العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 25-03-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

كيف تخلى العالم عن الغوطة .. رضوان زيادة

العربي الجديد

الخميس 22/3/2018

شكلت الغوطة الشرقية دوماً صداعاً دائماً للأسد، فهي لا تبعد سوى كيلومترات معدودة عن العاصمة دمشق، وبقيت على الدوام، ومنذ بدء الانتفاضة السورية، معقلاً رئيسياً للمعارضة، وذكرى دائمة للأسد أن حلمه في استعادة السيطرة على سورية، كما كانت قبل عام 2011 صعب المنال. ولذلك كانت عرضة لاستخدام الأسلحة الثقيلة والقصف العشوائي لطيران الأسد، واستهتار كامل بحياة المدنيين هناك، عقاباً لهم على قبولهم بخروج مناطقهم خارج سيطرة الأسد، ولا أدل على حقد الأسد في استهداف الغوطة الشرقية من تقرير تقصّي الحقائق الصادر عن الأمم المتحدة، بعد استخدام السلاح الكيميائي في أغسطس/ آب 2013، إذ يصف التقرير، وبدقة، طريقة استخدام هذه الأسلحة بإطلاق أربعة صواريخ في الساعة الثانية صباحاً، حيث الهدوء الكامل، من أجل تجنب تأثير الرياح، ومضاعفة عدد القتلى المدنيين إلى الحد الأقصى، كما أن كثافة غاز السارين المستخدمة تكشف أيضاً، وفقاً للتقرير عن القرار، النية المبيتة لأصحاب قرار إطلاق هذه الصواريخ بمضاعفة عدد القتلى المدنيين إلى الحد الأقصى، وكما أن المنطقة كلها كانت تحت الحصار، فليس هناك أي نوع من التدريب، أو المعدات الطبية التي تجنب أو تقي الإصابة بأعراض السلاح الكيميائي. ولذلك ولما كان سكان المنطقة نياماً في الصباح، أطلقت الصواريخ المحملة بالسلاح الكيميائي، وما ضاعف من عدد القتلى هو انعدام التدريب، لتجنب استخدام هذه الأسلحة، حيث بدلاً من الخروج أو الصعود إلى الأعلى هرب الأهالي إلى الملاجئ، ما ضاعف من عدد القتلى، بسبب كثافة الغاز المستخدم. ولذلك وجدنا عائلات بأكملها منها عائلة مؤلفة من 16 فرداً فقدت حياتها بأكملها، بسبب استنشاقها غاز السارين في قبو أحد المنازل في الغوطة.

وعلى الرغم من الضجة الدولية التي أعقبت استخدام السلاح الكيميائي، وتمنّع الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، عن الوفاء بوعده، بسبب تجاوز الخط الأحمر، على الرغم من تهديده 

"لا يمكن تفسير التصعيد العسكري الروسي في إدلب والغوطة إلا رداً على فشل مؤتمر سوتشي" بقصف النظام السوري، بسبب استخدامه هذه الأسلحة، فإن الغوطة بقيت تحت الحصار القاتل، وفشلت الأمم المتحدة في إيصال المساعدات الغذائية، أو الدوائية، إلى تلك المناطق، ولم يتغير شيء من حياة المواطنين المدنيين هناك، سوى الألم اليومي والمعاناة المستمرة التي كانت دوماً تعني أحد الخيارين، الموت البطيء أو الموت السريع بسبب القصف أو القنابل الساقطة من السماء.

وعلى الرغم من محاولات نظام الأسد اقتحام الغوطة براً، والسيطرة عليها عسكرياً، إلا أنه فشل بشكل دائم، ولم تستطع المليشيات التابعة له في اقتحام الغوطة، على الرغم من المحاولات المتكرّرة، وهو ما زاد من حقد الأسد عليها الذي حاول الاستعاضة عن هذا الخيار بخيار شمشون، في تدمير المناطق أو مدن الغوطة بأكملها على ساكنيها، وتحويلها إلى أنقاض وجثث لا تجد من يرفعها، كما فعل الأسد سابقاً في داريا وحلب وحمص، وغيرها من المناطق التي خرجت من تحت سيطرته.

لا يمكن تفسير التصعيد العسكري الروسي في إدلب والغوطة، إلا رداً على فشل مؤتمر سوتشي ورفض المعارضة، بشكل مطلق، المشاركة فيه أو القبول بمخرجاته. ولذلك، جاء الرد الروسي سريعاً من دون احترام لما تسمى مناطق خفض التصعيد التي يفترض أن تكون روسيا طرفاً ضامناً فيها، لكنها، بكل واستخفاف، تجاهلت الدعوات الدولية والأممية إلى وقف التصعيد في الغوطة الشرقية، وبدأت بدعم قوات نظام الأسد في أسوأ حملةٍ عسكريةٍ، تهدف إلى إخضاع الغوطة، وتدمير ما تبقى فيها على من تبقى فيها، وهو ما دفع الأطراف الدولية إلى تصعيد حدة الانتقادات الدولية لروسيا ولنظام الأسد، بل وتحول مجلس الأمن الدولي إلى جلسة ردح جماعي لمناقشة قرار سلبي "يطالب الأطراف في النزاع السوري المستمر منذ سبعة أعوام بوقف الأعمال القتالية من دون تأخير مدة 30 يوماً على الاقل"، مع ضمان "وقف إنساني دائم، يسمح بتسليم المساعدات الإنسانية أسبوعياً وعمليات الإجلاء الطبي والمرضى الحرجة حالاتهم والجرحى".

وعلى الرغم من صدور القرار 2401 بالإجماع، والمطالبة بالرفع الفوري عن الحصار عن المناطق المأهولة بالسكان، بما في ذلك الغوطة الشرقية، وأن تتوقف الأطراف عن حرمان المدنيين من الأغذية والأدوية الأساسية، وتمكين منظمات الإغاثة من "الإجلاء السريع والآمن ومن دون عوائق لجميع المدنيين الذين يرغبون في المغادرة"، ووقف إطلاق النار في جميع أنحاء سورية. إلا أن النظام السوري رد، في اليوم التالي لصدور القرار، باستخدام غاز الكلور في الغوطة، مخلفاً أكثر من 23 قتيلاً في مدن الغوطة المختلفة، كما أن روسيا، وعلى لسان وزير الخارجية، سيرغي لافروف، أعلن أن وقف إطلاق النار لا يشمل الجماعات الإرهابية الموجودة في الغوطة، في مبرّر صريح لاستكمال روسيا عملياتها العسكرية في الغوطة، وأن الهدنة ستشمل ساعات محدودة من كل يوم فقط، وطالب المدنيين بالخروج من الغوطة لتكرار سيناريو حلب ذاته.

لقد استطاعت روسيا، بعد أيام من المفاوضات في مجلس الأمن، من تأخير صدور القرار،

"السبب الوحيد الذي يدفع روسيا إلى استكمال حملتها في الغوطة هو سلبية الموقف الأميركي الذي تحول إلى مجرد مراقب في مجلس الأمن" وتعديل لغته لمنع إدانة نظام الأسد، فبدلاً من الصيغة المقدمة من السويد والكويت، والتي تحدثت عن Immediate تم تعديل مشروع القرار كي يتحدث عن without delay، وفق الرغبة الروسية، بغرض كسب الوقت، كما رفضت روسيا تضمين القرار أي عبارات تدين نظام الأسد بشكل مباشر، وتحمله مسؤولية قتل المدنيين في الغوطة.

لكن وحتى مع خفة حدة القرار، لا شيء يضمن أبداً تنفيذ القرار، ولا يبدو أن النظام السوري الذي يجد حماية دائمة له في مجلس الأمن من روسيا سيلتزم بتنفيذ بنود القرار، كما لم يفعل مع عدة قراراتٍ سابقة، وبمجرد هدوء الضغط الدولي، سيعود نظام الأسد مدعوماً من القوات الروسية في تحقيق حلمه في السيطرة عسكرياً على الغوطة، وكل المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام.

والسبب الوحيد الذي يدفع روسيا إلى استكمال حملتها في الغوطة هو سلبية الموقف الأميركي الذي تحول إلى مجرد مراقب في مجلس الأمن، مع حذف كل الخيارات الأخرى، وخصوصاً الخيار العسكري في منع استخدام الطيران السوري من استهداف المدنيين في الغوطة. وبالتالي، فإن النظام الذي لم يرتدع عن استخدام كل الأسلحة المحرمة الدولية ضد شعبه لن يجد نفسه في أي موقف حرج، يمنعه من تجاوز كل قوانين الحرب، لضمان بقائه وسيطرته. وبالتالي، فإن قراراً جديداً من مجلس الأمن لن يعني له شيئاً، ولن يضع حداً لشهوة السلطة لدى كل من بوتين والأسد.

==========================

موقفنا : ألف ألف تحية لأطفال الغوطة ونسائها ورجالها وثوارها !! لم ننكسر .. وزمرة الأسد لم تنتصر !! .. زهير سالم

25 / 3 / 2018

مركز الشرق العربي

ليس من حق ولا من عدل ولا من مروءة هذا القذف الذي استسهله بعض الناس لمادة الثورة السورية من إنسان وثوار . في لغة من الاتهام لا تليق بأصحاب المروءات ، كما لا تليق بأصحاب المبادئ والدعوات ، ولا تليق ثالثا بالمفكرين والعقلاء امتلأ الفضاء بنوع من ( الغوشة ) علت فيها بغير وجه حق نبرة التخوين والتهوين والاتهام ، وتحول البعض إلى مفتين يوزعون على الناس صكوك الحرمان والإجرام ، وليس هذه المرة صكوك الغفران .

من حق أن نوجه تحية الإجلال والإكبار لأطفال الغوطة ونسائها ورجالها وثوارها عن كل لحظة معاناة عن كل رعدة رعب ، ومغصة جوع ، وقرصة برد ؛ عاشوها طلبا للحرية والكرامة والعزة ..وأبى هذا العالم الجاحد من حولهم إلا خذلانا وفي القهر والظلم إمعانا ..

ومن حق أن نقول إن معركة الغوطة ومن قبلها كل المعارك الكبرى التي خاضها الشعب السوري ابتداء من القصير إلى الزبداني ومضايا وداريا والقلمون وحمص وحلب لا تحسب في الميزان الاستراتيجي العام كما هو عليه ظاهر الأمر ( هزيمة للثورة ) و ( انتصارا لأعدائها ) . فهذا الحساب حساب المستعجلين ، الذين لا يرون من السفينة إلا ما طفا منها.

إن أبسط ما يستخلصه الدارس في مجريات الأحداث ، وفي أعداد المهجّرين والمرحلين من مواطنهم ، يكذب دعاوى كبيرة للأسد وحلفائه أن هذه الثورة من فعل عصابة من الإرهابيين القادمين من وراء البحار. فالثورة هي ثورة أبناء الأرض ضد عدو الأرض والعرض ، وفي هذه الشهادة وحدها من النصر ما فيه . ثم إن شهادة ا(لرقم ) الشفاف في عمليات التهجير ، بما تشمله من نساء وأطفال وشيوخ ، تؤكد أن هذه الثورة هي ثورة (مجتمع) بكل طبقاته ومكوناته ضد حاكم ظالم طاغية مستبد . وتؤكد أن الكثرة من أبناء هذا المجتمع تؤثر حياة التهجير والاغتراب على أن تقبل الخضوع من جديد لسطوة هذا المستبد الفاسد وزمرته .

من جهة أخرى يبدو أنه استرسال مع العواطف الحالمة ، أن ينتظر بعض الناس ( النصر ) خارج إطار قوانين الحرب ببعديها المعنوي والمادي معا .

منذ البداية تشكك العالم أجمع في قدرة الشعب السوري على قول ( لا ) ، فقالها بكل قوة واجتراء . ثم تشكك العالم أجمع في قدرته على التظاهر فتظاهر وهتف للحرية والكرامة والوطن الواحد ، ثم تشككوا في قدرته على الاستمرار في التظاهر فاستمر فيه سلميا ، من طرف واحد ، نحوا من عام . ثم تشككوا في قدرته على الصمود في ميدان المواجهة غير المتكافئة مع ( زمرة ) تملك إمكانات دولة ، وتسيطر على مواردها ، وعلى جيش عداده نصف مليون إنسان فاستطاع أن ينتصر بعزيمته وثباته وتضحياته على كل هذه التحديات ؛ ليجد نفسه أخيرا وحيدا في الميدان ، مجردا من أي نصير ، في مواجهة دولتين عظميين الأولى هي ( روسية ) الدولة الأعظم في العالم ، والثانية هي ( إيران ) هي الدولة العظمى في الإقليم .

يخطئ خطأ فادحا كل من يعتبر انسحاب الثوار السوريين من محاضنهم سواء من القصير أو من حلب أو من الغوطة انتصارا لبشار أو لزمرة بشار . بل إن ما يحدث ، إن عُد بأي مفهوم من المفاهيم انتصارا ، فهو مجرد انتصار وقتي للمحتلين الروسي والإيراني والأمريكي على السواء؛ وهو انتصار ستتلاعب في مآلاته مصالح من يملك أسبابه ، أكثر من بشار وزمرة بشار ، كما يتوقع الواهمون.

ولكي ( نعقلن ) ما نعيش من محنة قاسية ، ونستعيد الثقة التي يجب أن لا تهتز في إيماننا وفي أنفسنا وفي مشروعنا ؛ يجب أن نعود إلى وضع الأمور في سياقها الموضوعي السليم : فأي عاقل كان ينتظر من ثورة شعب مستضعف أن تنتصر على دولة عظمى مثل ( روسية ) دخلت المعركة ضد الشعب السوري بكل ثقلها الاستراتيجي السياسي والدبلوماسي والعسكري متحالفة مع دولة إقليمية طائفية بترولية دخلت المعركة ضد الشعب السوري بكل ثقلها الاقتصادي والطائفي والعسكري ، في وقت تخلى فيه عن التزاماتهم الإنسانية والاستراتيجية والقانونية الدولية كل الآخرين ..؟!

إن قراءتنا للمشهد السوري ، والإشارة المباشرة إلى الأعداء المحتلين ، المنتصرين – في ظاهر الأمر – على الشعب السوري ، لا يعفينا من التأكيد على الاختلال الواضح في الميزان الاستراتيجي الدولي والإقليمي فيما جرى ويجري على الأرض السورية .

لأول مرة ، ربما منذ الحرب الباردة ، تكون السياسة الروسية غطاء للسياسة الأمريكية في اثني عشر قرار فيتو تدفأت السياسة الأمريكية عليها طويلا ، ثم أكملت باحتلالها شرق سورية وتحالفاتها المريبة هناك . ولأول مرة تتقدم إيران الدولة والمشروع والطائفة وينكفئ أندادها على مستوى المنطقة ويتدارون بما يتصنعون من معارك وأمجاد.

الحقيقة التي نلخص بها المشهد : لم تنتصر الثورة حتى الآن وما زال ما يملكه الشعب السوري هو الأطيب والأبقى والأكثر ، ولم ينتصر بشار الأسد وزمرته ، وكل الذي كانوا يملكونه نفد أو كاد .

ليبقى السؤال عن الغد مفتوحا ..وماذا بعد الغوطة ؟!

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

ما بعد عفرين .. مصطفى طه باشا

العربي الجديد

الخميس 22/3/2018

تصادف يوم سيطرة الجيش التركي على مدينة عفرين السورية ذكرى انتصار الدولة العثمانية على الحلفاء في ملحمة جنق قلعة في 18/ 3/ 1915.

عاد صوتُ الدولة العثمانية يرنّ بالآذان، بعد صمت أكثر من قرن، فهذه العودة المَهيبة والقوية ضجت بها الكرة الأرضية من شرقها إلى غربها، إذ تداولت معظم الدول نبأ انتصارات الجيش التركي ضد وحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبرها تركيا امتدادا لحزب العمال الكردستاني المتمرد في جنوب شرق تركيا، وذلك بعد حرب استمرت 58 يوما، لتتكلل بعدها بالسيطرة على مدينة عفرين، معقل ومركز قوات سورية الديمقراطية، الذراع العسكري لوحدات حماية الشعب في الشمال السوري.

هذا الانتصار لا يعني الدول الغربية بشيء، ولا يؤثر عليها اقتصاديًا ولا عسكريًا. ولكنها رسالة سياسية، تحمل في طياتها معاني كثيرة، فتلك الدول عارضت بشدّة هذه العملية العسكرية ضد الأكراد في شمال سورية، ومنها دول في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهو الحلف الذي كانت تركيا عنصرا مهما فيه وفعالا عند مُحاربة تنظيم الدولة الإسلامية في سورية والعراق، ما دفع تركيا إلى أن تتحمّل عِبء المعركة وحدها، ولا تكترث لتصريحات الدول الغربية التي هاجمت هذه العملية منذ البداية.

قد تبدو القضية بسيطة، لمن يقرأها بشكل سطحيّ، ولكنها معقدة بشكل كبير، إذا ما تعمقنا في حيثيات القضية، فإنها تُعتبر صفعة القرن من تركيا الغرب، بعد محاولاتهم دعم القوات الكردية في الانفصال وتقسيم سورية الذي كان حلم الانفصاليين الأكراد، بدعم غربي أميركي بريطاني على أرض الواقع، بمعداتٍ وعتاد وآليات، وحتى بُنى تحتية، ودعم لوجيستي كبير، لكنّ هذا الحُلم؛ تبدّد وصار رمادا تتقاذف ذراته الرياح.

وعلى صعيد مُتصل؛ يتساءل الشعب السوري في الشمال، عن مصيره ومستقبله بعد عفرين، وكيف ستكون الأوضاع في مناطق إدلب التي تشتعلُ بِلهبِ الفصائل من أجل السيطرة عليها؟ وهل ستكون من ضمن نتائج الانتصارات في عفرين؛ تسليم إدلب لسلطة مُعيّنة تُنهي الوضع المُتأجج فيها؟ أم سيكون للنظام، وحلفيه الروسي، رأيُ آخر على خريطة اللعبة السورية؟

لابد من التذكير بأنّ هذا الانتصار يُبشّر بانتعاشِ وعودة الدولة العثمانية التي أرعبت أوروبا والعالم قبل قرون مضت، وهذا ما يتخوّف منه أعداء تركيا بأن تعود وتتربع على الساحة الدولية، كما كانت في الماضي.

==========================

تأملات بشأن ما بعد معركة عفرين .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 22/3/2018

فاجأ السقوط السريع لمدينة عفرين في قبضة الجيش التركي، وأتباعه من الفصائل السورية، جميع المراقبين، بالنظر إلى الادعاءات الكردية التي سبقته بشأن مقاومة شرسة ستواجه القوات المهاجمة. فقد انسحبت "وحدات حماية الشعب" من المدينة بلا قتال، وارتفع العلم التركي فوق مبان رسمية في قلب المدينة، في سابقة هي الأولى في الحروب السورية. لا أحد يعرف، إلى الآن، ما إذا كان قرار الانسحاب في إطار صفقة، أم قراراً أحادياً من قيادات حزب العمال الكردستاني في جبل قنديل.

لكنه كان أمراً لافتاً أن يتزامن دخول القوات التركية المدينة، مع الذكرى السنوية لمعركة جنق قلعة التي انتصرت فيها القوات التركية على البريطانيين، برغم مقتل نحو ربع مليون جندي ينتمون إلى مختلف أنحاء الإمبراطورية العثمانية الآيلة للسقوط حينذاك. فهذا التوقيت مؤشر قوي على صفقة ما حققت لتركيا نصراً عسكرياً سهلاً سيستثمره الرئيس أردوغان في سجله الشخصي، مقابل حفاظ وحدات حماية الشعب على ما تبقى من قواتها، لتنتقل لاحقاً إلى شرقي نهر الفرات.

فقد رافقت معركة "غصن الزيتون" كما أطلقت عليها الحكومة التركية، بروباغندا صاخبة استعادت أمجاد الماضي العثماني، فضلاً عن حملة تخوين استهدفت كل معارضي العملية في الداخل. من غرائب التغطية الإعلامية الموازية للحرب انتاج فيلم عنها بسرعة قياسية أدهشت الرأي العام. فقد ألصقت على جدران المدن ملصقات دعائية لفيلم يتحدث عن سير المعارك، من المفترض أن يبدأ عرضه يوم الجمعة 23 آذار، أي بعد خمسة أيام فقط على انتهاء العمليات القتالية في عفرين.

إلى ذلك امتلأ الإعلام الموالي بكلام كثير عن "الفتح" ووجوب "تجديد الميثاق الملي" الذي يحدد حدود الدولة التركية، مع نسب النصر العسكري إلى القائد أردوغان.

هذه الكثافة الرمزية تضعنا وجهاً لوجه مع السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم: ما المصير المنتظر لمنطقة عفرين بعد احتلالها من قبل تركيا؟ أو بتعبير أوضح: ما هي النوايا التركية بشأن هذه المنطقة الملاصقة للواء إسكندرون الذي تلقته تركيا هدية من الانتداب الفرنسي قبل انسحابه من سوريا؟ فاستحضار مفهوم "الفتح" و"الميثاق الملي" قد ينبئ بنية تركية في إلحاق المنطقة بالدولة التركية.

وفي ضوء هذا التفسير يمكن قراءة تصريح الرئيس التركي، في الأيام الأولى للعملية العسكرية، الذي قال فيه: "سنعيد عفرين إلى أصحابها الحقيقيين" على أنه رغبة في إلحاق المنطقة بتركيا، فقد قال الناطق الرئاسي إبراهيم كالن بدوره: "لن نعيد عفرين إلى نظام الأسد في أي حال من الأحوال". فمن يمكن أردوغان أن يعني بأصحاب المنطقة الحقيقيين غير الدولة التركية نفسها؟

لقد خاض الجيش التركي معركة عفرين مرتاحاً من أي ضغوط دولية لوقفها عند حد معين. حتى حين حاصر المدينة المكتظة بمليون مدني بين أهالي ونازحين، لم يصدر أي ضغط جدي من الدول الفاعلة أو الأمم المتحدة لتقف تركيا عند حدود المدينة ولا تقتحمها. وهذا، على الأرجح، ما دفع بقيادة حزب العمال الكردستاني في جبل قنديل إلى اتخاذ القرار بانسحاب وحدات الحماية من كامل المنطقة بلا قتال. فمن المحتمل أن حزب الاتحاد الديمقراطي الذي رفض عرضاً روسياً بتسليم المنطقة إلى قوات الأسد مقابل تجنيبها الغزو التركي، كان يراهن، حتى اللحظات الأخيرة، على تبدل الموقف الدولي لمصلحته. وحين اتضح أن الدول القادرة على وقف الزحف التركي نحو المدينة غير مبالية بمصيرها، إن لم نقل أنها موافقة ضمناً عليه، اتخذ الحزب الكردي قراره بالانسحاب، مبرراً إياه بـ"الحفاظ على أرواح المدنيين". ونحن نعرف أن القوات المتحاربة، في جميع الحروب، آخر همها حياة المدنيين.

فهل نحن بصدد سيناريو تقسيم لتركة السلالة الأسدية بالمفرق، في حين كثرت التكهنات، سابقاً، بشأن تقسيمها بالجملة؟ أي هل يكون إلحاق تركيا لمنطقة عفرين هو أول خطوة في تقاسم التركة المذكورة؟ علماً بأن محاولات تقسيم سابقة فشلت بسبب غياب الغطاء الدولي. وكانت أولى هذه المحاولات قيام "الدولة الإسلامية" لصاحبها أبو بكر البغدادي، على مساحات واسعة من الأراضي العراقية والسورية، في حزيران 2014. والمحاولة الثانية هي "فيدرالية شمال سوريا" تحت سلطة "قوات سوريا الديمقراطية" مظلة وحدات حماية الشعب وحزب الاتحاد الديموقراطي، وقد خفضت من توقعاتها بعد الدخول المباشر للقوات الأمريكية إلى شرقي نهر الفرات وإقامتها عدداً من القواعد العسكرية الثابتة.

إذا صح سيناريو الإلحاق المفترض هذا، فهو يعني أن عفرين ستكون هدية المحتل الروسي لتركيا، كما كان لواء اسكندرون هدية المحتل الفرنسي، في تكرار لتاريخ بلدنا المنكوب. وفي هذه الحالة نكون شهوداً على مسار منطقي فحواه: حزب كردي ـ تركي سيطر على منطقة كردية ـ سورية، واقتادها كالشاة إلى مذبح دولته (تركيا) التي يحاربها منذ أكثر من ثلاثة عقود!

بالمقابل تكون الحكومة التركية التي طالما اشتكت من كردها "الانفصاليين" و"إرهابهم" قد زادت من نسبة السكان الكرد داخل حدودها. مع العلم أن حزب العمال الكردستاني طالما جند شباناً من كرد سوريا (وبخاصة عفرين) يعدون بالآلاف، في حربه ضد الدولة التركية. إلا إذا كانت موجة النزوح الكبيرة التي رافقت نهاية العمليات العسكرية التركية في عفرين، نزوحاً نهائياً بإرادة تركية وغض نظر دولي، على غرار حروب التغيير الديموغرافي التي يخوضها النظام الكيماوي في أكثر من منطقة، بدون أي اعتراض من المجتمع الدولي. على مبدأ "ما حدا أحسن من حدا" وفقاً للتعبير السوري الشائع.

وثمة نتيجة جانبية لهذا السيناريو الذي نتمنى أن يبقى في إطار افتراضي، هو أن تركيا تكون قد أراحت أصحاب الحمية القومية العربية، أو الوطنية السورية المستجدة، من عبء "النزعة الانفصالية الكردية" ولو بشكل جزئي.

٭ كاتب سوري

==========================

تركيا ومعركة عفرين .. رضوان زيادة

الحياة

الخميس 22/3/2018

انتهت تقريباً معركة السيطرة التركية على مدينة عفرين السورية ذات الغالبية الكردية بتمكن القوات التركية بالتعاون مع فصائل عسكرية سورية من دخول مركز المدينة، وهي العملية التي أطلقت عليها تركيا أسم "غصن الزيتون" لكن يبدو أن تقدم القوات التركية مدعومة من فصائل "الجيش السوري الحر" هو تقدم ثابت وغير قابل للتراجع بهدف السيطرة على مناطق أخرى تقع تحت سيطرة قوات ميليشيات وحدات الحماية الكردية PYD، تراجعت في اتجاه مركز المدينة في البداية ثم انسحبت منها انسحاباً كاملاً، والاعتماد على شن عمليات مفاجئة ضد القوات التركية بهدف تأخير تقدمها.

تبدو التكلفة العسكرية والسياسية بالنسبة إلى تركيا مرتفعة، فعملية "غصن الزيتون" أصعب عسكرية من العمليات السابقة التي قامت بها تركيا داخل الأراضي السورية من مثل معركة السيطرة على جرابلس أو عملية "درع الفرات" التي سيطرت من خلالها على مدينة الباب والتي اعتمدت فيها القوات التركية على مساندة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة جواً وعلى قوات الجيش السوري الحر براً لطرد تنظيم "داعش" من تلك المناطق.

لكن عملية غصن الزيتون هنا مختلفة إذ تقف الولايات المتحدة على الحياد أو بالأصح الحياد السلبي حيث وجه مسؤولون في إدارة ترامب انتقادات خفية وغير صريحة للعملية التركية وطالبوا الحكومة التركية بخفضها للحد الأدنى بهدف التركيز على محاربة داعش.

تعكس "غصن الزيتون" عملياً اتخاذ قرار نهائي وحاسم على مستوى الحكومة التركية بإنهاء وجود قوات الحماية الكردية على الحدود التركية الجنوبــية مع سورية والقيام بذلك عسكريا ومهما كلف الأمر سياسياً، فتركيا لم تعد تــثـق بالوعـود الأميركية وأصبح لديها شكوك كبيـرة في صدقيـة الإدارة الأميركيـة وحقيقة ما ترغب القيام به في سورية، وبالتالي تكون تركيا قد حسمت ترددها على مدى الأعوام الثلاث الماضية مستندة على وعود أميركية بسحب السلاح من هذه الميليشات بمجرد انتهاء العمليات ضد داعش أو تزويد الحكومة التركية بمعلومـات تفصيلية عن شحنات الأسلحة وغير ذلك مما كان قادراً على تخدير الحكومة التركية على مدى السنوات الماضية، لكن يبدو أن أزمة الثقة بين الطرفين انتهت وأن العلاقات التركية – الأميركية مرشحة للتوتر بشكل أكبر مع طلب الرئيس أردوغان من الحكومة الأميركية سحـب قواتــها من منبج التي أعلنت الحكومة التركية أنها ستكون الوجهة الثانية بعد انتهاء العمليات العسكرية في عفرين.

كما أن تركيا تبدو جادة اليوم أكثر من أي وقت مضى في إعادة تأهيل هذه المجموعات المختلفة تحت مسمى الجيش السوري الحر والاعتماد عليها في عملية غصن الزيتون، ولذلك جمعت الفصائل المختلفة المكونة من فيلق الشام" و "نور الدين زنكي" وغيرها بهدف دفعها إلى المشاركة في العملية ولإعطاء دور سوري أكبر من العملية، ولذلك تبدو خسائر الجيش السوري الحر أكبر من خسائر القوات التركية كون الجيش الحر أخذ دوراً رئيساً في التقدم على محاور مختلفة من ناحية جنديرس جنوب غربي منطقة عفرين ومن محور قسطل جندور وجبل برصايا غربي مدينة إعزاز، كل ذلك معزز بالطيران الحربي التركي الذي استهدف مواقع للوحدات الكردية في قرى بمحيط عفرين، مع قصف من راجمات الصواريخ المتمركزة في محيط أطمة، شمال إدلب، وتركز على تلة قسطل وقرى كفرصفرة، وحمام، وديوا، في محور جنديرس من الجهة الجنوبية الغربية لناحية عفرين.

أما بالنسبة إلى التكلفة الإنسانية فكانت مرتفعة للغاية بسبب لجوء عدد كبير من النازحين السوريين ولجوؤهم إلى منطقة عفرين التي حافظت على استقرار نسبي منذ عام 2013 هو ما دفع الكثير من العائلات المدنية للهروب من ريفي حلب وإدلب واللجوء إلى عفرين خوفاً من تساقط البراميل المتفجرة العشوائية التي خص بها نظام الأسد مناطق المعارضة الخاضعة لسيطرة الجيش السوري الحر منذ عام 2013 في حين اتسمت المناطق التي تحت سيطرة وحدات الحماية الكردية بهدوء نسبي، ولذلك فبعد عملية غصن الزيتون من المتوقع تهجير عدد كبير من هذا العائلات التي استوطنت في عفرين وفي الوقت ذاته فإن الصراع على المدينة ذات الغالبية الكردية ربما يأخذ بعداً عصائبياً ويشجع بعض العائلات الكردية للالتحاق بمليشيات وحدات الحماية، ولذلك على تركيا أن تتوقع أن توجهها نحو منبج لن يكون بالسهولة ذاتها، إذ ربما تستمر عملياتها العسكرية لأشهر أو أسابيع وليس أيام كما كانت الخطة ألأولية.

في شكل عام يمكن القول أن عملية غصن الزيتون ربما تفتح الباب لعملية إعادة هيكلة كاملة للجيش الحر بحيث يلعب كقوات استقرار أو حفظ سلام في المناطق التي تخضع لسيطرة المعارضة المسلحة إذا دفعت المعارضة السياسية ممثلة بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية بورقة توحيد وتنظيم الجيش الحر كأولوية للاستقرار في خطة ما بعد القضاء على "داعش" أو المنظمات الإرهابية الأخرى كوحدات الحماية الكردية كما تصنفها تركيا كمنظمة إرهابية.

لكن ذلك يتطلب الكثير من الجهود الدولية والإقليمية والمساهمات المالية التي ترتكز على القبول بالجيش الحر، بوصفه قوة الاستقرار المحلية في مناطق الشمال السوري التي خرجت عن سيطرة نظام الأسد ومرت بسنوات من الألم وغياب الخدمات الأساسية بسبب القصف العشوائي المستمر من النظام، وبسبب عدم قدرة الأطراف الدولية أو الإقليمية على حماية هذه المناطق الممتدة على الشريط الحدودي التركي– السوري.

==========================

سوريا ساحة للدمار .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 21/3/2018

يحار البعض في سر الالتقاء بين روسيا وإيران ونظام الأسد. وأساس الحيرة وجود تباينات آيديولوجية وسياسية، إن لم تشكل عوامل صراع وتناقض بين الأطراف الثلاثة فهي على الأقل تمنع قيام مثل هذا الالتقاء فيما بينها بخلاف ما هو قائم واقعياً في سوريا، التي أصبحت ميداناً يجسد هذا الالتقاء في صراع على سوريا، ويجسد في مستوى آخر تحدياً ظاهراً للمجتمع الدولي بمؤسساته وقيمه المشتركة.

بالنسبة لإيران فقد شهدت ثورة شعبية واسعة على نظام الشاه محمد رضا بهلوي في عام 1979، ما لبث الملالي أن استفردوا بالسلطة فيها بعد تصفية حلفائهم في تلك الثورة، قبل أن ينتقلوا إلى صراعاتهم الداخلية، فيقوم التيار الأكثر تطرفاً بتصفية شركائه من رجال البازار بالقتل أو الإبعاد أو التهميش، أو بفرض الإقامات الجبرية، والشواهد في ذلك أكثر من أن تعد أو تحصى، وقد جرت فصول التصفيات في ظل أمرين اثنين؛ العمل على تصدير الثورة الإيرانية بهدف تشييع المحيط من جهة، وحروب وتدخلات خارجية في مستوى الإقليم، تم خلالها بناء أدوات عسكرية/ أمنية وميليشيات، ترتبط مباشرة بمركز السلطة في الدولة ممثلاً بالمرشد الذي يتمتع بسلطة مطلقة، تتجاوز الهياكل المؤسسية للدولة الإيرانية بما فيها الدستور والسلطة التنفيذية القائمة حسب المعلن على أساس الانتخابات.

وبالتوازي مع خط الانتقال نحو تضييق طيف السلطة الحاكمة في طهران، تواصلت تنمية أدوات السيطرة العسكرية/ الأمنية، وجرى توسيع طيف الميليشيات التابعة في الخارج، للسهر على مهمتين أساسيتين؛ أولهما القمع الوحشي لأي حراك سياسي أو اجتماعي/ ثقافي في إيران، يمكن أن يؤدي إلى تغيير النظام أو إحداث إصلاحات فيه على نحو ما حصل في ثورة عام 2009 أو في انتفاضة المدن الإيرانية 2008 اللتين تم سحقهما بمنتهى التشدد والوحشية، وهو السلوك ذاته الذي مارسته الميليشيات التابعة لإيران في البلدان الموجودة فيها من العراق وميليشياته كما في مثال "الحشد الشعبي"، إلى لبنان ومثاله "حزب الله" اللبناني، وصولاً إلى اليمن وميليشيات الحوثي، وقد تكرس حضورها ودورها الإجرامي مع ميليشيات أخرى في سوريا بالقتال، إلى جانب نظام الأسد طوال سنوات ماضية.

ولم تكن روسيا الاتحادية بعيدة عن نسق التطور الإيراني؛ لقد استغلت أقلية السلطة الصاعدة على الجثة السوفياتية ارتكابات الأخيرة وحاجة الروس إلى نظام وحياة جديدة، لتفرض هيمنتها وفق شعارات آيديولوجية/ دعاوية، ثم سلمت البلاد إلى أقلية أكثر قدرة وتنظيماً، تستمد تجربتها من جهاز الأمن وعلاقاته، وكان بوتين على رأس الأقلية الجديدة، وعزز بوتين سلطته بتقوية دور الجيش والأمن والشركات الأمنية في الحياة الروسية، وفرض سيطرته المطلقة على الإعلام، وكثف الجهود في تطوير الصناعات العسكرية، أما بالنسبة لنظام الأسد الذي يمكن اعتباره النموذج الأبرز في التوحش، لما كرسه طوال نحو أربعين عاماً من حكم أقلي استبدادي، قام على الوحشية في تفكيره وسياساته وأساليبه وأدواته، وقد استخدمها جميعاً على نطاق واسع في المستويين الداخلي والخارجي، ضارباً عرض الحائط بكل ما بنى السوريون من ملامح الدولة ومؤسساتها، واستبدل بها بنية عصابة النهب المنظم، التي تحكم مجتمعاً مهمشاً بالقوة العسكرية/ الأمنية، ومسيطراً عليه بآيديولوجيا/ دعاوية لا مصداقية لها.

لقد كرس نظام الأسد من الأب إلى الابن الوحشية في علاقته مع السوريين وفي حياتهم من تهميش وإقصاء وملاحقة وسجن وقتل لمعارضيه، إضافة إلى مذابح تكررت على مدى عقود حكم طويلة، آخرها ما يحصل متواصلاً ومتصاعداً منذ سبع سنوات، استدعى خلالها من يشاركه فيها من دول وميليشيات مسار توحش ليس له ما يماثله في التاريخ، ولم يقتصر المسار في تطبيقاته على السوريين، بل امتد إلى حيث استطاعت يد النظام الوصول إليه من بلدان وساحات أخرى.

وهكذا أصبحت سوريا ساحة وبخاصة للنظام الإيراني الذي يسعى للهيمنة على الدول العربية، وقد مهد له النظام السوري هذا الأمر، فها هو ذا يفتك بسوريا ويتخذها معقلا له.

==========================

صفحة من معاناة المثقفين في "سورية الأسد" .. هيفاء بيطار

الحياة

الاربعاء 21/3/2018

قبل الثورة السورية كنت– وعلى مدى عامين– أكتب في جريدة "الثورة" مقالاً في الأسبوع، وكنت أتناول مواضيع اجتماعية، خصوصاً تلك المتعلقة بالتخلف والفساد، أو عرضاً لكتب استوقفتني بأهميتها. كنت أحب أن يكون لي منبر في إحدى صحف وطني الحبيب سورية وأن يقرأ الناس ما أكتب. وبعد اندلاع الثورة السورية رفضت جريدة "الثورة" نشر مقال لي كنت أتحدث فيه عن العار في إقامة احتفالات وتشييد خيم احتفالية في مركز اللاذقية، وإحضار مكبرات صوت عملاقة تبث أغاني بصوت كالجعير يسبب الطرش، أغانٍ لم تعد تحرك في النفوس شيئاً مثل "سوريا يا حبيبتي"، ولافتات تحمل شعارات كاذبة وأهمها "خلصت، خلصت، خلصت" والمقصود الثورة التي اعتبرها النظام من اليوم الأول مؤامرة كونية. ولافتة مثل "مهما ارتقى أعداؤك سيدي الرئيس، فإن رؤوسهم لن تلامس نعل حذائك"، في الوقت الذي كان الدم السوري بدأ يسيل بغزارة في شارع الصليبة والطابيات وغيرها. اتجهت للكتابة في جريدتي "السفير" و "الحياة" فكتبت مقالات عدة تسببت لي باستدعاء جهاز أمن الدولة مراراً. ولا أنسى قول ضابط أمن الدولة لي بعد أن احتجزني ساعتين عنده، إنني يجب أن أكون كاتبة وطنية (دوماً يعمد النظام إلى سياسة التخوين وتشكيك الناس بوطنيتهم) وبأنه من المعيب أن أكتب مقالات أشبه بنشر الغسيل الوسخ. فقلت له يومها إن الكتابة تعني لي تحديداً نشر الغسيل الوسخ.

أحب أن أستعيد بعض المقالات التي رفضت جريدة "الثورة" نشرها لي (طبعاً قبل بداية الثورة). فمرة كتبت عن فساد الجهاز الطبي، خصوصاً التابع للجيش (أي أطباء متعاقدين مع الجيش) وكيف كان العديد منهم يتقاضى رشاوى ضخمة من الشبان الذين يريدون الإعفاء من خدمة الجندية وهم في كامل صحتهم، وكنت أعرف طبيب العيون الذي كان يقبض مليون ليرة من الشاب الذي يتهرب من الخدمة العسكرية مقابل أن يكتب له تقريراً بأن لديه درجات حسر بصر وانحراف عالية تُعفيه من خدمة الجيش. وأعرف طبيباً متعاقداً مع الجيش مختصاً في أمراض الهضم، كان يُحضر صوراً شعاعية وتقارير تشريح لمرضى ويُرفقها بإضبارة الشاب الذي يدفع له مبلغاً ضخماً كي يُعفى من العسكرية. فاحت رائحة الفساد في أطباء الجيش، وصار الناس يتناقلون تلك الفضائح، فكتبت عنهم مقالاً رُفض نشره، فالجيش "خط أحمر وكل ما يتعلق به ممنوع التطرق إليه".

ومن جريدة "الثورة" انتقلت إلى وزارة الإعلام، فتطرقت لسوء معاملة مدربات الفتوة للطالبات في المرحلة الإعدادية والثانوية، وكتبت عنهن مقطعاً في روايتي "امرأة من طابقين"، وكيف كن يصرخن بنا حين نردد تحية العلم كببغاوات: أقوى يا حيوانة. ثم نجعر بالروح بالدم نفديك يا رئيس، ونتلقى وابلاً من الشتائم لأن حبال حناجرنا لم تتمزق ونحن نجعر. وكن يعاقبن الطالبات بالزحف مهما كان البرد شديداً والأرض مُبللة بالمطر. فحين فعلت رُفضت روايتي مرتين من قبل لجنه القراءة في اتحاد الكتاب العرب ووزارة الإعلام. واعتقدت أن الرفض سوف يكون لسببين، أولهما أنني تطرقت لانتقاد المؤسسة الدينية التي تزرع فينا أفكاراً رافضة للآخر ومعادية له، والثاني أن ثمة صفحات في الرواية جريئة وتصف العلاقة الجنسية بين الشابة الطموحة التي تريد أن تكون كاتبة وبين كاتب البلاد العجوز المُكرس من قبل النظام، والذي تُقام على شرفه حفلات التكريم، هو الذي كتب عدة روايات في مديح النظام ورأس النظام. ثم تبين لي عن طريق صديقة مخلصة تمكنت من قراءة التقرير حول رفض روايتي، بأنني تعرضت لمدربات الفتوة اللواتي يمثلن حزب البعث، وممنوع المساس بحزب البعث فهو خط أحمر أيضاً. واضطررت بأسى وألم أن أحذف الصفحات المُتعلقة بمدربات الفتوة حتى طُبعت الرواية في سورية. بعدها لم أعد أطبع في سورية مُطلقاً بل في لبنان. ومن حسن حظي أن مجموعتي القصصية "الساقطة" رفض اتحاد الكتاب العرب طباعتها بحجة أنها جريئة جداً، وكان لي الحظ أن أتقدم بتلك المجموعة إلى جائزة أبي القاسم الشابي في تونس وأحصل على الجائزة، من بين 150 مخطوطاً، في 2003.

حرية التعبير عن الرأي الحر معدومة في سورية. فاتحاد الكتاب العرب تحسه فرعاً من فروع الأمن، وقد ظل علي عقلة عرسان يترأسه ربع قرن، وكان أشبه بالبطل الوحيد في المسرحيات التي يقوم ببطولتها ممثل واحد. فكل بداية عام كان يُقام الاجتماع السنوي للكتاب العرب، ويتوافد الكتاب من كل أنحاء سورية ليستمعوا إلى كلامه المنمق لمدة ساعة، ثم ينضم إليه أحد المسؤولين في القيادة القطرية. وينتهي الاجتماع بأن يُصرف لكل كاتب مبلغ تافه بالكاد يكفي أجرة السفر، وكانت أسئلة الكتاب في شكل عام حين يُفتح باب المناقشة تدور حول: تأمين المازوت لهم وضرورة رفع المبلغ المُخصص للضمان الصحي وضرورة رفع التقاعد ومعونة الوفاة. ولم يكن كاتب واحد يمتلك الجرأة ليسأل أسئلة عن حرية التعبير ورفض كل كتاب يحمل فكراً حراً أو منتقداً لنظام القمع. وأذكر أن أحد الكتاب السوريين تحدث بفخر، في عشاء أقامه اتحاد الكتاب على شرف زيارة بعض الكتاب الأردنيين إلى سورية، فقال إنه رأى الرئيس حافظ الأسد في منامه يقول له اكتب، فكتب.

وأنا التي اخترت أن أرجع إلى وطني الحبيب وإلى اللاذقية المُنتهكة كي أكون أقرب إلى شعبي وأكون صوته وضميره وشاهدة عصر، أجد نفس المظاهر تتكرر، وأتأمل الجرائد الرسمية السورية كيف تنشر كل أسبوع صفحة كاملة تضم أكثر من أربعين صورة لشبان استشهدوا، أحس بالاختناق ونظري يزوغ في تأمل تلك الوجوه النضرة الشابة المُبتسمة، وكيف زُج بها إلى موت عبثي ومعركة قذرة، ثم هناك الأسطر القليلة المكتوبة تحت كل وجه عن فرح واعتزاز الأهل أو الزوجة أو الأخ بموت أولاده. صفحات من مسرح اللامعقول ومن العطب الفكري، والأهم من الخوف المتشرش في قلوب السوريين.

وأخيراً، لا بد من ذكر تلك الحادثة التي انطبعت كالوشم في ذاكرتي، فحين صُعقت بأنني ممنوعة من السفر إلى البحرين بدعوة من وزيرة الثقافة البحرينية، وقدم لي ضابط الأمن على حدود العريضة السورية قُصاصة مجعدة من ورق بضرورة مراجعة فرع أمن الدولة في دمشق، اتصلت بسيدة تحتل منصباً رفيعاً جداً في النظام وكانت بمثابة أم لي ومن الطائفة المسيحية، لأنها كانت تعتز بأنها مسيحية وابنة عائلة عريقة، ورجوتها أن تتدخل بنفوذها وتلغي منع السفر، لكنها أجابتني بفظاظة: "ليش عم تطولي لسانك وتكتبي مقالات تسيئ للوطن خارج سورية؟"، وقالت لي: "تعالي إلى دمشق، سأرسل شخصاً من مكتبي ليصحبك إلى فرع أمن الدولة في كفرسوسة"، ثم أغلقت السماعة بوجهي. وعدت إلى اللاذقية مذهولة. نصحني أحد الأصدقاء أن أتصل بسيدة أخرى تحتل منصباً رفيعاً في النظام (وليست مسيحية) إذ الكثيرون من الناس يعتقدون بأن كل مسؤول يساعد أبناء طائفته ويدافع عنهم، وعلى رغم أنني لم ألتق بها أبداً في شكل شخصي فقد استمعت إلي بكل احترام واعتذرت نيابة عن تصرفات أجهزة الأمن بحق المثقفين، وألغت لي قرار منع السفر وسافرت إلى البحرين. ولم تقبل تلك السيدة الراقية أن أشكرها حتى، وقالت لي: هذا واجبي، مهمتي حماية المثقفين.

أتمنى لو أستطيع نشر مقالات لي في جرائد وطني سورية، لكن النظام لا يزال كقبضة حديد تخنق كل صوت حر، بينما إعلام النظام يتبجح بضرورة عودة المعارضين الشرفاء إلى سورية (وطبعاً وحدة قياس الشرف لدى النظام هو النظام نفسه) وبضرورة الحوار وأهمية الحل السياسي. والكل يعلم أن هذه التصريحات نفاق بنفاق. ترى أي عار ألاّ يتمكن كتّاب سورية الشرفاء وأصحاب كلمة الحق الشجاعة من نشر مقالاتهم في صحف سورية؟

متى سيحررنا الحق، والحق، كما قال السيد المسيح، يحرركم.

==========================

حان الوقت لمبادرة أممية لإنهاء المحنة السورية .. برهان غليون

العربي الجديد

الاربعاء 21/3/2018

شكرا للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، الذي دعا يوم 17 /3/ 2018 مجلس الأمن الدولي إلى اتخاذ خطوات ملموسة لإنهاء المأساة السورية على وجه السرعة. وكذلك للمتحدث باسمه، فرحان حق، الذي أكد أن "الواقع على الأرض في سورية بات يتطلب إجراءاتٍ سريعةً لحماية المدنيين، وتخفيف المعاناة، ومنع مزيد من عدم الاستقرار، ومعالجة الأسباب الجذرية للصراع، وإيجاد حل سياسي دائم يتماشى مع قرار مجلس الأمن 2254".

ونحن إذ نحيي هذه الصحوة الميمونة، نطلب من الأمم المتحدة، تماما كما ذكر فرحان حق، "أن تجمع بين طرفي الأزمة للدخول في مفاوضات رسمية، وإجراء انتخاباتٍ حرة ونزيهة، تحت إشراف أممي، بهدف إجراء تحول سياسي في البلاد".

لكن من هما طرفا الأزمة بالفعل؟ هل هما الرئيس السفاح ونصر الحريري رئيس ائتلاف المعارضة؟

الطرفان الرئيسيان المسؤولان عن استمرار الحرب اليوم ودمار سورية هما واشنطن وموسكو وحلفاؤهما. وما دامت الأمم المتحدة وأمينها العام ومبعوثها للمفاوضات السورية يتجاهلون ذلك، ويرمون الكرة في ملعب السوريين، موالين ومعارضين، سوف تبقى الأمور على حالها، وتستمر الحرب إلى أجل غير مسمى. فكما أن الروس والإيرانيين يستغلون تشبث الأسد بالسلطة، إن لم يدفعوه إلى المبالغة به، من أجل فرض وجودهم وحضورهم العسكري 

"الطرفان الرئيسيان المسؤولان عن استمرار الحرب اليوم ودمار سورية هما واشنطن وموسكو وحلفاؤهما" والسياسي والاقتصادي الأول أمرا واقعا، في مواجهة القوى الدولية والإقليمية الأخرى، فإن الأسد يستفيد من تمسكهم بتحقيق أغراضهم ومشاريعهم الاستعمارية، من أجل تحقيق مشروعه الذي لم يعد يخفى على أحد، وهو التهجير القسري للسكان، وإبادة الحاضنة الاجتماعية لقوى الشعب المعارض، وإفراغ المناطق والمدن الاستراتيجية من سكانها، حتى يمكنه البقاء أطول ما يمكن، وقطع الطريق على أي انتقالٍ للسلطة، أو تغيير في بنيتها السياسية والاجتماعية والطائفية.

لا تستطيع الأمم المتحدة أن تخفي إلى الأبد سكوتها على ما يجري من انتهاكاتٍ غير مسبوقة، لحقوق الإنسان، واستقالتها السياسية والأخلاقية وراء مفاوضات عقيمة.

من واجب الأمم المتحدة ومسؤولية أمينها العام أن تعترف، حتى لا تكون متواطئةً مع جرائم الحرب المرتكبة في سورية منذ سنوات، بأن المفاوضات التي أطلقت تحت رعاية الأمم المتحدة، في يونيو/ حزيران 2012، على إثر المبادرة العربية التي تحولت مبادرة عربية دولية، قد أخفقت تماما، وأنها دخلت في رمال متحركة، ولن يخرج منها شيء. بالعكس، تحولت إلى خدعة، وظيفتها الوحيدة التغطية على استمرار الحرب. وعليها أن تعيد الكرة إلى الدول الرئيسية التي رعتها، وتدعوها إلى أن تتحمل مسؤولياتها تجاه ما يجري في سورية من أعمال الإبادة، وما يجري في سجونها من التعذيب حتى الموت، في ما وصفه مسؤولون دوليون ومنظمات إنسانية كبرى بالجحيم السوري وبالمسالخ البشرية.

وينبغي كذلك التوجه إلى حكومات المجتمع الدولي الذي دعم المفاوضات، وراهن عليها، لوقف سفك الدماء ووضع حد للكارثة الإنسانية الأعظم في هذا القرن، أن تعترف أيضا أن تنازلها عن دورها في قيادة هذه المفاوضات، وإعطاءها ما يشبه الوكالة الحصرية لموسكو في إدارتها، بدل أن يسهل عملية التوصل إلى حل، قد أدخلا المفاوضات، ومعها الأزمة السورية، في نفقٍ مظلم، مليء بالفخاخ والمفاجآت غير السارة. فعوض أن تستخدم موسكو نفوذها لدى النظام، لتشجيعه على وضع حد للحرب، كما كان منتظرا منه، أساءت استعمال الثقة التي محضتها إياها المجموعة الدولية، واستخدمت المفاوضات السورية ومصيرها ورقة ابتزازٍ لتحسين موقفها في الصراع مع الغرب، ومن أجل دفعه إلى فتح مفاوضات جدية معها، لا يزال يتجاهل الدعوة إليها، ويرفض الخوض فيها. وكانت النتيجة أن موسكو، بدل أن تمارس الضغط على النظام للتخفيف من تعنته، قدمت له طيرانها ذراعا ضاربة، وأصبحت شريكته الرئيسية وحليفه المعلن في متابعة استراتيجية الأرض المحروقة وتدمير ما تبقى من المدن والمجتمعات المحلية السورية.

وبالمثل، على الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين الذين جعلوا من الحرب ضد الإرهاب أولوية مطلقة، وتحالفوا من أجل الفوز فيها مع جميع الأطراف الضالعة ضد الشعب السوري، أن تعترف أيضا بأن سياستها الأحادية الجانب، والتي أدت إلى قطع المعونة عن قوى المعارضة السورية، حتى لو نجحت في قصقصة أجنحة المنظمات الإرهابية والقضاء على دويلتها المسخ، التي كانت، على أي حال، صناعة مخابراتية، قد ساهمت هي نفسها في دفع الأمور في اتجاه النفق المظلم نفسه، بمقدار ما استخدمتها أطراف عديدة، بما فيهم حلفاء واشنطن التابعون لقوات الحماية الشعبية، لكن بشكل أكبر من طهران الخامنئية، وموسكو بوتين، قناعا وذريعة لتبرير الحرب ضد فصائل المعارضة السورية، كما عزّزت لديهم، ولدى المليشيات التابعة للأسد، الاقتناع بأن الفرصة أصبحت سانحة لحسم الصراع عسكريا، وعدم الاكتراث بقرارات الأمم المتحدة وسماع دعواتها للتوصل إلى حلول سلمية. لقد صبت سياسة الفصل الخاطئ بين مكافحة الإرهاب والحرب، أو الحروب السورية، الماء كله في طاحونة التحالف الروسي الإيراني، وتبنت مخططاته كما لم يكن يحلم به في أي وقت، وتحولت بسرعة، ومن دون جهد، إلى عامل إضافي، في تقويض عملية مفاوضات التسوية السياسية وقضت عليها.

لا أعتقد أن من الممكن بعد الآن المراهنة على إحياء مفاوضات جنيف للحل السياسي في سورية، ولن يكون مصير جلساتها المقبلة لو عقدت أفضل من مثيلاتها السابقات. والإصرار على الضرب في جثة متفسخة لن يحييها. ودعوات أمين عام الأمم المتحدة المتكرّرة أطراف النزاع إلى تطبيق قرارات الأمم المتحدة، ومنها قرار 2254، لن تزيد إلا في تعميق اليأس في قلوب السوريين الذين فقدوا الثقة بالجميع، ويريدون أفعالا تخرجهم من تحت القنابل الفوسفورية والعنقودية والأسلحة الكيماوية، وترفع عنهم أنقاض المدن والقرى المدمرة. والاستمرار في إطلاق النداءات التي تعكس يأس الأمين العام نفسه، ولا تلقى صدى يضاعف من حالة الإحباط وانعدام الثقة عند السوريين، ويقضي على ما تبقى من رصيد عند المنظمة الدولية ومسؤوليها.

ليس أمام الروس والإيرانيين الذين تورّطوا حتى رأسهم في الحرب مخرج آخر سوى الهرب إلى الأمام، ودفع بشار الأسد إلى المرابطة في موقف الرفض والعنت والمقامرة حتى الانتحار. ولن يتحرك الأميركيون وحدهم، على الرغم من تهديداتهم، للضغط على أحد. فهم واثقون من إخفاق موسكو السياسي، وطامعون في استنزاف طهران حتى الرمق الأخير، لتوفير الحرب القاسية ضدها، وسوف ينتظرون حتى تسقط الثمرة الناضجة في سلتهم، ويحققوا أهدافهم الخاصة في استعادة المبادرة الاستراتيجية الإقليمية التي لا علاقة لها بمصير السوريين، ولا بتوسيع دائرة اختيارات الضحايا وفرص خلاصهم.

لم يبق للسوريين، إلى جانب تصميمهم واستعدادهم غير المحدود للتضحية في سبيل حريتهم

"لم يبق للسوريين، إلى جانب تصميمهم واستعدادهم غير المحدود للتضحية في سبيل حريتهم وكرامتهم، جدار آخر يمكنهم أن يسندوا ظهرهم إليه سوى الأمم المتحدة" وكرامتهم، جدار آخر يمكنهم أن يسندوا ظهرهم إليه سوى الأمم المتحدة. وعلى الرغم مما أصابها على وقع الأزمة السورية من الفشل، وانحسار الصدقية، نتيجة العجز عن تنفيذ قراراتها، لا تزال المصدر الأول للشرعية الدولية، وهي تستطيع دائما، بما تملكه من قوة دبلوماسية ومعنوية، أن تمارس تأثيرا كبيرا على الأحداث، إذا قرّرت أن ترفع صوتها ضد استهتار الحكومات بالمطالب المحقة للشعوب، واستخدمت رصيدها المعنوي الكبير، لفرض احترام القيم والمبادئ الإنسانية والأخلاقية التي كانت وراء تأسيسها.

لن يستطيع السوريون وحدهم أن يخرجوا من النفق الذي أدخلوا فيه، ولا أن يتوصلوا بأنفسهم إلى تسوية، وهم، أو معظم قواهم المتنازعة، أصبحت رهينة الإرادات الأجنبية. ولن تستطيع الدول المتنازعة أيضا، مهما كانت قوتها، لا منفردة ولا مجتمعة، فرض الحل على السوريين. وليس لديها مصلحة في العمل على التوصل إلى تسوية تنهي النزاع من دون السوريين ومشاركتهم وضغطهم.

أدعو الأمم المتحدة وأمينها العام، باسم الشعب المنكوب في سورية، إلى وضع حد لمهزلة المفاوضات السورية الراهنة، واستبدالها بمفاوضاتٍ تجمع على مائدة واحدة، وحتى التوصل إلى حل، الأطراف الدولية والإقليمية المتنازعة على الأرض السورية، إلى جانب ممثلين لجميع الأطراف السورية، والأعضاء الخمس الدائمين في مجلس الأمن، في إطار مؤتمر دولي، وظيفته الوحيدة التفاوض، بين جميع الأطراف، على نقل السلطة في سورية إلى حكومةٍ تمثيلية، لا طائفية، تضع، تحت إشراف دولي، حداً لأعمال القتل والتهجير والتغيير الديمغرافي، وتضمن حقوق السوريين المهجّرين، وعودتهم الطبيعية إلى وطنهم، وتوقف علمية التقويض الممنهج للدولة السورية، وتفتح صفحة جديدة في تاريخ البلاد، تعيد إلى سورية وشعبها المستباح الأمل بالحياة، وتنهي الحقبة السوداء التي شهدت دمارها ومحنة أبنائها.

==========================

الغوطة وعفرين والذكرى السابعة .. حازم صاغية

الحياة

الثلاثاء 20/3/2018

قضت الثورة السوريّة ضحيّة أعداء أقوياء كثيرين:

العنف الوحشيّ لنظام بشّار الأسد وحلفائه الروس والإيرانيّين وميليشياتهم اللبنانيّة والعراقيّة والأفغانيّة... وحدها صور الغوطة (حتّى لو نسينا كلّ ما سبقها) تقطع بذلك.

خليط الوضعين الإقليميّ والدوليّ الذي تراوح بين الانتهازيّة والعزوف والتوريط والتواطؤ، وأخيراً الاحتلال المباشر على أيدي الأتراك. وحده غزو عفرين الأخير (حتّى لو نسينا كلّ ما سبقه) يقطع بذلك.

سوء حظّ الثورة الذي جعلها تدفع أكلاف غيرها، أي ربطها بتلك الخلفيّة التي تمتدّ ممّا آل إليه العراق بعد حرب 2003 وصولاً إلى ليبيا والتدخّل الأطلسيّ الجزئيّ فيها.

لكنّ العدوّ الأشرس والأعنف، والذي شكّل البيئة الحاضنة لعمل الأعداء الآخرين، هو المجتمع السوريّ نفسه بوصفه مجتمع الهويّات الكثيرة– هويّات الحدّ الأقصى المتناحرة في ما بينها: مرّةً بصمت ومرّةً بضجيج. مرّةً بأسمائها المباشرة ومرّةً من خلال يافطات أيديولوجيّة– عروبيّة وإسلاميّة وكرديّة– عابرة للحدود.

كلّ شيء كان يصنع هذه الهويّات النافية لسواها بجهد لا يكلّ. النظام كان الصانع الأوّل الذي يفاقمها ويكرّسها ويتيح لها النموّ المحتقن في الخفاء. الأحقاد الموروثة عن نظام القرابة الموسّع. الثقافة الأهليّة بالدينيّ فيها وغير الدينيّ. الأيديولوجيّات النضاليّة الحديثة التي كانت تعيد إنتاجها بأسماء وشعارات أخرى.

لهذا الواقع المسكون بالعطل العميق، تصدّى شبّان الثورة في عاميها الأوّلين. نساء"التنسيقيّات" ورجالها. شجعان وأحرار كسميرة الخليل ورزان زيتونة ورفاقهما ورفيقاتهما الكثيرين. سعوا وراء هويّة وطنيّة تنهض على الحرّيّة وتغتني بهويّاتها الصغرى. حاولوا بأفكارهم وحاولوا بحياتهم نفسها. هؤلاء ما كان يمكن إلاّ أن يكونوا الطرف الأضعف وسط تلك الهويّات.

فمن أين تأتي قوّة الوعي البديل الآخر؟ النظام ضدّها. القرابة ضدّها. الثقافة السائدة ضدّها. التأويل الدينيّ الرائج ضدّها. مستودعات الكراهية بين الجماعات ضدّها.

هذا ليس وعياً تطهّريّاً أو اختزاليّاً في ما خصّ الهويّة: صراع الهويّات ليس بالضرورة، ودائماً، عادماً لكلّ حقّ. حرب الهوتو والتوتسي في رواندا وبوروندي، وحرب الصرب والمسلمين في البوسنة، كانتا حربي هويّة. مع ذلك، يمكن أن نتبيّن فيهما درجة من الحقّ هنا ودرجة من الباطل هناك.

لكنّ حرب الهويّة لا تعصم صاحب الحقّ عن أن يعمى عن حقّ غيره، وأن يصير بالتالي جلاّداً. ومع مرور الزمن وتعاظم التجاهل الدوليّ، يروح جلاّد الحرب الأهليّة وضحيّتها يتبادلان الأدوار، فوق جثث المدنيّين الأبرياء التي تتراكم.

إنّ التحرّر، من دون كسر خناق الهويّات، وهم. وكسر الهويّات مستحيل في لحظة اشتباكها واندفاعها في الالتحام والعداء. فإمّا العمل لفصل هذه الهويّات واحدتها عن الأخرى، وإمّا التعويل على عشرات السنين من مكافحة الهويّات بحيث يأتي موتها، إذا أتى!، معادلاً لحرّيّة سوريّة.

==========================

ذاكرة المقهورين .. الياس خوري

القدس العربي

الثلاثاء 20/3/2018

كم يبدو المشهد مخيفاً في دلالاته.

مشاهد النازحين من غوطة دمشق، الذين يحاصرهم انكسار الروح ويحيط بهم الموت والخراب، تبدو وكأنها انتقام من مشاهد التظاهرات التي امتلأت بها شوارع المدن والبلدات السورية منذ سبع سنوات مطالبة بالحرية والكرامة.

نحن لسنا أمام كارثة سياسية فقط، بل نحن أمام كارثة أخلاقية أيضاً.

هزيمة الشعب وكسره وتهشيم صورته هي أكثر فداحة من هزيمة أي جيش.

حتى تلك المشاهد المروعة للجنود المصريين الهائمين في رمال الصحراء في حزيران ـ يونيو 1967، لا تقارن بصورة طفل من الغوطة، يخرج من بلدته مطأطأ الرأس مجبراً على حمل صورة الديكتاتور الذي أمر بهدم الغوطة على رؤوس أهلها.

المسألة لم تعد تتلخص في البحث عن مهزوم ومنتصر، أو في تحليل الآلة الجهنمية التي يقودها الروس والايرانيون والأتراك، أو في قراءة دلالات التوازي بين سقوط الغوطة وسقوط عفرين كأن المأساة في الحالتين جزء من صورة واحدة يتناوب المحتلون والمرتزقة والعملاء على رسمها، أو في قراءة المواقف السياسية الدولية والاقليمية، التي تقاطعت على مسألة ضرورة تدمير إرادة الشعب السوري.

المسألة تتجاوز أي تحليل، فالشعب السوري لا يواجه حرباً بل يواجه مجزرة.

والسوريات والسوريون لا يعيشون صراعاً سياسياً بل يعيشون نكبة شاملة.

الصراع مع نظام الاستبداد لم يكن صراعاً من أجل مطالب أو اصلاحات، بل كان صراعاً من أجل الهواء والحرية.

وردة فعل آلة القتل لم تكن تعبيراً عن موقف سياسي، بل كانت قراراً بأن يبقى العبيد في قيودهم، واذا انتفضوا فيجب محاصرتهم بالموت والاذلال والتهجير.

ليس صحيحا القول انها حرب الآخرين في سوريا، لأن اسمها الحقيقي هو حرب الآخرين على الشعب السوري.

والآخرون ليس إسماً غائماً، الآخرون هم آلة مافيا عسكرية صماء، لا هدف لها سوى البقاء في السلطة، وتحويل الجمهورية إلى سلطنة وراثية.

كل الكلام الايديولوجي من أية جهة أتى كان كذباً ومحاولة لتبرير ما لا تبرير له.

من الممانعة التي ليست سوى غطاء للطائفية، إلى الخطاب الإسلاموي الذي ليس سوى غطاء لرعب أنظمة النفط من احتمالات الحرية.

يقولون ليتها لم تكن، وهم يقصدون الانتفاضة الشعبية التي اشتعلت منذ سبعة أعوام في درعا ودمشق وامتدت إلى كل سوريا.

كأن الانتفاضة التي خرجت من أعماق الألم لم تكن صرخة حياة بحثاً عن حرية هي حق كل انسان على وجه الأرض.

ربما أخطأ الشعب السوري، وكانت خطيئته انه حلم بالحرية، نعم أخطأ السوريون، لأنهم اعتقدوا أن جيش بلادهم لن يقتلهم، ثم توغلوا في الخطأ حين صدقوا بسذاجة أن هناك رأياً عاماً عربياً ودولياً يدعم قضية حريتهم.

أهل الغوطة ومن قبلهم أهل حمص وحلب، صدقوا أن الحق ينتصر لأنه حق، ولأن حقيقة الاستبداد واضحة كالشمس.

لكن يبدو أن شمس الحقيقة في بلادنا أصابها الكسوف من زمان.

كان مصيرنا يتأسس في المذبحة التي رفضنا أن نرى مقدماتها، لم نفهم أن اغتيال كمال جنبلاط وحركته الوطنية والتجرؤ على المقاومة الفلسطينية كانا إعلاناً بتأسيس رسمي وعلني لنظام الموت.

كانت مقدمات هذا الموت في كل مكان من تل الزعتر إلى حماة ومن سجن تدمر إلى وضع كل البلاد في "قوقعة" التعذيب.

كنا نرى ولا نصدّق.

صدّقنا الكلام الكاذب ولم نصدّق عيوننا.

واليوم تكتمل المذبحة.

شعب يطرد من أرضه تحت وابل الرصاص والبراميل والقذائف ويخرج إلى التيه في بلاده أو في أرض باتت ترتعد خوفاً من اللاجئين.

شعب الغرباء الذين غرّبهم الوحش الذي قرر أنه صار لا أحد.

هذا اللاأحد سلّم بلاده للمحتلين لأنه يكره شعبه ويحتقره ولا يريد له سوى العبودية.

لكن اكتمال المذبحة في الغوطة لا يعني أن حرب اقتسام البلاد وتفتيتها انتهت.

فالحرب سوف تستمر إلى أن يملّ طغاة الأرض من دم السوريات والسوريين، أو إلى أن يخافوا من توحش بعضهم على بعضهم الآخر.

مع سقوط الغوطة بدأت الحرب على جثة سوريا وعلى أشلاء شعبها، وهي طويلة ووحشية وبكماء.

حرب استهلكت كل الكلمات، فصار الخطاب السياسي الذي يحمله المنتصرون بلا معنى، لأنه لا يُترجَم إلا نهباً وتشريداً واذلالاً واستباحة.

ومع سقوط سوريا سقط المشرق العربي برمته، وعادت المنطقة إلى الزمن الاستعماري الذي أسسه الانقلاب العسكري الذي قام بتفتيت المجتمع الى طوائف وملل ونحل وعشائر، بحيث فقد المجتمع مناعته السياسية، وحين انتفض بحثاً عن كرامته لم يستطع أن ينتج قيادة تستطيع أن تعبر به عواصف التاريخ ووحوله، وتم تزوير إرادته في متاهات ممالك النفط والعتمة.

لكننا ونحن نعيش ما بعد اليأس، نعرف شيئاً واحداً، هو أن علينا أن نرى في العيون المنكسرة لأطفال سوريا الخارجين إلى التيه، علامات حياة لن يستطيع الطغاة إطفاءها.

لهذه العيون ننحني وتنحني معنا لغة العرب.

==========================

أدب المخابرات ومسلسل التنفيس في سوريا .. صبحي حديدي

القدس العربي

الاثنين 19/3/2018

خلال السنوات السبع التي انقضت من عمر الانتفاضة الشعبية السورية، صدرت ـ في لغات شتى، عربية وأجنبية ـ عشرات الأعمال التي تناولت جوانبها المختلفة؛ وإنْ كان الاهتمام الأشدّ قد تركز على الجوانب الاجتماعية والسياسية والإنسانية الداخلية، وكذلك الأبعاد الخارجية الإقليمية والدولية. الثقافة، من جانبها، لم تحظ إلا بمتابعات محدودة؛ ذهب الكثير منها صوب استقراء المعطيات الإثنية والطائفية، وكان مسُّ الآداب والفنون عابراً غالباً.

وبين النماذج النادرة، على الالتفات المعمق إلى الثقافة، هذا المؤلف الجماعي الذي صدر بالإنكليزية سنة 2015، عن جامعة سيراكيوز ـ نيويورك، بعنوان "سوريا من الإصلاح إلى الثورة: الثقافة، المجتمع، والدين"؛ بتحرير مشترك من كريستا سالامندرا وليف ستينبرغ. تضمن الكتاب مساهمات من ماكس فايس: "ما يكمن في الأسفل: النقد السياسي في القصة السورية الراهنة"؛ سالامندرا: "انهمار الدراما السورية، بين التواطؤ والنقد"؛ دوناتيلا ديلا راتا: "’ستراتيجية الهمس’: كيف يصوغ صنّاع الدراما السورية القصةَ المتلفزة في سياق التسلط والتسليع"؛ شاينا سيلفرستين: "اللبرلة الثقافية أم التهميش؟ ثقافة السياسة في الرقص الشعبي السوري خلال إصلاح السوق الاجتماعي"؛ لورا رويز دي ألفيرا: "جمعيات الإحسان المسيحية ونظام البعث في سوريا بشار الأسد: تحليل مقارن"؛ أندريا بندك: "أداء الأمّة: المسيحيون السوريون على خشبة المسرح"؛ توما بييريه: "خلفية التاجر، أخلاق البرجوازي: علماء سوريا واللبرلة الاقتصادية"؛ وستينبرغ: "المنظمات الإسلامية في سوريا بشار: تحوّل مؤسسة الشيخ أحمد كفتارو".

ليس هنا المقام المناسب لمراجعة الكتاب على أيّ نحو تفصيلي، حتى بإيجاز شديد؛ لأنّ كثافة المادة وتشعّب الموضوعات وتعدد المقاربات، فضلاً عن تفاصيل منهجية وبحثية أخرى عديدة، تقتضي قراءة مفصلة، إذا شاء المرء إنصاف العمل، بما له وما عليه بالطبع. غاية هذه السطور، إذن، هي التنويه بالكتاب في الذكرى السابعة للانتفاضة، من جهة أولى؛ والإشارة إلى أطروحتين على وجه التحديد، من جهة ثانية: "رواية المخابرات"، التي يناقشها فايس؛ ومسلسل "التنفيس"، كما تشخصه سالامندرا؛ وكلا الفصلين ينطلقان، في يقيني، من مسلّمة مشتركة مفادها أنّ ممارسة النقد السياسي عبر السرد القصصي أو الدراما لا تتمّ إلا في باطن الموضوعات، وفي الدلالة المستترة رغم وضوح الترميز فيها.

فايس، الذي يستعير تعبير "رواية المخابرات" من تعليق للشاعر اللبناني عباس بيضون، يختار نموذجين: فواز حداد، في روايته "عزف منفرد على البيانو"، 2009؛ ونهاد سيريس، في "الصمت والصخب"، 2004؛ مع إشارات متفرقة إلى مصطفى خليفة، في "القوقعة"، 2008؛ وسمر يزبك، في "لها مرايا"، 2010؛ وروزة ياسين حسن، في "بروفة"، 2011. ولعلّ لائحة الأعمال هذه هي المشكلة الأولى، المنهجية، في أطروحة فايس: أنه يبدأ الفصل من شرط "الانتفاضة الراهنة"، أي ما بعد آذار (مارس) 2011، ولكنه يبلغ خلاصات (عريضة تماماً في الواقع، رغم أنها سليمة) مستمدة من رواية صدرت قبل سنتين، وأخرى قبل سبع سنوات؛ ثمّ يقرّ بأنّ الخلاصات ذاتها ليست جديدة، لأنّ الموضوعة السياسية تهيمن على الرواية السورية منذ عقود. كذلك فإنّ من الإجحاف الشديد أن يقتصر التحليل على هذه الأسماء، وتُهمل أسماء أخرى ذات أهمية حاسمة، في المرحلة ذاتها قبل الانتفاضة؛ ثمّ يتواصل القصور من خلال تجاهل التحولات الكبرى التي شهدتها الرواية السورية، في طبيعة مضامين الموضوع السياسي تحديداً، على نحو إيجابي أو سلبي، خلال سبع سنوات من عمر الانتفاضة، سواء عند الأسماء التي اختارها فايس أو تلك التي لم يتناولها.

سالامندرا تساجل بأنّ مسلسل "بقعة ضوء" كان عتبة تعبيرية عن أطوار "الانفتاح" التي شهدتها سوريا خلال سنوات الأسد الابن الأولى؛ مذكّرة بأنّ فريق العمل، في اعتماد السخرية والكوميديا والترميز، استلهم أعمال دريد لحام، وجماعة "مسرح الشوك"، و"مرايا" ياسر العظمة. ورغم إقرارها بأنّ "بقعة ضوء" يندرج في سياق "التنفيس"، تستنتج أنه ساعد في توسيع هوامش النقاش العام. مشكلة سالامندرا منهجية، هنا أيضاً، في أنها تقبل بالدور الذي لعبه مخرجون كبار مؤسسون (أمثال هيثم حقي وعلاء الدين كوكش وغسان جبري)، في نقل الخبرة والمهارة وأفق التطوير إلى الأجيال اللاحقة من المخرجين؛ لكنها لا تضع هذه الخلاصة في سياق سوسيولوجي فنّي أعمق، مفاده أنّ المؤسسين (ومعظمهم من خريجي الاتحاد السوفييتي وأوربا الشرقية) رسخوا أيضاً مدرسة واقعية اجتماعية في المسلسل السوري، فبات السقف مسيّساً بالضرورة. بهذا المعنى، فإنّ "التنفيس" لم يكن بدافع دغدغة حسّ الاحتجاج لدى الجموع، فحسب؛ بل كان استجابة لذلك السقف الذي ترسّخ واستقرّ حتى بات مطلباً جماهيرياً يصعب إغفاله، بالمعنى التسويقي الصرف. أمزجة الاستقبال الجَمْعية هنا تختلف، أغلب الظنّ، عنها في ثلاثية نجدت أنزور الشهيرة، "الحور العين"، المارقون"، و"سقف العالم"، على سبيل الأمثلة.

ويبقى أنّ هيمنة السياسة على الرواية السورية المعاصرة جزء من عطش السوري إلى التاريخ، أو تعطشه إلى صناعة التاريخ، في موازاة الحال العالقة التي يظلّ يصنعها نظام سياسي يحظر أيّ تاريخ شعبي خارج منظومة الاستبداد. حتمية الانتفاضة كانت، من جانبها، مبتدأ سردية كبرى تتابع ريّ ذلك الظمأ، وروايته.

==========================

ثورة تدخل عامها الثامن .. ماجد كيالي

الحياة

الاثنين 19/3/2018

لا توجد ثورات إلى الأبد، والثورات هي في الحقيقة لحظات تاريخية، انفجارية ومفاجئة وعفوية، تبعاً لأحداثها، ووقائعها، وهذا ينطبق على كل الثورات التي عرفتها البشرية، وضمنها الأميركية والفرنسية والروسية، ولذا يجري تمييز الانتفاضة التي يمكن أن تستمر لسنوات، والتي يتخللها نوع من مخطط توجيهي، وتقاد من قبل قوى منظمة، كما يحصل تمييز الصراعات الممتدة، وضمنها نضالات حركات التحرر الوطني ضد الاستعمار (فيتنام والجزائر وفلسطين مثلا)، والتي استمرت لعقود من الزمن، والتي سميت تجاوزاً بالثورات، كما يحصل تمييز الحركات المناهضة للعنصرية والدكتاتورية والطغيان الخ...

هكذا، ليس ثمة ضير من تسمية الظواهر الاجتماعية بأسمائها، إذ إن إطلاق تسمية ما على ظاهرة معينة لا يمنحها هويتها، أو لا يضيف عليها قيمة ما، لأن هويتها وقيمتها تنبع من مقاصدها وإنجازاتها، إذ حتى الثورات التاريخية الكبرى، التي ذكرناها، سميت كل واحدة منها بالحرب الأهلية، ذلك أن هكذا تسمية لا تقلل من شأن أي ظاهرة. فالثورة هي في اصطفافاتها، وصراعاتها، تنطوي على نوع من حرب أهلية، وفي الوقت ذاته هي محاولة لقلب الواقع السياسي، هذا أولاً. ثانياً، إن إطلاق تسمية ثورة على عملية تغيير سياسي بات لها من العمر سنوات، وهذا هو حال الصراع السوري الذي مر عليه سبعة أعوام، لا يخدم في توصيف الواقع، لأن الثورة بوصفها واقعاً عفوياً وانفجارياً وشعبياً استنفذت أغراضها، ولأن ما يحصل بات أقرب إلى الصراع السياسي الممتد، مع الإبقاء على المقاصد الأساسية للثورة (التي اندلعت في آذار/مارس 2011)، أو بالانزياح عنها كما حصل في سيادة خطابات الفصائل العسكرية "الإسلامية"، وأخيراً، لأن ما يحدث بات في أحد أبعاده بمثابة حرب أهلية بكل معنى الكلمة، وفي أبعاده الأخرى بات بمثابة صراع دولي وإقليمي على سورية.

ليس القصد من ذلك نعي الثورة، كفكرة، كما قد يعتقد البعض، ولا التشكيك بمشروعيتها، فالثورة على النظام، هي عملية مشروعة وعادلة وضرورية، بحكم الاستعصاء الذي يمثله هذا النظام لعملية التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي في سورية. لكن القصد هو التأكيد أن الصراع السوري خرج من مفهوم الثورة، إلى مفهوم الصراع السياسي الممتد، لتحقيق الأهداف أو التطلعات التي انطلقت من أجلها تلك الثورة.

ولعل ما يؤكد ذلك أن الثورة لم تحقق المفترض منها، ليس على صعــــيد إسقاط النظام فحسب، وإنما حــــتى على صعيد بناء قوى المعارضة ذاتها، في بناها وخطاباتها وأشكال عملها، بل إننا إزاء نوع من التراجع الخطير، على هذا الصعيد، بالقياس للبدايات الواعدة التي كنا شهدناها في العام الأول للثورة مثلاً.

وفي الواقع، إن القوى المفترض أنها ثورية، وهي هنا الكيانات السياسية والعسكرية والمدنية، فشلت بشكل ذريع، في حمل مشروع الثورة، والاستمرار به، لأسباب عدة، أولها، أنها لم تستطع، على رغم تضحيات وتجارب سبعة أعوام، من بناء كيان سياسي جامع، وطني وجبهوي، يعبر عن السوريين، ويدير كفاحهم من أجل تحقيق أهدافهم، بعيداً من الحسابات والحساسيات الضيقة، الشخصية أو الأيديولوجية أو الفئوية. وثانيها، لم تستطع الكيانات السائدة في المعارضة الحفاظ على المقاصد الأساسية التي انطلقت من أجلها ثورة السوريين، أي الحرية والكرامة والمواطنة والديموقراطية، بل إنها جاملت، أو تبنت، خطابات الجماعات العسكرية، الدينية والطائفية، التي أخذت الثورة الى خطابات أخرى، تتعلق بتغيير نظام الحكم، أو الاستيلاء على السلطة، ما يعيد إنتاج الاستبداد بصور أو بأشكال أخرى، وكان نمط إدارة المناطق المحررة لا يبشر بالخير، بل إن هذه الإدارة هي أحد أهم أسباب ضعف ثقة السوريين ببعضـــهم، وانحسار ثورتهم. وثالثها، أن المعارضة لم تحصن ذاتها تجاه مخاطر فقدان الاستقلالية، والاعتمادية على القوى الخارجية، واحتمال توظيفها لصالح أجندات هذه الدولة أو تلك على حساب حقوق السوريين وسلامة مسار ثورتهم. ورابعها، تسرع المعارضة بانتهاج العمل المسلح، وتصعيده إلى مستويات غير محسوبة، وخارج قدراتها على التحمل، ما أضعفَ موقفها، وما زاد الهوة بينها وبين الجماعات العسكرية، وما قطع صلتها بالمناطق المحررة، وعزز اعتماديتها على القوى الخارجية. وربما لا نضيف جديداً بالقول إن هذه المعارضة، وبغض النظر عن الادعاءات، لم يكن لها أي قرار أو دور في خصوص التحول نحو الصراع المسلح، ولا في شأن ايجاد مناطق محررة. وخامسها، أن المعارضة ليس فقط لم تدرك أخطار إخراج الشعب، أو أغلبية الشعب، من معادلات الصراع، لا سيما بالحصار والتدمير والتشريد، بل إنها، أيضاً، لم تفعل شيئاً لتأطيرهم أو استثمار قدراتهم، وإيجاد تمثيلات لهم. وسادسها، أن المعارضة لم تشتغل على انتاج خطاب يعزز الثقة بين مكونات الشعب السوري، الإثنية والدينية والمذهبية. ففي القضية الكردية، مثلاً، تبنت الموقف التركي، ولم تتعاط مع المسألة الكردية في سورية بوصفها مسألة سورية، ولم تجمع في خطابها بين حقوق المواطنة والحقوق الجمعية "القومية" للكرد بوصفهم جزءاً من أمة أكبر (مثل الأمة العربية)، هذا مع التأكيد على مسؤولية القوى الكردية عن ذلك، لا سيما حزب بي واي دي، الذي تعامل مع المسألة الكردية في سورية كأنها مسألة كردية في تركيا.

بيد أن أكثر ما أضر بالثورة السورية هو أنها تأسست في إدراكات المعارضة السائدة على فكرتين، أو مراهنتين خاطئتين، أولاهما، أن العالم سيتدخل لصالح الثورة، ما جعلها مرتهنة للتدخلات الخارجية وقابلة بها. وثانيتهما، أن الثورة ستنتصر حتماً، من العام الأول، ومن التجربة الأولى، على رغم كل الثغرات والمشكلات المحيطة بالتجربة السياسية للسوريين، وعلى رغم كل المداخلات والتعقيدات التي تعيق ذلك.

==========================

موقفنا : ثبت في الفروق بين العصابة الصهيونية والعصابة الأسدية .. زهير سالم

24 / 3 / 2018

مركز الشرق العربي

هذا ثبت بأهم الفروق بين العصابتين الصهيونية والأسدية مجسدة في وقائع وأرقام .

أولا - يقدر عدد الشهداء الذين قتلتهم العصابة الصهيونية في المجازر والحروب منذ تأسيس الكيان الصهيوني : بخمسة عشر ألف شهيد فلسطيني . بينما قارب عدد الشهداء الذي قتلتهم العصابة الأسدية في المدن والأرياف والمعتقلات مليون ونصف إنسان .

ثانيا - المساحة التي احتلتها عليها العصابة الصهيونية وأخرجت أغلب سكانها منها حسب قرار الأمم المتحدة خمسة عشر ألف كم مربع ( 15000 ) ، المساحات التي أجلي سكانها على يد العصابة الأسدية أكثر من مائة ألف كم مربع ..

ثالثا - قدر عدد السكان الفلسطينيين الذين تم تهجيرهم سنة 1948 بأربع مائة ألف لاجئ . يقدر عدد السوريين الذين تم تهجيرهم في السنوات 2011 - 2018 / 12 مليون لاجئ ...

رابعا - وجد اللاجئون الفلسطينيون قرارات أممية تحميهم ، وتكفلهم وتضمن لهم حق العودة ، لم يجد اللاجئون السوريون أي قرار أممي يكفلهم أو يحميهم أو يضمن لهم حق العودة إلى ديارهم .

خامسا - رغم التواطؤ الدولي مع العصابة الصهيونية إلا أن المجتمع الدولي ظل يدين الاستخدام المفرط للقوة ضد الفلسطينيين ، لم يصدر أي قرار أممي يدين الاستخدام المفرط من قبل العصابة الأسدية ضد السوريين .

سادسا - ظلت الدول الكبرى تحارب عن بعد مع العصابة الصهيونية ، انغمست هذه الدول مباشرة في الحرب إلى جانب العصابة الأسدية : الروس - الأمريكيون - الإيرانيون ..

وتبقى في فقهنا العصابة الأسدية مجرد أداة في خدمة العصابة الصهيونية .

____________

* مدير مركز الشرق العربي

=========================

سورية والثورة بعد سبع سنوات .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الاثنين 19/3/2018

مرّت في 15 مارس/ آذار الجاري سبع سنوات على بدء الثورة في سورية، شهد العالم خلال سنواتها الأربع الأخيرة أبشع المجازر، ووحشيةً لا توصف، هي نقيض كل ذلك الصفاء والنقاء والأمل الذي تعمم مع بدء الثورات في تونس ومصر. لقد أفضى انفجار الثورات في البلدان العربية إلى انتشار الأمل بتغيير العالم في كل بقاع الأرض، وأصبح ميدان التحرير المثال/ الرمز، وتجسيد هذا الأمل. ظهر لكأن شعوب العالم تريد التغيير، لكنها تعيش حالة يأسٍ، كسرها هذا الانفجار الكبير في البلدان العربية، لهذا باتت الثورة ممكنة، والأمل في التغيير ليس ممكناً فحسب، بل مؤكد كذلك.

 

لماذا هذه الوحشية؟

أمل ثوري عمّ العالم، ربما كان لا بد من أن يتفتت. ومن هذا المنطلق، لا بدّ من أن نفهم كل ما جرى في سورية، ونعرف سبب الوحشية التي مارسها النظام، وروسيا  وإيران تحت أنظار العالم، الذي لم يفعل سوى التنديد والشجب شكلاً، وغض النظر عما يجري فعلاً. لم يكن الموقف العالمي ناتجا عن عجز، ولا نتيجة لا مبالاة، على العكس كان فرحاً بما يجري، ولقد اشتغلت دول إمبريالية على "النكز" و"اللعب" لكي تزداد الوحشية.

المؤسف أنه جرى النظر إلى الثورات في البلدان العربية منفصلا كل منها عن الأخرى، وجرت معالجة وضع كل منها بشكل مختلف عن الأخرى، وحتى المواقف اختلفت من ثورة إلى أخرى. بينما نظر كل العالم الإمبريالي إليها سياقا واحدا، وانفجارا موحدا. ولهذا عمل على التصدي لها باعتبارها مسارا ثوريا هدَّد النظم العربية التابعة، وهدَّد بأن ينتقل إلى مناطق أخرى في العالم. وفي كل الأحوال، أعطى الأمل في التغيير، هذا الأمر الذي باتت شعوب كثيرة تحتاجه. فالرأسمالية في أزمة انفجرت في 15 سبتمبر/ أيلول سنة 2008. وحين بدأت الثورات (كانت نتاج هذه الأزمة)، كانت أميركا تشعر بالعجز عن حلّ أزمتها تلك، وظهر لها أنه ليس ممكنا حلها أصلاً. ولهذا كان يعني بدء الثورة هنا، في الوطن العربي الذي ظل الغرب ينظر إليه على أنه متخلف ومهمش وعاجز عن التغيير، أنها سوف تنتقل رغماً عن الرأسمالية إلى بلدان كثيرة في عالم مأزوم، ويعاني من المشكلات نفسها (البطالة، الفقر، التهميش والاستبداد، وكذلك النهب الذي تمارسه الطغم الإمبريالية). هذه الأزمة هي التي حدَّدت كيفية تعامل العالم مع هذه الثورات.

عملت أميركا على تحقيق تحوّل سريع في تونس يمتصّ الانفجار، ويرسي بديلاً يوهم بتحقيق تغيير، ويكون أساسه هو الانتخابات وتعزيز الطبقة المسيطرة بقوة "لها شعبية" (أي حركة 

"عملت أميركا على تحقيق تحوّل سريع في تونس يمتصّ الانفجار، ويرسي بديلاً يوهم بتحقيق تغيير" النهضة). وأكملت ذلك في مصر أيضاً بالعمل على تحقيق تغيير سريع، ووفق المنظور نفسه. لقد أرادت في هذين البلدين الالتفاف السريع على الثورة كي لا تمتدّ، لكنها امتدت إلى اليمن والبحرين وليبيا ثم سورية. وبهذا باتت مواجهتها تحتاج إلى سبيل آخر: العنف. لهذا سحقت السعودية الثورة في البحرين، وناورت لمنع انتصار الثورة اليمنية، بينما تدخل حلف شمال الأطلسي في ليبيا كـ "داعم للثورة"، لكنه ظهر قوة تدمير هناك. ولعبت السعودية الدور المباشر في البحرين واليمن، لكنها لعبت الدور غير المباشر في سورية، حيث كانت معنية مباشرة بوقف الامتداد الثوري، لأنها اعتقدت أنه سيصل إليها. وبدت روسيا خائفة من الثورات، كذلك إيران التي شعرت أنها ستفقد "حليفها" السوري، وممرها إلى لبنان. وأيضاً أوروبا التي تلمست بعض امتدادات الثورة إلى إسبانيا واليونان.

لهذا كانت كل الدول العربية، والإقليمية والإمبريالية، تسعى إلى أن يتوقف هذا "الجنون"، وأن تسحق الثورة قبل أن تتوسع فتهدد بلدانها، والرأسمالية ككل. في ليبيا، أُدخلت في متاهة صراعات محلية هي امتداد لصراعات إقليمية ودولية. وفي اليمن، بعد إزاحة علي عبدالله صالح بمجهود كبير، فجّر الوضع بالتحالف مع الحوثيين، فتدخل "التحالف العربي"، الذي أكمل تدمير اليمن، وتفكيكه، بحجة محاربة الحوثيين والنفوذ الإيراني. لكن سورية كانت "الكنز" الذي يحقق أحلام الرأسمالية والطغاة، حيث تحكمها مجموعة لا مانع لديها من أن تمارس أبشع الوحشية، فقد شهد العالم مجازر سنة 1982، ويعرف أن النظام القائم يمكن أن يكرّرها في مجمل مناطق سورية. ولقد رفع شبيحته شعار "الأسد أو نحرق البلد"، وهذا جميل لرأسمالية مأزومة وخائفة من توسّع كبير في الثورة. ولتحقيق ذلك، اشتغلت أطراف متعددة، بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر، لإيصال الصراع إلى ما نشهده اليوم.

أوهمت أميركا منذ البدء أنها تتدخل، أرادت أن تشوه الثورة، وتعطي مبرّراً للنظام لكي يسحقها تحت شعارات وطنية تؤثر في الشعب السوري. واشتغلت السعودية على دعم النظام في "السر"، فساعدت على أسلمة الثورة كما أراد النظام. وعملت قطر وتركيا على الأسلمة، بعد أن فشلا بإقناع الأسد بـ "الإصلاح". وكل هؤلاء شوهوا الكتائب المسلحة التي ردت على وحشية النظام، بأسلمتها وربطها مالياً، وتعزيز التناقضات فيما بينها. وكل هؤلاء "شربكوا" المعارضة بهم، وأخضعوها لتكتيكاتهم، فباتت تابعة لسياسات نظم. وإذا كانت أميركا تبدو أنها تريد لمجلس الأمن أن يتخذ قراراتٍ "حاسمة"، فقد كانت فرحة بالفيتو الروسي الصيني في مجلس الأمن. في المقابل، تدخلت إيران بقوات من حزب الله أولاً، ثم بقوات عراقية وأفغانية وباكستانية، ومن ثم من الحرس الثوري، لدعم النظام تحت أعين "أعدائها": أميركا والدولة الصهيونية. وأتت القوات الروسية بعد لقاء شديد الودية بين الرئيسين، باراك أوباما وفلاديمير بوتين، ساعات قليلة قبل إعلان التدخل العسكري الروسي، فروسيا تخشى الثورة، لهذا صرّح وزير دفاعها، سيرجي شويغو، إن روسيا "كسرت موجة الثورات"، لكنها تريد أن تسيطر بعد أن ظهر تراجع أميركا، وإعلانها الانسحاب من الشرق الأوسط.

بالتالي، في مواجهة الثورة السورية عملت أطرافٌ على تفكيكها وتشويهها، وأخرى مارست أبشع الوحشية ضدها. وكان يجب أن تُمارس أبشع الوحشية لـ "تأديب" شعوب العالم، وإفهام هؤلاء أن الثورة ممنوعة، وأن من يقوم بها سوف يسحق بكل الوحشية التي مورست في سورية. هذا ما كانت تريده الدول الإمبريالية من أميركا إلى روسيا، ولقد منعت محاسبة النظام، على الرغم من كل التقارير التي أصدرتها هيئات دولية، ولهذا كانت "الدبلوماسية" هي التغطية على المجزرة، وظلت التصريحات "الغربية"، والتنديد العالمي بلا معنى، بالضبط لأن هذه الدول كانت تريد التمويه فقط، لكنها في الواقع كانت تدعم المجزرة.

كان يجب تأديب شعوب العالم في وضعٍ تعيش الرأسمالية أصعب أزماتها، وكانت روسيا "حصن الرجعية" الذي تولى المهمة بعد فشل النظام السوري، وإيران بكل قواتها التي حشدتها. وبهذا، التقت وحشية النظام مع وحشية النظام العالمي، وأداته روسيا، في مرحلة أزمةٍ عميقة تعيشها الرأسمالية.

 

حرب ضد العالم

بهذا أصبحت الثورة حرباً ضد العالم، ولم تعد حراكاً يسعى إلى تغيير النظام فقط. حققت تحولاً بعد عام من بدئها ظهرت نتائجه نهاية سنة 2012، حيث توضّح ضعف النظام وتخلخل بنيته. وذلك كله بزخم الحراك الشعبي الذي بات يُدعم بعمل عسكري، وقبل الوجود الفعلي لجبهة 

"كانت الدول العربية، والإقليمية والإمبريالية، تسعى إلى أن يتوقف "الجنون"، وأن تسحق الثورة قبل أن تتوسع" النصرة و"داعش"، وكل المجموعات السلفية. تحقق ذلك على الرغم من كل الوحشية التي واجه النظام الشعب بها، حيث تكسرت قوته الصلبة (الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري) وبات الجيش في حالة احتقانٍ لا تسمح بمشاركته في الصراع ضد الشعب، الأمر الذي فرض سحبه من مناطق واسعة في الشمال السوري ومناطق أخرى، ووضعه في معسكرات مغلقة.

لم يرق هذا الوضع لكل الدول التي كانت معنية بسحق الثورة، لهذا زجّت إيران بقوات حزب الله والمليشيا الطائفية العراقية، والحرس الثوري على أمل سحق الثورة. واشتغلت دول إقليمية على تعزيز الطابع العسكري للثورة وإخماد الحراك الشعبي، مع دعم أكبر للمجموعات السلفية، ولجبهة النصرة وداعش. لقد تدخّل حزب الله علناً بداية سنة 2013 في معركة القصير، لكن دوره توسّع، وبات يُدعم بمجموعات كبيرة من العراق وأفغانستان وباكستان، والحرس الثوري الإيراني، وهو الأمر الذي حوّل الثورة إلى صراع مسلح وحرب حقيقية، كان الزخم الشعبي يجعلها في غير صالح كل هؤلاء، على الرغم من التركيز على دور جبهة النصرة وداعش من النظام وإيران وكل الدول الإقليمية وأميركا وحتى روسيا. وكانت هذه "خطة" محكمة أضرّت بقوة الثورة، وخدمت النظام بشكل كبير. وهنا بات الصراع ليس ضد النظام فقط، بل كذلك ضد إيران وأدواتها من طرف، وضد "داعش" وجبهة النصرة من طرف آخر. وعلى الرغم من التحالفات مع "النصرة" في بعض الأوقات، كان صراع "داعش" و"النصرة" الأساسي هو ضد قوى الثورة، حيث عملت جبهة النصرة على قضم المناطق "المحررة"، وتصفية الكتائب المسلحة الواحدة بعد الأخرى.

على الرغم من ذلك كله، لم تستطع إيران وما تبقى من قوات النظام حسم الصراع. على العكس، ظهرت هشاشة وضعهما حينما قرّرت دول إقليمية (السعودية، قطر وتركيا) تعديل ميزان القوى، بما يفرض تحقيق حل سياسي، من خلال تحقيق "توحيد" لعدد من المجموعات (أحرار الشام وجبهة النصرة وغيرهما)، حيث انهارت قوات إيران والنظام بسهولة ربيع سنة 2015 وصيفها. وكانت تناقضات المصالح هي التي فرضت هذا الدور لهذه الدول، والتي ظهرت في الصدام التركي الروسي بعدئذ، وعقد التفاهمات الروسية السعودية والخليجية عموماً، ومع تركيا. لقد ظهر عجز إيران والنظام عن الحسم، بل إنهما أخذا في الانهيار. لهذا هرع قاسم سليماني إلى موسكو، لكي يحثها على التدخل. بالتالي، إذا كانت الثورة قد هددت وضع النظام، وكان ممكناً أن تفرض تغييره، فقد أدت الثورة، بدعم إقليمي محدود، إلى هزيمة إيران 

"أصبحت الثورة حرباً ضد العالم، ولم تعد حراكاً يسعى إلى تغيير النظام فقط" وكل أدواتها، حيث ظهر عجزها عن حماية النظام وضمان استمراره. بالتالي، انتقل الصراع إلى أن يكون مع روسيا بكل تفوقها العسكري، لكن قبل الإشارة إلى ذلك، لا بدّ من الإشارة إلى أدوار تركيا وأميركا التي كانت تخدم سحق الثورة. أميركا التي كانت تلعب بـ"داعش" في العراق، ومن ثم في سورية، لكي تتدخل من أجل أن تحوز على ورقة مساومة مع روسيا، بعد أن وكَّلت روسيا بسورية. ولقد أعلنت أنها لا تريد إسقاط النظام، على الرغم من أنها كانت تناور لإطالة أمد الصراع، وعملت على تحويل كتائب تقاتل النظام إلى قتال "داعش" فقط، وكان هذا هو شرط دعمها، وشلّت الجبهة الجنوبية، ومن ثم سيطرت على شرق سورية وشمال شرقها، ووضعت يدها على آبار النفط في إطار المساومة مع روسيا. أما تركيا فقد انطلقت من مصالحها، لهذا حوّلت نشاط كتائب مسلحة من قتال النظام إلى قتال "داعش"، ثم قتال قوات سورية الديمقراطية، حيث انطلقت من أولوية منظورها من دون اعتبار لوضع الشعب السوري، على الرغم من كل البكاء عليه. وهنا، تجب الإشارة إلى تصاعد دور الصراعات الإقليمية والدولية، وميل كل الأطراف إلى أن تحقق مكاسب على حساب الشعب السوري.

إذن، بات الشعب السوري يواجه، بأشكال مختلفة، ما تبقى من النظام وإيران، بكل أدواتها وقدراتها العسكرية، ومن ثم روسيا بكل تفوقها، حيث استخدمت أحدث الأسلحة، وجرَّبت أكثر من مائتي سلاح جديد فائق التأثير، وباتت هي القوة التي تقود الصراع الفعلي ضد الشعب السوري. بالتالي، تحولت الثورة التي بدأت ضد النظام إلى صراع مع دول إقليمية، وتراكب عليها صراع إقليمي، ثم إلى صراع ضد قوة عطمى تمارس كل وحشيتها، وتحظى بتصفيق كل الدول الأخرى، التي تعاونها بأشكال مختلفة. هو صراع الشعب السوري ضد العالم.

 

لا انتصار للنظام وإيران وروسيا

هل تستطيع روسيا سحق الثورة؟ على الرغم من كل المساعدة التي تُقدَّم سراً وعلناً من كل العالم، فإن روسيا لن تنتصر. ربما تستطيع تصفية كل الكتائب المسلحة، لكنها لن تستطيع تكريس النظام. لقد انقطعت الصلة بين الشعب والنظام، سواء ممن بقي تحت سلطته، أو من 

"ما تقوم به روسيا وقام به النظام هو قتل الشعب أو تشريده، أو هروبه، خصوصاً الشباب منه" عاش في المناطق الخارجة عن هذه السيطرة، أو المهجّرين خارج سورية. فقد بات وحشاً، لكن بلا قوى، بعد أن فقد معظم الجيش وتفكك بنية السلطة. وبات وجوده معتمداً على وجود قوات إيران وروسيا، لكنه وجود سيكون قلقاً، لأنه سيبقى معرضاً للهجوم والمواجهة. وهو أمر يستنزف روسيا وإيران، ويمكن أن يكون وضعاً مناسباً في الصراعات العالمية، لجرّ روسيا إلى مستنقع جديد. ما تقوم به روسيا وقام به النظام هو قتل الشعب أو تشريده، أو هروبه، خصوصاً الشباب منه. بالتالي، هو يفقد القدرة على بناء جيش أو قوة أمنية، ولا يستطيع إعادة بناء السلطة بالقوة التي كانت عليها، أو حتى ربعها، وبالأساس ستبقى سلطة بلا قوة. ولن يفيدها الاعتماد على روسيا وإيران زمنا طويلا. بالتالي، بات وضع سورية يتحدَّد في إما النظام أو الشعب، أي إما بقاء النظام وبالتالي استمرار الصراع وجرّ روسيا إلى مستنقع، أو فرض بديل عن النظام يسمح بعودة المهجرين وإعادة بناء الدولة. ولا شك أن إنهاء احتلال روسيا يقع ضمن هذا الحلّ، فهي التي وقعت اتفاقات إذعان "تشرعن" ذلك، على الرغم من أن كل الوجود العسكري الإمبريالي والإقليمي هو احتلال يجب أن ينتهي.

لم يكن السلاح هو الثورة، فقد تمرّد الشعب من أجل إسقاط النظام، وسيبقى متمرّداً، لكن سيبقى للسلاح دور ضد بقايا النظام، والاحتلالين الروسي والإيراني، وكل الاحتلالات الأخرى. لقد نشأ جيل من المقاتلين، ومن الثوريين الذين اكتسبوا خبرة، فليس الجيش الروسي وحده من اكتسب خبرة في حربه ضد الشعب السوري، كما صرّح بوتين. وهذه الخبرة سوف تنتج ثورة أكثر جذرية، وتنظيماً وفاعلية، بلا أسلمة ولا تبعية لدول لها مصالحها، وهي ضد الثورة بالأساس.

==========================

عن غياب المشروع الوطني السوري.. والمال السياسي .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاحد 18/3/2018

تكاد لا تخلو جلسة سورية بين مثقفين معارضين، أو حتى رماديين، من الحديث عن غياب المشروع الوطني السوري. وجوهر الأمر شعور بالعجز عن صناعة ما هو أفضل من واقع قائم اليوم، ويمكن تسميته بالكارثي، وحتما البحث عن صناعة مستقبلٍ، يقطع مع الماضي الذي سبق ثورة السوريين التي تعبر إلى عامها الثامن، في ظل حربٍ كارثيةٍ يشنها النظام وحليفتاه إيران وروسيا في مناطق متفرقة من البلاد، من جنوبها وغوطتيها  الشرقية والغربية، ومن وسطها وشمالها في إدلب، والغريب انضمام تركيا إلى حرب توافقية مع كل من روسيا وإيران في عفرين، لفتح الطريق أيضاً إلى منبج، ما يعني أننا أمام الرعاة الثلاثة لاتفاقات أستانة التي أعلنت أنها بهدف خفض التصعيد، وصولاً إلى وقف كامل لإطلاق النار في سورية، والذهاب إلى مفاوضات سياسية تهيئ لحل المأساة السورية التي تدخل عامها الثامن.

وعلى الرغم من الغوص في كل لقاء يجمع بين سوريين، بحثاً عن أخطاء مؤسسات المعارضة وتفنيدها، وانتزاع الدروس التي كلفت الشعب السوري ضحايا كثيرين، إلا أننا في كل وقت نقف عند حدود تلك الانتقادات، في محاكاة لتجربة رجم الشيطان، أو تقديم الاعترافات، من دون الولوج إلى جوهر الطقوس، بما تعنيه القطع مع تلك الأخطاء والخطايا تحت بند التوبة، ما يؤسس من جديد لتجارب لا تبتعد في مساراتها عن الحفر المعلن عنها خلال التشريح الواقعي لعمل تلك المؤسسات، ما يجعل من خطاب النقد المتتالي مجرّد شعارٍ، يضاف إلى جملة من شعارات المرحلة الغارقة بفشلها سورياً، سواء على صعيد العمل السياسي أو العمل المسلح بشقيه، العفوي والمؤدلج.

ومن هنا تأتي أهمية استنباط آليات جديدة في صناعة فعل سوري يمكنه أن ينتج جسراً يعبر

"كان مثمراً أن تستعيد بعض النخب دورها، من خلال أقلامها، في تحريض الشارع السوري على العمل" فوق الواقع، مستفيدا من حوامله الوطنية، ومتجاوزاً التدخلات الإقليمية والدولية، ومتكئاً على رغبة السوريين في إيجاد مشروع وطني، يكون هو التعبير الحقيقي عن هدف الثورة ضد نظام الاستبداد وحكم المؤسسة الأمنية. ولكن كيف يمكن الوصول إلى ذلك المشروع؟ وما آليات العمل عليه؟ ومن أين يمكن لحظ ضروراته الوطنية؟ ومن هي الجهة القادرة على جمع لم السوريين على صورة وطن المستقبل؟ وهل بقي بين المعارضين أفراد أو مجموعات من يستطيع فعلياً تجاوز "الأنا" الفردية مقابل ال "جميع"؟

قد نظلم قلة من الشخصيات الوطنية المعارضة عند الحديث عن طغيان المصالح الشخصية، وحروب أعداء الكار، التي تطفو على بحرٍ من كراهية الآخر، والتقليل من شأنه، واعتبار وجود "الآخر الشريك" تعتيما على وجوده، ما يجعل من العمل الجماعي المؤسساتي، في ظل هذه الأجواء، غير ممكن، إلا في ظل الخضوع لمعادلة السيد والتابع، وفقاً للقدرات في تأمين الدعم المالي فقط، ولهذه مواصفاتٌ لا يمتلكها كثيرون، بل يمكن القول 99 بالمائة من الشخصيات الوطنية الحقيقية، حيث لا تدخل من ضمن ما تسمى "كاريزما" الأسماء التي يحترمها الشارع السوري، أي أن من يستطيع تحويل التطلعات من نظريةٍ إلى المشروع الوطني القابل لأن يكون بديلاً لكل ما يطرح من مشاريع، تأخذ السوريين خارج الحل المستقبلي لسورية، سيكون "متهماً" فوراً أنه من صنف غير الشخصيات المراهن عليها وطنياً، وسيأخذ، بطريقة أو بأخرى، المشروع لتعويمه مع مموله، أي لن يكون هناك أي دور للقدرات القيادية والثقافية والتجربة والخبرة ومنطق العمل الوطني.

وبمصارحة مؤلمة لمن يكتبها ويقرأها، فإن المال السياسي هو الذي بات يعول عليه تقديم الحلول، إما بطريقة مباشرة، من خلال الرعاية العلنية لأي نشاط يستهدف نخبة المجتمع، أو بطريقة غير مباشرة، عبر غطاء من جهة، أو شخصية سورية، صنعها أصلاً ذاك المال السياسي ذاته، ما يعني أن أي حديثٍ عن جهد وطني خالص لإيجاد حالة وطنية جديدة، محكوم باختراقه وتعطيله، وتوجيه دفته باتجاه أجندة مموله، سواء الظاهرة أو الخفية.

وضمن هذا الواقع المأساوي الذي أفرزته السنوات السبع من حرب الاستنزاف التي شنها النظام على الشعب السوري، الذي واجهه بمطالبه الإصلاحية، للخلاص من نظام أمني استبدادي، وبناء منظومة حكم تحقق له حريته وأمانه وكرامته وحقوقه المواطنية، يبرز السؤال الملح الذي لا يمكن تجاهله، سواء مر عام أو سبعة أعوام، ففي كل وقتٍ لا بد من إحياء هذا السؤال، بهدف العمل على إحداث الخرق الممكن في مواجهة حالة انسداد الأفق في وجه السوريين:

هل على النخبة السياسية والثقافية الاستسلام لاختطاف القرار الوطني، والانخراط بالاصطفافات السياسية الخارجية لمستثمري المال السياسي في الصراع السوري، بكل أوجه الاستثمار من العسكري إلى الإعلامي والثقافي، وحتى الفني، أم أن القدرة على ولادة ذلك التوجه الوطني لا تزال متوفرة، حتى عندما تبدأ من أسفل سلم التوافقات بين سوريين ليسوا ضمن المحسوبين 

"من يستطيع تحويل التطلعات من نظريةٍ إلى المشروع الوطني القابل لأن يكون بديلاً لكل ما يطرح من مشاريع؟" على الممولين الدوليين، ولا يسعون، من خلال انخراطهم بمشروع وطني، إلا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من دور للسوريين في اختيار أجندة مستقبلهم، وسبل العيش بينهم، وآليات إنهاء مأساتهم وفق الممكن والمتاح، وبما لا يهدر التضحيات الكبيرة التي قدمها الشعب السوري فداء لحريته؟

هذا السؤال برسم مجموعة من المثقفين والسياسيين اجتمعوا أخيرا، حضرت معهم جانبا من اجتماعاتهم، كواحدة من مجموعة العمل التي شاركت في كتابة النداءات، مع آخرين انضموا إليهم ومنهم: ميشيل كيلو، موفق نيربية، ماجد كيالي، وزكريا صقال، وأنور بدر، ومنى أسعد، وكان من ضمن من شاركهم في النداء الأول فايز سارة ونغم الغادري، وهي المجموعة التي وجهت نداءاتها إلى الشعب السوري منذ ما يزيد من عام، ووافقها مئات من السوريين رؤيتها ووقعوا على تلك النداءات، للقطع مع الرهانات الخاطئة للمعارضة السورية، والاعتراف بأن الارتهان للدول، وعسكرة الثورة، وأدلجة الفصائل، وضياع الخطاب الوطني وتشتته بين الخطابات الإيدولوجية والطائفية والمذهبية، كلها أسباب أدت إلى تراجع مكانة الثورة داخلياً وخارجياً، والسعي من خلال تجمعات سورية - سورية إلى اجتراح الحل السوري، ولو على صعيد الخطاب الوطني، قبل الحديث عن العمل الفعلي.

كان مثمراً أن تستعيد بعض النخب دورها، من خلال أقلامها، في تحريض الشارع السوري على العمل، ولو عبر مجموعاتٍ صغيرة، فربما تنتج تقاطعاتها المشتركة لاحقاً، وما يمكن أن يبشر لفعل إيجابي، فيما لو نجت هذه الاجتماعات من مصائر سابقاتها، كاختطافها وتحويلها إلى "رخصة سياسية"، أو كما يسميها الشارع السوري "دكاكين"، تشارك في زيادة شتات المعارضة، وتعميق خلافاتها وتأجيج نزاعاتها. حيث يغرق المشروع الوطني، ولا يصبح بالإمكان البناء فيه أو عليه.

==========================

ازدياد الاضطراب الإقليمي .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 18/3/2018

هناك تقديرات متفاوتة لأهمية العوامل المختلفة التي يمكن أن تقود للتفجير الكبير في منطقة الشرق الأوسط. فهناك من يعتبر أنّ التفجير الكبير يأتي في شهر مايو القادم، عندما يكون على الرئيس ترامب أن يتخذ قراراً أخيراً بشأن الاتفاق النووي الإيراني. وهناك من يذهب إلى أنّ عامل التفجير الأول سيكون بسبب زيادة الضغوط الإيرانية على حدود الكيان الصهيوني لجهة سوريا بعد لبنان. وقد قالت إسرائيل إنها لن تقبل بالأمر الواقع الذي تحاول إيران فرضه، ومن ذلك إقامة قواعد في جنوب سوريا. وهناك أخيراً من يقول إنّ التفجير سيأتي من التنافُس الروسي الأميركي على سوريا.

في مجال التنافُس فإنّ روسيا متقدمةُ على الولايات المتحدة لجهة المساحة التي تحتلها مع حلفائها، ولجهة الآليات السياسية والدبلوماسية التي أنتجتها ومنها أستانا وسوتشي. ثم إنها ما تزال تكسب على الأرض، لجهة الغوطة الشرقية، ولجهة تقدم حليفتها تركيا باتجاه عفرين.

إنما من جهة أُخرى فإنّ الولايات المتحدة، أمّنت مناطق واسعة في شرق وشمال شرق سوريا، تخضع لحلفائها الأكراد. ثم إنّ عندها قاعدة التنف، وقاعدتين أُخريين قرب الحدود الأردنية. وتضغط كلٌّ من فرنسا وأميركا على روسيا في الملف الإنساني بالغوطة، ومن أجل اتهام النظام باستخدام غاز الكلور مجددا. وقد كافحت روسيا إدانة النظام في مجلس الأمن بالفيتو، ما دفع الأميركيين والفرنسيين للتهديد بضرب قوات النظام، إذا ثبت استخدامها للكيماوي أخيراً. وأجابت روسيا بأنها ستردُّ إن حصل ذلك. ثم جاءت قبل أيام قضية الجاسوس الروسي السابق، الذي تتهم بريطانيا الاستخبارات الروسية بمحاولة اغتياله في إنجلترا مع ابنته. وقد طردت بريطانيا دبلوماسيين روساً، وردت روسيا بإجراء مماثل.

وفي الإمكانية الثانية لانفجار التوتر من خلال حرب إسرائيلية على الإيرانيين في سوريا، فإنّ الأسبوعين الأخيرين لم يشهدا غارات إسرائيلية. لكنّ الأردنيين دعوا أطراف "غرفة العمليات" من الدوليين للنظر في الأوضاع المتأزمة على حدودهم نتيجة التعرض الإيراني. على أنّ الصمت الإسرائيلي قد يكون له سببٌ آخر غير الضغط الروسي. وهو أنّ الولايات المتحدة هي التي تقود عمليات المواجهة مع إيران، سواء لجهة النووي أو لجهة تدخل طهران وميليشياتها في الدول العربية. إنما كيف ومتى تحصل هذه المواجهة على الأرض، فهذه أمورٌ ستكشفها الأسابيع والشهور القادمة، وهل يكون لإسرائيل دورٌ فيها أم لا.

وفيما يخص الملف الأول والأخطر؟ أي ملف الاتفاق النووي مع إيران، والذي يُهدّد ترامب بإلغائه، فالأوروبيون والروس والصينيون المشاركون في الاتفاق لا يريدون ذلك. وقد أمكن بالضغوط على ترامب تأجيل المسألة مرتين، ويُرجَّح أن يتخذ قراره في مايو القادم. ويعتقد المراقبون أنّ من بين أسباب ترامب وراء إقالته وزير خارجيته تيلرسون: الخلاف معه بشأن الاتفاق، والخلاف بشأن إعلان القدس عاصمةً لإسرائيل. وقد حاول الأوروبيون إيجاد حلول وسط مع طهران يمكن أن تخفّف من قلق ترامب، ومضى وزير الخارجية الفرنسي إلى طهران، وتحدث مع الإيرانيين عن الصواريخ الباليستية، وعن التدخل بالمنطقة العربية.. لكنهم رفضوا التنازل في المسألتين أو قبول التفاوُض!

لو حصل أن ألْغى ترامب الاتفاق من طرف واحد، فكيف يكون ردّ فعل إيران؟ هل تعود أولاً إلى التخصيب؟ وهل تزيد من تحركاتها بالمنطقة؟ وهل يغامر "حزب الله" بالحرب مع إسرائيل، أم تأتي الضغوط من جهة "حماس" التي ما عادت تملك الحرية نفسها بعد توثق علاقاتها بمصر؟

إنّ الاعتماد في منع الحرب يبقى على كاهلي كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة، والقنوات السرية بين عسكرييهما نشطة. فهل يشمل ذلك أيضاً منع الاشتباك المؤدي إلى الحرب؟

المشكلة أنّ التوتر الأميركي الروسي يتزايد على كل الجبهات وفي سائر المسائل، وقد تسمح الدولتان أو إحداهما لحليفها بتجربة حظه في الانتقام أو الردع.. ومعظَمُ النار من مستصغَر الشررِ!

==========================

سبع سنوات قاسية ولم يسترح السوريون بعد .. عبدالباسط سيدا

الحياة

الاحد 18/3/2018

كنا في زيارة إلى القاهرة ضمن وفد المجلس السوري، منتصف كانون الأول (ديسمبر) 2012، وفي لقاء مع الصحافة تزامن مع مرور تسعة أشهر على بداية الثورة السورية، قلت حيئذٍ في إجابتي عن أحد الأسئلة: ها قد مرت تسعة أشهر على الثورة السورية وهي ما زالت مستمرة. ولن تتوقف ما لم تحقق أهدفها حتى لو استمرت تسعين شهراً.

لم نكن نتوقع وقتها أن تستمر الثورة بالفعل كل هذه المدة، لأن المؤشرات في معظمها كانت بالنسبة لنا توحي بأن نهاية النظام باتت قريبة، وأن المجموعة الدولية الكبيرة التي أعلنت عن نفسها صديقة للشعب السوري كانت نشطة، وتصدر عن دولها الإعلانات المتكررة حول فقدان النظام للشرعية، وضرورة البحث في مستقبل السوريين من دون بشار الأسد.

لم نكن نتوقع، ولم نكن نتمنى بطبيعة الحال، أن تكون تضحيات السوريين بهذا الجحم الكارثي. فقد بات أكثر من نصف الشعب السوري مهجراً مشرداً، وأكثر من نصف البلد مدمراً. أما النصف الباقي من البشر والحجر فهو معطّل مثخن بالجراح، تنتظره أيام سوداء بفعل الأزمات والمشكلات الراهنة، وتلك المستقبلية التي ستكون.

كنا في ذلك الوقت مجموعة من المعارضين ممن التزموا أهداف الثورة السورية منذ اليوم الأول، وحاولوا بناء على خبراتهم وتجاربهم في المعارضة أن يساعدوا أبناء شعبهم، من باب الواجب، في التعبير عن أهدافهم في المحافل الدولية، وتثبيت عنوان واضح للثورة التي اندلعت بركاناً شعبياً ثائراً من دون قيادة، وبعيداً من المعارضة التقليدية التي ظلت مترددة حائرة، تضع قدماً هنا وأخرى هناك، في انتظار أن يتبين الخيط الأبيض من الأسود.

لم تكن لدينا خبرات ديبلوماسية واعلامية، ولم تكن لدينا معرفة واسعة تفصيلية بأحوال الدول وأساليب عملها. ولم نكن على اطلاع كافٍ على الخلافات الداخلية الصامتة ضمن مجموعات صديقة. ولم نكن نتوقع أن يصطف العديد من الدول العربية إلى جانب النظام، مع معرفتها الكاملة بأهمية وحيوية سورية في الاستراتيجية الإيرانية.

إضافة إلى ذلك، اعتقدنا أن الغرب قرر أخيراً أن يتصالح مع رواد نهضته، ومع تراث المصلحين والفلاسفة الانسانيين من أبنائه، وأنه سيرفع الغطاء عن الأنظمة المستبدة الفاسدة الفاشلة التي حولت مجتمعاتنا إلى مجرد كتل بشرية مستهلكة يائسة، تبحث عن الحلول الفردية عبر التكيف مع المزيد من الاستنزاف والإذلال، حتى بات الحديث عن أي مستقبل كريم نوعاً من الترف أو الأحلام المستحيلة. وإلى جانب كل هذا وذاك، لم نتوقع أن يكون مستوى الحقد الروسي على السوريين الثائرين على النظام قياسياً كما ظهر.

لكن الذي تبين لاحقاً هو أن الأمور كانت أعقد من قراءاتنا السطحية المتسرعة التفاؤلية، وأن الحسابات الواقعية هي من ماهية أخرى مغايرة تماماً للنزعات الرغبوية الطيبة.

كما تبين لنا أننا بتساهلنا مع الأخطاء الصغيرة الكثيرة، واعتمادنا العقلية الاتكالية، فسحنا المجال أمام تراكمات كميّة هائلة من الأخطاء التي أحدث منعطفات سلبية نوعية في مسيرة ممثلي الثورة السورية الذي تحوّلوا بين ليلة وضحاها إلى مجرد معارضة ضمن إطار الائتلاف الذي تشكّل أصلاً بناء على توافقات ورغبات الدول من مجموعة أصدقاء سورية، تلك المجموعة التي سرعان ما ظهر بأنها كانت مجرد حشد متعدد التوجهات والنوازع، حشد لم يصمد في مواجهة تصلب المحور الروسي- الإيراني الذي لم يتمكّن من تغيير الأولويات في سورية والمنطقة فحسب، بل كشف النقاب عن عمق الأزمة الشاملة، بوجهها الأخلاقي على وجه التحديد، التي تعاني منها أنظمة الديموقراطيات الغربية.

وتكاثرت المنصات، وتناسلت، بجهود من الدول التي دعمت النظام، ولجأت إلى تمزيق وحدة صف الممثلين السياسيين للثورة، حتى غاب مصطلح الثورة تماماً، وأصبح الجهد كله يدور حول كيف إيجاد صيغة لإبقاء النظام مع رتوش تزيينية لا تغير من جوهر قباحاته شيئاً

ثورة السوريين تنهي عامها السابع، وتقترب من شهرها التسعين، ومع هذا لا تبدو في الأفق معالم اي حلٍ قريب. فالدول الكبرى لم تتفق بعد، والنهج ما زال هو نفسه منذ البداية: إدارة الأزمة.

أما الدول الإقليمية، فهي تعمل من أجل تقوية نفوذها، وضمان إبعاد الأخطار المستقبلية المحتملة عنها. هذا في حين أن النظام العربي الرسمي بات مجرد اسم من دون أي يكون له وقع أو تأثير.

وبالتزامن مع الذكرى السنوية السابعة لثورتهم، يعيش السوريون على وقع معركتين أليمتين: معركة الغوطة ومعركة عفرين.

الأولى تهدد توازن القوى في محيط دمشق ومركزها، وتؤكد مدى توحش النظام ورعاته مقابل انعدام الحس الأخلاقي لدى ما يسمى بالمجتمع الدولي.

أما الثانية، معركة عفرين، فهي تهدّد بتفجير النسيج المجتمعي السوري من الداخل، وتؤكد أن كرد سورية باتوا ضحية المشاريع الإقليمية لحركات عابرة للحدود، ودول تستغلهم لتعزيز نفوذها، أو تتذرّع بالأخطار التي قد يشكلونها على أمنها.

ولكن في جميع الأحوال، فإن ما يجري في الغوطة وعفرين لا يخرج عن إطار اللوحة السورية الكاملة. فما جرى ويجري إنما هو استكمال لما كان في حمص وحلب ودرعا والشرق والشمال السوريين.

وعلى رغم كل ادعاءات معسكر النظام وتبجّحه، فإن العجلة السورية لن تعود إلى الوراء. وواهم من يعتقد أن الحسم العسكري لمصلحة النظام معناه انتهاء الثورة السورية، فهذه وجهة نظر لا تستند إلى أي أساس. فالنظام قبل الثورة كان يتحكّم بالمؤسستين العسكرية والأمنية بصورة كاملة، ويسيطر على مفاصل الدولة والمجتمع. وكانت له علاقات متشابكة مع المحيط العربي والجوار الإقليمي، وحتى على المستوى الدولي.

ولكن مع ذلك تمكن النشطاء من المدنيين العزل، من شباب الجامعات والمثقفين وأوساط مجتمعية واسعة من مختلف المكونات، من التحرك بقوة، وزلزلوا الأرض تحت أقدام الطغاة.

إن الحسم العسكري لن ينهي ثورة السوريين أو يقضي عليها، بل ينقلها إلى مرحلة أخرى، يستعيد فيها السوريون ثورتهم المدنية الوطنية، ولكن بإرادة أقوى، وأكثر مناعة، وخبرات مكتسبة متكاملة متنوعة لا تُضاهى.

==========================

كفّوا عن البكاء .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 17/3/2018

بعد سبعة أعوام من تجاهل عالمي ملحوظ ومتزايد لما يرتكب في بلادنا (سورية) من جرائم  روسية/ إيرانية / أسدية ضد شعبنا، لم تخرج معظم ردود أفعالنا إلى اليوم عن الميل إلى تحميل الآخرين المسؤولية عما يجري لنا، وغمرهم بالشتائم. لم تكن هذه السنوات السبع كافية لأن نفكر بأن علينا، نحن أنفسنا، مسؤولية ما عن هذا الذي وصلنا إليه.

إذا كان العالم لا يريد مساعدتنا أو تفهم قضيتنا العادلة، ألا نريد نحن مساعدة أنفسنا والانتصار لقضيتنا، أم أن دورنا يجب أن يقتصر على شتم الآخرين، والامتناع، في الوقت نفسه، عن القيام بواجبنا تجاه أنفسنا، باعتبارنا شعبا مرشحا للإبادة، أم أن موقفنا يجب أن يكون الوجه الآخر لموقف العالم منا؟ أليس من الأجدى التوقف عن شتم عالمٍ لا ينصفنا، والبدء بإنقاذ أنفسنا من محنة من الواضح أن ما اعتمدناه إلى اليوم من سياسات ومواقف لن يستطيع إخراجنا منها.

من المفهوم أن يتسلل اليأس إلى نفوسنا، بسبب موقف العالم منا، لكنه ليس مفهوما أن نسهم بتقصيرنا في تعميق يأسنا، وتحويله إلى إحباطٍ يسبق عادة العجز فالهزيمة، وما يترتب عليهما من تحول صراعنا ضد النظام إلى صراعاتٍ تدميرية بيننا، وفي صفوف شعبنا، تمعن في تمزيقنا أكثر مما نحن ممزقون، وتغرقنا في حالٍ من التخبط، لطالما قادت ثوراتٍ كبيرة كثورتنا إلى الفشل.

بدل الشكوى الدائمة من ظلم العالم وانحيازه إلى موتنا، أليس من واجبنا أخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار في حساباتنا، ومواجهتها بخطط مدروسة نبلورهاونطبقها أخيرا، سعيا إلى ترميم أوضاعنا ثم إصلاحها، ليس فقط لأن لها دورا لا يستهان به في ابتعاد العالم عنا، وإنما أيضا، وقبل كل شيء، لأن صمودنا اليوم وانتصارنا غدا رهنٌ بمبارحة واقعنا المريض، وإصلاح واقعنا بما يعيننا على إقناع الدول بأن مصالحها لن تكون محفوظة عندنا، إلا بقدر ما تكون حقوقنا مصونة عندها، وأن دورنا سيكون مقرّرا بالنسبة لتحديد هوية الفائزين والخاسرين في صراعٍ تتخطى نتائجه سورية والدول العربية والإقليمية إلى الدول الكبرى والعظمى، سيتوقف مستقبل العالم ومآل قواه على مخرجاته.

بعد سبعة أعوام من إدانة العالم، حان الوقت كي ندير ظهرنا لهذا النهج العبثي، ونلتفت إلى ما أهملناه دوما: وضعنا نحن: وضع قوانا السياسية والعسكرية، ووضع شعبنا في الداخل والخارج، ونمط ما اتخذناه من مواقف وبلورناه من رؤى وبرامج، لمواجهة ما مررنا ونمر به من تحديات، ووضع ممارساتنا والأساليب التي استخدمناها في معركتنا الشاقة من أجل حريتنا، وما قمنا به من تدابير، لكي لا يتقدم أعداؤنا علينا، ونجد أنفسنا محكومين بردود أفعال تترك لهم المبادرة والأعمال الاستباقية، وتجبرنا على انتهاج سياساتٍ لا يمكن أن يحترمها أحد، مفككة ولحاقية وجزئية، وتفتقر إلى الواقعية والانسجام، كما هو حال سياساتنا خلال سبعة أعوام مضت، لم نتعلم خلالها الكثير حول مسؤوليتنا نحن عن مصيرنا.

إذا كانت الدول تتخذ موقفا ظالما منا، فهل هذا سبب كافٍ لأن نتخذ نحن أيضا الموقف الظالم نفسه من شعبنا وثورتنا، ونظل أسرى علاقات مركزها الآخر وليس نحن، على الرغم من أننا نحن أصحاب قضيتنا، وليس هو أو أي أحد سوانا.

منذ نيف وستة أعوام، ونحن نندب حظنا، وندين ظلم العالم وتجاهله لنا. أما حان الوقت لكي نخرج من هذا المرض الذي جعل منا ندّابين بكائين، لا خير فيهم لقضيتهم العادلة التي تتعرّض على أيديهم هم بالذات لأفدح ظلم وتجاهل ينزل بها.

==========================

"النصرة" تخدم منظومة الاستبداد .. يحيى العريضي

العربي الجديد

السبت 17/3/2018

بنى نظام الأسد سلطته في حكم سورية على استراتيجية المواجهة القمعية التي لا تحتمل حواراً، أو تعاقداً طبيعياً مع المحكوم، إلا على أساس علاقة السيد بالرعية المطيعة المسبّحة بنعمة وفضل وتنزّه وتميّز حاكمها الذي يقترب من الألوهية، بما أُسبغَ عليه من قوة وجبروت. كان خروج المحكوم على الحاكم احتمالا معدوما؛ وكان ضرباً من الكفر، وربما أقسى. جاءت 2011، ولم تستقم مع النظام أن يقف وجهاً لوجه مع "مخاليق" ما اعترف يوماً بوجودها إلا لفظياً. كان لا بد من إيجاد الذرائع لسحق هذا اللامتوقع؛ فكانت فبركة " الإرهاب" و "المؤامرة" و"اليد الخارجية"، ومخططها في استهداف "قلعة الصمود والتصدي للعدو الأمرو – إسرائيلي".

على الرغم من مساهمات النظام في تكوين "داعش" وجبهة النصرة، كونهما شركتي قتل مساهمة، لم تبق قوة عالمية إلا ولها فيهما حصة؛ وعلى الرغم من وضوح العلاقة بينهما وبين النظام في أكثر من موقع وحادثة، ابتداءً من استخدامهما في إرهاب الأقليات؛ (حادثة احتجاز الراهبات في معلولا وبيعهن الذي لم يخف على أحد)؛ ونقل عناصرهم من غرب سورية إلى شرقها (وحجزهم جنودا لبنانيين والمصافقات التي تمت، والتي تسببت باعتقال مدنيين سوريين أبرياء)؛ واستخدامهما في فتح ثغرات لمليشيات إيران والنظام في مواقع مواجهة عديدة؛ وعلى الرغم من عمليات الاستلام والتسليم في مناطق أخرى، مثل تدمر ودير الزور والرقة، إلا أن الجهة التي كانت أكثر خطراً على الثورة السورية هي جبهة النصرة، ولأسباب عديدة:

ـ إذا كان هناك إجماع عالمي على محاربة "داعش"، حيث تشكّل تحالف دولي للقيام بالمهمة، إلا أن جبهة النصرة اعتُبرت مفرزاً سورياً داخلياً/ تحمل بنيته البشرية الهوية السورية، 

"الجهة التي كانت أكثر خطراً على الثورة السورية هي جبهة النصرة" وتركيز خطابها المُعلَن "محاربة منظومة الأسد"، أما المُضمٓر فكان تثبيت خطاب منظومة الأسد بأنها (النصرة) الإرهاب بعينه/ وما يفعله نظام الأسد هو فقط محاربة إرهابها الذي يستهدفه. وقد تجلى خطاب النصرة في مطابقته سردية النظام في مقابلتين أجراهما قائدها، أبو محمد الجولاني، مع "الجزيرة"، واحدة محجباً والثانية سفوراً، وردد في كليهما تماماً ما يريد النظام إسماعه للعالم بأنه "يحارب الإرهاب".

ـ الخدمة الجليلة الكبرى التي أسدتها جبهة النصرة للنظام كانت بتسلطها على فصائل الثورة السورية عبر اغتيال قادتها أو اعتقالهم، ومحاربتها، والاستيلاء على مقدراتها البشرية بالقوة العسكرية الغاشمة، وعبر الإغراءات المادية التي كانت تُضخ لها من مصادر خارجية.

ـ وثالثة الأثافي كانت التنسيق مع حلفاء النظام؛ إيران  وروسيا؛ فبخصوص اتفاق خفض التصعيد في إدلب، وهي إمارتها الموعودة، وهي المتصرف والآمر والناهي في منطقةٍ، يزيد سكانها عن ثلاثة ملايين أصيلين ومرحلين من مختلف المناطق السورية بعد اتفاقات "المصالحات" المهينة التي كانت تجريها السلطة وحُماتها الروس والإيرانيون؛ شعرت "النصرة" بأنها خارج كل الترتيبات، تلاحقها صفة الإرهاب التي أُسبغت عليها لحظة ولادتها لأغراضٍ تخدم سردية النظام. عندها، وبالاتفاق مع إيران، وبحكم تنصيب إيران نفسها ولية أمر كفريا والفوعا، ضمنت جبهة النصرة لإيران تخريب اتفاقية إدلب. وهنا، وقبل أن يجف حبر الاتفاق، هيأت الذريعة للنظام وإيران بافتعالها هجوماً على قواتهما؛ فكان القصف والتدمير لما يزيد عن الأسبوعين؛ وليتبع ذلك هجوم على إدلب جنوباً وشرقاً من مليشيات إيران والنظام، وبتغطية جوية روسية كادت أن تأتي على اتفاق خفض التصعيد في إدلب، وتتسبب بنزوح ما لا يقل عن ربع مليون سوري، وتدمير قراهم.

وهكذا تثبت جبهة النصرة للنظام ذريعته وسرديته الأساسية بأنه "يقاتل الإرهاب" الذي

"على السوريين لفظ هذا الوباء الذي لطخ ثورتهم ومقاوميهم" يستهدف سورية، وتبرر لروسيا وإيران بأنهما يدعمان نظاماً يستهدف الإرهاب "شرعيته"؛ وبوجودها تلغي أية شرعية شعبية سورية بمقاومة إجرام النظام واستبداده وغزو المحتلين الإيراني والروسي لسورية. كما أنها تشكل الشريك الأساس في تشريد السوريين ودمار بلدهم، وإضعاف التعاطف الدولي معهم؛ فيتساوى إجرامها وإجرام الاستبداد والاحتلال، وبذا تكون العامل الأساسي في إجهاض ثورة شعبٍ، وخسارة حياته ووطنه أمام الاستبداد والاحتلال.

ومن نشاطات هذا السرطان الذي حُقن في جسد الثورة السورية الانسحابات وترك الطريق فارغة أمام مليشيات النظام وإيران، لتستبيح عشرات القرى والبلدات في جنوب حلب وشرق إدلب، تاركة مقاومتهم لفصائل الجيش الحر، بعد أن كانت قد تفرغت، خلال العام الماضي، لمحاربته والتآمر عليه.

والآن وفِي غوطة دمشق الشرقية، تهيئ جبهة النصرة، التي لا يزيد عدد أفرادها عن عشرات، الذريعة لوحوش الأرض والفضاء الأسدي والايراني والروسي، للقتل والتدمير ولذبح أربعمائة ألف سوري.

يبقى أن يلفظ السوريون هذا الوباء الذي لطخ ثورتهم ومقاوميهم، وتسبب بتشويه صورتهم، ومكّن مليشيات الاستبداد والاحتلال من تشريدهم والسيطرة على بعض ما حرّروه. ولكن يبقى الجانب الإيجابي فيما حدث أخيرا انكشاف تلك الحالة التشويهية للثورة السورية ضحية الإرهاب وأذرعه.

==========================

سبع سنوات من المؤامرات الأسدية على سوريا .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 17/3/2018

بعد سبع سنوات على الثورة السورية، سأتفق بشكل كامل دون أي تردد مع النظام السوري ووسائل إعلامه وكل القوى المتحالفة معه بأن سوريا تعرضت لمؤامرة شيطانية كان هدفها تدمير سوريا، وتشريد شعبها والقضاء على دورها الاستراتيجي التاريخي في المنطقة. سأتفق أن المؤامرة استهدفت "قلب العروبة النابض" وخنق آخر رمق عروبي قومي في المنطقة العربية. لن أختلف معكم. أتفق معكم أن المطلوب هو الإجهاز على كل من يرفع شعاراً عروبياً يذكـّر العرب بهويتهم، ويريد أن يجمع شملهم تحت راية عربية واحدة. ماشي. سأتفق معكم أن المطلوب تدمير أي نظام عربي يحلم بأن يكون لديه قرار وطني مستقل حقيقي. ولن أختلف مع الرئيس السوري عندما قال في لقاء مع مسؤول كوري شمالي إن سوريا وكوريا الشمالية مستهدفتان من أمريكا لأنهما صاحبتا قرار وطني مستقل، وترفضان الهيمنة الامبريالية والصهيونية على العالم. ماشي يا سيادة الرئيس.

سأتفق مع حلف الممانعة والمقاومة، وسأبصم له بالعشرة أن رأس سوريا مطلوب لأنها العمود الرئيسي في حلف الصمود والتصدي لقوى الهيمنة والاستكبار العالمي. ماشي. سأتفق معكم مئة في المئة أن المطلوب من المؤامرة على سوريا ضرب الجيش السوري في الصميم وتفكيكه كونه أحد الجيوش العربية القليلة الباقية شوكة في خاصرة العدو الصهيوني إسرائيل. سأتفق معكم أنهم قضوا على الجيش العراقي، وقد جاء دور القضاء على الجيش السوري الباسل. ماشي.

لن أناقشكم بأن سوريا هي البلد العربي الوحيد الذي استطاع تأمين الأمن الغذائي والدوائي، فأمّن مخزوناً استراتيجياً من القمح لعشرات السنين، كما بنى مصانع أدوية عظيمة أمنت للسوريين الدواء، لا بل كانت تقوم بتصدير الفائض إلى الخارج. لن أختلف معكم في أن المطلوب كان القضاء على البنية الصناعية في سوريا، وخاصة في حلب التي كانت تحتض أهم المعامل في سوريا، وتنتج أعظم السلع والبضائع. لن أختلف أيضاً معكم بأن المؤامرة استهدفت الاقتصاد السوري الذي بدأ يتعافى بشكل رائع في العقد الأول من هذا القرن. إن قلتم إن سوريا تعرضت لمؤامرة، سأقول لكم، لا بل تعرضت لأبشع مؤامرة عرفها العرب خلال تاريخهم الحديث. ماذا تريدون أكثر من ذلك. نحن متفقون.

لكن دعوني الآن أسألكم: من الذي نفذ تلك المؤامرة الحقيرة على سوريا، ومن الذي وفر لها كل أسباب النجاح؟ من الذي قضى على دور سوريا في المنطقة، وحوّلها من لاعب إلى ملعب، أو حتى إلى ملعوب به؟ من الذي حوّل سوريا من فاعل إلى مفعول به؟ أليس الذي ورطها في صراع داخلي، وفتح كل الأبواب للقاصي والداني كي يدخل ويعبث بأمن سوريا، ويجعلها ساحة لتصفية حسابات دولية وإقليمية وعربية؟ البادئ دائماً أظلم. ومن بدأ اللعبة الخطيرة؟ إنه النظام الذي يشتكي الآن من المؤامرة.

من الذي جعل سوريا تابعاً ذليلاً الآن لقوى إقليمية كإيران ودولية كروسيا؟ من الذي جعل الجنرال الإيراني قاسم سليماني يظهر في الإعلام على أنه القائد الحقيقي لسوريا عسكرياً وسياسياً؟ من الذي جعل كل القرارات المصيرية بشأن سوريا تصدر من موسكو؟ من الذي جعل أصغر مسؤول إيراني يصرح بأن دمشق هي مربط خيلهم؟ من الذي جعل الإيرانيين والروس يتشدقون ليل نهار بأنه لولاهم لما صمد بشار الأسد ساعة واحدة؟ هل كنتم ستسمحون لإيران وروسيا بأن تتصرفا بهذه الطريقة لو كان لديكم فعلاً قرار وطني مستقل يا سيادة الرئيس؟ ستقولون الآن إن المؤامرة هي التي جعلت النظام يسلم مقاليد الأمور لإيران وروسيا. وطبعاً هذا كلام فارغ، فلو أنكم تصرفتم بحكمة في بداية الثورة، ولم يضحك عليكم الإيرانيون والروس ويدفعوا بكم لمواجهة الشعب بالحديد والنار لما أصبحتم الآن مجرد ألعوبة في أيدي بوتين وخامنئي. لماذا لم تقولوا لإيران التي قالت لكم إنها قادرة على القضاء على الثورة السورية كما قضت على الثورة الخضراء، لماذا لم تقولوا لها إننا لا نريد أن نفتح أبواب جهنم على سوريا؟ لماذا قبلتم معها بسحق الثورة بدل النزول عند مطالب الناس؟ هل كنتم ستجدون أنفسكم الآن لعبة في أيدي إيران لو أنكم لم تتركوا الأمور تنفلت من أيديكم بسبب حساباتكم الحمقاء؟ هل كنتم ستفقدون السيطرة على قراركم الوطني المستقل؟

رأس العروبة مطلوب في دمشق. صحيح. لكن من الذي جعل السوريين يكفرون بعروبتهم؟ أليس الذي لم يترك سلاحاً إلا واستخدمه ضدهم لمجرد أنهم طالبوا بقليل من أوكسجين الحرية؟ كيف تريدون من السوريين أن يفتخروا بهويتهم إذا سلطتم عليهم أبشع أنواع الوحوش العسكرية والأمنية؟ هل كان العالم ليعزلكم ويحاصركم ويطردكم من المنظمات العربية والدولية، ويحرم السوريين من أبسط المواد لو أنكم لم تجرموا بحق السوريين؟ هل كان الشعب السوري سيجد نفسه في بطون الحيتان والأسماك في عرض البحار لو أنكم لم تفضلوا الحل العسكري الأمني الإجرامي على الحل المدني منذ الأيام الأولى للثورة؟

لن نختلف معكم بأن سوريا كانت حاضنة لكل حركات المقاومة في المنطقة. ماشي. لكن من الذي دمر هذه الحاضنة الآن سوى طيشكم وعنجهيتكم؟

هل كنتم لتستعينوا بكل الميليشيات المرتزقة لو أن جيشكم مازال قادراً على مواجهة المؤامرة؟ من الذي أوصل الجيش السوري إلى هذا الحال البائس؟ المؤامرة أم سياستكم الرعناء؟ ترمون بجيشكم في قلب جهنم ثم تشتكون من المؤامرة. نعم فإن أعداء سوريا يريدون القضاء على الجيش السوري، لكن بربكم من يقود الجيش؟ ليس بإمكانكم أن تتهموا أمريكا وإسرائيل مباشرة هنا، فأمريكا لم تطلق ولا حتى وردة على جيشكم، لا بل هبت بطائراتها لنجدتكم في شرق وشمال سوريا عندما بدأت تهددكم داعش فعلياً. إذاً: لا تقولوا لنا إن أمريكا دمرت جيشكم كما فعلت في العراق.

لنتحدث أخيراً عن الدمار الهائل الذي جعل سوريا تبدو كمدن الحرب العالمية الثانية وربما أبشع. لقد تحولت المصانع والصوامع إلى حطام. لكن كل ذلك بفضل همجيتكم. لم تتركوا مصنعاً ولا مدرسة ولا جامعاً ولا صومعة إلا وأحرقتموها بحجة دخول الإرهابيين إليها. ثم تشتكون من تدمير سوريا ونهضتها واقتصادها. لن أختلف معكم أن العصابات المسلحة ساهمت في التدمير والتهجير. لكن هذا الدمار الهائل يحتاج إلى طائرات، وصواريخ عابرة للمدن، وجحافل دبابات، ومدرعات، ومدفعية ثقيلة جداً، وراجمات صواريخ، وسلاح كيماوي. وكل ذلك ليس متوفراً لدى الجماعات الإرهابية. ولو توفر بعضه، فبالتأكيد لن يكون قادراً على إحداث كل هذا الدمار الرهيب. ربما دمرت الجماعات الإرهابية عشرين في المئة، لكنكم أنتم دمرتم ثمانين في المئة من سوريا بهمجيتكم وسياسة الأرض المحروقة التي وضعتها لكم روسيا، لأن جيشكم هو الوحيد الذي يملك القوة التدميرية العسكرية الحقيقية. إذاً من المتآمر على تدمير سوريا؟ بالتأكيد أنتم وجيشكم. أو كي لا تزعلوا: من الذي نفذ المؤامرة الحقيرة؟ أنتم بالتأكيد يا من تشتكون ليل نهار من المؤامرة الكونية.

وأخيراً، حتى لو نجحت العصابات الإرهابية فعلاً في تهجير خمسة عشر مليون سوري وتدمير ثلاثة أرباع سوريا، فهذه وصمة عار في جبينكم وجبين جيشكم يا سيادة الرئيس، لأنها تعني شيئاً واحداً: أن النظام الذي يحكم سوريا نظام بائس تعيس فاشل لم ينجح في حماية سوريا وشعبها من هؤلاء الإرهابيين. وبالتالي هو المسؤول عن نجاح المؤامرة.

٭ كاتب واعلامي سوري

==========================

إلى طفل الغوطة  : لم يخذلوك، بل أسلموك ؟! .. شعر : يحيى حاج يحيى

لا ! و الذي فَطَرَ السما

 لم يخذُلوك

لكنهم ، لعَدوِّك النذلِ المُدجّج بالحقارةِ

أسلموكْ !

لم يخذلوك

و إنما صمَتوا ، و بعضُ الصمتِ كُفـرٌ

فيه ألفٌ مِنْ شُكوك؟!

لم يخذلوك

فبعضُهم يدعوكَ للصبر الجميلِ

كأنّ أمّكَ هاجَرٌ

و كأنّ أيّـوباً أبوك !

لم يخذلوك

فقد بَـنَـوْا قربَ الحدود مخيماتٍ

في الفلاة لـيـُـسكنوك!

لم يخذلوكَ

فقد علَتْ أصواتُـهم كالرعدِ

يهـدِرُ مُـنذرا

يا ليتهم برَذاذ ماءٍ أمطروك ؟!

لم يخذلوك

فقد أثاروا نخوةَ الدنيا

لِـما يجري عليكَ

ألا ترى الآلافَ مجتمعينَ

 بالخُطب البليغـةِ ، و البيانات الشديدةِ

أيّـدوك ؟!

هم في المجالس يدعمونك بالمديحِ

وفي النوادي بالقصائد و المنائحِ

و الفضائياتُ غاضبةٌ

تـبُثّ مسلسلاتٍ للذي تلقاهُ

مِمّن شرّدوك!

لم يخذلوك

و كيفَ ؟ و الإسلامُ يدعوهم بألّا يُسلموك

و رسولُـنا - أفدي الرسولَ - يحثّهم أن يَـنصروك ؟!

لم يخذلوك

فيا مهاجرُ كان في الشام الأبـيّةِ قلعةً

فيها بقايا عزّةٍ !

أرأيتَ أنصاراً بلُـقمةِ عـيـشِهم قد شاطروك؟

فلقد تَضيقُ الأرضُ بالأحرارِ

لكنْ قلبُ مَن آخاكَ

يبقى واسعا

بحراً على شطآنهِ

يأوي بنوك !!

و شفاهُ مَن واساكَ

تعلوها ابتساماتُ الوفا

نادتكَ : أهلاً بالحبيبِ و مرحباً

أناْ يوسفٌ .. أنا يوسفٌ

لا تبتئسْ !

إني أخوك 

========================

آذار وبحار الدم (الحلقة 49) .. الطليعة المقاتلة في اللاذقية .. محمد فاروق الإمام

كان الوضع في اللاذقية كما هو في حلب، حيث حاول الأخوة من تنظيم الطليعة المقاتلة في حماة إرسال بعض العناصر لتنشيط العمل في اللاذقية بالتعاون مع إخوة من المحافظة، إلا أن هذه الجهود أيضاً لم تكن تفي بالمطلوب وتعرضت للكشف والانهيار بسبب ضعف التنظيم هناك وقوة شوكة الطائفة العلوية في المحافظة.

الطليعة المقاتلة في حمص

أمّا في حمص فقد تهاوى العمل العسكري بشكل كاملٍ تماماً بعدما تمكنت السلطة من تجنيد عدد من الجواسيس في صفوف الإسلاميين، وقد أدت المواجهات والاعتقالات في صفوف الطليعيين إلى قتل العشرات واعتقال المئات منهم، كما وتم للسلطة كشف العديد من القواعد في المحافظة.

الطليعة المقاتلة في حماة

أمّا في حماة فبالرغم من أن الأوضاع والظروف الأمنية لم تكن بأحسن حالاً مما عليه بعض المحافظات الأخرى إلا أن تنظيم الطليعة كان يُبدي تماسكاً وصموداً كبيرين في وجه ما يجري حتى هذه الفترة، من هنا كانت محاولة المقاتلين في قيادة الطليعة لاستباق الأحداث والاستفادة من الإمكانات المتبقية لهم مع نهاية عام 1981 في كل من حماة وحلب ودمشق وبعض المحافظات الأخرى على قلتها، وذلك بتسخيرها للقيام بثورة شعبية تدعم انقلاباً عسكرياً في الجيش يقوده ضبّاطٌ إسلاميون في الجيش، إلا أنه ومع تزايد التوتر في الآونة الأخيرة من عام 1981 كانت الاتصالات بين هذه الفصائل قد انقطعت صلتها مع القيادة تماماً، وأخطر هذه الحالات كان اعتقال مراسل قيادة الطليعة المقاتلة بين حماة ودمشق كما مرَّ معنا وانقطاع الأخبار عن تنظيم دمشق نهائياً مع مطلع عام 1982 وبالتالي غياب التنسيق فيما بينهم .

وكذلك كان على القيادة في حماة أيضاً أن تجد حلاًّ لبضع عشراتٍ من الأخوة طلاّب جامعة حلب المحاصرين في مدينة حلب والذين انقطعت فيهم السبُل بعد انكشاف تنظيمهم هناك، وفعلاً وفي أواسط شهر كانون ثاني 1982 تمكن الأخوة من تهريب حوالي عشرين من الأخوة وإيصالهم إلى حماة وتوزيعهم على عدّة قواعدٍ فيها، بالإضافة إلى تمكن بعض الأخوة بجهودهم الخاصّة من مغادرة حلب ودخول حماة بشكل إفراديّ وجماعي.

يتبع

=======================

آذار وبحار الدم الحلقة (50) .. تقطع السبل بأفراد الطليعة .. محمد فاروق الإمام

أمّا في حماة نفسها فكان تنظيم الطليعة بكامله قيادة وعناصر يعانون معاناةٍ شديدة من ضغط السلطة الأمني على المدينة، فمسلسل الاشتباكات اليومية في شوارع المدينة، وانكشاف العديد من القواعد، واعتقال المئات من المقاتلين وذويهم لم ينقطع طوال كل الفترة الماضية، وحسب تقديرات القيادة بلغ عدد الشهداء من الطليعيين أكثر من مئة مقاتل وعدد المعتقلين تجاوز بضع مئات منهم، وأصبح تأزم الوضع وتعقيداته هاجساً يومياً للقيادة التي لم تعد ترى أيَّ فائدة من الانتظار، لأنه في الواقع كان الانتظار عملية موت بطيء وإفناءٌ لإمكانيات الطليعة في حماة وفي سورية ككل .

يقول أحدهم: (كان الأسى والحزن يعصف بنا ونحن نرى الأخوة يُستشهدون تباعاً، والقواعد تُدمر واحدة بعد أخرى، وأصبحنا لا نأمنُ على أنفسنا حتى من بزوغ شمس النهار أو حتى حلول ظلام الليل، وأصبح الأخوة في حالة دفاع عن النفس وبلا أي تحرك مدروسٍ، وهم في انتظار التعليمات الجديدة من القيادة والمتوقعة في أية لحظة. ولم يكن أحدٌ يعلم لماذا هذا التأخير وما هي أسبابه؟ أو حتى إن كان هناك مَنْ يريد أن يُعطِّل اتخاذ مثل هذا القرار " قرار المواجهة الشاملة مع النظام الطائفي")؟

بدأت الطليعة تشعر أكثر من أي وقت مضى بأن السلطة قد أعطت الصلاحيات المطلقة للجيش وسرايا الدفاع والوحدات الخاصة وللأجهزة الأمنية المختلفة وحتى للعملاء والجواسيس بتدمير المدينة وإبادة شعبها، وحتّمت عليهم الحالة والظروف هذه أن يتفقد كلٌّ منهم من يعرف من رفاقه يومياً، بل صاروا يتفقدون بعضهم صباحاً ومساءً خوفاً من أن يُعتقل أحدهم فيقعوا في مصيدة الأمن، خصوصاً بعدما حصل قدرٌ من الانفتاح أكثر من اللازم بين عناصر الطليعة بسبب التطورات السريعة والأوضاع المتأزمة التي كانت تعصِفُ بهم فلم يعد يتوقع أحد من أين سيأتيهم الخرق فقد أصبح كل شيء ممكناً ومتوقعاً.

وقد تبين لهم فيما بعد أنه كان هناك تضارباً في التوجهات لم يعرفوا أسبابها لدى قيادة الطليعة في الخارج حول تبني قرار إعلان الثورة في سورية رغم ما بين أيديهم من معطيات وأسباب قوية تجعلهم يتخذون قرار المواجهة بأسرع ما يمكن.

كانت الأمور في حماة ليست هادئة، بل على العكس كانت الأمور في حماة تغلي مثل المرجل والمواجهات على أشدها بين الطليعة والسلطة، إلا أن الفارق الوحيد بين الماضي والحاضر هو أنه في الماضي أي قبل سنة أو سنتين أو أكثر كان عناصر الطليعة هم الذين يحددون ضربتهم وأين وكيف ومتى، أما في النصف الثاني من عام 1981 أصبحوا في موقع الدفاع عن النفس في أغلب الأحوال تجاه ما يحدث.

يتبع

======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com