به يطرق الباب مع الشيخ محمد الهندي, وبعد أن رحّبت بمقدمه وقلت له من الذي أتى بك الينا؟ أجاب اسأل زوجتك أم فراس، فقلت: أريد أن أسمع منك, فقال بعد هاتف أم فراس توجّهت إلى مسجد الرسول وبدأت بالصلاة وتلاوة القرآن حتى غلبني النّعاس فنمت في الروضة الطاهرة (ورأيت حلماً دفعني إلى المجيء إلى الشام) وأمام هذا الحدث اتصلت بشركة الطيران السعودية وغادرت المدينة المنورة على أول طائرة متوجّهة إلى دمشق وها أناذا بينكم, بعد أن شربنا القهوة قال لي: إنّني مكلّف (,,,) في مكان مرتفع في دمشق على مدى ثلاثة أيام ونقوم سويّة بالدّعاء بأن يحفظ الله البلد والقائد حافظ الأسد، وأجبته: حبّاً وكرامة, ورجاني أن نستخدم سيارة الشيخ محمد الهندي لأنّها متواضعة ولا يجوز أن نتقرب إلى الله ونحن نركب أفضل السيارات وأجبته لا مانع لديّ مطلقاً, وصعدنا الثلاثة إلى جبل قاسيون وصلّينا قرب (نصب الجندي المجهول) وقمنا بالدّعاء حسب الأصول.

في اليوم الثاني طلب منّي أنْ نصلّي في أعلى مكان في دمشق قرب شارة التلفزيون على جبل قاسيون وتوجّهنا إلى هناك وكنت أجلس إلى جانب السائق وتعرّف عليّ قائد الحرس، وهو من عناصر سرايا الدفاع، وفتح لنا الحاجز بعد أن أدى التحية العسكرية وقمنا بالصلاة والدّعاء إلى الله بأن يحفظ البلد وقائدها الأسد, وشعرت وأنا أصلّي بوجود حركة غير طبيعية في الموقع فالدبابات خارجة من مخابئها وسدنة الدبابات يقومون بتنظيف الذخيرة ومسح المدافع وتنظيفها، من أعمال الصيانة وقلت في نفسي ربّما تصادف مجيئنا مع يوم المرآب في سرايا الدفاع.

في اليوم الثالث قال الشيخ أحمد لسنا بحاجة لكي نصلّي في مكان مرتفع ويمكننا أن نصلي في حديقة المنـزل, وهبطنا مع سجادات الصلاة إلى الحديقة وصلّينا وتوجهنا إلى الله بالدعاء نفسه.

وإنّني أعترف للقارئ بأنني أكبرتُ في هذا الرجل محبته للقائد الأسد دون أن يراه أو يقابله شخصيا.ً

وقد حدثت هذه الواقعة في أوائل شهر شباط (فبراير) 1984م، وقبل أن يكتشف أحد باستثناء السيد الرئيس نوايا العميد رفعت في عزمه على كشف أوراقه بشكل مبكر وقد بقي الشيخ أحمد في سورية حتى انفرجت الأزمة وسافر العميد رفعت إلى روسيا (علمت بعد انتهاء الأزمة بأن الرقيب أول رئيس الحرس الذي فتح لنا الحاجز على قمة جبل قاسيون عاقبه العميد رفعت عشرين يوماً في سجن الوحدة.

كان الرئيس الأسد أحرص مني على نفسي وقال لي في بداية الأزمة: ليس من الضروري أن تنام كل يوم في مكتبك, بل يمكن أن تناور وتبيت كل يوم في أحد مكاتب القيادة العامة وتعلمني عن رقم هاتف المكتب, وكان جوابي: إنني مصمم على المبيت في مكتبي مهما كانت النتائج وحتى أعطي مثلاً للآخرين بأنّ القائد يموت دفاعاً عن وطنه حتى ولو كان في مكتبه, فقال: إذا كان هذا رأيك فأنا موافق لأنّه من الضروري أن تترك أمثولات ومآثر للتاريخ.

وفي 12 آذار (مارس) 1984م كنت نائماً في مكتبي وإذا بي أسمع بعد منتصف الليل جلجلة كبيرة في ساحة الأمويين وقدّرت أنّه يوجد في الساحة نحو ألف رجل يرقصون رقصة الحرب وكان على رأسهم الشيخ الجليل أحمد الرفاعي كانت سيوف الجنود تلامس الأرض إلاّ قليلاً وكانت الرماح تتطاول حتى لتنوف على شرفة مبنى القيادة العامة وكانت الأيدي تمسك بالأيدي والأكتاف متراصّة كأنّها بنيان مرصوص وقائد الدبكة الحربية يقول بصوت جهوري يشق عنان السماء.

أمام الحضرة سلطانها القوي، قال لي الشيخ عربي قباني (رحمه الله): إننا نتناقل هذا النشيد في المدائح النبوية ونقول: سلطانها الغيبي فأجبته هذا ما سمعته من الشيخ أحمد الرفاعي دونما تحريف أو تصحيف.

وعندما يصل الشيخ أحمد الرفاعي إلى كلمة (سلطانها القوي) تهوي ألف قدم على الأرض فترتج ساحة بني أمية وكأنّ زلزالاً ضربها.

استيقظت من نومي وأطليت من النافذة فلم أجد شيئاً وخرجت إلى الشرفة ومعي مرافقي المساعد سيف الدين سعدة فلم أجد شيئاً وعدتُّ إلى النوم من جديد وما هي إلاّ نصف ساعة حتى عاودني المنام ونهضتُّ من السرير وكرّرت المحاولة ولم أجد شيئاً وهكذا حصل معي في الرؤيا الثالثة وسجلت تاريخ الليلة على مفكرة المكتب، وبعد انتهاء الأزمة اعترف النقيب مالك مصطفى من سرايا الدفاع بأنَّ العميد رفعت الأسد أمره ثلاث مرات بأن يطلق قذيفة مدفعيّة محمولة من طراز (غفوزديكا) على مكتبي وبعد خمس دقائق كان يأتيه أمر معاكس بأن ينـزع القذيفة, وهكذا كانت العناية الإلهية تحرس مبنى القيادة العامة.

يتبع

=====================

صراع الشقيقين على حكم سورية (الحلقة 2) خطّة العميد رفعت الأسد للسيطرة على دمشق .. محمد فاروق الإمام

كان العميد رفعت الأسد يستغل فترات ضغط الإخوان المسلمين على مرافق الدولة المختلفة ويطلب في ذروة الأزمة ضباطاً ومجندين إلى الوحدة، وكانت إدارة شؤون الضباط تستجيب له وكذلك شعبة التنظيم والإدارة الأمر الذي رفع تعداد الوحدة من ستة عشر ألفاً إلى أربعين ألفاً من مختلف الرتب، وقد ساعده في ذلك أن التطوّع كان مفتوحاً لديه ولهذا فانَّ كل مجند يأتي إلى الوحدة يكون زيادة على الملاك، وحتى تستوعب سرايا الدفاع، التي هي في الأساس (فرقة مدرعة) + لواء مشاة جبلي + ثلاثة أفواج إنزال + كتيبة (مغاوير خاصة + كتيبة دبابات مستقلة)، هذه الأعداد الكبيرة من الجنود، شكّل العميد رفعت بصورة غير نظامية أربعة ألوية مشاة أطلق عليها «الألوية المحيطة» وأعطاها أرقاماً من عنده وكلّف كل لواء منها بمهمة السيطرة على المحاور المؤدّية إلى دمشق وفقاً لما يلي.

اللواء الأول: محور حمص ـ دمشق.

اللواء الثاني: محور بيروت ـ دمشق.

اللواء الثالث: محور القنيطرة ـ دمشق.

اللواء الرابع: محور درعا والسويداء ـ دمشق.

كانت الفكرة الأساسية للسيطرة على دمشق تقضي بإغلاق المحاور الأساسية في وجه الوحدات والتشكيلات الضاربة المتمركزة خارج دمشق والتي ولاءها معقود للقائد حافظ الأسد، وفي اللحظة نفسها تتحرّك ثلاث مفارز قوامها سرية دبابات + سرية مشاة ميكانيكية + فصيلة هندسة عسكرية بمهمة السيطرة على منـزل رئيس الجمهورية من قبل المفرزة الأولى، بينما تقوم المفرزة الثانية بالسيطرة على مقر القيادة العامة، والمفرزة الثالثة تقوم باحتلال مقر الإذاعة والتلفزيون وتعلن مباشرةً على العالم نبأ استلام «رفعت الأسد» مقاليد السلطة في البلاد، ولإشعار سكان العاصمة دمشق بأنّ القبضة التي استلمت الحكم هي قبضة فولاذية، تقوم كتائب المدفعية (ب م ـ 21) بقصف دمشق عشوائياً لإرهاب السكان وقطع أنفاس الناس حتى يصبح أهل الشام مثل أهل بغداد أيام «الحجّاج» سابقاً وأيام «صدّام» لاحقاً.

بعد ذلك تقوم مفارز المشاة من سرايا الدفاع بعملية نهب وسلب للمدينة المنكوبة وقد أبلغ العميد رفعت ضبّاطه وجنوده أنّ المدينة ستكون لهم حلالاً زلالاً مدّة ثلاثة أيام بلياليها، وبعدها لا يجوز أبداً أن يظلّ فقير واحد في سرايا الدفاع، وإذا طلب أي جندي بعدها مساعدة أو إكرامية ستقطع يده، ولذلك على من يكتبوا تاريخ سورية الحديثة أن يقدّروا مدى وأهميّة الحكمة البالغة التي استخدمها الرئيس حافظ الأسد بنـزع فتيل الأزمة على نار هادئة.

رفعت الأسد حزين لاضطراره إلى تدمير دمشق الرائعة الجميلة

يمكن لكتيبة واحدة من أن تطلق 720 طلقة في دقيقة وعشرين ثانية وهي الجيل المطوّر عن قذائف (الكاتيوشا) التي ابتكرها المهندسون الحربيون الروس في الحرب العالمية الثانية وكان لها دور مؤثر في الضربات النارية، وفي حديث هامس لأبي دريد «رفعت الأسد» مع مستشاره السياسي «محمد حيدر» وكانا يمشيان في ضوء القمر بمعسكرات القابون: «مو حرام وا أسفاه أن تهدم هذه المدينة الجميلة»، فأجابه محمد حيدر: «والله صحيح حرام وا أسفاه ولكن شو طالع بأيدينا غير هيك".

"علي عيد" يرسل مفرزة من اللصوص لنهب مدينة دمشق

في أوائل نيسان من العام 1984م وحوالي الساعة الرابعة بعد الظهر تلقيت اتصالاً هاتفياً من قائد قواتنا في طرابلس العميد سليمان حسن وأعلمني أن "علي عيد" جهز مفرزة من اللصوص قوامها حوالي مئتي عنصر مع عشرين سيارة متنوعة وهم مسلحون ببنادق كلاشينكوف ومدافع مضادة للدروع (آر. ب. ج.7) وقنابل يدوية ومسدسات. وهناك اتفاق ضمني مع "أبو دريد" يعني العميد رفعت الأسد بأن هذه المجموعة سوف تشارك في نهب محلات المجوهرات خاصة في دمشق عندما تحين ساعة الصفر لاستباحة المدينة ثم يهربوا بالمسروقات إلى لبنان (طرابلس الشام) وهناك تتم عملية الاقتسام.

اتصلت فوراً بقائد فرقة الدفاع الجوي بالمنطقة الوسطى اللواء أحمد غميض وأسندت إليه مهمة القبض على اللصوص وقلت له: إذا كنت غير قادر على مجابهتهم فأنا على استعداد لأن أعطي أمراً لمدير كلية المدرعات العميد فاروق عيسى لكي يضع تحت تصرفك سرية دبابات من فوج البيانات العملية. فأجابني لا لزوم لذلك فأنا قادر على مجابهتهم وإلقاء القبض عليهم.

وبعد ربع ساعة اتصل بي اللواء "غميض" وقال لي: لقد "لقد زمق" اللصوص إلى دمشق ولم نستطع الإمساك بهم..

قلت لقائد الفرقة: ألم أقل لك إذا كنت غير قادر على التنفيذ أعلمني حتى أسند المهمة لغيرك!. فأجابني: سيدي "زمقوا".. "زمقوا"..لم نستطع أن نعمل لهم شيء..

أنهيت المكالمة واتصلت على الفور باللواء شفيق فياض قائد الفرقة المدرعة الثالثة والمتمركزة في القطيفة وأسندت إليه مهمة القبض على اللصوص وطلبت إليه أن يحرك سرية مشاة ميكانيكية من اللواء عشرين وأن يضع عربة مدرعة على مفرق معلولا وعربة ثانية على المحور القديم، وباقي العربات على المحور الأساسي. وأن يكون الاتصال بالنظر بين الجميع. وكان جوابه: سيدي اتركوا لي التفاصيل وسوف تسمعون الأخبار الطيبة بعد أقل من ساعتين.

كان وصول اللصوص إلى دمشق سيشكل إهانة لسمعة القوات المسلحة إذ إنهم تمكنوا من خرق كافة الحواجز الأمنية على الطرقات. صحيح أنهم يرفعون أعلام الحزب وشعاراته على سياراتهم وصور رفعت الأسد ولكن هذا لا يغير من حقيقتهم.. وهو أنهم لصوص حقيرون لا يجوز أبداً أن نسمح لهم بدخول دمشق وممارسة مهام التخريب والسلب التي كانوا يمارسونها سابقاً في بيروت عندما أطلقوا على أنفسهم "فرسان البعث" وهم خليط من سرايا الدفاع وعناصر "علي عيد" وقد انسحبوا من بيروت إلى طرابلس الشام ولم يتصدوا للقوات الإسرائيلية أثناء اجتياحها للعاصمة اللبنانية في صيف عام 1982م. لذلك فإن قواتنا المسلحة الباسلة لا تحترمهم أبداً.. بل تحتقرهم.. وبعد ساعة ونصف الساعة تماماً اتصل اللواء شفيق فياض ليعلمني عن نجاح المهمة وأن اللصوص أصبحوا رهن الاعتقال بعد أن تم تجريدهم من أسلحتهم وذخائرهم وسياراتهم..

قلت للواء شفيق: يجب أن يعاملوا باحتقار كما يعامل البدوي الجمل الأجرب.. وكما يعامل الفلاحون الكلاب الشاردة. فقال: لا توصي حريصاً.. فهم موضوعون في العناية الثورية المشددة. وسينالون عقاباً وضرباً شديداً على مؤخراتهم بعد رشهم بخراطيم المياه.. حتى لا ينسوا هذا الحدث في حياتهم.

وتم احتجاز اللصوص شهراً ونيف ولم يطلق سراحهم إلا بعد أن انتهت الأزمة وسافر العميد رفعت إلى موسكو.

يتبع

=====================

صراع الشقيقين على حكم سورية (الحلقة 3) الطائفة المرشدية ودورها في الصراع بين الأسدين .. محمد فاروق الإمام

كان الرفيق "محمد إبراهيم العلي" قائد الجيش الشعبي قد وضع أوراقه مبكراً مع العميد رفعت، ولم يكن هذا الموضوع ذي قيمة إطلاقاً قبيل الأزمة لأن كثيراً من المنافقين وبخاصة منتسبي "رابطة الدراسات العليا" كانوا يحومون حول "العميد رفعت" كما تحوم الغربان على بقايا الحيوان.

وكان من عادة الرفيق قائد الجيش الشعبي أنه كثير التجوال متطلع دائماً للجديد من الأخبار بعد ثورة الثامن من آذار ولم تزل هذه العادة تسكنه حتى الآن على الرغم من مرور أربعة عشر عاماً ونيف على الحركة التصحيحية وكان يمر على مكتبي بمعدل مرة واحدة في الأسبوع وكان يسأل دائماً عن أحوال الدنيا وكنت أطمئنه أنها بخير وهي ما زالت تدور.. وللأمانة التاريخية فإن ضباط القيادة العامة لم يكونوا يقدرون الرفيق "أبو ندى" حق قدره ولم يكن في القيادة سوى الرئيس الأسد وأنا نعرف نضال محمد إبراهيم العلي وتضحياته في سبيل الحزب والثورة من حركة الضباط الأحرار في حلب إلى حركة 23 شباط.. وكان هذا الموقف يؤلم الرفيق محمد ولذلك لم يكن يزورهم إلا لماماً.

بعد الحدث الجلل أقفلت مكتبي في وجه قائد الجيش الشعبي، وطلب مقابلتي عدة مرات وكنت أعتذر دائماً غير أنه ألح على المقابلة فوافقت أخيراً. ولما حضر سألني مستغرباً هذا الموقف منه.. وقلت له: في مثل هذه الأمور لا توجد حلول وسط فإما أن تكون مع الرئيس الأسد أو أن تكون في الجبهة الأخرى. فقال: أنا مع الرئيس حافظ الأسد (شيله.. بيله) وحتى أقطع الشك باليقين فإنني جاهز لكي آتي بأبناء الرب سليمان مرشد من "حمص" ومن "جوبة البرغال" لمقابلة السيد الرئيس.. فقلت له: وما أهمية الطائفة المرشدية في الأزمة؟..

قال لي: ألا تعلم أن العميد رفعت الأسد يعطي أهمية خاصة لهذه الطائفة فبالإضافة لشراكته مع ابن الرب "النور المضيء" والمهندس فؤاد تقلا بالأعمال التجارية فإن عدداً كبيراً من أبناء الطائفة انخرطوا في سرايا الدفاع تنفيذاً لتعليمات قيادتهم الروحية وهم يشكلون العمود الفقري لسرايا الدفاع ويأتي ترتيبهم بالأهمية بعد الشريحة العلوية مباشرة..

قلت له: توكل على الله ويجب أن أسمع في القريب العاجل أخباراً طيبة.. فأجاب: لا قريب ولا بعيد غداً سوف يكونوا بعد عدة ساعات في القصر الجمهوري.

وصدق محمد إبراهيم العلي في وعده واستقبل الرئيس حافظ الأسد في مكتبه أبناء الرب وفي مقدمتهم "النور المضيء" واستغرقت المقابلة ثلاث ساعات ونيف وما تسرب منها كان الآتي: قال أولاد الرب سليمان المرشد للسيد الرئيس:

نحن لا يمكن أن نكرس الخيانة كمبدأ للطائفة.. ففي الماضي اتهمنا الإنكليز بأننا عملاء فرنسا.. واليوم يتهمنا الوطنيون القوميون في سورية بأننا عملاء أمريكا نحن باختصار رجال حافظ الأسد وقد أحببنا أخيك رفعت لشعورنا بأنه جناحك الأيمن أما وأنه قد شق عصا الطاعة عليك فلا ولاية له علينا ونحن جاهزون منذ هذه اللحظة لأن نستلم مهمة الحراسة على مكتبك أو بيتك..

وكان جواب السيد الرئيس: لا لزوم لكل ذلك.. المهم أن تفهموا أبناء الطائفة بهذا التوجه الجديد "واليوم قبل بكره"..

وانصرف الإخوة الثلاثة من مكتب رئيس الجمهورية، وبطريقة تشبه السحر تم الاتصال بأبناء الطائفة كافة وأخذوا جميعهم التوجه الجديد.. وبدلاً من قلعة الأسرار التي لا تنتهك أصبحت سرايا الدفاع مثل الغربال يتسرب منها كل ما يحدث فيها.. وشعر رفعت بالحدث واستدعى إلى مكتبه كبيرهم "النور المضيء" وبقي يتحاور معه زهاء سبع ساعات لم يأخذ منه لا حق ولا باطل.. وأخيراً قال له رفعت بعد أن سئم من المناقشة والمماحكة: أتعرف أنك لن تكلفني سوى رصاصة واحدة في رأسك!.. فأجابه "النور المضيء" أعرف ذلك ولكن هل تعرف أن الطلقة الثانية ستكون في رأسك أنت.. ولمعلوماتك أن الحاجب الذي قدم لنا القهوة والشاي الآن هو من عشيرتي أي باختصار هو "مرشدي" وليس "علوي".

هنا أنهى رفعت المناقشة على أمل اللقاء مرة ثانية للمتابعة.. ولكنه بدا كمن أصيب في مقتل.. وطلب إلى المسؤول عن التوجيه السياسي في سرايا الدفاع بأن يجري سبراً عشوائياً لمائة جندي "مرشدي" ويسألهم سؤالاً وحيداً: هل أنتم معي أم مع أخي الرئيس حافظ الأسد؟..

وفي اليوم التالي صُعق رفعت الأسد عندما جاءه الجواب بأن نسبة المؤيدين للرئيس الأسد مائة من مائة وليس تسعة وتسعين.

وبلغ الغضب أشده لدى رفعت ومحازبيه وصمم أن ينتقم من الطائفة "المرشدية" وأمر عناصره بأن يفتشوا عنهم في كل مكان وفي أي تشكيل وجمعهم قرب قلعة "برقش" شمال غرب مدينة "قطنا" وقام بتجريدهم من أسلحتهم الفردية وأركبهم عربات نقل عسكرية كبيرة وقذفهم على الحدود السورية اللبنانية-الفلسطينية وفي مواجهة الجيش الإسرائيلي مباشرة.. ولم ترد إسرائيل على هذا الإجراء لأن الجنود الذين في مواجهتم شبه عراة وكان الوقت ليلاً.

وعلى الفور أعلمت الرئيس الأسد بالأمر وأرسلت لكل واحد منهم بندقية ووحدة نارية مع كيس بحارة وتعيين عملياتي يكفي ثلاثة أيام.. وطلبت إلى اللواء جميل حسن رئيس شعبة التنظيم والإدارة أن يوزعهم على كافة وحدات الجيش.. من "القامشلي" إلى "صلخد".. وكان عددهم ثلاثة آلاف ومائتين وخمس وعشرين ضابطاً وجندياً.

وخلال ثلاثة أيام تم تصفية ذيول هذه المشكلة ولكن العميد رفعت كان قد أصيب بجرح بليغ.. صحيح أن نسبة القوى والوسائط لم تكن في الأساس لصالحه لأن سرايا الدفاع كانت في ذروة الأزمة تعادل حوالي أربعين ألف عسكري، بينما باقي وحدات الجيش حوالي 360 ألفاً، ولكن خروج الطائفة المرشدية منها بهذا الشكل زعزع كيانها وهزّ بنيانها. ومن هذا الموقف المتشكل قرر العميد رفعت أن يؤدب أولاد سليمان المرشد في عقر دارهم أعني "جوبة البرغال". فجهز لهذه المهمة كتيبة مغاوير وأركبها في سبع حافلات ووجهها باتجاه اللاذقية. وعندما علمت بهذا النبأ اتصلت برئيس فرع المخابرات العسكرية في اللاذقية العقيد أسامة سعيد وأعلمته بالأمر وقلت له: عليك أن تؤمن حماية "النور المضيء" بمفارز سريعة من عندك أو من الشرطة العسكرية وإذا لزم الأمر يمكن أن تطلب العدد الذي تحتاجه من الجنود من قائد القوى البحرية. فقال لي: سيدي لا نحتاج لأي مساعدة لأن حوالي خمسمائة مسلّح من الطائفة المرشدية أصبحوا متواجدين في "جوبة البرغال" حول قصر أبناء سليمان المرشد..

ومرة ثانية تؤكد الحقائق والوقائع أن أسلوب الاتصال لهذه الجماعة أرقى من أسلوب اتصال أي مخابرات في العالم حتى بعد استخدامها لأقنية الاتصالات في الأقمار الصناعية.

وصلت طلائع سرايا الدفاع إلى "جوبة البرغال" فوجدت أن الحراسة كثيفة حول بيت سليمان المرشد وأن المعركة لن تكون في صالحهم أبداً، وبعد أن اتصلوا بالعميد رفعت طلب إليهم أن يهبطوا إلى الساحل ويتمركزوا في معسكر "تلة الصنوبر" التي تبعد عن اللاذقية إلى الجنوب بحوالي سبعة كيلو مترات، ولم يحتج حلفاؤنا الجدد لأي دعم مادي أو عسكري، وبعودة الطائفة المرشدية إلى حمى الرئيس الأسد بدأت تتآكل سرايا الدفاع من الداخل ولم يعد لها تلك الهيبة التي كانت لها أيام زمان.

يتبع

=======================  

موقفنا : آستانة .. حصاد الوهن .. والعجز والمكر .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

29 / 4 / 2018

انعقد الأربعاء / 25 / 4 / 2018 اللقاء الثلاثي لوزراء خارجية الدول الضامنة لمسار أستانة ، ولاتفاقيات خفض التصعيد ( المزيفة ) في سورية .

وخرج المجتمعون في موسكو ببيان من إحدى عشرة نقطة ، هي في جملتها كلام معاد مكرور ، لا يسمن ولا يغني من جوع . وأكثر ما يثير السخرية والهزء فيه : تأكيد الفرقاء على التمسك بالحل السياسي في سورية ، التمسك بالحل السياسي بينما آلة العدوان العسكرية ما تزال تعمل فتكا وتدميرا في أديم الشعب السوري . إن تحقيق الحل السياسي بالمفهوم الروسي لن يتم إلا باستخدام جميع أنواع الأسلحة بما فيه االمحرم دوليا من كلور وسارين ، ثم مع استعداد متبجح لاستنكار الجريمة في واد كما ورد في بيان الوزراء ، والتغطية عليها ، وحماية مرتكبها ، وطمس شواهدها ، وتزييف شهودها ، في واد آخر .

ولكن الأشنع في البيان ( الأحدعشري ) هو النقطة الرابعة منه التي اعتبرت ، (جريمة أستانا )، أو (محطة مكر أستانا ) [ المبادرة الدولية الوحيدة التي أدت إلى تحسين الأوضاع في سورية ، فيما يخص محاربة الإرهاب ، وتخفيض مستوى العنف ، وتهيئة الظروف لإقامة حوار سياسي ] انتهى ( كلام مقتبس من البيان الثلاثي ..)

ولما كان مؤتمر أستانة وما نتج عنه ، ما يزال موضع ريبة ، عند فريق من السوريين ، الذين لم يكن لهم فيه أي يد ولا دور ولا كلمة ولا حرف إلا أنهم منحوا القاتل الروسي وشريكه الإيراني ، شرعية تمرير المؤامرة ، الهادفة إلى الإحاطة بالشعب السوري وتدمير ثورته ، والالتفاف على تطلعاته الإنسانية المشروعة . فلا بد وقد حصحص الحق ، ولم يعد يجادل في أستانة إلا الراغبون عن الحق ، المعرضون عن الاستفادة من التجارب !!

إن الحديث عن أستانا بالنسبة لنا لا يختلف عن الحديث عن جنيف غير أن أستانا استبدلت بأصحاب الياقات البيض في جنيف بأصحاب الياقات (الكاكي) في أستانة ..فلعبت على بعض الأبعاد الشخصانية ، في حالة مجتمعية وبشرية اختلطت فيها المعالم وضاعت الحدود ..

لقد أغفل البيان الثلاثي ، أي إشارة إلى ميار جنيف ، الذي يمثل على سوئه ، مرجعية أقل سوء من مرجعية 2 × 1 القائمة في أستانة. إذا صح للسوريين الواحد ، وقدر ..

انطلقت عملية أستانا في مطلع 2017 ، على أنقاض سقوط حلب الشرقية ، في إطار اتفاقية درع الفرات ، ومنذ ذلك التاريخ والفصائل السورية تتردى في خط بياني لا قرار له .

وانطلقت أستانة عمليا في شهر كانون الثاني 2017 ، ومنذ ذلك التاريخ وحتى تاريخ هذا المقال انعقدت في أستانا تسع جولات حوار ، كانت تعاويذ  الحل السياسي ، والمصالحة ، وسورية الدستورية ، تتلى في الوقت الذي كانت معاناة المعتقلات من السوريات والمعتقلين من السوريين يعانين ويعانون من كل ما توثقه منظمات حقوق الإنسان ، ولا نريد أن نزيد أو نعيد ..

يقول المحلل السياسي : لقد أثمرت أستانة حالة من الوهن في نفوس الثوار ، فكلهم فقد حلمه بالحرية أو بالشهادة . ففي سورية وحدها دون دول العالم ومجتمعاته يجب أن يتوحد الحلمان ، أو يضيعا. وأصبح الثائر يبحث عن حل .. أي حل يبقيه أو يقيه وكانت أستانة هي المفزع وهي المأمن .

 ويقول المحلل النفسي : إن الذين ذهبوا إلى أستانة لم يذهبوا إلا وقد أعدم السلاح الروسي إراداتهم وأنضج جلودهم  السلاح فأيقنوا أنهم لا قبل لهم به ..  وبدلا من أن يبحثوا عن استراتيجية جديدة لمواجهة الواقع العسكري الجديد ، قرروا أن يسيروا فصائل في ركاب عدوهم يأملونه ويرجونه وينتظرونه ..

ويتمدح متمدحهم : قلنا للروسي ، وطلبنا من الروسي ، ورفعنا الصوت في محضر الروسي ، كما كان يقول من سبقهم قلنا لديمستورا أو لسعادة السفير الأمريكاني أو البريطاني أو الياباني ..( ياباني )

صحيح أن بعضهم ظل يتحدث عن  عناق البندقية ، ولكن هذا الحديث لم يكن إلا حديث المعاذير ، لتشجيع النفس ، كما كان يفعل الراجز العربي من قبل ، أو كغناء من يغني في الطاحون ، حيث يضيع صوته بين العجيج والضجيج..

يقول البيان الثلاثي : [إن أستانة خفضت مستوى العنف في سورية ] نعم وهذا صحيح؛ ولكن عنف مَن ؟!

عنف السلاح الروسي ؟ أو الميليشيات الإيرانية ؟ أو العصابة الأسدية ..أو عنف المستضعفين يدفعون عن أنفسهم وعن أعراضهم تغول المتغولين ؟!

..أستانة أطمعت قوما شعروا أنهم ورطوا أو تورطوا بالأمان ، فاستكانوا على أمل ، وركنوا إلى وعد روسي !! وآخر إيراني ، وقبلوا بكفالة العصفور للزرزور ..!!

فماذا جرى ..

ضربت اتفاقيات أستانة على الفصائل حالة الوهن ، وأعدمت في أفرادها إرادة القتال ، وخلقت فيما بينها حالة من الفرقة والشتات ، بل لنكن منصفين نقول غذتها وأججتها ، ثم ومنذ سقوط حلب ، الذي كانت استانة ثمرة من ثمراته بدأ الروسي والإيراني والأسدي ينفذون في سورية سياسة البؤرة ..بؤرة ، وعذرا من كيسنجر صاحب عنوان الخطوة خطوة. 

فرغم خفض التصعيد المعلن ، وانخفاض مستوى العنف ، الذي يمنّ علينا به الوزراء الثلاثة ؛ ظلت الاستراتيجية المتبعة  حصار وتجويع  ، ثم اقتحام وتدمير وقتل وتركيع ، ثم باصات خضر وتهجير ..!! هذه هي حكاية أستانة ، بالمختصر الشديد .

ولكي لا يرد على هذا الكلام بعض الذين أوتوا جدلا ، نتحدى أن يكون فصيل من فصائل ما بعد أستانة قد انتصر مرة واحدة لأخيه الذي يذبح أمام عينيه . بل ظل الجميع رابط الجأش ، صابرا ، مستكينا ، ينتظر دوره في عملية الذبح المقرر وكأنه قدر الله المقدور ..!!

ثم أصبحت الأمور تناقش علنا ، كلما ابتلع الأفعوان وجبة دسمة في حجم غوطة دمشق ، يرفع المراقبون ، رؤوسهم يتساءلون : الدور القادم على من ؟!

قال بشار الأسد بعد الغوطة والقلمون إن الدور القادم على إدلب ، فنهره الروسي مستنكرا عليه فسحب الكلام ، لأن دور إدلب على الطاولة الروسية لم يحن بعد ..

أخطر كلمات صدرت تعليقا على لقاء الوزراء الثلاثي ، وفي إطار الوعد بأستانة عشرة في أيار المقبل ، قول وزير الخارجية التركي : إن هدف أستانا بناء الثقة بين أطراف الصراع ..!!  قرأت الألفاظ الثمانية ثماني مرات ، وما تزال تستحق المزيد ..

هذا بينما يتعاهد مسؤولون أوربيون في بروكسل ، ويدعوهم الوزير الفرنسي ليقسموا اليمين على محاسبة مجرمي الحرب في سورية من كل الأطراف والتأكيد على منع الإفلات من العقاب.

الخوف كل الخوف غدا من البراعات الدبلوماسية في تعريف الجريمة والمجرمين .

__________

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

موقفنا : حول تزويد الروس نظام الأسد بمنظومات دفاع جوي جديدة .. خربطة كلام .. زهير سالم

26 / نيسان / 2018

مركز الشرق العربي

بدأ الحديث عن تجهيز زمرة الأسد بمنظومة صواريخ اس 300 . ومنظومة صواريخ اس 300 جيدة وليست بطالة ، ولو كان الرقم 400 يعلو 300 فإن الخبراء يقولون : إن في 300 ميزات فنية وتعبوية تتفوق من بعض الجوانب على أختها الأصغر سنا .

واعترض الكيان الصهيوني على الفكرة . فأجاب الروسي : إنه سيكون في البروتوكول الأساسي للتزويد بهذا السلاح : ألا يستخدم في أي حال ضد ( إسرائيل ) . بمعنى حتى عندما يقوم الطيران الصهيوني المعادي بحراثة الأراضي السورية ، بدلا من فلاحها المشرد أو المغيب ، فليس من حق الجندي السوري أن يرد عليها بهذه الصواريخ بأي حال ...!!

ومع موافقة زمرة ( الأسد ) على الشرط البروتوكلي الروسي إلا أن الكيان الصهيوني لم يوافق ... ، وتوعد ليبرمان بالويل والثبور إذا ...

ثم عدنا بالأمس نقرأ تعديلات على الوعد الروسي ، وتجدد الحديث عن منظومات دفاعية جديدة ( مجهولة التصنيف ) ، بالشرط البرتوكولي نفسه ( ألا تستخدم ضد سلاح الجو الصهيوني ) ، حتى لو نفذ وعيده باغتيال من يسمى ( رئيس الجمهورية )، مع وعود بإعادة تجهيز منظومة الدفاع القديمة ، وإعادة تأهيلها أو تحديثها والتدريب عليها ..

صحيح المنظومة الأسدية عميلة للروس ، ولكن دبلوماسي روسي محنك قال : في لغتنا الدبلوماسية نميز بين الحليف والشريك الوقتي ( العميل ) وأكد أن علاقاتهم مع إيران وبشار الأسد ، لا ترقى إلى درجة العلاقة بين حلفاء !! بينما الكيان الصهيوني في المنطقة هو الحليف المعلم بنجمة بمعنى أن كل طلباته أوامر ، وأن كل مخاوفه وهواجسه محسوبة الحساب .

من هنا لن ينتظر ( العملاء ) حسب المعطيات القائمة منظومة اس 300 تحت إدارتهم . ومنظومة اس 400 التي نصبت منذ 30 / 9 / 2015 على أرضهم مهمتها حماية القاعدة الروسية في حميميم وما حولها ، وليس حماية سورية لا الدولة ولا الأرض ولا الإنسان .

بقي أن نقول إن ( تفوهات ) ليبرمان حول تهديد بشار الأسد ( في شخصه ) في حال مضى في علاقة مع إيران لم تأتنا بجديد ، إن هذا التهديد قائم منذ قام الطيران الصهيوني باختراق جدار الصوت فوق رأس بشار الأسد..

وكذلك الصمت المريب في الرد على هذا التهديد المباشر ،لسان حال بشار الأسد يقول لليبرمان لست بحاجة إلى هذا الكلام وقد أتيناك أنا وأبي وقبيلنا من قبل ( طائعين ) .

البسطاء الذين ما زالوا حائرين : إذا وقعت حرب ( صفوية - صهيونية ) في أي صف سيكونون ، أقول : لا تحاروا ..فإن مكانكم بين رحيي هذه الحرب متفق عليه ومعلوم ومرسوم . يقول العارفون بعهد الرحى ، الطحن لا يكون إلا بين رحيين أي حجرين ...ألا فاحذروا أن تكونوا طِحن هذا العجيج ...

==========================

موقفنا : الجريمة المكعبة في مخيم اليرموك تفضح أدعياء المقاومة وحلفاءهم .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

23 / نيسان / 2018

أصبح التغافل الاستراتيجيةَ المعتمدة لكل العالم ، للبعيد والقريب ، للعدو ولمدعي الصداقة عن الجريمة المستدامة تنفذ ضد الشعب السوري على أعين الناس وهم يشهدون . حتى أولياء الدم ناموا على وترهم ، فكأن إبليس قد ضرب على قوافي رؤوسهم : ناموا عليكم ليل طويل ..

خمسة أيام مرت ، وحرب ضروس ، بكل همجية الحرب الروسية - الإيرانية - الأسدية تنفذ على مخيم اليرموك ، أو بالأصح على ما تبقى منه ، ومن سكانه ، وكذا على ما جاوره من أحياء دمشق الجنوبية ، قصفا وتدميرا وقتلا ، وسط حصار مستدام!! في مشروع مخطط مدروس أقرّ في رأس أولوياته : الإبادة والاستئصال ونشر الموت والدمار ..

" مخيم اليرموك " المضافة الفلسطينية ، التي شهد سكانها على عمق انتماء أبناء هذه الأمة بعضهم لبعض . ففي مخيم اليرموك ، منذ الأيام الأولى لثورة الحرية والكرامة في سورية ، سقطت ثنائية سايكس - بيكو المزعومة ( سوري - فلسطيني ) . كما كانت قد سقطت من قبل في امتحانات الهجوم على تل الزعتر والكرنتينا .

وكان مخيم اليرموك شاهد الوعي الحي الحاضر الناطق الذي لم تحجبه حجب الزيف ، ولم تغطه غاشيات المصالح الزائفة العارضة ؛ فظل ناطقا صداعا بالحق أن الأسدي والإيراني هم في رأس قائمة أعداء الأمة وكل قضاياه وقضية فلسطين قضيتها المركزية بلا مراء ..

ومثل مخيم اليرموك قلعة الوعي الحصينة التي تعبر بالصبر والصمود والرفض والإباء عن رفض أصيل لكل تمويهات ( المقاومة والممانعة ) الكاذبة ، كما فضحت من قبل تمويهات الصمود والتصدي التي نفذ تحت بهرجها الكثير من فصول المؤامرة الكبرى حتى عتبات مدريد ..

مخيم اليرموك الذي عايش أبناؤه من قبل تجربة إخراج المقاومة الفلسطينية الفتحاوية الصادقة من لبنان ، وعايشوا إعادة تهجير البندقية الفلسطينية ...

مخيم اليرموك الذي ما زال محاصرا مستهدفا مضيقا عليه هو مخيم اليرموك الذي ظل سكانه قريبين من ذكريات ( تل الزعتر والكرنتينا وطرابلس ) ، ودوامة تمزيق ( فتح ) ، ولعبة ( احتضان حماس ) و( احتضان حركة الجهاد ) لأهداف يحددها الموساد الصهيوني جيدا ، والذين ذاقوا نعيم ( فرع فلسطين ) لا يمكن أن يزيف وعيهم ناطق مأزوم يريد أن يدفع أزمته بأي شيء أو بغير شيء كما يقول أبو الطيب المتنبي..

مرة رابعة وخامسة وسادسة يقوم الروس والإيرانيون والأسديون باستهداف ما تبقى من مخيم اليرموك ، ومن أحياء دمشق الجنوبية ؛ لاستئصال البقية الصالحة من أبناء هذا المخيم ، وهذه الأحياء ، تحت عنوان مدعى مكذوب اسمه ( الحرب على الإرهاب )..

وفي عالم المافيا ، التي تسيطر على العالم اليوم ، فقط يدعي المجرم حرب الجريمة . وفي عالم المافيا فقط يكون للمجرمين قوانينهم وعدالتهم وقضاتهم وشرطتهم وسجونهم والمدافعون عنهم ، والمغطون عن جرائرهم ..

سأل صحفي بعض المسئولين الأمريكيين : من أي بند من بنود الميزانية سيغطي ترامب نفقات الضربة الخضراء على نظام بشار الأسد ؟!

أجاب المسئول : من بند النفقات الإعلامية لتحسين صورة الدولة ..انتهى.

ليس عجبا أن يصمت كل العالم على جريمة الإبادة في مخيم اليرموك ..

ليس عجيبا أن يشارك محمود جبريل في الجريمة وأن تصمت فتح وحركتا حماس والجهاد وأخواتها ، فهذا لم يعد زمان الأمة الواحدة ، والقضية الواحدة ، هذا زمان ( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ .)

العجيب أن يصمت من ثار مخيم اليرموك لينصرهم ، وليدفع عنهم ، وعن شراكة حقيقة اعتقدها تربطه بهم . ..

العجيب أن أصمت أنا ، وتصمت أنت ، ونصمت نحن ، ويصمت أولئك الذين تولوا أمرنا ثم غفلوا عنه ..

فعذرا أهلنا في مخيم اليرموك وفي حي القدم والحجر الأسود عذرا ثم عذرا ثم عذرا

ندين الجريمة المكعبة في مخيم اليرموك وما حوله من أحياء دمشق ..

ندين جريمة المجرمين ، وتكالبهم وتآمرهم ..

وندين صمتنا وتخاذلنا وتخلينا وقعودنا ..

يا رب نبيك موسى قال (( قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي..)).

وحق لمن لا يملك إلا نفسه أن يقول : معذرة إليك يا رب ..معذرة إلى كل المضطهدين المظلومين من السوريين : رب إني لا أملك إلا نفسي ..فقط نفسي ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ..

ــــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

موقفنا : من حقنا بل من واجبنا التحفظ سلفا على نتائج تحقيقات المنظمة الدولية لحظر الأسلحة الكيمائية .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

22 / 4 / 2018

من حقنا بل من واجبنا أن نعلن تحفظنا وتشككنا في نتائج التحقيقات التي ستصدر عن المنظمة الدولية لحظر الأسلحة الكيمائية ، في تحقيقها فيما جرى في غوطة دمشق في 7 / 4 / 2018 ـ ، أي قبل دخول خبراء المنظمة إلى مسرح الجريمة ، بنحو أسبوعين.

ومن حقنا بل من واجبنا، نحن ضحايا الجريمة وممثليهم من أبناء الشعب السوري ، أن ندين ابتداء صمت كل الهيئات والجماعات والقوى في المعارضة السورية ، عن ( مسرحة ) عملية التحقيقات ، بإخراج روسي - إيراني - أسدي ، ثم باشتراك دولي أممي ، وأن يسمح للمحققين بالوصول إلى مسرح الجريمة ، بعد واحد وعشرين يوما من وقوع الجريمة ، ومن سيطرة المجرم وحلفائه عليه ، ثم نقبل أن يقال تحقيق دولي علمي نزيه ..!!

لا يعتمد تحفظنا المسبق على نتائج التحقيق الدولي ، على التشكيك في نزاهة المنظمة الدولية ، كما لا يقوم على ازدراء إمكاناتها وقدراتها العلمية والفنية ، بل يعتمد أساسا ، على تطاول العهد بالجريمة ، وعلى الخبث العلمي الممنهج مع القدرة ، الذي بذله الروس ، بكل إمكاناتهم الفنية ، لإخفاء آثار الجريمة ، وتدمير كل شواهدها . كما يقوم أيضا على قدرة عصابة بشار الأسد على حشد طوابير من شهود الزور ينفون ويثبتون ، و ما يقال لهم يرددون .

إن الاسترسال مع عملية تحقيق صوري خارج إطارها العدلي والعلمي والفني ، وتحت سيطرة المتهم الأول في الجريمة ، فيه الكثير من الامتهان لحياة الضحايا وآلامهم ، ومعاناة أهليهم وأسرهم ، وبالتالي الكثير من الاستخفاف بحقوق الشعب السوري ، والكثير من الازدراء للمعايير الحقوقية الدولية .

لقد سبق لروسية الدولة المحتلة المعتدية أن رفضت تقرير ( لجنة التحقيق الدولية ) المخولة والمكلفة من قبل مجلس الأمن ، والتي سبق أن شهدت أن عصابة الأسد هي التي قصفت خان شيخون بالكيماوي منذ عام ؛ لقد رفض الروس نتائج تحقيق هذه اللجنة بتعلات لا هي علمية ولا هي حقوقية ، ويريدون من العالم ، ومن الشعب السوري ، أن يقبل اليوم نتائج تحقيق : سيطرت وصنعّت وفبركت كل مدخلاته على مدى أسبوعين !! ثم إن وافقت هذه النتائج أهواء الروس والأسديين كانت قول جهيزة الذي يقطع قول كل خطيب .

بقي أن نقول : وإن قصارى النتائج التي يمكن أن تخلص إليها ( المنظمة الدولية لحظر الأسلحة الكيمائية ) في دوما أن تجيب على سؤال : هل استخدم السلاح الكيماوي في فجر السابع من نيسان أو لم يستخدم .

فإن قالت :لم نجد أثرا يدل على استخدام السلاح الكيماوي ، فيا غبطة الروسي والأسدي والإيراني ..

وإن قالت : وجدنا أثرا لاستخدام هذا السلاح ، سيدخلنا بوتين ، الحاكم بأمره في دمشق والعالم ، رغم أنوف الكثيرين ، في دوامة أن من استخدم السلاح هم الإرهابيون !!

وهكذا وأمام عجز قوى المعارضة حتى عن الكلمة وليس فقط عن الفعل ، توأد حقوق السوريين ، وتهدر دماؤهم ، ويتحكم بكل أمرهم عدوهم ..

إن بيان رفض وشجب ، وإعلان تحفظ وتوقف ، والمطالبة بآلية دولية عدلية حقيقية ، غير مسيسة ؛ لا يكلف جمع المعارضة ، ولا مكوناتها الكثير ..

لكل ما أسلفنا نتحفظ على نتائج تحقيق المنظمة الدولية لمكافحة الأسلحة الكيمائية .

ونعلن تثبيت الجريمة النكراء باستخدام السلاح الكيماوي ضد أبناء دوما رجالها ونسائها وأطفالها ، في عنق بشار الأسد وعصابته ، وداعميه من الروس والإيرانيين .

وننتظر يوما للعدالة الحقة وما هو من الظالمين ببعيد ..

ـــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

موقفنا : الضربة الثلاثية الودية .. الروس غاضبون .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

17 / نيسان / 2018

في الأخبار القادمة من موسكو أن الروس غاضبون . وأنه سيكون لغضبهم تداعيات على الأمداء الثلاثة : القريب والمتوسط والبعيد ، وأن هذا الغضب سوف يمس صميم مواقفهم من الأسد وزمرته .

وأن من تجليات غضب الروس الذي يتحدثون عنه :

إعلان المعلقة الروسية الناطقة بالعربية ( زاخاروفا ) والتي ما انفكت طوال سبع سنوات تدافع عن الأسد ، وعن السياسات الروسية المتحالفة معه: أن روسية ليست حليفة الأسد !! وأن الأسد هو حليف حقيقي للأمريكي وللناتو معا ..

الروس على الأسد وزمرته غاضبون ، ومن تجليات غضب الروس محاولاتهم غير المنكورة لمد حبال رخوة مع العديد من الفصائل والقوى الثورية ، باتوا يمارسون هذا حتى وهم ينفذون مخططهم الاستراتيجي في إفراغ الثورة من محتواها ، وتطويق وعزل الثوار وتجريدهم من أسلحتهم ..

الروس غاضبون ومن تجليات غضب الروس في رأي بعض محلليهم ، السماح للأتراك بالتحرك من خلال درع الفرات أولا وغصن الزيتون ثانيا ، وما يمكن أن يأتي بعدُ ثالثا ..رسائل لا يُقصد بها النقيض الأمريكي فقط ، بل هي رسائل مهمة إلى بشار الأسد الذي لم يثبت أدنى أهلية لحلف مع طرف دولي كبير، رغم الدعم اللامحدود ، على أي مستوي عسكري أو سياسي أو مجتمعي ..

الروس غاضبون ، وكان من محطات التعبير عن غضبهم : استقبال بوتين لعريف مقاتل في الجيش الروسي ، وتكريمه ، ومنحه وسام شرف عسكري روسي ، لأنه صمد أمام ثوار الغوطة ‘ فقلب موازين معركة ، بينما لاذ بغاث بشار الأسد بالفرار . زعموا أن هذه الرسالة كانت أقسى رسالة غضب يوجهها رئيس إلى ( رئيس ) .

الروس غاضبون ، منذ زمن غير قصير ، ولكن غضبهم تعاظم وتفاقم واشتد وبلغ سورته بعد الضربة الثلاثية الودية الأخيرة ..

ومما زاد في غضب الروس ، أنهم نزلوا بكل ثقلهم الدبلوماسي ، لتخفيف الضربة وتلطيفها ، والحد من آثارها ، وتداعياتها ..

وأنهم رغم كل الأسلحة والمعدات والتوجيهات والتكتيكات والنصائح والتدريبات التي بذلوها ، ليجعلوا من مهازيل بشار الأسد قادرين على التصدي بشكل ما للضربات ( الناتوية ) ؛ إلا أن هؤلاء أخفقوا إخفاقا ذريعا وفشلوا فشلا تاما ، فلم يصيدوا من ذباب الناتو أي ذبابة ، رغم ، كل ما يزعمون.

في ميدان إثبات الذات في الصراع الدولي ، الروس الذين لم يقرروا أي مواجهة عملية مع الأمريكان وحلفائهم ، كانوا يريدون أن يردوا على تغريدة ترامب ( الصواريخ الذكية الجميلة ..) التي تحدى بها روسيا بصواريخ روسية يعتقدونها أذكى . ونسي بوتين أن الإنسان فوق الصاروخ ..!!

في إطار هذه المعركة بدا للعالم أجمع أن الفشل والإخفاق الأسدي فشل وإخفاق روسي . أليس هو فشلا وإخفاقا للسلاح الروسي وهذه هي خلاصة النصر الذي حققه ترامب وحلفاؤه : التفوق المطلق لصواريخ ترامب ( الجميلة الذكية ) على صواريخ الروس الغبية ، يستدرك الروس بل التي يديرها الجبناء والمتخلفون الأغبياء من حلفائهم الأسديين ..

وكانت ثمرة الغضب الروسي ، كما تتسرب الأخبار من روسية أن الروس يعيدون النظر في تسليم بعض المنظومات الاستراتيجية لهؤلاء الأسديين المتخلفين الأغبياء الجبناء . كلام فصل وليس بالهزل . ويعيدون النظر في تحالفهم معهم على الأمداء الثلاثة كما أسلفنا .

أخبار أخرى تقول إن السر في إعادة النظر في تمكين الأسديين من هذه المنظومات الاستراتيجية ، ومنها منظومة ( اس 300 ) ، التي لا تقل قيمة في التصدي للصواريخ من ( اس 400) ، هو خط أحمر إضافي يضعه الحبيب الأول نتنياهو على طاولة بوتين ..

وبين التنفيس عن الغضب المكتوم والاستجابة لمطلب الحبيب القريب يقف السياسي الروسي حائرا أي حكمة وراء المراهنة على هذا الذي وصفه ترامب صادقا بما وصفه به ، وإلى أي مدى ستبقى هذه المراهنة عقلانية أو مجدية أو ممكنة ..

بعض المعلقين الروس الناطقين بالعربية راحوا يترجمون لبوتين بيت الشعر العربي :

ستعلم إذا انجلى الغبار ...أفرس تحتك أو حمار ..

ويتركونه يجيب نفسه بنفسه لنفسه

ويتساءل بعضهم : هل غضب الروس حقا لأن العصابات الأسدية استخدمت الكيماوي في الغوطة ، بعد أن انتهت فيها الحرب ، فأدخلوا الروس في هذا الحرج الإنساني والدولي الكبير؟

وجاء الجواب : الروس لا يستحييون ولا يحرجون ، وهم ليسوا غاضبين لأن عصابات الأسد استخدمت الكيماوي فقتلت المزيد من السوريين أطفالهم ونسائهم ورجالهم ..

الروس غاضبون فقط لأن العصابات الأسدية استخدمت الكيماوي بمزيد من العباطة والغباء وتركت لهم عبء لملمة تداعيات الجريمة ، وتعفية آثارها ، والتستر عليها .

المهم : الروس غاضبون ..

_________

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com