العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 27-03-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

كانتونات صالح مسلم في سورية .. وليد البني

العربي الجديد

الاثنين 21-3-2016

هل يخدم الحظ طاغية دمشق الى هذا الحد، أم هناك من يخطط لكل ما جرى ويجري، حتى يبقى نظام الأسد متحكّماً بسورية وشعبها، ريثما يتم تدميرها وتشريد شعبها وتفتيت المنطقة؟

ما إن خرج السوريون كاسرين جدار الصمت الذي بناه الطاغية الأب، منذ انقلابه عام 1970، واستمر بقوة العطالة في عهد الوريث حتى عام 2011، وبعد أن أصرّوا على عدم التوقف قبل نيل حريتهم، على الرغم من الرصاص الذي واجه به الطاغية تحركهم السلمي، حتى ظهر شبح القاعدة وداعش، بعد أن أفرج النظام عن عناصر القاعدة ورفاق أبو مصعب الزرقاوي من سجونه، وغضَّ النظر عن تحركاتهم، لتبدأ هذه التنظيمات التكفيرية ارتكاب فظاعاتها والدعوة الى إقامة الخلافة والإمارة، مكفّرة كل من لا يتبعها، وما سببته من رعب لمعظم السوريين بعد مشاهد السبي والرجم والجلد والرؤوس المقطوعة، الأمر الذي استغله الطاغية والمافيا التي يقودها لتحقيق هدفين:

إبعاد سوريين كثيرين عن الثورة، ودفعهم إلى الحياد خوفاً من بديل أسوأ، أو دفع من كان حيادياً إلى تفضيل بقاء الاستبداد والفساد على دموية عقول أتباع دولتي البغدادي والجولاني وظلاميتها. وتخويف بعض الدول الإقليمية والرأي العام الدولي من بديل كارثي، روَّجت آلة النظام وحلفائه الإعلامية، في الداخل والخارج، أنه سيجعل من سورية قاعدة للإرهاب الدولي، وبؤرة ظلامية لزعزعة استقرار المنطقة والعالم، وهو ما نجحت في ترويجه إلى حد كبير.

لم يكد العالم والكثير من السوريين يستوعبون صدمة داعش، ويكتشفون مدى مصلحة النظام وتواطئه في تسهيل وجودها، حتى أخرج لنا الحاوي الحامي للطاغية شبحاً جديداً، متمثلاً بصالح مسلم ومليشياته وكانتوناته ومشروعه التقسيمي لسورية.

"بعد محاولات البغدادي فرض دولته الإسلامية، والجولاني إمارته الإسلامية، وبشار الأسد دولته المافيوية الوراثية، يأتي صالح مسلم ليحاول فرض نظامه الكانتوني"

من المعروف، ومنذ الثمانينيات، أن حزب العمال الكردستاني، وفرعه السوري الاتحاد الديمقراطي، هم حلفاء قديماً وحديثاً للطاغيين، الأب والابن. وقد استطاعت المليشيات التابعة لهما السيطرة على أجزاء من الجزيرة السورية بالقوة، وبدعم واضح ومعلن من النظام في دمشق، بينما شكل هجوم داعش على أهلنا في كوباني، والفظائع التي ارتكبتها هناك، حافزاً لاعتماد التحالف الغربي على هذه المليشيات، لطرد داعش من كوباني، وهزيمتها، بالاستعانة بتغطية جوية غربية، ومساعدة سكان المنطقة الذين كانوا خائفين من داعش وفظائعها.

الآن، وبعد الانسحاب الجزئي الروسي من سورية والضغوط الدولية التي تُمارَس على النظام لتسهيل التوصل إلى حل سياسي، والرغبة الشعبية السورية في الخلاص من الحرب والنظام وداعش معاً، يخرج علينا صالح مسلم بمشروعه التقسيمي، المتمثل في إعلان المناطق التي تسيطر عليها مليشياته في الشمال السوري، فيدرالية من أربعة كانتونات بقيادته، الأمر الذي قد يدفع كثيرين من سكان تلك المناطق إلى التحالف مع النظام، أو حتى داعش، خوفاً من شوفينية هذه المليشيات وتطرفها، واستمرارها في عمليات التطهير العرقي ضد السكان العرب.

لم يتأخر النظام في إعلان رفضه هذا الإعلان، وتقديم نفسه للسوريين، والدول الإقليمية الرافضة فكرة التقسيم، حامياً لوحدة سورية، تماما كما قدم نفسه حامياً للأقليات والدولة العلمانية في وجه داعش والقاعدة.

لا يصدر الرفض السوري الواسع لخطوة مليشيات الاتحاد الديمقراطي عن رفض الحكم اللامركزي، أو حتى النظام الفيدرالي طريقة قد تكون مقبولة من سوريين كثيرين لإدارة الدولة السورية الواحدة، وضمان حقوق جميع مكوناتها، بل هو رفض فكرة الكانتونات العرقية والطائفية التي قام مشروع مسلم على أساسها، ورفض فكرة فرض شكل نظام الدولة السورية بالقوة على السوريين، من دون اتباع الأساليب الديمقراطية لاختيار ما يناسبهم، فبعد محاولات البغدادي فرض دولته الإسلامية، والجولاني إمارته الإسلامية، وبشار الأسد دولته المافيوية الوراثية، يأتي صالح مسلم ليحاول فرض نظامه الكانتوني على السوريين، بقوة السلاح والقهر.

شكل ما قامت به مليشيات مسلم ضربة أخرى للثورة السورية، وصب الماء في طاحونة نظام الطاغية في دمشق، وأساء لفكرة النظام اللامركزي أو الفيدرالي في أذهان السوريين. والخشية أن يتم استغلالها لإحداث فتنة كردية عربية، بعدما نجح نظام الملالي في إيران مع حسن نصر الله والبغدادي والجولاني والرايات السود في إحداث فتنة طائفية، ساهمت في حرف الثورة السورية عن مسارها، وساعدت النظام على البقاء لاستكمال تدمير ما لم يتم تدميره بعد.

السوريون جميعهم مدعوون، اليوم، إلى مزيد من الحذر والوعي بمخاطر ما قامت به هذه المليشيات. وفي الوقت نفسه، رفض أي اقتتال عربي كردي قد يتم تأجيجه واستغلاله من النظام أو الدول ذات المصلحة، والعمل على إنجاز مشروع دستور وطني متوافق عليه، يضمن وحدة سورية والحقوق الفردية والقومية المشروعة لجميع السوريين، وتحديد شكل النظام السياسي المناسب للدولة السورية من أجل طرحه على أي استفتاءات قد تُجرى برعاية الأمم المتحدة، بناءً على خريطة الطريق المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن 2254، كما على العرب التوقف عن لامبالاتهم تجاه ما يجري في سورية والعراق، لأن عمليات التفتيت قد لا تتوقف داخل حدود البلدين، وقد يكون لإسرائيل، ودول إقليمية، رغبة في تفتيت جميع دول المنطقة على أسس طائفية وعرقية.

======================

موقفنا : الممثلون في جنيف وأشياعهم ، من فقد البديل فقد الاختيار وخضع وإن باضطرار .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

27-3-2016

يُعيّر متحدث باسم الممثلين في جنيف وفد بشار، بأنه ( لا يملك قراره ، وأنه مضطر للعودة إلى دمشق ليقدم رأياً في ورقة ديمستورا ) . ويضيف الممثل مزهوا ( نحن نملك قرارنا ، ليس لدينا مرجعية تقيدنا ولذا رحبنا بالورقة وعلقنا عليها بملاحظتين . ) لا أدري في أي خانة يصنف العقلاء مثل هذه الكلمات ، وهل هو التمدح بما حقيقته الذم ، أو هو التعبير المناسب عن حالة انعدام الشعور بالمسئولية تجاه الموقف وتبعاته وما يترتب عليه. لست مناوئا لوفد الممثلين بل أنا داع لهم بالتوفيق والرشد وحسن الأداء وتقدير التبعة ، ولذا لن أزيد على هذه الإشارة إلا بالتأكيد على مقولة العرب ( لا يصلح لهذا الأمر إلا الرجل المكّيث ) . ولعلهم يسألون أيضا : وماذا يعني العرب بالرجل المكّيث ..؟!

جاء لقاء جنيف الأخير بعد أن ظن القائمون على المجتمع الدولي وعلى رأسهم ( الولايات المتحدة وروسية ) أن معركة إنهاك الشعب السوري لتطويعه قد بلغت مداها . إن 9000 غارة جوية نفذها الطيران الروسي على المستضعفين من أبناء الشعب السوري ، مع ما رافقها من قصف دولي وأسدي وحرب إيرانية مع تحشيد فصائل عميلة من مختلف الانتماءات كل هذا أشعر الكثير من السوريين أنهم لم يعودوا يملكون من امر معركتهم شيئا . حتى القوى السياسية التي تدرك بحسها السياسي غاية ( حرب التطويع والترويض والتدجين وكسر الإرادات ) لم تعد تجرؤ على أن تقول فيما يجري غير بعض الكلمات الخجلى ، فتتدارى وراء عبارات عامة من التمسك بالثوابت العائمة على بحر الدماء . وتسر قبولا في رفض معنعن ، لا يسمن ولا يغني من جوع .

الكل يغمغم في الخفاء . ويتفق على أن المركب يدخل مثلث برمودا برفق دبلوماسي . لا أحد يجرؤ أن يرفع رأسا أو صوتا . ربما شكل ما صدر عن فصيل ( أحرار الشام ) من موقف أشبه بحركة مريض وخزه طبيب بمسلة وليس برأس دبوس ..

ولكن لماذا لا أحد يجرؤ على قول لا ، ولماذا يصر البعض في سياق ثورة بلغت كلفتها نصف مليون شهيد ، وعشرة ملايين مشرد أن يستعيد حكمة : الاعمام والعمات : ( حط راسك بين الروس وصيح يا قطاع الروس ) . الروس المقصودون في المثل الشعبي ليسوا هم الذين يقطعون الرؤوس اليوم على الأرض السورية ..

لا أحد يجرؤ على أن يقول لخطة الاستسلام الكئيبة البائسة المقيتة ، ولا كاتب هذه السطور ، لأن على الذي يقول ( لا ) أن يقدم لملايين المستضعفين من أبناء الشعب السوري بديلا عن الواقع الذي آل أمرهم وأمر بلدهم وأمر ثورتهم إليه . ولا أحد من هؤلاء جميعا من يملك من أمر هذا البديل شيئا ، ولاسيما بعد أن انكشفت أوراق الكثير من الأصدقاء ، وعرف الناس ما عرفوا من أمر ( عبد المعين ) الأحوج إلى العون إما بما هو فيه ، وإما بما أجلب على نفسه بسوء تقدير الموقف وببؤس القرار .

( الممثلون والممثلات ) ، الذين يتحدثون باسم الثورة السورية والشعب السوري في جنيف ، لا يملكون بديلا عما يقودهم ديمستورا إليه بدبلوماسيةِ ( فدلاهما بغرور ) . والدبلوماسية هنا ضرورية ليظل هؤلاء ( الممثلون ) وأرجو فهم الكلمة بكل مستوياتها الدلالية ، يمتلكون القدرة للوقوف أمام الكاميرات للقول :( نحن عرضنا نحن عارضنا .. نحن قدمنا .. نحن أخرنا .. نحن قبلنا ..نحن رفضنا ) ، وإن كانوا في حقيقة الأمر لا يقدمون ولا يؤخرون ، ولا يسبقون ولا يتأخرون ، بل هم كما قال الأول ( ممثلون في قفص ) . وهذا ليس اتهاما لأحد منهم بل هو تقرير لواقع يحكمهم ، وإن كانوا هم الذين صنعوه.

 نقرر هذا لنعلم أن لحظة الحقيقة في سورية قد اقتربت . وأن لحظة العودة إلى البيت ، بيت الطاعة ، قد حانت ؛ إن لم يكن هناك رجال حق وصدق وجد يأخذون كتاب الثورة بقوة ، ويذهبون به إلى غايته بعزم ، وأول أمر هؤلاء الرجال بصيرة رشد تضع بينهم وبين مناورة المناورين فاروقا يفرق بين حقنا وباطل المبطلين ..

حين لا يملك الإنسان غير أن يقول فأضعف الإيمان أن يقول : لا تقولوا إن أحدا لم يقل لكم ...

رحم الله شهداء سورية وخلفها في بنيها خيرا . وعوض الله المصابين والمضحين والصابرين والمصابرين ..

ويقولون لك : متمسكون بوثيقة المبادئ الخمسة ..وأقول ماضون على طريق ثورة الحق حتى يحكم الله بيننا وبين قومنا بالحق

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

لا داعي للغضب... أَخبَرَكُم أوباما الحقيقة .. محمد أبو رمان

العربي الجديد

الاثنين 21-3-2016

تستحق مقالة الصحافي الأميركي، جيفري غولدبيرغ، المطولة عن عقيدة الرئيس الأميركي باراك أوباما، ونشرتها مجلة الأتلانتيك أخيراً، وتتضمن مقابلات مع أوباما، اهتماماً بحثياً وإعلامياً وسياسياً عربياً كبيراً، لأنّها تضعنا أمام قراءةٍ معمّقة عن قربٍ شديدٍ للمواقف الحقيقية، غير المدبلجة أو المتلبسة بغطاء دبلوماسي خادع، لمواقف الإدارة الأميركية، ومعها المناظرات الداخلية في مراكز التفكير الأميركي عن المنطقة العربية، وأوضاعها الراهنة ومصائرها المتوقعة في ضوء المتغيرات الحالية.

ثمّة نقاط مهمة، من الضروري وضعها في سياق الحديث عن هذه المقاربة، ثم نطرح السؤال الأكثر أهمية، فيما إذا كانت هذه عقيدة أوباما وحده، شخصياً، الذي سيغادر بعد تسعة شهور البيت الأبيض، أو حتى على مستوى عام الحزب الديمقراطي، أم أنّها تتجاوز هذا الإطار إلى الأوساط السياسية الأوسع، الجمهورية والديمقراطية؟.

بدا الشرق الأوسط، في مقالة غولدبيرغ، منطقةً "قيد التفكك"، ولا يمكن إصلاحها، ولم تعدّ أولوية في استراتيجية الرئيس أوباما، إذ الأهمية الأولى اليوم لآسيا والتنافس مع القوى الصاعدة هناك، في الصين والهند. أما منطقتنا، فبدلاً من تعريفها بأنّها المصدر الرئيس للطاقة التي تزوّد أميركا، وبعد اكتشافات النفط، وتزايد التفكير في الطاقة المتجدّدة والمصادر الأخرى للطاقة، أصبح يُنظر إليها مصدراً لشيء آخر للغرب، هو "القاعدة" و"داعش"!

وقد مثلت "داعش" لأوباما دليلاً ملموساً على أنّ الشرق الأوسط غير قابل للإصلاح المطلوب، وبالتالي، هو مستنقع لمن أراد أن يغرق فيه. لذلك، قرّر أوباما مخالفة آراء مستشاريه، ومسح الخطّ الأحمر الذي قرّره هو نفسه، عندما كان قد حذّر الرئيس السوري، بشار الأسد، من استخدام الأسلحة الكيماوية، فوافق على الوساطة الروسية، وانتهى الأمر إلى تفكيك السلاح الكيماوي، ما يخدم إسرائيل، ويحقّق نتيجة مهمة لأوباما، من دون أن يسأل كثيراً عن "هيبة الولايات المتحدة الأميركية" وسمعتها المتعلّقة بخطوط حمراء جرفها النظام السوري، عندما استخدم السلاح الكيماوي في الغوطة.

علّق مارتن أنديك، أحد أبرز الاستراتيجيين الأميركيين وصاحب نظرية "الاحتواء المزدوج" (ضد إيران وعراق صدام حسين في التسعينيات) في مقاله "نهاية نظام الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط" في مجلة الأتلانتيك نفسها بأنّ 30 أغسطس/ آب (اليوم الذي بلع فيه أوباما خطوطه الحمراء) بمثابة اليوم الذي خرجت فيه منطقة الشرق الأوسط من تحت الهيمنة الأميركية، بوصفها القوة الكبرى في المنطقة خمسة عقود.

لم يقتصر منظور أوباما إلى الشرق الأوسط بوصفه منطقةً قيد التفكك، لم تعدّ تشكل أولوية للاستراتيجية الأميركية، ولا مركز المصالح الحيوية لها في العالم، بل أيضاً تغيّرت تحالفات أميركا في المنطقة العربية، فأصبحت الإدارة تنظر إلى الحلفاء السنة العرب، بوصفهم مصدر المشكلات والأزمات في المنطقة، بل والمسؤول المباشر، بسبب سياساتهم عن صعود المنظمات الراديكالية الجهادية، وإلى إيران بوصفها القوى الإقليمية الصاعدة التي يمكن التحالف معها أو التفاهم (بالحدّ الأدنى) لمواجهة المشكلات والأزمات المختلفة.

ضمن هذا الإطار، صدمت الفجاجة في رؤية أوباما للسعودية مراقبين كثيرين، استغربوا هذا الموقف الحادّ إلى درجة يصف فيها رئيس الولايات المتحدة العلاقة مع السعودية بأنّها "التي تسمّى حليفاً لنا"، فالمسكوت عنه في هذا النص، ويكاد يكون مفضوحاً، أنّ الإدارة الأميركية لم تعدّ تعتبر السعودية حليفاً، إلاّ لأسباب براغماتية آنية، لكن على المدى البعيد، فإنّ النظرة إلى السعودية تتمثل في أنّها مصدر للسلفية والوهابية للعالم، وشكا أوباما نفسه لغولدبيرغ من أنّها المسؤولة عن "التديّن الوهّابي" الذي اجتاح أندونسيا في العقود الأخيرة.

"بدلاً من تعريف منطقتنا بأنّها المصدر الرئيس للطاقة التي تزوّد أميركا، وبعد اكتشافات النفط، وتزايد التفكير في الطاقة المتجدّدة والمصادر الأخرى للطاقة، أصبح يُنظر إليها مصدراً لشيء آخر للغرب، هو القاعدة وداعش"

يرفض أوباما رؤية السعودية والدول العربية تحميل إيران أو إسرائيل مسؤولية المشكلات البنيوية في المنطقة العربية. ويرى، على النقيض من ذلك، أنّ الأزمات الداخلية وسوء إدارة الحكم في هذه الدول العربية السنية هو السبب الرئيس المسؤول عن مشكلاتها وأزمات المنطقة. وأنّ الحل ليس في الدخول في صدام مصيري مع إيران، بل في تقاسم الأدوار والنفوذ في ترسيم مستقبل منطقة الشرق الأوسط.

واجهت رؤية أوباما غضباً عربياً، وسخطاً من الحلفاء والأصدقاء المفترضين للولايات المتحدة الأميركية، واعتُبرت، في أوساط سياسية وإعلامية، وقاحة وغير دبلوماسية، وقرأنا ردوداً، وفي أحيان شتائم ضد الرئيس الأميركي، ضمن حملة ردود الفعل المصدومة مما جاء فيها. لكن، في نهاية اليوم، لم يخرج ما قاله أوباما عن دائرة القول الحقيقي الصادق الصريح، غير المراوغ، في رؤية دوائر التفكير والقرار والسياسة في واشنطن للسياسات العربية ولأوضاع المنطقة ومستقبلها. لذلك، يمكن أن تتغير هذه السياسات تكتيكياً أو جزئياً تجاه ملف من ملفات المنطقة العربية في المستقبل، لكنها ليست فقط عقيدة أوباما، ولا هي عقدته، كما يحلو لبعضهم القول) بل هي نتائج نقاشات ومناظرات وتطورات في رؤية الإدارات الأميركية المتعاقبة، منذ الرئيس جورج بوش الابن، أي الإدارة الجمهورية والمحافظين الجدد، وصولاً إلى أوباما نفسه.

تناولتُ، سابقاً، تحولات الرؤية الأميركية تجاه المنطقة العربية، والسعودية تحديداً، وذكّرت بالنظريات والمراجعات الضخمة التي خرجت في دوائر التفكير والبحث في واشنطن، غداة أحداث "11 سبتمبر"2001، وأخذت تتدحرج مثل كرة الثلج، في إعادة تعريف السياسات الأميركية في المنطقة ونقدها، والأخطاء التاريخية في العقود السابقة، في دعم الأنظمة العربية السنية الأتوقراطية، ما نقل الأزمة من الداخل إلى الخارج، وأذكر قول أحد الخبراء الاستراتيجيين الأميركيين بعد مدّة قصيرة من أحداث سبتمبر لي: لو هنالك ديمقراطية في السعودية لكان أسامة بن لادن نائباً معارضاً في البرلمان السعودي، مثل عبد المنعم أبو زنط في الأردن، لكنّه لن يخرج إلى أفغانستان ليهدد مصالحنا.

تغير جوهر الرؤية- المقاربة الأميركة للسعودية بعد تلك الأحداث، ثم انقلبت الرؤية نفسها مع أحداث الربيع العربي، وجرّب الأميركيون منذ 2001- 2013 نظريات ومقاربات كثيرة جديدة، ففي العام 2005، خرجت إدارة بوش بمبادرة أعلنتها وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك،كوندوليزا رايس، "الشرق الأوسط الكبير"، التي تتضمن نشر الديمقراطية بوصفها السلاح الناجع ضد الإرهاب، ثم الشرق الأوسط الموسّع، ونظريات الفوضى الخلاّقة التي حاولت التخفيف من مخاوف أوساط سياسية أميركية من انهيار النظام الرسمي العربي لصالح أنظمة جديدة ذات طابع إسلامي. ولاحقاً مع الربيع العربي، حاولت إدارة أوباما اختبار نتائج هذه الانهيارات، بالتخلّي عن حلفائها مثل حسني مبارك وزين العابدين بن علي، والمساهمة في إسقاط معمر القذافي، ودعم إسقاط بشار الأسد.

يقول مارتن إنديك في مقالته التي علّق فيها على مقالة غولديبرغ إنّ انهيار نظام الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط بدأ مع التخلي عن أحد أعمدة هذه السياسة، وهو الرئيس المصري حسني مبارك. لكن، وفقاً لغولديبرغ وإنديك كذلك، فإنّ المنعطف الآخر تمثّل بحادثة مقتل السفير الأميركي، جون ستيفينز، ودبلوماسيين آخرين، في بنغازي في سبتمبر/ أيلول 2012، إذ بدأت الأصوات التي تطالب بدعم التغيير نحو الديمقراطية بالتراجع، وأصبحت السياسة الأميركية أكثر ارتباكاً على صعيد الرؤية الكلية، فدعم الأنظمة أدى إلى صعود "القاعدة"، فيما لم يأت التغيير بالديمقراطية، بقدر ما أتاح المجال كذلك للحركات الإسلامية، بألوانها المختلفة، لاحتلال الفراغ!

ثم جاء الانقلاب العسكري في مصر لاحقاً ليعزز من القناعة بعدم وجود تصوّر أميركي واضح، في تقرير المطلوب، دعم الوضع القائم واحتواء التغيير (كما كان يطالب الحلفاء المحافظون العرب) أم دعم التغيير والدخول في عهد الفوضى الخلاقة، ما كان يعني عدم وجود "ضمانات" للمصالح الأميركية. إلاّ أنّ الرئيس أوباما اختار أن يتعامل مع المنطقة بصورة أكثر جذريةً، عبر التخلّي عنها بوصفها منطقة أساسية في المصالح الأميركية، وأخذ نفساً عميقاً، بعدما أنهى القلق من السلاح النووي الإيراني، وتأكّد من أن إسرائيل في وضع آمن نسبياً اليوم، بعد انفجار الصراعات الداخلية العربية.

سواء أتى ديمقراطي أو جمهوري إلى البيت الأبيض، فإنّ النتائج التي وصل إليها أوباما لم تكن عابرة أو مجرد موقف شخصي، بل هي، أولاً، انعكاس لما وصلت إليه الأوضاع الفعلية في المنطقة العربية، فالسياسة الأميركية عموماً براغماتية، ولا تصطدم بالواقع، وثانياً هي (عقيدة أوباما) نتيجة مناظرات ونقاشات معمّقة في داوئر البحث والتفكير والسياسة في واشنطن، ما يعني أنّنا أمام خلاصاتٍ استراتيجيةٍ حول مصير المنطقة ومستقبلها.

======================

ميثاق شرف بين السوريين .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الاثنين 21-3-2016

في الأسبوع المنصرم، وتحديداً في يوم الخامس عشر من مارس الجاري، انطلقت تظاهرات في كل سوريا احتفالاً بمرور خمس سنوات على انطلاقة «الثورة السورية». وفي سياق ذلك، نعلم أن جهوداً واسعة تبذل بمناسبة لقاء المعارضة السورية الشرعية المعتدلة مع وفد للنظام في الأمم المتحدة، والمطلوب من المجتمعين أن يتخاطبوا كسوريين، دون مترجمين ووسطاء من الداخل والخارج.

لقد نضجت المأساة السورية أو تكاد، واتضح أن القوات الروسية الدخيلة خرجت أو خرج قسم منها من سوريا بزعم أنها حققت أهدافها المطلوبة. وربما كانت الحقيقة غير ذلك، لقد اكتشفوا أن ليس لهم «خبزة» في سوريا، وبين شعبها التاريخي البطل، وربما اتضح أن الخروج من هذا البلد الآن أفضل من أن يتأخر وقتاً آخر، يدفع ثمنه الشعب الروسي نفسه.

أما اللافت في معمعان الصراع الدموي في سوريا، فيتجسد في أن شعب هذا الوطن لم يترك مناسبة ليعبر فيها عن عطائه السخي في سبيله. فبعد مرور خمس سنوات على الصراع السوري، خرجت كتل من ذلك الشعب في كل المدن السورية تقريباً، لتعبّر عن أن مصادرة قرار الشعب إياه داخلاً وخارجاً دونه الموت! وقد فعلت ذلك تلك الكتل بكل سلمية ومسالمة: لا لقتل الطفل والمرأة والشيخ والمسالم ها هنا، بدأت تتخلق حالة لافتة من مجتمع مدني يتكون من الكل، ويتطور بالكل، ويبني وطناً للجميع من السوريين، دون تمييز.

إن ذلك كله يدفعنا للتذكير بمبادئ ميثاق شرف بين السوريين، وهو ذلك النص الذي قدمناه قبل عام ونيف. أما الإشارة إليه الآن، فتأتي في سياق اللقاءات، التي تتم هذه الأيام في الأمم المتحدة بين وفد النظام السوري ووفد المعارضة الوطنية. ولعلنا نقول، لقد أصبح من العار أن تستمر لعبة الموت في سوريا. وقد نقترح هنا إنجاز مبدأ يجرم مَن يتجاوز مبادئ الشرف والكرامة والوطنية في طرحه لقواعد الحوار العقلاني الوطني الديموقراطي بين الفرقاء. وهذا يدخلنا إلى «قلب الحدث»، حيث يتعين علينا أن نبسط أمام الناس جميعاً في سوريا، المنهج العقلي السياسي في النظر إلى منطلق الحلّ أو الحلول المناسبة لسوريا الجريحة، كما حددناها في «ميثاق الشرف» المذكور، ربما مع حدّ أو آخر من حدود الدقة التاريخية.

لقد نشرنا «ميثاق الشرف الوطني» وهنا نقول: تكفي خمس سنوات في عمر المذبحة السورية، وهناك نقاط تضبط العمل السياسي، تتمثل في: 1- لا لتقسيم سوريا أرضاً وشعباً، و2- لا للطائفية كحل سياسي أو مسلك اجتماعي وفكري و3- لا للثأرية في مواجهة الفعل السوري، وخصوصاً بصيغة الانتقام، بل نعم لسيادة الآلة الاجتماعية والمساواة الإنسانية. وفي هذا السياق، نقول: 4- لا للإرهاب والتطرف، بل نعم لتعددية ديمقراطية مفتوحة وفي هذا المنطق حلقتان أخريان تبرز أهميتهما مع ما يؤسس لعملية إعادة أبناء سوريا إليها. أما الحلقة الأولى فتتحدد في إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين والمخطوفين في سجون سوريا، مع الدخول في عملية تفكيك الدولة الأمنية، في حين تبدأ عملية التأسيس الكبرى لاستعادة المهاجرين من كل الدول والأطراف، في الخارج والداخل، وفي سياق الخطوات الثلاث تتم عملية مفتوحة من إدخال الإغاثة غير المشروطة لكل النقاط المنكوبة.

أخيراً، وهنا يصل الحل السياسي أحد أوجهه الكبرى، وهو تأليف مؤتمر وطني شامل يواجه مسائل بناء النظام السياسي، والدستور، والمرجعيات الثلاث القضائية، والدستورية، والتنفيذية مع العمل على انتخابات برلمانية ورئاسية.

======================

عن حال التعليم في سورية .. هيفاء بيطار

العربي الجديد

الاحد 20/3/2016

يعتمد التعليم المدرسي والجامعي في سورية، بشكل عام، على التلقين، ويفتقر افتقاراً مُخجلاً لمفهوم البحث العلمي، وأكثر ما يعطي صورة عن تدهور وضعه وفقدان المدرسة هيبتها في مجالي التربية والتعليم، حين ندخل صفوف البكالوريا (الشهادة الثانوية) التي يحدد مجموع العلامات فيها مستقبل الطالب، نجد صفوف البكالوريا في معظم المدارس، إن لم أقل كلها، خاوية! لا مُدرسين ولا طلاب، فالطلاب والمدرسون في المعاهد التي تدّعي الدولة أنها ممنوعة، لكنها مُتكاثرة كبذور البقلة، أو أن الطلاب في بيوتهم يأخذون دروساً خصوصية في كل المواد، كما لو أن زمن الكُتاب انتعش وازدهر، وحتى أبناء الطبقة الوسطى يحمّلون أهاليهم أعباء مادية لدفع أجور الدروس الخصوصية. وغالباً ما تكون مهمة الأستاذ ليس تنوير عقل الطالب في تفهم العلوم والمعرفة، بل مساعدته وإرشاده إلى الطرق التي يحصل فيها على أعلى العلامات.

لا أنسى حادثة تثير الضحك، لشدة إيلامها، وهي أن أحد مدرسي اللغة الفرنسية سأل طالبه الخصوصي: هل تريد أن تتعلم الفرنسية، أم تحقق مجموعاً عالياً في فحص البكالوريا؟ وكان الرد الفوري للطالب إنه يريد المجموع العالي، فأعطاه المدرس حوالي 40 ورقة بالفرنسية، وهي أسئلة ومواضيع يتكرّر معظمها في فحص البكالوريا، وقال للطالب: أمامك سنة كاملة لتحفظها عن ظهر قلب. ثم حفظ الطالب ما طلبه المدرس، وأخذ العلامة الكاملة في اللغة الفرنسية في فحص البكالوريا، من دون أن يفهم كلمة فرنسية واحدة. تبدو هذه الحادثة مثل نكتة، إلا أنها دليل على انحطاط التعليم في سورية، حتى أن هنالك طلاباً يحفظون عن ظهر قلب مسائل الفيزياء والرياضيات وغيرها، بل انتشرت ظاهرة المُصغرات (الملخصات)، وهي تصغير الكتب إلى درجةٍ يمكن وضعها في الجيب، ليتمكّن الطالب من الغش في الامتحان، مع تواطؤ الرقيب أو بدونه. وقد وجدت إحدى الأمهات (سيدة تدّعي الإيمان وتقصد الكنيسة كل يوم أحد) تتشاجر مع صاحب مكتبة، لأنه تأخر في تسليمها مُصغر كتاب العلوم لابنها. وحين سألتها كيف تشجع ابنها على الغش في الامتحان، واستعمال المُصغرات، ردّت باستخاف: كل الطلاب يستعملون المُصغرات، ويكون ابني مظلوماً إن لم يستعملها. يومها، وجدت نفسي أمام امتحان حقيقي لمفهوم الأخلاق، وكيف أن الخطأ يسري كالوباء في المجتمع. ولو سألت أي طالب بكالوريا: ماذا ترغب أن تكون في المُستقبل، لقال لك: حسب مجموع علاماتي. وإذا أصريت عليه: طيب ما هي ميولك؟ تجده مرتبكاً، إذ ميوله مسحوقة، وغائبة تحت رهاب البكالوريا.

المرحلة الجامعية أكثر كارثية من وضع المدارس في سورية، ففيما يجب أن تتميز بالبحث

"زاد وضع التعليم سوءاً في سورية، بعد اندلاع الثورة، إذ اختنقت مدارس الساحل بالطلاب، وصار أكثر من ستين طالبا ينحشرون في قاعة واحدة" العلمي، نجد الكارثة، واستمرار نمط الحفظ عن ظهر قلب ومن دون فهم. وأعطي مثالاً كلية الطب التي درست فيها ست سنوات، وكان الوضع وقتها ممتازاً، إذ كان عددنا ثمانين طالباً فقط، وكنا مطالبين أن نحفظ نوطة (مقالات) الدكتور الفلاني ونوطة الدكتور العلاني، وأن نجيب عن أسئلة الامتحان كما كتبوا في كتبهم، ومن كان يطمح بالرجوع إلى المراجع، كان يحصد علامات متدنية، لأنه شذ عن الأستاذ. وأعجب كيف حذف لنا أستاذ علم الأعصاب مئة وستين صفحة من كتابه! وحين سألناه: ماذا لو صادفنا في حياتنا العملية مرضى مُصابين بأمراضٍ مما في الصفحات التي حذفها، زجرنا. ولا أنسى يومها حين انقضت علينا حملة تعريب الطب، وصار علينا أن نحفظ كل التعابير العلمية، وخصوصاً التشريحية (عادة يحفظها كل طلاب الطب باللغة اللاتينية) بالعربية، وصرنا كالببغاء، نحفظ هذا التعريب المهزلة، والذي لا دلالة له، مثل تعريب غضروفي الحنجرة بالغضروفين الطرجحاليين! وكنا نردد هذه التسمية، كما لو أننا نتكلم لغةً لا نفهم منها شيئاً. ولم نعرف من أين اشتقت تلك الكلمة، وما جذورها في قاموس العرب.

بعد سنوات، وحين شاركت في ندوة احتفال مجلة العربي باليوبيل الذهبي، وشارك فيها عارفون في اللغة وعلوم اللسانيات. يومها عادت بي الذاكرة إلى "غضروفين طرجحاليين"، وطرحت سؤالي موقوته على الحضور، واختلف الأساتذة، ولم يستطع أي منهم أن يجد معنى لكلمة "طرجحالي" في معاجم اللغة العربية. وهذا مثال، لأن أكبر خطأ كان تعريب المصطلحات الطبية، أو تعريب الطب: ما تعريب كلمة سيلللوليت مثلاً؟ إن لم يساهم العرب في الاكتشافات والاختراعات، أو المشاركة، فلا يُمكن تعريبها. وللأسف، لم يشارك العرب، منذ زمن طويل، في الاكتشافات والاختراعات العلمية، وتكاد تكون ميزانية البحث العلمي معدومة في الجامعات السورية، وأظن في الجامعات العربية أيضاً.

حين كنت في السنة الأخيرة لاختصاص طب العيون، في قسم الدراسات العليا في مشفى المواساة في دمشق، أردت وصديق لي أن نجري إحصائية عن أسباب العمى في سورية، بالتعاون مع الجمعية الفرنسية لأطباء العيون. وأقولها، هنا، إن أياً من أساتذتنا لم يدعمنا، بل كان هم كل منهم الإسراع إلى عيادته الخاصة. وكنت أتأمل معرفة الأسباب العديدة للعمى في سورية، وأصاب بالذهول، وأنا أتساءل مع كل طلاب الدراسات العليا: لماذا لا توجد دراسة جدية وإحصائية كبيرة عن أسباب العمى في سورية، كما لو أن الموضوع ترفيهي؟

زاد وضع التعليم سوءاً في سورية، بعد اندلاع الثورة، إذ اختنقت مدارس الساحل بالطلاب، وصار أكثر من ستين طالبا ينحشرون في قاعة واحدة، أما عدد الطلاب الجامعيين فبالآلاف، وإذا كانت في عام 1990 كل فئة في كلية الطب تضم أربعة طلاب اختصاص، يتمكن كل منهم ببساطة، ومن دون إزعاج المريض، من سماع دقات قلبه أو جس كبده، فالآن عدد الفئة من طلاب الطب أكثر من ستين طالباً، بالكاد يسمعون ما يقوله الأستاذ عن المريض. ولا يمكن لهؤلاء فحص مريض واحد. وإلى هذا الأمر، هناك الفساد المستشري في الجامعات، وبيع الأسئلة والوساطات، إلى ما هنالك.

يبقى إصلاح التعليم في سورية من أولويات الدولة، ليس لأن الجيل الجديد سوف يبني مستقبل بلده، بل لأن التعليم حجر الزاوية في بناء مجتمع سليم أخلاقياً (ينبذ ويحارب كل أساليب الغش كالمُصغرات وغيرها) وعلمياً، وبالأساس لأن اسم الوزارة وزارة التربية أولاً، والتعليم ثانياً. ومن الواضح أن مفهوم التربية هو الأخلاق.

======================

الانفصاليون في سوريا .. ميشيل كيلو

البيان

الاحد 20/3/2016 

كلما تقدمت «قوات حماية الشعب» لتطهير منطقة من المناطق من الشعب الذي تحميه، أدقق في الصور علني أجد العلم الذي يذكر بانتمائها الوطني إلى سوريا، أو أقرأ كلمة واحدة تؤكد أنها قوات سورية وديمقراطية تدافع عن قضية مشتركة هي حرية السوريين، جميع السوريين، بعربهم وكردهم، وكلما دخلت هذه القوات إلى مدينة أو قرية انتظر الاسم الكردي الذي ستطلقه عليهما، ويكون غالبا ترجمة لاسمها العربي، الذي تلغيه وتمحوه من كل مكان وتجعل من الخيانة ذكره على أي لسان.

مع ذلك، يدعي صالح مسلم، زعيم هذه القوات، أنه لا يحمل مشروعاً انفصالياً، ولا يريد غير إدارة ذاتية موسعة للكرد والعرب والسريان والآشوريين والتركمان والشيشان، الخ، الذين ينضوون في «قوات سورية الديمقراطية»، التي تحمي الشعب حتى إن كانت تمارس في مناطق عربية كثيرة، ولاعتبارات أمنية سياسة تهجيرية واقتلاعية، تستهدف العرب كداعشيين، والكرد الذين لا ينتمون إلى هذه القوات أو يعارضون تجنيد أولادهم وبناتهم في صفوفها أو يعترضون على مشروعها غير الوطني.

بهذه السياسة، التي محت كل ما هو عربي في المناطق التي قررت ضمها إلى ما تسميه «منطقة الحكم الذاتي» في «غرب كردستان»، تبدو «قوات الحماية» وكأنها تنتقم ليس فقط من الناس، بل كذلك من التاريخ، وأنها تسعى إلى تأسيس تاريخ جديد ومختلف في ما تسميه منذ قرابة عامين «روج آفا» أي منطقة الجزيرة السورية، ومنطقة تل ابيض، وهما منطقتان تسكنهما ريفاً ومدينة أغلبية عربية، تتعامل معها جماعة صالح مسلم بمسمياتها المختلفة من خلال محو هويتها الحقيقية، العربية والكردية الآشورية والسريانية والتركمانية.. الخ وتهجير وتجريف قراها، وتعمل عن سابق عمد وتصميم للقضاء على مقومات التعايش الأخوي والوطني بين هذه الجماعات، بالمطالبة بحقوق قومية لها، وشن الحرب ضد العرب بتهمة الداعشية ومحاربة الإرهاب، تهمة لم تعد توفر حتى مقاتليهم الذين شاركوا «قوات الحماية» معاركها ضد «داعش» وقدموا الشهداء في عين العرب ومناطقها، وفي الشدادي والحسكة وغيرهما، ثم اتهمهم جماعات ال بي كا كا السورية المسماة الباياده بالداعشية وطوقتهم، بالتعاون مع «داعش»، وقطع عنهم الماء والغذاء والدواء، مع أن القاصي والداني يعلم أنهم من التيار الديمقراطي المدني السوري، وان ما وقع لهم ليس بسبب داعشيتهم بل لأنهم رفضوا اجراءات اتخذتها القوات ضد مناطق عربية اعترضوا على تهجير سكانها، قاتل كثيرون من أبنائها إلى ما قبل أسابيع إلى جانب الكرد، على أمل أن يقاتل هؤلاء معهم لتحرير الرقة، محافظتهم، من«داعش» وإرهابها الذي استهدفهم.

ليس من المعقول أن لا يلاحظ جماعة مسلم أن الاسرائيليين يضيفون اسما عبريا إلى اسم المناطق المحتلة العربية، ومن غير المقبول أن تفوق عنصرية تنظيم يسمي نفسه «حزب المجتمع الديمقراطي» عنصرية الصهاينة، الذين يدعون أن العرب اغتصبوا وطنهم، على غرار ما يقوله مسلم وجماعته، لكنهم يجدون مكانا لأسماء الأماكن العربية على يافطات الطرق وفي أسماء المدن، على عكس ما يفعله «حزب المجتمع الديمقراطي»، الذي لا يعرف احد بعد كيف سيكون المجتمع الذي يعدنا بإقامته ديمقراطياً، إذا كان مجتمعا عنصريا يصنف الناس على أساس وحيد هو انتماؤهم القومي، ويقرر مواقفه حيالهم في ضوء الأحكام المسبقة التي يمليها وسط صراعات وتوترات تحمل قدراً عظيماً من العداء لمن لا ينتمون إلى «قوات الحماية» من القوم الكردي ذاته، ناهيك عن المنتسبين إلى اتنيات أخرى، وخاصة منهم العرب: الداعشيون بالولادة، الذين تجب مراقبتهم ومن الضروري جدا الحذر منهم، حتى إن كانوا من المنخرطين إلى ما قبل أيام في «قوات الحماية» كجبهة «ثوار الرقة».

يتصور صالح مسلم وجماعته أن باستطاعتهم استغفال الشعب السوري وتمرير مشروع انفصالي عنصري معاد له، بحجة تجعل منهم الجهة السياسية الوحيدة في سوريا التي تناضل لاستكمال ثورة الحرية والديمقراطية، بينما تغرق بقية السوريين في الفوضى والأصولية الداعشية والإرهاب.

هل تتفق الديمقراطية مع سياسات عنصرية وإقصائية تعتمد أساساً لدولة تحمل اسمها؟. وهل يمكن أن تقوم حقا ديمقراطية، حيث لا تكون المواطنة والمساواة في الحقوق ركيزة النظام العام، وضابط العلاقات بين الجماعة الوطنية الحاملة لها والقائمة على أمرها؟. وهل تمسح الديمقراطية أسماء وتواريخ من تدعي ضمان حقوقهم ومصالحهم واحترام تاريخهم وثقافتهم، أم تحافظ عليها في إطار وطني جامع، تحترم علمه وترفعه ولمرة واحدة، بالخطأ أو ذراً للرماد في العيون؟

======================

«عقيدة» أوباما أم عقيدة غولدبرغ؟ .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 20/3/2016

«عقيدة» أوباما أم عقيدة غولدبرغ؟ «عندما تفكر بأنك أذكى شخص في الغرفة، سيكون مغريًا أن تخلق استراتيجياتك الكبرى»، بهذا التعليق بدأ «نيل فيرغستون» المؤرخ البريطاني، وأستاذ التاريخ في جامعة هارفرد، تعليقه الوافي على ما يحسبهُ البعض مقابلةً للرئيس الأمريكي باراك أوباما مع مجلة The Atlantic الأمريكية، في حين أن المادة تُمثِّل تقريرًا شاملًا كتبه «جيفري غولدبرغ»، الصحفي فيها، نتيجة لقاءات مُطوَّلة مع الرئيس، ثم نشرهُ بعنوان: «عقيدة أوباما».

لوضع الأمور في نصابٍ أوضح أن «غولدبرغ» صحفي أمريكي إسرائيلي الجنسية، ترك الولايات المتحدة في شبابه للخدمة في الجيش الإسرائيلي أثناء الانتفاضة الفلسطينية الأولى، عاد بعدها إلى أمريكا وعمل في عدّة صحف، وهو الذي اقترح عام 2008 إحدى الخرائط الشهيرة التي تقترح تقسيمات جديدة للشرق الأوسط «خارطة غولدبرغ»، كما أنه كان من أكبر مؤيدي ودعاة الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، فضلًا عن قيامه بكتابة مقالات استفزازية شهيرة منها واحدةٌ، عام 2015، بعنوان: «هل آن الآوان ليُغادر اليهود أوروبا؟»، كانت إجابته فيها «نعم».

لا تهدف هذه المقدمة للحكم على الرجل من خلال إيحاءات الوقائع أعلاه، وما يمكن أن توحيه للبعض من «تفسير المؤامرة» والخبث في النية، فالرجل كما اتُهم بأنه «صهيوني» و»يميني مُتطرف» في بعض الأوساط، قيل عنه أنه مُعادٍ لإسرائيل في أوساط أخرى، وكتب مقالة بعنوان: «كيف أخطأتُ فيما يتعلق بالعراق»، المهم في المسألة ألا نقرأ الظاهرة بسذاجة وننظر إليها بأحادية، فالمُؤكَّد أن آراء الرجل وَجَّهت طريقة كتابته للتقرير، إن من خلال اختيار وانتقاء ما نَقلهُ عن أوباما، أو من خلال تعليقاته على تلك النقولات.

هذا مشهدٌ مُعبرٌ عن طريقة صناعة رأي النخبة في أمريكا، وكيفية تحويل ذلك الرأي إلى سياسات، بكل ما فيه من تعقيد، لاشك بأن تقرير غولدبرغ يُعبرُ بشكلٍ صريح عن آراء الرئيس الأمريكي في نهاية المطاف، وهو يقول الكثير عن شخصيته، وعن رؤيته، ليس فقط لشؤون السياسة الخارجية، بخلفياتها الثقافية والتاريخية، وإنما أيضًا عن تقويمه لمؤسسة صناعة السياسة الخارجية في واشنطن، والتي أوحت بمعانٍ لا نُبالغ إذا قلنا إنها تُختصر بـ»الاحتقار».

لكن المشهد يحمل أيضًا دلائل درجةٍ متقدمةٍ في التفاعل بين أداء وعلاقات النُخب الأمريكية، السياسية والإعلامية والأكاديمية والاقتصادية، ذات الأجندات المختلفة، عندما يتعلق الأمر بالتوظيف المتبادل فيما بينها، لتنفيذ تلك الأجندات. ففي حين ظلّت آراء أوباما، بهذه الصراحة مثلًا، طي الكتمان على مدى سبع سنوات من رئاسته، تمكَّن غولدبرغ من بلورتها بشكلٍ مُحكَم، ثم تجاوزَ ذلك إلى وضعها، إعلاميًا ونفسيًا، في إطارٍ أسماهُ هو «عقيدة أوباما»، بحيث باتت هذه الصورة من الآن فصاعدًا جزءًا من تاريخٍ وسيرةٍ للرئيس الأمريكي لا يمكن إغفالُها.

بمثل هذا الجهد، ليس بعيدًا أن يكون من أهداف الصحفي المخضرم أن يُرسِّخ تلك «العقيدة»، بعناصرها الحسَّاسة، في مؤسسة السياسة الخارجية، باعتبارها باتت ركيزةً لا يمكن تجاوزها من قبل تلك المؤسسة، يُفترض فيها على الأقل أن تؤثر فيها، إن لم تَحكُم، قرارات الرئيس المقبل تحديدًا، وهو إنجازٌ إستراتيجيٌ يتعدَّى الأجندات الشخصية بدرجةٍ واضحة.

قد يكون في هذا التحليل ما هو أدعى للتفكير على المدى البعيد من الغرق المُبالغ فيه بخصوص تصريحات أوباما ومحاولة التعامل معها إعلاميًا على المدى القصير، فبدلًا من القبول بـ»سَحبِنا»، أحيانًا، إلى تفاصيل بعض الظواهر التي تبدو إستراتيجية، قد يكون أجدى تحليلُ جذورها وما في تلك الجذور من عناصر هي حقًا استراتيجية، هكذا لا يصبح ممكنًا معالجة التفاصيل بفعاليةٍ أكبر فقط، بل تتطور تدريجيًا القدرة على فهم المنظومة المعقدة نفسها، وصولًا إلى إدراك آليات ومداخل التعامل معها، أيضًا بشكلٍ جذري، وعلى كثرة الحديث عن هذا الموضوع، والعمل عليه، يبدو إحداث النقلة النوعية فيه مطلوبًا، أفكارًا وكوادر ومؤسسات.

في التفاصيل، ثمة دلائل على أن تقرير «غولدبرغ» أصبح «القشة» الأوبامية التي قصمت ظهر «بعير» مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية التي يتصاعد انزعاجها، ديمقراطيين وجمهوريين وعسكر وخبراء ودبلوماسيين، من طريقة الرجل في التفكير، وقراراته الناتجة عنها، بل إن ثمة تذمرًا وتململًا من طريقة الرئيس في التعامل المُستخِّف، بلغة اللسان والجسد، حتى بأقرب مساعديه، وفي مجال الشؤون الخارجية، تتوفر شواهده الكثيرة لأي باحث.

لهذا، وغيره من أسباب تتعلق بالخلط في قراءته للواقع والتاريخ والتناقض في المقاييس الأخلاقية لديه، يبدو القلقُ العربي من تصريحات أوباما مبالغًا فيه، والأرجح أن إرث وسياسات و»عقيدة» هذا الرئيس الذكي، الذي وضع عليه العرب الآمال يومًا، ستخرجُ معه في الصناديق التي سيحملها يوم مغادرته البيت الأبيض، وقد يكون من أسباب هذا أيضًا ما ذكره المؤرخ «فيرغستون» المذكور أعلاه، حين قال: إن قراءته لتقرير «جولدبرغ» أعطته انطباعًا قويًا بأن «الرئيس يشعر (في الحقيقة) أنه ليس فقط أذكى رجل في الغرفة، وإنما أنه أذكى رجل في العالم، عرفهُ التاريخ».

======================

عاشت القومية الفارسية… تسقط القومية العربية! .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 19/3/2016

هل تعلم عزيزي القارئ أن كل «القومجيين» الذين كانوا يترددون على قصور الرئيس الراحل صدام حسين بوصفه قائداً عربياً قومياً، أصبحوا الآن في حضن الإيرانيين الذين أعدموا «القائد القومي» صدام حسين في يوم عيد الأضحى المبارك؟ يبدو ذلك نكتة صارخة. فعلاً. لكنها الحقيقة. دلوني على «قومجي» أو «ناصرجي» أو «يسارجي» عربي واحد من الذين كانوا يدافعون عن نظام صدام حسين، ويقبضون منه، لا يقبض، ولا ينضوي الآن تحت عباءة الفرس المعروفين تاريخياً بعدائهم الشديد للعرب والعروبة. ربما نجد بضعة قوميين عرب حقيقيين يُعدون على الأصابع حافظوا على مواقفهم القومية الحقيقية، ورفضوا أن يكونوا مجرد سماسرة ومرتزقة للمشروع الإيراني. لكن السواد الأعظم ممن يسمون بـ»القومجيين والناصرجيين واليسارجيين» العرب أصبحوا على عينك يا تاجر حلفاء معلنين لإيران التي حاربت «حبيبهم» السابق صدام حسين لثمان سنوات طوال، لأن صدام كان، بالنسبة للفرس، رمزاً قومياً عربياً حقيقياً خطيراً، على عكس نظيره البعثي السوري الذي تحالفت معه إيران استراتيجياً.

ولم تكتف إيران بمحاربة المشروع القومي العربي الذي كان يقوده صدام حسين، بل نسقت مع الأمريكيين لاحقاً لغزو العراق حسبما جاء في كتاب أمريكي جديد. ويكشف سفير أمريكا السابق في العراق خليل زاده في الكتاب أن كبار المسؤولين الأمريكيين أجروا – قبيل الغزو الذي أطاح بحكم صدام حسين- محادثات سرية مع إيران تناولت مستقبل العراق، ونجحوا في انتزاع تعهد من الجيش الإيراني بعدم إطلاق النار على الطائرات الحربية الأمريكية التي قد تضل مسارها، وتدخل المجال الجوي الإيراني. واستمرت تلك المحادثات – التي لم يُكشف النقاب عنها من قبل، وعُقدت في جنيف مع محمد جواد ظريف مندوب إيران لدى الأمم المتحدة آنذاك، وزير خارجيتها حاليا- حتى بعد استيلاء القوات الأمريكية على بغداد في أبريل/نيسان 2003.

وقال زلماي خليل زاده، في كتاب بعنوان «المبعوث» سينشر الشهر الجاري: «كنا نريد التزاما من إيران بأنها لن تطلق نيران مدافعها صوب الطائرات الأمريكية التي تحلق من غير قصد فوق الأراضي الإيرانية». وأضاف بأن «ظريف الإيراني وافق على ذلك. وكنا نأمل من إيران أن تحث الشيعة العراقيين على عدم مواجهة الأمريكيين، وهذا ما فعلته»، مشيراً إلى أن زعماء الشيعة العراقيين البارزين ممن كانوا يناصبون صدام حسين العداء، كانوا أدوات في أيدي إيران. ولا ننسى ما قاله نائب الرئيس الإيراني الأسبق علي أبطحي حينها: «لولا إيران لم تمكنت أمريكا من الوصول إلى بغداد».

ماذا يقول السماسرة القومجيون بعد أن يطلعوا على مكنونات الكتاب الأمريكي الجديد وما يحتويه من أسرار تقشعر لها الأبدان حول التآمر الإيراني الأمريكي على حبيبهم السابق صدام حسين ونظامه القومي؟ يا الله كم أصبحت كلمات «قومي» و»عروبي» بذيئة وساقطة وقذرة عندما ننظر إلى من كانوا يتشدقون بها على مدى عقود. وكما يقول المثل: «الثلم الأعوج من الثور الكبير»، فالنظام القومجي الشهير نظام آل الأسد ضحك على السوريين والعرب بشعارات العروبة والقومية لعقود، ثم اكتشفنا الآن أن مهمته الأساسية حماية إسرائيل العدو الأول للعرب. ولا شك أن نظام البعث السوري كان قد سبق جميع القومجيين والناصرجيين والعربجيين الحاليين إلى أحضان إيران، فقد رفع حافظ الأسد شعارات العروبة والقومية والوحدة العربية، بينما كان يناصر إيران جهاراً في حربها ضد الشقيق العراقي. وعندما جمعت أمريكا ثلاثين دولة ضد العراق كان حافظ الأسد أول المرحبين. لا بل أرسل قوات سورية ضخمة لقتال القوات العراقية، مع العلم أنه لولا القوات العراقية في حرب تشرين عام 1973 لسقطت دمشق خلال ساعات أمام الدبابات الإسرائيلية.

وإذا أردت أن تعرف مدى سفالة ونذالة وعمالة وخيانة القومجيين والناصرجيين واليسارجيين العرب هذه الأيام انظر فقط كيف يرتمون في أحضان إيران، ويعادون دول الخليج العربية على رؤوس الأشهاد. أليس من المفترض أيها العربجيون أن تقفوا مع أبناء جلدتكم العرب حتى لو كنتم على خلاف معهم، بدل الانضواء تحت العباءة الإيرانية التي تعادي العرب والعروبة، أيها الأنذال الساقطون؟ ألم تصدعوا رؤوسنا على مدى عقود بالتضامن العربي، ورفعتم شعار: انصر أخاك العربي ظالماً أو مظلوماً؟ ألم تطالبوا بنصرة القضايا العربية ضد أي جهة غير عربية؟ فلماذا الآن تسخّرون أقلامكم وحناجركم للدفاع عن الاستعمار الإيراني للمنطقة العربية؟ هل ترضون عندما تسمعون إيران وهي تقول إنها باتت تسيطر على أربع عواصم عربية: بغداد، ودمشق، وصنعاء، وبيروت؟ لماذا لم تدينوا هذه التصريحات الاستعمارية الإيرانية التي تدق إسفيناً في قلب العرب والعروبة؟ أين شعاراتكم القومجية القديمة؟ ألم تقولوا لنا دائماً: العرب أولاً؟ فلماذا الآن تصطفون مع الأبواق الإيرانية ضد دول الخليج؟ لنفترض أن لكم خلافات مع السعودية أو غيرها، لكن هل يعني ذلك أن تتحالفوا مع العدو الصفيوني ضد أشقائكم العرب. قال قوميين قال.

شكراً للثورات التي فضحت هؤلاء المرتزقة القومجيين، وأظهرتهم على حقيقتهم، فهم لا يقلون خطورة على العرب عن الصهيونية والصفيونية. ولا ننسى كيف نادوا بالثورات الشعبية ضد الطغاة، وعندما ثارت الشعوب ضد الطواغيت وقفوا بحقارة عز نظيرها ضد الشعوب الثائرة، تحت حجج المؤامرة الممجوجة التي انفضحت كما انفضحت كل الوجوه القومجية القبيحة الحقيرة.

٭ كاتب وإعلامي سوري

======================

بشار الأسد.. بداية النهاية .. د.خالص جلبي

الاتحاد

السبت 19/3/2016

في 15 مارس من عام 2016 بلغت الخلافات بين الأسد وبوتين الذروة ليعلن الأخير انسحابه من المغامرة السورية. يقول المثل العربي رضي من الغنيمة بالإياب. وشاعت في الجو كلمات تنذر بنهاية الأسد قتلًا. وقد ورد هذا على لسان كثيرين في الداخل والخارج.

ولى بوتين من معركة سوريا، وارتجف بشار البراميلي من نهاية أسيفة، فقد رسم مصيره بالدم، واحتفل الروس بعودة جنودهم، كما كان الأمر مع جيش بريجينف العائد من معارك أفغانستان، وهكذا فمصير الغزاة الذهاب، ومصير الطغاة الدمار، ومصير الغلاة الاختفاء. في القرآن الكريم تعبير مهول عن نهاية الطغاة: «فكلًا أخذنا بذنبه». ثم يذكر صوراً للنهاية منها الغرق والخرق واللعنة.

قبل أن يموت «تشاوسسكو» بأربعة أيام سئل عن الأوضاع في رومانيا وكان في زيارة إلى طهران، هل يمكن أن تتأثر بالإعصار الذي يدمدم في شرق أوروبا؟ قال: سلوا شجرة التين هل تنبت حسكاً؟ صحيح أن من حولي تساقطوا ولكنكم لا تعرفون الشعب الروماني وقيادته الحكيمة! وعندما سألوه عما يحدث في مدينة «تيمي شوارا» والعصيان المدني خلف قس مغمور! قال: أما القس الذي حرض على الشغب فهو أخرق، وأما من حوله فهم شرذمة قليلون. وبعد أربعة أيام كان يحاكم ويعدم ولا يعرف قبره، كما هو في قبر القذافي، وانطبقت عليهم دورة التاريخ.

وأما شاه إيران فقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت وضاقت عليه نفسه وظن أن لا ملجأ إلا أميركا فخذلته ورفضت استقباله، مع أنها هي التي صنعته على عينها. وعندما تشفع لأولاده أن يتابعوا دراستهم سمحت لهم من دون رفقة الوالدين. وعندما شكا من المرض قالوا له بعد وساطات وتوسلات إنها إقامة للعلاج فقط، فإذا قضيت خرجت. وبعد العلاج دفع بعربة من البوابة الخلفية للمستشفى، فخرج أو أُخرج. وعندما أصبح في «باناما» عند ديكتاتور صغير قطعوا عنه التلفون وبدأوا يخططون لتسليمه للحكومة الإيرانية الجديدة. وعندما أوى في النهاية إلى بلد آخر بكى سوء الحال وانقلاب الزمن وتنكر الأصدقاء ونفض أميركا يدها منه إلى درجة أن أفردت له ملفاً بعنوان «الخازوق»، وخاطبه مسؤول أميركي بقوله: يا صاحب الجلالة يظهر أنك مختل عقلياً! وأن يبتلع أحد سماسرته سبعين مليون دولار بضربة واحدة، فيعض الشاه على أسنانه حانقاً: إنها سبعون مليوناً! فهل ضاعت في أنابيب المجاري؟

هكذا يرسو مصير الطغاة بين طلقة في الرأس مع جرعة «سيانيد» كما انتهى هتلر. وبين فرعون يغرق في اليم هو وجنوده أجمعون. أو الإمبراطور الروماني «دوميتيان» الذي يقتله 14 من أهل بيته دفعة واحدة طعناً بالخناجر. وبين من دارت عليه الدائرة بعد طول جبروت ليعلق من قدميه عارياً كالخروف في المسلخ في ساحة عامة كما حصل مع «موسوليني» وعشيقته «كلارا بيتاتشي» أو إمبراطور الحبشة «هيلاسيلاسي» الذي أودع في مكان غير كريم وردم فوقه بالإسمنت!

يتحدث «وول ديورانت» عن الإمبراطور «كاليجولا» وأنه كان يقول لجدته أنطونيا عندما حاولت نصحه: «تذكري أن في مقدوري أن أفعل أي شيء بأي إنسان»! وقد أرغمها في النهاية على قتل نفسها! وذكر لضيوفه في إحدى الولائم أن في وسعه قتلهم أجمعين وهم متكئون في مقاعدهم لا يبرحون. وكان وهو يلاطف زوجته يقول لها ضاحكاً «سيطيح هذا الرأس الجميل بكلمة تخرج من فمي». وكان يرسل إلى النساء ممن يهوى كتاباً بالطلاق بأسماء أزواجهن! وأنفق في إحدى ولائمه «عشرة ملايين سسترس»، وفرض الضرائب على كل شيء حتى الحمالين! ونفى كل الفلاسفة من روما لأنهم رمز الخطر ومقلقو السكينة العامة، واعتبر أن مفكراً واحداً أخطر من فرقة عسكرية مدرعة. وجاء اسم الفيلسوف «سينكا» في قائمة الإعدام إلا أنه نجا لكي يقتل لاحقاً على يد «نيرون». ونجا عمه «كلوديوس» من القتل عندما تظاهر بأنه أبله مجنون. وأخيراً طلب من الناس عبادته لأنه أفضل الآلهة ونصب تماثيله في مداخل المدن والساحات العامة وهو يحيي الجماهير. وفي النهاية قتل على يد واحد من الحرس «البريتوري»! وعندما ترددت الإشاعات في البلد أنه قتل لم يصدق الناس ويقول «ديو» المؤرخ إن: «كاليجولا عرف في ذلك اليوم أنه ليس إلهاً»، فالبشر فانون والآلهة خالدون. ومن سيقتل الأسد الصغير هو جندي من أقرب الناس حوله.

فهل سينتهي بشار البراميلي مثل «نيرون» أو «كاليجولا» أو ستالين و«بول بوت»؟ في كل الاحتمالات فقد دلف إلى النهاية.

======================

جنيف ثلاثة: الفصل الثالث… المشهد الثاني .. ميسرة بكور

القدس العربي

الاربعاء 23/3/2016

بدأ في جنيف الجزء الثالث من المفاوضات بين ميليشيا الأسد والهيئة العليا للمفاوضات.

يأتي المشهد الثاني من الفصل الأول للمفاوضات بعد أن افشل نظام الأسد وحليفه الروسي المشهد الأول منه بتصعيدهما العسكري على مناطق الثوار السوريين بمختلف مسمياتهم وراياتهم.

ولا يتوقع من الأسد و ممثليه، في المشهد «الجنيفي» أن يبدلوا سلوكهم السياسي والعسكري العدائي تجاه الثوار السوريين و ممثليهم في المفاوضات.

قلم يزل وفد نظام دمشق التفاوضي على سيرته الأولى يبحث عن المهاترات الهامشية، محاولين عبثاً حرف المفاوضات عن مسارها الطبيعي «الانتقال السياسي».

الأمر الذي دفع السيد دي ميستورا. للطلب من هذا الوفد في ختام أسبوع من المحادثات أن يتحلوا بالجدية بقوله: «أنا أحث (الوفد الحكومي) على تقديم ورقة حول الانتقال السياسي، وسبق أن تلقيت ورقة جيدة وعميقة حول رؤية وفد الهيئة العليا للمفاوضات لهذه المسألة».

ولم يزل بشار الجعفري موفد الأسد إلى جنيف يتحدث عن الأمور الشكلية والإجرائية بهدف تمييع المفاوضات والمماطلة و إضاعة الوقت،يحذوه الأمل أن تصله ورقة قوة يمكنه من خلالها ان يستبد الطرف الآخر لتقديم تنازلات خاصةً بعد أن وجه حليفه الروسي صفعة له بإعلان انسحاب القوات الروسية الرئيسية من سوريا، رغم أن المتابع للمشهد العسكري على الأرض لم يلحظ أي تغيير حقيقي لوقف الغارات الروسية على المدنيين، لكن يظل لهذا الإعلان مدلولات سياسية ربما يفهمها الأسد أكثر من غيره.

في ظل تخبط وفد النظام في جنيف وتهربه من الاستحقاق الرئيسي الذي ينتظره الشعب السوري والمجتمع الدولي، ممثلو نظام دمشق بعد أن فشلوا في جر وفد الهيئة العليا للتفاوض لدخول في مُهَاترات جانبية تبعدهم عن الهدف، لم يترددوا في انتقاد دعوة الموفد الدولي الخاص إلى سوريا ستافان دي ميستورا الوفد الحكومي الجمعة إلى تقديم مقترحاته بشأن الانتقال السياسي الأسبوع المقبل، بالقول أنه «لا يحق له ممارسة الضغط على أحد وعليه أن ينقل الأفكار» بين طرفي المحادثات. وأضافوا: «دي ميستورا هو ميسر المحادثات ولا يمكن أن يكون طرفاً فيها». ولما فشلوا في هذا السلوك. نقلت وسائل اعلام عن بشار الجعفري : طلبنا من السيد ‏دي ميستورا تأجيل الجولة المقبلة للمباحثات وذلك لتزامنها مع الانتخابات البرلمانية في سوريا.

قد يكون من أغرب ما تم تداوله في تاريخ المفاوضات عبر العصور أن يطلب أحد الخصوم من خصمة الآخر أن يحلق لحيته كشرط للجلوس على طاولة التفاوض رغم أن هذا الشخص نفسه له نصف لحية؟

من شاهد المؤتمر الصحافي لوزير خارجية بشار الأسد وليد المعلم يدرك أن الأسد ليس في ذهنه حتى الحديث عن مفاوضات فضلاً عن عملية انتقال سياسي في سوريا.

هل بات الطريق واضح المعالم إلى جنيف، ليس من أجل التقاط الصور التذكارية والمؤتمرات الصحافية، بل من أجل عملية سياسية انتقالية في سوريا.؟

إذا كانت كل نتيجة تلزم بالضرورة عن مقدمات لها فإن مقدمات جنيف «3» برغم الزخم الدولي لها مقدمات جيدة، لكنها بناءً على تصرفات الأسد وحليفه الروسي لعدم احترام قرار مجلس الأمن بوقف الاعمال القتالية وإدخال المساعدات الإنسانية والافراج عن المعتقلين، واللعب على موضوع الفدرالية السورية. ستفضي هذه النتائج بالضرورة إلى فشل هذا المشهد من الفصل الأول لمفاوضات «جنيف3».

من خلال تتبع مسار الاحداث على الأرض، لا نجد أن نظام الأسد وحليفه الروسي يبديان أي اهتمام أو مسؤولية لجهة تنفيذ قرارات مجلس الأمن ومطالب الهيئة العليا للتفاوض، فلم يحترم النظام ولا الروس قرار وقف الاعمال القتالية، حيث كانت عشر دقائق كافية ليتم انتهاك القرار من قبل ميليشيا الأسد والطيران الروسي، ولم يسمح نظام الأسد بعملية ادخال مساعدات حقيقية، رغم أن ما يتم إدخاله من مواد على ندرتها مهم. لكن المواد تصل لنفس المناطق التي وصلت إليها في السابق، بينما لا تزال مناطق في ريف حمص الشمالي وجنوب حماة، لا يسمح ادخال أي مساعدات لها ولم يزل القصف مسترا عليها ولم يتوقف للحظة واحدة والهدف منه هو عزل مناطق ريف حمص الشمالي «الرستن، تلبيسة. الحولة» عن بعضها البعض وجعلها كانتونات مفصولة وقطع آخر امداداتها من جهة حماة.

لا يبدو أن نظام الأسد في صدد تغيير سلوكه السياسي والعسكري المتوحش ضد الشعب السوري، وأنه لم يزل مصر على إبادة الثوار السوريين أو استسلامهم، هذا ما تشير إليه بوضوح تصرفات النظام خلال الهدنة، التي وافق عليها بشرط، استثناء تنظيم الدولة والنصرة، والتنظيمات «الأخرى» التابعة لهم.

وخير دليل على ذلك قيام طائرات سلاح الجو التابعة لنظام الأسد بإلقاء منشورات على المناطق الثائرة على حكمة دعاهم فيها إلى تسليم سلاحهم وتسوية أوضاعهم وأنه مستعد للعفو عنهم، وإلا فالموت سيكون مصيرهم.

ويمكننا الإشارة إلى إعلان بشار الأسد عن أن انتخابات مجلس شعب ستجري في 13 نيسان/أبريل المقبل.الأمر الذي وصفه مراقبون بالمضحك كما أنه يشكل التفافاً على ما جاء في قرار مجلس الامن رقم»2254» الذي تحدث عن اجراء انتخابات ذات مصداقية وبمراقبة الأمم المتحدة نهاية العملية انتقالية.

لكن الروس كما جرت العادة غردوا خارج السرب ولم يجدوا في هذا الإعلان من ضير.

أما في الحديث عن السلوك السياسي الروسي، فمازالت موسكو مستمرة بخرق قرار مجلس الأمن تحت عنوان مكافحة المنظمات الإرهابية، لكننا نستطيع قراءة أمور بين طيات التصريحات والواقع الروسي في سوريا.

نستطيع الذهاب بعيداً بالقول أن روسيا وصلت لعنق الزجاجة في سوريا، وأنها استنفدت كل أوراقها السياسية والعسكرية والتكتيكية مثل ورقة الأكراد، وورقة الضغط على الاتحاد الأوربي من خلال اللاجئين.

نلاحظ إصرار روسيا على ضرورة حضور معارضين يحسبون عليها في صفوف الوفد المفاوض كذلك حشر ممثلي ميليشيا حماية الشعب الكردي كطرف معارض أثناء التفاوض. وذلك بالقول أن عدم حضور ممثلي الكرد يؤثر على وحدة الأراضي السورية، كما قالت يتوجب على المعارضة السورية «المتشددة» التخلي عن مطلب التنحي الفوري الأسد.

ونستطيع ادراج الطرح الروسي الأخير حول سوريا فدرالية، تحت عنوان الإفلاس السياسي، بهدف الضغط على تركيا فأغضبت حليفها الإيراني وجعلته يتقارب من خصمها التركي ويتوافقان على رفض الطرح الروسي، ما شكل خيبة أمل للروس.

كما يبدو أن بوتين خسر امتحان صبر حلف الناتو، بعد اعلان الأخير عن زيادة قواته في المناطق القريبة من روسيا مما يضيق عليها الخناق. في المقابل لا يبدو أن الهيئة العليا للمفاوضات قد رضخت للدب الروسي حيث رفضت رفضاً قاطعاً الطرح الروسي حول سوريا «فدرالية» بل على العكس من ذلك رفع سقف مطالبهم في جنيف بطلب رحيل الأسد مع بداية العملية الانتقالية، ووصفه بأنه مجرم ويجب أن يحاكم على جرائمه.

وهنا نطرح تساؤل ما الذي دفع الهيئة التفاوضية إلى رفع سقفها التفاوضي، هل قرأت جيّداً المأزق الروسي. أم أن عودة المظاهرات السلمية المطالبة بإسقاط الأسد أعطاها زخماً وثقة بالنفس وحاضنه شعبيه لها.

=========================

دروس الثورة الجزائرية للسورية .. حسّان زهار

العربي الجديد

الاربعاء 23/3/2016

في بدايات الثورة السورية، رفع متظاهرون لافتة تعتذر من شهداء الجزائر، لأن أعداد شهداء سورية ربما يتجاوزون، مستقبلاً، شهداء الجزائر المليون ونصف المليون شهيد. حينها استغرب جزائريون من هذه "المبالغة" كثيراً. ثم ظهر أن السوريين استلهموا بالفعل دروس الشهادة من الثورة الجزائرية في أقدس تجلياتها، لكنهم فشلوا، إلى حد كبير، في استلهام دروس الوحدة والنصر منها، فكان ذلك أخطر ما يمكن أن يحدث لأي ثورة شعبية، دفعت كل هذه الضريبة الغالية من الدماء والتشريد واللجوء.

وعلى الرغم من الفوارق الجوهرية بين الثورتين، الجزائرية ضد المستعمر الفرنسي والسورية ضد الطغيان والدكتاتورية الداخلية، إلا أن حجم التضحيات الجسيمة التي قدمها الشعب الجزائري في الماضي، وما يقدمه الشعب السوري من تضحياتٍ كبيرة اليوم، يجعل ضرورياً البحث عن الدروس الكبيرة لإعادة تقويم الثورة السورية التي استكملت عامها الخامس من خلال مسار ثورة الجزائر التي انتصرت، في النهاية، بعد سبع سنوات ونصف السنة من الثورة المسلحة (1954/1962)، علماً أن كلا الثورتين ترتكزان على ذاكرة دموية من مجازر مروعة متشابهة (مجازر سطيف وخراطة سنة 1945 في الجزائر، ومجازر حماة 1982).

وإذا كانت الثورة السورية قد استلهمت دروس الشهادة والتضحية، إلا أنها أغفلت بشكل خطير دروس الوحدة والتخطيط والتنظيم التي امتازت بها الثورة الجزائرية، والتي عملت، عبر التخطيط المحكم، على إنهاء الفرقة قبل انطلاق الثورة في الفاتح من نوفمبر/ تشرين ثاني 1954، من خلال تجاوز طموحات المصاليين والمركزيين، في حركة انتصار الحريات والديمقراطية، وإعلان ميلاد جبهة وجيش التحرير الوطني، إطاراً جامعاً لكل المؤمنين باستقلال الجزائر عبر الثورة والكفاح المسلح، بعيداً عن ترف المقاومة السياسية السلمية، التي ظل مصراً عليها كبار المناضلين الجزائريين، من أمثال الشيخ مصالي الحاج وفرحات عباس، وحتى بعض أعضاء جمعية العلماء المسلمين أنفسهم.

ما أغفلته الثورة السورية التي انطلقت عدة أشهر سلمية في البداية، هو التخطيط لمرحلة الثورة المسلحة، حيث انتقلت المواجهة العسكرية، في بداياتها، بعفوية من درعا إلى حمص إلى باقي المناطق السورية الأخرى، من دون أن توجد هيئة سياسية أو عسكرية موحدة، بل إن كيانات سياسية وفصائل عسكرية كانت تعلن الالتحاق بالثورة من دون قيادة واضحة، ما شكل، منذ البداية، حجر عثرة أمام تقديم الدعم الدولي اللازم، أو بالأصح، كان مبرراً لكي يتحجج أصدقاء سورية بأنهم لا يجدون جهة سورية، ممثلة لهذه الثورة، كما أدت إلى تعثر الحسم العسكري، والذي على الرغم من نجاحاتٍ واضحةٍ سجلت في السنوات الثلاث الأولى من الثورة، إلا أن النظام استطاع فيما بعد، بفعل الدعم الإيراني غير المحدود، والتدخل الروسي فيما بعد، أن يحجّم هذه الانتصارات.

ما قامت عليه الثورة الجزائرية في الماضي كان ينبغي أن يكون مرجعاً أساسياً اليوم للثورة

"المفاوض الجزائري في إيفيان كان يفرض شروطه بوحدة الصف ولغة الرصاص على فرنسا" السورية، ومن ذلك رفضها المطلق كل الكيانات السياسية والعسكرية خارج إطار جبهة وجيش التحرير الوطني، من منطق أن الفرقة لن تؤدي سوى إلا الفشل، حيث اضطر الثوار الجزائريون إلى مواجهة المصاليين (نسبة إلى المناضل مصالي الحاج، أب الحركة السياسية الجزائرية) بالسلاح، بعد أن رفض هؤلاء الالتحاق بالثورة، واعتبروا أنفسهم الأحق بإطلاقها، وقد أسس المصاليون في مواجهة جبهة وجيش التحرير الوطني، الحركة الوطنية الجزائرية، لتكون تنظيماً سياسياً وعسكرياً موازياً ومعادياً لجبهة وجيش التحرير الوطني.

وكانت هذه الحركة في بعض المراحل والمناطق، وخصوصاً في ساحة المهجر في الأراضي الفرنسية، أخطر على الثورة من الجيش الاستعماري نفسه، حيث اندلعت مواجهاتٌ مسلحةٌ ضخمة بين الطرفين، حصل إثرها الجانب المصالي على دعم عسكري ولوجستي فرنسي واضح، بهدف القضاء على الثورة الجزائرية، مع زرع الفتنة والبلبلة في صفوف المواطنين وتشكيكهم في المجاهدين، ما أدى إلى مجازر كانت مروّعة، قادها العميل محمد بلونيس، فيما يعرف بمجزرة ملوزة وغيرها، غير أن انتصار جيش التحرير الوطني الجزائري على هذه الحركة من البداية، وما حققته إثرها هجمات 20 أغسطس/ آب 1955 في الشمال القسنطيني، من نتائج باهرة على مستوى التخطيط العسكري، قبر مشروع زرع الفتنة التي عملت عليه فرنسا، ليلتحق بعدها، بفترة وجيزة، أغلب المترددين والمشككين في نجاح ثورة الشعب، ومن أبرزهم فرحات عباس الذي حل حزبه الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، والتحق أتباعه جماعياً بالثورة بداية العام 1956، كما التحقت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالثورة رسمياً فبراير/ شباط 1956، على الرغم من أن الشيخ البشير الإبراهيمي، أحد عمالقة هذه الجمعية الإصلاحية الكبيرة، قد دعا للالتفاف بالثورة بعد انطلاق ثورة نوفمبر بـ 14 يوماً.

ولم يكن لتخاذل الشيوعيين بعدها أي أثر على وحدة الثورة الجزائرية العظيمة وانسجامها، وما جعلها فوق الاختراق، أو احتمالية الفشل. النقلة النوعية التي حققتها الثورة بعد عقد مؤتمر الصومام داخل الأراضي الجزائرية المحرّرة في 20 أغسطس/ آب 1956، أين تم إقرار مبدأ القيادة الجماعية للثورة، وتحديد الأهداف السياسية، وتنظيم الثورة تنظيماً محكماً، كما أعطى للجبهة بناءها التنظيمي التسلسلي المتمثل في الهيئات التنظيمية العليا، المجلس الوطني للثورة، لجنة التنسيق والتنفيذ، مع تدعيم النشاط السياسي والدبلوماسي للثورة الجزائرية، ما سمح بإعلان الحكومة الجزائرية المؤقتة قبل أربع سنوات من تحقيق الاستقلال.

وللأسف، لم يتوفر للثورة السورية العفوية التي واجهت أعظم طغيان داخلي بطابع طائفي مقيت كل هذا التخطيط والتنظيم والوحدة، وبقيت الأخطاء تتراكم، نتيجة التدخلات الخارجية، والولاءات، ونتيجة الفيتو الروسي، والتواطؤ الأميركي الذي تحول، فيما بعد، إلى تآمر واضح، خدمة للمصلحة الصهيونية، ونتيجة للتشابك العرقي والطائفي الذي يميز الفسيفساء السورية.

ما بقي أن مفاوضات جنيف ومساعي الأمم المتحدة بقيادة ستيفان دي ميستورا، لحل الأزمة السورية، لن تكون "إيفيان أخرى"، كالتي أدت إلى تحقيق الاستقلال الجزائري، ذلك أن المفاوض الجزائري في إيفيان كان يفرض شروطه بوحدة الصف ولغة الرصاص على فرنسا القوة العظمى، ومن ورائها الحلف الأطلسي، بينما تجد الهيئة العليا للمفاوضات السورية المنبثقة عن مؤتمر الرياض، وعلى الرغم من أنها حققت خرقاً هائلاً في منظومة الفرقة والتشتت، نفسها واقعة تحت ضغوط التوافق الروسي الأميركي وإملاءاته، بعيداً كل البعد عن طموح الثورة والشعب، وبعيداً حتى عن رغبات النظام.

إن خمس سنوات من الفصائلية المقيتة هي التي جعلت صوت الجيش الحر اليوم نشازاً، وجعلت من علم الثورة، حتى في حواضر المعارضة نفسها أيام الهدنة، غير مرغوب فيه أمام راية جبهة النصرة، بينما ظل صوت جيش التحرير الجزائري مجلجلاً في الأوراس، وظلت رايته مقدسة، إلى أن فهم ديغول، وأقر بالهزيمة.

أما وقد أعلن الدب الروسي، أخيراً، انسحابه الجزئي من سورية، وهو نصر عظيم بكل المواصفات لهذه الثورة التي ولدت يتيمةً إلا من أهلها، إلا أن يستوعبوا دروس الثورة الجزائرية، وأن يحوّلوا الاجتماع الطارئ لكبرى الفصائل السورية (أحرار الشام الإسلامية وجيش الإسلام وفيلق الشام وفصائل في الجيش السوري الحر)، إلى مجلس عسكري موحد فعلاً لقيادة مرحلة النصر، وحينها لن يكون في وسع العالم كله إلا أن يذعن، ومعه سيدرك بشار وبوتين وخامنئي أن اللعبة قد انتهت.

======================

سميرة وسورية: قرابة المعاناة واقعاً ورمزاً .. ياسين الحاج صالح

الحياة

الاربعاء 23/3/2016

ليس تماثلاً ذاتياً يُفرض من خارج بين سميرة وسورية، بل هناك أوجه قرابة واقعية كافية تسوغ أن تكون المرأة المخطوفة والمُغيبة منذ عامين ونيف رمزاً للبلد المحطم والثورة المغدورة.

أبدأ من الوقائع الأقرب، فسميرة اختطفت في المرحلة الثانية من الثورة، المرحلة التي بدأت في عام 2013 وشهدت تصاعد عمليات تحطيم الثورة من داخل، من دون توقف عمليات تحطيمها من الخارج الأسدي. خطف سميرة، مع رزان ووائل وناظم، هو تتويج لمسلسل عمليات كان «داعش» بطله، خطفاً وقتلاً وتنكيلاً، لكن الطائفة السلفية بأجنحتها المتنوعة كانت أختاً شقيقة لـ «داعش» في المنهج.

ومنذ اختطافها، سميرة مجهولة المصير مثلما هي سورية مجهولة المصير، وليس هناك أفق واضح لخلاص المرأة المخطوفة، مثلما ليس هناك أفق واضح لتحرر البلد المنكوب. ومثلما أن المسؤول عن تدمير البلد وتحطيم المجتمع يُشوّش بكل الطرق على مسؤوليته عن النكبة السورية، ويجد من يُروِّج لتشويشه، فإن المسؤولين عن خطف سميرة، ورزان ووائل وناظم، يشوشون على جريمتهم، ضد كل القرائن الوفيرة على مسؤوليتهم عنها، ويجدون أيضاً من يروج لتشويشهم، ومن يُسفّه المطالبين بالحقيقة وبالعدالة لسميرة، ولشركائها رزان ووائل وناظم.

وسميرة الخليل رمز لاستمرار الكفاح السوري خلال جيلين لكونها معتقلة سياسية سابقة لمدة أربع سنوات في زمن حافظ الأسد، وشريكة في معظم الأنشطة الاحتجاجية في سنوات وريثه، وصولاً إلى الثورة حيث شاركت سميرة في تظاهرات سلمية، وساعدت في أنشطة أخرى متنوعة.

والمنبت العلوي لسميرة يجعل منها رمزاً لكفاحنا العابر للطوائف ولصفته الوطنية الجامعة، وهو ما جسّدته سميرة عملياً بزواجها من خارج بيئتها الأهلية، وبما كانت تكتبه من دوما حتى وقت اختطافها. كتابتها لا تظهر حساً إنسانياً استثنائياً فقط، ولا تحرراً تاماً من الحس الطائفي فقط، وإنما ينبثّ فيها أيضاً شعورها الثابت بأن سكان دوما هم أهلها، وأن العدو هو النظام الأسدي الذي كان يقصف ويقتل ويُجوِّع.

وأكثر بداهة بعد في هذه الرمزية أننا حيال اختطاف امرأتين، سميرة ورزان، من قبل تشكيل إسلامي عمل على فرض نموذجه الاجتماعي في دوما ومناطق سيطرته، يرمز لتعدد جبهات كفاحنا، أو لعدم اقتصاره على المعتدي الأسدي، وشموله الطائفة السلفية، التي قد تكون أصغر الطوائف السورية وأحدثها، لكنها مؤذية جداً، وحقود جداً وأنانية جداً. ما يرمز أيضاً إلى مشاركة نسوية كبيرة في الثورة يراد لها أن تطوى، وإلى كون القضية النسوية بعداً أساسياً من قضية الحرية السورية.

ويضاف إلى هذه الحيثية أن سميرة ورزان جمعتا، أثناء إقامتهما في دوما، بين مراعاة عوائد السكان المحليين وحقهما في أن تشبها نفسيهما. اشترت المرأتان من دوما معطفين أسودين يمتدان إلى الركبة، كانتا ترتديانهما كلما خرجتا إلى الشارع، لكنهما لم تغطيا رأسيهما. المراعاة والاحترام، نعم، لكن ليس التخلي عن بعد من تكوينهما يتصل بقضية الثورة: الحرية. وهما في ذلك تجسدان التنوع السوري، وتعترضان على التنميط والمجانسة القسرية.

ولا أستطيع الامتناع عن التفكير في أننا، أهالي وأصدقاء سميرة، ومعها رزان ووائل وناظم، لم نتلق عوناً في قضية أحبابنا من قادرين كثيرين عليه، مثلما لم تتلق ثورة السوريين غير أشكال مسمومة من العون، أنبتت، فيما أنبتت، خاطفي سميرة ورزان ووائل وناظم.

وفيما يخصني، فإن ما بين سميرة وسورية من تماثل يمر بواقعة أن امرأتي خُطِفت بعد أقل من شهرين من مغادرتي سورية، وبدء عيشي في تركيا لاجئاً، وبينما كنا نعمل على ترتيب خروجها هي أيضاً. الواقع أن الغوطة حوصرت حصاراً مطبقاً وقت خروجي في 11 تشرين الأول (أكتوبر) 2013، قبل ذلك كانت هناك حركة مُراقَبة بينها وبين دمشق، تمر عبر حواجز النظام الكثيرة، لكنها حركة ممكنة. هذا تواقت مصيري، ما كان في حسباننا. كانت سميرة مطلوبة من قبل النظام وقت جاءت إلى الغوطة في أيار (مايو) 2013 (وهي بالطبع حال رزان التي عاشت متوارية في دمشق لأكثر من عامين قبل مجيئها إلى الغوطة في نيسان/ابريل 2013)، وكان يلزم ترتيب خاص من أجل عودتها إلى دمشق بعد خروجي من الغوطة، وما كان الحصار الحربي المطبِق في البال.

وهكذا اقترن تغييب سميرة مع غيابي عن سورية، وهو اقتران يعززه أننا، سميرة وأنا، لم نخرج من بلدنا إلا مرات قليلة إلى لبنان، وأننا نحن الاثنين كنا بلا جوازات سفر، وأن سميرة رفضت استخراج جواز سفر لنفسها ما دمت أنا من دون جواز، بعد أن رُفض طلبي الحصول عليه مرتين. عشنا، نحن الاثنين، فوق خمسين عاماً من عُمرينا (سميرة أصغر مني بشهور فقط)، في البلد الذي لم نفكر في مغادرته يوماً. هذا إلى أن رحلتُ أنا إلى خارج متاهي، وأُخذِت سميرة إلى داخل معتم.

ليست حرية سميرة، ومعها رزان ووائل وناظم، أغلى من حرية أي سورية وسوري آخرين، وليس ألم سميرة ورزان ووائل وناظم أكبر من ألم أي أربعة من السوريين، وليس فقدي وفقد أحباب سميرة، ولا فقد أحباب رزان ووائل وناظم، أهم من فقد غيرنا، لكن لعل رمزية سميرة ورزان ووائل وناظم أكبر من رمزية غيرهم: امرأتان ورجلان، معارضون قدماء للنظام الأسدي، ثائرون مدنيون عزل، لاجئون في دوما، اختطفوا وغيبوا على يد من كان يفترض بهم حمايتهم. ولعلها في حالة سميرة تحديداً رمزية أكثر شفافية بفعل ما سِقتُ من اعتبارات أعلاه. لا أُفرد سميرة عن شريكتها وشريكيها، لكنّ لها بين الشركاء وضعاً منفرداً (عمرها الأكبر، اعتقالها السابق، منبتها العلوي...)، يتممه أنها كانت عابرة سبيل في دوما، حاولت المساعدة فيما تستطيع إلى حين يتيسر انضمامها إلى زوجها، ولم تكن عضواً في مركز توثيق الانتهاكات.

هذا الظلم الأكبر من أي ظلم، هذا التغييب في الظلام طوال أكثر من عامين وثلاثة أشهر، يقرب كثيراً بين سميرة وبين سورية وثورتها المصادرة.

من جهتي، لا أكتفي بهذه الشفافية الذاتية لرمزية المرأة والبلد، إنها شيء أتعهده بأن أروي قصة سميرة وشركائها، أعيدها وأكررها، وأكتشف جوانب منها ما كانت ظاهرة من قبل، وأعرضها لغيري. أن أحكي قصة سميرة وسورية وثورة السوريين، هذا هو عملي.

======================

أوروبا تحت الحصار .. زهير قصيباتي

الحياة

الاربعاء 23/3/2016

إذا كان الثلثاء البلجيكي الأسود، ثمناً لرأس صلاح عبدالسلام، العقل المدبّر لاعتداءات باريس، الذي أُوقف في بروكسيل الجمعة الماضي، فهل يمكن أوروبا أن تنتصر على الإرهاب بالقبضة الأمنية؟ وإذا كانت كل المعلومات المتداولة عن «خلايا نائمة» لتنظيم «داعش» في القارة، كفيلة بإحياء تماسك الاتحاد الأوروبي الذي اهتزّ تحت وطأة أزمة اللاجئين، فهل يمكن دوله تفادي 11 أيلول (سبتمبر) آخر؟

ذعر الأوروبيين أمام شبح إرهاب «داعش» الذي قد يضرب في أي مكان، طَرَحَ مجدداً تساؤلات عن الهدف النهائي للتنظيم وهو يستهدف للمرة الأولى مطاراً أوروبياً، ويجدّد علامات استفهام حول عجز الأجهزة الأمنية عن كشف جوازات السفر المزوّرة التي يستخدمها عناصر «داعش»، بمن فيهم الانتحاريون. بديهي أن تداعيات مالية- اقتصادية ستترتب على الضربات الإرهابية، وأن أوروبا التي بالكاد تجاوزت أزمة مصير اتحادها المتأرجح فوق طوفان اللاجئين والمهاجرين، دخلت مجدداً نفق الحرب على «داعش»، والحرب معه في عقر دارها. وواضح أن استهداف بروكسيل يتجاوز رسالة التهديد بعواقب تسليم عبدالسلام إلى فرنسا التي هزّتها المجزرة الأولى في 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 2015. فالعاصمة البلجيكية مقر لمؤسسات الاتحاد التي تدرس سياسات جديدة لـ «الاعتماد على النفس» في مواجهة رياح الإرهاب، بعيداً من «المرشد» الأميركي الذي يمنّ على الأوروبيين بالنصائح.

دماء في شوارع أوروبا، شلالات دم في سورية حيث معقل «داعش» الذي بات على مسافة قصيرة من جنوب القارة... الشرق الأوسط يحترق، أوروبا تهتز، ورئيس القوة العظمى باراك أوباما السائح في هافانا يتفرّج، يندّد بالإرهاب، واثقاً من أن يوماً سيأتي لإعلان الانتصار على «داعش». لعل نصيحته الى الأوروبيين «اصبروا»، بعدما اتهم العرب بالتخاذُل في الحرب العالمية على الإرهابيين، واتّهم رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كامرون بالانشغال بمسائل أخرى.

وحده «القديس» أوباما يسعى الى إيهام العالم بأن الجميع مخطئون، وأنه هو وحده على صواب. ألم يرسل عشرات من «المارينز» لمؤازرة الجيش العراقي في المعركة مع أبي بكر البغدادي؟ تستحضر وقائع المشهد العربي في الشرق الأوسط، وضربات «داعش» الأوروبية، دروس الحرب التي تعلن إدارة أوباما انها تقودها على التنظيم لانتزاع «دولته» من العراق وسورية. تقودها جواً، والسوريون والعراقيون يدفعون الثمن، و «داعش» يتمدّد كلما احتفى الأميركي بانكفاء التنظيم عن مواقع، وانكفاء واشنطن عن ساحة الحلول الجدّية. يتمدد إلى قلب أوروبا التي احتضنت الهاربين من جحيم النظام السوري والبغدادي، وأشباح «الحشد الشعبي» العراقي.

بداهةً، لدى المتطرفين في أوروبا، لا بد أن يكون من نتائج الثلثاء الأسود في بروكسيل، مزيد من العداء للعرب والمسلمين والمهاجرين واللاجئين... مزيد من القيود الأمنية وحالات طوارئ، لا يمكن أحداً التكهُّن بمداها، ومزيد من الارتياح لدى النظام السوري الذي يصنّف نفسه في خندق مَنْ يواجهون الإرهاب، لإحياء شرعية ميتة.

لعل لائحة المستفيدين من ضربات «داعش» وإرهابه، باتت معروفة. وإذا كانت إسرائيل هي أبو الإرهاب، فـ «داعش» طاعونه، وفي الحالتين هوية معظم الضحايا ليست مجهولة، لا في المنطقة العربية ولا في أوروبا. بعد «القديس» أوباما يتبارى المتسابقون إلى خلافته في المزايدة لدعم إسرائيل على حساب دماء الفلسطينيين، وضخ دماء جديدة في أوردة التطرُّف، منبع الإرهاب.

ولكن، ما العلاقة بين «عقيدة» سيد البيت الأبيض التي كشفها أوباما في الشهور الأخيرة من ولايته، والحرب على «داعش»؟ الجواب يطرح سؤالاً عن العلاقة بين استضعاف الرئيس الأميركي «السائح»، العربَ ودورهم في تحمُّل مسؤولياتهم، واستقواء التنظيم الإرهابي بالاستضعاف ذاته. صحيح أن المسرح الرئيسي للحرب هو العراق وسورية، لكنّ حمم البركان تطاول شمال افريقيا كله، وجنوب أوروبا وقلبها.

قد لا يكون من المبالغة القول إن العرب والأوروبيين يدفعون ثمن الارتكابات الأميركية، منذ تجاهل أوباما وعوده بمعاقبة النظام السوري، وباع أمن المنطقة للكرملين، في مقابل ضمان أمن إسرائيل. كل الجرائم والإبادات في سورية ارتُكِبت فيما أميركا تتفرّج، و «داعش» يتناسل، ويوزّع خلايا.

======================

في توقيت الانسحاب الروسي .. حسين عبد العزيز

الحياة

الاربعاء 23/3/2016

إذا كان قرار الرئيس الروسي سحب القسم الأكبر من القوات العسكرية الروسية من سورية مفاجئاً من ناحية التوقيت، فإنه غير مفاجئ من حيث المبدأ، ذلك أن التدخل العسكري الروسي في سورية لم يعد له معنى على الصعيد العسكري في ظل الهدنة المستمرة.

لقد حققت روسيا أهدافها الرئيسية الثلاث من تدخلها العسكري في سورية: أولاً من خلال فك العزلة الدولية عنها وإعادتها بقوة إلى المسرح الدولي، والثاني إبعاد أي خطر ميداني يهدد النظام، وتمكين الأخير من المحافظة على المنجزات العسكرية التي تحققت كخطوة ضرورية قبيل انطلاق مفاوضات جنيف السياسية، وثالثاً تثبيت تواجدها الاستراتيجي في سورية عبر قاعدتين عسكرتين، بحرية في طرطوس وجوية في اللاذقية.

لكن السؤال المهم ليس متعلقاً بعملية الانسحاب العسكري في ذاتها وإنما في توقيت الإعلان الذي تزامن مع يوم انطلاق مفاوضات جنيف وبعد يومين من تصريحات وزير خارجية النظام وليد المعلم التي نسف فيها أسس العملية السياسية.

ثلاث رسائل سياسية وراء توقيت إعلان الانسحاب:

1ـ وقف فائض القوة لدى النظام عبر تثبيت الاستثمار السياسي للإنجازات العسكرية عند حد معين، وبالتالي إعطاء الأولوية للمستوى السياسي، وهذا ما أكده بوتين في اتصاله مع الأسد «إن الوقت قد حان لأن تؤدي الديبلوماسية دورها» وما أكده أيضاً خلال اجتماعه مع وزيري الدفاع والخارجية في الكرملين.

هي رسالة سياسية للنظام السوري في المقام الأول بعدما ضرب الأخير الجهود الروسية بعرض الحائط ثلاث مرات، الأولى حين أعلن الأسد رفضه الهدنة وأنه ماض في القتال، فجاءه الرد من المندوب الروسي في الأمم المتحدة فيتالي تشوركن الذي قال إن تصريحات الأسد لا تتماشى مع الجهود الديبلوماسية التي تقوم بها روسيا، ومع أن تصريح تشوركن كان تصريحاً شخصياً بحسب قوله، لكن شخصاً بمستواه السياسي لا يطلق تصريحات ارتجالية أو شخصية من هذا النوع لو لم تكن تعكس الموقف الحقيقي لموسكو.

والثانية حين حدد الأسد موعداً لإجراء انتخابات تشريعية، فجاءه الرد من المتحدثة باسم الخارجية الروسية التي أعلنت في مؤتمر صحافي إن الانتخابات تجري بالتوافق مع المعارضة وضمن المرحلة الانتقالية.

وأخيراً جاء الامتعاض الروسي من تصريحات المعلم التي ضرب فيها جميع التفاهمات الروسية ـ الأميركية المتمثلة في اجتماعي فيينا وفي القرار الدولي رقم 2254، وكانت المكالمة الهاتفية التي أعقبت هذا التصريح بين لافروف والمعلم ومن ثم بين بوتين والأسد دليلاً على الاستياء الروسي.

لقد كانت الرسالة الروسية واضحة: أي محاولة لإفشال جنيف من قبل النظام لن تكون روسيا جزءاً منها، وعلى دمشق تحمل تبعاتها، أما إعلان موسكو استمرار دعمها النظام فهي رسالة ليست له وإنما للأطراف الإقليمية والدولية إذا حاولت الخروج على نص التفاهمات الروسية الأميركية.

2ـ رسالة سياسية إلى الأطراف الإقليمية الداعمة للمعارضة مفادها أن موسكو ليست متمسكة بشخص الأسد لكنها متمسكة بأسلوب حل الأزمة السورية، وأن موسكو لا تريد ضرب المصالح الإقليمية في سورية وبالتالي دفعها إلى التحرك مع تركيا في الشمال السوري.

والأهم من ذلك أن موسكو لا تريد حصول مجابهة مع السعودية كما جرى مع تركيا، إذ تبدو موسكو اليوم بحاجة كبيرة إلى الرياض في ما يتعلق بالتفاهم على تثبيت إنتاج النفط العالمي عند مستويات كانون الثاني (يناير) الذي تم التوصل إليه الشهر الماضي في الدوحة بحضور وزير النفط السعودي.

ومن المتوقع أن يعقد الشهر المقبل اجتماع بين منتجي النفط في موسكو من أجل التوصل إلى اتفاق عالمي لتجميد الإنتاج لا يمكن أن ينجز من دون توقيع الرياض في ظل تخمة المعروض.

وروسيا بحاجة إلى هذا الاتفاق في ضوء الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها وفي ضوء حسابات وزارة المالية الروسية التي توقعت ارتفاع رسوم تصدير النفط في البلاد 39 في المئة على أساس شهري للطن في نيسان (أبريل) المقبل.

وليس صدفة أن يكون الخطاب السياسي الروسي تجاه أنقرة حاداً بينما هو مع الرياض عقلاني وموضوعي ومنفتح على رغم تناقض الموقفين حيال سورية، حيث تأمل روسيا أن تتم زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز إليها في أسرع وقت.

3ـ رسالة سياسية إلى الغرب وخصوصاً الولايات المتحدة أن روسيا ملتزمة بتعهداتها وقد أثبتت أنها جزء من الحل وليست جزءاً من المشكلة، ومن شأن ذلك أن يفتح باب الحوار حول أوكرانيا وحول الدور الروسي على مستوى أوسع، وربما تشبيه المسؤولين الروس الانسحاب العسكري من سورية بأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 فيه من الدلالة ما يكفي على النتائج التي يمكن أن تحصل في حال تعاونت موسكو وواشنطن معاً.

وتأمل موسكو أن تمهد الخطوة السورية هذه إلى فك العقدة الأوكرانية بإنهاء العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، للانتقال إلى مرحلة أخرى من التعاون على المستوى العالمي في ظل تصور روسي لواقع عالمي جديد يتقاطع مع تصورات أوباما.

* كاتب وإعلامي سوري

======================

الحرب التي غيرت العالم: سوريا غيّرت من، وكيف؟ .. كمال أوزتورك

الشرق القطرية

الاربعاء 23/3/2016

قبل 5 سنوات من الآن، كان هنالك شرق أوسط مختلف، وعالم إسلامي مختلف أيضًا، أما اليوم، فنحن نشهد أكبر حالة تبعثر عاشتها المنطقة منذ الحرب العالمية الأولى.

الآلام التي نتجت عن الحروب والأزمات وحالة الفوضى التي تعيشها المنطقة، كبيرة للغاية، شعوبٌ تموت، وأخرى تفقد بيوتها وأوطانها، فيما تدمر مدننا التاريخية العظيمة.

أعتقد بعدم ضرورة الإسهاب في شرح هذه النقطة، لأننا جميعًا نشهد هذه الفاجعة بل إننا جزء منها.

نحن نبكي على إخواننا الذين تقطعت بهم السبل، لا شك، ولكن دعونا لا ننسى أننا بحاجة لاستخلاص العبر والدروس مما حدث.

نحن نعيش مرارة هذه اللوحة المعتمة من تاريخنا، لكني أعتقد أن حالة الفوضى التي نشهدها، ستفجر طاقات عظيمة داخل مجتمعاتنا.

مما لا شك فيه، أن حرب سوريا هي حرب غيّرت العالم كله، لقد تأثر العالم أجمع، من الشرق إلى الغرب، جراء هذه المأساة المستمرة منذ 5 سنوات، لقد علمتنا هذه الحرب الكثير، وحملتنا على استخلاص الكثير من العبر والدروس.

الغرب يخسر امتحانه في الإنسانية واحترامه أيضًا

دعونا نعترف بالحقائق، كان هنالك انبهارٌ في العالم الإسلامي بالغرب، وكانت ثرواته ومدنه وقيمه تشكل موضع جذب للجميع، إلا أن الغرب داس على قيمه إبان الحرب في سوريا، في الانقلاب في مصر، وأحداث ليبيا، والعراق، واليمن، وأفغانستان، حيث أقدم على دعم الفوضى وأذكى أوار الأزمات في العالم الإسلامي. وتعامل بازدواجية، حيث دعم الديمقراطية ووجدها مناسبة لشعوبه، فيما فضل دعم الانقلابات والديكتاتوريات والأزمات والحروب في العالم الإسلامي، لقد رأينا بأم أعيننا هذه المواقف المنافقة، ووقفنا شاهدين عليها.خسر الغرب امتحانه في الإنسانية، وفقد احترامه في عيون المسلمين، وغدت الحرب في سوريا ساحة، يتقاتل فيها المسلمون، ويجني الغرب منها مكاسب مختلفة، وهذا ما لن ننساه نحن والتاريخ.

لقد كان التأييد الشعبي في تركيا للاتحاد الأوروبي 75 بالمائة، أما اليوم فقد أظهرت الاستطلاعات أن هذا التأييد قد تراجع إلى 30 بالمائة، فالأتراك رأوا الوجه الحقيقي لأوروبا، ولم تعد في داخلهم رغبة للعيش ضمن تلك المنظومة، وأنا واثق من أن شعبية أوروبا قد انخفضت في العديد من دول العالم الإسلامي بنفس النسبة.

العالم الإسلامي يبحث عن مستقبله

رأينا جميعًا كيف أتت الطائرات الحربية الروسية، واحتلت سوريا، فيما لم ينبس العالم الغربي ببنت شفة ضد ذلك الاعتداء الصارخ، لأنهم جميعًا كانوا على علم بتلك الخطوة وكانوا موافقين عليها، وبالنتيجة، كان العرب والتركمان والأكراد، ضحايا القصف الروسي، أي أن جميع الضحايا كانوا من المسلمين.

 

وهذا يعني أيضًا، أن روسيا قادرة وبسهولة على فعل الشيء نفسه واحتلال أي بلد مسلم آخر، وهنا أود التساؤل عن مستقبل سيادة بلادنا، وسلامة شعبنا، وأمنه الوطني؟ سيما مع وجود ضوء أخضر من قبل الولايات المتحدة، وأوروبا، وحلف شمال الأطلسي (الناتو).

لقد أدركنا هذه الحقيقة، نحن كدول إسلامية يجب أن نشكل اتحادًا خاصًا بنا على وجه السرعة، سيما أن مصير كل واحد فينا مرتبط بالآخر، وأن بقاءنا مرتبط بتضامننا، وانفراط عقدنا يعني وقوعنا فريسة سهلة بيد الأطماع الخارجية، هذا ما علمتنا إياه الحرب السورية.

لاحظوا مدى الأمل الذي بعث في قلوب أبناء المنطقة، جراء المناورات التي أجرتها الجيوش المسلمة، بزعامة المملكة العربية السعودية وتركيا، وحملت اسم "رعد الشمال"، وما تبع تلك المناورات من تصريحات روسية، أكدت على أنها غير قادرة على مواجهة العالم الإسلامي أجمع، كما أن تلك المناورات شكلت أحد المؤثرات التي دفعت روسيا لسحب قواتها من سوريا.

على الدول الإسلامية أن تقيم تعاونًا مشتركًا ليس في المجال العسكري فحسب، بل في مجالات تشمل الاقتصاد والسياسة والثقافة والتعليم، سيما أن "منظمة التعاون الإسلامي" توفر الأرضية المناسبة لمثل تلك المشاريع، فلماذا لا نسعى من أجل إحياء وتفعيل تلك المنظمة ونبني على الأرضيات التي توفرها؟

إن ضمان مستقبلنا، ومستقبل البلاد التي ستحتضن أطفالنا، وحمايتها، لا تمر من خلال الاتفاقيات والتحالفات التي من الممكن أن تبرم مع أوروبا أو أمريكا أو روسيا أو الصين، لأن تلك الدول والتكتلات لا تسعى إلا من أجل ضمان مصالحها، ولا تتورع عن حرق بلداننا وإذكاء الفوضى والأزمات في بلادنا بغية تحقيق ذلك.

إن ضمان أمن مستقبلنا يمر من خلال تحقيق اتحاد يضم دول العالم الإسلامي، بات لزاما علينا تحقيق ذلك، فالحرب السورية أظهرت لنا مدى واقعية وأهمية هذا الطرح، أليس كذلك؟

======================

الفيدرالية في سورية .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 24/3/2016

أعلن الحزب الاتحادي الديمقراطي (بي ي دي) قيام فيدرالية في الشمال السوري، تحت مسمى روجافا، بعد أن كرَّر طويلاً أنه بات مُقِراً بصيغةٍ للحكم، تقوم على سلطة المجالس الشعبية، وهو ما فعله بعد أن تسلّم السيطرة على محافظات الحسكة والقامشلي من النظام الذي قرَّر الانسحاب منها.

في المسار الطبيعي، تقوم الفيدرالية على ضوء توافق مجتمعي، يجد تمظهره في الدستور الذي يشمل البلد كلها. بالتالي، من غير الطبيعي أن يعلن حزبٌ قيام فيدرالية فقط، لأنه سيطر بالقوة، وبتواطؤ النظام، على مناطق معينة، يقول إنها كردية، أو يعتبر أنها جزء من "الأرض التاريخية" للأكراد. ولهذا، من الواضح أن الحزب يستغلّ ظرف سورية الراهن، من أجل فرض أجندته هو، وليس أجندة الأكراد، بقوة السلاح. ومن الطبيعي أن يقود ذلك إلى صدامٍ عسكري، وحرب، وهذا هو الخطر الممكن في الفترة المقبلة.

لا بد من التوضيح، أولاً، أن الفيدرالية نظام إداري لدولة اتحادية، وبالتالي، فإنه لا يخص لا القوميات ولا الطوائف، على الرغم من أن الإمبريالية الأميركية حاولت تكييفه، لكي يصبح التعبير عن "التقسيم الطائفي والإثني" كما فعلت في العراق، وكما عمّمت في خطابها العولمي، من خلال الحديث عن المكونات. وبهذا، يبدو أنه أصبح متداولاً من أطرافٍ عديدةٍ، انطلاقاً من هذا الفهم الذي كان مدخلاً لتفكيك الدول أصلاً.

وعلى الرغم من أن إعلان الفيدرالية من الحزب تقصّد ضم عرب وسريان، لكي يخفي الطابع الكردي للفيدرالية، لكنه ينطلق من منظور الحزب إلى حدود الوجود الكردي في سورية التي كان يحدّدها حزب العمال الكردستاني، الحزب الأم لحزب البي ي دي، بشمول شمال سورية من البحر المتوسط إلى حدود دير الزور. وهذا الأمر هو الذي دفع الحزب إلى محاولة توسيع سيطرته في شمال حلب، من أجل ربط عفرين بعين العرب والوجود الكردي في شمال شرق سورية. وهذه مشكلة أخرى، تخص الحزب الذي ينطلق من منظور تعصبي قومي، لا يتناسب مع الوضع في سورية، وهو ما يظهر بتسمية المنطقة "روجافا"، والتي تسمى كذلك "كردستان الغربية"، والتي تضم أغلبية عربية أصلاً (وهذا الوضع هو الذي دفع الحزب إلى إظهار وجود عرب وسريان معه).

مرّ وجود الأكراد في سورية بمراحل متعددة. لكن، لا بد أن يكون واضحاً أنه وجود حديث، وليس كما الوجود في شمال العراق. فقد عملت الدولة العثمانية على نقل مجموعاتٍ كرديةٍ إلى مناطق عديدة في سورية، في سياق سعيها إلى ضمان طريق الحجاز، وقد نقلت كذلك تركماناً وشيشانا. لهذا، تشكلت مدن كردية في عفرين وجبل الأكراد في ريف اللاذقية، والعتمانية في الجولان وغيرها. وقد حدث ذلك كله في القرن التاسع عشر، لكن انهيار الدولة العثمانية، وميل الأكراد إلى الثورة ضد الدولة الجديدة أدى إلى هجراتٍ كرديةٍ إلى الشمال الشرقي السوري. وهي هجراتٌ كبرت، منذ نهاية الخمسينيات من القرن العشرين فقط، وظهرت واضحةً في الستينيات.

هذا يعني أن الوجود الكردي ليس تاريخياً في سورية، وأنه نتاج هجرات إلى أرضٍ عربية. وبهذا، نشأ شعب على أرضٍ عربية، أرضٍ يسكنها عرب وسريان تاريخياً (وسكنوا كل جنوب تركيا منذ قرون طويلة). وهذا لا يعني أنْ لا حقوق لهؤلاء، نتيجة حداثة وجودهم، لكنه يعني فهم الوضع بشكلٍ دقيقٍ، لكي لا يجري الانسياق نحو الشطط القومي، وفتح صراعاتٍ لا أفق لها. وبالتالي، تمثل الحالة الكردية وجود أقليةٍ قومية، والحل يكون بإقرار مبدأ المواطنة من جهة، وإقرار الحقوق القومية التي تتمثل في التكلم باللغة وتعليمها، والتعبير عن الثقافة والتراث الشعبي. لكن، كذلك يمكن قيام الإدارة الذاتية في المناطق الأساسية لتمركز الأكراد، وهي هنا في الشمال الشرقي السوري، وفي مناطق محدَّدة فيه.

من حق الأكراد الحصول على حقوقهم، في إطار سورية موحّدة.

======================

أحداث بروكسل.. من يدعم الإرهاب؟ .. محمد ديبو

العربي الجديد

الخميس 24/3/2016

تشير تفجيرات بروكسل الإرهابية إلى أن الإرهاب لم يعد حدثاً "موسمياً" في أوروبا، إذ بات واضحاً أن ثمة تفجيرات تتالى تباعاً، ما يجعل القارة الأوروبية والأميركية (بوسطن) برمتها في مرماه، إضافة إلى بؤرته المركزية في آسيا/الشرق الأوسط (سورية، العراق، أفغانستان، باكستان..) والقارة الأفريقية (بوكو حرام في نيجيريا وجوارها، ليبيا، تونس..)، ما يعني أن العالم برمته اليوم في مواجهته، الأمر الذي يستوجب مقاربة عالمية للإرهاب، تبحث في الأسباب الرئيسية المولدة له، بعيداً عن المقاربات الجزئية الإقليمية الجارية اليوم، المركّزة على حماية القارات منه، والتي تشكل المقاربة الأوروبية أسسها اليوم، كما تجلت في معالجة أزمة اللجوء إلى القارة العجوز، ما يجعلنا نضع أيدينا على ثلاثة مولّدات أساسية للإرهاب، لا بد أن تعالج في سياق عالمي/عولمي، يأخذ بالاعتبار التشابكات والتداخلات التي بات العالم يعيشها ككل.

السبب الأول والأهم يتجلى بالتراث الديني اللاهوتي الذي تستمد الأصوليات الدينية على اختلاف أشكالها (إسلامية، مسيحية، يهودية، أديان الأقليات) شرعيتها منه، فهذا التراث الذي لم يُعمل مبضع النقد الديني العلمي فعله فيه بعد، يشكّل الأساس الذي ينبغي أن يعمل على تفكيكه ولفظه، إذ لم تعد الأفكار القائلة إن هذه الأصوليات مجرد "نشاز" عن الفكر الديني السائد، إلا تغطية على الإرهاب. وباعتبار أن الفكر الإسلامي هو الأكثر توليداً لإرهاب اليوم، يقع على المرجعيات الدينية الإسلامية (شيعية وسنية وأقليات أخرى)، والمفكرين الإسلاميين والعلمانيين على السواء، مهمة مواجهة تراثهم، والعمل على إيجاد قطع حاد مع أفكارٍ كثيرة لا تزال تدرس في مؤسسات رسمية ودول كثيرة، فالثورة تبدأ من هنا، لأن أفكاراً كثيرة تتقاطع مع فكر الأصوليات التي تجد تربتها الصالحة هنا، والتي يضفي هؤلاء عليها شرعية "الإسلام"، فالفكر السائد في مؤسساتٍ، مثل الأزهر وجامع النور والمدارس الدينية في أفغانستان وغيرها (وكلها تعيش في رعاية الدكتاتوريات) وكتابات "مفكّرين" يقدمون أنفسهم "معتدلين" دينياً، تشكل المادة الخام التي تستند عليها الأصوليات الدينية، لاحتوائها على كم هائل من اللامعقول والسحر والخرافة، خصوصاً ما ينسب منها لفقهاء العصور السالفة الذين يعتمدون مراجع لا يطاولها الشك، من دون أن يقف الأمر هنا، فاليهودية التي تشكل أحد جذور الصهيونية في فلسطين، وفكر الأقليات المستهدفة من داعش، والتي تقدم بوصفها ضحية، غالباً ما تغطي مظلوميتها على تراثها الديني السحري الغيبي، والذي يعمل على جذب أفرادها نحو تبرير ممارسة العنف تحت ستار الدفاع عن النفس، لنكون إزاء أصوليات مضادة، تنبع ضدّيتها من فكرها بالذات، قبل أن تنبع من مواجهة الآخر الأصولي، مضافاً إليها صعود اليمين المتطرّف المسيحي في أوروبا، لنكون إزاء منظوماتٍ تولّد الإرهاب الذي سيبقى يجد مستنده هنا، إن لم يجر العمل على نزع هذا التراث الأصولي الفكري من دائرة المقدس إلى غير رجعة، فالأديان هي ضحية هذه الرؤية قبل غيرها.

السبب الثاني يتمثل بالاستبداد الذي يجد، هو الآخر، في الأصوليات السابقة أرضاً خصبةً،

"المقاربة الأوروبية تكتفي بحراسة حدود القارة، والحصول على مكاسب اقتصادية" ليمارس أصوليّته السياسية، فهو يعمل على تربيتها دائماً ليقدم نفسه (وغالباً أمام الغرب) بوصفه سدّاً منيعاً ضدها في لعبة ابتزازٍ باتت واضحة، وتلقى رواجاَ لدى منظوماتٍ فكريةٍ وأحزابٍ غربية تتبناها (أحد الأحزاب الإيطالية أعلن أنه سيعيد علاقته مع نظام الأسد، إذا وصل إلى السلطة)، الأمر الذي يستوجب القطع مع هذه الرؤية "التوفيقية" التي تقول إن السيئ أفضل من الأسوأ، وهو ما يصب في خدمة الدكتاتوريات التي تذكي هذا الصراع، وتستند له، طالما هناك من يتبناه. وهنا تلعب المقاربة الأوروبية دوراً بارزاً في دعم الإرهاب، فاستقبال عبد الفتاح السيسي أوروبياً، وتقديم المصلحة الاقتصادية مع النظام الإيراني المولد للإرهاب الشيعي الجهادي على حساب حقوق الإنسان، يلعبان دوراً بارزاً هنا، على الرغم من أن هذه النظم مولدة للإرهاب، وما مقتل الطالب الإيطالي، جوليو ريجيني، الوحشي في مصر على يد السلطات إلا دليلا على عقم المقاربة الأوروبية. وهنا، تتلاقى الرؤية الأوروبية/ الغربية مع رؤية الدكتاتوريات، عبر التركيز على المعالجة الأمنية لمسألة الإرهاب، بعيداً عن السياق الاجتماعي الاقتصادي، ومنظومة حقوق الإنسان، فالدكتاتوريات التي تقدم نفسها بوصفها "تكافح" الإرهاب، تعمل على تعزيز المراقبة الأمنية للأصوليات الدينية في مرحلة "الاستقرار"، وعلى إطلاقها من السجون، حين يتهدّد نظامها، في حين تترك الفكر المتطرف طليقاً في مدارسها وجامعاتها الدينية، بالتوازي مع قمع العلمانيين والنشطاء السلميين، في حين أن المقاربة الأوروبية تكتفي بحراسة حدود القارة، والحصول على مكاسب اقتصادية، في الوقت الذي تتغاضى عن الدكتاتوريات المولدة لهذا الإرهاب، الأمر الذي يستوجب وضع مسألة الديمقراطية في صلب "مكافحة الإرهاب"، إذا أريد لهذه المكافحة أن تأخذ مداها فعلاً. ولعل الدرس الذي قدمته تونس، أخيراً، في أحداث بنقردان دليل على ذلك، فتونس هي البلد الوحيد الذي نجح في الانتقال الديمقراطي نسبياً. ولهذا، تمكّنت من معالجة مسألة الإرهاب على أراضيها، على الرغم من وقوعها وسط محيطٍ مضطربٍ ومحاط بالإرهاب، في حين فشلت كل الدكتاتوريات التي تقدم نفسها ضد الإرهاب! ما يعني أن الديمقراطية هي الضد الوحيد للإرهاب، وليس الاستبداد.

السبب الثالث يتجلى بالمنظومة الدولية العرجاء والعاجزة عن مقاربة مسائل العالم وأزماته، بدءاً من أزمة العولمة التي باتت توسع "الطرد والإقصاء"، كما تقول ساسكيا ساسن، وليس انتهاءً بالمعالجات الوطنية أو القارّية للإرهاب، والتي تتيح وتبرّر "الحرب"، والتدخل في كل مكان في العالم، تحت شعار حماية أمنها، بعيداً عما يولده الأمر من تهديد أمن العالم والبلدان المتدخّل فيها، إذ لا يمكن عزل الإرهاب المستوطن في العراق وسورية ونيجيريا عن التدخلات الغربية التي تضع مصالحها ومصالح شعوبها فوق مصلحة العالم، فالمقاربات "الوطنية/القومية/القارية" هذه أثبتت عجزها عن حماية شعوبها، فما تولده سياساتها في مناطق بعيدة بات يولد الإرهاب في أراضيها اليوم، كما بينت أحداث بروكسل أخيراً، الأمر الذي يستوجب مقاربة عالمية للإرهاب، تأخذ كل ما سبق بالاعتبار، وتضع مصلحة الجنوب في الديمقراطية، كما الشمال في الأمن، وإلا سيبقى العالم مسرحاً للإرهاب.

======================

في الفيدرالية والنقاش الدائر حولها .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 24/3/2016

تزامن الإعلان عن مشروع كيان فيدرالي، في مؤتمر عقده حزب الاتحاد الديمقراطي مع حلفاء له في مدينة الرميلان، مع محاولة ستيفان دي مستورا نقل المفاوضات الجارية في جنيف، بين وفدي النظام الكيماوي والمعارضة، من الشكل إلى المضمون، ومن المناكفات إلى الجوهر، أي، باختصار، إلى البحث في المرحلة الانتقالية ومتطلباتها.

لم يكن مفاجئاً أن النظام والمعارضة اللذين لم يتفقا، طوال السنوات الخمس من الثورة والحرب، ولا يحتمل أن يتفقا في المستقبل القريب، على أي شيء، قد اتفقا على رفض إعلان الفيدرالية، في دلالة مشؤومة على الصفة السالبة للوطنية السورية كما لو كانت هي الوحيدة الممكنة، وهي الوطنية القائمة على رفض الآخر وتطلعاته.

غير أن رفض الفيدرالية لم يقتصر على النظام والمعارضة، بل شمل أيضاً حلفاء لـ»الاتحاد الديمقراطي» في «مجلس سوريا الديمقراطية» كهيثم مناع الذي، للمفارقة، كان السوري الوحيد الذي تحدث عن نسبة مئوية من الأرض السورية تسيطر عليها القوات التابعة لمجلسه المذكور. قد نفهم من هذه المفارقة أن المناع يطالب بحصة في السلطة المركزية تعادل حصته المفترضة من الأرض، في حين اتجه حليفه صالح مسلم إلى خيار تكريس السيطرة على تلك الحصة من الأرض، مقابل القطع مع الدولة المركزية.

وأعلنت الولايات المتحدة رفضها الصريح لـ»الحكم الذاتي» كما أسمته، وظلت إشارة نائب وزير الخارجية الروسي إلى «سوريا فيدرالية»، قبل إعلان الرميلان بفترة، يتيمة ولم يتبعها تشجيع روسي لحليفها مسلم على المضي في خيار الفيدرالية. وبطبيعة الحال كان الرفض الأكثر تشدداً وصخباً من تركيا التي تعتبر «الاتحاد الديمقراطي» منظمة إرهابية، وتخوض حرباً مفتوحة ضد «العمال الكردستاني» والمناطق الكردية جنوب شرق الأناضول، منذ الصيف الماضي. وتشي عودة الدفء إلى العلاقات التركية ـ الإيرانية بتقاسم الدولتين المخاوف ذاتها بخصوص أي كيان كردي محتمل في شمال سوريا وشرقها، بما يذكرنا بالمحور التقليدي (طهران ـ بغداد ـ أنقرة) الذي لا يملك أي قواسم مشتركة بين دوله غير مواجهة أي تطلعات كردية في أي من الدول الثلاث.

وحدهم الكرد تحمسوا لإعلان الرميلان، بوصفه خطوة جديدة نحو الاستقلال في دولة حرموا من قيامها وتمسكوا بالحلم بها طوال قرن مضى. ترى هل من العقلانية، في ظل رفض جماعي سوري ـ إقليمي ـ دولي، أن يتجه كرد سوريا، أو حزب الاتحاد الديمقراطي، إلى خيارات تضعهم في عين العاصفة؟

من المرجح أن الحزب الكردي الذي يعمل تحت المظلة الأوجالانية، ويحرص على خلوِّ اسمه وأسماء المنظمات المتفرعة عنه من صفة «الكردي/الكردية»، ويستلهم من زعيمه الأسير في تركيا فكرة «الأمة الديمقراطية» العابرة للاثنيات والثقافات، يعرف تماماً أن إعلان الفيدرالية سيضعه في مواجهة مع الجميع، دولاً إقليمية ودولية، ومكونات اجتماعية سورية، ونظاماً ومعارضة في سوريا، بل كذلك مع قوى سياسية كردية سورية تناصبه العداء (المجلس الوطني الكردي المشارك في الائتلاف السوري المعارض). وهذا مما يرجح التفسير القائل بأن إعلان الفيدرالية لا يعدو كونه ابتزازاً سياسياً وورقة للمساومة، بهدف إشراك «الاتحاد الديمقراطي» في مفاوضات جنيف، أو في أي ترتيبات محتملة لمستقبل الكيان السوري، ممثلاً عن المكون الكردي. وهذا المطلب يتمتع، كما نعرف، بـ»شعبية» واسعة لدى الروس والأمريكيين والأوروبيين والنظام الكيماوي معاً، كل لأهداف تخصه.

الفترة القادمة ستحكم على هذه القفزة في المجهول: هل سيؤتي الابتزاز أكله فيصبح الاتحاد الديمقراطي طرفاً ثالثاً على طاولة المفاوضات حول مصير سوريا، أم أن خلط الأوراق وتغيير التحالفات الذي نتج عن إعلان الرميلان هو عملية غير قابلة للعكس، ستؤدي إلى عزل الاتحاد الديمقراطي وحرمانه من ثمرات الابتزاز؟

والآن ماذا بشأن تطلع كرد سوريا إلى وضع دستوري أكثر عدالة، من وجهة نظرهم، من التهميش السياسي ـ الثقافي ـ الاجتماعي الذي عاشوه طوال عمر الكيان السوري، وذلك بصرف النظر عن الحسابات السياسية لحزب الاتحاد الديمقراطي؟

كان من حسنات إعلان الرميلان أنه وضع المسألة الكردية برمتها على طاولة النقاش الجدي، للمرة الأولى في التاريخ السياسي لسوريا. وعلى رغم أنه من الصعوبة بمكان عزل الموضوع عن الممارسات السياسية لحزب الاتحاد الديمقراطي (وتتضمن هذه، فيما تتضمن، حكم دكتاتوري عسكري أحادي في مناطق سيطرة الحزب، واجتياح عسكري لمناطق عربية مجاورة، وتهجيراً قسرياً لسكان قرى عربية، وتحالفاً مع روسيا إبان حربها على الشعب السوري، وتبادل مصالح مع نظام دمشق المجرم…) فمن الحصافة الوطنية استثمار هذه الفرصة في نقاش جدي يبتعد عن التشنج والعداء والاستعداء، ويركز على جوهر المشكلة: هل يمكن للكرد أن يفرضوا نموذج النظام الفيدرالي من طرف واحد؟ وهل يمكن للعرب السوريين أن يرغموا الكرد على العيش في دولة مركزية واحدة؟ أليس الخيار البديل، في الحالتين هو الحرب الأهلية؟ وكيف يتسق زعم المعارضة أنها تعمل على إسقاط النظام للانتقال إلى نظام ديمقراطي، مع خيار قسر جماعة قومية كاملة على «العيش معاً» بقوة السلاح؟

الحلم الكردي بالاستقلال ليس وهماً إيديولوجياً، بل هو رد طبيعي على تهميش مستمر لم ينقطع، وعلى حرب مفتوحة عليهم لم تتوقف، طوال قرن. هناك صعود مطرد في الوعي الذاتي للكرد كجماعة متمايزة، لا يمكن مواجهته بدعاوى ساذجة من نوع أن الحل هو في «دولة ديمقراطية قائمة على المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات بصرف النظر عن العرق والدين والجنس». لقد تجاوز التاريخ الواقعي حلولاً طوباوية من هذا النوع. ما كان ممكناً في زمن مضى لم يعد كذلك اليوم، في وقت نشهد فيه أمام أعيننا نهاية الكيان السوري.

٭ كاتب سوري

======================

بانتظار سوريا الجديدة… ماذا عن الألغام الموقوتة؟ .. بدر الدين عرودكي

القدس العربي

الخميس 24/3/2016

منذ أقدم العصور وحتى بدايات القرن الماضي، وباستثناء قرن شَغَلَهُ الأمويون لم يكتمل، خلال تاريخها الطويل (661 ـ 750)، لم تكن سوريا، أو بلاد الشام، إلا ممالك عديدة مستقلة على غرار أوغاريت، وماري، وإيبلا، وأفاميا، كانت تغطي مساحتها أو تتوالى عليها. تقوم بينها الحروب تارة، وتجري بينها المبادلات الاقتصادية تارة أخرى. أو ولاية من ولايات الإمبراطورية الرومانية/البيزنطية حتى الفتح العربي عام 638، ثم الإمبراطوريات التي توالت على الأمويين حتى نهاية الإمبراطورية العثمانية.

ومع ذلك، كان من المفارقات التي عاشتها أجيال عديدة من السوريين طوال السنوات المائة الأخيرة أنهم لم يقبلوا، بوصفهم أبناء بلاد الشام التاريخية، حصْرَ سايكس بيكو لهم ضمن حدود سوريا المعروفة اليوم، فحاولوا بشتى الوسائل، عبثاً، انتهاز الفرص لكسرها بصورة أو بأخرى، وأن هذه الأجيال ذاتها، عمدت، منذ أن ثار السوريون ضد نظام غير مسبوق في تاريخ المنطقة، إلى التمسّك بهذه الحدود بوصفها مرجعية تاريخية لا يمكن المسُّ أو العبث بها ولاسيما منذ أن طفقت القوى الإقليمية أو الدولية تتحدث عن التقسيم ثم، أخيراً، عن الفدرالية!

وعلى أن روابط الوطنية السورية نُسِجَت طوال سنوات النضال ضد الانتداب الفرنسي، واستطاع بفضلها السوريون أن يقاوموا خلالها محاولات ممثلي الدولة المنتدّبة تقسيم البلد إلى دويلات يسهل حكمها وأن ينجزوا استقلالاً كامل الأوصاف لا تعتوره ما اعتور استقلال بلدان عربية أخرى في المشرق وفي المغرب من ذيول الوجود الاستعماري في صورة معاهدات ملزمة أو قواعد عسكرية، وعلى أنهم باشروا بفضل هذه الروابط على وجه الدقة بناء «الدولة السورية المستقلة»، إلا أنهم واجهوا، ما إن مضت ثلاث سنوات على الاستقلال وولادة الدولة الغضّة، إعلان دولة إسرائيل ثم أول انقلاب عسكري في العالم العربي يقوم به ضابط سوري ويدشِّن به سلسلة الانقلابات العسكرية التي عرفتها مصر ثم العراق وليبيا واليمن. انقلابات سوف توطد لعشرات السنين استبداداً منتظماً بلغ ذروته القصوى مع الانقلاب الأسدي عام 1970، الذي سيؤسس نظاماً فريداً لا في استبداده أو في شموليته فحسب، بل كذلك وخصوصاً في علاقة غير مسبوقة من العبودية المطلقة أقامها بينه وبين السوريين على اختلاف انتماءاتهم الإثنية والدينية والاجتماعية. وهي عبودية حاول ترسيخ استحالة الخروج منها في لاوعي السوريين زمنياً حين أبَّدَ شخص مؤسس النظام قولاً وتفعيله نظام التوريث «الجمهوري» فعلاً.

لم يُتح الوقت إذن للسوريين كي يقيموا الدولة التي تطلعوا خلال فترة الانتداب إلى بنائها. وكانت السنوات الثلاثون التي تلت الاستقلال، والتي تناوب خلالها العسكر على حكم سوريا، كافية للقضاء لا على هذا الحلم فحسب بل على الطبقة السياسية التي حلمت به كلها. وهو ما أتاح لحافظ الأسد أن يبني ما يُسمى اليوم «دولة» على صورته وللغاية التي نذر نفسه لها: الاستملاك الكامل لبلد وشعب.

تضمنت هذه «الدولة» كل ما واجهته الثورة السورية منذ يومها الأول وما سوف تواجهه عند انتصارها تمهيداً لإعادة بناء دولة أخرى، سوريا الجديدة، تقوم على عقد اجتماعي جديد ينسف جذور «الدولة» الأسدية شكلاً ومضموناً، وتعيد السياسة إلى مكانها الطبيعي في الحياة العامة وفي مؤسساتها.

ليست القوانين العامة الناظمة لحياة المواطنين هي أهمُّ ما تجب إعادة النظر فيها فحسب، من القانون المدني الذي هو نسخة مترجمة عن القانون المدني الفرنسي فرضه بين ليلة وضحاها الانقلابي الأول حسني الزعيم، بعد أن حذف منه كل ما يتعلق بالأحوال الشخصية التي وضع لها قانوناً خاصاً مستمداً من الشريعة الإسلامية، إلى قانون العقوبات، فضلاً عن القوانين الناظمة للمحاكم العادية والاستثنائية. إلا أن هناك أيضاً ما خلفته هذه «الدولة» من خراب وعاهات سياسية وإدارية واجتماعية واقتصادية لا في التنظيم السياسي (في مجال فصل السلطات بوجه خاص) أو في «علمانية» الدولة المزعومة المفترض قيامها على الفصل بين الدين والدولة، أو التنظيمات المؤسساتية ذات الطبيعة الإدارية والاقتصادية والمناطقية، أو مفهوم الأمن ودور الأجهزة الأمنية في جمهورية ديمقراطية فحسب، بل كذلك على صعيد المفاهيم الأولى التي تقتضيها هذه التنظيمات في الحياة المدنية الطبيعية: المواطنة، والحقوق والواجبات، والخدمات العامة، والتعليم والإدارة حتى في أبسط تجلياتها: العلاقة بين المسؤول والمواطن.

من ذلك كله يبرز مفهوم المواطنة أساساً جوهرياً.

ليست سوريا بلداً استثنائياً بين البلدان في تركيب سكانها الفسيفسائي التاريخي، إثنياً أو دينياً أو طائفياً. لكن الممارسة البعثية ـ الأسدية العمياء عملت على مسح كل هذه الألوان. ولم يكن بوسع سلطة قررت استملاك الأبدية في سوريا أن تعترف بأي واقع غير واقعها وبأي سلطة أخرى غير سلطتها الخاصة. سُحِقَ الفرد السوري قولاً وفعلاً: فهو لا يملك أياً من حقوق المواطن العادي ولا حتى أن يطالب بأيٍّ حق منها. يمكن له أن يتمتع ببعضها، وتحت رقابة شديدة على كل حال، إذا اختار العبودية الكاملة، وأعلن عنها بصورة أو بأخرى، دون أن يعني ذلك حقاً مكتسباً بل مِنَّة من سادته يمكن أن يُحرَمَ منها في كل لحظة.

ولا يقل واقع الجماعات سوءاً عن واقع الفرد في الحقوق الطبيعية أو المكتسبة. فالأكراد الذين يؤلفون نسبة 10٪ من سكان سوريا أرغموا اعتباراً من عام 1965، في إطار مشروع الحزام العربي، على الهجرة من قراهم ومساكنهم في منطقة الجزيرة. وكان هناك ما لا يقل ُّعن ثلاثمائة ألف مواطن كردي لا يحملون الجنسية السورية التي حرموا منها طوال عشرات السنين وقرر بشار الأسد في بداية الثورة، فجأة، تجنيسهم في محاولة منه لكسبهم والحيلولة بينهم وبين الوقوف ضمن صفوف الثورة.

لكن المشاعر الطائفية الكامنة طوال السنوات الأربعين الماضية والتي عمل النظام الأسدي على تأجيجها ما إن بدأت مواجهته العنيفة لمطالب الثورة في عام 2011 هي التي كانت وراء طروحات ما أطلق عليه بعد فقدانه السيطرة على ثلثي الأراضي السورية «سوريا المفيدة» وأدت إلى أن تطرح في المداولات تارة فكرة تقسيم سوريا وتارة فكرة النظام الفيدرالي الذي بدأ الإلحاح عليه منذ التدخل الروسي المباشر في نهاية أيلول الماضي ومع اقتراب تنظيم مفاوضات الحل السياسي في جنيف الذي أخذت روسيا والولايات المتحدة على عاتقهما رعايته والإشراف عليه.

لا يتخذ أيٌّ من الراعيين للمفاوضات موقفاً واضحاً وصريحاً من مسألة وحدة سوريا. ومجرد استدعاء التقسيم أو الفيدرالية على لسان مسؤوليهما كإمكانية يعني أن أحداً منهما لن يقف في وجهها إذا ما تمت ضمن إطار الحل السياسي الذي عملا على صياغة خطوطه العريضة. غير أن ذلك لا يعني أن هاتين الصيغتين لن تستخدما على مائدة المزاودات السياسية من قبل الأطراف ذات المصلحة، لا بل والذهاب بعيداً في استغلال ما يمكن أن يعتبر ظروفاً ملائمة من أجل إطلاق مبادرات من طرف واحد كما فعلت مجموعات من الأكراد في شمال سوريا، حين أعلنت مؤخراً، يوم الخميس 17 آذار، عن إنشائها نظاماً فدرالياً أطلقت عليه اسم «الاتحاد الفيدرالي الديمقراطي لروج آفا- شمال سوريا».

على هذا النحو، تواجه الثورة اليوم، وقبل أن تنجز أول أهدافها المتمثل في إسقاط النظام الأسدي، عواقب المشكلات التي ثابر هذا النظام، وقد حاول استملاك الأرض والبشر، على رعايتها أو على مواجهتها بما يكفل تحويلها إلى عاهات بل وإلى معضلات سوف يترتب على أية هيئة حكم انتقالي وضع برامج حلول ضرورية عاجلة يوافق عليها من خلال عملية ديمقراطية شفافة كافة السوريين.

======================

موقفنا : ديمستورا : إطار غير معياري لتكريس واقع مظلم .. النقاط الاثنتي عشرة نماذج لما حضر ولما غاب .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

 26/3/2016

سارع ممثلو ما يسمى (المعارضة السورية ) إلى الترحيب بنقاط ديمستورا بنقاطه الاثنتي عشرة . إن السرعة التي استجاب بها هؤلاء اللمثلون لما سمي إطار ديمستورا ، ما خلا ملاحظتين ، تدلل على أن الموقف كان انفعاليا ، مرتجلا لم يأخذ حظه من الدراسة والتمحيص . في عالم السياسة والدبلوماسية ينبغي دائما التنقيب عما وراء الألفاظ والعناوين . بحق كان وفد بشار الأسد أكثر مهنية وريثا ، عندما أمسك عن الجواب ، وأخذ نفسا عميقا وقال : ندرس ونعود . لا عيب في عالم السياسة وفي غيره أن يتعلم المرء من أعدائه وخصومه على السواء .

إن الوقوف المباشر مع ( إطار ديمستورا ) في نقاطه الاثنتي عشرة ما حضر منها وما غاب ، يجعلنا ندرك أن ما يريده المجتمع الدولي للشعب السوري هو أن يبقى أسيرا في إطار الحكم الفاسد المستبد الذي حكمه خلال نصف قرن فهمشه ثم هشّمه .

إن أول ما نلحظه على إطار ديمستورا في نقاطه الاثنتي عشرة هو أنه إطار ضبابي غير معياري ، وغير قابل للقياس ، يكتنفه الغموض ، ويقبل كل تفسير يريده في وقته المفسرون . قد يقال إن ديمستورا رجل دبلوماسي يستخدم مهاراته لجعل فريقين متناقضين يقبلان الاستمرار في لعبة الحوار ؛ ولكن التاريخ الدبلوماسي يعلمنا أن كل النصوص من هذا النوع إنما تفسر في لحظة الحقيقية لخدمة الأقوياء ، أو لإقامة الحجة على الضعفاء ..

سنكتفي في هذا السياق بالتوقف عند ثلاث نقاط لم يكن لممثلي المعارضة أن يناموا عنها كأنموذج للكثير الذي يمكن ان يقال في إطار ديمستورا المغلف بغلالة من الضباب..

لقد جعل ديمستورا مدخل إطاره التوافقي ( تأكيد جميع الأطراف على أن التسوية السياسية هي الطريق الوحيدة لتحقيق السلام ..)

هل نحتاج إلى بيان الفرق بين الحل السياسي والتسوية السياسية ؟! هل نحتاج إلى بيان الفرق بين سعي الشعب السوري إلى نيل الحرية والعدل وبين سعي ديمستورا إلى ( تحقيق السلام ) ولو كان قائما على العسف والظلم والاستبداد والفساد ؟!

ثم من هم أو من هي هذه الأطراف التي أكدت لديمستورا إيمانها بالتسوية السياسية كطريق لتحقيق السلام ؟!

طرف ( أول ) مخادع مناور مستقل معترف به رسميا يتمتع بكل أشكال الاستقلالية والمركزية . وطرف (ثان) ما يزال وجوده وتشكيله موضع أخذ ورد . وما تزال القوى الدولية والإقليمية تنتقصه من أطرافه ، وتغمزه وتلمزه وتراوده على قراره عند كل منعطف.

وفي حين يتضمن هذا المدخل الخطير اعتراف الطرف الثاني بالطرف الأول (الظالم المستبد القاتل المدمر) ، فإن الطرف الأول ما يزال ينظر إلى الطرف الثاني على أنه مجموعة من ( الإرهابيين ) و ( الخون ) و يصفهم ( بمعارضة الرياض ) على مرأى ومسمع من ديمستورا ومن جاء به ...

لقد فات ممثلو الشعب السوري أن يؤكدوا أن (الحل السياسي ) وليس التسوية السياسية هو الذي يؤمنون به ويسعون إليه . وأن يؤكدوا أن الحل السياسي الذي يؤمنون به ويدعون إليه هو (الحل السياسي المجتمعي ) ، الذي يتمثل في عقد اجتماعي جديد يعبر عن إرادة أبناء المجتمع المدني الموحد، هذا المجتمع الذي سحقه بشار الأسد ، وأنكر وجوده في تصريح له رسمي ، قبل هذه الثورة المباركة ببضعة أعوام .

إن الإيمان بالحل السياسي لا يعني أبدا الاعتراف بالمجرم الطاغية القاتل ، وزمرته ، وهذا ما فات من ملاحظة السادة الممثلين .

ثم عندما يقرر إطار ديمستورا أن جميع الأطراف أن الأطراف ( تتبنى مبدأ سيادة الدولة السورية واستقلالها وسلامة أراضيها ..) سيبدو من السذاجة بمكان اعتبار هذه النقطة نقطة اتفاق في إطار الأمر القائم في سورية هذه الأيام ...

فعلى مدى خمس سنوات من الصراع ، ما زال المجتمع الدولي يضع أمر سيادة سورية بيد ( بشار الأسد ) !!. وبشار الأسد باسم السيادة المغتصبة والمنتهكة استجلب الغزاة ، وتاجر بالوطن والإنسان ، وعقد الصفقات ، وقتل ودمر وأباد وهجر . ولذا فإن إقرارنا بسيادة سورية ، وكذا باستقلال سورية ، لا يجوز أن يغفل أو أن يتغافل عن هذا التوضيح وهذا البيان. فسورية منذ خمس سنوات دولة منتهكة السيادة ، فاقدة الاستقلال ترزح تحت نير مغتصب للشرعية ، يجثم على أرضها وعلى صدر شعبها ألوان من الاحتلال منه الروسي ومنه الإيراني ومنه الداعشي الذي استجلبه الطاغية ومنه الفصائل العنصرية التي دعمها المحتلون فكانت احتلالا مدعوما من احتلال . . إن الإشارة إلى كل هذا الحقائق لا يمكن أن يجعلنا نقر أن (سيادة سورية) في إطار ما هو قائم عنوان مشترك . سيادة سورية هي مطلبنا نحن أن تتجسد هذا السيادة تجسيدا شرعيا في أصحابها وليس في منتهكيها ..

و ثالثا لعله من المضحك المبكي أن يصف إطار ديمستورا سورية بكلام قابل لكل تفسير ( سورية ( دولة ديمقراطية غير طائفية ) ومتى كانت سورية دولة طائفية أو غير ديمقراطية سيقول الأسد ومشايعوه ؟! . وما هو المعيار العملي للحكم على الدولة بأنها ديمقراطية أو غيرطائفية وها هو بشار الأسد يحضر تحت سمع المجتمع الدولي ( لانتخابات ديموقراطية ) في مجتمع نصف سكانه من المهجرين ..

 ما هو المعيار العملي لوصف الدولة بأنها غير طائفية ، هل هي عراق بريمر أو عراق المالكي ؟ ! أو هي دولة الحشد الشعبي الذي ما زالت قوى الشر في العالم ترعاها ،أو لعلها دولة ( وحدات حماية الشعب ) المدعومة أمريكيا وروسيا وأسديا التي ما تزال تتمدد على عين...

هل الدولة التي تكون جميع مفاصل القوة الحقيقية فيها الأمن والجيش والسياسة والإعلام والاقتصاد بيد أبناء طائفة واحدة وإن كانت نسبتها العددية 7% من السكان هي دولة طائفية ..؟! وكيف سكت المجتمع الدولي على مثل هذه الدولة في سورية على مدى نصف القرن ؟!

سيرد ديمستورا وفريقه والمتجحفلون معه والممسكون بزناره على هذا الكلام بأنه طائفي . وأن المحاصصة الطائفية مرفوضة ، لأن من الطائفية أن تسأل الأكثرية عن حقوقها ، وليس من الطائفية أن تستفرغ الأقلية السلطة والثروة والفرصة في أي مجتمع من المجتمعات ...

كلام مدمر ومخيف ، يهلل له ممثلون أغرار لا يميزون بين ظاهره وباطنه، فيفرطون ويضيعون من حيث لا يعلمون . 

لا يمكننا أن نطيل أكثر في الإطار الرعيب الذي عرضه ديمستورا والذي قبله عديمو البدائل على كره منهم هذا مع حسن الظن . ولكن إن نفتح باب ما غاب عن بنود هذا الإطار المائع فسنفتقد في رأس ما نفتقد حديثا عن العدل الذي يحفظ حقوق ملايين المنتهكين والمنتهكات والشهداء والمعذبين والمعتقلين والمشردين على مدى نصف قرن من حكم القاتل المبير ,,

أن يقتل العدل وتبقى الجريمة بلا عقاب هذا الذي سيجعل الثورة مستمرة أو سيحضر لثورة جيل جديد لا أحد يدري متى ولا كيف ولا أين ..

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

 =======================

بوتين يعيد قراءة الأزمة السورية .. غازي دحمان

الحياة

الخميس 24/3/2016

لم يتوقّع أي من المراقبين أن يعلن الرئيس الروسي فجأة قرار الانسحاب من سورية، حتى الأميركيون الذين يتميزون عن الآخرين بامتلاك شبكة ضخمة من مراكز الرصد والمتابعة والتقدير، بدا أنّهم متفاجئون بهذا القرار ولم يجدوا غير التشكيك فيه وسيلة لمواجهة الصدمة.

لكن في الغالب، فإن القرار ليس وليد لحظة ولا نتيجة ردة فعل عاطفية بل هو نتيجة قراءة معطيات كثيرة لدى صانع القرار الروسي، من ضمنها الوضع الميداني وقناعة القيادة الروسية التي اختبرت قوات بشار الأسد وحلفائه باستحالة استمرار الحفاظ على الأرض التي كسبوها، ومن ضمنها أيضاً الانعكاسات على الاقتصاد الروسي الذي لم يعد خافياً مدى تأثره نتيجة الانخراط المباشر في الحرب السورية، ومن الأسباب كذلك التوتر الإقليمي الذي يقترب من حافة الانفجار في وجه بوتين، وأيضاً التشبيك الحاصل في العلاقات مع أميركا والدول الأوروبية وإنهاء حالة العزلة الروسية في أوروبا إلى حد ما وقناعة الروس بأن كل ذلك من شأنه أن يتحطم في حال الاستمرار في الحرب.

ليس بعيداً من ذلك بداية تبلور موقف أوروبي حازم من السياسات الروسية وهو موقف مهم من شأن تطويره أن يأخذ ترجمات عديدة كلها قد تربك بوتين وخططه في وضع روسيا في مكانة عالمية مهمّة، وهو العامل الذي شكّل أحد أهم محركات التدخل الروسي في سورية.

غير أن ما يبدو سبباً مباشراً لاتخاذ بوتين هذا القرار فهو نابع من قناعته أن خريطة الأزمة السورية تاهت من بين يديه وإدراكه فشل النموذج الذي صمّمه للتعاطي مع الأزمة، أو على الأقل انتهاء مفاعيله، فالرجل الذي دخل ميدان الأزمة ولديه مقاربة واحدة تفضي إلى نهاية واحدة، وتقوم على استخدام موجات النار لإخضاع الجميع لرؤيته، اكتشف أن الأزمة أعقد من هذا الإجراء التبسيطي الذي يصلح أكثر لألعاب الكمبيوتر منه على واقع معقد بتفاصيل وتشعبات كثيرة، هي أزمة تولّد لموجات من الديناميات والتداعيات، وكلّما جرى رتقها من جهة تفتّقت من جهات أخرى، وأزمة مفتوحة على كل الاحتمالات.

ولعل ما هو أهم من تحليل سبب انسحاب روسيا توقّع التداعيات التي سينتجها هذا الانسحاب، فهل ستنهار الهدنة التي رعتها روسيا بين النظام وفصائل الثوار؟ وهل سيحاول نظام الأسد تسخين الأوضاع الميدانية ليضغط على بوتين ويدفعه إلى التراجع عن قراره؟ ما هو موقع إيران وأذرعها في القرار الروسي؟ وما هو موقفها منه؟ وهل سيتراجع تدخلها أيضاً نتيجة فقدان الغطاء الجوي الروسي، وبخاصة بعد الانتشار الواسع لأذرعها على جبهات القتال بالاعتماد على المساندة الجوية لروسيا؟

ماذا أيضاً عن البنية العسكرية لنظام الأسد والتي قامت روسيا بإجراء تعديلات معينة عليها، بعضها حقق انفصالاً فعلياً عن المنظومة العسكرية لنظام الأسد ولإيران وصار تنسيقه بشكل كامل مع قاعدة حميميم، مثل الكتائب التي يقودها العقيد سهيل الحسن، وبعضها دفعته روسيا إلى تغيير نمط مهماته من العمل على الحواجز في المدن إلى المهمات القتالية المباشرة، مثل قوات الدفاع الوطني التي شاركت في استعادة بعض المناطق في ريف اللاذقية. وبالإجمال، فإن الحضور الروسي وإشرافه على مسرح العمليات العسكرية كانت له ترتيبات فرضتها طبيعة العمل وكان من نتيجتها حصول فراغات في التنسيق بين الرأس الذي يقوده نظام الأسد وأجهزته الأمنية وبين القواعد العسكرية المنتشرة على أكثر من عشر جبهات وفي احتكاك مباشر مع الخصم وتعوّدت على نمط سهل من القتال يرتكز على المساندة الجوية للطائرات الروسية.

ماذا عن تقاسم المعلومات الاستخبارية والغرف التي تم إنشاؤها لهذا الغرض في بغداد وحميميم، وعن منظومات الأسلحة الحديثة التي ورّدتها روسيا حديثاً إلى حليفها نظام الأسد؟ هل سيتم سحبها من أرض المعركة مع أن طواقم قوات الأسد لا تزال في طور التدرّب عليها وبعضها أسلحة فردية موجهة ضد الأفراد والآليات الصغيرة، وهو ما كانت إسرائيل قد حذرت موسكو من إمكان انتقاله إلى «حزب الله»؟

الانسحاب الروسي في هذا التوقيت وعلى هذا الشكل يترك الباب مفتوحاً أمام احتمالات وتداعيات كثيرة، كما أنه ينذر بتغيير ديناميكيات الصراع، ليس بين الأطراف التقليديين ولكن داخل جبهة الأسد وحليفته إيران، وخصوصاً مع سحب طهران جزءاً من مستشاريها معتمدة على إدارة روسيا وسيطرتها على مسرح العمليات. ثم هل ينتج هذا الانسحاب المفاجئ ظهور تيارات داخل منظومة الأسد بعضها متشدّد ويدعو إلى استمرار الصراع بأي طريقة وثمن، وبعضها واقعي يدعو إلى الاستفادة من فرصة السلام قبل زوال الغطاء السياسي الروسي؟

الأكيد أن هذا القرار سيخلق دينامية جديدة داخل سورية ستظهر نتائجها في المستقبل القريب.

======================

ضابط الاستخبارات السورية و «داعش» .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 24/3/2016

المسؤول الأمني السوري الذي يدير «داعش»، أو على الأقل جناحاً رئيساً فيه، ناجح في مهمته ويستحق ربما ترقية ومكافأة. فهو تمكن دوماً من اختيار التوقيت الملائم للتفجيرات والاعتداءات الدموية التي يشنها التنظيم، وخصوصاً في أوروبا، لتشكل رداً مباشراً على مواقف وإجراءات لا ترضي تحالف «الممانعة» الذي باتت روسيا عضواً فاعلاً فيه، أو لتخفف الضغوط عن نظام بشار الأسد.

وهذا الأسلوب نفسه يستخدمه التنظيم في «الداخل الإسلامي»، وخصوصاً في سورية، سواء ضد المدنيين أو فصائل المعارضة المعتدلة، في مسار لا يستهدف إلا نادراً القوات النظامية التي تتولى تأمين حاجات «داعش» المالية والتسلحية، عبر انسحابات متكررة تقوم بها، مخلية مواقعها، لا سيما القريبة من حقول النفط، للتنظيم المتطرف.

وكان آخر «نجاحات» ضابط الاستخبارات السوري المسؤول عن ملف «دولة الخلافة»، الاعتداءات التي شهدتها العاصمة البلجيكية الثلثاء، بعد تلك التي طاولت باريس قبل نحو خمسة أشهر واستهدفت «تأديب» فرنسا بسبب إصرارها على رحيل الأسد، ودفعها إلى تغيير أولويات سياستها الخارجية، وهو ما حصل تقريباً.

فمع وصول مؤتمر «جنيف 3» المنعقد حالياً إلى ملامسة «عقدة الأسد»، وشبه الإجماع الإقليمي والدولي على ضرورة بدء المرحلة الانتقالية التي تعني البت في مصير الرئيس السوري، وتصاعد الضغوط الدولية على موسكو لتواصل التزامها مبدأ التوصل الى تسوية معقولة تشمل تنازلات متبادلة، والمقاربة الناضجة والجدية التي تطبع مواقف وفد المعارضة الى المفاوضات، وضعت كلها النظام السوري في موقف حرج جعله يطلب تأجيل المؤتمر، بل يعتبره بحكم المنتهي. وكان لا بد من ان يحصل «أمر ما» يحرف الأنظار والأضواء عن الاستحقاق المقترب، ويعزز إدعاء النظام باعتبار نفسه «شريكاً» في مكافحة الإرهاب لا بد من الحفاظ عليه والتعاون معه.

وقعت الاعتداءات ايضاً عشية وصول وزير الخارجية الأميركي كيري إلى موسكو في زيارة هدفها إقناع روسيا بممارسة مزيد من الضغط على حليفها لالتزام مبادئ بيان جنيف ومواصلة المفاوضات، لتزكّي الموقف الروسي القائل بـ «أولوية محاربة الإرهاب» بدلاً من الغرق في تفاصيل ترتيب البيت السوري.

وفي رأي الضابط السوري، كان لا بد من «معاقبة» أوروبا ورمزها بروكسيل، مقر الاتحاد، بسبب اتفاقها مع تركيا الذي نزع مبدئياً فتيل أخطر أزمة هدّدت الوحدة الأوروبية، وأجهض محاولات روسيا للمقايضة بين ملف اللاجئين السوريين وبين العقوبات عليها نتيجة تدخلها في أوكرانيا.

المعلومات التي يملكها «داعش» عن الثغرات الأمنية في بلجيكا تؤكد أن مشغّليه يحصلون عليها من أجهزة منظمة ومحترفة تدرك النقص الفادح في عمل الاستخبارات البلجيكية التي لا يتجاوز عدد عناصرها 600 شخص، وتعلم أنه ليس بين الأقاليم الثلاثة في البلاد تنسيق أمني كبير، ولا بينها وبين الدول الأوروبية الأخرى، ما يجعلها بيئة مثالية لاحتضان خلاياه.

وفي حال لجأت السلطات البلجيكية، مثلما هو متوقع، إلى حملة أمنية واسعة تطاول مناطق في بروكسيل ذات غالبية سكانية من أصول عربية، فسيسهل ذلك مهمة التنظيم في تجنيد المزيد من «البلجيكيين» الذين يشكلون العدد الأكبر بين مقاتلي «داعش» في سورية والعراق.

لكن أوروبا التي ارتضت حصر علاقتها بالأزمة السورية بمسألة وقف تدفق اللاجئين إلى أراضيها، متذرعة بأن الملف السياسي بات في عهدة الثنائي الأميركي - الروسي، إنما تعالج عبر تشديد إجراءاتها الأمنية، على رغم ضرورته، نتائج وجود «داعش» وليس أسبابه، متخلية عن دورها في مواجهة من يقف وراءه ومن يوفر له وسائل توجيه ضرباته.

======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com