العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 26-04-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

ما بعد عاصفة الحزم .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 23-4-2015

بدأت «عاصفة الحزم»، قبل نحو شهر، بصورة مفاجئة. وتم الإعلان عن نهايتها، البارحة، بصورة مفاجئة أكثر. فوقف الغارات الجوية للتحالف العشري بقيادة السعودية على مواقع الحوثيين وحلفائهم من القوات الموالية للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، لم يأت نتيجة تسوية سياسية يمنية ـ يمنية تحدد معالم المرحلة المقبلة، ولا نتيجة استسلام الحوثيين وحلفائهم من خلال الموافقة على قرار مجلس الأمن الأخير ذي الصلة. وفي هذه الحالة لا بد من حدوث صفقة غير معلنة بين الجهات الاقليمية المعنية بالأزمة اليمنية، وتحديداً بين المملكة العربية السعودية وإيران. غير أن الصيغة التي جاء فيها إعلان وقف عمليات «عاصفة الحزم» توحي بأن الصفقة لم تنضج تماماً، ما دامت «إعادة الأمل» ستبدأ من حيث انتهت «عاصفة الحزم». فالحصار البحري والحظر الجوي مستمران، وفقاً للإعلان، ومن المحتمل استئناف العمليات العسكرية في أي وقت إذا اقتضت الحاجة. قد يعني هذا اكتفاءً سعودياً بالخسائر التي تكبدها الحوثيون وأنصار صالح، بانتظار إعلانهما الموافقة على قرار مجلس الأمن، وضمناً استعادة الرئيس عبد ربه هادي منصور وحكومته سلطتهما الشرعية، وتمكينهما من العودة إلى عدن.

بعيداً عن اللهجة الانتصارية في ردود الفعل الأولية لدى إيران وأتباعها الاقليميين على انتهاء عملية عاصفة الحزم، لا شك أن ذراع إيران تم ليها في اليمن، فسمعنا صرخة توجعها من الضاحية الجنوبية لبيروت، قبل يومين، على لسان حسن نصر الله الذي بلغ في خطابه الأخير مستويات غير مسبوقة من البذاءة العدوانية المذهبية. شيء ما حدث، في الأيام القليلة الماضية، بعيداً عن عيون الجمهور والإعلام، جعل هذه الهدنة الحذرة ممكنة. إنها «السياسة العميقة» ما بين الدول، أو «لعبة الأمم» كما تسمى، تقرر فيها مصائر شعوب كما لو كانت مجرد بيادق على رقعة شطرنج دامية. لا أحد يسألها رأيها في مصائرها، بل تتحدد هذه داخل غرف مغلقة. كانت ثورات الربيع العربي فرصة لتغيير قواعد اللعبة هذه، ولذلك تمت محاربتها بشراسة بالغة وصولاً إلى حروب أهلية مفتوحة تجعل الشعوب التي تمردت تتوب عن تكرار المحاولة ربما لمئة عام قادمة.

ستكشف لنا الأيام المقبلة عن فحوى الصفقة التي تمت بموجبها الهدنة. يتحدث الرئيس اليمني عن عودة الشرعية واستعادتها زمام المبادرة في الداخل اليمني. هل هي مجرد أمنيات، أم نتيجة وافق عليها الطرف المغلوب؟ أم أن الحوثيين سيرفضون طلباً إيرانياً بالتهدئة ويواصلون القتال؟ أم أن الصفقة المحتملة تشمل اليمن ولا تقتصر عليها؟ بكلمات أخرى: هل ستتخلى إيران عن اليمن على أمل الاحتفاظ بسوريا ولبنان والعراق؟

فلعل إيران اكتشفت خطأها الفادح في مد نفوذها إلى الخاصرة السعودية في اليمن، فقررت التراجع خطوة أمام العاصفة، ومحاولة تركيز جهودها على الاحتفاظ بمواقع نفوذها القوية في العراق ولبنان، وعدم التفريط بنظام بشار الكيماوي في دمشق الذي تلقى خسائر ميدانية كبيرة في الآونة الأخيرة. احتدام التوتر اللفظي بين حزب الله وخصومه في تحالف 14 آذار في لبنان، بمناسبة حرب عاصفة الحزم، ربما كان نوعاً من الإنذار المبكر بصدد ضرورة الوصول إلى تسوية سياسية في اليمن للمحافظة على السلم الأهلي الهش في لبنان. أما الضغط الميداني المتواصل على النظام الكيماوي في سوريا، فكان بمثابة التهديد بـ»عاصفة حزم» ثانية لسوريا. في حين يغرق المشهد العراقي في مزيد من الدم بين تنظيم الدولة الإسلامية وقوات الحشد الشعبي الشيعية واستمرار غارات التحالف الدولي ضد داعش.

ما حدث البارحة هو هدنة تكتيكية بين إيران والسعودية. الحوثيون وقوات صالح لم يستسلموا، والقتال مستمر حول عدن وفي مناطق أخرى. وعودة السلطة الشرعية إلى عدن مرهونة بتسوية سياسية داخلية تمنح الطرف المغلوب شيئاً ما يسهل عليه التراجع. في سوريا، يسعى المحور السعودي ـ القطري ـ التركي إلى كسب نقاط على حساب إيران لإرغامها على التفاوض على رأس الأسد. اسطنبول تجمع قادة فصائل عسكرية سورية كبيرة، بينهم زهران علوش المشتبه بمسؤوليته عن اختطاف الناشطة الحقوقية المعارضة رزان زيتونة ورفاقها الثلاثة في دوما، للتخطيط للمرحلة المقبلة ميدانياً. والسعودية تعمل على تشكيل كيان جديد مصغر للمعارضة السياسية السورية تمهيداً للاستحقاقات الدولية المقبلة. كل ذلك يتم بموافقة أمريكية ضمنية من غير تورط مباشر.

عاصفة الحزم أعادت رسم موازين القوى عبر الاقليم المتروك لمصيره من قبل القوى العظمى. لكن الصراع الاقليمي على المستقبل مستمر حتى ينهك قطبا الصراع الرئيسيان ويقتنعا بوضع ستاتيكو جديد، أو نظام إقليمي جديد، يحدد حصص القوة والنفوذ لكل طرف.

بانتظار ذلك، المقتلة مستمرة.

٭ كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*  

موقفنا - إيران الولي الفقيه : أي خيار ؟! وأي خسارة ؟! .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 20/4/2015

في ساعات العمى العقلي وحدها يظل الإنسان يجادل في البدهيات، ويظل لاعق المبرد لا يعرف دم من يستنزف . منذ انتصار ( ثورة الخميني أو ثورة الملالي ) في إيران ، وقيام ما سمي (الجمهورية الإسلامية ) هل عانت سمعة ( إيران – الولي الفقيه ) بمشروعها المتعدد الأبعاد ، ما تعانيه من سوء سمعة اليوم على مستوى المسلمين والعرب والسوريين بشكل خاص .

يرى بعض المحللين العرب والمسلمين ، وعلى الرغم من عظم التضحيات التي قدمها الشعب السوري ، أنه لو لم يكن للثورة السورية من فضل سوى أن تكشف حقيقة العدو ( الفارسي أو الصفوي أو الشيعي ) وتتعدد طرائق الناس في التسمية ، حسب خلفياتهم ؛ لكفّت ووفّت ..

لن تجادل مدرسة ( الولي الفقيه ) ، بفروعها اللبنانية والعراقية والدولية ، أنه لا سبيل للمقارنة بين المكانة التي كانت عليها هذه المدرسة بعد حرب 2006 والمكانة التي صارت إليها بعد انخراطها في حروب العراق وسورية واليمن على النحو الذي تفعل ، إلا إذا أصرت هذه المدرسة على منطق المكابرة والمجاحدة ، على طريقة من لا يريد أن يعترف بضوء النهار ..

لم يكن الأخطر والأسوأ في الاختيار ، هو ما كشف عنه خيار الولي الفقيه من غباء سياسي في الانحياز السافر ضد سنن الله ، ومنطق التاريخ ، وإرادة شعب حر كريم خرج يريد عدلا وحرية وكرامة إنسانية ، بل كان الأسوأ فيما فضحه هذا الخيار من تعصب وحقد تاريخي بدا سافرا بطريقة لا يمكن سترها ولا رقعها . وزاد في خطورة الأمر وبؤسه أن ( الولي الفقيه ) دخل المعركة بكل جنوده حتى الأخفياء منهم بحيث لم يترك على الطرف الآخر رأس جسر يمكن أن يحتاجه في مقبلات الأيام

والأشد خطرا وسوءً في الخيار الإيراني المقيت ، أنه لم يكن خيارا سيئا في جولة من جولات الصراع ، بل في أنه كان تأسيسا لصراع طويل المدى بعيد الأثر لن يقل أثره في تاريخ الأمة المعاصر عن أثر صفين وكربلاء . كربلاء جديدة يلعب بها الولي الفقيه وشركاه دور شمر وعبيد الله بن زياد . فلا أحد يدري اليوم كيف يمكن لهذا الصراع أن ينتهي ، ولا كيف يمكن للعقلاء أن يلموا آثاره وتداعياته ، علما أن الخاسر التاريخي فيه هو إيران والولي الفقيه ، مهما زين لهم غرور اللحظة ، والآمر الأمريكي أن الأمر إلى غير هذا سيسير ...

وكان خيار الولي الفقيه خيارا سيئا ( أخلاقيا ) في عالمنا الإسلامي الذي لا يقبل منطق ان السياسة ( مصالح وليست أخلاقا ) . إن أسوأ أنواع السقوط الذي وقع فيه الولي الفقيه وحسن نصر الله وأدواتهم في العراق هو السقوط الأخلاقي بممارساتهم وبخطابهم وبتحالفاتهم وحلفائهم العديمين من كل ما يمكن أن يتحدث عنه حامل عمامة سوداء أو بيضاء ، أو صاحب مشروع يصفه ( بالثوري الإسلامي )

على الصعيد السوري دخلت إيران وحلفاؤها المعركة فيما ظنوا داعمين ، ولكنهم ها هم اليوم يرون ( مدعومهم ) يذوب كما الثلج تحت شمس الربيع. أو يتلوى تحت مطارق الثوار ، كانت آخر هزيمة مجلجلة لبشار الأسد في إدلب . وتقلصت المدن والبلدات التي يسيطر عليها بشار ، وتبعثرت أكثر البؤر المحدودة التي يجدر بهم ( الإيرانيون ) ، بهم لا به ، حمايتها ....

الخبر عن إعادة انتشار قوات الحرس الثوري وجنود حسن نصر الله إلى دمشق وما حولها فقط ، حمل طيفا احتجاجيا على الطريقة التي تدير بها عصابات الأسد المعارك ، وعلى الطريقة التي يتم بها ما يسمونه ( تسليم البلاد ) . حالة انهيار عملياتية مكرورة ، و بقاء الولي الفقيه على خياره القاتل يفرض عليه أن يقدم من طرفه وفاء وعوضا عن هذه الهزائم...

ثم يتابع الإيرانيون والعالم أخبار انفضاض القوة البشرية الداعمة لبشار عنه . ثلث الرجال من المقاتلين العلويين قتلوا ، والأخطر من ذلك أن ثلثي الثلثين المتبقين لا يريدون أن يذهبوا مع بشار الأسد إلى مستنقع الموت . وهم في أفضل حالاتهم ، يريدون من بشار أو من حلفائه أن يقاتلوا عنهم ، وأن يحموهم ، ويحموا مصالحهم ، بل أن يعززوا امتيازاتهم المستقبلية ، حسب تقرير قريب ، لوول ستريت جورنال ؛ والمطلوب من الولي الفقيه وجنوده أن يقوموا اليوم بهذا الدور ، أن يقاتلوا ، ويقتلوا وهم يسمعون ، والوطيس ما يزال حاميا ،كلاما ينال من دورهم ومكانتهم ومستقبلهم في سورية ..فأي مسير سارالولي الفقيه ؟ واي طريق خسار اختار ..؟!

وعلى الصعيد الثالث ، ومع الأزمة الاقتصادية التي تعيشها طهران بسبب نظام العقوبات ، و انخفاض سعر برميل النفط ، و المعارك التي يمولها الولي الفقيه في العراق و سورية و اليمن ...

تتوالى الأخبار اليوم عن انهيار آخر في سعر صرف الليرة السورية والدولار / 300 ليرة سورية . واتساع حجم الهوة الاقتصادية في سورية ، ليس فقط على مستوى متطلبات الحرب ، بل متطلبات الدولة والمجتمع المنهارين أيضا ، وحيث ميزانية رواتب موظفي القطاع العام هي الشعرة الوحيدة التي ما زالت تربط الموظف بجهاز الدولة الذي يزعم الوفاء له بشار ..

وكل هذه المتطلبات أصبحت ملحة تحت نظر الولي الفقيه كضريبة أولية للمضي قدما في الخيار الشؤم الذي اختار ..

عندما وصل حسن روحاني إلى رئاسة الجمهورية في إيران كتب في صحيفة أمريكية : إن معادلة إيران مع المجتمع الدولي ليست صفرية . ورأى الكثيرون في المقال مدخلا سياسيا عقلانيا ...ليبقى السؤال ومع كل المعطيات التي تؤكد خطل الخيار الإيراني في سورية ، وحجم الخسارة المفتوحة التي منيت والتي يمكن أن تمنى بها إيران فيها ، هل ما زالت المعادلة الإيرانية في سورية صفرية ؟! وهل ما زالت معادلة إما الأسد أو نحرق البلد هي المعادلة التي يختارها العقلاء ..؟! وهل ما زال عنوان الحرب الوجودية الذي فرضه حسن نصر الله على الشعب السوري ، ما زالا هما الاستراتيجية والخيار ؟! ودائما يجب أن يربط الجواب على هذا السؤال بالحقائق المقدمة أولا عن الوضع العملياتي والبشري والاقتصادي.

وإذا كانت إيران ما تزال تملك بعض الخيارات البديلة لمعادلتها الصفرية ، ولحربها الوجودية التي قررتها في سورية ، فإن الشعب السوري لا يملك بديلا عن خياره الوطني في دولة موحدة مستقلة حرة عزيزة كريمة. وفي مواجهة أي حرب تفرض عليه بكل الصمود والثبات والجرأة والحزم.

لندن : 1 / رجب / 1436

20 / 4 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

الوطن السوري في ذكرى استقلاله .. أكرم البني

الحياة

الاربعاء 22-4-2015

لم يكن رواد الاستقلال وصانعوه ليتوقعوا أن يصل وطنهم إلى ما وصل إليه اليوم، كانوا على يقين بأن السوريين لا يحتاجون إلى وصاية أحد وليسوا أقل شأناً من الاحتلال، وكانت الثقة تملأهم بأن تضحيات شعبهم من أجل حريته لن تذهب هدراً، وبأنه قادر، حين يأخذ زمام الأمور بيديه، على بناء اجتماع وطني، يحفظ تنوعه وتعدديته، ويضعه في مكان لائق من سلم الحضارة الإنسانية.

تحقق الاستقلال، ولكن الحلم أخذ مساراً مختلفاً، فقد نمت أحزاب وجماعات سياسية استحضرت برامج أهملت الاشتغال على تنمية العقد الوطني وتغذيته بقيم الحرية والمساواة وحقوق الإنسان، وأخضعت مفهوم الوطن لمراميها الأيديولوجية، مرة لمصلحة الفكرة القومية وأولوية معالجة مشكلات الأمة، كقضية فلسطين والوحدة العربية، ليغدو الوطن مجرد واقع طارئ وموقت في خدمة الشعارات القومية العريضة، ما أفضى إلى صراعات بينية وتخندقات، ازدادت حدة بعد وصول أصحاب هذه الشعارات إلى سدة الحكم وتعميم ثقافة مشوهة وضعت إشارة مساواة بين السلطة والوطن، وسوغت قمع واضطهاد كل من يخالفها أو يعترض عليها.

ومرة ثانية من خلال قرن الرابطة الوطنية بالأيديولوجيا الشيوعية، فالوطن هو الوطن الاشتراكي المنضوي في منظومة أممية شيوعية، والذي يفاخر بأن السيادة فيه لدعاة العدالة الاجتماعية، ومن لهم مصلحة من العمال والفلاحين في فرض نمط الحياة الاشتراكية على الجميع! في حين تجاوز حملة الفكر السياسي الإسلامي معنى الانتماء الوطني لمصلحة الرابطة الدينية واعتبروا ما هو قائم من تشكيلات سياسية واجتماعية مجرد نقاط عبور صوب دولة الخلافة الإسلامية، بينما غلبت عند الليبراليين، بضعفهم وهروبهم من الاضطهاد، نزعة التنكر لهوية وطنية تفتقد الحرية والمساواة، وبات الوطن عند بعضهم هو أي مكان في هذا العالم يضمن لهم حقوقهم وكراماتهم.

واليوم تضع دوامة العنف المفرط الوطن السوري أمام منزلقات خطيرة تهدد استقلاله ولحمته وتغذي عناصر التدمير الذاتي فيه، ليغدو الوطن بعد سنوات من صراع عنيف عصف بكل مفاصل الحياة، مشهداً لا يصدق من الخراب والضحايا والتشرد والفقر، وطن بات صوت السلاح فيه هو الصوت الوحيد المسموع بكل ما يمكن أن يخلفه من فتك وتنكيل، وطن باتت تشوهه الانقسامات والاستقطابات المتخلفة جراء شحن روح التنابذ وتغذية عصبيات تهدد النسيج البشري المتعايش منذ مئات السنين، وطن بدأت هويته الجامعة تتفكك جراء عودة كل مكون اجتماعي إلى أصوله كي يضمن بعضاً من الحماية والوجود الآمن، وطن استباحته التدخلات الخارجية من كل حدب وصوب وتحول إلى ساحة لتصفية حسابات الهيمنة والنفوذ على المنطقة، ثم مرتعاً لاستيطان المهاجرين الجهاديين الذين احتلوا، حيث تمكنوا، البيوت وأراضي العائلات الهاربة من أتون الحرب، وطن ترنو إليه عيون ملايين اللاجئين وهم يراقبون خرابه من وراء الحدود ويتحسرون بألم على حياتهم الضائعة، والوطن الذي لم يعرفه مئات ألوف الأطفال الذين غادروا ديارهم صغاراً أو ولدوا في بلاد الغربة من دون انتماء وهوية.

هل ندرك إذاً كم أصبح الشرخ كبيراً بين حلم الاستقلال النبيل وبين هذا الواقع الدامي؟!.

نعترف بوجود عوامل متعددة لا تزال مؤثرة في تقرير مصير الوطن السوري، وبحضور مطامع ومشاريع خارجية تحاول توظيف الصراع وتسعيره وفرض اختيارات ومواقف على الأطراف الداخلية من دون اعتبار للمصلحة الوطنية، ولكن يبقى الأهم ما يتعلق بأمراض البنية الذاتية، والقصد أن لا خير يرجى في معالجة أزمة الوطنية السورية ما دام ثمة فئات تحكم أو تعارض لا يهمها الوطن إلا بقدر ما يعزز تسلطها وفسادها وامتيازاتها حتى لو كان الثمن دماره، وما دام ثمة استعداد لدى أطراف الصراع للارتباط وحتى للالتحاق بأحد مراكز التأثير الخارجي وإخضاع مستقبل البلاد للعبة التنافس الإقليمي والعالمي، وما دامت هناك رؤية قاصرة لمفهوم الوطن اختزلته فكرة مقاومة إسرائيل أو المؤامرات الخارجية، من أجل تمكين الوضع القائم وتأبيد الامتيازات وعناصر الهيمنة والاستبداد وتغييب المعنى الحقيقي للوطن بصفته مجتمعاً حراً ومتطوراً يضمن حقوق الناس وكراماتهم ويكون عنواناً يعتز به كل منتمٍ إليه.

وأيضاً نعترف بأننا نعيش اليوم في واقع لم يعد يمتلك مقومات الاستمرار بالصورة التي هو عليها إلا ويجر خلفه مزيداً من العنف والانحطاط والفوضى وتأجيج الصراعات المتخلفة، والمعنى أننا نعيش في وطن متهتك يتأسس خلاصه على رؤية جامعة عمادها حقوق الإنسان ومناخاً لا تسلب طعم الحياة فيه ثقافة العنف والإرهاب أو يشوهه خطاب أيديولوجي إقصائي وسيلته القوة العارية والتوعد بالمزيد من الفتك والتنكيل دون النظر إلى الجدوى أو الثمن الذي يدفعه الوطن من سيادته واستقلاله ومن تماسكه واستقراره ومن مقدراته ومحفزات تطوره.

يتساءل أحدهم متهكماً ومترحماً على أيام زمان، ما كان الضير لو بقيت بلادنا محتلة، هل كنا نقتل بعضنا بهذه الصورة البشعة، أم كانت فرصتنا كبيرة في تمثل التعايش الحضاري "الاستعماري" والتعلم كيف نصون حقوقنا ونحترم حقوق الآخرين؟! ويتساءل آخر حالماً بمعجزة يمكن أن تحدث لتعيد بناء الوطن بعد ما حصل من تفكك وشروخ، ومن دمار وتشرد، ومن تدهور اقتصادي وما خسرته البلاد من كوادر علمية ومهنية وثقافية؟! بينما يتساءل ثالث متشائماً، عن جدوى الرهان على وطن لا يثق أبناؤه بأن الخلاص بات جمعياً ويحتاج إلى تضافر كل الجهود وإلى الاستعداد الكامل لتقديم التنازلات لمصلحة وقف العنف وإذكاء روح التعايش والتوافق، والتأسيس لعقد اجتماعي يمنح دولة المواطنة الديموقراطية دورها العمومي في إدارة البلاد وضمان أمنها وإعادة إعمارها. يحكى أن وباءً حل بقوم وفتك بهم، وعند سؤاله كيف فعلت ذلك؟ كان الجواب، بأنه لم ينل سوى من بعضهم أما البقية فقد تكفل بها فسادهم وخوفهم وأنانيتهم وأحقادهم!.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عندما تعجز الكلمات ، تفصح الدموع .. يحيى حاج يحيى

تتوالى أخبار الفتح ، وترتفع رايات التحرير ! ويهز المسامع والمشاعر صوت التكبير !

بعد مضي خمسة وثلاثين عاماً على انتفاضة الثمانين ، وقد كانت جسر الشغور في مقدمة المدن الثائرة على الطاغوت البعثي الطائفي النصيري ، فدفعت ثمناً غالياً أكبر من حجمها الجغرافي والسكاني ، وتوالت مواكب الشهداء من الريف والمدينة ، ولكنها صبرت وصابرت ، ولما استُنفرت نفرت ! هاهو اليوم الذي كنا نرتقبه ، ونلمحه في وجوه أبناء وأحفاد الشهداء والمعتقلين والمهجرين ، والصامدين في وجه الباطل والمرتزقة !!

فيا كلماتي العاجزة أمام بطولاتٍ هي بعضٌ مِن سيرة الصحابة والتابعين نشهدها اليوم في أرض الشام ، ائذني لدمعات تذرفها العين هي أثقل في ميزان الحب الصادق من دواوين ومجلدات !؟

وياأيها الأخوة أهل الفتح ، وجيش الفتح ، وأنصار الفتح ، ذكِّرونا بسورة النصر : إذا جاء نصر الله والفتح ، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً ، فسبح بحمد ربك واستفغره ، إنه كان تواباً !

فلتكن ثمرة هذا الفتح  : التسبيح والاستغفار والتوبة !

إن الطريق طويل ، والتكاليف جِسام  ! وأنتم - كما أثبتم في الشدائد - لها !!

محبكم ووالدكم أبو بشر

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الإمبراطوريات الإقليمية ومصير الضفدع .. ميشيل كيلو

البيان

الثلاثاء 21-4-2015 

في تسعينات القرن الماضي صاغ مفكر أميركي نظرية علمية حول صعود وانهيار الإمبراطوريات، قال فيها: إنها تخضع لآلية قاتلة تعجز عن تجاوزها، تبدأ بتراكم قدر من القوة والثروة يسمح لها بطور من التوسع والارتقاء، يفضي بمرور الوقت إلى اتساع رقعة ممتلكاتها ومسؤولياتها، وتعاظم إنفاقها المكرس للحفاظ على ممتلكاتها، في وجه مقاومة متزايدة من خاضعين يريدون الانفكاك عنها.

الأمر الذي يرجح دور جانبها العسكري / الأمني على بقية أدوارها، ويجبرها على توظيف قدرات متعاظمة للحفاظ على ممتلكاتها وبالتالي كيانها الكبير ضد التفكك، المتعاظم الخطورة، والذي يجعل تكلفتها أكبر من عوائدها، ونفقات صيانتها والمحافظة عليها أكبر من مواردها، ويحول هوامشها إلى مراكز تستنزفها ومركزها إلى هامش يتعاظم ضعفه إلى أن ينهار، فتزول ليس فقط الممتلكات الإمبراطورية، بل الإمبراطورية ذاتها مركزاً وهوامش.

درس كنيدي تاريخ الإمبراطوريات رغبة منه في جعل الولايات المتحدة الأميركية، التي تعتبر أكبر وأقوى إمبراطورية عرفها التاريخ، تتفادى المصير الذي واجهته الإمبراطوريات القديمة، التي نشأت بفضل خيرات وموارد مستعمراتها وانهارت بسبب نضوب مواردها وخيراتها الذاتية، التي أنفقتها في سبيل الحفاظ عليها، رغم أنها لم تعد استثماراً مربحاً، وتحولت إلى خسارة صرف.

كان كنيدي يريد لأميركا أن تعرف متى تتخلى عن أجزاء من إمبراطوريتها يضعفها الاحتفاظ بها، ويمكن أن تنهار إن هي واصلت الاحتفاظ به.

ومن يراقب سياسات أوباما يلاحظ شيئاً من تأثير هذه النظرية في استراتيجيته، القائمة على التخلي عن أجزاء من الإمبراطورية تراجعت منافعها والمغانم الناجمة عن مواقعها وأدوارها، والتركيز على بناء مركز إمبراطوري سيد يتمحور حول الولايات المتحدة، تكون لها سيطرة تامة عليه لا يعكر صفوها منافس أو عدو، تنفق مواردها فيه فتعظم ثراءها وتقلص نفقاتها غير الضرورية، وتكفل وجودها لأطول فترة ممكنة، بالإقلال من نقاط الاحتكاك مع أقسامها الخارجية، وخاصة منها تلك التي لا يمكن المحافظة عليها بغير القوة العسكرية، رمز الإنفاق التبديدي غير المجدي.

في الخبرة التاريخية، لم يسبق لإمبراطورية كبيرة أن قبلت التعايش مع إمبراطورية محلية، إذا لم تكن دائرة في فلكها وضرورية لمخططاتها .

واليوم، والإمبراطورية إما أن تكون كونية أو أنها تكون في أحسن الأحوال قوة كبيرة أو عظمى، من الصعوبة إلى درجة الاستحالة أن تنشأ وتتوطد إمبراطورية دنيا، محلية، ضد إرادة من يسيطر على المجال الكوني أو يقرر طبيعة بنيته وعلاقاته.

يعني هذا أن الإمبراطورية الدنيا لا تعيش بقوة شروطها الذاتية، وأن تكلفتها تكون أكبر من عائدات توابعها منذ بداية تكونها، لذلك يكون انهيارها سريعاً ومجال سيطرتها محدوداً ومقيداً وقابلاً للتقويض، بقوة الإمبراطورية العليا والقوى الكبيرة والعظمى.

بقول آخر: من الحمق أن تفكر قوة إقليمية ببناء إمبراطورية، لأنها لن تكون غير قوة دنيا ومحلية الطابع، مهما بلغت قدرتها على التعبئة والتنظيم الداخلي، وكان لها من سيطرة على جوارها، ونجحت في بلورة أنماط من التوسع تخترق بواسطتها جوارها الجغرافي وبيئتها التاريخية، بما أنها ستعجز حتماً عن مواجهة مقاومة مزدوجة ستنطلق من داخلها: من الذين أرغمتهم على الانضواء تحت سلطانها، ومن خارجها، من القوة الإمبراطورية والدول الكبرى والعظمى، التي ستزيحها من طريقها بمجرد أن ترى فيها كياناً لا لزوم له، تتعارض وظائفه مع مصالحها.

تشبه الإمبراطوريات الدنيا الإقليمية ذلك الضفدع الذي شاهد فيلاً فقرر أن ينفخ نفسه إلى أن يصير في حجمه، فانفجر ومات.

واليوم، وبعض القوى الإقليمية تنفخ نفسها لاعتقادها أنها يمكن أن تصير فيلًا، لن يكون مصيرها مختلفاً عن مصير ذلك الضفدع، الذي تحول إلى عبرة في قصة بعد أن كان كائناً حياً لو بقي قانعاً بحجمه لما أصابته قلة عقله بمكروه وأفضت إلى مقتله.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا واليمن.. وخطر ولاية الفقيه في إيران.. إلى متى؟! .. د. خالد حسن هنداوي

الشرق القطرية

الثلاثاء 21-4-2015

إن التصحيح في التفسير لمعظم مصطلحات الشيعة وأدبياتهم فرض علمي لابد منه، بل عد كثير من العلماء منهم ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أن هذا نوع من الجهاد في سبيل الله لأن فيه إماطة أي غبش أو صدأ مفتعل عن العقيدة الإسلامية الصحيحة، ولذلك فلا فرق لدينا بين السياسة الخشنة المباشرة التي كان يتعاطاها الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد في إعلانه وهو في دبي يخطب بجموع إيرانية عن الخليج الفارسي لا العربي وبين مده ودعمه اللامحدود للنظام السوري وهو يقتل الشعب بالبراميل المتفجرة والكيماوي وغاز الكلور فضلا عن المعتقلين والمخطوفين والمفقودين والاعتداء السافر على النساء والشيوخ والأطفال، أقول لا فرق بينه وبين الرئيس الجديد حسن روحاني بسياسته الناعمة تجاه الغرب والسنة من العرب والمسلمين لأنه كما تقول القاعدة الشرعية: التابع تابع فهو رهن إشارة الولي الفقيه علي خامنئي وتصريحاتهما هي طبق الأصل وإن اختلفت العبارات والألفاظ، في ولاية الفقيه اليوم في إيران عبيد يحكمون عبيدا باسم ما ينعتونه بالأمر الإلهي لأن الولي الفقيه إنما هو نائب عن الإمام المختفي في السرداب ولابد من بقائه حتى يعجل الله الفرج عن هذا الإمام وتظهر المصلحة للعباد به حسب فهمهم، ولا يكون وقتها نائب عنه يهدي الناس.

إن فكرة الولي الفقيه كما يقول الدكتور موسى الموسوي - وهو من أكابر علماء الشيعة في النجف – في كتابه: الشيعة والتصحيح ص 70: هي فكرة حلولية دخلت إلى الفكر الإسلامي من الفكر المسيحي القائل إن الله تجسد في المسيح. ومع أن الفكرة وجدت في الفكر الشيعي وفيها أن الخلافة أو أي حكومة لا تجوز ما لم يباركها الفقيه، ولكنها في وقتنا أخذت تظهر على المسارح أكثر وعصفت بكل القيم الإسلامية والإنسانية على السواء، ويؤكد موسى الموسوي في كتابه عن التصحيح بين الشيعة والتشيع أنه في التاريخ البشري لم توجد فكرة كلفت من الدماء بقدر ما كلفته ولاية الفقيه، ومع أنها تتصدر الدستور الإيراني الجديد ولكن لم يستطع واضعوه أن يغيروا شيئا وبات علي خامنئي الولي الفقيه بمنصب ديني وسياسي معا ولولا خضوع روحاني لجميع تعليماته لما تسلم الرئاسة ومنها موافقته على أن الشرعية مع الأسد في سورية، ومع المالكي في العراق قبل العبادي كمناورة ضد السنة وكذلك في اليمن فالمؤدي واحد، ولكن يشاء الله أن يكشف كذبهم فكلهم قد صرحوا سابقا أنهم مع كل ثورات الربيع العربي نصرة للمظلومين إلا سوريا فإنها برعاية أمريكا، فماذا يقولون عن اليمن بعد أن افتضح لعبهم مع الحوثيين وعلي عبدالله صالح ضد الشرعية وأين الدفاع عن جماهير الشعب اليمني المظلومة؟

وهكذا فطالما بقيت التقية لديهم أصلا عقديا من أصولهم ولأنهم لابد أن يكذبوا على السنة ويكذبوا حتى يتحقق دينهم فلن يصدقوا في قول ولا فعل وهكذا يجب أن يتعامل الناس معهم دينيا وسياسيا واجتماعيا بينما كان الحسن بن علي رضي الله عنه وهو الإمام الثاني لما يسمى الشيعة أبعد الناس عن التقية وصلحه مع معاوية رضي الله عنه يشهد على ذلك ومثله كان أخوه الشهيد الحسين دون أي صلة تمت إلى التقية، وهكذا فما سمعناه أول أمس من تصريحات من المرشد علي خامنئي وروحاني وأنهما يدعوان إلى الحوار ثم يقولان: هاهي أساطيلنا قبالة عدن وهاهم الحوثيون يهاجمون حدود السعودية ويهددون مدن الجوار فيها ويتوعدون نصرا لشركائهم الذين تربوا على أيديهم في إيران وفي لبنان على يد خميني لبنان حسن نصر الله الذي يدافع عنهم دفاع المستميت. ولذلك فقد أحسن الأستاذ جمال خاشقجي في رده من خلال برنامج حديث الثورة على قناة الجزيرة أول أمس على الإعلامي الإيراني حسين حيث بين له بكل صراحة – وهو ما سمعه من قيادة التحالف في السعودية – أن العرب لن يسمحوا لإيران بموطئ قدم واحد على البلاد العربية خصوصا سوريا واليمن مقارنا بين الأسد وصالح وبقية الديكتاتوريات وأنها لا تمثل إلا واجهات للصراع والحقيقة أن التمدد الإيراني غير مبرر، وأقول: وما علاقة إيران بنا نحن العرب إذا كانوا يدعون ظلمنا من قبل حكامنا أو بعضهم – وإن كان هذا صحيحا في المعظم – لكن أين هم من السنة في إيران خصوصا الاحوازيين وأين هم من غير المتاجرة بالقضية الفلسطينية؟! إننا مهما بذلنا من الكلفة في سبيل ألا يكون لإيران نفوذ عندنا فهذا رخيص لأنهم لو تمكنوا - طبعا بمساعدة أمريكا وروسيا والصهاينة – فإن هذا سيمتد لآماد السنين لا سمح الله. وفي قناعتنا فإن الشعوب قد بدأت تصحو وتريد السير تحت قيادة إقناعية لا إرغامية، فيا أيها المناورون والمداورون لن ينفعكم العمل الفاسد وإن وقعت الحرب الأشرس وهي التي نراها هذه الأيام تتفاقم في سوريا فالأسد على الشعب – خصوصا وبعد بعض هزائم الحوثيين – أخذ يركل ويرفس ويلبط كيف يشاء بالبراميل المتفجرة وسموم الكلور على حلب وإدلب التي تحررت منه وعلى درعا وريفها وريف حماة وحمص ومعظم سوريا ولكن أمر الله نافذ ولن يستسلم الأبطال ما دام فيهم رمق، ومنهجهم أن التوسط خير رفيق وأن البلاء محك الصابرين وهم مع الله القوي لا مع الفراعنة اللعناء ولا مع الباطنيين الثعابين وشتان شتان بين القديس وإبليس (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) الرعد 17 وكما قال نبينا صلى الله عليه وسلم" بارك الله في شامنا ويمننا".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حزم آخر مطلوب سوريّاً .. نجاتي طيّارة

العربي الجديد

الاثنين 20-4-2015

تشيع قناعة في معظم أوساط المعارضة السورية، بل هي شائعة أكثر في معظم أوساط السوريين، أن المجتمع الدولي صامت عما جرى ويجري في سورية، من عنف وحرب أدت إلى دمار البلد وقتل مئات الألوف، وتهجير ونزوح، بشكل يشكل أكبر كارثة إنسانية معاصرة. غير أن المجتمع الدولي، بما يشمله من رأي عام وإعلام ومنظمات دولية وحكومات، كان متعاطفاً مع الحدث السوري في أشهره الأولى، وكانت له، في المجمل، مواقف قوية، وصلت إلى حد نزع الشرعية عن النظام والاعتراف بمؤسسة المعارضة السورية الأولى، أي المجلس الوطني، وصولا إلى انعقاد مؤتمرات أصدقاء سورية وتعهداتها. واتضح، منذ تلك الفترة، أن المجتمع الدولي لم يكن مستعدا لمواقف أعلى، لا لفرض حظر جوي، ولا لإقامة مناطق أو ممرات آمنة لحماية المدنيين، أو إغاثتهم. وقد تبين ذلك بوضوح، في سبتمبر/أيلول 2013، عندما تراجعت دول غربية، في مقدمتها أميركا، عن خطوطها الحمر، وتهديدها بتوجيه ضربة لسورية، عشية افتضاح جريمة استخدام النظام للسلاح الكيماوي في إبادة حوالى 1500 مدني في غوطة دمشق، ثم استبدلت ذلك بتسليم النظام مخزونه من تلك الأسلحة الكيماوية، على خلفية اتفاق روسي أميركي تم ترتيبه بين يوم وليلة. وذلك بالإضافة إلى

ما ساد من أجواء إعلامية، بعد أن نجح النظام في فتح أبواب السجون والحدود أمام المنظمات الإرهابية وتكفيرييها، مما جعل سورية ميداناً خصباً للإرهاب الدولي، وأطلق الفوبيات الغربية مجدداً من عقالها ضد الشرق والإسلام.

في المحصلة، تكشف الصمت الدولي، وما توارى خلفه من مصالح وتوازنات دولية، عن سياسات رسمية، فتراجعت أخبار الحدث السوري أو غابت، وتوقفت مؤتمرات أصدقاء سورية، وفشلت مؤتمرات جنيف1 و2، وانتهت مساعي اثنين من المبعوثين الدوليين إلى الاستقالة، وما زال الثالث يتعثر. وبين طلب التدخل، على الطريقة العراقية أو الليبية، ثم التباكي على الصمت الدولي وإدانته، تهرب السوريون من فهم السياسة الدولية الجديدة التي سيطرت على المسرح الغربي، وخصوصا في مركزه الأميركي، بعد تراجع سياسة المحافظين الجدد، وتقدم سياسة باراك أوباما لمعالجة آثار الأزمة المالية، وتغليب سياسات الرفاه والتعاضد الاجتماعي داخلياً، والانسحاب خارجياً من معارك الآخرين، ثم إدارتها عن بعد، وبدون الاستعداد مبدئياً لخسارة الجندي والمواطن الأميركي.

وقد تم التعبير عن هذه السياسة بوضوح شديد، في حديث أوباما الصريح إلى الصحافي توماس فريدمان، ونشرته "نيويورك تايمز"، أخيراً، عندما وجه كلامه إلى حلفاء أميركا من القادة العرب: الإدارة الأميركية لم تعد مستعدة لخوض حروب الآخرين، ولن تضحي بعد بأبنائها من أجل طمأنتهم، والقضاء على أعدائهم، طالما أنهم لا يريدون خوض هذه الحرب بأنفسهم، والوقوف بموقف المتفرج أو الممول عن بعد فقط.

"من ينفي أن شروط الحزم السوري المطلوب ليست كثيرة على شعب قدم من التضحيات والمبادرات ما فاق كل توقع، حتى اليوم؟"

ولا تنفع، هنا، الهواجس والشكوك بشأن نتائج التفاوض الإيراني الغربي في الملف النووي، فذلك مجال صراع ومصالح وتوازنات دولية، لا تنفي، ولا تمنع، المبادرات الإقليمية والمحلية. ومن ذلك ما حدث، عندما تحركت السعودية وحلفاؤها، كما فعلوا في "عاصفة الحزم"، فالإدارة الأميركية وجدت نفسها مضطرة لتأييدهم ودعمهم. لكنها، في الوقت نفسه، بدأت تطالبهم بتولي باقي أمورهم بأنفسهم. وذلك ما أشارت إليه تساؤلات الرئيس الأميركي: لماذا لا يمكننا رؤية عرب يحاربون ضد الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان، أو يقاتلون ضد ما يفعله الرئيس بشار الأسد في سورية؟

هذا هو، إذن، واقع السياسة الدولية اليوم، فلم تعد المسألة مسألة صمت المجتمع الدولي أو تقاعسه، أو انصرافه عن دول فاشلة، أو حساباته مع الحليف الاستراتيجي الوحيد، إسرائيل. وحسنٌ أن القيادة السعودية الجديدة أدركت ذلك أخيراً. وهي لم تدركه حقاً، إلا بعد أن وصل تهديد امتداد النفوذ الإيراني إلى رابع عاصمة عربية، بعد بيروت وبغداد ودمشق، وبعد أن تهددت خاصرتها اليمنية بالتمزق. فبادرت إلى القيام بـ "عاصفة الحزم" التي تأسست على استنهاض حلف عربي وإقليمي عريض، استشعاراً بأخطار باتت تهدد الجميع.

تلك هي المسألة، وهذا هو الجو الذي تلوح فيه إمكانيات مضي مبادرة "عاصفة الحزم" إلى مبادرات حزم عربية أخرى، أشار إليها المشروع الذي طرح في مؤتمر القمة العربية السادسة والعشرين، والمتضمن إنشاء قوة تدخل عربية، لكنه سرعان ما خبا وتوارى في ظل الخلافات والهواجس العربية المعهودة. وهو يعود، اليوم، عبر آمال بإنشاء تحالف عربي تركي، يضع في مقدمة جدول أعماله مهمة معالجة المشكلة السورية.

وعلى القاعدة نفسها، التي كشفها حديث أوباما، وبغضّ النظر عمّا إذا صحت الآمال المشار إليها، أو لم تصح. المسألة ترتب مسؤولية أخرى، تقع على عاتق المعارضة وقوى الثورة السورية، بل على عاتق جميع الوطنيين السوريين، أولاً وأخيراً. وتتطلب هذه المسؤولية القيام بمبادرة أخرى، على المستوى نفسه، من مبادرة "عاصفة الحزم"، بعد طول ترهل وتعفن واستنقاع، ساد في الساحة السورية، كما كان سائدا في الساحة العربية. وعلى هذه المبادرة أن تسعى إلى حزم سوري وطني جديد، يلاقي التحالفات الإقليمية المقبلة، أو يساهم في الدعوة إليها، خصوصا بعد الآمال التي بعثها تحرير إدلب، وتقدم الجيش الحر في الجنوب. وإذ تبدو هذه الدعوة أضغاث أحلام في الواقع المشهود، فمن ينفي أن "عاصفة الحزم" كانت تبدو قبل قيامها مثل ذلك وأكثر، بل من ينفي أن شروط الحزم السوري المطلوب ليست كثيرة على شعب قدم من التضحيات والمبادرات ما فاق كل توقع، حتى اليوم؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لعرب وإيران في (عقيدة) أوباما .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 19-4 -2015

العرب وإيران في (عقيدة) أوباما ثمة حاجةٌ ماسة، على مدى الأسابيع القادمة، لفهم طريقة تفكير الرئيس الأمريكي باراك أوباما، خاصةً فيما يتعلق برؤيته لمحددات وثوابت علاقة الولايات المتحدة مع كلٍ من إيران والعرب.

لاتهدف مثل هذه العملية الحساسة لـ (التأقلم) مع مايريده الرجل، كما يعتقد البعض، على العكس من ذلك، تبدو المرحلة الحالية بامتياز، أمريكياً ودولياً وإقليمياً،المرحلةَ التي يمكن للعرب فيها التعاملُ بدرجةٍ من الندية مع أمريكا لم تحدث من قبل.

هناك شيءٌ يتبلور يمكن تسميته بـ (عقيدة أوباما)، بمعنى الرؤية الاستراتيجية التي تحكم طريقة صناعة السياسة لديه وفي أوساط إدارته، وفهمُ هذه العقيدة بشمولٍ ودقة هو الذي سيمُكِّنُ العرب من التعامل معها ومع صاحبها بما يحقق مصالحهم.

شاعت الانتقائية من لقاء أوباما الشهير مع توماس فريدمان، وهو يُعتبر بحق مادةً ثريةً تحتاج إلى الكثير من التحليل . ولتجنب التشويه وتلك الانتقائية ننقل فيما يلي ترجمةً حرفية لإجابةٍ على سؤال يتعلق بإيران تحديداً، يجب الاطلاع عليه كاملاً لمن يحاول الفهم. حيث قال أوباما:

"أقول للشعب الإيراني: إيران لاتحتاج إلى أن تكون ضد السامية أو ضد إسرائيل أو ضد السُّنة لتصبح قوةً مُعتبرة. إيران لديها المقومات والكمون لو أنها كانت لاعباً دولياً مسؤولاً، لو أنها لم تدخل في حالة من الخطاب العدائي ضد جيرانها، لو أنها لم تعبر عن معانٍ معادية للسامية واليهودية، لو أنها حافظت على قوةٍ عسكرية لتحمي نفسها وليس لتتدخل في حروب بالوكالة في المنطقة. فقط بمقاييس حجمها ومصادرها وشعبها، ستكون قوةً إقليمية كبيرة جداً. وأَمَلي هو أن يدرك الشعب الإيراني هذه الحقائق. من الواضح أن جزءاً من السيكولوجية السائدة في إيران متجذرٌ في التجارب الماضية. في الشعور بأن بلدهم كان يُنظر إليه دونياً، وأن الولايات المتحدة والغرب تورطوا، أولاً في ديمقراطيتهم [في إشارة لتجربة مصدق]، ثم في دعم الشاه، ثم في دعم العراق وصدام خلال تلك الحرب الوحشية. وهكذا، تحاورت مع فريقي بأن علينا أن نُفرﱢقَ بين إيران الهجومية بمنطلقات أيديولوجية، وبين إيران الدفاعية التي تشعر بدرجة من الضعف والامتهان، وهم يتصرفون بهذه الطريقة لأنهم يحسبون أنها الوحيدة التي يمكن معها تجنب تكرار ماحدث في الماضي. وإذا استطعنا المضي قدماً في هذا الاتفاق، وأريد التأكيد هنا بأننا لم ننتهِ من الموضوع، فهناك الكثير من التفاصيل، والكثير من التراجعات، والكثير من المنزلقات والصعوبات السياسية في إيران وهنا في أمريكا. ولكن، إذا تمكنا من الاتفاق، فإن مايمكن أن يحدث، وأنا لاأعتمد على ذلك، هو أن هناك قوىً في إيران ستقول إننا لانحتاج لأن نرى أنفسنا كلياً من خلال منظور آلتنا الحربية. [سيقولون] فلنتقدم في حقول العلوم والتكنولوجيا وخلق فرص العمل وتنمية أبناء شعبنا. و[في حال الاتفاق ] فإن من يفكر بهذه الطريقة سيصبحون أكثر قوة. لكنني أقول هذا مع التأكيد بأن الاتفاق الذي نعمل عليه ليس قائماً على فكرة تغيير النظام. إنه اتفاقٌ جيد حتى لو لم تتغير إيران أبداً. حتى لو كنتَ مقتنعاً، مثل نتنياهو مثلاً، بأنه لافرق بين هذا الفريق أو ذاك.. نحن أقوياء بشكلٍ كافٍ بحيث يُمكننا الحكم على مثل هذه القضايا [والتصرف حيالها] دون أن نصل إلى مرحلة المخاطرة.. وحين نرى أنها لاتقود إلى مُخرجات أفضل فإن بإمكاننا على الدوام تعديل سياساتنا.. من يعلم، فقد تتغير إيران. ولكن إن لم يحصل هذا فقوتنا وإمكاناتنا العسكرية باقية ومعروفة".

وننتقل الأسبوع المقبل لتحليل الكلام أعلاه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مواقف واجبة .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 19-4 -2015

تتحرك الأحداث السورية بسرعة في جنوب سورية وشمالها، وينتظر أن يقع المزيد من تقهقر النظام في الفترة المقبلة، مع احتمال أن يصير تقهقره مفصلياً بالنسبة إلى الصراع في التطورات المقبلة مع السلطة الأسدية وداعميها، إذا ما أحسنا قراءة ما يجري، وأكملنا ما علينا إنجازه من تحولات جدية في مؤسساتنا وبرامجنا، ونجحنا في تحقيق ما هو ضروري لانتصارنا من إجماع وطني حول مواقف موحدة، تقنع العالم بأننا لسنا ذاهبين إلى حكم داعشي، من أي نوع كان.

وقد سبقنا المقاتلون إلى ما كان علينا فعله، كائتلاف وجهات معارضة، فأصدروا في الجبهة الجنوبية موقفاً يحدد، بقدر غير مسبوق من الوضوح، مستقبل الحكم في سورية الحرة، ويؤكد أنه سيكون مدنياً وديمقراطياً، ويعلن قرارهم بمقاطعة جبهة النصرة، إلى أن تعلن تخليها عن علاقاتها مع القاعدة، وتحولها إلى تنظيم محض سوري، ملتزم بأهداف وسياسات سورية، من دون غيرها، فكان لخطوتيه هاتين وقع طيب، أثار الاطمئنان في النفوس، وزاد من إيجابيته أنه جاء، عقب سلسلة انتصارات مهمة، أكدت انهيار حملة قاسم سليماني، ومرتزقته اللبنانيين والعراقيين والأفغان، ضد الجيش الحر في جنوب سورية، وفشله في إحداث التحول الموعود في موازين القوى لصالح النظام. وبالتالي، في دفع خطر الثورة عنه، كما أكدت تمسك السوريين بالأهداف التي أعلنوها عند بدء ثورتهم، وبأن الحرية رهانهم ومقصدهم، والدولة الديمقراطية غايتهم، وأن لديهم ما يكفي من قوة للدفاع عنها، ضد أي تحدٍّ يوجه إليها: من الداخل أو الخارج، بما في ذلك خطر الأصولية. في هذا السياق، أصدر الجيش الحر في الجنوب وثيقة تفصيلية حول مدنية الحكم، يقول فيها إن خياره هو الدولة القائمة على الحرية والديمقراطية، وهي وثيقة يمكن للائتلاف

تعميم مضمونها على بقية مناطق سورية، والاستناد إليها في حواراته مع الداخل والخارج، وفي استعادة تأييد قطاعاتٍ لا يستهان بها من شعبنا، أرعبتها داعش وأخواتها إلى الحد الذي أعادها إلى النظام، أو أكرهها على الوقوف جانباً، على الرغم من أنه كان لها، طوال سنوات، إسهامها الجدي في دعم الثورة.

هناك تحرك مواز في شمال بلادنا، وإن كان لم يبلغ بعد درجة الوضوح، التي نراها في الجنوب. يشير ما حدث في إدلب، بعد فرار النظام منها، إلى تقدم ملحوظ في عقلية وممارسات جميع الفصائل المقاتلة، بما في ذلك الإسلامية منها، يقربها من مفاهيم وطنية جامعة، يعتمدها المعارضون والثوار الديمقراطيون، كانت ترفضها إلى الأمس القريب، بيد أن سلوكها في إدلب أكد رفضها القاطع النموذج الداعشي، واقترابها، في جوانب بعينها، من النموذج الوطني الذي لا يتعارض مع، ولا يعترض على، الحرية كمبدأ.

تطرح هذه التطورات الإيجابية مهمتين على الائتلاف والجيش الحر، هما، أولاً: اتخاذ الخطوات والترتيبات اللازمة لإدارة المناطق التي تحررت، وتلك التي يتوقع أن تحرر في فترة غير بعيدة، بطرق تأخذ سورية إلى نظام حر ومدني، ليس داعشياً أو قاعدياً. وثانياً: ممارسة سياسات فيها تجعلها مستقلة عن أي طرف خارجي، ليتكامل توجهها المدني والحر مع استقلالها، ويحولها إلى نموذج يظهر ما ستكون عليه بلادنا، بعد الأسد.

ويبقى أن يطور الائتلاف مواقفه، لكي تتفاعل بنجاح مع الجديد والمفصلي الذي تصنعه الثورة، وأن يضع، أخيراً، استراتيجية وطنية، تردم الهوة بين إسقاط النظام وقيام نظام ديمقراطي، تكون السلطة فيه لمن يفوز بأغلبية أصوات السوريين، يضمن عدم سقوطنا في حرب أهلية، لا تبقي ولا تذر.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

شمشونيّة بشار.. هزيمة أم انتصار؟ .. بشار أحمد

العربي الجديد

السبت 18-4-2015

لم يكن أشد المتشائمين، من السوريين وغيرهم، ببشار الأسد، يتوقع أن يصدر مثل هذا السلوك الإجرامي الهمجي من شخص روّج له كثيراً عند توريثه السلطة من أبيه عام 2000 بأنّه شخص مثقّف ومنفتح على كل الآراء والأفكار، ويسعى، في الوقت نفسه، إلى إحداث نقلة نوعيّة في سورية، من خلال قيادة مسيرة التطوير والإصلاح، لإخراج البلاد من حالة الفساد وسيطرة الأجهزة الأمنيّة والحرس القديم. إلا أنّ الواقع كان خلافاً لذلك تماماً، فما جناه الشعب السوري، منذ وراثة بشار الأسد السلطة وحتى مارس/ آذار 2011، كان كفيلاً بهذا الشعب لإطلاق ثورته، تحت شعار إصلاح النظام، بعد كسر طوق الخوف الذي صنعه حافظ الأسد وزبانيته، منذ أكثر من أربعين عاماً، لتنطلق الثورة السوريّة المباركة بسواعد الشباب السوريين العزّل، ولتتطور، بعد أن أصرّ النظام على استخدام كل الأسلحة لقمع الثورة، إلى ثورة مسلّحة أدخلت البلاد في أتون حرب طويلة، امتدت نحو أربع سنوات، حصدت أرواحاً كثيرة، ودمرت البلاد والعباد، بعد أن أباح بشار الأسد لأجهزته الأمنية، ومن ورائها شبيحته، بمسمياتها المختلفة (دفاع وطني، لجان شعبية، كتائب البعث وغيرها)، استخدام كل الطرق والأساليب في سبيل قمع الثورة الشعبية، والبقاء في السلطة تحت شعار "أنا أو سورية"، وشعار "الأسد أو نحرق البلد"، ليضع مصيره في كفّة ومصير سورية بأكملها وبكل طوائفها ومكوناتها في كفة أخرى، متبنياً الخيار الشمشوني الذي يقوم على تعميم الشر (عليّ وعلى أعدائي).

تبنّي بشار الأسد الخيار الشمشوني دليل واضح على إيقان النظام بأنّ أيّامه أضحت معدودة، وأنّه لا خيار أمامه إلا تعميم الشر في الاستخدام المفرط للقوة، بعد أن تفاقمت الأمور، وخرجت عن السيطرة، في ظل مجموعة تطوّرات داخليّة وإقليميّة ودوليّة، أعطت مؤشرات واضحة على قرب نهاية النظام، ما يدفعه إلى محاولة إحراق البلاد، وتدمير ما تبقى منها.

على الصعيد الداخلي، وبعد أن تحدّث النظام السوري أنّ 2015 هو عام إنهاء المؤامرة الكونيّة على سورية، والقضاء عليها، لتبدأ مسيرة إعادة الإعمار، جاءت الوقائع لتكون مغايرة لترويجات النظام وكذبه، حيث كان 2015 عام الانتصارات الكبرى للثورة، بعد أن استطاع الثوار، من خلال توحيد جهودهم وتشكيلاتهم، من تحرير مناطق ومراكز مهمّة، سقطت كأحجار الدومينو في أقل من شهر، كتحرير مدينة إدلب في الشمال، لتكون ثاني مركز محافظة تخرج عن سيطرة النظام بعد الرقة، وكذلك تحريرهم بصرى الشام في ريف درعا الشرقي، والتي كانت تعد مأوى للشبيحة الطائفيين، اتبعوها بتحرير معبر نصيب الحدودي مع الأردن، والذي عدّ ضربة قوية للنظام أفقدته المعبر الحدودي الأخير الذي يربطه بدول الجوار (عدا المعابر اللبنانيّة التي ما تزال تحت سيطرته)، إلى جانب اقتراب الثوار من تحرير حلب، بعد أن استطاعوا تدمير مبنى المخابرات الجويّة، والذي يعد من أعتى التحصينات الأمنية في حلب. وبسقوطه، يكون الثوار قد وضعوا الخطوة الأولى والأهم لتحرير حلب بالكامل، وبالتالي، سيطرة الثوار على منطقة جغرافية واسعة، تضم مدينتي إدلب وحلب، وهو ما سيخلق منطقة عازلة في شمال سورية، بالتعاون مع أصدقاء الشعب السوري، تضم كتلة بشريّة واقتصاديّة ضخمة، تستطيع من خلالها المعارضة أن تدير شؤون المنطقة بسهولة ويسر، وتكون مقدمة لتحرير مدن وبلدات أخرى، وخصوصاً بعد حالة التململ الكبيرة التي بدأت تضرب طائفته، بعد فقدانها أعداداً كبيرة جداً من شبابها، دفاعاً عن بشار الأسد وكرسيه.

طبعاً هذا التقدّم الذي حققه الثوّار يمكن إرجاعه الى توحّد معظم الكتائب والفصائل تحت راية واحدة، وتوجهها لمقاتلة النظام ونبذ الخلافات الجانبيّة، كما يمكن إرجاعه إلى عوامل إقليميّة ودوليّة تمخّضت عنها نتائج إيجابيّة، دفعت بالثوار إلى التقدّم. فمن جهة، يمكن الحديث عن قرار عربي ـ إقليمي لدعم الثوار معنوياً ولوجستياً، ووضع حد لإجرام النظام ومليشياته، وهنا يمكن الحديث عن عاصفة الحزم، وما مثّلته من نقطة تحوّل مهمّة في المنطقة، فاجأت العرب أنفسهم قبل إيران، فلا يخفى على أحد مدى التأثير الإيجابي الذي تركته عاصفة الحزم في اليمن على أوضاع الثورة في سورية، وخصوصاً أنّها انطلقت لتحجيم النفوذ الإيراني في اليمن، وبالتالي، سينعكس إضعاف الدور الإيراني في المنطقة إيجاباً على الثورة السورية، من خلال تغيير موازين اللعبة، وكسر التوغل الإيراني في المنطقة، وإن جاء متأخراً بعض الشيء، إلا أن ذلك لا ينفي أهمية الخطوة العربية في اليمن، والتي قد تكون مقدمة لخطوة ثانية في سورية.

كل ما سبق يعطي مؤشّرات أنّ النظام اقترب من نهايته، وهو ما يدركه النظام بنفسه، وما إجرامه الأخير وتصعيده لحملته البربرية على المناطق المحررة، وارتكابه المجزرة تلو المجزرة، سوى دليل على إيقانه بقرب نهايته، وأنّ بقاءه في السلطة أصبح من ضروب الخيال (كأمل إبليس في الجنّة). لذلك، صعّد من خياره الشمشوني، وبدأ قيادة حرب إبادة شاملة، تشمل كل المدن والبلدات والقرى المحررة، وتحت شعارات زائفة، كمحاربة الإرهاب والتكفيريين والمسلحين، وبدأ توزيع الرعب والخراب والتفجيرات في المنطقة بأكملها، مثل الطغاة الراغبين بالاحتفاظ بالسلطة، لا يتورّعون عن فعل أي شيء يؤمّن استمرار حكهم أو بقاءهم في السلطة بشتّى الطرق والوسائل المتاحة، فإن فشلوا دمروا بلدانهم، كما فعل "شمشون" البطل الأسطوري، الوارد ذكره في قصص بني إسرائيل (سفر القضاة)، والذي هدّم أعمدة المعبد فوق رؤوس الذين تجمّعوا فيه من أفراد الشعب، بعد أن كانوا قد عذبوه وسجنوه قائلاً: "عليّ وعلى أعدائي". وهذا ما يخطط له بشار الأسد وينفذه من خلال تدمير سورية، بتاريخها وحضارتها ووجدانها، بعد أن فقد الأمل بالبقاء بالسلطة، لينهج نهج والده الذي دمّر حماه عام 1982، وسوّى أحياءها بالأرض، وقتل آلافاً من أهلها، وهجّرهم في سبيل إخضاع الناس لسلطته، لكن شتّان ما بين الأمس واليوم، فالشعب السوري مستمر في ثورته ونضاله ومواقع الأسد تسقط واحداً تلو الآخر، والمعركة اقتربت من نهايتها، واقتربت معها نهاية بشار الأسد، وكل من يشدّ على يديه، بدءاً بطائفته ومليشياتها، مروراً بمليشيات حزب الله والمليشيات الطائفية الأخرى، وانتهاءً بمصالح إيران وروسيا في سورية والمنطقة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

اللقاء الأخير مع أستاذنا إبراهيم عاصي في جسر الشغور !! وفي السجن  !! .. يحيى حاج يحيى

كان إبراهيم عاصي ملء عين بلدته ، وأهله وتلاميذه ، وقراء مقالاته في مجلة حضارة الإسلام ، وكتبه وقصصه التي انتشرت في صفوف السوريين وغيرهم !؟ ومن الطرائف أنني استمعت إلى خطبة جمعة في بغداد ١٩٨١ ، فكان موضوعها ماكتبه أستاذنا عن المرأة التي يتاجر بقضاياها التجار والفجار - كما أسماهم -

تعو د بي الذاكرة إلى اليوم الرابع من نيسان ١٩٧٩ م ، وكان آخر درس له في تفسير سورة يوسف عليه السلام ، في جامع الأ نصار ، وهو يغص بالحضور من المدينة ومن الأرياف المجاورة ، وللذكرى فإن هذا الجامع كان جامع المواجهة مع النظام المجرم ، وكان للعيون والمخبرين وجود ظاهر وإن تظاهروا بالتقوى والخشوع المصطنع !؟ وقد كان خطيب المسجد الأخ الشهيد عبد الكريم النايف ، يكاد يميزهم واحداً واحداً ! ولم يكن هذا ليمنعه من قول الحق ، بل كان يكويهم مرة ، وينصح مرة ، كما كان لأستاذنا عبارات تنغرز في جنوبهم لعلهم يستيقظون !؟

- ولعل من حكمة الله تعالى أن تكون هذه السورة ، والحديث عن السجن والبراءة من آخر ماسمعه الحاضرون ! كأن القدر يعده لهذه المرحلة التي طالت ، وتحدث عنها في رسالته من السجن إلى ابنه الشهيد عمار ، ومن خلال مقالته التي كتبها ( شيء من النيران ) وسرّبها بعض السجناء ، والتي تعد من أرقى الكتابات الادبية والتحليل النفسي والتصور الإيماني ، وقد نشرتها النذير في أعدادها الأولى بمقدمة كتبها أستاذنا الراحل الاديب محمد الحسناوي - رحمه الله -

لم يكن المجرمون ليجرؤوا على اعتقاله في جسرالشغور ؛ لأنهم يعلمون مدى خطورة الأمر عليهم ، فاعتقلوه في إدلب ليلاً  وهو في بيت شقيقته ، بعد نقله  من التعليم  إلى إحدى الدوائر في المحافظة !؟ في الوقت الذي كانت المدارس في حاجة إليه وإلى أمثاله ممن نُقلوا أو سُرّحوا أو سُجنوا ، أو شُرّدوا !؟

ومما يُذكر أن عدد المسرحين من التعليم في الدفعة الأولى كان أكبر من بقية المحافظات ، وقد نالنا شرف ذلك بعد أحداث آذار ١٩٨٠ في جسر الشغور مع عدد من الإخوة زادوا على العشرين من الجسر وريفها !؟

وأترك لقلم  الأخ الشاعر سليم عبد القادر - رحمه الله - وقد انقطعت أخبار الأستاذ إبراهيم عن أهله وإخوانه ، لينقل لنا في كتابه ( نقطة ... انتهى التحقيق ) صورة عن انطباعاته وصحبته له في السجن ، فيقول : كان الأستاذ إبراهيم عاصي عالٓماً من الذوق والأدب والفكر ! تعرفت إليه أول مرة من خلال كتبه اللطيفة التي تضم المقالات الرشيقة ( همسة في أذن حواء) والقصص الساخرة الماتعة ( ولهان والمتفرسون ) و ( سلة الرمان ) ، وقصدته مع ثلة من أصحابي في بيته في جسر الشغور ، حاملاً توصية من أستاذي وصديقه الأديب الشاعر محمد الحسناوي ، فاستقبلنا بحفاوة كبرى ، وأكرمنا إكراماً لا يمحوه النسيان ...  وتوطدت بعدها العلاقة فيما بيننا ، ثم اجتمعنا أخيراً في المهجع السادس في سجن كفر سوسة ، فازدادت المعرفة ، وازداد الإعجاب والود ..كان الأستاذ الكبير يمثل السجناء أمام إدارة السجن ، وينطق بلساننا ، ويعبر عن أحوالنا ، وينقل شكوانا ، وكان رئيس الفرع يستدعيه كلما جدّ أمر ، وحين يعود يحدثنا عما جرى ... وكان يتمتع بلباقة عالية ، ومهارة في الحوار ، وذكاء وحكمة ، مع روح مطبوعة بالدعابة ....

دعاه مرة رئيس الفرع بعدما صادروا لنا راديو مهرب نستمع فيه إلى الأخبار ، ودار بينهما حوار طويل ، ثم سأله الأستاذ : حتى راديو صغير تصادرونه !؟ فقال له : كيف دخل الراديو ؟ قال الأستاذ : تهريباً !؟

قال رئيس الفرع :وهل من المعقول أن نترك لكم راديو ، وأنتم لا تستمعون إلا إلى نشرات أخبار الكتائب ومونتي كارلو وما شابه !؟

ردّ الأستاذ باسماً : وهل من المعقول أن نطلب من الشباب أن يستمعوا لإذاعة دمشق ؟!

وفي إحدى الليالي جاءت لجنة إلى السجن تمثل القيادة القطرية ، وأجرى أعضاؤها حوارات مع السجناء من قادة الإخوان ، ابتدؤوها بالأستاذ إبراهيم ، ثم راحوا يستدعون الآخرين واحداً بعد الآخر  فيسمعون كلاماً قوياً  تعلو وتيرته باستمرار ، ويحمل السلطة مسؤولية مايجري من عنف في البلاد ، ولما فرغت اللجنة من مهمتها عادت فاستدعت الأستاذ إبراهيم ثانية ، فقال أحدهم : الكلام الذي سمعناه من إخوانك غير معقول !؟

قال الأستاذ :  لماذا ؟

قال : إنهم يحملوننا المسؤولية كاملة ، ولا يتورعون عن توجيه النقد اللاذع ، والإهانات المبطنة ...

ابتسم الأستاذ ابتسامته العذبة وقال : ماذا تريدون ممن يعتقدون أنهم معتقلون ظلماً أن يقولوا !؟ على كل حال ، إذا أردتم أن يغيروا مواقفهم فأطلقوا سراحهم !!

ويضيف الأخ سليم : كتب الأستاذ إبراهيم رواية عن السجن ، ولما فرغ منها حاول تهريبها مع أهله عند الزيارة ، ولكن المحاولة فشلت وصودرت الرواية التي لم يكن يمتلك نسخة أخرى منها .

كان الأستاذإبراهيم يجلس مستمعاً إلى دروس الشيخ عثمان جمال ، في العقيدة والفقه ، رغم أنه يكبره ببضع سنوات ! كان يجلس مصغياً بأدبه الجم ، وعقله اليقظ ، يتدخل أحياناً مستفسراً أو معلقاً ، أو محاوراً بتلقائية وهدوء ورحابة صدر ... ومامن أحد ألا أحبه ، وتتعلم منه الكتير !!

أما النهاية فكانت في مذبحة تدمر المرعبة ، مع ألف من إخوانه ، دخلت أجسادهم مقبرة جماعية ، ورفرفت أرواحهم سرباً واحداً نحو بارئها !!

** رحم الله أستاذنا الحبيب ، وكتب له أجر المجاهدين والشهداء ، ورحم الله أخي وصديقي العزيز سليم الذي استطاع مع ستة عشر أخاً سجيناً الفرار من السجن ، وظل شوكة في عيون الطغمة المحتلة لسورية يكتب للكبار والصغار ، ويبشر بيوم الخلاص الذي كنا نترقبه !

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بهدلة "المعارضة" السورية في موسكو2 .. برهان غليون

العربي الجديد

السبت 18-4-2015

فشل، كما كان متوقعا، لقاء موسكو2، فشلاً ذريعا بالنسبة لتوقعات المعارضة والشعب السوري المنكوب، لكنه نجح نجاحاً باهراً بالنسبة لتوقعات النظام وموسكو اللذيْن صاغا بيانات الختام، حسب مطالبهما تماما، وما كانا يحلمان بإظهار ضعف المعارضة وتهلهلها وانقسامها وعدم تجانسها، ليبرروا تمسكهم بنظام القتل والديكتاتورية، كما بدت عليه بالفعل. وليس للمشاركين في لقاء موسكو2، بين ما سميت شخصيات من المعارضة ووفد النظام برئاسة بشار الجعفري الذي لم يتصرف في أي وقت، حتى في جلسات الأمم المتحدة، إلا كشبيح، في هذا الفشل الذريع أي عذر.

فقد قبلوا، أولاً، من دون نقاش، بأن يشاركوا في حوار ليست المعارضة هي التي تقرر وتعين من يمثلها فيه، وإنما طرف آخر. وبالتالي، هو الطرف الذي يحدد نوع العناصر والشخصيات المدعوة. وبالتالي، طبيعة الاجتماع والحوار الذي يمكن أن يُجرى فيه. وهذه إهانة للمعارضة بأكملها، وعار على من قبل به، كائناً من كان هذا الطرف.

وراهنوا ثانياً، من دون وعي، على وساطة طرفٍ ليس لديه أي درجة من الحياد، بل لم يخفِ، لحظةً، دعمه الكامل العسكري والقانوني والسياسي لنظام الأسد، ولا يكف عن تأكيد ذلك، وافتخاره بموقفه الذي يعتبره دعماً للشرعية ضد الإرهاب. وكان قد أعلن، قبل أيام من اللقاء، أنه لا يزال يورد الأسلحة والذخائر للأسد، وسوف يستمر في التزاماته.

جلسوا ثالثاً على طاولة "حوار" مع نظامٍ لا يزال يقتل ويدمر ويهجر ويعذب، ويرفض حتى الإفراج عن معتقليهم، بل يعتقل، في يوم افتتاح الحوار نفسه، أحد أعضاء مكتبهم السياسي، صالح النبواني، من دون أن يكون لديهم ما يعتمدون عليه من قوة سوى سراويلهم، وحاجة موسكو لهم لتأهيل نظامها، بعد أن قطعوا علاقتهم ببقية أطراف المعارضة، وخانوها، وتبرأوا من الكتائب المقاتلة على الأرض، التي لا يوجد من دون ما تمثله من تحد وضغط أي إمكانية لانتزاع شيء من نظام تربى في الجريمة والكذب والخداع. كان من الطبيعي، في ظل ميزان القوى هذا، ألا يظهر الجعفري سوى العجرفة والصلف والسخرية، وأن يرفض استلام أي قائمة بأسماء معتقلين ومخطوفين، كما كان من الطبيعي والمنتظر، في هذا الوضع، أن يقبل ما سميت شخصيات المعارضة الاستمرار في "حوار" هو، في الحقيقة، تسوّل واستجداء، بدل الاحتجاج والانسحاب الفوري ووقف المحادثات.

قبول المشاركين بكل هذه التنازلات ينفي عنهم أي نية حسنة، ويدين كفاءتهم السياسية، ويذكّر السوريين بالطريقة المريرة نفسها التي كان نظام الأسد يعامل بها المعارضة، أو الأطراف الخانعة منها، في العقود الطويلة الماضية، ويظهر أن أكثر المعارضين لم يستيقظوا بعد على الحدث الكبير الذي شكلته الانتفاضة الشعبية، ولا يعيشون فيه، ولا يزالون يتصرفون كما كانوا يفعلون في السابق، يداهنون للقوة، ويحنون ظهورهم لها ويعتبرون النظام صاحب الصولة والجولة، وأنفسهم الضعفاء الأذلاء، مع إضافة أن هذا النظام لم يعد نظام الأسد، وإنما نظام بوتين.

ارتكب المشاركون في لقاء موسكو، بوعي أو من دون وي، وبصرف النظر عن كونهم شخصياتٍ، أو أحزابا، ثلاث جرائم سياسية، من وجهة نظر الانتفاضة الديمقراطية الوطنية التي ضحى فيها الشعب بأغلى ما يملك، أي بأرواح أبنائه، شباباً وبناتاً، وبحاضره كله، وأهم ما راكمه، خلال قرن من التمدن والتقدم المادي والسياسي والقانوني، ودمرت خلالها أكثر مدنه وبلداته، وتم محو معظم تراثه التاريخي والإنساني، ثلاثة أخطاء سياسية لا تغتفر: القبول بتزوير إرادة المعارضة السورية والشعب الذي يفترض أنها تمثله. المشاركة في تقسيم المعارضة، والدخول في لعبة الأسد لضرب بعضها ببعض، وتمزيقها بين معتدلة ووطنية وداخلية ومتطرفة وعملية وخارجية، وإظهار تهافتها، وعدم وحدتها وانسجامها، وفي النهاية نزع الصدقية عن أطرافها جميعا، وإظهارها على أنها غير ذات كفاءة لممارسة السلطة، أو حتى المشاركة فيها بجدية، أمام الرأي العام السوري والدولي. وهذا كان الهدف الواضح لموسكو من دعوة شخصياتٍ لا علاقة لها بالمعارضة، ولا بالسياسة أصلاً، وزجها بين صفوفها وتتويجها شخصيات سياسية معارضة، واختلاق أحزاب وهمية تمثلها، لاستخدامها ورقة للضغط على المعارضة، أو للتلاعب والوقيعة بين صفوفها، تماماً كما فعلت أجهزة الأمن السورية في عقود طويلة سابقة.

الخطأ السياسي الثالث، إضفاء الشرعية على مسرحية موسكو، لتأهيل النظام بتخليق معارضة له على مقاس قدميه، تقبل به وتتحاور معه، وتراهن على ما تسميه حواراً، وهو ليس أكثر من دورة في الاستذلال، يخضع فيها المعارضون الذين تم انتقاؤهم فرداً فرداً، لوابل من غطرسة بشار الجعفري، وشتائمه وسعاره، لا تختلف كثيراً عن جلسات "الحوار" التي كان ينظمها ضباط الأمن والمخابرات السوريين مع ضحاياهم من المعارضين، في مراكز الأمن والاحتجاز والاختطاف، بهدف التدجين والتهديد والابتزاز، واستخدام ذلك كله جداراً دخانياً، تستمر من ورائه، من دون ضجة أو سؤال أو اعتراض، حرب الإبادة الجماعية والتهجير والاستيطان، وعمليات القتل والذبح وإلقاء البراميل المتفجرة والصواريخ الباليستية ومدفعية الميدان على رؤوس السوريين.

ليس هناك شيء يمكن أن يبرر لأبطال لقاء موسكو2 خطأهم، حتى لا أقول سقطتهم الكبيرة، لا المشاعر الإنسانية واللهفة على القتلى واليتامى واللاجئين والمحرومين، كما يدعي بعضهم، ولا الدوافع الوطنية والرغبة المشروعة في الحفاظ على الدولة ومؤسساتها، كما يتمنى بعض آخر، هذا إن بقيت هناك دولة ومؤسسات، ولا السعي إلى الشهرة والبروز وتعزيز دور الأحزاب والتشكيلات التي يمثلها المشاركون، وكلها أحزاب وتشكيلات وهيئات كرتونية، وكيانات هوائية، تنقسم بمقدار ما تفكر ولا تفكر إلا لتنقسم، ولا حتى اليأس من الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، وتهافت أدائه.

"لا يكون العمل الوطني، ولا يتحقق، من دون أداة فاعلة ومتسقة وموحدة"

ما حصل ويحصل من جرجرة معارضين من مؤتمر إلى آخر، ومن عاصمة إلى أخرى، على طلبٍ، ولخدمة أجندات ليست صادرة عن حوار جدي داخل المعارضة نفسها وعن تفاهمها، هو إهانة للمعارضة بأكملها، وتجريح لصدقيتها، وتعميق للشرخ الذي يفصلها عن القادة والمقاتلين الميدانيين. والنتيجة، كما هو واضح، تفريغ المعارضة السياسية من محتواها، بفصلها عن القوة المقاتلة الرئيسية التي تعمل دفاعاً عن قضيتها، وإفقادها أي وزن في معركة طابعها الرئيسي، منذ أربع سنوات متتالية، المواجهة المسلحة وكسر العظم، من جهة، وترك الكتائب المقاتلة على الأرض، في هذه الحرب الضارية، من دون قيادة سياسية وعنوان وطني موحد، ومن دون أداة لتنسيق العلاقات الدولية. وبالتالي، ضحية لضغوط الأجهزة والأجندات الدولية.

تقع المسؤولية الرئيسية في ذلك، بالتأكيد، على عاتق الائتلاف الذي نجح في انتزاع الحق بتمثيل قوى الثورة والمعارضة، ولم يقم بما يلزم لتجسيده، وتقاعس عن القيام بالدور المطلوب، لتقريب وجهات نظر المعارضة وتوحيد صفوفها، وهو ما حالت دونه العقلية العصبوية الضيقة، الموروثة عن الحقبة السابقة، وفي ما وراء ذلك، خضوع كثيرين من أعضائه، أو ضعفهم أمام ضغوط الدول والحكومات، وتشوش الوعي الوطني، بل تحييده بعد نصف قرن من التعقيم الفكري والاغتيال السياسي والإعدام الأخلاقي لشعب كامل، الشعب السوري. لكن، مهما كان الأمر، لا يكون العمل الوطني، ولا يتحقق، من دون أداة فاعلة ومتسقة وموحدة. وللوصول إلى ذلك، فإن كل الأفراد، المقاتلين والناشطين، مسؤولون، ومن واجبهم الضغط في هذا الاتجاه. وإلا فإن أحداً لن يغير ما في سلوكه، من المسؤولين عن الوضع الراهن، ولن يغير في هذا الوضع، ما لم يغير كل واحد منا، في أي مكان وجد فيه، من سلوكه، ويتغلب على روح الفردية والتسليم بالواقع، وما لم يؤمن بقدرته على المساهمة في التغيير، وبمسؤوليته في إحداثه، بالتعاون مع الآخرين، أي ما لم نقضِ، مرة واحدة وإلى الأبد، على ثقافة العجز والاتكالية واليأس والاستسلام، ورمي المسؤولية على الآخرين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل تتدعشن التيارات الإسلامية المعتدلة؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 18-4-2015

الغريب، لا بل المضحك في الأمر، أنه ما إن انتهى الغرب من استثمار مصطلح «الإسلاموفوبيا» لأغراضه الخاصة، حتى راح العرب يعيدون اجترار المصطلح، لكن هذه المرة ضد بعضهم البعض.

كيف لا وأننا نحن العرب لا نمانع حتى في تقليد الغالب الغربي فيما يسيء لنا. قد يتفهم المرء تصنيع الغرب لمصطلح «الإسلاموفوبيا» لتحقيق أغراض سياسية وعسكرية وثقافية معينة، لكن من الصعب أن يتفهم قيام ضحايا المصطلح أنفسهم ألا وهم العرب باستغلال المصطلح للإساءة لبعضهم البعض، وبالتالي للإسلام نفسه.

لقد عادت ظاهرة «الإسلاموفوبيا» إلى الحياة من جديد بقوة رهيبة، خاصة بعد الربيع العربي الذي كان من أبرز نتائجه فوز الإسلاميين في الانتخابات التي جرت في بعض الدول العربية. فقد فاز حزب في تونس. ولحقه الإخوان المسلمون والسلفيون في مصر، ناهيك عن أن الإسلاميين تصدروا المشهد في ليبيا في البداية. بعبارة أخرى، فإن بروز الإسلاميين على المشهد السياسي بقوة انتخابية غير مسبوقة جعل خصومهم، خاصة اليساريين والليبراليين والعلمانيين وأيتام الحكام الساقطين والمتساقطين، يتهافتون على التحذير من الخطر الإسلامي على الديمقراطيات الوليدة في المنطقة العربية في أعقاب الربيع العربي.

لا شك أن الإسلاميين لم يبلوا بلاء حسناً بعد وصولهم إلى السلطة في تونس ومصر. وقد صوت غالبية التونسيين ضدهم في الانتخابات الأخيرة بسبب فشلهم في إدارة البلاد بعد الثورة، وخاصة على الصعيد الاقتصادي.

وصحيح أن الأشهر الأولى من حكم الإخوان في مصر لم تكن مشجعة جداً. لكن هذا لا يبرر بأي حال من الأحوال شيطنة الإسلاميين وتصويرهم على أنهم خطر ساحق ماحق على بلاد الثورات. وهنا يجب أن نذكر أن أي حزب يصل إلى السلطة بعد ثورة شعبية سيلاقي مصير الأحزاب الإسلامية التي استلمت السلطة بعد الثورات في مصر وتونس وليبيا. كيف لا وتطلعات الشعوب تكون عادة عالية جداً، ناهيك عن أن تركة الأنظمة الساقطة تكون غالباً في غاية السوء. وبالتالي لا يمكن لأي قوة مهما امتلكت من مواهب السلطة أن تصلح الأوضاع بعصا سحرية. ولا ننسى أن الإسلاميين الذين وصلوا إلى السلطة ليس لديهم تجربة عريقة في الحكم، لا سيما وأنهم أمضوا معظم وقتهم في السجون بسبب الملاحقات والتضييق الدائم على نشاطهم السياسي. وبالتالي، لا يجب استغلال فشلهم في السلطة بعد الثورات لسحقهم وإخراجهم من الحياة السياسية إلى غير رجعة.

ولو تابعت الحملات الإعلامية التي يشنها خصوم الإسلاميين عليهم لرأيت العجب العجاب، فهذا يحذر من أسلمة الحياة العامة بكاملها، وذاك يحذر من الاستبداد الإسلامي.

لا بل إن كثيرين يجادلون بأن بعض الدول العربية لا تريد إسقاط النظام في سوريا خشية وصول الإسلاميين إلى السلطة بعده. لقد حاول العلمانيون وأذناب الأنظمة المتساقطة كل ما بوسعهم لتخويف الشعوب من الصعود الإسلامي الجديد بطريقة تفوق بشاعة الطريقة الغربية التي سادت على مدى العقدين الماضيين، وكأن الإسلاميين الجدد بعبع مرعب

لا أدري لماذا كل هذا التخويف من الإسلاميين وشيطنتهم. أليس من الأفضل أن نقبل بنتائج صناديق الاقتراع التي تعتبر أس الديمقراطية بدل شيطنة الإسلاميين بالطريقة المستهلكة البائدة؟

أليس التخويف من الإسلاميين اعتداء فاضحا على الديمقراطية وعلى أتباع الإسلاميين الذين يعدون بالملايين؟ ألا تعبر شيطنة الإسلاميين عن عجز مقيم لدى خصومهم؟ أليس حرياً بأعداء الإسلاميين أن يجتذبوا الشارع ببرامجهم الانتخابية والسياسية بدل تشويه سمعة الخصوم؟

من الواضح أن الذين يخوفون المجتمعات العربية من المد الإسلامي لم يتعلموا من الدرس الغربي، فرغم الحملات الشعواء التي شنها الإعلام الغربي على الإسلاميين على مدى العشرين عاماً الماضية، إلا أن الإسلاميين ظلوا يحققون النصر تلو الآخر في الشارع العربي. ولما أتيحت لهم فرصة ديمقراطية حقيقية حصدوا الأخضر واليابس في الانتخابات. لهذا بدل إعادة تصنيع العجلة، على التيارات السياسية المناهضة للإسلاميين أن تبحث عن طرق جديدة لمنافستهم بدل أن تجتر الأساليب الغربية البائسة التي لم تفشل فقط في تشويه سمعة التيار الإسلامي، بل جعلت منها أكثر قوة. والأخطر من ذلك الآن وفي ظل هذه الحملات الشعواء ضد الإسلاميين في العديد من البلدان، يُخشى أن تتدعشن الأحزاب الإسلامية المعتدلة التي قبلت باللعبة السياسية بعد أن استخدم خصومها ضدها أقذر الأساليب لإخراجها من اللعبة السياسية.

أين تذهب التيارات الإسلامية الديمقراطية عندما ترى أن كل الأبواب أصبحت مغلقة في وجوهها؟ ألا تصبح الجماعات المتطرفة التي باتت تشكل صداعاً كبيراً للداخل والخارج الوجهة المفضلة للقوى الإسلامية المعتدلة؟

٭ كاتب وإعلامي سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ماذا عن ثورةٍ سوريةٍ «ثقافية»؟ .. وائل مرزا

الحياة

السبت 18-4-2015

يُخطئ من يظن أن الحديث عن الثقافة نوعٌ من الترف في الظرف السوري الراهن. يخطئ من يرفض الاعتراف بأن «أصل» كل مشكلة كان يكمن في الثقافة، وأن الثقافة هي نفسها مكمن الحلّ لجميع المشكلات بفهمٍ معين. يظلم نفسه وشعبه وبلاده كل من ينكر أننا وصلنا إلى هذا الواقع بسبب الثقافة، وأن التعامل مع الواقع المذكور بطريقة تساعد الشعوب على تحقيق تطلعاتها لا يمكن أن يحصل إلا من خلال الثقافة.

وواهمٌ من يعتقد أن التركيز يجب أن يكون الآن «فقط» على إنقاذ الثورة بالإجراءات العاجلة والتركيز على الواقع الراهن، خاصةً السياسي والعسكري. فالمنطق العقلي والتاريخي يؤكد أن كل شيء يتعلق بهذه القضايا يحتاج أول ما يحتاج، وأكثر ما يحتاج، إلى الفكر والدراسة والتحليل، أي الثقافة بكل معانيها ومقتضياتها.

ثمة مقولةٌ مشهورة تؤكد أن مراحل ما بعد الثورة أصعب بكثير من الثورة نفسها. يؤكد التاريخُ هذه المقولة، ويؤكدها بشدة الواقع السوري الراهن. ولو نظرنا بشفافية إلى ما جرى ويجري في ملابسات الثورة السورية، وفي كل بقاع الثورة في الوطن العربي، فسنرى مصداقية المقولة المذكورة، وكيف تفرض نفسها في كل مجال وعلى أكثر من مستوى.

لنخرج من حصار الثنائيات الخانق. فمن يعمل للثورة الآن، بالطرق التي يراها، يعمل لها من دون أن ينتظر رأياً في مقال أو تصريحاً في منبرٍ إعلامي. والحديث عن ثورة ثقافية هو حديثٌ الآن في ما يمكن أن يسمى «تجاوزاً» بالفريضة الغائبة... أيضاً بالمعنى الثقافي، وربما الشرعي، لا سيما أن انشغالاً كاسحاً بالشأن السياسي البحت، بمعانيه ودلالاته التقليدية، هو سِمة الواقع السوري في هذه المرحلة. وستنتج عن هذا الانشغال مفارقة تاريخية خطيرة، حيث يزهد السوريون عن الشأن الثقافي في الوقت الذي هم في أمسّ الحاجة إليه.

يمثل هذا تحدياً كبيراً من جانب، لكنه سيكون فرصةً من جانبٍ آخر لمن وضع نفسه على هذه الثغرة وأمضى فيها حياته، أفراداً كان هؤلاء أو مؤسسات. فبينما الملايين من السوريين مشغولون بمراقبة «ما جرى ويجري وسيجري»، يجب على قلةٍ من السوريين أن تسخّر كل طاقاتها لنعرف من خلال جهدها «ماذا جرى وماذا يجري وماذا سيجري»، بحدٍ مطلوب من دقة بحثية ومنهجية تليق بالظرف الذي يعيشه السوريون جميعاً.

لا يجوز التعامل بكل هذه العفوية مع النقلة التاريخية الخطيرة التي مرّت وتمر بها سورية ومعها العرب بأسرهم، منذ أكثر من أربع سنوات. كيف جرى ما جرى ولماذا؟ إلى أين نسير من هنا؟ ماذا يحمل لنا المستقبل؟ هل لا يزال لدى السوريين خيارات مختلفة؟ ما هي تلك الخيارات؟ وكيف يمكن صياغتها؟ وكيف يمكن تجاوز أخطاء الماضي وخطاياه الكبيرة؟ وأين تكمن التحديات الحقيقية؟

أسئلةٌ ستتولد عنها أسئلةٌ أكثر مما نتصور، وكلها تحتاج إلى إجابات علمية منهجية مدروسة. لا ينفعنا في شيء أن نتوقع الحصول على إجابات من خلال أعمدةٍ ومقالات رأي، أو مقابلات عابرة وسريعة في منابر الإعلام الجماهيري.

فلكل ساحةٍ في الحياة البشرية طبيعتها الخاصة ودورها المحدد، والساحة المذكورة مُشبعةٌ الآن بكل ما يمكن توقعه من رؤى وطروحات تلهث وهي تحاول أن تلاحق اللحظة الراهنة، ويهدف كلٌ منها إلى تحقيق هدفٍ عاجل، وهي أهدافٌ من الطبيعي أن يكون بعضها متضارباً إلى حدٍ كبير. وهذه عمليةٌ يمكن أن تزرع الفوضى وتشتت التفكير، وتملأ عقل السوري والعربي بأسئلةٍ ليست لها إجابات، وأوهامٍ ليس لها رصيد، وحيرةٍ ليس منها مخرج.

لا بد إذاً، للبعض على الأقل، أن يباشر بجدّيةٍ العمل في ساحةٍ أخرى. ساحة الفكر والدراسة والتحليل العلمي المنهجي الأكاديمي. لا مثالية في الموضوع إن قلنا: جاء أوان علماء الاجتماع والسياسة والتاريخ والتربية والاقتصاد ودقّت ساعة العمل بالنسبة إليهم. لا عذر لهؤلاء بعد اليوم. فالواقع السوري الراهن يفرض على الجميع أن يسمح لهم، بل ويُطالبهم، بالعمل والعطاء والإنتاج.

الحاجةُ ماسةٌ اليوم لأجندات بحثية جديدة. لعملٍ مؤسسي علميٍ منظّم فعال يُلهم حركة الواقع، ويجيب على أسئلته الأساسية، ويرسم ملامح الممارسات العملية فيه، ويعمل على ترشيد مسيرة ورؤية العاملين على مختلف المستويات.

ثمة تعريفٌ للثقافة طرحه النمسوي غوستان فون غرونبوم يصفها بأنها «الجهد المبذول لتقديم مجموعةٍ متماسكة من الإجابات عن المآزق المحيرة التي تواجه المجتمعات البشرية في مجري حياتها، أي هي المواجهة المتكررة مع تلك القضايا الجذرية والأساسية التي تتم الإجابة عنها عبر مجموعة من الرموز، فتشكل بذلك مركباً كلياً متكامل المعنى، متماسك الوجود، قابلاً للحياة».

بعيداً عن الجدل في المعاني المباشرة لـ «موت السياسة» و «موت الأيديولوجيا» في سورية الراهنة، من الواضح أنهما لم يتمكنا على الإطلاق، على رغم ضجيجهما الراهن، من تقديم إجابات عن الأسئلة الكبرى التي تواجه السوريين، وتتعلق بماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم. ربما كانت عملية «إحياء الثقافة» بديلاً يستحق التجريب على الأقل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نأمل لهما دخول الجنة أيضاً!! .. يحيى حاج يحيى

لأستاذنا الأديب إبراهيم عاصي مقالة جميلة بعنوان  : اللذان يدخلان الجنة ، وهما : الشعب والمصلحة العامة ! لكثرة مايتحدث الكاذبون باسمهما ، ويفترون عليهما ، ويذبحونهما وهم يدّعون الدفاع عنهما !؟

ويأتي اليوم اثنان آخران نأمل لهما دخول الجنة أيضاً ، وهما : إضعاف الشعور الوطني  ( وهي إحدى التهم التي يدخل المواطنُ السجنٓ بها في سورية ، مع أن الحاكم المستبد المحتل مزّق الوطن ، فلم يترك له كرامة ولاهيبة !؟ )

والاخر هو : استعراض القوة ( وهي التهمة التي تعتبر جريمة في مصر ، وتحاسب عليها محاكم رقّصني ياجدع!؟ ويدخل بها السجن كل مواطن بدءاً من رئيس الجمهورية الشرعي المنتخب إلى أصغر فتوة = قبضاي !!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رجالات سورية : حاكم دولة حلب العام مرعي باشا الملاح ... محمد فاروق الإمام

مرعي باشا الملاّح، رجل دولة، وزعيم سياسي سوري مخضرم. كان من خيرة وجهاء حلب بل و"عين أعيانها المحترمين". وقد تلقى العلم عن شيوخ بلده وتخرج في المعهد السلطاني العثماني باسطنبول، وأتقن عدة لغات، ثم انتظم في وظائف الدولة وارتقى في مناصبها الرفيعة في مختلف العهود التي خبرها (العثماني والفيصلي والانتدابي) إلى أن سمي أخيراً (حاكم دولة حلب العام) في الفترة (1924-1926).

وفي جميع المناصب التي أسندت إليه حقق مشروعات عمرانية وإصلاحات إدارية واجتماعية، لا تزال مدينته حلب تذكرها بالخير، وتعرف باسمه.

ومما امتاز به أيضاً حبه للعلم والأدب؛ فساهم في تأسيس الدراسات الإسلامية في حلب بإحيائه المدرسة الخسروية، وجمع مكتبة قيمة أوقفها في حياته على كل من المدرسة الخسروية ودار كتب الأوقاف الإسلامية بحلب، وكان من مؤازري المجمع العلمي العربي بدمشق في طور تأسيسه. وله الفضل في إقامة كل من جمعية العاديات ودار كتب الأوقاف الإسلامية.

كان الملاّح فضلاً عن مكانته البارزة بين أعلام حركة الإصلاح الاجتماعية والوطنية في بلده حجة في القانون. وكان من القلائل من رجالات سورية الذين شاركوا في التجربة البرلمانية الجديدة سواء خلال العهد الدستوري العثماني (1908-1918) أو خلال عهد الاستقلال العربي الأول (1918-1920)؛ فقد انتخبته مدينته حلب نائباً عنها في مجلس المبعوثان المنعقد في اسطنبول في عام 1908، حيث كان مقرراً للدستور العثماني. ثم كان من القيادات السورية التي اطلعت بدور أساسي في بناء دولة الاستقلال الأولى، وذلك من خلال توليه الرئاسة الثانية للمؤتمر السوري العام بدمشق، والذي كان بمثابة أول مجلس نيابي تشريعي عرفته البلاد.

أبصر محمد مرعي بن الحاج صالح آغا المـلاّح النور في مدينة حلب عام 1856، لأب محسن كان من خيرة أعيان حلب وكبار تجارها، وأم كرجية الأصل نشأت في قصر السلطان عبد المجيد الأول.

وتنتمي أسرته إلى عشيرة البوخميس المتفرعة عن عشيرة الدليم، إحدى عشائر العراق المعروفة بكثرتها ومكانتها، من ذرية الصحابي عمرو بن معدي كرب الزبيدي. ولهم شرف نسبة الأسباط إلى عشيرة النعيم،من الرفاعية، من السادة الحسينية. وتمتد فروعهم في كل من حلب ودمشق وطرابلس الشام وحيفا وغزة وعمان وبغداد والقاهرة، وأبناء عمومتهم في حمص آل الملّوحي.

قدم أسلافه الديار الحلبية من العراق في مطالع القرن الثاني عشر الهجري واستوطنوا منطقة الجبول؛ فغدت ملاحة حلب التي بجوارها في حوزتهم. وبلغ من سطوتهم، إزاء ضعف الدولة العثمانية في أواخر عهدها، أن احتكروا تجارة الملح المستخرج منها، وكان مصدر دخل كبير للدولة آنذاك؛ فلقبوا لذلك ببني الملاّح. وفي مسعى من العثمانيين لاسترضائهم فقد أقروهم فيها وولوهم أمانة مملحة الجبول وفق نظام الـ(مالكانة) الذي يقضي بمنحهم التزام ضرائبها مدى الحياة، وهي وظيفة استأثروا بها حتى عهد متأخر من القرن الثاني عشر الهجري مع منحهم لقب الـ (آغا) .

وأما أول من قدم منهم إلى حلب واستوطنها فهو جده الأعلى أبو بكر آغا أمين الجبول معيناً قائداَ للجيش (كتخدا) في عام 1775 فقام بأعبائه مع احتفاظه بأمانة الجبول، ثم أصبح متسلم حلب في عام 1776، فجمع بينها حتى عام 1780.

بدأ المـلاّح دراسته الأولى في الكتاتيب الإسلامية التي كانت شائعة في زمانه حيث أتم تلاوة القرآن الكريم، ثم تلقى العلوم الشرعية واللغوية على اثنين من كبار علماء عصره، وهما: الشيخ أحمد الترمانيني مفتي الشافعية؛ والشيخ محمد علي الكحيل أمين الفتوى الذي كان حجة في فقه الإمام أبي حنيفة. ثم انتقل إلى المدرسة المنصورية، وهي أول مدرسة أميرية (رسمية) أنشأتها الحكومة العثمانية بحلب في عام 1861، حيث أنهى دراسته (الرشدية) التي تقابل اليوم الثانوية في عام 1870.

كان والده صديق محمد كامل باشا القبرصي متصرف مركز حلب آنذاك والذي أصبح صدراً أعظم (رئيس وزراء) فيما بعد. وعندما غادر كامل باشا حلب إلى اسطنبول اصطحبه معه لمتابعة تحصيله العلمي العالي فيها وله من العمر أربعة عشر عاماً وألحقه بمكتب )غلطة سراي) السلطاني العثماني (جامعة غلطة سراي التركية حالياً)، وهو أول معهد علمي عال تم افتتاحه في الدولة العثمانية في عام 1868 لتدريس العلوم العصرية باللغة الفرنسية لأبناء النخبة العثمانية الحاكمة تمهيداً لارتقائهم أرفع المناصب في الدولة وبلوغهم أعلى المراتب فيها، وتابع دروسه فيه مشمولاً برعاية السلطان عبد العزيز الأول وعطفه إلى أن تخرج منه في عام 1876م. وأتقن إلى جانب العربية التركية والفارسية والفرنسية والإيطالية والأرمنية وألم بالإنكليزية.

بدأ محمد مرعي المـلاّح حياته العملية بمزاولة التجارة مع أخوته في محلهم التجاري الكائن في خان الفرايين بحلب، ولكن هذه المرحلة من حياته كانت وجيزة إذ أنه ما لبث أن استجاب لما كان يعتلج في نفسه من نزوع إلى الخوض في غمار السياسة والأخذ بنصيب من مراتب الدولة ووظائفها جنباً إلى جنب مع العمل التجاري والزراعي. وكانت الدولة العثمانية في ذلك الحين ما تزال في بداية حركة التحديث والإصلاح الحكومي المعروفة بـ(التنظيمات)، في إشارة إلى ما احتوت عليه من أنظمة وقوانين وتشريعات تقررت بإرادتين سنيتين صدرت أولاهما في عام 1839 واشتهرت بمنشور (كلخانة) لأنها تليت في القصر المعروف بهذا الاسم، وصدرت ثانيهما في عام 1856 وعرفت بمنشور (التنظيمات الخيرية)، والتي بلغت ذروتها في عهد السلطان عبد الحميد الثاني(1876-1909)؛ فانتظم بتوجيه الصدر الأعظم كامل باشا ورعايته في سلك الإدارة المدنية العثمانية وبلغ أعلى مراتبها.

واستناداً إلى مجموعة الكتب السنوية الرسمية لولاية حلب الصادرة في العهد العثماني (سالنامه ولايت حلب) فقد كان على التتابع في المناصب القضائية والإدارية والتربوية والمالية العالية.

تعاطى إلى جانب العمل الوظيفي التجارة والزراعة على نطاق واسع، وكان عضواً مؤسساً في غرفة زراعة حلب في الثمانينيات من القرن التاسع عشر، ثم عضواً في غرفة التجارة والزراعة والصناعة.

رحل إلى اسطنبول مراراً. كما قصد كلاً من لبنان والعراق ومصر وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا في أعماله التجارية.

كانت له حظوة عند السلطان عبد الحميد الثاني، فأنعم عليه في العام 1905 برتبة "روم ايلي بكلربكي" الرفيعة، ومنحه أعلى الأوسمة. وقد بلغ من ثقة السلطان به أن انتدبه للعديد من المهمات، وأوكل إليه التفتيش في عدد من مفاسد الدولة العثمانية، ومنها تحقيقه في تجاوزات أمير اللواء إبراهيم باشا الملّي القائد الأعلى للكتائب الحميدية.

انتخب نائباً عن ولاية حلب في مجلس المبعوثان العثماني (1908). وكان أحد النواب العرب القلائل الذين حضروا جلسته الأولى المنعقدة في 17 كانون الأول من عام 1908، والتي تم انتخابه فيها عضواً في الهيئة الإدارية للمجلس (إدارة مأموري). وعلى أثر قيام الثورة المضادة بين السابع والثالث عشر من نيسان 1909 والمعروفة في الحوليات العثمانية بـ(حادثة 31 آذار 1909) أو (الحركة الارتجاعية) في إشارة إلى محاولة القائمين عليها إعادة الحكم الفعلي إلى السلطان عبد الحميد، شارك الملاّح في تأسيس "جمعية الاتحاد العثماني"، التي كان هدفها التمسك بالدستور والدفاع عنه. وفي صيف العام 1909 استقال من النيابة لمعارضته تدخل الاتحاديين بشؤون الدولة على نحو مناف للدستور.

كانت الفترة التي مثل فيها مرعي باشا المـلاّح ولاية حلب في مجلس المبعوثان والممتدة بين كانون الأول من عام 1908 وآب من عام 1909 الفترة الذهبية في عمر التجربة الدستورية (الديمقراطية) العثمانية الثانية. ذلك أن المجلس – وكان في حالة انعقاد دائم- قد عمل خلالها جاهداً على سن القوانين والتشريعات التي تمنح الحريات لرعايا الدولة وأخرى لتطهير الإدارة وتحديثها، كما أجرى النواب بعض التعديلات على دستور 1876، يشرف على ذلك الهيئة الإدارية المقررة للتعديلات الدستورية تلك في المجلس والتي كان الملاّح أحد أعضائها، وكان الهدف منها إرساء قواعد حياة برلمانية عصرية، وجعل الدولة العثمانية دولة حديثة، تسير على غرار الممالك الأوروبية الراقية. وقد صادق السلطان محمد الخامس على تلك التعديلات في 28 آب من عام 1909.

ولي إدارة أوقاف ولاية حلب في عام 1909، فبقي فيها مدة سنتين، ثم استقال بعدما سيطر الاتحاديون على نظارة الأوقاف. وفي غضون ذلك عين في العام 1911 عضواً في اللجنة التي عهد إليها بالتحقيق في الحفريات التي أجرتها بعثة أثرية بريطانية تحت قبة الصخرة في الحرم القدسي الشريف وما تردد عن قيامها بسرقة آثار تعود إلى عهد الملك سليمان، وقد أثبتت التحقيقات عدم وقوع السرقة لانتفاء وجود تلك الآثار أصلاً.

انتخب عضواً في المجلس العمومي لولاية حلب (1913-1914)، ثم ترأس إبان الحرب العالمية الأولى فرع جمعية الغوث (المدافعة الملّية) بحلب. وكان رئيساً لمجلس العشرة الذي تولى الحكم في حلب (والٍ بالوكالة) قبيل جلاء (الترك) الاتحاديين عن البلاد.

وفي العهد الفيصلي (1918-1920) عين المـلاّح رئيساً للحكومة المؤقتة التي تشكلت في حلب على أثر دخول الجيش العربي، ثم عضواً في مجلس الشورى، فمتصرفاً لدير الزور (1918-1919). وقد حرر تلك المدينة من حكم الاتحاديين، وألحقها بالحكومة العربية بدمشق، ونظم الإدارة فيها. ولما دخل الإنكليز رفض تسليمهم إدارة المنطقة وإنزال العلم العربي. ولّما تشبث بموقفه، حصل الإنكليز على وثيقة رسمية من الحاكم العسكري العربي بحلب تؤكد إقرار الحكومة العربية بخضوعها للحكم البريطاني. فما كان منه إلا أن استقال من منصبه احتجاجاً.

وفي شباط من العام 1919 اعتقلته السلطات البريطانية في مقدمة من اعتقلتهم من زعماء حلب بتهمة التحريض على (فتنة الأرمن) التي دبرتها أجهزة الاستخبارات الأجنبية، وذلك بهدف إظهار أن السوريين غير قادرين على حكم أنفسهم، ولتوجيه ضربة إلى الزعامات المحلية المعارضة لأية سيطرة أجنبية. لكنهم لم يستطيعوا أن يثبتوا ضلوعهم فيها، فبرئت ساحتهم. وهاجت حلب تطالب بالإفراج عنهم؛ فلم تطمئن النفوس وتهدأ الخواطر حتى أطلق سراحهم بعد نحو شهر بمسعى من الأمير فيصل الذي كان ما يزال يرأس الوفد العربي إلى مؤتمر الصلح في باريس.

انتخب رئيساً ثانياً للمؤتمر السوري العام بدمشق (1919-1920). وقد اشترك في صياغة قرار الاستقلال، ومبايعة فيصل الأول ملكاً، ووضع أول دستور للبلاد.

في عهد الانتداب الفرنسي أسند إليه منصب مدير الداخلية العام (وزير) في دولة حلب في العام1920، لكنه ما لبث أن استقال في العام التالي بدافع من اعتزازه بنفسه.

أخيراً، شغل منصب حاكم دولة حلب العام سنة 1924. وقد حاول الفرنسيون استمالته إلى جانبهم، لكنه لم ينفعهم إذ فرض عليهم أن يلتزموا في تعاملهم مع البلاد بقوانين الانتداب التي وضعتها عصبة الأمم، لا أن يتصرفوا تصرف القوة المحتلة. وكان له موقف حازم في رفضه تنفيذ قرار المفوض السامي الجنرال فيغان لعام 1924م بمصادرة خان قورت بك، وهو من أوقاف المدرسة الخسروية بحلب، وتحويله إلى ملكية خاصة لمخالفته الأحكام الشرعية.

وفي مطلع العام 1926 استقال الملاّح من حاكمية دولة حلب احتجاجاً على سقوط ثمانية قتلى وعدد من الجرحى بنيران قوات الانتداب في مظاهرات شعبية كان السبب المباشر لها مقاطعة الانتخابات التي دعا إليها المفوض السامي دي جوفنيل، والمطالبة بإطلاق سراح الزعماء الوطنيين الداعين للمقاطعة ومن بينهم نجله عبد القادر ناصح بك الملاح؛ فاعتزل العمل السياسي وانصرف للاهتمام بالأعمال الزراعية، حتى وافاه الأجل المحتوم بحلب في 22 تشرين الثاني عام 1930.

في جميع المناصب التي أسندت إليه حقق الملاّح مشروعات عمرانية وإصلاحات إدارية واجتماعية، لا تزال مدينة حلب تذكرها بالخير، وفي ما يلي عرض لها.

إنشاء برج الساعة في ساحة باب الفرج إحياء لذكرى مرور خمسة وعشرين عاماً على جلوس السلطان عبد الحميد الثاني فوق عرشه. ولقد روعي في تصميم هذا البرج الأسلوب الحديث في البناء، والزخارف التقليدية، وتعلوه لوحة تحتوي على كتابات تخلد هذه المناسبة وتتضمن تاريخ إقامته في عام (1899-1900). ومما هو جدير بالذكر أن بلدية كل من بيروت وطرابلس الشام ويافا حذت حذو بلدية حلب في تشييد أبراج مماثلة للساعة المذكورة، وقد صممت جميعاً على نفس الشكل الذي صمم به برج الساعة في حلب.

ومنها وضع أول مخطط طبوغرافي دقيق لمدينة حلب قام بإنجازه المهندس الفرنسي شارل شارتيه رئيس مهندسي ولاية حلب. كما أنجز المهندس ذاته مخططاً تنظيمياً لتوسيع المدينة نحو الغرب والشمال الغربي حتى متنزه السبيل الذي كان قائماً في ذلك الحين، إضافة إلى تخطيطه كلاً من حي السليمية (المعروفة بالجميلية) والحميدية والإسماعيلية وبستان كل آب ويلفظ للتخفيف (بستان كليب)، وقيامه بتحديد الاستقامات للشوارع الرئيسة كشارع الخندق وامتداده، وشارع باب الفرج فباب جنين فالكلاسة، وتخطيطه ساحة باب الفرج بوضعها الحالي. ولقد أعطى هذا التخطيط الجديد للمدينة خارج السور طابعاً حديثاً.

ومنها تشييد جسر الناعورة، وشق الجادة الكبرى الممتدة من مزار السهروردي في ساحة باب الفرج إلى محطة الشام في محلة (الجميلية) مروراً بجسر الناعورة الآنف الذكر. وهكذا لم يعد نهر قويق يشكل الحد الغربي للمدينة التي بقيت محصورة وراء الضفة الغربية له آلاف السنين، وذلك عندما كان رئيساً لبلدية حلب في عهد الوالي الإصلاحي محمد رائف باشا.

ومنها أيضاً التوسع في إنشاء المدارس الرسمية والأهلية في أنحاء الولاية كافة، حيث بلغ عدد مدارس البنين التي تم إنشاؤها في مدينة حلب وحدها بين عامي (1904-1907) إحدى عشرة مدرسة من أصل أربع وثلاثين مدرسة هو مجموع ما تم إنشاؤه من مدارس بحلب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين بين عامي (1868- 1907)، وبالتالي تضاعف عدد الطلبة الذين كانوا يلتحقون بها، كما ازداد عدد مدارس الإناث في عام 1907، فبلغ عددها ثلاثاً وعشرين مدرسة، وارتفع عدد طالباتها فبلغ في العام نفسه سبعمائة طالبة، حينما كان عضواً في مجلس المعارف في الفترة (1904-1907).

ومنها ترميم جامع الصروي في محلة البياضة أثناء إشغاله منصب مدير أوقاف ولاية حلب بين عامي (1909-1911).

ومن المشاريع العمرانية الكبرى والإصلاحات الإدارية المنفذة في عهده، وذلك إبان توليه حاكمية دولة حلب بين عامي (1924-1926) نذكر: تشييد مستوصف في محلة جب القبة لمعاينة الفقراء مجاناً على قطعة أرض يملكها وقد تبرع بها لإقامة هذا المشروع الإنساني فسمي باسمه (مستوصف مرعي باشا) ويشغله حالياً (مركز مكافحة السل والطبابة الشرعية)؛ وتنظيم مقبرة العبارة وتحويلها إلى حديقة عامة عرفت باسمه أيضاً، وقد عدها مؤرخ حلب الشيخ كامل الغزي في كتابه "نهر الذهب في تاريخ حلب" واحدة من أعظم حدائق سورية في حينه، ومن ثم تبدلت تسميتها وأضحت مقهى ومتنزهاً عرف باسم (المنشية) فمقصفاً ومتنزهاً تابعاً لاتحاد العمال قبل أن تزال مؤخراً لتتحول إلى مرآب طابقي ضخم ومكاتب للاستثمار.

ومنها أيضاً إحداث الدائرة البيطرية، ووضع أول قانون للتجميل العمراني وفق أسس تنظيمية حديثة، وبدء التنوير المنزلي، والشروع بتمديد خطوط الترامواي، وترميم الجامع الأموي الكبير والقلعة وغيرهما من الأوابد التاريخية، وشق طريق حلب ـ أنطاكية وحلب ـ اللاذقية وحلب ـ دمشق، وفتح عدة شوارع رئيسة، وإحداث منطقة السريان ليقيم فيها مهاجرو أورفة، وتشييد مبنى المجلس التمثيلي (المتحف القديم) في باب الفرج، وقيادة الدرك والاقتصاد (قيادة موقع حلب) في الكتّاب، وكلية حلب الأمريكية (معهد حلب العلمي)، والكلية العلمانية (اللاييك)، وتجديد جسر الناعورة وتعريضه، وتنظيم ساحة برية المسلخ وتحويلها إلى حديقة عامة كانت الأوسع بحلب في ذلك الحين وبني بجوارها مدرسة ابتدائية.

كذلك تم بناء المدارس والمستوصفات ودور الحكومة والجسور في الكثير من المدن والأقضية والنواحي، وتحضير العشائر، وتشجيع زراعة القطن، وجر المياه إلى إدلب. كما نفذ مشاريع كثيرة أخرى يطول حصرها.

مما امتاز به مرعي باشا الملاّح حبه للعلم والأدب وانصرافه إلى إحياء علوم الدين والإحسان إلى رجاله وإحياء معاهده؛ فولي النظارة على أوقاف "جامع بانقوسا"، وعمل على إحياء أوقاف محمد خاص بك الذي ينُسب إليه بناء ذلك الجامع، والتي بقيت مهملة زمناً طويلاً كما أوقف الملاّح بعض أراضيه الخاصة للإنفاق على شؤون الجامع المذكور وإقامة الشعائر والدروس الدينية فيه. ‏

وكان له إلى ذلك شغف كبير باقتناء الكتب؛ فجمع في خزانة كتبه عدداً ضخماً من نوادرالمخطوطات ونفائس المطبوعات العربية والتركية والفارسية والأوروبية التي حملها من البلدان التي زارها. وقد أورد العلامة الشيخ محمد راغب الطباخ في كتابه "أعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء" أسماء طائفة من آثار العلماء الحلبيين ومخطوطات الشيوخ الأوائل بخطوط مؤلفيها في ميادين الأدب والتاريخ والفقه واللغة والتراجم التي احتوت عليها خزانته.

كان الملاّح من الرعيل الأول الذي اضطلع بدور أساسي في النهضة العلمية التي شهدتها البلاد في العصر الحديث؛ فكان له في هذا المجال مآثر تذكر وتشكر ومنها إسهامه مع علامة الشهباء في عصره الشيخ محمد الزرقا في تأسيس الدراسات الإسلامية في حلب بإحياء المدرسة الخسروية.

واتخذت فيها خزانة كتب كبيرة كانت نواتها الخزانة المحفوظة في الجامع الأموي، وما تبرع به محبو العلم من كتب نفيسة كان الملاّح في طليعتهم حيث أهداها في حينه مئة وعشرين مخطوطاً نفيساً، فغدت في مقدمة المكتبات العامة بحلب وذلك في عام 1922، وقد أشاد بصنيعه هذا كل من الغزي في "نهر الذهب" والطباخ في "أعلام النبلاء" والدكتور محمد أسعد طلس في بحثه القيم "المخطوطات وخزائنها في حلب". ‏

وقد شهدت حلب إبان سنوات حكمه (1924 ـ 1926) نشاطاً علمياً وثقافياً كبيراً تجلى بتأسيس كل من دار الكتب الوطنية، وهي المكتبة ذاتها التي تطورت بعد ذلك وظلت تنمو على مر الأيام حتى غدت المكتبة الوطنية الفخمة الشهيرة، وافتتاح فرع للمجمع العلمي العربي الذي يتخذ دمشق مقراً له.

كان الملاّح متفتح الذهن مستقبلي الرؤيا وعرف بأن حلب تنام على تاريخ عظيم وفي رحمها حضارات لأمم وشعوب تعطي للشهباء قيمة ومكانة مرموقة في تاريخ البشرية والحضارة فقرر إنشاء جمعية للحفاظ على آثارها فكانت "جمعية العاديات" ومهمتها حماية تراث حلب وكان اسمها الذي انطلقت به "جمعية أصدقاء قلعة حلب". وقد اختار لرئاستها مؤرخ حلب الغزي؛ فكانت "العاديات" أول جمعية أهلية تعنى بالآثار على مساحة الوطن العربي وهي من مفاخر الشهباء حالياً إذ امتدت فروعها لكل محافظات الوطن للحفاظ على تراثه وآثاره .

ومن حلب إلى درة الفرات دير الزور التابعة لدولة حلب آنذاك فأنشأ أول مدرسة تجهيزية للطلاب وما زالت لليوم تحمل اسم ثانوية الفرات.

بعد استقالته من حاكمية دولة حلب قرر الملاّح الابتعاد نهائياً عن معترك الحياة السياسية مؤثراً الانقطاع إلى خدمة أمته وبلده في المجالات الثقافية والاجتماعية، وفي هذا الصدد فإنه بعدما أسهم في إحياء المدرسة الخسروية وقد سبقت الإشارة إليها ارتأى وسواه من أهل الحل والعقد في المدينة إقامة دار كتب تضم المخطوطات والمطبوعات المبثوثة في المعاهد الإسلامية عرفت بـ"دار كتب الأوقاف الإسلامية" وذلك في عام 1926، ولقد أوقف عليها خزانة كتبه الخاصة التي كانت أشهر مكتبة خاصة في حلب لتكون تحت تصرف أهل الفضل والباحثين، وقد نوه به البحاثة التركي البروفيسور فؤاد سزكين في موسوعته "تاريخ التراث العربي: مجموعات المخطوطات العربية في العالم" وتعد المخطوطات التي أوقفها من أهم المجموعات التي تحتوي عليها دار المكتبات الوقفية الإسلامية في حلب، والتي تم نقلها إلى مكتبة الأسد الوطنية بدمشق مؤخراً، وهكذا حرم أهالي حلب من الاطلاع عليها بشكل مباشر.‏ ‏

لم يقتصر نشاط مرعي باشا الملاّح الثقافي ودعمه للمعاهد والمؤسسات العلمية على حلب وحدها بل وتعداها إلى دمشق أيضاً حيث كان من أبرز مؤازري المجمع العلمي العربي في طور تأسيسه، ومما أهداه إلى "دار الكتب الوطنية الظاهرية" التابعة للمجمع نسخة مخطوطة نادرة من " كتاب الإنصاف والتحري في دفع الظلم والتجني عن أبي العلاء المعري"  لابن النديم، ومما هو جدير بالذكر أن هذه النسخة التي أهداها الملاّح إلى المجمع كانت قد استعارتها لجنة إحياء آثار أبي العلاء في مصر ونشرتها ضمن كتاب "تعريف القدماء بأبي العلاء" باعتناء عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين وذلك في عام 1944، وإشادة بفضله وتقديراً لدعمه هذه المؤسسة العلمية فقد تم إدراج اسمه في "جريدة المتبرعين والمحسنين للمجمع العلمي" التي كانت تتصدر أعداد مجلة المجمع في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي.

عرف الملاّح في جميع المناصب التي تولاها بالأمانة والنزاهة والجرأة والاستقامة. وكان كثير السعي بالخير لمن يقصده. كما ساهم في الجمعيات والهيئات الاجتماعية والأدبية والإنسانية. وقد أثنى عليه الغزي في "النهر" ووصفه بأنه "أحد وجهاء حلب وعين أعيانها المحترمين". وامتدحه الشعراء في قصائد منها ما قاله الأديب الحلبي الشيخ إبراهيم الكيالي مؤرخاً نيله الرتبة الأولى (1898):

بلغت  ذرى  العليا  مرعي  بالجد *** وأحرزت  غايات  المراتب  بالجد

ومذ لاح في مرقاتك السعد أرّخوا *** برتبتك الأولى ازدهى مطلع  الجد

ومن ذلك أيضاً ما قاله بشير بن فتح الله الكاتب والصحافي المصري صاحب جريدة العروة الوثقى القاهرية من قصيدة طويلة يهنئه فيها برتبة روم ايلي بكلربكي:

فضله  قد  ذاع ما بين الملا *** عم  أهل  البدو عم الحضرا

فهو للمعروف أعلى مرتجى *** وهو بين الناس يرجى للقرى

يوهب الأموال لا يرجو ثنا *** في  سبيل  الله يعطي الفقرا

وبه الآداب عزت وازدهت *** وبه  غرس  المعالي   أزهرا

وقد بلغ من صيته عند أهالي حلب أن محلة خان السبيل عرفت، ومازالت تعرف حتى الآن، بـ (حارة الباشا) نسبة إليه، وهي مقامه. وقد ثبتت هذه التسمية رسمياً فيما بعد، حين أطلقت البلدية على أحد شوارع تلك المحلة اسمه الصريح (شارع مرعي باشا الملاّح). ويشغل قصره بمحلة السليمية (الجميلية) ثانوية معاوية للإناث.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رباعيات أسير ! .. شعر : يحيى حاج يحيى

أيها السوريون : لا تنسوا أسراكم في سجون الاحتلال الداخلي 

هـل تـسمعون  أنيني      هـل تـفهمون  شكاتي
في السجن يبلى شبابي      والـسجنُ قـبرُ  الحياةِ
أنـا يـوسُفيُّ  الأماني      لـكنْ بـلا  مـعجزات
سـبعٌ  من العمر  ولّتْ      يـا  أخوتي في  شتات
خـلّفتُ بـعدي صِغاراً      يا  ربُّ فارحم  صغاري
قـد كـنتُ أرجو  بقاءً      فـي  هـدأة مِن  قرار
لـكنْ  تـناءت  دياري      وفُـلّ  عزم  ُاصطباري
مـا  كـلُّ مـا  أتمنى      تـأتي  بـه  أقـداري
يـا خـالقي  ومجيري      فـي  كـل حالٍ  وشانِ
يـا  ربُّ أنت  المُرجّى      لــدائـم  الأحــزان
بـين الـضلوع  فـؤادٌ      عـزاؤه  فـي  الأماني
ومـا فقدتُ  اصطباري      فـالصبرُ بعضُ  اتّزاني
يـا صـاحبي ّاغترابي      فـي رحـلة  كـاليبابِ
عــامٌ يـمرُّ وعـام  ٌ      مـؤمـلٌ  كـالـسراب
سـبعٌ  عـبرن  عجافاً      أطـعـمتُهُنّ   شـبابي
عـسى تـلوح  خِصابٌ      قـد آن وقتُ  الخصاب
هـل  تـعجبان  لحالي      هـداكـما ذو  الـجلال
مـا  كان ذنبي  عظيماً      لـكنْ طـلبتُ  المعالي
وشِـئت ُعـزّة  ديـني      ولـم  أُطـقْ  إذلالـي
فـالذُّلُّ  قـيدٌ  رهـيبٌ      يُـودي  بـصُمٌ  الجبال
أظـلُّ  وحـدي  أعاني      وأنـتـما  تـخـرجانِ
يـا صـاحبيِّ اغترابي      عند  الصحاب  اذكُراني
أخـشى عـليهم  زماناً      يـجـيءُ بـالـنسيان
فـلْيذكروا لـي  عهوداً      كـانت مـن  الإيـمانِ

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com