العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 26-10-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

كوباني التي قلبت معادلات راسخة .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 23-10-2014

تتحدث مصادر غربية عن وجود عناصر من شركة بلاك ووتر («أكاديميا» باسمها الجديد) الأمريكية سيئة الصيت، في كوباني التي تدور فيها حرب شوارع بين قوات حماية الشعب ومقاتلين من الجيش الحر من جهة، ومقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من جهة أخرى. وتضيف تلك المعلومات أن تلك العناصر تقوم بتدريب القوات المدافعة عن كوباني على السلاح الأمريكي، وبمهمات استخبارية تتعلق بتزويد المقاتلات الأمريكية بإحداثيات مواقع داعش على الأرض.

يضاف هذا التطور، إذا صحت المعلومات المذكورة، إلى إعلان الإدارة الأمريكية بصراحة عن وجود اتصالات سياسية بينها وبين حزب الاتحاد الديموقراطي (PYD) الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، وعن الاتفاق مع أنقرة على فتح كوريدور لمرور مقاتلي «البيشمركة السوريين» الذين تم تدريبهم، خلال السنوات الماضية، في إقليم كردستان تحت إشراف بيشمركة بارزاني، إلى كوباني عبر الأراضي التركية؛ فضلاً عن وصول أسلحة وذخائر أمريكية، مصدرها اقليم كردستان، إلى كوباني على متن الطائرات الأمريكية التي ألقتها بالمظلات فوق البلدة الكردية.. ليرسم لنا مجموع هذه التطورات مشهداً ما كان يمكن تخيله قبل أيام قليلة.

لقد حقق الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني الاختراق الدبلوماسي الصعب الذي طالما حلم به مع الولايات المتحدة، هو الذي كان منبوذاً بوصفه على صلة وثيقة بمنظمة على قائمة الإرهاب الأمريكية والقوائم المماثلة لدى الحكومات الأوروبية، أعني حزب العمال الكردستاني (تركيا) الذي يقبع زعيمه في سجن معزول على جزيرة في عرض البحر.

من جهة أخرى، تكللت اجتماعات مدينة دهوك التي جمعت الخصمين اللدودين، حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي في سوريا المدعوم من بارزاني، تحت رعاية هذا الأخير، باتفاقات تسرب منها تشكيل قوة عسكرية مشتركة من التيارين المتخاصمين في الحركة السياسية الكردية في سوريا. الأمر الذي سيسمح، للمرة الأولى، بإدخال عناصر البيشمركة الكرد السوريين إلى كوباني المحاصرة أولاً، لمساندة قوات حماية الشعب المدافعة عن المدينة. وبهذا الصدد وافقت الحكومة التركية، بعد تمنع طويل، على فتح الكوريدور لدخول التعزيزات الكردية من إقليم كردستان شمال العراق إلى كوباني عبر الأراضي التركية. هذا ما كانه مطلب المحتجين الكرد الذين أطلقوا موجة عنيفة من الاحتجاجات في عدد من المدن التركية، قبل أسبوعين، ولم تستجب الحكومة لمطالبهم، بل واجهتهم بتصعيد في العنف والخطاب المتشدد معاً.

لكن تدخل الرئيس الأمريكي باراك أوباما، من خلال اتصال هاتفي مع الرئيس التركي أردوغان يوم الأحد، دفع هذا الأخير إلى المرونة والقبول بما كان رفضه تحت ضغط الشارع الكردي في الداخل.

ربما للتغطية على هذا التراجع الاضطراري، عاد الرئيس التركي إلى تصعيد انتقاداته للولايات المتحدة حول إيصال السلاح والذخيرة إلى القوات الكردية المدافعة عن كوباني. فهذا النقد المتأخر عن الفعل الأمريكي لن يغير شيئاً.

وفي مواجهة الاحتجاجات الكردية المذكورة أعلاه، كانت الحكومة التركية قد لجأت إلى عبد الله أوجلان الذي وحده يملك سلطة معنوية قوية على الشارع الكردي من شأنها المساهمة في تهدئة الوضع. وهذا ما حدث، بناء على وعود من الحكومة بتسريع الخطوات في مسار مفاوضات الحل السياسي السلمي بين الجانبين الحكومي والكردي. حكومة داوود أوغلو المحاصرة بضغوط أمريكية كبيرة جداً لدفعها إلى المساهمة الفعالة في الحرب على داعش، في إطار التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن، ما كان لها أن تتحمل انفجار الشارع الكردي في وجهها بسبب سياستها السلبية تجاه مأساة كوباني. وهكذا جمع رئيس الوزراء داوود أوغلو لجنة الحكماء المشكلة منذ بداية الحل السياسي، في مقره في قصر دولمة بهتشة في اسطنبول، لتبادل الرأي حول التحديات التي تواجه الحكومة والحل السلمي معاً. استمر الاجتماع 11 ساعة كاملة تحدث خلالها كل أعضاء لجنة الحكماء المؤلفة من أكاديميين وكتاب وصحافيين وفنانين ومثقفين من مختلف المشارب. وكان الميل العام، وفقاً لشخصيات شاركت في الاجتماع، هو نحو التهدئة في الداخل وتحكيم العقل بدلاً من العواطف، والتمسك بالحل السلمي. وهذا ما تقاطع أيضاً مع الرسالة الأسبوعية التي يوجهها أوجلان من سجنه إلى الرأي العام.

تبدو الحصائل، إلى الآن، لمصلحة اللاعب الكردي عبر الاقليم، سواء التيار البارزاني في العراق وسوريا أو التيار الأوجالاني في تركيا وسوريا. وربما هذا ما سهَّل الاتفاق بينهما بعد مباحثات طويلة ومضنية في دهوك، شارك فيها مستشارون أمريكيون من مجلس الأمن القومي. حتى نظام الأسد الكيماوي لم يشأ أن يفوت الفرصة، فصرح وزير إعلامه بأن نظامه لم يتخلّ عن عين العرب وزعم أنه قدم لهم مساعدات عسكرية، في محاولة جديدة لمغازلة الأمريكان بالقول إنهما في صف واحد في محاربة داعش.

تبدو تركيا، بالمقابل، الخاسر الأكبر أمام حجم التحديات غير المسبوقة في الداخل والخارج. والحال أنه يمكنها تحويل هذا الوضع إلى فرصة إيجابية إذا مضت قدماً، كما وعد داوود أوغلو لجنة الحكماء، في مسار الحل السلمي, وبدلاً من الضغط على صالح مسلم ليقطع علاقاته بنظام الأسد، يمكنها كسبه إلى جانبها – بمساعدة من أوجالان نفسه – ليصبح التموضع الجديد لحزب الاتحاد الديمقراطي، بعدما بات مقبولاً لدى أمريكا، تحصيل حاصل.

٭ كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الربح الصافي على حطب «داعش» .. زهير قصيباتي

الحياة

الخميس 23-10-2014

حين تتعهد دمشق «الدفاع عن السيادة حتى آخر سوري في سورية»، تستفز الكارثة اليومية الممتدة فصولها منذ أكثر من ثلاث سنوات ونصف سنة، سؤالاً «مريباً» عما إذا قرر النظام السوري استثناء بعض مواطنيه من جحيم الحرب، وحملات الإبادة التي تمطِر براميل متفجرات.

... وحين يعِد مرشد الجمهورية الإيرانية علي خامنئي رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بأن يدعم حكومته كما ساندت طهران حكومة نوري المالكي، يثير ريبة متجددة في قدرة العبادي على كسر طوق الوصاية الإيرانية على العراق وشعبه. وبين فئاته وأحزابه وتياراته، مَن لم يرَ فأل تحوّل في نهج الحكومة التي اختار رئيسها إيران لتكون أولى إطلالاته الخارجية منها.

والعراق المنكوب بـ «داعش» وجولات عنف تحصد من السنّة والشيعة والمسيحيين آلافاً كل سنة، حين يحظى بمساندة القوة الأميركية العظمى والقوة الإيرانية التي تدّعي أنها الأُولى في المنطقة والأَوْلى برعايتها (بوصاية الهيمنة)، لا يبقى إلا أن نتفاءل بخلاص قريب لبلاد الرافدين كلُّ الوقائع تدحضه.

ترسل واشنطن مستشارين عسكريين الى بغداد، فترسل طهران «خبراء»، سيّان إن كانوا من «فيلق القدس» أو «الحرس الثوري»... وباستنتاج بسيط يتبيّن أن العراق غير الحائر أمام «لغز» العشق الأميركي- الإيراني لاستقراره وأمنه ومصالحه، بات أفضل ساحة للتعاون العسكري غير المباشر بين الولايات المتحدة وجمهورية خامنئي.

رغم ذلك، يشكك المرشد، ويرتاب بأهداف التحالف الذي تقوده أميركا، والأهم أنه لن ينسى الخدمات التي أسداها نوري المالكي دفاعاً عن حرب النظام السوري. وحين يكرر أن أمن العراق من أمن إيران، يثير مزيداً من الارتياب، بعد كل الذي حصده لبنان من غيرة نظام الوصاية السوري على أمنه. هي نسخة مكررة، وما علينا إلا أن نصدق كم يريد المرشد العراق «شامخاً قوياً».

الأهم أن خامنئي حين يرفض تحالفاً عربياً - دولياً لقتال «داعش»، لا يتذكر التسريبات الإيرانية عن عرض مقايضة على واشنطن: تسهيل الحرب على «الدولة الإسلامية» في مقابل تيسير إدارة الرئيس باراك أوباما «مرونة» غربية تحفظ لطهران ماء الوجه في مفاوضات الملف النووي، استناداً الى معادلة روحاني: «ربح صافٍ للجميع».

وإذ يعزز المرشد لدى بعض العرب اقتناعاً بأن أُولى أولويات إيران هي «تحالف اقوياء» يجمعها والأميركيين في غياب عربي، لا بد أنه يدرك وروحاني أن السياسة مثلما هي فن الممكن، لا يستقيم معها أيضاً رسم الأهداف الإقليمية الكبرى على طريقة «صفر مقاومة» للآخرين. جرّبت تركيا «صفر مشاكل» خلال عهد حكومة رجب طيب أردوغان، وانتهت الى مشاكل مضاعفة مع معظم الدول العربية ومع إيران، وإسرائيل التي كانت تتباهى بأنها انتزعت حليفاً بارزاً من العالم الإسلامي.

يجدر الاعتراف، رغم التنديد الإيراني ليل نهار بـ «الفتنة» في العالم الإسلامي التي غذت التطرف وإرهاب «داعش» وسواها، بأن أسوأ ما تواجهه المنطقة منذ أفول الاستعمار والانتدابات، هو إلباس الإرهاب رداء دينياً، ومذهبياً. وحين تتردد عبارة «إرهاب سنّي»، لا ترى طهران في سياستها إلا ما تعتبره «فخراً» لها... ولكن ما معنى وصايتها على فئات شيعية عربية ما زالت تشجعها على حمل السلاح، وتتهم الطرف الآخر بأنه هو الذي يوقد نار الفتنة؟ هل ادعت دولة عربية يوماً أنها ترفع لواء الدفاع عن عرب الأهواز، سنّة إيران؟

حطب «داعش» كيانات ودول عربية، مثلما كانت حال «القاعدة» أو الجيل الأول للإرهاب... لا إسرائيل ولا إيران ولا حتى أميركا ضحية لما يرتكبه تنظيم «الدولة الإسلامية» على أشلاء مسلمين. كل يوم يذكّرنا البنتاغون بفاتورة القصف على مواقع «داعش» والذي سيستمر فترة طويلة، لشهور على الأقل. وبالمنوال الحالي للغارات على دير الزور السورية وضواحي كوباني، وفي حال استمر القصف الجوي لسنوات، السؤال هو متى تبدأ حرب الأفكار على الإرهاب ومنابته؟ أليس التفريق بين المسلمين ورعاية بعضهم على أساس مذهبي، وقوداً لفتنة نامت مئات السنين؟

بين استبداد وإرهاب معولم، وتشويهٍ للإسلام عابرٍ للقارات، ما يعني إيران أن تبقى «قوة عظمى» في الخليج، لها مواطئ على حوض البحر المتوسط، وموطئ مستجد على البحر الأحمر، انتزعته برصاص الحوثيين.

ما يعني جمهورية أردوغان هو صدّ العاصفة الكردية من «عين العرب» الى ديار بكر، بعدما أمسكت بغضب العلويين الأتراك، بامتناعها عن الانزلاق الى الحروب المجنونة في سورية.

أما ما يعني إسرائيل في فوضى الشرق الأوسط، فهو حتماً ليس كم مسلم أو مسيحي أو علوي يسقط في عاصفة جنون الإرهاب، بعد جنون الاستبداد.       

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

دروس الهجرة النبوية والسوريون المهاجرون .. د. محمود نديم نحاس

يتساءل بعض الناس: لماذا لم تكن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة بمعجزة شبيهة برحلة الإسراء والمعراج؟ والجواب هو أن الإسراء والمعراج ليسا عملاً بشرياً سيقوم بهما أحد بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، في حين أن الهجرة عمل بشري يتكرر مدى الحياة. ولذلك كانت أفعاله في الهجرة يُحتذى بها على مدى الزمان، بدءاً من التخطيط وانتهاء بالتنفيذ. وربما نحتاج لقراءة السيرة النبوية مرات ومرات، لنستخلص دروساً وعبر جديدة.

والهجرة ليست أمراً سهلاً على النفس البشرية (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ)، وفي الحديث (واللَّهِ إنِّي أعلمُ أنَّكِ خَيرُ أرضِ اللَّه،ِ وأحبُّها إلى اللَّهِ، ولَولا أنَّ أهلَكِ أخرَجوني مِنكِ ما خرَجتُ). ولعظيم أثر الهجرة النبوية في تحويل مجرى التاريخ، فإن عمر رضي الله عنه كان بعيد النظر، حين عدّها بدء التاريخ الإسلامي.

ومادامت الهجرة غير محببة فما الذي جعل السوريين يهجرون ديارهم إلى المجهول؟ إنهم يطبّقون ما جاء في المثل العربي: (انجُ سعد فقد هلك سعيد)، أو المثل الآخر (السعيد من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ بنفسه(، فما يدري أحدهم متى تنزل البراميل المتفجرة فوق بيته فتجعله قاعاً صفصفاً. وكم من رجل عاد إلى بيته فلم يجد له أثراً، فراح يستنجد بالناس ليخرجوا أهله من تحت الأنقاض. فهم كما وصف الشاعر هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم:

هاجرتَ يا خيرَ خلقِ اللهِ قاطبـةً *** من مكةً بعد ما زاد الأذى فيها

هاجرتَ لما رأيتَ الناس في ظلـمٍ *** وكنت بـدراً مـنيراً في دياجيهـا

هاجرتَ لما رأيتَ الجهلَ منتشـراً *** والشــر والكفـر قد عمّا بواديهـا

هاجروا فاستقبلتهم دول وما قصّرت بحقهم. فها هي المملكة أعطتهم استثناءات في تعليم أولادهم وفتحت لهم سوق العمل. ودول أخرى بنت لهم المخيمات، وقال مسؤول فيها: (إن يثرب، بفضل قبولها المهاجرين، تشرفتْ وعلتْ منزلتُها وأصبحت المدينة المنورة، ولو أن أهلها قالوا: طعامنا بالكاد يكفينا، ومساكننا لا تتسع لغيرنا، لبقيت يثرب، ولما قصدها ملايين الناس. إن ديننا وثقافتنا وتربيتنا وتراثنا يحتم علينا قبول المهاجرين، ويفرض علينا وضعهم تاجا على رؤوسنا. وليست العبرة بكثرة الرزق إنما ببركته، فالمهاجرون خير وبركة). ولاشك أن السوريين سيحفظون الود لمن أكرم وفادتهم. فالسوريون، وعلى مدى التاريخ، استقبلوا المهاجرين من أصقاع الأرض، بغض النظر عن دينهم أو عِرقهم أو جنسيتهم، فعاشوا بينهم وأصبحوا نسيجاً واحداً منهم.

لكن مما يحز في نفوس السوريين أنهم في العقد الماضي فتحوا بيوتهم لمهاجرين من دولة مجاورة، كان العدو يقصف مدنها من الجو، وصاروا لهم كأنصار المدينة لمهاجري مكة. واليوم وقد اضطر السوريون للهجرة إلى ذلك البلد، استقبلهم أهل المروءة فيه، لكن غيرهم أداروا لهم ظهر المجنّ. فمن سيستقبل أولئك في المرة التالية إن اضطروا للهجرة؟ لاسيما وأن الفتنة تنتقل من بلد إلى بلد، ولا يستطيع أحد إيقافها، ولا ندري مَن هو صاحب الدور التالي.

ومما يحز في النفس أكثر ما كتبه ليون برخو على صفحات الاقتصادية عن استقبال السويد لآلاف المهاجرين السوريين بطرق غير شرعية كل أسبوع، وبعضهم أطفال يصلون بلا أسرهم. وقد ذكر أن الشرطة في المطارات تدخل دورات خاصة في كيفية التعامل معهم. ومن أراد التفصيل فليقرأ مقالته.

لكن هؤلاء الذين يصلون إلى السويد هم الناجون من الغرق، حيث ينقلهم سماسرة في مراكب بحرية ليس فيها أدنى متطلبات السلامة. وما أكثر المراكب التي غرقت وأزهقت الأرواح. ولذا قال القائل: علموا أولادكم السباحة ثم السباحة ثم السباحة، حتى إذا وصلوا السويد علموهم الرماية وركوب الخيل. وأما غيره فتعجب من رسالة صديقه الذي قال له: نراك في العيد القادم في الشام! فأجابه: بعد آلاف الدولارات التي دفعتها للوصول إلى السويد تود مني العودة؟ إنه المصير المجهول الذي لا أحد يدري ماذا بعده. فهل يأتي يوم تجتمع فيه الأسر التي تفرقت؟ أم تتلاقى فقط عبر مواقع التواصل الاجتماعي؟ أم يتحقق ما قاله الشاعر في وصف الهجرة النبوية:

هاجرتَ للهِ لا خوفاً ولا هربا *** وإنما كانَ هذا منك تبيانا

للمؤمنين بأن الله أيدهم *** بالنصرِ، والنصرُ لما يأتِ مجانا

إذن فلابد من صبرٍ بلا جزع ***واليسرُ من بعد العسرِ، قال مولانا

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن نشأة «داعش» السورية و... مسألة التبرير .. لؤي حسين

الحياة

الاربعاء 22-10-2014

الأكيد أن «داعش» ليست صنيعة أي من الأطراف المحلية السورية أو الدولية. ومن المؤكد أنها لم تنشأ بغفلة عن أي من هذه الأطراف. كما أنه كان من الصعب جداً توقّع أو تكهن نشوء تنظيم جائح كـ «داعش»، وأن يتحول إلى حالة أيديولوجية اجتماعية عامة في مناطق واسعة من المنطقة خلال فترة قصيرة. ومع ذلك، لم تكن «داعش» نتاجاً تلقائياً للمجتمع السوري. فالمجتمع السوري لم يكن قبل انطلاق الانتفاضة السورية بيئة منتجة للتطرف الديني أو المذهبي، لكنه كان قابلاً للتحول إلى مثل هذه البيئة لكونه مجتمعاً أقرب إلى حالة التجمع السكاني منه إلى حالة المجتمع المنظّم مدنياً أو سياسياً، مع خواء تام من أي معرفة سياسية.

وبُعيد انطلاق الانتفاضة السورية في آذار (مارس) 2011، أصبح الجمهور السوري، من ساهم منه في هذه الانتفاضة ومن لم يساهم، عرضة لتدخل أطراف خارجية من المفترض أن تكون أكثر دراية منه بقواعد الصراع السياسي. ومع استمرار العنف المفرط من جانب النظام تجاه الجمهور المنتفض، أصبح، هذا الجمهور، لقمة سائغة لهذه الأطراف.

سياسات النظام المكابِرة والارتجالية، ونظرته المتعالية إلى مجريات الأمور، جعلته أسير ممارساته القمعية الشديدة، بحيث ما عاد في مقدوره التخفيف من الإفراط في العنف أو حتى التوقف عن إطلاق النار على معارضيه على رغم إصدار الرئيس السوري، في ذاك الحين، أمرين متتاليين بعدم إطلاق النار على المتظاهرين.

وبعد أن استخدم بعض الأشخاص السلاح في مواجهة النظام، نتيجة استمرار ممارساته القمعية العنفية، ونتيجة تهييج خارجي غير معلن، ارتفعت في حينه الأصوات والدعوات من خارج البلاد لرد عنف النظام بعنف مماثل. ظهرت هذه الأصوات بقوة على القنوات التلفزيونية، بل تم استحضارها وتكريسها كممثلة للثورة السورية أو للإرادة السورية.

هذا السياق، الذي بات معروفاً للجميع، وأمور أخرى تندرج ضمنه، أدت إلى حالة من الانفلات الأمني عمّت الكثير من المناطق السورية، القريبة والبعيدة من مركز العاصمة، التي خرجت عن سيطرة السلطة وسُمّيت بالمناطق المحررة. وكان لا بد لحالة الانفلات الأمني هذه من أن تتحول إلى حالة مطلقة من الفوضى العامة تحت غطاء الصراع الثوري، الذي برّر لها كل شيء طالما هناك إمكانية للادعاء أنها في مواجهة النظام السوري.

هذه الفوضى المطلقة، الخارجة عن أي ضوابط أو نواظم، وعن أي قيم، أخلاقية كانت أو ثورية، تم تعزيزها وتكريسها بمال سياسي ذي طابع ديني إسلامي، من حكومات أو من أفراد. كان هذا المال يُدفع في البداية من دون أي شروط لأي مدّعٍ أنه سيقاتل النظام. وفي ما بعد نشأ معيار التديّن السنّي كشرط لإغداق المال الوفير، إلى أن أضيف معيار تمايزي جديد هو القوة والسطوة. فصارت المجموعات والأشخاص الذين يدّعون الأسلمة في حياتهم وفي «جهادهم»، ويدّعون قيامهم بهجمات ظافرة على النظام هم المحظيين بالدعم المالي والمعنوي.

هذه الفوضى شكّلت البيئة المناسبة لنشوء مجموعات متطرفة عدة، تقوم بإعدام الأسرى والتنكيل بالجثث وقطع الرقاب وخطف النساء والمدنيين وتسليح الأطفال، من دون أن يسمى ذلك جريمة طالما هو ضمن سياق «الثورة السورية ضد بشار الأسد». أي أن هذه المجموعات كانت تقوم تماماً بالأفعال التي تقوم بها «داعش» الآن.

الفوضى لا يمكنها أن تدوم أو تطول. فالاجتماع البشري، كائناً ما كان، يميل في شكل طبيعي إلى الانتظام. وكذلك حال الفوضى السورية... فهي تحمل في كينونتها الحاجة إلى انتهائها والانتقال إلى حالة منظومية. وبسبب عدم وجود متدخل خارجي ينظم تلك المناطق «المحررة»؛ وربما لا توجد أي نية عند الأطراف الخارجية لمثل هذا الانتظام، لكون أي انتظام سيميل إلى الانفلات من التبعية المطلقة إلى استقلال نسبي، لهذا كان لا بد من ظهور إحدى المجموعات التي تحمل على عاتقها هذه المهمة، فكانت «داعش».

تمايزت «داعش» منذ نشوئها عن بقية المجموعات الأخرى الشبيهة بأنها تحررت من تبعيتها للنظام السوري. فلم تنشأ كمجموعة معارضة أو مناوئة للنظام، ولم يكن إسقاط النظام من بين أهدافها الرئيسة. فلم تقبل أن تتحدد به أو تتعرف به، بل أرادت أن تتحدد بذاتها وتتعرف بقوتها ومقدرتها، فحققت الانتصار.

أكتب مقالي هذا استجابة لعبارة «أن أحداً لا يمكنه تفسير ما جرى. حتى الذهاب بفكرة المؤامرة إلى أقصاها لا يسعف في التفسير. فلا السؤال عن الجهات الممولة يكفي، ولا عن دول سهلت وسلحت» الواردة في المقال الرائع للصديق حازم الأمين في هذه الجريدة بعنوان: (رحلة «الجهاد» السهلة إلى سورية... ربما هذه هي، 12-9-2014).

ليس مبرراً لنا في هذا الزمن أن نتفاجأ بمجريات التاريخ البشري، فوسائل الاتصال أتاحت لنا تبادل الخبرات والمعارف والمعلومات التي من المفترض أن تمكّننا من معرفة الخطوط العريضة لمسار التاريخ. فالتجارب البشرية التي تأسست عليها علوم السياسة والاجتماع تفيدنا بأن الفوضى العامة والمطلقة يمكن أن تنتج أي شيء من بين خلاياها الجذعية، فيكون «واقعياً» و «حقيقياً». لكن بالتأكيد، من المستحيل التنبؤ بظهور تنظيم باسم «داعش» وقوته.

الخلايا الجذعية لمساحات الفوضى السورية كانت التطرف العقائدي والتطرف العنفي والتطرف الجرمي. فعشرات الآلاف قُتلوا وسُلبوا وخُطفوا للتمرين أو للهو على أيدي مجموعات جرمية «ثورية»، وتمت تغطية جرائمهم باسم «الثورة» أو تحت اسم الأخطاء الضرورية والطبيعية للثورة. فكانت هذه المساحات عشوائية بكل معنى الكلمة، وكان لا بد لقانون الاصطفاء الطبيعي، وفق نظرية النشوء الداروينية، من أن يبقي على من يمتلك مقومات الحياة ويسيطر على هذه العشوائية، وأن يزيح من تنقصه بعض هذه المقومات، فكان «داعش» هو الكائن الذي استحق الحياة.

ليس مشروعاً لنا أن نتفاجأ بظهور تنظيم مثل «داعش» في بيئة ممنوع فيها الكلام السياسي، والكلام الوطني. ممنوع أن توجد فيها النخب، ممنوع أن يوجد فيها السلمي. بيئة ترفض بالمطلق مفهوم الدولة ومفهوم الاجتماع، بل ترفض مفهوم الإنسان. لكن سيتفاجأ بالتأكيد كل من ثبّت نظره على النظام، وعلى مدى الضرر الذي يلحق به، من دون أن يلتفت ولا مرة إلى موقع الخطوات «الثورية، معتمداً المبدأ الخاطئ: عدو عدوي صديقي. والذي رفض التحفظات على عشوائية استخدام السلاح، بل شرعن كل تسلح بحجة عتي النظام وبطشه. والذي اتهم كل من سمّى ما يجري بغير اسم الثورة بأنه معاد للثورة ومواجه لمسيرة التاريخ. والذي أسهب في التنظير «الثوري» مستنتجاً أن الثورات تكون بهذا الشكل، مستشهداً بحكايات ثورية عالمية.

في أغلب الأحيان يكون تَفاجُئنا بظاهرة ما دليل خطئنا في تقدير الأمور أكثر منه عدم واقعية الظاهرة. من هنا أعتقد أن ظاهرة «داعش» تتطلب منا ليس الاعتراف بخطأ التقدير فحسب، بل بتحملنا مسؤولية ظهورها ولو بشكل نسبي، وأنه لا يمكننا الاعتماد على انفعالاتنا بتبرير مسؤولية ما نقوله. كذلك لا يمكننا الاكتفاء بتحميل النظام السوري كل الآثام، فهذه خاصية للشيطان الذي يوسوس في صدور المؤمنين فيجعلهم ينحرفون عن الصراط المستقيم، ويكفي لعنه أو رجمه لإزالة كل ذنوبهم. لكن في الثقافة والسياسة فلا يكفي اللعن والرجم لإزالة الأخطاء.

هذا المبحث لا يحتمل كل هذا الاختصار الذي قاربته به، فهو مملوء بتفاصيل رئيسة تحتاج الى إسهاب ضروري حتى تتضح صورة نشوء «داعش» في سورية. ولكن يبقى في استطاعتي القول دائماً: كان يمكننا أن نكون الآن من دون «داعش».

 * رئيس تيار بناء الدولة السورية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن الخصوصية السورية .. ميشيل كيلو

البيان

الاثنين 20-10-2014

بداية، هناك بالتأكيد خصوصية تفرض على العالم طرقاً في التعامل مع الحال السورية لم تستخدم في غيرها. هذه الخصوصية تشمل النظرة الى الثورة السورية، والقوى المحركة لها والمنخرطة فيها، والنظام الحاكم، وفي النهاية الى كل شيء يتصل بسوريا، بما في ذلك الحلول المطلوبة لإنهاء صراعات متنوعة: عربية وإقليمية ودولية، تتداخل مع الحدث السوري.

ولعل الخصوصية تبدو على أوضح ما يكون، في واقعة ان الثورة حدثت في سياق ثورات عربية متعاقبة، لكنها اعتبرت أمراً مختلفاً عنها، وتم التعامل الخارجي معها بطرق تختلف كل الاختلاف عن الطرق التي اتبعت في التعاطي معها، حيث لعب الخارج دوره في قلب موازين القوى لصالح الثوريين، أو في انقسام السلطة وإجبار الحكام على مغادرة مواقعهم فيها، بينما لعب الخارج الدور الأكبر في إطالة أمد المأزق السوري، وأسهم في حرفه عن غايته وتحويله من حراك شعبي يطالب سلمياً بالحرية، إلى اقتتال طائفي متعسكر ومسلح، طمر جانبه الداخلي السوري تحت تصفية حسابات بين قوى أجنبية لا علاقة لشعب سوريا بها، ولم يخرج ضد نظامه من أجل الانخراط فيها، لكنه صار معها طرفاً في تناقضات عدائية بين غرباء، تتم تسويتها منذ قرابة ثلاثة أعوام على حساب مصالحه ومطالبه، وربما وجوده.

هل تعود هذه الخصوصية إلى تشابكات عربية وإقليمية ودولية، نسجها النظام خلال نصف قرن ليحتمي بها ويجعل تغييره أو التخلي عنه مسألة تتخطى علاقاته مع شعبه، وتتقاطع بقوة مع مصالح دولية وصراعات عالمية يتوقف عليها مصير المنطقة العربية والتوازنات الإقليمية والدولية؟ أم أنها تعود إلى طبيعة النظام القائم، الذي يضع نفسه في مركز مصالح متعارضة تحتاج جميعها إليه من أجل تلبيتها، لذلك لا يستطيع أي طرف التخلي عنه ما لم يضمن بديلاً له يتوفر على صفاته ذاتها، فلا يعني تغييره عندئذ انقلابا في أوضاع أصحاب هذه المصالح، ولا يتطلب حسابات وجهودا معقدة تعيد انتاج حال تشبه الحال القائمة قبلها؟

واذا كان المطلوب هو انتاج حال كهذه، لماذا يغير العالم النظام أو يتخلى عنه، ولا يتمهل في البت بأي خيار يتصل به وببديله، ويضع شروطاً تعجيزية حول هوية الأخير وقدرته على تأدية المهام التي كان النظام يقوم بها بسلاسة واقتدار؟ في هذه الحال، ألا تعني الثورة عليه ثورة بطريقة ما ضد النظام الدولي ومصالح أطرافه المختلفة، وبالتالي خروجا على مكوناته، التي لا بد ان تتصارع على هوية البديل وتعمل لان يكون اقرب إليها من سواها، في حال عجزت عن كبح الثورة؟

أخيراً، أليست هناك خصوصية سورية تنبع من تداخل أوضاع نظام الأسد مع غيرها من أوضاع الدول، انتجها تقاطع وتشابك الملفات التي قام بها، بالتعاون او التفاهم او التعارض مع هذه الدولة او تلك من دول العالم العربي والإسلامي، بحيث يعني تغييره المس بأوضاعها الداخلية، وخاصة في البلدان المجاورة لسوريا؟ تبدو الخصوصية، على غير وجه، في صراعات العالم داخل سوريا وعليها، وفي الحلول التي تقترحها دوله للمعضلات التي يغرق السوريون فيها، وآخرها »الحرب ضد الإرهاب«، التي لا شك في أن لها الكثير مما يبررها، وانها مطلوبة وقابلة للنجاح في حال خيضت بالتعاون مع السوريين، الذين يقاتلون الإرهاب منذ عشرة أشهر، وليسوا بحاجة إلى تدريب من أجل الاستمرار في مقاتلته، بل يحتاجون إلى سلاح وذخائر فقط، والحرب ضد الإرهاب في غيابهم ستأخذ منحى يجعلها أقرب الى التعايش معه، بدل محاربته والتخلص منه.

هناك معضلة سورية كبيرة وخطيرة، تمثلها خصوصية تتصل بأوضاعنا نحن: فصائل السوريين التي يفترض فيها إدارة الصراع مع النظام، فلا تدير شيئاً غير صراعاتها وانقساماتها. إذا ما انتبهنا ذات يوم إلى هذه الحال المهلكة، وبذلنا جهوداً مخلصة للخروج منها، لن تبقى ثمة خصوصية محلية تحول بين شعبنا وبين بلوغ حريته، ولا خصوصية دولية تتلاعب بنا وتتعامل معنا بطرق لا سيطرة لنا عليها، ولا قدرة على التحرر منها!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

صعود العسكرة في سوريا .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 19-10-2014

عندما انطلقت ثورة السوريين في (مارس) آذار 2011، اختار نظام الأسد القوة المسلحة سبيلا لمواجهة الثورة السلمية وشعاراتها، ومع الصيحات الأولى للمتظاهرين والمحتجين، انطلق رصاص النظام ضدهم من قبل الأجهزة الأمنية، ثم توسعت العملية بإدخال الجيش قوة لقمع المتظاهرين، ولمحاولة إعادة سيطرة النظام على مناطق الاحتجاجات، بعد ثبوت أن قتل المتظاهرين واعتقالهم، لم يعد مجديا في مواجهة الثورة، وتسببت وحشية أجهزة الأمن وقوات النظام بحالات انشقاق لعسكريين وأمنيين رفضوا أن يكونوا أدوات للنظام في قتل شعبهم، وسرعان ما انضم لهم مدنيون، قرروا الدفاع عن أنفسهم وأهلهم في مواجهة إرهاب أجهزة النظام وقواته؛ حيث تشكلت مجموعات شبه عسكرية تحت مسمى «الجيش الحر»، وإلى جانبها أخذت تظهر الأنوية الأولى للتشكيلات المتطرفة وأبرزها «جبهة النصرة» التي أعلنت عن أولى عملياتها بداية العام 2012.

لقد شكل ثالوث قوات النظام و«الجيش الحر» وأنوية منظمات التطرف، بداية العسكرة الصاعدة في سوريا، التي تتجه حاليا للتمركز بصورة قد يكون من الصعب معالجتها في المدى القريب، وهي ستحتاج إلى جهود استثنائية لمواجهة تداعياتها على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية القائمة والمحتملة.

وتشير اللوحة السورية إلى تبلور العسكرة في 3 محاور أساسية؛ أولها محور نظام الأسد الذي يضم بصورة أساسية قوات الجيش إلى جانب أجهزة الأمن بأجنحتها الـ4 (الأمن العسكري، والأمن الجوي، وأمن الدولة، والأمن السياسي)، وإلى جانبها قوات الشرطة التابعة لوزارة الداخلية. وثمة تشكيلان آخران يرتبطان بهذا المحور؛ أولهما: قوات الدفاع الوطني، التي جرى تشكيلها في العام 2013 من متطوعين مناصرين للنظام، وثانيهما: اللجان الشعبية، وهي تسمية لميليشيات محلية، جرى إطلاقها في العام 2012. لتضم مؤيدي نظام الأسد، والتطور الجديد باتجاه العسكرة في محور النظام، يمثله استدعاء قوات الاحتياط، وتشديد إجراءات السوق إلى الخدمة الإلزامية بالنسبة للشباب، وفي الحالتين لم يكن الإجراءان معمولا بهما إلا بشكل محدود منذ انطلاق الثورة عام 2011، الأمر الذي يعني أن النظام بخطوته الأخيرة، لا يعوض فقط خسائره من أعداد جنوده الذين انشقوا أو قتلوا في الصراع الجاري، إنما يسير أيضا نحو تشييع العسكرة في المناطق التي يسيطر عليها من خلال زيادة أعداد المجندين والمتطوعين.

والمحور الثاني في اتجاهات العسكرة في سوريا، تمثله عمليات التجنيد الإجباري، التي تقوم بها جماعات التطرف، والإشارة في هذا السياق تنطبق على جماعات التطرف الديني وأبرزها تنظيم «داعش» الذي يلزم السوريين وخاصة الشباب والأطفال في المناطق المسيطر عليها من جانبه على الانضمام إلى صفوفه للقتال سواء ضد الميليشيات الكردية أو ضد قوات «الجيش الحر» الموجودة في تلك المناطق، كما تتوالى العسكرة من جانب حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي يمثل تطرفا قوميا، وقد أشاع في المناطق التي تسيطر عليها قوات تابعة له باسم «قوات الحماية الشعبية»، عملية تجنيد الشبان الأكراد، ودفعهم للقتال ضد جماعات التطرف من «داعش»، و«النصرة»، وغيرهما.

أما المحور الثالث في العسكرة، فيتصل بالقوى المعتدلة والمصنفة تحت اسم «الجيش الحر» أو القريبة منه، كما هو حال «جبهة ثوار سوريا»، التي اتخذ فيها مسار العسكرة مسارا نوعيا أكثر مما هو مسار كمي بخلاف ما هو عليه الحال في المحورين الأولين، وفي هذا المجال، صارت العسكرة في مضمونها الأساسي، حفاظا على الذات واستمرار وجود تلك التشكيلات بأي طريقة كانت، بما فيها سياسات وممارسات خارج هموم الثورة واهتماماتها، وفي هذا الإطار يمكن تصنيف ظاهرة أمراء الحرب، التي تشكل ظاهرة خارج إطار الثورة.

إن التصاعد المتزايد والخطير للعسكرة في الواقع السوري في قواه المحلية، يجد له سندا إقليميا ودوليا عبر وجود وتدخلات خارجية عسكرية - أمنية، بدأت مع وجود الخبراء العسكريين والأمنيين الإيرانيين والروس، وصولا إلى الوجود المباشر لتشكيلات عسكرية من الطرفين، ترافق معها استدعاء النظام لميليشيات حزب الله اللبناني وميليشيات عراقية بينها «لواء أبو الفضل العباس» للمشاركة في حرب النظام على السوريين، ثم جاء تشكيل التحالف الدولي للحرب على الإرهاب ليعطي بعدا جديدا وخاصا في تفاصيل العسكرة في الواقع السوري.

وإذا كانت نتائج تصاعد العسكرة في سوريا في غالبيتها سلبية الطابع والتأثير على سوريا والسوريين، فإنها في أحد جوانبها، قد تكون المفتاح الذي يضع حدا للعنف في البلاد، إذا استطاعت بالفعل أن توقف إرهاب نظام الأسد وإرهاب جماعات التطرف، وأن تأخذ القضية إلى حل سياسي أو عسكري، يتناغم مع احتياجات السوريين ومصالحهم، لكن تحقيق ذلك سيكون مرتبطا بوجود سيطرة قوية وفعالة على السلاح الموجه ضد الإرهاب المزدوج للنظام والمتطرفين، وما لم يكن ذلك متوافرا، فلا شك أن صعود العسكرة سيأخذ سوريا والسوريين إلى أعماق الكارثة، وهذا هو الخوف الرئيسي من العسكرة الصاعدة اليوم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لكي لا يقع الأكراد في المصيدة .. د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 19-10-2014

لكي لا يقع الأكراد في المصيدة بغض النظر عن كل شيء، من المؤكد أن عقلاء الأكراد، وهم كُثُر، باتوا يدركون أن ثمة شيئًا غير طبيعي في قضية كوباني (عين العرب). والذي يحاول النظر إلى الصورة بكل أبعادها يُدرك أن المشهد يبدو (سورياليًا) في غرابته، وفي تناقضه مع الحد الأدنى من مقتضيات العقل والمنطق.

فما يجري في تلك المنطقة من سوريا يتجاوز، فيما نحسب، مسألة سقوط كوباني أو عدم سقوطها إلى ما هو أبعدُ بكثير. والراجح أن تطويلَ و(مطمطة) هذه القضية بهذا الشكل يهدف لتحقيق أهداف سياسية تدخل في إطار استراتيجياتٍ أكبر.

بهذا الوصف، ليس مستبعدًا أن تصبح قضية كوباني مصيدةً لأهل المنطقة بشكلٍ عام، ومصيدةً للسوريين تحديدًا، بحيث يتم ترسيخ شرخٍ كبير وإحداثُ قطيعةٍ نهائية بين العرب والأكراد في سوريا.

وإذا كان مطلوبًا تفهمُ مواقف كثيرٍ من القوى الكردية بسبب المآسي التي جرت وتجري، ويمكن أن تجري، في كوباني، إلا أن من المطلوب أيضًا تجنب التعامل مع الموضوع بأسره انطلاقًا من العواطف والضغوط النفسية التي تخلقها تفاصيله الميدانية.

هذا لا يبدو نوعًا من التفكير المثالي الذي يُطالبُ به الأكراد وحدهم، لأن من الواضح أنه صار قدرًا يجب أن يتعايش معه السوريون جميعًا.

من هنا، يُصبح التركيز على ما يحصل في كوباني، مع التجاهل الذي رآه ويراه السوريون لما جرى ويجري منذ قرابة أربع سنوات في بلادهم، وصفةً مثالية للوصول بالعلاقة بين العرب والأكراد إلى مرحلة القطيعة والعداوة.

لا داعي للدخول في تفاصيل التاريخ، والحديث عن فخر العرب بصلاح الدين واعتبارهم إياه من أعظم أبطال التاريخ العربي والإسلامي.

لا داعي للحديث عن الماضي القريب فيما يتعلق بالتعايش العربي الكردي، في سوريا تحديدًا، إلى درجةٍ لم يكن فيها السوري العربي يعرف أن جاره أو صديقه أو شريكه كردي، ولم يكن يخطر في باله أن يسأل عن ذلك أصلًا.

سندخل فورًا في خبرٍ نقلته وكالات الأنباء يقول: "قصفت طائرات النظام الحربية والمروحية بأكثر من 54 غارة وبرميلًا متفجرًا مناطق مختلفة في البلاد"، حصل هذا يوم الأحد الماضي بتاريخ 12/10/2014 فقط.

وخلال الأسبوع الماضي وحده، قصف النظام، إضافةً للمناطق المذكورة أعلاه، بالمدفعية وراجمات الصواريخ وقذائف الهاون والبراميل المتفجرة، وأصناف متنوعة من الصواريخ منها، غير الصواريخ العادية، صواريخُ فراغية، وأخرى تحمل مواد سامة متنوعة، وقذائف انشطارية وقنابل عنقودية، وغيرها من أنواع القذائف، أكثر من خمس وسبعين منطقة في أنحاء سوريا.

ندرك أن الأكراد مشغولون بكوباني، لكنهم، إن بحثوا قليلًا عن أسماء تلك المناطق، فسيجدون أنها تقع فعلًا في سوريا، وأن فيها سوريين، وأن أهلها أيضًا يُحاصَرون ويُهجَّرون ويُقتلون ويُعتقلون، بل ويُذبحون، ليس فقط بالسيوف والسكاكين، وإنما بكل أنواع أسلحة الذبح والسلخ والقتل الواردة أعلاه.

وإذا كان بعضها بعيدًا عن أسماعهم، فسيجدون أن كثيرًا منها لا يبعد عن كوباني نفسها إلا بضعة كيلومترات.

فوق هذا. من الضرورة بمكان أن يتذكر الأكراد ما يُفترض أنه أصبح حقيقةً واضحة تتمثل في أن التطرف والإرهاب ملةٌ واحدة كما هو. ولا يمكن حصرهُ في جماعةٍ أو مذهبٍ أو عرق.

فهذه صحيفة (واشنطن بوست) الأمريكية تنقل عن السلطات الكردية أن مجموعات من الشباب الأكراد انضموا إلى تنظيم (داعش) خلال الأشهر الأخيرة.

وها هي وكالات الأنباء تتناقل صور وأخبار أبوخطاب، أحد أشهر قادة (داعش) الذين يهاجمون كوباني، ذاكرةً أنه كرديٌ من السليمانية، مع مشاهد له يرفع فيها شعار (داعش) أمام جثامين المقاتلين (الأعداء) من أبناء جلدته الأكراد في كوباني!.. وتضيف أنها ستقدم في الأيام الأخيرة تعزيزات من بلدتي جرابلس ومنبج ضمت بعض الشباب الكرد المنتمين لـ(داعش)، وأن هذه التعزيزات تمكنت من مساندة أكثر من هجوم شنته قوات النخبة بقيادة أبوخطاب لاقتحام كوباني خلال الأيام الماضية.

هذا فضلًا عن مقطع فيديو حيث يتوعد أكراد (داعش) بالدخول إلى كردستان العراق وقطع رقاب الحكام فيها.

أكثر من هذا، سمعنا ورأينا كيف أن السلطات الكردية أعلنت في الفترة التي لحقت سقوط الموصل عن اعتقال نحو خمسين شابًا بتهمة الانتماء لتنظيم الدولة، وأن إحصاءات كردية رسمية نُشرت تفيد بمقتل نحو خمسين شابًا آخرين خلال قتالهم في صفوف تنظيم الدولة، وأن وسائل إعلام كردية تتداول تقارير عن تقديم أسر كردية لبلاغات تفيد باختفاء أبنائها، يُعتقد أنهم انضموا إلى (داعش)، وهو ما دفع السلطات الكردية بحسب صحافيين أكراد في أربيل إلى القيام بعدة حملات اعتقال، أسفرت إحداها عن اعتقال ثلاثين شابًا من حلبجة وأطراف أربيل بتهمة الارتباط بداعش، وسط تقديرات تشير إلى أن عدد المنتمين لداعش من الإقليم يتجاوز الخمسمائة.

بالمقابل، نعرف جميعًا كيف تم تسليم كوباني، مع كثير من المناطق الكردية، من قبل نظام الأسد إلى حزب PYD الكردي، ونعرف حجم التعاون والتنسيق والدعم الذي تلقاه هذا الحزب من ذلك النظام لمحاولة وأد الثورة، خاصةً في المناطق الكردية الثائرة.

لهذا، فإن تجييش العواطف تجاه العرب أو غيرهم في هذه الظروف لن يفيد أحدًا، لكنه لن يفيد الأكراد، ولن يفيد كوباني، على وجه التحديد، ولن يفيد بالتأكيد أن يرفع أكرادٌ العلم الكردي إلى جانب العلم الإسرائيلي في بعض المظاهرات في أوروبا. ولا أن تُرفع صور بشار الأسد وعلمه الأحمر في بعض المظاهرات داخل تركيا.

قد تسقط كوباني -لا سمح الله- كما سقطت كثيرٌ من المناطق المحررة بتآمر القريب والبعيد، لكن سقوطها سيكون مختلفًا ومؤلمًا وطويلًا، إذا ساهم الأكراد في الوقوع في الفخ الذي يُنصب للجميع.

أما إذا فكروا بالصورة الكاملة المرسومة ملامحُها أعلاه، وعملوا بمقتضياتها، فسيتمكنون سويًا مع باقي السوريين من استرداد كوباني، ومعها كل المناطق السورية المُحتلة.

قد يفيد كثيرًا في هذا المجال العودة إلى تصريحات الرئيس مسعود برزاني العقلانية منذ أيام بخصوص الموضوع، والتفكير فيها كثيرًا، فهو يعرف عماذا يتكلم بالتأكيد.

وسيفيد أيضًا التأمل في هذا النداء الذي صدر من أحد أبناء كوباني، يقول فيه: "أنا وحيد تمو.. الكردي السوري من كوباني.. أطالب التحالف الدولي بإنقاذ ما تبقى من حي الوعر.. إخوتي في الوطن.. يتعرضون لإبادة".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النظام السوري وضرب "داعش" .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 19-10-2014

تدور في أوساط سورية معارضة متنوعة حوارات يومية عن الجهة التي ستفيد من ضرب "داعش". هناك رأي يقول إن النظام وإيران ستفيدان وحدهما من ذلك، بينما يقول رأي آخر إن الضربة ستكون محكمة سياسيّاً وعسكريّاً، كي لا يفيد منها أحد غير المشاركين فيها كالتحالف الدولي، وفي الوقت الملائم: الجيش الحر.

إذا كان من الصعب تحديد الجهة التي ستفيد من ضرب "داعش" في سورية، فإن هناك جهات عراقية أفادت من الضربات التي أصابت التنظيم الإرهابي، وغطتها عراقيّاً المرجعية الشيعية وهيئة علماء المسلمين، وأيدها الكرد، ومعظم أحزاب البرلمان والجيش.

أما في سورية ، حيث المعركة ضد الإرهاب تالية في أهميتها للمعركة ضده في العراق، كما قال أوباما، فثمة غموض في خطط التحالف والأحداث الميدانية، وهناك بلبلة ترتبت على سياسات أميركية تنتقل من الركود والسلبية إلى وضعٍ، يختلف في طبيعته وأبعاده ومقاصده، من غير المعلوم بعد إلى أين سيصل، وخلال أي زمن، مع أن مجرد دخول أميركا النشط إلى الصراع السوري يغير أدوار المنخرطين فيه، فكيف إن كان يثير الانطباع بأن سياساتها ستتحول من قوة عطالة إلى قوة عصفٍ، يرجح أن تبدل، أيضاً، أدوار الفاعلين ورهاناتهم في الساحة السورية: شاركوا في الحرب ضد الإرهاب، أم لم يشاركوا فيها.

 ثمّة ملاحظة عن هوية من سيفيد من ضربات التحالف، هي أن "داعش" حاضر بقوة في المناطق التي كان الجيش الحر قد حررها، وأخرجه من معظمها، وغير موجود أو ضعيف الوجود في مناطق النظام. والآن: هل يفيد ضرب "داعش" في مناطق قوته النظام، الذي أخرج منها، أم الجيش الحر الذي يقاتل "داعش"، ويفضي إضعافه إلى تقويته؟ وهل ضربه في مناطق النظام، حيث هو ضعيف، سيفيده مع أنه بالكاد موجود فيها! منطقيّاً: ستضعف ضربات التحالف "داعش"، وتقوي الجيش الحر، إذا عرفت قياداته وقواته كيف تبقى بعيدة عن صراعات الائتلاف والمعارضات السياسية، وبادرت إلى تنظم صفوفها وتعزيز أوضاعها، وعرفت كيف تفيد من الحرب ضد الإرهابيين، لكي تستعيد المناطق التي انتزعوها منه، وتسترد، أيضاً، من انضموا إليهم من عناصره. إذا ما حدث هذا، يرجح أن تتغير معادلات الصراع، وإن بصورة تدريجية، وأن يتراجع دور "داعش" بانحسار مساحات ومناطق سيطرته، وأن يبرز من جديد التناقض الذي كرسته الثورة بين البديل الديمقراطي والنظام، الذي تلاشى مع تراجع الجيش إلى 10% من مجمل الأرض السورية، يقع بين جيش النظام في الوسط والجنوب، و"داعش" في الشمال.

 من المستبعد، في الوقت نفسه، ذهاب عائد الحرب ضد "داعش" إلى النظام الذي تحالف معه، واستخدمه في مناطق وقع طرده منها، فطرد الجيش الحر من معظمها، وفرض عليه قتالاً يوميّاً على جبهتين، أرهقه وأضعفه. ثم، كيف يمكن لنظامٍ رفض العالم مشاركته في الحرب ضد "داعش" الإفادة من ضربه، إذا كانت أنشطته وأهدافه تتكامل، اليوم، أيضاً مع أنشطته وأهدافه، وكان إضعافه يعد بالضرورة إضعافاً له؟ وفي النهاية، كيف يقوي ضرب "داعش" النظام، إذا كان سيسقط رهانه الاستراتيجي على الإرهاب، لتبييض صفحته الدولية، وجعله خياراً إجباريّاً بالنسبة إلى العالم؟

 هناك، أخيراً، مشروع دولي لتسليح الجيش الحر وتدريبه، لن يتحقق في حالتين: إذا شارك النظام في الحرب ضد الإرهاب، أو أحبطت قيادات المعارضة المشروع الدولي، بنقل صراعاتها إلى صفوف الجيش الحر، وإبقائه أسير ضعفه وانقساماته، بدل توحيده وتقويته.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا تحارب واشنطن إرهابا وتتغاضى عن آخر؟ .. الطاهر إبراهيم

القدس العربي

السبت 18/10/2014

جربت واشنطن أن تتخذ عملاء لها من طائفة السنة المنتشرة في المشرق العربي، فدعمت الانقلابيين ابتداء بحسني الزعيم إلى عبد الناصر إلى البعثيين في سوريا والبعثيين في العراق. لكنها في كل مرة كانت خطتها تفشل لسبب أو لآخر، فقد كانت تعتمد على رجال من المسلمين السنة ينتهي دورهم عندما يموتون ولا يرثهم طاغية آخر من أهل السنة، أو قل إنهم لم يكونوا فعالين بما يكفي لتطويع المجتمع السني.

مات عبد الناصر وخلفه السادات الذي اضطر –لإبعاد منافسيه من ورثة عبد الناصر- أن يفتح السجون ويفرج عن الإخوان المسلمين الذين استعادوا دورهم. بل زادت شعبيتهم أكثر في عهد حسني مبارك. أما البعثيون في سوريا كما في العراق،فانشغلوا بانقلابات ضد بعضهم البعض ، حتى رسى المزاد على العلوي حافظ أسد.

كما رسى المزاد في العراق على البعثي السني صدام حسين، الذي كان يستشعر بخطر إيران على العراق وعلى العرب. حاربها ثماني سنوات، وهو ما أثلج صدر واشنطن. عندما شعرت بانحيازه إلى أهل السنة حاربته حتى انتهت به إلى حبل المشنقة.

رغم أن زعماء إيران كانوا يسمون واشنطن الشيطان الأكبر، إلا أنهم كانوا يبيعون ويشترون معها، وأن آخر ما كانوا يفكرون به هو الإسلام، فقد كانت العلاقة معها تعطيهم تفوقا على أهل السنة منافسيهم في المنطقة. وقد وجدت واشنطن ضالتها عندهم.

في سوريا تبين لواشنطن أن حافظ أسد هو من تريد، وأنه الحاكم المثالي عندها. فكان ركن الزاوية الذي اعتمدته بالمنطقة. حكم سوريا 30 عاما بالحديد والنار. وقد أصدر، أمام سمع وبصر واشنطن، قانونا لم يصدر أفظع منه في تاريخ العالم – قديمه وحديثه- وهو القانون 49 لعام1980 الذي يحكم بالإعدام على مجرد الانتماء للإخوان المسلمين. لكن أهم عيب كان في حافظ أسد أنه بشر وأنه سيموت مهما طال عمره، فأوحت إليه واشنطن أنه لا مانع لديها من توريث أبنائه. فرتب الأمر على أن يتم توريث ابنه بشار من بعده بعد مقتل أخيه باسل.

بدأ حافظ أسد ترتيب أوضاع سوريا ولبنان،فكان لواشنطن ما أرادت. كان يتدخل بكل صغيرة وكبيرة في لبنان. وفي عهده مكّن للشيعة في لبنان، وكان حزب الله هو يده الطولى في لبنان. ومع أن إسرائيل تتأثر بكل بندقية توجد على حدودها، فقد أغمضت واشنطن عينها عن ترسانة هذا الحزب التي أصبحت أقوى من سلاح الجيش اللبناني، ليكون الحزب أقوى من أي ميليشيا سنية قد تنشأ في المنطقة، وهذا ما رأيناه عند تدخل حزب الله لدعم بشار في قتاله مع الفصائل السنية في سوريا.

كما أشرنا سابقا، فقد شعرت واشنطن بقوة جيش العراق بقيادة صدام حسين، وأنه صار خطرا على نفوذها في المنطقة، فاستدرجته إلى احتلال الكويت عام 1990، ثم شكلت تحالفا ضم 30 جيشا لإخراجه من الكويت. كانت نتيجة هذه الحرب أن واشنطن سلخت كردستان عن العراق. كما طبقت –بعيدا عن مجلس الأمن- حظرا جويا على المناطق الشيعية في الجنوب.

أما إيران فلم تكتف بهيمنتها على العراق وسوريا ولبنان، فقد أكملت مؤامرتها على أهل السنة عندما مكنت للأقلية الحوثية في اليمن، حتى أكملوا سيطرتهم على معظم الشمال اليمني بما فيه العاصمة صنعاء،تم ذلك تحت سمع وبصر واشنطن، فلم تحرك سكنا وكأنهم يعملون لحسابها.

في معضلة الوقت الحاضر، سكتت واشنطن عن تنامي تنظيم الدولة الذي لم يكن عدد مسلحيه يزيد عن بضع مئات في العراق حتى بداية عام 2013. بل إنها أغمضت عينيها عن اجتياح ميليشيا هذا التنظيم للموصل وما جاورها، حتى كاد التنظيم يسيطر على معظم المنطقة السنية في شمال غرب العراق. ولأمر ما سكتت واشنطن عن تنامي قوة تنظيم الدولة.

مؤخرا في مؤتمر جدة أعلنت واشنطن أن التحالف الذي تزمع تشكيله سوف ينهي تنظيم الدولة وينهي حكم بشار أسد. لكن طائراتها الحربية لم تخطئ مرة واحدة فتقصف جيش بشار، لكنها عند قصفها مواقع تنظيم الدولة، كانت تلقي قنابلها على فصائل سوريا لم يسبق أن مارست الإرهاب. فقد قصفت جبهة النصرة وأحرار الشام وصقور الشام. وحتى أنها قصفت حزم التي تعتبرها واشنطن من المعارضة المعتدلة.

لم يستطع أوباما أن يجيب عن عدم قصفه الميليشيات الشيعية التي عاثت في سوريا تدميرا وقتلا. وأجاب عن عدم استهدافه نظام بشار بأنه لا يريد أن يرى من بعده فصائل إرهابية مثل داعش والنصرة، وكأن حزب الله والميليشيات الشيعية الأخرى بريئة من من الإرهاب كبراءة يو سف عليه السلام. وهو يعلم أن هذه الميليشيات قتلت من السوريين أضعاف ما قتله تنظيم الدولة في العراق وسوريا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أيّ داعش ـ غيت تشغل واشنطن وطهران هذه الأيام؟ .. صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 18/10/2014

نعمنا، خلال الأسبوع المنصرم، بسلسلة تصريحات إيرانية وأمريكية، تشير إلى طبيعة أخرى للعلاقات بين واشنطن وطهران، مخالفة لحقائق المستوى الباطن، لكي لا يقول المرء: منافية، لما يتبدى على السطوح الظاهرة. بعضها صدر عن مسؤولين على رأس عملهم (مثل حسين أمير عبد اللهيان، مساعد وزير الخارجية الإيرانية للشؤون العربية والأفريقية)؛ وبعضها الآخر عن رجال شغلوا مناصب حساسة في إدارات أمريكية سابقة، وصوتهم بالتالي ما يزال مسموعاً (مثل هنري كيسنجر وجيمس بيكر، وكلاهما تولى وزارة الخارجية).

قال عبد اللهيان (وأنكرت سوزان رايس، مستشارة البيت الأبيض للأمن القومي) إنّ إيران تتراسل مع الإدارة الأمريكية حول «داعش»، الأمر الذي يعني اشتراك طهران في التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن، رغم النفي. كما أضاف اللهيان، أو بالأحرى تقصد تسريب، تقدير إيراني تمّ إبلاغه إلى المحاوِر الأمريكي، حول الصلة بين إسقاط نظام بشار الأسد وأمن إسرائيل: «إذا أراد التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة تغيير النظام السوري، فإن أمن إسرائيل سينتهي»، حسب وكالة فارس الإيرانية؛ و: «إيران حذرت أمريكا وسائر الدول المتحالفة معها من أنّ السعي لإسقاط نظام بشار الأسد، خلال المواجهة القائمة مع داعش، سيعرض أمن إسرائيل للخطر»، حسب أسوشيتد برس.

بيكر، خلال حوار مع قناة NBC الأمريكية، قال إنّ السبب الوحيد الذي يحرج واشنطن في ضمّ طهران إلى التحالف الدولي، هو مخاطر ظهور أمريكا بمظهر حليفة الشيعة ضدّ السنّة، مفترضاً بالطبع أنّ «داعش» هي ممثلة السنّة وإيران زعيمة الشيعة. «لن أُفاجأ بأنّ إيران تساعدنا بهدوء»، قال بيكر، مشدداً من جديد على يقينه بأنّ التحالف الراهن ينبغي أن يكون أعرض بكثير مما هو عليه: «نحتاج إلى استجماع كل دول المنطقة. نحتاج إلى الاتحاد الأوروبي، وروسيا، والصين، وأنفسنا بالطبع، لإطلاق نقاش ومؤتمر ومفاوضات حول كيفية تمكين القوى المعتدلة في المنطقة، وكيف نحدّ من المتطرفين في المنطقة، وكيف نقوم بذلك كله دون إلهاب النزاع السنّي ـ الشيعي»!

في ذهن بيكر، بالطبع، وكما ذكّر محاوره ومشاهديه، ذلك «التحالف الرائع» الذي استجمعه رئيسه جورج بوش الأب، ضدّ نظام صدام حسين، قبل وخلال «عاصفة الصحراء»، 1991: 50 بلداً، أرسلوا 200 ألف جندي، بالإضافة إلى 550 ألف جندي أمريكي. ولكن… هل قتال «داعش»، وخفض قدراتها العسكرية تمهيداً للقضاء عليها كما أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما، يحتاج إلى مقارنة كهذه، حقاً؟ وبأيّ عقل يستخفّ بيكر حين يشترط هذا النطاق الدبلوماسي والعسكري الكوني الأوسع، ضدّ تنظيم يعدّ بعشرات الآلاف فقط؟ ومَنْ، سوى يعض الجهلة من مشاهديه، يستغفل حين يعيد المسألة إلى محتوى تقليدي، خاطىء ومضلل، هو «النزاع السنّي ـ الشيعي»؟

المرء، في هذا السياق العريض، ولكن ضمن تداعياته العراقية خاصة، يتذكر «مجموعة دراسة العراق»، التي قادها بيكر مناصفة مع السناتور الديمقراطي لي هاملتون، سنة 2006، وهدفت إلى «إيجاد حلّ للمشكلة العراقية»؛ أو، على وجه أدقّ، مأزق أمريكا في العراق. ذلك لأنّ الحال، يومها، كما الآن إلى حدّ كبير، لم تكن «مشكلة» فقط، بل مسألة، وقضية، ومستنقع؛ ولهذا فإنّ الحلول التي اقتُرحت لم تخدم عراقاً ديمقراطياً، بل عراقاً منقسماً إلى طوائف وإثنيات؛ وخدمت مصالح أمريكا أولاً، ثمّ إيران وتركيا ثانياً، قبل خدمة طموحات العراقيين.

وحين يُسأل بيكر، اليوم، عن الفارق بين ضمّ نظام حافظ الأسد إلى تحالف «درع الصحراء» سنة 1990، والامتناع عن ضمّ نظام الاسد الابن، وكذلك إيران، إلى التحالف الراهن ضدّ «داعش»؛ يجيب: لهذا الغرض تحديداً: مخافة خلق الانطباع بأنّ الولايات المتحدة «تنخرط إلى جانب الصفّ الشيعي»، وهذا هو التفسير الضحل الذي لا ينمّ عن الجهالة وحدها، بل التجهيل أيضاً. فضيلة السؤال تقود بيكر، مع ذلك، إلى إقرار لعلّه الأوّل من طرازه، خاصة إذْ يصدر عن وزير خارجية أمريكا خلال الحقبة المعنية: اشتراك نظام الأسد في تحالف «عاصفة الصحراء»، بل مشاركة قوّاته الفعلية في بعض العمليات العسكرية كما يسجّل بيكر نفسه، كان ثمناً لإطلاق يد النظام السوري في لبنان على امتداد 15 سنة لاحقة.

في الحوار ذاته، مع NBC، ذكّرنا كيسنجر بما لا نجهل: أنّ «إيران الدولة حليف طبيعي للولايات المتحدة»، ولا يقوم العداء بين البلدين إلا على مستويات دينية وإيديولوجية؛ وبالتالي، ليس عجيباً، ولا طارئاً، أن تتعاون طهران مع التحالف الدولي، سواء ضُمّت إليه علانية، أم انخرطت فيه سرّاً. ولن يكون هذا التصريح عجيباً، ولا طارئاً، إذا استعاد المرء حقيقة كبرى في تاريخ العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية: في عام 1975 وقّع وزير الخارجية آنذاك، كيسنجر نفسه، ما يُعرف باسم «مذكرة القرار الأمني 292»، التي أرست دعائم التعاون النووي الأمريكي ـ الإيراني، بقيمة استثمارية صافية تبلغ ستة مليارات. وبعد سنة فقط، وقّع الرئيس الأمريكي جيرالد فورد أمراً إدارياً بتمكين إيران من شراء وتشغيل منشأة تتيح فصل البلوتونيوم، أي المرحلة الأعلى في تصنيع القنبلة النووية!.

كذلك فإنّ البرنامج النووي الإيراني لم ينطلق في عهد الثورة الإسلامية الإيرانية (1979)، بل قبل اندلاعها بما يقارب ربع قرن، في أيام الشاه رضا بهلوي؛ وكان البرنامج جزءاً من ألعاب الشدّ والجذب بين واشنطن وموسكو، خلال عقود الحرب الباردة؛ ولهذا فإنّ الولايات المتحدة الأمريكية هي الجهة التي رعت وأشرفت على تنفيذ البرنامج. كذلك كانت واشنطن هي التي زوّدت طهران بمفاعل نووي طاقته 5 ميغاواط، وأمّدت المفاعل بالوقود اللازم، أي اليورانيوم المخصّب (نعم: اليورانيوم المخصّب ذاته الذي يقيم الدنيا ولا يقعدها اليوم!)، كما قبلت إقامة منشآت لتخصيب اليورانيوم في إيران.

صحيح أنّ إيران الشاهنشاهية ليست إيران الخمينية أو الخامنئية، ولكن على مستوى مقتضيات الدولة، تماماً كما يشير كيسنجر وتبرهن تصريحات عبد اللهيان، هل تغيّرت شبكات المصالح كثيراً، حقاً؟ وهل وقعت فضيحة «إيران ـ غيت» أيام الشاه، أم في حياة آية الله الخميني ورونالد ريغان، بمباركة إسرائيل؟ كلا، بالطبع، ولحمقى «الممانعة» أن يعمهوا في الحمق، الغريزي أو المصطنع، حين تواصل حشودهم هتاف «الموت لأمريكا»؛ وفي الآن ذاته تواصل طهران، راعية «الممانعين»، خدمة أمريكا وإسرائيل، في العراق وسوريا ولبنان واليمن…

وتبقى استعادة أخيرة، في مناسبة حديث كيسنجر اليوم عن الخلافات الإيديولوجية والدينية باعتبارها أدنى قيمة في علاقات الدول، من المصالح. ففي سنة 2006، كتب كيسنجر ما يلي عن العراق: «من المؤكد أنّ التاريخ لا يكرّر نفسه بدقّة. فييتنام كانت معركة تخصّ الحرب الباردة؛ وأمّا العراق فهو أحدوثة في الصراع ضدّ الإسلام الجذري. لقد فُهم أنّ تحدّي الحرب الباردة هو البقاء السياسي للأمم ـ الدول المستقلة المتحالفة مع الولايات المتحدة والمحيطة بالاتحاد السوفييتي. لكنّ الحرب في العراق لا تدور حول الشأن الجيو ـ سياسي بقدر ما تدور حول صدام الإيديولوجيات والثقافات والعقائد الدينية. ولأنّ التحدّي الإسلامي بعيد النطاق، فإنّ الحصيلة في العراق سيكون لها من المغزى العميق أكثر ممّا كان لفييتنام».

أين ذهب ذلك المغزى، اليوم؟ أهو في باطن كيسنجر، أم في ظاهر «الخليفة» البغدادي؟ و

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل حشدت أمريكا أربعين دولة لإنقاذ بشار الأسد؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 18/10/2014

صحيح أن السياسة والاستراتيجيات عمليات معقدة ومتشعبة، إلا أن نظرة سريعة إلى التحالف الدولي الذي يستهدف تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا جواً تؤكد ببساطة أنه يصب، بطريقة أو بأخرى، في مصلحة النظام السوري وحلفائه تحديداً. دعكم من سخافات انتهاك السيادة السورية. فلا أخلاق في السياسة. صحيح أن طائرات التحالف تنتهك الأجواء السورية بمفهوم القانون الدولي، لكنها تقصف ألد أعداء النظام الذين اسقطوا العديد من مطاراته ومواقعه، ومرغوا أنوف جيشه بالتراب. ألا تتذكرون ما فعله تنظيم الدولة بجنود الأسد في الرقة والطبقة؟ ألم تروا طوابير الجنود العراة الذين استعرضهم التنظيم كنوع من الإهانة للأسد في الرقة، ثم أعدمهم جميعاً بطريقة وحشية؟ ألا تتذكرون مناظر قطع الرؤوس الرهيب لقوات الأسد في أكثر منطقة؟

هل كانت تلك المشاهد المريعة مجرد لعب عيال، أم إنها كانت ضربة نجلاء لكبرياء الجيش السوري ونظامه؟ ألم يثر جماعة النظام على القيادة وحمّلوها مسؤولية سقوط المطارات وإهانة الجنود والضباط على أيدي تنظيم الدولة الإسلامية؟

فماذا ستكون ردة فعل النظام وجماعته إذن عندما يرون طائرات التحالف تدك مواقع وأرتال القوات التي أهانت الجيش السوري، وقطعت رؤوس العديد من جنوده؟ لا شك أنهم سيشعرون بالتشفي والفرحة، وسيقولون: عدو عدوي صديقي.

لقد نزلت ضربات التحالف الدولي على مواقع تنظيم الدولة في سوريا برداً وسلاماً على نظام الأسد وحلفائه الإيرانيين وحزب الله وروسيا. وبالرغم من التصريحات الروسية الخجولة حول عدم شرعية التحالف، فلا شك أن الروس والإيرانيين سعداء في قرارة انفسهم وهم يرون الطائرات الأمريكية والعربية تدك مواقع تنظيم الدولة في سوريا والعراق. ولا شك أنهم يرددون المثل الإيراني الشهير: «لا تقتل الأفعى بيدك، بل اقتلها بيد عدوك». وهذا ما يحصل فعلاً في سوريا والعراق.

دعكم من التحليلات الرغبوية. المهم ما يحصل على الأرض. ألم يستغل النظام السوري عمليات التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا لتكثيف عملياته العسكرية الرهيبة ضد المناطق الثائرة؟ ألم يلجأ في حي جوبر إلى استخدام أسلحة روسية لم يسبق لها مثيل في التدمير، بينما أعين العالم كلها منصبة على عمليات التحالف ضد تنظيم الدولة في شمال وشرق سوريا والعراق؟ ألم تزدد همجية الجيش السوري مرات ومرات؟ ألم يلجأ إلى سياسة الأرض المحروقة تماماً، حتى لو أزال مناطق بأكملها عن الخارطة؟ بعبارة أخرى، فإن القصف الدولي لتنظيم الدولة جاء بمثابة غطاء للنظام السوري كي يفعل ما يشاء في المناطق الخارجة عن سيطرته. ولا شك أنه ينجح. لاحظوا أن النظام استعاد الكثير من المناطق أثناء القصف الدولي لتنظيم الدولة. وهو يبلي بلاء حسناً في ريف دمشق وحتى حلب، بينما الكل مشغول بعمليات التحالف ضد تنظيم الدولة.

ليس صحيحاً أن تنظيم الدولة يواجه فقط حرباً جوية غير مجدية، وأن لا أحد مستعدا أن يواجهه على الأرض. ألا تقوم قوات النظام السوري وحزب الله وإيران بمواجهة تنظيم الدولة براً، بينما تقصفه طائرات التحالف جواً. والنتيجة أن الجيش السوري يسيطر على كل المناطق التي يتركها تنظيم الدولة. بعبارة أخرى، فإن الطائرات الأمريكية والعربية تقوم بإضعاف التنظيم جواً تاركة المجال للقوات السورية كي تنهكه براً، ومن ثم تسيطر على المناطق التي تركها، خاصة وأنه ليس هناك أي قوات للجيش الحر تستطيع أن تملأ الفراغ الذي تركه انسحاب تنظيم الدولة من هذه المنطقة أو تلك. فقوات الجيش الحر التي تزعم أمريكا أنها ستدربها لن تكون جاهزة قبل أشهر. وفي هذه الأثناء يكون الذي ضرب، ضرب، والذي هرب، هرب كما يقول المثل الشعبي. بعبارة أخرى، يكون الجيش السوري قد استعاد المناطق التي فقدها بدعم جوي أمريكي وعربي. باختصار، فإن الحملة الدولية على تنظيم الدولة تتم عملياً بالتعاون بين أمريكا جواً ونظام الأسد وإيران براً، ينما يدفع العرب كلفة الحملة العسكرية لصالح تعزيز نظام الأسد .تلك هي نتيجة التحليلات الغربية الواقعية.

ويؤكد روبرت فيسك في صحيفة «الاندبندنت» أنه «في اللحظة التي تحركت فيها الولايات المتحدة، ووسعت حملتها ضد تنظيم الدولة لتشمل سوريا، حصل بشار الأسد على دعم عسكري وسياسي أكثر من أي قائد آخر، فبانفجار القنابل في مناطق شمال وشرق سوريا يمكن للأسد الاعتماد الآن على دعم روسيا والصين وإيران وأمريكا، وحزب الله والأردن ودول الخليج للحفاظ على نظامه. ويشير الكاتب إلى أن الأسد يمكنه الآن الجلوس في بيته في دمشق ليفكر كيف تقوم أقوى دولة في العالم، التي حاولت ضربه العام الماضي باستهداف أعدائه.و يضيف فريديريك بيشون الكاتب والمحلل السياسي «لوكالة فرانس برس» في تقرير نشره موقع «شؤون خليجية» أنه بالنسبة إلى بشار الأسد، فإن وضعه ممتاز من الناحية السياسية والجيوسياسية، لأن واشنطن ولندن ستجدان نفسيهما في الخط نفسه إلى جانب دمشق. ويعتبر الباحث في معهد بروكينغز «تشارلز ليستر» أن النظام السوري سيخرج أكثر قوة.

وينتهي موقع «شؤون خليجية» إلى نتيجة مفادها أن دول الخليج تتحمل فاتورة التحالف الدولي ليس من أجل القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية، ولكن من أجل القضاء على المعارضة السورية وإعطاء قبلة الحياة لنظام بشار الأسد، الذي نجح حتى الآن في السيطرة على الأماكن التي انسحب منها تنظيم الدولة.

البعض يأمل أن تطال ضربات التحالف لاحقاً مواقع النظام السوري، مما سيقلب الطاولة رأساً على عقب. لكن ذلك يبقى في إطار التكهنات والتمنيات الرغبوية حتى الآن على الأقل.

٭ كاتب واعلامي سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خطط فاشلة بشأن السوريين الأكراد .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 18/10/2014

في زيارةٍ قمت بها بمعية أعضاء من "اللجنة الوطنية لحماية السلم الأهلي"، التي شكلها لفيف من الأصدقاء، وشرّفوني بعضويتها، رافقنا لفيف من مقاتلي "غرباء الشام" إلى مقر إخوتنا الكرد في المدينة، لبدء محادثاتٍ أردنا لها أن تنهي الاقتتال فيها، وهو ما تحقق بالفعل على أيدي ممثلين من الطرفين "المتقاتلين". حين وصلنا إلى المقر، استقبلنا قرابة مائتي مواطن كردي بهتاف "واحد واحد واحد الشعب السوري واحد". وبعد قليل، تعانق كثيرون منهم مع مقاتلي الغرباء، الذين جاؤوا معنا من دون موافقتنا، خشية أن يثير حضورهم المشاعر، ويسبب مشكلة تقوض فرص نجاحنا. طفرت عندئذ الدموع من عيني وأعين كثيرين، لأن بعض من تعانقوا كانوا يتحاربون قبل ساعات قليلة. أقنعتني الحادثة بصحة شعار الثورة المجيدة "الشعب السوري واحد".

تقاطع رأيان في الوسط السياسي المعارض، وخصوصاً منه المحسوبة على الديمقراطية، حول العلاقات التي ستقوم بعد الثورة، بين مكونات ما أسماه برهان غليون "الجماعة الوطنية السورية"، تفرع عنهما خلاف مفصلي، وترتبت عليهما نتائج جد متعارضة، قال أولهما بأولوية مشاركة جميع مكونات هذه الجماعة، وبكل ما تمتلكه من قوى في معركة إسقاط الاستبداد، على أن تنظم بعده علاقات الداخل السوري، في إطار الفكرة الديمقراطية والروح التكاملية، وعلى أرضية منجز وطني، شارك فيه الجميع، وضحوا من أجله، مع بقاء باب الحل مفتوحاً على جميع الاحتمالات، بما فيها احتمال الفيدرالية. كنت شخصياً مع هذا الرأي.

لذلك، وافقت على أية اتصالات، الهدف منها رسم صورة سورية المستقبل، بتوافق يلزم الجميع، يرتكب من يخرقه جرم الخروج على إجماع وطني. في المقابل، كان هناك تيار آخر، عبر عنه الأستاذ صالح مسلم أكثر من أي شخص آخر، رأى في الأمر الواقع ضمان حقوق الكرد في سورية وما وراءها، وآمن بقدرته على تمرير ما يريد، وسط تطاحن واسع، لا يعرف أحد إلى أين سيصل، وطور خطاً سياسياً لإنجاح مشروعه، جمع فيه أضداداً تتحدى قدرات كرد الجزيرة، وعربها وسريانها وكلدانها وآشورييها وشركسها وشيشانها وتركمانها وأرمنها مجتمعين، كالمحافظة على علاقاته مع النظام، وفي الوقت نفسه، على عضويته في هيئة التنسيق، وإعلانه أن كرد الجزيرة هم شعب غرب كردستان، وأن مناطقهم يجب أن تخضع لما أسماها إدارة ذاتية ديمقراطية، سيقيمها حزبه، ما لبث أن حكم سكانها من مختلف القوميات، بطرقٍ، لا تتفق مع أبسط متطلبات الديمقراطية وقيمها،  بينما منع الجيش الحر من دخولها، أو المرابطة فيها، بحجة أنها أرض محررة، واستلم بعضها من مخابرات النظام بكامل أسلحتها.

خال السيد مسلم أنه قفز من فوق الجميع، وانتقل، ونقل الكرد إلى المستقبل، أي إلى ما بعد الأوضاع الراهنة. وظن أن منطقته صارت، بالفعل، نواة دولةٍ، لن يتمكن أحد من تغيير واقعها، لأنها غدت أمراً واقعاً، عبر عنه بأسماء، تشاع، أول مرة، في لغة السياسة السورية، كتسمية منطقة الجزيرة "روج آفا" التي ستكون، في الحد الأدنى، جزءاً مستقلاً نسبياً من فيدرالية سورية، وفي الحد الأعلى، جزءاً من دولة كردية شاملة، ستقوم في سورية والعراق وتركيا، كما كان مقرراً لها في اتفاقية سان ريمو.

أخطأ السيد مسلم في أولوياته السياسية، وحساباته السورية والإقليمية، وحمّل أكراد الجزيرة فوق ما يطيقون ويستطيعون، وزجّ بهم في مغامرة أساء توقيتها، وها هم يتبينون  في خضم معركة "عين العرب – كوباني" ومضاعفاتها فداحة أخطائه، والعبء الثقيل الذي ألقاه على عاتقهم، في ظرفٍ لن يتمكنوا من القفز فوقه، في الوضع، الداخلي والعربي والإقليمي، وسيكون فوق قدراتهم تحديد صورتهم النهائية مكوناً وطنياً سورياً، في معزل عن غيرهم أو ضد إرادته، كأن انتماءهم السوري لا يرتب عليهم أية التزامات وطنية، أو أي تضامن مع بقية مواطنيهم، أو كأن اللعب على حبال التناقضات يمكن أن يكون سياسة تخدم مصالحهم، أو كأن نجاح مشروع قومي يمكن عزله عن الظرفين، الدولي والإقليمي، وإرادة بقية مكونات الجماعة الوطنية السورية، التي إن فشلت ثورتها أخفق، وإن نجحت استطاعت أن تعيد النظر فيه، هذا إذا سمحت تركيا وإيران وسورية بتمريره.

يقال إن رئيس وزراء تركيا أعلم السيد مسلم بشروط إنقاذ "كوباني- عين العرب"، وهي تتصل جميعها بالخطوط الحمر، التي ظن أنه تخطاها، وانتهى الأمر، وهي، قطع علاقاته مع النظام السوري، والتعاون مع الجيش الحر، وحماية حدود تركيا وأمنها. بكلام آخر، إلغاء مشروعه عن الإدارة الذاتية، لأنها أكثر من ذلك بكثير.

بالمناسبة، منع السيد صالح مسلم دخول الجيش الحر إلى منطقة الإدارة الذاتية، واليوم، يقدم هذا الجيش 40% من المدافعين عن عين العرب، وأعلن، قبل يومين، عزمه على إرسال ألف من مقاتليه لرد "داعش" عنها، بينما عزا مسلم سقوط بعض مناطق المدينة إلى وحدات من هذا الجيش، في سياق إيجاد أجواء مسمومة مع بقية مواطني سورية. وتكشف هذه الوقائع، على خير وجه، عن أفظع خطأ ارتكبه السيد مسلم: اعتقد أن الشعب السوري لم يعد واحداً، وعليه المسارعة إلى الإفادة من انقساماته وزوال وحدته، لاقتطاع أكبر قسم ممكن من كعكته كشعب سابق، لم يعد له وجود، ومن أرضه أيضاً باعتبارها أرضاً كردستانية، مع أن ما يجري في "كوباني – عين العرب" يؤكد الاستراتيجية البديلة، استراتيجية وحدة السوريين شعباً في الصرع ضد الأسد ونظامه، رفضها صالح مسلم، وقادته إلى سياسة كارثية النتائج على الشعب الكردي، سيحول قيامها دون بناء دولةٍ ديمقراطيةٍ لجميع السوريين، جماعات وأفراداً، يمكن للسيد صالح أن يقيم فيها نظاماً فيدرالياً أو لا مركزياً هو رئيسه، باختيار شعب وطننا الحر وتأييده.

تحدت مجريات معركة "عين العرب – كوباني" خيار الإدارة الذاتية الديمقراطية، التي طاردت الكرد بصورة منظمة، بل أسقطته. لذلك، من الأهمية بمكان أن يخلي مسلم مكانه لقيادةٍ أولويتها إسقاط الأسد، وإقامة دولة ديمقراطية، لا تنكر حقوق مكونات الجماعة الوطنية السورية، بما في ذلك حقهم في تقرير مصيرهم بأنفسهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الشّتات السوري ومصاعب الحياة .. حسان القالش

الحياة

السبت 18/10/2014

ما يواجهه السوريون الذين «وجدوا سبيلهم إلى مغادرة أرض السلطتين، سلطة الأسد وسلطة داعش» أكثر تعقيداً من «مصاعب الحياة» وفق الصّديق حازم صاغيّة («الحياة» 11-10-2014). والحديث هنا عن مجتمع الشّتات السّوري تحديداً الموجود بغالبيّته في أوروبا، والذي يمكن ملاحظة ثلاثة مستويات أو بيئات من التجمّع فيه: أنصار النظام، معارضوه، وأصحاب الخيارات الفرديّة ممّن اختاروا أن يعيشوا بعيداً من التجمعين السّابقين.

ولعلّ أُولى «مصاعب الحياة» لدى هذه الفئات الثلاث قدرتهم على الاندماج في مجتمع أو ثقافة بلاد المهجر أو الملجأ، وربّما قبل ذلك، رغبتهم في الاندماج. فأنصار النظام وعلى رغم أنّهم يمتلكون قدرة أكبر من معارضيه على الاندماج، كونهم غير مكشوفي الظّهر ومحميّين من النّظام فضلاً عن تفوّقهم المادّي والتعليمي بدرجة أو بأخرى عن البقيّة، إلاّ أنّ اندماجهم المنشود يبدو ناقصاً. ذاك أنّ تعلّقهم بالنظام لا يسمح لهم بالقطع مع الحياة السّابقة في سورية وشروط تلك الحياة المحكومة بعلاقاتهم بالنّظام وآمالهم ببقائه ومعاودة تلك الحياة، فضلاً عن مشاعرهم العدوانيّة تجاه الثورة وبيئتها، وبالتالي لأنصار هذه الثورة في التجمّع الموازيّ لتجمّعهم في الشّتات. وهذا ما يعني أنّهم لم ينفصلوا انفصالاً تامّاً عن نظام اشتهر بتمجيد «القضايا على حساب البشر»، بحيث يشكّلون امتداداً ضعيفاً له، واحتمالاً لنشر أفكاره وأخلاقه وإعادة تمجيد قضاياه.

وما يقال في هؤلاء يقال في البيئة الموازية لهم من أنصار الثّورة، وإنّما بدرجة أعلى من التعقيد والتشابك. ذاك أن مشكلات مجتمع الشتات المؤيّد للثورة تجعلهم بعيدين من مرحلة طلب الاندماج، فضلاً عن أنّها تزيد من ارتباطهم بالقضيّة الأم، قضيّة الوطن والثورة، بشكل عام، وقضيّة هويّتهم الجماعيّة ومظلوميّتها بشكل خاص، أي بـ «قضايا البشر» إن صحّت التسمية. هكذا يواصلون عيشهم تحت إلحاح الانتقام لهذه القضايا، فضلاً عن انتقامهم التاريخي من قضايا النّظام.

ومع أنّ من المبكّر الحكم على تجربة الشّتات السّوري طالما أنّ الثورة ما زالت مستمّرة ولم يحسم الصراع مع نظام الاستبداد، ولم تتحدّد ملامح الأجيال التي ولدت في هذه الأثناء وشكل أو حجم التركة التي سيرثونها عنه، إلاّ أنّ هذه الملاحظات تشكّل بنسبة أو بأخرى أحد الأساسات التي تقوم عليها هذه التجربة، خصوصاً في علاقتها مع «القضايا» عموماً، وموقع القضيّة السّورية منها ومصير هذه القضيّة التي بدأت في بلاد الشّتات تُفلت من أيدي السّوريّين وتتحوّل إلى قضيّة جهاد عالميّ.

بهذا يكون السوريّون أمام صراع جديد لاستعادة قضيّتهم الأولى والحقيقيّة. وفي مواجهة هذه التحديّات تبدو «مصاعب الحياة» ترفاً لم يستحقّه السّوريون بعد وإن كانت أبسط أمانيهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com