العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 28-06-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

جيوش الفتح في سورية.. لماذا؟ .. حمزة المصطفى

العربي الجديد

الخميس 25/6/2015

لا شك في أن تجربة جيش فتح إدلب فريدة وغير مسبوقة في مسار العمل المسلح خلال سنوات الثورة السوريّة، فلأول مرة، تدرك الكتائب أوزانها العسكريّة ومقدراتها، وتتلاقى الفصائل المختلفة فكرياً وأيديولوجياً على هدف عسكريّ واحد، ومحدد ضمن غرفة عمليات "مؤقتة" تستمر طالما استمرت الانتصارات وتتالت الإنجازات. لكن، وكعادة السوريين في استنساخ التجارب والنجاحات، أعلن عن تأسيس جيوش للفتح في القلمون، والمنطقة الجنوبية. ووجهت جبهة النصرة نداء لفصائل الغوطة المنضوية تحت القيادة العسكرية الموحدة، كل على حدة، لتشكيل جيش فتح الشام. يخال للمرء، وهو يرى جيوش الفتح تملأ المدن السورية، اقتراب سقوط النظام عسكريًا. لكن الناظر في تفاصيل التجارب الجديدة، وخصوصيات مناطقها، لن يجد ما يخالف ذلك فقط، بل يفزع من قتامة المشهد القادم، إن سار في سيرورته الحالية. فإذا ما بدأنا بجيش فتح المنطقة الجنوبية، والذي أعلن عنه يوم السبت 20 يونيو/حزيران 2015، وضم كلاً من جبهة النصرة، وأحرار الشام، وتحالف فتح الشام، ولواء إحياء الجهاد، وتجمع مجاهدي نوى، ولواء أسود التوحيد، ولواء أنصار الحق، ولواء العمرين الإسلامي، سنجده إطاراً للفصائل العسكرية ذات التوجه السلفي الجهادي، محدودة العدد والانتشار في حوران، أنشئ ليكون الموازن أو المقابل للجبهة الجنوبية، والتي تضم غالبية فصائل الجيش الحر، وتتبنى شعارات الثورة وأهدافها. وبمعنى أدق، جيش فتح الجنوب ذو هدف تقسيمي لا توحيدي، وإن حسنت نية المعلنين. فكما هو معروف، تعد المنطقة الجنوبية من أكثر الجبهات انضباطا، إذ تجتمع غالبية الفصائل تحت قيادة واحدة، وتتلقى دعما من مصدر واحد تقريبا، وتخطط لأعمالها بحرفية عسكريّة عالية، نجم عنها انتصارات سريعة وخاطفة (بصرى الشام، نصيب، اللواء 52). لذلك، من غير المرجح أن يمثل التشكيل الجديد إضافة نوعية للعمل المسلح، بقدر ما يبعث رسائل سلبية لفصائل الجبهة الجنوبية، ما دفع الأخيرة إلى إصدار بيان ترفض فيه التعاون، أو حتى "التعامل"، معه.

لا يختلف الحال في الغوطة الشرقية عما هو قائم في حوران، إذ تبدو دعوة النصرة إلى تشكيل جيش فتح الشام مناورة أخرى، لتصفية حسابات وخلافات مع جيش الإسلام، بعد أن أصبح قوة عسكريّة منضبطة ومنظمة في محيط دمشق، يجتمع مع بقية الفصائل ضمن "القيادة العسكرية الموحدة"، و" القضاء الموحد"، ويطرح إقليمياً ودولياً كشريك يمكن التعويل عليه، في قتال النظام وتنظيم الدولة، وضبط الفوضى في العاصمة وحوافها أمام أي انهيار جزئي أو كليّ لقوات النظام فيها. لا شك في أن الانتقادات الموجهة من النصرة وبعض الفصائل الإسلاميّة لجيش الإسلام وللقيادة الموحدة صحيحة في معظمها، خصوصاً اندفاع قائد جيش الإسلام إلى الاستئثار بالقيادة والتحكم بمفاصل العمل العسكري في الغوطة. لكن ذلك لا يبرر محاولات إطاحة القيادة الموحدة، والتي تمثل إطاراً تنظيمياً يجمع أكبر فصائل الغوطة وأقواها، كما أن النصرة، بدعوتها إلى تشكيل جيش فتح جديد، لا تسعى إلى توحيد الفصائل في الغوطة، بقدر ما تسعى إلى لعب دور قيادي، بديل عن جيش الإسلام وقائده زهران علوش الذي تنتقده، ما دفع الأخير إلى رفض دعوة النصرة، وطلب منها العودة عن قرارها الانسحاب من القضاء الموحد. عدا عن ذلك، فإن حضور النصرة وأحرار الشام أكان في المنطقة الجنوبية، أو في غوطتي دمشق، محدود مقارنة بالفصائل التي توجه إليها الدعوة إلى الانضواء تحت قيادتهما.

"التقاء الفصائل وتوحيد جهودها في تحالفات دائمة أو غرف عمليات مؤقتة غاية كل سوري مؤيد للثورة سئم الارتجالية التي وسمت العمل العسكري الثوري في السنوات الماضية"

نجح جيش الفتح في إدلب لأسباب عدة، من أبرزها أن الحيز الجغرافي الذي خرج عن سيطرة النظام هو امتداد للحيز الجغرافي والحاضنة الشعبية للفصائل المكونة له. وبناء عليه، يمكن القول إن جيش الفتح في إدلب، وكذلك القيادة الموحدة في الغوطة، والجبهة الجنوبية في درعا، هي تجارب مناطقية بالدرجة الأولى، لا يمكن استنساخها كما هي في الإطار الوطني، كما لا يمكن تعميمها في بيئة اجتماعية لا تقبلها أو ترحب بها. وقد توضح ذلك جليًا في معركة مطار الثعلة في ريف السويداء الغربي، إذا اضطرت فصائل الجبهة الجنوبية إلى إيقاف المعركة، بعد رفض شرائح شعبية من أهالي السويداء هذه الخطوة، وزيادة حدة الاستقطاب والانقسام الطائفي.

التقاء الفصائل وتوحيد جهودها في تحالفات دائمة أو غرف عمليات مؤقتة غاية كل سوري مؤيد للثورة سئم الارتجالية التي وسمت العمل العسكري الثوري في السنوات الماضية، وخلفت نتائج إنسانية ومادية كارثية، وفتحت الباب للجماعات الجهادية لتملأ الفراغ السياسي والمجتمعي. لكن هذا الهدف لا يتحقق بهدم كل ما أنجز دفعة واحدة، بل البناء عليه، وتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية والفئوية والخاصة.

يعد جيش الفتح رافعة العمل المسلح في إدلب، وكذلك الحال بالنسبة لغرفة "فتح حلب" في حلب، والجبهة الجنوبية في درعا والقنيطرة، والقيادة الموحدة في الغوطتين وجنوب دمشق. لذلك، إن تفعيل الأداء العسكري وتحقيق الغاية المنشودة يتمان عبر دعم هذه الصيغ الاندماجية وتقويتها، لا فضها وإضعافها، ومحاولة استنساخ تجربة نجحت في بيئة اجتماعية وظروف خاصة، لا تتوفر في غيرها من المناطق.

======================

موقفنا:نستنكر قتلهم ونشجبه وندينه ونعتبره جريمة وننتظر منهم معاملة بالمثل لو كانوا صادقين..مع الفروق .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 27/6/2015

إلى مدينة ليون في جنوب فرنسة أن نؤكد مرة بعد مرة براءتنا من المجرمين ، وإدانتنا للجريمة ؛ بلغة واضحة وحاسمة لا تردد فيها ولا لعثمة ولا تأتأة ولا فأفأة . ندين ونشجب جريمة العدوان على مسجد الإمام الصادق في الكويت ، ونعلن تعاطفنا مع أسر الضحايا . ونرسل تعازينا للكويت إمارة وحكومة وشعبا ولأسر الضحايا بشكل خاص وندعو للجرحى والمصابين بالشفاء العاجل ..

ندين ونشجب جريمة العدوان على فندق سوسة في تونس ونعلن تعاطفنا مع الضحايا وأسرهم ونعزي دولهم وشعوبهم ..

ندين ونشجب الجريمة بالعدوان البشع على مصنع للغاز في فرنسة ، ومحاولة إقلاق الأمن العام ، وفتح المزيد من أبواب الفتنة والبلاء على المسلمين في كل مكان تفح فيه أفاعي الفتنة فحيحها ..

وبقي أن نقول ، في عالم يراد لسكانه أن يعيشوا في قرية واحدة ، وأن تحكمهم قيم كونية واحدة . وأن تتمثل الإنسانية الواحدة فيه صورة الجسد الواحد ، الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ؛ بقي أن نقول : أليس من حقنا أن ننتظر من الذين أدنا قتلهم في الكويت أو في تونس أو في فرنسة إدانة واضحة حاسمة مماثلة بلا تردد ولا تلعثم ولا تأتأة ولا فأفأة ولا اختباء وراء الشماعات المموهة للمؤامرة والإرهاب والمقاومة والممانعة ، إدانة لقتل أطفالنا ونسائنا بالسارين تارة وبالكلور أخرى وبالبراميل العشوائية ثالثة وبكل وسائل القتل تصل إليها أيديهم القذرة رابعا وخامسا ..

أليس من حقنا أن نسمع من جميع هؤلاء الملتحفين ملاءة محاربة الإرهاب ؛ إدانة صريحة واضحة حاسمة لما وثقه الطبيب السوري ( القيصر ) بخمسة وخمسين ألف صورة ( وثيقة ) لعملية قتل ممنهج لأحد عشر ألف إنسان ليس في سجن بشار الأسد كما يريد أن يصفها البعض ، بل هي سجون الولي الفقيه ، وسجون حسن نصر الله ، وسجون العالم المتسفل في القرن الحادي والعشرين ...

نحن من منطلق شرعي مبدأي نستنكر ونشجب وندين ونتعاطف ونعزي ، ونحن في الوقت نفسه نتحدى الولي الفقيه وكل مراجعه ومواليهم ومتابعيهم أن يصدروا استنكارا صريحا واضحا لجريمة قتل عشرات الألوف من السوريين في أقبية التعذيب الأسدية الطائفية ...

وهذا أقل ما نطالب به ، وما يجب أن يطالب به كل عقلاء العالم وأحراره ليثبتوا أولا أنهم ليسوا من يؤز نار الطائفية ، ويفح فحيح الكراهية ، ويمول رحى الشر ، ويغذي روح الانتقام

نطالب بهذا واضحا حاسما جازما مع وضع ورقة الفروق بين ما وقع عليهم وما يقع علينا واضحا تحت أبصار الجميع حتى لا يلبس الجلادون ثياب الضحايا ، ولا يختبأ الذئاب في جلود الحملان ...

أولا - إن المجرم الذي يستهدفهم مجرّم ومنبوذ بإجماع دولي وشعبي إلا من الأقل من القليل ؛ بينما المجرم الذي يستبيحنا ويقتلنا يفعل ذلك تحت علم الأمم المتحدة !! فما زال لبشار الأسد ممثله في هيئة الأمم ، وما يزال لحسن نصر الله القاتل القاطع جزء من حكومة في لبنان ، وما يزال الولي الفقيه يمثل ركيزة معتبرة في دول الإقليم ..

ثانيا - إن المجرم الذي يستهدفهم يستهدفنا في الوقت نفسه ، وهو بهذا لا يمكن أن يحسب علينا ، مما يجعل من السخف أن يتخذ منه المتواطئون إلى ذريعة لإعلان الحرب علينا ...

ثالثا - إن الجريمة التي تقع عليهم أو بهم إنما هي ضربة فجأة غادرة عابرة ؛ وأن الجريمة التي تنفذ علينا جريمة ممنهجة مستدامة تنفذ جهارا نهارا يقتلوننا ليل نهار ثم تصدح أصواتهم بالتحدي وبالمزيد من الشحن الطائفي المقيت

رابعا - فروق وفروق تواجه من يريد أن يضع حدا لما يجري من قتل وسفك للدماء وإشعال للحرائق على ظهر المسكونة بصدق . على كل هؤلاء أن يتقدموا المشهد بما عليهم من استحقاقات عملية تتجاوز النفاق اللفظي المزخرف الذي تعود البعض أن يختبئوا خلفه وهم يعلمون

10 / رمضان المبارك

27 / 6 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

======================

معركة تل أبيض في سياق صراع الأجندات الخفي بين واشنطن وأنقرة .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 25/6/2015

غداة انتهاء الانتخابات النيابية في تركيا، انتقد الرئيس الأميركي باراك أوباما بوضوح السياسة التركية المتساهلة لوجستياً مع «داعش» بقوله «إن السلطات التركية لم تطور، بما يكفي، إجراءاتها بصدد منع مرور المقاتلين عبر حدودها للانضمام إلى قوات تنظيم الدولة في سوريا». كذلك تحدث تقرير وزارة الخارجية الأمريكية الخاص بمكافحة الإرهاب العالمي عن امتناع أنقرة عن القيام بواجباتها في الحرب على داعش.

الخلاف الأمريكي ـ التركي حول الأولويات في المسألة السورية بات معروفاً منذ قررت الإدارة الأمريكية انشاء تحالف دولي لمحاربة داعش، بعدما استولى التنظيم على الموصل وأعلن منها قيام دولة الخلافة، بقيادة أبي بكر البغدادي، في الثلاثين من شهر حزيران 2014. وإذا كان المعلن تركياً، بشأن سبب الخلاف، هو أولوية إسقاط نظام الأسد الكيماوي على محاربة داعش، فالمضمر هو الموضوع الكردي الذي طالما شكل هاجساً للدولة التركية بصرف النظر عن لون الحكومات المتعاقبة.

والحال أن هذه الحساسية متبادلة بين الأتراك والكرد، الأمر الذي شكل أحد أهم عوامل الشقاق بين الثورة السورية والمكون الكردي، البيئة الموالية منها للخط الأوجالاني بصورة خاصة. وهكذا كان حزب الاتحاد الديمقراطي (الفرع السوري للعمال الكردستاني) يتهم خصومه من الأحزاب السياسية الكردية، منذ السنة الأولى للثورة السورية، بـ»العمالة لأردوغان» بسبب مواقفهم الأقرب إلى المعارضة السورية منها إلى النظام.

وذلك بسبب احتضان تركيا الأردوغانية لجماعة الإخوان المسلمين السورية الذين شكلوا الثقل الأهم داخل أطر المعارضة. بالمقابل اتُّهِم الحزب الأوجالاني السوري بـ»العمالة للنظام» من قبل خصومه، والتيار الإسلامي بصورة خاصة، لمجرد أنه يمتلك أجندته الخاصة وليس على توافق مع «معارضة اسطنبول».

كانت النتيجة أن أحزاب «المجلس الوطني الكردي» الممثلة للتيار البارزاني – الطالباني داخل الحركة السياسية الكردية، انضمت إلى الائتلاف الوطني، وإن بعد كثير من التأخير، مقابل انضمام «الاتحاد الديمقراطي» إلى «هيئة التنسيق» الأقرب إلى الخط الروسي ـ الإيراني.

كان لاحتضان الحكومة التركية للمعارضة السورية تداعيات تجاوزت المستوى السياسي إلى العسكري، فساهمت أنقرة بنصيبها من أسلمة الثورة وصولاً إلى تقديم التسهيلات اللوجستية إلى مجموعات جهادية أبرزها أحرار الشام والنصرة. بل تذهب الاتهامات من جهات عدة، تركية معارضة وغربية، إلى اتهام الحكومة التركية بتقديم تسهيلات إلى تنظيم الدولة نفسه الذي نجح في خلق إجماع دولي على مكافحته. من هذا المنظور، لا يمكن اعتبار موقف أردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم، من تحرير تل أبيض، جديداً بسبب خصوصية هذه البلدة ذات الغالبية السكانية العربية. فالموقف نفسه رأيناه من أردوغان في حصار كوباني ذات الغالبية الكردية. أعني الاتهامات الموجهة من أنقرة، وصداها في المعارضة الإسلامية السورية، إلى قوات حماية الشعب التابعة لجماعة أوجالان في سوريا بممارسة «تطهير عرقي» بحق العرب والتركمان». بل إن أردوغان اتهم الولايات المتحدة صراحةً بالمساهمة في هذا التطهير، من خلال الضربات الجوية، و«إحلال pyd وpkk محل السكان العرب والتركمان. وهو «أمر لا يمكن القبول به» على حد تعبير رئيس الجمهورية التركية. فالموقف السلبي نفسه رأيناه إبان معركة كوباني حيث لم يكن من الممكن الحديث عن تطهير عرقي، فكان الموقف التركي، هناك أيضاً، منحازاً لداعش ضد القوات الكردية.

بالمقابل، لا يخفي الأمريكيون دعمهم الصريح للقوات الكردية الأوجالانية التي تشكل، من وجهة نظرهم، الحليف الأرضي الأنسب والأكثر فعالية في مكافحة داعش. من زاوية النظر هذه يبدو الموقف الأميركي أكثر اتساقاً من حيث أولوية مواجهة داعش في إطار المسألة السورية. أما اتساق موقف الحكومة التركية (من رأس العين إلى كوباني إلى تل أبيض) فهو يتمحور تماماً حول الموقف السلبي من الكرد، الأمر الذي لا يقتصر على المسألة السورية، بل يتجاوزها إلى الاستقطابات الداخلية في تركيا نفسها. فقد رأينا أن الخصم الرئيسي لأردوغان وحزبه في الحملة الانتخابية التركية كان حزب الشعوب الديموقراطي الذي يعتبر الممثل الرئيسي لكرد تركيا والواجهة السياسية لحزب العمال الكردستاني. وقد بذل أردوغان والعدالة والتنمية أقصى الجهود للحيلولة دون تجاوز الحزب الكردي حاجز العشرة في المئة الضروري لدخول البرلمان. وهو ما فشل فيه، كما فشل في تحطيم قوة حزب الاتحاد الديمقراطي بواسطة المجموعات الجهادية العاملة في شمال سوريا. بل أكثر من ذلك، نجح أردوغان، من خلال هذه السياسة الخاطئة، في دفع إدارة أوباما إلى تزويد «الاتحاد الديمقراطي» بالسلاح، إبان معركة كوباني، مع أنها تعتبره «مقرباً» من حزب العمال الكردستاني الموجود على اللوائح الأمريكية للمنظمات الإرهابية.

هل تملك تركيا خياراً آخر؟ نعم. في صيف العام 2013، استدعت أنقرة صالح مسلم على عجل، وتجاوب الرجل بسلاسة، فاجتمع بكبار القادة الأمنيين الأتراك. كان شرط صالح مسلم للتعاون الإيجابي مع تركيا في سوريا هو منع السلاح عن المجموعات الجهادية. لكن أنقرة لم تتجاوب. فكانت الرحلة التالية لمسلم، بعد أنقرة، إلى طهران حيث وجد الحضن الإيراني مفتوحاً لاستقباله! عرض صالح مسلم لعلاقات إيجابية مع تركيا ما زال قائماً، كما أكد في مناسبات عدة، وما زال يواجه برفض عنيد.

لا تحاول هذه المقالة تبرئة أوجالانيي سوريا من انتهاكات يرتكبونها بحق السكان العرب في تل أبيض وريفها، بذريعة علاقات مفترضة جمعتهم بتنظيم داعش أثناء احتلاله لتل أبيض. فحتى لو صح وجود علاقات مماثلة للبعض، ليس «الاتحاد الديمقراطي» أو قواته المسلحة هما الطرف المؤهل لمحاسبة من ارتكب جرائم بحق السكان تحت مظلة داعش. بل ينبغي أن يحاكم هؤلاء أمام جهات قضائية مستقلة. في حين أن الاتحاد الديمقراطي هو طرف في الصراع. ويزداد الأمر سوءاً إذا أخذنا بنظر الاعتبار امكانية إطلاق تهمة «الداعشية» (على الطريقة المكارثية) بسهولة لأسباب كيدية أو عرقية بحتة.

هل يسعى «الاتحاد الديمقراطي» إلى تشكيل منطقة تحت سيطرته على طول الحدود مع تركيا؟ لم لا إذا تمكن من ذلك؟ وهو ما يناسب سياسة الحليف الأمريكي أيضاً لأنه من جهة يضعف داعش، ومن جهة أخرى يلوي ذراع أردوغان في سوريا. لكن الاتحاد الديمقراطي يدرك صعوبة هذا الأمر، وبخاصة غربي نهر الفرات باتجاه عفرين، لأن الأمر قد يكلفه إشعال صراع عرقي عربي ـ كردي لا قبل للحزب الأوجالاني بتحمل كلفته الباهظة. لذلك قد يفضل الحزب الزحف، مع حلفائه من كتائب الجيش الحر، باتجاه الرقة على التمدد باتجاه أعزاز.

٭ كاتب سوري

===========================

تل أبيض بين التاريخ والجغرافيا  .. عبدالباسط سيدا

الحياة

الاربعاء 24/6/2015

تعود جذور العلاقة العربية - الكردية إلى ما قبل الإسلام، بفعل الجوار والتواصل التجاري. وقد بلغت مرحلة متقدمة بعد مجيء الإسلام، بخاصة في ظل الدول العباسية، ومن ثم الأيوبية بقيادة صلاح الدين.

وفي المرحلتين الحديثة والمعاصرة، أخذت الأمور طابعاً آخر بعد تبلور معالم الفكر القومي العربي وانتشار الدعوات المطالبة بالخروج من دائرة الحكم العثماني. وقد تأثر الكرد أيضاً بالنزوع القومي، إلا أن تمتعهم شبه المستمر بصيغة من الاستقلال الذاتي ضمن حدود الدولة العثمانية، لم يدفعهم نحو المواجهة المفتوحة، أو الرغبة في القطيعة التامة مع الدولة العثمانية، وإنما اقتصرت الجهود على المطالبات بتحسين ظروف المناطق الكردية، واحترام الحقوق والخصوصية.

وجاء تطبيق اتفاقية سايكس - بيكو بعد الحرب العالمية الأولى ليقسّم الكرد أرضاً وشعباً، ويوزّعهم بين العراق وسورية إلى جانب وجودهم في إيران وتركيا.

ولم تشهد مرحلة ما بعد الاستقلال في سورية والعراق أي تصادم بين المكوّنين العربي والكردي، سواء على المستوى الشعبي أم النخبوي، وذلك ينسجم تماماً مع التاريخ الطويل من علاقتهما.

لكن المحنة بدأت في سورية مع بروز حزب البعث الذي التزم أيديولوجية عنصرية، استلهمت الكثير من النازية والفاشية، ثم أضافت إليها مسحات من الشيوعية الستالينية، وتم التغطية على ذلك بما هو متشدّد ومختلف عليه في التراث العربي - الإسلامي.

هذا في حين أن الناصرية في مصر كانت أكثر توزاناً في تعاملها مع الكرد والقضية الكردية عموماً، ما يفسّر الاستقبال الودّي للزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني من الزعيم العربي جمال عبدالناصر أثناء عودة الأول من الاتحاد السوفياتي السابق إلى العراق عام 1958. كما تم افتتاح الإذاعة الكردية في القاهرة التي كان ضمن العاملين فيها الرئيس العراقي الحالي الدكتور فؤاد معصوم.

أما حزب البعث، فاعتمد سياسة الإنكار المطلق للحقوق الكردية، بل حاول بكل الأساليب القضاء على وجود الكرد فيزيائياً، فشنّ عليهم في العراق الحرب، وضربهم بالسلاح الكيماوي، ونفّذ في حقهم حملات إبادة أطلق عليها الأنفال.

وفي سورية، أُنكر وجودهم أساساً واعتبروا مجرد لاجئين، وحرموا كل الحقوق، ومورس بحقهم العديد من المشاريع التمييزية، بدءاً بالإحصاء الاستثناني عام 1962، الذي سبق حكم البعث، مروراً بـ «الحزام العربي» الذي طبّق عام 1973، وصولاً إلى التعريب القسري الشمولي. هذا إلى جانب مختلف الإجراءات والتدابير التي جعلت من المناطق الكردية أكثر مناطق البلاد إهمالاً وتهميشاً ونهباً، حتى ارتفعت البطالة بين الشباب الكردي إلى نسب مرعبة مقارنة بالمناطق الأخرى.

مع ذلك، لم يتمكّن حزب البعث في العراق وسورية من تحويل سياساته الرسمية جزءاً من المزاج الشعبي العربي في التعامل مع الكرد. فالجميع كان متوافقاً على أن الظلم الحاصل نتيجة لسياسة رسمية تطاول الجميع بمستويات مختلفة، وليس بناء على رفض عربي لما هو كردي، أو العكس.

وحاول النظام في عهد حافظ الأسد، وابنه بشار خصوصاً، أن يفجّر العلاقة بين العرب والكرد في إطار سعيه إلى التحكّم بقواعد لعبة ضرب المكوّنات السورية بعضها ببعض. ولعل الفتنة التي أثارها عام 2004 في القامشلي، وأسفرت عن مقتل وجرح العشرات من الكرد بأسلحة النظام هي المثال الواضح هنا.

ومع انطلاقة الثورة السورية، انحاز الشباب الكردي منذ اللحظة الأولى إليها، وكان انحيازهم بهدف القطع مع سلطة الاستبداد والإفساد التي سدّت الآفاق أمامهم، كما أمام سائر الشباب السوري.

وقد اعتمد النظام إسترتيجية قوامها إبعاد الكرد والعلويين والمسيحيين عن الثورة، سعياً منه إلى ترسيخ انطباع لدى الرأي العام العربي والدولي، وحتى السوري، بأن ما يجري ليس ثورة شعبية مدنية شبابية، تجسّد تطلعات جميع المكوّنات السورية في مواجهة النظام، وإنما مؤامرة دولية بأدوات أصولية جهادية، هدفها القضاء على خط «المقاومة والممانعة» ومحاربة النظام «العلماني حامي الأقليات والقيم الحضارية».

وبالتناغم مع هذا التوجه، أقدم النظام عبر أدواته وأجهزته على تصفية الشهيد مشعل تمّو والعديد من الناشطين الكرد، الذين كانوا قد حدّدوا بلا تردد موقفهم الداعم للثورة، وشاركوا فيها بفاعلية. كما عمل عبر أدواته على تنظيم حملات إعلامية شرسة ضد ناشطين كرد لم يتمكن من اغتيالهم.

ولا ننكر أن العديد من قادة المعارضة أو المتحدّثين باسمها خدموا إستراتيجية النظام من دون قصد. فهؤلاء لم يقطعوا مع المنظومة المفهومية التي رسخّها البعث على مدى عقود في أذهان العديد من القوميين العرب، الذين تعاملوا مع مزاعم البعث وخرائطه المزعومة وموقفه العنصري من المكوّنات غير العربية، على أنها مسلّمات لا يجوز مجرد التفكير في مناقشتها.

أما بخصوص ما سُمي التطهير العرقي في منطقة تل أبيض بعد تمكّن «قوات الحماية الشعبية» التابعة لـ ب. ي. د. بالتحالف مع بعض فصائل الجيش الحر، وبدعم من طيران التحالف الدولي، من إخراج داعش من المنطقة المعنية، فكان من اللافت أن تسارع جملة من الفصائل الميدانية الأساسية والقوى الإسلامية إلى إصدار بيانات تندّد بـ «تطهير عرقي» لم تؤكد مصادر مستقلة حدوثه بالحجم الذي روّج له. وقد دفع هذا الأمر بالائتلاف إلى تشكيل لجنة تقصّي الحقائق بغية معرفة الحقيقة، ووضع حدٍ للتجييش اللاعقلاني الذي يمارس راهناً، عربياً وكردياً، ولا يخفى على أحد أن النظام هو المستفيد الأول والأخير من ذلك.

المجيّشون العرب يرون أن ما يجري تمهيد لفعل تقسيمي مقبل مرفوض ومدان. والكرد منهم يتساءلون: أين كان وجدان هذه الفصائل وحسها الوطني يوم تعرّضت منطقة كوباني لحملة شرسة من داعش، أسفرت عن تهجير نحو 200 ألف مواطن كردي في غضون أسبوع، وتعرضت قراهم لنهب مقيت استنكره بشدة الكثيرون من العرب المؤمنين بالمشروع الوطني السوري الجامع.

خطورة ما نواجهه راهناً تتجسّد في الخشية من نجاح جهود النظام في تفجير العلاقة العربية - الكردية على الصعيد الشعبي، وهي جهود عمل عليها منذ بداية الثورة في غير منطقة.

وما يزيد تعقيد الوضع أن القضية الكردية في سورية لا تمتلك بعداً وطنياً فحسب، بل لها بعد إقليمي أيضاً. فهي تؤثر وتتأثر بما يحصل في الجوار الإقليمي. ولا يخفى على الجميع أن قضية الكرد في سورية باتت ورقة ضمن الحسابات الإقليمية، تستخدم لتعزيز المواقف، ورفع سقف الصفقات، وهي ستكون جزءاً من المقايضات المقبلة التي قد تُخضع الجغرافية لما هو مستلهم من التاريخ.

* كاتب وسياسي سوري

====================

ما فعلته الثورة السورية بتركيا .. بكر صدقي

الحياة

الاربعاء 24/6/2015

لاقت الانتخابات العامة التي أجريت، في السابع من حزيران (يونيو) الجاري في تركيا، اهتماماً واسعاً استحقته. لكن التغيير النسبي الذي فرزته نتائجها يستحق مزيداً من التحليل. ستهتم هذه المقالة بجانب منها يتعلق بمفاعيل الثورة السورية وتحولاتها على مجمل الحياة السياسية في تركيا، بما في ذلك تراجع الوزن النسبي لشعبية «حزب العدالة والتنمية» الحاكم كما لشعبية رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان.

يمكن القول بلا مجازفة كبيرة أن كل الأحداث السياسية المهمة في تركيا، منذ 2011، لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بما يحدث في سورية، وبالانخراط التركي في الصراع الداخلي السوري، بحيث شكّل الموقف من هذا الانخراط أحد أهم مواضيع المعركة الانتخابية بين الحزب الحاكم وخصومه السياسيين. فإذا كان «حزب الشعب الجمهوري»، ممثل التيار العلماني الكمالي، يعارض سياسة الحكومة تجاه سورية جملةً وتفصيلاً، ويجد نفسه أقرب إلى نظام دمشق الكيماوي، فـ «حزب الشعوب الديموقراطي»، ممثل التطلعات القومية الكردية والواجهة السياسية لـ «حزب العمال الكردستاني»، دخل في صراع مكشوف مع الحكومة بمناسبة معركة كوباني ونزل أنصاره إلى الشوارع واصطدموا بقوات الشرطة، في الخريف الماضي، فوقع بنتيجة الصدامات أكثر من أربعين قتيلاً.

حتى ذلك الصراع الضاري بين أردوغان وفتح الله غولن، المستمر منذ أواخر 2013، لم يخل من جانب يتعلق بالانخراط التركي في الصراع السوري، وتحديداً بالجانب الأكثر حساسية، أعني دور جهاز الاستخبارات القومي (MIT) في تمرير السلاح إلى المجموعات المسلحة في سورية. فقد ضبطت قوات الشرطة، في غير مناسبة، شاحنات كبيرة محملة بالسلاح والعتاد، متجهة نحو الحدود التركية – السورية، بحماية من جهاز الاستخبارات القومي المعروف بولائه المباشر لأردوغان. في حين أن قوات الشرطة التي فتشت تلك الشاحنات محسوبة على شبكة فتح الله غولن من المريدين الذين تسللوا، طوال سنوات حكم «العدالة والتنمية»، إلى مؤسسات الدولة وأجهزتها، حتى أن أردوغان أطلق على الجماعة صفة «الكيان الموازي» بمعنى الدولة داخل الدولة. وكان مصير عناصر الشرطة الذين فتشوا شاحنات السلاح التحويل إلى المحاكم وطردهم من سلك الشرطة. عملية الاستئصال هذه طاولت الآلاف من عناصر الشرطة ممن اشتبه بولائهم لغولن.

لكن المظهر الأهم، ربما، من مظاهر تأثير الثورة السورية على تركيا، إنما هو الميول السلطوية الجامحة التي تبلورت لدى أردوغان ودفعت به إلى البحث عن نظام رئاسي يجمع بين يديه كل الصلاحيات المطلقة، ويرمز لها بشفافية عالية نقله مقر الرئاسة من قصر تشانكايا الشهير الذي يعود إلى لحظة تأسيس الجمهورية، إلى «القصر الأبيض» (AK SARAY) الباذخ الذي يضم أكثر من ألف غرفة وجناح. ويجمع اسم القصر، في دلالاته الغنية، بين التشبه، من حيث المعنى، بمقر الرئاسة الأميركية (البيت الأبيض) والاسم المختصر لـ «حزب العدالة والتنمية» (AK PARTİ الذي يعني بدوره «الحزب الطاهر»).

ربط كثير من المحللين الأتراك بين رغبة أردوغان في نظام رئاسي على النمط الأميركي وقضية الفساد التي طاولته شخصياً، في إطار الصراع بينه وبين غولن، للقول إن أردوغان يريد أن يحمي نفسه من المساءلة بواسطة حصانة رئاسية قوية تمتد، على دورتين، إلى 2024. قد يكون هذا هو العامل الشخصي المفسر لجموحه السلطوي، الأمر الذي يعززه سلوك بارانوئي ظاهر في أدائه منذ ثورة منتزه «غزي» مروراً بقضية الفساد، حيث أخذ يرى في كل اعتراض اجتماعي أو معارضة سياسية «مؤامرة دولية بأدوات محلية» تحاك ضد «دور تركيا ووزنها الاقليمي والدولي ومعجزتها التنموية»، على حد تعبيره، وصولاً إلى اتهام كل خصومه بـ «الخيانة الوطنية»، الأمر الذي ألفناه في خطابات الأنظمة الدكتاتورية العربية وامتداداتها الممانعة كـ «حزب الله» اللبناني مثلاً.

لكن أليس هناك عامل موضوعي لا يترك لأردوغان والحكومة التركية الكثير من الخيارات غير خيار نظام قريب في مواصفاته من تلك الدكتاتوريات التي جرفتها رياح الربيع العربي؟ هل يمكن للحكومة التركية الخاضعة لرقابة برلمانية وإعلامية قوية أن تنخرط بفعالية في صراع مسلح في سورية؟ هل يمكن لجهاز الاستخبارات القومي التركي أن يمرر السلاح إلى الثوار السوريين إلا في نظام بوليسي صارم يتكتم بشدة على أعماله ويفرض رقابة متشددة على وسائل الإعلام؟

ربما هذا الوضع المتناقض هو الذي أدى إلى تدهور مكانة «العدالة والتنمية»، وفي القلب منها شعبية أردوغان، ففقد الغالبية المطلقة في البرلمان، وفقد معها احتكاره للسلطة. أعني بالوضع المتناقض أن حكومة منتخبة ديموقراطياً، ويتمتع الفضاء العام في ظلها بحرية تداول المعلومات، لا يمكنها أن تلعب دوراً ثورياً في الخارج من خلال دعم مجموعات مسلحة متمردة على النظام في بلد مجاور. هذا الدور الذي ألفناه في مسالك النظام الأسدي السوري أو نظام الملالي في إيران، لا يمكن تصور تكراره في بلد كتركيا تعود تقاليد الانتخابات الديموقراطية التعددية والحريات الصحافيه فيه إلى 1950، على رغم كل المثالب التي يمكن تسجيلها على نموذج «الديموقراطية التركية» التي شقت طريقها بصعوبة من خلال تراث الانقلابات العسكرية.

ربما ما جذب أردوغان إلى النموذج الرئاسي الأميركي تحديداً إنما هو الدور المعروف لأجهزة الاستخبارات الأميركية (المخابرات المركزية بصورة خاصة) في عمليات «ثورية» مناهضة لأنظمة حكم مناوئة للولايات المتحدة في بلدان أجنبية (كوبا مثلاً). وعلى رغم النقد الذي طالما تعرضت له العمليات القذرة لعملاء «السي آي إي» خارج الولايات المتحدة، كان مفهوم «المصلحة الوطنية الأميركية» كفيلاً بحمايتهم من المساءلة القضائية. نموذج مماثل سيكون مغرياً لقائد كاريزمي كأردوغان يحلم باستعادة أمجاد الامبراطورية العثمانية في المشرق، وقد تراءى له في ثورات الربيع العربي فرصة ذهبية لتحقيق تلك الأحلام، بخاصة بوجود دور قوي للإسلام السياسي في قيادة بعض تلك الثورات، الأمر الذي يقدم لأردوغان شراكة إيديولوجية مع حكام المستقبل المفترضين في بلدان الربيع العربي.

هذه الحماسة الأيديولوجية والاندفاع الثوري العثماني ارتدا على أردوغان خسارة في الانتخابات قد تدفعه إلى مراجعة حساباته في الداخل والخارج.

 * كاتب سوري

======================

مؤامرات تغيير المشرق العربي! .. ماجد كيالي

الحياة

الثلاثاء 23/6/2015

لعل الفعل التغييري الأول في منطقة المشرق العربي بعيد انتهاء الحقبتين العثمانية والاستعمارية، تمثل بقيام إسرائيل، ليس على شكل دولة فحسب، وإنما بإيجاد مجتمع غريب عن هذه المنطقة، تم جلبه بوسائل الاستيطان الإحلالي، وإجلاء أهل الأرض الأصليين (الفلسطينيين) وتشريدهم، وهو ما حصل في العام 1948 في النكبة التي كان من تداعياتها فصل المشرق العربي عن مغربه. بعد ذلك، قامت إسرائيل بفعل تغييري ثانٍ في المنطقة بواسطة حرب حزيران (يونيو) 1967 التي زعزعت الأنظمة القومية أو الراديكالية، وضربت صدقيتها، وكشفت هشاشتها.

عموماً فإن إسرائيل، بقيامها واستمرارها، شكّلت تحدياً للعالم العربي في مختلف المجالات، أي في شكل النظام السياسي والإدارة الاقتصادية والتقدم العلمي والتكنولوجي، وفي النموذج الذي قدمته بإقامة مجتمع من مهاجرين من كل أصقاع الدنيا وفقاً لمبدأ المواطنة. والمعنى أن تحدي إسرائيل الدولَ المحيطة بها يشمل كل ذلك، أي أنه لا يقتصر على الجانب العسكري، ولا يختزل بالدعم الذي تلقاه من الدول الكبرى، على ما تروّج بعض النظم العربية لتبرير قصورها وإخفاقها في الرد على التحدي الإسرائيلي في المجالات المذكورة.

بيد أن الأمور لم تقف عند هذا الحد، إذ إن ثمة أنظمة تستمرئ تفسير عجزها وتفوق إسرائيل بوجود مؤامرات أو مخططات تستهدف إضعافها وتمزيق بلدانها، على ما ذكرنا هنا في مادة سابقة (الضعفاء لا يحتاجون من يتآمر عليهم، 9/6/2015). وهذه المخططات منها الكثير في إسرائيل، تبعاً لكثرة مراكز البحث فيها، التي تتحدث عن إضعاف العالم العربي وتقسيمه.

في هذا الإطار، ومن بين الخطط المذكورة وكلها منشورة، يمكن التذكير بثلاث خطط يمكن اعتبارها الأكثر شبهاً للوحة الأحداث التي بتنا نعيشها في السنوات الأربع الماضية: الأولى «استراتيجية إسرائيل في الثمانينات» (1982). الثانية «استراتيجية جديدة لنتانياهو» (1996). الثالثة خطط إقامة نظام «شرق أوسطي جديد» وهي طرحت في أوائل التسعينات بالتزامن مع المفاوضات العربية - الإسرائيلية (1991) وصعود حزب «العمل» الإسرائيلي إلى الحكم، وتوقيع اتفاق أوسلو (1993).

الخطة الأولى كان أعدها عوديد ينون (من الخارجية الإسرائيلية) ونشرت في مجلة المنظمة الصهيونية العالمية «كيفونيم»، وترجمها إلى الإنكليزية إسرائيل شاحاك. وقد انطلقت من أن «العالم العربي الإسلامي هو بمثابة برج من الورق أقامه الأجانب (فرنسا وبريطانيا في العشرينات)». وتضمنت الخطة تحليلاً لواقع الانقسامات في المجتمعات العربية، وهشاشة النظم القائمة، وإمكان الاستفادة من ذلك لتقسيم البلدان العربية، لا سيما مصر والعراق وسورية، وفقاً للخطوط الطائفية والمذهبية، ما يؤدي إلى تقوية مكانة إسرائيل في المنطقة.

أما الخطة الثانية، فجاءت على شكل توصيات أو خطة طريق لنتانياهو (في الولاية الأولى له) تحضه على إجراء تغيير استراتيجي في إسرائيل والمنطقة، بالانقلاب على اتفاق أوسلو، وإعادة احتلال مناطق السلطة، وعدم الإصغاء إلى الإدارة الأميركية، بل الاستقلال عنها سياسياً، وحتى اقتصادياً، وضمنه رفض مشروع «الشرق الأوسط الجديد»، لأنه يقوّض شرعية إسرائيل، برأي معدي الخطة.

ووفق هذه الخطة، فإن إسرائيل باستطاعتها التعويض عن كل ذلك، بفضل قوتها، وبالاعتماد على ذاتها، بحيث يمكنها أن تفرض التسوية التي تريد على الفلسطينيين، وأن تشكّل المنطقة بما يتلاءم مع مصالحها، ومع تأكيد ذاتها كدولة يهودية. وكانت الخطة اقترحت إزاحة صدام حسين من حكم العراق، وتنفيذ عمليات عسكرية في لبنان، وإزالة ياسر عرفات. وانتقدت الدول العربية بذريعة أنها غير ديموقراطية. ومعلوم أن هذه الخطة أعدتها مؤسسة «الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة الأميركية»، وكتبها صانعو رأي بارزون، بمن فيهم ريتشارد بيرل ودوغلاس فايث ودافيد وورمسر، وهم من تيار «المحافظين الجدد» الذي حاول تطبيق آرائهم هذه بعد تصدره السياسة الأميركية في عهد الرئيس جورج بوش الابن.

الخطة الثالثة تتعلق بإقامة «نظام شرق أوسطي جديد». وتحدث عنها بإسهاب رئيس إسرائيل السابق شمعون بيريز في كتاب خاص أصدره للغرض نفسه وبالعنوان ذاته. وما يميز هذه الخطة أنها تساوقت مع وجهات نظر الرئيس الأميركي بيل كلينتون وتوجهات إدارته لإعادة ترتيب المنطقة. لهذا الأمر، تم تخصيص «المفاوضات المتعددة الطرف» التي كانت تناقش قضايا الأمن والمياه والبيئة والبني التحتية والتعاون الاقتصادي واللاجئين على الصعيد الإقليمي، بمشاركة الدول الغربية الكبرى والدول العربية وإسرائيل. ومعلوم أن الأمر وصل وقتذاك إلى حد تنظيم مؤتمرات قمة سنوية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا عقدت في الدار البيضاء (1994)، عمان (1995)، القاهرة (1996)، الدوحة (1997).

وكانت هذه الجهود تصبّ في إطار تسوية الصراع العربي - الإسرائيلي، ومنح الفلسطينيين كياناً لهم، وإقامة نظام شرق أوسطي تكون إسرائيل ضمنه أو في مركزه، مع علاقات انفتاح وتعاون بينها وبين الدول العربية في المجالات الأمنية والسياسية والاقتصادية والعلمية، وفي قطاعات المياه والبني التحتية والمواصلات.

طبعاً، يجدر التمييز هنا بين هذه الخطة وخطة «الشرق الأوسط الكبير» التي طرحها بوش الابن إبان وجوده في البيت الأبيض، لأن خطته كانت تتعلق بتجاوز الصراع العربي - الإسرائيلي، واعتبار أن المشكلة في المنطقة لا تتعلق بإسرائيل، إنما هي ناجمة عن التسلط والجهل والفقر والحرمان من الحقوق، وأن الأمر يتطلب إصلاح النظم السياسية وانتهاج الديموقراطية.

ما يلفت الانتباه في هذا العرض المكثف أن جميع الخطط الإسرائيلية معلنة، وليست سرية، وأن كل واحدة منها نشرت في حينه في كل وسائل الإعلام، بل ونظمت في شأنها ندوات ومؤتمرات، ما ينفي عنها التوصيف بالمؤامرة، من دون التقليل من خطورتها، وأن هذه الخطط هي عبارة عن دراسات أو تقارير تستند إلى تحليل للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في العالم العربي، مع توصيات لما يمكن إسرائيل أن تفعله أو تتصرف به إزاء هذا الواقع، لتقوية ذاتها، والتميز عن محيطها، ومحاولة فرض ما يتلاءم مع أولوياتها ومصالحها.

هذا لا يعني أن كل ما يحصل في المشرق العربي جاء مصادفة، أو أن إسرائيل أو غيرها من دول الإقليم ليست عاملاً أساسياً فيه، لكنه فقط يحيل على مسألتين: أولاهما، إدراك أهمية العوامل الداخلية في استعصاء التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي في العالم العربي، خصوصاً مسؤولية الدولة صاحبة الجهاز الأكبر والقرار الأكبر في بلدانها، لا سيما أنها تمتلك سلطات شمولية، وتتحكم في المجال العام والموارد والخيارات.

المقصد أن أصحاب عقلية المؤامرة لا يغطّون على العوامل الداخلية فقط، بمبالغتهم في الإحالة على الخارج، بل إنهم يبرّرون للأنظمة السلطوية إضعاف الدولة والمجتمع، وحؤولها دون قيام المواطنة. وللمقارنة مثلاً، فالهند وماليزيا وحتى إندونيسيا التي استقلت مع أو بعد استقلال البلدان العربية، استطاعت الذهاب في مسار التطور السياسي والاقتصادي، حتى بلغت ما بلغته. ثم لنأخذ حال العراق، لتحديد أي من العاملين ساهم أكثر في تدهور أحواله وتهديد وحدته الجغرافية والمجتمعية: الغزو الخارجي غير المشروع، أم قيام سلطة طائفية - مذهبية فاسدة احتكرت السياسة والموارد وحاولت إعادة إنتاج الاستبداد.

في التجارب العالمية أيضاً، فقد اختار الديكتاتور سوهارتو الاستقالة، عندما ثار شعب إندونيسيا (1998)، وهذا ما فعله أوغستو بينوشيه في التشيلي عندما خسر في الاستفتاء (1990)، أي أن الاثنين لم يفعلا كما فعل بشار الأسد في سورية أو معمر القذافي في ليبيا وعلي عبدالله صالح في اليمن.

تتحمل العوامل الخارجية المسؤولية عن أشياء كثيرة، لكن من دون صلة بمؤامرة خفية، لأن كل شيء واضح ومكتوب. بيد أن ذلك حجة على الأنظمة المعنية التي لا تحصن بلدانها ومجتمعاتها، بل وتساهم في خدمة الخطط المذكورة بإغلاقها آفاق تطور مجتمعاتها. ولنسأل: من المسؤول عن تدهور مستوى التعليم في المدارس والجامعات، وتردي الخدمات الصحية، وضعف البنى التحتية، وتفشي علاقات الفساد والمحسوبية، وتغوّل أجهزة الأمن، وامتهان المواطنين وحرمانهم من حقوقهم وحرياتهم؟ ومن المسؤول عن مرمطة المواطنين على الحدود العربية وضعف التبادل التجاري العربي وتدني مستوى التعاون العربي؟

من ناحية ثانية، ومع التشديد على خطورة دور إسرائيل، يجدر الانتباه إلى دور إيران التي باتت أكثر قوة خارجية تقتحم المشرق العربي، أي أكثر من إسرائيل وتركيا، إذ أضحت بمثابة لاعب داخلي فيه من اليمن إلى لبنان، مروراً بالعراق وسورية، علماً أن ذلك لا يمكن أن يحدث من دون رضا الولايات المتحدة وإسرائيل، ولو ضمناً، لتساوقه مع مصلحتهما إن في إضعاف المشرق العربي، من مدخل شق وحدة مجتمعاته أو لجهة إشغال إيران واستنزافها.

المشكلة أن إيران نجحت بالضبط حيث أخفقت إسرائيل، بإثارتها الانقسامات المذهبية في بلدان المشرق العربي، وتصديع وحدتها الجغرافية والمجتمعية، حتى بواسطة الميليشيات المسلحة. واللافت أن هذا كله يحصل باسم الصراع ضد إسرائيل وفلسطين والمقاومة.

======================

تل أبيض وما بعدها... ياسين الحاج صالح

الحياة

الثلاثاء 23/6/2015

ليسا طرفين، عرباً وكرداً، هما من يتنازعان السيطرة على المناطق الشمالية في محافظة الرقة، المحاذية للحدود السورية التركية. خلافاً لما توحيه سجالات دائرة عربية كردية، ثمة بالأحرى ثلاثة أطراف، بل أربعة، بل خمسة. الطرف الثالث ذو التأثير الحاسم في سير الأمور في المنطقة هو الأميركيون. وهذا ليس فقط عبر ضربات جوية مركزة استهدفت بصورة متكررة في الأسابيع الأخيرة مقار لـ «داعش» في تل أبيض والمناطق المجاورة، ولكن خصوصاً ما يرجح حدوثه من تفاهمات سياسية غير معلومة بين الأميركيين والقوات الكردية المهاجمة على الأرض. لا يحتاج إلى نباهة خاصة تقدير أن هناك تنسيقاً بين المهاجمين بسلاح الطيران والمهاجمين على الأرض. مقابل ماذا؟ أي ثمن؟ أية وعود من الطرف القائد الأميركي للطرف الكردي؟ ليس معلوماً. لكن، يمكن أن يكون بينها خلق تواصل أرضي بين كانتوني عين العرب - كوباني والجزيرة، مناطق الكثافة الكردية في أقصى الشمال الشرقي السوري. هذا كلام يتواتر يومياً في أقوال وتعليقات ناشطين كرد، وليس تخميناً ذاتياً. وهو مضمن على كل حال في تصور «روجافا»، أي «كردستان الغربية». معلوم أن مناطق الأكثرية الكردية غرب حلب (عفرين) وشرقها (عين العرب - كوباني) ثم في محافظة الحسكة شرقاً مفصولة عن بعضها بمناطق أكثرية عربية. تصور روجافا يشرع لإنشاء كوريدور مفتوح بين هذه المناطق ويوجبه.

وتوحي وقائع متواترة على الأرض بأن الأمور تسير في هذا الاتجاه فعلاً. لا يلزم أن يكون هناك تهجير نسقي لسكان عرب من قراهم وبلداتهم (وقع شيء من ذلك في غير قرية، ونهبت أملاك وأهين سكان)، لكن فرض سيطرة عسكرية وسياسية على الأرض والتحكم بتحركات السكان يتجاوب مع هذا الطموح.

لكن، هل يضمن الأميركيون فعلاً مشروعاً كهذا، سيقتضي من كل بلد تطهيراً عرقياً ضد عرب المنطقة، يشرّع نفسه منذ الآن بتاريخ الحكم البعثي واضطهاده للكرد؟ هذا ليس مؤكداً. إذ قلما كان الأميركيون معنيين جدياً بضمان وعود قطعوها في ظروف خاصة لأية جماعة. حين تقع مذابح صغيرة أو كبيرة، وفرصُ وقوعها تزداد اليوم، قد يكتفي الأميركيون بالتبرؤ ونفض اليد: إنهم محليون يقتلون محليين! منهج الأميركيين في المنطقة منذ عقود هو منهج «إدارة الأزمات»، وهو منهج يغفل تماماً قضايا العدالة وحقوق السكان، وكان دوماً منبع أزمات أكبر من التي صمم لإدراتها.

الطرف الرابع المحتمل هو تركيا. اليوم تبدو السلطات التركية مرتبكة حيال الوضع الناشئ أخيراً على حدود البلد الجنوبية، وهذا بفعل الانتخابات الأخيرة التي قصّرت يد حكومة حزب العدالة والتنمية في حرية التصرف، وربما تؤول إلى خروجه من الحكم. تركيا لم تفعل شيئاً لضرب «داعش» أو النيل منها في المناطق الأقرب إلى حدودها، بل كان «الدواعش» يعالجون جرحاهم في مستشفيات جنوب البلد على نحو لا يمكن ألّا يكون معلوماً لسلطات أنقرة. والأصل المرجح لهذا المسلك الضال إلى أبعد حد أن تركيا تنظر إلى مناطق الحدود في منطقة الجزيرة السورية من زاوية إضعاف القوى الكردية، تماماً مثلما تنظر قوى معارضة تركية إلى الشأن السوري من منظور معارضتها لحكومة العدالة والتنمية.

كانت حكومة أردوعان صدرت إلى سورية المنهج التركي القديم في التعامل مع كرد تركيا، الحرب والإخضاع، فحرضت ودعمت مجموعات من مقاتلي «الجيش الحر» العرب ضد الكرد في 2012. وأسوأ ما في هذا المنهج السيئ أنه لم يعد معتمداً في تركيا نفسها، وأن سورية عوملت بالتالي كبيئة أدنى، كدار للحرب لا للسياسة. ويبدو اليوم أنه أياً تكن الحكومة التركية التي قد تتشكل في الأيام والأسابيع القليلة المقبلة، فإن تركيا إما ستفاقم الأزمة الكبيرة، الدموية احتمالاً، التي تتجمع عناصرها في منطقة الجزيرة السورية، أو في أحسن حال، لن تكون مؤثرة فيها.

«حزب الشعوب الديموقراطي» الذي يعرض في تركيا وجهاً تركياً يعرض في سورية وجهاً كردياً. في حديثه إلى قناة حزب الله التلفزيونية حيّا صلاح الدين دميرطاش، زعيم الحزب، مقاومة «شعبنا» في «كوباني وروجا والمحمودية»، ولم يقل كلمة واحدة عن بشار الأسد وعن الاحتلال الإيراني، ولم يجد ما يقوله لمليوني سوري لاجئين في تركيا. وبينما سياسة الحزب في تركيا متمركزة اجتماعياً، تبدو حيال سورية متمركزة إثنياً. هنا أيضا يجري تصدير سياسة قديمة إلى سورية، سياسة الهوية، وليس السياسة الاجتماعية التحررية، وهو ما يضمر نظرة تمييزية وكولونيالية إلى البلد الجار. والأصل في التصدير هنا أيضاً أن تفكير الجماعة، والمعارضة التركية ككل، حيال سورية، متمحور حول معارضة سياسة الحزب الحاكم.

سورية نفسها غير مرئية. ويجد الجماعة أنفسهم اليوم لا يعرفون شيئاً تقريباً عن البلد الجار (طلبوا ممن يعرفون إعداد ورقة مختصرة تتضمن أساسيات الواقع السوري)، فيستبطنون المنظور الطبيعي لمن لا يعرف: منطق الهويات وسياستها. يفاقم ذلك أيضاً أن غير قليل من مقاتلي «وحدات حماية الشعب» وقادتها هم من كرد تركيا. هذا ظاهر لزوار عين العرب - كوباني، وأكده فهيم طاشتكين في مقالة له نشرت أخيراً في راديكال التركية (نشرت «الحياة» ترجمة عربية لها يوم 17 حزيران - يونيو الجاري)، تقول أن 500 كردي تركي قتلوا في سورية في القتال ضد داعش؟ لا بد من أن عدد المقاتلين الكلي أكبر بأضعاف كي يكون عدد الضحايا 500.

أما من طرف خامس؟ أين «داعش» نفسه؟ ليس مفاجئاً في تصوري الانهيار السهل لسلطة «داعش» في تل أبيض أو أي مكان. المنظمة الإرهابية قوية فقط في مواجهة سكان عزل أو مجموعات مقاتلة فوضوية وضعيفة التماسك، أكثر مما هي ضعيفة السلاح. ونقطة ضعف «داعش» أنه بلا سند شعبي، ولذلك بالذات يحكم بالإرهاب المشهدي وبغرس الرعب في النفوس. لم يكد «داعش» يخوض معركة حقيقية واحدة. قوات الجيش العراقي انهزمت أمامه من دون حرب، والنظام السوري أخلى تدمر له من دون حرب. والحل البسيط في مواجهة «داعش» هو قوى منظمة، حسنة التسلح، ولها سند شعبي على الأرض، الأمر الذي لا يستطيع النظام الأسدي ولا شبيهه العراقي، ولا أي قصف أميركي من الجو تحقيقه.

لكن أليست مشكلة الأكثرية العربية في المنطقة أنها، بالأحرى، ليست طرفاً، وأن وقوعها تحت سيطرة «داعش» بعد وقت قصير من خروجها من سيطرة النظام، وقتل وتغييب وتهجير أبرز ناشطيها، حرمها من أن تكون طرفاً متماسكاً يمسك بزمام مصيره؟ هناك مقاتلون عرب ضد «داعش» طوال الوقت، يشاركون المجموعات الكردية القتال، لكنهم بلا سند، وعلاقتهم بالشريك الكردي تفتقر إلى الثقة.

يحوز الطرف الكردي في المقابل نقاط قوة مهمة. الأولى هي الدعم الأميركي. الثانية هي قضية القتال ضد «داعش»، القوة الإجرامية التي لا يتعاطف معها أحد. والثالثة هي «العقيدة العسكرية التي توحّد هذه القوات الكردية خلف هدف واحد وهو دحر داعش وتحرير المناطق التي يسيطر عليها في ما يسمى كوردستان العراق أو كوردستان سورية»، وفق جبار ياور، أمين عام قوات البيشمركة في العراق (النهار، 17 - 6 - 2015). هذه العقيدة العسكرية ذاتها تقوم على شعور قومي صاعد، غذاه الحرمان من دولة التمييز المديد ضد الكرد في أربعة بلدان.

أتحدّر شخصياً من هذه المنطقة التي لم يقع قط صراع عنيف بين سكانها. كانت منهوبة ومحتقرة من الحكم الأسدي، وكان ينظر إلى الأكثرية العربية بمنطق شبه استشراقي، وأجهزة النظام الأمنية تتعامل مع السكان كأعداء أجانب، وتشتبه من دون أساس بولائهم لنظام صدام في العراق. والمنطقة تبدو مقبلة على أوضاع أكثر كارثية مما عرفت منذ سيطرت عليها «داعش» قبل عام ونصف. يدفع الثمن السكان الأشد فقراً والأقل حماية، ينتقلون من سيطرة متحكمين إلى متحكمين إلى متحكمين.

وتشحن النفوس باستعدادت تبدو متوافقة مع التهجير والإبادة، لا مع الاعتراض عليها والوقوف في وجهها.

======================

دروز سورية سرّ بقائها .. حسان القالش

الحياة

الاثنين 22/6/2015

بروز الاهتمام بالمسألة الدرزيّة في سورية بعد الأحداث الأخيرة في «قلب لوزة» في إدلب، والمرحلة الحرجة التي بلغتها الثورة السورية اليوم في السويداء، يؤكّد ضرورة تفهّم مسألة الأقليّات في سياق البحث عن خلاص السوريّين من نظام الإبادة. فحالة التهميش التي طاولت الدروز خلال العهد الأسديّ، إضافة إلى التجهيل المتعمّد للدّور الذي لعبوه في تاريخ البلاد، فضلاً عمّا كان من تعميم للصور النمطيّة السلبيّة عنهم، بنوعَيها الاجتماعي والديني، أمور تعدّ من موجبات الثّورة ومن واجب الثّوار تفهّمها.

من جهة أخرى، يساهم بروز هذه المسألة في إحياء سؤال الكيان السوري، نشأته وتاريخه المكبوت وخطوطه الحمر. ذاك أنّ الدروز مثّلوا، قس شكل أو آخر، العصب الذي شدّ أطراف الكيان السوري بعضها إلى بعضها، أكثر من كونهم عامل تهديد لاستقرار ذاك الكيان في الشكل الذي صار إليه فيما هم يتعرّضون للتهديد والتهميش. فقد استُخدموا خلال مراحل عدة من تاريخ سورية كمثال للعبرة أو مكسر عصا، ابتداءً من حكومة الجلاء الأولى في 1946 التي تقاسمتها دمشق وحلب ولم تتمثّل فيها الأقليّات، في دلالة واضحة على هيمنة الأعيان الوطنيّين ورغبتهم في فرض رؤيتهم الخاصة، ونفورهم وهروبهم من مواجهة مسألة الأقليّات، ولم تكن خافية رغبة سعد الله الجابري، رئيس الحكومة وقتها، في تحجيم الدروز وتأديبهم، فكان التشهير بسلمان المرشد، الزعيم العلويّ، وإعدامه الاستعراضي في دمشق رسالة غير مباشرة لهم.

ليأتي أديب الشيشكلي لاحقاً ويعطي لتلك السياسة شكلاً جديداً وأوضح في استهداف الدروز، ارتكز على العنف الشديد والتحريض والتشهير، فضلاً عن محاولته اجتثاثهم من مؤسّسة الجيش، حيث أدّى استخدامه المبكّر لاتهامات الخيانة والعَمالة لإسرائيل إلى فتح الباب للبروباغاندا الناصريّة التي ساهمت بدورها في تشويه صورة الدروز الوطنيّة والدينيّة، في إشارة إلى المنحى الذي بدأت تأخذه مسألة الأقليّات في المشرق وعلاقتها بالأنظمة العسكريّة. فقد شكّلت تلك المسألة، كما يبدو، المدخل الأمثل لعبدالناصر ليباشر مشروعه التوسّعي ويرسّخ النظرة العروبيّة الاستئثاريّة تجاه الأقليّات. وبدوره، أكمل نظام البعث تلك السياسات تجاه الدروز والأقليّات، وبدا ذلك كلّه تمهيداً للحقبة الأسديّة عندما أحكم الأسد الأب قبضته على المجتمعات وفخّخها عبر خنق هويّاتها وجعلها إحدى أدوات هيمنته.

هنا تبرز أهميّة الزعامة الجنبلاطيّة اليوم كواحدة من أنجح زعامات الأقليّات، على ما فيها من عيوب قد يغفرها مشرق عنيد يشبه الدروز الذين كانوا عبر تاريخه مفتاحاً أساسيّاً في تطوّره واستقراره، ولهذا، هُم اليوم عُقدة ربطٍ للكيان السّوري.

* كاتب وصحافي سوري

======================

نظام الأسد في أضعف حالاته منذ سنوات .. ميسرة بكور

القدس العربي

الاثنين 22/6/2015

أصبح واضحاً للعيان أن قوات النظام السوري وحليفه الإيراني ونصيره حزب الله البناني واجهت سلسلة من الهزائم السياسية والعسكرية بما لايدع مجال للشك أن نظام الأسد وجيشه أضعف بكثير مما يحاول تسويقه.

لايزال نظام الأسد واعلامه يعانيان حالة من النكران والانفصال عن الواقع، بدلاً من أن يضعوا جمهورهم بصورة الواقع حتى يتمكنوا من اتخاذ التدابير قبل ان تصل الفأس للرأس، ما زال هذا الإعلام يضلل جمهوره مستمراً في حديثه عن انتصارات جيشهم الباسل ، ويبررون الهزائم والفشل بـ» إعادة تموضع « ناجحة ، اذا بقيت الأمور تسيرعلى هذا الحال يبدو أن إعادة تموضع جديدة متسارعة سنسمع عنها خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.لا بد من التذكير كيف كان جمهور الممانعة يقابل انسحاب المعارضة « تكتيكياً « بالسخرية والتندر. كل الدعوات للحل السياسي فشلت من مؤتمر موسكو التشاوري «الثاني» إلى جنيف إلى أن بلغ الأمر أن»دي مستورا» نفض يده من اقناع نظام الأسد بالحل السياسي وطالب علناً بالضغط على الأسد عسكرياً حتى يرضخ للحل ،أما مؤتمر القاهرة الأخير لم يأت بجديد لا في الشكل ولا المضمون .

خارطة المعارك العسكرية بين نظام الأسد والمعارضة المسلحة تبدلت،مع بداية عام 2015 .

خلال زيارة قام بها «بشارالأسد»لمنطقة الزبلطانه ليلة رأس السنة، قال الأسد حينها أن قواته ستلاحق الجرذان إلى أوكارهم وجحورهم في كل مكان من سوريا . بعد اقل من خمسة اشهر تم تطبيق كلام بشار الأسد بشكل معكوس أصبح بواسله يختبئون ويفرون إلى الجحور مثل الجرذان .

مع انخراط حزب الله اللبناني على خط المعارك بشكل مباشر في مايو (أيار) 2013، اتبعت قوات الأسد استراتيجية فصل المعارك وقطع خطوط التواصل بين مقاتلي المعارضة في شمال سوريا وجنوبها ،اليوم المعارضة المسلحة تطبق هذه المعادلة ضد قوات الأسد التي اصبحت محاصرة في جنوب البلاد وشمالها ،بعد أن نجح جيش «الفتح» التابع للمعارضة بالسيطرة على كامل مساحة ادلب عدا مطار ابو الظهور، ونجاح الجيش الحر في درعا من السيطرة على اللواء «52» جنوباً، ومن ثم محاصرة مطار الثعلة العسكري بالقرب من السويداء.

أصبحت قوات المعارضة المسلحة تختار بكل حرية اهدافها وتحدد موعد بدء الهجوم وتعلن التحرير في معظم الأحيان دون مقاومة قوات النظام ، هذا ما حدث أثناء تحرير قرية «أرم الجوز» حيث فر مقاتلو النظام دون انتظار الأوامر لهم .

يعتبر تحرير محافظة ادلب انتصارا استراتيجيا، له أبعاد كبيرة. أولها قطع كل طرقات الامدادعن قوات النظام في حلب وريف حماه وبين اللاذقية وحلب .

المعارضة الآن لديها خيارات تكتيكية مهمة يمكن أستغلالها . أولها التقدم الى معاقل النظام في مقره الرئيسي ومسقط رأسه في القرداحة . ثانياً التوجه إلى سهل الغاب الذي يضم مناصرين كثرا لنظام الأسد بالتالي تهديد مطار حماة العسكري . كذلك لديهم خيار أن يتوجهوا إلى حلب من أجل وتحريرها .لو كان الخيار لي لطلبت اليهم التوجه الى الساحل وضرب النظام في معقله اعتقد أن سقوط اللاذقية يعني وفاة النظام سريرياً ، مما يدفعه للفرار خارج سوريا نجاة بنفسه.

 

ماذا عن سيطرة تنظيم الدولة «الاسلامية « على معظم بادية الشام؟

 

مدينة تدمر البعض يعتبرها مجرد بادية ، لكن من الناحية الاقتصادية تحتوي على اهم مكامن الثروة الاقتصادية في سوريا «مكامن النفط والغاز والفوسفات « إن سيطرة التنظيم على «خنيفيس « قطع آخر موارد النظام الاقتصادية «مناجم الفوسفات « التي تنتج حوالي « 250 مليون دولار سنويا « . والتقدم إلى آخر معامل الغاز التي مازالت تعمل «معمل غاز الجنوب وإيبلا . والفرقلس» التي تعني في حال سيطرة التنظيم عليها قطع الغاز عن كل محطات الكهرباء التابعة للأسد.

تدمر تعتبر عقدة مواصلات هامة «طريق البادية « الذي يصل ريف دمشق بالشمال السوري «دير الزور الحسكة» كذلك غرباً الى حمص والتي يبعد عنها التنظيم حوال 40كم ، واصبح مطار” T4” محاصراً ،في حال استمر تقدم التنظيم الى حمص يصبح مطار الشعيرات تحت مرمى نيران التنظيم لو ضفنا اليهم مطار دير الزورالمحاصر. نجد بأن معظم مطارات النظام العسكرية في»حمص وحماة وادلب ودير الزور»إما محاصرة أو تحت نيران المعارضة المسلحة ،مع ملاحظة ان التنظيم لديه خيار التقدم الى ريف دمشق .

لا تزال معارك القلمون تستنزف قوات النظام وحزب الله في معارك كر وفر تكبد «الحزب» فيها حوالي «52» قتيلا .

ماذا عن درعا . التي سيطرت المعارضة فيها على آخر المنافذ الحدودية مع الاردن»نصيب» الآن قوات الجيش الحر تستعد لتحرير درعا . وتقترب اكثر فأكثر من مثلث الموت مع ريف دمشق الغربي وتحكم الحصار على قوات الأسد . واستكمالاً للإنجازات العسكرية التي تحققت مؤخراً على جبهتي درعا والقنيطرة، تمكنت فصائل الجبهة الجنوبية، ظهرَ الأربعاء الماضي، من السيطرة على تلّتي بزاق وغرين ،في الريف الشمالي الشرقي لمدينة القنيطرة، جنوبي سوريا،بعد يوم واحد من سيطرتها على التلال الحمر الواقعة بين الغوطة الغربية لريف دمشق ومحافظة القنيطرة .

كما أعلنت غرفة عمليات فتح حلب تحرير (حي الراشدين الشمالي) بالكامل في محيط مدينة حلب من الجهة الغربية .

ويظل السؤال حائراً ماذا لو تحرك زهران علوش بجيشه المرابض في الغوطة الشرقية بما يمتلكه من سلاح؟ رغم قناعتي انه لن يفعل.

كاتب وباحث سياسي

======================

لعنة الطائفية .. برهان غليون

العربي الجديد

الاثنين 22/6/2015

يخلق الخوف المتزايد من الطائفية وعياً شقياً لدى المجتمعات العربية التي تشعر أنها ضحية آلية عمياء جبارة، تفرض عليها الانقسام بين عصبيات متنافرة، وتغلق أمامها أبواب التحولات السياسية الديمقراطية والوطنية، من دون أن تستطيع فعل أي شيء. وبقدر ما يفقد هذا الشعور الثقة المتبادلة بين أبناء الطوائف المختلفة التي تتبارى في اتهام بعضها بإخفاء النيات والرهانات الطائفية، يزرع الشك واليأس عند المجتمع بأكمله في إمكانية التعايش داخل الوطن الواحد، بل بناء مثل هذا الوطن الذي يفترض التضامن والتكافل والتعاون بين جميع أفراده، بقدر ما يجمعهم تحت سقف واحد، ويفرض عليهم مصيراً مشتركاً.

التعددية في المجتمعات

والواقع أن التركيز على الطائفية والبنيات العشائرية في البلدان العربية لا يعكس إدراكاً لمخاطر حقيقية وحتمية، بقدر ما يعبر عن الكسل والبؤس الذين اتسم بهما الفكر القومي، والوطني المحلي، الذي اتجه في سعيه إلى إقامة دولة وطنية حديثة، وإضفاء المشروعية السياسية عليها، إلى التركيز على مسألة الهوية والتجانس والاندماج، بدل بناء مفهوم المواطنة والتأكيد على واجب الدولة الحديثة في تأمين شروط تحقيقها، وهي الحرية والمساواة القانونية وحكم القانون الذي لا تقوم من دونه أي مواطنة، ولا رابطة سياسة، أي وطنية. وقد سعت الدولة المحلية إلى التعويض عن غياب برنامج بناء المواطنية، على الرغم من حديثها المكرور عن الدولة الوطنية الحديثة، بتضخيم الحديث عن الهوية والانتماءات الثقافية الواحدة والأصول التاريخية المشتركة.

"ليس تعدد الطوائف، ولا استمرار البنيات العشائرية هو السبب في تخلف بنية الدولة الوطنية العربية" وهكذا حولت الوطنية من حقوق وواجبات وممارسات ملموسة، تخص كل شخص، وتقرر مصيره، إلى إيمان عقيدة سياسية قومية جديدة. وكانت النتيجة مضاعفة في السوء: لتحويل الوطنية إلى مسألة هوية، وتوليد نزعة وطنية انصهارية صماء، تتطابق مع مفهوم العصبية الطبيعية، أكثر مما تعبر عن نشوء فكرة وطنية سياسية، ووضع القومية هويةً جديدةً في تنافس مع الهويات الأهلية الطائفية، أو القبلية، وبموازاتها. وهكذا أصبح التعدد الطائفي الذي ينبغي أن ينظر إليه على أنه ثروة وطنية، بدل أن يعاش عاهة مجتمعية، يبدو وكأنه نقمة إلهية أو طبيعية. وأصبح الوضع الاعتيادي الذي عرفته المجتمعات منذ قرون، وبنت من حوله نظمها الأخلاقية الرئيسية، بما تعبر عنه من قيم التعايش والتسامح التاريخية التي ميزت المجتمعات العربية والإسلامية، وضعاً نشازاً أو تعبيراً عما ينبغي تسميته الخطيئة الأصلية، يميز المجتمعات العربية، ويفصلها عن المجتمعات الأخرى الطبيعية، ويحط من قدرها وقيمتها الجوهرية.

والحال، ليس تعدد الطوائف، ولا استمرار البنيات العشائرية هو السبب في تخلف بنية الدولة الوطنية العربية، ولا هو المسؤول عن تعثر مشاريع الاندماج الوطني، وتقدم مسارات التحويل الديمقراطي. ولا يشكل كلاهما أي لعنة أبدية أو تاريخية. فجميع المجتمعات مكونة من جماعات متعددة، ويمكن تخفيضها جميعاً إلى مجموعةٍ لا نهائية من الأقليات الثقافية والدينية والعرقية والمهنية والجنسانية والحضرية والريفية، وغيرها. وما لم تتعرض الهويات الأهلية لتحديات كبيرة، ومحاولات عدائية، تبقى التناقضات الاجتماعية، أو الاقتصادية، أكثر حدة من الخلافات الدينية والقومية في كل البلدان والأحيان. كما أن المجتمعات الصناعية المتقدمة أكثر تعددية، اليوم، طائفياً وعرقياً من المجتمعات العربية. وما تتميز به مجتمعات الصين والهند، وغيرها من المجتمعات الآسيوية عموماً، يفوق بما لا يقاس ما تعرفه المجتمعات العربية التي تبدو، في هذا المنظور، مجتمعات شديدة التجانس والأحادية الثقافية. ويعكس هذا التعدد الواسع في المجتمعات الآسيوية تراكماً تاريخياً طويلاً للثقافات والقوميات، ويعبر، بعكس ما هو شائع، عن درجة الازدهار الحضاري الذي عرفته هذه المجتمعات في الماضي. فهذا الازدهار، وما يرتبط به من نمو قيم التسامح والتعايش، وما يتيحه من إمكانيات التفاعل والتبادل والتواصل بين الثقافات، وما يفرزه من هامش تسامح فردي وجمعي، هو الذي يدفع إلى نشوء التعددية، بقدر ما يسمح بنشوء الهويات المتمايزة، أي بالتغاير داخل المجتمع الواحد بين مجموعات الرأي والثقافة، وكذلك بقدر ما يؤلف قوة جذب كبيرة للجماعات البعيدة، وبشكل خاص للجماعات المضطهدة والمقهورة في المناطق الأخرى "المتأزمة".

ولا حاجة للذهاب بعيداً لمعاينة هذه الديناميكية التاريخية الحضارية. فالعالم العربي هو اليوم أكبر منطقة طاردة للجماعات الأقلية المتميزة، أو المغايرة، سواء أكانت جماعات دينية أم جماعات عرقية أم جماعات رأي وثقافة سياسية ومعارضة. وجميع هؤلاء يقصدون الدول الصناعية الكبرى المتقدمة، وفي مقدمها الولايات المتحدة الأميركية التي تستقطب القسم الأكبر من مهاجري جميع الجنسيات، بسبب ما يسود في هذه الدول من ازدهار اقتصادي وتسامح فكري وتنوع عقائدي، أي من تقدم المدنية. وهم يعزّزون من طابع هذه المجتمعات التعددي، في الوقت الذي تنحو فيه المجتمعات العربية، مثلها، مثل المجتمعات المتأخرة الأخرى، إلى تعزيز الطلب على التجانس وكبت التنوع والخوف من التمايز حتى داخل الطائفة أو الجماعة العرقية أو الدينية الواحدة. وليس هذا من علامات التقدم في المدنية، ولا التشكل الوطني، ولا التسامي الديني بأي حال.

"العالم العربي هو اليوم أكبر منطقة طاردة للجماعات الأقلية المتميزة، أو المغايرة" إن استقبال المهاجرين والجماعات المغايرة يعكس ثقة المجتمعات بنفسها، أي بثقافتها ومستقبلها وقدراتها على الدمج، ومتانة مؤسساتها السياسية والاجتماعية، بينما يعبر طرد الأقليات بصورة مقصودة، أو غير مقصودة، عن استبداد القلق والشك وغياب الثقة بالنفس، عند المجتمعات الطاردة وتهافت مؤسساتها الدستورية والاقتصادية والاجتماعية. فكما أن لوجود أغلبية ثقافية، أو دينية متجانسة، دور كبير في إحداث شعور بالاستقرار والاستمرارية والثبات عبر التاريخ. وبالتالي، لنشوء الدول ورسوخ الحضارة في منطقة من المناطق، تشكل الأقليات المنفتحة باستمرار وبشكل أكبر على الخارج، بسبب اختلافها ووجودها العابر غالباً حدود البلدان، ناقلا استثنائيا للمكتسبات التقنية والعلمية والفكرية، وبالتالي، حاملا رئيسيا لديناميكية التفاعل والتواصل بين الثقافات والحضارات.

والقصد، إن التعددية، بكل وجوهها وأشكالها، ليست خطأ تاريخياً، ولا بنية نشازاً، لكنها الأمر الطبيعي والشائع، أيضاً، في أي مجتمع متمدن، لا يمكن أن ينحدر، في منطق انتظامه، إلى مستوى منطق الأسرة، أو العشيرة أو الطائفة الواحدة. وقد كانت الطوائف موجودة دائما في المجتمعات العربية، وستظل موجودة في المستقبل. وهي موجودة، أيضاً، في بلدان عديدة، تعيش في ظل نظم ديمقراطية. وهي لا تشكل، كما تبين ذلك تجربة الهند التي تعج باللغات والأقليات الدينية والعرقية على حد سواء، عائقاً أمام قيام نظام ديمقراطي. فهي تستطيع أن تتأقلم بسرعة بالغة معه، بل هي لا تستطيع أن تستمر إلا في إطاره، لما يوفره من أطر ثقافية وقانونية وسياسية، تضمن وحدة الجماعة الوطنية على قاعدة الحرية والمساواة في الحقوق والواجبات. وفي الوقت نفسه، هامش الحرية والخصوصية التي تحتاج إليه الجماعات الأهلية الدينية أو القومية للحفاظ على البقاء.

 

الوطنية بين الدولة والهوية

لا تتحول التعددية الطائفية إلى مشكلة تهدد الدولة الوطنية، إلا عندما تفتقر هذه الدولة لشروط بناء المواطنة كإطار أعلى وأشمل لتفاعل الأفراد، أو تفشل في تأمينها. وبالتالي، في توليد الروح الوطنية المستمدة من المشاركة في دولة الحرية والحياة القانونية، وهذا هو وضع الدولة الاستبدادية والديكتاتورية. وغالباً ما تحاول هذه الدولة نفسها أن تغذي العصبيات الأهلية أو تعبئها في سبيل تأمين قاعدة اجتماعية مضمونة لها، عندما تفتقر إلى برنامج وطني/مواطني حقيقي، أو تعجز عن تحقيقه. وتسعى إلى تعبئة بعض العصبيات الأهلية، لتخفي فشلها، وتؤمن لنفسها العصبية الداعمة، بديلاً عن الشرعية الديمقراطية والدستورية. ولذلك، أكثر ما تترسخ العصبيات الطائفية والعشائرية وتتحول إلى بديل للانتماء الوطني يحدث في ظل النظم الاستبدادية التي تلغي الحريات، وتنزع فيها النخبة الحاكمة إلى كبت الاختلافات والتمايزات بالقوة والقهر، لتخفي الطبيعة الأهلية والطائفية لخطة سيطرتها الأحادية. في هذه الحالة، لا يبقى من الوطنية سوى التأكيد الخارجي على الانتماء لثقافةٍ أو هويةٍ مشتركةٍ أو تاريخ واحد، وتتطابق فكرتها مع العصبية الأهلية الدينية والطائفية، وتتنازع معها على ولاء الأفراد وانتماءاتهم، وتطلب منهم أن يؤمنوا بها، فتتحول الوطنية إلى هوية شبه إلزامية، تتنازع مع الهويات الأهلية، بدل أن تكوّن علاقة جديدة مؤسسة لحرياتهم، وضامنة لممارستهم حقوقهم، وكافلة التزاماتهم بواجباتهم تجاه الجماعة والدولة.

"التعددية، بكل وجوهها وأشكالها، ليست خطأ تاريخياً، ولا بنية نشازاً، لكنها الأمر الطبيعي والشائع، أيضاً، في أي مجتمع متمدن" والواقع أنه من الصعب للتمايز المذهبي أو الإثني أن يتحول إلى عصبية مناقضة، أو معادية للوطنية الجامعة، وبالتالي، أن يحظى بقيمة تبادلية سياسية، إلى جانب قيمته الأصلية، مكوناً لهويات خصوصية، ما لم يحظ باهتمام النخب السياسية والثقافية، وتوظيفها له في الصراع على السلطة. وهذا ما يميز نظام الملل الذي طبع بنية المجتمعات الوسيطة، بما يمثله، بصرف النظر عن المراتبية، من اعتراف رسمي بالتنوع الديني والمذهبي، وحرية ممارسة شعائرية، منفصلة عن السياسة إلى حد كبير، وبين الطائفية التي ولدت مع نشوء السياسة الحديثة، وعلى النقيض من مفهوم السياسة الوطنية المتعاملة مع أفراد الشعب بصرف النظر عن انتماءاتهم الأهلية. فالعصبية الطائفية تتميز عن الشعور بالهوية المذهبية في أنها عصبية موجهة نحو هدف سياسي واضح، هو تأمين رصيد إضافي لجزء من النخب الوطنية، يعزز حظوظها في المعركة السياسية المفتوحة، من حول الدولة والموارد العامة. فهذه المعركة هي التي تدفع إلى شحن التمايز المذهبي والقبلي بقيم جديدة وتبدل في هويته ومضمونه. ومن دون ذلك، لا تنتج التمايزات الثقافية والأقوامية من تلقاء نفسها مكافآت سياسية، ومواقف جماعية متماثلة. فلا يتقدم الولاء المذهبي بشكل عفوي على الولاء للدولةـ لا في الدولة الملية الماضية ولا في الدولة الوطنية الحديثة. لكي يحصل ذلك، لا بد من تسييسه وأدلجته، وربطه بأهداف تختلف كلياً عن أهداف العبادة والإيمان. وهذا من عمل النخب السياسية والاجتماعية، وفي سياق صراعها للسيطرة، ولا يتحول إلى أزمة تهدد الهوية الوطنية نفسها، إلا عندما تقود أزمة السلطة إلى تفكك هذه النخب، وانهيار العهد الوطني الذي كان يوحد أطرافها.

 

أساس الحرب الطائفية فساد السياسة الوطنية

هذا يعني أن آليات توحيد النخب الوطنية ودمجها في إطار واحد مرتبطة، هي ذاتها، بوجود مشروع بناء أمة وجماعة وطنية (سياسية). وهذا المشروع لا يوجد من تلقاء نفسه، ولا نعثر عليه في الطبيعة كما هو، وإنما هو ثمرة جهد فكري وسياسي منظم لبناء علاقات الوحدة من النخب أو أجزاء منها، ومن القادة الوطنيين الكبار. ولا يمكن أن يتقدم إلا بمقدار ما ينجح هؤلاء في تأسيس قواعد هذه الوحدة الوطنية، من أسس دستورية ومساواة قانونية ومشاركة فعلية لجميع أبناء الطوائف والقبائل والعشائر والقوميات على قدم المساواة. فالوطنية، كرابطة فوق قومية وفوق طائفية، هي الثمرة المباشرة لتوسيع دائرة المواطنة، وتطبيقها بوصفها مشاركة في بناء الدولة الحرة لأفراد أحرار ومتساوين. وبالتالي، كمشروع مشترك وجامع، وصاهر أيضاً، كل النخب ومن جميع الطوائف والمذاهب. وأصل توحيدها هو الاشتراك في هذا المشروع نفسه، فهي موحدة عليه، ومن أجله وفيه.

والحال أن مثل هذه المشروع اصطدم، في معظم الأقطار العربية، ولا يزال، بإرادة السيطرة التي تتجلى عند بعض الفئات الاجتماعية، عسكرية أو أمنية أو بيروقراطية، وتدفعها، حتى عندما لا تكون ذات نزعة طائفية، إلى اللجوء إلى التعبئة الطائفية، أو تقسيم الرأي العام إلى طوائف متناحرة على مبدأ فرق تسد، من أجل الاحتفاظ بالسلطة واحتكار القرار السياسي، وتجيير الدولة لخدمة مصالحها الخاصة. وإن دلت عملية تقويض الدولة من الداخل على شيء، وهذا هو مضمون ما حصل لدولة ما بعد الاستقلال الوطنية، فإنه يدل على هشاشة ركائز هذه الدولة الدستورية، واهتزاز قاعدتها المؤسسية من جهة، وضحالة تكوين النخب السياسية، أو عدم نضجها الكبير، وسوء تأهيلها من جهة ثانية، من دون أن يعني ذلك نفي عوامل الاختراق الداخلية والخارجية. فمشروع بناء الدولة الوطنية، بمعنى دولة المواطنة المتساوية والمشاركة السياسية العامة، لا يقوم ويتقدم ويتعمق في معزل عما يجرى حوله، وخارج السياق التاريخي الإقليمي والعالمي الحي. إن تكوينه هو جزء من الصيرورة الجيوسياسية العالمية، وهو يخضع، أيضاً، لصراعات وتوازنات القوة داخل الدول، وفي محيطها القريب والبعيد.

الأزمة الطائفية التي تعيشها مجتمعاتنا منذ عقود، والحرب المشتعلة اليوم نتيجة انفجارها ليست دينية، ولا يفسرها التنوع الطائفي، ولا جهل العامة، ولا تخلف رجال الدين. بالعكس تماماً، إنها النتيجة الطبيعية لبؤس السياسة المستحدثة التي طبقتها، منذ نشوء الدولة الوطنية، نخب اجتماعية تفتقر إلى ثقافة الدولة، ولا ترى في الوطنية إلا عصبية إضافية، تضاف إلى العصبيات الأخرى، وتتناقض سيطرتها مع أي التزام بمبدأ الحرية وحكم القانون، سياسة صاغها وخطط لها وطبقها رجال محدودو الأفق، وغالبا جاهلون بحاجات الدول والشعوب، بصرف النظر عن منشئهم، مدنياً كان أم دينياً. وليس لهذه الحرب أي فرصة في أن تستمر، من دون إرادة السياسيين.

======================

خيار الأسد المنزوع الرأس...عمر قدور

الحياة

الاحد 21/6/2015

لنتخيّلْ حلاً في سورية يتوافق عليه الروس والأميركيون، وتساهم إيران في تنفيذه، ينص على انقلاب على العائلة الحاكمة، وتنصيب ديكتاتور يحظى فوراً بمباركة دولية عبر مجلس الأمن، وبدعم مماثل تحت يافطة مكافحة الإرهاب. ثم، يُطلب من كافة القوى المسلحة على الأراضي السورية تسليم أسلحتها للسلطة المركزية، أو اعتبارها مجموعات خارجة على القانونين المحلي والدولي، وتستمر محاربتها التي قد تستلزم سنوات أخرى بدعم أميركي وروسي وغربي، مع الضغط على الدول الداعمة لها، بعد أن أصبحت بدورها في موقع الدول الداعمة للإرهاب.

سيعني السيناريو السابق أن محصلة الثورة والصراع أتت بديكتاتور مكان الطاغية القديم، لكن هذه المرة تحت ذريعة مقبولة عالمية، هي عدم وجود أفق لإنهاء الصراع سوى وجود سلطة تتمتع بصلاحيات استثنائية، وستكون الأمثلة المصرية والليبية واليمنية حاضرة كناية عن استحالة البدء بالتحول الديموقراطي. فوق تلك الأمثلة، يتميز الوضع السوري بقدر أكبر من التشظي على الصعيدين العرقي والطائفي، ما يسمح ضمناً بتمرير استحالة تطبيق الديموقراطية وفق نموذجها الأصلي، أو حتى على النموذج التوافقي الذي لا يظهر بعيداً عن الاحتراب في العراق أو لبنان.

القسم الوحيد الذي قد ينال وضعاً خاصاً ضمن الكيان السوري الجديد هو القسم الكردي، وقد تساعد وضعية إقليم كردستان العراق على تقديم إطار مشابه للأكراد السوريين بدرجة استقلال أقلّ ربما. لكن الميزة الأساسية للأكراد التي ستمكنهم من تعزيز استقلالهم ليست، حسبما يُشيعه بعض العرب، محض انحياز غربي لهم أو شيئاً من قبيل المؤامرة، فهي تتعلق بالدرجة الأولى بوجود قوة ديكتاتورية وحيدة، غير إسلامية، مسيطرة على المناطق الكردية وتحظى بنسبة قبول جيدة من الأكراد. ميليشيات الحماية الشعبية الكردية، فضلاً عن عدم دخولها في صراع عسكري ضد النظام وحلفائه، قد تكون الأكثر قابلية للتنسيق مع الجهود الأميركية، خاصة مع تعثر الأخيرة في استقطاب متطوعين عرب «سنة» ضمن برنامج التدريب في تركيا والأردن.

على المقلب العربي «السني»، الأمر مختلف تماماً، فباستثناء سيطرة داعش على مساحة واسعة من الأراضي لا توجد سلطة أمر واقع مقبولة تفرض نفسها على الأرض وعلى المجتمع الدولي قبل المحلي. هناك العشرات من الفصائل ذات الميول والأهداف المختلفة، نسبة كبيرة منها تخضع لاعتبارات التمويل، ومهما أبدت من تنسيق عالٍ في المعارك الأخيرة يبقى التنسيق خاضعاً لاعتبارات الداعمين أكثر من خضوعه للضرورات الداخلية. هناك أيضاً تمايزات مناطقية بين الفصائل، والجهادية من بينها أثبتت قدرة أكبر على التوسع في مختلف المناطق. الجيش الحر لم يكن في أي يوم سوى تسمية مجازية لفصائل مبعثرة هنا وهناك، أما القيادات العليا التي جُرّبت من رئاسة أركان أو مجالس عسكرية فثبت أنها غير قادرة على الاضطلاع بدور إداري فضفاض حتى. بالطبع، جبهة النصرة وحلفاؤها غير مقبولين دولياً، على رغم ما يُفهم من رضى دولي عن انتصاراتهم الأخيرة، إنما ذلك يتوقف عند عتبة الضغط على النظام ومن المستبعد السماح بتثمير هذه الانتصارات مستقبلاً.

لا ينطلق خيار الإبقاء على نظام الأسد بعد نزع رأسه من أرضية أخلاقية أو حقوقية، وهو أشبه بما اعتاد السوريون على سماعه من التفاضل بين خيارين سيئين، بدءاً من شعار النظام «الأسد أو نحرق البلد» ثم «إما الأسد أو داعش». خيار الإبقاء على النظام يعتمد وعيداً واقعياً مشابهاً، فإما نظام قوي أمنياً ينخرط في الحرب على الإرهاب أو تبقى سورية ساحة حرب وصولاً إلى استنزاف الجميع. إما سورية موحدة، حيث فقط النظام الأمني يضمن القضاء على المجموعات الإرهابية والتخلص من فوضى السلاح، أو بقاؤها لمدة قد تطول في ما دون التقسيم الرسمي الذي دونه حرب الجميع على الجميع.

مشكلة سورية أن الاستثمار في الحرب فيها أكبر مردوداً من الاستثمار في التغيير وإحلال السلام، وإذا تذكرنا أن النظام قد وضعها أصلاً في دائرة النفوذ الإيراني المطلق قبل الثورة، فإن كافة القوى المنخرطة في الحرب على النظام ليس لديها ما تخسره في الحرب. جزء لا يُستهان به من اللامبالاة الغربية تجاه سورية أنها لم تكن يوماً في دائرة النفوذ الغربي، وفي ظل انحسار الصراع العالمي على مناطق النفوذ لا تملك قيمة استراتيجية استثنائية تدفع الغرب إلى التدخل، لذا لا أمل إطلاقاً بمظلة غربية تحرض على تغيير جوهري، ومن نافل القول أن الغرب لن يتطوع بالوصاية المباشرة على سورية حتى تُنجز فيها مرحلة التحول. للغرب مصلحة وحيدة أكيدة هي ألا تنتشر الفوضى السورية بحيث تهدد الاستقرار الدولي، وألا تغنم المنظمات المتطرفة السلطة على نحو ما فعلته طالبان في أفغانستان.

إذاً، العبرة لدى دوائر القرار الغربية لم تكن يوماً في قوة أو ضعف النظام، أو في عدم قدرته على الصمود لولا الدعم الخارجي، فالأهم أنه على رغم خسائره الباهظة وتراجع سيطرته على الأراضي إلى ربع المساحة السورية، لم يتصدع من داخله، ولم تنقسم جبهة مؤيديه وتتشتت ميدانياً. بهذا المعنى فحسب، تبدو سلطة الأسد نظاماً بالمقارنة مع فصائل المعارضة المسلحة وتشكيلاتها السياسية، ويبدو كأنه الخيار الواقعي الوحيد فيما لو أُعيد تأهيله. الانتصارات أو الخسائر العسكرية الموضعية لا قيمة كبيرة لها في هذا الميزان، طالما بقيت الجبهة المقابلة للأسد غير موحدة وغير متفقة الأهداف باستثناء ما تعلنه من عزمها على إسقاط النظام.

أن يكثر الحديث عن التقسيم في الآونة الأخيرة فذلك لا يدلل على اقترابه، إلا إذا انعقدت النية على نشر الفوضى في المنطقة، وهنا أيضاً يصعب توافر حماية دولية لمشروع تقســيم سورية وحدها. الكرة لا تزال في ملعبي داعمي المعارضة وحلفاء النظام، المطلوب من المعارضة وداعميــها لملمة تشـــتتها وإظهار «الكفاءة» لتشارك في النسخة المنقحة من النظام، والمطلوب من حلفاء النظام التضحية برأسه. جنيف جاهزة للاستقبال عندما «ينضج» الطرفان، والسلاح غير الحاسم جاهز لمن يريد مهلة قبل الوصول إليها.

======================

مفارقات في المشهد السوري المعارض .. أكرم البني

الحياة

الاحد 21/6/2015

ثلاث مفارقات يمكن التوقف عندها اليوم في قراءة واقع المعارضة السياسية وما تعانيه من قصور في ممارسة دورها المفترض أمام التطورات الميدانية المتسارعة في المشهد السوري.

أولاً، بينما تستعر المعارك على أشدها في الجنوب والشمال السوريين، لا تزال أطياف من المعارضة السياسية تهتم بعقد المؤتمرات، وآخرهما في مصر وتركيا! وكأن ما يجري لا يعنيها، وكأن ما تم عقده من مؤتمرات خلال السنوات المنصرمة لم يكن كافياً، فكيف الحال حين يبدو غرض هذه المؤتمرات إعادة تقاسم الحصص والمواقع، طالما لا تضيف قراراتها جديداً من حيث الجوهر الى المواقف السياسية المعلنة للمعارضة في وثيقتي القاهرة في 2012، وطالما تكرر الالتزام بخيار الحل السياسي وفق بيان «جنيف 1» وقيادة مرحلة انتقالية تؤسس لدولة المواطنة الديموقراطية.

ولكن على من تعول المعارضة السورية في تحريك عجلة الحل السياسي؟! هل على ضعفها وتشتتها وانفلات القتال على مختلف الجبهات؟! أم على تشدد النظام سياسياً وإعلانه خطوطاً حمراً للتفاوض لا يمكن المساس بها تتمثل بالدستور ورئاسة الجمهورية والجيش وأجهزة الأمن؟! أم على تقدم تنظيم داعش وتبلور الطابع الإيديولوجي الاسلاموي لمختلف الجماعات المسلحة التي لن ترضى بغير شرع الله حاكماً؟! أم على استمرار تضارب مصالح الأطراف الإقليمية والعالمية المؤثرة في الصراع السوري وتالياً عجز المجتمع الدولي عن خلق إرادة حازمة تضع حداً لهذه المأساة؟!

للأسف يكرر بعض قادة المعارضة فكرة تقول بأن أي صراع مسلح أو قتال أهلي لن يخمدا إلا بحل سياسي، ويعتقدون بأنهم كمعارضين سياسيين أصحاب الحق في هذه النقلة، وما عليهم سوى الانتظار وترتيب أنفسهم وتأكيد حضورهم في المناورات الإقليمية والدولية كي يكونوا أصحاب الكلمة الأعلى في هذه المهمة، غافلين عن ارتباط دورهم السياسي بالوزن الشعبي الذي يحوزونه على الأرض، وعن استحالة أن تمنحهم الجماعات المسلحة ثقتها وهي القادرة على خلق كفاءات سياسية تمثلها، بخاصة أنه لا يخفى على أحد أن هذه الجماعات تجد المعارضة السياسية مارقة ومنتفعة، أو ملحدة تريد استبدال شرع الله بنظام الكفار الديموقراطي، مستثنية قلة من المعارضين بدأوا يداهنون هذه الجماعات ويدافعون عن معاركها ومسلكياتها ويغازلون صحة خياراتها الإيديولوجية والسياسية!

ثانياً، تعجب من معارضة دأبت على المطالبة بوقف العنف كمقدمة للشروع بحل سياسي، لكن بعضها الذي تفتنه اليوم «انتصارات» الجماعات المسلحة، صار من أشد المطالبين باستجرار سلاح نوعي للمقاتلين، ومن أكثر المتحمسين للحسم العسكري، من دون تحسب لدور سطوة القوة العارية في تنحية الحقل السياسي أكثر فأكثر وتهميش المجتمع المدني وتدمير الحاضنة الشعبية وخسارة فئات لها مصلحة في التغيير الديموقراطي لكنها ترفض منطق العنف والسلاح!

ويفاجئك من معارضة دأبت طوال سنوات على تقديم خطاب جامع حول الشعب الواحد وحقوق المواطنة المتساوية وتصمت بعض فصائلها عن فرض نمط الحياة الاسلاموية إرهاباً على الناس، وعن الانتهاكات التي تمارس بحق المختلفين دينياً ومذهبياً، والأنكى حين يعتبر بعض قادتها ما تم من اندفاعات عدوانية ضد منتمين لأقليات مذهبية، مجرد أخطاء عابرة يمكن تجاوزها، مكررين خطاب التطمينات عن الإسلام الرحيم والعادل، وأيضاً الاتهامات بحق كل من ينتقد ما يجري من تجاوزات، بأنه متخاذل أو خائن للثورة غرضه التعمية عن عنف النظام وتأجيل أولوية مواجهته وتغذية الفتنة التي يحاول زرعها بن الأديان والمذاهب!

وتستغرب كيف توصلت فصائل مسلحة تختلف بمرجعياتها الدينية إلى توحيد صفوفها في ما يسمى جيوش الفتح وإعلان مراكز مشتركة لقيادة معاركها، بينما لا تزال المعارضة السياسية عاجزة عن توحيد صفوفها أو ضبط إيقاع نشاطاتها، ولا تزال أطراف منها تزدري الأطراف الأخرى وتتبادل الاتهامات وأحياناً الشتائم بسبب التنازع على موقع أو منصب أو لمجرد الاختلاف في الرأي أو الاجتهاد!

ثالثاً، بينما تلتحق بالجماعات الجهادية الآلاف من الكوادر والكفاءات من الدول العربية والغربية لنصرة مشروعها الاسلاموي، يتناقص بشدة الوجود السياسي والمدني المعارض في البلاد، وإذا كان أمراً مفهوماً أن يخفت الرهان على جدوى العمل من الداخل وأن يتراجع معارضون عن وعودهم بالعودة الى الديار بسبب تفاقم الأوضاع وخطورتها، فأمر غير مفهوم أبداً إهمال التواصل مع ملايين السوريين في مخيمات اللجوء وعدم خلق قنوات سياسية ثابتة ومستقرة للتفاعل معهم بما في ذلك انتقال بعض الكوادر والقادة للعيش بينهم، ليس فقط لتخفيف همومهم ومعاناتهم وضمان سلامة إغاثتهم، وإنما أيضاً لكسب ثقتهم وتحصينهم، قولاً وسلوكاً، بالروح الوطنية والديموقراطية في مواجهة قوى متطرفة تبذل جهوداً حثيثة لجرهم الى أجندتها.

أخيراً، لا يضاف جديد عند وضع المسؤولية على النظام في ما وصلت إليه الأوضاع بتنكره لأسباب الصراع السياسية ولجوئه الى القمع والعنف المفرطين، أو إرجاع الأمر إلى سلبية المجتمع الدولي وتقصيره في وضع حد لهذه المحنة، أو القول، لتخفيف عمق المأساة، بأن الشعوب لا بد أن تدفع إثماناً باهظة لقاء تحررها. فما يجب أن يتضح في ضوء المفارقات السابقة هو المسؤولية التي تتحملها المعارضة السياسية أيضاً، ولا نقصد هنا إحلال الرغبات مكان الواقع بل رؤية ما كان يمكن أن ينجز ولم ينجز وتالياً المبادرة لتصحيح ما يمكن تصحيحية قبل فوات الأوان، إن لجهة اهتمام المعارضة السياسية بمعاناة الناس وما يكابدونه والتواصل معهم وبذل ما يفترض من جهود مخلصة لنيل ثقتهم ودعمهم، وإن لجهة مراقبة مسلكياتها لتقديم صورة صحية عن معارضة تقرن أقوالها بأفعالها وتظهر مسؤوليتها السياسية والعملية بتبني الخيار الديموقراطي وجاهزيتها للدفاع عنه والتضحية في سبيله، ضاربة المثل بنبذ الأساليب الخاطئة والتآمرية في إدارة خلافاتها واحترام التعددية والمشاركة والالتزام بقيم الحرية وحقوق الإنسان.

======================

المجتمع العميق .. ميشيل كيلو

البيان

الاحد 21/6/2015 

قبل الثورة، كان هناك قلة من السوريين تعتقد بوجود مجتمع سوري، بل إن أغلبية المعارضين كانت تؤمن أن مجتمع سوريا ليس غير مفهوم، تجريدي لا مقابل له في الواقع، وأنه لا يعدو أن يكون مجموعة كسور متنافرة، منفصلة ومتكورة على ذاتها، تتعايش بسلام بفضل يد النظام القوية، أو أنه بالأحرى حطام وبواقي مجتمع كان قيد التشكل قبل استيلاء البعث على السلطة، لكنه أقلع عن الوجود بعد تعرضه لتجربته السلطوية الشمولية / الطغيانية، التي خضع لها منذ عام 1963، واستندت على تكوينات ما قبل مجتمعية، كالطوائف التي تم تنظيمها أمنياً وتعبئتها بعضها ضد بعضها الآخر.

عندما تشكلت «الهيئة التأسيسية لجان إحياء المجتمع المدني» في نهاية شهر مايو من عام 2000، قبل اثني عشر يوماً من وفاة حافظ الأسد، وجعلت منطلقها مقولة ترى في السياسة فاعلية مجتمعية مباشرة، تتخطى أي تنظيم حزبي، أو أنها لا تكون سياسة، سأل كثيرون بتحد: عن أي مجتمع تتحدثون، وأين هو هذا المجتمع الذي تكلفونه بانتهاج سياسة تكون فاعليته المباشرة، بينما مجتمعنا إما غائب أو مهشم ومقطع ومبعثر على شكل تجمعات أو بالأحرى «جمعات»، آمن مفكر كإلياس مرقص أنها تفتقر إلى قيم مشتركة، تجعل منها تشكيلاً نوعياً يختلف عن كل واحدة منها، ويتخطاها جميعها، هو المجتمع.

كان السؤال مشروعاً في نظرنا نحن أيضاً، مع أننا كنا مؤمنين بقدرة الحرية على إحياء الموتى سياسياً، وبأن مجتمعنا لن يكون استثناء القاعدة، بل ساحة ستؤكد صحتها. وكان رهاننا يركز أولاً: على الفئات المثقفة والمتعلمة والمبدعة من الطبقات البينية، بما لديها من حساسية خاصة تجاه مسألة الحرية، بحكم موقعها من المجتمع ودورها فيه، ورؤيتها التي تجعل من الحرية رأس ماله وحاضنته، وثانياً: على أصحاب المصلحة الاقتصادية والاجتماعية في النشاط الحر، الذين كان النظام يقاسمهم ثرواتهم ويهدد وجودهم العام والفردي.

وكانت فرضياتنا ترى أن الحرية ما إن تتحول من شأن شخصي إلى شأن عام، ومن شأن عام إلى شأن شخصي، حتى تصير مادة متفجرة، تدفع حاملها إلى التمرد والثورة، فإن التقى الشأنان العام والخاص لدى عدد كبير من المواطنات والمواطنين على أرضية مشتركة قوامها حريتهم، غدت هذه مثابة برنامج له طاقة تحريضية هائلة، لا يحتاج حامله إلى من يوجهه أو يقوده، ما دام لا يوجد من يعرف مستلزمات وحدود حريته الشخصية، ومن يستطيع تعيين تشابكاتها العامة مثله أو أكثر منه، ومن يمكن أن يصير مرجعية سياسية له غيره هو نفسه.

... واليوم، وبعد أربعة أعوام ونصف العام من انطلاق ثورة الحرية، التي انخرطت فيها كتل وجماعات كبيرة العدد، تدامجت و«تجمعنت» بقوة رابطة وطنية حاملها مبدأ الحرية، الذي وجه خطاها ووحد حراكها، ومنحها قدراً من القوة، مكنها من احتلال الشارع والصمود في وجه آلة قتل منظمة، كبيرة العدد وكثيفة السلاح، هي جيش النظام وشبيحته، وتطوير جيش خاص، حرر ثلثي سوريا قبل ظهور تنظمات الإرهاب، وما نجم عنه من تبدل تدريجي، أصاب دورها وطبيعة معركتها وهوية ثورتها، ولكن دون أن يقوض مجتمع سوريا ويضعف صموده في وجه تحالفها مع النظام: المعلن منه والخفي.

بدل النظام العميق، الذي ألغى الدولة والمجتمع، وكان يسمى خطأ «الدولة العميقة»، برز «مجتمع سوريا العميق»، الذي باغت كل من كان ينكر وجوده ويتابع حركته، ونجح بفضل قوته الخارقة في الانتقال من السلمية إلى حال سياسية / عسكرية مركبة، احتوى خلالها نظام سياسي / أمني شديد القوة والبأس، وقضم جيشه قطعة بعد أخرى، وقوض سيطرته قرية بعد قرية، ومدينة بعد مدينة، بينما كان يتخلق كمجتمع جديد، تعد ثورته بتأسيس نمط مختلف من الدولة، حاملة الحرية ومبدأ السيادة الشعبية والمواطنة.

بانتصار مجتمعها العميق، القوي إلى الحد الذي مكنه من قهر أحد أعتى نظم القسر والاستبداد في عالم اليوم، تدخل سوريا إلى حقبة نوعية، أياً كانت القوى السياسية والعسكرية التي ستسيطر عليها، وستطوى صفحة من تاريخها أخذتها إلى مسارات مهلكة، وضع المجتمع العميق حداً لها بتضحياته التي تصدق، والتي تفتح صفحة مختلفة عن كل ما سبقها من صفحات سياسية، تفتح الباب أمام احتمالات ومخاطر ووعود شتى، لأنها ستكون صفحة صراعات لا مبالغة في القول: إنها طرفها الثاني سيبقى دوماً قوة الحرية، التي أثبتت أنها صانعة معجزات! استفاق المجتمع العميق فتهافتت الدولة العميقة وأخذت تنهار، هذا ما نراه بأعيننا، وما يؤكده الواقع.

======================

هل سيعود السوريون سوريين؟ .. سلام الكواكبي

العربي الجديد

الاحد 21/6/2015

في نهاية محاضرة ألقيتها، البارحة، في حضرة جمهورٍ فرنسيٍ مهتمٍ بالشأن السوري، وتحت عنوان "ماذا يمكننا أن نفعل من أجل سورية؟"، سألتني إحدى الحاضرات السؤال/ الألم التالي: هل سورية السوريين ستتغلب على ما راكمته السنوات الأخيرة؟ وقد فاجأني صمتي الذي دام دهراً من الثواني، لأنني عهدت على نفسي ألا أكذب، ولو لإقناع "الآخر"، كما يفعل كثيرون منا. وفي محاولة الصراحة والوضوح في الجواب على السؤال/ الفخ، أجريت مراجعة ذهنية سريعة لمسألة الانتماء والهوية. وبعيداً عن العلمية البحتة التي تحتاج إلى عشرات الصفحات المرتبطة بالمفاهيم وبالتجارب العديدة لأمم مختلفة، ولشعوب متنوعة، وجدت نفسي أحاور نفسي، محاولاً، أن استرجع من ذاكرتي قصصاً وعِبَراً تروي، أو توضّح أن الانتماء إلى سورية كان يوماً متجذّراً في الضمائر وفي القلوب وفي الأفعال. فتبين لي، وبعجالة أيضاً، أن هذا الانتماء ارتبط أكثر بالأوهام وبالأقاصيص الجميلة التي نتقاسمها، في محاضرات أو عروض فولكلورية عن مجتمعاتنا الممزقة.  فكم تنطحنا للحديث عن الوئام الديني والحامل الوطني الأعلى والتمازج بين المكونات؟ وكم استعدنا بطريقةٍ كادت أن تصبح ممجوجة الإشارة إلى أن فارس الخوري "البروتستانتي" كان رئيساً للوزراء؟ وبأن هذا البطريرك أو ذاك كان قد خطب في جموع المصلين في الجامع الأموي في دمشق، في غابر الزمان؟ كم كرّرنا على مسامع ضيوفنا أو أشقائنا، أو حتى أنفسنا، كلاماً خالياً من كل مؤشّر جمعي، ولا يدل إلا على الأماني غير المحققة، والتشبث بأضغاث أحلام اليقظة والمنام؟

مقابل هذه "البروباغندا الوطنية" الحلوة، كم منا تجرّأ أن يستعرض آلاف الأحداث والروايات والوقائع التي تُشير، للأسف، إلى أن ما تنطحنا لسرده بخصوص "الوحدة الوطنية" وتوابعها لم يكن إلا استثناءاتٍ، بالغنا في تقديمها وإثرائها بالمخيلة الفردية والجمعية، حتى صارت روايات تقارب في حبكتها قصص الأطفال المصوّرة؟

"يكتشف السوريون أنهم لم يعودوا يذكرون متى كانت آخر مرة شعروا بسوريتهم، أي بمواطنتهم، عدا الفرح المزيّف بفوزٍ رياضيٍ نادرٍ في ظلّ مؤسسات الفساد والإفساد، والذي سرعان ما يتبخّر، بمجرد العودة إلى الانتماءات المناطقة والاثنية والدينية، حتى على المستوى الرياضي"

أصل الداء هو هروبنا الدائم والمستمر من مواجهة الحقيقة، وسيتكّرر هذا الهروب، أيضاً، في تعليقاتٍ سترد على ما أورده. وتأتي "الأزمات" والمصائب، لتضع الحقيقة بقباحتها أو جمالها أمام أنوفنا وأعيننا، وهي تكاد تقول لنا أن اصمتوا أو اعملوا. ولكن، كفّوا عن الكذب والرياء وبيع الأوهام. وكم اشترت شعوب المنطقة من أوهام من عقائديين شموليين بعيدين عن البناء السوي لمفهوم الانتماء؟ وكم استقطبت قوى التطرف، الدينية والقومية، جموعاً من الشباب الباحث عن هويةٍ، وعن انتماءٍ، لعجنهم مع أحلامهم وتطويعهم مع آمالهم في قالب الانتماء للزعيم أو الحزب ومنحهم هوية السلطة، إن هي رضيت عنهم، وعن عماهم المنظّم.

يكتشف السوريون أنهم لم يعودوا يذكرون متى كانت آخر مرة شعروا بسوريتهم، أي بمواطنتهم، عدا الفرح المزيّف بفوزٍ رياضيٍ نادرٍ في ظلّ مؤسسات الفساد والإفساد، والذي سرعان ما يتبخّر، بمجرد العودة إلى الانتماءات المناطقة والاثنية والدينية، حتى على المستوى الرياضي.

دجّنت السلطات المستبدة هذا الشعور، ووجهته بعناية فائقة، لكي ينحسر وليتقوقع، في كرات من الثلج المتنامية، والمكونة من كل توابل وبهارات الانتماء الضيّق والمظلم. وبما أنها استبدت بكل مناحي الحياة، كما بالمجال العام، فقد استبدت أيضاً بمن حاول من المثقفين أن يدلي بدلوه، في إطار البناء التراكمي لمفهوم الانتماء. وتنوعت الأساليب "التقسيمية" و"التفتيتية"، لكي تُحيل الفرد إلى انتمائه الضيّق، حتى يتجيّش في إطار الدفاع عن نفسه ومصالحه، أولاً، ثم يوسع الدائرة لكي ينتمي إلى اسرته أو عشيرته، ظالمة كانت أم مظلومة. وليصل بعدها إلى سقف الانتماء المرتبط بإثنيته أو بطائفته أو بدينه. ذلك كله جرى، على الرغم من الشعارات "الوطنية" البراقة، والتي ساهمت في استدامة عملية الكذب على الآخر وعلى الذات التي برعنا فيها طوال عقود. وجرى ذلك كله في ظل أنظمة "تقدمية"، كما يُعرِّفها البافلوفيون من اليسار، أو "قومية" كما يراها، أو يريد أن يراها، جزء آخر من "القومجية" الذين ساهموا بنجاح في إجهاض المبادئ القومية الجامعة، ليُعزّزوا من تفتيت المجتمعات المختلفة، بشعارات مهترئة، ممولين أعمالهم الكاملة من جعب الطغاة.

هل سنعترف أننا في مأزق حقيقي في مسألة الانتماء؟ هل يجرؤ أحدنا على إجراء استطلاع رأي على عينة ضيقةٍ جداً، حتى يرى كم ابتعدنا عن هذا المفهوم، بمعناه الإيجابي. وفي المقابل، كم اقتربنا من هذا المفهوم، بمعناه السلبي والمُدمّر؟ ربما يقول قائل إن نكء الجراح الآن، ومواجهة الذات أمام تناقضاتها، أمور ليست من الأولويات، وإننا في مرحلة تستوجب تجاوز الهنّات للوصول إلى الهدف المنشود. إذاً، فلنجيبه بسؤال مؤلم وصريح أكثر: وما هو هذا الهدف المنشود؟ هل هناك إجماعٌ عليه، يضم كل السوريين، بمختلف مكوناتهم الاثنية والدينية والطائفية والعشائرية التي أبلت الأنظمة بلاءً حسناً، في تأصيل تباعدها وتعميق الشروخ فيما بينها وتطوير الكراهية السائدة حولها؟

ربما استعاد السوريون سوريتهم في الأشهر الأولى من ثورتهم "اليتيمة"، وشعروا جميعاً بأنهم في مصبّ الألم المشترك. هذا لم يدم، وما زلت أبحث عن جواب للسيدة.

======================

أي حل سياسي؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 21/6/2015

ليس الحل السياسي في سورية كلامياً. لو كان كذلك، لما استمر الصراع أكثر من أيام أو أسابيع. ولن يحل السلام، ويتوقف العنف ويتغير النظام، لأن المعارضة تقبل وثيقة جنيف واحد، وتعلن استعدادها الدائم للتفاوض مع روسيا في أي جنيف قادم، وللمشاركة مع أطرافٍ من أهل النظام في "الهيئة الحاكمة الانتقالية"، وترحب بعقد مؤتمر وطني يضم كل السوريين، ينقل البلاد إلى النظام الديمقراطي العتيد، ويطرد الأسد وحلقة المجرمين المحيطة به من السلطة ... إلخ.  هناك على مستوى الكلام حل من أروع الحلول التي يمكنها تحريرنا من صراع مكلف وعنيف: إنه وثيقة جنيف واحد التي صاغها، وبالتالي وافق عليها، الخمسة الكبار قبل حوالى عامين، وأعلنوا تصميمهم على تنفيذها في أقرب وقت، قبل أن يلتقي للتفاوض حول تطبيقها وفدان سوريان، حاكم ومعارض، بحضور الخمسة الكبار، عقب حفلة خطاباتٍ، حضرها ممثلو 40 دولة شهدتها مدينة مونترو السويسرية. لكن وثيقة جنيف لم تنفذ، وبنودها لم تطبّق، لاختلاف الخمسة الكبار على معانيها، والنقطة التي يجب بدء الحل منها، والمآل الذي ستصل إليه، واختلاف أهل النظام مع المعارضة على كل كبيرة وصغيرة، وشكّ وفد النظام في سورية في المعارضين، وإعلانه أنهم إرهابيون يجب بدء الحل بإطلاق نيران مسدس بشار الجعفري عليهم داخل قاعة المفاوضات!

أعتقد أن تطبيق وثيقة جنيف واحد الذي تطالب المعارضة به كان سبب تعطيل الحل، فقد وافقت روسيا على الوثيقة، وعارضت تطبيقها، لعلمها أنه سيطيح نظاماً تؤيد انتصاره العسكري على المعارضة. أما أميركا فلم تقتنع بضرورة تطبيق جنيف واحد، لاعتقادها أن الصراع يجب أن يتواصل في سورية، إلى أن يحقّق أهدافها المغايرة لأهداف السوريين، والمنصبّة تحديداً على تصفية حساباتها مع روسيا وطهران، وعلى ليّ ذراع ملاليها، وإرغامهم على إيقاف برنامجهم النووي والصاروخي، وتغيير سياستهم في المنطقة العربية، وصولاً إلى احتوائهم في نظام جديد تشرف عليه هي وإسرائيل. أخيراً، لم تعترف إيران بوثيقة جنيف، فكيف تسهل تنفيذ بنودها التي ترى في تطبيقها هلاك الأسد ونظامه، وهلاكها هي بعد خروجها من سورية؟

لا تكفي الوثائق والنيات الطيبة لتحقيق السلام، أو لإنجاز حلول سياسية لصراعات معقدة، كالصراع الدائر في بلادنا، وتبعده تعقيداته اليومية عن الحل بدل أن تقربّه منه. ربما كانت الحلول الكلامية التي دأب المعارضون على تكرار ولوك مراحلها ونتائجها الفخ الذي سقطوا فيه، وحال بينهم وبين رؤية ما يتوقف الحل عليه: بناء وضعهم الذاتي بطرقٍ تمكّنهم من وضع العالم أمام أحد خيارين: تطبيق وثيقة جنيف تفاوضياً، أو قيام الثورة بتطبيقها بالقوة. في غياب القوة الذاتية، لم يبق للمعارضة غير إصدار إعلاناتٍ كلامية منمقة، تنصب على مراحل وأهداف ومواصفات حلٍّ ليس متاحاً لها، يبتعد عنها بقدر ما يتعاظم افتقارها إلى القوة، ويزداد تعلقها به، وإصرارها عليه، بقدر ما يتزايد عجزها عن بلوغه، بينما يبقى ما تطالب به عصيّاً على التطبيق، بسبب موازين القوى على أرض الصراع المحلي، وفي أبعاده العربية والإقليمية والدولية.

يرتبط الحل السياسي بما هو أكثر بكثير من تعداد مراحله ووصف مفرداته. وهو مستحيل من دون بناء قوة ذاتية ضاربة، تمكّنها قدراتها من ممارسة سياساتٍ، وتبني خياراتٍ تُفضي إلى نتيجة واحدة: فرض الحل بردع القوة أو بقوة الردع. بغير ذلك، سيحلم الواهمون أن بياناتهم ستجلب الحل الذي سيأتي بمجرد إعلان نياتهم الطيبة، التي ستجعلهم في غنىً عن تغيير أوضاعهم، وهذه يعرفون أنها شديدة الهشاشة، لكنهم يتمسكون بها، خشية أن تنهار تماماً. يخال هؤلاء المساكين أنهم ما إن يطلقوا تعويذاتهم وتعزيماتهم السلمية، ويقبلوا مرحلة الانتقال، حتى يسارع العالم، بما فيه روسيا وبعد شيء من التردد إيران، إلى الترحيب برغبتهم في الحل، وإيصالهم إلى السلطة، لا لشيءٍ إلا لأنهم ديمقراطيون ومسالمون، ومحبون للقانون والعدالة والمساواة، و... بلهاء وسذّج!

======================

السوريون في القفص! .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 21/6/2015

ليس من باب المبالغة القول، إن السنوات القليلة الماضية غيّرت علاقات السوريين مع العالم وعبره. بل يمكن القول، إن العلاقة تبدّلت بصورة جوهرية وعميقة، وستظل آثارها سنوات طويلة، تمتد إلى إعادة تطبيع حياة السوريين بعد كل ما أصابها من تغييرات وتبدلات، سواء كانت واقعية، كما في موضوع لجوئهم وتهجيرهم، أو افتراضية على نحو ما يمكن أن يوسم فيه السوريون باحتمال ضلوعهم بـ«الإرهاب» و«التطرف» و«الخطر».

بطبيعة الحال، لم يكن السوريون مسؤولين عن هذه التغييرات، لأنهم شعب خرج يطالب بالحرية والتغيير في وجه نظام قاتل ومستبد وفاسد، استمر عقودًا جاثمًا على صدورهم، ومتحكمًا في تفاصيل حياتهم، التي تم تدميرها بصورة ممنهجة ومنظمة لاستمرار منظومة حكم عائلية وباغية. فهم في ذلك لم يكونوا خارج حق الإنسان في السعي إلى حياة أفضل ومستقبل أحسن، ينسجم مع هموم وطموحات إنسان القرن الحادي والعشرين، وقيم الحرية والعدالة المطروحة في الثقافة والسياسة والاجتماع البشري المعاصر.

ولا كانت التغييرات نتيجة نزوع الآخرين من شعوب وحكومات إلى تغيير قواعد العلاقة مع السوريين. فأغلب الآخرين نظموا علاقاتهم مع السوريين وغيرهم على قواعد مصلحية، لا تتنافى مع الطابع العام لروح العصر والعالم النابعة من وحدة القيم الإنسانية في التعاون والتكافل واحترام حقوق الإنسان على نحو ما أقرت أغلب الشعوب في دساتيرها، أو في الحدود الدنيا على نحو ما تفعل أغلب الحكومات.

وسط الوضع الطبيعي، تغيّرت علاقة السوريين بالعالم، وتحولت أغلبية السوريين لتصير في قفص الحذر والشك والاتهام، استنادًا إلى تغييرات طرأت على واقع السوريين من جهة، والتأثيرات التي حملتها تطورات الأحداث السورية على الآخرين من شعوب وحكومات من جهة أخرى.

نظام الاستبداد والفساد الحاكم في دمشق أطلق حلاً أمنيًا عسكريًا في مواجهة ثورة السوريين على واقعهم ومطالباتهم السلمية العادلة، وأطلق وحشيته في وجوههم قتلاً واعتقالاً وتدميرًا وتهجيرًا، وسط اتهامهم بـ«الإرهاب» والارتباط بـ«أجندات خارجية». فتحول بعضهم للدفاع المسلح عن النفس بعد أشهر من نضال سلمي، فزاد النظام إلى سياسته مسارات جديدة، بدأت بإطلاق رموز عصابات التطرف والإرهاب من عناصر «القاعدة» وأخواتها المحتجزين في سجونه، وفتح أبواب البلاد لتدفق المتطرفين، ليشكلوا عصابات للتطرف والإرهاب في سوريا، بهدف المساعدة على إشاعة القتل والتطرف الذي كان قد فتح أبوابه على أوسع نطاق، ثم زاد على ما تقدم، أن استدعى ميليشيات حزب الله اللبناني وأخرى من بلدان متعددة للقتال معه ضد السوريين ولإخضاعهم، وهو ما فتح أبواب التدخلات الخارجية من كل الأطراف والألوان في الواقع السوري، فاختلط الحابل بالنابل.

وسط تلك التطورات، اندفعت موجات السوريين هربًا من القتل والاعتقال والدمار ومن الحصار والجوع والمرض بحثًا عن ملاذ آمن وعن فرص للحياة والعيش الكريم بعد أن فقد أغلبها قدراته وإمكانياته وشروطه الذاتية والموضوعية، مهاجرًا ولاجئًا واضعًا العالم بمؤسساته ودوله وشعوبه أمام الحقائق الجديدة التي صار إليها أغلب السوريين في امتحان جدي لقيم العالم المعاصر عن الحرية والكرامة وحقوق الإنسان والتآزر الإنساني في وجه الوحشية والقتل والدمار.

بلدان الجوار السوري ضاقت بالوافدين واللاجئين بسبب ظروفها وقلة إمكانياتها، ومحدودية مساعدة المجتمع الدولي في الإغاثة وتلبية الاحتياجات الأساسية للمهجرين واللاجئين، فأظهرت ضيقها، قبل أن تعمد للحد من قدراتهم على الوصول إليها خلافًا للقانون الدولي وقيم المساعدة وواجب الحماية، والدول الأبعد، تحفظت على وصول السوريين إليها، سواء بقصد الإقامة أو اللجوء، والمنظمات الدولية أخذت تكرر شكاواها من نقص الإمكانيات والعجز عن المساعدة. وبعض الشعوب، سواء بسبب ظروفها وشروط حياتها الصعبة، كما هو حال أغلب شعوب الجوار السوري، أو بسبب ظروفها ومخاوفها الواقعية أو الافتراضية، قصرت في دعم ومساندة الحال السوري الجديد واستيعاب ضروراته واحتياجاته، كما عجز الجميع عن إيجاد حل ما للقضية السورية.

السوري اليوم وبفعل تطورات قضيته، التي دفعها النظام إلى نهاياتها قتلاً وتدميرًا وتهجيرًا، صار عيبًا إنسانيًا وأخلاقيًا وسياسيًا في واقع العالم المعاصر، صار إنسانًا في قفص. كثير من السوريين انتهت صلاحيات وثائق سفرهم، فأجبروا على البقاء، حيث هم وسط ظروف صعبة، ولا يستطيعون تسجيل وقائع حياتهم الاجتماعية من زواج وولادة ووفاة، ولا يستطيعون الحصول على تأشيرة دخول أو إقامة ولا زيارة ولا لجوء إلى أغلب بلدان العالم، والقلة المحدودة منهم، التي ما زالت تستطيع التحرك في العالم، هي موضع حذر وارتياب وشك واتهام في معابر الدول، التي سرعان ما يتوقف موظفوها عن شغلهم الطبيعي، عند رؤية وثيقة السفر السورية، ويشيرون لصاحبها بالانتظار، فثمة شك في الوثيقة إذا كانت مزورة، أو أن التأشيرة غير صحيحة، أو باعتبار صاحبها مبعدًا أو مطلوبًا، أو حاملاً لأشياء ممنوعة، وقد يكون إرهابيًا.. ولأنه واحد من هؤلاء أو من غيرهم، ينبغي أن يكون في قفص. نعم السوري اليوم شخص في قفص العالم!

======================

المعارضة السورية ومؤتمر الرياض .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 21/6/2015

المعارضة السورية ومؤتمر الرياض منذ أكثر من شهرين طرحت السعودية فكرة عقد مؤتمر للمعارضة السورية في الرياض يكون ساحةً لجمع ماأمكن من صفوفها، وصياغة رؤية سياسية تقدمها المعارضة فيما يخص تطورات الثورة السورية الميدانية والسياسية، والأهم من هذا، تصور المعارضة للفترات القادمة شاملاً مرحلة إسقاط الأسد ونظامه والمرحلة الانتقالية ومابعد ذلك..

تأجل المؤتمر المذكور، وليس له الآن تاريخ محدد. ولئن كثرت الأقوال والتفسيرات بهذا الخصوص إلا أنها بعيدةٌ عن حقيقة الأمر.

فمن ناحية، ارتأت القيادة السعودية أن تُعطي المؤتمر المذكور زخماً أكبر على المستوى السياسي الإقليمي والدولي. من هنا، انتقل الحديث الرسمي المُعلن عنها إلى وقت انعقاد القمة الخليجية التي سبقت اللقاء مع الإدارة الأمريكية.

ففي كلمة افتتاح القمة المذكورة، أوضح الملك سلمان بن عبد العزيز بشكلٍ صريحٍ ومباشر أنه لامكان لبشار الأسد حتى في المرحلة الانتقالية. وفي ختام القمة، جاء الإعلان عن عقد المؤتمر على شكل قرارٍ رسمي من قرارات القمة الخليجية. وكان هدف لقاء الرياض المُنتظر مُحدداً بوضوح في صيغة البيان الذي ذكر أنه يتمثل في «رسم ملامح مرحلة مابعد الأسد».

كان الهدف من الإخراج يتمثل أولاً في إرسال رسالةٍ واضحة حول طبيعة القرار المتعلق برحيل الأسد، وبأنه بات أحد (ثوابت) الرؤية الاستراتيجية السعودية للمرحلة القادمة غير القابلة للتفاوض. وهذه رسالةٌ لجميع الأطراف ذات العلاقة الإقليمية والدولية لتأخذ علماً بها، فإذا ماكان ثمة حراك سياسي ومفاوضات، فكلها حول الآليات والتوازنات الأخرى المتعلقة بالشأن السوري بعيداً عن المساس بالثابت المذكور. ثم إن الهدف الآخر لإخراج قرار مؤتمر المعارضة في القمة تمثل في التأكيد على كونه لايتعلقُ بالسعودية وحدها، رغم قيادتها للعملية، وإنما في وجود الزخم الخليجي وراءها كحاملٍ إقليمي، وبشكلٍ يُلغي التشويش الذي ساد في المرحلة السابقة حول تفاوت مواقف الأطراف الخليجية من المسألة.

إلى هذا، جاء حضور الرئيس الفرنسي للقمة الخليجية، بمداولاتها وقراراتها ليُضيف رمزيةً سياسيةً مقصودة. فإذا أضفنا التنسيق المستمر القائم مع تركيا على مختلف المستويات فيما يتعلق بالملف السوري، ندرك خلفيات الترتيبات الدقيقة التي تقوم بها السعودية في هذا المجال.

يجب التوضيح هنا، وبقوة، أن المملكة لاتريد لهذا اللقاء أن يكون (مؤتمراً آخر) للمعارضة السورية، وإنما يجب أن يكون (المؤتمر)، بأل التعريف، الذي يضع تصوراً شاملاً، ليس فقط لكل عناصر المرحلة الانتقالية دستورياً وسياسياً وإدارياً وأمنياً واجتماعياً، بل وأكثر من ذلك، لعناصر وشروط الرؤية التي ستنقل سوريا وأهلها أيضاً من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة الاستقرار..هذا يتضمن أخذ وضع الجغرافيا السياسية لسوريا بعين الاعتبار.. من حيث رسم موازنات دقيقة تستجيب لخصوصية ذلك الوضع، إن لجهة التعامل مع القوى الدولية والإقليمية الداعمة لبشار، أو الخائفة من رحيله.. أو لجهة الترتيبات الداخلية المتعلقة بشرائح الشعب السوري ومكوناته..

يبقى في النهاية مسارٌ حساس يتعلق بتحضيرات المعارضة السياسية السورية للقاء. وهذه لاتزال (الخاصرة الطرية) للمشروع كما يشيع في أوساط تتابعه.. فقد كان مُعبراً لأصحاب العلاقة، مثلاً، أن يُسارع بعض أعضاء المعارضة لتقديم أوراق فردية تتعلق بالرؤية المطلوبة من (السوريين)، وبشكلٍ ظهر فيه، ليس فقط قصورُها الفاضح، بل والتنافس (الشخصي) المُعيب في مثل هذا المقام.. ولتجاوز هذه الممارسة يبدو أن الوقت آن لجهدٍ مؤسسي، بسيناريوهات مختلفة قيد الدراسة والتداول، يُلزم أطراف المعارضة بتقديم رؤية (سوريةٍ) واحدة وموحَّدة.

مؤتمر المعارضة السورية في الرياض مفصلٌ رئيسٌ في تاريخ سوريا وثورتها ودولتها القادمة. لكنه لن يُعقدَ إلا بتهيئة أسباب نجاحه. وفي حين أن السعوديين وغيرهم يعملون على ذلك، يبدو بعض السوريين، حتى الآن، العائق الحقيقي في وجه ذلك.

======================

حسن نصر الله من وحل سورية إلى كهوف اليمن؟ .. الطاهر إبراهيم

الحياة

 السبت 20-6-2015

تناقلت الأنباء خبر سقوط أول قتيل من حزب الله اللبناني في اليمن. الحزب في عقيدته الباطنية كل مرة كان يترك الباب موارباً، فلا يصدق ولا يكذب. لكن تعليقات أمينه العام حسن نصر الله وهجومه على «عاصفة الحزم» التي بدأتها السعودية ضد الحوثيين باليمن، وقوله إن السعودية ستخسر الحرب، إنما يشن حرباً ضدها، وهو ما يشير إلى أنه كان يفكر جدياً في دخول المعركة إلى جانب الحوثيين في اليمن.

بعيداً عن قراءة المحللين عما إن كان سينقل تدخله من سورية لليمن، يعيش نصر الله أوضاعاً نفسية غير مستقرة، ليست كالتي عاشها عند دخوله الحرب إلى جانب بشار أسد. كان حزب الله يقاتل بأسلحة متقدمة تؤمن تفوقه. أما أسلحة الجيش الحر فكان يكسبها من النظام. ويومها كانت ساحة الحرب هي القصير قرب حدود لبنان وما حولها. لكن حسن نصر الله يعيش اليوم تغيراً في الساحات التي يحارب فيها الحزب: من حلب وريفها شمالاً مروراً بإدلب ووصولاً إلى القلمون وإلى جبل الشيخ والقنيطرة ومعسكرات درعا، وكلها شهدت انحساراً لحزب الله فيها بعد أن تعفر ترابها بدماء قادة هذا الحزب وعناصره.

ولمن يتابع إطلالات حسن نصر الله منذ ما قبل الدخول إلى سورية وأثناء اجتياحه الأراضي السورية، يشعر اليوم بانكفاء في حديثه؛ فبعد التغني بانتصاراته ما عادت إلا خيالات إنسان لا يرى أبعد من أنفه، على الأخص حين يزعم أن «سقوط قرية أو مدينة لا يشكل تحولاً جذرياً في مسار الحرب»، (في حديثه إلى الإخبارية السورية يوم 6-4-2015). وإلا، فإن اعتباره تحرير مدينة «إدلب» لا يشكل تحولاً جذرياً، فهو مثل من يضع غربالاً على عينيه ثم يزعم أنه لا يرى أمامه شيئاً. وعندما ترى إنساناً في لباس العلماء وفي هيئة الزعماء ويعلق على حديث رجل دولة مثل سعود الفيصل الذي يزن كلامه بميزان الحقائق، فيلجأ إلى تكذيبه وتسفيه مقولاته، عندئذ ستحكم أن نصر الله يتكلم كأولاد الشوارع.

لو عدنا إلى تحرير مدينة إدلب ولست غريباً عنها فأنا ابنها، وقسنا هذا التحرير بميزان العمل العسكري سنجد أن الاستراتيجيين في مراكز الدراسات العالمية أكدوا أن مصير حلب المدينة، الكبيرة في الشمال السوري (عشت بها ردحاً من الزمن)، صار تحت رحمة قبضة المقاتلين السوريين وإن تحريرها أصبح مسألة وقت. على أن تحرير إدلب لم يأت عفو الخاطر. سبقتها هزائم في جيش بشار الانكشاري وفلول حسن نصر الله في القلمون وفي الجولان وفي درعا، بل في عقر دمشق التي أحاطتها قوات الجيش الحر إحاطة السوار بالمعصم.

اهتمام حسن نصر الله اليوم فيما يجري في اليمن ينبع من أنه أصبح لا يستطيع تبرير هزائمه أمام قاعدته في الضاحية الجنوبية التي خدعها عندما دخل سورية، وقال إن أبناءها ذاهبون في نزهة ثم يعودون وعلى رؤوسهم أكاليل الغار. لكن النزهة أصبحت كوابيس يتخللها حفلات تأبين توضع فيها أكاليل الغار، لكن فوق توابيت أبنائهم. استطراداً، تعودت طهران أن تفبرك المؤامرات وتسقط العواصم العربية واحدة بعد أخرى، ولا يتحرك في وجه هذا الاستهتار الإيراني أحد. عندما دفعت طهران عبدالملك الحوثي نحو صنعاء توقعت أن يدخل صنعاء فاتحاً ولا يعوقه أحد. لكن «عاصفة الحزم» قلبت حسابات إيران رأساً على عقب، جعلت مرشد إيران علي خامنئي يشن هجوماً كاسحاً ضد تحالف عاصفة الحزم قائلاً: «إن التحالف لن يخرج منتصراً من الحرب في اليمن».

حسن نصر الله أراد أن يركب الموجة بعد أن بدأت أقدامه تغوص في وحل سورية. بشار بعد تململ بجبل العلويين من سياساته الخاطئة المميتة، وجدنا حليفه حسن نصر الله «طفل خامنئي المدلل» يفكر في مخرج له من الوحل السوري.

في حديثه إلى الإخبارية السورية اتهم نصر الله السعودية: «أنها تريد استعادة الهيمنة على اليمن». لو وضعنا هذا الكلام في سياق هجوم خامنئي على السعودية، نكاد نجزم بأن هناك انخراطاً لحزب الله في اليمن مثلما كان الأمر في سورية، لكن كيف؟ في هذا الصدد يتوقع مراقبون أن تحاول طهران تحريك مجموعات نائمة في مناطق رخوة في الخليج قد يوكل أمرها إلى حسن نصر الله الذي تخصص في بث الفتن في الأراضي العربية. ويتوقع حسن نصر الله أن تحرك السعودية قواتها البرية باتجاه اليمن؛ لكي تغوص أكثر في عمق تضاريسه الطبيعية والبشرية. الحريصون على أمن السعودية يستبعدون هذا السيناريو؛ لأنه منزلق خطر. وتبقى أن عاصفة الحزم تؤمن للسعودية مجالاً للمناورة من الجو تستطيع منه أن تتكيف بما تراه مناسباً، وتحاول أن تمهد الأرض للمقاتلين اليمنيين الذين يتابعون ضربات العاصفة في تدمير أسلحة الحوثيين وأسلحة علي عبدالله صالح، مبتعدة عما وقع فيه غيرها عندما دخل اليمن محارباً.

* كاتب سوري

======================

إبادة شعب بين غفلة أمة وتآمر دولي !؟ إلى من يهمه الأمر ! وهو غير مهتم له !؟ .. يحيى حاج يحيى

إلى المسلمين أولا ً : هدم نظام بشار آسد (٢٠٠٠) مسجد في سورية تفجيراً وقصفاً حتى الآن !؟

وإلى المسيحيين في العالم : أصبحت أربعون كنيسة ركاماً ، وللذكرى هدم النظام عام ١٩٨٢ في مذبحة حماة أربع كنائس وثمانين مسجداً !؟

وإلى المنظمات التي تعتني بالتعليم ، فجّر النظام الفاجر (٣٨٠٠ ) مدرسة ، وهناك أكثر من مليوني طفل سوري خارج التعليم !؟

وإلى المنظمات التي تعتني بالصحة : هدم جيش التخلف الطائفي نصف المستشفيات ، ومعظم المراكز الصحية في سورية !؟ وقتل عدداً كبيراً من الأطباء والممرضين والكوادر الطبية !؟

وإلى الحقوقيين الأحرار والقضاة الشرفاء ، مع استمرار قمع الحريات ، فقد أقدمت  عصابة البعث الطائفي على قتل وسجن وتصفية عشرات العشرات من المحامين ، ويزيد عدد المفقودين منهم على (٣٨٠ ) محامياً !؟

وإلى المهتمين بحقوق الإنسان ، بلغ عدد ضحايا الإجرام تحت القصف والراجمات وغارات الطيران والقنابل بأنواعها (٢٨٠ ) ألف شهيد !؟

وإلى المهتمين بحقوق المرأة والطفل مايزال عدد القتلى على يد عصابة النظام في ازدياد ، وقد وصل إلى  (٣٥ ) ألف امرأة وطفل !؟

وإلى المهتمين برعاية الطفولة ، تجاوز عدد الأيتام عشرات الآلاف !؟ وقسم كبير منهم لايجدون الحد الأدنى من الرعاية !؟ 

و ليس أخيراً : إلى أهل النخوة والحمية من العرب والمسلمين ، وإلى المدافعين عن كرامة المرأة ، وصلت حالات الاغتصاب التي صارت جزءاً من سياسة النظام النصيري المتعفن في قمع الشعب السوري إلى (٨٠٠٠) حالة   ،مع الأخذ بعين الاعتبار أننا في مجتمع شرقي يعتبر التبليغ عن ذلك فضيحة ، فهناك حالات خطف واغتصاب مسكوت عنها !؟  

*** معظم هذه الأرقام ذكرها الأستاذ الحقوقي هيثم المالح في مقابلة مع صحيفة الشرق الأوسط

============================

رجالات سورية : أبو الدستور السوري وفتى الشام فوزي الغزي .. محمد فاروق الإمام

https://encrypted-tbn0.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcTp0c0_-o5ZeKCUn5svtje4D1WalHbmtBy710FOLC5A8NogDUn0

ولد أبو الدستور السوري وفتى الشــام فوزي الغزي في دمشق سنة 1891 ودرس فيها، ثم التحق بالمعهد الملكي العالي باسطنبول لدراسة الحقوق.

كان ضابطا في الجيش العثماني في الحرب العالمية الأولى.حارب في القفقاس والعراق حيث أصيب في أذنه. اختارته حكومة الملك فيصل قائم مقام راشيا، وحاصبيا على التوالي. ثم عين أمينا لسر وزارة الداخلية. بعد الاحتلال الفرنسي لسورية عمل في المحاماة.

درس القانون الدولي في معهد الحقوق في دمشق، واعتقل مع فارس الخوري وإحسان الشريف في آب 1925في قلعة أرواد. نفي إلى الحسكة مع سعد الله الجابري ووزراء حكومة (الداماد أحمد نامي بيك (فارس الخوري وحسني البرازي ولطفي الحفار، ونفي إلى لبنان. انتخب نائبا عن دمشق في 24 نيسان 1928,مع إحسان الشريف، ولطفي الحفار وفخري البارودي، وفوزي البكري، وفايز الخوري وتاج الدين الحسني وعبد القادر الخطيب، وأحمد اللحام، وسعيد الغزي وزكي الخطيب.

فاز بأمانة سر المجلس المنعقد مع فتح الله أسيون. شكلت لجنة لكتابة دستور البلاد برئاسة إبراهيم هنانو، كان الغزي عضوا مقررا فيها. ويعود الفضل له ولفايز الخوري في كتابة دستور البلاد.يقال أنه أتم الدستور بخمسة عشر يوما.وافقت الجمعية على مسودة الدستور المؤلف من 115 مادة.وقال الغزي:"صرح غير واحد من رجال فرنسا الأحرار الذين تتبعوا خطوات الجمعية التأسيسية خطوة خطوة، وقرأوا محاضر جلساتها وتصفحوا أقوال خطبائها,أخص بالذكر منهم المستشرق المعروف المسيو ماسنيون: "إن هذه الجمعية لم تكن أقل ثقافة وخبرة من مثيلاتها في البلاد المتمدنة الحديثة العهد في حياتها النيابية" واعترض المندوب السامي الفرنسي المسيو بيسو على ست مواد (2- 73-74-75-110-112).

وتبين من المواد الست المعترض عليها والتي كانت مصدر الخلاف.مباهاة ذلك الدستور لأعظم دساتير الدول فيما يخص سيادة الدولة ووحدة ترابها " البلاد السورية المنفصلة عن الدولة العثمانية وحدة سياسية لا تتجزأ. ولا عبرة بكل تجزئة طرأت عليها بعد نهاية الحرب العالمية". (المادة2), وتنظيم جيشها (المادة 110). وحق رئيس الجمهورية عقد المعاهدات وإبرامها والعودة إلى المجلس عند"المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلق بسلامة البلاد أو بمالية الدولة أو المعاهدات التجارية أو سائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة بعد سنة"(المادة 74). كما يخفف الدستور من صلاحيات رئيس الجمهورية من الناحية الأمنية وخصوصا فيما يتعلق بالأحكام العرفية فنصت المادة 112"لرئيس الجمهورية أن يعلن بناء على اقتراح الوزراء الأحكام العرفية في الأماكن التي تحدث فيها اضطرابات أو قلاقل. ويجب أن يعلم المجلس النيابي بإعلان الأحكام العرفية فورا. وإذا لم يكن المجلس مجتمعا فيدعى على وجه السرعة". تقيد المادة رئيس الجمهورية والوزراء وتربط مكان الأحكام في أماكن القلاقل فقط,وتبقى المسائل التي تتعلق بسلامة البلاد واتفاقياتها بيد المجلس.وقصر الدستور ولاية رئيس الجمهورية على خمس سنوات. "لا يجوز إعادة انتخابه مرة ثانية إلا بعد خمس سنوات من انقضاء رئاسته"حرصا على تداول السلطة.

أضاف المسيو بونسو المادة 116 "إن أحكام هذا الدستور هي غير مخالفة، ولا يجوز أن تخالف الواجبات التي اتخذتها فرنسا على نفسها فيما يختص بسوريا خاصة نحو جمعية الأمم. وهذه التحفظات تنطبق خاصة على المواد التي تمس الدفاع عن البلاد ومواد العلاقات الخارجية "من أجل النص الكامل للمواد الست والمادة 116 راجع منير المالكي,من ميسلون إلى الجلاء,وزارة الثقافة السورية1991.

قال الغزي: "لم تخرج الجمعية التأسيسية في كل اجتماعاتها ومذكراتها عن التقاليد البرلمانية، ولم تشذ في موقف من مواقفها عن القواعد النيابية المألوفة في العالم المتمدن" وخطب الغزي في نفس المداخلة عن العلاقة الفرنسية بالدستور"يرى الوطنيون أن الدستور عمل داخلي بحت وقانون ذو طرف واحد يقر سيادة الأمة ويحدد السلطات الوطنية ويبين شكل الحكومة وما يترتب على رجالها من واجبات ويضمن للأفراد والجماعات حريتها وحقوقها.

رفض الغزي التدخل بالدستور السوري، معتبرا الدساتير تثبت الحقوق وتدونها.والمعاهدات تقيدها وتحددها, الدستور أصل وأساس هنا,فالمعاهدات علاقات بين أطراف، برانية عن الدستور."فدستور العراق، وهو مؤلف من 123 مادة وموضوع في آذار 1925بعد المعاهدة الإنكليزية العراقية وليس فيه كلمة واحدة تشيرالى حقوق وواجبات الفريقين. وهذا دستور مصر، والكلام مازال للغزي, وهو مؤلف من 170 مادة وموضوع في 19 نيسان 1922 ,.... فكما إن دستوري العراق ومصر لم يبطلا المعاهدات والتحفظات التي سبقتاه، كذلك الدستور السوري لا يعقل أن يغير شيئا في أوضاع البلاد الخارجية، ولا عبرة لتقدم المعاهدة على الدستور أو تأخرها, فالمعاهدات أشد تأثرا وأقوى مفعولا من الدساتير.

رفضت الجمعية التأسيسية الطلب الفرنسي القاضي بتعديل المواد الست.خطب بعض النواب خطبا حماسية,دعا رئيس الوزراء تاج الدين الحسني إلى التروي وتعديل المواد المطلوب تعديلها, لئلا يحصل سوء تفاهم بين الفرنسيين والوطنيين ونخسر كل شيء. رد عليه فخري البارودي واتهمه بمؤازرة الفرنسيين ليعينوه رئيسا للجمهورية.فترك الحسني المجلس وخرج. وكان قرار النواب بعدم تعديل أي شيء وإبلاغ المفوضية بذلك.ثم رفض المجتمعون المادة 116 وقرروا في 25 كانون الثاني 1929 تغيير مادتين من الدستور : -المادة الثانية لتصبح على الشكل التالي: "البلاد السورية وحدة سياسية لا تتجزأ وحقوق الاعتراض في التجزئة الحاضرة محفوظ" - إضافة مادة بعنوان أحكام مؤقتة ونصها : " أن أحكام المواد 73-74-75-110-110 تنفذ باتفاقات خاصة بين الحكومتين الفرنسية والسورية ريثما تعقد المعاهدة لتحديد العلاقات بين البلدين" علق الفرنسيون اجتماع الجمعية في 7 شباط 1929، ثم حلها في 5آب 1929.

كان الغزي على رأس لجنة الدستور، واستمر مدافعا عن الدستور مستعينا بثقافة دستورية قل نظيرها، مع رفاقه النواب الذين حملوا إجازة الحقوق. أغلب رجال الاستقلال السوريين كانوا يحملون إجازة في الحقوق والإدارة من اسطنبول. كما كان الدستور الفرنسي مرجعا بالنسبة للحريات واحترام الفرد. فساوى بين المواطنين حقوقا وواجبات، رغم أن البلد ما يزال يعيش في الحالة الإقطاعية. وكان الدستور واضحا في مبدأ فصل السلطات واستقلال القضاء.

ليس خفيا النضال الشبابي السوري لنيل الاستقلال ابتداء من الثورة السورية الكبرى ومرحلة النضال السياسي فيما بعد.لم يكن فوزي الغزي أصغر الأعضاء في الجمعية التأسيسية حيث انتخب عن 37 عاما ,فقد انتخب فخري البارودي عن 39عاما, وكان نقولا خانجي وسعيد الغزي أصغر أعضائها (موقع مجلس الشعب الإلكتروني – دراسات عن الانتخابات التشريعية/ المجلس التأسيسي 1928). وكان إحسان الشريف بعمر البارودي ومن معاصريهما سامي الميداني، يحيى الشماع. سامي البكري.

لم يكن خطاب مرحلة الاستقلال ديماغوجياً شعبويا، وليس السبب أن جل رجالات الحركة الوطنية كانوا من الإقطاع, على العكس فرجالات الاستقلال باعوا ضياعهم ومنازلهم.بل أن بعضهم مات مديونا كما حدث مع الزعيم إبراهيم هنانو. لو أراد أعضاء الكتلة الوطنية استخدام الفلاحين للانقلاب على سادتهم الإقطاع لفعلوها ولنجحوا ربما. لكنه سؤال يستحق البحث. في كلمة ألقاها فوزي الغزي في مدرسة في عاليه في لبنان : "سعداء أنتم معشر الشباب لأن الحياة أمامكم، إن جدل الحياة انتقل أيها الشباب من ميادين الحروب إلى مقاعد الدراسة, فالأمم الضعيفة في ثقافتها وعلومها ضعيفة في استقلالها, إن للشرق دائين : الجهل وضعف الوطنية، فكافحوا إذن أيها الشباب الجهل بالعلم، وضعف الوطنية بتربية صحيحة."من المعروف حض الخطاب النهضوي على العلم، واعتباره سبيل الخلاص من الجهل والمحن. لكن حسم الغزي جدل الحياة لصالح العلم هو ما نراه تقدما على الرؤية الإصلاحية التي لا تنفك تلازم بين الخيارين (الأمة القوية قوية بجيشها وعلمها). فالأمة المستعمَرة بلا جيش وبلا علم. الخلاص من المستعمر يتوجب دحر جيشه. ليكون العلم نتيجة هَزم المستعمِر. رأي الغزي هنا واضح، ضعف الثقافة والعلم سيضعفان الاستقلال. تحصين البلد بالعلم سيحمي استقلال البلد. وهذه الرؤية رؤية حداثية لتكوين الفرد والدولة والتي ما زالت غائبة عنا أفرادا وأنظمة مهيمنة. والغريب أن مديح القوة هذا هو الذي أنتج طغما عسكرية. ومع ذلك مازلنا متمسكين بمقلوب الصورة. في حين عدله الغزي قبل ثلاثة أرباع القرن من الزمن ورآه صحيحا في زمن غياب الاستقلال وكثرة التحديات.

في يوم الخميس الواقع في 4 تموز من عام 1929 م قصد الزعيم الوطني الكبير فوزي الغزي وزوجته لطفيه وولديه دلال وخلدون مزرعة شقيقه لقضاء عطله نهاية الأسبوع، وفي صباح اليوم التالي ( الجمعة 5 تموز 1929 م ) استيقظ فوزي الغزي وزوجته، وأثناء تناوله لفنجان القهوة شعر بآلام فطلب من زوجته برشامة دواء، فتناولت الزوجة لطفيه البرشامة من محفظتها وأعطتها لزوجها، وبعد دقائق معدودة أسلم الروح لباريها، وقيل حينها أنه توفي بالسكتة القلبية، وفي اليوم التالي (السبت 6 تموز 1929 م) شيعت دمشق بمشاركة المدن السورية والعديد من البلدان العربية ابنها البار، ولكن لم تمض أيام معدودة وبعد دفن جثمان الغزي في مقبرة الدحداح، أخرجت الجثة وشرحت وتبين ان الوفاة بفعل فاعل، فكانت زوجته لطفيه وأقرباء زوجها منير ووجيه ورضا الغزي شركاء في جريمة القتل.!؟ وصدرت الأحكام القاسية بحقهم لكن المستعمر الفرنسي خففها.!؟ لعل مقتل الزعيم الوطني الكبير فوزي الغزي يوم 5 تموز من عام 1929 م كان ولم يزل لغزا عصيا عن الحل.؟ هل كان ضحية موقفه الوطني الصلب.؟ أو كان ضحية لاجتماع أهل دمشق حوله خاصة وأنه كان موضع إعجاب الجيل الشاب ( شبابا وصبايا ) وهذا لم يرق للمستعمر الفرنسي.؟ أو هو ضحية مباشره لوضعه دستور سوريه عام 1928 م ورفضه وعناده على اعتراضات المندوب السامي الفرنسي لإلغاء عدد من مواده.؟ أو هو كما اشتهر عن حكاية اغتياله أنه كان ضحية مؤامرة غير أخلاقية .؟ أسئلة كثيرة طرحت ولم تزل تطرح منذ أكثر من ثمانين عاما ولم يكن هنالك جواب كاف كاشف. أدلى بدلوه في مسيره حكاية اغتيال الزعيم الوطني فوزي الغزي، الرئيس والوزير والزعماء الوطنين والكتاب والصحفيون ولم تزل هنالك حلقه مفقودة بين الحقيقة والواقع.!؟ فهل هذه الحكاية هي الجريمة الكاملة أو هنالك تقصير وإهمال في تصحيح مسيره حياة رجالاتنا فجعل منها هذا اللغز.!؟

انتشر خبر وفاة الغزي في البلاد السورية مساء الخامس من تموز عام 1929 وفي صباح يوم 6 تموز قامت دمشق عن بكرة أبيها تودع فتاها الذي كان نتيجة مؤامرة دنيئة لم تحلّ خيوطها حتى الآن..؟ وكان ضحيتها زوجته لطفية اليافي وثلاثة من أولاد عمومته هم: وجيه الغزي – رضا الغزي – منير الغزي.

=========================

حقائق في وثائق : خلفيات استيلاء النصيريين على الحكم في سورية !؟ .. يحيى حاج يحيى

خرافات النصيريين وأوهامهم تتحول إلى أحلام يقظة ، ثم إلى  برامج عمل للاستيلاء على سورية !؟

يتحدث أبو الهيثم ( والغالب أنه الكاتب السوري محمد المجذوب ) في كتابه : الإسلام في مواجهة الباطنية !فيقول :

كنت مع الوفد الذي ذهب إلى دمشق مع الشيخ صالح العلي وآل المحمود عام ١٩٣٦ لاستقبال وفد المفاوضات العائد من باريس ، وفي طريقنا من فندق الأندلس لزيارة سلطان الأطرش في فندق فيصل بالسنجقدار  . وقف الشيخ صالح وسط ساحة المرجة ، وجعل يدير عينيه في تلك الأرجاء ! ثم التفت إليّ يقول : أي فلان .. هذا اليلد سنحكمه نحن العلويين ذات يوم !؟

قلت : لو أوضحت  ماتريد ؟

قال : ذلك مايقرره الجفر !

ويضيف الكاتب : وكانت كلمة كشفتْ أسراراً .. فعلى أنباء الجفر يستند قادة الفكر الديني في أوساط القوم !؟وليس من المعقول أن يستقل الشيخ صالح بهذه النظرة إلى المستقبل ، الذي يتراءى له من خلال تلك الورقات المقدسة .. بل لا بد أن يشركه فيها الآخرون من أمثاله .. وهذا مايجعلنا نتصور أن فكرة الاستيلاء على الحكم في ديار الشام لا تقل عن كونها أحد الحوافز العميقة التي حملتهم إلى قمة السلطة ، فهي فضلاً عما وراءها من دوافع الصراع السياسي إنما هي - في ظل هذه الرؤية - حركة صادرة من منطلق العقيدة الدينية .. أي أنها حركة تلتقي مع التطلعات التي خُططت - منذ ألفي عام - لقيام دولة إسرائيل .. ومع ذلك ماكان الشيخ صالح ليرى يومئذ داعياً لكتمانها عني كما تقتضي بذلك موجبات التقِيّة التي بعتبرونها

وجاء في  كتاب الحركات القومية في ميزان الإسلام للدكتو منير محمد الغضبان نقلا ًعن كتاب ، البعث لسامي الجندي ( وهو أحد البعثيين القلائل الذين انتبهوا إلى المؤامرة الحقيرة التي يديرها هؤلاء )

يقول الجندي : سألني مرة صلاح جديد : كيف نعالج القضية الطائفية ؟

قلت : بحلول ثورية !

قال :كيف ؟

قلت : أصبحت هذه المشكلة سياسية أولا ً ، ولكنها تتعقد يوماً بعد يوم ، وستصبح قضية اجتماعية ، وستعرض البلاد للخطر ، وأفضل أن تعودوا للمشروع الذي بدأه الجيل المثقف الذي سبقكم

قال : ماهو ؟

قلت نشر الكتب السرية .

فالطوائف الأخرى تسيء الظن بكم ، وتذهب إلى أنكم جمعية ،!؟يجب أن تبدؤوا بالحلول من جذورها ، وأنا موقن أن ليس في كتبكم ما يخشى من نشره ، فقد حدثني عنها بعض شبابكم ، وأعتقد مما أعلم أن فيها كثيراً من الفكر والشعر ، وأنا مؤمن أنكم غير متعصبين ، وقد خاض شبابكم كل معارك النضال ، فلا تتركوا مجالا ً للشك بنياتكم ، لقد بات ذلك خطيراً عليكم وعلى الوطن !( وأظن أن الجندي كان يقول ذلك من باب التشجيع لعله يخرجهم من قوقعتهم )

قال ( أي) صلاح جديد : لو فعلنا لسحقنا المشايخ !؟

أجبت : ثوري وتخاف المشايخ ! كيف إذن تتعرض للمشكلات الكبرى ، تقارع الاستعمار وتجبن أمامهم (!؟ )

وختتم الجندي بالقول : لم يحر جواباً ، بدا عليه التفكير ، وبدأت منذئذ مشاكلي مع الحكم ، وعلمت فيما بعد أنه يدفع الزكاة للمشايخ ( في الطائفة النصيرية ) ويتقرب إليهم !؟

**** وبعد ماذا يقول الذين مايزالون يجرون عربة الطائفية النتنة ، وعليها شعار البعث المهترئ ، وهي تدوس الحرث والنسل !؟

 إن مسؤوليتهم عندالله ، لاتعفيهم من المحاسبة أمام الشعب السوري ، وقد اقترب ذلك اليوم أيها البلهاء !؟

*** الجفر : كتاب زور وبهتان وشعوذة وادعاء علم غيب ، ذُكرت فيه أمور غيبية مستقبلية ، مِن تغير دول ووقوع حروب وكوارث وغير ذلك ، يتوارثونه جيلا ًبعد جيل !؟ ينسبه الروافض تارة إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وتارة لجعفر بن محمد الصادق رحمه الله { منقول من موقع الشيخ محمد صالح المنجد حفظه الله}

=======================

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com