العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 27-12-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

قرار مجلس الأمن: السفاح السوري يعيد فتح حقائبه .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 24/12/2015

كانت سرعة الإنجاز لافتة بالنسبة لقرار مجلس الأمن الأخير المتعلق بسوريا، بالقياس إلى محاولات سابقة ومشاريع قرارات أوقفها الثنائي الروسي – الصيني بحائط الفيتو. كذا كان التوافق الأمريكي – الروسي سريعاً في زيارة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إلى موسكو عشية اجتماع نيويورك لمجموعة العمل الدولية من أجل سوريا (17 دولة بينها الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن) التي ستمهد لاجتماع مجلس الأمن وتصويته بالإجماع على مسودة القرار التي أعدتها الولايات المتحدة.

لا بد أن الحليف الروسي أحاط السفاح القابع في دمشق بما تم الاتفاق عليه مع جون كيري، أي بمحتوى القرار الأممي الذي سيصدر بعد يومين، ليتواقح أمام وسيلة إعلام هولندية بالقول إنه كان قد حزم حقائبه ليرحل، لكنه أعاد فتحها بعدما تراجعت الدول الغربية الرئيسية عن هدف تنحيته وباتت موافقة على بقائه في الحكم في المرحلة الانتقالية.

هذه هي القراءة الصحيحة للقرار الأممي، على رغم أنه أول قرار لمجلس الأمن يتخذ بشأن «حل سياسي» في سوريا، ويبدو، لهذا السبب وحده، كأنه الضوء في آخر النفق المظلم. قد لا يكون من الحصافة استباق الأحداث والحكم بموت القرار بسبب محتواه الهلامي أولاً، وعدم إلزامية تطبيقه بالنسبة للأطراف ثانياً، لكن سوابق قرارات مجلس الأمن بشأن فلسطين ومصيرها تعطينا ما يكفي من التشاؤم بخصوص هذا القرار الجديد.

فهو، قبل الحديث عن خلوه من أي إشارة إلى مصير لب المشكلة في سوريا، أعني نظام الكيماوي والبراميل القاتلة، لم يشر ولو بكلمة واحدة إلى الحرب الروسية على المدنيين السوريين والجيش الحر، ولو من باب العتب على أحد الأعضاء دائمي العضوية في المجلس المسؤول –نظرياً- عن الأمن والسلم الدوليين. وما كان له، طبعاً، أن يشير، ما دامت الموافقة الروسية المسبقة ضرورية لصدور القرار، وما دام القطب الآخر منغمساً بدوره في حرب أخرى على الأراضي السورية (التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لضرب داعش).

منذ صفقة الكيماوي التي أنجزها الثنائي الأمريكي – الروسي، في 2013، وتخلى النظام الكيماوي بموجبه عن مخزونه من السلاح المحرم دولياً مقابل ضمان استمراره في قتل السوريين بوسائل أخرى، استسلمت الإدارة الأمريكية لأولوية الدور الروسي في سوريا، وتم تتويج هذا المسار في قرار مجلس الأمن الذي يعكس الرؤية الروسية ل»الحل السياسي» بصورة مطلقة تقريباً. والحال أن موسكو لا تملك رؤية سياسية للحل، بل هي تتبنى «الحل» العسكري المدفوع إلى نهاياته القصوى. فجميع الفصائل العسكرية التي تقاتل النظام هي «مجموعات إرهابية» كما أعلن بوتين قبل توجهه إلى نيويورك، في أيلول/سبتمبر 2015، أي عشية بدء الحملة العسكرية الروسية في سوريا المتواصلة إلى اليوم. وبلغ الجنون بالرجل حد التهديد علناً باستخدام السلاح النووي في حربه على «الإرهاب» في سوريا. وبلغت الوضاعة بأقوياء العالم أنهم لم يتفوهوا بكلمة واحدة بحق هذا التصريح من شريكهم الروسي الذي يتصرف كقبضاي الحارة، على رغم اهترائه الذاتي متعدد الأوجه في العقود الأخيرة. في النتيجة يمكن القول أن «العالم» قد سلم، إلى حد بعيد، برؤية النظام الكيماوي التي تختصر المشكلة في سوريا بكونها حرباً على الإرهاب. لا نفهم من قرار مجلس الأمن هذا إلا أنه توافق عالمي على أولوية الحرب على الإرهاب في سوريا، لا أكثر ولا أقل.

أما بصدد الحل السياسي، بمعناه الحقيقي، فهو متروك للسوريين أنفسهم، من غير أن يعني ذلك عدم تدخل القوى الدولية والإقليمية المنخرطة في الحرب بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تحديد وجهته ومضمونه. بل إن قرار مجلس الأمن منح التدخل العسكري الروسي الشرعية الأممية، بتغييبه هذا العنصر في نصه. وتم استبعاد أي إدراج محتمل للميليشيات الشيعية التابعة لإيران التي تقاتل إلى جانب النظام الكيماوي من لوائح المنظمات الإرهابية التي كلف الأردن بإعدادها، في إطار مجموعة العمل من أجل سوريا التي باتت المرجعية الوصائية لمصير سوريا.

بل إن الطرف الاقليمي المناوئ للنظام الكيماوي هو الذي يتعرض لضغوط كبيرة ليكف يده عن التدخل، تركيا أولاً التي تم توريطها بإسقاط الطائرة الروسية وباتت بين فكي كماشة روسيا وحلف الأطلسي، والسعودية وقطر اللتين يطلب منهما الضغط على فصائل معينة لتحول بندقيتها من النظام باتجاه «الإرهاب»، داعشياً كان أو غير ذلك.

وهكذا أعلنت السعودية عن إنشاء تحالف إسلامي لمحاربة الإرهاب «بكافة أشكاله»، بعد احتضانها الناجح لمؤتمر المعارضة السورية الذي ضم، إلى الكيانات السياسية الأبرز، خمسة عشر فصيلاً عسكرياً معارضاً للنظام. يمكن الاستنتاج أن التحالف الإسلامي هذا يملك أجندته الخاصة فيما يتعلق بالمشكلة السورية، على خلاف مع الأجندتين الروسية المحاربة من أجل بقاء النظام، والأمريكية المحاربة ضد داعش. ذلك أن مفهوم الإرهاب مسيس إلى حد بعيد بين الأقطاب المختلفين، وإذا كان قرار مجلس الأمن منحازاً إلى الرؤية الروسية لمحاربة الإرهاب، فالرؤية السعودية ما زالت، إلى الآن، متمسكة برؤية مختلفة وأولويات مختلفة، لا نعرف إلى أي حد ستكون قادرة على فرضها. فتصريحات وزير الخارجية عادل جبير التي يكرر فيها على وجوب تنحي الأسد سلماً أو بالقوة، لا تتماشى مع «الروح الروسية» لقرار مجلس الأمن، وكذا هي حال «الهيئة العليا للمفاوضات» المنبثقة عن مؤتمر الرياض للمعارضة السورية. من المحتمل أن المفاوضات المفترضة بين النظام والمعارضة لن تبدأ بالسرعة والسهولة التي يوحي بهما القرار، وإذا بدأت، بعد كثير من لي الأذرع المتقابل بين الأوصياء على الطرفين، فهي لن تصل إلى النتائج المرجوة، لأن الطرف الذي يملك بداية الحل (النظام وحلفاؤه) لا يريده، والطرف الآخر لا يستطيع.

مع قرار مجلس الأمن ذي الهوى الروسي، انتهت آخر فصول الرهانات على ضغط دولي يجبر النظام على الدخول طرفاً في الحل. يبقى الرهان الوحيد المعقول هو على الميدان: هزيمة الحملة الروسية وإرغام بوتين على إنهائها، وإرغام النظام (أي إيران) على التفاوض على حل سياسي.

٭ كاتب سوري

======================

موقفنا : أيها السائرون في ركاب ... تزيلوا .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

25/12/2015

إن أكبر خطر يهدد الشعوب ومصير ثوراتها ومستقبل مشروعاتها بأبعادها الوجودية والحضارية هم الأشخاص الذين يتقدمون الصف الوطني ونفوسهم مطوية على استعداد أولي للسير في ركاب . و( السير في ركاب ) كناية عربية معبرة بالغة الدلالة تشير إلى الرجل لا يملك القدرة الفطرية على ( القيام وحده ) ، وتحمل همّ قومه ، وأعباء مشروعهم ؛ وهو مع علمه بحاله يفرض نفسه عليهم ، ويحرص على التقدم أمامهم. السائر بالركاب ، أو الممسك به يأنس دائما ليكون في كنف آخر يستمد منه ، ويرهن نفسه لإراداته وإشارته . يقعد إذا قعد ، وينهض ‘ذا نهض ويسير إذا سار ، ويقف إذا وقف . يرضى إذا رضي ، ويغضب إذا غضب ، ويحمى إذا حمي ويثاقل إذ يثاقل ؛ فكأن الأول هو الفارس الذي يمتطي جواد القرار ، والسائر في ركابه هو التابع الذي يمسك بحزام ( الركاب ) . يعدو مع الفارس وجواده أينما اتجه وحيثما سار .

إن من حق هذه النفوس ( التابعة ) أو التي تستقوي بالتبعية ، وتأنس بها أن تنحاز، لو ملكت بعض التواضع والصدق من طريق الناس، وأن تكف عن السمسرة بآلامهم وآمالهم ، واللعب بحاضرهم ومستقبلهم .

والأقسى في الأمر أن تجد قوما ( يمسكون بركاب قوم ممسكين بركاب قوم آخرين ) . حسب تعليقة الأعشى ( عُلقتها عرضا وعُلقت رجلا غيري وعُلق أخرى غيرها الرجلُ . وعُلقته أخرى لا تلائمه ومن بني عمها ميت بها وهلُ .)

 الممسكون بالركاب ضعفاء في أنفسهم أصحاب جرأة وعرامة على من يليهم ، هم طامحون يجدون من الجهل والعصبية روافع ترفعهم فيرتقون ويدندلون .ولا يعدم الممسكون بالركاب هؤلاء من منطق تسويقي يسوّقون به بضاعتهم من الذلة والمهانة والتبعية والتبار في عصر أصبح فيه الإعلام التسويقي كالتسويق الإعلامي علما له قواعده ومدارسه ورواده والمشتغلون به وعليه.

وأبشع ما تكون عمليات التسويق هذه عندما تتم على حساب مجاهدين كالأنجم الزهر قبضوا على الجمر ، ووضعوا دما على كف ، وأثبتوا قدما في مستنقع الموت ، ومضوا إلى غاية آلوا على انفسهم أن تكون الأكمل والأجمل والأتم والأرقى ..

إن ما نتابعه في ساحة الثورة السورية اليوم من تتايع أشخاص وأقوام في طريق الدنية ، يُسرون حسوا في ارتغاء ، ويجعلون أنفسهم دائما قضية الثورة ، وهدف حراكها ، عيونهم شاخصة أبدا إلى مقعدهم في دائرة التضييع والتمييع والخذلان ، أو إلى مقبض يدهم من الركاب المتحول يخصم موقفهم أبدا قول الله تبارك وتعالى (( فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ )) ؛ يجعلنا نستشعر الخطر ، ونتحسس موضع المصيبة ، ونحن ندرك حجم ما يفرضه الاعتراف بحقيقة ما آل إليه الوضع في سورية من تبعات واستحقاقات وتضحيات . ثم نسمعهم على كل منبر يزمزمون ( الزمزمة صلاة المجوس على طعامهم ) ليس على فضح أساليب المكر وطرقه وخفاياه وما يمكن أن يدبر لشعب أعطى فما أكدى ، وجاد فما بخل ، وإنما على ما يرضي راكب الجواد ويطمئنه على أن لديه أتباعا يوثق بهم وبإخلاصهم وبقدرتهم على المطاوعة والملاينة لسد أي ثغرة يراد منهم سدها .

لم يترك الماكرون والخاذلون للشعب السوري خيارا . وعلى الممسكين بركاب المجتمع الدولي أن يستقلوا بأمرهم ويتحملوا مسئولياتهم أو يتزيلوا من طريق هذه الثورة وطريق رجالها . وأن يذكروا بعض ما حُفظوا فلم يحفظوا ..

وإذا لم يكن من الموت بد .. فمن العجز أن تموت جبانا

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

===================

سورية: هدنة لتقاسم أراضي «الخلافة» .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 24/12/2015

من المرجح ان يتيح قرار مجلس الأمن الأخير حول سورية بداية مترددة لعملية سياسية قد تطول أكثر بكثير مما حُدد لها، لكن من المؤكد ان هذه العملية، إذا ما كتب لها ان تستمر، لن تسفر سوى عن تكريس الحدود القائمة بين «الكيانات» السورية المتعددة، مع التعديلات التي سيتيحها تقاسم أراضي «الخلافة» التي أقامها «داعش» المستثنى من بند وقف العمليات العسكرية، في حال اثبتت التحالفات العسكرية الدولية المتعددة نجاعتها، وتمكنت من تقليص رقعة امتداده، وصولاً الى إلغاء «دولته»، وهو أمر مشكوك فيه الى حد بعيد.

فالقرار الدولي الذي صاغته واشنطن وموسكو استند في جوهره إلى تأجيل بت الخلاف حول السبب الرئيس لقيام الثورة السورية، أي بشار الأسد ونظامه، وجعل تطبيق بنوده، بما في ذلك وقف إطلاق النار، رهن التوافق على تفسيرها. وهو توافق تبينت صعوبته بسرعة في ضوء تجديد كل من طهران وموسكو تمسكهما بالأسد وحتى بإمكان ترشحه الى الانتخابات في نهاية المرحلة الانتقالية. فجلّ ما يريده الروس والإيرانيون من القرار 2254 منح الأسد وجيشه مهلة لالتقاط انفاسه وإعادة تنظيم صفوفه، بانتظار ان ينشغل الأميركيون أكثر بانتخاباتهم الرئاسية، ويواصل الذعر من الإرهاب شلّ الأوروبيين.

ويستفيد الروس والايرانيون من هامش واسع للمناورة ينطوي عليه القرار، سواء في ما تعلق بتحديد تشكيلات «الارهابيين»، وهذا ينعكس في مطالبتهم بتغيير تركيبة الوفد المعارض في المفاوضات وخريطة وقف النار، او بطبيعة السلطة الانتقالية وصلاحياتها، وهذا محل تباين شديد منذ بيان جنيف الأول. وسيؤدي طول العملية السياسية والغموض المقصود في مسارها الى اتاحة الوقت للنظام لإعادة ترتيب سلطته في «سورية المفيدة» وتنظيم آليات ادارتها، في التفاف مسبق على اي نتائج قد تفضي اليها العملية السياسية ويعتبرها في غير مصلحته.

فالقرار الدولي الجديد يقيم توازناً هشاً بين الأطراف المنخرطين في الحرب السورية، فمن جهة يطلب وقفاً للنار بين النظام والمعارضة بالتوازي مع انطلاق مفاوضات سياسية، لكنه لا يحسم اي معارضة يقصد ومن يمثلها في المفاوضات. ومن جهة ثانية يريد للطرفين المتحاربين ان يحوّلا بنادقهما في اتجاه «داعش» وسائر الارهابيين، من دون ان يتمكن من تعريف هؤلاء وتمييزهم عن سواهم، وسط تداخل شائك ومتشعب بين التشكيلات المقاتلة على الارض، ما يعني ان هناك ذرائع جاهزة لخرق وقف النار تبعاً لمعايير النظام الذي يعتبر كل المعارضة «إرهابية»، ومقاييس داعميه.

ومن جهة أخرى، إذا كان مسلماً به ان يرفض القرار ضمناً وجود الارهابيين الاجانب الملتحقين ب «داعش» و «القاعدة» في سورية، إلا انه لم يأتِ على ذكر الوجود العسكري الأجنبي الرسمي والمعلن على الأراضي السورية، اي الايراني المتعدد الأوجه، والروسي، بما يشكله من ضغط مباشر على اي مفاوضات، لأن هدفه الحفاظ على نفوذ الدولتين وانتشارهما المادي السابق على الانتفاضة، فضلاً عن إنقاذ الأسد. اي ان القرار يفترض في تبرئة مشبوهة ان القوات الايرانية والروسية في سورية هدفها محاربة «داعش»، بينما هي تركز عملياتها فعلياً على معارضي النظام والمدنيين من دون تمييز.

وفي ظل هذه المعطيات، سيكون وقف اطلاق النار مجرد هدنة تبقي على خطوط التماس بين النظام والمعارضة الى حين انتهاء المعركة ضد «داعش» و «النصرة»، والتي قد تشهد مداً وجزراً متكررين، ولا يمكن تحديد مهلة زمنية لها، اي ان الفرصة ستتاح لكل طرف لمحاولة اقتطاع مناطق تخضع حالياً لسيطرة التنظيمين، بما يعزز وضعه الميداني، وتالياً اوراقه في المفاوضات، ما قد يؤدي الى انهيارها مع الهدنة الهشة اصلاً.

======================

يقتُلُنا ولا يُرعِب «داعش» .. زهير قصيباتي

الحياة

الخميس 24/12/2015

17 يوماً بقيت من زمن «المهلة» التي كان الكرملين يتخيّل أنها بأيامها المئة كافية لاستئصال جميع المعارضين للنظام السوري. ترتفع حصيلة الغارات الروسية إلى ألفي قتيل، يتمدّد الخراب فوق خراب، ويتسع اليأس على خريطة سورية المنكوبة.

وهي ثكلى مع شعبها الذي يستخدمه النظام حقل رماية، ومعه الميليشيات الحليفة، والنظام الإيراني والقيصر الروسي. ولا يتردّد الإسرائيلي في انتهاز الفرصة، فيضرب في القلب، ولا يأبه بوعيد الرد.

هؤلاء جميعاً أطبقوا على سورية والسوريين الذين يسألون كل يوم: كم مرشحاً للقتل بغارة أو برميل متفجّرات أو رصاص قنص؟

لعل كثيرين منهم بعدما تجاوزوا عتبة اليأس، لم يعودوا يكترثون للسؤال، حقل الرماية شاسع، وأسماء الضحايا تحوّلت أرقاماً. أما «زوبعة» الأمل التي أثارها قرار مجلس الأمن بإمكان وقف الحرب المجنونة قريباً، بعد إطلالة العام 2016، فاتضح أنها أيضاً صناعة روسية. هكذا لا ترى المعارضة السورية ضوءاً في نهاية النفق الطويل، ولا ترى في حديث الأمم المتحدة عن جولة مفاوضات مع النظام في كانون الثاني (يناير)، سوى اختراعٍ لوهم في الوقت «الضائع».

فمن يضمن وقف النار، فيما الفصائل المقاتلة محاصَرة، متوافقة على الحد الأدنى من تماسكها، و «داعش» و «النصرة» خارج حسابات التفاوض، بداهةً؟... والخلافات على تصنيف التنظيمات الإرهابية تراوح مكانها، وموسكو لن تضمن رحيل الرئيس بشار الأسد من السلطة، والمعارضة لا تعتبر الوقت مناسباً للتفاوض؟

وكالة «نوفوستي» تحتفي بتسلُّم الجيش الروسي قريباً «صواريخ أس 500 المرعبة»، ومَنْ يدري هل يأمر الرئيس فلاديمير بوتين باستخدامها في حقل الرماية السوري، ليثير رعباً في قلوب «الإرهابيين»؟ أم هو يجهّزها لردع «السلطان العثماني الجديد» كما يطلق بعض الإعلام الروسي على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي «تمادى» مع القيصر؟

منظمة العفو الدولية تتهم الروس بارتكاب جرائم حرب في سورية، وهم يكافحون «الإرهاب»، ويشدّون أواصر التنسيق مع إسرائيل التي اغتالت سمير القنطار القيادي في «حزب الله»، حليف إيران شريكة الكرملين في حماية نظام الأسد... مع ذلك، لا سبيل لدى موسكو لتبرئة نفسها من إطلاق اليد الإسرائيلية في تصفية حسابات على الأراضي السورية، ربما في مقابل شراكة أخرى لمصلحة النظام.

وبصرف النظر عن الحسابات المتشابكة لما تبدّل في سورية منذ التدخُّل العسكري الروسي لتمرين عضلات بوتين، ما لا يمكن التشكيك فيه هو أن الكرملين ما زال بعيداً عن فرض تسوية، ظن كثيرون بدايةً أنه سيُمليها بالقوة على النظام ومعارضيه، حفاظاً على الدولة السورية وموطئ نفوذ.

وأما ادعاء الروس الاعتماد على إشراف دولي لدفع التسوية على سكة الحل، فينتظر لاختباره قدرة الأمم المتحدة على جمع النظام والمعارضة الشهر المقبل، إذا قبِل الأول التفاوض معها، وارتضت هي التوقيت فيما الغارات الجوية تنتزع منها على الأقل، المبادرة الميدانية.

لا يوحي تصعيد الضربات الجوية الروسية وغارات النظام السوري بالبراميل المتفجّرة، سوى بتحرُّك لإجهاض مفاعيل مؤتمر الرياض، مهما ادّعت موسكو حرصها على تسوية سياسية قريبة. فالتشكيك بأهدافها لم يتبدّل: طموحها خَنْق المعارضة المعتدلة، وإعفاء النظام من تبعات التفاوض. على الأرض، لا شيء يوحي بأن أقوال الكرملين وجه آخر لأفعاله. وكلما انتزعت موسكو تنازلاً من الأميركيين- مثل تخلّيهم عن أولوية تنحّي الأسد- مالت أكثر إلى الصواريخ «المرعبة»!

مَنْ تُرعِب ومَنْ تقتُل ومَنْ تُشرِّد؟ بعد نحو مئة يوم من الغارات الجوية والصاروخية، لا أحد يظن بعد، أن أبو بكر البغدادي سيرفع الراية البيضاء للقيصر قريباً. مئة يوم إضافية لجنون القتل والدمار الشامل؟ ما الذي يتبدّل إن احتمى هذا الجنون ب «إشراف دولي»، واستسلام أميركي حتى الرمق الأخير؟

ومرة أخرى، يتبيّن حجم الخديعة باستخدام «الدواعش» ذريعة لتدمير سورية وقتلها من أجل إنقاذ رأس النظام... فوق الخراب.

مجدّداً، يرفع جلاّدٌ راية رعب القتل، باسم السلام. الكثير تبدّل في العالم ليبقى أسير الدهشة، شاهد زور على المأساة الكبرى، يحصي النعوش.

مواكب موت، طوفان نزوح... رجال للقتل، نساء للتشرُّد، وأطفال للبيع.

======================

هل يطيل مجلس الأمن عمر الأسد؟ .. سعد كيوان

القدس العربي

الاربعاء 23/12/2015

أخيراً، وبعد أن ضاق الفضاء السوري (والإقليمي) بجميع أنواع المقاتلات الحربية، الأميركية والروسية والفرنسية والبريطانية والأسترالية والكندية و... التي تصب، منذ أكثر من سنة، نيرانها ودمارها، وتجرب قنابلها الفتاكة في الشعب السوري، وعلى الأرض السورية من دون تمييز، باستثناء جيش نظام بشار الأسد، المفترض أن الثورة السورية اندلعت للتخلص من بطشه واستبداده و"ممانعته"، ها هو مجلس الأمن الدولي يخطو خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، أي تعبيد الطريق لفرض حل سياسي للأزمة التي حصدت، حتى اليوم، أكثر من 250 ألف سوري، وشرّدت الملايين منهم، في سابقة لا مثيل لها في التاريخ الحديث.

وبطبيعة الحال، لم يكن ممكناً التصويت على قرار مجلس الأمن رقم 2254 بالإجماع من دون موافقة الدول (الكبرى) نفسها التي تحشد بوارجها وطائراتها وصواريخها في المتوسط، وفوق الأجواء السورية (والعراقية). وقد عبّرت هذه الدول في مقدمة القرار عن "قلقها البالغ من استمرار آلام الشعب السوري، والوضع الإنساني المتدهور، والعواقب الخطيرة للإرهاب، وتأثير الأزمة على استقرار المنطقة وأبعد منها، وارتفاع عدد الإرهابيين (...)". وهذه كلها عوامل خطيرة ساهمت في تأجيجها وتفاقمها الدول نفسها التي غضت الطرف عن ممارسات نظام دموي، لم يتوان عن قصف شعبه بالبراميل المتفجرة وقتله بالسلاح الكيماوي وتهجيره بالملايين، وتهربت من تحمل مسؤولياتها السياسية والأخلاقية تجاه شعبٍ انتفض، منذ نحو خمس سنوات، من أجل حريته وكرامته. والأنكى أن القرار يعبر عن قلق مجلس الأمن من تأثير الأزمة على "الاستقرار في المنطقة وأبعد منها"، في حين أن "الاستقرار" في هذه المنطقة، وفي "الأبعد منها"، أي أوروبا والغرب، قد تُرك لنظام الملالي في إيران ولبعض الأنظمة العربية المتهالكة والموغلة في قمع حرية شعوبها، ولتنظيم "داعش" وحش الإرهاب الكاسر الذي ولد من رحمها.

أما وقد حزمت هذه الدول أمرها، بعد أن أصبحت متورطة، في شكل مباشر أو غير مباشر، في الأوحال السورية، فإن الخطة تقضي بإطلاق مفاوضاتٍ بين ممثلي المعارضة والنظام في يناير/كانون ثاني المقبل، والعمل على فرض وقف إطلاق النار، وإطلاق بالتالي مسار سياسي بإشراف الأمم المتحدة، لتشكيل هيئة حكم انتقالية ذات مصداقية وممثلة للجميع، والسعي إلى صياغة دستور سوري جديد، في غضون ستة أشهر، تجري بعدها على أساسه انتخابات حرة خلال ثمانية عشر شهراً.

لكن هذه الخطة التي تنطلق من بنود مؤتمر جنيف 1 (30 يونيو/حزيران 2012)، الذي

"اتفقت واشنطن وموسكو على إبقاء مصير الأسد غير واضح في بنود القرار، ومادة للتفاوض في مرحلة لاحقة، كي يختبر كل منهما مدى جدية الطرف الآخر وتعاونه" تحول إلى قرار في مجلس الأمن في أكتوبر/تشرين أول 2013، يثير مجموعة تساؤلات وملاحظات وشكوك حول مدى استعداد مختلف الأطراف المعنية بالأزمة لتطبيقه، والقدرة على وضعه موضع التنفيذ. وأول هذه الأسئلة التي تطرح نفسها عدم تحديد موعد لرحيل بشار الأسد، أو حتى الإشارة إلى مصيره، فبعد أن كانت الدول الغربية، وتحديداً فرنسا والولايات المتحدة، تصر على رحيله، ورفض أي دور له في المرحلة الانتقالية، ها هي، اليوم، تصرف النظر عن هذا الشرط، بعد الهجمات الدموية التي تعرّضت لها فرنسا في أكتوبر/تشرين أول الماضي، وبدء نوع من التنسيق السياسي والعسكري والاستخباراتي بين باريس وموسكو، فيما يبدو موقف الرئيس الأميركي، باراك أوباما، خجولاً في مطالبته برحيل الأسد، ومن باب رفع العتب. فيما تصر إيران على التمسك به، وتسعى روسيا إلى إبقائه أطول فترة ممكنة، ورقة قابلة للتفاوض. ويقابل هذا التوجه إعلان المعارضة السورية، على لسان منسق عام الهيئة العليا للمفاوضات، رياض حجاب، رفضها الدخول في عملية تفاوض مع النظام، إلا على أساس مبادئ جنيف1 وقرارات الشرعية الدولية التي تنص على مرحلة انتقالية من دون الأسد، وتأسيس هيئة حكم انتقالي كامل الصلاحيات.

ثم ماذا عن الآليات الكفيلة بتطبيق هذه الخطة على الأرض، وخصوصاً ما يتعلق بمسألة فرض وقف إطلاق النار الذي يؤكد القرار أنه "لن يطبق على الأعمال الهجومية أو الدفاعية ضد "داعش" أو جبهة النصرة" ويطلب مجلس الأمن، في المقابل، من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة "القضاء على الملاذ الذي أقامته هذه التنظيمات على جزء كبير من الأراضي السورية". إذ كيف يمكن تطبيق وقف إطلاق النار بين تشكيلات المعارضة المسلحة وقوات النظام، وفي الوقت نفسه، استمرار القتال والتصدي للتنظيمات الإسلامية المتطرفة، وخصوصاً في محافظات ومناطق يتداخل فيها الوجود، وتتشابك فيها المعارك بين الأطراف المتنازعة. فمن سيشرف، بالتالي، على عملية وقف إطلاق النار، ويضمن تطبيقه، لكي يتم الدفع بالمسار السياسي للمرحلة الانتقالية.

يلتقي قرار مجلس الأمن 2254، إلى حد كبير، مع ما جاء في بنود مؤتمر جنيف1 الذي بقي عملياً حبراً على ورق، نتيجة الخلاف بين الولايات المتحدة وروسيا حول دور الأسد الذي كانت موسكو تراهن، في البداية، على قدرته على سحق الانتفاضة، وتعتبر أنه ورقتها الرابحة لتعويض خسارة إخراجها من ليبيا، وبالتالي، تثبيت أقدامها في الشرق الأوسط. وهذا كان في منتصف 2012، قبل أن تنفجر، بعد سنتين، الأزمة في أوكرانيا وتتورط روسيا عسكرياً في القرم، وتستجلب عليها عقوبات اقتصادية قاسية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وأمام تفاقم الوضع على الجبهتين، وقبل أن يكتوي بنار الإرهاب "التكفيري"، قرّر بوتين القيام بعملية هروب إلى الأمام، والتدخل مباشرة في الحرب السورية، مستفيداً من حال التردد والانكفاء التي تتخبط بها الإدارة الأميركية في سياستها تجاه أزمة سورية والمنطقة، وحالماً باستعادة أمجاد روسيا القيصرية. وما يجعل، اليوم، إمكانية احتمال تطبيق الخطة التي أطلقها القرار 2254 هو، على الأرجح، سعي الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى لعب ورقة المقايضة بين التخلي عن الأسد وإطلاق يده في القرم، ورفع العقوبات عن روسيا، وما يسمح له، بالتالي، الانسحاب من سورية، قبل أن يتحول تدخله العسكري الذي مضى عليه نحو أربعة أشهر، من دون تحقيق إنجازات حاسمة على الأرض، إلى ورطة، وهو الذي كان قد قطع وعداً على نفسه، عندما أرسل مقاتلاته إلى سورية، في سبتمبر/أيلول الماضي، بحسم الوضع خلال ثلاثة أشهر.

وربما لهذه الأسباب، اتفقت واشنطن وموسكو على إبقاء مصير الأسد غير واضح في بنود القرار، ومادة للتفاوض في مرحلة لاحقة، كي يختبر كل منهما مدى جدية الطرف الآخر وتعاونه. هذا إذا لم تسع طهران إلى تخريب التفاهم-التواطؤ بين الطرفين!

======================

حل سياسي وسط في سورية .. حسين عبدالعزيز

الحياة

الاربعاء 23/12/2015

منذ بدء الأزمة السورية أجهضت روسيا أربعة مشاريع قرار في مجلس الأمن، ثلاثة منها بين عامي 2011 - 2012 والرابع عام 2014، فيما أصدر مجلس الأمن الدولي سبعة بيانات رئاسية غير ملزمة، وثلاثة عشر قراراً حول سورية، وجميع هذه القرارات يمكن وصفها بالإجرائية، أي لم تكن تصيب جوهر الأزمة السورية وآلية الحل السياسي، باستثناء القرار الدولي الأخير 2254.

لأول مرة يصدر قرار دولي يحدد تفاصيل آلية الحل السياسي مع سقف زمني، وإن كان السقف السياسي ما زال مفتوحاً (مصير الأسد)، ولم يكن في الإمكان صدور هذا القرار لولا التفاهم الروسي - الأميركي الذي تطلب تنازلات من كلا الطرفين، فروسيا ليست معنية بإطالة أمد الحرب والغرق في المستنقع السوري ذي التكلفة المادية الباهظة، والولايات المتحدة معنية بوضع خريطة طريق سياسية للحد من انتشار الإرهاب على مستوى العالم، ومعنية بإنجاز سياسي قبيل الانتخابات الرئاسية المقبلة.

ليس القرار كما يذهب البعض مجرد تنازل أميركي لروسيا، فمن يمعن النظر فيه يجد أن التنازلات متبادلة: قبلت واشنطن بالرأي الروسي في ترحيل عقدة الأسد إلى ما بعد المرحلة الانتقالية، ويترك أمره للسوريين في صناديق الاقتراع، وهذا تنازل أميركي معقول بلغة السياسة وليس بلغة الوجدان، شرط أن يكون المناخ السوري الداخلي مهيئاً لانتخابات ديموقراطية خارج سلطة الأمن.

تنازلت روسيا لأميركا في ما يتعلق بالصلة الوثيقة بين وقف إطلاق النار وانطلاق عملية سياسية موازية، عملاً ببيان جنيف عام 2012، ومؤتمر فيينا الأخير، «يعرب مجلس الأمن في هذا الصدد عن تأييده لوقف إطلاق النار في جميع أنحاء سورية، على أن يدخل حيز النفاذ بمجرد أن يخطو ممثلو الحكومة السورية والمعارضة الخطوات الأولى نحو انتقال سياسي برعاية الأمم المتحدة»، والمعلوم أن النظام ظل على مدار السنوات السابقة يطالب بأولوية محاربة الإرهاب قبل الشروع في المسار السياسي، وهو الموقف الذي تبنته موسكو وطهران، والأخيرة قدمت في هذا الخصوص مبادرة من أربع نقاط في آب (أغسطس) الماضي.

تنازلت روسيا للولايات المتحدة عبر استبعاد عبارة «التسوية السياسية» فيما تنازلت الولايات المتحدة باستبعاد عبارة «التغيير السياسي» التي طالبت بها دول إقليمية وأوروبية، وتم اعتماد عبارة وسط «الانتقال السياسي»، وفي حين تحيل العبارة الروسية طرفي الأزمة إلى متساويين وفق منطق القوة لا منطق الحق، تؤكد العبارة التي طالبت بها دول إقليمية وأوروبية على ضرورة التغيير السياسي الكامل، ولما كانت موازين القوى الإقليمية والدولية في سورية لا تسمح باعتماد إحدى الصيغتين، تم اختيار عبارة «الانتقال السياسي» كحل وسط.

كما تنازلت موسكو للولايات المتحدة حول شكل المرحلة الانتقالية، حيث نصّ القرار على إنشاء هيئة حكم انتقالية جامعة تخوّل سلطات تنفيذية كاملة، بناء على بيان جنيف والقرار الدولي 2018، وهذا انتصار للائتلاف ولمؤتمر الرياض، خلافاً لمقولة النظام وداعميه بتشكيل حكومة وحدة وطنية تخضع لسلطة الرئيس.

رفض المجتمع الدولي مطالبة موسكو بتخطي مخرجات مؤتمر الرياض، حيث أكد القرار على «... وإذ يلاحظ مجلس الأمن على وجه الخصوص جدوى اجتماع الرياض الذي تسهم نتائجه في التمهيد لعقد مفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة بشأن التوصل إلى تسوية سياسية للنزاع».

تنازلت موسكو لواشنطن حول تسلسل العملية السياسية الانتقالية، فقد حدد القرار الدولي مسار العملية السياسية بهيئة حكم انتقالية، ثم التعديلات الدستورية، فالانتخابات الحرة خلال ١٨ شهراً، وهو ترتيب مخالف لما يطالب به النظام، الذي أصر على أن تكون بداية العملية السياسية بكتابة الدستور.

في كل الأحوال، ليس هذا القرار هو ما يرجوه الشعب السوري، أو بالخصوص أولئك الذين يطالبون بحكم ديموقراطي ينهي عهد الاستبداد والدولة الشمولية، لكن هذا القرار يضع نهاية لمرحلة وبداية لأخرى، وليس صدفة أن يتحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن القرار الدولي بأنه لن يعجب الأسد، وليس صدفة أيضاً أن تعلن طهران في هذا التوقيت توحيد موقفها السياسي مع الموقف الروسي حيال سورية.

هذا القرار يشكل اللبنة الأولى في بناء العملية السياسية وإنهاء الأزمة الأكثر تعقيداً في العالم، اللهم إلا إذا حدثت متغيرات جديدة، وقد علمتنا الأزمة السورية تحديداً أن هذه المتغيرات كثيرة.

======================

سورية.. ثغرات وتراجعات في القرار 2254 .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الثلاثاء 22/12/2015

امكانية تطبيق القرار الدولي بشأن سورية، رقم 2254، والذي أصدره مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يوم 18/12/2015، فإن إصداره يعتبر، بحد ذاته، نتاج حدثين مهمين: التفاهم الأميركي/ الروسي حول المسألة الأوكرانية، والذي قام على رفع العقوبات الدولية عن روسيا، وقبول ضم شبه جزيرة القرم إلى أراضيها، في حال قبل سكان شبه الجزيرة الأمر، في استفتاء يجري بإشراف الأمم المتحدة، ووافقت الحكومة الأوكرانية على الضم. والحدث الثاني هو قبول الطرفين المتحكمين بالصراع في سورية بتسويةٍ تقوم على تنازلات وتوافقات متبادلة بينهما، تبدّت في بنود رئيسة، تعتبر مفتاحيةً لاتفاق الطرفين السوريين المنخرطين في الحرب الدائرة في بلادهما منذ نيف وأربعة أعوام. لم تكن هذه التسوية بين الجبارين قائمة بعد في مفاوضات جنيف 2 ففشلت، فهل يعني توفرها، اليوم، أن المفاوضات المباشرة بين السوريين ستفضي حكماً إلى حل في المدد الزمنية التي حددها القرار الدولي، وتتراوح بين ستة واثني عشر شهراً؟ أعتقد أن في تحليل القرار، ومتابعة علاقات الدولتين الكبريين، ومسارات صراعاتهما وتوافقاتهما، الإجابة عن هذا السؤال الصعب الذي تحول دونه اليوم انزياحات مهمة في القرار الدولي عن بيان جنيف 1، وزئبقية علاقات الجبارين، وما يشوبها من غموض، وتخضع له من مفاجآت.

لنبدأ بالجانب الإنساني من القرار الذي يغطي معظم ما يحتاج إليه الشعب السوري، في حال أريد له الانتقال من حال التمزق والتشتت الراهنة إلى حال يمكن التعايش معها. يدعو القرار 2254 إلى "وصول الوكالات الإنسانية السريع والآمن غير المعرقل إلى جميع أنحاء سورية، وخصوصاً في المناطق المحاصرة، وإلى الإفراج عن المحتجزين بشكل تعسفي، لا سيما النساء والأطفال"، وإلى التنفيذ الفوري لقرارات دولية، سبق أن صدرت عن مجلس الأمن، بخصوص رفع حصار النظام عن المناطق التي يجوّعها ويقصفها بالبراميل ... إلخ، كما يدعو إلى "وقف الهجمات ضد المدنيين والأهداف المدنية بحد ذاتها. وضد المرافق الطبية والعاملين فيها، ووقف الاستخدام العشوائي للأسلحة، بما في ذلك القصف المدفعي والجوي". ويقرر "عودة اللاجئين والنازحين داخلياً إلى مناطقهم الأصلية، وتأهيل المناطق المتضررة وفقاً للقانون الدولي".

"ثغرات كثيرة في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، وهناك تراجعات خطيرة عن بيان جنيف، وهناك تناقضات بين فقراته ومسوغاته، وهناك، أخيراً، ضرورة لتكليف هيئة خبراء بدراسته بالتفصيل، وإصدار موقف رسمي ومعلن منه"

يجب أن يكون هذا الجانب جوهر إجراءات بناء الثقة، ولا بد أن يحظى بدعمٍ مطلق من المعارضة والجيش السوري الحر، وأن يكون نقطة جوهرية وأولوية في المفاوضات والحل يعتبر الالتزام بها وتحقيقها معيار أي انخراط جدّي في التفاوض، على أن يشمل وقف قصف المدنيين القصف الروسي/ الإيراني، ويلتزم الطرف الآخر بموعد الشهرين الزمني الذي حدّده القرار الدولي لتنفيذه. ويقدم أمين عام الأمم المتحدة بعده تقريراً تفصيلياً عن التنفيذ، يحدد فيه الجهات التي التزمت به، وتلك التي خالفته. ومن الضروري أن يعلن وفد المعارضة إلى المفاوضات منذ اليوم أن تلاعب النظام والجانب الروسي/ الإيراني بتطبيق الجوانب الإنسانية من القرار 2254 سيوقف مشاركته في المفاوضات، وأنه لن يعود إليها قبل تنفيذ جميع ما نص عليه حول هذا الجانب.

ثمة نقطة أخرى تتعلق بالاجتماعات التي عقدت في القاهرة وموسكو، وحضرها سوريون بدعوة من العاصمتين، ويساوي القرار بينها وبين ما يسميه "جدوى اجتماع الرياض، الذي تسهم نتائجه في التمهيد لعقد مفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة بشأن التوصل إلي حل للنزاع، وفقاً لبيان جنيف وبياني فيينا، في إطار السعي إلى كفالة التنفيذ الكامل لبيان جنيف أساساً لانتقال سياسي". لأي سوري الحق في حضور ما يريده من اجتماعات، والقيام بما يطيب له من زيارات، وقد ذكر القرار القاهرة وموسكو في سحبة واحدة، لكن هذا لا يجوز أن يجعلنا نتعامى عن الفارق بين من اجتمعوا تعبيراً عن موقف سوري، وأولئك الذين عبرت اجتماعاتهم عن قبولهم بمواقف الدول التي دعتهم، ولم تكن في أي وقت متفقة مع مصالح الشعب، أو معبرة عنها، بل لعبت الدور الرئيس في انزياح القرار رقم 2254 عن بيان جنيف، وأن مساواة جميع الاجتماعات لا بد أن يكون مرفوضاً، وأن من يمكن أن يدعى للانضمام إلى الوفد المفاوض يجب أن يكون موافقاً على برنامج العمل الوطني الذي بلوره الائتلاف شرطاً لقبوله في الصف الوطني المعارض.

أعتقد أن تحقيق متطلبات الجانب الإنساني يجب أن يكون الهدف الرئيس الذي يمكن (ويجب) تحقيقه في المفاوضات، بالنظر إلى صعوبة تحقيق الأهداف الأخرى المتصلة بالتسوية والحل السياسي، والتي أجمل ملاحظاتي عليها على النحو التالي:

 فيما يتعلق بوقف إطلاق النار: نص القرار على قبول وقف إطلاق النار مبدأ عاماً، لكنه "جعل دخوله حيز التنفيذ ممكناً بمجرد أن يخطو ممثلو الحكومة والمعارضة الخطوات الأولى نحو انتقالٍ سياسيٍّ، برعاية الأمم المتحدة، استناداً إلى بيان جنيف". بكلام واضح: لن يطبق وقف إطلاق النار قبل المفاوضات، بل بعد تحقيق نجاحٍ فيها، وسيكون تنفيذه مرهوناً بالخطوات المطلوبة نحو الانتقال السياسي، فإذا لم تتوفر هذه الخطوات لأي سبب استمر إطلاق النار، الأمر الذي يتعارض مع الموافقة على مبدأ وقفه من جهة، ويضع مصيره في يد من لا يريد حلاً سياسياً من جهة أخرى، مع التذكير بأن النظام أعلن رفضه الالتزام به في أكثر من مناسبة. هذه مشكلة يجب أن يجد الوفد المفاوض حلاً لها مع ممثلي الأمم المتحدة أو عبر مذكرة خاصة، ترسل إلى أمينها العام، تلفت نظره إلى أن فصل تنفيذ وقف إطلاق النار عن قبول الأطراف المتصارعة به مبدأً يقوّض إجراءات بناء الثقة، ويحول دون تطبيق الجانب الإنساني من القرار الدولي، قبل أن تطالبه بجعل التنفيذ سابقاً للتفاوض، باعتباره جزءاً من حماية المدنيين السوريين. مثلما يجب لفت نظره إلى أن "تحديد طرائق وشروط وقف إطلاق النار من الأمم المتحدة، ووضع آلية لرصد الوقف يوافق عليها مجلس الأمن في موعد لا يتجاوز شهراً من تاريخ اتخاذ القرار" لا يجوز أن يخضع لقرار طرفٍ مفاوضٍ، بالامتناع عن تحقيق خطوات أولى نحو الانتقال السياسي الذي يقول القرار "إنه يجب أن يكون جامعاً، وبقيادة سورية، تتبني التطلعات المشروعة للشعب السوري".

 فيما يتصل بالهيئة الحاكمة الانتقالية: يقول القرار إن الحل الدائم "للأزمة" من خلال عملية سياسية جامعة، يستهدف التنفيذ الكامل لبيان جنيف1 والقرار 2118، بسبل منها إنشاء هيئة حكم انتقالية جامعة، تخول سلطات تنفيذية كاملة، تعتمد في تشكيلها على الموافقة المتبادلة مع كفالة استمرارية المؤسسات الحكومية".

يجعل نص القرار 2118 الذي يقول القرار 2254 "إن تطبيقه يتيح الحل الدائم للأزمة"، تشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية "بداية الحل السياسي"، ويعينها أداة وحيدة لإنجاز الانتقال إلى النظام الديمقراطي. أما في القرار 2254، فهي تصير "أحد سبل الحل"، ويصير هناك من "يخولها" سلطاتها التنفيذية الكاملة، بعد أن كانت في وثيقة جنيف 1 مرجعية نفسها، وليس هناك أية مرجعية خارجها أو مخولة بتشكيلها. في الوقت نفسه، انقلبت المحافظة على مؤسسات الدولة في جنيف إلى "كفالة استمرارية المؤسسات الحكومية" في القرار 2254، كيف يكون بيان جنيف مرجعية الحل، إذا كان يتم التخلي عن الهيئة الحاكمة الانتقالية، ويتم تحويل مؤسسات الدولة إلى مؤسسات الحكومة؟

لا يجوز القبول بهذين التراجعين الخطيرين تحت أي ظرف، لأنهما يجعلان الحل أسدياً بكل معنى الكلمة، ولا مفر من أن تبقى الهيئة أداة وحيدة لإنجاز حل سياسي، هي مرجعيته التي لا مرجعية لها من خارجها، وتشكل نفسها بنفسها من دون أن يشكلها أحد. عندما يقال إنها أحد سبل الحل، وإن هناك من يخولها سلطاتها، فهذا يعني، عملياً، الإبقاء على بشار الأسد أو من يماثله في السلطة. كما أن استمرارية مؤسسات الدولة شيء واستمرارية المؤسسات الحكومية شيء آخر، هو نقيضه في حالتنا السورية. المحافظة على الجيش مؤسسة دولة تختلف جذرياً عن المحافظة عليه مؤسسة حكومية. إنه في الحالة الأولى مؤسسة توجد الدولة بها، وفي الثانية مؤسسة حزبية تلغي الدولة، وترتبط بسلطة حكومية استبدادية مجرمة، فتكت بالشعب، بأمر من رئيسها، يعني استمرارها استمرار نظامه ورئاسته، علماً أن جيش الدولة لن يقوم، إن بقي في بلادنا الجيش الحكومي الحالي، الذي أباد شعبنا بأكثر الصور وحشية، وحاكت همجيته ما فعلته جيوش الاستعمار في مستعمراتها.

"نعم لاستمرار مؤسسات الدولة، ولا صارخة للمؤسسات الحكومية الحالية التي يعني استمرارها بقاء النظام وفشل الثورة ورفض مطالب الشعب، ويناقض استمرارها مع ما يطالب به القرار، في إحدى فقراته"

نعم لاستمرار مؤسسات الدولة، ولا صارخة للمؤسسات الحكومية الحالية التي يعني استمرارها بقاء النظام وفشل الثورة ورفض مطالب الشعب، ويناقض استمرارها مع ما يطالب به القرار، في إحدى فقراته، تجعل بحرفية نصها "تبني هذه المطالب هدف التنفيذ الكامل لبيان جنيف". هنا أيضاً، لا بد من موقف واضح لصالح الهيئة أداة وحيدة، يعني الحل السياسي تشكيلها وإنجازها الانتقال الديمقراطي، فان استبدلت بغيرها غاب الحل واستحال بلوغه. ولا بد أيضاً من موقف صريح لصالح مؤسسات الدولة، باعتبارها نقيض المؤسسات الحكومية الحالية التي لا يجوز أن تستمر، بل ولا بد من القضاء التام والناجز عليها في أي حل سياسي.

 وصف القرار 2254 "الحكم" السوري المنشود بأنه "ذو مصداقية يشمل الجميع، ولا يقوم على الطائفية"، وكان "جنيف" قد جعل للمفاوضات هدفاً وحيداً، هو نقل سورية إلى الديمقراطية. هل "الحكم" الذي يذكره القرار 2254 يساوي، في طبيعته ووظائفه، النظام الديمقراطي؟ ألا يمكن أن يقوم في سورية حكم (لماذا تخلوا عن النظام لصالح الحكم؟) له مصداقية وشامل، ولا يقوم على الطائفية، من دون أن يكون ديمقراطياً؟. أعتقد أن هذا ممكن، ومرفوض، وأنه لا بد المطالبة بتصحيح هذه النقطة في رسالة المعارضة إلى أمين عام الأمم المتحدة.

 ليس بشار الأسد موجوداً باسمه في القرار 2254، على الرغم من أنه موجود بصلاحياته ومؤسساته. هذا مرفوض، ويعد انتهاكاً خطيراً لبيان جنيف الذي يتكرّر ذكره مرات كثيرة، مع أنه يفرغ من مضمونه في كل مرة. لا بد أن يصحح هذا الوضع أيضاً، وأن نلح على تعريف معنى الصلاحيات التنفيذية الكاملة للهيئة الحاكمة الانتقالية التي أعطاها لها بيان جنيف، وفسّرها مجلس الأمن بقرار خاص، ويقتل الخروج عليه فرص الحل والسلام، ويخرج الأمور عن نصابها الصحيح، ويبقي النظام حيث هو، ويضع المعارضة في جيبه، حسب ما يقترحه الروس في حلهم الذي يمكّن الأسد من احتوائها وإخضاعها، بعد تحويل بعضها إلى موظفين في مؤسساته الحكومية التي يريد القرار 2254 استمرارها. لا داعي للقول إن هذا يجب أن يكون مرفوضا، جملة وتفصيلاً.

 لا أثر لكلمة واحدة في القرار 2254 حول الاحتلالين الروسي والإيراني لبلادنا، فكأنهما ليسا عامل إفشال للحل السياسي، لمجرد أن أولهما وافق على القرار، وثانيهما احتمى به. لا بد من معرفة مصير الاحتلالين، قبل الذهاب إلى التفاوض، ولا مفرّ من وجود ضماناتٍ بأنهما ستوقفان قصف المدنيين، وستجمدان أنشطتهما العسكرية ضد الجيش الحر، وتلتزمان بوقف إطلاق النار، وانهما ستنسحبان من بلادنا قبل إنجاز الحل، وإن هذا كله يجب أن يسجل في قرارٍ يصدر عن مجلس الأمن تحت الفصل السابع.

 ما هي منظمات الإرهاب، وأين توجد، وهل سيكون للمعارضة دور في تحديد تنظيماتها، أم أننا سنقبل ما يصنفونه في البلدان الأخرى، وفق معايير لا نقرّ معظمها، لكونها تراعي أمنها، ولا تراعي أوضاعنا؟

هناك ثغرات كثيرة في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، وهناك تراجعات خطيرة عن بيان جنيف، وهناك تناقضات بين فقراته ومسوغاته، وهناك، أخيراً، ضرورة لتكليف هيئة خبراء بدراسته بالتفصيل، وإصدار موقف رسمي ومعلن منه، يكون مرجعية الوفد المفاوض والحركة الوطنية السورية، ودليلاً نلتزم به أمام شعبنا.

======================

تنافس روسي إيراني لحماية رأس النظام السوري .. ماجد الشيخ

العربي الجديد

الثلاثاء 22/12/2015

أضفى التدخل العسكري الروسي الواسع في سورية تعقيدات وتداخلات جديدة، بل مستجدة على معطيات الصراع المعقد أصلاً، من قبيل ما شهدته العلاقات الروسية – التركية، أخيراً، في أعقاب إسقاط الأتراك الطائرة الروسية، من دون أن تظهر في الأفق أي بوادر حلحلة، لا في اتجاه الحسم العسكري، ولا في اتجاه التسوية السياسية، الجاري العمل على التهيئة لها في عواصم عدة.

كذلك ذهبت مسألة إسقاط الطيران التركي الطائرة الروسية إلى اتجاهات تصعيدية، في سياق الصراعات المتفجرة على الأراضي السورية، لأهداف المصالح الخاصة بكل طرف، وكشفت، من ضمن ما كشفت عنه، أن طبيعة تلك الصراعات ليست محكومة لوقائع المعاندة السياسية فحسب، بل هي أكثر احتكاماً في الجوهر لوقائع المعاندة الاقتصادية، وللطبيعة الجيو سياسية، تلك التي لم تعد تخفى على أحد. وقد كان لافتاً ما أشار إليه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، حين أكد، في باريس، أن القرار التركي إسقاط المقاتلة الروسية "يندرج في إطار إرادة تركية لحماية واردات نفطية تنطلق من الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم (داعش) في اتجاه الأراضي التركية. حتى إن ما يمكن تسميته "النفط الداعشي"، بات "يوحّد" أطرافاً عدة، للاستفادة من وجود التنظيم ودوره التدميري والتخريبي من جهة، على الرغم من الضربات الجوية التي لم تساعد على الحد من آثاره المدمرة، طالما أن هناك من يستفيد من سعر النفط الرخيص الذي يتداول به في الأسواق السوداء، بدءاً من النظام السوري نفسه، وبعض النظام التركي وحتى إسرائيل، ولمَ لا روسيا والولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، وكأن "فوضى النفط" يمكن لها أن تنشئ رأس جسر للعبور نحو ما يتوهم أنه التسوية السياسية التي بدأت تتباعد رويداً رويداً، حتى باتت أبعد مما كانت عليه في السابق، على الرغم من المساعي المكثفة في هذا الاتجاه.

"يلاحظ اتجاه إيراني "مزايد" لإيجاد نوع مع المنافسة مع روسيا، في بدء الكشف عن أعداد الضحايا الإيرانيين الذين يسقطون في المعارك"

في خضم التعقيدات المستجدة وبعد التدخل العسكري الروسي، بدأ يلاحظ اتجاه إيراني "مزايد" لإيجاد نوع مع المنافسة مع روسيا، في بدء الكشف عن أعداد الضحايا الإيرانيين الذين يسقطون في المعارك، مع ذكر مناصبهم، وكأن طهران تريد إفهام موسكو أن الإيرانيين لا يقلون منافحة عن رأس النظام، بل هم ماضون في حربهم للحفاظ على الأسد في السلطة، وعلى مصالحهم في المنطقة، على الرغم مما يقال عن صفقة أميركية – روسية لحل سياسي من مراحل عدة، ينبغي أن تنتهي باستبعاد الأسد.

وفي سابقة لم تشهدها الصحافة الإيرانية، انتقدت صحيفة "بهار" تمسك القيادة الإيرانية ببشار الأسد، والتبريرات التي تسوقها للحفاظ عليه وعلى نظامه. ونددت، بحسب ما نقلت عنها صحيفة العرب القطرية، بوضع النظام الإيراني خطوطا حمراء للحفاظ على بشار الأسد. وكتبت: "وضع خطوط حمراء للأزمة السورية من شأنها أن تسد الطريق لإيجاد أي حل سياسي، وهذا يجعل الأزمة السورية أكثر تعقيدا".

وفي سياق انتقادها، تطرقت الصحيفة إلى ارتفاع أعداد القتلى الإيرانيين في سورية، وكتبت: "إن الجهات الرسمية قالت إن الوجود العسكري الايراني هو لتقديم الاستشارات، لكننا نرى أن أغلب الذين قتلوا من القيادات الإيرانية في سورية سقطوا في وسط جبهات القتال الحامية في مدينة حلب".

وقبل اجتماع فيينا وبعده، يلاحظ على الحركة الدبلوماسية، كما الوقائع الميدانية، أنها وإذ تتسارع؛ فلأنها تهدف إلى إعادة صياغة المنطقة ومعطياتها الجيو – سياسية، تمهيداً للبحث في صلب المسألة السورية، المؤجل البحث فيها، ريثما تنضج ظروف مستجدة، يكون في الوسع في أثنائها إشهار إعلان التخلي عن رأس النظام، من حلفائه القدامى والجدد، وصولا إلى الولايات المتحدة التي لم تعد في عجلة من أمرها، لبلورة استراتيجيتها الجديدة في المنطقة، في ما بدا أنه توكيل لموسكو للقيام بمهام استراتيجية غير بعيدة، في سورية تحديداً.

على الرغم من ذلك، لا تبدو واشنطن في حاجة لبلورة سياسة أكثر وضوحاً، تجاه رأس النظام، وهي التي عمدت، وعملت طوال أكثر من ثلاث سنوات، للحفاظ على سياسة أكثر غموضاً، وقد زادها التدخل العسكري الروسي إيغالاً في الغموض والاضطراب، على الرغم من التفاهمات البينية مع موسكو، والتفاهمات التي حصلت بين موسكو وحكومة نتنياهو في إسرائيل التي تبدو أكثر انحيازاً لمسألة بقاء رأس النظام أطول فترة ممكنة، لا خشية من قوى التطرف الإرهابي، بقدر ما تخطط وتسعى إلى إدامة وضع الصراع والتفجير العسكري، رهين وحبيس الأطر الإقليمية في المنطقة، وما يحمله من استنزاف طاقاتٍ وإمكانيات المليشيات المحسوبة على النظام الإيراني، ومنها استنزاف حزب الله تحديدا، وضعضعة قواه البشرية وخزّانه الأهلي.

وفي تأكيد على غياب استراتيجية أميركية واضحة، ذهب مرشحون جمهوريون للرئاسة الأميركية إلى اتهام الرئيس باراك أوباما بإظهار ضعف في السياسة الأميركية في سورية، مشككين في أن يؤدي إرسال عدد صغير من قوات العمليات الخاصة إلى فرق كبير، من دون وجود استراتيجية متماسكة أوسع.

هكذا في خلفية التردد الأميركي وعدم الحسم تجاه النظام، جاء التدخل العسكري الروسي، واندفاعة موسكو في اتجاه محاولة إيجاد حل سياسي؛ ولو في مستقبل يقرب أو يبعد، ليظهر فشل جبهة حلفاء النظام في حسم أي اتجاه ممكن؛ سياسياً أو عسكريا؛ على الرغم من إشراك طهران في المفاوضات الدولية التي انعقدت في فيينا، وعدم إشراك المعارضة السورية، ولا حتى النظام نفسه في البداية، ما يؤكد أن من يريد أن يفرض التسوية السياسية الممكنة، ولو بعد حين، هي هذه القوى الاقليمية والدولية مجتمعة، على الرغم من تبايناتٍ باتت أكثر وضوحاً في مواقفها غير المنسجمة أصلاً، بعيدا عن رأي النظام أو المعارضة، وكأن المسألة باتت تتجه نحو محاولة إيجاد حل أو تسوية إقليمية للمنطقة برمتها، لا في إطارها السوري فقط، ما يعني ركن كل شيء على الرف، في انتظار بلورة مستجدات أخرى، قابلة للانشغال بها، ولو بعد حين.

"تبدو المفاوضات القائمة في فيينا وغيرها من العواصم، على أنها مقاربة أو محاولة أميركية، لا روسية، لتطويع المواقف الإقليمية"

ما يعيق هذه المسألة هو طبيعة الخلاف الأميركي – الروسي المضمر حول سورية، ومصير النظام ورأسه، حيث بدا، ويبدو، أن فجوة هذا الخلاف قد جرى تضييقها أخيراً، في أعقاب التدخل الروسي، في محاولة تقرير مصير رأس النظام، والتنسيق والتفاهم الأميركي – الروسي من جهة، والروسي – الإسرائيلي من جهة ثانية على عدم الصدام في الجو، ولو لم يكن هناك انسجام سياسي على الأرض، حتى إنه يقال إن التصريحات الدبلوماسية الأميركية عن "ضرورة رحيل الأسد"، متفق عليها مع الروس، بعد أن بدت وتبدو المفاوضات القائمة في فيينا وغيرها من العواصم، على أنها مقاربة أو محاولة أميركية، لا روسية، لتطويع المواقف الإقليمية.

هكذا بدا أن دخول الإيرانيين طرفا في المفاوضات، هو التمثل المضمر لترويض موقفهم ودورهم وتوظيفهما، إلى جانب ما يفترض أنها الصفقة الروسيّة  الأميركية، التي تحاول إيجاد مسارب قابلة للحياة، والتي قد تشكل عاملاً محرّكاً في اتجاه تقديم مقترحاتٍ، تساهم في إيجاد إطار مناسب وممكن لتسوية شاملة في المنطقة، إلا أن أوان تسوية كهذه، في ظل التراجعات الأميركية والإيرانية وعدم الوضوح السياسي، لا يبدو أنه قابل للحياة، في هذه الفترة الأكثر إحراجا لإدارة أوباما وسياساتها، ليس في سورية فحسب، بل وفي كامل النطاق الإقليمي الذي يعج بمزيد من التناقضات والخلافات، والصراعات واحتدام الفتن المذهبية والفئوية والجهوية السيارة والمتنقلة، في غياب المرجعيات الحاسمة والاستراتيجيات القابلة للتنفيذ، في ظل تعدد الأقطاب الذي بات أمراً واقعاً بفعل غياب الاستراتيجيات الواضحة، وضعف كاريزما القطب الأوحد الذي مثلته الولايات المتحدة ردحاً طويلاً من الزمن، في أعقاب انتهاء حقبة الحرب الباردة، وها نحن بالفعل في مواجهة استراتيجيات وكيلة، يمثل "النأي بالنفس" أميركياً صواعق لتفجيرات أكثر اشتعالا، وأكثر احتمالاً لتسويات تبتعد في سورية، كما في عموم المنطقة، لتحل محلها تفجيرات قابلة لتداعيات أخطر، من قبيل التدخل العسكري التركي في العراق، والصراع المتمادي بين موسكو وأنقرة أخيراً.

=========================

اتفاق يفتح نافذة للحل .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاثنين 21/12/2015

لا شك في أهمية ما توصلت اليه الدولتان الكُبريان في اتفاقهما، أخيراً، حول الحل السياسي في سورية. هذه أول مرة تتفق فيها الدولتان على آليات الحل وتحقيبه، انطلاقا من وثيقة جنيف 1 مرجعية ملزمة، واستناداً إلى تشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية التي يبدأ الحل بها. صحيح أنه سبق للدولتين أن أقرّتا شيئاً مشابهاً، هو وثيقة جنيف 1، إلا أن خلافاتهما حول قضايا غير سورية أساساً حالت دون تطبيقه في جنيف 2. أما اليوم ، فإن فرص الحل السوري تتعاظم، لأن واشنطن وموسكو في طريقهما إلى تسوية ما وقف من تناقضات وخلافات بينهما، ومنع اتفاقهما على الحل قرابة ثلاثة أعوام. بكلام آخر: ليس نص القرار الحالي هو الجديد، فهو موجود، بهذه الطريقة أو تلك، منذ يونيو/ حزيران من عام 2012. الجديد هو بيئته الدولية، أي تفاهم الروس والأميركيين على حل في سورية وأوكرانيا، يسوّي المشكلتين بالتقابل، فيوافق الأميركيون على ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا، في حال وافق سكانها على الضم، في استفتاءٍ تشرف عليه الأمم المتحدة وقبلته أوكرانيا، وتتخلى روسيا، في الوقت نفسه، عن تعطيل الحل في سورية، وتوافق على مرجعية جنيف 1 وآليات تطبيقه، وخصوصاً منها تشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية، ووحدة سورية دولةً ومجتمعاً، ونظامها البديل: التعددي والمدني والبرلماني، وكبح خطر الإرهاب عليها في الحقبة المقبلة.

السؤال الآن: هل سيطبق الاتفاق الجديد؟ إذا نجح التفاهم على أوكرانيا، وتم رفع العقوبات الاقتصادية الأميركية والدولية عن روسيا، فإن ذلك سيؤسس أرضية مشتركة توافقية وشرعية، لتطبيق قرار مجلس الأمن رقم 2254 ، تقبل تشكيل "الهيئة الحاكمة الانتقالية" كاملة الصلاحيات، التي ستتولى وظائف الأسد. وإذا كانت هناك خلافات وصفها وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، بالحادة حول مصيره، فلأن روسيا تريد استخدامه ورقة ضغط في المسألة الأوكرانية، وأداة ل "فركشة" الحل، في حال أخلّت أميركا بالتزاماتها الأوكرانية، وتعنتت في قضايا أخرى عالقة، تتعلق بالتفاهم على مكانة موسكو ودورها في عالمٍ يشهد تحولاتٍ كبرى، تنقل مركز ثقل مصالحه من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي، قد تدفع روسيا إلى خارج دائرة التأثير والفعل في حاضر العلاقات الدولية ومستقبلها، وهي التي تمارس، منذ بعض الوقت، سياسات قوة غير مقبولة في مسائل إقليمية، تنتمي إلى دائرتها الجغرافية والسياسية المباشرة، في حين تمثل سورية، بالمقارنة معها، جزءاً من دائرة خارجية، دولية الطابع، تمسك بها وتستخدمها، للوصول إلى مواقع سبق أن كان للاتحاد السوفييتي مكانة خاصة فيها، وخصوصاً في الشرق العربي والأوسط، حيث لها اليوم قواعد عسكرية وعلاقات أمنية خاصة، وتحاول لعب دور قيادي في الحرب ضد الإرهاب، بالتوازي مع واشنطن اليوم، وبالتعاون معها غداً، في حال تم التفاهم على المشكلات القائمة بين الجانبين، وبالتبعية على حل سياسي للمعضلة السورية.

هناك فارق بين "جنيف" وقرار مجلس الأمن الحالي، هو التالي: بينما جعل جنيف البديل الديمقراطي مآلاً حتمياً لعمل الهيئة الحاكمة الانتقالية، وألزم الطرف الآخر المشارك في تكوينها بهذا الخيار، فرض القرار الحالي إصلاحاً دستورياً تعقبه انتخابات، يرجح أن تكون تنافسية بين شريكي الهيئة، إن فاز الطرف الحكومي فيها، قام نظام تعددي/ انتخابي ولا طائفي، لكن ديمقراطيته ستكون محدودة أو مقيدة، بل إنه قد لا يكون ديمقراطياً بالمرة.

باختصار: هذا اتفاق أولي ثان، أنتجته تفاهمات الدولتين الكبريين حول مشكلات عالقة بينهما، لا علاقة لسورية بها، يترك للسوريين مشكلاتٍ سيكون من الصعب عليهم حلها بمفردهم، تتصل بتطبيق مبدأ التراضي الذي لعب دوراً مهماً في تعطيل جنيف 1 وإفشال جنيف 2، وبالتالي، بفرص قيام "الهيئة الحاكمة الانتقالية" التي يتعارض وجودها ودورها مع وجود الأسد ودوره، وهو صديق موسكو الذي تعلن تمسكها به. هناك أيضاً مشكلات لم يتم التطرق إليها في القرار، أهمها الوجود الحربي الروسي في سورية، وتحديد هوية التنظيمات الإرهابية، وما إذا كان سيتم وفق معايير تأخذ بالاعتبار مصالح الشعب السوري ومطالبه.

إنها خطوة أولى على قدر كبير من الأهمية، تفتح أبواباً للحل، من غير الجائز أن يسمح العالم لأية جهة بإغلاقها.

======================

قراءة في بيان مؤتمر المعارضة السورية في الرياض .. ميسرة بكور

القدس العربي

الاثنين 21/12/2015

استبق مساعد وزير الخارجية للشؤون العربية والأفريقية في وزارة الخارجية الإيرانية حسين أمير عبد اللهيان مؤتمر الرياض بتصريح أكد فيه أن إيران: «ترفض مؤتمر المعارضة السورية الذي عقد في الرياض ،وترفض تشكيل وفد للمعارضة من قبل السعودية، إذ أن ذلك يتعارض والاتفاق الذي تم في «فيينا».

واعتبر بشار الأسد، أن «أغلبية الشعب السوري تؤيده ولذلك من البديهي أن يظل في الحكم»، مؤكدًا أنه لم يفكر «أبدًا» في مغادرة سوريا.

وقال الأسد، في مقابلة مع وكالة الأنباء الإسبانية: «إن الخطوة الأولى للقضاء على التنظيمات الإرهابية في سوريا تكمن في وقف تدفق الإرهابيين وخصوصا من تركيا إلى سوريا والعراق ومنع دخول الأسلحة وغيرها من أشكال الدعم اللوجستي لتلك التنظيمات».

والسؤال هو إلى اين تسير الأمور في سوريا وهل نحن على الطريق الصحيح للولوج إلى مسارات سياسية تفضي نتيجتها إلى حل سياسي انتقالي ينتهي معه شلال الدماء المتدفق على خارطة سوريا الوطن والإنسان.

بعد اجتماع الرياض الذي ضم ممثلين عن المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري «الإسلاميين» وبيانه الختامي سارع بعض الأشخاص من كتاب ومثقفين وسياسيين وممثلين الدول للإشادة في ما تم إنجازه في هذا الاجتماع الموسع الذي شمل معظم أطياف المعارضة السورية.

مما لا شك فيه ولاريب الدور الريادي الذي تلعبه المملكة العربية السعودية في دعم تطلعات الشعب السوري في الحرية والانعتاق من نير العبودية الذي أحاط به نظام الأسد أعناق السوريين به على مدى أربعين عاما من حكم عائلته.

و لا يجحد دور العربية السعودية في المنطقة عموماً وخاصة في الموقف من الثورة السورية ودعمها بكل السبل المتاحة.

من هنا جاءت دعوة الرياض لفصائل من المعارضة السورية للاجتماع فيها بهدف الخروج بهيئة سياسية جامعة توحيد كل السوريين تحت لوائها.

وبغض النظر عن كيف تمت الدعوة للاجتماع ومن هم المشاركون فيه ومدى تمثيلهم الفعلي لخارطة التجاذبات السياسية على الأراضي السورية.

كانت الدعوة الكريمة من قبل المملكة العربية السعودية نبيلة وهدفها واضح «توحيد» السوريين.

في تفاصيل مؤتمر الرياض نستطيع القول إلى حد بعيد أن من أهم أسباب نجاح المجتمعين في الرياض من فصائل المعارضة السورية ، كان انعقاد المؤتمر في مدينة «الرياض» لما تحمله تلك العاصمة من صدق النوايا تجاه قضية السوريين وثورتهم ، وما تلعبه الرياض من دور فعال في دعم الفصائل المسلحة السورية ، وما تشكله من ثقل سياسي على الساحتين العربية والدولية ، وخاصة في حقبة الملك سلمان بن عبد العزيز، الذي أعاد ترتيب البيت الداخلي السعودي وأعاد ترتيب التحالفات في الساحة العربية والإسلامية والدولية.

قد يكون من أبرز ما تمخض عنه مؤتمر الرياض للمعارضة السورية.

- توافق المشاركين على تشكيل هيئة عليا للمفاوضات ، مقرها مدينة الرياض، لتتولى مهام اختيار الوفد التفاوضي، وتكون مرجعية المفاوضين مع ممثلي نظام الأسد.

- قطع الطريق على موسكو في تصنيف بعض الفصائل المسلحة السورية «الإسلامية» تحت اسم منظمات إرهابية.

بالرجوع إلى نتائج اجتماع الرياض وبيانه الختامي لا بد لنا أن نعرج على أبرز ما جاء فيه من نقاط.

فقد أبدى المجتمعون في الرياض من المعارضين السوريين استعدادهم للدخول في مفاوضات مع ممثلين لنظام الأسد، استناداً إلى بيان جنيف الصادر بتاريخ 30 يونيو/ حزيران 2012، والقرارات الدولية ذات العلاقة كمرجعية للتفاوض، وبرعاية الأمم المتحدة وضمانها، وبمساندة ودعم المجموعة الدولية لدعم سوريا، وخلال فترة زمنية محددة يتم الاتفاق عليها مع الأمم المتحدة.

كما عبر المشاركون عن رغبتهم في تنفيذ وقف لإطلاق النار، وطالبوا في بوادر حسن نية من نظام الأسد تكون في إطلاق سراح المعتقلين ووقف قصف السوريين بالبراميل المتفجرة ووقف تنفيذ أحكام الإعدام التي تنفذها سلطات الأسد بحق المعارضين والمعتقلين على خلفية دعمهم للثورة السورية.

رغم حلاوة وجمال العبارات التي صيغ فيها بيان الرياض الختامي للمعارضة السورية ، لا ينفي ذلك من أن نتوقف أمام بعض نقاطه.

عندما يقر المؤتمرون في الرياض بحتمية أن الحل في سوريا هو حل سياسي ، فهم بهذه الحالة قد الزموا أنفسهم بهذا المسار رغم وعورته واستحالة تحقيقه في ظل تعنت نظام دمشق في موقفه الصلب إزاء تقديم تنازلات في ما يخص تنحي رأس النظام «بشار الأسد « عن منصبه رئيسا للجمهورية العربية السورية. وهم في هذا السياق ألزموا أنفسهم أمام المجتمع الدولي في الانخراط بالحل السياسي ، وقدموا مبرراً للمجتمع الدولي في عدم تسليح المعارضة السورية ولم يعد لهم الحق في انتقاد المجتمع الدولي على عدم تدخله العسكري في سوريا ، استناداً لتعهدهم بالحل السياسي.

بينما كان وزير الخارجية السعودي «عادل الجبير» أكثر عملية وذكاء من المعارضين السوريين المؤتمرين في الرياض ، حين كرر وللمرة الثالثة على أن أمام بشار الأسد خيارين الرحيل بحل سياسي وهو الأفضل ، أو الرحيل بحل عسكري.

وفي نقطة أخرى لابد من المرور عليها بعناية ، وهي التي تحدثت عن اللامركزية الإدارية في سوريا ما بعد الأسد ، وجاءت نكرة غير معرفة فلم نفهم منهم ما هو المقصود بهذه العبارة ، هل هم يقصدون.

اللامركزية الإقليمية : تقدم لمصلحة أشخاص إداريين لهم امتداد إقليمي كالولاية والبلدية، وهذا يعني الاعتراف بالشخصية الاعتبارية للتقسيم «الإقليمي» بعبارة أوضح هل أصبح أقليم غرب كردستان ،أمراً واقعاً.؟

أم أنهم كانوا يقصدون بذلك ، اللامركزية التقنية أو حسب قطاعات الخدمة ، وهو ما يعتمده نظام الأسد منذ زمن بعيد تحت عنوان الإدارات المحلية ومنح صلاحيات واسعة للمحافظين.؟

ثم عندما يتم الحديث عن أن المؤتمرين في الرياض أتفقوا على تشكيل هيئة عليا للمفاوضات. ثم يخرجون علينا بالقول على أن هذه الهيئة تم تشكيلها بالمحاصصة ، فعن أي توافق يتحدثون ، وهم يعلمون أن المحاصصة هي من دمر العراق وهي التي منعت ولا تزال لبنان من أن يكون دولة بشكل فعلي.

ولم تمض أيام قليلة على انقضاء مؤتمر المعارضة السورية الموسع الذي عقد في الرياض .وإذ بروسيا تبعث إلى الأردن، قائمة ضمت 22 فصيلاً لإدراجها في قائمة «الإرهاب» التي تعكف عمان على إعدادها بتكليف من الدول المشاركة في اجتماع فيينا بشأن سوريا.

شملت القائمة الروسية، فصائل شاركت في مؤتمر الرياض ، منها «أحرار الشام» و«جيش الإسلام»، وفق ما أفادت صحيفة «الحياة السعودية» وفصائل في «الجيش الحر» تتلقى دعماً أمريكياً

ومازال البعض غارقاً في أوهام الحل السياسي في سوريا.

======================

هل ينحصر دور النخبة السورية في نقد معارضتها؟ .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 20/12/2015

هل ينحصر دور النخبة السورية في نقد معارضتها؟ نعم..الثورة السورية تمر اليوم في (منعطفٍ) تاريخي، حتى لو كان الوصف مُستَهلكاً ويدخلُ، لدى بعض النخبة السورية، في إطار (الكلام الخشبي) القديم.

نعم أيضاً، لحقيقة أن (النقد) يُعتبر ممارسةً سهلةً في آخر المطاف. لايعني هذا أنه ليس مطلوباً وضرورياً، ولايتضارب مع إلحاحِ استمراره ووجودهِ على الدوام. لكن ثمة حداً أدنى من التوازنات فيما يتعلق بطبيعته ودوره يجب أخذُها بعين الاعتبار.

فنقدُ المعارضة يكون بناءً ومثمراً ويؤدي دورهُ الأصيل حين لايترك القارىء، والسوريين بشكلٍ عام، معلقين في أجواء التشاؤم والسلبية والهجاء والسوداوية المُطلقة، ثم ينصرفَ عنهم ولسانُ حاله يقول لهم: عملتُ ماعلي، و(دبروا) أنتم أنفسكم، وابحثوا عن حلٍ لمشاكل ثورتكم..

لايمكن لثورةٍ أن تتقدم لتحقيق أهدافها و(نُخبتُها) المثقفة غارقةٌ في النقد بشكلٍ تطغى عليه الأجواء المذكورة أعلاه، خاصةً في المراحل المصيرية الحساسة كما هو عليه الحالُ الآن.

لايتضاربُ هذا، في الفكر السياسي المناضل، والمحترف، مع الإقرار بكل ماحصل في المراحل السابقة من اختلافات، وخلافات، عميقة وجذرية، بين حاملي لواء الثورة في كل مجال، شخصياً، ومصلحياً، ومبدئياً، وأيديولوجياً، وحزبياً، ومناطقياً.. ولا مع (إمكانية) استمرارها في المستقبل.

لكن (كل) ماحصل.. لايمثل (لعنةً) تاريخيةً نهائيةً أصابت سوريا وشعبها وثورتها، كأنها قدرٌ لافكاك من آثاره التدميرية، بالطريقة التي يفكر بها سوريون كُثُر.. وبالطريقة التي يوحي بها بعض نقدٍ يصدر عن مثقفين متميزين..

وماحصلَ لايجب أن يكون، أبداً، مدعاةً ل (الاستقالة) من الثورة، ولاينبغي أن يدفع للتركيز، ولو بدون قصد، على إشاعة مثل تلك الأجواء. فهذه طريقةٌ في التفكير ليست، فقط، مدخلاً لليأس والإحباط والسلبية في أعلى درجاتها، وإنما هي أيضاً، مع الاعتذار، نوعٌ من التفكير الطفولي الذي لايليق بشعبٍ بدأ ثورةً من أعظم ثورات التاريخ.

نحن، في سوريا، نعيش (نصيبنا) من قصة البشرية على هذه الأرض. بكل مافيها من صراعٍ وتضحيات وآلام عاشت المجتمعات مثلها.

ومفرق الطريق يكمن في قدرة السوريين اليوم على توظيف الظروف الراهنة لاستعادة شيءٍ من زمام المبادرة. تماماً كما فعلت شعوب كثيرة.

بكلامٍ أوضح. مهما كانت ملاحظات البعض على واقع المعارضة وممارساتها قبل وأثناء وبعد مؤتمر الرياض، نحن اليوم، كسوريين، أمام مرحلةٍ جديدة فيها من المخاطر والمزالق مثلما كان عليه الحالُ على مدى خمس سنوات. لكن فيها، بالمقابل، كموناً لم يكن موجوداً قبل ذلك. وإذا كنا نعتقد أن أداء المعارضة لن يكون أفضل، فهذا أدعى لأن يساهم الجميع بشكلٍ إيجابي في تحسين ذلك الأداء.

هل يبدو فعلاً أن البعض / الكثيرين تعلموا من دروس التجربة السابقة؟ لاندري على وجه الدقة، فهذه ليست غاية المنى. والكلام لايحمل دعوةً للأحلام والتوهم بأن مايجري هو عينُ الكمال.

لكن مايجري حتى الآن جيد، إذا كنا واقعيين، وحاولنا أن نفهم منطق التاريخ وآليات التطور الثقافي لدى الشعوب.

وماحصل، بتفاصيله المعروفة، من اجتماع أكبر حجمٍ ممكن لممثلي المعارضة السياسية والعسكرية، يمثل خطوةً على الطريق الصحيح،أخيراً. وعلى السوريين ألا يزهدوا في دلالالتها وكُمُونها، مهما كانت ملاحظاتهم مشروعةً على المعارضة، ومهما كان عَتبُهم كبيراً عليها.

آن للسوريين ألا يُحاصروا أنفسهم، وشعبهم، وثورتهم، ووَطنَهم، في مقولات تقليدية مختلفة مؤداها في النهاية أن «كل هذا عبث، وكلام فاضي، ولن ينتج عنه شيء».

لم يكن المجلس الوطني ولا الائتلاف، في نهاية المطاف، مُلكاً للأعضاء، ولا (الهيئة العليا للتفاوض) ملكٌ لفلان أو علان اليوم. وإنما هي جميعاً مُلكٌ لسوريا وثورتها ونُشطائها وأهلها. وإذا كان هذا الكلام، في نظر البعض مثالياً وطوباوياً، فإن هذا لايغير الحقيقة المذكورة، وإنما يُعبر عن (رجعيةٍ) تعود بنا للوقوع في فخ ثقافة السلبية واليأس التي يُفترض أن الثورة قامت عليها، قبلَ أي شيءٍ آخر.

======================

تسوية سورية مع إغفال مصير الأسد .. لؤي حسين

الحياة

الاحد 20/12/2015

وصول الإرهاب إلى باريس، واختراقه كل دفاعاتها، ونجاحه في عمليات عدة في وقت واحد، أمر لا يمكن للغرب السكوت عنه، بخاصة أن الهجوم جاء عقب عمليات ناجحة عدة للدواعش.

أحدثت العملية رضة شديدة للحكومات الغربية التي لا تقبل أن يتجاوز «داعش» الجغرافيا المتاحة له، في سورية والعراق، وربما سيناء وليبيا، أما قلب أوروبا وبهذا الإتقان، فهذا ما عاد يكفي معه تشديد الإجراءات الأمنية، بل لا بد من هجوم كاسح ضد «داعش» والتنظيمات الشبيهة.

هكذا قررت الدول الغربية، وفي مقدمها الولايات المتحدة، وكذلك روسيا والصين والدول الإقليمية، لملمة جهودها وإمكاناتها للقضاء على «داعش» والنصرة وأشباههما على الأراضي السورية، إذ يعتبرون سورية منبعاً لأصناف المجموعات المتطرفة. واعتبرت الدول المشاركة في «فيينا ٢» أنه لا يُقضى على امتدادات التطرف الجائح ما لم يُقطع رأسه في سورية.

وتم التوافق في «فيينا ٢» على إلغاء كل البنود المدرجة على جدول الأعمال، بخاصة النقاط الخلافية، ومناقشة بند واحد فقط: القضاء على «داعش» وأشباهه.

فكل دول فيينا تدرك أن القضاء على «داعش» لا يكون من دون التخلص من الفوضى العسكرية في الأراضي السورية، وتوجيه كل البنادق، كل من موقعها، صوب «داعش» وأشباهه. ولا بد من إنهاء الأزمة السورية لتحقيق ذلك.

هذا القرار لا يحتاج من الدول لكثير من النقاش. يكفيه توافق دولي معلن، ثم اتخاذ إجراءات وقف النار بين الأطراف السورية وغير السورية من غير «الإرهابية» (المجموعات الإرهابية هي تلك التي لن تجد دولة من دول فيينا تحتضنها)، ويتزامن وقف القتال البيني هذا مع تسوية سياسية يسهل تحقيقها بين النظام والمعارضة لأن جميع الأطراف السورية المعنية تحت السيطرة الوصائية للدول الداعمة للأطراف المسلحة.

ما ورد أعلاه ليس كلامي بل تكثيف لما قاله وزيرا الخارجية الروسي والأميركي في مؤتمرهما الصحافي في نهاية اجتماع فيينا. فكيري قال إن الدول الخمس في مجلس الأمن اتفقت على إصدار قرار عن المجلس ينص على وقف النار من دون أن يشمل «داعش» والنصرة والمجموعات الشبيهة. والوزيران تحدثا عن مفاوضات بين السلطة والمعارضة، وعن سلطة انتقالية ودستور جديد وانتخابات وأزمنة وتواريخ. قالا ذلك بالأصالة عن حكومتيهما وبتوكيل من كل دول فيينا، وهي الأطراف في الأزمة السورية أو ذات العلاقة بها، بحيث لم تغب أي دولة عن الاجتماع يمكنها عرقلة ما اتُفق عليه.

قد لا تحصل الأمور وفق سياق اجتماع فيينا، وقد لا تجري وفق الأزمنة والتواريخ التي حددها، لكن بكل تأكيد أوقف اجتماع فيينا صعود الخط البياني لمسار الأزمة ولوى مساره نزولاً. نزوله لن يكون سلساً كما في مرحلة الصعود، فالأرجح أن نشهد الكثير من الانتكاسات في كل أطوار النزول.

الأكثر أهمية ودلالة في فيينا أن القطبين الرئيسين في الأزمة، الروسي والأميركي، قالا العبارة المفتاح: «اتفقنا على حل الأزمة السورية»، من دون ذكر أي من خلافاتهما الكثيرة. هذه العبارة حال غيابها دون قبولنا الدعوات المتكررة للسفراء الأميركي والبريطاني والفرنسي للمشاركة في مؤتمر «جنيف٢»، وذلك لقناعتنا بأنه لا يمكن الانطلاق بحل الأزمة قبل إعلان هذا التوافق. حال هذا الأمر كحال مسألة توحيد المعارضة الذي استعصى عن التحقق لأكثر من أربع سنوات، لكنه منذ أيام أُنجز بسهولة لافتة في مؤتمر الرياض بعدما توافقت الدول على ذلك. فشهدنا توحيد قول غالبية قوى المعارضة إضافة إلى فصائل مسلحة «معتدلة» من دون أي إشكالات ومشاكل. بل، وأنا شاهد على ذلك، جرى المؤتمر وكأنه بين أعضاء تنظيم واحد.

توحيد المعارضة كان الخطوة الأولى في العملية السياسية لفيينا، والتي باتت شبه حتمية. وستكون الخطوة المقبلة بعد أيام، وقد تكون قفزة مزدوجة تجمع المفاوضات ووقف النار. والأمر لن يطول حتى تبدأ ملامح المرحلة الانتقالية بالظهور مع قبول جميع الأطراف بصيغة «لا غالب ولا مغلوب»، هذه الصيغة التي اتُهمنا بكل موبقات السياسة حين قلناها قبل أكثر من أربع سنوات، وأضفنا إن كل الضحايا والخسائر بعدذاك ستكون مجّانية ولن تغيّر المعادلة التي استقرت مذاك: «لا غالب ولا مغلوب»، وأن المآل طاولة مفاوضات تودي إلى سلطة خليط من جميع الأطراف.

لكن الأوضاع، كما يعرف الجميع، باتت أسوأ بما لا يقاس عما كانت عليه في ٢٠١١ و٢٠١٢. والأسوأ فيها خلوّ مواقع صنع القرار من أشخاص مؤهلين لصنع القرار، إذ تكرست طيلة السنوات الأربع الماضية شخصيات تتباهى بدعم الدول لها، وتستقوي على خصومها وأصدقائها بتبعيتها لهذه الدول. ينطبق هذا بالمطلق على قطاعي النظام والمعارضة.

وهذا جانب يفوّت على السوريين إمكانية استغلال الفرصة المتاحة لهم نتيجة التسوية السياسية التي سيفرضها المجتمع الدولي على جميع الأطراف السورية. لكن العجالة التي يعتمدها المجتمع الدولي في تعاطيه، وارتجاله في كثير من المواقف نتيجة تعدد الأطراف الدولية والمتعارضة، ستتيح فرصة خلق حيّز سوري، ولو محدود، ضمن مظلة الوصاية الدولية غير المعلنة التي تخضع لها سورية، أي: هناك إمكانية جيدة لزرع بذرة خصبة لسيادة وطنية مفقودة. فإن لم تُزرع الآن في شكل واعٍ وحذق ستبقى سورية فاقدة سيادتها لعصر أو أكثر، وسيكون حالنا كجيراننا اللبنانيين العاجزين منذ أكثر من سنة ونصف سنة عن اختيار رئيس لجمهوريتهم، وعن انتخاب مجلس نيابي جديد أو تنصيب حكومة قادرة.

فشلنا كمعارضة في ذلك في تجربتنا الأخيرة في مؤتمر الرياض، فلم نتمكن من التقدم خطوة على الدول على رغم الفرصة المتاحة. فكثير من المعارضين اعتادوا انتظار توجيهات الدول للقيام بأعمالهم، ويصعب عليهم الآن الاعتداد بالذات في هذه اللحظات الضيقة التي ستودي بالتأكيد بعديد الأشخاص والشخصيات.

أمام هذا القلق الشخصي لجأ بعض كثير منا للاستقواء بالدول ليضمن بقاءه في المرحلة المقبلة، من دون أن يهتم بأن هذا يساهم أكثر فأكثر بتكريس فقدان السيادة، وتركز اهتمامه على أن الاستعانة بالدول أقل مخاطرة من الاحتكام لآراء وأحكام سوريين آخرين.

لم أتقصد إغفال موضوع الأسد، فالدول هي التي أغفلته.

======================

موقفنا : إجماع مجلس الأمن على خذلان السوريين يفرض عليهم البحث عن بديل .. (1) في الخذلان .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

20 / 12 / 2015

بعد خمس سنوات من إدارة الظهر لمشهد الدم المراق عدوانا في سورية ، قرر الذين وسموا أنفسهم ( بأصدقاء الشعب السوري ) خذلان الشعب السوري ووأد الثورة السورية بقرار إجماعي من مجلس الأمن تم الإعلان عنه منذ يومين . يسعى قرار مجلس الأمن 2254 / 18 / 12 / 2015 بشكل واضح ومباشر إلى إعادة سورية وشعبها إلى (عُهدة ) بشار وأجهزته العسكرية والأمنية القمعية ، وعلى أيدي وكيليه روسية وإيران . إن أي كلام آخر يقال للسوريين في التعليق على قرار مجلس الأمن موضع الحديث هو من الباطل الذي لا يغني من الحق شيئا .

وددنا أن نجد في مواد البيان الخمسة عشرة مادة واحدة تنحو إلى الانتصار للشعب السوري ، أو تدافع عن حقوقه ، أو تحمي مستقبله ، أو تضمن وعدا بعدالة لضحاياه . أو تتعاطف مع تطلعاته ؛ ونرجو ممن وجد مثل هذه المادة ، ولو بنوع تأويل ، أن يضع يدنا عليها ، أو يدلنا عليها .

إن أكبر شاهد على انحياز قرار مجلس الأمن 2254 السافر إلى جانب عصابة الجريمة والقتل ، ترحيب ممثلي هذه العصابة به ، وتطبيل وسائل الإعلام الروسية والإيرانية والمعلقين باسمها له ...

ولم يكن القرار بجملته إلا أعادة صياغة لكل ما ظل يطرحه القتلة والمجرمون وداعموهم على مدى السنين الخمسة الماضية . دون أن يستطيع الذين يزعمون أنهم ( أصدقاء للشعب السورية ) أن يضيفوا كلمة واحدة على ما كان اقترحه لافروف ومن قبله جوقة الأسد في كل المحافل والمؤتمرات. إن مقولة بوتين ( سيجد بشار الأسد في الاتفاق مع كيري ما لا يعجبه ) هو من السخرية بكيري وبكل الذين وسدوا أمرهم له ، وحاشا الشعب السوري وقواه الحية الواعية أن يكونوا من هؤلاء .

• إن أخطر ما في قرار مجلس الأمن 2254 / 18 / 5 / 2015 هو تحول التأييد الضمني للمجرم على مدى السنوات الخمس الماضية بإطلاق يده في قتل السوريين وتدمير بلادهم بكل أنواع الأسلحة إلى تأييد علني صريح مؤيد ومدعوم بقرار إجماعي من مجلس الأمن الدولي . ليبقى سؤالنا الواضح والمباشر : هل احتوى البيان كلمة واحدة في إدانة المجرم صاحب الجريمة المستعلنة والموصوفة؟! وإذا كان شركاء المجرم قد تمترسوا وراء الفيتو دون إدانته ، فقد انحاز اللامبالون والمستهترون بالدم السوري إليهم على حساب قضية شعب كانت كل جريمته أنه هتف للحرية وللحياة .

• وتحت عنوان التفرغ للحرب على ( الإرهاب ) و التوحد عليها قرر المجتمع الدولي إعادة تسليم رقاب السوريين وأعراض حرائرهم لبشار الأسد وعصاباته وسط متاهة ملتوية من المقررات رسم منعرجاتها أغبياء يظنون في أنفسهم الذكاء ويقدرون في غيرهم من الناس التخلف والغباء.

• سيتساءل المنصف الذي تابع جلسة مجلس الأمن ووجد المدعو ( بشار الجعفري ) وكيل مجرم الحرب وشريكه في الجريمة متربعا على المنبر الدولي بدعوة خاصة ( متواطأ ) عليها ، عن البعد الأخلاقي لدعوة مثله إلى مثل هذا المنبر ، وعن البعد السياسي في تغييب ممثل عن نصف مليون شهيد وعشرة ملايين مشرد من السوريين لا يجدون من يدافع عن قضيتهم ببنت شفة .

• لقد سلّم الذين يسمون أنفسهم بأنهم ( أصدقاء الشعب السوري ) لبشار الأسد ومن أمامه روسية وإيران في فرض شروطهم على تسمية (الوفد المفاوض ) له . إن كل ما جرى في الرياض من تجاوز على دور ( الائتلاف الوطني ) كان وفاء للمتطلبات الأسدية التي ما فتئ يرددها الروس والإيرانيون ، ومع ذلك فإن ما جرى في الرياض لم يكن ليقنع ( صبي العالم ) المدلل وداعميه.

• ونزل الذين يسمون أنفسهم بأنهم ( أصدقاء الشعب السوري ) على شروط بشار الأسد وحليفيه الروس والإيرانيين مرة أخرى بالقبول بفرز السوريين إلى ( إرهابيين ومعتدلين ) . فبشار الأسد الذي اعتبر منذ أول يوم أن كل من قال له ( لا ) إرهابيا ولو كان تلميذا في مدرسة ابتدائية في عمر حمزة الخطيب ها هو اليوم يجد في قرار مجلس الأمن ( الإجماعي ) ما يؤيده ويدعمه ، وما يزيد عليه بترك التهديد بالتصنيف تحت هذا العنوان مفتوحا مرفوعا كالسيف المصلت فوق رؤوس المقاومين والمعارضين على السواء.

إن الوجه الآخر لعملية تصنيف الشعب السوري هذه هي أنها منحت المجرم القاتل الموثقة جريمته في قتل المعتقلين في أعماق الزنازين شهادة براءة مزورة ومؤيدة بإجماع مجلس الأمن هذه المرة .

• وفي سياق تصفية الثورة والانقلاب على الثوار لقد أعفى الذين يسمون أنفسهم بأنهم أصدقاء ( للشعب السوري ) المجرم القاتل وعصابته من المساءلة والمحاسبة ، وأغلقوا على المصابين والمنتهكين نافذة الحلم بالعدل ، وتركوا للمجرم القتل بما منحوه من حقوق البقاء فرصة للتلويح بالمزيد من الانتقام . إنه تحت العنوان الزائف ( لإرادة الشعب السوري ) التي اختطفها حافظ وبشار الأسد منذ نصف القرن وما زال يزيفها ويلعب بشار وبوتين والولي الفقيه سلّم خاذلو الشعب السوري بقرار مجلس الأمن للقاتل المستبد وداعميه من الروس والإيرانيين بحقهم بأخذ المشهد السوري إلى ما أسموه (الحكومة الانتقالية) . لقد أصبحت الشراكة مع المجرم القاتل مخرجا ومطلبا بقرار من مجلس الأمن . وبدلا من أن يسوق القرار هذا المجرم إلى محكمة الجنايات الدولية أمام ما ارتكبه بحق السوريين من جرائم موثقة ؛ فإنه يفتح الباب أمامه ليستمر في ممارسة جرائمه على السوريين من جديد .

ثم هل تساءل هؤلاء الماكرون المخادعون الممسكون بقرار مجلس الأمن أنفسهم عن أي دور يمكن أن يؤديه ( مجموعة من الأفراد ) مهما امتلكوا من صلاحيات وإمكانات حيال فريق يسيطر على كل مفاصل الدولة وإمكاناتها بما فيها أدوات الإكراه ؟!

هل تساءل هؤلاء ماذا سيفعل هذا الفريق ( المضاف ) إلى هيئة الحكومة الانتقالية أو المشتركة حيال سيطرة سلطة ظلت طوال عهدها عميقة خفية لا يملك الوزراء ولا المدراء على كثرتهم من أمرها شيئا ؟! هل سيكون رياض حجاب – مثلا - المواجه لبشار الأسد أكثر قدرة على الأداء من رياض حجاب المدعوم قبلا من بشار الأسد ؟! إن عبارة ( الصلاحيات الكاملة ) التي يرددها المرددون بكل ما فيها من رواء بلاغي لا تساوي في عالم الاستبداد شروى نقير . نقول هذا فقط عسى أن يصحو المخمورون.

• إن مؤسسات الدولة السورية عزيزة على قلب كل سوري ؛ ولكن هل يجوز أخلاقيا أو سياسيا المتاجرة بالبعد العاطفي لهذا العنوان، للتسويغ لبقاء المؤسستين الشريكتين في كل ما جرى على الأرض السورية من قتل وتدمير ؟! كيف يمكن للسوريين أن يقبلوا ببقاء مؤسسة عسكرية حرثت دباباتها ومدفعيتها وطائراتها مدنهم وقراهم وأحياءهم ؟! كيف يمكن لبشر أسوياء متحضرين أن يصدروا قرارهم موضع التعليق على أساس الإبقاء على الأوكار التي وثق فيها من سموه (بالقيصر) خمسة وخمسين ألف صوره لبشر حقيقيين يزعمون أنها أبكتهم وأوجعت ضمائرهم ؟! ترى أي دورة في حقوق الإنسان ، أو أي محاضرة في الأخلاق ستصلح من وضع هؤلاء الغيلان ...؟!

• ومع رفضنا نحن السوريين لكل المدخلات والمخرجات الطائفية وعلى كل المستويات .. نرى أنه بات من حقنا أن نعلن أنه قد أصبح من مثيرات الغثيان والقرف والاشمئزاز ومن المنبهات على رسيس عنصرية يتحكم في خلفيات الكثيرين ؛ أن أبناء الأكثرية ما زالوا منذ خمس سنوات يقتلون ويعتقلون ويدمرون ويهجرون ثم لا نزال نسمع في القرارات والبيانات والتصريحات الدولية تخوفات سخيفة غير مفهومة ولا مسوغة عن حقوق الأقليات التي لا يجاحد فيها أحد ولا يهددها أحد غير بشار الأسد وأدواته العمليين . تلك إحدى القضايا التي لم يغفل عنه قرار مجلس الأمن موضع التعليق.

• إن تحويل المعركة في سورية من معركة بين شعب مستضعف مضطهد مظلوم متطلع إلى الحرية والكرامة مع ظالم مستبد قاتل إلى معركة بين المجتمع الدولي وبين زعانف من المتطرفين والإرهابيين أوجدهم الظالم المستبد ليختبئ وراءهم ، وتقديم المعركة الثانية على الأولى؛ هو سقوط أخلاقي وسقوط سياسي وانهزام حقيقي في المعركة الأساسية مع الاستبداد المولد للفساد .

• لقد سبقت القوى الوطنية السورية أن قالت كلمتها حاسمة جازمة صريحة واضحة في إيمانها بالحل السياسي وفي دعوتها إليه ، وتمسكها به على أساس وثيقة المبادئ الخمسة . إسقاط نظام بشار الأسد بكل رموزه وأركانه ورحيل كل المجرمين وعلى رأسهم بشار الأسد إلى ساحة العدالة . ولا بد من تفكيك المؤسستين الشريكتين في مشروع القتل مع إيماننا المطلق بفردية التبعة . لا للطائفية بكل تطبيقاتها وتداعياتها . نعم لسورية دولة مدنية وطنية ديمقراطية في ظل الحكم الرشيد . ولا مساس بوحدة سورية أرضا ولا شعبا. ثم الوفاء كل الوفاء لدماء الشهداء ولتضحيات المضحين ...

• إن أي قرار أو حل أو اقتراح أو خطة طريق لا تحترم هذه المطالب الأساسية المشروعة للشعب السوري وثواره ومجاهديه مردود على صاحبه حتى يقضي الله بيننا وبين هؤلاء الظالمين المفسدين وداعميهم بالحق ...

(( وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ))

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

======================

حديث طائفي عن سورية... ولكن .. غازي دحمان

العربي الجديد

السبت 19/12/2015

يتحاشى الكتّاب وأصحاب الرأي تحليل الأحداث على أساس طائفي، لتخلّفه وعدم قدرته على إبراز المكون الحداثي في ثقاقتهم، ولأنه ينطوي على إشكالية منهجية تؤثر في نتائج التحليل، لارتكازه على التعميم، واعتباره الجماعات مغلقة على قيم وثقافة ورؤى سياسية واحدة. وبين قناعة ذاتية وإشكالية منهجية، يجري إلغاء معطيات وحقائق كثيرة، وإخراجها عنوةً من الحقل التحليلي، لتنتج تحليلاً مشوهاً، يزيد من تشويه الخريطة المعرفية للحدث.

لكن الوقائع تفرض، أحياناً، استخدام أدوات هذا المنهج، لعدم وجود إمكانية لمقاربتها بغيرها، فإذا كان الواقع طائفياً بوسائله ونتائجه، يصبح من التضليل مقاربته بطرق مختلفة، وكثيراً ما يقع اللوم على التفسير الطائفي للأحداث، بذريعة أنه يتسبب في الانقسام، ويتم التغافل عن السلوك الطائفي الذي يصنع هذه الأحداث، وكأن الاستمرار في التعمية عنها هو السبيل للقضاء عليها.

غالباً ما يجري، في سورية، الالتفاف على هذا الواقع وتجميله، بالقول إنّ الإشكالية تتمثّل بوجود نظام استبدادي لا يفرّق بين طرف وآخر، فهناك حلفاء سنة مع النظام، وحتى بين قوّاته، وبالتالي، لا تستهدف منظومته الحربية وأجهزته الأمنية الناس بصفتهم المذهبية، بقدر ما تستهدف المعارضين، بدليل أن ثمة معتقلين من كل أطياف المجتمع السوري. ولكن، نتيجة ثورة رفعت شعار المواطنة والحرية، جرى تدمير نسيج المكون السنّي بغالبيته، وجرى تصميم استراتيجيات المواجهة لهذه الثورة من أجل تحقيق هذا الغرض. ولفهم ذلك بشكل أعمق، يمكن التدقيق بمخرجات هذه الإستراتيجية التي تمظهرت، غالباً، بالحصار والتفريغ السكاني والمجازر الجماعية والاعتقال العشوائي والإخفاء القسري والاغتصاب والقصف العشوائي بالبراميل وقذائف المدفعية، حتى أبناء الأقليات الذين تم اعتقالهم، من نشطاء ومثقفين وسياسيين، كانت التّهم الموجّهة لهم: التعاون مع الإرهابيين "السنّة"، أو تقديم خدمات لوجستية لهم، أو إغاثتهم، أو تقوية موقفهم السياسي.

وقد ساعد وجود العراق وإيران في إيجاد عمق إستراتيجي لإنجاح هذه الإستراتيجية، بمدّها بكل مستلزماتها من أدواتٍ ماديةٍ وكوادر لإنجاز هذه المهمة، فإيران دخلت الحرب على أساس طائفي بحت، وكذلك حكومات العراق، في عهدي نوري المالكي وحيدر العبادي، فضلاً عن حزب الله، وبالتالي، اندمجوا ضمن أهداف ومكونات الإستراتيجية الطائفية التي تقوم على إلغاء الطرف الطائفي الآخر، واحتلال الحيز الجغرافي الذي يملكه، وإضعاف مكونه الديمغرافي إلى أبعد حد.

واتبع نظام الأسد، وحليفته إيران، استراتيجية متدحرجة، تقوم على إيجاد وقائع يومية جديدة

"بعد أقل من عقد، نكون أمام خريطة ديمغرافية مختلفة، يصبح معها الوجود السني نادراً" سيئة، تصعّب استمرار سنّة سورية وتحطّم قوتهم، وتقوم على احتمال أنه، حتى في حال فرض هدنة، أو حتى جرى إخضاع الثورة في سورية، يجب أن تشكّل أيضاً دينامية لاقتلاع السنة وإضعافهم، المهم في الخطة أن تستمر عمليات الاقتلاع والإبادة، وطالما بقي الأسد يسطو على الشرعية ويمتلك الدولة، فإن هذه الأليات التشغيلية تستمر بعملها.

واستتباعاً، تجري الحرب، اليوم، بضراوة على التجمعات المحلية للسنة التي تشكّل كثافة كبيرة، حمص وأرياف دمشق وأرياف حلب، كما جرى وضع جنوب سورية تحت إشراف روسيا وإسرائيل ومراقبتهما لمرحلة مقبلة. أيضا الحرب تقوم على تنظيف مربعات وتوسيع المربع الذي تحت السيطرة، وإخراج السنة منه على أساس الاستمرار في عملية استكمال توسيع المربع إلى المرحلة التي يصار فيها إخراج السنة نهائيا من سورية.

وقد شكل دخول روسيا عاملاً مساعداً على إنجاز هذه الإستراتيجية، حيث تنفذها بحرفية كاملة بإصرارها على تحطيم بنية مرتكزات السنّة في سورية، وتجريدهم من كل عوامل القوة، وقد أضاف بوتين إلى هذه الإستراتيجية إغلاق كل منافذ الحياة على مناطق الشمال والجنوب، وفتح إمكانية لإسرائيل للقيام بجزء من عملية التطهير والإفراغ. وتستثمر روسيا وحلفاؤها مناخ الحرب على الإرهاب، لإدماج مشروعها في إطاره، وفي ظل الصمت العالمي، كما تستثمر حالة اللبس بين الحرب على التطرف وحق السوريين في الحياة والاستقرار.

نتيجة ذلك كله، أصبحت المجتمعات السنية ضعيفة ومنهكة، وهي تقف على بوابات الاقتلاع، وتساعد على إتمام هذه المهمة التحضيرات اللوجستية التي يتم تجهيزها، حيث تؤسس إيران لبنية عسكرية مذهبية، قوامها مئات آلاف المقاتلين العراقيين والأفغان والإيرانيين، كما تضاعف روسيا من أصولها العسكرية بدرجة ملحوظة في سورية، ما يعني أننا، وبعد أقل من عقد، نكون أمام خريطة ديمغرافية مختلفة، يصبح معها الوجود السني نادراً.

عملياً، وبعد تهجير أكثر من خمسة ملايين، وقتل وإخفاء واعتقال حوالي مليونين، ومحاصرة مثلهم، وارتهان عدة ملايين بين حواجز النظام، وهروب جيل الشباب، فإننا أمام دينامية اقتلاع خطيرة، ستقذف كل يوم آلافاً من سنة سورية الذين باتوا أقلية، وليس أقلية مستقرّة، بل مجموعات متناثرة في مواجهة العاصفة، ومسموح استخدام كل آليات التدمير والاقتلاع بحقهم. ويتوجب، تالياً، على المجتمع الدولي المهتم بالأقليات الاهتمام بهذه الأقلية، ورفع درجة الإنذار لحمايتها من بطش مجموعة من الدول.

======================

كيري و"تلميع" الأسد .. حسام كنفاني

العربي الجديد

السبت 19/12/2015

أتحفنا وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، في حواره مع مجلة نيويوركر بمعلومات أو مواقف ربما تصرح بها الولايات المتحدة للمرة الأولى. منذ البداية، كنا ندرك أن الموقف الأميركي مما هو قائم في سورية غير واضح، وأن الإدارة الأميركية تتروى في اتخاذ موقف، تجنباً لتكرار سياسات سابقة، وتحديداً ما قامت به إدارة جورج بوش في العراق، وهو ما صرح به كيري بشكل مباشر في التقرير المطول، والذي يظهر ما يخفيه الأميركيون تجاه الوضع السوري.

الإدارة الأميركية، وبحسب قراءة ما بين سطور حوارات كيري، لا تزال متمسكة ببقاء نظام بشار الأسد، على عكس التصريحات العلنية التي يخرج بها المسؤولون الأميركيون، تحديداً في الفترة الحالية، والكلام عن الفترة الانتقالية، والجدال حول دور الأسد فيها. كيري لم يقل ذلك في كلامه بشكل صريح، لكن، من الواضح أن هذا ما يسرّه الأميركيون، ولا يعلنونه بشكل مباشر، حرصاً على مواقف الحلفاء، وتحديداً الدول الخليجية. لا تزال الإدارة الأميركية غير واثقة بأي خيار بديل، قد يكون مطروحاً ليتولى إدارة سورية بعد رحيل النظام. لذا، هي تشير، بوضوح، إلى أن الغاية هي الإبقاء على النظام، وربما تغيير رأسه.

لكن، حتى هذا الرأس، لا ترى واشنطن من هو مؤهل لتولي المهمة في الوقت الحالي، بل أنكى من ذلك، يؤشر ما جادت به قريحة كيري في التقرير إلى تلميعٍ ما لبشار الأسد شخصياً، بداية من الحديث عن "أخطائه"، مروراً بحرصه على "العلمانية"، وصولاً إلى دور المحيطين به في التأثير على قراراته.

فرئيس الدبلوماسية الأميركية، والتي من المفترض أنها تدين، منذ البداية، الجرائم التي يرتكبها النظام السوري ضد شعبه، لم ير في هذه الجرائم إلا "أخطاء" بشار الأسد إلى القيام بها من دون أن يرغب في ذلك. هذا ما أشار إليه كيري بوضوح في مقابلاته، فالمسؤولون المباشرون عن هذه الأفعال، بحسب الوزير الأميركي، هما والدة الرئيس السوري، أنيسة، وشقيقه، ماهر الأسد، في إطار مخاوفهما على مكاسب الطائفة العلوية، على حسب ما جاء في "نيويوركر".

ويعيد كيري، بأطروحته هذه، الديباجة التي راجت في الأيام الأولى للثورة السورية، وتحدثت عن رغبة الرئيس السوري في القيام بإصلاحات في نظامه، غير أن أطرافاً أخرى في "مجلس العائلة" منعته. وهي مزاعم ثبت كذبها من كلام الأسد نفسه، ومن كثير من المسؤولين والشخصيات الذين التقوه، أو هم على دراية بخفايا ما يدور في أروقة النظام، والذين أشاروا إلى أن الأسد مدرك، منذ البداية، للأفعال التي يقوم بها، والتي تندرج في إطار جرائم الإبادة الجماعية، غير أن كيري لم ير فيها إلا "أخطاء".

أيضاً كيري، وفي إطار ما يروج النظام لنفسه، عمد إلى إمرار الحديث الذي دار بينه وبين الأسد حول "انتشار الحجاب والتطرف"، ورواية كيف أن والدة الأسد لم تعد تستطيع الخروج خشية هؤلاء المتطرفين، وهي رواية مضحكة جداً لمن يعرف حياة "العائلة المالكة" في سورية، إذ تصوّر والدة بشار الأسد وزوجة حافظ الأسد وكأنها مواطنة عادية، تخرج للتسوق وشراء الخضار على سبيل المثال. لكن، بغض النظر عن هذه المفارقة الكوميدية، مرّر كيري المعلومة عن رغبة الأسد في الإبقاء على النظام العلماني في بلاده. توقيت إمرار هذه الرسالة في ظل المخاوف من الأسلمة المنتشرة عالمياً.

لم يكتف الوزير الأميركي بهذا القدر من "التنويه" بالأسد، بل أضاف إليه معطى ثالثاً، تمثّل في استعداد الرئيس السوري للتوقيع على اتفاق سلام مع إسرائيل، وهو كان سيقوم بذلك في عام 2010، غير أن تعنت بنيامين نتنياهو حال دون ذلك.

معلومات وتصريحات بمجملها لا تصب إلا في خانة تلميع صورة الأسد غربياً، والتي يبدو أنها مهمة أخذ كيري على عاتقه القيام بها.

======================

هل يريد تنظيم الدولة إقامة الخلافة أم تكريس الاستبداد؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 19/12/2015

دعونا نسلم جدلاً بأن من حق الإسلاميين تشكيل تنظيمات سياسية وحتى عسكرية للدفاع عن أنفسهم واستراتيجياتهم ومشاريعهم. لا شك أن لديهم الكثير من المبررات، وعلى رأسها أن الإسلام دين ودنيا، ومن حقهم أن يأخذوا فرصتهم في حكم المجتمعات العربية والإسلامية كما فعلت بقية الأحزاب والتيارات على مدى أكثر من نصف قرن من الزمان، ولنترك الحكم الأخير لصناديق الاقتراع وأصوات الشعوب. وقد نجد كثيرين ممن يدعون إلى إعادة الخلافة الإسلامية كما يفعل تنظيم الدولة الإسلامية. لكن هناك فرقا كبيرا بين التمنيات والرغبات وبين الواقع والمعطيات.

وعندما نجد من يدعون إلى إقامة أنظمة إسلامية على شكل خلاقة أو غيرها بشكل عبثي في عالم لا يمكن أن يقبل بمثل تلك الأنظمة مهما كان الثمن، فمن حقنا عندئذ أن نعتبرهم، إذا أحسنا الظن بهم، كمن يحارب طواحين الهواء، وإذا أسأنا الظن بهم، فمن حقنا أن نعتبرهم أدوات غير مباشرة لتكريس الاستبداد وإعاقة قيام دولة الديمقراطية والمواطنة التي بات ينتهجها أكثر من مئة وعشرين دولة في العالم من أصل مئة وثلاث وتسعين دولة.

لا شك أن الحالمين بدولة الخلافة أو بأنظمة إسلامية صرفة سيقولون لك لو أقنعتهم بأن العالم لن يسمح بمثل تلك الأنظمة، إن الدنيا تؤخذ غلاباً، وإن كل الأنظمة عبر التاريخ قامت أصلاً بالقوة وأحياناً عن طريق الإبادة والعنف الوحشي، كما فعلت أمريكا عندما قضت على الهنود الحمر، وأقامت دولتها على أنقاضهم وجماجمهم. وبالتالي من حق تنظيم الدولة الإسلامية وأمثاله أن يفعل ما يشاء لبناء دولته المنشودة، حسب منطقه. لكن لو اتفق البعض مع هذا المنطق، هل يمكن فعلاً أن تكون مثل تلك الجماعات الإسلامية بديلاً حقيقاً للأنظمة التي ثارت عليها الشعوب في إطار «الربيع العربي»؟

نعم ولا. (نعم) وظيفية إذا كان سادة العالم والمتحكمون بجغرافياته السياسية يريدون فعلاً نشوء مثل تلك الكيانات لأغراض تقسيمية ودينية ومذهبية وطائفية تخدم مشاريعهم الاستراتيجية، كما يتوقع البعض في سوريا والعراق.

و(لا) إذا كانت القوى الكبرى تمانع في نشوء مثل تلك الكيانات الإسلامية باعتبارها نقيضاً لحركة التطور السياسي والاقتصادي والثقافي العولمي العالمي. حتى الآن لا يبدو أن المتحكمين بالعالم يباركون الحركات التي تريد ان تبني أنظمة إسلامية كتنظيم الدولة وغيره. ولسنا بحاجة للكثير من الجهد كي نرى أن العالم يتكاتف شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً لتقليم أظافر تلك الجماعات. فقد شكلت أمريكا حلفاً من عشرات الدول لمحاربة تنظيم الدولة، وكذلك فعلت روسيا التي جاءت بأحدث اسلحتها إلى سوريا لمواجهة الجماعات الإسلامية بكل أنواعها، ناهيك عن أن العرب والمسلمين أنفسهم راحوا يشكلون التحالفات لمحاربة «الإرهاب» المتمثل بتنظيم الدولة وأمثاله. وآخر تلك التحالفات «التحالف الإسلامي ضد الإرهاب» الذي أعلنت عنه المملكة العربية السعودية قبل أيام قليلة.

وعندما نرى الموقف الدولي المتأهب لمواجهة تلك الجماعات بكل أنواع الأسلحة السياسية والثقافية والإعلامية والاقتصادية، لا بد أن نسأل على ضوء ذلك: هل تريد الجماعات الجهادية كتنظيم الدولة وغيره فعلاً إقامة نظام الخلافة المنشودة (الممنوعة أصلاً)، أم إنها بعنادها العبثي أصبحت، بطريقة غير مباشرة، تلعب دور الفزاعة لصالح الطواغيت الساقطين والمتساقطين ولصالح القوى التي تريد لشعوب المنطقة أن تبقى تحت نعال الطغيان من أجل إعادة الشعوب إلى زريبة الطاعة، على اعتبار أن الديكتاتوريات العسكرية والأمنية أفضل من تلك الجماعات الإسلامية المتطرفة بالنسبة للشعوب وللعالم الخارجي على حد سواء؟ أليس من حق البعض في هذه الحالة أن يتهم تلك الجماعات بأنها أفضل داعم للنظام السوري وأمثاله الحاكمين في أكثر من بلد عربي، لأنها تقدم بديلاً لا يقبله العالم الحديث، ولا تقبله الشعوب الثائرة؟

أليس من حق الشعوب التي ثارت ضد الطغيان في سوريا ومصر وتونس وليبيا واليمن وغيره أن تسأل أصلاً: هل ثرنا لاستبدال طاغية عسكري علماني بطاغية ديني يريد ان يعود بنا إلى غياهب الماضي السحيق بينما العالم يتقدم على كل الأصعدة بسرعة رهيبة؟ أليس من حقها أن تقول إننا لم نثر كي نستبدل الفالج بالسرطان، أو العكس؟

عندما يكون البديل للأنظمة الساقطة والمتساقطة على شكل تنظيم الدولة وأمثاله، فهذا يعني بالضرورة أن تلك التنظيمات تساعد بطريقة غير مباشرة الأنظمة الاستبدادية المتساقطة، لا بل ربما تدفع بعض الشعوب التائقة إلى الحرية والديمقراطية ودولة الحداثة إلى العودة لأحضان الطواغيت الذين ثارت عليهم، أو تتمسك بهم، لأن البديل القادم «داعشي».

وهنا من حق الجميع أن يضعوا ألف إشارة استفهام على ظهور تنظيم الدولة وأمثاله واستفحاله وانتشاره في هذا الوقت بالذات. لاحظوا أن التنظيمات الجهادية لم تقدم بديلاً ديمقراطياً مدنياً حداثياً للشعوب، بل تطرح نموذجاً من غياهب الماضي الذي لم يعد صالحاً لعالم اليوم بأي حال من الأحوال لا سياسياً ولا تكنولوجياً ولا إعلامياً ولا ثقافياً، وكأنها تقول للشعوب: ابقي على قرودك حتى لا يأتيك الأقرد منها.

======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com