العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 29-03-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الأسد الذي أبكى الملايين .. سهيل كيوان

القدس العربي - الخميس 26-3-2015

كلما قرأت قصة الأسد (سلطان) الذي قتل مدربه المصري محمد الحلو توقفت عندها. (سلطان) انقض على مدربه عندما التفت ليرد على تحية الجمهور، ضربه ضربة هائلة وأصابه بجروح قاتلة، (محمد الحلو) ابن الأسرة العريقة المؤسِسة للسيرك القومي المصري والعربي عموما، نُقل إلى المستشفى، وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة أوصى بأن يواصلوا معاملة الأسد (سلطان) معاملة كريمة، وأن لا يؤذوه. نقل الوحش (سلطان) إلى حديقة الحيوان وهو مصاب بحالة اكتئاب، أحضروا له لبؤة لتسري عنه وتبدل له مزاجه، إلا أنه رفض الطعام وبقي مكتئبا، وما لبث أن راح ينهش يده التي قتل بها صاحبه ومدربه ونزف منها حتى مات،لا شك أن قصته أثرت بالملايين، وأبكت الكثيرين.

كلما قرأت قصة (سلطان) أشعر بنبل هذا الوحش، وسمو روحه، أتضامن معه وأشعر بأن أمرا غامضا نبيلا يعيش في الإنسان والحيوان نسميه الضمير، قد يغيب هذا عن كثير من البشر، وقد يظهر في حيوانات ووحوش برية، وبفضل وسائل الاتصال الحديثة، صرنا نرى حيوانات يرتقي بعضها في مشاعره إلى مستوى البشر ويزيد، فنرى نمرا يحمي قردا وليدا من الموت ويضمه كأنما ليطمئنه، ونرى أسدا يتراجع أمام غزالة تدافع عن ابنها، تنازلا منه ومكافأة للأم التي دافعت بمشاعر الأمومة عن صغيرها.

والأسد يذكر بالأسد الذي أبكى ملايين السوريين والعرب، ثمنا لغروره وجنون شهوة السلطة التي تملكته هو ومن حوله.

قرأت قبل أيام كتاب (ثورة امرأة)، للصحافية السورية (علا عباس)، التي أنبها ضميرها فانشقت عن النظام المجرم في تموز 2012. الكتاب شهادة من داخل جهاز الإعلام التابع للنظام ومن بطانته، تشهد فيه أن النظام عمل المستحيل لدمغ الثورة بالإرهاب من خلال تزييف الحقائق على الأرض وفبركة الشواهد والشهود والأحداث، بدءا من مجزرة المسجد العمري في درعا، ودأبه على زرع الفتنة بين الطوائف، وتخويف الأقليات والعالم من أن الثورة دينية سلفية طائفية سنية ستأتي على الأخضر واليابس، حتى زعم أن أطفالا في الثالثة عشرة» لم يعرفوا العادة السرية بعد» كانوا يريدون اغتصاب نساء الموالين للنظام، وقام هذا الإعلام بفبركة اعترافات من أبرياء بأنهم إرهابيون، حتى أن العاملين في التلفزيون كانوا يعيدون مونتاج بعضها مرات ومرات (حتى تزبط)، وبعضها لم يزبط بسبب أخطاء في التصوير أو عدم قدرة بعض «المعترفين» على حفظ ما يلقنه المحققون لهم ليقولوه أمام الكاميرا، أحدهم مريض نفسي معروف ومع وثائق، أخذوا منه اعترافات بأنه تلقى أموالا وسلاحا للقيام بأعمال تخريبية وعرضوه على الناس لعدة أيام.

تتحدث الكاتبة عن الإعلام الموجه المنحاز كليا لكذب النظام، فلا يستطيع دخول الجهاز إلا الموالون وأقرباؤهم وأنسباؤهم وعشيقاتهم ومخابراتهم.

استيقظ ضمير السيدة (علا عباس)، مثل كثيرين، ونجحت بالفرار قبل أن تعتقل وتعاقب شر عقوبة، إلا أن كثيرين قتلوا أو سجنوا ثم قتلوا أو ما زالوا سجناء ولم يستطيعوا النجاة بجلودهم، ووقعت مجازر كثيرة بحق جنود حاولوا الانشقاق، وبحق مدنيين أعلنوا ثورتهم سلميا أو تعاطفوا مع الثوار، وذبحوا أطفالا تارة للإرهاب، وتارة لتأكيد رواية النظام لدمغ الثورة بالإرهاب، وما زال الكذب مستمرا، وما زالت المجازر مستمرة، وما زالت الفبركات مستمرة مثل اللقاءات الصحافية مع سيدات سجينات يمتدحن معاملة النظام لهن.

مضمون شهادة علا عباس يعرفه أكثرية الناس، ولكن أهمية شهادة (علا عباس) تأتي كونها ابنة النظام وتنتمي للطائفة العلوية، وحلمت مثل غيرها بوطن ينعم الجميع فيه بالحرية والعدل والمساواة والفرص بدون تمييز وفساد ونفاق.

لقد حاول بعض مؤيدي النظام الانتقاص من خطوة (علا عباس) في حينه، وتساءلوا لماذا لم تنشق من قبل وأين كانت، ولماذا سكتت!علما أنهم يعرفون أن الانشقاق أو حتى الحديث عن جرائم النظام داخل سوريا لا يعني سوى الموت.

تذكر الصحفية محاولة النظام إشعال الفتنة بين الدروز والسنة منذ بداية الثورة عندما قام رجال النظام بنشر الفيديو الشهير لشيخ سني في درعا، يتحدث عن النساء الدرزيات بصورة حقيرة، الأمر الذي مس بمشاعر الدروز، تؤكد (علا عباس) ما يعرفه الكثيرون أن الشيخ صاحب هذه الخطبة هو شيخ مخابراتي معروف، وقام بتسليم كثيرين من شبان درعا الثائرين إلى الأجهزة الأمنية!

في كتابها هذا الصادر في العام 2014، المليء بالأخطاء الطباعية، والذي من الواضح أنه لم يمر بعملية تنقيح، تحكي تجربة شخصية إنسانية اجتماعية، في بلد ابتلي بنظام شمولي، يعيش تناقضاته بين العلمانية والتخلف والمحافظة الشديدة، والتقوقع والحزبية القومية التي تحولت إلى قناع لطائفية يقودها نظام شمولي تحول إلى عبادة الفرد المتمثلة بداية بالأسد الأب ثم بأبناء أسرته حتى بشار.

بعد أربع سنوات من انطلاق الثورة السورية نرى أن النظام نجح في خطته الشيطانية والتي حذر الكثيرون منها منذ البداية، نجح بوضع جميع الطوائف، وخصوصا الأقليات، في حالة خوف ورعب من الآخر، وعزز هذا الشعور الانحراف عن القاعدة التي انطلقت الثورة منها، وقويت الأصوات الطائفية، وتمت تغذية النزعة الإرهابية من خلال «داعش»، نجح النظام ومعه المتآمرون من سوريا وخارجها ليس فقط على الثورة السورية بل على الربيع العربي كله بحرف قوى لا يستهان بها عن طريق الثورة، هذه القوى هي نفسها التي حاولت وتحاول أن تخرب على شعب تونس قطف ثمار ثورته من خلال العملية الإرهابية في متحف باردو.

نجح النظام بقتل الكثير من الضمائر وأعاد البشر إلى مرحلة الوحشية، أطلق الغرائز التي تم تهذيبها عبر آلاف السنين في بني البشر، وأيقظها من خلال ممارساته الدموية المقصودة بإحكام. السؤال الذي يسأل الآن، ماذا بعد؟ كيف يمكن لنظام زرع الإرهاب في كل مكان وعزز الطائفية واستخدمها كوسيلة وركيزة الاستمرار في حكم بلد لا تشكل طائفته أكثر من 6٪ من سكانه؟ الإجابة واضحة: المزيد من العنف والإرهاب والفتن، ولهذا لن يكون الخلاص والخروج من هذا النفق المعتم إلا بيد الثوار الحقيقيين أنفسهم، بأن يستعيدوا امتلاك ثورتهم، فهم القادرون على تخليص الشعب السوري بكل طوائفه، وإيقاظ الضمائر من خلال العودة إلى ثوابت الثورة الأصيلة الوطنية والقومية الاجتماعية غير الطائفية، وإعادة الأمل إلى قلوب كل السوريين والعرب بأن الثورة مستمرة كما بدأت، وهي ليست عمليات ثأر ولا إرهاب، والتأكيد على أن النظام وحده هو الإرهابي الحقيقي، وهو الذي يتحمل مسؤولية الجرائم التي مورست وما زالت تمارس بحق سوريا وشعبها، وليس أبناء مذهب أو طائفة، لا علوية ولا مسيحية ولا درزية ولا إسماعيلية ولا سنية أو حيدرية ولا غيرها.

=====================

اللّحمة الوطنية السورية في "مقاصف" الأزمة .. سوسن جميل حسن

العربي الجديد

الخميس 26-3-2015

تستمرّ الحياة وفق قوانين الطبيعة، مهما طغى الإنسان وتكبّر، ومهما اعتدى عليها وعلى مخلوقاتها، ومنها بنو جلدته. هي جبارة، أزلية، فحتى لو دُمّرت الأرض كلها، ستبقى بذرة الحياة كامنة في مكان ما، سوف تنتشر وتنمو وتبرعم وتزهر، وتعطي ثمارها، وستكون هناك فصول، وسيكون هناك ربيع، مهما طال انتظاره، ومهما تطاول الشتاء. هذا منطق الأشياء وقانون الطبيعة.

والحياة، في زمن الكوارث والنكبات والحروب مثل الحرب في سورية، تنحو نحو الشكل الأولي للكائنات الأقل مرتبة، مثلما تتبوّغ بعض البكتيريا أو الفطريات، ومثلما تدخل بعض الكائنات الأرقى في مرحلة سبات، للاحتفاظ فقط بطاقة الحياة، مدفوعة بغريزة البقاء. هكذا هي في المجتمعات البشرية، تدخل في سباتها الخاص، متنازلة عمّا هو إنتاج إبداعي، وسموّ أخلاقي وثقافي.

ولأن الحياة بشكلها الغريزي هي الأقدر على الاستمرار، فإن سلوك الناس يتغير وينحدر باتجاه الغريزية، حفاظاً على الحياة. لا يعود للمنظومة القيمية مجال في وعي الناس، ولا يعودون مهتمين بالمثل العليا، وما تشرّبوه من وصايا، خلال تربيتهم كضمانات للهوية الإنسانية. أمام القتل والخطف والتشريد والجوع واليتم والترمّل وفقدان الأمان وفقدان الأسرة وفقدان ما يعطي الحياة قيمتها، لا أحد يستطيع أن يلوم غيره، لما ينحدر إليه في سلوكه وطريقة عيشه.

كثيرة هي القرائن التي نشاهدها، ونشهد عليها اليوم علامات فارقة لحربٍ، هي الأشرس والأكثر خسّة في واقعنا الراهن، الحرب السورية، فالتهتك المجتمعي والقيمي والأخلاقي يزداد ضراوة مع طول أمد الحرب، وهذا ما نراه في مجالات كثيرة، لم يعد الناس يهتمون بالمثاليات، ولا بالسمو الأخلاقي، أو الثقافي، صار الهم الأكبر هو ضمان الحياة بأي طريقة كانت، وبأي فاتورة مدفوعة. هذه الفواتير تسدد المرأة النصيب الأكبر منها، فهي المدفوعة إلى أتون المعارك، بالأصالة أو بالنيابة، تعرض وتسام وتباع وتشترى في أسواق النخاسة المتنوعة.

ليست المرأة السورية في مخيمات اللجوء وحدها من تدفع الثمن، من كرامتها وكبريائها فقط، بل النساء في الداخل السوري، أيضاً، فمن المظاهر التي شاعت وتكاثرت النوادي الليلية، تلك التي لها مسميات عدة، ففي حمص التي لم تهدأ فيها العمليات الحربية منذ أربع سنوات، ودُمّر معظم أحيائها، وشُرّد أكثر سكانها، وتعطلت الحياة الاقتصادية فيها، إلّا من تجارة الحروب والأزمات، وبيع المسروقات المنهوبة من بيوت المهجّرين، هروباً من آلة القتل، هذه النوادي

"الحياة، في زمن الكوارث والنكبات والحروب مثل الحرب في سورية، تنحو نحو الشكل الأولي للكائنات الأقل مرتبة، مثلما تتبوّغ بعض البكتيريا أو الفطريات"  تدعى "مقاصف"، أغلبها كان صالات أفراح، عندما كان الشعب قادراً على إقامة الفرح، أو كافتيريات ومطاعم، تحولت إلى نوادٍ ليلية تسمى "مقاصف"، تقوم على أساس تجارة المتعة، منتجاً ربحياً في زمن الحرب والفقر والجوع. إناث من مختلف الانتماءات في المجتمع السوري دفعتهن الحرب، بعدما دفعن فواتيرها الباهظة، إلى سوق المتعة هذه، بعدما أغلقت باقي الأسواق في وجوههن. لكل واحدة حكاية، فهذه التي صحت لترى أنها فقدت أسرتها وبيتها، وتلك التي لم يعد لديها من يقدم لها لقمة الخبز، وأخرى خطفت الحرب زوجها، ورمتها أمام أفواه فاغرة، وبطون عضها الجوع، ولا من معيل، وأخرى حصلت على الشهادة الجامعية، فرمتها في زاوية مهملة، طالما لن تفيدها في توفير فرصة عمل. قصص وحكايات لا تنتهي، تدخل الحرب وآثارها القاتلة في ثناياها.

تستيقظ الحياة في هذه المقاصف، عندما تنام المدينة، ولا يبقى ساهراً فيها غير حراس الحرب، حملة البنادق وأدوات القتل يسهرون، ليحرسوا مشروع الدمار القادم مع شروق الشمس، عندها فقط تنام حياة المقاصف. لكل امرأة سعر، ولكل واحدة منهن رجل تُسجّل على قيوده، فيما لو حدث وأن تعرض نادي المتعة لمداهمة من حراس "الأخلاق" إثر وشاية كيدية في غالبيتها، فيكون هذا الزوج الوهمي حاضراً لدفع التهمة، وحفظ الشرف في سوق بلا شرف، ظهر كالفطر على دماء الأبرياء.

في هذه النوادي الليلية، يأتي الرجال المصابون بلوثة الحرب، أيضاً، ولكل واحد حكاية، رجال مطعونون بصميمهم، منهم من استبدت به شهوة الملكية، فكسب أموالاً لا تحرقها نيران الحرب، ولا نيران السلام، وجاء يفرّغ أزمة وجودية، تعيد إليه توازنه في زمن القلاقل التي هزّت أركان وجوده، المرتكز على رجولةٍ، رسختها القيم والأعراف والثقافة الذكورية، بمباركة دينية وسند شرعي وقانوني. رجال سوريون، من مختلف الانتماءات أيضاً، ومختلف المستويات العلمية والوظيفية. هنا، في هذه الأمكنة، لا مكان للثأرية والضغينة والفتن. هنا، يدخل الشاري عارياً من حمولته الموروثة، ومن إرثه القيمي، ومن هويته المركبة، ليتعرى في الداخل، حتى من ثيابه، لقاء متعة تغربه عن نفسه، وتدفعه، في النهاية، إلى انسلاخ آدمي آخر، تتكفل الحياة في الخارج، تحت وقع العنف والقتل، بتجديد جلده المغشوش، وملء جيوبه بمال مسموم ليعود، مرة أخرى وأخرى، إلى كهف المتع المرذولة.

وهناك ضحايا آخرون رفعتهم الحرب، أيضاً، بعدما اضطروا للتحرر من ثقل مثلهم العليا، وطموحاتهم وأحلامهم بالسمو الثقافي والإبداعي، هم شباب ضيعتهم الحرب وغرّبتهم عن دنياهم وآفاق مستقبلهم، منهم من هو فارّ من العسكرية، ومنهم من هو هارب من حمل السلاح في أماكن المقاتلين، ومنهم من يوزع يومه بين جامعته وخدمته في نادٍ ليلي، ليواجه حياة تصرخ لتلبية متطلباتها.

هذه صورة عن واقعٍ ينزلق إلى عتمة الحضيض، واقع تشغله حياة غير طامحة بسمو معرفي أو إبداعي، حياة لا تريد أكثر من البقاء على قيد نفسها، حتى لو كانت ضحاياها فتيات وشباباً في عمر الصبا والإزهار، الحرب اللعينة هدمت أسقف الوطن كلها، خرّبت منارات الإبداع، بددت طاقات الشباب، لكنها جمعت الأفراد المتناحرين خارج النوادي الليلية، في لحمة وطنية نادرة، بريئة من التمايز والتباين والفوقية والثأرية والعنف وكره الآخر. هنا، في المقاصف، لا سقف يعلو فوق سقف النيات الحسنة في طلب المتع الرخيصة.

=====================

موقفنا : الحزم في عاصفة الحزم خطوة سديدة على طريق تحقيق الذات وإسقاط ذرائع التطرف والمتطرفين .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 26 / 3 / 2015

التحية والتجلة هي أحق ما يطالع به أصحاب مبادرة (عاصفة الحزم )، والقائمين عليها ، والمشاركين فيها . تحقيقا لقوله تعالى (( وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ )) .

وأولى ما نتطلع إليه أن تكون هذه المبادرة مبادرة عربية إسلامية خالصة ؛ تؤكد استقلالية القرار العربي ، وكفاءة الجهد ، وتُطمئن أن في الأمة بقية ، وإن انقلب عليها المناورون والمراوغون وتجار المصالح الذين لا عهد لهم ، ولا أمان يرتجى عندهم . ليكون الموقف واضحا جليا : شركاء ولسنا أتباعا . قادرون على الاستقلال بقرارنا ، وحماية وجودنا ؛ ولا نحتاج في ذلك إلى أذن من أحد ..

وخير ما نأمل ألا يغيب من أخيار أمتنا ،عن مشهد الرشد والحزم ، أحد ، وأن يجمع قادة هذه الأمة وشعوبها ، حلفٌ للطيبين المطبيين ، الذين يتناجون بالبر والتقوى ، ولا يريدون بأحد إثما أو عدوانا ؛ فقد غر بعض السفهاء طول الحلم ، وكثرة الأناة ؛ حتى ما عادوا يعرفون غرورا وبطرا أي مركب صعب يركبون ؟! وأي استهتار بكرامة هذه الأمة يستهترون ..؟!

وأجمل ما يؤول إليه الأمر أن يقر في اليمن ميثاق للبر والقسط ، لا يضار فيه يمني ولا يظلم ، في حق من حقوقه الفردية والجماعية . وأن تسد الطريق في وجه مسارب الغزو بكل أشكاله المادية والفكرية ؛ وأخطر ما فيها التضليل المذهبي وذوائبه وذوانبه حتى يحفظ على اليمن أمنه واستقراره ...

إن التقويم العملي ( لعاصفة الحزم ) ، والأمور بخواتمها ، أنها الجديرة ، كطريقة في التعاطي ، على أن تحفظ على الأمة وجودها ، وهيبتها ، وأن تعيد إلى أجيال من شبابها الثقة بأنفسهم وبأمتهم . وكل هذا مما يعتبر على الحقيقة الحرب العملية على ( التطرف ) ببواعثه وذرائعه ومغذياته ، ويعيد لمنهج الرشد والحكمة والحزم معا دوره ومكانته .

لقد أدى غياب الحزم ردحا طويلا عن ساحة الأمة إلى استنسار ( البغاث ) على أرضنا ، وأن يطمع في الأمة من لا يدفع عن نفسه ، وحتى أصبح خدها موطئا لكل لاطم ، وجنبها مرتعا لكل لامز مما دفع الكثير من شبابها في طريق التمرد والغضب والرفض والتطرف ...

وليكن اليمن ( بعاصفة الحزم ) ، أول قَطر الحزم العربي ، ثم لينهمر هذا الحزم في العراق و الشام ، العراق المقسم ، وإلى سورية المهشمة ، ولبنان الميتم بلا رئيس ، وإلى فلسطين حيث الاحتلال والاستيطان والعدوان بلا حدود في الزمان أو في المكان ...

ستكون (عاصفة الحزم ) أو ( الحزم العربي ) المدخل الجاد لانتصار أمة العرب ، والنظام العربي في معركة الدفاع عن الوجود ، وتحقيق الذات ، وتفسير أحلام الطامعين المعتدين ، بأن كل ما تراءى لهم كان مجرد أضغاث أحلام ..

( عاصفة الحزم العربي ) إذا توقفت ريحها ورياحها عند اليمن ، فستعني عند من يسيء القراءة و التفسير ، أن الشام حلال عليهم وكذلك العراق . إن الإقامة بدار الحزم لها مقدماتها وتداعياتها وعلى المقيمين فيها الاستعداد الدائم لاستحقاقاتها . وما غُزي قوم في عُقر دارهم قط إلا ذلوا ( سيدنا عليّ ) ...

كل أحرار الأمة وكل أخيارها يقفون بحزم وراء عاصفة الحزم . وهم مستعدون للمشاركة بالدفع في كل مرحلة باستحقاقاتها ...

باسم الله ، وعلى بركة الله ، وإرغاما لمن حادّ الله ؛ تقف الأمة بكل عزمها وحزمها وقوتها مساندة ومؤيدة وداعمة لكل من بادر إلى الحزم أو تحزّم به ..

اللهم فتحا مبينا ، ونصرا عزيزا ، وإرغاما لمن حاد الله ورسوله ، وشاقّ صالح المؤمنين

لندن : 6 / جمادى الآخرة / 1436

26 / 3 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

======================

القمة العربية والأزمة السورية .. حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الخميس 26-3-2015

حاولت جامعة الدول العربية احتواء الأزمة السورية، منذ بدايتها، بدفعها النظام إلى القيام بخطوات سياسية جادة، تلبي المطالب الشعبية، وتمنع البلاد من الانجرار نحو الهاوية، وتكرار النموذج الليبي، بشكل أو بآخر، في بلد له تأثير كبير على محيطه العربي والإقليمي، لكن إصرار النظام على خياره الأمني، دفع الجامعة إلى ممارسة ضغوط على دمشق، على أمل حصر الأزمة داخل المنظومة العربية، والحيلولة دون انتقالها إلى المستوى الدولي، متبعة في ذلك أسلوب الترغيب والترهيب معاً، فلم تغلق الباب العربي نهائيا بوجه النظام، ولم تتركه مفتوحا.

وكان من أبرز الخطوات التي بادرت إليها جامعة الدول العربية دعوة الأمانة العامة بداية أغسطس/آب 2011 النظام السوري إلى البدء بمرحلة الإصلاحات السياسية، وإيقاف القتل للحيلولة دون تدويل الأزمة، وفي الشهر التالي، في منتصف سبتمبر/أيلول، جاءت المبادرة العربية الأولى التي دعت إلى سحب الجيش من المدن ووقف العنف وإجراء حوار مع المعارضة، ثم جاء قرار الجامعة في 12 نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، ليقضي بتعليق عضوية سورية في الجامعة، وسحب السفراء العرب من دمشق، وفرض عقوبات اقتصادية على النظام. ثم خطت المنظومة العربية خطوة إلى الأمام، حين أصدر وزراء الخارجية العرب في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، قرارا بإرسال بعثة مراقبين عربية، من أجل تقصي الحقائق، لكن البعثة فشلت فشلاً ذريعاً، نتيجة أساليب النظام، وإثر ذلك، اقترحت الجامعة مبادرة ثانية، للحل في سورية، تدعو إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، وتفويض الرئيس بشار الأسد نائبه فاروق الشرع صلاحيات كاملة.

غير أن دور جامعة الدول العربية وتأثيرها في الأزمة السورية بدأ بالتراجع، منذ منتصف 2012، لحظة تحول الأزمة من مسارها المحلي إلى مساريها، الإقليمي والدولي. ومنذ ذلك الوقت، تحولت مقررات الجامعة إلى مجرد بيانات تعكس حالة الضعف والخلافات البينية داخل المنظومة العربية، في وقت تُرك فيه مصير الأزمة السورية إلى قدرة الفاعلين العرب والإقليميين، وبلغ الأمر أن شدة الموقف العربي من الأزمة السورية، أو ليونته، لم تعد مرتبطة بإجماع عربي، بقدر ما أصبحت متعلقة بالبلد المضيف للقمة العربية، وسياسة المحاور داخل البنيان العربي.

هكذا كانت قمة الدوحة عام 2013 التي شكلت خطوة جديدة، بمنح المقعد السوري الشاغر للائتلاف الوطني المعارض، أما الكويت التي احتضنت القمة السابقة فآثرت ترك المقعد السوري شاغرا، فيما تتجه مصر في قمة شرم الشيخ السادسة والعشرين المقبلة إلى تبني

"دور جامعة الدول العربية وتأثيرها في الأزمة السورية بدأ بالتراجع، منذ منتصف 2012، لحظة تحول الأزمة من مسارها المحلي إلى مساريها، الإقليمي والدولي"  الموقف الكويتي، لكي لا تكون القمة منحازة لهذا الطرف أو ذاك، وتوصل رسائل سياسية، لا تعكس طبيعة الموقف العربي الذي يتبنى الحل السياسي، حسب ما أعلنت السلطات المصرية، فضلا عن أن انقسام المعارضة أعطى فرصة قوية لهذا التيار للتمسك بموقفه الرافض. ولكن حقيقة الموقف المصري تتعدى ذلك، فالقاهرة، منذ تسلم عبد الفتاح السيسي الحكم، تجد نفسها أقرب إلى النظام السوري من المعارضة، لكنها لا تستطيع الخروج عن الإجماع العربي، لا سيما الخليجي. ولذلك، تسعى إلى تعويم وجهة نظر هيئة التنسيق بدلاً من "الائتلاف" المدعوم من أنقرة والدوحة، الخصمين اللدودين للسيسي، وكانت الهيئة قد أعلنت على لسان منسقها العام، حسن عبد العظيم، رفضها إعطاء المقعد السوري إلا للدولة، وممثلي الشعب السوري المنتخبين.

تحاول القاهرة استعادة دورها العربي، وهذا مطلوب ومرغوب عربياً، بيد أنها، اليوم، غير القاهرة الأمس، إنها اليوم تسعى إلى نقل الثورة المضادة في الداخل المصري إلى الإطار المحلي، فهي تفضل بقاء الحكم في سورية بأيدي النظام، على أن تراه بأيدي الائتلاف والإخوان المسلمين المدعومين من الدوحة وأنقرة، لكنها بحكم علاقاتها مع الرياض من جهة، ولإدراكها أن دعم النظام صراحة مستحيل من جهة ثانية، تعمل على تبني خيار سياسي وسطي، يرضى بقبول عربي ويعتمد على: أولوية محاربة الإرهاب، وهذا هو السبب الذي دفع القاهرة إلى اقتراح إنشاء قوة عربية مشتركة. اعتماد الحل السياسي في سورية خياراً وحيداً لإنهاء الأزمة، عبر عملية يشارك فيها طرفا الأزمة معا. دعم القوى المعارضة السورية التي تتبنى مواقف معتدلة، مثل هيئة التنسيق الوطنية، وقد بلغ التعاون بين الطرفين مبلغاً كبيراً، وانعكس ذلك في النقاط العشر الصادرة عن اجتماع للمعارضة السورية في القاهرة في يناير/كانون الثاني الماضي. العمل على إبعاد "الإخوان المسلمين" من الساحات السياسية العربية، خصوصاً السورية.

=====================

جذور الأزمة في هيئة التنسيق السورية .. حسين عبد العزيز

الحياة

الاربعاء 25-3-2015

لم يكن مفاجئاً تقديم نحو أربعين شخصية استقالتهم من هيئة التنسيق الوطنية السورية المعارضة. لا يتعلق الأمر بمجرد خلافات تنظيمية وقضية احتكار السلطة داخل الهيئة فحسب، بل يمتد الخلاف إلى المستوى السياسي والآلية المتبعة للصيغة النهائية للحل السياسي المرجو في سورية.

لقد ظل الموقف السياسي للهيئة من الأزمة السورية محور شد وجذب داخلها منذ تأسيسها في نهاية حزيران (يونيو) 2011 وحتى الآن، على رغم اتفاق جميع الأحزاب والقوى المشكلة للهيئة على قضايا عديدة.

ضمت الهيئة منذ البداية عدداً كبيراً من الأحزاب والقوى أهمها: حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديموقراطي الذي يرأسه المنسق العام حسن عبد العظيم، حزب البعث الديموقراطي العربي الاشتراكي، حزب العمل الشيوعي وأبرز أعضائه عبد العزيز الخير المعتقل لدى النظام، الحزب الشيوعي- المكتب السياسي برئاسة رياض الترك، حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي برئاسة صالح مسلم، الحزب الديموقراطي الكردي ممثلاً بنصر الدين إبراهيم، حزب العمال الثوري برئاسة حازم نهار، حركة الاشتراكيين العرب ممثلة بمنير البيطار، الحزب الديموقراطي الاجتماعي، حزب الاتحاد السرياني، وبعض التنسيقيات، ثم حركة معاً.

بدت الهيئة منذ تأسيسها بمثابة القوة القادرة على تمثيل الحراك الجماهيري على المستوى السياسي، وجاء بيانها التأسيسي في لحظة التحول الاحتجاجي من السلم إلى العسكرة، حيث أعلن ثلاثة مبادئ: لا للتدخل العسكري الخارجي، لا للتجييش الطائفي، لا للعنف وعسكرة الثورة. وقد شكلت هذه اللاءات ارتياحاً كبيراً في الأوساط المعارضة آنذاك، لا سيما الداعية إلى النهج السلمي، ثم قدمت الهيئة تصوراً سياسياً للأزمة السورية يتماثل مع الحركة التاريخية لقوى الشارع آنذاك، إذ دعت إلى قيام حكومة انتقالية، وإجراء إصلاحات جذرية، وربما هذا هو السبب الذي دفع قوى وأحزاباً مهمة مثل «إعلان دمشق» وحزب الشعب الى عدم الانضواء فيها.

غير أن استمرار النظام في اعتماد الحل الأمني للقضاء على الحراك الشعبي، ترتب عليه انزياح المعارضة الشعبية نحو العسكرة، فيما ظل خطاب الهيئة يتبنى اللغة التأسيسية المتمثلة بالإصلاح السياسي من دون المطالبة بإسقاط النظام، تمشياً مع المعارضة الشعبية، ومع الوقت أصبحت الهيئة مجرد تشكيل سياسي لا أرضية شعبية له، وهنا بدأت أولى أزماتها، وسرعان ما شهدت عمليات انشقاق كثير من النشطاء لا سيما في حزب الاتحاد الاشتراكي الديموقراطي ثم حزب «يكيتي» الكردي في آب (أغسطس) 2011، ثم انسحاب حزب العمال الثوري في تشرين الأول (أكتوبر) 2011، وانسحاب حزبين كرديين بداية 2012، فيما بقي حزب الاتحاد الديموقراطي بزعامة صالح مسلم في الهيئة، ثم تلا ذلك انسحاب حزب الاتحاد السرياني في نيسان (أبريل) 2012، ثم حركة معاً في أيلول (سبتمبر) 2012.

كشفت هذه الاستقالات حجم الأزمة داخل الهيئة، التي حولتها إلى محل شبهة من القوى المعارضة الأخرى، واختلطت رؤيتها للحل السياسي مع اللغة الدبلوماسية التي لا ترقى إلى مستوى الحدث، ثم كان للتصريحات المتضاربة لكثير من الأعضاء أن أضفت غموضاً على توجهاتها، لا سيما تصريحات هيثم مناع التي بدت في كثير من الأحيان غير مفهومة لكثير من أطياف المعارضة، وزاد من توجيه الاتهام للهيئة بقاء حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي بزعامة مسلم فيها، وهو الحزب الذي شكل تحالفاً قوياً مع النظام في شمالي البلاد.

مع إعلان موسكو نيتها عقد منتدى للحوار بين المعارضة والنظام نهاية العام الماضي، وإعلان القاهرة عزمها عقد مؤتمر للمعارضة في الوقت نفسه، ظهرت عوامل التباعد بين أطياف هيئة التنسيق بين مرحب بدعوتي موسكو والقاهرة (حسن عبد العظيم وآخرون)، وبين من يرفض الذهاب إلى موسكو ويفضل القاهرة (هيثم مناع وآخرون)، وقد حلّ الخلاف باعتماد القاهرة وجهةً للهيئة، من دون أن تقطع نهائياً مع موسكو، حيث شارك أعضاء كثر في منتدى موسكو بصفتهم الشخصية.

وبعد فترة قصيرة، ظهر تيار ثالث في الهيئة بدا قريباً من مواقف «الائتلاف الوطني»، عبر عن نفسه في لقاء باريس نهاية شباط (فبراير) الماضي، جمع خلف الداهود وأحمد العسراوي وزكي الهويدي وصفوان عكاش من الهيئة مع أحمد رمضان وعبد الأحد أصطيفو وهادي البحرة وهشام مروة من «الائتلاف»، وتحديداً من «الإخوان المسلمين» و «إعلان دمشق»، وهما القوتان اللتان رفضت الحكومة المصرية مشاركتهما في اجتماع القاهرة.

فجر هذا اللقاء الأزمة داخل الهيئة واعتبر بمثابة طعن للجهود المبذولة لإنجاح مؤتمر القاهرة الثاني نهاية الشهر المقبل، لأن المجتمعين في باريس أعلنوا أن الأسد خارج أي مرحلة انتقالية، وهكذا انقسمت الهيئة بين فريق باريس وفريق القاهرة، بعدما كانت منقسمة بين فريق موسكو وفريق القاهرة.

بلغت الاتهامات بين الأطراف حداً كبيراً، وطالب فريق القاهرة أن تعلن الهيئة تبرؤَها من اجتماع باريس، في حين طالب فريق آخر بالمزاوجة بين الموقفين، بحيث يكون لقاء باريس دعماً للقاء القاهرة، وفعلاً أصدر المكتب التنفيذي بياناً قال فيه إن اجتماع باريس لا يتعارض مع مؤتمر القاهرة وإن كليهما يهدف إلى الحل السياسي.

غير أن هذا المخرج بدا مرفوضاً من قبل داعمي القاهرة (مناع) الذي شكل تياراً جديداً كان إيذاناً بأن الهيئة مقبلة على مرحلة صعبة، وجاءت الاستقالات الأخيرة تدعم الخط الذي ذهب فيه مناع، حيث أعلن المستقيلون أن استقالاتهم تعود لسببين: الأول -وهو الأهم- مرتبط بإقرار الهيئة اجتماع باريس، والثاني مرتبط بآلية الحكم داخل الهيئة التي تفتقد الشفافية والنزاهة، وتعتمد المحسوبية.

أمام الهيئة استحقاقان مهمان: الأول منتدى موسكو الثاني بداية الشهر المقبل، والثاني مؤتمر القاهرة نهاية الشهر نفسه، فإما أن يشكلا فرصة للهيئة لإعادة لملمة جراحها، أو يكونا المسمارين الأخيرين في نعشها وتتحول إلى هيئة فخرية تحت مسمى المعارضة.

=====================

هل يتحقق هدف أوباما في المفاوضات مع إيران؟ .. رندة تقي الدين

الحياة

الاربعاء 25-3-2015

اتصل الرئيس باراك أوباما نهار الجمعة الماضي بنظيره الفرنسي فرنسوا هولاند لطمأنة الجانب الفرنسي إلى أن أي اتفاق حول النووي الإيراني ينبغي أن يكون صارماً وصلباً لمنع إيران من تطوير السلاح النووي. وتم اتصاله هذا لأن الولايات المتحدة قطعت شوطاً متقدماً جداً في محادثاتها الثنائية مع إيران، وتخوفت من رفض فرنسي على غرار ما جرى عندما رفض الرئيس جاك شيراك خوض الحرب الأميركية في العراق.

وسيحضر وزراء خارجية الدول الست التي تتفاوض مع إيران حول الملف النووي إلى لوزان يوم السبت المقبل في حين أن وزيري الخارجية الأميركي جون كيري والإيراني محمد جواد ظريف سيبدآن بعد غد الخميس محادثاتهما الثنائية. ومن الواضح أن الأوساط المسؤولة في باريس لا تثق بما تفعله الإدارة الأميركية ثنائياً مع إيران طالما أنها ليست على اطلاع على حقيقة ما يجري. فأي اتفاق على النووي الإيراني بين إيران والدول الست سيكون له تداعيات كبرى على العلاقة الأميركية - الإيرانية، وسيعطي زخماً للعلاقات الاقتصادية بين البلدين. فقطاع الأعمال الأميركي سيهرول إلى طهران لبيع القطع والمعدات الأميركية التي منعت حتى الآن في إيران. وستبدأ مرحلة جديدة بين البلدين مع واقع سيفرض نفسه، فواشنطن ستغض النظر عن ممارسات عدة تقوم بها طهران في منطقة الشرق الأوسط. فالعقوبات الاقتصادية على إيران الآن لا تمنع النظام الإيراني من تمويل النظام السوري و «حزب الله» لقتل الشعب السوري، فكيف عندما ترفع العقوبات ويتاح لإيران الحصول على عائدات أكبر من النفط والصادرات الأخرى؟ فالقدرة التمويلية لإيران سترتفع ليس كما يدعي النظام لمساعدة الشعب بل لإعطاء المزيد من القدرات لدعم بشار الأسد والحوثيين في اليمن وحلفائهم في العراق وربما للتوسع في مناطق أخرى.

واشنطن تدعي أنه إذا تم الاتفاق حول النووي الإيراني فسيكون بإمكانها التحاور والضغط على طهران في شأن سياساتها في المنطقة. والمشكلة أن سياسة أوباما في الشرق الأوسط خيبت الآمال، وأفقدت الوعود الأميركية أي صدقية حتى من حلفائها. فحتى عندما يتصل أوباما بهولاند، هناك يقين لدى الجانب الفرنسي أن لا أحد يعرف إلى أين وصلت واشنطن مع طهران في المحادثات الثنائية، إضافة إلى أن غياب أي استراتيجية للسياسة الأميركية في سورية يبعث على المزيد من التشكيك بأوباما وسياسته في الشرق الأوسط.

إن نفوذ إيران التخريبي في لبنان وسورية والعراق واليمن، يزيد يوماً بعد يوم من دون أي تصدّ له من الدولة الكبرى أميركا. وسياسة فرنسا في المنطقة قائمة على تحالف فعال ومثمر في الخليج ومبني على علاقات ثقة بين الرئيس هولاند والقيادات في السعودية والإمارات وقطر والكويت، وهذه الدول بمعظمها قلقة من توسع التخريب الإيراني في المنطقة مع مخاوف من أن أوباما ماض قدماً في سياسته الإيرانية.

لقد حذرت فرنسا من صفقة حول النووي الإيراني واطهرت أنها غير راضية عن فترة استمرار هذا الاتفاق، وعن عدم مراقبة برامج إيران للبحوث والتطوير في مجال النووي ورفع عقوبات مجلس الأمن عن إيران. والسؤال: هل يتم اتفاق في لوزان في نهاية الأسبوع من دون توقيع فرنسا أم إن إيران ترفض التنازل للنقاط التي تصر عليها باريس؟ سنرى في الأيام القليلة المقبلة إذا تحقق هدف أوباما أن يدرج اسمه في تاريخ الولايات المتحدة بأنه أعاد العلاقة مع النظام الإيراني الذي احتجز الرهائن الأميركيين، وكان أول من صدّر ثورة إسلامية في الشرق الأوسط مع كل المآسي التي تبعتها في لبنان وسورية والعراق والآن اليمن.

=====================

أسرار تاريخية عن التحالف الراهن بين واشنطن وطهران .. د. أحمد القديدي

الشرق القطرية

الاربعاء 25-3-2015

مصطلح التحالف الأمريكي الإيراني ليس من عندي ولكن من عنوان كبير على صحيفة الجارديان الأسبوع الماضي ثم ماذا حدث حتى نطق الوزير جون كيري بضرورة التفاوض مع بشار الأسد مباشرة بعد لقاء مدينة لوزان بينه وبين الوزير الإيراني محمد جواد ظريف؟ هذا المنعرج وصفه زميلي عبد الباري عطوان بالخنجر في ظهر حلفاء واشنطن العرب الذين راهنوا مثل أوباما على إسقاط نظام الأسد! فهل فرضت طهران مصالحها فرضا وعولت على الجناح (البراجماتي) في السلطة الأميركية ضد الجناح (الأيديولوجي) على عكس ناتنياهو؟ وما هو الرمز الذي نقرأه في عملية تدمير قبر صدام حسين وتعويض صوره بصورة الفريق قاسم سليماني في قرية العوجة في ضاحية تكريت؟ ثم هل هناك اتفاق سري بين واشنطن وطهران؟ هل توصل الرئيس أوباما إلى درجة التحالف الخفي بين الولايات المتحدة وجمهورية إيران؟ هذه هي الأسئلة الحارقة التي تتردد على ألسن الدبلوماسيين والإعلاميين والخبراء وهي أسئلة مشروعة حين نرى التغيير الطارئ والسريع والعجيب على موقف واشنطن من إيران أي من الملفين الخطيرين المتعلقين بإيران وهما: ملف النووي وملف التوسع العسكري الإيراني في منطقة الحروب الدائرة رحاها في العراق وسوريا وليبيا ومنطقة الأزمات المتفاقمة في اليمن ولبنان ومصر. وحين تسمع السيد جون كيري يشرح للإعلاميين موقف واشنطن من هذين الملفين....ستخرج من مؤتمره الصحافي صفر اليدين وستعود بخفي حنين لأنك مثلي أنا لن تفهم شيئا وأنا أعترف للسيد كيري بعبقرية نسميها في العالم الدبلوماسي بالتخفي الحربائي حين يصبح الكلام طلاسم القصد منه ألا يفهمه الناس! فالجنرال قاسم سليماني يقود الجيوش العربية ولقبته (الواشنطن بوست) بأقوى رجل في الشرق الأوسط وملف النووي الإيراني الذي كان مطروحا على مجلس الأمن تم سحبه بلطف واليوم يجب أن يعرف العرب بعض الحقائق حول خفايا الأسرار الأميركية تجاه التسلح النووي الإيراني والإسرائيلي حتى يدركوا خفايا مواقف اليوم لأن التاريخ الحديث يفسر أحداث الحاضر. أريد أن أكشف للقراء عن بعض الأسرار المتعلقة بالنووي في كل من إيران وإسرائيل، وهذه الأسرار ليست من عندي ولكني أكتشفها حين أراجع المذكرات الثمينة التي كتبها في الأزمنة الماضية صناع السياسة وأصحاب القرار في أعلى هرم الحكومات الغربية، حينما كانت شعوبنا إما ترزح تحت نير الاستعمار في ذلك العهد أو غارقة في معضلاتها الداخلية. وفي الحالتين لم يقرأ العرب تلك المذكرات وهي منشورة ومع الأسف قرأها أعداء العرب وعرفوا بفضلها كيف يخططون لمزيد قمعنا وإخضاعنا وإخراجنا من دائرة التاريخ! والحقائق التي أعرضها على القراء مكتوبة بقلم رئيس الحكومة الفرنسية الأسبق السيد (موريس كوف دي مرفيل) تحت رئاسة الجنرال شارل ديجول وهو الذي كان أيضا وزير خارجية فرنسا من عام 1958 إلى 1968 أي على مدى عشر سنوات كاملة كانت هي السنوات الحاسمة في تمكن إسرائيل من السلاح النووي بفضل مساعدة باريس. وهنا سوف أترجم للعربية خفايا أعتبرها جديدة تماما كتبها بوضوح من كان في قمة الدولة الفرنسية آنذاك وعاشها بل وكان مهندسها الأول. يقول السيد (كوف دي ميرفيل) في الصفحة 98 من مذكراته المنشورة بمؤسسة (بلون) للنشر بباريس:

"حين قابلت الرئيس الأمريكي جون كيندي يوم 7 أكتوبر 1963 في البيت الأبيض، أجريت معه جولتين من المحادثات، عبر لي الرئيس عن مخاوفه الخطيرة من إسرائيل وإمكانية حصولها على السلاح النووي، لأننا في باريس وحسب اتفاقية بيننا وبين إسرائيل وقعناها عام 1957 التزمنا بمساعدة تل أبيب على إنشاء مفاعل ديمونة في صحراء النقب وتمكين الدولة العبرية من مخصبات اليورانيوم من نوع ماركول أي من إنتاج البلوتونيوم " ويضيف رئيس حكومة فرنسا الأسبق قائلا: " منذ عام 1958 حاولنا أن نحد من طموحات إسرائيل وإخضاع منشآتها النووية للمراقبة بحرص من الجنرال ديجول منذ توليه رئاسة الجمهورية عام 1958، ولكننا كنا مدركين بأن إسرائيل في مقدورها الحصول على اليورانيوم من جهات أخرى غير باريس".

هذا ما قاله السيد كوف دي ميرفيل بالحرف، وهو يكشف حقائق لم نكن نعرفها من قبل وهي:

1- الرئيس جون كيندي كان ضد امتلاك إسرائيل للسلاح النووي وعاتب باريس على تزويدها للدولة العبرية بما يؤهلها لامتلاكه، وهو موقف مختلف تماما عن موقف الإدارات الأمريكية التي جاءت بعده والتي اعتبرت التفوق الإسرائيلي على العرب أولوية استراتيجية في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

2- الرئيس كيندي عبر عن موقفه هذا قبل 45 يوما من اغتياله على يد / لي أوزوالد الذي كان متهما بعلاقات مع الأجهزة السرية الروسية والإسرائيلية.

3- (لي أوزوالد) قاتل كيندي اغتيل بعد ثلاثة أيام من إيقافه على يد جاك روبي أحد غلاة اليهود الأمريكان المتطرفين، وجاك روبي هو ذاته مات في السجن بمرض شبيه بمرض ياسر عرفات بعد ثلاثة شهور من إيقافه!

هذا فيما يتعلق بالنووي الإسرائيلي، أما النووي الإيراني فيقول السيد (توني بين) الوزير العمالي البريطاني للصناعة أنه عام 1977 في عهد شاه إيران عندما قابل وزير خارجية الولايات المتحدة (سايرس فانس) وجده يحث حكومة لندن على مساعدة طهران حتى تمتلك السلاح النووي لأن واشنطن تعتبر إيران في ذلك الزمن حارسة المصالح النفطية الغربية في المنطقة فهل طوت الإدارة الأمريكية ملف العداء مع طهران وعادت من جديد تعتبر إيران ما بعد الشاهنشاه بوليس الشرق الأوسط؟! صحيح أن الثوابت في السياسة الأمريكية لا تتغير بتغيير الرئيس ولا بتجديد الكونجرس!

نلمس من خلال هاتين الشهادتين من أهلها أن الخيارات الاستراتيجية للدول العظمى يمكن أن تتحول من الضد للضد ومن الموقف إلى نقيضه بحسب مصالحها دون أي اعتبارات عاطفية أو أخلاقية أو قانونية. فالمصالح حين اقتضت تفوق إيران كانت واشنطن مع تسليح طهران بالنووي ثم حين أصبحت إسرائيل هي حامية حمى المصالح الغربية تحول الخيار الأمريكي والأوروبي من تسليح طهران إلى تجريد طهران من سلاحها وإلى عقيدة انفراد إسرائيل بالقوة النووية. وهل أصبحت إسرائيل عبئا ثقيلا على مصالح أمريكا؟

هذا هو منطق العلاقات الدولية كما يفرضه علينا العالم اليوم وعلينا نحن العرب قراءة ردود فعل شعوب أمريكا اللاتينية على هذا النظام العالمي الظالم للاستلهام منها منذ أن أعلن الرئيس البرازيلي (لولا) ورئيس فينزويلا (شافيز) ورئيس بوليفيا (مورالس) ورئيسة تشيلي (ميشال باشليه) بأنهم لا يقبلون ذلك المنطق المؤسس على القوة والهيمنة وهذه أول حركة عصيان رسمي في العلاقات الدولية انطلقت من أرض شي جيفارا ضد الاستبداد الليبرالي العالمي! وهي المبادرة التي أجبرت أوباما على إعادة العلاقات مع كوبا فنحن ندرك اليوم بأن مصير العرب أفلت من أيدي العرب وسيتواصل المشروع الأمريكي الإيراني تدريجيا إلى مراحله الأخيرة ويحقق أهداف كل من الولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي وهي أهداف تتعلق أساسا بالحرب الباردة بين واشنطن وموسكو وهي الحرب المؤهلة للتسخين ولا يشكل العرب فيها (مع الأوكرانيين) سوى حطب للنار القادمة وسوى رقعة شطرنج عملاقة وهشة في لعبة الأمم. فاعتبروا يا أولي الألباب لعل الكارثة على الأبواب.

=====================

بين الألم والأمل أربع سنوات ثورة .. آية الأتاسي

القدس العربي

الاربعاء 25-3-2015

«ارفع علم ثورتك»:

هكذا رفع ناشطو الثورة السورية شعارهم على وسائل التواصل الاجتماعي، في الذكرى الرابعة لانطلاق الثورة السورية، علمٌ بأربعة ألوان، هي نفسها ألوان علم النظام وغالبية الدول العربية.

ألوان مستمدة من بيت الشعر للشاعر صفي الدين الحلي:

بيض صنائعنا خضر مرابعنا سود وقائعنا حمر مواضينا

لكننا الآن كسوريين، وإن كنا نرفع علم الثورة بألوان الأبيض والأخضر والأسود والأحمر، فإننا لا نشعر أن بيت الشاعر الحلي يمثلنا. فما زالت ثورتنا ثورة انعتاق وحرية، ومهما سرقت واتشحت ألوانها بالسواد، يبقى هدفها الأسمى تحويلنا من رعايا دولة استبدادية إلى مواطنين أحرار في دولة مدنية تعددية ديمقراطية، ولهذا يصح أكثر أن ننسب لألوانها قيماً، كالحرية والكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية.

اليوم في ذكراها الرابعة، نتذكر شجاعة أطفال درعا، وهم يخربشون أحرف حريتنا الأولى على جدران الصمت، ويعلموننا أن الرجولة ليست بالاستقواء على الجنس الناعم، ولا بطول الشارب وانتفاخ العضلات، وإنما هي في رفض الذل ورفع الصوت في وجه الطغاة. ونتذكر جملة المواطن السوري المقهور، «أنا ماني حيوان وهالعالم كلها مثلي»، جملة تختصر ببساطتها كل معاناة الشعب السوري مع نظام استعبد شعبه وجرده من كرامته وأبسط حقوقه الإنسانية.

حقاً… لا شيء يشبه ما عاشه السوريون خلال الأربعين سنة الماضية، وكأن الروح تتخلل في ملوحة من القهر والحرمان، ولكن من دون أن تعتادها، بل يمكن القول إن ما حدث في آذار السوري، يكاد يكون ضرباً من الجنون أو المستحيل، فإن تتمرد على منظومة عريقة في القمع والاستبداد، ومتوافق عليها دوليا، فكأنك تقف عارياُ ووحيداُ أمام العالم بأسره.

وهكذا كانت الثورة السورية اليتيمة العارية، كأنها تحارب العالم وتعريه، ولهذا تكالبت عليها بالنهاية كل قوى الشر والتطرف من دول إلى جماعات ارهابية.

صحيح أننا نشهد اليوم انتصاراً جزئياً للاستبدادين الأسدي والداعشي، وإقصاءً للشعب من معادلة الصراع الإقليمي والدولي، ولكن ما صار جلياً أيضاً أن النظام سقط فعلياً على الأرض، فقد خسر أكثر من سبعين بالمئة من مناطق سيطرته، وأصبح مجرد ممثل للنفوذ الإيراني ومطامحه التوسعية في المنطقة. في حين أن ما ربحه الشعب السوري، يستحيل انتزاعه منه بعد الآن، فلقد هدم جدار الخوف الرهيب، ولا شيء يستطيع بعد اليوم أن يعيد مارد الثورة إلى قمقمه، فيما عدا تعويذة الألوان الأربعة، حرية وكرامة ومساواة وعدالة الاجتماعية.

أتذكر اليوم أكثر اللافتات التي حفرت في وجداني بداية الثورة، حملها شاب في تظاهرة وكتب عليها:

«لن نسكت كما سكت آباؤنا عن مجزرة حماة»….

لن نسكت، يعني أننا نمتلك أعتى سلاح، وهو لساننا المقطوع منذ ولادتنا في كنف «سورية الأسد»، فيما يخصني أعترف، وأنا في أواسط الأربعين، بأنني لم أعش لحظة سعادة حقيقية منذ ولادتي، مثلما عشت لحظة هتفت فيها مع الآخرين «سورية بدها حرية»… وكأنني استعدت صوتي، وكأن قدميي عندما رقصتا مع الآخرين فوق صور الطاغية، أعادتا لي توازني فوق هذه الأرض المائلة، هذه اللحظة وهذا الإحساس لن يستطع أحد أن يسرقه مني بعد اليوم… إحساسي هذا ليس وهماً، وهو ما عبر عنه شاب مصاب في بداية الثورة، فقال قبل أن يفارق الحياة: «أنا سعيد أنني عشت هذه اللحظات القليلة من الحرية، والآن سأموت حراً».

وحده فاقد الشيء يدرك قيمته، وأنا مثله أشعر اليوم بأنني ابنة للحرية، بعد أن كنت ومنذ ولادتي ابنة للسجن، الذي ابتلع أبي وطفولتي معه. الثورة حررت لساني، ليروي ليس قصتي وحدي، بل آلاف القصص السورية المشابهة، التي جعلت قصتي مجرد نسخة مخففة لما يعيشه السوريون اليوم، وقد صار السجن الصغير باتساع وطن. وكأن حكاية البنت الصغيرة التي كنتها، توالدت سلسلة لا نهائية من قصص المعاناة السورية مع السجان الواحد بوجوه متعددة، وكل محاولة منا للتذكر هي قطع رمزي لأحد تلك الرؤوس، فما يخيف القاتل حقاً ليس جثة القتيل، بل الشهود القادرين على رواية وقائع الجريمة وتوثيقها.

 

رقم 2935

 

إذن نتذكر كفعل مقاومة، والذاكرة عشوائية وغير متسلسلة، والآن أراني في بداية الثمانينات من القرن الماضي… في حصة التربية العسكرية المدرسية، يقف الطلاب كما في فرع التحقيق السياسي، ويجيبون عن كل الأسئلة الشخصية على الملأ. أما السؤال الذي كان يزعجني دائماً، ويثير من حولي الهمس واللمز، فكان عن مهنة والدي. فهل أجيب بأن والدي معتقل سياسي وغير قادر على العمل، أم أختصر المسألة ببساطة اللافتة التي ظلت معلقة على باب عيادته الحمصية طوال سنوات سجنه. كان خياري دائماً محسوماً، وكنت أجيب بتحدي اللافتة الباقية هناك:

والدي طبيب…

ولكن ما كان يعرفه الطلاب والمدربة والجميع، أن الطبيب لا يعالج إلا زملاءه السجناء في سجن المزة… ولكنني مع ذلك بقيت محتفظة بنسختي الخاصة عن أبي:

أب بغمازة، تذكر دائما أن الفرح يحفر أيضاً في الوجه عميقاً، غمازة ورثتها عنه بالجينات وبخبرة مديدة في ترويض الألم. وحذاء أسود، كان يستهويني وأنا صغيرة لمعانه الدائم، ومع العمر بدأت أفهم أن اللغز يكمن في أن صاحبه لا يرتديه إلا في فترات متباعدة ولساعة واحدة فقط، في ما يتعارف عليه في لغة السجن «الزيارة».

عندما توفي أبي، وانتفخ جسده من سرطان السجون، قال لي أحد الأقارب: أنت محظوظة لأنك لم ترينه حينها، فاحتفظي بصورته في رأسك، كما تتمنين أنت لا كما يتمنى سجانه لك. عادت جملة قريبي إلى رأسي، وأنا أقرأ عن معرض صور لضحايا التعذيب في السجون السورية، أقيم في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، وتساءلت عن حقنا في رؤية البشر كذبائح آدمية، وهل نحن حقاً بحاجة لاشمئزاز وشفقة الغرب، أم بحاجة أكثر لتفهمه ودعمه لقضيتنا. وتساءلت عن شعور أهل الضحايا وهم يرون أبناءهم جثثاً عارية مشوهة، لا أسماء ولا هوية لها، بل مجرد ورقة صغيرة تلتصق بالرأس، مكتوب عليها رقم القاتل، أي رقم فرع التحقيق، ورقم القتيل في سجل طويل ومديد للعذاب. حسمت أمري بأن لا أشاهد الصور، ليس رأفة بقلبي من هول المشهد، ولكن احتراماً لإنسانية الضحايا وحزن أهاليهم. ولكن خطأ عابراً جعلني أشاهد صورة لفتاة مستلقية، وهي مغمضة العينين، فظننتها بادئ الأمر نائمة. ولكن ورقة صغيرة على جبينها، مكتوبا عليها رقم الفرع 215، ورقمها التسلسلي 2935 أي رقم ما بعد الألفين للعذاب، جعلني أدرك أنها ماتت في السجون الأسدية. المؤلم بالأمر أن مسحة سكينة كانت بادية على وجه الفتاة، كمن استراح بالموت من عذاب أليم.

حقيقة لست أدري إن كان انسانياً ومحتملاً، لأهالي الضحايا أن يبحثوا عن أبنائهم وسط هذه الصور المروعة، وربما سيتعذر التعرف عليهم جراء التشويه الناتج من الجوع والتعذيب. وقد يكون العذاب في انتظار عودة المفقود، أرحم من العثور عليه بوجه مشوه. وكأننا أمام بيت شعر محمود درويش:

أهدي إلى جاري الجريدة كي يفتش عن أقاربه… أعزيه غداً

وأظن إن لا كلمات عزاء يمكن للغة ان تخترعها في حضرة كل هذا الألم، ولكننا كالفلسطينيين لا نملك إلا أن نقاوم، فلا طريق رجوع متاح لنا إلا إلى مسالخ الأسد البشرية.

قبل فترة قالت لي صديقة تعيش في المناطق المحاصرة، إنها تشعر الآن وكأنها محنطة، أجبتها أن التحنيط مرحلة ما بعد الموت وأن المحنط لا أمل له بالعودة إلى الحياة. سكتت وقالت: إنها ما زالت تنتظر وربما الانتظار فعل حياة أيضاً، لأنه قد يفضي إلى مكان ما. وتناهى لسمعي صوت ضحكتها الخافتة وهي تقول: لا تخافي لن نحترف الموت كحفاري القبور، وسنبقى قادرين على الأمل. إنه الأمل الأجمل إذن قدرنا يا صديقتي، ذاك الآتي من قلب الألم، وهي حذاقة اللغة العربية أو ربما قسوتها في أنها اختارت لنا، الألم والأمل بالأحرف والوتيرة نفسيهما، وكأنهما ضدان لا يكتملان إلا إذا اجتمعا.

 

٭ كاتبة سورية

=====================

الحلّ في سوريا على النموذج العراقي .. بشار عمر الجوباسي

القدس العربي

الثلاثاء 24-3-2015

لم يكن تصريح جون برينان مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية حدثاً مفاجئاً من حيث المضمون، فمن كان يتمتع بأدنى تحليل واقعي، أصبح متأكّداً من مساعي الأمريكيين لحماية نظام الأسد من السقوط.

لكن اللافت للنظر هو الجهة التي صدر عنها ذلك التصريح؛ فالملف السوري حالياً بيد دوائر الاستخبارات الأمريكية بمجمله؛ وبما أن خطط وكالة الاستخبارات المركزية ومنصب مديرها عادة ما يكونان بعيدين عن مماحكاة الحزبين الحاكم والمعارض. فلا شكّ إذن أن الموقف الأمريكي من النظام السوري لن يتغيّر بتغيّر الحزب، الذي يملك الأغلبية في مجلسي الشيوخ والنوّاب. وعلى الأرجح لن يتغير بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، سواء أكان الرئيس جمهورياً أم ديمقراطياً.

جاء في تصريحه ذاك أنّ الولايات المتحدة لا تريد انهيار الحكومة السورية، والمؤسّسات التابعة لها، أي وبعبارة أخرى لا تريد إسقاط نظام الأسد. لكن عن أي مؤسّسات تحدّث، وأيٌ منها لا يزال قائماً ويقوم بعمله. فالجيش انهار واستبدل بميليشيات طائفية. فهل كان يقصد المؤسّسات التابعة لوزارة الزراعة التي لم تقم بعملها لا قبل الثوة ولا بعدها، أم المدارس التي إما دمرت أو تحوّلت لمراكز يقيم فيها اللاجئون. لم يتبق سوى أجهزة المخابرات، التي دائماً ما كانت تتمتع بعلاقات ممتازة مع نظرائها الأمريكيين والأوروبيين، الذين لم يقطعوا زيارات مسؤولي مخابراتهم العلنية لسوريا حتى خلال الحرب الراهنة؟ أما ما كان سرّياً منها فهو الأعظم، وهذه هي طبيعة عملهم بالأساس. كما يحمل كلام ذلك المسؤول بين سطوره شهادات براءة تعتزم حكومته استمرار منحها وتجديدها للمجرمين القائمين على تلك المسالخ البشرية.

تندلع الحروب الأهلية وتتفاقم الأوضاع الإنسانية وترتكب الجرائم، ثمّ يمرّ الكثير من الوقت قبل أن تتدخل الولايات المتحدة بطريقة ما، لكن حيثما تدخلت ظهرت دول طائفية غالباً ما تكون فاشلة.

كما حدث في يوغوسلافيا السابقة. وهذا ما يتكرّر في المنطقة العربية وكذلك في أوكرانيا، وهو ما لم تستطع حتى الدول الأوروبية نفسها وضع حد له؛ ففي حروب البلقان، رغم كلّ ما كانت تمثّله من أخطار بانتقال الجهاديين القادمين آنذاك حديثاً من أفغانستان إليها، لم تستطع تلك الدول حلّ معضلة البلقان بنفسها، وكذلك ينقسم الأوروبيون حالياً بين تسليح أوكرانيا أو عدمه. لم تعد هناك ثقة في سياسات الولايات المتحدة الخارجية، حتى لدى أقرب حلفائها.

فأوروبا تعمل على تأسيس جيش أوروبي خارج إطار حلف شمال الأطلسي، وكذلك أبرمت اتفاقية تسمح بنشر قوات من إحدى الدولتين في أراضي الأخرى؛ بين قطر التي توجد فيها اثنتين من أهم القواعد الأمريكية المتمركزة في الخليج، وتركيا العضو العريق في حلف شمال الأطلسي، وهذا ما يرشح عقد ذلك الحلف للانفراط في المستقبل.

الأمريكيون حريصون على منع سقوط نظام الأسد وبقاء دولته، لكن يبقى السؤال على أي مساحة جغرافية يريدون لها ذلك البقاء. فسلطته في انحسار مستمر ولعلّه يخبّئ بين أمانيه استعادة كامل التراب السوري، قناعة راسخة بعدم قدرته على الاحتفاظ بأكثر مما يحتلّه الآن. لكن يبقى للجنوب السوري وضع خاص، نظراً لمتاخمته للحدود الإسرائيلية، التي تمثّل بيضة القبّان في الأمر برمته. فمن ناحية تستحيل إعادة سيطرة النظام على كامل درعا والقنيطرة، ومن ثمّ عودة النظام لممارسة وظيفته الرئيسية بحراسة حدود إسرائيل. ومن ناحية أخرى لن تسمح إسرائيل والولايات المتحدة بسيطرة طرف لا تستطيع التأكد من نواياه تجاه الكيان المحتل على تلك المنطقة الحيوية.

بالانطلاق من معطيات الواقع الحالي تظهر ملامح حلّ الأزمة السورية على المدى المنظور – سواء أتت بعد ضربة عسكرية أمريكية مباشرة أو ضغط عسكري بطريقة ما – متمثّلة بالنموذج العراقي؛ يتوقف فيها الصراع أو ربما يتحول لمواجهة تنظيم «داعش»، الذي قد يعود للعمل بشكل سرّي ويبدأ بشنّ هجمات بسيارات مفخّخة ضدّ المدنيين، كما كان يفعل في العراق. في حين يسيطر أمراء الحرب – الذين يمثلون عملياً أطرافا خارجية إقليمية وغربية – على السلطة ويتقاسمون النفوذ في ما بينهم. مع تغيير بعض الوجوه الحالية، خاصة في صفوف النظام، بشرط أن تبقى حدود إسرائيل هادئة. وهذا ما يجري العمل على إيجاد صيغة مثالية له، وهذا الحل هو الأقرب للواقع والأكثر إرضاءً لأطراف الصراع الإقليميين.

فتركيا التي تمثّل بوابة إيران للالتفاف على العقوبات الغربية تعزّز علاقاتها التجارية معها، ولن تفعل أي شيء في سوريا يجعلها تخسر علاقاتها مع إيران، بل تعمل حالياً على تطويرها أكثر فأكثر، وسيزور رئيسها أردوغان طهران الشهر المقبل للتوقيع على اتفاقيات من شأنها رفع مستويات التبادل التجاري إلى ثلاثين مليار دولار سنوياً. أما دول الخليج فمشغولة بأمراض اليمن المزمنة، وهي لا تملك صوتاً يعلو على صوت الأمريكيين، وكلٌّ منهم يريد حصّة على قدره في سوريا غير عابئين بمعاناة السوريين الإنسانية أو طموحاتهم التي ثاروا من أجلها.

في لوزان السويسرية جرى عام 1923 إنهاء الصراع الأوروبي الأتاتوركي، واكتمل ترسيم حدود الدولة التركية الوليدة آنذاك مع أوروبا، وكذلك حدودها مع الدول العربية المستقلة عن الدولة العثمانية، التي تعود بذورها إلى سايكس بيكو. حدث ذلك بتخلي فرنسا عن مساحات كبيرة من سوريا لصالح تركيا، عرفت بالأقاليم السورية الشمالية، هي مرسين وطرسوس وقيليقية وأضنة وعنتاب وكلس ومرعش وأرفة وحران وديار بكر وماردين ونصيبين وجزيرة ابن عمر، كان قد اتفق الشريف حسين في مراسلاته مع مكماهون على عروبتها. وكذلك وضع إقليم هاتاي- لواء إسكندرون ضمن وضع خاص مهّد لسلخه الذي تمّ لاحقاً.

ولعلّ التاريخ يعيد نفسه الآن فتجري هذه الأيام المفاوضات الأمريكية الإيرانية في لوزان، ولا شكّ أنّ على أجندتها بنودا لها تأثير مباشر على رسم خرائط جديدة للمنطقة، قد لا تظهر قريباً، لكن تقسيم الشعوب وتعميق الشرخ الطائفي بينها سيمهّد لتقسيم دولهم لاحقاً. وما التصريح الأخير لكيري حول حتمية التفاوض مع أطراف من نظام الأسد؛ إلا رسالة وجهها إلى إيران التي تسيطر عملياً على سوريا، والتي تمثّل لها أكثر من ورقة تفاوضية بكثير وتريد حصة لها فيها، وهذا ما يفاقم الأوضاع فيها، وهو جلّ ما ينشده الأمريكيون.

وكما كانت الحال مع فرنسا فلن يخسر الأمريكيون شيئاً، بل تنازلاتهم لإيران في سوريا هي كعطاء من لا يملك لمن لا يستحق.

لا شكّ أنّ الأمور تسير على نحو ممتاز في سبيل الوصول لاتفاق حول ملف إيران النووي. يدلّ على ذلك رفع إيران وحزب الله اللبناني – يلزم ذكر جنسيته من كثرة ما صنعت إيران أحزاباً لله في هذا العالم – من قوائم الإرهاب الأمريكية. لكن قد لا ينعكس هذا سريعاً على الأزمة السورية فتبقى قضية ضمان هدوء الحدود مع إسرائيل أهم العراقيل التي تقف في طريق حلّها، أما الدور الإيراني فهو فقط لتدمير البلاد والتعايش بين مختلف فئات المجتمع وقد تمّ ذلك . ورغم ذلك يريد الأمريكيون بقاء نفوذ لإيران في سوريا حتى يضمنوا لها مستقبلا مشابها للحالة العراقية الراهنة.

٭ كاتب سوري

=====================

القضية والائتلاف في الهامش! .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 23-3-2015

يبدو الائتلاف الوطني السوري في أسوأ أوضاعه اليوم، والأمر في هذا لا يتعلق بالبيئة العامة التي تحيط بالقضية السورية فقط، وإنما بسبب الأوضاع الخاصة المحيطة بالائتلاف، وبداخل الائتلاف أيضا، وجميعها أوضاع تتصف بالسلبية الشديدة.

القضية السورية عموما في أدنى درجات الاهتمام الإقليمي والدولي، وكأن الجميع من حول سوريا، اعتادوا على ما يحدث من أعمال قتل وتدمير وتهجير يرتكبها نظام الأسد وحلفاؤه ضد السوريين، ولم تعد تلك الأعمال تثير عندهم أي ردود فعل، حتى الهجمة الكيماوية الأخيرة التي قام بها النظام في سرمين القريبة من إدلب، مرت دون أي انعكاسات وردات فعل من جانب الدول أو المنظمات على إجرام نظام الأسد المتكرر.

وإن كان ثمة اهتمام بالقضية السورية، فإن هذا الاهتمام لا يتجاوز إلا في النادر جانبا من أحد جوانبها مثل موضوع جماعات التطرف والإرهاب الحاضرة في سوريا مع تركيز شديد على «داعش»، وفي هذا الجانب، يتم توزيع الاهتمام بين سوريا والعراق، لأن التنظيم حاضر في العراق، كما هو حاضر في سوريا، وأهميته في الأول أكثر، إذا نظرنا إليه من العين الأميركية.

وإذا كانت القضية السورية بعيدة في سلم الاهتمام الدولي، فإن المعارضة والائتلاف الوطني الموصوف في المستوى الدولي بأنه «ممثل الشعب السوري»، هما تقريبا خارج الاهتمام الدولي، وأغلب الدول التي ساهمت في تأسيس الائتلاف أواخر عام 2012، تكاد لا تتواصل مع الائتلاف إلا في أضيق المستويات ومن باب معرفة ماذا يجري على الأغلب، وهذا يعني أنها غير مهتمة بوضع الائتلاف ولا بوضع المؤسسات التابعة له سواء الحكومة السورية المؤقتة التي سجلت انهيارا مدويا في الأيام القليلة الماضية، وكذلك وحدة تنسيق الدعم التي تنتظر إطلاق رصاصة الرحمة، أو المجلس العسكري الأعلى وهيئة الأركان، حيث لا يتجاوز وجودهما الحاصل الصفري.

كل الائتلاف ومؤسساته كانت خارج الاهتمام الدولي والإقليمي سواء من جانب الدول أو المنظمات في الأشهر الثمانية الماضية. لا دعما سياسيا ولا عسكريا، ولا دعما إغاثيا ولا ماليا. ما جاء من مساعدات محدودة للحكومة ووحدة تنسيق الدعم، يبدو أرقاما مخجلة إذا ذكرنا من أين جاءت وحجمها، وليس في الأفق أية أرقام، يمكن أن تقدم للائتلاف أو للحكومة ولا لغيرهما.

وسط ذلك السوء من تردي البيئة المحيطة بالقضية السورية وبالائتلاف، لا يبدو الوضع الداخلي للأخير أحسن حالا. ففي الداخل ثمة انقسام عمودي بين تجاذبين؛ أولهما تجاذب هو الأصلب حول نواته الإخوانية، والثاني قوى متنوعة، فشلت في أن تشكل تجاذبا متجانسا، رغم أنها ربحت معركة الانتخابات الأخيرة في قيادة الائتلاف، وهذا يدفع نحو إعادة خلط الأوراق، وهو في إحدى النتائج سيجدد الصراعات داخل الائتلاف، وهذا ما يحصل بالفعل، بحيث لم يعد من الواضح من هي القوة المؤثرة في قرارات وفي إدارة الائتلاف الوطني من الناحيتين السياسية والتنظيمية، إنها مرحلة ضياع بكل معنى الكلمة.

الأسوأ من الضياع السياسي والتنظيمي القائم في الائتلاف، هو ابتعاد الائتلاف عن الموضوعات الأساسية التي ينبغي أن يتابعها ويعالجها وعلى رأسها الصراع مع نظام الأسد وموضوعاته وعلاقاته وأوضاع السوريين اليوم وكيف يمكن أن تصير في المستقبل. وبخلاف ذلك يغرق الائتلاف في موضوعات تفصيلية وهامشية، وما أكثر التفاصيل السورية اليوم، هذا إذا لم نتوقف عند تفاصيل الائتلاف، وعلى سبيل المثال، فإن جدول أعمال الهيئة العامة للائتلاف التي تعقد هذا الأسبوع، يتضمن بندا لتعديل رؤية الحل السياسي التي أقرها الائتلاف في اجتماع الهيئة العامة الأخير، وبعد نقاشات موسعة، استمرت نحو شهر في الهيئة السياسية «الموسعة»، كما ستكون الهيئة العامة مشغولة في اجتماعها المقبل بتشكيل لجان الائتلاف التي كانت على جدول أعمال الائتلاف منذ عدة أشهر.

الائتلاف اليوم سواء من حيث بيئته العامة أو أوضاعه الخاصة، خارج الحياة. لكن ليس من أحد يمكن أن يعلن وفاته. السبب في ذلك بسيط جدًا وفيه نقطتان؛ النقطة الأولى، أن المجتمع الدولي لا يريد الإعلان أن لا أحد يمثل الشعب السوري، وأن على أحد ما أن يقوم بهذه المهمة، إذا أعلن موت الائتلاف. والنقطة الثانية، أن بعض الائتلافيين من جماعات وأشخاص بمواقفهم وبنظراتهم التفصيلية، يراهنون على كسب الائتلاف حتى لو كان جثة هامدة، طالما كان معترفا به «ممثلا للشعب السوري» ولو شكليًّا.

الوضع في الائتلاف، كما هو الوضع السوري بمجمله في أسوأ أوضاعه من حيث التعامل معه. لم يعد أحد ينظر إلى سوريا باعتبارها قضية ثورة شعب من أجل الحرية والمستقبل، بل يتم النظر إلى بعض التفاصيل هنا وهناك: كسبنا حاجزا هنا، وقتلنا جنديا هناك، وقدمنا سلالا غذائية، إلى آخر القائمة من تفاصيل لا معنى لها في إطار قضية كبرى، تتعلق بمصير شعب وبلد ما زالا يعانيان الأمرين منذ أربع سنوات مضت.

=====================

النفخ الإسرائيلي في النزاع السوري .. حسن شامي

الحياة

الاثنين 23-3-2015

من مصادفات زمننا الحافل بالوقائع الصاخبة والتوقعات الخاطئة أن تتزامن الانتخابات الإسرائيلية مع دخول الثورة - الأزمة السورية عامها الخامس. وكان انتهاء العام الرابع على المذبحة السورية المفتوحة مناسبة لمراجعة تستخلص دروس سنوات الجمر السوري الحارق. وبالفعل حفلت وسائل الإعلام العربي وشبكات التواصل بقراءات متنوعة ومختلفة لمداخل ومخارج المسألة السورية المستعصية على أي حل سياسي حتى الآن.

من الطبيعي جداً أن تتفاوت شحنات النقد والنقد الذاتي في أدبيات المراجعين وخلاصاتهم، خصوصاً في أوساط المعارضة لنظام بشار الأسد. على أن بعض المعلقين والدعاة الإسرائيليين لم يبخلوا بتقديم هدايا مسمومة لقطاع معين من المعارضة المدنية السورية. فخلال التغطية الإخبارية المباشرة للانتخابات الإسرائيلية، تحدث مراسل قناة فرانس 24 بالعربية من مقر حزب ليكود، حيث كان جمهور الناشطين والمؤيدين ينتظر كلمة زعيم الحزب الفائز بنيامين نتانياهو. واستصرح المراسل أحد المتحدثين باسم ليكود، وهو من أصل عربي واسمه مندي الصفدي، حول صحة الكلام عن تهنئة المعارضة السورية نتانياهو بالفوز. فرد الصفدي قائلاً أن هذه التهنئة طبيعية لأن ليكود وحكومة نتانياهو قدما مساعدات إنسانية للمعارضة، واستقبلت إسرائيل مئات الجرحى الذين تلقوا العلاج. وعندما سئل الصفدي عن أي معارضة يتحدث، قال أنهم من الليبراليين مشدداً، على طريقة النفي الإنكاري ورفع الشبهات، على أنهم من غير الإسلاميين. وعندما سأله المراسل عمن يقصد بالليبراليين أجاب المتحدث الليكودي بكلمة واحدة جاءت غريبة في بابها: اليسار.

لم يغب عن بال المتحدث العربي باسم ليكود أن يهاجم أعضاء القائمة العربية المشتركة وناخبيها بدعوى أنهم لا يحققون مصلحة الكتلة العربية في إسرائيل، وإن كانوا اليوم يشكلون القوة النيابية الثالثة في الكنيست. كما لم يفته التشديد على أن فوز نتانياهو وحزبه تحقق خلافاً للتقديرات واستطلاعات الرأي، وعلى رغم أنف إدارات دولية كبرى لم تتوانَ عن ممارسة الضغوط لإسقاط نتانياهو.

وهذا ما أكده الأخير في كلمته إلى ناخبي حزبه حين أشار إلى حصول فوزه الانتخابي، على رغم إرادة «قوى كبرى»، غامزاً بالتأكيد من قناة الإدارة الأميركية الحالية ورئيسها أوباما. وليس سراً أن العلاقات الأميركية - الإسرائيلية تشهد مقداراً من التدهور، كان خطاب نتانياهو في الكونغرس قبل أسبوعين تقريباً أحد فصوله البارزة. وفي هذا المعنى، جاء خطاب الكونغرس كجزء من الحملة الانتخابية الداخلية في إسرائيل وكوجه من وجوه الانقسام الحزبي في أميركا نفسها. ويكشف هذا عن أن الحدود بين الداخل الوطني والخارج الدولي، في ما يتعلق بالعلاقات الأميركية - الإسرائيلية، تبدو مطاطة ومتحركة.

في خلفية الاضطراب الحالي في العلاقات بين إدارة أوباما وحكومة نتانياهو، نجد بالتأكيد الخلاف حول مسائل التفاوض مع الفلسطينيين ومستقبل عملية السلام. على أن هذا الموضوع، على أهميته، يأتي في المرتبة الثانية فيما يحتل التفاوض مع إيران في شأن ملفها النووي، وتزايد الحديث عن إمكانية فعلية للتوصل إلى اتفاق، المرتبة الأولى في سلم الخلافات بين إدارتين تضع كل منهما قدماً في حقل نشاط الأخرى. ويظهر هذا بوضوح في التعليقات الأميركية الرسمية الأولى على فوز نتانياهو. فقد أعلنت الإدارة الأميركية، من جهة، عن تمسكها بحل الدولتين كصيغة لإنهاء النزاع في الشرق الأوسط، ما يشكل رداً على حديث نتانياهو عن استحالة نشوء دولة فلسطينية في عهده وجعل هذه الاستحالة عنوان حملته الانتخابية. وأعلنت الإدارة الأميركية، من جهة أخرى، عن أن فوز ليكود لن يكون له أي تأثير في المفاوضات مع إيران.

من المعلوم أن التوصل إلى اتفاق حول الملف النووي الإيراني سيصحبه بالضرورة تفاهم على عدد من الملفات الإقليمية. التفاهم لا يعني التطابق ولا التواطؤ، كما يحسب الدعاة وأصحاب التقويمات الجاهزة والمريحة، بل تثبيت قواعد للخصومة والاشتباك وضبط النزاعات. وفي هذا السياق تتخذ المسألة السورية، بعد أربع سنوات من التشرذم والتذرر والقتل والدمار، وجه نزاع إقليمي ودولي يطغى على البعد الداخلي ويستتبعه جاعلاً من أطراف النزاع أدوات في صراع يتعدى الوطنية السورية ويضرب حظوظ إعادة بنائها كنصاب سياسي مستقل.

لا غرابة في هذا الإطار أن تسعى الدولة العبرية إلى انتزاع موقع لها للتأثير في شروط أي تسوية سياسية للأزمة السورية وللتأثير في مفاعيلها الإقليمية، خصوصاً ما يتعلق بالنفوذ الإيراني. ولئن عملت الإدارة الأميركية على لجم التدخل الإسرائيلي في غير ملف إقليمي خوفاً من تبدل المزاج الشعبي، مع التشديد على الشراكة وتطابق الأهداف الاستراتيجية، فإن حكومة نتانياهو التوسعية والاستيطانية بوضوح ترى في هذا اللجم تحجيماً غير مقبول. ومع أن حكومة نتانياهو حرصت على خفض صوتها قدر المستطاع في ما يخص سورية، فإن مسؤولي الدولة وقادتها لم يترددوا في أكثر من مناسبة في التشديد على التموضع الإقليمي لإسرائيل لمواجهة الخطر الإيراني والحض على توريط العالم في حل عسكري للقضاء على البرنامج النووي الإيراني.

لا يمنع هذا من أن يكون كلام المتحدث العربي باسم ليكود عن مساعدة إسرائيلية للمعارضة السورية غير الإسلامية، ولما وصفه تحديداً باليسار، حافلاً بالتلفيق والتضخيم والنفخ في النزاعات. ومن الواضح أن هذا الكلام الدعوي يوظف استياء المعارضة السورية من تصريح كيري حول التفاوض مع الأسد لرفع سقف الخلاف مع إدارة أوباما حول مسائل أخرى في مقدمها النووي الإيراني. نتوقع أن يحصل تكذيب من جانب المحسوبين على اليسار السوري المعارض، خصوصاً أن الوسط اليساري هذا، على ضعف تمثيله وتآكل قاعدته، يبقى المجال الحاضن سوسيولوجياً لتشكل مثقفين وكتاب وأدباء وإعلاميين، وبعضهم لا يرقى الشك إلى نزاهتهم الفكرية واستقلاليتهم النقدية، بغض النظر عن مدى صوابية آرائهم.

الحصيلة الكارثية لأربع سنوات من النزاع الدموي، كما وثقها المرصد السوري لحقوق الإنسان تصلح كقاعدة لمراجعة نقدية، ضرورية وقاسية في آن. فقد سقط 66 ألف مدني و80 ألفاً من قوات النظام و66 ألفاً من مقاتلي المعارضة. أرقام النزوح داخل سورية وخارجها، إضافة إلى حجم الدمار والكلفة الفلكية لإعادة الإعمار وضياع أجيال كاملة تكفي لتشخيص الجحيم السوري. ستبقى هذه الأرقام محل تأويلات جامحة جموح الثأر.

=====================

في عامها الخامس.. سوريا (الثورة) وسوريا (القضية) (2) .. د. وائل مرزا

الشرق القطرية

الاحد 22-3-2015

بعد شيوع الظن في أوساط السوريين أن وجود أجسام المعارضة السياسية يُمثلُ بديلا ل (الدولة) يقوم بوظائفها ويؤدي مهامها، (استقال) الكثيرون من العمل الفعلي للثورة انتظاراً لما ستقوم به تلك الأجسام من تغطيةٍ للوظائف المطلوبة. كما سادت العشوائية في العمل في صفوف من تصدوا له خارج أطر العمل السياسي. تمثل هذا في تشتت الجهود وتكرار التجارب وبعثرة الطاقات، بشكلٍ قلَّلَ من فعالية تلك الجهود، على ماقدمته من خدمات وإنجازات، وماكان فيها من معانٍ كبيرة للبذل والعطاء. وكان أن فَقَدَت الثورة السورية من البداية سنداً مكيناً أساسياً لها يتمثل في الدعم الهائل الذي كان يمكن أن تحصل عليه لو تم العمل بشكلٍ مؤسسي محترف في المجالات المختلفة.

تصاعد حجم المشكلة مع ابتعاد المئات من النشطاء ودوائر النخب السورية المتنوعة عن فكرة (إدارة الثورة). وجاء هذا انسجاماً مع ابتعادهم عن مؤسسات المعارضة السياسية التي (احتكرت)، نفسياً وعملياً، تلك الإدارة. وما إن ظهرت مشكلات الهياكل السياسية التي غرقت في واقعٍ تتضارب ملامحه مع المعاني والقيم الأصيلة التي قامت عليها الثورة، حتى أصبح تجنُّبُ العمل في تلك الهياكل، بل وتجنبُ الاقتراب منها، أمراً طبيعياً لدى كل من يحاولون تَمثُّلَ تلك القيم الأصيلة في حياتهم العامة والخاصة. بعد إذ صار الوجود فيها أو قريباً منها يعني التلوث بتهم الفساد والتبعية والانتفاع، وغيرها من الصفات.

هكذا، خسرت الثورة السورية أيضاً شريحةً أساسية كان يمكن أن تكون في موقع القيادة لها. خاصةً أن هذه الشريحة كانت في معظمها هي السباقة إلى إشعال الثورة وإلى ابتكار فعالياتها ونشاطاتها الأساسية التي جعلت منها ظاهرةً من أنبل ظواهر العصر. ثم إن الأيام أظهرت أن هذه الشريحة كانت أيضاً الأكثر حرصاً على اجتناب (التربُّح) من الثورة إلى درجة معاناتها الحياتية في بعض الأحيان لتبقى نظيفة اليد والسمعة.

وفي نهاية المطاف، أصبحت الثورة السورية عالةً على تلك المجاميع السياسية التي لم يعد وجودُها، بكل مافيه من ضجيج، يحمل أي طاقة إيجابية فعالة تصب في خانة تحقيق أهدافها من قريبٍ أو بعيد.

ومع (الاعتراف) السياسي اللفظي بتلك المجاميع من قبل المجتمع الدولي، والرضا البالغ لهذا المجتمع عن وضعها المُشوَّه الذي يُساعد على إعفائه من القيام بمسؤولياته السياسية والأخلاقية تجاه الشعب السوري، حُوصرت الثورة السورية بشكلٍ غير مسبوق ليس فقط على المستويات العملية والسياسية، بل وعلى المستوى النفسي الذي وصلَ فيه السوريون إلى الإحساس بدرجةٍ من الشلل تُعيقهم عن المبادرة والحركة لخدمة ثورتهم، ومرةً أخرى، بشكلٍ يليق بتجارب وخبرات وإمكانات السوريين المادية والبشرية والفكرية.

هكذا، وصلنا إلى واقعٍ للثورة يُصيب السوريين بدرجات متفاوتة من الحيرة واليأس. وهي، بمآلاتها وتفاصيلها الحالية، تُثير من الأسئلة أكثر مما توحي بالإجابات.

وكما ذكرنا سابقاً، سنظل مُحتارين في فهم الظاهرة، فضلاً عن التعامل معها، مالم نُدرك، بعد سنوات من عمر الثورة، بعض الحقائق الصعبة، ومالم نعترف بها بكل وضوحٍ وصراحة.

لم تنطلق الثورة السورية من تراكمٍ ثقافي وحضاري وصل إليه الإنسان السوري ودَفعهُ إلى الدخول الواعي والمُخطَط في عملية تغييرٍ كُبرى.

ليست هذه طبيعة الثورات في جميع الأحوال.

بهذا المعنى، تكون الثورة الحقيقية خروجاً من مشهدٍ للاجتماع البشري لم يعد استمرارهُ ممكناً وفق قوانين ذلك الاجتماع وسُننه التاريخية، ودخولاً في عملية بحثٍ جدﱢية عن مشهدٍ يمكن أن يستوعب المستجدات والمتغيرات الجديدة المحيطة بالمجتمع صاحب العلاقة.

الثورة هنا عملية (انخلاع) جذرية من حاضرٍ صار مرفوضاً على جميع المستويات، وكلما كان الحاضرُ (يمثله النظام السوري في هذه الحالة) مُصراً على الاستمرار بأي ثمن، كانت عملية الانخلاع منه أكثر عُنفاً وصخَباً. أما الرفض الذي نتحدث عنه فهو في جوهره رفضٌ نفسيٌ عميقٌ جداً يطرح على أصحابه التساؤلات حول جدوى الوجود والحياة في ذلك الحاضر أصلاً.

وعندما تصل الشعوب إلى هذه المرحلة يُصبح لديها دافعٌ قويٌ للقبول بتضحياتٍ لايمكن تفسيرُها على الإطلاق في الأوضاع العادية. فهنا، يُضحي الأمل في بديلٍ مستقبليٍ، وفي محاولة إيجاده، أكبرَ من الحرص الآني على الوجود وعلى الحياة نفسها في حاضرٍ انتهى احتمالُ وجود معنىً للحياة فيه. في حين أن هناك (احتمالاً) في أن يكون لدى البديل المنشود مايُعطي للوجود والحياة معنىً وقيمة.

لهذا تكون الثورة الحقيقية طويلة. ولهذا تكون على مراحل. ولهذا تكون عنيفة.

أين وصلت الثورة السورية اليوم إذاً؟ وماهي طبيعة المرحلة القادمة في مسيرتها؟

بمعناها الأكبر، أظهرت الثورة قرار الشعب بالرفض القاطع والنهائي لواقعٍ كان مفروضاً عليه، وأكَّد، عبر تضحياتٍ قياسية في تاريخ الشعوب، تصميمه على الانخلاع من ذلك الواقع والخروج منه دون عودة. لكن واقع الثورة اليوم يبدو مؤشراً على دخولها في مرحلة البحث عن البديل، أكثر من كونه دليلاً على تحقيق أهداف الثورة.

المفارقة أن ملامح هذا البديل لايمكن أن تظهر في معزلٍ عن نقلةٍ معرفية في التفكير والعمل تؤمن الشروط المطلوبة للتعامل مع التحديات المذكورة، قد يمكن القول بأنها المرحلة الثانية من الثورة، والتي لامفر منها لتحقيق الأهداف الأصيلة للأولى. وستبقى تتعايش وتتفاعل حتماً مع كل مشاعر الألم تجاه مايجري، لكنها لايمكن أن تقع فريسة الضغوط العملية والنفسية الراهنة التي توحي بضرورة إيجاد حلول سريعة وعاجلة، لأن الحلول الحقيقية لن توجد إلا بالعمل التدريجي على المسار الطويل.

=====================

موقفنا : أين قاسم سليماني العربي؟! أين الحشد الشعبي العربي!؟ وأين ولي الأمر العربي ؟! بل أين الفقيه العربي!؟ .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 24 / 3 / 2015

اليوم والحشد الشعبي الشيعي الفارسي يذبح العرب المسلمين في سورية والعراق ... يتساءل شباب الأمة على كل الخارطة العربية والإسلامية أين ؟! وأين ..؟! وأين ...؟! وأين ....؟!

والسؤال أولا برسم من وجدوا أنفسهم بطريقة ما ممسكين بأمر هذه الأمة ، مسئولين بحماية بيضتها ، والذود عن حوزتها ، من الزعامات العربية والمسلمة تتصدر المشهد ... وتتابعه ، فتضج بالشكوى مع كثرة الشاكين ممن يعبثون به وفيه ....

 والسؤال ثانيا برسم القيادات المدنية ، قيادات القوى والأحزاب والجماعات والتجمعات ، القيادات المعلنة والمضمرة ، القيادات الكلاسيكية والمستحدثة التي تنهال التساؤلات عليها تترى فيحار على صدرها وظهرها السؤال على السؤال ...

والسؤال ثالثا برسم الفقيه العربي ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ يفتي لشباب الأمة بالإخلاد إلى الأرض !! والتثاقل عن نصرة الحق ، ويلغي من كتاب الله : ( انفروا خفافا وثقالا ) ، وينسى من كتب الشريعة ( فعلى من يليهم ..) ، وقد استطار الشر ، وعمت البلوى ، وطمع في الأمة فتجرأ عليها من لا يدفع عن نفسه ، من أهل العرامة والبغي والعدوان ...

ففي كل الساحات على الجغرافيا الإسلامية اليوم شباب طيب مبارك يؤلمه أن يتابع متفرجا مسرحا للواقع تسيل فيه الدماء ، وتتناثر الأشلاء ، وتنتهك الحرمات ، عزيفه أصوات المستغيثين والمستغيثات ، وقصيده شماتة الشامتين ، وجزاره شعوبي صفوي كريه يفري فريه في أديم هذه الأمة ، في سورية والعراق واليمن ...؛ فيدمر حضارة ، ويهدم بنيانا ،ويشوه ثقافة ، ويقتل الإنسان ، طفلا وامرأة وشيخا وشابا ؛ فلا يسلم من ساطور حقده أحد ..

نعم أيها الزعماء ..نعم أيها القادة السادة .. نعم أيها الفقهاء الحكماء ...

الشاب العربي المسلم يرفض أن يظل متفرجا على مسرح واقعي يتقافز على خشبته قتلة مجرمون طائفيون ، ويكون ضحاياهم أبرياء مسالمين هم إخوة العقيدة وأبناء العمومة قد تآلب عليهم إِلْب للشر مجرم كل من فيه...

وشباب الأمة ؛ أيها الزعماء .. أيها القادة .. أيها الفقهاء السادة ، وشباب الأمة هؤلاء يريدون أن يصدّقوكم فيصدقوكم . يريدون أن يقولوا بقولكم في موجة التطرف العدمي التي رفعت راياتها فوق ساحات الأمة لا تبشر بخير ، ولا تدعو إليه وإن تلبست به . فهم يؤمنون بما تؤمنون به من رفض التطرف ، ورفض الإرهاب بكل صوره وأشكاله ....ولكن كل هذا لا يمحو السؤال المنطبع في قلب كل منهم ، الملحاح على كل عقل حين يتساءلون هل رفض التطرف والإرهاب وهذه العدمية وذاك العمى يقتضي الخضوع والخنوع ؟! ويوجب الاستسلام والقبول بالذل والمهانة ، التي يفرضها أعداء الأمة الأدنون والأبعدون ؟!

شباب الأمة ،أيها السادة القادة الفقهاء الحكماء ، يتساءلون : هذا قاسم سليماني يجوب عواصم حضارتكم الكبرى من دمشق الأمويين إلى بغداد العباسيين ، إلى صنعاء أرض الجدود ...فأين هو ( قاسم سليماني ) بديلكم الوسطي القائم بالقسط الرافض للخضوع والتطرف معا، أم لعلكم بعضهم يقول إن الوسطية بدأت خاضعة ؟! أين هو كبشكم ينازل كبشهم ؟ وأين هي قياداتكم تنازل قياداتهم ..وهذه العواصم المستباحة والمدن المستنزفة هي مدنكم ودياركم .. وما دخلها قاسم سليماني إلا استهتارا بكم ، وتحديا لكم ولمن وراءكم ولمن أمامكم ولمن هم عن أيمانكم أو عن شمائلكم ...

اعذروهم أيها القادة السادة الحكماء إن جُنوا أو بادروا إلى حمايتهم من فتنة يفرضها عدوكم وعدوهم عليهم فيغدو الحليم في أمرها حيران ..

ولتعذرهم قيادات عجزت عن أن ترفع للحق لواء بالحق فتجمع تحته أنصار الحق الذين أرهقهم عسف وظلم أهل الباطل ، فتهاووا كالفراش على نار المجوس ليطفئوها فحرفتهم وأحرقتهم ...

أيها القادة السادة الحكماء ..

وها هي قوات الحشد الشعبي الطائفية الخؤون ، بأسمائها المختلفة ، وراياتها العمية ؛ تذبح اليوم في الشام وفي العراق فلا تبقي ولا تذر تحت عين المتواطئين الصادين عن طريق حرية إنسان هذه الأوطان وكرامته وعزته فأين أنتم ممن يرد الصولة على صائلها ، ويحمي الحقيقة ممن بشر يرومها ...دلونا على فتوى تلقون فيها وجه ربكم ، ( يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم )

قال الراوي أيها الزعماء والقادة : وإن الولي الفقيه ليخفف عن قومه في طهران والنجف والضاحية الجنوبية من بيروت حرّ مصائب القتل توقعها مناجل المدافعين عن أرض وعن عرض من أبناء الشام والعراق الأمجاد الأبطال مد يده إلى فقراء الشيعة من أبناء أفغانستان يجندهم مرتزقة ويشتري ولاءهم قتلة مأجورين ، حتى كان لهم في الشام وحده لواءان الأول لواء ( فاطميون ) وقد برئت السيدة فاطمة من آخرهم كما برئت من أولهم ، والآخر لواء ( خدام العقيلة ) وهم يقتلون بلا عقل ولا قود ..فأين أنتم أيها الزعماء وأين أنتم أيها القادة مما يجري حولكم ويقع على أرضكم ودياركم ، ولماذا لا يرى مجلس الذعر الدولي في هؤلاء المرتزقة المجندين للقتل وسفك الدماء ( مقاتلين أجانب ) ينطبق عليهم ما ينطبق على المقصودين بقرار مجلس ذعرهم وخوفهم وأنتم تتابعونه صامتون ...

يسألكم شباب أمة يرون أعراض حرائرها تنتهك ، ودماء أبنائها تسيل ، وأمما تجتمع على قصعتهم ، وذئابا تجوس خلال أرضهم وديارهم : تحت أي راية للدفع تريدوننا أن نكون غير راية الفرجة على المأساة والرضا بالدون والإخلاد إلى الأرض ...

يسألون : وليّ الأمر وهم مقرون بأولويته في الجواب ...

ويسألون الفقيه : وهم معترفون في أسبقيته بالعلم والفقه والحكمة والاجتهاد ..

وهل من فقيه يتقلدها أمام الله والناس فيفتي في الإسلام أنه على أهل الإسلام إذا رأوا أرضهم تحتل ، وأعراضهم تنتهك ، ودماء إخوانهم تسفك ، وإذا تطاولت عليهم أمم الكفر بكفرها ، وأهل البغي ببغيهم ؛ أن يديروا ظهرهم للمشهد ، وأن يغمضوا أعينهم عن المأساة وأن يحسبلوا ويحوقلوا ثم ,,,,,

نعم أيها السادة القادة ... نعم يا أصحاب العلم الفضل لا للالتحاق بالرايات العميّة ...لا لمشروع التطرف وأهله.. ولكن هذه اللا مهما كانت كبيرة هل تعني ألا يكون للأمة في جهاد الدفع رايتها للدفع بالحق عن أهل الحق ...

لندن : 4 / جمادى الآخرة / 1436

24 / 3 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

======================

النظام السوري والإرهاب .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 22-3-2015

بترتيب ناجح نسبياً لأولوياته، أقنع النظام السوري العالم بأن الإرهاب ينتمي، تكوينياً، إلى المعارضة، وأنه جزء رئيس منها، بل هو طليعتها وقوة الصدام الرئيسة فيها، وأنه يحاربها كي يقضي على تنظيماته التي تضم معظم مقاتليها، وترتكب الجرائم التي تنسب خطأ إليه، كما قال بشار الأسد، أخيراً في لقاء صحافي، زعم فيه أن من كانوا يطلقون النار على المواطنين العزّل من ضباط وجنود جيشه انشقوا عنه، وشكلوا الجيش الحر والتنظيمات الأصولية والجهادية: أي الإرهابية.

هل صدّق العالم أكذوبة الأسد المضحكة؟ أعتقد أن قسماً كبيراً منه صدقها من دون أن يحفل كثيراً بجديتها وقابليتها للتصديق، لأسباب تتصل بأوهامه التاريخية عن الشرق والشرقيين عامة، والإسلام والمسلمين بصورة خاصة، من جهة، وبما حفلت به ذاكرته من أحكام مسبقة ووساوس وهلوسات، تجعل أعداداً كبيرة من مواطني البلدان الغربية يصدقون ما ينسب إلى المسلمين من ميل إلى العنف والتعصب. وبالتالي، إلى ما يسميه قادتهم بلغة مرعبة "الإرهاب"، الذي يعينهم التلويح بمحاربته على التحكم برأيهم العام، ويتيح لهم التعامل من موقع تدخلي في شؤون بلدان كثيرة خارج عالمهم المتقدم، من جهة أخرى.

واليوم، تقف المعارضة السورية أمام معضلة حقيقية، تتصل بعلاقتها مع رأي عام مؤثر، تريد كسبه، يدير ظهره للحقيقة، ويصدق ما لا يمكن تصديقه، وهو أن شعب سورية المسالم، والمطالب بالحرية، إرهابي، ونظامه الذي لطالما أكد قادة البلدان الغربية أنفسهم أنه لم يقلع يوماً عن إنتاج الإرهاب وتصديره إلى مختلف مناطق العالم يحارب الإرهابيين، ويحمي الأمن والنظام الدوليين منهم! وللأسف، ما أن تقول عن أحد ما إنه إسلامي، حتى يرتبط، في مخيلة أغلبية مواطني بلدان متقدمة عديدة، بالعنف والنزعات العدوانية، وبالاستعداد لفعل أي شيء يمكن أن يرغم غيره على قبول ما يؤمن به أو يريده.

إلى هذا، يعتقد عديد من قادة الرأي في هذه البلدان أن مجتمعنا ليس غير طوائف وأقليات متناحرة، تنعدم بينها المشتركات وأسس التعايش السلمي، تبقيها تناقضاتها في حال حرب كامنة قابلة للانفجار في أي وقت، فلا مجال لإبقائها "مسالمة"، وللحؤول دون ما تحمله علاقاتها من تهديد دائم لأمن العالم وسلامه، بغير يد سلطة حديدية، قد تكون مفرطة في عنفها داخل بلدانها، لكنها تحمي العالم خارجها، فمن الضروري تفهّم دورها، وتجاوز طابعها الاستبدادي والقمعي، ما دام إمساكها بخناق مجتمعها ضروري، لمنع مكوناته من الاقتتال، ولحماية الآخرين من شرورها وإرهابها.

بأحكام أغلبية الرأي العام، ومواقف معظم الساسة وصنّاع القرار ووسائل الإعلام، تنقلب الوقائع رأساً على عقب، وتضيع الحقائق، ويصير الشعب المظلوم قاتلاً، والقاتل الذي يدمر مجتمعه، ويمزّق شعبه، عدواً للحرب، ومحافظاً على أمن مواطنيه وسلامهم، بمن في ذلك الذين اقتلعهم من جذورهم وشتتهم في أربع أقطار الأرض، وقوّض وجودهم التاريخي، وطردهم من وطنهم، وقضى على لحمتهم كشعب واحد.

ويبقى السؤال: كيف سمحنا بوصول قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي إلى الاقتناع بأن شعبنا إرهابي، وأن نظامنا المجرم معاد للإرهاب، مع أنه هو الذي فبرك تنظيماته، لكي يضعف معارضيه والجيش الحر، ويفجر المعارك بين مواطنيه، ويشوه واحدة من أعظم ثورات الحرية في التاريخ، ويحرمها من ما تستحقه من دعم دولي وإنساني؟

يتكوّن نظام الأسد من طرفين: جيش السلطة وأمنها وتنظيمات الإرهاب التي تكمل عملهما. هل تقوم، مَن تعي هذه الحقيقة من قوى المعارضة، بما هو ضروري إعلامياً ضدهما، أم تكتفي بتجاهلهما، بينما يحرضان العالم ضد الشعب ويشوهان ثورته؟

=====================

من الذي حمى النظام السوري: روسيا أم أمريكا؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 21-3-2015

يقول الزعيم البريطاني الشهير وينستون تشيرتشل: «الحقيقة ثمينة جداً، لهذا لا بد أن نحميها بسياج من الأكاذيب». ومن الواضح أن النظام السوري وأبواق ما يسمى ب»الممانعة والمقاومة» نجحت على مدى عقود في إخفاء الحقيقة بطوفان من الأكاذيب. ففي الوقت الذي كان يملأ فيه الدنيا ضجيجاً بمعاداة الصهيونية والإمبريالية، كان النظام السوري يرتهن ارتهاناً كاملاً للإرادة الأمريكية والصهيونية. وقد سُئل مسؤول أمريكي كبير ذات يوم: «ألستم منزعجين من الدعاية المعادية جداً لأمريكا في الإعلام السوري»، فأجاب: «نحن لا يهمنا ما يقوله الإعلام السوري، بل ما يفعله النظام لأجلنا، فعندما نطلب منه أن ينفذ لنا أمراً ما بنسبة أربعين بالمائة، يفاجئنا في اليوم التالي وقد نفذ الأمر مائة بالمائة. أي أنه دائماً يعطينا أكثر بكثير مما نطلب».

وذات يوم كان الرئيس السوري يركب سيارته، فسأله سائقه: «هل أذهب إلى اليمن أو إلى اليسار يا سيادة الرئيس»، فرد الرئيس: «اذهب إلى اليمين، لكن أعط إشارة بأنك ستذهب إلى اليسار».

لقد صدّع النظام السوري رؤوسنا على مدى أربع سنوات من عمر الثورة السورية وهو يشتكي من «المؤامرة الكونية» التي تقودها الصهيونية وأمريكا ضد نظامه. وقد فعل الأفاعيل بسوريا والسوريين بحجة مواجهة «المؤامرة»، مع العلم أنه لو كانت هناك فعلاً مؤامرة على نظامه لما صمد بضعة أشهر. واليوم سقط سياج الأكاذيب الذي أقامه نظام الأسد حول الحقيقة ليصبح عارياً أمام السوريين والعرب. فبينما سقط الرئيس المصري السابق حسني مبارك الذي كان البعض يعتبره «ذخراً استراتيجياً» لأمريكا وإسرائيل خلال ثمانية عشر يوماً، ها هو الرئيس السوري «الممانع والمقاوم» بين قوسين يصمد لمدة أربعة أعوام في وجه الشعب السوري والمؤامرة الكونية المزعومة. من هو الذخر الاستراتيجي للصهيونية والامبريالية إذاً: مبارك أم الأسد؟ لا عجب إذاً أن الصحافة الإسرائيلية وصفته قبل فترة ب»ملك ملوك إسرائيل».

وكي لا يكون الكلام جزافاً، فلننظر إلى الوقائع على الأرض، فلولا اللاءات الأمريكية، لسقط النظام السوري منذ الأشهر الأولى. وقد سمعت من مسؤول روسي كبير كلاماً قوياً يقول: «لا تلوموا روسيا، فليست هي التي تحمي الأسد بالفيتو، فلو أرادت أمريكا إسقاطه لما أعارت روسيا أي انتباه». ويقول الكاتب السوري أحمد خطاب في هذا الصدد إن الذي حمى الأسد فعلياً اللاءات الأمريكية الثلاث، وليس الفيتوات الروسية الأربعة. «اللا» الأولى تمثلت في حرمان المعارضة من الصواريخ المضادة للطائرات التي دمرت معظم المدن، وقتلت مئات الآلاف بالبراميل المتفجرة، وشردت الملايين. لكن اللا الأمريكية كانت بالمرصاد تحت ذرائع واهية. رفضت أمريكا أن تزود السوريين بأي سلاح من هذا النوع. والأخطر وكدت أقول الأحقر أنها منعت كل الدول المتعاطفة مع الشعب السوري من أن تقوم بهذا الأمر».

أما «اللا» الثانية والأخطر كانت رفض الإدارة الأمريكية القاطع السماح بإقامة منطقة آمنة على الحدود أو في الداخل، منطقة تسمح للقوى الوطنية والديمقراطية السورية أن تجتمع في جو آمن، وتتداول في الشؤون والشجون السورية، كما تسمح للقوى العسكرية الوطنية أن تؤطر نفسها وتتوحد، وتسمح أيضا لملايين المدنيين الفارين من الحرب أن يعيشوا حياة طبيعية بالحد الأدنى، بعيداً عن الموت والدمار. وهكذا ورغم النداءات الملحة من أطراف كثيرة سورية ودولية، بقيت «اللا» الأمريكية على حالها، وكانت النتيجة تزايد عدد النازحين واللاجئين ليصل إلى نحو ثلاثة عشر مليوناً. وهكذا اضطر نصف الشعب السوري تقريباً أن يهيم على وجهه داخل بلده أو في دول الجوار، ويموت الآلاف منه غرقاً في مراكب الموت، أو حرقاً تحت البراميل المتفجرة، أو قتلاً بآلات التعذيب الوحشية في المعتقلات والمراكز الأمنية.

كل ذلك مع أن أوباما هذا «الصديق الصدوق» للشعب السوري كان بإمكانه ببساطه تفعيل القوانين الدولية الخاصة بحماية المدنيين في أوقات الحرب لخلق مناطق آمنه تحت رعاية الأمم المتحدة. كلنا يذكر المناطقِ الآمنة التي أقيمت في التسعينات في شمال العراق وجنوبه وتللك التي أقيمت في أكثر من منطقة في البلقان.

أما «اللا» الثالثة والأخطر بكثير هي ﻻ غير معلنة، باطنية، مضمرة، وتتمثل برفض أوباما اﻻعتراف بثورة الشعب في سوريا والحديث بدل ذلك عن عنف أو تطرف أو حرب أهلية، وكل ذلك من باب المراوغة والهروب من مواجهة الحقيقة واﻻستحقاقات السياسية والأخلاقية المترتبة عليها. والمثال الفاقع على ذلك كان مسارعته لوضع أي فصيل معارض للنظام الأسدي على قوائم الإرهاب في حين أنه يتغاضى تماماً عن فصائل أخرى كثيرة تمارس نفس العنف ونفس التطرف في مواﻻة ذلك النظام.الجناح العسكري لحزب الله اللبناني، أبو الفضل العباس، عصائب الحق، وكذلك التدخل الإيراني الفاضح عسكرياً وسياسياً ومادياً وتسليحياً مع تلك المليشيات المتعددة الجنسيات التي ارتكبت الفظائع بحق الشعب السوري المغدور».

عندما تسمح أمريكا وإسرائيل للميليشيات الشيعية بقيادة إيران أن تدخل إلى سوريا للقتال إلى جانب النظام بعشرات الألوف وعلى حدود إسرائيل، ماذا يمكن أن نفهم من ذلك إلا أن أمريكا وإسرائيل تريدان ترجيح كفة النظام في القتال ضد معارضيه؟ ألم تستنفر أمريكياً نووياً عام 1970 عندما دخل الجيش السوري إلى الأردن؟ وقد ذكر الرئيس الأمريكي الراحل نيكسون في مذكراته أنه: «طوال أسبوع بعد دخول القوات السورية إلى الأردن، لم استطع النوم كما يجب، إلى أن هاتفني ذات مساء الملك حسين ليخبرني أن القوات السورية بدأت فعلاً باﻻنسحاب من الأراضي الأردنية، ليلتها فقط عزفت على البيانو، ونمت بعمق لأول مرة».

فلماذا إذاً غضت أمريكا الطرف عن دخول الحرس الثوري وميليشياته الباكستانية والأفغانية واللبنانية والعراقية واليمنية إلى سوريا؟ أليس لأن هناك مباركة أمريكية لدعم قائد الممانعة والمقاومة المزعومة؟

لو كانت إسرائيل فعلاً تريد إسقاط نظام الأسد لما وجدت أفضل من وقت الثورة بعد أن أصبح في أسوأ وأضعف حالاته، هذا لو كان يشكل فعلاً خطراً عليها. لكنها تركته، وحمته في دوائر القرار الأمريكية. وأيضاً أمريكا لو أنها تريد إسقاط النظام فعلاً، لصنعت له معارضة قوية بسرعة البرق كما فعلت مع صدام حسين عام 2003، حيث جمعت كل المعارضين العراقيين المتسكعين في شوارع لندن ودمشق وطهران في مؤتمر عاجل في لندن على الرغم من خلافاتهم الأيديولوجية الهائلة، فتوافق العلماني مع الملحد مع السلفي مع ولي الفقيه خلال أيام ليستلموا السلطة في العراق. وبقدرة قادر أصبح نوري المالكي بائع الملابس الداخلية في دمشق رئيساً للوزراء في العراق، بينما تذرع أوباما بأن المعارضة السورية التي تقاتل الأسد هي ثلة من المزارعين وأطباء الأسنان، «وكأن ثورة الزاباتيين في المكسيك لم ينجزها المزارعون والفلاحون الفقراء! وكأن الثورة الكوبية ضد الدكتاتور باتيستا لم يكن على رأسها أطباء»!

لم يعد خافياً على أحد أنه لولا الدعم الأمريكي لما بقي نظام الأسد حتى الآن. كيف لا وقد كانت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت أول مسؤول دولي يجتمع بالرئيس السوري قبل الإعلان رسمياً عن تنصيبه خليفة لوالده حافظ الأسد عام 2000. ولو لم يكن بشار مدعوماً دولياً إذاً، لما فعل ما فعل من فظائع بحق السوريين دون أن يحاسبه أحد. وسيذكر التاريخ ان كل ما اقترفه النظام من جرائم فاشية نيرونية لم يسبق لها مثيل، كانت بضوء أخضر امريكي، فلا يمكن لنظام في العالم أن يفعل ما فعله الأسد لو عارضته أمريكا فعلاً.

لقد كان النظام السوري وأبواقه أكثر من هاجم مشروع «الفوضى الأمريكية الخلاقة» في العلن، لكنه، حسبما نرى من فظائعه وضربه لاستقرار المنطقة بأكملها، أنه القائد الفعلي لمشروع الفوضى.

بوجود هكذا مقاومين، فهل تحتاج أمريكا إلى مقاولين؟

 

٭ كاتب واعلامي سوري

=====================

إنه الداخل، أيها الناس .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 21-3-2015

لم نجد بعد معادلة عملية تنظم علاقات داخلنا السوري مع الخارج، الدولي والإقليمي والعربي، مع أننا صرنا أداة بيد لعبة أمم مختلفة الأحجام والأدوار والمستويات، جعلت من الدم السوري وسيلتها لتصفية حساباتها، وتسوية خلافاتها وتناقضاتها.

في العلاقة بين الداخل والخارج، لا مفر من منح الأولوية للداخل ورؤية الخارج، والعلاقات معه بدلالته، وفي ضوء أحواله ورهاناته، فإن كانت أوضاعه جيدة، وخططه السياسية ضاربة ومتماسكة، وممارساته صحيحة، وترتكز على حقوق البشر، واحترام كرامتهم وتضحياتهم، وكان قادته يضعون أنفسهم في خدمة شعبهم، واستقلاله عن الخارج جدياً، وحريته في التعاطي معه واسعة نسبياً، صار محط اهتمام عالمه الخارجي، وحظي بما يريده من دعمه، وتمكّن من تسويق خياراته لديه، وتفادى بدرجة مقبولة ما قد تتصف به روابطه معه من شد وجذب مدمرين. أما إذا كانت أحواله سيئة ومتردية، وكان الخارج قادراً على التعامل معه بما تمليه عليه خياراته ومصالحه من اهتمام أو تجاهل، فإنه يحوله إلى مجرد أداة في يده، تخدم خططاً وسياسات تجافي مصالح الشعب وتطلعاته، وتضر بفرصه وخياراته، فما بالك إن وضعنا مصيرنا في يده وعولنا عليه من موقع الضعيف والمستضعف، وربطنا أعمالنا بإرادته، وأتبعنا أنفسنا له بمحض إرادتنا في كل كبيرة وصغيرة، ورأينا فيه جهة مقررة، لا مفر من التكيف معها، ترغمنا ظروفنا وأحوالنا على الرضوخ "بوطنية" لمطالبها.

منذ تشكل "تمثيل" سياسي للمعارضة السورية، ساد تنافس حقيقي بين النظام وبينها في كل ما يتصل بأولوية دور الخارج في إيجاد حل داخلي لصراعهما. وتسابق الطرفان على الاستقواء بالخارج، عله يجعلهما جزءاً من أدواته. لذلك، رفض النظام فكرة ومبدأ الحل الداخلي، لاعتقاده أنه سيسقطه، وآثر إضفاء طابع خارجي على صراعه ضد شعبه، بتحويله إلى حرب ضد أصولية مزعومة، لم يكن لها أي دور أو تمثيل في الثورة، ولم تحرك أحداثها وتوجه احتجاجاتها. بدورها، سارعت المعارضة إلى ربط نتائج الصراع الداخلي بأدوار القوى الخارجية، الدولية والإقليمية والعربية، لاعتقادها أن ما حدث في ليبيا سيتكرر في سورية، وإن تدخل الخارج سيغير موازين القوى لصالحها، على غرار ما وقع هناك، فلا حاجة لإضاعة الوقت في التركيز على تعبئة الداخل وتنظيمه، فهو ليس الساحة التي ستتعين نتائج الصراع بأوضاعها، ولا بد من وضع المسألة الداخلية تحت رعاية "أصدقاء الشعب السوري"، وترتيب أمورها بطريقةٍ، تشجع هؤلاء عامة، وأميركا منهم خاصة، على التدخل المفتوح فيها، ما دام انتصار الشعب المطالب بحريته مرتبطاً بتدخله. لا عجب أن وقع يوم تأسيس "المجلس الوطني" حديث صريح عن دبابات وطائرات التدخل التي ستدمر جيش الأسد، وتسقط نظامه، مثلما حدث في ليبيا.

لا بد، هنا، من لفت الأنظار إلى فارق مهم بين رهاني النظام والمعارضة على الخارج، ففي حين سعى النظام إلى حل خارجي، يتعين بقواه الخاصة وقدراته الذاتية والمستعارة، وصرف جل اهتمامه لتنظيم أتباعه حتى آخر فرد، وأقام تنظيمات جديدة مقاتلة وقمعية، واستمات لكسب كتل الشعب المحايدة، الكبيرة العدد، وأقام "حلف مذعورين"، ضم كل من استطاع إيهامه بأن خطر القتل والتصفية يحيق به، وإن نجاته مستحيلة من دون حماية الأجهزة الأمنية والجيش الفئوي، ومشاركته الفردية في مقاتلة بقية شعبه التي تستحق الموت، لأنها" طائفية" ومتخلفة، وتخوض معركة مذهبية، لا علاقة لها بما تدعيه من رغبة في الحرية والعدالة والمساواة والكرامة. باختصار، وحد النظام داخله السلطوي وحقله السياسي، ومنع أي خروج، مهما كان بسيطاً على الحل الأمني/ العسكري الذي تبنته قيادته، وقتل بلا رحمة كل من حاد عنه، بمن في ذلك بعض كبار قادته.

في مقابل هذا النهج السلطوي، أبقت المعارضة على خلافاتها وتناقضاتها وانقساماتها وأنزلتها إلى الشارع، قبل أن تنقسم إلى فصيلين: واحد يريد الحرية وآخر معاد لها. وأهملت الداخل السوري وحراكه المجتمعي ووحدته، وأحجمت عن تعبئة قواه، على نحو يتمسك معه بمطلبه الرئيس "الحرية لشعب سورية الواحد". وبدل أن تطور خطاً سياسيّاً يقود الشعب الثائر، ويوحده وراء سياسات وبرامج تقدم أجوبة واضحة على أسئلته، سارت وراء عوام المناطق السورية الأكثر جهلاً وتأخراً، وتبنت انفعالاتهم الدينية والمذهبية، وميلهم إلى العنف، ولم تفكر في اتخاذ موقف نقدي، أو تصحيحي، من وعيهم الشقي الذي ما لبث أن ترجم، خلال وقت قصير نسبياً، إلى مواقف متضاربة، سقطت في جميع أنواع الفخاخ التي نصبها النظام لها. لم يغيّر شيئاً من هذه السياسة سقوط وهم التدخل الخارجي، ووقوف الخارج في واد والمعارضة في آخر، وما بيّنته الوقائع من تناقض بين حساباته التي تخلو أولوياتها من مصالح شعب سورية وثورته في سبيل الحرية، وتلاحق مصالح تتعارض معها، تركّز على حسم صراعات دولية وإقليمية، طمست الثورة وحجبتها، ولعبت دوراً لا يستهان به في إطالة عمر النظام، بعد أن حولت سورية إلى ساحة استقدم إليها جميع أنواع المجرمين السياسيين والأصوليين الذين أكد سلوكهم أنهم ليسوا غير أدوات تستخدم في تصفية حسابات دولية وإقليمية وعربية، بدماء ثائرين سوريين، لم يكونوا يوماً طرفاً فيها، لكنهم شرعوا يدفعون ثمنها الباهظ بعد أشهر قليلة من نشوب ثورتهم، من دون أن تقوم الجهات التي تدعي تمثيلهم بأي رد فعل على ما يجري، أو تعيد النظر بالتعويل على خياراتها الخارجية الوهمية التي ربطتها بقوى تقف وراء الموت اليومي لمن يفترض أنها تمثلهم، بدل أن تنفك عنها، وتؤسس أوضاعها الذاتية بطرق ترغمهم على أخذها بالحسبان في سياساتهم.

"لو أخذنا الجيش الحر مثالاً لأفزعنا ما يعيشه من تدهور في مكانته ودوره، وتحوله المضطرد إلى جهة هامشية"

لم تراجع المعارضة حساباتها، بل فعلت العكس: كثفت سيرها في اتجاه رجح، بصور متنوعة ومتعاظمة، وزن الخارج ودوره على وزن ودور الداخل الذي تراجع، حتى غدا أي إجراء يتم فيه مرتبطاً بإرادة خارجية ما، وبلغ الكذب على الذات حداً جعل أتباع هذا النهج المدمر يزعمون أن أي نجاح تحرزه الثورة يعكس فاعلية علاقاتهم الخارجية وقوتها. لم ينتبه هؤلاء إلى الواقع، وهو أن الثورة كانت تتراجع أمام النظام، ومن استقدمهم من غزاة اجتاحوا وطننا، وقضوا على استقلاله، حتى ليمكن القول: إن الجهات التي تمثل الثورة، وتحمل قيمها، وتعبر عن طموحاتها، كانت تتلاشى بسرعة. ولو أخذنا الجيش الحر مثالاً لأفزعنا ما يعيشه من تدهور في مكانته ودوره، وتحوله المضطرد إلى جهة هامشية، تغرق في بحار أصولية تستنزفه بالقتل والمال، بينما يعاني "الائتلاف" من هشاشة علاقاته مع الداخل، ويفقد دوره فيه، ويجد نفسه أمام مآزق يعالجها بالمبالغة في توجهه الخارجي، كأنه يرفض رؤية حقيقته الذاتية، وهي أنه صار مجرد ورقة بين أوراق الخارج، لن تستطيع الابتعاد عنه، من دون الاستناد إلى أرضية داخلية صلبة، مستقلة ومنظمة.

سيكون من المستحيل حسم الصراع السوري بالاعتماد على الخارج. فهل تغيّر المعارضة، أخيراً، أولوياتها، وترى الخارج بدلالة الداخل السوري الذي يتوقف انتصار الثورة على إعطائه أولوية مطلقة في عملها، باعتباره المكان الذي يفضي تنظيمه وسد ثغراته إلى تحقيق هدفيها، إسقاط النظام وإجبار قوى الخارج، المتصارعة بدماء السوريين، على احترام إرادتهم وحقهم في تقرير مصيرهم بأنفسهم.

بعد أعوام ثلاثة مفعمة بالخيبة، وبعد ما بلغه الداخل من ضعف، تكثف المعارضة أخطاءها بتكثيف علاقاتها مع الخارج، والابتعاد عن موضوع يجب أن يحظى باهتمامنا هو: جعل الداخل أولويتنا المطلقة ساحة للصراع ومكاناً للحسم. هل تأخرنا؟ نعم، تأخرنا كثيراً. ولكن، يبقى السؤال مطروحاً، أليس من الأفضل لنا أن نصل متأخرين، وننقذ ما يمكن إنقاذه، من أن لا نصل أبداً، ونخسر كل شيء، اليوم قبل الغد.

=====================

سرمين وأخواتها .. حسام كنفاني

العربي الجديد

السبت 21-3-2015

يمر الخبر عابراً على وكالات الأنباء وشاشات التلفزة: النظام السوري يقصف المنطقة الفلانية بغاز الكلور، وسقوط عشرات الضحايا. المنطقة، هذه المرة، سرمين، لكنها لم تكن الأولى. هي محطة من محطات الإجرام التي لا يتوقف عندها نظام بشار الأسد، بل يمضي إلى المزيد. كيف لا؟ وهو يرى الأضواء الخضراء تلمع في وجهه من كل جانب. أضواء لمحها منذ الجريمة الكبرى في الغوطة في 2013، يوم أطلق غازاته السامة على الأطفال والناس والشيوخ، ولم يحرك أحد ساكناً. كانت مجرد بعض عبارات التهديد والوعيد، وقرع قليل لطبول الحرب، كان يدرك الجميع أنها لم تقع، قبل أن تعود الأمور إلى طبيعتها، ويواصل النظام السوري مجازره.

سرمين ليست الأخيرة، ولا الغوطة هي الأولى، ما بينهما وقبلهما عشرات المجازر التي ارتكبت بحق المواطنين السوريين، بغاز الكلور وغيره. مع بداية الثورة التي بدأت، قبل أيام، عامها الخامس، كان الجميع يترقب رد الفعل الدولي على قتل عشرات السوريين، وكان الأمل يحدو كثيرين بأن ضغطاً دولياً وإقليمياً، سياسياً أو عسكرياً، سيكون كفيلاً بإزاحة نظام الأسد، أسوة بأنظمة سقطت في المنطقة. مرت الأيام وغرق السوريون في دمائهم، وبقي الموقف الدولي على حاله، بل تطور إلى الأسوأ.

مع بداية سقوط القتلى السوريين، كانت الإدانات الدولية عموماً، والأميركية خصوصاً، تتوالى، حتى تم الاعتياد على أخبار الموت اليومية. تقدمت الإدانة خطوة بعد ذلك، لتصبح التحذير من لجوء النظام إلى الأسلحة غير التقليدية، على اعتبار أن قتل السوريين بأسلحة تقليدية أمر حميد، ولا يستدعي أي رد فعل. ومع ذلك، كانت المجازر بالأسلحة الكيماوية، الأكبر كانت في الغوطة، لكن غاز الكلور لم يوفر قبلها، ولا بعدها، وصولاً إلى سرمين. لم تستدع هذه المجازر أي تحرك دولي، ما عدا الاستنكار والأسف والتهديد الفارغ، والذي ما إن سقط حتى فتح للنظام السوري الباب لمزيد من الإجرام، وصولاً إلى الحال الذي هو عليه.

اليوم، لم تعد الدماء السورية تثير أي امتعاض دولي. لم يعد الضحية السورية يثير الأسف والأسى. لم يعد الوجع السوري يؤلم أحداً غير أصحابه الذين ما عادوا ينتظرون غوثاً، ولا عوناً من أحد، خصوصاً وهم يسمعون وصلات الغزل ورغبات الوصل التي يتلوها المسؤولون الأميركيون، وفي مقدمتهم وزير الخارجية، جون كيري.

وللمفارقة، جاءت مذبحة سرمين مباشرة غداة إعلان كيري نية واشنطن مفاوضة النظام السوري، الذي خرج رئيسه، بشار الأسد، ليطالب واشنطن بأفعال وليس بالأقوال. في المقابل، كانت أفعاله تدور على الأرض السورية من شمالها إلى جنوبها، بلا حسيب ولا رقيب. أفعال ليست سرمين وأطفالها القتلى إلا جزءاً منها، في ظل حال التخلي التي يتعاطى فيها العالم مع المأساة السورية. تخلٍ يذكّر بالشعارات التي كانت ترفع في التظاهرات، حين التقط الناشطون السوريون سوء الموقف الدولي وحال الخذلان الذي يتعامل به مع الأزمة. كان الشعار "يا الله ما إلنا غيرك يا الله" يعبّر عن اليأس من الآخر، من دون أن يعني الاستسلام للواقع.

لم يعد قتل السوريين فعلاً للنظام وحده. بات الجميع مشاركاً في إهدار الدم السوري، سواء بالصمت أو الدعم أم التعتيم. النظام يقتل بترسانته الآتية من روسيا والصين وإيران، والغرب يتفرج، ويتسابق للحديث عن حوارات خرافية لنقل السلطة. وأصبح الإعلام العربي والغربي معتاداً على نزيف الدم السوري، سواء بالأسلحة التقليدية أو الكيماوية. لذا، كانت سرمين مجرد سطر انتهى مع موعد النشر.

"كم كنت وحدك"، عبارة قالها محمود درويش في قصيدته "مديح الظل العالي"، ليصف حال الفلسطينيين بعد اجتياح بيروت. عبارة يمكن إسقاطها على الوضع السوري الذي ما عاد حتى يثير الحسرة في الرأي العام العربي والدولي، الشعبي والرسمي، فالموت السوري بات عادة، والجرح النازف لا يوجع إلا أصحابه، بينما نحن نكتفي بالفرجة.

=====================

4 سنوات من الثورة السورية: الإرهاب ليس كل شيء .. مصطفى الصباغ

القدس العربي

الخميس 19-3-2015

بعد ٤ سنوات عنفٍ كانت هي الأقسى على المجتمع السوري منذ ولادة دولته الوطنية؛ يمكن للمرء أن يقلب صفحات الذاكرة قليلاً مع شيءٍ من المنطق ليعلم أن الاستبداد هو أصلٌ للإرهاب، وأن عنف السلطة الاستبدادية المفرط وغمط الحقوق وغياب العدالة هي من العوامل المحركة والدافعة لأفكار التطرف، كما أن الشعور بالعجز والخوف والعزلة عن المجتمع العالمي سيدعم هذه الأفكار، خصوصاً إذا ما ارتبطت بظلم مفروض على فئة من مجتمع دون غيرها من الفئات. ولكن الأهم من كل هذا، أن التطرف والإرهاب الجماعاتي يبقى شديد الجاذبية وطويل الأمد إذا ما انطوى على حضور دائم ومستمر لإرهاب السلطة.

ولأنها ذكرى رابعة فإنه بات من اللازم التذكير بأمورٍ عدة أثناء التعاطي مع المشهد السوري بعموميته وخصوصيته، أولاها إن الأزمة في بلادنا ليست أزمة إرهاب جماعاتي تتصدره «داعش»، بل هي أزمة منظومة إرهاب يتصدرها نظام الأسد الذي لم يظهر فجأة في عام ٢٠١٣ ليعلن نفسه دولةً في عام ٢٠١٤ كما هو حال «داعش»، بل كان موجوداً على رأس الجرائم المروعة التي ارتكبتها قواته منذ عام ٢٠١١ والتي لا تقل فظاعةً أبداً عن جرائم «داعش»، بل إن التشابه في الأساليب والطرق سيؤكد الفرضية القائلة بأن الأسد والتنظيم المتطرف وجهان لعملة واحدة.

لم يقتصر الأسد على نكب الحضارة في ١٤ محافظة سورية، بل وجاوز ذلك بأن قتل الكثير من أبنائها بجميع مكوناتهم الدينية والعرقية والإثنية ضمن سلاسل من المجازر المروعة، كانت ولا تزال ترتكب باسم الدولة والمؤسسات و»مقاومة الصهاينة»!، بهذا المعنى انهدمت أفران الخبز فوق رؤوس مرتاديها (وجلهم من الأطفال) أواخر عام ٢٠١٢ ومع بدايات عام ٢٠١٣، وبه أيضاً تساقطت الصواريخ الباليستية فوق محافظة الرقة في فترة سيطرة الجيش الحر عليها قبل احتلالها من قبل تنظيم «داعش»، وكذا مجازر الحرق على قيد الحياة والرمي من أعالي المرتفعات والذبح بالسكاكين والإعدام ميدانياً بالرصاص دون محاكمات، والتعذيب الوحشي حتى الموت. ولا يمكن، في الوقت ذاته، نسيان مجزرة الكيميائي التي راح ضحيتها ١٥٠٠ شهيداً جلّهم من النساء والأطفال والتي أعقبها ٧١ هجمة جديدة بغازات سامة ضد ٢٦ منطقة، رغم أنف قرار مجلس الأمن الدولي ٢١١٨ ودون اعتبار لالتزامات السلطة بعد انضمام سوريا إلى معاهدة حظر ومنع انتشار الأسلحة الكيميائية. وهنا لا يمكن الوقوف، فماذا عن البراميل المتفجرة التي أصدر مجلس الأمن قراره ٢١٣٩ لتجريمها ومنع استخدامها؟ ألم يقم النظام بقتل ٥٨١٢ مدنياً سورياً بينهم (١٧٣٣ طفلاً و٩٦٩ امرأة) بهذا السلاح منذ صدور القرار في فبراير/ شباط ٢٠١٤؟

الأمر الثاني الواجب التذكير به، يتلخص في أن إيران ليست طرفاً في النزاع فحسب، بل هي دولة محتلة لأجزاء من سوريا بشكل مباشر وبالاستعانة بوكيلها بشار الأسد الذي لن يتميز عن زميله أبو بكر البغدادي إلّا بالشكل فقط، أما المضمون فواحدٌ، لوحدةِ باعثية الإرهاب من طهران، ولقد قاوم السوريون هذا الإرهاب طويلاً غير أنهم لم يتلقوا سوى الحديد والنار من قبل النظام و»داعش» وميليشيات إيران، وجاء التحالف الدولي ليقوم بواجبه في القضاء على الإرهاب، إلّا أنه نسي أصل الإرهاب وجذره مستفرداً بنموذجه الجماعاتي فقط. وعلى الجانبين، أيضاً، وقف السوريون مستغربين حال ديموقراطية العالم الحر التي تركت الساعين إلى الديموقراطية بين كماشة الاستبداد والاحتلال وكماشة الإرهاب الجماعاتي!

يبلغ عدد السكان المدنيين في المناطق التي يصعب الوصول إليها قرابة ال ٥ ملايين شخص، ويبلغ عدد السكان المقيمين في مناطق محاصرة قرابة ال ٢٥٠ ألف شخص، هؤلاء يعيشون ظروفاً صعبة وانتهاكات لأبسط الحقوق منذ عام ٢٠١٢ وليس منذ نشوء تنظيم «داعش» الإرهابي. إن ١٦٧ جندياً من جنود الأسد تُركوا ليلقوا حتفهم على أيدي التنظيم الإرهابي وكأن شيئاً لم يكن!

الأمر الثالث الواجب التذكير به، هو أن الأسد لم يكن قط حامياً للأقليات بقدر ما كان زارعاً لبراثن الفرقة بين مكونات الشعب السوري، والتاريخ يشهد على أن التعايش السلمي بين المكونات السورية كان على درجة عالية من الانسجام إلى أن جاء الأسد وجعل من نظام الحزب الواحد نظاماً طائفياً أيضاً بأن هاجم الأكثرية بسلاح الأقلية وهاجم الأقلية باسم الأكثرية وقضى بذلك على أي تعايش مجتمعي حقيقي وألغى أي شكل من أشكال المواطنة المتساوية، وهذا أمر بدهي، فلا مواطنة متساوية تحت جنح الاستبداد.

الأمر الرابع، ينطوي على كثير من الاستغراب وقليل من السخرية، إذ ينظر المرء إلى الفارق الشاسع في أسلوب التعامل الغربي مع التيارات الدينية المتطرفة في المشرق، ففي الوقت الذي تعطى فيه ميليشيا «حزب الله» الأصولية المتطرفة ومعها بقايا مرتزقة حرس إيران الثوري والميليشيات الشيعية كامل الحرية في الاعتداء على حرية الشعبين السوري والعراقي؛ توضع كل الإمكانات اللازمة لاستهداف التنظيمات المتطرفة على الضفة المقابلة من جبهة الحرب السورية؟ أليس من حق الشعب السوري ألّا يخيّر بين إرهاب فارسي شيعي يساند الاستبداد المحلي ويحارب باسم «القضاء على التكفير» في مواجهة العرب السنة، وبين إرهاب عربي سني أول ما يحارب العرب السنة؟ أليست الأزمة في فكر التنظيم الذي تحمله الميليشيات المساندة لإيران أكثر مما تحمله بعض الفصائل التي تبدو ظاهرياً في الصف المعادي للأسد؟

الأمر الخامس، يحمل بعض اللوم وكثيراً من العدل، فاليوم لا شك بأن تنظيم «داعش» غير عربي، إنه تنظيم عالمي ينضم إليه عشرات الآلاف من المواطنين الأجانب القادمين من غالبية بلدان العالم، وهؤلاء هم الدعامة الأقوى لهذا التنظيم، حتى أنهم حملوا إليه الكثير من الخبرة في مجالات الإعلام الإلكتروني والإخراج السينمائي وعلوم الحاسبات. ولا بدّ أنهم يلعبون أدواراً مهمة أخرى، ولكن المهم أن اللوم يقع على الدول الفارهة التي لم تتمكن من احتواء مواطنيها من جهة، ولم تتعامل بجدية مع تحذيرات المعارضة السورية من أن النظام يمهد لتمكين تنظيم متطرف ك «داعش» في المنطقة ليحاول استعادة جزء من الشرعية الخارجية من جهة أخرى.

لقد خسر السوريين الكثير (210 آلاف شهيد على أقل تقدير) في سبيل الخلاص من الاستبداد المحلي، ومروا بظروف عصيبٌ على التكرار ذكرُها، ولكنّهم تفاجأوا بأنهم باتوا أمام صراعٍ كبير مع منظومة إرهاب دولتي وجماعاتي يحتل فيها عدوّهم الأول بشار الأسد موقع الرأس من الجسد، هناك وجد الشباب المتحمس أرضه وثقافته تسرقان منه باسم الدين ووسط حشد من الشعارات الموروثة المسلوخة عن زمان ومكان غير زماننا ومكاننا.

يُحكى أن الأسد الأب رفض عرضاً تلقاه من «الخميني» بإرسال ١٠٠ ألف مقاتل من الحرس الثوري لدخول لبنان أثناء وصول الجيش الإسرائيلي إلى بيروت في ثمانينيات القرن الماضي ليثبت محدودية علاقة نظامه مع إيران، غير أنه قبل بدخول البعض للمشاركة في الحرب التي قتل فيها الأسد عشرات الآلاف من اللبنانيين والفلسطينيين. ويا للمفارقة فقد سلّم الأسد الإبن الأراضي التي تسيطر عليها قواته للاحتلال الإيراني.

إننا اليوم مع السعودية وقطر وتركيا وكل دول العالم المساندة للشعب والمحاربة لنظام الأسد والمشروع الإيراني في المنطقة. وكم يسر المرء حدوث توافق على المستوى الإقليمي بين الجيران مصحوباً بظهير دولي متعاطف مع الثورة السورية، لما في ذلك من انتقال إلى طورٍ جديد من التعامل مع إرهاب الأسد وإرهاب تنظيم «داعش» لإنهائهما معاً وإعادة بناء البلاد وتأهيل مؤسسات الدولة وإقامة الحكم الرشيد.

عامل الزمن أثبت لدى السوريين أن ثورتهم ليست مجرد ثورة على مستبد بقدر ما هي ثورة على منظومة إستبداد وإرهاب، فليست السنوات الأربع الفائتة أقل ألماً من أربعين سنةً قبلها تلك التي حكم فيها حافظ الأسد أرض سوريا رغماً عن الوطن وشعب الوطن. فماذا صنع عامل الزمن لدى الدول المتعاطفة مع الشعب السوري؟ هل باتت القناعة أكثر رسوخاً بأن على الأسد الرحيل بالحل السياسي فقط؟ أم أن تحوّلاً ما قد يصيب المشهد برمته مع إرهاصات محادثات النووي الإيراني؟ رغم أهمية هذا السؤال، إلّا أن الحقيقة الأهم تتجسد في أن استمرار الثورة بكل الوسائل والأدوات والسبل المشروعة حتى تحقيق هدف الشعب في إسقاط نظام الأسد ومحاكمة بشار أمر لا مفرّ منه.

*عضو الائتلاف الوطني السوري

=====================

لامبالاة أوباما بإجرام الأسد

رندة تقي الدين

الحياة

الاربعاء 18-3-2015

 عندما بدأت عمليات «داعش» الإرهابية في سورية تشتد في حزيران (يونيو) الماضي، قال الرئيس الأميركي باراك أوباما إنه لم يضع بعد استراتيجية لسياسته في سورية. ويوم الأحد الماضي رأى وزير خارجيته جون كيري أنه في النهاية «سنجبر على التفاوض» مع بشار الأسد، فيما أسرعت الخارجية الأميركية في اليوم الثاني للقول إن موقف كيري لا يمثل تغييراً في السياسة الأميركية، وإن الولايات المتحدة لن تتفاوض مع بشار الأسد. غريبة هذه المواقف المبهمة من إدارة أوباما التي كانت راغبة في بداية الحرب السورية في التوجه مع الحليف الفرنسي لضرب عصب نظام الأسد ومنعه من الاستمرار في تصفية أبناء شعبه بالكلورين الكيمياوي، ثم تراجعت فجأة بتغيير رأي رئيس أثبت أنه أسوأ من سلفه بالنسبة إلى سياسة الشرق الأوسط.

إن حلفاء أوباما، وفرنسا في طليعتهم، يعانون الكثير من هذا الوضع الأميركي الذي ليست له استراتيجية تجاه ما يجري في سورية من عنف وقصف يرتكبه النظام منذ بداية الحرب. والهاجس الأميركي هو محاربة «داعش» في العراق وسورية، حتى إذا كانت هذه الحرب تعني أن القوات الأميركية وحلفاءها ستكون إلى جانب قوات قاسم سليماني قائد القوات الإيرانية، فحتى آية الله السيستاني ينبذ تبعية شيعة العراق إلى إيران. لكن استعادة تكريت من القوات العراقية بمساعدة أساسية من سليماني وفيلقه المتحرك بين العراق وسورية، تعني أن إدارة أوباما لا تمانع في تسليم المنطقة إلى إيران. حتى أن مسؤولاً عربياً كبيراً تخوف منذ الصيف الماضي من أن اوباما يريد من هذه الحرب ضد «داعش» تسليم المنطقة إلى إيران. أوباما غير مهتم بما يفعله النظام في سورية من جرائم وقتل وقصف بالبراميل، فهذا النظام ليس مشكلته، وهو يحتقر المعارضة المعتدلة كما نقل عنه، فهو غير معني بجرائم نظام الأسد ولا بسورية عموماً. هو معني بالحرب ضد «داعش» ويريد إدخال فرنسا إلى جانبه في سورية ضد هذا التنظيم، ولكن الرئيس فرانسوا هولاند مستاء من سياسة أوباما وتفاوضه الثنائي مع إيران من دون وضع فرنسا في صورة دقيقة لما يحصل، فموقف هولاند من الوضع في سورية جيد، وهو يحاول قدر الإمكان التحدث مع الروس لإقناعهم بالتخلي عن الأسد. أما أوباما، فبقاء الأسد لا يزعجه، لأن المسالة ليست من أولوياته، فقاسم سليماني ومعلموه في طهران ليسوا أقل إجراماً من الأسد، وهم يحاربون مع الأسد على الأرض السورية شعباً يقتله ويهجره الأسد، ورغم ذلك فأولوية أوباما أن يسجل التاريخ أنه الرئيس الأميركي الذي أعاد العلاقة مع إيران وقد يكون أكثر من ذلك، فهو الرئيس الأميركي الذي سلم منطقة الشرق الأوسط لإيران، من العراق إلى سورية ولبنان، وربما اليمن.

صحيح أن الولايات المتحدة هي القوة العظمى التي بإمكانها الكثير وإنما هي دائما تخيب أمل أصدقائها، لأن سياساتها في منطقة الشرق الأوسط كثيراً ما تكون حمقاء، فهي تدفع أصدقاءها إلى الابتعاد عنها وعدم الثقة بما تقوله لهم. وأحيانا تكون الاستقلالية عنها مفيدة لبعض حلفائها، ففرنسا رفضت ضغوط الولايات المتحدة لخوض معركة في سورية ضد «داعش» تكون لحساب النظام، لأن سياستها واضحة، فلم نسمع يوماً وزير الخارجية لوران فابيوس يقول علينا أن نفاوض بشار الأسد مثل نظيره الأميركي، فالموقف الفرنسي ثابت حتى لو أن أربعة نواب فرنسيين ذهبوا للقاء الأسد بمبادرة خاصة لا علاقة لها بسياسة بلدهم. إن غياب أي استراتيجية أميركية إزاء النظام في سورية يعني أن عذاب الشعب السوري تحت حكم الأسد لا يعني أوباما، فانشغالاته ليست في هجرة ملايين السوريين ومقتل أكثر من ٢٠٠ ألف سوري. الآن الأهم عودة العلاقة مع إيران، فهذا هو هاجس أوباما وبعض الأوساط الأميركية الشديدة التعلق بالتراث الإيراني، ناسية أن نظام خامنئي هو الذي بدأ تصدير الثورة الإسلامية.

============================

استقرار سوريا يبدأ برحيل الأسد .. د. خالد خوجة

القدس العربي

الاربعاء 18-3-2015

تدخل الثورة السورية عامها الخامس، وما زال النظام مصراً كما كان منذ اليوم الأول للثورة، على اتباع سياسة الأرض المحروقة، التي جسدها شعار أنصاره وشبيحته: «الأسد أو نحرق البلد». ولقد أحرق نظام أسد سورية فعلاً، ربع مليون سوري، وملايين المهجرين والنازحين، وسبب دمارا لا مثيل له منذ الحرب العالمية الثانية، وانهيارا اقتصاديا، وجوعا وتعذيبا حتى الموت، واستخداما لأسلحة الإبادة من براميل المتفجرات العمياء والسلاح الكيماوي والكلور القاتل. وإننا على يقين من أن هذا النظام كان ولا زال مستعداً لاستخدام أخطر أسلحة الدمار الشامل، بما فيها السلاح النووي، حال حصوله عليها.

ورفض النظام ولا زال يرفض جميع الفرص والمبادرات الساعية لوقف نزيف الدم في سورية، حتى المبادرات محدودة الأهداف التي تأمل بإدخال المساعدات الإنسانية للمدنيين المحاصرين. وهكذا رفض النظام جميع المبادرات التي تسعى إلى وقف القتل بدءاً بمبادرة د. أحمد داوود أوغلو، إلى مبادرة الجامعة العربية، وخطة كوفي عنان، وجهود الأخضر الإبراهيمي وحتى مبادرة ستيفان ديمستورا المحدودة للغاية.

ورغم استمراره في اتباع سياسة الأرض المحروقة ورفضه كل المبادرات الدولية، فإن النظام أفلت من العقاب، ولم يدفع ثمن جرائمه الخطيرة، وهو ما فهمه على أنه ضوء أخضر دولي لمواصلة القتل والالتفاف على قرارات مجلس الأمن الدولي، التي أصبحت كلها حروفاً ميتة وبلا معنى. رغم ذلك هناك من يقول إن هذا النظام هو أهون الشرين، مقارنة بتنظيم «داعش» الإرهابي، والحقيقة أن هذا القول يشبه تفضيل الأفعى على أحد أبنائها. «داعش» هو أحد منتجات النظام السوري وراعيه الإيراني، مجرد منتج واحد يمكن تفريخ غيره في أي وقت، فنظام دمشق أوجد منذ 40 سنة عشرات التنظيمات الإرهابية بشتى الألوان الحمراء والخضراء والسوداء… وهو قادر على تفريخ المزيد بعد القضاء على «داعش»، إن ترك في مكانه. إن القضاء على تنظيم «داعش» مع ترك النظام السوري يعني عدم حل أي مشكلة في سورية والمنطقة، إذ أن حال البلاد عام 2013 قبل بروز «داعش» لم يكن يختلف عما هو عليه الآن، ولنتذكر أن أول من هدد الغرب بإرسال الانتحاريين هو مفتي النظام الحالي نفسه قبل أن يوجد «داعش». 

بغض النظر عن مواقف الآخرين، لن يتراجع الشعب السوري عن مطلب الحرية، وهو يسعى لتحقيق هدفه بكل السبل، حتى لو كان مطلوباً منه دفع ثمن غال لهذه الحرية، أغلى مما دفعه أي شعب آخر تمتع بالحرية في قارات العالم الست. لقد بدأ السوريون ثورتهم سلمياً ثم اضطروا لحمل السلاح للدفاع عن أرواحهم وأعراضهم، وهم الآن يخوضون حرب تحرير ضد غزو أجنبي هو الغزو الإيراني، وهم يبلون بلاء حسنا، بدون أدنى شك في محاربة إرهاب «داعش» والنظام والاحتلال الإيراني على ثلاث جبهات. فبخلاف ما يدعيه بشار الأسد، الذي أكد كل من قابله بأنه منفصل عن الواقع، خسر النظام السيطرة على 72٪ من الأراضي السورية، وتراجع عدد أفراد جيشه من 300 ألف جندي إلى أقل من 100 ألف، وذلك بسبب ظاهرتي الانشقاق للالتحاق بالجيش السوري الحر (التي شملت 3000 ضابط و 20 ألف رجل أمن)، والفرار من الجيش ورفض الالتحاق به، إضافة إلى مقتل عشرات الألوف ممن قرروا الدفاع عن طاغية أحمق حتى الموت. وبات مألوفاً في البيئة المؤيدة للنظام إطلاق انتقادات حادة وشتائم بحق رأس النظام الذي ينظر إليه على أنه شؤم لا يقدم لأنصاره إلا الجنازات والأكفان لخيرة شبابهم. ولم يعد النظام يسيطر إلا على 28٪ من الأراضي السورية، سيطرة عسكرية لا تعني بأي شكل الولاء له أو الموافقة على بقائه، فمن ضمن هذه النسبة التي تصغر كل يوم، تقع، على سبيل المثال لا الحصر، محافظتا حمص وحماة أهم قلاع الثورة في سورية، وتقدر مصادر محايدة حجم تأييد النظام بين أبناء الشعب السوري ب 10٪ فقط. وهذه السيطرة المحدودة في المساحة، الخالية من أي معنى من معاني الحكم والشرعية، إنما تتم بمساعدة لا يمكن الاستغناء عنها من كتائب أصولية طائفية دموية متطرفة قادمة من لبنان والعراق وأفغانستان، تقودها وتقود النظام قيادات إيرانية تصدر الأوامر، وتصول وتجول من حلب إلى درعا. بعد أن فقد الأرض والانسان بات رأس النظام السوري مجرد زعيم ميليشيا تعيش على القتل والسلب والنهب، ميليشيا دمرت مؤسسات الدولة، ثم بدأت تأكل أبناءها وتتخلى عنهم لصالح هيمنة السيد الإيراني الجديد. لقد شهدت سورية في الأسابيع الماضية مؤشرات خطيرة على هذا التحول الكبير، فقد تم إعدام ضباط موالين للنظام لأنهم رفضوا تنفيذ أوامر قادة القوات الإيرانية المنتشرة جنوب سورية، وتمت إهانة وإيذاء ضابط أمن سوري كبير (المسؤول الأمني السابق عن القوات السورية في لبنان رستم غزالة) لسبب مشابه.

لقد فقد النظام الأسدي أي شكل من أشكال الشرعية منذ عام الثورة الأول، حيث قطع علاقته بالشعب واعتبره مصدر تهديد، ورغم أن خسائر وانسحابات النظام لا تتحول دائماً إلى مكاسب وانتصارات للشعب السوري ومشروعه التحرري، بسبب وجود تنظيم «داعش» الإرهابي، صنيعة النظام الأسدي وحلفائه، فإن التنظيم أثبت هشاشة وعجزاً عن التمتع بأي قاعدة شعبية صلبة، وهكذا فإن التنظيم يسيطر على مناطق في سورية بصورة متقلبة وزئبقية، ولا يحكم أياً منها حكماً مستقراً ذا أسس ثابتة.

يواجه الشعب السوري نظاماً مجرماً استخدم ولا زال يستخدم أسلحة الدمار الشامل المحرمة دولياً، ويقف خلف هذا النظام وتقوده قوة اقليمية تسعى لبناء امبراطورية تهيمن على المنطقة. كما يواجه شعبنا تنظيماً إرهابياً تمتد نشاطاته ومخاطره إلى شتى دول العالم، وهذه أسباب ثلاثة لتحويل سورية إلى بؤرة عدم استقرار إقليمي ودولي، الأمر الذي يستدعي قيام دول المنطقة والأمم المتحدة والدول الكبرى بواجبها لمحاصرة هذه البؤرة، وهذا لا يكون إلا بدعم الشعب السوري، القادر وحده على هزيمة مشروع «داعش»، والمشروع الإيراني التوسعي. إن التعامل مع الوضع الخطير في سورية يحتاج إلى ما هو أكثر بكثير من مجرد القصف الجوي لمواقع «داعش»، وعقد مؤتمرات الأصدقاء التي لا تسفر عن نتائج عملية. وبدون التعامل المسؤول والجدي تتحول سورية إلى قاعدة صلبة ومتقدمة لأخطر أنواع الإرهاب وبؤرة عدم استقرار تهدد المنطقة والعالم.

وإذا كانت تقع على عاتق الأشقاء والأصدقاء والمجتمع الدولي واجبات يجب عليهم القيام بها، فإنه تقع على عاتق الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية وباقي أطياف المعارضة واجبات أكبر. إننا نعمل مع قوى الثورة والمعارضة بكل ألوانها، على أن نوحد موقفنا تجاه سيناريوهات التغيير التي نعمل عليها، ونساعد في دعم الجيش السوري الحر ومأسسة عمله وتسليحه في ظل هيئة أركان تمثل مظلة مشتركة، وتحويله إلى جيش وطني يستطيع ضمان الأمن والاستقرار في المناطق الشاسعة التي خرجت من سلطة النظام، وقادر على أن يسد أي فراغ أمني يتركه سقوط النظام الأسدي المتهالك، جيش يضم كل أبناء سوريا بكل مكوناتها. ومن دواعي الأمل أن فصائل مهمة نحت سابقاً نحو التأدلج، لظروف شتى، تبدي استعدادها للانضواء في الخط الوطني، والعمل تحت مظلة الأركان. وتزداد القناعة لدى قوى الثورة والمعارضة، بالحاجة إلى ترك سياسات الإصطفاف، لصالح التوافق والتكامل. وتزداد القناعة بقدرة الثورة على الانتصار لأنها أبدت قدرة هائلة على التأقلم مع التحديات المتغيرة، والقدرة على مزاوجة العمل السياسي مع الثوري والعسكري. إننا ونحن نقاتل النظام المجرم، وندفع ثمن ذلك باهظاً، نمتلك القدرة والشجاعة للدخول في أي عملية سياسية تحقق لشعبنا هدفه في الحرية والكرامة، ونعمل على جمع جميع مكونات مجتمعنا تحت مظلة وطنية جامعة، الآن، وفي سورية المستقبل، سورية ما بعد النظام الاستبدادي. وسيشارك جميع السوريين في المرحلة الانتقالية التي ستعمل على الحفاظ على مؤسسات الدولة السورية وفي مقدمتها الجيش والأمن، وتجسد مشروع السلم الأهلي، وتنفذ مشروع العدالة الانتقالية، وتبدأ إعادة إعمار سورية.

لا يشك عاقل بأن الإرهاب في سورية، سببه ومصدره نظام بشار الأسد، وأن القتل على نطاق واسع، والتهجير الجماعي، ودمار مؤسسات الدولة، والتفريط بالسيادة الوطنية، سببه ومصدره أيضاً نظام بشار الأسد، ولن تعرف سورية الأمن والاستقرار والحرية والسيادة… إلا برحيل بشار وعصابة التسلط والقتل المحيطة به.

٭ رئيس الائتلاف الوطني السوري

============================

العام الخامس والتحولات المطلوبة .. جورج صبرا

الشرق الاوسط

الثلاثاء 17-3-2015

بعد أربع سنوات من عمر الثورة، أربع سنوات من الحرب المفتوحة التي أعلنها النظام على الشعب، يبدو النظام السوري - بوضوح كامل - أنه ليس ابن حياة. لم يسعفه الدعم الروسي المتعدد الأشكال، ولم تتمكن البروباغندا الزائفة والإمكانيات الكبيرة التي وضعتها إيران في خدمته من تلميع صورته وإعادة تأهيله؛ لأن الجرائم التي ارتكبها كمّا ونوعا، وحجم التدمير الذي ألحقه بالبلاد، غير مسبوق في تاريخ المنطقة، ولا مثيل له في سجل الطغاة والحكام القتلة. وقد بدأ بالفعل تأفف السياسة الروسية وتململها من المطب السياسي والأخلاقي والإنساني التي أوقعتها فيه حماقة النظام المستمرة؛ فليس لأحد أن يتمسك طويلا بنظام ذاهب إلى نهايته.

وفي الوقت نفسه يلحظ المتابعون لمجريات الثورة السورية - بوضوح أكبر - أنها غير قابلة للنكوص والارتداد، رغم الصعوبات الكبيرة التي تواجهها، والآلام المبرحة التي تتحملها. فليس للسوريين ما يخسرونه، ولم يعد لديهم ما يحرصون عليه غير حريتهم وكرامتهم وإرادتهم الموعودة. وقد برهنوا عن ذلك ببلاغة الشجاعة والاستشهاد التي بهرت العالم وأخجلته.

وتوازن الضعف الذي أدير بعناية، وحكم العلاقة بين الثورة والنظام خلال الفترة الماضية، غير مرشح للاستمرار. فتصميم الشعب واستعداده للتضحية من جهة، والتهتك المستمر للنظام ومؤسساته وأدواته وأجهزته من جهة أخرى، كفيلان بتغيير المعادلة. فلن تقبل الثورة بغير النصر، وليس للنظام إلا الرحيل.

ويبقى للقوى الإقليمية دور مميز لفكفكة الاستعصاءات القائمة، ومعالجة الأوضاع المركبة والمتشابكة في المنطقة، ومواجهة الاستحقاقات بإرادة جديدة وحازمة. فالتطرف والإرهاب وعدم الاستقرار وشهوة التسلط الإيراني الجامحة تهدد الجميع. فلا بد من تحولات مطلوبة، تحولات بالقول والفعل تكبح جنون القتلة، وتضع حدا للأحلام الإمبراطورية، وأحقاد التعصب الطائفي وضغائنه، وتمنع الفئوية العمياء من أن تستمر بمساعي الهيمنة.

فالخروج من الاستقطابات والمحاور التي أنهكت المنطقة، وانعكست سلبا على الثورة السورية، مطلوب بقوة. ومن المهم التمسك بالجوهر دون القشور، والدائم بدل المؤقت، والأكثر أهمية قبل المهم. وهو مطلوب من ثلاثية الدول التي تمتلك قوة الجذب وعناصر القوة، ألا وهي تركيا والسعودية ومصر. وهي قادرة على ذلك. فالتمدد الإيراني المتعدد الأشكال نحو البحرين المتوسط والأحمر، يستهدف، فيما يستهدف، ما تمثله هذه الدول من مرتكزات فعل وتأثير لاستقرار المنطقة بكاملها. ولا شيء يمكن أن يوقف هذا «الغزو» الإيراني الغاشم، والزحف الإرهابي البربري ل«داعش» ومنظمات الإرهاب غير مثلث القوة هذا.

وعلى الصعيد الدولي، لم يعد مقبولا أن تبقى السياسة الأميركية مكبوحة خلف المحيط. فهي عندما تتردد أو تنكبح لا تقوم بذلك وحدها، إنما تؤثر على مجمل السياسات الدولية. تكبح بعضها، وتخذل بعضها، وتدفع البعض الآخر للتمدد والتطاول ومحاولة اقتناص الفرص. فمحاسبة السياسة التي اعتمدها المجتمع الدولي (وعلى رأسها السياسة الأميركية تجاه المنطقة) تبدو صارمة وقاسية، خاصة فيما يتعلق بالملف السوري. فقد قابلت الفرص المتاحة بتجاهل غير مفهوم وعجز مفتعل، ضاربة عرض الحائط بالعلاقات التاريخية بالمنطقة وحساسية التوازن فيها، ومنظومة القيم «الأميركية» التي طالما صدّعت رؤوس الناس بها، كالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. فهل يمكن لهذه السياسة أن تستمر على ضوء المشهد الجديد للشرق العربي والوقائع والأحداث التي تجري فيه؟!

يهيمن النفوذ الإيراني اليوم على أربع عواصم عربية. وتحارب ميليشيا قاسم سليماني (وبقيادته شخصيا على أرض سوريا والعراق) في الساحة الأكثر اشتعالا بين بغداد ودمشق. ويحاول حلفاؤه وإرهابيوه إمساك المضائق والممرات المهمة من قناة السويس إلى رأس مسندم، مرورا بباب المندب وموانئ بلاد الشام. ويحاصر جواد ظريف بملفه النووي منطقة النفط الأكثر أهمية لأوروبا والعالم. بل يحاول أخذها رهينة في مسار مفاوضات لا تثمر ولا تنتهي. ويعمل المتعصبون الإيرانيون وزبانيتهم على إشعال حرب مذهبية بين السنة والشيعة لا تبقي ولا تذر. فهل يبقى وضع كهذا مرشحا للاستمرار؟! وأي نتائج للحرب على الإرهاب التي تقوم بها «الحملة الدولية»، وتنتظم في صفوفها أكثر من ستين دولة؟!

وعلى الصعيد الوطني السوري والمعارضة السورية على وجه التحديد، تبدو التحولات المطلوبة أكبر أهمية وأكثر إلحاحا. فالحاجة ماسة لوقفة متأنية مع الذات، تتسم بالشجاعة والحكمة والمصارحة والنقد، لاستكشاف حصيلة بيدر الثورة، ومحاسبة الذات للذات، فردية كانت أو جماعية، فيما فعلته أو لم تفعله، فيما ارتكبته أو صمتت عنه. فلم يعد الصمت جائزا. وكي يتمكن المرء من مطالبة الآخرين بفعل ما يتوجب عليهم، فعليه أن يفعل ما يتوجب عليه أولا.

يأتي في أول التحولات المطلوبة تحقيق أعلى درجة من التوافق والتنسيق والوحدة بين قوى الثورة وفي إطار مؤسساتها. وحماية القرار السوري المستقل، مع إجراء أعلى درجة من التعاون والتنسيق مع حلفاء الثورة وأصدقائها وداعميها الإقليميين والدوليين. وإقامة صلة حيوية بناءة بين السوريين في الداخل والخارج، ومع الجاليات في المهاجر المختلفة.

إن تنمية الوجه المدني للثورة وإعادة إحيائه وإبرازه إلى واجهة الأحداث تحدٍّ كبير وصعب، لكن لا بديل عنه بعد تعسكر كل شيء في الثورة ومن حولها. ولا بد من استعادة الاحتشاد والمشاركة، وتحفيز روح التمرد والإبداع، وتعزيز منظمات المجتمع المدني والأهلي ونشاطاتها. وتشكل مظاهرات أهل بيت سحم وببيلا في غوطة دمشق في السادس من مارس (آذار) الحالي 2015 بمواجهة التطرف والعسكرة دليلا وهاديا للطريق القويم.

وأخيرا وليس آخرا، مطلوب وبإلحاح استعادة الثورة من المطارح الرمادية التي أخذت إليها، بالتوجه إلى جميع السوريين حيثما كانت مواقعهم، وكائنا ما كانت انتماءاتهم للمشاركة والانخراط في مشروع وطني جامع يواجه استمرار تدمير البلاد والعباد. إن معالجة الشأن السوري بالقطعة وبعيدا عن طموحات السوريين وإرادتهم أمر غير مقبول، ولا يصل إلى نتائج. فليس استقرار سوريا ومستقبلها فقط في الميزان، بل استقرار المنطقة ومستقبلها أيضا.

* رئيس المجلس الوطني السوري المعارض

=====================

هل تعاقب الثورة ويثاب النظام؟! .. ميشيل كيلو

البيان

الاثنين 16-3-2015

بشعور مفعم بالمرارة والامل ، يستقبل السوريون عام ثورتهم الخامس .

اما المرارة فمبعثها موقف العالم منهم ومما تعرضوا له من ظلم يفوق الخيال، وعدوان منظم طاولهم طيلة اربع سنوات عرفوا خلالها أصنافا شتى من الويلات ،وكل ما يمكن للبشر معاناته من إجرام. بالمقابل، يتمسك شعب سوريا بالأمل في وطن حر ، ستؤسسه مقاومتهم ويجلبه إصرارهم على مواصلة درب الحرية ، الذي بادروا إلى طرقه بعد خمسين عاما من الإذلال والتمييز ، وقرروا اجتيازه مهما غلت تضحياتهم وعزت أثمانه ، يدفعهم إلى ذلك الإيمان بأنهم قطعوا الجزء الأكبر منه، وانهم سيبلغون حريتهم ورؤوسهم مفعمة بكرامة الانتصار ، الذي راوغهم كثيرا ، لكنهم سيحرزونه مهما تزايدت الصعوبات وطال الزمن.

ليس الصراع في سوريا من النوع الذي يحتمل انصاف الحلول ، هذا ما تقوله وثيقة جنيف واحد ، التي تقر بحق السوريين في الانتقال إلى نظام الحريات الذي يطالبون به . بما ان هذا الهدف لن يتحقق بخطوة واحدة ، فإن مقاربته العملية ، التي ستترجم الاتفاق عليه، ستأخذ صورة خطى متعاقبة حرية الشعب ووحدته هما الخيط الناظم لها ، الذي سيحول دون وقوع أي تعارض او تناقض بين مراحلها المتعاقبة ، ما دام تعارضها او تناقضها يشوشان او يضيعان هدفها المعرف بدقة في وثيقة جنيف واحد: عنيت نقل سوريا إلى نظام بديل عن نظامها الحالي ، بقيادة هيئة حاكمة انتقالية مختلفة جذريا عن السلطة الأسدية الحاكمة بالقوة والإكراه ، كما تؤكد سنوات العنف الأربع، التي اهلكت الزرع والضرع، ودمرت البلاد والعباد .

يتمسك السوريون بهذا الهدف السامي ، وباتفاقهم مع العالم عليه، رغم موقف النظام المعادي له في جنيف 2 .

وقد توقعوا ان تتم مكافأتهم على موقفهم السلمي ، ورغبتهم في إطفاء بؤرة النار المستعرة عندهم ، قبل ان يتطاير شررها الى بلدان مختلفة من المنطقة أو يهدد بإشعال النار فيها . لكن ما حدث كان العكس ، فقد بدا خلال العام التالي لجنيف أنهم يتعرضون للعقاب ، بينما يثاب النظام ، رغم ما مارسه من تصعيد غير مسبوق للحرب ورفض قاطع للحلول السياسية الدولية والوطنية ، فلا غرابة أن رأت بعض الاطراف في الموقف الدولي إضعافا مقصودا لمواقف الثورة ، وحضا للسوريين على قبول القراءة الشديدة التطرف ،التي قدمتها جهة اصولية لطالما اولغت في دمائهم ،وقتلتهم بالآلاف ،واستكمل نشاطها بصور مباشرة وغير مباشرة فعل آلة القتل الاسدية ضدهم .

هذا الوضع المفارق والمركب، أثار قدرا كبيرا من البلبلة والرفض لدى قطاعات شعبية واسعة داخل وخارج سوريا.

وزاد الأمر تعقيدا ما بدا وكأنه تدن أصاب مكانة قضيتها في سلم الاهتمامات الأميركية خاصة ومؤسسات الشرعية الدولية عامة، وتقدم المسألة العراقية إلى الواجهة بالتنسيق والتعاون مع طهران : الطرف الذي دأب كبار مسؤوليه على تأكيد دوره في انقاذ الأسد ونظامه .

واليوم ، يبدو الوضع السوري امام منعطف يتظاهر عسكريا في هجوم ثلاثي الشعب يشنه النظام في جنوب وشمال بلادنا كما في منطقتها الساحلية ، بينما تضغط أدوار خارجية ،وخاصة منها الدور الروسي ، على وحدة المعارضة سياسيا ، وتستهدف موقفها الموحد نسبيا من وثيقة جنيف واحد ، ويتعرض الائتلاف لضغوط داخلية وخارجية تستهدف إضعافه .

لم يحقق هجوم الجنوب أيا من أهدافه الكبرى. وادى هجوم الشمال الى تقدم قوات الجيش الحر بدل تراجعها . بينما يدور قتال ضار في منطقة الساحل الشديدة الوعورة.

هذا الصمود هو ، في ظل موقف العالم من الحدث السوري، حائط الصد الذي سيرد الاخطار عن شعب سوريا وثورته ، وسيجبر الآخرين على قبول استراتيجيته، القائمة على نيله ما قرره جنيف له من حل عادل يعيد اليه حريته، أو منع أي حل بقوته وتصميمه على الاستمرار، وتعطيل قدرة أي طرف على تمرير ما لا يتفق مع مصالح السوريين او يحقق مطالبهم ، وعلى رأسها رحيل الأسد وتغيير نظامه .

=====================

عن التسوية السورية وعن ما بعدها .. حسين العودات

السفير

الاثنين 16-3-2015

يبدو ظاهرياً أن الوصول إلى تسوية في سوريا أمر بعيد المنال وصعب التحقيق، ذلك أن السلطة السياسية القائمة ترفض أي تسوية تتضمن تعديلاً أو تطويرا في النظام السياسي، أو تغيير أي شيء فيه سواء في هيكلية النظام أم في صلاحيات مؤسساته وأساليب عمله أم في ممارساته، ولا تقبل أي تسوية إلا إذا قامت المعارضة المسلّحة بتسليم أسلحتها، والاستسلام للجيش وحلفائه من الميليشيات، والعهدة لها القيام بالإصلاحات التي تراها، في مقابل تعيين عدد من المعارضين وزراء، وهذا كل شيء. أما المعارضة، فإنها لا تقبل أي تسوية من دون أن تكون على قاعدة تغيير النظام السياسي القائم تغييراً شاملاً، وإقامة نظام ديموقراطي تعددي تداولي، والعهدة بإدارة البلاد لسلطة حكم انتقالية، لها جميع الصلاحيات التشريعية والتنفيذية بما في ذلك صلاحيات رئيس الجمهورية. والملاحظ أن الفرق شاسع بين المشروعين والفجوة عميقة ونقاط التلاقي نادرة، واستطراداً فإن التسوية تبدو مستحيلة. لكن مع ذلك، فإن عديداً من المراقبين أو المحللين أو الدبلوماسيين من الدول الكبرى، يعتقدون أن التسوية قادمة خلال أشهر، وفي أبعد الإحتمالات فإنها ستوقّع هذا العام، لأن اللعبة أصبحت خارج الحدود ولا يحكمها طرفان سوريان متصارعان، مهما كان رأي كل منهما، فلا أهمية جدية وواقعية لموقفهما بإقرار التسوية، فهذه أصبحت بيد الدول الإقليمية والدولية، وسوف يكلف الطرفان السوريان بتوقيعها وتنفيذها بعد التوافق عليها دولياً، ولن يستطيع أي منهما الرفض لأن استمرار وجود كل منهما يرتبط بواحدة أو أكثر من هذه الدول «الصديقة»، وهكذا أصبح الوصول إلى حل للأزمة السورية يقع خارج الحدود، وما على الداخل إلا القبول. فكل طرف من هذا الداخل له حليفه الذي لا يستطيع أن يقول له لا، وما القول بغير ذلك سوى مزاعم لا مصداقية لها.

إنه من الصعب الوصول إلى تسوية للمحنة السورية وإيقاف نهر الدم الذي يجري والتدمير والمجازر، لكن ما بعد التسوية قد لا يقل صعوبة عنها، خصوصاً التئام الشروخ الداخلية بين تيارات الشعب الواحد التي حصلت خلال سنوات الصراع الأربع، وعودة اللاجئين السوريين من البلدان المجاورة وبلدان العالم الأخرى، وحل مشكلة المشردين والنازحين في الداخل، وإعادة هيكلة الدولة والحكومة والمؤسسات التابعة لهما، وبدء الإعمار الذي قد يحتاج لعشرات السنين ومئات مليارات الدولارات مما تعجز عنه سوريا، وربما تعجز عن دفعه الدول الإقليمية والمؤسسات المالية والاستثمارية الدولية .

إن الدولة السورية الآن مفككة، وحكومتها لا سلطة لها، والغموض يحيط بصلاحيات مؤسسات الدولة المقبلة، سواء ما يتعلق منها بصلاحيات السلطات الرئيسية أم بمهمات المؤسسات والإدارات. فقد كانت أجهزة الأمن مهيمنة على الدولة والحكومة والمؤسسات هيمنة كيفية وغير منهجية، وهذا يحتاج بالتأكيد إلى إعادة هيكلة السلطة والدولة والحكومة والمؤسسات، وتحديد الصلاحيات من جديد، ومن المهم أن يتأقلم الشعب السوري مع هذه الهيكلة، وتدخل في ثقافته وتقاليده، فهو يعيش منذ أكثر من نصف قرن في إطار مفاهيم للدولة لا تخلو من الأوامر الأمنية الكيفية والاعتباط والعشوائية وعدم الاستقرار، وينبغي لهذه الهيكلة والصلاحيات وما يتبعها أن تتم بأسرع وقت بعد التسوية مباشرة.

من المهمات الكبرى لما بعد التسوية، معالجة التصدع الاجتماعي والثقافي وردم الهوة التي حدثت بين تيارات الشعب السوري الثقافية والطائفية والإقليمية وغيرها. وهذا لن يتم إلا بالعودة إلى تكريس مفهوم المواطنة كمرجعية رئيسة، والأهم هو اقتناع الشعب بذلك وتكريس هذا المفهوم وثقافته، وتماهي سلوكه معه، وتهميش المرجعيات الثانوية مهما كانت. ولا شك أن هذا يحتاج لوقت غير قصير، ومن المفروض أن تبدأ فور إقرار التسوية إعادة تربية وتشكيل وعي جديد. وعلى التوازي، لا مناص من إعادة بناء المدن والبلدات والأحياء والمساكن والبنية التحتية للبلاد بأشمل جوانبها، وتأمين خدمات أخرى عديدة كالماء والكهرباء وغيرهما.

من البديهي أن يحاول الشعب السوري ودولته القادمة إعادة مسيرة الاقتصاد الوطني، وذلك بدءاً باستعادة الأموال السورية التي هُرِّبت خارج البلاد خلال الأزمة وقبلها (بلغ مقدار الأموال السورية خارج البلاد قبل الانتفاضة 130 مليار دولار) وإعادة بناء المعامل والمنشآت الصناعية، ومنظومة استخراج النفط، وإنعاش الزراعة من جديد وتنظيمها، وتنشيط السياحة ووضع أسس جديدة للترانزيت وآلية جديدة للنقل والتوزيع وتنظيم الاستيراد والتصدير (هذا إذا ألغى الغربيون العقوبات الاقتصادية بعد التسوية بوقت قصير)، مع افتراض أن هذه النشاطات والإجراءات وإعادة بناء الاقتصاد الوطني ومنابع الدخل سوف تؤدي إلى تراجع البطالة في البلاد، وتنشيط الاقتصاد، وتحسين قيمة الليرة وتقويتها، مع الأخذ بالاعتبار أن إعادة بناء الاقتصاد الوطني تقتضي الاتفاق على الإستراتيجية الاقتصادية للبلاد والسياسة الاقتصادية لها، وهل هي رأسمالية أم رأسمالية دولة أم حسب مقتضيات الاقتصاد الحر، فضلاً عن الموقف من القطاعين العام والخاص، ومن الاستثمارات الأجنبية التي ينبغي إغراؤها لتستثمر في سوريا وغير ذلك.

إن إعادة إعمار سوريا تستدعي اتفاقاً واضحاً ومفصلاً على هيكلية الدولة المقبلة وصلاحيات حكومتها ومجالسها وسلطاتها ومؤسساتها، بما لا يترك مجالاً لتفسيرات لاحقة أو غموض، تجنباً للخلافات عند التطبيق. كما تقتضي المرحلة المقبلة أن يصل الشعب السوري بكل فئاته إلى اعتبار مرحلة الإعمار قضية وطنية شاملة، لا تتعلق بالحكومة وحدها أو بمؤسسات الدولة، وإنما هي مهمة المجتمع كله والشعب بكامله، وأن يشعر الجميع أفراداً وفئات وتيارات سياسية بالمسؤولية الكاملة تجاه تحقيق هذا الهدف، وأن يتم في الوقت نفسه إيجاد الشروط الموضوعية والظروف المناسبة، لإبعاد الاستغلال والفساد ومحاولات الربح غير المشروع، والعمل الجدي لتحقيق تكافؤ الفرص بين الجميع، وفرض المساواة والمشاركة لجميع المواطنين. فهل هناك من يقدر على حمل هذه المهمات والتصدي لها، أم أتها مهمات مستحيلة التحقيق وعندها فلنقرأ على سوريا السلام؟

من المفروض أن إعادة بناء سوريا لا تتوقف على بناء المساكن والبنية التحتية والاقتصاد الوطني بمختلف جوانبه، وتقليص البطالة وتراجع نسبة الفقر فقط. إنما تتطلب أيضاً إعادة بناء الدولة وإقامة نظام سياسي جديد، يعتمد على المساواة والتعددية والديموقراطية وضمان الحرية وفصل السلطات، أي إقامة سوريا جديدة في مختلف جوانب الحياة، ما يجنب الشعب السوري استمرار الأحقاد وعمليات الثأر المتوقعة، فضلاً عن الفساد القائم، وأساليب التسلط والقمع، ويساعد على نهوض سوريا من تحت الأنقاض.

هكذا، فإن مهمات ما بعد التسوية في سوريا، ربما كانت صعبة أيضاً كالوصول إلى تسوية، ومثلما تقتضي هذه اتفاقاً إقليمياً ودولياً، فإن إعادة الإعمار تحتاج بدورها لمثل هذا الاتفاق، فمن دون مساعدة بل مشاركة من الدول الإقليمية وغير الإقليمية في تقديم المساعدات وتشجيع الاستثمارات لإعادة بناء سوريا، لن تقوم للبلاد قائمة. وما أظن أن أصدقاء سوريا على درجة كافية من القناعة والحماس للقيام بهذه المهمات. إذا صح مثل هذا التصور عن إعادة إعمار سوريا، فذلك أمر مليء بالصعوبات، ويحتاج لجهد كبير وصبر وشعور عال بالمسؤولية داخليا ًوإقليمياً ودولياً. ولعله من الحكمة أن نتوقع أن نتائج الأزمة السوريا، وإعادة إعمار البلاد، ربما كانت تحتاج لسنوات طويلة واستثمارات كبيرة. فالمسألة إذاً ليست فقط بالوصول إلى تسوية، بل من المهم أيضا الأخذ بالاعتبار ما بعد التسوية وصعوبة إعادة الإعمار معنويا ًوماليا ًومادياً.

=====================

السوريون ما زالوا قادرين .. غازي دحمان

العربي الجديد

الاحد 15-3-2015

على عتبة العام الخامس من الثورة، يبدو المشهد السوري للناظر الخارجي، وقد تحوّل إلى قطع متناثرة، أو ربما جزر مقطوعة الجسور ونقاط التواصل، الرابط الوحيد هو الحالة الكارثية التي يعيشها كل قطاع بصمت وعلى انفراد، فمن جزيرة المحاصرين إلى جزيرة النازحين فالمعتقلين والمغيبين، وحتى أولئك الذين يعيشون في جزيرة النظام، وينهكهم الجوع وعدم الأمان.

لا يختلف الواقع الميداني عن الحال المدني، فبينما تتقطّع جسور التواصل والتنسيق بين جبهات معارضي النظام، وتخوض كل جبهة معركتها الخاصة بها، وكأنّها المعركة الوحيدة في مسرح الصراع، يقابل النظام هذا الوضع بجبهات واستراتيجيات ومقاتلين مختلفين، فمن سياسات الهدن إلى سياسات التطويق والحصار، وصولاً إلى استراتيجيات الأرض المحروقة، أما أدواته فتتنوّع بين مقاتلين من بقايا جيش نظامي إلى مليشيات بأسماء متعدّدة، فضلاً عن جبهات يقودها الحرس الثوري الإيراني، وأخرى يتولى زمامها عناصر لحزب الله اللبناني، وثالثة مسؤول عنها مليشيات عراقية وأفغانية.

"يبقى الرهان، كما كان في البداية، منعقداً على قدرة الشعب السوري"

تبعاً لذلك، أيضاً، ذهب النظام، وفي محاولته الخلاص من كل أثر للثورة، إلى عمل تصنيف يتناسب وأهدافه في طمس الثورة، ففي الشرق يحارب تنظيم داعش الإرهابي، وفي الشمال تنظيم النصرة والعملاء المرتبطين بتركيا. وفي الجنوب، يخوض حرباً ضد عملاء إسرائيل الذين يخططون لإنشاء شريط عازل، فأين الثورة والثوار في هذه الخريطة؟

إزاء هذا المشهد المعقّد، هل يمكن رؤية بصيص أمل للثورة في عامها الخامس، بل كيف يمكن استشراف مآلاتها في المرحلة المقبلة مع كل التعقيدات التي ينطوي عليها هذا المشهد، والذي بات متشابكاً بطريقة تصعّب من القدرة على قراءة عناصره وتقييمها؟

من نافلة القول إن البعد الجيوسياسي تحوّل إلى عامل أساسي في الصراع بين الثورة والنظام، ما أدى إلى تشبيك مصالح عديدة في الإقليم وخارجه، وتحالف أطرافها ضد الثورة، ولعل ما رفع من سقف إغراء انخراط هذه الأطراف في الأزمة السورية تصوراتها بقدرتها على تحقيق مخارج لأزماتها الدولية التي تصادف ولادة الثورة مع وصول تلك الأزمات إلى ذروتها، فضلاً عن هوامش الحركة الواسعة أمامها التي أتاحها نظام الأسد، والتي وصلت إلى درجة إدارة تلك القوى مسارح المعارك، وإعطائها ساحات للمناورة والضغط على دول الإقليم، وقد ساهم ذلك بزيادة حدّة الخلل الحاصل، أصلاً، لصالح نظامٍ تبيّن أنّه رتّب كل جهوده، طوال سنوات عديدة لهذا النمط من المواجهات مع الشعب، وأسس لذلك البنية اللازمة. ولعل ما زاد من الإشكالية أن النظام لم يعمل أي حساب لمستقبل البيئة المؤيدة له، فلم تمثل بالنسبة له سوى موجات بشرية لكسر الثورة، وظهر أنها بيئة مأسورة، مثل كل المكونات التي تعيش تحت سيطرة الأسد، لا اشتراطات لها، ولا مطالب، أو ضغوط تجعل نظام الأسد يميل إلى المهادنة، أو الحوار.

من قلب هذا المشهد الحالك، تعبر الثورة السورية عامها الخامس، حواملها الأساسيون هم ما تبقى من شعبٍ، لا زال يعاند ويطمح بالخلاص، وثوار توزعوا على جبهات عديدة، وعلى الرغم من تعبهم، لا زالوا فاعلين، ونخبة مثقفة تحلم بسورية مختلفة، لا زالت على إيمانها بأن النصر قادم؟ لكن، هل هذه معطيات كافية لتستطيع الثّورة من خلالها الاستمرار، وخصوصاً أنها تواجه هجمة شرسة، تقودها إيران وأذرعها، بإمكانات ضخمة، تصلح لمواجهة دول إقليمية كبرى؟

"لا يستطيع المرء استشراف مستقبل التطورات، إلا من نقطة صمود الثورة، طوال الأعوام الأربعة السابقة"

شئنا أم أبينا، انتهت الثورة السورية، في عامها الخامس، إلى ماكينة تراكميّة من الأعطاب في قلب النظام الذي أصبحت مفاصل كثيرة منه تعاني من الموات، كما أن النظام بات يعيش حالة من الفوضى الأمنية والعسكرية، وهذه خطوط انقسام يتوقع أن تتعمق في قلب النظام ومفاصله. بالإضافة إلى ذلك، الدعم العسكري من إيران وحزب الله لن يعيد الروح إلى النظام، ولن يعيد وصل شرايينه في المجتمع السوري، هذا الدعم سيكون هدفه عمليات تسكينية سطحية تجميليّة، في مواضع محددة، الهدف منها دائماً شراء عمر لشهور لمنظومة الأسد.

وبما أن الحرب ذات طابع جيوسياسي، فإن الرهان على المتغيرات الدولية والإقليمية يبدو مشروعاً مثلما يستفيد الطرف الآخر من هذه المسألة، ويحاول تمريرها تحت ذرائع الوقوف في وجه المؤامرة ودعم حلف المقاومة وسواها من الصيغ التي لا فائدة لها إلا في تبرير محاولات القضاء على حق السوريين بالعدالة والكرامة. والواضح، هنا، أنّ إيران التي بالغت في تحديها مصالح الأطراف الإقليمية، ومحاولتها التحكم بشروط اللعبة لصالحها، فرضت على العالم تغيير موقفه وسياساته تجاه الوضع السوري، وهو ما ينذر بإمكانية تدحرج النزاع إلى صدام حتمي مع المشروع الإيراني ومشاريع الدول الأخرى. وبهذا الصدد، تتبلور في المنطقة ملامح تكتل إقليمي مضاد لإيران، ومن المقدّر أن تكون له ترجمات حقيقية على الأرض السورية.

في العام الخامس للثورة السورية، لا يستطيع المرء استشراف مستقبل التطورات، إلا من نقطة صمود الثورة، طوال الأعوام الأربعة السابقة، أمام موجات هائلة من العنف غير المسبوق، إلا في الحروب العالمية الكبرى. وبالتالي، يبقى الرهان، كما كان في البداية، منعقداً على قدرة الشعب السوري، قد يكون ذلك مطلباً صعباً وقاسياً على السوريين، لكنهم فعلوها ولا يزالون.

=====================

الأمة تتطلع إلى رجلها الرشيد ,,, تحديات الرجل الرشيد لا عجز .. ولا فجور .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 23 / 3 / 2015

في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم في كتاب الإمارة (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم ..) .

في معادلة واقع الأمة اليوم أمر جلل بحاجة إلى إصلاح أو استدراك أو تقويم . سواد الأمة من عامة أبنائها أو ما يسمى بلغة العصر ( جمهورها ) ليس جاحدا ، ولا متسخطا ، ولا ناكرا لمعروف ، ولا عاجزا عن إدراك التحديات ( المعطيات والمقتضيات والاستحقاقات ) ؛ ولكنه في الوقت نفسه ، ينظر إلى مقعد الرشد في سياسة أموره  فيراه فارغا ، ويرى ثلة من العاجزين ، والوصف بالعجز نوع من الاعتذار للمتلبسين به ، قد أحاطت بقراره وبمصيره في كل مكان فأغلقت في وجهه الآفاق ، وسدت عليه المنافذ ، وزادت طين معاناته  بلة ، وضغثه إبالة ؛ فيذهب في مناح شتى من الاحتجاج أو الإنكار أو الادعاء  أو حتى اللعن والدعاء ، أو حتى التطرف والغي والتدعش...

ليس مستحيلا فيما نقدر وإن يكن صعبا ، كسر دائرة الشر التي تملك على الأمة أمرها ، فتقصي خيارها ، وتوسد أمرها إلى غير أهله ، فتغيب عن هؤلاء أهلية الأمانة أحيانا ، وأهلية القوة و الكفاءة أخرى، أو كليهما في وقت واحد فيكون من يتوسد أو يتسيد عاجزا وفاجرا معا ..

إن الاستدراك على معادلة (الاعوجاج العام ) بالتقويم والتسديد والإصلاح ، وفق سنن الله الماضية في الخلق ، وسيرورة التاريخ وصيرورته ؛ كل ذلك يقوم أصلا على حقيقة بأن الباطل مهما رغا وأزبد ذاهب جفاء وأن ما ينفع الناس هو الذي يبقى في الأرض ، فأولى بمن أراد بقاء أن يكون صالحا مصلحا ، معملا للسنن ، نازلا على حكمها ، مستثمرا فيها لا متحديا للناصحين بالرشد ، معرضا عن استحقاقات الإصلاح ودواعيه وأسبابه ومدخلاته .. .

إن الحديث عن مقعد ( الرجل الرشيد ) في واقع أمة المسلمين اليوم يبدأ من قناعة الرجل ( الإنسان )  بنفسه في نفسه . فهل هناك في القائمين على أمر المسلمين اليوم في أي قطر من أقطارهم ، وفي أي إطار من أطرهم ،من ينظر إلى نفسه بحق ومسئولية على أنه ( رجل الأمة ) ، وليس رجل السلطة ، رجل اللحظة بكل استحقاقاتها ، الكفء لكل تحدياتها يشهرها بغير تردد أو تلعثم : أنا لها ...أنا لها ؛ وليس رجل الغمرة  أصاب قصعة من عسل فطمع أن يزداد منها لعقة ..

ومن قبل قال الرشيد للسحابة  :أمطري حيث شئت ، ورد المعتصم على نداء امرأة سبية في زبطرة : ( لبيك يا أختاه ) ، بينما قال المستعصم  وجاريته ترقص بين يديه وهولاكو على أسوار بغداد : (إن التتار لن يبخلوا عليّ بملك بغداد ) ، وكان الثلاثة من بني العباس ؛ فلينظر رجل أين يضع نفسه ... .

وخاف الفاروق اللهَ أن يسأله عن دابة تعثر على شاطئ الفرات ، ويقول لو أن دابة عثرت على شاطئ الفرات  لخشيت ....فكم من مستغيث اليوم على شاطئ الفرات أعلاه وأسفله ولا من مستجيب ...

إن التحدي الأول على أجندة رجل الأمة الرشيد أن لا تكون ذاته جزء من مشروعه . وكل الذي عانت منه الأمة خلال قرن مضى هو بلاؤها بقادة على أكثر من صعيد جعلوا ذواتهم عنوان مشروعهم وصلبه . فظل الحفاظ على الموقع هو الأهم  ،وتقريب الأتباع والحماة هو الأصل . فدار كل شيء حول شخص الحاكم كما دار عابد الوثن بوثنه ، رآه الأول والآخر ، وهو لا يعدو مراح دابة حول حجر الراحى ..

والتحدي الثاني على أجندة رجل الأمة الرشيد ، هو أن يكون الرجل قادرا على أن  ينضم هو  إلى هذه الأمة أو أن  يضمها إليه ، بلا نبذ ولا إقصاء ولا تمييز . أن يكون قابلا للبحث عن شركاء وليس عن أتباع . الرجل الرشيد في العصر الذي نعيش هو الذي يدرك بما يملك من رشد : أن زمان الفرد قد ولى . وأن عصر الأمة قد استحكمت حلقاته فما منه من محيص ..

وأما التحدي الثالث ( فرؤية جامعة ) ما أمكن الجمع ، رؤية تمتح من معين الحق ، وتنظر بنوره ، وتنغمس في العصر ، وتستشرف آفاق المستقبل ، وتنتمي بكل المعاني إلى إنسانية الإنسان ...

أمام واقع محبط بكل ما فيه تتلاشى خير أمة أخرجت للناس ، وتتلاشى بين يديها كل قلاع الصمود ، وحصون المقاومة فيها . يحدث كل ذلك بين فجور الفاجرين وعجز العاجزين ...

لندن : 3 / جمادى الآخرة / 1436

23 / 3 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

======================

في عامها الخامس .. ثورة السوريين مستمرة وتتجدد .. برهان غليون

العربي الجديد

الاحد 15-3-2015

بعد أربع سنوات من الحرب الضارية التي فرضها نظام الأسد على الشعب السوري، لحرمانه من فرصة التحرر من قيود العبودية والاستعمار الداخلي، تبدو سورية، اليوم، جسداً ممزقاً ومثخناً بالجراح، ولا يكاد يظهر من الثورة إلا الكارثة الإنسانية المروعة التي خلفتها استراتيجية الأرض المحروقة التي اتبعها النظام. تغيرت شروط الصراع كلياً، وتبدلت الرهانات، وصارت الحرب الداخلية حروباً متعددة، طائفية وإقليمية ودولية، تشارك فيها قوى خفية وظاهرة، لم تكن منظورة أو متوقعة. وأمام غياب أي آفاق للحسم العسكري، أو للحل السياسي، وتفاقم الأزمة الإنسانية، يزداد الشعور لدى السوريين بأنهم على وشك خسارة رهانهم الأكبر الذي ضحوا لأجله بكل شيء، بأرواح أبنائهم وأملاكهم وأرزاقهم، وتحولوا إلى مشردين، يبحثون عن أرض تحويهم وملجأ يقيهم من برد الشتاء وعواصفه الثلجية التي لم تعرفها المنطقة في أي وقت، كما حصل في السنوات الثلاث الماضية.

ويفاقم من هذا الشعور بالخسارة والإحباط التراجع المضطرد للجيش الحر والمجموعات المقاتلة التي فقدت، في السنتين الماضيتين، أكثر من نصف الأرض التي كانت قد حررتها، وتراجع الدعم الدولي العسكري والسياسي الذي حظيت به الثورة في البداية، أو وعدت به، بالإضافة إلى الطفرة التي شهدها تطور المنظمات المتطرفة المرتبطة بالقاعدة أو المنشقة عنها. ويزداد الشعور عند أغلب السوريين الذين ضحوا بكل ما يملكونه من أجل الثورة بأنهم خدعوا، وأن الثورة التي راهنوا عليها للتحرر من العبودية والظلم كانت ضحية الكذب والغش والتواطؤ الدولي واللامبالاة العربية، كما كانت ثمرة فشل قياداتهم السياسية. وعلى هامش هذا الشعور بالخيبة وانسداد الآفاق، يزيد الضغط في اتجاه البحث عن أي حل، وتتقدم حكومات عديدة، كانت حتى البارحة من أقوى مؤيدي حرب الإبادة الجماعية، أو من التي صمتت عن المذابح اليومية، لتقطف ثمار ما تعتقد أنها هزيمة الثورة القريبة، وتتنافس على الجائزة التي تنتظرها من إعلان موتها ودفنها.

"الثورة بما تعنيه من الاستمرار في الكفاح من أجل القضية العادلة التي اندلعت من أجلها، أي ثورة الكرامة والحرية، لا تزال حية، وستظل طالما لم تتحقق المبادئ التي خرج السوريون من أجلها"

نصيب القياديين السوريين، العسكريين والمدنيين، من الأخطاء التي أدت بالبلاد إلى الطريق المسدود الذي تجد نفسها فيه اليوم كبير من دون شك. لكنه ليس السبب الأول، ولا الرئيس في الخراب الذي تتقاسم المسؤولية فيه مع النظام دول كبرى، وأقل كبراً، من تلك التي لم تخف عداءها للثورة وأهدافها، وتلك التي أعلنت صداقتها لها. لكن، ليس من أجل مساعدتها على التقدم، وإنما لاحتوائها وحماية مصالحها ورهاناتها، وأحياناً، لتحفظ لنفسها الفرصة، كي تطبع على شفاهها قبلة الموت في الوقت المناسب.

 

انسداد طريق المهادنة والاستسلام

من حق السوريين الملوعين بمأساتهم التاريخية غير المسبوقة، ومن واجبهم أن يطرحوا على أنفسهم، في هذه المناسبة، وعلى من تصدى لقيادتهم، ولا أعتقد أن مثل هذه القيادة قد وجدت، أو سمح بوجودها في أي وقت، كل ما يخطر لهم من أسئلةٍ تتعلق بمصير ثورتهم، أي بمصيرهم، شعباً وأفراداً معاً، وأن يطالبوا أنفسهم وقادتهم المفترضين وأصدقاءهم والمجتمع الدولي بكشف حساب عما أصبح جريمة من الجرائم التي تتحمل المسؤولية فيها الدول جميعاً، وسوف تدفع الثمن الباهظ، وقد بدأ بعضها في دفعه، منذ الآن، للغدر بها وخيانة القيم والمبادئ التي قامت عليها منظومة الحماية والتضامن الدولية.

لكن، لا ينبغي أن يكون هذا سبباً للانسحاب من المعركة التي فاقت فيها استثمارات الشعب السوري البشرية والمادية والمعنوية أي استثمارات لأي شعب في ثورات العصر الحديث. وليست الآن هي اللحظة المناسبة للدخول في الصراعات والنزاعات الداخلية وتصفية الحسابات، إنما العكس هو الصحيح، وهذا ما يظهره ثبات الشعب السوري، وتصميم أبنائه في خيم اللجوء ومواطن النزوح وفي الأحياء المحاصرة، منذ سنوات، لفرض التسليم بالأمر الواقع والاستسلام عليها. كما لا ينبغي لاختلاط الأوراق والأهداف والرهانات، وما تعرضت له الثورة من عمليات اختطاف من المنظمات والمليشيات والقوى الدولية لأهدافها الخاصة، أن يتحول إلى مصدر إضافي للخلافات، ومبرر للتفريط بالتضحيات الجسام التي قام بها السوريون، في السنوات الأربع الماضية. ولا ينبغي أن يكون التركيز المطلوب على الكارثة التي أصابت أغلب السوريين مدخلاً لتسويق القبول بأي حل باسم الحلول ال"واقعية" وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

فحتى لو تنازل الشعب للنظام، وقبل بالعودة الى بيت الطاعة، فلن يرضى الجلاد الذي سيتتبعه حتى يقضي عليه. وخططه، منذ الآن، واضحة في إلغاء الشعب واستبداله برعايا آخرين يستجلبهم من كل مكان. مشروع الإبقاء على نظام أسرة الأسد الذي أصبح بالمطلق مشروع احتلال إيراني، بمباركة وتحت مظلة سورية مزيفة، لا يقبل لا بعودة السوريين المهجرين والنازحين، ولا بالاعتراف بحقهم الأول في الحياة. ولن تكون نتيجة السير على هذا الطريق سوى تسهيل المهمة على نظام الاحتلال الأسدي  الإيراني، أي تحقيق ظروف أفضل وأقل فضائحية لحرب الإبادة الجماعية السياسية والديمغرافية للشعب السوري.

"إذا كان خط المهادنة يعني التهاون بتضحيات السوريين الهائلة، وتبديدها من دون ثمن، فإن التصلب والمزاودة في التمسك بالشعارات والألفاظ الفارغة يشير إلى الاستهانة بالمعاناة الهائلة التي يعيشها السوريون"

التخاذل والتسليم بالأمر الواقع يعني أننا نتخلى عن شعبنا ونقتله مرتين، الأولى عندما تركناه يقاتل وحده ولوحده، والثانية عندما سنتركه يموت من الجوع والبرد والذل في أماكن اللجوء والتشرد من أجل حصول بعضهم على مقاعد لا قيمة لها في حكومات يسمونها كذباً حكومات وحدة وطنية، وهي حكومات دمار وطني.

ما من شك في أن المرحلة البطولية من الثورة التي جمعت السوريين على قلب واحد، وجعلت كل فرد منهم يتماهى مع المبادئ الكبرى التي حركت الجميع، مبادئ الكرامة والعدل والحرية، قد انتهت منذ فترة طويلة. لكن الثورة بما تعنيه من الاستمرار في الكفاح من أجل القضية العادلة التي اندلعت من أجلها، أي ثورة الكرامة والحرية، لا تزال حية، وستظل طالما لم تتحقق المبادئ التي خرج السوريون من أجلها. ولن تتوقف قبل أن يصار إلى إخراج سورية من فم وحش الاحتلال الذي حل محل النظام، والخروج من الكارثة الإنسانية التي تمس حياة الملايين من السوريين، وتشكل، اليوم، الحقيقة الأولى في سورية وللسوريين، والتي تشرط أي تفكير أو يجب أن تشرط أي تفكير في الحاضر والمستقبل.

 

في الحاجة إلى المراجعة وتصويب المسار

لكن، في الوقت نفسه، لا يمكن الاستمرار على النهج القديم الذي أدى بالثورة إلى إضاعة البوصلة والطريق. فإذا كان خط المهادنة يعني التهاون بتضحيات السوريين الهائلة، وتبديدها من دون ثمن، فإن التصلب والمزاودة في التمسك بالشعارات والألفاظ الفارغة يشير إلى الاستهانة بالمعاناة الهائلة التي يعيشها السوريون، نتيجة الكارثة المروعة التي حلت بهم. وهو لا يفيد إلا في عزل الثورة وتضييق الحصار عليها وضربها. الاستمرار في تجاهل الواقع، ونكران التحولات العميقة التي شهدتها مسيرة الصراع من أجل الحرية والكرامة على عموم الأرض السورية، لا يساعد على التقدم ولا يفتح أي طريق سالك من أجل إنقاذ رهانات الشعب السوري الأساسية، وإيجاد شروط خروج الملايين من أبنائه من حياة التشرد اللاإنسانية. وكما أن خط التنازل المجاني يشجع المحتلين على الإسراع في تحقيق مشروعهم، مستغلين ظروف الاستسلام والضعف التي يظهرها السوريون المندلقون على النظام، فإن إنكار الحقائق الجديدة والمثابرة على المزاودة في الثورية، كما لو أن شيئا لم يتغير منذ أربع سنوات، لن يفيد إلا في إطالة عمر المأساة، وقطع الطريق على المراجعة النظرية والسياسية الحتمية التي يخشاها كل من تنطع للقيادة السياسية والعسكرية، خلال السنوات الأربع الماضية.

"المطلوب رؤية جديدة مختلفة عن تلك التي رافقت الثورة في لحظتها البطولية والملحمية، والتي راهنت على العمل الشعبي العفوي المتفجر في كل مكان"

كلاهما يقودان إلى الفشل، ولا يقدمان أي مخرج أو حل: التهاون مع تضحيات السوريين والاستهانة بمعاناتهم. المطلوب رؤية جديدة مختلفة عن تلك التي رافقت الثورة في لحظتها البطولية والملحمية، والتي راهنت على العمل الشعبي العفوي المتفجر في كل مكان، واقتصرت على الدعوة لدعمه، والدفاع عنه في الدبلوماسية والإعلام. فلم تعد الحاجة تقتصر على إيجاد "وزارة شؤون خارجية" للثورة، تنسق علاقاتها الدولية، وإنما أصبحت الحاجة ماسة لبناء منظمة وطنية مركزية، تقود العمل التحرري، وتنسق شؤون المقاومات المسلحة والمدنية والثقافية ضد نظام الاحتلال والطغيان الذي يزيد ترسخاً يوماً بعد يوم. ويحتاج بناء مقاومة طويلة المدى لاستنزاف الاحتلال وأعوانه إلى سياسات جديدة، تقوم على توحيد الصف، والعمل على تجميع السوريين من جديد، كل السوريين إذا أمكن، وتوسيع دائرة مشاركتهم وانخراطهم في نشاطات السياسة الهادفة إلى تقريب ساعة الخلاص، ووضع حد لحرب الإبادة والاحتلال الذي يتغذى أكثر فأكثر من نزعة عنصرية استيطانية خطيرة مع احتدام الصراع. كما يحتاج إلى تنظيم أفضل للطاقات والجهود، وتفعيل للجاليات السورية في كل مكان، وتجديد للخطاب السياسي والإعلامي، بحيث تكون الثورة بالفعل لكل السوريين، ولحماية أرواحهم ومصالحهم، والخروج بخطة عمل واضحة، تهدف إلى استعادة جزء من المبادرة المفقودة، وإعادة تعريف الأهداف المرحلية والبعيدة، وحل المشكلات الثلاث الكبرى العالقة، مشكلة القيادة، واستقلال الموارد التي لا قرار مستقلاً من دونها، وتعزيز وطنية القرار، حتى لا يكون مشروع الاحتلال المستفيد الأول من استمرار الصراع.

"فقد السوريون ثقتهم بدول صديقة وشقيقة كثيرة أظهرت عجزاً لا يوصف عن المبادرة، أو كانت مثالاً للامبالاة بحياة السوريين وأرواحهم"

مهما حصل، لن يتخلى السوريون عن حقوقهم، وهم لا يزالون، على الرغم من أربع سنوات من القتال والمواجهة المريرين، والتقويض الممنهج لاجتماعهم المدني والسياسي، والتدمير المنظم لمدنهم وأحيائهم ورميهم على طرقات النزوح وبحار الموت، واقفين يتحدون الموت، ويتصدون للجريمة وهم يلمسون بأجسادهم المدماة الحدود القصوى للهمجية.

بعد أربع سنوات من الخذلان والمعاناة، فقد السوريون ثقتهم بدول صديقة وشقيقة كثيرة أظهرت عجزاً لا يوصف عن المبادرة، أو كانت مثالاً للامبالاة بحياة السوريين وأرواحهم. لكن، ما لم يفقدوه، على الرغم من تجربة البؤس والتشرد والضياع، هو ثقتهم بأنفسهم. وهي التي تدفع بهم إلى الاستمرار والمثابرة والإصرار على اقتلاع إرادة الشر من جذورها. وهذا الإصرار وتلك المقاومة المستمران، والصبر والأمل الذي لا يفارقهما، هما مصدر الفخر لدى كل سوري، ومصدر الاعتزاز لدى كل عربي، يعرف أن السوريين، في نضالهم وشهادتهم وتضحياتهم، قد تجاوزوا حدود الاحتمال، وأصبحوا رمزاً للكفاح من أجل الحرية والكرامة، في العالم العربي والعالم، ضد العنصرية الفاشية ومشاريع الهيمنة الإقليمية الدموية.

=====================

الاستمرار حتى الانتصار! .. ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاحد 15-3-2015

لم يكن أحد من متابعي الشأن السوري داخل سوريا وخارجها، يعتقد أن السوريين قادرون على الشروع في ثورة، وأن ثورتهم ستستمر 4 أيام، ناهيك عن 4 عوام.

كان المجتمع السوري يبدو مفككا، من دون خبرة في الشؤون العامة ومن دون قيادات، وقليل العدد بالمقارنة مع أتباع السلطة منه، الذين قالت التقديرات إنهم في حدود 15 مليون سوري وسورية، هم إما مع النظام أو سيحجمون عن الانخراط في أعمال ثورية أو احتجاجية ضده.

وكان النظام مستعدا عسكريا وسياسيا لمواجهة أي تحرك، فالجيش والمخابرات والشبيحة يضمون نيفا ومليون مسلح دُربوا على أحسن وجه لمنع أي مواطن من النزول إلى الشارع، ناهيك عن القيام بثورة، وموظفو الدولة تحت الطلب، وكذلك تلامذة المدارس والجامعات، وعمال المصانع ومنتسبو المنظمات الشعبية بملايينهم الثلاثة؛ فلو افترضنا أن كل واحد من هؤلاء «يمون» على شخص أو شخصين، لكان الشعب المنظم والراضخ للمركز السلطوي في جيب النظام، بينما خصومه مفككون مشتتون ويفتقرون إلى قيادة وتوجيه. ليس المرء بحاجة إلى ذكاء خاص، كي يعرف لمن ستكون الغلبة في الشارع وخارجه.

ولأن الجو الدولي كان متشككا تجاه الربيع العربي، فقد اعتقد أرباب النظام أنه سيتم حسم الأمور خلال أيام قليلة، بضربات عسكرية قوية ومتلاحقة، وإنزال ثقل شعبي كبير إلى الشارع، واتهام الحراك بالأصولية والإرهاب. كما آمن النظام بأن «الفوضى» ستكون محدودة، لأن المناطق الموالية أكثر من مناطق الاعتراض، واحتكار السلطة للمجال العام يجعله عصيا على الاختراق من قبل متظاهرين يفتقرون إلى قيادة سياسية أو خطة ثورية، فأي ثورة يمكن أن تنشب في سوريا، في ظل رجحان ميزان القوى الشعبي لصالح نظامها الذي يحتكر العنف وأجهزته بنسبة ألف في المائة، علاقاته مقبولة مع الغرب عامة، وجيدة جدا مع أميركا، يتحالف مع روسيا وإيران، وله مكانة حساسة جدا في العالم العربي تجعل دوله ترفض من سيخرجون عليه، وإلا هددت أمنها عبر تهديد دوره المهم في العلاقات والتوازنات القائمة بينها وبين إيران.

حين نزل المتظاهرون إلى الشارع كانوا قلة، عدا في مدينة درعا، التي شهدت حشودا بعشرات الألوف منذ يوم التمرد الأول، بعد تعرض وجهائها للإهانة من قبل رئيس فرع أمن. لكن العنف الذي استخدم ضد درعا فجر غضبا عصف ببقية السوريين، وأنزل قطاعات كبيرة منهم إلى الشارع في جميع مدن سوريا، التي سرعان ما أقام حراكها رابطة وطنية بين أطرافها مناوئة لوطنية الاستبداد المفروضة من فوق. لقد نبعت الوطنية الشعبية من الحرية بصفتها المبدأ الرئيسي لمنظومة قيمية معادية لكل ما تبنته الأسدية. يفسر هذا نشوء عالمين متنافيين بعد أسابيع من الحراك: أحدهما عالم الشعب السلمي، الذي كان برنامجه «الحرية للشعب السوري الواحد»، وانضمت إليه يوميا جموع هائلة جاءت من البلدات الصغيرة والأرياف، والآخر عالم السلطة التي فقدت بسرعة شرعيتها، بسبب ما استخدمته من عنف لا قيود عليه ضد شعب أعزل ومسالم يطالبها بالإصلاح، ولا يطالب بتغييرها أو إسقاطها، لاعتقاده أن الثورة مكلفة جدا، وأن الأسد لا بد أن يكون وفيا لشعار الحرية، الذي جعله البعث أحد التزاماته التي لم يحققها خلال نصف قرن.

بعد أيام من الانتفاضة كان الوضع العام قد تغير، واكتشف النظام أنه ليس موجودا في الشارع، وأن أحزاب «الجبهة الوطنية التقدمية» ليست غير أصفار، وأن شيوخ الأوقاف لا يمثلون المسلمين، وأنه سلطة قمع وعسكر وفئوية وطائفية. بالمقابل، تنامت وطنية الشارع المطالب الحرية، وتعاظم وزنه وتضامنه، وظهرت فيه قيادات محلية مؤمنة بالحرية كمبدأ تشمل نعمه الجميع، وبوحدة شعب سوريا، الذي يجب أن يظل واحدا، ويقاوم كشعب موحد نظاما صار عدوا لكل فرد فيه. عندما بدأت انشقاقات العسكر مع المقدم محمود الهرموش، بدا أن النظام يتهاوى وأن عنفه يرتد عليه، وأن كيانا سياسيا بديلا شرع يتخلق شعبيا وثوريا، وأن انهيار السلطة ومؤسساتها يتسارع، بعد افتضاح أمرها كجهة تعمل لإحراق بلادها، وقتل شعبها من أجل إبقاء بشار الأسد في الحكم، رغم ما أبداه خلال حكمه من عقم سياسي وإنساني، وتسبب به من أزمات ومشكلات دفعت الشعب إلى الثورة.

كان جليا في الأشهر الأولى أن هناك عالما ينشأ وآخر يموت: عالم شعبي وطني يقول بالحرية لشعب سوريا الواحد ويسعى لتحقيق مطالبه سلميا، أهدافه العدالة والمساواة وكرامة الإنسان. وعالم سلطوي كاره لكل من ليس منه، يستخدم العنف ضد شعب«ه» الأعزل، ويلعب ورقة الطائفية ليفتت مجتمع«ه» ويزج به في حرب أهلية.

في ظل هذا التطور المتناقض، ظهر المجتمع السوري كحقيقة سياسية قائمة بذاتها ورافضة للنظام، وتبين كم هو قوي وراسخ الجذور في الواقع اليومي. عندما بدأت المقاومة وتم تحرير ثلثي الأرض السورية من السلطة، وأخرج النظام من مناطق لطالما أحكم قبضته عليها، أيقن الشعب أن سقوط الأسد صار مسألة وقت، وأن تضحيات بناته وأبنائه لن تذهب هباء. في هذا المنعطف، تفاقمت تدخلات الخارج وأخذت صراعاته تغطي على الصراع الداخلي أو تلحقه بها، وشرعت معركة تصفية الحسابات بين أميركا من جهة، وإيران وروسيا من جهة أخرى، تحجب معركة الحرية، وتبين كم كانت الثورة بحاجة إلى قيادة تبادر إلى استثمار مقومات الانتصار والحسم، وانتقلت إيران وروسيا إلى التدخل العسكري المكشوف، وبدأت تتبدل علاقات القوى في الداخل، قبل أن يستغل الإرهاب والأصوليون فراغ القيادة ويقدموا أنفسهم بديلا لثورة الحرية، في موقف يكمل مواقف النظام ويلاقيها.

واليوم، يبقى ما أنجبته الثورة من وقائع على طرفي المعادلة السورية فاعلا. ويبقى تصميم الشعب على الحرية مستمرا، وتبقى الحاجة ماسة إلى قيادة ثورية تتخطى في رؤاها وممارساتها قيادات المعارضة، وتتولى أخذ سفينة الثورة إلى بر الحرية، بالاستناد إلى إرادة قوة لم يكن وجودها يخطر ببال أحد، هي: مجتمع سوريا القوي، الذي عرف كيف يتحمل الألم والموت، وكيف يؤسس شروط انتصاره ويحافظ عليها طيلة 4 أعوام بغالي دمائه، وسيعرف كيف يحصد ثمارها في عام ثورته الخامس، ويستردها من الذين اختطفوها.

=====================

غرق إيران في سوريا .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 15-3-2015

سجلت المشاركة الإيرانية في حرب النظام على جبهة درعا – القنيطرة في الجنوب السوري، نقطة تحول كبير في الدور الإيراني في القضية السورية، حيث لم يقتصر الأمر على مشاركة قوات إيرانية من نخبة الحرس الثوري بقيادة جنرال الحرب قاسم سليماني، بل من خلال حضور إيران الواضح في التخطيط والتنفيذ وتحديد أهداف الحرب.

ويمثل التطور الأخير في انخراط إيران في العمق السوري، امتدادا لتاريخ عميق من علاقات إيران الخمينية مع نظام الأسد، وقد ترك على مدار عقود متوالية منفعة متبادلة للطرفين مع تميز لصالح نظام الأسد الأب، وهي قاعدة تغيرت مع مجيء بشار الأسد إلى سدة السلطة في سوريا عام 2000، فرجحت كفة إيران في علاقات الجانبين، قبل أن تتحول إيران بعد انطلاق ثورة السوريين إلى قوة سيطرة وضبط في نظام الأسد.

لقد بدلت العلاقات السورية الإيرانية ثوبها مع وصول الخمينية إلى السلطة في إيران عام 1979، وفتح نظام الأسد أبواب البلاد للوجود الإيراني عبر ثلاثة مسارات؛ أولها مسار العلاقات الرسمية، وشمل علاقات سياسية واقتصادية وثقافية مميزة، وجدت لها سندها ودعمها في حاجة نظام الأسد إلى المساعدة في وقت كان فيه النظام يعاني من مشاكل داخلية ومن حصار دولي نتيجة سياساته الداخلية والإقليمية، فيما كانت إيران بحاجة إلى سند يساعدها في حربها ضد العراق ومحيطه العربي.

وفي المسار الثاني، فتح الإيرانيون بوابة علاقات مع النخبة السورية بتخصصاتها المتنوعة، وركزوا في صلاتهم على النخبة المرتبطة بالنظام والقريبة منه، فعقدت علاقات، ونظمت زيارات ولقاءات، وأقيمت مشاريع، عززت علاقات ومصالح العديد من رموز النخبة السورية مع الإيرانيين من خلال مؤسسات رسمية وأخرى خاصة.

أما المسار الثالث، فعبرت عنه سياسة التسلل الإيراني إلى العمق السوري، وتشاركت في هذا المسار عشرات من المؤسسات الإيرانية، ولا سيما المؤسسات الدينية والثقافية والسياحية الرسمية والأهلية، ومنها عشرات الحوزات الدينية التي كانت قائمة في مدينة السيدة زينب جنوب دمشق، وفي هذا المسار نشطت عمليات تشييع لسوريين من السنة، وإقامة مراقد شيعية، وشراء عقارات في المناطق السكنية والتجارية، وجرى توطين إيرانيين فيها، وأقيمت مئات معارض الكتب والندوات والأسابيع الثقافية والسينمائية.

وكرست تلك المسارات حضورا إيرانيا قويا وواسعا، لكنه ظل محكوما بمركز القرار عند رأس النظام الذي كان قادرا في ظل سلطة الأسد الأب على الإمساك به واللعب عليه، وهو أمر لم يعد متوفرا مع مجيء بشار الأسد إلى السلطة عام 2000، نتيجة عوامل متعددة، كان أبرزها التحديات الداخلية والخارجية، التي أخذ يواجهها نظام الأسد الابن، كان أبرزها نمو حركة المعارضة الداخلية، وتحديات الوضعين في العراق 2003 ولبنان 2005، وكلها أخذت تطرح مستقبل نظام الأسد على طاولة البحث، والأمر صار حقيقة بصورة أكبر مع اندلاع ثورة السوريين ضد النظام الاستبدادي والقمع. لقد بدا من الطبيعي، أن تتقدم إيران لمساعدة حليفها نظام الأسد في مواجهة ثورة السوريين، ليس فقط بسبب الإرث العميق من العلاقات المشتركة، ولا بسبب المصالح المشتركة، بل أيضا بسبب ما تملكه إيران من أهداف استراتيجية، تتوفر لديها قدرات وإمكانيات، يمكن أن تساعد الأسد في حربه ضد السوريين، وتبقيه على رأس سلطة مهددة بالسقوط.

ووسط ذهاب النظام إلى الحل الأمني – العسكري في مواجهة السوريين، قدمت إيران خبراتها وقدراتها لنظام الأسد، عبر ثلاثة خطوط؛ أولها خط الخبرات والخبراء، وفي هذا الخط تم إرسال خبراء عسكريين وأمنيين وخبراء في التكنولوجيا بما فيها تكنولوجيا الاتصالات. والخط الثاني، كان وضع إمكانات إيران السياسية والاقتصادية والعسكرية وعلاقاتها في خدمة نظام الأسد، وكله مكرس في مواقف وعلاقات إيران الخارجية ومنها التأثير الإيراني على روسيا، وهي بين أكبر شركاء طهران، وفي هذا السياق يمكن التوقف عند المساعدات التي قدمتها إيران لنظام الأسد في السنوات الأربع الماضية، والتي شملت هبات مالية وأسلحة وقطع غيار وتسديد فواتير عسكرية، وتقديم سلع استراتيجية بينها النفط، ومساعدات غذائية.

أما الخط الثالث فيما قدمته إيران لنظام الأسد، فقد كان دعما بشريا مسلحا، تجاوز موضوع الخبراء إلى إرسال وحدات عسكرية منظمة من قوات الحرس الثوري مرفقة بأسلحتها وذخائرها، والحد المؤكد لهذه القوات يتجاوز خمسة آلاف جندي، شاركوا بعمليات على مختلف الجبهات، ومنها المعارك الأخيرة في جبهة درعا - القنيطرة. ورغم أهمية ما قدمته إيران من دعم بشري مباشر لنظام الأسد، فقد كان دفعها لحلفائها من ميليشيات تتبعها للذهاب إلى سوريا، هو الأكثر أهمية، إذ دفعت حزب الله اللبناني والميليشيات الشيعية العراقية وتشكيلات شيعية من دول أخرى لانخراط عميق في الحرب ضد الشعب السوري، وسجلت السنوات الثلاث الماضية حضورا قويا للميليشيات الشيعية على جبهات الحرب في دمشق وريفها وفي القلمون وحمص ودرعا وحماه وحلب.

لقد غرقت إيران في سوريا بفعل خططها الاستراتيجية، وما مارسته من سياسات، وما قامت به من خطوات وإجراءات، وتحولت إلى جزء عضوي في الصراع القائم، ولم يعد من الممكن إخراجها من عمق الوضع السوري، إلا بخروج النظام نفسه، بمعنى أن خروج إيران، لن يتم طالما بقي نظام الأسد، وأن ذهاب الأخير سيكون مقرونا بنهاية الوجود الإيراني في سوريا.

=====================

في عامها الخامس.. سوريا (الثورة) وسوريا (القضية) (1) .. د. وائل مرزا

الشرق الاوسط

الاحد 15-3-2015

من مفارقات الأقدار أن يكون هناك كتابٌ للمفكر فرانز فانون بعنوان (العام الخامس للثورة الجزائرية)، يتمحور فكرُ الكاتب الفرنسي ذي البشرة السوداء، حول قدرة شعوب العالم الثالث على فرض ذاتها وصناعة تاريخها وتقرير مصيرها. هذا الكاتب الذي كان نصيراً للثورة الجزائرية، بالكلمة والفكرة والمساهمة العملية كثائر، قال يوماً عن تلك الثورة: "النظرية القائلة بأن الناس يتغيرون في اللحظة نفسها التي يغيرون فيها العالم لم تكن يوماً بارزة في بلد آخر غير الجزائر". لا نعلم ما كان للرجل قولهُ لو كان يعيش اليوم معنا الثورة السورية وهي تدخل عامها الخامس، لكن المؤكد أن عبارتهُ تلك تنطبق اليوم على سوريا وثورتها وشعبها كما لا تنطبق على أي قضيةٍ أخرى.

السوريون يتغيرون في اللحظة نفسها التي يُغيرون فيها العالم، ثمة شواهد كثيرة على أن النظام العالمي يدخل في طورٍ جديد، وأن هذه العملية تتأثر وستتأثر بما يجري في سوريا، لكن المؤكد أن السوريين يتغيرون في نفس هذه اللحظة التاريخية، وأن مستقبلهم ومستقبل ثورتهم رهينان بطبيعة ذلك التغيير.

فمع دخول الثورة السورية في عامها الخامس، يَفرضُ السؤال التالي نفسه: هل هناك تضاربٌ بين استمرار (الثورة) كمفهوم وكواقع، وكصيرورةٍ طويلة المدى ومتعددة المراحل، وبين الاعتراف بأن السوريين صاروا في مواجهة واقعٍ جديد يمكن أن نسميه (القضية السورية)؟ نحسبُ أن التضارب موهوم، وأن مثل هذا الاعتراف لا يجب أن يكون أمراً سلبياً كما يظن البعض.

يُحيلُ الاعتراف المذكور إلى القبول بحقيقتين: إنﱠ العمل للقضية سيكون طويل الأمد زمنياً، ثم إنه سيكون في مجالات تتجاوز بكثير المجالين السياسي والعسكري. وفي حين أن انتقال السوريين، نفسياً وفكرياً وعملياً، إلى المرحلة الجديدة بشكلٍ إراديٍ واعٍ لن تكون له إلا نتائج إيجابية راهناً وعلى المدى الاستراتيجي، فإن قائمة السلبيات يمكن أن تطول في حال رفضوا عملية الاعتراف وزهدوا في العمل بمقتضياتها.

باختصار، السوريون جميعاً اليوم أمام خيارٍ حساس، فإما أن يسمحوا لهذه (القضية) أن تُصبح قضيةً (أخرى) من القضايا المعروفة في العالم العربي، وخارجه. بمعنى أن تتحكمَ فيها الظروف الخارجية واللاعبون الخارجيون بنسبةٍ كبيرة. أو يجعلوا من ثورتهم الفريدة فرصةً لتقديم نموذجٍ مُختلف لخدمة (قضيتهم)، يليق بهم وبإمكاناتهم وتاريخهم وتجاربهم، نموذجٍ يكونون هم فيه الأكثر تأثيراً في القضية وتحكُماً فيها.

هذا لا يعني، بأي حال، الغفلة عن استمرار تأثير الظروف الخارجية واللاعبين الخارجيين. لكنه يعني أن يرفع السوريون قدرتهم على التأثير في قضيتهم بشكلٍ يدرك لغة العصر ويستخدم مفرداته باحتراف، ويستفيد، فعلياً، من تجربة السنوات الماضية من عمر الثورة وكل ما أفرزته من دروس.

ففي ظل استمرار الثورة السورية، بكل ما قدمه الشعب السوري، ولا يزال، من تضحيات. وفي ظل افتقاد تشكيلات المعارضة السياسية السورية القدرة على القيام بالوظائف الأساسية المطلوبة لدعم الثورة وشعبها في المجالات التنموية والإغاثية والاجتماعية والإعلامية والثقافية، تبدو الحاجة ضروريةً للقيام بأعمال مؤسسية منظمة تمتلك القدرة على أداء تلك الوظائف، بعيداً عن الغرق في مماحكات العمل السياسي بشكله السائد في أوساط المعارضة السورية.

وفي انتظار ما يمكن أن تُسفر عنه محاولات إصلاح الائتلاف الوطني من قبل القيادة الحالية، ثمة مفارقةٌ يجب التفكير فيها: فقد كان قيامُ الأجسام السياسية مثل المجلس الوطني والائتلاف أصلاً محاولةً لتأمين تمثيلٍ سياسي للثورة. وكان المفروض أن تتعامل هذه الأجسام بمهارة وفكر سياسي متميز مع النظام الإقليمي والدولي بما يكفل تأمين الدعم للثورة، وصولاً إلى تأمين مقومات انتصارها على نظام الأسد من خلال إدارة الصراع السياسي والعسكري بشكلٍ فعال ومنظم.

ورغم أن الهدف العملي الممكن، والوحيد تقريباً، من إقامة تلك المؤسسات كان يتمثل في الوظيفة المذكورة، إلا أنها لم تستطع تحقيق ذلك الهدف بإجماعِ السوريين.

لكن المشكلة الكبيرة الأخرى تمثلت في ظنِّ بعض المعارضين السوريين، وكثيرٍ من أبناء الثورة، أن قيام مثل هذه المؤسسات هو بمثابة وجود بديل ل(الدولة) يقوم بوظائفها ويؤدي مهامها، إن في (المناطق المحررة) على الأقل، أو في كل ما يمكن الوصول إليه من مناطق سوريا الجغرافية.

أدﱠى هذا من البداية إلى وجود ظاهرتين في أوساط الشعب السوري المؤيد للثورة، تتمثل الأولى في (استقالة) الكثيرين من العمل الفعلي لها بناءً على الاعتقاد السابق وانتظاراً لما ستقوم به تلك الأجسام السياسية من تغطية للوظائف المطلوبة. أما الظاهرة الثانية فتمثلت في عشوائية العمل للثورة في صفوف من تصدوا له، خارج أطر العمل السياسي، وفي تشتت الجهود وتكرار التجارب وبعثرة الطاقات، بشكلٍ قلَّلَ من فعالية تلك الجهود، على ما قدمته من خدمات وإنجازات، وما كان فيها من معاني كبيرة للبذل والعطاء.

بهذا، فَقَدَت الثورة السورية من البداية سنداً مكيناً أساسياً لها يتمثل في الدعم الهائل الذي كان يمكن أن تحصل عليه لو تم العمل بشكلٍ مؤسسي محترف في المجالات المختلفة، إذا أخذنا بعين الاعتبار خبرات السوريين وإمكاناتهم المادية والبشرية الهائلة التي يمكن مُراكمتها في تجمعاتهم وأماكن وجودهم سواء داخل سوريا أو خارجها، بل إن من الممكن القول إن الثورة كان يمكن أن تكون في موقعٍ متقدم اليوم، لو تمت إدارةُ نفس الجهود التي تم بذلها وتوظيفُ نفس الميزانيات التي أنفقتها شرائح السوريين، من بداية الثورة إلى الآن، بشكلٍ مؤسسي مُحترف.

=====================

البحر من أمامكم والعدو من ورائكم! .. رضوان السيد

الشرق الاوسط

السبت 14-3-2015

ليست هذه هي عبارة طارق بن زياد بالضبط، لكنها تستفيد من هذا القول السائر في التعبير عن الواقع المقبض، الذي يعتبره البعض مدعاة لليأس لدى المصابين بأحد هذين الداءين أو كليهما، ومدعاة للسوداوية لدى أصحاب المسؤولية في البحث عن مخرج للجمهور وللسياسيين وللمثقفين.

لا يمضي أسبوع إلا ونسمع عن سفينة غرقت أو كادت وهي متوجهة إلى أحد الشواطئ الأوروبية محملة بمئات الرجال والنساء والأطفال من أحد الأقطار العربية المنكوبة بمسلحيها الحكوميين وغير الحكوميين، أو المنكوبة بالتدخل الخارجي، أو بالأمرين معا. وقد كانت سوريا هي النموذج لاجتماع أهوال الداخل والخارج خلال السنوات القليلة الماضية، وانضمت إليها الآن العراق وليبيا. ولدينا من زمن أبعد الصومال والسودان، ومن الزمن الذي بدأ ولن ينتهي في فلسطين.

جاء في «كليلة ودمنة» أن الخطر في ركوب البحر، إنما الخطر الأعظم في صحبة السلطان! وهؤلاء الذين يقصدون النجاة بحرا، ما صحبوا السلطان، بل فرّوا خوفا من بطشه. وهكذا فإن هؤلاء اعتبروا ركوب البحر مخاطرة ونجاة في الوقت نفسه، أما البقاء حيث يجري عليهم الاضطهاد والذبح فهو الموت المحقق. والناس في سوريا والعراق يعانون من ثلاثة قَتَلة؛ النظام، وأعدائه من فئات مسلحة شتى، والإيرانيين الذين جاءوا هم وميليشياتهم بزعم مساندة نظام المقاومة والممانعة... والعلمانية (القرمطية)!

إننا عندما نتحدث عن «الهرب الجارف»، لا نعني به المجاز، بل الحقيقة، ففي سوريا 9 ملايين مهجّر بين الداخل والخارج، وفي العراق مليونان ونصف المليون. والطريف والمؤسي وغير المنتظر كان ما ذكرته بعض مؤسسات حقوق الإنسان في الأيام الأخيرة عن الهجرة والتهجير في سوريا، إذ بحسب المؤسسة الأوروبية المتوسطية هناك 4 مصادر للخطر والهرب: قوات النظام وميليشياته، والمتطرفون («داعش» و«النصرة» وأشباههما)، والميليشيات الإيرانية، وميليشيات حزب الشعب الكردستاني، التي تهجّر هذه الأيام العرب من المناطق ذات الكثرة الكردية! بيد أن ما تقوله المؤسسة الأوروبية المتوسطية ينطبق أيضا على العراق، فهناك القوات العراقية، والتنظيمات الشيعية التي جمعها الجنرال سليماني، و«داعش» بالطبع، والنفور المتنامي بين الطوائف والمذاهب الذي قاد إلى تهجيرات متبادلة من قبل، وهو يؤدي الآن إلى هجرة إلى الخارج، تحت وطأة القتل المتزايد والمتبادل، ويقول الأكراد إنهم بعكس الميليشيات الشيعية لا يهجرون إلا من المناطق المتنازع عليها بينهم وبين السلطة المركزية. لقد استولوا على هذه المناطق التي كانت الحكومات العراقية تمنعهم من التحكم بمصائرها، وهم يمارسون تمييزا عرقيا، على طريقة عجم/ عرب القديمة التي تعطي هوية لهذه المنطقة، وتسلبها من أخرى. وتذهب في كل الأحوال إلى تثبيت هويات جديدة ما كانت موجودة، وإنما الذي كان موجودا تعددية هوياتية معقولة الوظائف في المجتمع والدولة والتاريخ. وبالفعل، فإن الواقع الجديد يفرض على الذين يريدون النجاة بقدر المستطاع الهجرة إلى خارج الأوطان تمهيدا لمتابعة الرحلة بحرا أو جوا إلى أوروبا وغير أوروبا. والمهاجر أو الهارب يخلف وراءه في هذه الحالة ثلاثة أعداء أو أربعة: نظام الكيماوي والبراميل المتفجرة، ونظام «داعش» و«النصرة» وسواهما، ونظام ولاية الفقيه وميليشياته، وميليشيات الحركات الكردية الجديدة. ومفوضيات الأمم المتحدة وحقوق الإنسان تذكر أن هذا النزوح هو أكبر نزوح في الأزمنة الحديثة والمعاصرة.

ما الذي يأمله منفذو التهجير من وراء ذلك؟ المتطرفون يريدون أن تكون المناطق خالصة لهم حجرا وبشرا. أما النظام وإيران والأكراد فيطمحون إلى تغيير ديموغرافي يخلق أكثريات جديدة، ويفرض بالتالي تغييرا في الهوية والانتماء. لقد صار ممكنا الآن الحديث عن «لا عروبة» العراق. وفي الأمد المنظور يريدون أن يصبح الحديث عن «لا عروبة» سوريا أيضا! أما الأكراد فيقولون إنه لا يجوز تفويت الفرصة التاريخية بإنشاء مناطق خالصة، تقوم عليها الدولة الكردية دونما مشكلات مع الداخل أو الخارج!

مَن المتضرر الأكبر من هذه التهجيرات والتغييرات؟ بالطبع إن المواطنين السوريين والعراقيين هم الأكثر تضررا. أما في المدى الاستراتيجي فإن العرب هم المتضررون ولا أحد غيرهم.

ما المخرج من ظاهرتي القتل والتهجير؟ كانت قضية فلسطين هي المكان الأول الذي جرت فيه الظاهرتان بعد الحرب الثانية وقيام دولة إسرائيل. وقد صدرت قرارات دولية بمنع المصادرة، وإعادة اللاجئين، وأنشئت منظمة لرعاية المهجرين لحين عودتهم إلى أرضهم. وبالطبع فإن أحدا ما عاد، كما أن منظمة غوث اللاجئين لا تزال تعمل هنا وهناك إنما دون تفكير في الحقوق والهوية والانتماء، بل بالإبقاء على قيد الحياة! همرشولد الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة قال في الخمسينات من القرن الماضي، عن الكونغو وليس عن إسرائيل، إن العلاج الذي ينهي المشكلة إنما يكون بإعادة هؤلاء البشر إلى أرضهم بأسرع ما يمكن! وما حصل شيء من ذلك في فلسطين والكونغو، لكنه حصل جزئيا في رواندا وبوروندي!

في حالة سوريا، لا مانع من عودة المهجرين إلى مساكنهم غير وجود النظام السوري الحالي ورئيسه بشار الأسد. ويقول العراقيون إن الحالة السورية لن تتكرر في العراق! لكن ما المانع من ذلك ما دام الإيرانيون هم أصحاب استراتيجيات تغيير هوية الأرض والسكان في البلدين؟!

إن الأمر المفزع هو اعتقاد إسرائيل من قبل، واعتقاد إيران الآن، أنه يمكن بقتل الناس وتهجيرهم تغيير هوية الأرض والسكان والوضع السياسي إلى غير رجعة. وبعد قرابة السبعين عاما ما استطاعت إسرائيل ذلك إلا بشكل جزئي. وفي سوريا والعراق فإن العملية تبدأ الآن. لذلك لا بد من التصدي للموضوع بسرعة، لا بد من إسقاط بشار الأسد بأي شكل، لتتوقف معاناة الشعب السوري من جهة، ولكي تتلقن إيران درسا بعدم إمكان تكرار التجربة الإسرائيلية.

هل يسقط النظام السوري؟ هذه هي حالة الضرورة القصوى للعرب!

=====================

ثورة سورية واستهزاء التاريخ .. منير الخطيب

الحياة

السبت 14-3-2015

تجاوزت إرادة الحرية عند السوريين، بعد مضي أربع سنوات على انطلاق ثورتهم، الأسطورة السيزيفية المشهورة، وكما أن سيزيف قضى قبل أن يستطيع إيصال الصخرة إلى أعلى الجبل، كذلك فإن السوريين لم يصلوا إلى الحرية وإلى الدولة الوطنية، على رغم إراداتهم السيزيفية وإسقاطهم مرتكزات «الدولة التسلطية». ولكن، لماذا استهزأ التاريخ بتلك الإرادات؟ ولماذا سحقت «قاطرته العمياء» أحلام السوريين وتطلعاتهم ودفعت جميع عفاريت الأرض إلى اللعب على المسرح السوري؟ شاء التاريخ أن يدفع حزمة من التحولات الكونية التي هندسها في القرن العشرين، في مواجهة ثورة السوريين. تفاعلت تلك التحولات مع العمارة المجتمعية والبنى الثقافية - السياسية المتأخرة التي ساهمت في إعادة تشكيلها «الدولة» البعثية ذات الملامح السلطانية المحدثة، فأنتجت عناصر فتكت بنزوع السوريين البروميثيوسي نحو الحرية، وقد تملّكهم من بداية ثورتهم السلمية.

فكان على الثورة السورية أن تتحمل تبعات انطلاقها في زمن ارتباك أميركي، ولحظة تحول في الاستراتيجيات الأميركية تجاه قضايا المنطقة، وفي سياق ضمور البعد الديموقراطي – التنويري للغرب وانحسار دوره الكوني، قياساً إلى دوره في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ما أعطى زخماً إضافياً للقوى المتأخرة ثقافياً وسياسياً، سواء كانت دولاً أم تنظيمات، أن تصعد وتملأ الفراغ الذي أحدثه الانكفاء الأميركي والانحسار الغربي، وبرز ذلك جلياً في القضية السورية.

وكان على السوريين وثورتهم مواجهة الأطماع الإمبراطورية للقيصر والمرشد معاً. فالأول، أراد أن يعيد لروسيا دوراً عالمياً على أنقاض حطام الاتحاد السوفياتي السابق من البوابة السورية. والمرشد أدرك أن كسر مشروع الهيمنة الإيراني على المشرق العربي في حلقته السورية يعني انحساره في كامل الإقليم، فوقف الاثنان بكل قوتهما خلف آلة البطش والقتل للسلطة السورية، ومنعا الحسم العسكري، في الوقت الذي منعا فيه الحلول السياسية.

وكان على السوريين وثورتهم، أيضاً، مواجهة آثار انهيار «دور سورية الإقليمي» في المشرق الذي كان من مكونات الهيمنة الشمولية للسلطة، وما نجم عن هذا الانهيار من زيادة في حجم التدخلات الإقليمية في الوضع الداخلي السوري، وانفلات القوى الميليشياوية التي شكل النظام السوري، في ما مضى، مايسترو لها، كي تعيث تدميراً وتخريباً في الواقع السوري، وتساهم بفاعلية في زيادة وتيرة تشظي «المجتمع» وتسعير منطق الحرب الداخلية، وتحولت السلطة التي كانت تتباهى ب «دورها الإقليمي»، إلى تركة «الرجل المريض» التي يجب اقتسامها من جانب الدول الإقليمية وميليشياتها.

كذلك، واجه السوريون ظاهرة غير مسبوقة في التاريخ: وهي العداء المطلق ما بين السلطة و شعب «ها». فللمرة الأولى في التاريخ، تشهد البشرية سلطة تدمر العمران وتقتل البشر بهذه الطريقة الاقتلاعية، وبمختلف صنوف أسلحة التدمير والقتل، ما سبب خروج غالبية المنادين بالحرية والتغيير السلمي – الديموقراطي من ميدان الفاعلية المجتمعية، ونمو التنظيمات المتطرفة وتَراكبها مع التدخلات الإقليمية والانقسامات العمودية، فتحولت سورية إلى ساحة تتصادم فيها الهويّات.

إن انتقال الثورة السورية من مستوى تكتل السوريين حول مسألة الحرية إلى مستوى الفوضى الراهن وحرب الجميع على الجميع، لا يلغي مشروعية الثورة الأخلاقية والتاريخية والسياسية، بمقدار ما يؤشر إلى قوة عوامل التاريخ التي أمسكت بخناق السوريين، وأيضاً، على عمق أزمات عالمنا المعاصر في ظل إدارة أميركية ركيكة تخلت عن مسؤولياتها كدولة عظمى.

* كاتب سوري

=====================

من الذي نفذ «المؤامرة» على سوريا؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 14-3-2015

بعد أربع سنوات على الثورة السورية، سأتفق بشكل كامل دون أي تردد مع النظام السوري ووسائل إعلامه وكل القوى المتحالفة معه بأن سوريا تعرضت لمؤامرة شيطانية كان هدفها تدمير سوريا، وتشريد شعبها والقضاء على دورها الاستراتيجي التاريخي في المنطقة. سأتفق أن المؤامرة استهدفت «قلب العروبة النابض» وخنق آخر رمق عروبي قومي في المنطقة العربية. لن أختلف معكم. أتفق معكم أن المطلوب هو الإجهاز على كل من يرفع شعاراً عروبياً يذكر العرب بهويتهم، ويريد أن يجمع شملهم تحت راية عربية واحدة. ماشي. سأتفق معكم أن المطلوب تدمير أي نظام عربي يحلم بأن يكون لديه قرار وطني مستقل حقيقي. ولن أختلف مع الرئيس السوري عندما قال قبل أيام في لقاء مع مسؤول كوري شمالي إن سوريا وكوريا الشمالية مستهدفتان من أمريكا لأنهما صاحبتا قرار وطني مستقل، وترفضان الهيمنة الامبريالية والصهيونية على العالم. ماشي يا سيادة الرئيس.

سأتفق مع حلف الممانعة والمقاومة، وسأبصم له بالعشرة أن رأس سوريا مطلوب لأنها العمود الرئيس في حلف الصمود والتصدي لقوى الهيمنة والاستكبار العالمي. ماشي. سأتفق معكم مئة في المئة أن المطلوب من المؤامرة على سوريا ضرب الجيش السوري في الصميم وتفكيكه كونه أحد الجيوش العربية القليلة الباقية شوكة في خاصرة العدو الصهيوني إسرائيل. سأتفق معكم أنهم قضوا على الجيش العراقي، وقد جاء دور القضاء على الجيش السوري الباسل. ماشي.

لن أناقشكم بأن سوريا هي البلد العربي الوحيد الذي استطاع تأمين الأمن الغذائي والدوائي، فأمّن مخزوناً استراتيجياً من القمح لعشرات السنين، كما بنى مصانع أدوية عظيمة أمنت للسوريين الدواء، لا بل كانت تقوم بتصدير الفائض إلى الخارج. لن أختلف معكم في أن المطلوب كان القضاء على البنية الصناعية في سوريا، وخاصة في حلب التي كانت تحتض أهم المعامل في سوريا، وتنتج أعظم السلع والبضائع. لن أختلف أيضاً معكم بأن المؤامرة استهدفت الاقتصاد السوري الذي بدأ يتعافى بشكل رائع في العقد الأول من هذا القرن. إن قلتم إن سوريا تعرضت لمؤامرة، سأقول لكم، لا بل تعرضت لأبشع مؤامرة عرفها العرب خلال تاريخهم الحديث. ماذا تريدون أكثر من ذلك. نحن متفقون.

لكن دعوني الآن أسألكم: من الذي نفذ تلك المؤامرة الحقيرة على سوريا، ومن الذي وفر لها كل أسباب النجاح؟ من الذي قضى على دور سوريا في المنطقة، وحوّلها من لاعب إلى ملعب، أو حتى إلى ملعوب به؟ من الذي حوّل سوريا من فاعل إلى مفعول به؟ أليس الذي ورطها في صراع داخلي، وفتح كل الأبواب للقاصي والداني كي يدخل ويعبث بأمن سوريا، ويجعلها ساحة لتصفية حسابات دولية وإقليمية وعربية؟ البادئ دائماً أظلم. ومن بدأ اللعبة الخطيرة؟ إنه النظام الذي يشتكي الآن من المؤامرة.

من الذي جعل سوريا تابعاً ذليلاً الآن لقوى إقليمية كأيران؟ من الذي جعل الجنرال الإيراني قاسم سليماني يظهر في الإعلام على أنه القائد الحقيقي لسوريا عسكرياً وسياسياً؟ من الذي جعل أصغر مسؤول إيراني يصرح بأن دمشق هي مربط خيلهم؟ من الذي جعل الإيرانيين يتشدقون ليل نهار بأنه لولاهم لما صمد بشار الأسد ساعة واحدة؟ هل كنتم ستسمحون لإيران بأن تتصرف بهذه الطريقة لو كان لديكم فعلاً قرار وطني مستقل يا سيادة الرئيس؟ ألا تشعرون بالخجل والدونية عندما تسمعون هيثم مناع «المعارض الوطني الشريف» وهو يتهم النظام بأنه ليس سيد قراره، وبأن أهل الحل والعقد، المسؤولين عن سوريا، موجودون في طهران وليس في دمشق؟ كيف تردون على المبعوث الدولي إلى سوريا الأخضر الابراهيمي عندما يكرر كلام هيثم مناع بحذافيره؟ ستقولون الآن إن المؤمرة هي التي جعلت النظام يسلم مقاليد الأمور لإيران. وطبعاً هذا كلام فارغ، فلو أنكم تصرفتم بحكمة في بداية الثورة، ولم تضحك عليكم إيران وروسيا وتدفعا بكم لمواجهة الشعب بالحديد والنار لما أصبحتم الآن مجرد ألعوبة في أيدي الملالي. لماذا لم تقولوا لإيران التي قالت لكم إنها قادرة على القضاء على الثورة السورية كما قضت على الثورة الخضراء، لماذا لم تقولوا لها إننا لا نريد أن نفتح أبواب جهنم على سوريا؟ لماذا قبلتم معها بسحق الثورة بدل النزول عند مطالب الناس؟ هل كنتم ستجدون أنفسكم الآن لعبة في أيدي إيران لو أنكم لم تتركوا الأمور تنفلت من أيديكم بسبب حساباتكم الحمقاء؟ هل كنتم ستفقدون السيطرة على قراركم الوطني المستقل؟

رأس العروبة مطلوب في دمشق. صحيح. لكن من الذي جعل السوريين يكفرون بعروبتهم؟ أليس الذي لم يترك سلاحاً إلا واستخدمه ضدهم لمجرد أنهم طالبوا بقليل من أوكسجين الحرية؟ كيف تريدون من السوريين أن يفتخروا بهويتهم إذا سلطتم عليهم أبشع أنواع الوحوش العسكرية والأمنية؟ إن السياسة التي اتبعتموها مع السوريين بعد أن ثاروا شبيهة تماماً بما تفعلونه مع الجنود السوريين عندما يلتحقون بالجيش لأول مرة. لطالما شاهدنا الضباط يدوسون كرامة الجنود، ثم يطالبونهم بأن يعتزوا بأنفسهم. نكتة. هل كان العالم ليعزلكم ويحاصركم ويطردكم من المنظمات العربية والدولية، ويحرم السوريين من أبسط المواد لو أنكم لم تجرموا بحق السوريين؟ هل كان الشعب السوري سيجد نفسه في بطون الحيتان والأسماك في عرض البحار لو أنكم لم تفضلوا الحل العسكري الأمني الإجرامي على الحل المدني منذ الأيام الأولى للثورة؟

لن نختلف معكم بأن سوريا كانت حاضنة لكل حركات المقاومة في المنطقة. ماشي. لكن من الذي دمر هذه الحاضنة الآن سوى طيشكم وعنجهيتكم؟

هل كنتم لتستعينوا بكل الميليشيات المرتزقة لو أن جيشكم مازال قادراً على مواجهة المؤامرة؟ من الذي أوصل الجيش السوري إلى هذا الحال البائس؟ المؤامرة أم سياستكم الرعناء؟ ترمون بجيشكم في قلب جهنم ثم تشتكون من المؤامرة. نعم فإن أعداء سوريا يريدون القضاء على الجيش السوري، لكن بربكم من يقود الجيش؟ ليس بإمكانكم أن تتهموا أمريكا وإسرائيل مباشرة هنا، فأمريكا لم تطلق ولا حتى وردة على جيشكم، لا بل هبت بطائراتها لنجدتكم في شرق وشمال سوريا عندما بدأت تهددكم داعش فعلياً. إذاً: لا تقولوا لنا إن أمريكا دمرت جيشكم كما فعلت في العراق.

لنتحدث أخيراً عن الدمار الهائل الذي جعل سوريا تبدو كمدن الحرب العالمية الثانية وربما أبشع. لقد تحولت المصانع والصوامع إلى حطام. لكن كل ذلك بفضل همجيتكم. لم تتركوا مصنعاً ولا مدرسة ولا جامعاً ولا صومعة إلا وأحرقتموها بحجة دخول الإرهابيين إليها. ثم تشتكون من تدمير سوريا ونهضتها واقتصادها. لن أختلف معكم أن العصابات المسلحة ساهمت في التدمير والتهجير. لكن هذا الدمار الهائل يحتاج إلى طائرات، وصواريخ عابرة للمدن، وجحافل دبابات، ومدرعات، ومدفعية ثقيلة جداً، وراجمات صواريخ، وسلاح كيماوي. وكل ذلك ليس متوفراً لدى الجماعات الإرهابية. ولو توفر بعضه، فبالتأكيد لن يكون قادراً على إحداث كل هذا الدمار الرهيب. ربما دمرت الجماعات الإرهابية عشرين في المئة، لكنكم أنتم دمرتم ثمانين في المئة من سوريا بهمجيتكم وسياسة الأرض المحروقة، لأن جيشكم هو الوحيد الذي يملك القوة التدميرية العسكرية الحقيقية. إذاً من المتآمر على تدمير سوريا؟ بالتأكيد أنتم وجيشكم. أو كي لا تزعلوا: من الذي نفذ المؤامرة الحقيرة؟ أنتم بالتأكيد يا من تشتكون ليل نهار من المؤامرة الكونية.

وأخيراً، حتى لو نجحت العصابات المسلحة فعلاً في تهجير خمسة عشر مليون سوري وتدمير ثلاثة أرباع سوريا، فهذه وصمة عار في جبينكم وجبين جيشكم يا سيادة الرئيس، لأنها تعني شيئاً واحداً: أن النظام الذي يحكم سوريا نظام بائس تعيس فاشل لم ينجح في حماية سوريا وشعبها من هؤلاء الإرهابيين. وبالتالي هو المسؤول عن نجاح المؤامرة.

تشتكون من المؤامرة، وأنتم من نفذها بحذافيرها.

=====================

موقفنا : ( نعم ... الموقف الأمريكي لم يتغير !!) فلنقطع على الأمريكيين مشروع حشر الشعب السوري في مربع داعش .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 17-3-2015

بالنسبة لمتابع جاد صادق مع نفسه ومع ثورة شعبه ، لم يكن جديد في (تصريح كيري) الأخير. لم يكن جديد في تصريح كيري بالنسبة لأهل الصدق مع النفس ومع الثورة ، وحزبهم الكبير في السوريين ومنهم . ولكن هذا التصريح كان مزلزلا لأقدام ومواقف كل الذين راهنوا طويلا على الموقف الأمريكي ، وتلطوا طويلا تحت الراية الأمريكية ، وحسبوا الأمريكيين أصدقاء ، وتأدبوا في حضرتهم وطالبوا غيرهم أن يكونوا أكثر أدبا ...

 لقد تحدث الوزير كيري في تصريحه الأخير عن اضطرار للتفاوض مع الأسد!! فهل كان سيعتذر لنفسه بالاضطرار الأخير لو كان يعبر عن استرسال في موقف قديم ممتد كما يحاول البعض أن يرقّع أو أن يخرّج أو أن يداهن أو أن يناور ...

بالنسبة إلى الصادقين مع أنفسهم ومع ثورتهم ومع شعبهم لم يكن جديد في موقف كيري ، ولا في الموقف الأمريكي الجديد... رغم أنه ظهر على حقيقته أشد وقاحة وأشد قباحة . لقد كان كيري أشد ما يكون وقاحة وقباحة وشؤما وهو يكشف حقيقة الموقف الأمريكي الاستراتيجي الأصيل المستقر ، المنحاز أبدا إلى مشروع إبادة السوريين ، المؤيد والداعم للقاتل المستبد حبيب الفناء عدو الحياة بالتواطؤ أو بالصمت ، وفي رفض نصرة المستضعفين الأبرياء من الرجال والنساء والولدان ، وأخيرا في الانخراط المباشر في مشروع تشويه هذه الثورة الجميلة ، وحرفها عن مسارها ، وحشرها في خانة المتطرفين الإرهابيين المصنوعين على عين ، المرصودين لقطع الطريق على ربيع الخير . .

 دوّمنا من قبل طويلا في دوامات الجدل مع أصحاب القراءات الحالمة أو المتوسلة للموقف الأمريكي ، الذين خرجوا علينا اليوم يكررون : إن الموقف الأمريكي لم يتغير ، وأن السيد جون كيري عنى ..وقصد ... وأراد ... سنمسك مع هؤلاء بحقيقة أن الموقف الأمريكي من الثورة السورية ( لم يتغير ..) ، بل سنؤكد معهم على هذه الحقيقة ، وليسمحوا لنا أن نستجلي معا حقيقة الموقف الأمريكي من الثورة السورية ، الموقف العملي أولا كتعبير عن وجه واقعي للسياسة الأمريكية القبيحة ، والموقف المعلن متكاملا غير منقوص والذي ظل السيد أوباما وكيري يتناوبان التعبير عنه ...

منذ بداية الثورة ، ومنذ أشهرها الأولى ، أيام كانت الثورة السورية سلمية بيضاء لا شية فيها ، عزلاء لا عصا ولا حجر فيها ؛ تجسد الموقف الأمريكي وعلى مدى أشهر ، ومن ورائه الموقف الدولي ؛ بمزدوجتين : الأولى تشجيع الشعب السوري على الاندفاع أكثر في طريق الثورة ، بمفهوم خلق بعض الإرباك للأسد الحليف الاستراتيجي المشاكس ، لامتلاك ورقة ضغط ضده . وبلغ هذا الموقف مداه بنزول السفير الأمريكي بنفسه إلى الميدان ليس ميدان دمشق فقط بل ميدان حماة في ساحة العاصي أيضا .. ليتوازى هذا الموقف المعلن الذي لم يكلف الأمريكي شيئا مع إغضاء متواطئ مجرم على كل الجرائم ضد الإنسانية التي بدأ بشار الأسد باستخدامها ضد الشعب السوري، وضد المتظاهرين السلميين ، ضد الطفل والمرأة والشيخ الكبير والشاب الأعزل بصدره العاري . كان الأمريكي كالمشجع على الشر يكتفي بالمكاء والتصدية ، بالتصفير والتصفيق فيطلق إدانات باهتة ، واحتجاجات صفراء واهنة ، ويستمتع بصور حمزة الخطيب وهاجر الشرعي وإبراهيم قاشوش ومئات بل آلاف صور الجريمة المروعة لا يحتملها ضمير إنسان ( سوي ) وأصر على وصف الإنسان السوي .

 وكان المجرم القاتل يستمتع بفرصته وبجريمته أيضا، ويمرر مخططه تحت مظلة التواطئ الدولي بدفع الشعب السوري إلى ساحة المواجهة العنيفة دفاعا عن عرض كان انتهاكه سلاحا أول ، وعن دماء تسفك بلا حساب ، وعن منازل تهدم بلا حسيب . ورفض المجتمع الدولي الذي يقوده الأمريكي أن يقوم بواجبه تجاه (حماية المدنيين) كما تنص عليه القوانين الدولية نفسها . فهل ما زال في المدافعين عن السياسات الأمريكية والمتلظين على العتبات الأمريكية لثما وتقبيلا من يجاحدنا في هذا ؟ هل في هؤلاء الذين أثخنوا في خذلان أهليهم وشعبهم وثورتهم وقد صادروا قرارهم بدبلوماسيتهم المفعمة بالتخاذل من يستطيع أن يرد هذه الحقائق عن الموقف الأمريكي الذي نقول إلى اليوم نحن أيضا بكل الجرأة إنه لم يتغير .

ثم وبعد أن زُج الشعب السوري والثورة في دوامة العنف ، اضطرارا لا اختيارا ، تجسد الموقف الأمريكي ونكرر الذي يقود الموقف الدولي في السكوت على جريمة تطوير بشار الأسد استخدامه لأدواته العسكرية، لينتقل من السلاح الخفيف إلى السلاح الثقيل، من البارودة والرشاش إلى حاملات الجنود والدبابات وراجمات الصواريخ ثم إلى المدفعية ، مدفعية الميدان ، والمدفعية الثقيلة والبعيدة المدى ..ضد أحياء سكنية تغص باللحم الحي من أجساد الرجال والنساء والأولاد والبنات ،وأغرى الصمت الأمريكي القائد للموقف الدولي ، المتواطئ مع الجريمة بشار الأسد أكثر فانتقل إلى الصواريخ البالستية بعيدة المدى وإلى الطيران المروحي ثم إلى الطيران الحربي بقذائفه الثقيلة وقنابله العنقودية والفراغية ثم ببراميله المتفجرة ليتوازى – مرة أخرى - مع الصمت الأمريكي الذي يعني الرضا والقبول إصرار أمريكي على رفض تقديم المساعدات الاستراتيجية التي تعين الشعب السوري على مواجهة شراسة الطاغية وإجرامه . لم ترفض الولايات المتحدة أن تمد السوريين بالمساعدات الاستراتيجية فقط ، بل تهددت كل من يفكر بمساعدتهم من دول الإقليم ، بكل ما تملك دولة عظمى مثل الولايات المتحدة من أوراق ...

 وبدأ بشار الأسد وحلفاؤه باستنبات قوى التطرف على ضفاف هذه الثورة الوطنية الوضيئة ، لتكون هذه القوى دريئة يتخفى وراءها أصحاب المقاصد المريبة . فأوغل الموقف الأمريكي مع المجرمين في الجريمة ، واتسعت ساحة اللعبة وامتدت من سورية إلى العراق ، في مساندة المشروع الطائفي على إتمام لعبته ، وإحكام دائرة شره ، ومساعدته في إنجاز مشروع حرب إقليمية مفتوحة خدمة لمشروع إيراني مذهبي شاهنشاهي يعوض الأمريكان ما عجزوا عن تحقيقه بمخالب المشروع الصهيوني .

وتجسد الموقف الأمريكي مرة ثالثة في إطلاق يد الولي الفقيه في الشام والعراق واليمن في ارتكاب الفظائع والجرائم . ولقد سمح الأمريكيون وهم يراقبون المشهد وعلى عين كما صرحوا مرارا وشركاؤهم بتحويل المعركة التي تدور في سورية بين ظالم مستبد وشعب متطلع للحرية والعدل إلى حرب مذهبية ، رخّص من خلالها الموقف الأمريكي لكل شيعة العالم أن يتوجهوا إلى سورية ويشاركوا في استباحة سكانها من غير مساءلة ولا محاسبة ولا تثريب محرضا في الوقت نفسه على استدعاء متطرفين مواجهين سيتم تصنيفهم كإرهابيين ، وإعلان الحرب على الثورة السورية بذريعتهم بوصفها حربا على الإرهاب. والتحالف مع كل الشياطين الحقيقيين لحرب المشيطنين المصنعين وهي النتيجة التي أفصح عنها كيري في تصريحه الأخير .

كان الموقف الأمريكي الصريح والواضح والصارم منذ الأيام الأولى ألا تنتصر الثورة السورية . واختبأ الأمريكي طويلا وراء عنوان ( الحل السياسي ) . وتناسى أوباما أن الشعب السوري لم يثر ضد حاكم مستبد هو بشار الأسد فقط ؛ الشعب السوري ثار ضد منظومة أو عصابة فساد واستبداد وجريمة تشهد كل تقارير المنظمات الدولية : الإنمائية منها والإنسانية والسياسية على تفسخها وانحلالها فأي سر إنساني أو سياسي أو مدني يدفع الرئيس أوباما أن يكرر على مدى أربع سنوات تمسك الإدارة الأمريكية بمثل هذه المنظومة من الإجرام والقذارة والانحطاط والتسفل الإنساني ..

أربع سنوات على الثورة السورية والموقف الأمريكي ، ومن ورائه الموقف الدولي يمنح بشار الأسد الفرصة المتطاولة لقتل السوريين وتهجيرهم وكسر إرادتهم ، حتى السلاح الكيماوي الذي أعلنه أوباما خطا أحمر عاد ليتسامح فيه في صيغة غاز الكلور الذي رخص الأمريكي المتحضر لبشار المجرم باستخدامه ...

لم يتغير الموقف الأمريكي ولن يتغير فعلى الذين ما زالوا يراهنون عليه أن يدركوا ذلك ..

الموقف الأمريكي ومن أمامه بشار الأسد وإيران وروسية ومن ورائه مجتمع دولي أشل يريدون أن يدفعوا الثورة السورية والشعب السوري إلى أحضان مشروع التطرف الداعشي لينتزعوا لأنفسهم أسباب براءة تاريخية يخفون وراءها اشتراكهم المجرم في إبادة شعب هو الشعب السوري وتدمير حضارة هي الحضارة السورية ومصادرة مشروع حضاري للعدل والنماء والبناء هو المشروع الوطني السوري الجميل ...

وعلى السوريين جميعا أن يتكاتفوا لقطع الطريق على المشروع الأمريكي الرجيم مشروع دفع السوريين إلى مربع اليأس مربع التطرف والتسفل والردة عن الحياة وعن العصر وأن يسطروا في سفر ثورتهم المبين أن الأمريكي بكل تلونه كان شريكا أولا ومباشرا في كل الجرائم التي نفذت على الشعب السوري ...

لندن : 26 / جمادى الأولى / 1436

17 / 3 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

======================

لماذا فشل تنظيم «داعش» في كسب قلوب العرب السنة؟ .. الطاهر إبراهيم

القدس العربي

السبت 14-3-2015

الاجتياح الخاطف لشمال غرب العراق الذي قام به تنظيم الدولة «داعش» أثار مشاعر متناقضة لدى العراقيين على ضفتي المشهد، الذين اصطفوا وراء رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أصيبوا بالذهول والإحباط بانهيار الجيش العراقي الذي أنفق المليارات على أسلحته، ليتركها غنيمة سهلة بين يدي «داعش»، وما كان أبو بكر البغدادي ولا رجاله ليحلموا أن يمتلكوا مثل تلك الكمية من الأسلحة، كمية ونوعية، ما جعل تنظيم «داعش» بهذه الأسلحة جيشا مكتملا، خصوصا وقد أصبح يحكم مدنا كبرى في العراق، ويهيمن على مساحات شاسعة تستطيع كتائبه مهاجمة ما يليها من مناطق يسيطر عليها جيش المالكي.

على الضفة الأخرى من المشهد شعر المضطهدون من عرب السنة في العراق أنه حان الوقت لكي يتخلصوا من الاضطهاد الطائفي الذي تمارسه ميليشيات الحشد الشيعي في مناطق يعيش فيها عربٌ سنة بجانب الشيعة. كما تأملت المناطق التي فيها أكثرية سنية أن يتم دخولها المشهد السياسي الرسمي بتعديل ميزان الحكم، بحيث يشارك العرب السنة في حكم العراق.

نجح تنظيم «داعش» في لعبة الكر والفر التي مكنته من الاستيلاء على مساحات أخرى جديدة لم تدخل في نطاق حكمه عند استيلائه على الموصل وما جاورها. هذه المقدرة العسكرية تعود بالدرجة الأولى إلى انضمام ضباط من الجيش العراقي ممن حارب في عهد صدام حسين. وفعلا شعرعراقيون كثر بأن الحركة التي أطاحت بقادة الجيش العراقي في الموصل وما حولها يقودها ضباط عراقيون سرحهم من الجيش العراقي، الأمريكي بول بريمر، حاكم العراق، بعد اجتياح أمريكا للعراق في آذار/مارس 2003. وقد تأكد هذا الشعور لأن سكان الموصل وما جاورها لم يبدوا أي احتجاج في وجه حكامهم الجدد.

النجاح العسكري لتنظيم الدولة لم تقابله سياسة راشدة يوم اجتاح أرض المسيحيين واليزيديين وما رافقها من اضطهاد لهم، وقد عاشوا مع العرب منذ الفتح الإسلامي وحتى أيامنا، ما جعل العراقيين يرفعون حواجبهم تعجبا واستنكارا متسائلين: ما الفائدة التي يجنيها تنظيم «داعش» من هذه السياسة الخرقاء، ولم تكن هذه الأقليات يوما شوكة في حلق أحد؟

إن السياسة الخاطئة التي اتبعها تنظيم «داعش» مع السكان السنة والمسيحيين والقسوة التي اتبعها معهم، بل والقتل الذي كان يمارسه عليهم، جعلت السكان في محافظة الرقة وفي شمال العراق يهجرون ديارهم. قد تكون هناك مبالغة في أعداد من قتلهم تنظيم «داعش»، لكن إعلان هذا القتل على صفحات اليوتيوب جعل صفة القتل والذبح تلتصق بالتنظيم، بل إن اللباس البرتقالي الذي كانوا يُلْبسونه لمن يذبحونهم والذي يشبه اللباس الذي ألبسه الأمريكيون لمعتقلي غوانتنامو، جعل البعض يتساءل عن حقيقة العلاقة بين تنظيم الدولة وواشنطن؟

اليوم تجري عمليات استئصال لتنظيم «داعش» في محافظة صلاح الدين في العراق. ومن يتابع الفضائيات التي تنشر أخبار القتال هناك، يلحظ أن المواطن العربي السني يشعر بارتياح عندما يوقعون القتلى في صفوف الحشد الشعبي والجيش العراقي الذي يحوي عددا قليلا من السنة، مع أن هذا المواطن كان يمتعض من ممارسات تنظيم الدولة «داعش» واستهانته بحياة من يحكم عليهم بالإعدام لذنوب هامشية، ومن الطريقة التي يتم بها الإعدام.

بمقارنة بسيطة بين «داعش» و»جبهة النصرة» التي وضعتها واشنطن على لائحة الإرهاب، إلا أن هذه تحظى بتعاطف كبير من الأهالي في المناطق التي تسيطر عليها جبهة النصرة في سورية. فلم ترتكب الجبهة مجازر كما فعل «داعش». وعندما قامت النصرة بإنهاء وجود جبهة ثوار سورية التي يقودها جمال معروف من محافظة إدلب، قوبل ذلك بارتياح شعبي. هذا الأمر تم مع «حركة حزم»، التي أخرجتها جبهة النصرة من الساحة، والفصيلان ممن ترضى عنهما واشنطن. لذلك لم يجدا من يتعاطف معهما من المواطنين السوريين. دعك مما يقوله محللو الأخبار.

بالعودة إلى المعارك الجارية في صلاح الدين، فإن قلة من العرب السنة من يتمنى أن ينتصر الجيش العراقي والحشد الشعبي على تنظيم «داعش»، لأنهم يتخوفون مما سيفعله الحشد الشعبي، كما جرى في منطقة ديالى وسامراء من قتل على الهوية. فالعرب السنة في تكريت يتخوفون من مذابح تحل بهم إذا ما انتصر الحشد الشعبي، انتقاما من قبيلة صدام حسين.

٭ كاتب سوري

=====================

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com