العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 28-02-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

مثل مصير سورية .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 25-2-2016

بات مثال سورية تكرّره نظم عربية حاكمة، للقول إن كل تمرُّد للشعوب سوف يفضي إلى ما وصل إليه الشعب السوري من قتل وتدمير وتشريد وانهيار اقتصادي ومجاعة. وذلك بغرض تنبيه الشعوب كي لا تتمرَّد، وأن تقبل الوضع الذي هي فيه، وربما وضعاً أسوأ، نتيجة حاجة الطبقة المسيطرة لزيادة النهب.

لكن، مَنْ أوصل الوضع السوري إلى هذه الحال؟ "مزاجية" الشعب، وتأففه، وميله إلى التمرّد العشوائي، أم أن الأمر يتعلق بالوضع الذي بات ينحكم إليه، بعد أن بات عاجزاً عن العيش نتيجة النهب المريع الذي مورس عقوداً من سيطرة طبقة مافياوية، ومن سياسة ليبرالية أفقرت الكتلة الأكبر؟

مجمل السياسات الاقتصادية التي جرى اتباعها منذ "الخصخصة"، وتعميم اللبرلة خدمة لمصالح طبقة رأسمالية محلية، والطغم الرأسمالية العالمية، هي التي فرضت انهيار الصناعة والزراعة والتعليم والصحة والبنية التحتية، لمصلحة اقتصاد ريعي قائم على الخدمات والاستيراد والسياحة والعقارات والبورصة، وهو الاقتصاد الذي بات يهم تلك الطغم وهذه المافيات. وهو الأمر الذي أفضى إلى إفقار كتلة كبيرة من الشعب، وإلى زيادة كبيرة في نسبة العاطلين عن العمل، وبالتالي، إلى انهيار التعليم والصحة والبنية التحتية، حيث لم تعد الدولة الممثلة لتلك الطبقة معنية بالصرف على هذه القطاعات الحيوية للشعب، من أجل أن تذهب ميزانية الدولة إلى تسديد فوائد الديون وأقساطها.

إذن، السلطة، كممثلة للطبقة المسيطرة مافياوية الطابع، هي التي أفضت إلى هذه الحالة من سوء العيش للكتلة الأكبر من الشعب. إنها المسؤولة عن هذه الوضعية التي بات يعيشها الشعب، والتي دفعته إلى التمرّد. لقد نهبت هذه الطبقة الاقتصاد، وأكملت دولتها النهب عبر الضرائب المتصاعدة والتخلي عن دورها الخدمي. وبهذا، بات الشعب يعيش في وضع مريع فرض تمرّده. هذا ما حدث في سورية. ولكن، كذلك في كل البلدان العربية، وفي دول الأطراف، وحتى في بلدان عربية رأسمالية، وهو الوضع الذي يفرض الثورة بالضرورة.

الآن، لماذا وصل الوضع السوري إلى ما وصل إليه؟ بالضبط، لأن النظام ردّ على تمرّد الشعب الذي كان سلمياً، بكل الوحشية. قرَّر أن يسحق الشعب الذي تمرّد، وأن يبيده إنْ لزم الأمر، وكان شعاره: الأسد أو لا أحد. لهذا واجه التظاهرات السلمية بالرصاص، ثم بتدخل الجيش والطائرات والصواريخ. وكذلك بتسهيل دخول "الجهاديين"، وفي تسليحهم وتعزيز نشاطهم ضد الشعب والثورة. وأخذ يحوّل الثورة إلى مجزرة. لقد قرَّر، منذ البدء، أن الخيار الوحيد الممكن لديه هو القتال إلى النهاية، دفاعاً عن وجوده، وعن نهب المافيا المسيطرة. ولم يقبل أيَّ تنازلٍ لمصلحة الشعب، لا في المجال السياسي حيث كانت المطالبة بالديمقراطية، أو في المجال الاقتصادي، حيث كان الشعب يريد المقدرة على العيش.

هذا الخيار الوحشي هو الذي أوصل الوضع السوري إلى ما وصل إليه، وسمح بتدخلاتٍ كثيرة، وبتسرّب "الجهادين"، وبكل ما نشاهد من قتل وتدمير وتشريد. لهذا، كل من يشير إلى ما وصل إليه الشعب السوري لا بد له أن يعرف أن قراره هو الذي يمكن أن يوصل إلى هذا الوضع، أي أن قرار النظم والطبقات المسيطرة بمواجهة الشعب بالعنف والوحشية هو الذي يوصل إلى وضعٍ يشابه الوضع السوري، فالشعوب، بعد أن نُهبت وأُفقرت وتهمشت، لم يعد أمامها خيار سوى الثورة، فهي أصلاً لم تعد تستطيع العيش. وبالتالي، إن ميل النظم لمواجهتها بالعنف والوحشية هو الأساس في الوصول إلى حالةٍ مشابهةٍ من القتل والتدمير والتشريد. النظم هي المسؤولة، وهي التي، من أجل الحفاظ على نهبها واستغلالها، تلجأ إلى الوحشية، لكي تبقى حاكمة ومسيطرة.

لكن، في كل الأحوال، لم يعد ممكناً للطبقات المسيطرة أن تستمر، تمرّدت الشعوب وهزّت كلية الوضع، وهو ما سوف يؤدي إلى سقوط النظم.

======================

عن فخ الهدنة الأمريكية ـ الروسية في سوريا .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 25-2-2016

يبدو نص الهدنة التي توافق عليها الأمريكيون والروس بشأن «وقف العمليات العدائية في سوريا»، للوهلة الأولى، متوازناً لا ينحاز إلى طرف على حساب الآخر، فهو يعامل النظام وحلفاءه، بمن فيهم الروس، على قدم المساواة مع المعارضة المسلحة، ويدخل وقف عمليات الطيران الروسي والأسدي ضمن شروط الهدنة المقترحة، الأمر الذي لا تمتلك المعارضة المسلحة ما يقابله. وكذا في ما يتعلق بوجوب عدم تحقيق أي من الطرفين أي تقدم على الأرض على حساب الطرف الآخر. وفي الشروط القائمة، حيث المعارضة في موقع دفاعي ضعيف على معظم جبهات القتال، وبخاصة في مدينة حلب وريفها الشمالي اللذين أنهكهما قصف الطيران الروسي الذي لم يوفر المستشفيات والمدارس والمناطق السكنية، تبدو الهدنة المقترحة، للوهلة الأولى، صفقة رابحة للمعارضة، وفرصة لالتقاط الأنفاس والحفاظ على المناطق التي ما زالت تسيطر عليها.

لكن التدقيق في الواقع الميداني المعقد من شأنه أن ينسف كل الإيجابيات المأمولة من هذه الخطوة. فالثغرة الرئيسية في هذه الهدنة، وفي القرار 2254 المؤسس لها، تبقى استثناء «داعش» و»جبهة النصرة» و»أي منظمات إرهابية أخرى يحددها مجلس الأمن»، كما ورد في النص الأمريكي ـ الروسي. هذا يعني، قبل كل شيء، محاولة لفصل مسارين داخل الصراع السوري هما: «التسوية السياسية» وفقاً لمسار فيينا، من جهة أولى، و»الحرب على الإرهاب» من جهة ثانية. وإذا كان الروسي يركز في عملياته العسكرية على ضرب المعارضة المسلحة والبيئة المدنية في المناطق المحررة بهدف تقوية النظام عسكرياً وإعادة تأهيله سياسياً وإفراغ المناطق المحررة من سكانها، فالأمريكي يلعب خارج هذا الإطار تماماً وتشكل «الحرب على داعش» البند الوحيد على جدول أعماله، على هزالة هذه الحرب كما أثبت ذلك خلال عام ونصف العام من بدء عمليات القصف الجوي على مواقع داعش في إطار التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن. الجهة الوحيدة التي استفادت، نسبياً، من الحرب الأمريكية على داعش إنما هي «وحدات حماية الشعب» (الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديموقراطي بقيادة صالح مسلم). فقد نجح هذا الحزب في صد هجوم داعش على كوباني، العام الماضي، وطرد داعش من تل أبيض والريف المحيط بها، ثم استولى على سد تشرين، بدعم جوي من طيران التحالف، كما تلقى السلاح والذخيرة من الأمريكيين. حين بدأت معركة حصار حلب والسيطرة على معبر باب السلامة الحدودي بواسطة القصف الوحشي للطيران الروسي، استولت وحدات الحماية وحلفاؤها على عدة قرى عربية قرب إعزاز، في تكرار لسيناريو السيطرة على تل أبيض.

وهكذا تبدو ما تسمى «قوات سوريا الديمقراطية»، التي تشكل وحدات الحماية عمودها الفقري، الطرف الوحيد الذي سينجو من وصفه بالإرهاب، بما أنه يقوم بوظيفة القوات الميدانية للحرب الدولية على داعش بقيادة الولايات المتحدة، وخاصةً أنه لا يقاتل النظام. في حين أن الفصائل المسلحة التي تقاتل النظام، ومنها تلك الموصوفة بـ»الإسلامية المعتدلة»، يعتبرها الروسي إرهابية، ولا يهتم الأمريكي بالدفاع عنها في وجه هذا الاتهام.

الأخطر من ذلك هو أن جبهة النصرة، التي تعتبر إرهابية بإجماع الدول الفاعلة في الصراع السوري، لا تسيطر على مواقع محددة بمفردها، على غرار داعش، بل توجد قواتها بشكل متداخل مع الفصائل الأخرى. وهذا ما سيسهل على الروسي استهداف هذه الأخيرة بحجة ضرب النصرة، الأمر الذي يعني أن المناطق الآهلة بالسكان والمرافق الصحية والتعليمية لن تكون بمنأى عن الاستهداف، ما دام يمكن تبرير قصفها من قبل النظام والطيران الروسي بزعم أن «الإرهابيين» يتحصنون فيها.

إن جزرة الهدنة الممدودة إلى المعارضة المسلحة لا تخفي العصا الأمريكية ـ الروسية التي تقف وراءها: من لا يوافق على الهدنة بشروطها سيعتبر إرهابياً ويتم استهدافه. بل تنطوي «الهدنة» المفترضة على مخاطر اقتتال داخلي بين الفصائل من جهة، وجبهة النصرة ومن قد يقف معها من الفصائل من جهة ثانية. أو قد تشهد تحالفات قائمة تضم النصرة، كحال «غرفة عمليات جيش الفتح» مثلاً، انشقاقات واقتتالاً داخلياً، هرباً من اعتبارها إرهابية واستهدافها. الواقع أن معارضي نظام الكيماوي يبدون كبالع الموس على الحدين، وفق التعبير الشامي المعروف. فلا هم يستطيعون التبرؤ من الفصائل الإسلامية التي تقاتل النظام، وأهمها سلفية جهادية كالنصرة وأحرار الشام وجيش الإسلام وغيرها، ولا هم قادرون على اعتبارها مكوناً من مكونات الثورة. فالتبرؤ منها سيؤدي إلى اقتتال داخلي وإنهاء ما تبقى من فكرة الجيش الحر من جهة، وإلى دفع الفصائل الجهادية إلى موقع داعش أو انتقال أقسام كبيرة من مقاتليها إلى صفوف داعش مباشرةً. وفي المحصلة تكون المعادلة التي أرادها النظام منذ بداية الثورة السلمية قد تحققت: أي الاختيار بينه وبين «الإرهاب» ممثلاً في داعش وأخواته.

سيكسب النظام، أو بالأحرى روسيا، التي باتت وصياً عليه، الكثير. محافظة إدلب التي طرد منها في الربيع الماضي، قد تكون ميدان المعركة الأهم بعد حلب، بسبب سيطرة جبهة النصرة المتحالفة مع أحرار الشام عليها. وتكمن أهمية هذه المحافظة الكبيرة في أنها تشكل امتداداً جغرافياً للساحل وسهل الغاب حيث القاعدة الاجتماعية الصلبة للنظام. فإذا تمكنت قوات النظام، مع حلفائها من الميليشيات الشيعية متعددة الجنسيات، من استعادة هذه المحافظة تحت الغطاء الجوي الروسي وبمباركة من مجلس الأمن، ستكون «سوريا المفيدة» قد اكتملت إلى حد بعيد، خاصة إذا سبقت ذلك السيطرة على حلب وريفها.

وستكسب إيران، وبيدقها اللبناني «حزب الله»، معركة السيطرة على القلمون الذي هو اليوم بيد جبهة النصرة الموصوفة بالإرهاب بإجماع «المجتمع الدولي». وربما ينطبق الأمر نفسه على الجبهة الجنوبية قرب العاصمة دمشق حيث تعتبر النصرة أحد أقوى الفصائل.

هذا السيناريو الكابوسي موجود «بالقوة» داخل قرار «الهدنة» الأمريكية ـ الروسية. وهو يعني، كيفما نظرت إليه، تقسيم سوريا، بصورة عملية، بين ثلاث قوى مسيطرة على الأرض: بقايا النظام وحلفاؤه، وداعش، ووحدات حماية الشعب، بعد الإجهاز على ما تبقى من فكرة الثورة الوطنية. فالقوى الثلاث المذكورة لا تملك أي برنامج وطني، ناهيكم عن الثورة: النظام المستتبع لإيران وروسيا في «سوريا المفيدة»، وداعش في «دولتها الإسلامية» العابرة للحدود، ووحدات الحماية المكتفية بالشريط الشمالي المحاذي لتركيا. مع استمرار الحرب الدولية على داعش التي لا تسعى إلى استئصالها، بل «احتوائها» فقط على ما قال الأمريكيون منذ البداية.

المشكلة أن رفض الهدنة ليس خياراً بديلاً للقبول بها.

٭ كاتب سوري

======================

الاتفاق يشجع اقتتال المعارضة السورية .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 25-2-2016

اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصلت إليه واشنطن وموسكو ويفترض أن يدخل حيز التنفيذ منتصف ليل غد الجمعة، ينطوي على خللين فادحين، سياسي وعسكري، سيفضيان في حال عدم التصدي لهما إلى دفع المعارضة السورية نحو مرحلة من الاقتتال تؤدي إلى مزيد من التفتت في صفوفها، على طريق إنقاذ نظام بشار الأسد بموجب تفاهم ثلاثي أميركي – روسي – إسرائيلي.

والخلل في جانبه النظري - السياسي المتشعب يكمن في إطلاق الاتفاق على نظام بشار الأسد تسمية «الجمهورية العربية السورية» وحصر تمثيلها به. فالمعارضة التي تقاتل النظام بهدف تغييره لا تخرج عن إطار هذه الجمهورية ولو تبنت منظوراً سياسياً مختلفاً، وتصنيفها خارج هذه التسمية يعني نزع الشرعية التمثيلية عنها وتصويرها كأنها طرف خارجي يسعى إلى إطاحة الدولة بمفهومها العميق الواسع وليس النظام.

وإذا كان الأميركيون والروس يتذرعون بأن الأمم المتحدة لا تزال تعتبر نظام الأسد الممثل الشرعي لسورية، فإن هذا النظام هو من سعى منذ بداية الثورة إلى الخلط بين الدعوة إلى التغيير وبين تفكيك الدولة السورية، عبر تصويره المعارضين بأنهم «إرهابيون مرتبطون بالخارج» هدفهم القضاء على سورية وليس إلغاء الاستبداد فيها.

ولنا أن نسأل كيف تضفى صفة الدولة الشاملة على نظام تحدث رئيسه علناً عن التقسيم وعن إقامة «سورية المفيدة» التي تكرس الفئوية والمذهبية التي يمارسها في مختلف مستويات الحكم ومؤسساته؟

وسرعان ما سعى الأسد إلى الاستفادة من هذا الخلل في الاتفاق بالدعوة إلى انتخابات تشريعية في نيسان (ابريل) المقبل، ليكرس «سورية» المناطق الخاضعة لسيطرته فقط، لأنه يعرف استحالة إجراء انتخابات في مناطق نفوذ المعارضة أو «داعش».

ويطاول الخلل السياسي أيضاً تغطية دور الميليشيات الشيعية الايرانية واللبنانية والعراقية والأفغانية التي تقاتل إلى جانب النظام، والاكتفاء بالإشارة إليها على أنها «القوى الداعمة لقوات الحكومة السورية»، وكأنها قوى محلية لم تأت من الخارج، وإضفاء صفة ملتبسة على دورها، وبالتالي على كيفية التعامل معها في حال صمد وقف إطلاق النار واستؤنفت المفاوضات السياسية.

وفي المجال العسكري، نص الاتفاق على استمرار العمليات ضد «داعش»، وهو أمر يلقى تأييداً دولياً واقليمياً ومحلياً واسعاً ولا جدال فيه، لكن الاستثناء من وقف النار شمل ايضاً «جبهة النصرة» على رغم معرفة الطرفين الاميركي والروسي بالتداخل الشائك بين مواقع انتشار الأخيرة وبين مواقع قوات المعارضة المعتدلة، وخصوصاً في مناطق حلب وإدلب وجنوب دمشق. ويعني هذا أن مناطق المعارضة ستكون عرضة للقصف الروسي بالتأكيد، وربما الاميركي أيضاً، بحجة قتال «النصرة». أي أن الخيار المطروح على المعارضة هو «تطهير» مناطقها من وجود الجبهة كي لا تتعرض للقصف، وبكلام آخر فتح باب الاقتتال على مصراعيه لمزيد من تفتيت المعارضة وتناحر فصائلها، خصوصاً أن الاتفاق يبقي المجال مفتوحاً أمام إدراج المزيد من المعارضين في لائحة «الإرهاب» التي سيحددها مجلس الأمن لاحقاً بموجب التفاهم إياه بين الأميركيين والروس.

يشكل الاتفاق محاكاة للتجربة العراقية، عندما تم تسهيل انتشار «القاعدة» ثم «داعش» في المناطق السنية، وصار مطلوباً من السنة أنفسهم التخلص منهما وفق ابتكار «الصحوات» الاميركي، فيما ايران المسيطرة على القرار السياسي في بغداد تتفرج بانتظار أن ينهك القتال جميع معارضيها المعتدلين منهم والمتطرفين.

ويتماشى هذا المسار مع النهج الذي تتبعه موسكو في إنكار الفوارق داخل «جبهة الأعداء» والذي طبقته في الشيشان وفي الداخل الروسي حيث تستعدي كل من لا يبصم بالعشرة على سياسات بوتين ويخضع لها، وينسجم ايضاً مع سياسة التملص الاميركية القائمة على التهويل بالتهديد الإرهابي والتغاضي عن كل ما عداه، وهو جوهر العلاقة التاريخية بين الولايات المتحدة ونظام عائلة الأسد في خدمة أمن إسرائيل.

========================

أخطار التوافق الروسي - الأميركي في سورية .. غازي دحمان

الحياة

الاربعاء 24/2/2016

يشكل التوافق الروسي - الأميركي على إعادة صياغة مقاربات الأزمة السورية، ميدانياً وديبلوماسياً، دينامية تغيرية تمس عمق مكونات الأزمة الداخلية وترابطاتها الإقليمية والدولية، في محاولة تهدف إلى تغيير مفاعيلها وتأثيراتها، وتستند عدة هذه الصياغة الجديدة على تصورات نظرية وافتراضية في مجملها، من دون مراعاة ثقل وأوزان العناصر التي تشكّل المحركات والحوافز الأساسية للأزمة، والتي أنتجت الديناميات التي تكفّلت باستمرارية اشتغالها على مدار السنوات السابقة وتنذر باستمرارها في الزمن المقبل. تشتمل المقاربة المستجدة، روسياً وأميركياً، على إجراء تحويلات قسرية وسطحية على شكل الصراع وجوهره، تشمل تغيير ديناميات اشتغاله، الظاهرة، أو ما يعتقد الطرفان بأنها بالفعل دينامياته الحقيقية، عبر تقييم نظري يقوم على قراءة الأزمة من زاوية محددة ومن ثم تخريج الوسائل المناسبة لإدارتها والتي تتطابق حتماً مع ذلك التقييم، وتتمثل خلاصات هذا التقييم بالآتي:

- اعتبار الأزمة مشكلة إقليمية بين دول تتصارع على النفوذ وتغذّي أطراف الأزمة، وبالتالي استند تفاهم فيينا، الذي بني عليه قرار مجلس الأمن رقم 2245 على هذا الأساس، عبر محاولة إيجاد توازنات معينة بين هذه الأطراف وأدوارها السياسية والعسكرية، في حين أن واقع المشكلة لم يكن دائماً كذلك، والبعد الإقليمي هو بعد، على رغم تأثيره، يظل طارئاً وبرانياً في كل الأحوال، ولا يلغي جذور الأزمة وأساساتها الداخلية.

- اعتبار الأزمة مشكلة بين نظام ومعارضة، وبالتالي يمكن حلها عبر إعادة توزيع الحصص ضمن إطار النظام نفسه، أو من خلال تعديلات هيكيلية على تركيبة النظام، مع إدخال تغييرات مستقبلية تتعلق بآليات الحكم وصنعة القرار، ولا يتعدى سقف التجربتين العراقية واللبنانية في أفضل الأحوال، وفي ذلك تفريغ للأزمة من بعدها الثوري، وإلغاء كل ما ترتب عنها من ارتكابات وجرائم وإمكانية فتح ملفاتها في المستقبل.

يمكن تعريف هذا الشكل التسووي على أنه نمط من التسوية الفوقية عبر صناعة شبكة ترابطات وقنوات تواصل بين الأطراف الظاهرية للأزمة ودمجها في الحل المنتظر، وهذا نمط ينطوي على إغراء إمكانية حصوله من خلال آليات الضغط التي يمكن ممارستها من قبل روسيا وأميركا على الأطراف التي تشكل واجهة الأزمة وباستخدام المساومات لتشكيل خريطة التوازنات بين هذه الأطراف، ويناسب هذا النمط جميع الأطراف التي تبحث عن حلول سريعة، مثل إدارة الرئيس أوباما التي تعتقد بأنها بتنازلاتها لروسيا تشتري حلاً رخيص الثمن يناسب المقاس الزمني لعمر الإدارة، ويناسب أيضاً الكرملين الباحث عن أي شكل من أشكال النصر لتوظيفه داخلياً في مواجهة جملة من الأزمات المركبة التي بدأت تنتصب في وجه بوتين، كما يناسب إيران وأذرعها في المنطقة كونه يبقي الوضع على ما هو عليه وينطوي على إمكانية تغييره لمصلحتهم في المستقبل. لكن، كل ذلك لن يؤدي إلى حل مستدام وطويل الأمد في سورية، بل سيتحول إلى محرك جديد للأزمة وسيوفر الفرص الملائمة لها لإجراء التعديلات المناسبة في نمط اشتغالها وطبيعة تشابكاتها المحلية والإقليمية، ذلك أن أول تحول سيتمظهر في انفكاك الميدان السوري والجماعات الفاعلة فيه عن داعميه الإقليميين، صحيح أن الخارج يشكل شريان تغذية مهم وبخاصة على مستويات التمويل والتسليح، لكن ذلك لا ينفي حقيقة وجود نظام تغذية متكامل يشكّل الخارج جزءاً منه ولا يشكّله كلّه، وثمة شبكة تغذية داخلية رديفة تقوم على الغنائم وشراء الأسلحة من تجار داخليين ومن الميليشيات والتشكيلات العسكرية المنضوية في إطار جبهة الأسد، كما أن مصادر التمويل يمكن استبدالها بمصادر بعيدة عن سيطرة الحكومات الإقليمية، وبالتالي فإن الثمرة الوحيدة لهذا الانفكاك ستتمثل بخروج تلك الجماعات عن إمكانية السيطرة وصعوبة إخضاعها للتفاوض في أي حل مستقبلي. وهذا التطور، في حال الإصرار على الدفع لإظهاره، سينتج منه تطور موازٍ يتمثل بمنح شرعية للتقسيم الذي يميز بين سورية المفيدة وخارجها، على أساس الأمر الواقع حيث تصبح هذه إطاراً للسلطة المقبولة دولياً والمكوّنات القابلة بالتعايش تحت قوانينها وأنظمتها، كما سيعطي عمليات التطهير الديموغرافي زخماً أكبر طالما توفرت سورية المقابلة لسورية المفيدة وطالما أصبحت هذه الأخيرة تشكل مصلحة دولية للاستقرار وخلاصة التوافق الإقليمي والدولي، بالتزامن مع إطفاء كل الأضواء المسلّطة على الأزمة السورية.

لا يحتاج الوصول إلى هذه السيناريوات وقتاً طويلاً، مجرد الاستمرار في إدارة الأزمة وفق المقاربات الجديدة كفيل بإطلاق الديناميات اللازمة لهذا الفعل وتدعيم أدواته التشغيلية، وطالما ازداد فريق الباحثين عن نصر سريع في سورية، لكن الأزمة الحقيقية ستجد البدائل المناسبة للتعبير عن نفسها دائماً وستعاند كل محاولات التلفيق وتسريع الإنضاج على نار التوافق الروسي - الأميركي.

* كاتب سوري

======================

الحل الأمني في سوريا .. ميشيل كيلو

البيان

الاربعاء 24/2/2016

في لقاء جمعه مع وفد نيابي روسي زاره في دمشق، تعطف وتلطف بشار الأسد وتنازل فتحدث عن الحل السياسي، وحدد الشروط التي يرى أنها ضرورية لتحقيقه.

قال صاحب الحل الأمني الذي أوصل بلادنا إلى الهاوية وكاد يكلفها وجودها ذاته، إن الحل السياسي الذي يسعى إليه مع روسيا يعني القضاء على الإرهابيين، وعلى رأسهم تنظيم «داعش»، وأضاف: إنه قد يرشح نفسه بعد انتهاء ولايته الدستورية، اي بعد مضي خمسة اعوام من الآن، إذا لم تكن هناك اغلبية شعبية تعارض ذلك.

أخيراً، أطلق بشرى سيطير عقل الشعب لها من الفرح، هي أنه مستعد للتعاون مع المعارضة الوطنية، التي اسماها الروس: «المعارضة البناءة».

هذا الكلام، الذي ليس غير تنويعات تضليلية على خطة الأسد القديمة، يقول باختصار ودون مواربة: إن الحل الأمني، الذي لا بد ان ينتهي بالقضاء على الإرهابيين، وبالتالي على من تبقى من السوريات والسوريين، هو الحل السياسي الذي تريده روسيا وسوريا.

شخصياً، اعتقد أن الأسد فضح بكلامه حقيقة مشروع السلام، الذي يحاول جيش روسيا تنفيذه على أرضنا عبر القضاء على الجيش الحر باعتباره جيش «الإرهابيين»، الذين يعادل القضاء عليهم الحل السياسي.

ما هو الفارق بين الحل الأمني الذي دمر بلادنا وقتل شعبنا وبين هذا الحل السياسي. من الجلي انه لا فرق بين الاثنين، فالحل الأمني كان هدفه المعلن القضاء على المندسين ثم صار القضاء على الأصوليين وأخيراً على الإرهابيين، الذين يعادل القضاء عليهم في آخر تعريفاته «الحل السياسي».

يقول الأسد: إن هذا هو أيضاً فهم روسيا للحل السياسي، الذي ترى بدورها أنه يتساوى مع القضاء على الإرهابيين، ولا يعني أي شيء آخر كبناء نظام ديمقراطي أو تلبية مطلب الحرية أو زوال النظام وإعادة هيكلة جيشه ومؤسساته الأمنية ديمقراطياً وقانونياً... الخ.

عندما سيتم القضاء على الإرهابيين، سيكون الحل السياسي قد تحقق، فما حاجة سوريا إلى تطبيق وثيقة جنيف، ولماذا تشكل هيئة حاكمة انتقالية، وتكون هناك ضمانات دولية، وبديل يضمن حقوقا متساوية للسوريين يبنى على المواطنة وليس على الاستبداد والمخابرات وجرائمهما؟.

لم يحدد الأسد أي موعد زمني للقضاء على الإرهابيين، ولم يلمح إلى الفترة التي سيستغرقها ذلك، وهل هي ثلاثين عاما كما قال اوباما، أم ثلاثة آلاف عام كما يريد هو، لكنه أخبرنا أنه سيقبل ترشيح نفسه لفترة رئاسية جديدة بعد القضاء عليهم، إذا لم تعارض ذلك أغلبية شعبية كبيرة. ليس هناك ذرة شك واحدة لدى الأسد في أن هذه الأغلبية بقيت موالية، ولو لم تبق موالية له لما وافقت على قيامه بقتلها قصفاً، ورمياً بالرصاص، واعتقالاً، وتعذيباً، ومطاردة، وتشويهاً، وتجويعاً، وحصاراً... الخ.

سأل صحافي حافظ الأسد ما إذا كان بشار سيرث السلطة ويصير رئيسا، فأجاب: انه لا يفكر بالرئاسة، لكن اغلبية «الشعب» تحبه وتريده رئيساً، وهو لا يفكر بغير خدمتها.

كذّب بشار ابيه فيما يتعلق بهوسه بالسلطة، ولم يستعن بالشعب للوصول إلى الرئاسة، بل استعان بضباط الحرس الجمهوري، الذين هددوا بقتل كل من ينافسه عليها وأجبروا عبد الحليم خدام، صاحب الحق الشرعي فيها، بالتنازل عنها، وبعدئذ، تذكرت آلة الكذب تصريح الأب، وادعت أن إرادة الشعب هي التي أوصلت بشار إلى الرئاسة، الذي لم يكن راغباً فيها.

ما الذي سيمنع الأسد من تكرار اكذوبة أبيه، وسيحول دون انصياعه مرة اخرى «لإرادة الشعب»، وترشيح نفسه للرئاسة من جديد، إذا كان قد نجح هو وروسيا في القضاء على الإرهابيين، أي حملة هذه الإرادة بالذات ؟.

يبقى أن الأسد من يخال نفسه حاكم سوريا الأبدي يوافق على منح دور للمعارضة الوطنية، فينبهه الروس إلى أنها يجب أن تكون بناءة أيضا.

يلفت النظر أن الرجل الذي لا يريد «شعبه» شيئا من دنياه غير اسقاطه والتخلص منه، يتوهم أن السلطة لا تجوز لغيره، وانه لن يكون للسوريات والسوريين من دور غير الذي يمنحه هو لهم، ولكن... بعد القضاء عليهم كإرهابيين!.

ماذا تعلم الأسد من ثورة حولته إلى سجين يخشى الخروج من مخبئه، لكنه ما أن زاره بعض الروس حتى توهم انه استعاد مكانته، وابلغ سامعيه انه ما زال ذلك المجرم، الذي قتل شعبه، لأن أغلبيته أمرته بذلك ضد اقلية «إرهابية» تمردت عليه، ما ان يقضي الروس عليها حتى يعود كل شيء إلى وضعه الطبيعي، فيستعيد هو رئاسته بإرادة الشعب، الذي سيكون جد سعيد بالرضوخ لطغيانه!.

======================

هل وصلت روسيا إلى عنق الزجاجة في سوريا؟ .. ميسرة بكور

القدس العربي

الثلاثاء 23/2/2016

أوروبا لا تريد أن ترى مزيدا من اللاجئين على أراضيها في ظل تنامي نفوذ اليمين المتطرف المعادي للاجئين،وأي حرب جديدة في الشرق الاوسط تعني ملايين اللاجئين الجدد.وما يحملونه من أعباء اقتصادية وأمنية.

الاتحاد الأوروبي واتفاقية «شنغن» مهدد بالانهيار بسبب أزمة اللاجئين والهجرة عبر المتوسط و تزايد مخاطر تعرضها لهجمات إرهابية.

حلف الناتو لا يريد التورط في حرب مدمرة مع روسيا بسبب اصطدامها بتركيا.

أوروبا لا ترغب في أن تعيش الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية مرة ثانية وهي التي لم تتعاف منها بعد.

الاصطدام الروسي السعودي يهدد بحرب نووية طرفها باكستان حليف السعودية ستكون انعكاساتها مدمرة.

الحرب مع تركيا والسعودية وحلفاؤهما قد تغري الأوكرانيين لاسترجاع ما قضمته روسيا في القرم.

تنامي المشاعر الانفصالية لدى بعض الجمهوريات الروسية وتعزيز النعرات الطائفية التي تهدد بثورة جارفة.

منذ بدء الثورة السورية في ربيع عام 2011 انحازت الإدارة الروسية بإدارة بوتين إلى جانب نظام بشار الأسد في دمشق، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى وتجليات برزت في مواقف عديدة، من ابزها تعطيل مجلس الأمن الدولي من خلال استخدام حق النقض »الفيتو« في وجه قرارات قد يكون لها تداعيات على حليفها بشار الأسد، وكانت موسكو عرابة نزع سلاح سوريا الكيميائي مقابل أن يتخلى الرئيس أوباما عن فكرة معاقبة الأسد بسبب تخطيه خط أوباما الأحمر باستخدامه السلاح الكيميائي ضد الثوار السوريين في غوطة دمشق.

ومن الأسباب التي دعت إدارة بوتين التمسك بقرارها الصارم بالوقوف إلى جانب نظام الأسد، أنها شعرت بغدر مزدوج من الولايات المتحدة الأمريكية والناتو في ليبيا حينها خسر الروس مركز نفوذهم في المغرب العربي وشمال افريقيا.

ومما يمكن الإشارة إليه ايضاً أن قاعدة طرطوس آخر قواعد روسيا على ساحل البحر المتوسط، والأطماع الاقتصادية من خلال امتيازات التنقيب عن الغاز السوري في المتوسط وكعكة إعادة الإعمار.

مع تدهور الوضع العسكري لنظام بشار الأسد وتراجع ميليشياته في معظم الجبهات وتقدم الثوار السوريين، وعجز إيران وميليشياتها » العابرة للحدود « في تعديل الكفة لصالح نظام الأسد، اضطر كل من نظام الأسد وإيران الاستنجاد بالحليف القوي روسيا من أجل إنقاذهم من المأزق على شفير الهاوية، فكان التدخل الروسي بداية تشرين الأول/اكتوبر عام 2015.

وقد وجد بشار الأسد في الحليف الروسي منقذا له مرتين الأولى تعديل الكفة العسكرية جزئيا لصالحة.

والثانية التخلص قدر الإمكان من » الوصاية «الإيرانية عليه وعلى قراراته وتذمر بعض ميليشياته من تصرفات ميليشيا حزب الله اللبناني وتحكمهم بالقرار العسكري.

بدء العدوان الروسي على سوريا بقصف جوي كثيف يوم 30-9-2015 على معظم مناطق الثوار بما فيهم ما يطلقون عليه اسم «المعارضة المعتدلة» المدعومة أمريكياً وأوروبياً. في ظل صمت مطبق من المجتمع الدولي الذي أكتفى بإصدار بيانات تدعو وتناشد.

مرت أكثر من أربعة أشهر لم تستطع الطائرات الروسية الغازية من تحقيق نصر استراتيجي يرجح كفة نظام الأسد في الميدان.

في غضون ذلك وافق مجلس الأمن الدولي بالإجماع على مشروع قرار متفق عليه بين أطراف المجموعة الدولية لدعم سوريا التي اختتمت أعمالها في نيويورك الجمعة 18 ديسمبر/كانون الأول. بالصياغة الروسية التي سبق تسريبها في وسائل إعلام، القرار الأممي حول سوريا يقضي بعقد مفاوضات بين وفدي الحكومة السورية والمعارضة مطلع يناير/كانون الثاني عام 2016. كما كلف الأمين العام للأمم المتحدة بجمع ممثلي الحكومة السورية والمعارضة من خلال مكتب المبعوث الخاص إلى سوريا وجهوده، وذلك بهدف إشراكهم في المفاوضات حول عملية » الانتقال السياسي. «

فكان اجتماع الرياض، الذي ضم معظم أطياف الثورة السورية العسكرية والسياسية. واستبعد ممثلي » وحدات حماية الشعب الكردي «.

عادت روسيا لتلعب دورها » القذر« في التشكيك في مؤتمر الرياض وبيانه الختامي، مستغلة موضوع استبعاد ممثلي وحدات الشعب الكردي.

لعبت روسيا كل أوراقها السياسية والعسكرية لترجيح كفة نظام الأسد وقد استطاعت »استمالة الموقف الأمريكي إلى جانبها على الأقل يمكننا القول »تحيده «.

وقد استغلت حادثة »تفجيرات باريس «وموضوع مكافحة الإرهاب من أجل تسويق فكرة أن نظام الأسد هو الشريك الحقيقي في القضاء على الإرهابيين.

كما حاولت موسكو استفزاز أنقرة من خلال التحرش بها واختراق مجالها الجوي وكان نتيجته في 24‏/11‏/2015 – أعلنت تركيا أن سلاحها الجوي أسقط مقاتلة روسية من طراز سوخوي 24 انتهكت »أجواءها« رغم إنذارات متتالية.

مما زاد الأمر تعقيداً وقد انحاز الغربيون والامريكان لجانب الرواية التركية.

فقررت روسيا لعب »الورقة الكردية« من خلال تقديم السلاح لهم والتغطية الجوية من أجل التقدم إلى الحدود التركية الأمر الذي سيزعج تركيا التي تصنف وحدات حماية الشعب على أنها منظمة إرهابية، ولم تكتف بذلك فقط بل افتتحت لهم ممثلية في موسكو، وكثر الحديث في الصحف الروسية في الآونة الأخيرة عما يسمونه »كردستان سوريا« الأمر الذي يهدد الأمن القومي التركي ويثير مخاوف أنقرة من النزعات الانفصالية لدى بعض الفصائل الكردية التركية، وتغذيتها من قبل الحليف الروسي.

في هذه الأثناء تمت الدعوة لعقد »جنيف3« حول سوريا و تم تأجيل اجتماع جنيف الذي كان مقررا في 25 يناير إلى 29 يناير/كانون الثاني بسبب عدم تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم» 2245« وخاصة الفقرتين »12، 13« التين تحدثتا عن فك الحصار وإدخال مساعدات غذائية للمناطق المحاصرة ووقف قصف المدنيين، وأصرت الهيئة العليا للمفاوضات في المعارضة السورية المنبثقة عن اجتماع الرياض، على تطبيقها قبل الذهاب إلى جنيف، رغم الضغوطات الكبيرة التي مورست عليها الا انها تمسكت بموقفها الرافض حضور مؤتمر جنيف، لكنها عادت وقبلت الذهاب بعد حصولها على ضمانات ومنها ضمانات خطية كما ذكر »رياض حجاب منسق الهيئة «. حاولت روسيا العزف على وتر رفض الهيئة الذهاب إلى جنيف وأنها تفرض شروطا مسبقة بما يشكل خرقا للقرار الأممي رقم »2245« وتجاهلت عن عمد أن هذه لم تكن شروطا بل هي مطالبة بتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي.

خلال إنعقاد «جنيف 3 » لم تلتزم روسيا وحليفها الأسد بتطبيق قراري مجلس الأمن وتراجعت أمريكا عن تعهداتها للوفد المعارض.

وقد مضى على العدوان الروسي خمسة أشهر ولم تحقق روسيا أي خرق عسكري أو سياسي، بل »استغلت« فترة إنعقاد مؤتمر جنيف وقامت بتصعيد عسكري غير مسبوق واتبعت سياسة الأرض المحروقة وفي ظل منع السلاح عن الثوار السوريين من الحلفاء بسبب ضغوط أمريكية مورست عليهم، استطاع الروس تحقيق خرق استراتيجي محدود في جبهات حلب واللاذقية ودرعا.

مما رفع معنويات منهارة ورجح كفة نظام الأسد العسكرية جزئيا وتنفس الصعداء.

نعود للموقف الروسي، لم تكتف روسيا بسياسة الأرض المحروقة من أجل الضغط على الثوار للقبول بحل سياسي هو بمثابة استسلام. وتأمين غطاء جوي للميليشيات الكردية، بل قامت أيضاً،بقصف مخيمات النازحين على الحدود التركية واستهداف المدارس والأهالي من أجل اجبارهم على اللجوء إلى تركيا بهدف الضغط عليها اقتصاديا وسياسياً من خلال استغلال بعض القوميين الاتراك المعارضين لسياسة حكومة »داوود أوغلو«.

يبدو أن الرياح تجري بغير ما تشتهي الطائرات الروسية. وأن روسيا أوصلت نفسها إلى عنق الزجاجة.بعد أن أعلنت السعودية وتركيا ودول أخرى استعدادها للتدخل البري في سوريا تحت غطاء التحالف الدولي، وتضأمن ألمانيا مع تركيا في إقامة منطقة عازلة.

ومن خلال السعي لدى مجلس الأمن في استصدار قرار يمنع التدخل البري في سوريا والذي رفضته الولايات المتحدة وفرنسا. بل حمل السفير الفرنسي في الأمم المتحدة فرانسوا ديلاتر موسكو مسؤولية »التدهور الخطير« في سوريا.

لا ننسى الأزمة الاقتصادية في روسيا وانهيار الروبل وتأثير انخفاض سعر البترول والعقوبات المفروضة عليها،

يمكننا القول إلى حد بعيد أن روسيا تجد نفسها اليوم في مأزق كبير في سوريا خاصة لو تم التدخل البري السعودي التركي تحت مظلة التحالف الدولي »ضد الإرهاب«، في هذه الحالة عليها أن تواجه جيوش التحالف مجتمعة وهذا ضرب من الخيال.

كاتب وباحث سوري

======================

«الاتحاد الديموقراطي» أحد أوجه مأساة الكرد السوريين .. عبدالباسط سيدا

الحياة

الثلاثاء 23/2/2016

مع انطلاقة التظاهرات السلمية المطالبة بالإصلاحات في مختلف أنحاء سورية، واجه النظام، بعد عقود من الحكم المخابراتي، احتمالاً قوياً بسقوطه. هكذا بادر إلى اعتماد جملة تدابير، منها الوعود الإصلاحية التضليلية، بخاصة تلك الحزمة التي أعلنتها بثينة شعبان في صورة هستيرية في بداية الثورة، ومنها دفع الثورة نحو العسكرة التي كان من أهدافها تمكين النظام من استخدام القمع بكل أنواع الأسلحة، والحد من التعاطف الإقليمي والدولي مع الشعب السوري ومطالبه المشروعة، وكذلك المحاولات الحثيثة لإبعاد مكونات مجتمعية سورية عدة من الثورة، خصوصاً العلويين والمسيحيين والكرد، لتكوين انطباع خادع بأن ما يجري هو صدام بين القوى الإسلامية المتشدّدة الإرهابية التي تمثّل العرب السنة والنظام «العلماني حامي الأقليات». وقد تنبّهنا إلى هذا الموضوع، وحذرنا منه مراراً وتكراراً، غير أن قوى وقيادات ضمن المعارضة لم تستوعب ذلك كما ينبغي بفعل تأثيرات بقايا الأيديولوجيات القومية والدينية، وحتى الاشتراكية، ولم تبلغ مستوى موجبات المشروع الوطني السوري الذي لم ولن يكون إلا بكل السوريين ومن أجلهم.

وفي ما يخصّ موقف الكرد من الثورة، فإنه توزّع منذ أيامها الأولى بين ثلاثة اتجاهات:

الأول والأهم، هو الذي تجسّد في مواقف وتوجهات التنظيمات الشبابية التي تشكّلت في حضن الثورة، ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات السياسية المستقلة، إلى جانب بعض الأحزاب الكردية. وكان هذا الاتجاه داعماً للثورة، مشاركاً فيها من دون تردد، ولعل صور تظاهرات عامودا وغيرها من المدن الكردية ما زالت في ذاكرة الجميع.

أما الاتجاه الثاني، فتميّز بالتردد والتريّث والتشكيك. وكان هذا الموقف القاسم المشترك بين مجموعة الأحزاب الكردية التي شكّلت لاحقاً المجلس الوطني الكردي السوري، وهي أحزاب كانت تعاني عموماً الانقسام والترهّل، وعدم امتلاك قياداتها الإمكانات التي تؤهلها للتعامل مع تحديات الوضع الجديد، إلى جانب أن قسماً كان يعاني من ضغوطات النظام، فيما اعتمد قسم آخر السياسة الاتكالية، وانتظار ما سيمليه عليه الإخوة في كردستان العراق.

أما الاتجاه الثالث، فهو الذي عبّر عنه حزب الاتحاد الديموقراطي الذي تشكّل بعد إبعاد عبدالله أوجلان من سورية عام 1999، وهو الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، ويتبع مباشرة قيادته العسكرية في قنديل. وقد دخل نشطاء هذا الحزب وقياداته إلى سورية بعد انطلاقة الثورة بموجب اتفاق أمني مع النظام، وبالتنسيق الكامل مع النظام الإيراني، بهدف ضبط الأوضاع ضمن المناطق الكردية، ومنع الكرد من الانخراط بفاعلية في الثورة بوصفه مساهماً فاعلاً في إسقاط النظام، بخاصة أن المناطق الكردية في سورية تمتد على طول الحدود التركية - السورية، كما أن الوجود الكردي الكبير في دمشق (حوالى المليون) وحلب (حوالى نصف مليون) كان من شأنه زعزعة أركان النظام.

واستخدم هذا الحزب في بداية الأمر، لغة العاطفة القومية، واستغلّ تردّد الأحزاب الكردية، وكان يدرك تماماً صعوبات الأحزاب الكردية في كردستان العراق، والضغوط الإيرانية الهائلة عليها، وكان مطلعاً على واقع الأحزاب الكردية السورية، وعلى علم بعدم قدرة قياداتها على التصدي لمهام المرحلة. هكذا بدأ ينظّم قواه ويستفيد من الإمكانات المادية والأسلحة التي حصل عليها من النظام. كما بدأ بتصفية بعض الخصوم فيزيائياً، وعمل في الوقت ذاته على تصفية البعض الآخر معنوياً عبر حملات إعلامية تشبيحية، ومن خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك بأسلوب غير معهود، بل منبوذ في المجتمع الكردي. ذلك كله لترهيب الكرد، وإرغامهم على السكوت أو الرحيل.

واللافت في أمر هذا الحزب، أنه استخدم استراتيجية الظهور في مظهر الطرف الثالث المحافظ على الخصوصية الكردية، وأمن المناطق الكردية، والمحارب للإرهاب الإسلاموي، في حين أنه لا يطرح فعلياً أي مشروع حقيقي يخص كرد سورية، ولا علاقة له بالثورة السورية في أي شكل من الأشكال. بل إن التنسيق الأمني بينه وبين النظام كان وما زال على أعلى المستويات، بخاصة في القامشلي والحسكة حيث النظام اليوم أقوى فيهما من أي وقت مضى.

ومع تدويل القضية السورية، وجد هذا الحزب نفسه أمام إمكان عقد تفاهمات بخصوص قتال «داعش»، وهي تفاهمات ساهمت العلاقة الأميركية - الإيرانية التناغمية في بلورة معالمها. لكن التحالف الأساسي لهذا الحزب يظل مع الطرف الروسي ضمن إطار حلفه مع النظامين السوري والإيراني.

غير أن الذي يستوقف أكثر من غيره، هو إصرار الإعلام الغربي والروسي، وقسم كبير من الإعلام العربي، على تسويق زعم تضليلي مفاده أن هذا الحزب يمثل الكرد السوريين، وبالتالي فإن أي تصرف أو أي عمل يقوم به يُسوّق على أنه موقف كردي.

فحول مفاوضات جنيف الأخيرة التي أُبعد منها هذا الحزب، قيل إن الكرد قد غُيبوا، مع أنهم شاركوا بفاعلية في مؤتمر الرياض، وفي الوفد التفاوضي للمعارضة. كما أن التنسيق الكامل بين قوات هذا الحزب وقوات النظام وحلفائه والطيران الروسي، كما حصل في ريف حلب ضد قوات المعارضة، نُسب إلى الكرد، على نحو يهدد بتفجير العلاقة العربية - الكردية. وهو هدف عمل، ويعمل، عليه النظام منذ اليوم الأول للثورة، ويبدو أنه بات أكثر إلحاحاً في يومنا الراهن استعداداً لاستحقاقات مقبلة. هذا فيما الجميع يعلم أن هذا الحزب يستغل ورقة كرد سورية، بل يستغل إمكاناتهم المادية، وشبانهم، لتنفيذ مآرب مشروعه الخاص الذي لا يتقاطع أبداً مع المشروع الكردي السوري الوطني، والذي أساسه الاعتراف الدستوري بالوجود القومي الكردي في سورية، والإقرار بالحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي، والقطع مع جميع المشاريع والسياسات التمييزية التي عانى منها الكرد لعقود، ومنها الحزام والإحصاء والتعريب القسري والقوانين الاستثنائية، وذلك كله يتم ضمن إطار المشروع الوطني السوري المتمحور حول نظام مدني ديموقراطي تعددي، لا تمييز فيه.

إن الفصل بين هذا الحزب وكرد سورية ضرورة لا بد منها، تماماً كضرورة الفصل بين العرب السنة و «داعش». فهذا الحزب مجرد أداة تنفيذية لمخطط لا يتوافق أبداً مع المصلحة الكردية تحديداً، ولا مع المصلحة السورية عموماً. ومن اللغط والإجحاف أن يقدّم بوصفه يمثّل الكرد في سورية.

============================

كيف تتصور خريطة سوريا المستقبل؟ .. إبراهيم اليوسف

القدس العربي

الاثنين 22/2/2016

سؤال يطرح على السوريين، بعد إرث الدم الهائل المتراكم، عبر خمس سنوات من القتل والدمار في هذا البلد، حيث تعجز إحصاءات الرصد عن تحديد أعداد الضحايا الأبرياء، ومساحات الخراب، وهي تقدم مقارباتها الواخزة لما تبقى في الضمائر الحية، من أرومة النخوة، وهو بدوره سؤال إشكالي، على الأصعدة كلها، لاسيما عندما يكون المجيب في مقامي الاهتمام والدقة:

بعيداً عن كيفية رسم الشكل الأول لهذه الخريطة، في الرحم السايكس بيكو 1916، ضمن إطار المنطقة كلها، وما أثير من لغط آنذاك، بين مذعن، ومحتج، لا يد لكليهما، في ما رسمت لهما من مصائر، حيث ثمة وصي غربي قدم نفسه، وهو في بزة أحد أشكال الاحتلال، كي يفكر عن الموصى عليه، لا الموصى به ـ وإن كانت الوصاية في الأصل معدومة ـ محدداً بذلك قدره التاريخي الذي بات يتآلف معه، من دون متابعة مسار ذلك، حيث سياسات الديكتاتوري، ومكياجات المحو والصهر، التي راح يوزعها وفق موازين آلة الاستبداد، البعثوي، فلا منجاة لأحد منها، كي ينال كل منهم حصته بالقدر المرسوم، أو العبثي المهندس، كي تؤول الأحوال إلى لحظة الانفجار.

من حق السؤال، لما يتكهرب به من حساسيات، أو «حزازيات»، كما يقولها ابن المكان المعني، في الفضاء ذاته، أن يحتل هذا القدر من العناية، لديه، كما لدى المعني به، وهو في موقعه غير المسؤول، ليكون كلاهما غير قادرين على التأثيرعلى دفة سير الأمور، على اعتبار أن كل ما يجري منذ نقطة الدم الأولى التي جرت في إطار الثورة السورية، وحتى النقطة التي لن تتوقف بعد أية مصالحة ما فوق وطنية، أو حتى وطنية، وما تحت وطنية؟ ـ وأنى هذه الوطنيات أصلاً؟ ـ بعد تنطع اللاوطني كي يكون في مواقع تمثيلها، في المحافل، والمؤتمرات، وواجهات الثورة، وهو نعت لا يطلق عليه ـ هنا ـ إلا بعد فشله في امتحانات تمثيل من تقدم باسمهم، عبر أوراق غير رسمية، إلى الدرجة التي بات فيها شريكاً للقاتل، متعدد الهويات، المحلية منها، والإقليمية، والدولية، في آن.

أجل، ولكي نعرف مصير اللوحة السورية في خريطتها، المستقبلية، بعد هذه السنوات الخمس التي غدت فيها، عرجاء، مشلولة، كسيحة، رهن المحو، وهي مخضبة بلوني الدماء والحرائق، فإنه لابد علينا أن نتذكر خريطة السوري، في أعماقه، بعد أن انفلتت الأهواء من عقالاتها، وباتت تتوالى انقسامات، وتجزيئات، إلى الدرجة التي بات هوى الفرد الواحد، أهواء متناحرة، متضادة، بل هويات عصية على اللحمة، أو الجبر، أو الرتق، عبر الهروب إلى مرحلة ما قبل الدولة، بل ما قبل العشيرة، أو القبيلة، أو حتى ما قبل العائلة، أو الأسرة، وما قبل الأنسنة، بعد أن ضلع في كل هذه الوحشية، وهو شأن نسبة هائلة، تحت وطأة رحى الحرب: فاعلة أو مفعولاً بها، أو منفعلة إلى أقصى أمداء الانفعال.

ولم تعد خريطة السوري، المكانية، وحدها، تبوصل موقعه، بعد أن استيقظت ـ فجأة ـ كل هذه المتناقضات، المنومة، من تحت رمادها، لأن هناك سلسلة خرائط فاعلة في تحديد شكلها. إذ أن هناك مقابل هذه الخريطة أرومات خرائط، مستحدثة، واقعاً، أو مجازاً، تولدت تحت سطوة سايكولوجيا الحرب والمكيدة، إلى جانب أرومات خرائط ماقبل اللحظة السورية، وخرائط المحيط، التي طاولتها الأيادي القريبة والبعيدة، الإقليمية، والإسلامية، والكونية، بما أوصلها إلى مهاوي لزوم المعادلة التي لا يمكن أن تستقيم ضمن حدود ما قبل المعجزة الآدمية.

ثمة قلق رهيب، ينتاب السوري، في عمقه، ومحياه، داخل معادلة المكان، أو خارجها، وهو يجلي البصر، كي يسترئي ما بعد دخان الحرب، وركامات الجثث والدمار، حيث لا يبدو جلياً، في لحظة الغبش، والتضبب، كل ما هو مكمون، إذ لابد من استقامة أطراف معادلات شتى، مشوشة، يختلط فيها فايروس النظام، بفايروسات المعارض الذي نشأ في أحضانه ـ وهو ما لا يعمم البتة أمام حالات الاستثناء وما أكثرها..! ـ بالفايروسات الأممية، لاسيما في تصنيفيها: الروسي والأمريكي، إضافة إلى ما هو متأسلم، كي يزداد التهاب الصفيح، وهو يتحول إلى سفود لامنجى لأحد منه، وإن تفاوتت درجات أذاهم، بتعدد ذواتهم، ومدى درجات القرب أو البعد من الكور الأتوني الذي لما ينطفىء بعد..!.

لا حل البتة، لمعضلة السوري، على المدى العياني، إلا بإيجاد تلك المقدرة على إقصاء القاتل، بهوياته المتعددة، عبرفرض إرادة إقصاء «القاتل» المستنسخ عن «القاتل الأول» على أن يكون هذا الأخير، أولهما، مادام أنه أول القتلة، وإن كانا متوازيين في الحكم، بل إقصاء كل من سال هذا الدم السوري في حضورهم، ومن عداد هؤلاء: مفاوضواليوم، ومن يتنطعون كي يكونوا مفاوضين، وهم شركاء بأدوارهم، في ما آل إليه المشهد السوري، كي يجلس السوريون، على اختلاف أهوائهم، ورؤاهم، على طاولة محايدة، مستبان مافوقها، أوماتحتها، وما وراءها، وما حولها، ليمنحوا كل ذي حق حقه، ضمن الفضاء الذي يتفقون عليه….!.

الحديث عن المرحلة الانتقالية في سوريا، والتي كانت لعقود أحد شطري دولة البعث، يحيل إلى تخيل حال الشطر الأول، أي: العراقي، في راهنيته، وبعد عقد ونيف على سقوط نظامه، وإطلاق الإرهاب من عقاله، لاسيما أن نظام الشطر السوري وراء ما وصلت إليه الأمورفي الشطر المقابل، من خلال استبكار مواجهة الثورة قبل ولادتها، ببضع سنوات، وتحديداً منذ أن تم إطلاق خطاب «المقاومة» الملفق، التضليلي، وما نجم عنه من تصدير لمن سموا بـ«الجهاديين» الذين ولدوا من رحم أجهزة الاستخبارات السورية التي راحت تخطط للقتال من أجل كرسي النظام، على أرض غير سورية، فكان ذلك، ولا يزال، في تواز مع ما هو سوري، حتى في استنبات أعتى أشكالها الداعشية، أوالمابعد قاعدية.

إن هذا الاتفاق، لا يمكن أن يعول عليه، في صورته هذه، ضمن سلسلة الجنيفيات المتسلسلة، حتى الآن، المحكومة بإرادة أو فعل قوى الدفع إلى الحرب القائمة ذاتها، مادام أن هناك من يعطي القاتل حقه في التفاوض، ومادام أن بعض السارقين، أو المتواطئين، مفاوضين، من ضمن هيئات سورية فقدت مصداقياتها، وهنا، فإنه لابد أن تكون هناك إرادة عليا تواصل التصور العام، لا تكون فيها الغلبة لطرف دولي، دون آخر، مع التركيز على إبعاد من آزروا القتلة، متباهين، بأفاعيلهم، لأن أمكنتهم محاكمات التاريخ، لا سدة التحكم بمصائر الأمم والشعوب.

٭ كاتب سوري يقيم في ألمانيا

======================

مهمة قتال تنظيم «الدولة» ونيرون الأسد! .. الطاهر إيراهيم

القدس العربي

الاثنين 22/2/2016

لم يمر وقت على سوريا كانت العلاقة فيها جيدة بينها وبين واشنطن إلا بعد أن صعد حافظ الأسد إلى السلطة في عام 1970. فقد كانت العلاقة سيئة جدا بين البلدين بسبب دعم واشنطن لإسرائيل. فقد كانت الحدود بين سوريا وإسرائيل دائما تشهد توترا ومناوشات عبر الحدود خلال الفترة بين عامي1948-1963 تاريخ استلام حزب البعث للسلطة.

في عهد حافظ كانت العلاقة مع واشنطن ظاهريا ليست على ما يرام. لكن التنسيق بينهما كان في أحسن حالاته، خصوصا عندما وقفت واشنطن إلى جانب حافظ الأسد ضد رفاقه في حزب البعث في انقلابه عليهم في ما سمي بالحركة التصحيحية في 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1970.

لم يختلف الحال في عهد بشار الأسد عنه في عهد أبيه، رغم أن طائرات إسرائيل كانت تخترق حاجز الصوت عدة مرات فوق سوريا، حتى أنها اخترقت الحاجز فوق قصره باللاذقية وهو فيه في ساعة القيلولة. في كل مرة كان وزير إعلامه يهدد بأن سوريا سترد بالوقت المناسب، لكن هذا الوقت المناسب لم يأت حتى الآن.

عندما قامت الثورة السورية في 15 آذار/مارس 2011 لم يتغير موقف واشنطن من بشار، وإن بقيت تبيع الشعب السوري كلاما معسولا «كالبرميل المملوء زفتا وعلى وجهه طبقة رقيقة من عسل مغشوش». فيزعم أوباما أن أمريكا على رأس أصدقاء الشعب السوري، وأنه طلب من وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون أن تكون على رأس مؤتمرات تعقد باسم أصدقاء الشعب السوري، ولم تتغيب حتى عن المؤتمر الذي أشهر فيه الائتلاف السوري في الدوحة خريف عام 2012.

كثير من السوريين صدقوا أن للثعلب دينا، وأن واشنطن لبست الحجاب الشرعي، وأنها عازمة على الحج إلى البلاد المقدسة، حتى كان ذلك اليوم الذي ظهر فيه أوباما على حقيقته حيث وجد نفسه مطالبا دوليا بتنفيذ تهديده ضد بشار الأسد الذي قتل1300طفـل سـوري بالـسلاح الكيماوي، وكان قد قال: «إن الكيماوي خـط أحمر». لكنه «لحس» كـلامه فـوافق على أن يـدمر بشار سلاحه الكيمـاوي، وكأن الـ 1300 طفل سوري هم أفراخ دجاج أحـرقها مـرض الكسـاح.

وعندما ظهر تنظيم الدولة معلنا الخلافة من منابر الموصل، مهددا الغرب أنه سينتقم من «الخواجات»، فذبح صحافيين أمريكان وثالث انكليزي، جمعت واشنطن حلفاءها وقررت أن تغزو التنظيم في عقر داره. قبلها كان التنظيم قد غدر بعشرات من جبهة أحرار الشام عندما استولى على الرقة، فلم يطرف لأوباما جفن لأن هؤلاء مسلمون سنة «فخار يكسّر بعضه». بل إن حسن نصر الله اللبناني استغل قرب مدينة القصير منه فهجم عليها واستباح حرماتها، فلم تحرك واشنطن ساكنا لأن أهل القصير مسلمون سنة دمهم حلال.

كان أوباما طلب من تركيا في عام2014 أن تحرك جيوشها باعتبارها جزءا من التحالف ضد تنظيم الدولة، فقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إنه لن يدخل جيشه إلى سوريا إلا إذا كانت المهمة هي قتال تنظيم الدولة ونظام بشار الأسد، لأنه لا فرق بينهما فكلاهما إرهابيان.

وعندما هرب مئات آلاف السوريين عبر الحدود إلى تركيا خوفا من بطش أجهزة بشار طلبت تركيا من أوباما إنشاء منطقة ملاذات آمنة للسوريين، لكن واشنطن رفضت بحجة أنه يحتاج موافقة مجلس الأمن وهناك الفيتو الروسي. ويوم احتل تنظيم الدولة عين العرب كوباني قامت الطائرات الأمريكية بقصف تجمعات التنظيم، بل وأسقطت للأكراد الأسلحة والطعام من الجو، ولم تطلب موافقة مجلس الأمن ولا بشار الأسد، الأمر الذي لم تفعله للسوريين الهاربين، مع أن وضعهم أسوأ من وضع سكان كوباني، ومرة أخرى لأنهم مسلمون سنة.

وافقت تركيا والسعودية الآن أن تدخلا إلى سوريا لتحاربا تنظيم الدولة فتعلن واشنطن موافقتها في ظاهر الأمر. لكنها على أرض الواقع تضع العقبات أمام ذلك، لأن هذا التدخل قد ينهي خطر التنظيم الذي كثيرا ما كان ينسق خططه مع بشار الأسد وينسحب من مواقع كان يحتلها ليدخل إليها جيش بشار. مثلما أوقف التنظيم حصار مطار»كويرس» بعد سنتين من الحصار. كما أنه يحاصر الآن مدينة مارع في الوقت الذي تـهاجمـها فيه وحـدات الشـعب الكردية (pyd).

أما الميليشيات التي تدعم نظام بشار فتحارب قرى ريف حلب الشمالي، وتدع مدينة «الباب» التي تقع تحت سيطرة التنظيم المحاذية للريف الشمالي لا تمسها هذه الميليشيات بسوء.

يبقى أن نقول: نحن السوريين وأوباما في أمر عجيب! نقتل في المعارك ونموت جوعا وندفن تحت ركام العمائر المتهدمة. ثم يطلب منا أوباما أن نترك»نيرون» العصر بشار الأسد الذي قتل منا نحن السوريين نصف مليون سوري واعتقل نصف مليون آخر وقد شرد خارج سوريا وداخلها نصف عدد السوريين.

ثم نلتفت إلى محاربة تنظيم الدولة ، وهو لا يعدو كونه قاطع طريق تستطيع الطائرات الأمريكية بدون طيار أن تتكفل به، كما كانت تفعل بين الحين والآخر بعناصر «القاعدة» في اليمن!

======================

معركة حلب! .. د.خالص جلبي

الاتحاد

الاثنين 22/2/2016

قبل نشوب الحرب العالمية الثانية توجه الفيزيائي (فيرنر هايزنبيرج) على ظهر باخرة إلى أمريكا الشمالية. كان ذلك في شهر أغسطس 1939م تماما مثل شهر فبراير الحالي 2016م الحامي حول حلب في سوريا حالياً. قال الرجل في كتابه (الجزء والكل ـ حوارات في الفيزياء النووية) قبل العاصفة يفعل المرء ثلاثاً كما هو المسافر في السفينة حين تباغتها العاصفة؛ شد الحزام تهيئة أطواق النجاة ووداع من تحب لأنها قد تكون اللحظات الأخيرة قبل الغرق.

فعل الرجل بنفس القواعد الثلاث؛ أخذ عائلته إلى الجبال. قال قد تكون النجاة حين تتهدم المدن الألمانية كما نشاهد في سوريا الأسد هذه الأيام، ثم حمل نفسه لمقابلة صديقه (انريكو فيرمي) الإيطالي الذي فر من الفاشية؛ فبنى للأمريكيين الفرن (المفاعل النووي) الذي منه يستخرجون ما يشاؤون من قنابل ذرية!

في المقابلة التي يرويها في كتابه سأله فيرمي كيف ترى الأمور؟ قال هي سحب الحرب قادمة لاشك فيها ولا ريب.

هذا الفصل من كتاب فيرنر هايزينبيرج (تصرف الأفراد حيال الكارثة) جذبني جدا أكثر من نظريته حول مبدأ اللايقين أو الاحتمال في حركة الإلكترون، وهو فصل من فلسفة علم النفس الاجتماعي أكثر من الفيزياء النووية ومشاكلها يقينا أو احتمالا.

أتذكر من القرآن شيء من هذا القبيل حيث وجه الكتاب نظرته نحو فهم حركة التاريخ والبشر وهدايتهم إلى السلوك الصحيح أمام خيارات الفناء أحياناً كما هو حال نظام الأسد في سوريا.

ما تقدمت به يلقي الضوء عما سيحدث في حلب في الأيام القادمة ونحن هنا أمام الأفكار التالية: الأولى: العقل العلمي مفتوح على كل الاحتمالات بمعنى أن كل شيء قابل أن يحدث على نحو معلق يصعب الجزم فيه واليقين. هذا هو قدر التاريخ من حركة وصراعات البشر. الثانية قد ينتصر الثوار في المدينة التاريخية فتكون قاصمة الظهر للنظام «البعثي» الدموي وتنتقل المعركة من الشمال إلى الجنوب زحفا باتجاه عاصمة الأمويين. وقد يحدث العكس ـ وهو الأرجح ـ من انتصار النظام المدجج بالسلاح، مع الأسلحة والخبرة الروسية، التي يحاول فيها القيصر الروسي بوتين تحويل سوريا إلى غروزني موسعة. هذا إن استطاع؛ فهنا المواجهة مختلفة عن قتال الجيب الشيشاني الصغير. نحن هنا أمام تكنولوجيا عاتية، في مواجهة ثوار يحتاجون لتدريب عال ومعدات متطورة، مقابل تدخل دولي يريد أن يحقق انتصار طرف على طرف، كما يريد ولمصلحته هو، أكثر من الطرف المنتصر، طالما كان التموين بالسلاح ليس من صناعة الثوار. حالياً في معركة حلب لو وضع سلاح متقدم ضد الطيران لتغير ميزان المعركة بموجب التكنولوجيا المتقدمة. هذا يظهر مأساة الحرب الحقيقة عارية صادمة، أن من يخوض الحرب يستطيع أن يبدأها، ولكن نهايتها ليست في يده بسبب مد السلاح ونوعيته وكميته.

هنا تقوم الدول العظمى بدور إجرامي لا أخلاقي، لأنها تنصر من تشاء من خلال السلاح. هنا من ينتصر قد لا يكون هو الطرف الأحق بالنصر.

نماذج هذه كثيرة عبر التاريخ. لعل الحرب العراقية الإيرانية هي النموذج الصارخ؛ حيث كانت ثلاثون دولة تمد الطرفين بالسلاح بحيث يتحقق الاحتواء المزدوج كما كانوا يسمونه. أي لا ينتصر طرف على آخر.

حاولت إيران بالقرابين البشرية أن تحقق النصر حتى وصلت الأمور إلى استخدام الأسلحة الكيماوية كما فعل بشار في سوريا. ينقل عن رستم غزالة المقتول بعد مقتل أئمة المخابرات في 18 يوليو 2011، قوله سنعمل في حلب ما يترك مذبحة حماة نزهة أمامها. الأب دمّر حماة بقتل عشرات الآلاف، (أقلها عشرون ألفا والبعض يرفع الرقم حتى أربعين ألفا بمسح نصف المدينة في 27 يوماً عجافاً. الأمر الثالث والأخير في قناعتي أن النظام قد يربح معركة حلب وينسحب الجيش الوطني الحر، ولكن الثورة السورية لن تقف عند معركة أي مدينة. أعجبني تعليق يقول إن النظام الأسدي دمّر حمص، ولكنه لم يزد الثورة إلا اشتعالاً، ولم يزدد هو من الشعب السوري إلا بعداً، ولم يزد الثورة إلا مزيداً من التصميم على تدمير نظام «البعث» مرة واحدة وللأبد.

======================

في التشويش على دور الهيئة العليا للمفاوضات .. وائل مرزا

الحياة

الاحد 21/2/2016

في التشويش على دور الهيئة العليا للمفاوضات ثمة (موجةٌ)، غريبةٌ ومتصاعدة، يزداد ركوبها من قبل بعض السوريين، في الآونة الأخيرة، تتمثل في ممارسة الغمز والهمز واللمز فيما يتعلق بدور الهيئة العليا للمفاوضات حينًا، وبأصل وجودها أحيانًا.

لا جدلَ بأن انتقاد الهيئة والرقابة عليها، بشكلٍ موضوعي، ليس حقًا للسوريين فقط، وإنما هو واجبٌ عليهم، بل سيكون من المحبذ ظهور جهدٍ شعبي/ مؤسسي يؤدي هذه المهمة بطريقةٍ علمية ودورية (قد يبدأ العمل عليه قريبًا)، بحيثُ تكون هذه الممارسة إحدى مظاهر النقلة في التفكير السياسي للمعارضة السورية.

لكن هذا كله شيء، وما يجري في الآونة الأخيرة شيءٌ آخر.

لا يهدف هذا التحليل إلى الدخول في النوايا، لأن هذا، ببساطة، يُخرج الموضوع كله من أطر التفكير المنهجي الذي يحاول الالتزام به.

السياسة فنﱠ الممكن، هذا التعريف البسيط (والمختزل) للسياسة بات معروفًا لدى السوريين جميعًا، ورغم شيوع استعماله إلى حد الابتذال، لكن العمل وفق دلالاته في ساحة الواقع لازال -لدى كثيرٍ من المنخرطين في الشأن السياسي السوري- أصغرَ بكثير من آفاقه الحقيقية، فحدود (الممكن) الوارد في العبارة الصغيرة محكومةٌ بدرجة المعرفة النظرية بحقل السياسة، وتاريخها، ومداخل العمل فيها، وإبصارِ فسحة البدائل والخيارات المتعلقة بها، ومدى القدرة على رصد متغيراتها المتسارعة والكثيرة، والتوازنات الدقيقة بين (مصالح) و(سقوف) القوى الإقليمية والعالمية، ومعادلات التداخل الموجودة دائمًا بين تلك المصالح، والإرادات الممكنة دائمًا في رفع القرارات لتلامس تلك السقوف.. وما يمكن أن ينتج عن إدراك هذا كله من أفكار ومشروعات وقرارات سياسية يمكن أن تكون خلاقةً وجديدة وخارجةً على المألوف.. إلى غير ذلك من العناصر.

من هنا يُصبح (الممكن) في نظر البعض محصورًا في خيارٍ واحد، لأن الواقع في نظرهم (يفرض علينا) أصلًا خيارين لا ثالث لهما، ونتيجة مزجٍ، غير مقصود، بين الإخلاص من ناحية، وخبرةٍ عمليةٍ محدودة من ناحية ثانية، ورصيدٍ علمي قليل من ناحية ثالثة، تأتي الطروحات، رغم حرارتها أحيانًا، أضيقَ بكثير من أن تُحيط بدائرة الواقع العملي على مستوى التحليل، ومن أن توفر بالتالي، أي فسحةٍ للتعامل معه بما يحقق مصلحةً حقيقية على المستوى العملي.

لكن الأخطر من هذا يكمن في التشويش الذي ينتج عن مثل هذه الظواهر في أذهان السوريين فيما يتعلق بدور الهيكل السياسي الفاعل للمعارضة السورية في هذه المرحلة، والمتمثل في الهيئة العليا للمفاوضات، فبغضﱢ النظر عن أدائها الذي ذكرنا أنه متقدمٌ، لكنه يحتاج إلى تطوير، وبغض النظر عما أحدثه وجودُها من بعض تغييرٍ في المواقع والأدوار، على مستوى الأشخاص والهياكل.. إلا أنها تبقى حاليًا الجهة السياسية الفاعلة في المسار السياسي المتعلق بالموضوع السوري، وبإجماعٍ إقليمي ودولي.

وبحدٍ أدنى من المنطق، السياسي والواقعي وحتى الأخلاقي، يغدو العمل لدعم، وترشيد، الحركة من خلال الهيئة هو الأمر الطبيعي لمن يصر على الوجود في الساحة السياسية على الأقل، وهذا يُلغي مشروعية المناورة بطريقة الاحتفاظ بقدمٍ فيها من ناحية، ثم تقديم طروحات تتناقض جذريًا مع رؤيتها وتوجهها وسياساتها من ناحيةٍ ثانية.

يلفت الانتباه أيضًا في مجال التشويش الذي نتحدث عنه تصاعدُ بعض الطروحات من هنا وهناك، وبأساليب مختلفة، وتناغمٍ غريب، عن الحاجة لتغيير كل الطاقم السياسي الحالي للمعارضة السورية بدعوى انتهاء صلاحيتهم تحت مقولة (لكل دهرٍ دولةٌ ورجال)، والمفارقة أن أصحاب هذه المقولات يبحثون عن هذه الشريحة (الفريدة) و(الجديدة)، متناسين دورهم (القديم) والتاريخي المعروف والموثق في التجارب الماضية..

ثمة جديةٌ في المواقف وطرق التفكير كانت تقتضيها الثورة السورية دائمًا، وهي تقتضيها اليوم أكثر من أي وقتٍ آخر، وثمة تشويشٌ على عمل الهيئة العليا للمفاوضات المُكلفة اليوم بتصدر المسؤولية، وهو تشويشٌ يأتي من خارجها لأسباب متنوعة تبدأ بقلة الرؤية النظرية والخبرة العملية ولا تنتهي ببحث البعض عن دورٍ جديدٍ أو مفقود.. لهذا، تُصبح الهيئة نفسها مُطالبةً بالمراجعة الدائمة وتطوير آليات عملها الداخلية التنظيمية والإدارية والبحثية، بما يضمن أداء دورها الذي يهدف لعدم ضياع تضحيات السوريين، عمليًا، وليس فقط بالمواقف والتصريحات الإعلامية.. فالخلط في هذه القضية بسبب القراءة الخاطئة لبعض الوقائع والأحداث هو الذي سيهدد دورها ووجودها إلى حدٍ كبير.

======================

داعش الروسية .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الاحد 21/2/2016

أتت القوات الروسية إلى سورية لمحاربة داعش، هكذا عمّم الإعلام الروسي، وكرّره مسؤولون روس. لكن الحرب طاولت قوى الثورة، أي الكتائب التي تقاتل النظام، حتى جبهة النصرة المصنفة دولياً تنظيماً إرهابياً لم يطلها القصف الروسي. طبعاً أميركا تعمل الأمر نفسه، حيث أنها شكلت تحالفاً ضد "داعش"، لكن قصفها قلما يطاول مسلحي هذا التنظيم.

وإذا كانت المؤشرات عديدة حول علاقة داعش بأميركا، فقد كان الشك قليلاً بعلاقة روسيا بهذا التنظيم. حتى إيران والنظام السوري كانت هناك مؤشرات لعلاقة ما مع داعش. كان عدم الشك بروسيا واضحاً على الرغم من أعداد "الجهاديين" الشيشان الكبيرة في بنية داعش، وحتى في قيادتها، ومن هؤلاء أبو عمر الشيشاني. وذلك كله على الرغم من أن روسيا بوتين تعاملت مع "التمرّد الشيشاني"، واخترقت "المجاهدين"، وتوصلت إلى قتل أحد قادتهم، المسمى خطّاب. واستطاعت أن تستميل كثيرين من هؤلاء، وأن تفرض سلطتها عبر أحد أبرز الرموز الشيشانية، قاديروف.

لهذا، كان ممكناً توقّع وجود علاقة بين روسيا وداعش، وخصوصاً أن التدخل الروسي الذي أتى باسم الحرب على داعش لم يطاوله سوى بشكل هامشي. على الرغم من أن ما كان يعمّم، أو يُفرض كمنظور، يقوم على أن داعش "تنظيم مستقل"، هو نتاج واقعنا، على الرغم من أن كتلة عناصره الأساسية آتية من الخارج، أو أنه فعل أميركي. لا أشكك بأنه فعل أميركي، لكنه "مخترق" من دول أخرى، ظهر دور إيران واضحاً، لكن الدور الروسي ظل "خارج النقاش"، سواء لأنها قاتلت الشيشانيين، أو لأنها لا تستخدم هذه الأساليب، لأنها "معادية للتعصب الديني".

لكن ما صرَّح به قاديروف ربما يغيّر من هذه النظرة، ويُدخل روسيا في إطار الدول التي "تخترق" داعش. قال "إنه تم إرسال أفضل المقاتلين الشيشان" إلى داعش، "لجمع المعلومات"، والعمل من الخلف لدعم التدخل العسكري الروسي، لكنه أوضح "أن عملاء الاستخبارات الشيشان في بداية الحرب الأهلية في سورية تم إرسالهم سرياً إلى معسكرات تدريب، لتدريب المقاتلين الذين يعلنون الوهابية"، وأفاد بأنهم "كشفوا أنه كان هناك مدربون من دول حلف شمال الأطلسي". إذن، أرسلت روسيا "مدربين"، وقيادات وعناصر، كما فعلت الدول الأخرى، على الرغم من أن كلّاً منها كان يعتبر أنه يسيطر على التنظيم، وأنهم جميعاً استفادوا منه.

ربما هذا أول اعتراف بدور روسي في تنظيم داعش. وهذا يفسّر لماذا لا يقصف الطيران

"داعش شركة أمنية خاصة ومساهمة، يوظّف فيها أطراف كثيرون" الروسي التنظيم، حيث أن هذا "الاختراق" هو من أجل استخدام التنظيم، كما تفعل أميركا تماماً. ومن ذلك ما نشرته مجلة فورن بوليسي، أخيراً، حول التعاون مع "داعش"، فيما يخص النفط في المنطقة الشرقية. حيث ذكرت أن شركة "سترويترانسجاز" الروسية التي حصلت على امتياز استثمار حقل توينان للغاز، استأنفت أعمال التشييد في الحقل بعد سيطرة "داعش" عليه في مطلع 2014، وبموافقة التنظيم، وأن المهندسين الروس ظلوا يعملون هناك لإكمال المشروع، مشيرة إلى أن تقريراً نشرته صحيفة تشرين التى يديرها النظام، فى يناير/كانون الثاني 2014، بدا معززاً لذلك". " ونقلت "تشرين" آنذاك، عن مصادر حكومية سورية، إن "سترويترانسجاز" أنجزت 80% من المشروع، وإنه يُتوقع أن تُسلم المنشأة للحكومة فى النصف الثاني من العام، من دون أن تذكر أنها خاضعة لسيطرة "داعش". ولا شك في أن إشارة الصحيفة السورية الحكومية تعطي المصداقية على ذلك، لأنها تشير إلى نشاط الشركة في فترة سيطرة "داعش".

بالتالي، تمارس الشركة الروسية نشاطها في منطقةٍ تسيطر داعش عليها، وهذا ما يشرحه موظف لدى النظام، يعمل في تمديد خطوط الغاز والنفط، تصميماً وتنفيذاً وإشرافاً، وهو يعمل في تدمر وبادية حمص والرقة، أي في أرض الدواعش وحمايتهم وتقديمهم خدمات وتسهيلات العمل والدعم اللوجستي والعمل لصالح النظام، كما قال. وأشار إلى حقل توينان الذي يحوي مخزوناً هائلاً من الغاز، وقال إن العمل فيه لا يزال مستمراً تحت حماية الدواعش حتى هذه اللحظة. ويقوم الخبراء الروس والعمال المحليون بأعمالهم، وكأن لا شيء حولهم. وقال إن 50% من الدواعش هم من الروس، ويقومون بمهمة الحماية. وأكمل أن هذه المناطق هي لروسيا، وليست للنظام، بموجب عقود وتفاهمات بين النظام والروس، قديمة قبل الثورة، ومن الطبيعي أن تُحرس وتحمى من جنود روس. لذلك، كان 50% من تركيبة داعش روساً مدرّبين تدريباً عالياً، ويقومون بدور الحماية، ويتوسعون باتجاه السيطرة وانتزاع الأرض من قوى الثورة. وهم كما يشير قاديروف من الشيشان بالأساس.

لهذا، يسيطر الروس على حقول النفط والغاز تحت يافطة "داعش"، وهم من يصدر النفط باسم "داعش" إلى النظام ودول أخرى. وهذا يؤكد أن "داعش" يتعاون مع النظام والروس في تصدير النفط، لأنه أصلاً للروس والنظام، و"داعش" هو الحارس له، على الرغم من أنه يُصدَّر باسمه.

ربما هنا تظهر أهمية ما قاله قاديروف، والذي نشر في صحف روسية (موقع سبوتنيك)، حيث أن هؤلاء الذين يسيطرون على تلك المناطق من الشيشان في الغالب، وهم من أرسلتهم المخابرات الروسية لكي يكونوا "جهاديين" في داعش، وأن يدربوا الوهابيين. ولهذا، لا يتعرضون للقصف الروسي (أو حتى الأميركي)، ويخضعون لتكتيك الروس والنظام في الصراع ضد الثورة. إذن، هذا هو الفرع الروسي لداعش الذي لا يوجد في تلك المناطق فقط، بل يعمل في أكثر من منطقة، ضمن سياسة النظام والروس لسحق الثورة.

هنا، نحن لا نحلل فقط، بل نستند إلى معلومات موثقة من مصادر روسية ومن النظام. لتظهر طبيعة "داعش". ولكن، أيضاً زيف خطاب الروس والنظام الذي يقول إنه يحارب داعش. فداعش شركة أمنية خاصة ومساهمة، يوظّف فيها أطراف كثيرون. وهنا، يظهر التوظيف الروسي، كما ظهر التوظيف الإيراني، والتركي، وتوظيف النظام. وروسيا سيطرت عبر التنظيم على مناطق النفط السوري الذي تحصلت على حقوق استغلاله، وتدفع به لقتال الكتائب المسلحة ضمن هجوم مزدوج (أو متعدد، بعد مشاركة قوات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي) في شمال حلب.

وربما انطلاقاً من هذه المعلومات، يمكن تفسير عمليات عسكرية عديدة، قام بها التنظيم ضد جيش النظام في المنطقة الشرقية من سورية، وفي حصاره مطار كويرس أكثر من سنة ونصف من دون اقتحامه، ومن ثم تسليمه للنظام أخيراً، وأيضاً كل المعارك التي خاضها ضد الكتائب التي تقاتل النظام.

الآن، يمكن أن نقول إننا عرفنا داعش الروسية.

======================

سورية في منظور أوباما .. غازي دحمان

العربي الجديد

الاحد 21/2/2016

على مدار خمس سنوات مضت، انتقلت سورية في إدراك إدارة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، من موقع إلى آخر، مرّة جرى وضعها في قلب العالم، وصارت البؤرة التي تحدّد سلامه واستقراره، ومرّة صارت على هامش العالم، وحينذاك لم يكن ثمّة داع سياسي وأخلاقي للتمييز بينها وبين الكونغو. وأخيراً، تاهت، ولم يعد يعرف أوباما نفسه أين صارت. ربما تحتاج إدارته هذه الديناميكية الإدراكية المتطوّرة دائماً، لتتمكن من ترتيب سياساتها وقراراتها، سورية عائمة في فضاء غير محدّد أفضل من سورية محدّدة المعالم يمكن بسهولة قراءة أبعاد كارثتها، وتظهير الالتزامات الواجبة تجاهها، لكن سورية، وفق هذه الشاكلة، تصبح قضية كلاسيكية "ثورة حريّة" من تلك القضايا التي عاينتها الإدارات الأميركية المتعاقبة، ولم تنطو على فرص استراتيجية خلّاقة، تساعد واشنطن، في نقلتها إلى زمن مختلفٍ، في عالم العلاقات الدولية.

ثمّة من تسرّع، وأطلق على هذا النمط من خليط السياسات "غياب الرؤية الإستراتيجية"، بحيث تتقزم الإستراتيجية إلى جملة سياساتٍ غير مترابطة، وغير هادفة، في الوقت نفسه. ويلّطف بعضهم هذا التوصيف بالقول بـ "ضبابية الرؤية الإستراتيجية"، وهي حالة صانع القرار المرتبك تجاه قضيةٍ، وعدم قدرته على تحديد الخيار المناسب للتعاطي معها. وفي الواقع، يستحيل وضع إستراتيجية واضحة مع غياب وجود حالة ثبات يمكن الانطلاق منها، بحيث يمكن وضع ركائز الإستراتيجية تلك، وإمكانية تطويرها وفق مقتضيات تطوّر الحالة نفسها.

ليست سورية في منظور إدارة أوباما جغرافيا ولا ديمغرافيا، هي قطع من أزمات عديدة، يجري التعامل مع كل واحدة بشكل منفصل. مرّة تكون على شكل أزمة سلاح كيماوي يهدّد أمن إسرائيل، ومرّة أخرى على شكل أزمة لاجئين، تهدّد بتفكيك الاتحاد الأوروبي. وفي كل الحالات، رفض الإدراك الأميركي توصيف الحالة السورية على أنها قضية أمن قومي، بقدر ما هي التزام تجاه شركاء خارجيين، يمكن لإجراءات بسيطة ومحدّدة أن تعدل من آثار التداعيات التي تنتجها. وحتى تلك الإجراءات تشمل مروحة واسعة من التصرفات التي لا تستدعي تدخلاً أميركياً مباشراً، مثل تكيف أوروبا مع أزمة اللاجئين، وإيجاد الحلول المناسبة ذاتيا، أو كأن تنسق إسرائيل عسكرياً مع روسيا.

هذا الشعور بعدم الإلحاجية هو ما يظهر السياسة الأميركية بمظهر القادر على إدارة الأزمة بدم بارد، يصل إلى حد التجريب والتدرب السياسي والمساومة البعيدة الأمد، بل تحوّل سورية إلى مختبرٍ لفحص توجهات العالم في المرحلة المقبلة، ومعرفة أنماط القوة، وطبيعة الإستراتيجيات التي يفكر بها الخصوم. على ذلك، بقدر ما تصبح سورية بالنسبة لروسيا مختبراً لنماذج الأسلحة الحديثة لديها، تعتبر واشنطن سورية أيضاً مختبراً لمعرفة فعالية السلاح روسيا في أي حرب قادمة، واكتشاف ما تخبئه من أسرار عسكرية، إن على مستوى تقنيات الأسلحة، أو على مستوى الخطط والإستراتيجيات.

وفق ذلك، تبدو سورية في مدرك إدارة أوباما جغرافيا محمولة على سفينة أو طائرة. وفي

"اكتشف أوباما أن التدخل الروسي علامة على ضعف الأسد!" الحالتين، هي ذات طبيعة متحركة ومتنقلة، مرّة تصبح على تماس التخوم الأوروبية، عندما تشتكي أوروبا من أزمة المهاجرين. حينها تضع تلك الجغرافيا رحاها بالقرب من أوروبا، ومرّة تصبح على الحدود الروسية، وعلى مشارف موسكو، عندما يتم تفهم السلوك الروسي إزاءها. وحينها، تغدو سورية واحدةً من دول آسيا الوسطى التي تقع في الحرم الروسي، ومرّة تحط على حدود الكونغو وتتأفرق أزمتها، فيطلب أوباما من الذين ينتقدون تراخيه عن التدخل التفريق بين أزمة الإنسان في الكونغو وأزمة نظيره السوري، وبالتالي، عدم إمكانية تفضيل أحد عن الآخر، والتدخل لصالح هذا وعدم التدخل لصالح ذلك.

ولعل ما يسلط الضوء على حقيقة أن سورية هي جغرافيا متحركة، تغيب، أحياناً، عن مراصد إدارة أوباما، اكتشاف الرئيس أوباما نفسه، أخيراً، أن التدخل الروسي علامة على ضعف الأسد! أو كأنه ليس من البديهي أن يتم هذا التدخل نتيجة ضعف الأسد. وليس رفاهية تمارسها روسيا، على الرغم من أن سكان جبال الإكوادور وصل إليهم، منذ فترة بعيدة، أن نظام الأسد متهالك، ويستعين حتى بأفراد يتم جمعهم من مخيمات الأفغان في إيران، ومن جبال باكستان، والمغامرين العراقيين الباحثين عن ساحاتٍ لتنفيس احتقاناتهم، وهذا يثبت أن أوباما غائب عن تفاعلات الميدان السوري، ومنذ عشية الليلة التي أنجز فيها الاتفاق مع بوتين، لتسليم الأسد سلاحه الكيماوي.

وأيضاً، ما يؤكد هذه الحقيقة دراسة نشرها مركز أبحاث بروكنجز تكشف أن أوباما يصم آذانه عن كل ما يخص سورية، ولا يعطي فرصة لمستشاريه، لتنبيهه بالمتغيرات الخطيرة التي تحصل في ذلك البلد، وإنه ينطلق من افتراضات أولية وتبسيطية للأزمة، ويرفض بشكل مطلق مغادرتها، أو بناء بدائل منطقية لها.

ومن الواضح أن سورية ستبقى دائمة التنقل، ولن تحظى بأي شكل من أشكال الإقامة، ما دامت إدارة أوباما باقية، بل إنه سيفرض على أي إدارة قادمة التعاطي معها بهذا الخليط نفسه من الإجراءات والسياسات، وربما شكّل هذا الأمر أحد المحركات التي تنطلق منها الحملة الروسية الإيرانية الأخيرة على سورية، حيث تتسارع الخطى، لجعلها حقيقة خارج إمكانية القدرة على التعاطي، بعد أن يتم تشكيلها بمقاسات وتصاميم خاصة.

======================

اختراق أوروبا، هل يقلب الحسابات؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 21/2/2016

اعتبر أوروبيون كثيرون أمواج الهجرة المتلاحقة التي تدفقت على وسط أوروبا وغربها ضرباً من الاختراق ، كسر حواجز قديمة طبيعية ومصطنعة أقامتها علاقات مضطربة، وأحكام مسبقة، وخلافات دينية ومذهبية، وحروب متنوعة، وحملات استعمار ومقاومة، وتواريخ تجاوزتها بغتة جموع تدفقت على البر الأوروبي من الخارج، تنتمي إلى ثقافات وأديان وأعراق وتقاليد مختلفة عن ثقافتها وأديانها وأعراقها، أثار حضورها ذكريات قديمة، سلبية في معظمها لدى قطاعات من الرأي العام، قابلتها ردود أفعال إنسانية النزعة، رحبت بالمختلف والغريب، المبتلى بظلمٍ لا يحتمل في وطنه، هدد وجوده، وقضى بلا رحمة على أعداد كبيرة منه.

رأى الأميركيون في الهجرة الكثيفة إلى أوروبا التي ضمت أعداداً كبيرة من مسلمي البلدان العربية والشرق الأوسط حدثاً يثير القلق، ويمكن أن يهز الأمن الأوروبي، ليس فقط بسبب صعوبة استيعاب قادمين من مجتمعات محتربة ومتخلفة في مجتمعاتٍ يغلب عليها الاستقرار والتقدم، وإنما كذلك بسبب الخوف من تسلل عناصر إرهابية إلى القارة العجوز، لم تدخل إليها طلباً للجوء، بل لتنفذ عمليات عسكرية كالتي وقعت في باريس، وسقط فيها قرابة خمسمائة قتيل وجريح، وتسببت في أزمة داخلية، تتصل بفاعلية المجتمع الديمقراطي، ومقتضيات هويته المسيحية، وبما إذا كان عليه حقاً استيعاب غرباء، وإن كان لا ذنب له في محنتهم، إذا كان من المحتمل أن يكون مئات الإرهابيين قد اندسوا فيه، وجعلوهم حاضنة مخاطر عديدة، حتى إن كانوا أبرياء وضحايا للإرهاب.

بما أن استقرار أوروبا يمثل مصلحة استراتيجية أميركية، كما قال وزير خارجيتها، جون كيري، في كلمة ألقاها في ميونيخ، فإن واشنطن تبدي خشيتها من أن تخل أية أحداث أمنية واسعة في بلد أوروبي أو أكثر بالتوازن الدولي مع روسيا، خصوصاً إن أخذت صورة عجز عن مواجهة التغلغل الإرهابي، على غرار ما شهده العام الماضي، وأخذ شكل هزيمة داخلية أمام عدو لا يقبل التحديد والرصد، يخوض من داخل أوروبا معركة حياة وموت ضد بلدانٍ لا تعرف كيف تبقيه خارجها.

في رؤية واشنطن التي تلتقي مع مواقف الأوساط المعادية للاجئين، وتدرجها في سياقات استراتيجيةٍ، تضفي عليها خطورة إضافية، لم يعد ما يجري في سورية والعراق مجرد تطور محلي، يمكن حصر نتائجه في بلدانه الأصلية أو مواجهة عقابيله بمعزل عن الصراع الدولي، المستعر اليوم بكل ضراوة في مساحات الجغرافيا السياسية الشاسعة، التي تفصل الولايات المتحدة عن روسيا، في المشرق العربي، وعلى امتداد ثلاثة أرباع الكون.

هل تواصل أميركا سياساتها، في حال اهتز الأمن والاستقرار في نصفها الأوروبي، أم تجد نفسها مجبرة على تطوير مواقفها، وتخمد بؤرة الصراع في سورية والعراق، انطلاقاً من حساباتٍ لا يستطيع أوباما إقناع نخبة أميركا السياسية بمواصلة سلبيتها حيالها، بينما تقدم معركة الانتخابات الرئاسية خطاباً مختلفاً إلى درجة التناقض عن خطابه، يحمله المسؤولية عن تنمر روسيا، وفلتان إيران، وإجرام النظام الأسدي، وتراجع نفوذ أميركا ودورها قوة أعظم، ويعلن عداءه المذهبي لكل ما ليس أميركياً، ويتعهد بمواجهة بوتين بالقوة، وإخراج أميركا من "النكسة" الأوبامية التي نزلت بها.

هل ستتعامى إدارة أوباما عن الحدث الأوروبي بالطريقة التي تعامت بها عن الحدث السوري؟ وهل سيقتصر الموقف الأوروبي من الاختراق الإرهابي على القارة وحدها أم سيتخطى ذلك إلى مصدر المشكلات جميعها، أي نظام الأسد المدعوم بإرهاب إيراني روسي، يفرخ إرهاباً داعشياً وغير داعشي، ينتشر في العالم لمقاتلة المختلف، من غير المجدي والمقبول مواجهة أعراضه الداعشية، بالتعاون مع مصدره الأسدي، أو بالسكوت عنه.

هل نلتقط الفرصة ونعمل عليها، أم نتركها للأسد، كما تركنا له الحرب ضد الإرهاب؟

======================

حرب روسيا السورية ونهاية الهيمنة العالمية الغربية .. برهان غليون

العربي الجديد

الاحد 21/2/2016

من الواضح أن الحرب السورية المتعددة الأبعاد والرهانات دخلت مرحلة جديدة منذ فشل مفاوضات جنيف 3، وأن المكاسب التي يحققها التحالف الروسي الإيراني في الميدان تخلق وضعاً جديداً، وتمهد لتحولات سياسية وجيوسياسية، قد تكون لها مضاعفات عميقة على سورية ومستقبل المنطقة والنظام الدولي بعمومه.

بحصارها مدينة حلب التاريخية، وإغلاقها الحدود السورية التركية، بعد ضغطها المتواصل على مواقع المقاتلين السوريين، تضرب روسيا أكثر من عصفور بحجر واحدة. تقضي على قوى الثورة السورية المسلحة التي كانت، منذ البداية، هدف تدخلاتها الدبلوماسية والعسكرية، وتهدد أوروبا التي فرضت العقوبات عليها بالتفكك تحت ضغط طوفان اللاجئين المستعدين لركوب كل المخاطر للوصول إليها، وتدمر آخر ما تبقى للولايات المتحدة والغرب من صدقيةٍ لدى حلفائهما الإقليميين، وبالتالي، من نفوذ في الشرق الأوسط والعالم.

ولا شك في أن موسكو حققت جزءاً كبيراً من هذه الأهداف، وأنها قادرة على استكمالها إذا أصرت. لكن نتائج ذلك لن تكون بالتأكيد مطابقةً لما تتوقعه روسيا نفسها من استعراض قوتها العسكرية، ولا ما تراهن عليه الكتلة الغربية من إمكانية وضع حد لمسلسل الانهيارات المتوالية التي يقود إليها استمرار الحرب، سواء ما تعلق منها بالإرهاب أو اللاجئين، أو الاستقرار الإقليمي والدولي.

فلن يساعد مثل هذا التطور الميداني والجيوستراتيجي على إيجاد أي حل للمشكلات التي فجرت الحرب في سورية، وسعّرت من نيرانها، وأمدت بأجلها، ولا في إنقاذ المنطقة المشرقية من جحيم المواجهات الدموية التي تتهددها، ولا بتخليص القارة الأوروبية والعالم من الإرهاب المتنامي على هامش هذه المواجهات، ولا من باب أولى استعادة الأمن والسلام في الشرق الأوسط وترميم النظام الدولي الذي قوّضته الحرب، وإعادة بنائه على أسس أكثر تماسكاً وصلابة. إنما ستفاقم بالعكس من التصدعات والتناقضات والشروخ التي تكمن في أساس الانفجارات والصراعات المستمرة منذ سنوات.

ففي سورية، تهدد سياسة الأرض المحروقة التي تتبناها الحكومة الروسية، والتي لا تعير أي

"ربح إيران من إقصاء العرب والأتراك في سورية سيكون ربحاً من دون قيمة وقصير المدى، ومقدمة لحروب جديدة قادمة" اهتمام لحياة الإنسان في معاركها الداخلية والخارجية، بكارثة إنسانية محققة، تتجاوز كل ما نجم سابقاً عن تدمير النظام السوري مدناً وبلدات سورية عديدة، وتجويع أهلها، ودفعهم إلى الهجرة القسرية في السنوات الخمس الماضية. وتقود الحملة التي تشنها الطائرات الروسية، بالتنسيق مع القوى الإيرانية لإعادة احتلال الشمال السوري، وحصار منطقة حلب وإخضاعها، والتي تستهدف عمداً المستشفيات والمدارس والخدمات العامة، من أجل إفراغ المدينة وريفها من سكانها، وتسوية عمرانها بالأرض، لطرد المقاتلين منها، وتسهيل السيطرة عليها في ما بعد، بقوات محدودة، إلى زيادة عدد القتلى والجرحى والمعطوبين من المدنيين، وإلى إطلاق موجة هجرةٍ لامحدودة، نحو الحدود التركية المغلقة، والتي ستزداد إغلاقا في المستقبل.

وعلى المستوى السياسي، لن يساهم حصار حلب وتدميرها في زيادة فرص التوصل إلى تسوية مفروضةٍ بالقوة، كما يفكر بعضهم، لكنه سيفقد نظام الأسد صوابه، ويضاعف من تعنته ورغبته في سحق معارضيه، ويزيد من تصلب المعارضة السياسية والمسلحة التي فقدت ثقتها تماماً بنيات روسيا وسياساتها. وبدل أن يعمل هذا الحسم العكسري الروسي على عزل المنظمات المتطرفة المقاتلة على الأرض، سوف يساهم في توسيع قاعدتها، وصب مزيد من الزيت على نار روح الانتقام والثأر التي تلهب مشاعر أعضائها وتحركها. وعوض أن يعطي مثل هذا التحول بصيص أمل للسوريين، سوف يزيد من شقائهم ويأسهم وضياع ثقتهم بأنفسهم والعالم. وستتفاقم، بسبب ذلك، الأفعال وردود الأفعال اليائسة واللاعقلانية بين جميع أطرافهم، الموالية والمعارضة.

أما على المستوى الإقليمي، فلن يساهم الحسم العسكري الذي يبحث عنه الروس والإيرانيون في حلب، وسورية عموماً، في وضع حد للحرب الإقليمية التي تدور، منذ ثلاث سنوات، على الساحة السورية، وعلى حساب دماء السوريين وعمرانهم ومستقبلهم، وإنما سوف يدفع إلى مزيد من انخراط الأطراف الإقليمية بالحرب، وهي التي لن تقبل بخسارة رهاناتها واستثماراتها الكبيرة في السنوات الخمس الماضية، ولا بالتسليم لإملاءات موسكو وطهران، في تحديد مصيرها ومصير العلاقات الدولية في المنطقة. فمثل هذا الموقف لا يعني خسارتها مصالحها في سورية فحسب، وإنما زعزعة استقرارها السياسي، وتفجير أزماتها الداخلية، وربما دفعها على الرغم منها إلى الانزلاق إلى الحرب، من دون حساب للمخاطر، أملا بانقاذ نفسها واستثماراتها والدفاع عن موقعها وصدقية خياراتها. ومما يزيد من هذا الاحتمال التداخل الذي اشتغلت عليه طهران نفسها في هذه الحرب بين الهيمنتين، الإقليمية والمذهبية الدينية، بحيث سيبدو انتصار طهران انتصاراً للشيعة وخسارة تركيا والعرب خسارة للسنة. ما يضع بذور "حرب مقدسة"، ستجد نخب المنطقة صعوبات هائلة لإخراج الجمهور الشعبي منها، وإعادة توجيه الجهد الجماعي والشعبي نحو إعادة بناء الدولة والمجتمع، وإطلاق الحياة المدنية الطبيعية.

وهذا يعني أن حسم المعركة في حلب لصالح المحور الإيراني الروسي لن يساهم في إيجاد

"لن يساهم حصار حلب وتدميرها في زيادة فرص التوصل إلى تسوية مفروضةٍ بالقوة" فرص أفضل لتفاهم إقليمي، أصبح شرطاً للخروج من المحرقة السورية، للسوريين ولجميع شعوب المنطقة، لكنه سوف يخلق شروط حربٍ طويلةٍ ومدمرة، قد تكلف شعوب الإقليم ملايين القتلى والمنكوبين، كما هي حال الحروب الدينية التي عرفتها أوروبا في القرن السابع عشر، وكلفت بعض دولها إبادة أكثر من ثلث سكانها. وفي النهاية، لن يكون الرابح سوى الموت والخراب وحدهما. ولا ينبغي أن نقلل من مخاطر هذا الاحتمال، مع وجود نظام سياسي بابوي، بالمعنى الحرفي للكلمة في طهران، من جهة أولى، يحتل فيه آية الله، أو رئيس الهيئة الدينية، قمة السلطة. ولا أمل للنخبة الدينية في المحافظة على سيطرتها على الدولة والمجتمع، إلا بالحفاظ على تعبئة دينية قوية، وتهييج المشاعر المذهبية، وانهيار المرجعية الدينية الرسمية للعالم السني، وصعود التيارات والحركات السياسية الدينية غير المسيطر عليها، والخاضعة لقيادات دينية وسياسية شعبوية الطابع، من جهة ثانية.

بدل أن تفرح إيران من النصر الذي تقدمه لها روسيا على طبق من دم، ينبغي عليها بالعكس أن ترى فيه هدية مسمومة للمستقبل. ما يبدو نصراً لها اليوم، بفضل مليشياتها المذهبية ودعم روسيا اللامحدود الموجه أساسا لمعاقبة الغرب والانتقام منه، قد يتحول، ولا بد أن يتحول، إلى كارثة عليها على المدى المتوسط. ومهما نجحت سياسة النخبة "الشيعوية" الحاكمة، الضيقة الأفق، في تهجير ملايين المسلمين السنة، أو زعزعة استقرار بلدانهم وزرع الخراب فيها، فسوف يأتي وقت ينقلب فيه اتجاه الريح، وتجد طهران نفسها ضحية السياسات المذهبية الضيقة الأفق والانتحارية التي غذتها وراهنت عليها في العقود الأربع الماضية. ولن تكون النتيجة انتصار مذهبٍ على آخر وإنما إخراج المنطقة، بما فيها إيران المعتدة بنفسها اليوم، بسبب ثروتها النفطية وتحالفاتها اللاأخلاقية، بأكملها من التاريخ والحضارة.

لا يختلف الأمر عن ذلك على المستوى الدولي. ستكون أوروبا أول البلاد غير المشرقية الخاسرة. وهي وحدها التي ستجد نفسها أمام تحدياتٍ لن يكون لديها القدرة وحدها على مواجهتها، سواء في ما يتعلق بزحف موجات المهاجرين الجدد الفاقدين أي أمل إليها، عبر البر والبحر والجو، أو في ما يتعلق بتنامي القوى الظلامية والمتطرفة المنتجة للإرهاب على أراضيها. وكلاهما يتغذّى من الآخر، فاليأس والضياع يغذيان التطرف، تماماً كما يغذّي التطرف خوف الدول الغربية من اللاجئين، ورفض استقبالهم، وبالتالي، تعزيز مشاعر الكراهية والحقد لدى هؤلاء على الدول التي تغلق حدودها أمامهم، وبالتالي من مخاطر انتقامهم. في المقابل، بمقدار ما يقوّض الحل الروسي القائم على إقصاء حلفاء واشنطن صدقية التحالف الغربي والقيادة الأميركية التي سلم لها الأوروبيون منذ الحرب العالمية الثانية، سوف يضعف أوروبا، ويزيد من رغبة الروس في التحرّش بها وزعزعة استقرارها، ويعرّض الغرب كتكتل جيوستراتيجي لزلزال التفكك والانقسام.

وكما أن ربح إيران من إقصاء العرب والأتراك في سورية سيكون ربحاً من دون قيمة وقصير

"سوف يأتي وقت ينقلب فيه اتجاه الريح، وتجد طهران نفسها ضحية السياسات المذهبية الضيقة الأفق والانتحارية التي غذتها وراهنت عليها" المدى، ومقدمة لحروب جديدة قادمة، يشكل رهان روسيا على تفجير التحالف الغربي، بدل التعاون معه لإصلاح نظام العلاقات الدولية، خياراً قصير النظر، وستكون له نتائج سلبية على روسيا نفسها التي كانت، ولا تزال، على الرغم من كل الصراعات التي ميزت تاريخها الحديث، شريكاً رئيسياً لأوروبا وجزءاً منها، حتى لو كانت الأقل حظاً من نهضتها وتقدمها. فبضغطها المتواصل على أوروبا، ودفعها لها ولمحيطها المتوسطي إلى مزيد من الفوضى وانعدام الأمن والاستقرار، لا تضمن موسكو لنفسها مصالح حقيقية مهمة، وإنما تدفع، بالعكس، إلى إيجاد بيئة إقليمية غير صحية طاردة للاستثمارات والمواهب والموارد البشرية والمادية من عموم القارة. وهكذا، تلعب روسيا، بحماقتها السياسية والاستراتيجية، النابعة من مشاعر الحقد والغيرة والانتقام، الدور الأكبر في غروب المدنية الأوروبية المتوسطية التي عاشت روسيا على أفضالها وتبادلاتها معها قروناً طويلة ماضية، لصالح انتقال مركز الحضارة والمدنية والاستثمار والإبداع نحو آسيا والصين التي تتفرّج على المأساة من بعيد، وتربت على كتف موسكو من وقت إلى آخر.

ومع ذلك، ليس ما يحصل في المنطقة من صنع الأحقاد المدفونة والظاهرة في موسكو أو طهران أو دمشق، ولكن أغلبه جزء من تداعيات السياسات الأميركية والغربية الطويلة المدى، الاستعمارية والهيمنية، العقلانية والمدروسة، التي أوصلت المنطقة، ووصلت هي نفسها، إلى طريق مسدود. لكن سياسة ردود الفعل، والرغبة في التحدّي والتشفي والانتقام، قد تأتي بنتائج أكثر سوءاً، حتى بالنسبة لأصحابها أنفسهم، من الأفعال الأصلية السيئة المردود عليها. وإذا كان استبداد الحماقة ببعض النظم المأزومة والشخصيات العديمة المسؤولية في منطقتنا قد أودى بنا إلى ما نعرفه من مهالك، فما بالك إذا ما تحول خيار شمشون إلى خيار استراتيجي لواحدةٍ من أعظم القوى العسكرية في العالم، وقطب رئيسي من أقطابه.

======================

من سايكس ـ بيكو إلى خرائط الدم الأمريكية .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 20/2/2016

يجب ألا يظن أحد للحظة واحدة أن الربيع العربي كان مجرد مؤامرة. حتى لو أراده البعض مؤامرة، فقد كان هناك ألف سبب وسبب لاندلاع الثورات، بغض النظر عمن حرض عليها، أو استغلها لمآربه الخاصة. ليست المشكلة أبداً في الشعوب التي عانت لعقود وعقود من الديكتاتورية والظلم والطغيان والفساد. لقد كانت الثورات مشروعة مائة بالمائة. وكما قلنا في مقال سابق، ليست المشكلة في الجوهرة إذا سرقها اللصوص. وكذلك الأمر بالنسبة للثورات، فلا يمكن أن نحمل الشعوب وزر تبعاتها الكارثية، فقط لأن بعض القوى الدولية حرفتها عن مسارها، واستغلتها لتنفيذ مشاريع شيطانية على حساب الشعوب وثوراتها.

ليس هناك أدنى شك بأن الثورات خرجت شعبية، لكن ضباع العالم حولوها، كما نرى الآن، إلى مخططات استعمارية جديدة، تماماً كما حدث مع الثورة العربية الكبرى عام 1916، حيث خرج العرب مطالبين بالاستقلال عن الامبراطورية العثمانية، لكنهم سرعان ما اكتشفوا أن الهدف لم يكن تحقيق الاستقلال للعرب في دول وطنية حرة مستقلة، بل كانت الغاية منه تقاسم النفوذ بين قوى استعمارية أخرى كالفرنسيين والانكليز. وفعلاً انتهت الثورة العربية الكبرى إلى تقسيم المنطقة العربية إلى دول ودويلات بموجب اتفاقية سايكس-بيكو سيئة الصيت.

وبما أن الاتفاقية التقسيمية ستنتهي صلاحيتها بعد سنتين تقريباً، بحيث تبلغ مئة عام من العمر، فيبدو أن التاريخ يعيد نفسه. وكل ما يجري الآن في الشرق الأوسط يسير باتجاه رسم خرائط جديدة وإعادة توزيع ديمغرافي لا تخطئه عين، وخاصة في سوريا والعراق واليمن. ولا نعتقد أبداً أن الخطة الجهنمية الاستعمارية الجديدة ستنحصر فقط في سوريا والعراق واليمن وباقي بلدان الربيع العربي، بل على الأرجح أنها ستشمل العديد من بلدان المنطقة التي لم تحصل فيها ثورات.

كل شيء يسير حسب خطة مرسومة على ما يبدو. ويمكننا القول إن خارطة الصراعات الجديدة في المنطقة بين إيران والسعودية مثلاً هي جزء لا يتجزأ من مشروع الشرق الأوسط الجديد. وحدث ولا حرج عن الاحتكاك التركي الروسي، فهو ليس أبداً بسبب إسقاط تركيا لطائرة حربية روسية، بل إن إسقاط الطائرة هو رأس جبل الجليد، الذي يكون عشره فوق الماء وتسعة أعشاره مخفية تحت الماء. ومع مرور الوقت سنرى بقية أجزاء اللعبة الروسية الأمريكية الغربية مع تركيا تتكشف شيئاً فشيئاً.

صحيح أن إيران قضت على ثورتها الخضراء عام 2009، لكن إيران عادت وتورطت في ثورات الآخرين لتصبح جزءاً منها. في اليمن تدخلت لصالح الحوثيين ضد الشعب اليمني، وفي العراق تناصر الشيعة ضد السنة، وفي سوريا تقاتل إلى جانب النظام ضد غالبية الشعب السوري من السنة. إن دخول إيران على خط الثورات ليس مجرد رغبة إيرانية لتحقيق امبراطورية فارس الكبرى الجديدة. وحتى لو كان هدف إيران من خلال تمددها في المنطقة تحقيق الحلم الامبراطوري الجديد، فإن اللعب الإيراني قد لا يكون سوى جزء من المخطط الأمريكي الأكبر.

بعبارة أخرى لا نستبعد أبداً أن تكون إيران، كالسعودية، مجرد ورقة في اللعبة الأمريكية الكبرى لإقامة مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي وعدتنا به وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس. وقد بشرتنا رايس وقتها بالفوضى الخلاقة التي ستعيد تشكيل الشرق الأوسط ليصبح، حسب وصفها، «الشرق الأوسط الجديد».

هل تلعب إيران لحسابها فقط، أم أن أمريكا تستخدمها كمخلب قط، وتورطها من حيث لا تدري لتحقيق المشروع الأمريكي الشرق أوسطي الجديد؟ هناك من يتحدث عن توريط أمريكي لروسيا، وهي أكبر وأهم من إيران. وهناك من يرى في تسهيل الغزو الروسي لسوريا محاولة أمريكية ليس فقط لإجهاض الحلم الروسي الامبراطوري الجديد، بل للمساعدة في إعادة رسم الشرق الأوسط بدعم روسي. بعبارة أخرى، فإن التحرش الروسي بتركيا، والدور الروسي في سوريا على صعيد إعادة رسم الخارطة السورية قد يكون جزءاً من المخطط الأمريكي الاستعماري الجديد. مغفل من يعتقد أن أمريكا تركت أهم منطقة استراتيجية في العالم لروسيا وإيران، خاصة وأن المنطقة مازالت المصدر الأول للنفط في العالم، ناهيك عن أنها المنطقة التي تعيش فيها الولاية الأمريكية الواحدة والخمسون، ألا وهي إسرائيل.

واضح تماماً أنه قد لا يسلم من المخطط الأمريكي الاستعماري الجديد حتى أقرب حلفاء أمريكا في المنطقة. ألا يمكن أن يكون التدخل السعودي في اليمن ولاحقاً في سوريا إلا جزءاً من لعبة التوريط والاستنزاف وإعادة الهيكلة الأمريكية؟ اليوم بدأ الإعلام الأمريكي يتحدث علانية عن تفكيك السعودية، وإعادة تشكيلها.

لاحظوا أيضاً أن أمريكا تركت النظام السوري منذ خمس سنوات يفعل ما يشاء في سوريا والمنطقة، لا بل إن ما يحدث في سوريا بدأ يضعضع أوضاع البلدان المجاورة كلها، وخاصة تركيا. هل دفع ملايين اللاجئين السوريين باتجاه تركيا مجرد نتيجة طبيعية للحرب، أم هدف ديمغرافي مدروس؟ هل صعود نجم الأكراد على الحدود التركية أمر عابر؟ ألم يصل الأمر بأردوغان قبل أيام إلى اتهام أمريكا بالتآمر مع الفصائل الإرهابية الكردية ضد تركيا؟ هل التنسيق الكردي السوري مجرد لعبة مخابراتية سورية، أم، على ما يبدو، مطلوب أمريكياً لتنفيذ المخطط الموضوع؟ هل ينشط بشار الأسد لصالح نظامه، أم لصالح المشروع الأمريكي؟ لقد ذهب البعض إلى وصف الرئيس السوري بقائد الفوضى الخلاقة، لأنه نجح حتى الآن بتنفيذ تهديده الشهير بعد ستة أشهر على الثورة بإحداث زلزال في المنطقة. هل كانت أمريكا لتسمح لبشار الأسد بإحداث زلزال في المنطقة، لو لم يكن الزلزال جزءاً من الفوضى الهلاكة ومشروع الشرق الأوسط الكبير؟

ألا يمكن القول إن كل دول الشرق الأوسط القديم، بما فيها تركيا وإيران مجرد أحجار على رقعة الشطرنج الأمريكية، وأن اللعبة تسير على قدم وساق لتنفيذ المشروع الأمريكي؟

صدق اللورد الانكليزي الشهير كيرزون عام 1923 عندما قال: «العالم رقعة شطرنج كبرى نلعب عليها أجمل الألعاب».

٭ كاتب وإعلامي سوري

======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com