العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 28-12-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

هل تحقق حرب النفط ما عجزت عنه السياسة .. بدر الدين حسن قربي

لم يعد خافياً أن حرباً عالمية نصف ساخنة تدور رحاها الآن في أسواق النفط والبورصات العالمية بين دول كبرى مسيطرة على السوق فيما بينها، يمكن أن تقود إلى أزمة اقتصادية كبرى لعدد من الدول إقليمياً وعالمياً، تكون بمثابة ارتدادات سياسية للتدخلات والتحالفات الإيرانية والروسية لما هو حاصل في سوريا وأوكرانيا تحديداً، وكأنه يراد للاقتصاد أن يحقق ماعجزت عنه السياسة لتليين مواقف داعمي الأسد ولجم طموحاتهم الإقليمية.

تتجة الأنظار إلى أن السعودية هي رأس الحربة فيما هو حاصل باعتبار قوتها وتأثيرها على السوق النفطي العالمي، واعتبار تعاطيها مع السوق بمثابة المؤامرة المتفق عليها مع الأمريكيين لأهداف سياسية عجزوا عن تحقيقها. فقبل أيام ذهب الرئيس روحاني مغاضباً بأن هبوط أسعار النفط العالمية ليس مسألة اقتصادية فحسب، بل هو ناجم عن مؤامرة وخطة سياسية لبعض دول المنطقة، ومثله قول نائبه إسحاق جهانك?ري بأنها ليست قضية طبيعة ولا يمكن أن تكون ناتجة عن العرض والطلب مخاطباً دول المنطقة (الخليج) أن تُقلع عن مؤامراتها. وبمثل الإثنين قال بوتين: قد يكون هناك اتفاق بين السعودية وأمريكا لخفض أسعار النفط لمعاقبة إيران والإضرار بروسيا وفنزويلا، بل حتى الجزائر على لسان عمار سعداني الأمين العام لحزب جبهة التحرير، اتهمت السعودية بالمشاركة فيما سماها مؤامرة غربية لتركيع روسيا وفنزويلا ونيجيريا وإيران والجزائر من خلال تخفيض الأسعار بهدف تجويع شعوبها.

وإنما لو تركنا التصريحات إلى الأرقام فهي تشير إلى خطورة المعركة الدائرة أيضاً، فَقَدْ خسر برميل النفط نصف قيمته ابتداءً من حزيران/يونيو العام الحالي التي كانت 115 دولاراً وهو اليوم دون الستين، بل ومرشح لما دون الأربعين دولاراً. وهو هبوط انعكس على سعر صرف الروبل الروسي أمام الدولار واليورو فوصل أدنى مستوياته، حيث تجاوز سعر صرف الدولار مستوى 75 روبلًا بعد أن كان عند مستوى 34 روبلًا في بداية العام الحالي مما يمكن اعتباره مقدمة السقوط. أما على الصعيد الإيراني، فقد تضافر هبوط الأسعار مع إجراءات الحظر الاقتصادية مما يعني بالأرقام نقص في دخل الميزانية الإيرانية يقدّر بأكثر من خمسة مليارات شهرياً. وهي مُخْرَجات تعتبر بمثابة ضربة موجعة جداً للجميع بما فيها السعودية والتي هي أقلهم ألماً، بسبب ماتملكه من احتياطي هائلٍ من الدولار، المكشوف منه للإعلام هو 750 مليار، والذي يمكن أن تتحمل معه عدداً من السنين مع هذه الحرب، على خلاف الروس والإيرانيين الذين احتسبوا ميزانياتهم وصرفهم لسنوات قادمات على أساس سعر وسطي هو مئة دولار للبرميل.

يبدو أن حرب الأسعار النفطية ماضية ومرشحة لتطورات خطيرة، فهبوط الروبل إلى النصف خلال أسبوعين تقريباً ضربة فنية وأليمة للاقتصاد الروسي رغم كل محاولات المعالجة والإسعاف، وكذلك الخسارة الإيرانية الضخمة لملياراتٍ يمكن أن تضخها في دعم النظام السوري وبراميله وتدخلاتها في لبنان واليمن. وعليه، فهل يسكت الروس العنيدون أو يفكّرون بقلب الطاولة وما عليها لأنهم تحديداً أمام نتائج أحلاها شديد المرارة، ومثلهم نظام الملالي الذي يتهدد ويتوعد على الدوام من يسميهم المتآمرين على خط مقاومته وممانعته، أم هل يبلع الطرفان خسارتهم ومكابرتهم ويتفهمون تعديل مواقفهم، ويستفيدون من نصيحةٍ قالها غورباتشوف آخر رؤساء الاتحاد السوفيتي مخاطباً الرئيس بوتين: لا تركب رأسك، فإن هذا ماخرب حياتي، ومخاطباً حضور إطلاق كتابه: بعد الكرملين قبل أقل من شهر: إن بوتين أصيب بالمرض نفسه الذي أصابني في وقت سابق، وهو الثقة الزائدة بالنفس، إنه يعتقد أنه بمرتبة لايعلو عليها إلا الله وحده..!

يبدو أن لا أحداً منهم يستمع، لا بوتين ولا غيره من حلفائه القامعين والديكتاتوريين من الملالي وغيرهم، لأن جميعهم يخوضون في مستنقع قتل السوريين وتشريدهم وتخريب ديارهم، مما لايمكن معه أن يخرجوا دون دفع الأثمان الباهظة لطموحاتٍ ظنوا أن تحقيقها يكون بدعم حليف لهم، قامعٍ ديكتاتوري مجرم، أوغل في الدم وتوحش في قتل شعبه وتشريده وتخريب دياره.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*  

موقفنا : على الطريقة الروسية يحتاج الثوار السوريون إلى تأكيد عقيدتهم القتالية ويحتاج الشعب السوري إلى حسم ( من هو العدو ) .. زهير سالم

مركز الشرق العربي - 27 / 12 / 2014

لا يشكل ما أقدمت عليه الدولة الروسية من إعادة تحديد العقيدة القتالية لجيشها ضرورة استراتيجية فقط ، بل هو في الوقت نفسه رسالة سياسية إلى الداخل والخارج سيتم على أساسها رسم الكثير من السياسات واتخاذ العديد من الخطوات .

يعتبر تحديد بوصلة عامة للصداقة أو العداوة في جدلية عالمية تسعى إلى البحث عن غاية وهدف ومغزى بعض محددات الحراك العالمي والدولي . تلك الحقيقة التي سبق للقرآن الكريم أن أشار إليها بقوله تعالى (( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ))

وكانت الولايات المتحدة ، ومنذ بدا واضحا انكشاف الموقف السوفييتي عن الانهيار الكبير ، قد سبقت إلى اقتراح إعلان الإسلام والمسلمين عدوا . قبل أكثر من عقد من أحداث 11 / 9 / 2001 ، الجريمة والذريعة . وكان ذلك بعض ما دعا إليه الرئيس الأمريكي الأسبق ( ريتشارد نيكسون ) في كتابه ( نصر بلا حرب ) حيث دعا إلى التفاهم والتصالح مع الصين ( العملاق رغم أنفه ) ومع اليابان ( العملاق الذي يستقيظ ) ورشح الرئيس نيكسون الإسلام والمسلمين ليكونوا ( العدو ) تحت عنوان ما سماه ( الخطر الأخضر ) .

وكان الإسلام في مرحلة من مراحل صراعه مع أعداء الدعوة الربانية قد سبق إلى إعلان ( المنافقين ) عدوا أول للدولة الناشئة ؛ فقال تعالى في سورة " المنافقون " (( وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ))

اليوم ومع تعقد المشهد السوري بتسلل الكثير من القوى والأيدي إلى الساحة السورية ، ومع دخول قوى دولية وإقليمية على معادلة الواقع السوري أصبح من الضروري بل من الأشد ضرورة أن تبادر القوى المفكرة في المعارضة السورية الراشدة إلى إعادة التأكيد على العقيدة القتالية للثوار السوريين من جهة ، وإلى تحديد بوصلة النبذ والرفض والعداء على المستوى الشعبي العام .

إن الواقع السوري اليوم أشد حاجة إلى عملية فرز القوى على أساس واحد هو مستقبل المجتمع والدولة في سورية ومصلحة الثورة ومشروعها الوطني المتجسد في بناء دولة للعدل والحرية والكرامة الإنسانية على أساس من المواطنة المتساوية ...

وإن أهم ما يجب أن نؤكد عليه في هذا المقام أن المبشرين بالمشروع الوطني السوري بمحدداته وآفاقه من قوى المعارضة الراشدة يرفضون قطعيا أي فرز للقوى المجتمعية السورية على أسس إيديولوجية دينية أو مذهبية طائفية أو عرقية أو على أي خلفية تتعلق بما يسمى في هذا العصر حرية الرأي والضمير . بل يدعو هؤلاء إلى ما يؤمنون به من ( المجتمع المدني الموحد ) الذي يجعل صون حرية السوريين وكرامتهم والدفاع عن حقوقهم كافة أساسا لتحديد المواقف وفرز القوى ..

وإن الشعب السوري ومن واقع المعاناة التي عاشها خلال نصف قرن ، حيث عاشت سورية عقودا طوالا بلا عدل ولا حرية ولا كرامة ، وحيث امتهُن الإنسان السوري بطريقة لم يُمتهنها إنسان في العالم ، ولا في المنطقة تحت حكم أي مستعمر أو عدو يعلن اليوم بكل وضوح وحسم وبلا تردد ولا تلعثم :

إن العدو الأول للثورة السورية وللشعب السوري وللمجتمع السوري هو بشار الأسد وطغمته العسكرية والأمنية التي دعمته وأيدته خلال نصف قرن من الظلم والانتهاك ثم خلال أربع سنوات من القتل والتدمير بكل وسائل القتل والتدمير .

ومن هذه العداوة التي يجب أن تكون واحدة وموحِّدة يفرز الثوار السوريون مواقفهم ويحددون بوصلتهم فيعادون بعداوتهم لهذا المستبد الفاسد ولطغمته كل من يؤيده ويدعمه بشكل مباشر أو غير مباشر ، عداوة تمتد إلى كل الشركاء والداعمين والمؤيدين والمدافعين عن هذه الطغمة على الصعد الرسمية والشعبية في المنطقة والعالم أجمع .

لا شك أن قواعد الاشتباك المختلطة اليوم على الأرض السورية تفرز العديد بل الكثير من التقطعات أو المفارقات أو الخصومات أو العداوات ولكن شيئا من ذلك كله لا يجوز أن يتقدم عند سوري حر نزيه على عداوة طغمة الاستبداد والفساد والقتل والانتهاك والتدمير .

ونحن نؤمن أن انتصار الشعب السوري على عدوه الأول – بشار الأسد وطغمته الأمنية والعسكرية – سيستتبع بالتالي الانتصار المباشر على كل القوى المعادية للمشروع الوطني السوري في الداخل ، وعلى كل المشروعات الإقليمية التي تستهدف حضارة أمتنا وثقافتها أو تحتل أرضها كائنة ما كانت هذه القوى .

وعلى التوازي فستظل الثقافة العنصرية الشوفينية المحرضة على الكراهية والنبذ والإقصاء واستعلاء بعض السوريين ضد بعض هي ومن تلبس بها موضع رفض ونبذ من قوى المجتمع السوري حتى يفيء الجميع إلى الكلمة السواء في مجتمع السواسية و( أسنان المشط ) و أن يقر كل فرد سوري وكل مجموعة أو تجمع سوري ( لهم ما لنا وعليهم ما علينا ) كلمة أقام عليها أبو عبيدة بن الجراح مجتمعنا الأول يوم الفتح العظيم . وعليها نواصل اليوم وعليها نفاصل ...

إن أعداء الشعب السوري والمجتمع السوري في الداخل والخارج هم أولئك الذين يريدون أن ينهجوا في أبناء هذه الأرض نهج فرعون. ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ )

لندن : 5 / ربيع الأول / 1436

27 / 12 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*  

رجالات سورية - الحلقة الأولى : رائد الحركة الإصلاحية العربية : عبد الرحمن الكواكبي .. محمد فاروق الإمام

هنا رجل الدنيا هنا مهبط التقى*** هنا خير مظلوم هنا خير كاتب

قفوا وأقرأوا (أم الكتاب) وسلموا*** عليه فهذا القبرقبر الكواكبي

بهذين البيتين رثى شاعر النيل حافظ إبراهيم رائد الحركة الإصلاحية في بلاد الشام المفكر والعلامة ،والكاتب والمؤلف، والمحامي والفقيه الشهيرعبد الرحمن الكواكبي،المولود في حلبعام 1848 لأسرة ذات شأن كبير في حلب.

والده هو أحمد بهائي بن محمد بن مسعود الكواكبي، ووالدته السيدة عفيفة بنت مسعود آل نقيب وهي ابنة مفتي انطاكية.

في مدينة حلب التي كانت تزدهر بالعلوم والفقهاء والعلماء درس الشريعة والأدب وعلوم الطبيعة والرياضة في المدرسة الكواكبية التي تتبع نهج الشريعة في علومها، وكان يشرف عليها ويدرّس فيها والده مع نفر من كبار العلماء في حلب.

كما أنه لم يكتفِ بالمعلومات المدرسية، فقد اتسعت آفاقه أيضا بالاطلاع على كنوز المكتبة الكواكبية التي تحتوي مخطوطات قديمة وحديثة، ومطبوعات أول عهد الطباعة في العالم، فاستطاع أن يطلع على علوم السياسة والمجتمع والتاريخ والفلسفة وغيرها من العلوم.

بدأ الكواكبي حياته بالكتابة إلى الصحافة وعين محرراً في جريدة الفرات التي كانت تصدر في حلب، وعُرف الكواكبي بمقالاته التي تفضح فساد الولاة.

ووجد الكواكبي أن العمل في صحيفة رسمية يعرقل طموحه في تنوير العامة وتزويدها بالأخبار الصحيحة، فالصحف الرسمية لم تكن سوى أبواق للسلطة، ولذلك رأى أن ينشئ صحيفة خاصة, فأصدر صحيفة "الشهباء" عام 1877 وهي أول صحيفة تصدر باللغة العربية، وقد صدرت في حلب وسجلها باسم صديقه كي يفوز بموافقة السلطة العثمانية أيامها وبموافقة والي حلب،‏ولم تستمر هذه الصحيفة طويلاً، إذ لم تستطع السلطة تحمل جرأته في النقد، فالحكومة كما يقول الكواكبي نفسه "تخاف من القلم خوفها من النار".‏

بسبب حبه للصحافة والكتابة تابع كفاحه الصحفي ضد الاستبداد فأصدر عام 1879 باسم صديق آخر جريدة الـ"اعتدال" سار فيها على نهج "الشهباء" لكنها لم تستمر طويلاً فتوقفت عن الصدور.

بعد أن تعطّلت صحيفتاه الشهباء والاعتدال، انكبّ على دراسة الحقوق حتى برع فيها، وعيّن عضوا في لجنتي المالية والمعارف العمومية في حلب، والأشغال العامة (النافعة) ثم عضواً فخرياً في لجنة امتحان المحامين للمدينة.‏

بعد أن أحس أن السلطة تقف في وجه طموحاته، انصرف إلى العمل بعيداً عنها، فاتخذ مكتباً للمحاماة في حي الفرافرة، أحد أحياء مدينة حلب قريباً من بيته، كان يستقبل فيه الجميع من سائر الفئات ويساعدهم ويحصل حقوق المتظلمين عند المراجع العليا ويسعى إلى مساعدتهم، وقد كان يؤدي عمله في معظم الأحيان دون أي مقابل مادي، حتى اشتهر في جميع أنحاء حلب بلقب (أبي الضعفاء)‏.

تقلد عبد الرحمن الكواكبي عدة مناصب في ولاية حلب فبعد أن عين عضواً فخرياً في لجنتي المعارف والمالية، عين مديراً رسمياً لمطبعة الولاية، ورئيسا فخرياً للجنة الأشغال العامة في حلب وحقق في عهده الكثير من المشاريع الهامة التي أفاد بها حلب والمناطق التابعة لها وفي عام 1892 عين رئيساً لبلدية حلب.

استمر الكواكبي بالكتابة ضد السلطة التي كانت في نظره تمثل الاستبداد، وعندما لم يستطع تحمل ما وصل إليه الأمر من مضايقات من السلطة في حلب التي كانت موجودة آنذاك، سافر الكواكبي إلى الهند والصين وسواحل شرق آسيا وسواحل أفريقيا وإلى مصر حيث لم تكن تحت السيطرة المباشرة للسلطات الحاكمة في اسطنبول، وذاع صيته في مصر وتتلمذ على يديه الكثيرون وكان واحداً من أشهر العلماء.

أمضى الكواكبي حياته مصلحاً وداعية إلى النهوض والتقدم بالأمة العربية وقد شكل النوادي الإصلاحية والجمعيات الخيرية التي تقوم بتوعية الناس، ودعا المسلمين لتحرير عقولهم من الخرافات، وقد قسم الأخلاق إلى فرعين فرع يخدم الحاكم المطلق وفرع يخدم الرعية أو المحكومين، ودعا الحكام إلى التحلي بمكارم الأخلاق لأنهم الموجهون للبشر، ودعا لإقامة خلافة عربية على أنقاض الخلافة التركية، وطالب العرب بالثورة على الأتراك دعاة الطورانية، وقد حمل الحكومة التركية المستبدة مسؤولية الرعية.

ألف الكواكبي العديد من الكتب، وترك لنا تراثاً أدبياً كبيراً، فمن كتبه: (طبائع الاستبداد) و(أم القرى). كما ألف (العظمة لله) و(صحائف قريش). وفقد مخطوطين مع جملة أوراقه ومذكراته ليلة وفاته، له الكثير من المخطوطات والكتب والمذكرات التي طبعت. ومازالت سيرة وكتب ومؤلفات عبد الرحمن الكواكبي مرجعاً هاماً لكل باحث.

توفي في القاهرة متأثرا بسم دس له في فنجان القهوة في 2 حزيران عام 1902م حيث دفن فيها.

رثاه كبار رجال الفكر والشعر والأدب في سورية ومصر، ونقش على قبره بيتان لحافظ إبراهيم:

هنا رجل الدنيا هنا مهبط التقى*** هنا خير مظلوم هنا خير كاتـب

قفوا وأقرأوا (أم الكتاب) وسلموا*** عليه فهذا القبر قبر الكواكبي

======================

رجالات سورية - الحلقة الثانية : جمال الدين القاسمي : فقيه الشام وإمامها في عصره .. محمد فاروق الإمام 

هو العلامة الفقيه أبو الفرج محمد جمال الدين الجيلاني الحسني الدمشقي. كان إمام الشام في عصره، ولد في دمشق عام 1866وكان سلفي العقيدة.

انتدبته الدولة السورية للتنقل بين بلدات وقرى سورية لإلقاء الدروس العامة وظل في عمله هذا أربع سنوات،وبعدها قام بزيارة المدينة المنورة والمسجد الأقصى في القدس ومصر مرتين وغير ذلك من المدن السورية والبلدان العربية. ولدى عودته اتُّهم هو وعدد من أصدقائه بتأسيس مذهب جديد في الدين، سموه المذهب الجمالي فاحتجز عام 1313ه وذلك في حادثة كبيرة سميت بحادثة المجتهدين. ثم أثبتت براءته.

تفرغ القاسمي للتأليف ولإقراء الدروس، فاعتكف في منزله للتصنيف وإلقاء الدروس الخاصة وتوجه إلى مسجده جامع السنانية في دمشق القديمة حيث أقام دروسه العامة، في التفسير وعلوم الشريعة الإسلامية والأدب. وهو المسجد الذي كان يؤمه والده وجده من قبله.

قام العلامة جمال الدين القاسمي بنشر بحوث كثيرة في المجلات والصحف، وله مصنفات كثيرة تناول بها جوانب الدين كلها، من العقيدة والحديث والتفسير والفقه والتاريخ والفرق والأخلاق، تجاوز عدد مصنفاته المئة وعشرة مصنفات، كان من أهمها كتاب "محاسن التأويل" اثنا عشر مجلداً في تفسير القرآن الكريم، مكث في كتابته كما قال الأستاذ نقولا زيادة خمسة عشر عاما، يأخذه في حله وترحاله حتى أنهاه ـ ولم يكمل فيه مبحثين كذا قال الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي ـ وبالجملة كتابه هذا لم يكتب مثله البتة على الأرض في حسنه، وكان الأستاذ مصطفى الزرقا يقول: إن قراءة محاسن التأويل تحتاج إلى عمر بأكمله فكيف بمن ألفه ولم يبلغ الأربعين؟

كما كان كتابه (موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين) يمثل توجهه السلفي، حيث علم أن كتاب الإحياء يلقى قبولاً كبيراً لدى جماهير المسلمين، لاسيما في ذلك العصر، ويرى فيه بعض الجنوحات، ولا يجرؤ على مهاجمته صراحة فعمل على تنقيته بما يتفق ومذهبه الفكري.

كان منهجه في التصنيف يغلب عليه الجمع والنقل، ولكن بأسلوب راقٍ ولغة سليمة وسبك مرصوص، بحيث تظهر النقول التي يجمعها وكأنها عقد مصفوف متناسق خرج من نبع واحد. كما كان منهجه في مصنفاته التوسع والموسوعية لا التخصص وهو سمة عصره فتناول كل أبواب الدين وعلومه، كما كان ظاهراً في كتبه كلها وخصوصا كتابه في مصطلح الحديث : قواعد التحديث، كان ظاهرا دعوته الإصلاحية التي قضى يدافع عنها وينشرها ويدعو إليها.

تأثر القاسمي في دعوته بدعوة محمد عبده ورشيد رضا صديقه وخليله، فكان يدعو إلى التجديد في فهم الدين، وإلى إصلاح العبادات والمساجد من البدع، وكان يدعو إلى اتخاذ الإسلام منارة توحيد لكل المسلمين، بحيث لا يفرقهم خلاف عقدي أو فقهي، وكان يدعو إلى اتخاذ العربية لغة البلاد ويحارب عملية التتريك التي تبنتها مجموعة الاتحاد والترقي التي استولت على السلطة في اسطنبول.

احتفظ القاسمي بشخصيته المسلمة الشرقية العربية، ولم يتأثر بالحضارة الغربية ولا بالمستشرقين، ولم يخدع بذلك كما حصل لبعض أقرانه أنذلك. كما تميز بسعة صدره وسلامة قلمه من المهاترات والاتهامات التي كان بعض من أعدائه يواجهه بها. وكان ينأى بنفسه عن أن ينزل إلى ذلك المستوى.

توفي القاسمي ودفن في دمشق عام 1914. ورثاه كثير من تلامذته وإخوانه: منهم رشيد رضا ومحمود الألوسي وأخوه صلاح الدين القاسمي وخير الدين الزركلي وجرجي الحدادوغيرهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الربيع العربي في عبوره من سبات طويل! .. أكرم البني

الحياة - الخميس 25-12-2014

ربما يتفق الكثيرون على تشابه الحوافز السياسية والاقتصادية التي شجعت انطلاق ربيع البوعزيزي قبل أربع سنوات، وقد لا يختلفون على إخفاقه عموماً في تحقيق هدفه المعلن بنقل الشعوب العربية المقهورة إلى شاطئ الحرية والكرامة، لكن الخلاف لا يزال قائماً حول أسباب هذا الاخفاق والعوامل التي جعلت الأمل بغد مشرق وواعد، حاضراً منكوباً.

لا يخطئ من يرجع السبب إلى تخلف مزمن يعيق تحول غالبية المجتمعات العربية نحو الديمقراطية ويشل قدرتها على تمثل قيم الحرية، إن لجهة استمرار ظواهر الأمية والفقر والفساد وفشل خطط التنمية والتحديث الصناعي والتقني، وإن لجهة انحسار الفكر التنويري والوعي السياسي النقدي أمام سيطرة العقلية الغيبية والعصبيات الايديولوجية وإذا أضفنا عقدة النقص والخوف من التفاعل الحضاري مع الثقافات الأخرى، نقف عند أهم العناصر التي أفضت إلى ضعف القاعدة المجتمعية المؤهلة لدفع المسار الديمقراطي إلى الأمام ربطاً بضعف النخب السياسية والثقافية القادرة على قيادته وبعمق التشوهات التي طاولت بنية الدولة الوطنية ومؤسساتها، ما أفضى عيانياً إلى نزاعات واضطرابات واسعة في أكثر البلدان التي طاولتها رياح التغيير مع انكشاف أحشائها وانفلات قواها.

ويصيب من يضع المسؤولية الرئيسة على عاتق أنظمة الاستبداد، مرة بنجاحها عبر القمع الشديد والمديد في تدمير شبكات المجتمع المدني وتطويع التنظيمات الأهلية والنقابية والأحزاب السياسية، بما في ذلك إغلاق الفضاء الثقافي أمام حركة التفاعل النقدي وإخضاع آليات التفكير والتعليم للتلقين والتوجيه الايديولوجيين، وأيضاً سعيها المستمر لتغريب الناس عن المشاركة في إدارة حياتهم وحماية حقوقهم، وتلغيم وحدة المجتمع بتوليد شبكات من المصالح والارتباطات المتخلفة العشائرية والدينية والأثنية، ومرة ثانية، بإهمالها أسباب الربيع العربي واستهتارها بالحلول السياسية ورفض تقديم أية تنازلات تلتقي مع شعارات الناس أو تلبي بعض مطالبهم، والأنكى لجوؤها من دون رادع إنساني إلى أشد الوسائل عنفاً لوأد الحراك الشعبي وسحقه حتى لو كانت النتيجة إزهاق الأرواح وخراب البلاد.

بينما يرجع آخرون هذا الاخفاق إلى الدور السلبي الذي لعبته تيارات الاسلام السياسي التي وجدت الفرصة سانحة في ظل اتساع الحراك المجتمعي للوصول إلى السلطة متوسلة غياب قوى مدنية وسياسية منظمة تستطيع ملء الفراغ، لكنها فشلت في تلبية احتياجات الشارع الثائر وضمان حقوق الناس وحاجاتهم، بما في ذلك فشلها في حماية القيم الديمقراطية والوفاء للشعارات الوطنية والمدنية التي رفعتها، وقد عزز هذا الاخفاق تقدم الجماعات الجهادية المتطرفة التي أفادت من الفوضى وأتون العنف المذهبي المستعر، لتفرض حضورها متوسلة خطاباً إيديولوجياً أعمى يعمد من أجل إقامة «دولة الخلافة» إلى تحريم العقل والتفكير وإباحة القتل والذبح، وإلغاء معاني الحياة التعددية والتنوع.

ولا يخطئ أيضاً من يضع المسؤولية على عاتق قوى المعارضة السياسية التي اتضح أنها لم تكن على قدر المسؤولية وعجزت عن الارتقاء إلى مصاف شعارات الربيع العربي عن الحرية والكرامة، والأسباب كثيرة، منها تردد أهم تنظيماتها في نفض يده من ثوابت إيديولوجية وفكرية عفا عنها الزمن وتتناقض مع جوهر الفكر الديموقراطي، ومنها ما تعانيه من أمراض ذاتية خلفتها عقود طويلة من جور السلطات وظلمها، أعاقت ظهورها كمثل يحتذى وأشاعت صورة لقادتها تضج بخلافاتهم الشخصية وبالمصالح الحزبية الضيقة وظواهر الأنانية والاستئثار وأحياناً الفساد، ومنها أوهامها بتحقيق انتصارات سريعة، متوسلة منطق الغلبة ولغة السلاح ورهانات مؤسفة على دور الحكومات والأنظمة الداعمة لها في قلب توازنات القوى.

بينما ثمة من يضع اللوم في إخفاقنا على الخارج الدولي والإقليمي، ليس فقط عبر دوره التاريخي في تكريس التخلف وترك المجتمعات العربية نهباً للصراعات والنزعات المريضة كي تسهل السيطرة على مقدراتها، وإنما أيضاً بسبب تخوف مختلف الأطراف الخارجية من تأثير نجاح الربيع العربي على نفوذها، محبذة المجرب وخيار التعاون مع أنظمة الاستبداد ودعمها كطريق مضمونة لتأمين استقرار مصالحها، بخاصة أن كل طرف منها بات اليوم، مع ارتفاع حرارة الصراع على الهيمنة، أكثر تمسكاً بما يمتلكه من أوراق كي يحصن مواقعه ضد خصومه ومنافسيه.

والحال، فإن ما آل اليه الربيع العربي كان محصلة لتضافر تلك الاسباب مع تفاوت حضورها بين بلد وآخر، مؤكداً حقيقة أن طريق الديموقراطية شاقة وعسيرة وتعترضها عوائق وصعوبات جمة، وعادة ما تمر بمحطات مؤلمة ولكنها واعدة في آن معاً، ونسأل، ألم ينقض الربيع العربي، على رغم محنه وإخفاقاته، البنى المجتمعية والسياسية العربية نقضاً لا رجعة عنه؟ وألم تحدث قطيعة معرفية مع شتاء الاستبداد القاسي، ليغدو هذا الأخير في الوعي الجمعي العربي شكلاً مكروهاً لضبط حياة البشر وعلاقتهم بالسلطة ومؤسسات الدولة؟ أوليس هو الربيع الذي أسقط أنظمة وضعضع أخرى وجعل الانسان أكثر إدراكاً لحقوقه وأكثر جرأة في التعبير عن رفضه الظلم الاجتماعي والقهر السياسي؟ ثم أليس هو الربيع الذي دشن مسار انحدار الاسلام السياسي، بشقيه المعتدل والمتطرف، وأفقده ثقة الناس كـ «بديل» أو «حل» لمعالجة مشكلاتها واسترداد حقوقها؟ والأهم، أليس هو الربيع الذي يبرهن كل لحظة أن طريق العنف قاصر ومكلف، وأن ليس من قوة مهما بلغت عنجهيتها يمكن أن توقف الزمن وتمنع التغيير؟!

ليس الغرض من إثارة هذه الأسئلة تقديم أمل كاذب أو شحنة تفاؤل، بل لتوصيف واقع يؤكد أن مجتمعاتنا اليوم لم تعد مجتمعات الأمس، وأن ما يحدثه الربيع العربي، برغم مرارة النتائج، هو ثورة في المفاهيم والقيم وطرائق التفكير، ثورة تزيح الكثير من الأوهام المعششة في الأذهان، وتفتح طريق التحرر من الأفكار المسبقة والإيديولوجيات الصماء، ثورة تعبر بمجتمعاتنا من سباتها الطويل وتعيد للإنسان اعتباره، بصفته الهدف والغاية، والمحرك الرئيس لكل تحدٍ وتطور.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية.. الولد ورزقه في بلد اللجوء .. سوسن جميل حسن

العربي الجديد - الخميس 25-12-2014

لم تعد الشعارات خبزاً يومياً للشعب السوري، كذلك الأحلام والطموحات لم تعد متعته الروحية السورية. عندما تغيب ملامح الحياة، ويصبح العيش نضالاً لحظياً في وجه الموت الذي نبتت له آلاف الأذرع، ونُفخت فيه مثلها من النيات، لا يعود من المجدي الوقوف في وجه الأسئلة الكبرى، فمساحات الوعي المترف تضيق حتى تكاد تنعدم، بل إن الأهداف تتواضع، وتنحشر في زاوية المثالية المؤجلة التي لا مكان لها في واقع يفرض، مع شروق كل صباح، ذرائعيته النهمة.

لم يعد البركان يحرق المناطق المشتعلة، فحممه وصل لهيبها إلى الشواطئ المغمورة بالماء، ولم يعد للماء قدرته على إطفاء حرائق الجوع، وانعدام الأمن والأمان وانغلاق سبل العيش. وطن منكوب من أقصاه إلى أقصاه، يلوب أبناؤه خلف قطرة أمل ترطب أرواحهم اليابسة، ولا أمل. لماذا مطلوب من الآباء أن يقدموا أبناءهم وقوداً لحرب لا ترتوي، ولا تريد أن ترتوي؟ وفي المقابل، من بقي على حدود الموت يحاصره الهلاك بأنياب مدماة، فلا الجوع يرحم، ولا البرد، ولا المرض، ولا شيء في هذه الحياة التي لا تشبه الحياة، في هذا الواقع البائس البارع في سورياليته؟

صارت أحلام غالبية السوريين هي الفرار، الهروب، الخلاص من طاحونة الموت، ومن إعجاز السؤال: لماذا كل هذا الموت ومن يدعمه؟ فنراهم لاجئين في دول الجوار، وفي مناطق أبعد وأكثر بعداً، حاملين معهم خيباتهم، وذاكرة تنمو وتتفاعل في أعماقهم بأشكال شتى.

إن كان هناك بقية من حلم بوطن سوري واحد، قادر على العيش مستقبلاً، فلا بد من الالتفات إلى مشكلات متنوعة وعديدة، تتمكن من السوريين، ليست المشكلات هي التي يواجهها الداخل السوري، على جسامتها، فحسب، بل مشكلات السوريين في الخارج، أولئك الذين هجّرتهم الحرب الرهيبة من بيوتهم، فطفروا في بقاع الأرض.

ينشغل العالم بمشكلات اللاجئين، خصوصاً المقيمين في دول الجوار وفي المخيمات، الذين يتعرضون لأبشع أنواع العذاب اليومي والجوع والفقر والبرد، أطفال بلا مدارس، ولا رعاية صحية، ولا أحلام حتى، يكبرون وتكبر الأسئلة في مداركهم، من دون أن يلاقوا أجوبة عليها.

السوريون اللاجئون إلى الدول الأوروبية، منهم من ركب المخاطر، وجازف بحياته، وفقد من فقد في رحلة الوصول إلى بلد أوروبي، طمعاً بما تقدمه حكومات هذه البلدان للاجئ من مسكن وضمان صحي، وراتب يخوله العيش مع أولاده، لهم مشكلاتهم الاجتماعية والإنسانية، كما لأمثالهم من لاجئي المخيمات، يجب الالتفات إليها وضبطها واحتواؤها، قبل أن تتفاقم وتصبح عقداً مستعصية، أو قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر في لحظة ما، ما سيؤدي إلى نتائج سيئة ترتدّ إليهم.

للحروب طبائعها ونتائجها وإمعانها في هتك الشعوب والمجتمعات، والتاريخ حافل بهذه "المحافل" التي تدلّ على أنها الوضع الطبيعي للبشرية، قياساً بفترات السلام التي عمت العالم منذ القدم، وكانت قصيرة، بحيث يمكن نسيانها. هناك شعوب استفادت من تجاربها الكارثية، فنهضت وبنت دولاً وأوطاناً، وشعوب أخرى تشبهنا لا زالت تجتر الماضي، وتبتلعه، وتعتبره المثال والنموذج، وإكسير حياتها. ولقد برهنت الحرب الدائرة في سورية أننا شعب مغيّب الوعي، وقاصر عن إدارة حياته، والانتباه إلى مشكلاته وحلّها، وهذا ما كانت ملاحه جلية في بعض جوانبها في السنوات الماضية. كانت برامج التثقيف الصحي وفعالياتها تُواجه بمصاعب وتحديات كثيرة، على علاقة بمستوى الوعي والتعلق بالموروث الشعبي والمقولات التي هي بمثابة قوانين غير منظورة، تدير حياة المواطنين في مناطق سورية عديدة، فمفهوم تنظيم الأسرة والرعاية الصحية الأولية كان أمراً مرفوضاً بالنسبة لهؤلاء الناس، يعتبرونه تعدياً على منظومتهم الحياتية، وانتهاكاً لمعارفهم وعلومهم التي اكتسبوها بالتوارث، مدعومة بالفتاوى الدينية والعشائرية، أو بما يدعم تماسك القبيلة ويعزز بداوتها، فكانوا يهرّبون أطفالهم أمام فرق التلقيح الجوالة، ويستهزئون ببرامج التوعية وتوصياتها حول تحديد النسل والفواصل الزمنية اللازمة بين حمل وآخر، مراعاة لصحة الأم، ولإفساح المجال للطفل، لكي يأخذ حصته من الاهتمام والرعاية. كيف لا، ولا زال نمط التفكير الزراعي، أو البدوي، يتمسك في العقل الجمعي للناس؟ الحاجة إلى الأبناء للاستفادة من قوتهم الإنتاجية في الأرض، وزيادة أعداد القبيلة ورجالها تحديداً، على الرغم من دخول المدنية إلى الحياة، إلاّ أن كثرة الإنجاب وتعدد الأولاد بقي هدفاً بحد ذاته، هدف مرتبط بشبكة من الضروريات والحوامل المعرفية، ومسندة إلى موروث شعبي، تحمله الأمثال والحكايات "فالولد يأتي ويأتي رزقه معه"، ربما دفعت المرأة ضريبتها على كل الأصعدة، وبعدها الأبناء المحرومون من حقوق الطفل بداية، والإنسان البالغ فيما بعد.

في مخيمات اللجوء، لم يختلف الوضع، على الرغم من الحياة البائسة التي يعيشها السوريون، والذي يتابع أمر الزواج والتكاثر هناك يصاب بالذهول، جوع وفقر وبرد ومستنقعات وأمطار وثلوج وطين وأوحال وأطفال عراة ومساكن لا تحمي من برد أو حر، ومع هذا يستمر الإنجاب. تقول إحصائية إنه في تركيا وحدها وُلد أكثر من سبعة وستين ألف مولود لدى اللاجئين السوريين، في أثناء الأزمة. وفي البلدان الأوروبية، لا يختلف الأمر كثيراً، تدمي بعض القصص القلب، وتدفع إلى الذهول، سيدة لا يتجاوز عمرها 22 عاماً تضع وليدها الخامس في مدينة ألمانية، وقد حصل الحمل في أثناء رحلة الهجرة غير الشرعية التي استمرت ستة أشهر.

سوريون يعيشون على ما فطروا عليه، في مجتمعات يمكن أن تقدم نموذجاً للحياة البديلة التي هي أكثر ما يحتاجون إليها، لكنهم، في غالبيتهم، منغلقون على ذواتهم، غير مكترثين بالانفتاح على المجتمعات المضيفة، وغير طامحين بتعلم لغتها التي هي مفتاح الدخول إلى تلك المجتمعات، والاستفادة من خبرتها التي منحتها إياه التجارب. كذلك في المخيمات وأماكن اللجوء الأخرى التي يعيش فيها السوريون، تحت رحمة ظروف شديدة الشراسة، لا تليق بإنسانيتهم، هم يحتاجون إلى التوعية. يركز معظم المشتغلين في قضايا اللاجئين على الحالة الإغاثية والمعيشية، بالدرجة الأولى. لكن، من المجدي العمل على رفع مستوى الوعي، من المفيد تنبيه اللاجئين إلى تبعات التكاثر السريع والإنجاب المتعدد، في ظروف من هذا النوع. من المجدي، أيضاً، العمل على تشجيع السوريين، في الدول الأخرى، على محاولة الاندماج مع المجتمع المضيف، ومساعدتهم على إدارة حياتهم بشكل يضمن لهم الاستفادة القصوى من المعطيات المتاحة أمامهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

جبهة النصرة أيضاً .. سلامة كيلة

العربي الجديد - الخميس 25-12-2014

كان يبدو أن الجبهة السورية الجنوبية تحقق انتصارات لامست حدود ريف دمشق، وكان المؤمل أن تفك الحصار عن الريفين، الغربي والشرقي. لكن، بدا، منذ أسابيع، أن التقدم توقف، وأن غموضاً يلف ما يجري. في الأيام الأخيرة، شنت جبهة النصرة هجوماً على لواء شهداء اليرموك، وقبلها حاولت فرض "خلافتها" على مدينة نوى، حيث حصلت احتكاكات مع مقاتلين من الجيش الحر من المدينة. وبالتالي، ظهر أن الجبهة أخذت تمارس ما مارسته في الشمال، حيث باتت تريد فرض سلطتها وفرض "قوانينها" (أو شريعتها)، ثم بدأت عملية قضم للكتائب المسلحة الأخرى.

منذ وجود جبهة النصرة في منطقة حوران، افتعلت صراعاً مع مناطق درزية، وخطفت دروزاً عديدين. وحين تقدمت الكتائب المسلحة للسيطرة على القنيطرة، احتجزت الجبهة القوات الدولية. في تلك وفي هذه، لم يجرِ تحليل الهدف من مثل هذه الخطوات، وظل التعامل مع جبهة النصرة قائماً، وعلى الرغم من أنها كذلك، اعتقلت وقتلت من قيادات الكتائب المسلحة. ربما استطاعت الكتائب المسلحة "لجم" النصرة، حيث كانت تريد افتعال صراع طائفي مع الدروز، وتريد أن تدفع القوى الدولية إلى دعم السلطة، بعد خطف عناصر القوات الدولية، عبر قرار من مجلس الأمن. ربما لم يتحقق لا ذاك ولا هذا. لكن، كان يجب أن يكون واضحاً أن للنصرة "أهدافها"، وأنها ستغدر كما فعلت في الشمال (قبل داعش).

ما لا يبدو مفهوماً لدى الكتائب المسلحة هو طبيعة النصرة (وكذلك داعش، وحتى جيش الإسلام). ولهذا، تجري معاملتها كتنظيم "من الثورة" يخطئ. لكن، الأمر أكبر من ذلك، أو ليس كذلك أبداً، لأن هذه التنظيمات لا تعرف السياسة، بل تتبع الفقه (وفق مدرسة الوهابية). ولهذا، لا تخوض الصراع السياسي ضد السلطة، بل تعتبر أن مهمتها "إقامة دولة الخلافة"، وهنا النصرة كداعش وقبلها (أقامت الخلافة في حلب قبل داعش). بالتالي، ليست معركتها ضد الاستبداد، أو من أجل التحرر من سلطة ناهبة، فذلك كله لا يرد في القاموس الفقهي الذي تتبعه، وهو مرحلة تتجاوز الفقه أصلاً. إنها تريد فرض "شريعتها" التي تلقتها من الوهابية، والتي تعتمد التفسير الحرفي الشكلي جداً للدين، وتعتقد أن مهمتها "التاريخية" فرض تلك الشريعة عبر المطاوعة، أو المدربين لدى المطاوعة.

وإذا كنت أعتقد أنها مخترقة مثل داعش من أجهزة أمنية، ومن السلطة تحديداً (أطلقت سراح كثيرين من كادرها بعد الثورة بأشهر، وربما بعام)، فالأمر، في كل الأحوال، يقود إلى ما نلمس كل يوم من ميل لفرض "الإمارة"، نتيجة التكوين الأيديولوجي الذي حُقن به هؤلاء "البسطاء"، وينطلق من فرض الشعائر والقيم الدينية المؤسسة على مفاهيم محمد بن عبد الوهاب، والبدائية في بنيتها، على كل فرد. هذه أولوية لدى هؤلاء، تسبق الصراع ضد السلطة بالضرورة (وكما كانت أولوية ضد الشيعة في العراق بدل الاحتلال). بالتالي، يجعلنا الانطلاق من "طيب نية" نرى هذا الجانب الخطر في بنية هذه التنظيمات. إنهم "رسل" بناء "الدولة الإسلامية"، وليس الصراع من أجل "سفاسف الحياة".

ماذا يعني ذلك؟ إنه يعني أنهم قنبلة في كل مكان يوجدون فيه، لأنهم سينقلبون، بالضرورة، ضد القوى التي تقاتل السلطة، ويسعون إلى فرض خلافتهم. فالجنة تقتضي ذلك. ولهذا، يسهل قيادهم من الأجهزة الأمنية، وتوجيههم بما يخدم السلطة (والإمبريالية).

مأساة المعارضة أنها "جاهلة"، ومشكلة الشباب الذي يقاتل أنه لم يستفد من تجارب سابقة، بدأت في أفغانستان، ثم في العراق، وتكررت في الشمال السوري. لهذا، لا إمكانية لقتال حقيقي ضد السلطة في منطقة توجد فيها النصرة، أو داعش طبعاً، أو حتى كل الفصائل التي تريد "تطبيق الشريعة". فهؤلاء يقاتلون من أجل "الجنة"، وليس من أجل الحرية والديمقراطية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مقترح حل في سورية .. ميشيل كيلو

العربي الجديد - الخميس 25-12-2014

أستعرض في ما يلي نقاطاً محددة تتعلق بتصور حول حل للصراع في سورية، بدءاً بوثيقة جنيف:

تنص وثيقة جنيف الصادرة عن الخمس الكبار في مجلس الأمن، في نهاية شهر يونيو/حزيران من عام 2012، كما يقول قرار مجلس الأمن رقم 2118، بحل سياسي للمعضلة السورية، يبدأ بتشكيل "هيئة حاكمة انتقالية كاملة الصلاحيات"، تقوم بمهمتين: إزاحة بشار الأسد عبر ممارسة صلاحياته خلال مرحلة انتقال، تتخذ خلالها جميع الترتيبات والخطوات الضرورية لإقامة بديل ديمقراطي، مع ما تتطلبه من تدابير دستورية وسياسية وتنظيمية، وأسس يتم التوافق عليها في إطار وطني جامع، هدفه تصفية الاستبداد، وإرساء نظام ديمقراطي بأسلوب تدرجي، ولا عودة عنه.

بما أن "الهيئة" ستقوم برضا الطرفين المتصارعين في سورية، أي بموافقة مسبقة من الموالاة والمعارضة، وستضم ممثلين عن النظام يقبلون الانتقال الديمقراطي، فإن الحل المقترح في وثيقة جنيف يقرر إعفاء الأسد من مهامه رئيساً، ودمج أطراف من النظام في المرحلة الانتقالية، تضمن مشاركتهم إنجازها، ودورهم السياسي بعد سقوط النظام والبدء ببناء النظام البديل. بذلك، في ظل ضمانات دولية، تكفل دوراً أكيداً ومحدداً لمن يشاركون من أهل النظام الحالي في الانتقال الديمقراطي.

يستهدف هذا الحل كعب آخيل النظام، بفكه عن رئاسته: المركز الذي ينتجه، وعلينا تركيز جميع جهودنا عليه، لجعل تطبيقه ممكناً بتقديم ضمانات تشجع انفصال أتباعه الحاليين عنه، وتصون أمنهم وسلامة الجماعة الوطنية العلوية، وتكفل دورها في حاضر البلاد ومستقبلها، ولجعلها أحد حوامل نظامها القادم، ومكوناً من مكوناتها الديمقراطية والوطنية. لفصل هؤلاء عن الأسد، وبالتالي، تفكيك النظام وتغييره وبلوغ حل سياسي، من الضروري:

"يفصل جنيف بين بشار الأسد الذي يجب أن يتنحى ويسقط، وبين النظام الذي يجب أن يتغير برضا الطرف المعارض"

- ضمان ممتلكات أهل النظام وقادته، ودورهم في البديل الديمقراطي، وإقناعهم بأن ما يدافعون عنه اليوم من مواقع وممتلكات ليس مهدداً، بل سيكون مصوناً ومكفولاً بمشاركتهم في الحل، وما سيقدم لهم من ضمانات وطنية وعربية ودولية، وأن استمرارهم في الدفاع عن الأسد يعني، بعد تقديم الضمانات لهم، إرسالهم إلى محاكم دولية، يمثلون أمامها كمجرمي حرب، وإضاعة كل شيء: من السلطة التي منحتهم، بطرق غير شرعية، ممتلكات ليست لهم، إلى ما استولوا عليه بطرق غير قانونية من أراض ودور وأموال وممتلكات ومزارع وأسهم ومصانع. في المقابل، وفي حال قبولهم التخلي عن اأاسد والمشاركة في الحل، ستبقى مراكزهم في أجهزة الدولة طوال مرحلةٍ، يحددها توافق وطني وضمانات عربية ودولية، على أن لا يحول ذلك دون البدء بتمثيل تدريجي للسوريين داخلها، وفق معيار الخبرة والكفاءة، مع إعادة النظر في بنيتها ووظائفها، التي ستمارسها في ضوء معايير محض مهنية، تستند إلى الخبرة والكفاءة. أخيراً، بما أن سورية الديمقراطية ستكون دولة حريات، وستسمح لمواطنيها بتشكيل أحزاب وهيئات سياسية تمثلهم، فإنه سيكون من حق أتباع النظام الحالي تشكيل أحزاب وهيئات تمثلهم، أسوة بباقي المواطنين.

- إقامة نظام لامركزي موسع في مختلف مناطق بلادنا، ومنح المناطق التي أتى منها العدد الأكبر من أهل النظام صلاحيات إدارية ولامركزية واسعة، مع بقاء احتمال الفيدرالية مطروحاً، شريطة موافقة الشعب السوري عليها في استفتاء حر مراقب دولياً.

الوضع السوري العام

- يشهد الوضع السوري تحوّلات مهمة تتلخص في ما يلي: كان حلفاء النظام ومحازبوه يشعرون بأن "داعش" تمثل تهديداً جسدياً لهم، وأن انتصارهم على الجيش الحر لا ينهي الصراع في سورية لصالحهم، وإنما يعني، بالأحرى، التخلص من خطر صغير، يمثله الجيش الحر، والوقوع في خطر الإبادة على يد "داعش" وأخواتها. أما اليوم، وبعد بدء الحرب على الإرهاب، فقد تغيرت المعادلة: أولاً، لأن خطر "داعش" بديلاً للنظام تراجع نسبياً. ثانياً: لأن الحرب ضد الإرهاب تفتح أمام النظام أبواباً مغلقة، تسمح بمشاركته في الحرب: بصورة مباشرة أو غير مباشرة، صريحة أو مضمرة، كلية أو جزئية. وهناك علامات على أن حاجة التحالف العربي/ الدولي إلى النظام قد تتزايد بسبب حاجته إلى قوات برية. ثالثاً: لأن الحرب تبدو مرتبطة بإعادة نظر جدية في أوضاع الجيش الحر، يحتمل كثيراً أن تخرجه من سياقة الحالي، وتضعه تحت تصرف أميركي، يعيد تنظيمه وتسليحه، وينتقي من ينتمون إليه، في خطوة غير مسبوقة في العلاقات الدولية، تعني، في حال تطبيقها، بدلالة المصالحة المحتملة بين واشنطن وطهران، زيادة وزن النظام في المسألة السورية، إن نجح في دحر الجيش الحر بواسطة هجماته الحالية، وفي تبييض صفحته عند الأميركان وحلفائهم، كما هو محتمل في ظل تطورات تبعث على القلق، تتجلى في انتقالات سياسية وعسكرية من "الائتلاف" ومؤسساته إلى بدائل إثنية ومناطقية، يحتم بروزها المزيد من تدهور أوضاعه، داخلياً وخارجياً.

بما أن سورية الديمقراطية ستكون دولة حريات، وستسمح لمواطنيها بتشكيل أحزاب وهيئات تمثلهم، فإنه سيكون من حق أتباع النظام الحالي تشكيل أحزابهم أيضاً

- بتراجع خطر "داعش" الذي كاد يخلق بيئة تقنع أهل النظام بالانفكاك عن الأسد، والتوجه نحو حل مع المعارضين، وفق وثيقة جنيف واحد، يتعزز وضع الأسد السياسي والشخصي، ويصير من الأصعب إقناع حاشيته، وأنصاره، بالابتعاد عنه، أو التضحية به من أجل الحل السياسي، إلا إذا نجح الجيش الحر في تسديد ضربات موجعة إليهم، تقنعهم بأنهم لا محالة مهزومون، إذا لم ينفكوا عن بشار. ثمة، إذن، حاجة إلى إنزال هزائم متلاحقة بجيش السلطة وشبيحتها، لإحداث الانفكاك المطلوب، وهذا مستحيل من دون ترتيب وضع المعارضة وإخراجها من الصراعات الدولية والإقليمية، وإمدادها بوسائل تكبح تلاعب الخارج بها، وتأثيره على قضيتنا.

أربع محاور

للوصول إلى هدفنا، علينا العمل على محاور أربعة:

- محور داخلي يحدد صورة النظام البديل الذي تريده معظم المعارضة، ولا يكفي أن نقول إنه سيكون ديمقراطياً ومدنياً، ولا بد من تحديد نمط دولته، الذي سيقوم بتوافق جميع المكونات الوطنية السورية، الطائفية والإثنية واللغوية والدينية. ثمة حاجة إلى تصور واضح وملزم حول شكل سورية القادمة، وهل هو اللامركزية الموسعة، أو الفيدرالية أو المركزية أو ... إلخ، علماً أن حكمها سيكون برلمانياً وتداولياً، يساوي قانونياً بين المواطنات والمواطنين، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية والقومية والدينية. لا يجوز، بعد اليوم، إرجاء مسألة تحديد نمط الدولة الديمقراطية، أو اعتبارها محدداً قليل الأهمية للبديل الديمقراطي، وسيكون من الخطأ تركه من دون توافق وطني عام، وإلا خسرنا جهات حاسمة الدور في الصراع ضد النظام، وظلت أمورنا غائمة وملتبسة وعرضة لتلاعب الأسد وغيره، ولشكوك أطراف من السلطة في حقيقة ما ينتظرها، بعد زوال حكمه، كانت قد والته طمعاً في حمايته، لكنه سفك دماءها، وتعيّش على انقيادها الأعمى له، وعلى حمايتها هي له.

لا بد من أن يعرف العلويون والكرد ما سيكون عليه مصيرهم في سورية الحرة، وما سينظم وجودهم الوطني من ترتيبات قانونية وحقوق دستورية. ولا بد من إسهامهم في بلورة هذه النواظم وإقرارها، في حاضنة وطنية جامعة، سيعيد النظام الديمقراطي إحياءها على أرضية الحرية. يتطلب هذا توجهاً مغايراً لما تم اعتماده إلى اليوم حيال العلويين والكرد، يشركهم في تحديد صورة وطنهم المستقبلية ومكانهم فيها، ويؤكد موقعهم من شعبهم ودورهم في تقرير مصيره، ونصيبهم من المسؤولية عن أمنهم وسلامتهم، ووحدته.

- مد اليد إلى أهل النظام، كخصوم اليوم وشركاء غداً، والتركيز على دورهم في مصالحة وطنية شاملة، هم طرف رئيسي في التحضير لها وتنفيذها، تصون حياة أي ضابط ينشق عن الجيش الرسمي، وتعترف بحقه الكامل في الانتماء إلى المعارضة ومؤسساتها، والعمل لإسقاط الأسد، وإقامة نظام ديمقراطي، يديره في المناطق العلوية من يمنحهم مواطناتها ومواطنوها ثقتهم عبر انتخابات حرة. لا يجوز، من الآن فصاعداً، اعتبار جميع أهل النظام قتلة وأعداء مصيرهم الموت، ولا بد من مواقف تميز بينهم وتشجعهم على مغادرة الأسد، تفتح أمامهم باب الوطن، وتمكّنهم من أن يختاروا شكل التحاقهم به. هذا التوجه قد ينتهي إلى كارثة وطنية، إن كان تكتيكياً أو احتيالياً، وسيعطي ثماراً يانعة، إن كان صادقاً ووطنياً ومفتوحاً على خيارات صحيحة، تراعي ظروف هؤلاء، ومخاوفهم التي تجعلها تنظيمات الأصولية وسياساتها مشروعة ومقبولة. هل هناك ما يمنع أن يمد ضباط الجيش الحر ومقاتلوه أيديهم إلى ضباط جيش النظام ومقاتليه في أماكن انتشارهم، وأن يطالبوهم بالتوقف عن إطلاق النار، وبعقد اتفاقات سلمية محلية، تمنعهم من قتل شعبٍ، هو أولاً وأخيراً شعبهم؟ ولم لا يقاتلون معاً المتطرفين والتكفيريين، وقطّاع الطرق والشبيحة والقتلة المأجورين وأمراء الحرب، بعد انفكاكهم عن رأس النظام؟

- فتح باب الحوار مع جميع قوى الداخل والخارج، للتفاهم على محددات للعمل الوطني والإسلامي، السياسي والمقاوم، لا خلاف عليها، وإقامة جبهة واسعة، تنشط بالتنسيق والتعاون بين الأطراف الأقرب فالأبعد، تشجع العاملين في الساحتين، السياسية والعسكرية، على تبني خياراتها ومواقفها والاقتراب منها، وإجراء فرز يطاول التنظيمات وطبيعتها، ويوحد الديمقراطية منها وحاملها المجتمعي، وينعش آمالها في وطن حر وعادل ومستقل. هذه المحددات هي حاضنة يضع الجميع تفاصيلهم العملية والنظرية في ضوئها، ويرون أنفسهم وغيرهم بدلالتها، ويلتزمون بها نواظم عمل وطني يعني خروجهم عليها تخريبه.

- تشكيل قيادة سياسية/ عسكرية موحدة، تكونها التنظيمات المدنية والديمقراطية التي برزت خلال الأعوام الأربعة الماضية، توحد صفوف الساسة والمقاومين، وتتفاعل معهم بعقل متفهم ومفتوح، وترسم سياسات تغطي جميع جوانب الواقع، تتضمن خيارات صريحة، لا لف فيها ولا دوران، ولا تجاهل لأية مشكلة، ولا تجميل لقبيح القول والفعل، بل مسؤولية وتواضع في التعامل مع الآخرين وقضاياهم، ورغبة أصيلة في مواجهة مشكلاتهم، وحلها لصالحهم.

لا يعقل أن تنجز هذه المهام جميعها و"الائتلاف" منقسم على نفسه، تابع لدول تقرر سياساته ومواقفه، تتحكم بقراره عبر المال السياسي والإفساد. ولا بد من تحول في الساحة الوطنية، يحقق هدفين رئيسيين: أولهما: توحيد القوى العسكرية والميدانية بجميع فئاتها وأصنافها، عدا تلك التي ترفض هدفي الثورة: الحرية والدولة الديمقراطية، على أن تنتخب أو تختار أو تسمي قيادة موحدة، تتولى إدارة الصراع ضد النظام وأعداء الثورة، تكون طرف القيادة السياسية /العسكرية الموحدة الثاني. وثانيهما: إنهاء انقسامات الائتلاف، وتوافق المعارضة السياسية على حل سياسي، تنجزه إبان مؤتمر وطني، ينظمه الائتلاف بالتعاون معها، يعيد هيكلة التمثيل الوطني داخله، ليشمل القوى المناضلة من أجل الحرية والدولة الديمقراطي، ومن ينفكون عن النظام، ويبدون استعدادهم للمشاركة في الهيئة الحاكمة الانتقالية ومرحلة الانتقال من بديله الديمقراطي.

بهذين الإنجازين، سيخرج الائتلاف من وضع يفرض عليه حسابات ضيقة وانقسامات متفاقمة، ويدخل إلى رحاب عمل وطني، تغرب عنه، وصار نقطة ضعفه الرئيسة. لتحقيق هذين الهدفين، ثمة حاجة إلى استراتيجية منطلقها ومآلها الداخل، يلعب الخارج دوراً مساعداً فيها، بدل أن يكون هو اللاعب الرئيس، والداخل مجرد كومبارس، لا حول له ولا طول، مثلما هي حاله الآن. لا أعني بالخارج البلدان العربية، فهي ليست خارجاً كالدول الأجنبية، بل تعتبر داخلاً بمعنى الكلمة القومي والوطني، فلا بد أن يشمل التحول علاقاتنا معها ومكانتها ودورها من ثورتنا، كي يكون نجاحنا مصلحة عليا لها، ويتم بضمانتها وعونها، وبفصل تأثيرها ونفوذها ودورها قدر الإمكان عن دور تلك الدول الأجنبية التي تدير أزمتنا. يتطلب هذا قيادة تعرف ما تريد، تحظى بثقة الشعب والثوار ويصعب اختراقها، لها من التصميم والقدرة على اتخاذ القرار ما يفرض أجنداتها على الآخرين، وخصوصاً منهم من يصفون حساباتهم بعضهم ضد بعض بدمائنا.

- هذا على المستويين الداخلي والعربي، وهما مترابطان. أما على مستوى الشرعية الدولية، فهناك ضمانات، عليها تقديمها على شكل قوات حفظ سلام متعددة الجنسية، يمكن أن يشارك فيها بصورة رمزية روس وإيرانيون، لطمأنة من يريد الاطمئنان، على أن تنتشر لحماية مواطنينا من أي عنف، وتشجيع أهل النظام على التخلي عن الأسد، ومنحهم فرصة الإفادة من حماية قوى دولية، تضاف إلى قواهم الخاصة، التي ستزود ببعض ما يصل إلى المعارضة من سلاح وعتاد، لأن من المصلحة الوطنية والعامة تقويتها، والحفاظ عليها جزءاً تكوينياً من جيش جديد، يؤسسه النظام الديمقراطي لحماية المواطنين وممتلكاتهم، من دون تمييز أو استثناء، داخل مناطقهم وخارجها.

- أخيراً: سيكون هناك ضمانات ذات صدقية ضد قيام نظام مذهبي أو متطرف في سورية، ترتبط بتخلى أهل النظام عن الأسد، وإسهامهم في انتقال ديمقراطي، هو خيار دولي شبه إجباري، بعد أن أثبتت تجربة أميركا في العراق أن أي نظام سيكون عاجزاً عن كبح الإرهاب ومواجهته، أو الحد من تطوره وانتشاره، إذا لم يكن ديمقراطياً. بتعزيز فرص البديل الديمقراطي بفضل تحولات المعارضة، وبجعله خياراً وطنياً يرتضيه جميع السوريين: معارضين وموالين، ستتوفر فرصة تاريخية لإفشال أي خيار مذهبي، وسنقوي موقفنا تجاه الدول، كبيرة كانت أم صغيرة، ونطرح جداول أعمالنا عليها.

- بعد هذه التطورات والتحولات، سيكون هناك عمل لصدور إعلان دولي من الأمم المتحدة، توافق عليه بلدان التحالف العربي/ الدولي المحارب للإرهاب، يؤيد ما نقدمه من ضمانات، ونقوم به من خطوات نحو الحل التي تقترحه هذه الورقة، تعبر عن تصميم المجتمع الدولي على تنحي الأسد، وحماية السوريين بجميع فئاتهم، والالتزام بتحقيق منظومة متكاملة من التدابير تنطلق من وثيقة جنيف واحد، بما تن

ص عليه من تنحي الأسد ومشاركة أهل النظام في "الهيئة الحاكمة الانتقالية" والانتقال الديمقراطي، فإن أصر هؤلاء على رفض الإعلان الدولي، تحملوا المسؤولية عن ما سيحل بهم مما يريد محبو وطنهم تجنيبهم إياه من مآس، تقول الوقائع إنهم لن يقووا على التعايش معها فترة طويلة

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أوباما "ينسى" الكونغرس ويستعمل "التنفيذية" .. سركيس نعوم

النهار - الخميس 25-12-2014

يسعى الرئيس الأميركي باراك أوباما قبل انتهاء ولايته الثانية الى تحقيق انجازات داخلية وأخرى خارجية، وذلك كي لا ينساه التاريخ بعد تركه البيت الأبيض. وباستثناء الضمان الصحي لنحو 90 مليون أميركي الذي أنجزه وبصعوبة في ولايته الأولى، والذي يصر الحزب الجمهوري على نسفه بعد سيطرته على الكونغرس بمجلسيه جراء الانتخابات النصفية الأخيرة، باستثناء ذلك لم يعد أوباما يستطيع الاعتماد على الكونغرس لامرار أي مشروع مهم آخر. ولهذا السبب، يقول متابعون من قرب للحركة السياسية في واشنطن قرر أوباما تحقيق "الانجازات" التي يطمح اليها بواسطة السلطة التنفيذية المنوطة به. وقد بدأ ذلك قبل الانتخابات النصفية لاقتناعه بأن حزبه الديموقراطي سيخسرها، وبأنه سيبتعد عنه بعدها، اذ عليه أن يعد نفسه لانتخابات عام 2016 الرئاسية، "الكونغرسية". علماً أن هذا الابتعاد قد بدأ قبل "النصفية" عندما ابتعد عنه مرشحون خشية أن يتسبّب دعمه بخسارتهم. ويضيف هؤلاء أنه بدأ يدير ظهره لحزبه، وأنه يعتبر نفسه حراً لمتابعة تنفيذ خططه التي تعزز ميراثه وموقعه في تاريخ بلاده.

ماذا سيفعل مجلسا الكونغرس بعدما سيطرت عليهما غالبية جمهورية؟

لا يتوقع المتابعون أنفسهم الكثير منهما باستثناء المأزق والطريق المسدودة. فالحزبان الجمهوري والديموقراطي هما الآن في مرحلة اصطفاف داخل الكونغرس والقادة الوسطيون والمتمسكون بالمؤسسة في الحزبين موجودون في الكونغرس، لكنهم ضعفاء. وسيكون صعباً على رئيس مجلس النواب كما على زعيم الغالبية في مجلس الشيوخ امرار أي اقتراح أو قانون أو توصية أو... من دون مساعدة الديموقراطيين. وسيكون صعباً على هؤلاء طلب المساعدة وحتى الحصول عليها. ووفقاً للاصطفاف المشار اليه، يقول المتابعون اياهم، بات واضحاً أن الديموقراطيين يتحرّكون في اتجاه "اليسار" مع "أجندة" (برنامج) اقتصادية ومالية واجتماعية. في حين أن الجمهوريين يجدون أنفسهم مضطرين الى الاتجاه نحو اليمين جراء الضغط الذي سيمارسه عليهم "حزب الشاي" المتطرِّف داخل حزبهم رغم عدم احتفاظه بالقوة النيابية التي كانت له سابقاً. وهكذا عند الأميركيين اليوم في الكونغرس يسار ويمين ووسط.

ما هو أثر هذا الاصطفاف في الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016؟

يبدو واضحاً، يجيب المتابعون أنفسهم، أن للديموقراطيين مرشحهم الرئاسي أو سيكون لهم مرشحهم، وهو (هي) السيدة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية السابقة و"الشيخة" الأسبق في الكونغرس عن ولاية نيويورك. أما الجمهوريون فليس لديهم حتى الآن مرشح واضح بقدرته على القيادة وممارسة الزعامة واجتذاب الناخبين. طبعاً حرّك المياه الراكدة، اذا جاز التعبير، اعلان جيب بوش، شقيق الرئيس الأسبق جورج بوش الأبن، أنه يدرس امكان ترشيح نفسه. لكن لا أحد يعرف اذا كان سيفوز في الانتخابات التمهيدية بسبب رفض ناخبي "حزب الشاي" أفكاره الوسطية. وهذه ستكون حال الحاكم كريستي إذا رشح نفسه أيضاً. علماً أن حظوظ بوش في مواجهة كلينتون ليست قليلة رغم أنها الأوفر حظاً حتى الآن في الرئاسة من سائر المرشحين المُعلنين أو المضمرين. لكن الديموقراطيين قد يكون حظهم في استعادة الغالبية في مجلس الشيوخ عام 2016 كبيراً لأن الانتخابات ستجري في "ولاياتهم". طبعاً لن تعتمد كلينتون في معركتها الرئاسية على أوباما، بل على زوجها الرئيس السابق بيل كلينتون وعلى الشباب الذي ينتخب للمرة الأولى، وعلى النساء و"اللاتينوس" والأميركيين الآسيويين والأفريقيين. في اختصار ستكون السنتان الأخيرتان من ولاية أوباما ممتعتين للمراقبة.

هل من معطيات جديدة عن قضايا الخارج في أميركا الآن وهي في أجواء عطلة؟

يبدو، في رأي المتابعين انفسهم، أن ايران توّاقة بقلق الى اتفاق مع أميركا. لكنهم لا يعرفون اذا كان وقت ذلك فات لأن الكونغرس سيكون بعد أسابيع قليلة تحت سيطرة الجمهوريين وحلفاء اسرائيل. واقتصاد روسيا مضطرب ومتردّ كثيراً. وهناك شائعات أن رئيسها يبحث عن مخرج من المأزق الذي وضع نفسه فيه. في أي حال قد تستعمل ايران بعض "الأوراق" التي في يدها للحصول على أفضل اتفاق "نووي" ممكن. كما إن قيصر روسيا قد يوافق على "اقناع" الأسد بالتفاوض بجدية وذلك في مقابل خفض السعودية انتاجها النفطي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مِن مفارقات التراجيديا السورية .. زياد ماجد

الحياة - الثلاثاء 23-12-2014

كتب كثيرون من الزملاء تعليقاتٍ في وسائل التواصل الاجتماعي على فرحة معارضين سوريّين مدنيّين بسقوط أكبر قاعدتين لنظام الأسد في وادي الضيف والحمدانية في ريف إدلب في قبضة «جبهة النصرة» و«حركة أحرار الشام». وتفاوتت المواقف بين الترحيب بفرحة المعارضين المعنيّين أو تفهّم أسبابها، واستنكارها أو التحذير من مؤدّيات استبدال استبدادٍ بآخر، نظراً الى تجارب سابقة في محافظة الرقّة حيث انتهت السيطرة بعد انكفاء النظام الى «النصرة» ثم «داعش»، أو حتى في بعض المناطق الإدلبية المحرّرة نفسها حيث سعت «النصرة» الى إلغاء سواها من قوى عسكرية وسياسية.

وتشير الفرحة «المدنيّة» المذكورة، وتأييدها كما إدانتها أو التحذير منها، الى جوانب عدّة ممّا يمكن تسميته اليوم بالتراجيديا السورية. فمنذ عامين تقريباً، تعاظم نفوذ الجماعات الإسلامية المقاتلةِ النظامَ بالترافق مع ما أصاب الجيش الحرّ من وهنٍ سبّبه التمنّع الغربي عن تسليحه نوعياً وتعزيزه، وضعف قياداته وغياب التنسيق في ما بينها. وتحوّلت الجماعات الإسلامية منذ أواخر العام الفائت، مدعومة مادّياً من حكومات إقليمية وشبكات إسلامية غير حكومية، الى القوّة العسكرية الأولى على الأرض، ولو أنها لم تتوحّد جميعها في بوتقة واحدة. تزامن الأمر مع تدفّق الجهاديّين الى سورية، ثم إعلان العراقي أبي بكر البغدادي تأسيس «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (في نيسان/أبريل 2013)، وبدء قتاله وحدات الجيش الحرّ وبعض الجماعات الإسلامية السورية بهدف السيطرة على مناطق متاخمة للعراق تُيسّر حركة المقاتلين بين البلدين وتُوسّع نفوذه (تحضيراً لإعلانه الخلافة). كل ذلك في لحظةٍ تنامى فيها الخطاب المذهبي وتحوّل الى واحد من أبرز أسلحة الاستقطابِ وجذبِ المقاتلين الى سورية، بخاصة مع تعاظم الأدوار العسكرية لـ «حزب الله» والميليشيات الشيعية العراقية والأفغانية المقاتلة الى جانب الأسد.

هكذا تحوّلت «الجبهة الإسلامية» (بفصيليها الرئيسين، «أحرار الشام» و «جيش الإسلام») ثم «جبهة النصرة» ثم مجموعات متوسّطة الأحجام ذات مرجعيات إسلامية («جيش المجاهدين» و«حركة الزنكي» و«أجناد الشام») وكتائب صغيرة في شمال سورية وشرقها ووسطها وحول العاصمة دمشق، الى القوى ذات التأثير العسكري الأبرز في المعركة مع النظام من جهة، ومع «داعش» من جهة ثانية. أما القوى غير الإسلامية، فتراجع نفوذها في الشمال والوسط، واصطدم بعضها بـ «النصرة»، كما في الريف الإدلبي، لتنحصر رقعة انتشارها الجغرافي هناك، ويبقى حضورها الوازن متركّزاً في الجنوب.

بذلك، صار كل تقدّم عسكري في وجه النظام، يعني تقدّم القوى الإسلامية المُشار إليها (وفي حالة مطار الطبقة أو في ما قد يجري في مطار دير الزور، يعني الأمر تقدّماً لـ «داعش»)، في حين أن كلّ تقدّم للنظام على أي جبهة يعني تراجعاً للثورة السورية وللمعارضة، وليس للمقاتلين الإسلاميّين وحدهم.

والمفارقة العسكرية المذكورة تراجيدية، لأنها تبدو إلزامية ولأن المعركة لا تسمح لغيرها بالبروز. والمدنيّون السوريّون المقيمون في مناطق حدوثها يبدون شديدي الإدراك بمعطياتها. لذلك، لا يمكن استغراب ابتهاج أهالي ريف إدلب مثلاً بدحر قوّات النظام من معسكرَي وادي الضيف والحمدانية ومن الحواجز المحيطة بهما، حتى لو كانت على رأس الداحِرين «جبهة النصرة» إيّاها التي تظاهر بعضهم ضد ممارساتها الاستبدادية قبل ذلك بأيام، وحتى لو كانوا يعرفون أن الأمر سيقوّيها ويجعل التصدّي لممارساتها المشكو منها أصعب. لكن كيف لا يبتهجون وقد طُرد النظام من مواقع صبّت حمم مدفعيّتها عليهم وقتلت وجرحت وشرّدت منهم على مدى ثلاث سنوات عشرات الآلاف؟ وكيف يُحايدون وهم يدركون أن انتصار النظام الموضعي، ولَو على طرفٍ يخشونه ويُعانون من تسلّطه، كان ليعني انتصاره عليهم أيضاً؟ والمفارقة ذاتها نجدها، في مداها التراجيدي، في غوطتَي دمشق. إذ لا يمكن تخيّل أحدٍ من المطالبين بحرّية رزان زيتونة وسميرة الخليل ووائل حمادة وناظم حمّادي، أبرز وجوه الثورة السورية المدنية والمعارضين الجذريّين لنظام الأسد منذ سنوات طويلة (سرق الاعتقال بعضها في حالة سميرة الخليل)، يتردّد في الانحياز الى صمود جوبر ودوما في وجه هجمات قوات النظام وحلفائها، على رغم معرفته بارتباط الكثيرين من المقاتلين في جوبر ودوما بالفصيل المسؤول مباشرة أو تواطؤاً عن خطف رزان وسميرة ووائل وناظم...

كلّ هذا يُشير الى جوانب مأسوية من المعضلة السورية اليوم. ففي ظلّ استبعاد الحلّ السياسي في الأمد المنظور نتيجة استمرار روسيا وإيران بدعم الأسد، يبقى ما يجري على جبهات القتال (على رغم استحالة الحسم النهائي) الأكثر تأثيراً في المعادلة الراهنة، حيث كل إضعاف للأسد وإنهاك لحلفائه يفيد سياسياً، على رغم ما يحمله من أخطار تعزيز نفوذ بعض القوى التي تقاتله.

التراجيديا السورية إذاً كامنة في هذه المفارقة وما يبدو تلازماً بين جانبَيها. وانعدامُ الخيارات البديلة لم يعد مسؤوليةً سوريةً بمقدار ما صار، منذ عامين، مسؤوليةً دولية نتيجة محدودية الاكتراث الأميركي والعجز الأوروبي والحسابات الإقليمية الضيقة. ووسط كلّ ذلك، يظلّ نظام الأسد المسؤول الأوّل بلا منازع عمّا أصاب سورية وسيصيبها من ويلات. وكلّ تقدّم له أو تمديد لوجوده يعني المزيد من المصائب والمزيد من الأثمان التي ستُدفع لاحقاً، ولسنوات، بعد التخلّص منه...

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مؤامرة بندر بن سلطان .. هيفاء بيطار

العربي الجديد - الثلاثاء 23-12-2014

لا أعرف لماذا تهوى ذاكرتي العودة إلى البدايات. بداية الثورة السورية في مارس/ آذار 2011، واستحضار أحداث لم أعطها أهميتها وقتها، وإذ بي أجدها تداهمني، وتفرض نفسها علي، وتأمرني أن أكشف النقاب عنها، ولأني أؤمن أن النهايات تحددها البدايات، فقد طاوعت ضميري، لأكتب عن تلك الحوادث التي تبدو مُضحكة وأشبه بالنكتة، لكنها ذات دلالات خطيرة.

منذ بداية الثورة السورية، وكنت لا أزال موظفة (طبيبة عيون) في المشفى الوطني في اللاذقية، وكنا كالعادة، أطباء وممرضات، نخربش توقيعنا الصباحي على دفتر الدوام، ومعظمنا كان يفرّ من المشفى، بعد التوقيع، ويذهب إلى عيادته الخاصة. في تلك الفترة، أي في شهر مارس/آذار من عام 2011، تم توزيع عدة أوراق إلى كل العاملين في المشفى الوطني، أوراق أعطوها لكل موظف، بعد أن خربش توقيعه على دفتر الدوام تشرح لنا خطة الأمير بندر بن سلطان لتدمير سورية! وتحكي بالتفصيل الدقيق مراحل تلك الخطة، وتصاعد العنف والإجرام فيها، واكتشفتُ لاحقاً أن كل مؤسسات الدولة وزعت تلك الأوراق (عن مؤامرة بندر بن سلطان) على العاملين لديها! يومها، قرأت تلك الأوراق بذهول، وتساءلت طالما أن الخطة، أو المؤامرة، مكشوفة إلى هذه الدرجة، فلماذا لا تُتخذ إجراءات لإحباطها؟ والعجيب أن كثيرين من الموظفين صدقوا تلك الخطة، كما لو أن بندر بن سلطان لاعب شطرنج، يحرك الأوضاع في سورية كما يشاء.

في تلك الفترة، غصّت الشوارع في اللاذقية بلافتات من نوع (الجزيرة، والعربية، والفرانس 24) قنوات سفك الدم السوري، ولافتات أخرى، أعترف، بكل خجل، بأنني لا أملك الشجاعة لذكرها. وبعد أيام، فوجئت بمسرحية من الطراز الرفيع، إذ أحضر مسؤولون في المشفى الوطني في اللاذقية كُوَماً من حبوب دوائية، كوّموها مثل هضبة في ساحة المشفى، وقالوا إنها حبوب هلوسة، أرسلتها قناة الجزيرة إلى اللاذقية. ووسط مشهد لا يمكن أن أنساه، تحلق معظم العاملين، من أطباء وممرضات في المشفى الوطني في ساحته، وتفرجوا مذهولين على هضبة حبوب الهلوسة، كيف صبّ عليها المسؤولون البنزين وأحرقوها. كنت أتمنى لو أحصل على حفنة من تلك الحبوب، لأعرف إن كانت سكاكر أم طباشير. وانطلت المحرقة على كثيرين صدقوا أن هضبة الحبوب البيضاء الصغيرة هي حبوب هلوسة، أرسلتها قناة الجزيرة للشعب السوري، تماماً، كحبوب الهلوسة التي تحدّث عنها القذافي. ولمّا سألت زملاء، كيف تأكدوا أن قناة الجزيرة هي من أرسلت حبوب الهلوسة، قالوا إن العنوان كان مكتوباً على الأكياس العملاقة التي تضم حبوب الهلوسة!!

لا أعرف سيناريو أتعس وأفشل من هكذا سيناريو، فلو أرادت جهة ما إرسال سمومٍ، أو حبوب هلوسة، إلى جهة عدوٍّ، هل تكتب عنوانها صراحة؟ المحرقة التي تمت في ساحة المشفى الوطني في اللاذقية تمثيلية مفضوحة إلى حد كبير، لكن أناساً بسطاء مُروعين، طوال عقود من الذل والخوف والذعر، يجدون مبرراً ليصدقوا، ليُخرسوا صوت العقل والمنطق، ويصدقوا أن قناة الجزيرة أرسلت حبوب هلوسة للشعب السوري. لست بصدد الدفاع عن قناة الجزيرة، هنا. لكن، ما يعنيني هو ذلك الاستخفاف والاحتقار للشعب السوري، تلك التمثيليات المفضوحة والمُقززة التي تُقدم له حقائق لا يجرؤ أحد أن يشك بها.

جدران المشفى الوطني منذ بداية الثورة عليها لافتة أبدية: خلصت، خلصت، خلصت، مكتوبة بخط كبير ثم متوسط وصغير، والمقصود خلصت المؤامرة على سورية، ولا يجرؤ أحد من العاملين في المشفى أن يقول لهم إن المؤامرة ما خلصت. الخوف يلصق الشفاه بصمغ الخوف والذعر، وحتى حين أصبح المشفى الوطني في اللاذقية يغصّ بالنازحين، من حلب وريف إدلب، لم يجرؤ أحد أن يسأل المنكوبين عن ظروف نزوحهم؟ وكيف تدمرت بيوتهم؟ ومن دمرها؟ الخوف سيد الموقف. الخوف الذي تخمّر في النفوس طوال عقود وعقود. لا أنسى منظر جندي سوري أسعفوه إلى المشفى الوطني، بحالة خطيرة، وكسورٌ عديدة في كل أنحاء جسمه. كان في الثالثة والثلاثين من عمره، ودخلت أمّه في حالة ذهول وهذيان، وهي تردد: في سبيل من عُطب إبني؟

يا لروعة الفعل المبني للمجهول. يومها تمنيت الموت الرحيم لرجل ستكون إعاقته، إن بقي على قيد الحياة، جحيماً لأسرته. يمكنني ذكر مئات القصص المُشابهة من خلال عملي في المشفى الوطني في اللاذقية، ومن خلال إطلاعي الدقيق على قصص وحالات مُروعة، كم من شاب مات في المُعتقل بالسكتة القلبية، كما يقولون للأهل، ولم تُسلم جثثهم لأهلهم، بل بالكاد يعطونهم تقريراً بالوفاة. شباب سورية يتحولون أوراقاً، إما ورقة نعي: الشهيد البطل، أو ورقة بشهادة وفاة إن مات الشاب في المعتقل.

إلى متى سيُعامل الشعب السوري باحتقار واستخفاف وعدم احترام؟ إلى متى سوف تستمر المسرحيات الهزلية تُقدم له حقائق؟ أعظم مخرجي العالم الموهوبين عاجزون عن ابتكار مسرحية إحراق حبوب الهلوسة التي أرسلتها قناة الجزيرة إلى المشفى الوطني، وقد كتبت عنوانها صريحاً على الأكياس؟ وبعد أربع سنوات من الجحيم السوري، حيث نزح أكثر من ثلث الشعب، ويعاني أكثر من 80% من السوريين من الفقر، وبعد الانهيار الاقتصادي وموت مئات الألوف، بعد كل تلك المعطيات، أين هي خطة الأمير بندر بن سلطان التي وزعها المسؤولون في سورية على عامة الشعب؟ لماذا لم تتخذ الإجراءات لمقاومتها؟ من يصدقها الآن؟ ألم يحن الأوان ليحترم النظام والمعارضة ودول العالم كلها الكبرى في الإجرام، ومنظمات حقوق الإنسان الشكلية الوهمية، والفضائيات ببرامجها الندابة النواحة على سورية والشعب السوري، ألم يحن لكل تلك الجهات أن تحترم الشعب السوري، وحقه في حياة حرة كريمة بلا نفاق وتمثيليات وحبوب هلوسة، وعبارات خلصت، خلصت، خلصت، وتوزيع أوراق المؤامرة للأمير بندر بن سلطان. إلى متى سيُعامل السوريون كبهاليل؟

قد تكون ذاكرتي مشوشة من هول ما أشهد وأتألم، كأحبائي السوريين. لكن تلك الأحداث أعتقد أنها بالغة الأهمية، لتعطي صورة كيف يُعامل الشعب السوري، وبأي ضلال واحتقار يتعامل معه المسؤولون والعالم بأسره. إنها ثورة كرامة حقاً، وثورة حرية بلا أدنى شك.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حقائق في اللجوء السوري! .. فايز سارة

الشرق الاوسط - الاثنين 22-12-2014

تدفع الكارثة السورية العميقة مزيدا من السوريين للبحث على حلول فردية لخلاصهم من موت، يكاد يكون محققا في الداخل سواء كان ذلك في المناطق التي يسيطر عليها النظام أو تلك الخارجة عن سيطرته، لأن النظام لا يقتل علنا أو بالصدفة فقط في المناطق التي يسيطر عليها، إنما يقتل تحت التعذيب في المعتقلات والسجون، وكل من تحت سيطرته معرض للموت في أي لحظة، والأمر في هذا ممتد حتى في المناطق الخارجة عن سيطرته، والتي تتعرض يوميا، لهجمات قوات النظام البرية والجوية بما في ذلك القصف بالمدفعية والدبابات أو بالبراميل المتفجرة وصولا إلى الضرب بالغازات السامة وغيرها على نحو ما حدث في الغوطة وعشرات الأماكن السورية الأخرى.

غير أن قتل السوريين، لم يعد يقتصر على قوات النظام وأدواته المحلية، والتي تم جلبها للحرب المدمرة إلى جانبه مثل حزب الله والميليشيات العراقية، بل يمتد إلى تشكيلات مسلحة، تسيطر وتوجد في المناطق خارج سيطرة النظام. وإن كان تنظيم «داعش» و«جبهة النصرة» هما الأبرز والأخطر بين هذه التشكيلات، فإن أغلب التشكيلات الأخرى، ليست خارج القائمة، لأن شيوع السلاح وعدم انضباطه، والتناقضات الآيديولوجية والسياسية والتنظيمية بين التشكيلات، تفتح كلها الباب على استخدام السلاح بين الجميع، لا سيما في ظل عمليات إغلاق باب العمل السياسي، والنشاط الشعبي الحر، وعمل منظمات المجتمع المدني والصحافة الحرة، التي ترصد وتراقب وتنتقد تردي الأوضاع في جوانبها المختلفة، وثمة جانب آخر، لا بد من التوقف عنده في موضوع قتل السوريين، وهو نشاط جماعات وعصابات إجرامية، تقوم بعمليات الخطف والقتل لتحقيق أهداف محدودة.

وسط هذه اللوحة المأساوية لما يحيط بالسوريين، يبدو أن من الطبيعي، سعي الكثيرين للبحث عن مصير آمن، عبر الخروج من البلاد سعيا وراء أمن شخصي وبحثا عن خلاص فردي، وهذا التوجه لا يقتصر على المعارضين، إنما موجود في صفوف المؤيدين والصامتين، وهذا ما يفسر عمليات الخروج الواسعة من سوريا إلى بلدان الجوار والأبعد منها، وفي مستقراتهم يسعى كثير منهم للحصول على فيز بقصد اللجوء أو الإقامة في بلدان، تمتد من أستراليا إلى الولايات المتحدة مرورا بأوروبا الغربية وغيرها.

ورغم أن قابلية الدول لإعطاء اللجوء للسوريين، تبدو محدودة جدا مقارنة بما هو عليه عدد السوريين الراغبين في الهجرة أو حتى الإقامة في تلك البلدان، فإن مسار اللجوء الطبيعي إلى هذه البلدان شديد الصعوبة بفعل الضوابط والشروط، التي تضعها تلك البلدان والمدد الزمنية اللازمة لإتمام هذه العمليات، سواء كانت مباشرة عبر سفارات تلك البلدان أو من خلال الأمم المتحدة، التي تنظم عمليات لجوء لمن يطلبها وتوافق عليه.

وبخلاف الطريق الآمن لعمليات اللجوء، التي يسعى إليها السوريون، فإن مسارات أخرى للجوء، تجري في الواقع تحت مسمى الهجرة غير المشروعة، التي تتم من خلال عصابات منظمة ومافيات الاتجار بالأشخاص، وفيها يتم تهريب الأشخاص والعائلات عبر البحار أو الحدود البرية وعبر المطارات، وكلها طرق محفوفة بالمخاطر، بما في ذلك الموت غرقا، وحسب الأرقام فإن عشرات آلاف السوريين ماتوا في رحلات بحرية في الطريق من بلدان شمال أفريقيا وتركيا إلى البلدان الأوروبية، ورغم أنه ليست هناك أرقام لعدد من قتلوا أو سجنوا أو انتهكت كراماتهم وإنسانيتهم في مسارات الهجرة غير الشرعية، فإن أعدادهم وفق التقديرات كبيرة جدا، والذين نجحوا في مساعيهم قليلون جدا.

وبغض النظر عن مسارات اللجوء، شرعية كانت أو غير شرعية، فإن الواصلين إلى بلدان الملجأ، يوضعون في ظروف صعبة في أغلب البلدان التي وصلوا إليها، وأغلبهم يحتاج إلى نحو عام للتحول إلى الإقامة العادية، ثم يمضي عاما آخر أو أكثر، إذا رغب في استكمال مجيء عائلته وأولاده، إن استطاع توفير مثل هذه الفرصة.

خلاصة القول، أنه إذا كان لجوء السوريين، هربا من موت ودمار محقق بسبب سياسات نظام الأسد وتشكيلات مسلحة متطرفة تشبهه أو تماثله، فإن الطريق إلى اللجوء ليس محدودا ومحاطا بالشروط الصعبة وبالوقت الطويل والمعاناة فقط، بل إن معاناته في بلدان الملجأ صعبة، وتحتاج إلى زمن طويل، قد يدمر بعضا من الروح، التي حملها اللاجئ السوري الخارج من بلده، والوضع في هذه الحالة، إنما يطرح على المنظمات والبلدان الراغبة في مساعدة السوريين على تجاوز كارثتهم، وتأمين ملجأ آمن وسهل لهم سواء كان مؤقتا أو دائما، وأن تعيد النظر في سياساتها وممارساتها وطبيعة تعاملها مع الحاجة السورية، التي هي حاجة إنسانية ليس إلا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ردود أفعال ولا مبادرة .. ميشيل كيلو

العربي الجديد - الاحد 21-12-2014

ما دام "الائتلاف الوطني" هو الجهة المعترف دوليا بتمثيلها السياسي للشعب السوري، فإن وضعه هذا يلزمه بإنجاز أمرين:

أن يصير الاعتراف الدولي به قانونياً فقط، لأن الاعتراف القانوني يحله محل النظام في مؤسسات الشرعية الدولية والإقليمية والعربية، ويمنحه حقوقه ويلزمه بواجباته، ويجعله الممثل الوحيد لشعب سورية، والمخول بإدارة دولتها، والتعبير عن مواقفها ومصالحها.

أن يكون الطرف الذي يطور مبادرات وأفكاراً تتعلق بالحل السياسي للقضية السورية، بدل أن يكون الطرف الأقل تفاعلاً مع ما يقدم على الساحات الخارجية من حلول، والأقل تأثيراً عليها.

بقول آخر: لا بد من أن يهجر "الائتلاف" السياسات التي تقوم على ردود الأفعال، ويحرص على ألا تأتي ردود أفعاله متأخرة، وناقصة أو متناقضة، بما أن إعلاناته الرسمية عن مواقفه ليست منتظمة، ولا تصدر غالباً عن الناطق الرسمي باسمه، الغائب، معظم الوقت، عن شؤونه ومهمته. في حين يشرّق كل عضو فيه ويغرّب على هواه، ويجتهد "على كيفه"، حتى في أخطر القضايا، وسط افتقار الائتلاف إلى عادة "سيئة"، هي إصدار بيانات رسمية حول القضايا السورية العادية أو الطارئة، وغيابه "الحميد" عن تقاليد عمل عام، تأخذ بها جميع التنظيمات الناشطة في حقل وطني مفتوح، وتتجلى في متابعة الأحداث أولا بأول، واتخاذ مواقف معلنة وواضحة منها، بعد نقاش موسع داخلها، يعبر فيه الجميع عن معلوماتهم واجتهاداتهم ووجهات نظرهم الخاصة، لكنهم يتفاهمون، في نهاية النقاش، على موقف يلزم كل عضو ائتلافي، إلا إذا كان عارضه خلال النقاش، وتمسك بحقه في معارضته بعد إقراره. عندئذ، يكون من واجبه التأكيد في أحاديثه الإعلامية والخاصة على أن ما يقوله ليس موقف الائتلاف، بل هو موقفه الشخصي.

وقد كانت هناك دوماً حاجة إلى قيام "الائتلاف" بمتابعة متأنية ودقيقة ما قد يكون مطروحا للحوار من سيناريوهات خاصة بالحل السياسي في سورية، ليبادر إلى تقديم تصوراته حولها حتى قبل إعلانها، ويؤثر في مضمونها والأطراف التي قد تتخذ موقفا منها، ويكون الجهة التي بادرت، بينما قام غيرها بخطواته متأخراً عنها. الخيار الثاني أن تعقد قيادة الائتلاف جلسات تناقش سائر احتمالات ونتائج الصراع الدائر في سورية، وتضع سيناريوهات حلول متنوعة، تتقاطع معها، شريطة اتفاقها مع المصالح العليا للشعب السوري ومطالبته بحريته، وإفادتها على خير وجه من الحلول والتصورات الدولية المطروحة حيال تسويات الصراع المحتملة، وتمر بآلية معينة، تبدأ بمواقف متناقضة ثم تتقارب تدريجياً لتلتقي، في النهاية، على حل يلبي المشترك من مصالحها، أو مصلحة القوة المتغلبة منها. وفي الحالتين، يكون على الائتلاف أن يبقى، كوالد الصبي، في موقع المبادر إلى التأثير على الآخرين، عبر صياغة حل يقبلونه، أو إعلان موقف حيال ما يطرحونه، يرغمهم على أخذ مصالح ومطالب السوريين بالحسبان في ما يفعلونه، أو يريدون تحقيقه من حلول. لكن، مثل هذه العادة "اللعينة" لا وجود لها فيه، بل هناك "مطبخ سري" محدود العدد من أعضائه، يتولى تقرير ردود أفعاله على مبادرات الآخرين، وتعيين موقفه بما يقترحه هؤلاء، بدل مبادرته هو إلى تعيين مواقفهم بما يعلنه من حلول، يجب أن تحقق تفاوضياً ما يقاتل في سبيل تحقيقه من أهداف عبر المقاومة المسلحة.

لا شماتة: من يراقب ردود أفعال الائتلاف على مبادرة دي مستورا سيضع يده على سلوك الائتلاف: بدل مواجهتها بخطة مقابلة، يتم الاكتفاء بردود أفعال متقطعة عليها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

جوع يقتل شعب الحرية .. ميشيل كيلو

العربي الجديد - الاحد 21-12-2014

رنّ الهاتف، عندما رفعت السماعة، تناهى إلى سمعي صوت يسألني: هل أنت فلان؟ ما أن رددت بالإيجاب، حتى صرخ بغضب: من نحن بالنسبة إليكم، ذباب أم حشرات، يا كفار يا ظلام يا أولاد ال... نطلب معونتكم لستة جرحى ثوريين، يرابطون ليل نهار قرب إشارات المرور في الريحانية، لكي يتسولوا ثمن كسرة خبز، فتعطونهم مائتي دولار: ثلاثة وثلاثين دولارا لكل جريح منهم، مع أن بينهم من فقد عيناً أو ذراعاً، أو يعاني من رصاصةٍ استقرت بين أضلاعه.

سألته قبل أن يستأنف صراخه المحق عن صحة ما يقوله، فرد بلهجة هازئة: تسألني وكأنك لا تعرف ما يحدث. لقد ذهبت إلى فلان، فأرسلني إلى فلان ثان، فطلب مني العودة في اليوم التالي. حين وصلت إلى مقره في الموعد المضروب، وجدت في انتظاري شخصا أعطاني المائتي دولار. وماذا فعلت؟ سألته. قال بحزن وانكسار: وماذا تعتقد أنني فعلت؟ بصقت عليها وأعدتها إليه، وأنا أرد عن نفسي شبهة التسول.

أرجو أن لا يعتقد أحد أن هذه القصة من نسج خيال مريض، أو أنها نادرة الحدوث، أو جرت لمحدثي دون سواه، الذي رفض إعطائي اسمه صوناً لكرامته، كما قال، وكي لا أظن أنه يشكو إلي أمراً شخصياً. توقف برهة عن الكلام، قبل أن يضيف بلهجة تملؤها الحرقة والمرارة: حولتم ثورة الحرية الى مأساة عامة لشعب يقتله الجوع، يتخلى جياعه عن حريتهم زرافات ووحداناً، ويتحولون إلى معين لا ينضب ل"داعش" وأشباهها من التنظيمات التي لم يعد لديها مشكلة غير عجزها عن استيعاب دفق لمقاتلين الراغبين في الانضمام إليها، بعد أن سدت في وجوه الشرفاء والثوريين دروب الأمل، وصار الطعام مشكلتهم، مثلما سدت دروب العدالة والتضامن التي شقتها ثورة الحرية خلال أشهرها الأولى، وجعلت كبار التجار في كل مكان من بلادنا يسلمون مفاتيح مستودعاتهم لمندوبي الحراك، ليفرغوا ما فيها من أرزاق ويوزعوها على خلق الله بالمجان. واليوم، أنتم، ممثلو الشعب وقادة الثورة المزعومون، لا تخجلون من إعطاء ثلاثة وثلاثين دولاراً لثائر فقد ذراعه أو أصيب في صدره، أو فقد عينه، وتتغاضون عن مناضلين صاروا شبيحة ثورة الخيبات المتكررة، وتستهينون بانهيار تضامنكم مع الشعب، وبالوهن الذي أصاب عزيمة ثوريين كثر، وجعلهم يلجأون إلى حلول أملاها عليهم موقف مبدؤه: "اللهم أسألك نفسي"، و"أنا وليكن بعدي الطوفان". أرغمهم على الاستسلام له ما يعانونه من عجز ويأس، ويواجهونه من محن، افتقروا، في بدايتها، إلى السلاح، ثم إلى الذخيرة، وأخيرا إلى الطعام، قبل أن يجبرهم التجاهل والإهمال على التشبه بشبيحة النظام، وفي أحيان ومناطق معينة، بقتلته، أو على هجر الثورة وقيمها والانضمام إلى الدباحين وقاطعي الرؤوس والممثلين بجثث ضحاياهم، وصولاً إلى الإرهاب، لأنكم لم تكترثوا بمن قتل الجوع إنسانيتهم، وأجبر كثيرين منهم على الابتعاد عن الثورة، أو الهجرة إلى السلاح والمال والطعام و"الجهاد"، مع أنه كان، منذ بدايته، معادياً لثورة الحرية ولقيمها، وسرعان ما انتقل إلى قطع رؤوس حملتها، دونما وازع من دين أو إيمان .

كنا في ثورة حرية وعدت بقتل الجوع، فصرنا في جوع يقتل الحرية ووعدها، ويقضي عليها في النفوس. بينما وقفتم تتفرجون كائتلاف ومجلس وطني على المأساة الزاحفة، من دون أن تفعلوا شيئاً لوقفها، أو للحد من نتائجها الكارثية على الشعب، أو ينتبه أحد من أصدقائكم إلى دور سلاح الجوع في قتل ثورة الحرية وتدمير حملتها، على الرغم من أن النظام استخدمه بكثافة، وفي كل مكان، وحقق به نتائج عجزت عنها أسلحته الحربية الفتاكة.

بعد دور الجوع في استسلام الأفراد للأمر الواقع، يبرز اليوم دوره في قتل الشعب: حاضنة الثورة التي لن تتحقق حرية بدونها، وغدا إنقاذها مهمة المهام بالنسبة إلى أي وطني سوري، أينما كان موقعه ودوره، وإلا كنا ممن قاموا بثورة من أجل الشعب، لكنهم تركوا الثورة فماتت، لأنه لم يبق فيها شعب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كم مرة تلدغ الثورة السورية من جحر واحد؟ .. اسعد مصطفى

الشرق الاوسط - السبت 20-12-2014

تجاوزت الثورة السورية كل الثورات في قدرتها على التضحية والتحدي، وتحقيق انتصارات مذهلة في مواجهة تحالف قوى كبرى مع النظام توهمت كسر إرادة الشعب السوري باعتماد الإبادة وانتهاك الحرمات والتهجير والتدمير. ومع فشلهم وخيبة حيلهم ولكسب الوقت لجأوا إلى مبادرات لم يوفروا غطاء لتطبيقها بسبب تعطيل مجلس الأمن، وعدم التزامه بمسؤولياته القانونية والأخلاقية.

دي ميستورا المبعوث الدولي الخامس يريد وقف القتال في حلب، قلعة الشمال، فيها أكبر التشكيلات العسكرية تماسكا والتزاما ولا يمكن إسقاطها، وهي متصلة مع تركيا التي فتحت قلبها ومرافقها للسوريين وأحاطتهم بحدب واحترام ما عرفوه في وطنهم الأم منذ أكثر من 40 عاما، وحجة المبعوث الدولي البدء من الأسفل بعد أن فشل المجتمع الدولي (أو لم يرد) المعالجة من الأعلى (تغيير النظام) يريد وقف القتال في حلب تمهيدا لوقفه في أماكن أخرى، وإقامة مناطق تدار لا مركزيا لم يفصح عنها، ومن ثم الحوار مع النظام، وبعدها تقاتل المعارضة وجيش النظام معا «داعش» الخطر الوحيد، أما جرائم النظام فهي قتل من نظام طائفي يتلحف بالعلمانية والتقدمية مسموح به.

الغوطة محاصرة وعصية منذ أكثر من عامين ودرعا وإدلب يتقدم رجالها، لا بأس أن يتفرغ النظام لتدميرها تمهيدا لوقف القتال فيها، وخوفا من أن يتصل أبطال الغوطة الذين يخترقون حصارهم من الداخل بثوار درعا وثوار القلمون وينهار النظام المفكك الذي يعيش أسوأ أيامه داخليا وهو يسوق شباب الطائفة إلى الموت دفاعا عنه، وخارجيا وقد رأى الحلفاء عمق مأزقهم معه، وبقية المناطق تترك للقصف والاعتقال كل يوم.

دي ميستورا الذي يتمثل وضوح مشروعه في إبهامه، ولم يتطرق لرأس النظام والجيش والأمن، يجب أن يسأل ما هو مشروعه السياسي للتغيير، وأفقه الزمني، ماذا عن مقررات جنيف 1 التي أقرها مجلس الأمن، ووافقت عليها مجموعة أصدقاء الشعب السوري، ولماذا لم يعاقب من دفن جنيف 2 بدل تقديم مبادرات جديدة تكافئه لأنه ثبت على إجرامه؟

بوغدانوف على التوازي يصرح من لبنان الذي يحج إليه دوريا بأن المطلوب الآن حوار سوري - سوري غير رسمي دون شروط مسبقة (على الطريقة الإسرائيلية). يقولون روسيا غيرت موقفها وبوغدانوف يكذب ذلك علنا.

النظام أفشل مهمة 4 مبعوثين دوليين وعرب حتى الآن بحوارات خادعة.

فاروق الشرع ممثل النظام قال عن المفاوضات بداية الثورة مع ما يسمى بمعارضة الداخل إن نجاحها 5 في المائة تجاوزا. النظام لا يعرف المفاوضات إلا لتمرير مرحلة وهو لا عهد له ولا ذمة وهذه عقيدته السياسية المخادعة التي رسخها مؤسس النظام الطاغية الأب.

بعد الدابي ومود وأنان والإبراهيمي ألا يجب أن نسال أنفسنا كم مرة يجب أن تلدغ الثورة السورية من جحر واحد.

هناك مجموعة من الحقائق لا يمكن القفز فوقها؛ أولاها أن الثورة السورية التي قدمت حتى الآن نصف مليون شهيد وأكثر منهم من المصابين والمفقودين والمعتقلين وأكثر من 14 مليون من المهجرين ووطنا دمر أكثر من نصفه لا يمكن أن تتوقف قبل تحرير سوريا من النظام المجرم ورغم محاولات الحصار والتفتيت، ولن يستطيع العالم كله أن يهزم الثورة السورية. وثانيها أن القبول بمشاريع جزئية والحوار مع النظام جعلا البعض من أنصار الثورة يعيدون حساباتهم، وثالثها ليس هناك عاقل في المعارضة يعتقد أن إدارة أوباما بخلاف رأي كبار مسؤوليها ورجالات الحزب الجمهوري وبالتناغم مع روسيا ستبادر بعمل جدي لإنهاء معاناة السوريين وتحقيق حريتهم ما لم تفرض الثورة واقعا يلزمهم بذلك. ورابعها أن القضاء على الإرهاب دون تغيير النظام سوف يخلق إرهابا أعتى لنظام أتقن استخدام هذه التنظيمات والكل يذكر «فتح الإسلام» وصاحبه شاكر العبسي في لبنان، وأن أي حلول تقفز فوق أهداف الثورة وتتجاهل ذوي الشهداء والجرحى والمغتصبات محكوم عليها بالزوال مع أصحابها.

إن البديل الموضوعي والملح يتمثل بدعم الثوار على الأرض وتوحيد التشكيلات المقاتلة لمحاربة النظام و«داعش»، وليس لأي هدف آخر، والتمسك بالمنطقة العازلة والآمنة التي تصر عليها تركيا، والتنسيق مع الدول الشقيقة والصديقة التي تقف مع الثورة منذ انطلاقتها لفرضها وهي مطلب الثورة منذ 3 سنوات، وإحياء فكرة عقد مؤتمر وطني نادت به شخصيات معارضة قبل جنيف 2، وأن يتولى الائتلاف الدعوة لعقد المؤتمر بمشاركة كافة مكونات المعارضة المدنية والعسكرية للاتفاق على مشروع وبرنامج واحد يتمسك به الجميع ويوحد المواقف التي ستفرض احترام العالم المفقود في مرحلة هي الأخطر حتى الآن.

لنتذكر دوما أن حلفاء النظام لم يسمحوا له بالتراجع خطوة واحدة عن مواقفه وجرائمه في ظل انتصارات الثورة التي هددت مواقعه على امتداد الأرض السورية فكيف له أن يوافق على الرحيل بعد توقيف القتال معه ومحاورته كشريك في ظل رعاية دولية، من يضمن من؟!

* معارض سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الطائفية والمواطنة .. حسين العودات

السفير - السبت 20-12-2014

نشأت الطائفية وفرقها (التي يتجاوز عددها اثنتين وسبعين فرقة) نتيجة اختلافات سياسية صرفة وربما خلافات فقط، ولم تكن في نشأتها الأولى سوى تحزب لهذا القائد السياسي أو ذاك، ثم قامت حروب بين التيارات السياسية المتصارعة للأسباب نفسها (أي أسباب التحزب)، وكان بديهياً أن هذه الصراعات لا معنى لها ولا سبب جديا ومقنعا في إشعالها، سوى هذا التحزب المحلي لشخص أو لقائد مجموعة أو تيار، ولذلك أخذت كل طائفة تبحث عن مبرر لها غير هذا المبرر المتهافت، فاهتدت إلى اللبوس الفقهي الديني المختلف عن الآخر والمصطنع في كثير من الحالات، وحاولت بذل جهود كبيرة وكثيفة لتشكيل كيان ديني يعطيها شرعية وخاصية ليست لسواها. كما صار كل تيار سياسي يشكل طائفة، أو يتبنى طائفة. ولأن بناء هذه الطوائف كان هشاً ينطلق من اجتهادات البشر ومصالحهم، فقد انقسمت الطوائف بدورها إلى طوائف أصغر. وأدى الانشقاق إلى انشقاقات حتى بلغت العدد المشار إليه، وأخذت كل واحدة من هذه الطوائف تسعى لتقيم دولة تحت رعايتها أو بقيادتها، فتكرست الطائفية السياسية، وقامت دولها أو دويلاتها في كل مكان وخلال مراحل التاريخ المتعددة، وتعززت في الوقت نفسه المرجعيات الثانوية ما قبل الوطنية كالإقليمية والمذهبية والعشائرية وغيرها. وشهد التاريخ العربي والإسلامي قيام الدويلات العديدة المتزامنة أو المتتابعة كالدويلات البويهية والفاطمية والأيوبية والسلجوقية والصفوية وقبلها وبما يشبهها من دول المماليك المتعددة، وتداخلت الطوائف بالدول ككيانات سياسية، واحتلت المرجعية الطائفية مقعدها كأم المرجعيات في بعض البلدان على حساب مرجعية المواطنة.

استغل بعض رجال السياسة وقادة القوى الاجتماعية وأصحاب المصالح والطامحون للحكم والسلطة الطائفية وعمقوا انتماء أتباعها لها، وكان هؤلاء المستغلون سعداء بتلقفها من قبل الاتباع واللعب بها، وقطف الامتيازات نتيجة ذلك. واستمرأوا اللعبة الطائفية حتى أنهم تخلوا عن «الألعاب» والأساليب الأخرى، واكتفوا بهذه «اللعبة» لأنها أكثر فائدة وسهولة وربما أكثر تبريراً لأخطائهم وتسلطهم وفسادهم، وولغوا بالتحريض الطائفي محاولين تحويل الطائفية إلى أيديولوجيا، وجعلوها وسيلة للربح والتسلط والسلطة والقمع وغيرها.

تنبغي الإشارة إلى عدد من المعايير عند الحديث عن الطائفية باعتبارها الأسباب التي جعلت منها عاملا ًمؤثراً في التاريخ العربي، وتلقي ضوءاً على الصراعات العربية الداخلية منذ فجر الإسلام حتى أيامنا، وعلى دورها الفعال في إقامة الدويلات وتعدد التيارات السياسية المعارضة والموالية بما يشبه الأحزاب في عصرنا. ذلك أن قادة الطوائف كانوا وما زالوا يستغلون الإيمان الشعبي «العجائزي» لدى العامة ليوظفوا جماهير المؤمنين بالطائفة في حروبهم، سعياً للوصول إلى السلطة أو الجاه أو المال. وقد وجد هؤلاء الذين يتلاعبون بالطائفية ويتكسبون من ورائها ويسترزقون منها مناخاً ملائماً في ذلك الوقت، حيث كانت الدولة ومرجعياتها رخوة ومختلفة عما هي عليه الآن، ولم تكن مرجعية المواطنة رئيسة حتى ولا معروفة، بل كانت المرجعيات بدائية تقسم المجتمع إلى مجتمعات والشعب إلى شعوب. وفي الحالات كلها كان المستفيد من تغوّل الطائفية ليس الفئات الفقيرة وجموع المؤمنين، إنما الطبقة العليا من الطائفة والمتنفذين فيها، أما «العامة» وجماهير الفقراء، فهم وقود يدفئ المتنفذين والمسيطرين، وتسحقهم آلية الحراك الطائفي كما تسحق غيرهم من الطوائف الأخرى، ويتحولون منفذين لسياسة المستغلين والأغنياء والمستفيدين من زعماء الطائفة وقادتها.

ولكي تخدم الطائفة الطبقة العليا من أبنائها يعمل هؤلاء على تعميق الغرائز الطائفية، وتحويل المجتمع إلى مجتمع طوائف متصارعة، حتى ان غير المتدينين من أبناء الطوائف يتحدثون بشؤون طوائفهم وبما يسمونه «مصالح الطائفة» ويتحمسون لها مع أنهم قد يكونون غير مؤمنين أساساً لا بالدين ولا بالطائفة ولا بأي فلسفة اجتماعية أو ثقافية أو دينية باستثناء ما يؤمن مصالحهم ونفوذهم. ويعرفون أنه إذا لم تُعتمد الطائفية كمرجعية رئيسة وتستقطب أبناءها على حساب المرجعيات الأخرى، فقد ينفض عنهم أبناء طائفتهم، ولذلك يجهدون ويعملون بدأب كي لا تصبح مرجعية المواطنة هي الأساس، وكي لا يسود القانون والنظام، أو يُحترم العقد الاجتماعي، أو تتحقق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.

هذا غالبا هو حال المتنفذين السياسيين من قادة الطوائف. تضاف إليهم بعض الفئات الأخرى التي لها مصالح كبيرة وكثيرة بتحويل الخلافات الطائفية إلى اختلافات وصراعات، وفرضها على وعي المواطنين وسلوكهم، وتبني الاختلافات المذهبية بما يكاد يحوّل الطوائف إلى أديان مستقلة. ولأن «ظلم ذوي القربى أشد مرارة»، تتحول هذه الاختلافات إلى حروب والدين إلى أديان. وعند ذلك لا يمكن الإبقاء على الطائفية السياسية بأشكالها التقليدية، إذ تخوض بالضرورة صراعات مذهبية واجتهادات وجدلاً عقيماً، وينعدم احترام الرأي الآخر، ويُفسح المجال للمفسرين والمجتهدين والمتنفذين وأصحاب المصالح ليضعوا فكر الطائفة وفكر أتباعها في خدمتهم.

لا ينبغي الزعم أن مرجعية المواطنة هي الآن الأولى للمواطنين في معظم المجتمعات العربية ولدى معظم الناس كما هو الحال في الدول الحديثة. ومن غير الواقعي الاعتقاد أن زعماء الطوائف يتحمسون لها بسبب مضمونها الاجتهادي أو الأخلاقي أو الديني، وليس بسبب فوائدها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وخدمتها لمصالحهم. وأي مطلع على التاريخ، وعلى الخصوص تاريخ الأديان وفلسفاتها، يعرف أن الطوائف كانت تحزباً سياسياً فقط ثم طورت مواقفها لتشمل مختلف مجالات الثقافة والفلسفة والاجتماع وغيرها، وصارت كل محاولة تطوير تؤدي إلى مزيد من الخصوصية ومزيد من الشروخ واتساع الهوة بين الطوائف حتى كادت هذه الطوائف تصبح أدياناً متصارعة.

خلاصة القول، بدأت الطائفية دفاعاً عن وجهة نظر سياسية، ثم ما لبثت أن أصبحت طائفية سياسية، ثم وجد المستفيدون منها أن مصلحتهم تقتضي زجها طرفاً في صراع مذهبي مع الطوائف الأخرى. ولجأ الناس إليها بسبب فقدان الأمن وضعف الدولة أو تسلطها وظلمها، فأربكت الطائفية السياق التاريخي للتطور، ونحّت مرجعية المواطنة جانباً، وصارت محركاً لصراعات عديدة بين أبناء الشعب الواحد والدين الواحد، وعمّدتها تيارات مجتمعية كمرجعية أولى مثيرة للفتن والحروب، والتلاعب بالعقول بدلاً من أن تكون إغناءً لإيمان المسلمين وثقافتهم وتنويعاً لتعليمات الدين. والمستغرب أن الصراعات الطائفية هذه تستدعي الآن أحداثاً عمرها أربعة عشر قرناً. وبدلاً من التسامح تجاه هذه الأحداث، تزداد الصراعات حولها شدة وعنفاً. لنتصور ماذا نقول عن الأوروبيين مثلاً لو انفجر الصراع بينهم بسبب موقفهم من شارلمان! ولهذا يصدق علينا قول المثل الشعبي: «ألقى مجنون حجراً في البئر لم يستطع مئة عاقل إخراجه»!

إن العرب والمسلمين أمام تحد كبير، فإما أن يعودوا الى مرجعية المواطنة واستطراداً إلى بناء الدولة الحديثة، أو يُبقوا على الطائفية وتبقى مجتمعاتهم تعيش في مرحلة ما قبل الدولة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أنت ثائر إذاً أنت إرهابي! .. د. فيصل القاسم

القدس العربي - السبت 20-12-2014

كلنا يعرف أن الطواغيت العرب تاجروا بالإرهاب أكثر مما تاجرت به أمريكا. ما حدا أحسن من حدا. فقد لاحظنا على مدى السنوات الماضية أن تهمة الإرهاب راحت تحل شيئاً فشيئاً محل تهمة الخيانة والعمالة المفضلة لدى الديكتاتوريات العربية.

كيف لا وأن كل من يدّعي مكافحة الإرهاب، حتى لو كان أحقر وأبشع ممارسي العنف في العالم، يحظى فوراً بتأييد دولي لسحق خصومه، لا بل يمكن أن يحصل على مساعدة دولية، طالما أنه يدّعي مواجهة الإرهابيين. وقد لاحظنا أخيراً كيف أن العالم نسي كل ما فعله طاغية الشام بسوريا، وراح ينّسق معه ضد الإرهاب، وكأن قصف الأطفال بالكيماوي وتهجير ملايين الناس وتدمير ثلاثة أرباع البلد عمل وطني مشروع وشريف، بينما ذبح صحافي عمل إرهابي خطير. هل هناك إرهاب حلال، وإرهاب حرام؟ ألا يستوي إرهاب الذبح مع إرهاب التدمير والتجويع والتهجير واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً؟

من الواضح أن الإرهاب أصبح كلمة السر لدى أعداء الشعوب في الداخل والخارج لإجهاض أية مطالب شعبية والقضاء على أية ثورة. فكما كانوا في الماضي يطلقون صفة «إرهابي» على كل من كان يقاوم الاحتلال ويدافع عن وطنه، ها هم الآن يشهرون سيف الإرهاب في وجه الشعوب الثائرة لإعادتها إلى زريبة الطاعة. والقذر في الأمر أن الجنرالات العرب الإرهابيين يتلقون دعماً من ضباع العالم الكبار الذين يباركون إرهاب الدولة المنظم في وجه كل من يطالب بأبسط حقوقه. ولو نظرنا إلى التاريخ الحديث لوجدنا أن الطواغيت العرب وأسيادهم في الخارج بدأوا يستخدمون بعبع الإرهاب منذ عقود، وليس فقط الآن لإجهاض الثورات وإعادة الشعوب إلى حظيرة الاستبداد. ويتساءل عبد الفتاح ماضي في هذا السياق: «أليست هذه المرة الثالثة على الأقل، في العقود الأربعة الأخيرة، لإعلان الحرب على الإرهاب في أعقاب ظهور مطالب شعبية لإحداث تغيير حقيقي في نمط السلطة في حكومات المنطقة التي لا تعرف إلا الاستبداد والفساد وتكميم الأفواه؟ ألم تكن المرة الأولى بعد أن انتهى دور من عُرفوا بالمجاهدين في أفغانستان؟ ألم يكن هناك حراك سياسي مناد بالإصلاح السياسي في أكثر من دولة عربية رئيسية وقتها، لكن بعض الأنظمة استغلت عودة من عُرفوا بالمجاهدين العرب إلى بلادهم لبدء المعركة ضد الإرهاب، فانتهى الحديث عن الإصلاح؟»

ثم لمّا عاد الحديث من جديد عن الإصلاح السياسي، في مطلع الألفية الجديدة، جاءت أحداث 11 ايلول/سبتمبر 2001 لتقوم الحكومات الغربية والعربية بشن حربها على الإرهاب….ثم الآن وبعد ثورات الربيع العربي، لاحظوا كيف راحوا يصورون الثورات والنضال من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية على أنه نوع من الإرهاب. ويتساءل البعض هنا: لماذا تدخل حكومات المنطقة في تحالف جديد للحرب على الإرهاب بدل تصالحها مع شعوبها وإجرائها عمليات إصلاح حقيقية تقوم على حكم القانون ودولة المؤسسات والمواطنة التامة والتداول السلمي على السلطة والفصل بين المال العام والمال الخاص؟

ألم يصبح شعار مكافحة الإرهاب الحل السحري لمشاكل الديكتاتوريات العربية؟ فكل طاغية يواجه ثورة شعبية يصرخ فوراً: إرهاب، إرهاب، مع العلم أنه يكون هو نفسه صانعاً للإرهاب. فمع انطلاق الثورة السورية مثلاً «استخدم النظام ورقته التي طالما أتقنها، وأفرج عن المعتقلين ذوي الخلفيات الجهادية من سجون صيدنايا وتدمر، واعتقل الأطباء والاعلاميين وأصحاب الرأي، وابتدع جماعات إرهابية خاصة، في محاولة لتصيد التناقضات العالمية ووأد ثورة الحرية، وتجديد عقده لاحتلال سوريا بوصفه متصدياً للإرهاب».

لقد حاول النظام السوري وحلفاؤه إظهار الثورة السورية منذ أيامها الأولى بأنها مجرد عمليات إرهابية. وقد لجأوا إلى كل الحيل والفبركات والأكاذيب كي يجعلوا الثورة تبدو بأن من قام بها إرهابيون. وبعد أربعة أعوام يبدو أن العالم قد صدّقهم، وراح يتعامل مع الحدث السوري على أنه مجرد إرهاب بعد أن نجح النظام وأعوانه في تحويل الأرض السورية إلى ساحة فوضى ودم ودمار.

ليس هناك شك أبداً في أن ضباع العالم الكبار يعرفون الحقيقة كاملة بأن بشار الأسد وغيره من جنرالات الإجرام هم سبب الإرهاب وصانعوه، لكن لا بأس في المتاجرة معهم بسلعة الإرهاب طالما أنها تجهض الثورات، وتقضي على أحلام الشعوب في التحرر من الطغيان، ليبقى الطواغيت في خدمة مشغليهم في موسكو وواشنطن وتل أبيب. القوى الكبرى ترصد دبيب النمل، وتعرف من خلال أقمارها الصناعية كل شاردة وواردة، وتعرف الحقيقة، لكنها تناصر ما يناسب مصالحها. لا يهمها الدم والدمار والفوضى، طالما أن الطغاة العرب يحققون لها مرادها في الهيمنة والنهب باسم مكافحة الإرهاب.

لقد راح ضباع العالم وأذنابهم في بلادنا منذ عقود يصورون كل من قال: «الله أكبر» على أنه إرهابي محتمل، فهل يصبح من الآن فصاعداً كل من ينادي بالحرية والكرامة ولقمة الخبز إرهابياً حتى لو كان اسمه «عبد الشيطان»؟

٭ كاتب واعلامي سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حتى نتجنّب حرب الثلاثين عاماً .. مروان قبلان

العربي الجديد - السبت 20-12-2014

في خضمّ الصراعات التي تجري داخل دول المنطقة وفي ما بينها، وفي سياق سعي بعض دول الإقليم، وفي مقدمتها إيران إلى تحقيق النفوذ والهيمنة عبر انتهاك سيادة جيرانها، وبناء مراكز قوة وتأثير لها في دواخل دولهم ومجتمعاتهم، وحيث يجري إرسال جيوش وميليشيات تتجاوز الحدود من دون أذن (البشمركة الكردية وميليشيات طائفية عراقية ولبنانية)، أو حتى تلغيها بشكل كامل (تنظيم الدولة)، تدخل المنطقة في حالة من الفوضى، تبدو الحاجة معها ملحةً للعمل على بناء نظام إقليمي مستمد من ظروف تجربة وستفاليا الأوروبية، أخذاً بالاعتبار وجود نقاط تماثل بين ما يجري اليوم في المنطقة وما كان يجري في أوروبا قبل أربعة قرون.

فقد شهدت القارة الأوروبية (وسط وشمال أوروبا تحديداً)، مرحلة من الصراع الدموي على أسس مذهبية بعد حركة الاصلاح الديني التي قادها مارتن لوثر عام 1517، ودخلت على أثرها أوروبا في حالة من الاضطراب والفوضى، دامت نحو قرن، وبلغت ذروتها في حرب الثلاثين عاماً.

وحرب الثلاثين عاماً هي سلسلة صراعات دامية جرت بين عامي 1618-1648 في الأراضي الألمانية التي كانت تعود، في ذلك الوقت، إلى الامبراطورية الرومانية المقدسة، لكن اشتركت فيها تباعاً معظم القوى الأوروبية، فيما عدا انكلترا وروسيا، وفي مراحل لاحقة من الصراع، امتد القتال إلى فرنسا وهولندا وإيطاليا وكاتالونيا. خلال السنوات الثلاثين، تغيّرت طبيعة الحرب تدريجياً كما دوافعها، وعلى الرغم من أن الحرب جرت، بادئ الأمر، تحت غطاء ديني، إلا أن الدوافع الاقتصادية والسياسية وشهوة السلطة أزالت كل الحدود بين الأطراف المتصارعة.

وما ميّز تلك الحرب هو استخدام جيوش المرتزقة على نطاق واسع، فجرى تدمير مناطق بأكملها تركت جرداء من نهب الجيوش. وانتشرت خلالها المجاعات والأمراض وهلك الملايين من سكان الولايات الألمانية والأراضي المنخفضة (هولندا) وإيطاليا. وجاء في موسوعة "قصة الحضارة" بعنوان: "إعادة تنظيم ألمانيا (1648-1715): "هبطت حرب الثلاثين بسكان ألمانيا من عشرين مليوناً إلى ثلاثة عشر ونصف مليوناً، وكان هناك وفرة في النساء وندرة في الرجال. وعالج الأمراء الظافرون هذه الأزمة البيولوجية بالعودة إلى تعدد الزوجات، كما ورد في العهد القديم. ففي مؤتمر فرنكونيا في فبراير/ شباط 1650 في مدينة نورنبرغ، اتخذوا القرار:- "لا يقبل في الأديار الرجال دون الستين... وعلى القساوسة ومساعديهم (إذا لم يكونوا قد رسموا)، وكهنة المؤسسات الدينية، أن يتزوجوا... ويسمح لكل رجل بأن يتزوج زوجتين".

انتهت الحرب بصلح وستفاليا، وهو اسم عام يطلق على معاهدتي السلام اللتين جرى التوصل إليهما في مدينتي أسنابروك ومونستر، الواقعتين في مقاطعة وستفاليا الألمانية، وتم التوقيع عليهما في 15 مايو/ أيار و24 أكتوبر/ تشرين الأول 1648. ويعتبر صلح وستفاليا أول اتفاق دبلوماسي في العصور الحديثة، وقد أرسى نظاماً جديداً في أوروبا الوسطى مبنياً على ثلاثة مبادئ أساسية، وضعت حداً للحروب الدينية، وإن كانت فتحت الباب أمام الحروب القومية وهي:

مبدأ السيادة: ويعني ممارسة الدولة مطلق السلطة على أراضيها وانفرادها التام بالتصرف داخل حدود إقليمها، بما يحقق مصالحها ورفض الإملاءات، أو الضغوط الخارجية المرتبطة بشؤونها الداخلية. مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول: ويرتبط بسابقه، ويؤكد عليه، وهو يعني حق كل دولة في اختيار أنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، بحرية تامة، وبما يتناسب مع مصالحها وأهدافها. ومن دون تدخل من أي قوى خارجية. مبدأ الولاء القومي: يقصد به أن يكون ولاء الأفراد والشعوب حصرياً للدولة ـ الأمة، وليس للكنيسة، ما يعني الفصل التام بين الدين والدولة، واعتبر المؤتمرون في وستفاليا أن من شأن هذا الفصل الحيلولة دون تعدد الولاءات، ومن ثم اندلاع الحروب الدينية.

صحيح أن المبدأين المتعلقين بالسيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لطالما استخدمتهما أنظمة قمعية غطاءً للتنكيل بشعوبها، وحتى ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحقها، إلا أنه في ظروف الصراع والانقسام المذهبي السائدة في المشرق العربي، وخصوصاً في الهلال الخصيب، يصبح احترام هذه المبادئ شرطاً لا غنى عنه، لوقف هذه الصراعات. فالانتهاك الإيراني السافر لسيادة سورية والعراق خصوصاً، بما في ذلك تسليح ميليشيات مذهبية وإرسالها للمساهمة في قمع تطلعات شعوب هذين البلدين، في حياة كريمة ومستقبل أكثر عدالة، ومحاولة تحويل ولاءات جزء من شعوب دول عربية خليجية مجاورة إلى مرجعيات دينية خارج أوطانهم، ودعم ميليشيات فئوية في السيطرة على الدولة، كما في اليمن، ثم القول بسقوط أربع عواصم عربية تحت السيطرة الإيرانية. ذلك كله يشكل وصفة فعالة لاستمرار الصراع، وأخذه طابعاً مذهبياً متزايداً. ففضلاً عن أن السياسات الإيرانية تدفع جهاديي السنّة في أنحاء العالم إلى تجاوز كل الولاءات الوطنية والتداعي إلى حرب إيران وأدواتها في المنطقة، فإن التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية لدول المنطقة سوف يغري هذه، في المقابل، بالتدخل في شؤون إيران، بداعي حماية السنة المضطهدين فيها تارة، أو بداعي المعاملة بالمثل تارة أخرى.

وإذا أخذت الأمور هذا المنحى، أي ذهبت باتجاه حرب مذهبية، حيث تعلو الولاءات الدينية على القومية والوطنية، وتسقط معها كل الحدود، وتنهار الدول، ويرتفع شأن الميليشيات الطائفية، سوف تصبح عندها حرب الثلاثين عاماً في أوروبا مجرد تفصيل صغير في الصراع الذي تقف منطقتنا على شفا هاويته. لذلك، قد يكون من الأسلم للجميع، وخصوصاً لإيران التي لا تعدم عوامل الضعف والتفكك التي تحملها في كينونتها جميع دول المنطقة، المتنوعة بمذاهبها واثنياتها، أن يتم التوصل، وبسرعة، إلى صلح وستفاليا شرق أوسطي، يحترم فيه الجميع مبادئ السيادة الوطنية، ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتصبح معه الدولة ـ الأمة المرجعية الوحيدة التي يدين لها المواطن بالولاء، ويختار، بكامل إرادته، لقيادتها النظام الذي يمثله، ويكفل مصالحه ويحترم كرامته وإنسانيته.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com