العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 25-02-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

إعادة خلط الأوراق في معركة عفرين .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 22/2/2018

إلى حين كتابة هذه السطور، لم تتضح الصورة بعد بشأن ما إذا كان "النظام" قد دخل منطقة عفرين أم ارتد على أعقابه بنتيجة قصف مدفعي تحذيري تعرض له قرب بلدة نبل. لكن ما هو مؤكد أن دخول النظام على خط هذه المعركة الجانبية سوف يعيد خلط الأوراق تماماً، بعدما كان الأمر مقتصراً على طرفين متصارعين، وفي الخلفية كامل لوحة الصراع الدولي متعدد الأطراف.

ولعل أول سؤال يخطر في البال، عند الحديث عن المساومات الدائرة، من وراء الكواليس، بشأن دخول قوات النظام الكيماوي إلى البلدة الكردية وريفها، هو: وهل يملك النظام قوات فائضة عن حاجته ليرسلها إلى عفرين؟ هذا إذا كان المقصود وحدات من الجيش النظامي، وهو ما يزعم الناطقون باسم قوات الحماية الكردية أنهم يقصدونه في "دعوتهم" له بحماية "السيادة الوطنية" المزعومة لسوريا.

الواقع أن الأنباء الغامضة تحدثت عن توجه "قوات شعبية" تابعة للنظام إلى عفرين، وهو ما يمكن أن يفسر على أن المقصود وحدات من الشبيحة المدنيين في إطار ما يسمى "جيش الدفاع الوطني" أو فصائل الأممية الشيعية التي تقاتل في سوريا تحت إمرة الإيراني قاسم سليماني. وقد تحدثت بعض التقارير فعلاً عن أن المسلحين الذين توجهوا إلى عفرين هم من "لواء الباقر" الشيعي المتمركز في بلدتي نبل والزهراء المواليتين لإيران.

معروف أن البلدتين المذكورتين عانتا، طوال سنوات، من حصار فصائل المعارضة المسلحة في الريف الشمالي لحلب، وكانت قوات حماية الشعب الكردية في عفرين قد فتحت خطاً لخرق ذلك الحصار. يمكن إذن اعتبار الحركة الجديدة بمثابة رد الدين من نبل والزهراء إلى عفرين. لكن قدوم قوات الباقر إلى عفرين يأتي في سياق أكثر تعقيداً من مجرد "رد الدين"، بسبب تداخل عوامل دولية متنافرة بمناسبة حرب غصن الزيتون التركية على المنطقة الكردية.

تسربت أنباء عن امتعاض موسكو من المفاوضات الجارية بين الوحدات الكردية والنظام، وعدم موافقتها على دخول قوات تابعة للأخير إلى عفرين، بما يعكر من صفاء التوافقات الروسية التركية بشأن الشمال الغربي من سوريا (عفرين وإدلب). ذلك أن الدخول المفترض للنظام سيضعه مباشرةً في مواجهة مع القوات التركية، الأمر الذي لا تريده أنقرة ولا موسكو.

أهي حركة إيرانية إذن، من نوع التناقضات الثانوية والموضعية التي حدثت في أكثر من مناسبة ومكان بين الحليفتين روسيا وإيران؟ أم أنها مجرد تسريبات كاذبة، وأن موسكو نفسها أرادت قلب الطاولة التي نصبت بين تركيا والإدارة الأمريكية مجدداً، بعد جفاء، بمناسبة زيارة وزير الخارجية الأمريكي تليرسون إلى أنقرة التي خرجت منها بيانات إيجابية بشأن نتائجها غير المعلنة؟ فقد دخل تليرسون مكان اللقاء بأردوغان وحده، لا يرافقه حتى مترجم أو سفير، بناء على طلب الجانب التركي، ولعب وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو بنفسه دور المترجم بين الرجلين. واكتفت الخارجية الأمريكية بإصدار بيان عن الزيارة يصف نتائجها بالبناءة.

من المحتمل إذن أن روسيا أرادت بإدخال جوكر النظام إلى اللعبة في عفرين، قطع الطريق أمام عودة تركيا إلى حلفائه التقليديين في واشنطن ودول الناتو. وهكذا كان أول فعل يقوم به الرئيس التركي، بعد انتشار التسريبات بشأن اتفاق وشيك بين وحدات الحماية والنظام، هو الاتصال بالرئيس الروسي. وكان مرتاحاً، بعد الاتصال، وهو يوجه باستهداف قافلة الميليشيات الشيعية بطلقات تحذيرية لمنع وصولها إلى عفرين، إلى درجة إعلان هذا الخبر من مقدونيا التي كان في زيارة رسمية إليها. كما أعلن مستشاره السياسي إبراهيم كالن أن "عملية غصن الزيتون مستمرة حتى تحقيق أهدافها".

ما الذي قد يتغير بعد خلط الأوراق هذا؟

كان لافتاً تصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف حين قال إن هواجس تركيا الأمنية يمكن تلبية متطلباتها بحوار مباشر بين تركيا و"سوريا" أي النظام السوري. هذا ما يضغط الروس بشأنه على القيادة التركية منذ بداية مسار سوتشي، بل إنه تم تسريب خبر، قبل حين، حول اتصال هاتفي مفترض بين أردوغان وبشار الكيماوي، من المحتمل أن الغاية منه تطبيع تحول تركي محتمل في هذا الاتجاه لدى الرأي العام.

فإذا لبت وحدات الحماية شروط النظام لدخول عفرين، أو قسم منها، يخرج جميع اللاعبين رابحين. سيكون بوسع النظام الكيماوي أن يقول إنه مد سيطرته و"سيادته" على مساحة جديدة من الأراضي السورية، فضلاً عن قطع الطريق أمام "المشروع الانفصالي الكردي"، وإيقاف تركيا عند حدها.

وسيكون بوسع وحدات الحماية أن تزعم أنها كسرت العدوان التركي وردته على أعقابه بفضل "حنكتها السياسية"، وأنقذت قواتها والمدنيين من مزيد من الخسائر.

وسيكون بوسع أردوغان أن يقول إن حملته العسكرية على عفرين قد حققت أهدافها في القضاء على سيطرة "الإرهابيين" على عفرين، وسلمت البلدة إلى "أصحابها الحقيقيين" على حد تعبيره في تصريحات سابقة، ويكون المقصود بهم قوات النظام الكيماوي.

ويكون الروسي الرابح الأكبر، فاحتفظ بتركيا حليفة له في سوريا، ولم يخسر وحدات الحماية بصورة كاملة لصالح الغريم الأمريكي في شرقي نهر الفرات.

أما الأمريكي، فهو يبحث عن صيغ "مبتكرة" يرضي فيها تركيا، بشأن منبج، من غير أن يخسر حليفه الكردي، ولا أحد يعرف هل ستتمكن واشنطن من هذا الابتكار.

منطقة عفرين التي كانت آمنة من الهجمات الجوية أو الحروب البرية، إلى ما قبل الغزو التركي، أصبح مصيرها الآن في المجهول، فوق القتلى المدنيين الذين راحوا ضحية معارك الشهر الماضي.

أما السوريون الذين جندتهم تركيا لتخوض بهم حربها على عفرين، فلعلهم الخاسر الأكبر من أي تسوية بشأن عفرين. فسوف تسحبهم تركيا كما زجت بهم في معركة لا مصلحة لهم فيها، وقتل من قتل منهم دون أن يحصي أحد أعدادهم.

٭ كاتب سوري

==========================

موقفنا : حول القرار الأممي 2401 بوقف النار الفوري في سورية .. ما بعد القرار على الأرض ظل كما قبله .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

25 / 2 / 2018

بعد سنوات متطاولة من الانفراد بالشعب السوري من قبل قوى دولية وإقليمية ، تقتله بكل أنواع الأسلحة ، وترتكب بحقه كل جرائم الحرب ، بدأً بما يجري في المعتقلات والسجون من انتهاكات ، وانتهاء بالمدن والبلدات المحاصرة ، التي تحولت هي الأخرى إلى معتقلات وسجون مفتوحة ، تمارس فيها على الهواء مباشرة كل الجرائم ضد الإنسانية ، وتخترق فيها كل حقوق الإنسان ، وينضم إلى القصف والقتل والاستهداف للمستشفيات والنقاط الطبية ، الحصار والتجويع والحرمان من الغذاء والدواء ؛ اتخذ مجلس الأمن مساء السبت 24 / 2 / 2018 قراره 2401 ، الذي ولد ولادة قيصرية عسيرة بعد سلسلة من الفيتوات الروسية التي ظلت خلال سنوات تعمل على محورين :

الأول : التغطية على الجريمة الدولية المتواطَئ عليها ضد الشعب السوري . وإعطاء ما يسمى بالمجتمع الدولي ( العذر المحل ) إزاء صمته على أفظع حرب إبادة طائفية يشهدها العالم في تاريخه الحديث .

ثم حماية القاتل المجرم ، وتمكينه ، للتستر خلفه في سعي الروس الجاد إلى احتلال سورية : استراتيجيا ، وسياسيا ، وثقافيا واقتصاديا ..

وبعد عياط ومياط ، ووسط مشادات وضغوطات دولية صاخبة ، وتحت ضغط المنظمات والمؤسسات الدولية ، مستندة إلى عشرات الصور للأطفال والمدنيين المردومين التي تهز قلوبا من حجر ؛ تم بالأمس اتخاذ القرار الأممي المذكور .

ولكن القرار الذي كثر النزاع حوله وعليه لم يتخذ إلا بعد أن أفرغه الروس من محتواه ، فولد ميتا لا قيمة ولا انعكاس إيجابي على أي صعيد . فالقرار الذي ينص على وقف النار ، وكشف الكربة عن المحاصرين ، مع الاحتفاظ بحق إطلاق النار على الإرهابيين وحصارهم وتجويعهم ، لا يعني الشعب السوريين ولا الأرض السورية !! فالإرهابيون حسب منطوق الإرهابي الأول في العالم بشار الأسد هم كل سورية قال له يوما اعتدل .

وربما لا يكون هذا الاختراق الروسي أسوأ ما في القرار ، لأن بشار الأسد وعصابته المارقة ، والذين يجب أن نظل نرفض تسميته ، بالنظام السوري ، لم يلتزم في أي لحظة بأي قرار أو قانون دولي ، كما لم يلتزم بأي لحظة بقيمة إنسانية أو شيمة أخلاقية.

لقد كان الأسوأ في القرار المفرغ من أي محتوى سياسي إيجابي ، أنه أعفى المجرم بوتين من الفيتو الثاني عشر على طريق إبادة السوريين . وتدمير بلادهم

هل تعتقدون : أن الروس قد خدعوا الأمريكان ولفيفهم في لعبة الدبلوماسية ؟! وأن الأمريكان حين قبلوا التعديلات الروسية ، كانوا لا يدركون مراميها وأبعادها ؟! وما سيبنى عليها ؟! هل تعتقدون أن الأمريكان ولفيفهم كانوا أغبياء إلى هذا الحد ، وأن الدب الروسي قد تفوق بالذكاء السياسي عليهم ؟!

أو تعتقدون : أن الأمريكيين كانوا شركاء ومتواطئين في حرب الإبادة على السوريين..

وأن كل الذي جرى في مجلس الأمن لم يكن أكثر من ضجيج ، يشبه ضجيج أصحاب القلوب الجريحة تضمهم وقفة احتجاجية أمام السفارات الروسية ، الصماء ..؟أ

ما بعد قرار مجلس الأمن على الأرض السورية ظل كما قبله ، فهل سيظل الذين طالما التحفوا عذر غياب قرار كما هو من قبل ، بلادة ولامبالاة وتواطؤ شرير مريب ..

والأبلغ من ذلك هل سيظل موقف القوى والهيئات السياسية التي تصدت لتمثيل الشعب السوري وثورته بعد القرار كما هو قبله ؟

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

================================

روسيا تسترد هيبتها بقتل السوريين .. غازي دحمان

العربي الجديد

الاربعاء 21/2/2018

من التنبيهات التي أرسلتها روسيا إلى إسرائيل في أعقاب غارات الأخيرة على مواقع قرب دمشق، تأكيدها أن هذا الفعل يضر بما أسمته موسكو تصفية الجيب الإسلامي شرق الغوطة، ما يوضح مخططاً روسياً لإنهاء عملية خفض التصعيد التي رعتها مع تركيا وإيران في أستانة بعد السيطرة على حلب. والواضح أن النية معقودة على إخراج الغوطة الشرقية وشمال حمص وجنوب حماة بالدرجة الأولى من قائمة خفض التصعيد، وهي مناطق ليس لها ظهير إقليمي، ولا طرف دولي ضامن. وبالنسبة لروسيا، تجاوزت الوقائع عملية أستانة، كما أن الأهداف التكتيكية التي جرى من أجلها إبرام اتفاق خفض التصعيد تحققت، وخصوصاً هدف تفريغ جزء كبير من المليشيات للمشاركة في معارك دير الزور، ولم يعد في شمال شرق سورية ما يستدعي بقاء مزيد من القوات، بعد أن تأكدت روسيا، بعد المذبحة التي تعرّضت لها قواتها والمليشيات المشتركة، أن أميركا جادة في حماية مناطقها ومستعدة للذهاب بعيداً، ولا داعي لإعادة اختبارها.

يضاف إلى ما سبق أن روسيا لم تعد معنيةً بالوقوف على خاطر المعارضة، بعد رفض الأخيرة الذهاب إلى مؤتمر سوتشي، وبعد فشل المؤتمر بالأصل، وإدراك روسيا أن هذا الباب أغلق نهائياً، ولم يعد ثمّة أهمية لعملية أستانة برمتها، خصوصاً وأن علاقاتها مع تركيا لن تتأثر، طالما سمحت لأنقرة بدور في إدلب، وبالتحرك تجاه عفرين. وبالتالي، هي لم تعد ملزمة تجاهها في مناطق أخرى. أما منطقة الجنوب فهي خارج اتفاقات أستانة، وتخضع لترتيبات وتفاهمات مشتركة مع الأردن وإسرائيل وأميركا.

غير أن السبب الأهم الذي يدفع روسيا إلى اتخاذ قرار السيطرة على الغوطة الشرقية وأرياف حمص وحماة، التعقيدات الجديدة التي ظهرت على المشهد السوري في الآونة الاخيرة، وما 

"مناطق خفض التصعيد معازل مرحلية، إلى حين التفرغ لاجتثاثها، وقد حان الوقت" اعتبرته موسكو استهتاراً بنفوذها وهيمنتها على سورية، وخصوصاً بعد إقدام إسرائيل على شن حرب مصغرة، شملت مساحة واسعة من سورية، واستهدفت خلالها أهدافاً استراتيجية، تتبع نظام الأسد والإيرانيين.

وكانت روسيا، قبل ذلك، قد تعرّضت، لجملةٍ من الصفعات المؤلمة، عبر تدمير عدد من طائراتها في قاعدة حميميم، وإسقاط فخر صناعاتها "سو 25" الجوية في ريف إدلب، وثالثة الأثافي مقتل وجرح المئات من المقاتلين الروس، وعلى يد القوات الأميركية في دير الزور، وهو ما وضع مقولة إن روسيا صاحبة الأمر في سورية موضع شك، أو على الأقل عكست هذه الحوادث مدى هشاشة الوضع الروسي في سورية، وبطلان مزاعم الانتصار التي بشر بها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، نهاية العام الماضي.

تدرك روسيا أن الطريقة التي صنعت بها إنجازها السوري تنطوي على ضعف وهشاشة خطيرتين، وهي ليست سوى توليفةٍ من تفاهماتٍ وتنازلاتٍ لأطراف إقليمية ودولية، وألعاب دهاء ضد قوى المعارضة السورية، المسلحة والسياسية، مع مزيج من أساليب حروب الإبادة وسياسات الأرض المحروقة التي أجرتها تحت ستار إعلامي، يدمج إدعاءات الحرب على الإرهاب ومحاولات إعادة الاستقرار لبلدٍ مزقته الحرب الأهلية، والوعد بتحقيق سلام متوازن، يرضي جميع الأطراف.

لكن، ومن أجل تمرير هذه التوليفة المتناقضة، اضطرت روسيا إلى الانخراط في تفاهماتٍ

"خيارات روسيا في التعديل تبدو منحصرةً في الاستقواء على المعارضة السورية" متناقضة ومتعاكسة، وتبدت هذه المسألة بوضوح في عدم قدرة موسكو على صياغة قواعد اشتباك صريحة وواضحة، جعلت الأطراف المتصارعة تمارس لعبة حافة الهاوية إلى أقصاها، من دون ضابط أو رقيب، وكانت النتيجة أن أغلب الأطراف مارست لعبة ابتزاز روسيا، ووضعت الأولوية لتحقيق مصالحها، ولم تستطع روسيا سوى ابتلاع الإهانات، ومحاولة لعب دور الساعي إلى تحقيق الأمن والاستقرار الإقليميين، والمتفهم لمصالح الجميع والمراعي هواجسهم. وبالطبع، باستثناء العرب الذين لم تهتم روسيا لمصالحهم الأمنية، بدليل أن الغوطة الشرقية وريف حمص كانت مصر ضامنتهما.

وعلى الرغم من كل ما فعلته روسيا، إلا أنها وجدت نفسها في وضعٍ لا يليق بالمكانة التي تتصوّرها عن نفسها، ولا بالوضع الذي تطرح نفسها من خلاله، بصفتها دولةً قابضةً على سورية، ومتحكمة بالتفاعلات في شرق البحر الأبيض المتوسط، والصانعة لتأثيرات ما بعد هذه المنطقة، فلا أحد من الدول المعنية احترم دعوتها إلى مؤتمر سوتشي، ولولا حضور المبعوث الأممي، دي ميستورا، لظهر كما لو أنه مؤتمر بعثي لأعضاء من الدرجة الثانية، كما أن أي طرفٍ لم يحترم خطوطها الحمراء في سورية، هل لروسيا أصلاً خطوط حمراء؟.

إلى ذلك، روسيا بصدد تعديل طريقة إدارتها الحرب السورية، وبما أن قدرتها على ضبط اللاعبين الآخرين منخفضة، وبالكاد تتوّسط بينهم في حال الاختلاف، إيران وإسرائيل، أو تحاول النفخ في النيران، كما في الخلاف الأميركي – التركي، فإن خياراتها في التعديل تبدو منحصرةً في الاستقواء على المعارضة السورية، وستحاول في المرحلة المقبلة إعادة صيانة هيبتها ومكانتها، باستخدام أقصى درجات العنف تجاه المعارضة السورية، وعبر استعادة السيطرة على مناطق جديدة، وتحديداً في الغوطة وأرياف حمص وحماة.

لكن لماذا الاستغراب والحرب في سورية ليست سوى صراع على النفوذ والحصص من جميع الأطراف، وهم جميعاً رحماء فيما بينهم وأشداء على السوريين، ثم إن روسيا لم تفعل شيئاً منذ تدخلها سوى القتل والحرق، وحتى اقتراحها المسمى مناطق خفض التصعيد لم يكن سوى إقامة معازل مرحلية، إلى حين التفرغ لاجتثاثها، وقد حان الوقت.

==========================

إلى عرب الغفلة!؟ من امرأة سورية تحت الأ نقاض !؟ .. يحيى حاج يحيى

يا إخوتي قد طال وقتُ الإ نتظار !

أوليس فيكم من يُلبي صرختي

وأنا أُقلّبُ فوق نار ْ ؟

فالقصف ُمجنونٌ يجيءُ لنا بأنواع الدمار  ؟!

أنا هاهنا مِن تحت أنقاضي أناديكم

وطفلي راحل ٌ

تغشاه آلامُ احتضار ْ

لم يبق في بيتي سرير ٌ أو جدار

لم تبق آنية ٌ لإنضاج الطعامِ !؟

أنا هنا 

أقتاتُ بعض  فُتاتكم !

وإذا وجدتُ الماء ، أين الماءُ ؟

أصبح طعمُه طعم المرار ؟ !

أنا هاهنا في قبري  المحصور ِ

لم أُبصـر - وحقّ الله - وجهاً للنهار

فعلام  يا أبناء  أمتنا نُضارْ ؟

وإلام نبقى ميتين ؟ فلا نزورُ ولا نُزارْ ؟!

نحن انتظرناكم هنا مُتفائلين

وما رأيناكم ! وملّ الانتظار ؟!

فمتى ؟ ومن منكم سيتّخِذُ القرار ؟!!!

===============================

كأنها حرب عالمية في سورية .. ماجد كيالي

الحياة

الاربعاء 21/2/2018

شهدت الأسابيع القليلة الماضية تصعيداً كبيراً في الصراع بين القوى الدولية والإقليمية المنخرطة في الصراع المحتدم في سورية، منذ سبعة أعوام، أو ما يمكن اعتباره بمثابة حرب عالمية مصغّرة على أراضيها، الأمر الذي ينذر إما بتصعيد عسكري كبير في هذا البلد، أو باحتمال أن يكون ذلك تسخيناً للتمهيد لفرض حلّ ما، وثمة احتمال ثالث مفاده الاستمرار بالاستراتيجية المتبعة، أي الحفاظ على ديمومة الصراع بين الأطراف المعنية.

هكذا سمعنا فجأة عن غارة لطائرات موجّهة (من دون طيار) على مطار حميميم (31/1)، دمرت سبع طائرات عسكرية روسية، ومستودع ذخيرة، من دون أن يعلن طرف محدّد مسؤوليته عن ذلك، بل إن الأمر تكرّر، بعد أيام قليلة، بإسقاط طائرة حربية روسية، في ريف إدلب (3/2)، لكن هذه المرة بواسطة صاروخ محمول مضاد للطائرات، لم يعرف أحد مصدره أو مصدر إطلاقه! لم يتوقّف الوضع عند هذا الحد، بالنسبة لروسيا، إذ قامت طائرة عسكرية أميركية، بدون طيار (11/2)، بتدمير دبابة روسية الصنع، شرق دير الزور، قيل إن طاقمها كان من الروس (المرتزقة) في سورية، أي بنفي اعتبارهم من الجيش الروسي، وذلك في ثاني ضربة دفاعية ضد قوات موالية للحكومة السورية خلال أقل من أسبوع. والمشكلة أن كل ذلك أتى بعد جملة ضربات وجّهت إلى روسيا على خلفية عقدها مؤتمر "سوتشي" (أواخر الشهر الماضي)، إذ تم تحجيم طموحاتها من هذا المؤتمر، الذي تحول إلى مجرد مهرجان، وباتت قراراته مجرد توصيات، سيما مع كشف الغطاء الدولي عنه، والتأكيد أن مسار جنيف التفاوضي والقرار 2254 هما مرجعية الحل السوري.

وفي ما يخصّ حصّة إيران في الصراع الدائر، فقد حاولت قوات ميليشياوية مرتبطة بها شنّ هجوم واسع على مواقع لـ "قوات سورية الديموقراطية"، على الضفة الشرقية لنهر الفرات في ريف دير الزور الشمالي الشرقي (8/2)، إلا أن طائرات قوات التحالف صدّت هذا الهجوم ونتج عنها مصرع ما يزيد عن مئة من أفراد تلك الميليشيات، في حادثة غاية في الأهمية، لم يتم تسليط الأضواء عليها بما يتناسب مع حجمها أو معناها. ويمكن أن نقدّر معنى ذلك، بالنسبة لإيران، على ضوء أن قواتها، الموجودة في سورية، حاولت بعد ذلك بيومين (10/2) الاحتكاك بإسرائيل، من خلال إرسال طائرة موّجّهة من دون طيار، لاختراق أجوائها، إذ جاء ردّها سريعاً وقوياً، ليس فقط بإسقاط تلك الطائرة، وإنما بإرسال ثماني طائرات حربية للإغارة على أهداف عسكرية في سورية عدة، منها مطارين عسكريين (تيفور، قرب تدمر، والمزة، في دمشق)، وثلاث قواعد للدفاعات الجوية، ومواقع عسكرية مهمة في ريفي دمشق ودرعا. وقد نتج عن هذه الغارة إسقاط طائرة إسرائيلية، تعرضت لهجومات صاروخية، في سابقة فريدة من نوعها، من نظام تعود على التعايش مع الغارات من دون أي رد، بدعوى أنه سيرد في المكان والزمان الملائمين، والتي باتت مدعاة للسخرة والتندر. على ذلك من الواضح أن نظام إيران بات يجد نفسه في مكان صعب، بعد تدخّل روسيا العسكري المباشر في الصراع السوري، إذ باتت هي التي تمسك الملف السوري على حسابه، في حين أن الولايات المتحدة باتت تطالب بإخراج القوات الإيرانية وميليشياتها من سورية، وإغلاق "الكرادور" بين طهران ولبنان، مروراً بسورية والعراق، إضافة إلى أن الولايات المتحدة تضيق عليها بالحصار وبمراجعة ملف الاتفاق النووي.

أما عن الحصّة الإسرائيلية في الصراع السوري، فقد دأبت إسرائيل طوال الأعوام السبعة الماضية على إبعاد الصراع المسلح عن حدودها، وهو ما توج أخيراً باتفاقية وقف التصعيد، التي عقدتها الولايات المتحدة مع روسيا وإيران، من فوق مسار "آستانة"، الذي يجمع روسيا وإيران وتركيا؛ هذا أولاً. ثانياً، التوصل إلى تفاهمات ثنائية مع روسيا لاستبعاد أي تواجد لقوات إيرانية أو حليفة لها قرب حدودها، ما يفسر علاقات التنسيق العالية بين الطرفين، والزيارات المتكررة لرئيس حكومتها إلى روسيا للقاء بوتين. ثالثاً، كالعادة فإن إسرائيل لا تكتف بالتأكد من الحفاظ على مصالحها عبر حلفائها، وإنما تقوم بذلك بنفسها، الأمر الذي ترجمته بشن عشرات الغارات على مواقع عسكرية، وسط وجنوب سورية، وضمن ذلك على مواقع لقوات إيرانية ولمليشيات تتبع لها، لا سيما حزب الله، كما على مستودعات وقوافل تسلح، من دون أن تلقى أي رد، باستثناء الرد المحدود والدفاعي مؤخراً. رابعاً، ظلت إسرائيل طوال السنوات الماضية تظهر نوعاً من النأي بالنفس عما يجري، لكنها كانت تؤكد دوما على حصتها في تقرير مستقبل سورية، بما يتلاءم مع رؤيتها لأمنها ومصالحها، أسوة بغيرها، مع تبنيها استراتيجية أخرى تتأسس على عبارة: "دع العرب ينتحرون"، إذ تعتبر أن خراب سورية والمشرق العربي سيعود عليها بالفائدة لعقود.

في شأن تركيا وحصّتها تبدو هذه الدولة في وضع صعب، إذ علاقاتها مع الولايات المتحدة، وهي حليفها الطبيعي، ليست على ما يرام، في حين أن تحالفها الاضطراري، مع روسيا أو إيران، لا يتأسس على تفاهمات ثابتة أو دائمة، إذا استثنينا العلاقات الاقتصادية، فثمة هنا تباين في الأجندة والدور. كما أن تركيا تجد نفسها بعد اتفاقات وقف التصعيد كأنها خاسرة، لذا ربما تعوض عن ذلك في جعل منطقة ادلب بمثابة منطقة نفوذ لها، لكن هنا ثمة مشكلتان، الأولى، جبهة النصرة، المصنفة كمنظمة ارهابية، ومنطقة عفرين حيث يسيطر البي ي دي، الذي تراه امتدادا لحزب ب ك ك الكردي (التركي) الذي تصنفه كمنظمة إرهابية، لذا فهي تشن حربها الخاصة في عفرين، من دون أفق سياسي أو عسكري، في هذه الظروف المضطربة.

في الغضون، يجدر بنا أن نذكر أن احتدام الصراع العسكري جاء بعد احتدام الأجندات السياسية لحل الصراع السوري، فمقابل مؤتمر سوتشي (الروسي) أعلنت الولايات المتحدة منتصف الشهر الماضي استراتيجيتها للحل، ودعمتها بما أسمته "اللاورقة"، التي توافقت عليها مع فرنسا وبريطانيا وألمانيا والأردن والسعودية (ويحتمل أن تنضم دول أخرى إليها)، وقوامها تعزيز التدخل السياسي والديبلوماسي والعسكري في الصراع السوري (للولايات المتحدة ثماني قواعد عسكرية شرق الفرات)، وفرض حل يتأسس على تغيير النظام، بتغيير قواعد اللعبة التفاوضية العقيمة، بصوغ دستور يتأسس على تقليص صلاحيات الرئيس، والفصل بين السلطات، وإقامة نظام برلماني، وتداول السلطة وضمان حقوق المواطنين وإعادة بناء الجيش والأجهزة الأمنتية وإجراء انتخابات، وفقاً لمعايير وضمانات دولية.

الفكرة، ربما، أن التوكيل الروسي انتهى، وأن المهمة الإيرانية في تخريب المشرق العربي انتهت، وأنه آن الأوان لفعل شيء آخر، وهو ما يفترض معرفته في قادم هذه الأيام الساخنة.

كاتب فلسطيني - سوري

==========================

معركة المصير السوري .. برهان غليون

العربي الجديد

الاثنين 19/2/2018

1

معركة المصير السوري

مرّت الأزمة السورية، أي الثورة وما ارتبط بها من تدخلات ونزاعات محلية وإقليمية ودولية، بثلاث مراحل رئيسية. كانت الأولى المرحلة البطولية التي رمى فيها الشباب السوريون أنفسهم في معركة غير متوازنة أبدا مع نظام مدجج بالسلاح، ومدعوم بقوة من حلفائه، وموضع إجماع دولي على بقائه، حتى لو كان لدى دول كثيرة اعتراضات مختلفة على سياساته الداخلية والخارجية. وكان الطابع الرئيسي لهذه المرحلة الاحتجاجات السلمية في كل المدن والقرى، للتعبير عن إرادة مشتركة، عابرة للطوائف والطبقات والقوميات، لتغيير النظام المستشرس، واستبداله بنظام ديمقراطي، يحترم حقوق الناس وحكم القانون ومصالح الأغلبية الاجتماعية. وقد أجهز على هذه المرحلة السلمية بتعميم حمامات الدم التي شاركت فيها قوى النظام العسكرية والأمنية بمشورة حلفائه من اللبنانيين والإيرانيين وخبرتهم. وكان من نتيجة ذلك بداية انطلاق العمل لتسلح الثورة، دفاعا عن النفس أولا، ولعدم ترك النشطاء والمدنيين الأبرياء يصطادون في بيوتهم وشوارعهم من دون ثمن.

والمرحلة الثانية هي التي استعاد فيها النظام المبادرة، وانتقل فيها باستخدام العنف من عمليات القمع الدموي واسعة النطاق إلى الحرب الشاملة المنظمة، فأعاد تنظيم قواته، وتعزيز المواقع والقواعد العسكرية الرئيسية في المدن والمطارات، قبل أن يخوض مستخدما جميع ما يملكه من سلاح، بمساعدة الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني والمليشيات الطائفية العراقية والأفغانية والباكستانية، حرب استرداد طويلة لاستعادة ما خسره من الأراضي والمواقع. وفي إطار هذه الحرب الشاملة التي أعلنها على الثورة، أطلق النظام وحلفاؤه أيضا من السجون العناصر الجهادية الإسلامية التي كان يحتفظ بها للاستخدامات السياسية، وسمحوا لمنظمات متطرّفة، كانت حليفة لهم في العراق، باحتلال مواقع استراتيجية، والاستحواذ على مخازن أسلحةٍ تركوها لهم في معارك وهمية ومسرحية، وجعلوا من هذه المنظمات الإرهابية قوى رديفة، تعمل من وراء خطوط الثوار. وبالفعل، وقعت فصائل المعارضة بين فكي كماشة المتطرفين والقوى الإيرانية والسورية الحليفة، وخسرت خلال عامي 2014 و 2015 معظم الأراضي التي كانت قد حرّرتها. لكن النظام وحلفاءه لم ينجحوا مع ذلك في الإجهاز على الثورة. واستمرت الفصائل تخوض معارك مقاومة على مختلف الجبهات، أولا بسبب اتساع القاعدة الاجتماعية التي ترتكز عليها الثورة، وثانيا لتهافت منظومة النظام الهجومية، بما في ذلك المليشيات الأجنبية.

حصل، خلال تلك المرحلة، تبدل في الرأي العام الدولي، بما في ذلك في صفوف الدول 

"تغيرت خارطة العلاقات والتحالفات على الأرض السورية، وبدأت ترتسم خطوط تماس وصدام لم تكن منظورة من قبل" الصديقة للمعارضة، بموازاة تنامي المظاهر الدينية للثورة، أو تقدم القيادات الإسلامية صفوف عديد من فصائلها وتغيير أسمائها. وحصل ما يشبه الاجماع الدولي على عدم التورّط في تقويض أركان النظام، في الوقت الذي بدأ الشك يدب في الأوساط الدولية في وجود بديل للنظام من غير القوى الإسلامية. ولذلك لم يلق تدخل موسكو الواسع الذي زجّ سلاح الطيران الروسي، منذ 2015، لإنقاذ النظام من خطر الانهيار، أي اعتراض من أحد، خصوصا من الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا. بل ربما نظرت جميع الأطراف الدولية إليه مناسبة للابتعاد عن مخاطر التورّط في حربٍ ليست مضمونة النتائج، وتكليف موسكو بالمهمة الصعبة لإيجاد حل للنزاع، أو على الأقل لإدارته، ريثما تتبلور المواقف بشكل أفضل. وبدل معارضته، أو وضع العصي في عجلاته، تعاونت الدول الغربية التي وقفت إلى هذا الحد أو ذاك ضد الأسد، معه، واستمرت في دعم الجهود الروسية للتسوية المتوهمة، على الرغم من إصرار روسيا حتى اليوم على تعطيل أي إجراء أو قرار في مجلس الأمن، يهدف إلى الضغط على الأسد، وحثه على التعاون للتوصل إلى حل. وشيئا فشيئا، انتقل محور اهتمام الدول الغربية من المسألة الأساسية المتعلقة بالانتقال السياسي، وبمصير سورية إلى مسألة الحرب ضد المنظمات المتطرّفة التي اتسعت رقعة سيطرتها على حساب الجيش الحر بسرعة لافتة، ونجحت خلال أقل من سنة في مد نفوذها على جزء كبير من الشرق السوري. وقد دفع اتخاذ الصراع هذا المنحى إلى مزيد من التفاهم الروسي الإيراني الغربي، والتعاون الجماعي، لمواجهة الإرهاب الدولي بالتأكيد، لكن أيضا للتسليم لموسكو بملف التسوية السياسية السورية.

وبينما كانت المرحلة الأولى للثورة الأكثر ملاءمةً للمعارضة، حيث نجح المجلس الوطني الذي شكلته في أكتوبر/ تشرين الأول في استقطاب قطاعات الرأي العام السوري الواسعة، كما نجح في انتزاع التأييد والاعتراف الدوليين ممثلا للشعب السوري، يمكن القول إن المرحلة الثانية التي سيطر عليها الطابع العسكري القوي، وفي ما بعد الإسلاموي، كانت أسوأ المراحل التي مرت على الثورة بكل تشكيلاتها. فقد شهدت تراجع سيطرة المعارضة على الأرض، وانحسار نفوذها السياسي معا، وتخلي داعميها الرئيسيين، من العرب والأجانب، الفعلي عنها، أو بالأحرى التخلي عن دعم المشروع الذي كانت تمثله وتدعو إليه، وهو الانتقال نحو نظام سياسي ينهي حكم الأسد ونظامه، وتركيز جهودها على مكافحة الإرهاب من جهة، وتشجيع موسكو على دفع الأطراف السورية للتوصل إلى حل بأي ثمن، حتى مع بقاء الأسد في الحكم فترة معينة من جهة ثانية.

 

(2)

في المقابل، يشهد هذا التفاهم الأميركي الروسي تراجعا ملموسا في الأشهر الأخيرة، بعد 

"كان لا بد للصراع والتنافس بين الدول الخمس الرئيسية المنخرطة في الأزمة السورية أن يتفجر من جديد" انحسار الموجة الداعشية، ونجاح المحور الروسي الإيراني السوري في احتواء قوى الثورة الشعبية، ولجم تقدمها. وكان فشل مؤتمر سوتشي الذي أراد له الروس أن يكون خاتمة جهودهم لقطف ثمار إدارة الأزمة السورية لصالحهم، ولصالح حلفائهم في طهران ودمشق، ثمرة هذا التراجع، والدليل الواضح عليه. فقد أدى القضاء على "داعش" وتراجع خطر سقوط النظام السوري ومؤسساته الأمنية التي كانت شريكة لأجهزة الأمن الغربية، والأميركية بشكل خاص، في مكافحة التطرّف والإرهاب، حتى لو أن الجميع يعرف أنها كانت أيضا من صانعيه ومستهلكيه، إلى إيجاد وضع جديد، وتدشين مرحلة ثالثة من مراحل الثورة/ الأزمة السورية، تتميز أولا باستنفاد التفاهم الذي حصل بين المعسكرين الإقليميين/ الدوليين المتواجهين على الأرض السورية، بقيادة واشنطن وموسكو، وعودة التوتر والنزاع بين جميع الأطراف.

فبعد احتواء قوى الثورة المسلحة والسياسية، ووضع حد لخطر سقوط "الدولة/ النظام"، لم يعد هناك حاجة للتعاون الدولي كما حصل في المرحلة السابقة، كما أن إخفاق موسكو في إنجاز تسوية سياسية أوكلت لها جميع الأطراف مهمة تحقيقها، بسبب ارتهانها لمصالحها ومصالح حلفائها الإيرانيين، وتطرفها في تأييد الأسد، وتجاهل التطلعات الشعبية، واستهتارها بها وبالمعارضة، واستمرار تدهور الأوضاع الإنسانية الخطير، تغيرت خارطة العلاقات والتحالفات على الأرض السورية، وبدأت ترتسم خطوط تماس وصدام لم تكن منظورة من قبل. باختصار، أعلن فشل السياسة الروسية في سوتشي تغير محور الصراع وأهدافه. فلم يعد خطر الانتصار هو المحرّك للعلاقات الدولية على الأرض السورية، وما ارتبط بذلك من صرف النظر عن همجية الأسد وبقائه في السلطة، وإنما الصراع على إعادة تشكيل سورية بعد الحرب، وتقاسم مناطق النفوذ وتعيين الأدوار الفاعلة فيها. وما كان ممكنا الاستمرار في هذه الحالة في التغطية على تناقضات المصالح، وتجميد النزاعات، كما حصل في المرحلة الثانية. وكان لا بد للصراع والتنافس بين الدول الخمس الرئيسية المنخرطة في الأزمة السورية أن يتفجر من جديد، وتبرز هشاشة التفاهم الذي حصل بينها خلال السنتين الماضيتين، وحتى إلى حد كبير خلال المرحلة الأولى للثورة. وتبدو واشنطن التي كانت حريصة على إعلان عدم رغبتها في التورّط في الأزمة السورية، تؤكد حضورها العسكري والسياسي معا، سواء من خلال قواعدها العسكرية المباشرة التي أقامتها على مناطق الشرق والشمال الشرقي السوري، أو من خلال تزايد دعمها القوات المحلية التي تستند إليها، الكردية ومنذ فترة العربية التي تنوي تعزيزها أيضا، ورغبتها في البقاء حتى تحقيق الانتقال السياسي في سورية. وبالمثل، بعد أن غضت إسرائيل النظر كليا عن التدخل الإيراني العسكري الواسع، أصبحت تطالب علنا اليوم بخروج المليشيات الإيرانية، حتى أصبحنا في نظر بعضهم على أعتاب حرب إيرانية إسرائيلية على الأراضي السورية. أما تركيا التي ترددت كثيرا في التدخل في السنوات الست الماضية، فلم تعد تخفي عزمها التدخل، وإقامة قواعد ثابتة لقواتها في الشمال السوري من منطلق الحفاظ على أمنها، بينما تكاد روسيا تخسر تماما الموقع المتفرد الذي أعطي لها، لتقود عملية التسوية السياسية، وتتحول إلى قوة من القوى المتنازعة على فرض منطقة نفوذٍ لها، والقتال ربما من أجلها في المستقبل.

كما يحصل في عالم الجريمة، وما حصل ويحصل في سورية هو جريمة كبرى، شاركت فيها قوى دولية عديدة لتحقيق مصالح خاصة، لا يبدأ النزاع بين أعضائها ومجموعاتها خلال العمل لاقتناص الغنيمة، وإنما بعد اغتنامها. ومنذ الآن، انفتحت معركة الصراع على سورية بين الدول التي شاركت في النزاع، وشاركت في عملية اغتيال ثورة السوريين وتلك التي راهنت على نجاحها أو ركبت قطارها.

أعطى اندلاع الصراع من جديد بين هذه القوى انطباعا قويا لدى سوريين كثيرين أحبط طول العزل والتهميش والغربة عن قضيتهم عزيمتهم، ويئسوا من التوصل إلى حلٍّ ينهي الحرب 

"يتحول الحلم التركي بسورية إلى كابوس انبعاث حركة التمرد القومي الكردية بعد محاولات مريرة لدفنها" الدموية التي يعيشونها منذ سنوات أن تغيراً إيجابياً مهما يجري الآن لصالح عدوة قضتهم إلى الواجهة. وأصبح كثيرون منهم يراهن على التحولات الحاصلة في مواقف بعض الدول، وعودة بعضها عن سياساتها العدائية أو السلبية تجاه الثورة وقضية الشعب السوري، بما في ذلك إسرائيل. وفي اعتقادي، ليس لهذا التغير الذي حصل حتى الآن علاقة بمحنة الشعب السوري، أو بتحقيق تطلعاته المشروعة، لكنه مرتبط بصراعات القوى الدولية على سورية وفيها. وهو يهدف من طرف التكتل الغربي إلى منع الروس والإيرانيين أساسا من السيطرة الثنائية على الدولة السورية وإبعاد الغربيين عنها أو تهميشهم فيها، كما همش الغربيون من قبل المصالح الروسية في العراق وليبيا واليمن. وسيبقى تأثير هذه التحولات على الصراع السوري الداخلي عرضيا ومحدودا، ما لم نغير نحن أنفسنا من خططنا ومناهج عملنا، ونُعد تعريف أهدافنا ومصالحنا، ونصنع القوى السياسية والعسكرية التي تستطيع أن تحمل قضية السوريين وتقاتل من أجلها. بل إن هناك خطرا كبيرا في هذه المرحلة في أن تستغل هذه الدول، وهذا ما بدأته بالفعل، تدهور أوضاع السوريين المعيشية، وفقدانهم السيطرة على مصيرهم، وغياب القيادة الوطنية التي توجه عملهم، وتوحد صفوفهم على طريق تحرير البلاد من الاحتلالات الأجنبية، ورفع أنقاض نظام الاستبداد، من أجل تجنيد قسم كبير منهم لخدمة أغراضها، وتطبيق جدول أعمالها الخاص، بعد أن أهملتهم وتخلت عنهم، عندما كانوا يقاتلون من أجل قضيتهم. وفي هذه الحالة، سيكون لتغيير مواقف بعض الدول، وتفاقم النزاعات في ما بينها، لضمان ما تسميها مصالحها القومية في سورية، سواء تقاطعت مع مصالح جزئية لنا أم لا، أثارا سلبية خطيرة، بمقدار ما سوف تعمل على إعادة إنتاج النزاعات الدولية من داخل المجتمع والشعب السوريين نفسيهما، وربما تحويلنا مرتزقةً في صفوف جيوشها. وربما شهدنا نشوء إمارات رسمية أو فعلية بعدد الدول الإقليمية والدولية المتدخلة في شؤوننا، ولن يقتصر الأمر على ما شهده عرب الشمال من انقسام بين مناذرة وغساسنة على خطوط التماس، والنزاع بين أكبر إمبراطوريتين شهدتهما المنطقة لحقبة قبل الإسلام، البيزنطية والفارسية.

 

(3)

والخلاصة، لم ينته النزاع على سورية وفيها بعد، لكنه ينحو اليوم أكثر فأكثر إلى أن يتحول

"لا يوجد رابحون محتملون، وإنما خسارات متبادلة" إلى صراع على رسم الدول الخمس الرئيسية مستقبل سورية، بعد أن كان صراعا سياسيا من أجل تغيير نظام الحكم، وتكريس سيادة السوريين على أنفسهم ووطنهم. يريد الروس أن يجعلوا من سورية برهانا على قدرتهم العسكرية، وأهليتهم السياسية، لحل النزاعات الدولية، لكنهم بقوا أسرى نموذج حسم نزاع الشيشان، ومثال غروزني التي سحقت قبل أن يعاد إعمارها تحت إشرافهم وبعنايتهم ولصالحهم. ويطمح الأميركيون في تحويل سورية أو قسم منها إلى قاعدة لنفوذ دائم ومتحرّر من أي قيود في موقع استراتيجي بامتياز في قلب الشرق الأوسط. أما الإسرائيليون فهم يمنّون النفس بأن يحولوا سورية، بعد أن هشمت أضلاعها، إلى ما يشبه المملكة الهاشمية، أي إلى حزام أمان وفراغ استراتيجي يفصلها عن إيران وتركيا، وشريط حدودي لحماية مستوطناتها الشمالية، فيما يتحول الحلم التركي بسورية سوقا مفتوحة، وجسرا للعبور إلى أسواق الخليج، إلى كابوس انبعاث حركة التمرد القومي الكردية بعد محاولات مريرة لدفنها. أما الإيرانيون فلا يزالون مصرّين على أن سورية هي المحافظة الـ 35 للجمهورية الإسلامية وواسطة العقد في إمبرطوريتها الصاعدة، وخط الدفاع الأول عن أمنها القومي.

لا أحد يستطيع أن يتنبأ بعد بالوجهة التي سيتخذها تطور الأوضاع، والطريقة التي ستحسم بها النزاعات بين مشاريع متعارضة معدة لسورية، لا يمكن أن يحصل أي توفيق بينها. وليس من الواضح كيف سيتحقق اقتسام المصالح والنفوذ بين الدول المتنازعة على وراثة المملكة الأسدية، بعد لجم شعبها وتحييده، ولا في ما إذا كانت هناك إمكانية للتفاهم والتسوية بين هذه الأطراف على حساب السوريين، وضد مصلحتهم في عودة سورية حرة ومستقلة وسيدة. لكن الأكيد أن الصراع سوف يستمر، وأن أحدا لا يستطيع أن يقول أو يدّعي، كما فعل بوتين ومن قبله الأسد أنه انتصر. وعلى الأغلب، في الخريطة الراهنة لتوزيع أوراق اللعب، لا يوجد رابحون محتملون، وإنما خسارات متبادلة، بانتظار أن يحسم السوريون أمرهم، ويوحدوا صفوفهم، ويتجاوزوا الانقسامات والشروخ التي أحدثها فيهم نظام الاستبداد الوحشي، ويعودوا إلى ساحة المواجهة من جديد، لاستعادة بلدهم ووطنهم. وهذا هو التحدي الذي ينبغي أن يرد عليه سياسيون ومثقفون وقانونيون في الأزمنة الصعبة المقبلة، وأعني به تحدي الانتقال من القبيلة إلى الشعب والأمة.

==========================

سورية.. حضور أميركا وغيابها .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 19/2/2018

تتوافق المخاوف الأميركية مع المعارضة السورية، بما يتعلق "بخطورة الوضع الراهن، وما يمكن أن تؤدي إليه عرقلة العملية السياسية"، حسب بيان الهيئة العليا للمفاوضات لقوى الثورة والمعارضة السورية، الصادر يوم 14 فبراير/ شباط الجاري، إثر لقاء جمع وفداً من الهيئة بوزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية، ريكس تيلرسون، في عمّان، على الرغم من أن تلك المخاوف نابعةٌ من موقف العجز الذي تمر به المعارضة السورية، أشمام قوى التصارع الدولية على سورية، وفيها، وقدرة هذه الدول على التحكّم بمآلات تصعيد التوتر داخل الأراضي السورية، والتلاعب بمسار المفاوضات، سواء المتعلقة بوقف إطلاق النار، أو التي تحرف المسار السياسي من مكانته الأممية إلى الرعاية الثلاثية (روسيا، إيران، تركيا)، كما كانت المحاولة التي تمت في مؤتمر سوتشي، إلا أن المخاوف الأميركية لا يمكن أن تنبع من المكانة نفسها غير القادرة على تحريك العملية السياسية، والحد من مستوى العنف في سورية، إلا إذا كانت أميركا تريد أن تأخذ دور المتفرج والرابح في النهاية.

يتميز الحضور الأميركي في سورية والعراق بأنه كالحاضر الغائب، ففي حين يستوجب وجود قوة عظمى في المنطقة حفظ السلام والأمن الدوليين، حسب دورها العالمي، فإن كلا البلدين اللذين "ينعمان" بالوجود الأميركي، قوة عسكرية متفاعلة، يعيشان حالةً من الفوضى، والحروب المتعدّدة الأطراف التي تقع الولايات المتحدة طرفا متحاربا فيها، بدل أن تكون حامية للاستقرار، وعامل ضمان لمنع التمدّد الإيراني الذي تتكاثف التصريحات الأميركية بشأن

"الولايات المتحدة مارست سياسة إغراق كل الأطراف في مستنقع الحرب، لإعادة توزيع الأدوار من داخل الصراع" محاربته، وإرغام إيران على الانكفاء داخل حدودها، ما يثير الشبهات في ما يتعلق بمصداقية تلك التصريحات التي لا تقترن على الأرض بأي حراكٍ فاعل، يهدد المصالح الإيرانية، باستثناء التصريحات والتلميحات التي لا تثمر في المعارك عن أي انتصارات، ولم تأت بأي تفاهماتٍ دوليةٍ، تعيدها إلى داخل حدودها، بعيدا عن العواصم العربية الأربع التي تمارس عبرها التدخل في منظومة الحكم فيها، من بغداد إلى بيروت ودمشق وصنعاء.

وعندما تأخذ الإدارة الأميركية دور الحاضر في الشأن السوري تميز بين حضورها العسكري لمشروعها الخاص بها في الشمال السوري، تحت غطاء الوجود الكردي، ودعمها له في حربها على "داعش"، وبين غيابها التام عما يحدث في مناطق مختلفة من سورية، مثل ريفي دمشق وإدلب، وحتى عفرين الواقعة تحت سيطرة حلفائها من الكرد، فبين حضورها في الشمال، وتمتعها بكامل حصانتها التي تدافع عنها، تارة، متصدّرة قواتها التي يزيد تعدادها المعلن عن ألفي جندي أميركي المشهد، وتارة أخرى، مختبئة بعباءة التحالف الدولي ضد الإرهاب، بينما تترك المناطق الساخنة تشتعل بنيران القوات الروسية والإيرانية، إضافة إلى التدخل التركي، أخيرا، والذي يمكن تسميته حالة تعميم الغرق لكل الجهات الضامنة لخفض التصعيد الموقع في العاصمة الكازاخستانية أستانة، مكتفية بطلب ضبط النفس، أو التنديد بما ينتجه ذلك التصعيد من مآسٍ إنسانية في مناطق التخفيض.

من الملاحظ أن الولايات المتحدة مارست سياسة إغراق كل الأطراف في مستنقع الحرب، لإعادة توزيع الأدوار من داخل الصراع، وليس من خارجه، فالوجود الكردي في منبج وعفرين كان بمثابة التهديد الذي تعلم الإدارة الأميركية أن تركيا لن تصمت تجاهه طويلاً، وهي أمام خيار القبول به من باب الرضوخ للإرادة الأميركية، متعاليةً على جراحها، أو خيار المواجهة (الذي اختارته) لتغيير قواعد اللعبة مع واشنطن، والدخول في حربٍ مع كرد سورية تحت غطاء الحفاظ على أمنها القومي، وحماية حدودها من أطماع حزب العمال الكردستاني التي تصنفه "إرهابيا"، على الرغم من أن مغالطات كثيرة بنيت عليها هذه الحرب، ونتج عنها خسائر في البشر والبنية التحتية، والأهم من هذا وذاك ما نتج من خلط الأوراق بين القضيتين، الكردية السورية والتركية الكردية، والتعاطي مع الأمر من منظور اللحظة الراهنة، من دون النظر إلى أبعاد هذه الحرب، في ظل إشراك فصائل سورية معارضة إلى جانب القوات التركية، في مواجهة القوات الكردية التي معظمها من السوريين.

تتمسّك تركيا بفرض خريطة جديدة لتوزيع قواتها داخل الأراضي السورية، ومنها نقاط سيطرة لها في عفرين ومنبج وإدلب شرق السكة والريف الحلبي. وفي المقابل، يستوجب ذلك عليها تفاهمات مع روسيا وإيران، تسمح من خلالها لكل من الدولتين ممارسة أقصى حدود العنف، لفرض سيطرتهم على ما تبقى من خارطة أستانة، لإعادة الاعتبار إلى هذا المسار، بعد انهيار تخفيض التوتر، الذي تمهد له كل من الدول الثلاث الضامنة "برفع مستوى التصعيد" الذي تشهده سورية، ويعد من أسوأ المراحل العنفية التي مرت عليها خلال سنوات الحرب. وبذلك تتجاهل تركيا ما ينتج عن التصعيد من مجازر، وخسائر في صفوف المعارضة التي تقف تركيا في المحافل الدولية داعمة لهم، على نقيض موقف كل من إيران وروسيا الداعمتين للنظام السوري.

ويستجلب هذا التقاسم على النفوذ في سورية أشرس المعارك في أنحاء مختلفة من الغوطة الشرقية وإدلب وعفرين، ضمن عملية مواجهة مشتركة بين ثلاثي أستانة، لمواجه الرغبة الأميركية بالشراكة مع فرنسا وبريطانيا، المتمسكة بمسار مفاوضات جنيف، ضمن قواعد تفاوضية جديدة، مهدت لها "اللاورقة" التي نتجت عن اجتماع باريس (24/1)، وأسست لمفهوم جديد في العملية الانتقالية، يبدأ من تغييراتٍ في شكل الحكم ونظامه في سورية، وصولا إلى إقامة نظام حكم لامركزي، تمهد من خلاله الإدارة الأميركية تثبيت حضورها الدائم في الإقليم الشمالي الذي يعد المنطقة الاستراتيجية اقتصادياً وجغرافياً وسكانياً، ما يعني أن

"في المحصلة لا يمكن اعتبار الأدوار الأميركية قوة مجهولة التأثير في المعادلة السورية" السوريين يواجهون مشروعين متضادين بالتبني الدولي، وبالآن نفسه، يلتقيان في خانة تقاسم النفوذ أحدهما (الروسي، التركي، الإيراني) يريدون سورية النظام مع امتيازات وجودهم الدائم. والمشروع الآخر يريد سورية جديدة مع حفظ حقوق الأقاليم بإدارتها نفسها، ضمن ما يمكن تسميتها فيدرالية خاصة، وأيضاً يبرّر هذا الشكل من الحكم الوجود الأميركي الذي لم تحدد الإدارة نهاية له.

فمن الوجود الأميركي العسكري الفعلي في الشمال، إلى شبه الصمت عما يحدث في الريف الدمشقي ووسط البلاد، إلى الحماية المطلقة للحدود "الإسرائيلية"، تتوزع الأدوار الأميركية بين الحضور والغياب، لكنها في المحصلة لا يمكن اعتبارها قوة مجهولة التأثير في المعادلة السورية، وإنما هي الطرف الذي على المعارضة السورية البناء على حضوره وغيابه، بما يتناسب والمشروع الوطني، لسحب الورقة الكردية منه، ضمن تفاهماتٍ للبحث عن حل عادل لها، وقطع الطريق على حربٍ شرسةٍ تخوضها تركيا في عفرين، بصياغة حل سوري - سوري يعالج مخاوف تركيا من جهة، ويبني على الوعود الأميركية في إقامة دولة سورية الديمقراطية، من دون أن يكون لأي مكون فيها ميزة التسلح بقوة خارجية.

==========================

الاستراتيجية التركية في سوريا في ميزان الواقعية السياسية .. ميسرة بكور

القدس العربي

الاثنين 19/2/2018

كنا على الدوام نمتلك الجرأة الكافية لانتقاد سياسات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في ما يتعلق باستراتيجيتة الخاصة بالتعامل مع الملف السوري.

وامتلكنا المصداقية نفسها في انتقاد الفصائل المسلحة والجيش الحر عندما يرتكبون الأخطاء ولم يكن الهدف من الانتقاد تسجيل موقف فحسب، بل كنا انتقادنا لهذه الأطراف بهدف تعديل السياسات واتخاذ استراتيجيات بديلة بهدف تقليل الخسائر وتجنيب المدنيين ويلات المبادرات الخاطئة وتلك التي لا تصب في صالح ثورة الشعب السوري.

واليوم بكل جرأة وحزم نمتلك الإرادة الصادقة لكي نقول بكل وضوح نرفض أي استراتيجية تركية روسية أو صفقات تكون على حساب الثورة السورية ونرفض بعزيمة لا تلين ما يقال أو يُتداول حول صفقة ربما عقدت بالخفاء تدور حول تسليم مناطق في إدلب وريف حماة الشمالي لتنظيم الأسد مقابل تواجد تركي في عفرين السورية. أو ما يتناقله ناشطون حولة صفقة عقدت بهذا الخصوص في الأستانة ضمن الرعاية التركية، ونتساءل بصوت مرتفع عن المكاسب الحقيقية إن وجدت لنقل مقاتلين من إدلب للمشاركة في معركة "غصن الزيتون" بالرعاية التركية بينما قوات تنظيم الأسد تشن هجوماً متوحشا في مناطق إدلب وتسيطر على مزيد من الأراضي المحررة.؟

فلا يعتقد أحدكم أو يتوهم أننا ننساق كل الإنسياق خلف سياسة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ولسنا ممن يضعون كل البيض في سلة واحدة، ربما بعضكم اضطلع على انتقاداتنا الشديدة للاستراتيجية التركية المتراخية في كثير من الأحيان وفي كثير من الجبهات. ونتفهم دوافعها لذلك لكن الأمر لم يكن مريحا لنا رغم تفهمنا لملابسات تلك السياسة.

كنا على الدوام نطالب تركيا بسرعة التحرك وعدم انتظار الآخرين الذين حاولوا توريطهم في مستنقع أسموه "الأزمة السورية" وطالبنا تركيا أن تكون صاحبة الفعل ولا تنتظر أفعال الآخرين لتقوم بردة فعل ربما تكون متآخرة وذات كلفة عالية.

هذا ما رأيناه في مناسبات عديدة حيث كان بإمكان الحكومة التركية في عام 2012 و2013 لو تصرفت بحزم أو بشكل منفرد أن تحسم الأمر في سوريا لصالح الثورة وتفرض سياسة الأمر الواقع، كما فعلت أمريكا من خلال محاولتها لفرض تنظيم حزب العمال الإرهابي بمختلف مسمياته وتشعباته كأمر واقع في سوريا. وهو ما وضع تركيا في هذا الموقف الحرج الذي دفع بشكل متأخر جدا لحسم الموقف على الشريط الحدوي.

وتتطلب منا مصداقيتنا مع أنفسنا ومع ثورتنا حين تقوم تركيا بعمل جيد وردة فعل متوازنة وحاسمة أن نصفق لها وأن ندعمها في هذا النحو ونقول لقد اتخذت القرار الصائب.

لكن ستظل أعيننا على الميدان تراقب الموقف عن كثب، وستكون انتقاداتنا جادة وحادة تجاه التراخي والانسياق خلف روسيا وعملية تأهيل الأسد في سوتشي.

مع تفهمنا الكامل لطبيعة المرحلة والانعطافة التي تمر بها ثورتنا السورية وحجم الضغوطات التي تواجهها تركيا من قبل حليفها الأمريكي وتملص حلف الناتو من اتخاذ مواقف حقيقية ملموسة لضرورة دعم تركيا في دفاعها عن أمنها القومي وفي وجه المخاطر والتحديات التي تواجهها من قبل المجموعات والمنظمات الإرهابية "حزب العمال ومشتقاته" والتي للأسف مدعومة من أمريكا.

قد نتفهم الواقعية السياسية التي دفعت تركيا للتوجه نحو موسكو في هذه المرحلة بسبب الدعم الأمريكي للعصابات الإرهابية وعدم دعمها للمشروع التركي في اقامة مناطق آمنة أو حظر طيران فوق مناطق سورية، وتجاهل الحلفاء في الناتو دعم تركيا إلا من بعض تصريحات متفهمة للرغبة التركية، ففي فبراير (شباط) 2016، قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل: في الوضع الحالي، سيكون من المفيد أن يكون هناك مثل هذه المنطقة، حيث لا يسمح لأي من الطرفين المتحاربين شن هجمات جوية.

ومحاولة توريط تركيا في مواجهة مع روسيا خاصة بعد اسقاط مقاتلة روسية من قبل سلاح الجو التركي.

حيث أظهرت تلك الحادثة حقيقة حلف الناتو واستراتيجيته تجاه الحليف التركي، ويمكن اضافة أسباب أخرى على سبيل المثال ما قيل حول تورط أمريكا في التخطيط للانقلاب على الحكومة التركية الذي أفشله الشعب التركي بوعيه، وكذلك رفض أمريكا تسليم "عبدالله غولن" لتركيا.

نتفهم كل هذه العوامل لكن ثمة حقيقة أخرى يجب أن توضع على طاولة الحقيقة، أن تركيا كانت مترددة في سوريا وتنتظر أفعال ودعم الآخرين ولم تكن فاعلة وصاحبة الفعل وفرض الأمر الواقع وكانت لديها مقومات فعل ذلك في الأعوام الأولى للثورة، لكنها فضلت الترقب وكانت لديها حسابات أخرى وهي التي أوصلتها لواقع اليوم.

بكل مصداقية نقول إن المخاوف التركية المشروعة من الانفصاليين" حزب العمال وتفرعاته" وتأثير ذلك على الأمن القومي التركي، وتخاذل الحلفاء بدعم أمن تركيا وإصرار أمريكا الاعتماد على تلك المنظمة ودعمها بالمال والسلاح واعتبارها حليفة لأمريكا شأنها في ذلك شأن الدولة التركية بما يشكل استخفافاً واضحا بتركيا وحكومتها، كان الدافع الرئيسي للقيام بعمل عسكري "غصن الزيتون" بالتعاون مع الجيش السوري الحر، لتحرير عفرين والقضاء على بؤرة الإرهاب وبذور الشقاق والنفاق والتقسيم الذي فرضته تلك العصبة المارقة في سوريا والذي ستكون له انعكاسات مباشرة على الأقليم والجغرافية التركية.

حيث سيثور أنصار حزب العمال في تركيا ويطالبون بالانفصال والانضمام إلى الدولة الوليدة وينطبق هذا الأمر على إيران والعراق.

حيث سينتفض الشعوبيون الانفصاليون ويطالبون بالانفصال عن إيران لذا تلاقت المصالح التركية الإيرانية في هذا الجانب وشكلا تحالفا كان من نتائجه وأد الحركة الانفصالية شمال العراق في مهدها.

تلك هي السياسة وحرب المصالح فالسياسة مصالح قد تتلاقى أو تتباعد ولسوء حظنا تلاقت المصالح الإيرانية التركية الروسية.

إن القرار الذي اتخذته الحكومة التركية بالتعاون مع الجيش السوري الوطني الحر، بشن عمليات في منطقة عفرين العربية السورية بهدف تطهيرها من عصابات حزب العمال الكردستاني.

كان القرار الصائب والصحيح والذي طال انتظاره من قبل السوريين الأحرار وأبناء المنطقة "عفرين" الذين يتعرضون للاعتقال والتجنيد الإجباري في صفوف تلك الفئة المارقة المنفلتة من عقال القيم والأخلاق الإنسانية، وتدعي أن تلك المنطقة العزيزة من سوريا هي جزء مما يزعمون أنه كردستانهم الوهمية وتلك الفئة المارقة مازالت تتحالف مع تنظيم الأسد والقوات الأمريكية.

تستغل العصابات الإرهابية مجريات الأحداث في سوريا من أجل تحقيق أطماعها الشعوبية الانفصالية في سوريا وهذا ما لايمكن القبول به سوريا وهو يشكل خنجرا في خاصرة الأمن القومي التركي.

وفي هذا المقام نقول إن لتركيا كامل الحق في التدخل لحماية أمنها القومي والجميع يعلم كم هي الأضرار التي تسببت بها عصابات حزب العمال الكردستاني ومشتقاته في سوريا لتركيا ولثورة الشعب السوري.

وفي الحديث عن المطامع التركية في سوريا، فقد أعلن الرئيس التركي في أكثر من مناسبة انه ليس لتركيا أي مطامع في الأراضي السورية وغيرها ونصدقه في هذا.

وفيما يخص اجتماع مجلس الأمن الدولي لبحث الوضع في سوريا الذي طالبت به فرنسا، كنا سنرحب به في حال كان من أجل بحث وقف أعمال القتل والتدمير الحاصلة في سوريا من قبل الروس والإيرانيين والأمريكان الذين دمروا مدنا بكاملها.

وكنا نرجو أن توضع كل هذه الأمور على طاولة البحث وأن لا يكون موضوع عفرين هو البند الرئيسي على طاولة النقاش، فهذا من وجهة نظرنا انحياز واضح للفكر المتطرف والانفصاليين الذين يزعزعون أمن وسلامة ووحدة الأراضي السورية والتركية والعراقية.

ونعتقد أن انحياز مجلس الأمن ومنظومة المجتمع الدولي للمتطرفين الانفصاليين هو دعم للفكر الإرهابي التخريبي، كما حصل في عين العرب السورية حيث استنفر العالم كله لدعم الأكراد في الوقت الذي كان فيه الشعب السوري يتعرض للإبادة الشاملة بالأسلحة الكيميائية على يد تنظيم الأسد وإيران وبتوافق روسي كامل.

مازال البعض عن حمق ووقاحة شديدين يحاول تلبيس عملية غصن الزيتون انها موجههة ضد الشعوب الكردية.

وهذا كلام كاذب بالجملة، لسبب واحد أن رئيس وزراء تركيا الحالي بن علي يلدرم أو بينالي يلدريم، هو من أصول كردية فكيف له أن يشن حربا ضد أبناء جنسه، وهو الذي قال حين تكون المسألة الوطن لن نستأذن احدا.

بينما الحقيقة تقول إن تنظيم حزب العمال الإرهابي بمختلف مسمياته هو المستهدف بالعملية، وهو تنظيم متعدد الجنسيات ويضم في صفوفه على الأقل عشر جنسيات.

فقد أعلنت فرقة من المقاتلين الأجانب، بقيادة المقاتل الصيني هوانغ لي، الذي يحمل الجنسية البريطانية، انضمامها للقتال إلى جانب "الوحدات الكردية" في مدينة عفرين السورية.

وكان مسؤول في "ميليشيا قسد" صرَّح بأن متطوعين أمريكيين وبريطانيين وألمان، متواجدون الآن في منطقة عفرين للمشاركة في التصدي للهجوم التركي.

كاتب وباحث سوري

==========================

موقفنا : إذا كان ما نراه هو الحل السياسي ، فكيف يكون الحل العسكري إذن !!؟ .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

23 / 2 / 2018

منذ انطلاقة الثورة المباركة في سورية في شهر 3 / 2011 ، والنداء بالحل السياسي على كل لسان ، يتوافق عليه الأمريكي مع الروسي ، والأوربي مع الصيني ، والعربي مع العجمي .

سبع سنوات خلت والحل العسكري في سورية ماض في طريقه ، ومع كل خطوة على طريق الحل العسكري المعتمد ؛يتنادى شركاء الجريمة ليرشوا على الموت بعض السكر بالحديث عن الحل السياسي المنشود. في كل مرة عودا على بدأ .

وللذين يحبون دائما جلد ( الضحية ) ، ولومها وتأثيمها ، يجب أن لا نمل نحن أيضا من القول : إن الثورة السورية انطلقت سلمية ، وحافظت على سلميتها ما يقرب من العام . وما كان حمل السلاح ، حين حُمل ، إلا في إطار الدفاع عن النفس بل العرض، والعرض عند السوري أغلى من النفس للذين لا يعلمون . والدفاع عن النفس والعرض قانون غريزي أولي تقره قوانين الأرض وفوقها شرائع السماء .

ما من مظاهرة سلمية خرجت في سورية دون ضحية . وكل إطلاق نار من قبل الطاغية المجرم كان خطوة على طريق ألقمع العسكري أو الحل العسكري المرفوض كما يزعمون .

مضت الأيام ، وتطورت وسائل القمع العسكري في يد المجرم الطاغية من البارودة إلى الرشاش إلى الدبابة إلى المدفع إلى الصاروخ إلى الطائرات المروحية ، فالطائرات الحربية والقنابل العنقودية والفراغية والنابلم والكيماوي بأنواعه ، واتسع هامش القوات الرديفة للمجرم الأول بشار الطاغية : صفوية وروسية وأمريكية ..

كل هؤلاء في سورية يحاربون ، وكلهم يحاربون على محور واحد ، توهين الثورة ، وكسر إرادة الثوار ، والكل في الوقت نفسه يتحدث عن ( الحل السياسي ) مزعوم أو موهوم.

" حلٌ السياسي "

ويريدون تحقيقه بأكثر من مائة ألف مقاتل طائفي متعددي الجنسيات ( لبناني - عراقي - إيراني - أفغاني - باكستاني ) كلهم تجمعهم عقيدة واحدة : الولاء للولي الفقيه ، والحقد على سورية وشعبها العربي المسلم الأصيل ، وصلوا إلى سورية موفورين مدربين منظمين تحت ألوية قياداتهم ، وصلوا تحت سمع وبصر الأمريكي قبل الروسي ، ولو أرادوا الحل السياسي ، لما جرأ قاسم سليماني أن يخطو على أرض لبنان أو الشام أو العراق !!

" حلٌ السياسي "

يُريدون تحقيقه بأسراب الطائرات ، والبوارج الروسية ، وبأكثر من مائة ألف غارة جوية روسية على شعب أعزل ، وعشرات الصواريخ بعيدة المدى ، وتتحول سورية من أجل تحقيق الحل السياسي إلى حقل تجارب للأسلحة الروسية .

وتتحول الدبلوماسة الروسية إلى خادمة لمصلحة الطاغية الذي باع الروس من سورية كل ما أرادوه . حل سياسي مع انحياز مطلق في مجلس الأمن دفاعا عن المجرم والجريمة . سياسة اقتضت دعما " للحل السياسي " أكثر من عشر قرارات فيتو حتى ضد إطعام الجائعين ، ومداواة الجرحى !!

" حلٌ السياسي "

كانت الولايات المتحدة أول من بشّرت به ، ورفعت شعاره ، ونادت به ، وأكد دبلوماسيوها مرارا أنهم لن يتدخلوا في سورية ... ثم ما أسرع ما وجدناهم ، يشكلون تحالفهم الدولي لحرب الإرهابيين كما زعموا ، ثم لم نجد ضحاياهم إلا من الأطفال والنساء والمدنيين الأبرياء !!

" حل سياسي " والأمريكيون اليوم يحتلون ثلث الأرض السورية ، متحالفين مع بعض زعانف بشار . وقد كشفت عملية غصن الزيتون اليوم مبتداهم ومنتهاهم .

كل التقارير ذات المصداقية : تسأل السياسيين الأمريكيين عن مصير الإرهابيين الذين تزعم الولايات المتحدة أنها جاءت لتحاربهم ، أين أشلاؤهم ؟ أين أسراهم ؟ وننظر حولنا فلا نرى إلا أشلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان على كل صعيد من الرقة إلى دير الزور ..

" حلٌ سياسي " ومُكّن الطاغية المجرم من الاستعانة بكل من يريد ، وأن يستخدم من الأسلحة الغبية والذكية والهمجية ما يريد ، في الوقت الذي يريد ، على المدى الذي يريد ، وبالمقابل كُبلت أيدي المستضعفين ، كما كانت روما تكبل أيدي العبيد في معركتهم مع الوحوش . كُبلت أيدي المستضعفين ، وأخرجت الأرض السورية من غطاءات القانون الدولي ، والقانون الإنساني ، اعتبرت سورية كلها ( غوانتنامو ) ، فكانت سورية كلها سجن ، وكان أسوأ ما في السجن سجونه الذي وثقت شهادة القيصر بعض ما يجري فيه من جريمة وإثم . توثيق القيصر الذي وضع كل الصامتين على الجريمة في قفصها على السواء .

" حلٌ سياسي " ولا نشك للحظة أن الصمت على ما يجري في سجون بشار الأسد من انتهاك وقتل وتعذيب ، بعد أن ثبت بالدليل القاطع ، هو جزء من السعي الدولي إلى الحل السياسي المنشود . قالها لهم الجعفري بالأمس : وبعد غوطة دمشق إدلب . وقال قبله بشار الأسد في حديث مشهور مشهود : (وبعد حاملي السلاح حاضنتهم من جار وابن عم وابن خال من المقدرين بالملاييييييييييين ) ومدُّ ياء الملايين من لفظه لأمانة النقل .

" حلُ سياسي "

ولا نلوم كل من سبق فهم أعداء ، وإنما اللوم على قوم رزقهم الله سمعا وأبصارا وأفئدة ما يزالون يتمسكون من هذا الحل السياسي بذيل ، ويتحدثون عنه : بإن ..وإذا ..ولو ..وحتى ..وليت ..

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=====================

الأزمة السورية والتدخلات الأجنبية .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 19/2/2018

يلاحظ بعض المتابعين لوسائل التواصل الاجتماعي ولا سيما على موقع "فيسبوك"، أن سوريين يضعون لافتات تشيد بالوجود الأجنبي ولا سيما العسكري في سوريا، الأمر الذي جعل بعضهم يذهب إلى قول، إن السوريين باتوا يرحبون باحتلال بلادهم من قبل دول وميليشيات مسلحة.

وللحق، فإن ثمة ما هو واقع في هذه الملاحظة. فبعد توسع عمليات القمع الدموي التي باشرها نظام الأسد قتلاً وجرحاً واعتقالاً للسوريين وحصاراً وتدميراً للمدن والقرى والأحياء الثائرة، ارتفعت أصوات سورية في أواخر عام 2011، تطالب بالتدخل الدولي من أجل لجم السياسة الدموية للنظام ووضع حد لها، فيما اتجه النظام للاستعانة بحلفائه الإيرانيين وميليشياتهم اللبنانية والعراقية والأفغانية والإيرانية لقمع حركة الاحتجاج الشعبي بعد أن عجز وحيداً عن فعل ذلك، وسط تزايد عدد ومساحة المناطق الخارجة عن سيطرته، وبهذا فتح الباب واسعاً أمام التدخل العسكري الأجنبي في البلاد.

وبطبيعة الحال، فقد طورت القوى الأجنبية تدخلاتها العسكرية في العامين الأخيرين وخصوصاً الحليفة لنظام الأسد. فبعد أن دفعت إيران بميليشياتها للقتال إلى جانب النظام في العامين الأولين 2011 - 2012 زاد عدد مستشاريها الأمنيين والعسكريين والتقنيين، ثم دفعت بقواتها من الحرس الثوري للقتال ضد جماعات المعارضة المسلحة، وبنت قواعد لها في عدد من المناطق السورية ولا سيما في ريفي دمشق وحمص، ومضت روسيا في خطوات مماثلة، فعززت وجودها العسكري والأمني والتقني، قبل أن ترسل قواتها البحرية والجوية أواخر عام 2015 للمشاركة الأوسع والأهم في الحرب، وقامت بتثبيت وجودها في قواعد برية وبحرية وجوية في مناطق سوريا الغربية ومطاراتها.

ومما لا شك فيه، أن تطورات الوجود العسكري لحلفاء النظام، وتأثيراته على الصراع في سوريا وحولها، دفع دولاً أخرى للبحث عن موطئ قدم على الأرض السورية، ولئن كان البعض منهم له وجود غير مباشر عبر علاقاته وصلاته بأطراف مسلحة مثل الولايات المتحدة، التي لها علاقات قوية مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (Pyd) وميليشياته من وحدات الحماية الكردية، وتركيا التي لها علاقات مع أغلب جماعات المعارضة المسلحة، فإن تلك الدول اندفعت باتجاه إرسال قواتها مباشرة إلى الداخل السوري، فأرسلت واشنطن إضافة إلى الخبراء والمستشارين جنوداً وأسلحة، وأقامت قواعد جوية وبرية في شمال شرقي سوريا، فيما دفعت تركيا بقواتها بالمشاركة مع جماعات المعارضة المسلحة في موجتين، كانت أولاهما عملية درع الفرات التي دخلت محيط جرابلس أواسط 2016، ثم عملية غصن الزيتون، التي توجهت إلى عفرين في 2018 لطرد وحدات الحماية الكردية من هناك التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (Pyd).

وباستثناء الوجود الأجنبي السابق والكبير نسبياً الذي بات يسيطر على غالبية الأراضي مباشرة، أو عبر حلفائه المحليين من قوات الأسد وقوات الحماية الكردية وتشكيلات المعارضة المسلحة، فإن هناك وجوداً عسكرياً مباشراً لدول أخرى لها علاقات ونفوذ على بعض التشكيلات المسلحة.

إن الانعكاس المباشر للتدخلات الأجنبية ولا سيما العسكرية على واقع الصراع السوري، جعل من سوريين ينظرون بشكل متفاوت لهذا الوجود. فبدا من الاعتيادي أن ينظر مؤيدو النظام إلى الروس والإيرانيين وميليشياتهم باعتبارهم حماة لهم ولنظامهم، وأن ينظروا للأتراك باعتبارهم قوة احتلال، وهو موقف يخالف كلياً نظرة فئات من معارضي النظام الذين يرون في الأتراك حلفاء لهم في مواجهة نظام الأسد وحلفائه من روس وإيرانيين وميليشيات باعتبارهم محتلين، خاصة في ضوء ما تم من اتفاقات جرى توقيعها بين النظام والطرفين الروسي والإيراني.

وبخلاف ما سبق، فإن الموقف من الوجود الأميركي بدا أكثر تعقيداً. ووحدهم أكراد (Pyd) وحلفاؤهم، كانوا متحمسين للوجود العسكري الأميركي باعتباره قوة دعمهم السياسي والعسكري في مواجهة الآخرين، وكانوا الأكثر شراسة في مواجهة الوجود العسكري التركي الذي يستهدفهم، ويعتبرهم "جماعة إرهابية" تمثل امتداداً لحزب العمال الكردي في تركيا(Pkk)، فيما يحيط الضباب بموقفهم من الوجودين الإيراني والروسي، بينما يعارض أغلب السوريين من النظام والمعارضة الوجود الأميركي من منطلقات ليست واحدة، أبرزها موقفهم من ميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (Pyd).

وسط تلك اللوحة المعقدة من المواقف حيال الوجود العسكري الأجنبي، لا يمكن القول، إن السوريين أو جزءاً كبيراً منهم يرحب بالاحتلال الأجنبي لبلدهم، كما يلوح للبعض أو يتوهم. بل الأمر لا يتعدى صلة موقفهم بواقع الصراع السياسي والمسلح الذي صاروا إليه والذي تهددهم تداعياته بشراً وكياناً، تضاف إلى التدخلات الدولية والإقليمية العنيفة، التي اتخذت من بلدهم وأرضهم ميداناً لتصفية حساباتها، وخدمة استراتيجياتها في المنطقة.

ومما لا شك فيه، أن تلك الحيثيات، تجعل من أي مواقف سورية تتناغم مع إحدى قوى الوجود والاحتلال العسكري لأرض سورية، مواقف غير حقيقية، وغالباً هي مواقف "مؤقتة" مرهونة بوقف الحرب وعودة السلام إلى سوريا، التي كثيراً ما حفل تاريخها بما فيه الحديث باحتلالات أجنبية انحسرت، وشهدت انقسامات وصراعات داخلية انتهت، وكلتاهما دفعت السوريين بكل مكونات جماعتهم الوطنية إلى تأسيس كيانهم الواحد في منتصف ثلاثينات القرن الماضي، التي بلورت صورة سوريا، التي كانت عليها في عام 2011، والتي وإن قال البعض إنها لن تعود، فإن صورة سوريا المقبلة، لن تكون بعيدة كثيراً، عما كانت عليه كدولة مستقلة، فيها أغلب مكوناتها القومية والدينية والطائفية.

==========================

سوريا: مشاريع الاشتباك ومسميات "الشيطان" .. صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد  18/2/2018

ليس جديداً التذكير بالنظرية الشهيرة التي اعتمدتها الولايات المتحدة وإسرائيل، على نحو متطابق أحياناً، في تبرير مواقف الحفاظ على نظام "الحركة التصحيحية" إجمالاً، الأسد الأب أسوة بوريثه الابن؛ وكذلك، استطراداً، في قراءة الانتفاضة الشعبية ضدّ هذا النظام، ربما منذ الساعات الأولى لانطلاق تظاهرات الاحتجاج السلمية. تلك النظرية كانت تقول، ضمن المنطق الذرائعي الشهير، إنّ الشيطان الذي نعرف لتوّنا (آل الأسد، حسب سجلات حروب 1972 و1982 والمخيمات الفلسطينية و"عاصفة الصحراء")، خير من أيّ شيطان بديل لا نعرفه (كائناً مَن كان، ليبرالياً أم إسلامياً أم ديمقراطياً أم).

ومؤخراً، بدأت واشنطن وتل أبيب تسدد أثمان تلك النظرية، التي لم تتبدل عناصرها الكبرى مع ذلك، خاصة ثنائية الحفاظ على النظام والإشراف على إنهاكه في آن معاً؛ وإنْ أخذت تدخل عليها عوامل تشويش ليست عابرة، وبعضها قد يتصف بأبعاد ستراتيجية عميقة. ثمة هنا ثلاثة مشاريع، إيراني وروسي وتركي، قابلة للتعيش معاً رغم تناقضاتها التكوينية، وقادرة على تعكير صفو النظرية الأمريكية ـ الإسرائيلية. ومنذ قرار واشنطن قصف قوات النظام شرق الفرات (مع معرفة وجود أعداد كبيرة من مرتزقة "فاغنر" الروس)؛ وقرار تل أبيب قصف القواعد الإيرانية، على الأرض السورية، التي انطلقت منها طائرة "الفينيق" الإيرانية المسيّرة؛ لم تتغير قواعد الاشتباك، كما بات يُشار على نطاق واسع في التغطيات الصحفية والتحليلات العسكرية، فحسب؛ بل توجّب أن تتعدّل ركائز النظرية ذاتها.

ذلك لأنّ "الشيطان" الذي عرفوه لم يعد يدعى آل الأسد فقط، بل لعلّ هؤلاء قُذفوا إلى الصفوف الخلفية من ميدان الاشتباك، وثمة اليوم أسماء مثل حسن نصر الله وقاسم سليماني وأبو مهدي المهندس وأكرم الكعبي؛ وأسماء أقلّ شأناً ولكن ليس أقلّ حضوراً مثل آل جابر، محمد وأيمن وإبراهيم، قادة ميليشيات "صقور الصحراء" و"مغاوير البحر" الذين يتمتعون بدعم لوجستي وعسكري روسي في منطقة الساحل. وثمة، إلى هذا وذاك، خضوع "الشيطان" إياه، شاء أم أبى، إلى مقتضيات اختلاف المشاريع أو ائتلافها، على أرض باتت اختزال صورة الصراعات الجيو ـ ستراتيجية الكونية الأسخن بلا منازع.

ولأنّ الطائرات تساقطت من جنسيات أربع، روسية وتركية وإيرانية وإسرائيلية، خلال أيام قلائل، هنا وهناك في سماء سوريا وعلى أرضها؛ فإنّ ما يتغير جوهرياً لم يعد مقتصراً على قواعد الاشتباك أو الخطوط الحمر، بل بات يتوخى تفادي انفلات تلك القواعد والخطوط إلى مستويات يصعب ضبطها، كأنْ تنقلب إلى حروب مصغّرة، صانعة لحروب أكبر. واضح، مثلاً، أنّ الضربات الإسرائيلية التي استهدفت الدفاعات الجوية للنظام السوري، بعد إسقاط الطائرة، لم تكن لها سابقة أشدّ في النطاق والنوعية إلا سنة 1982، خلال الغزو الإسرائيلي للبنان. واضح، في المقابل، أنّ سكوت طهران والنظام السوري وقاعدة حميميم الروسية، ثمّ الاتصال الهاتفي بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو؛ كان سلوكاً يتوسل التهدئة، وليس التصعيد.

الاعتبار الجوهري الأهمّ، في نظر القطاعات الأوسع من أبناء الشعب السوري، يتمثل في أنّ نظام "الحركة التصحيحية"، هذا "الشيطان" الذي حظي في الماضي برعاية إسرائيل وأمريكا وروسيا وإيران وتركيا، على حدّ سواء؛ هو المسؤول الأوّل عن خرائب الاحتلالات والمشاريع الراهنة، التي ترسف سوريا في أغلالها. وما يُنتهك يومياً إنما هو إرادة البلد واستقلاله وكرامته الوطنية، وما يُقصف ويُدمّر هو منشآت سدد السوريون أثمانها قسراً، طيلة عقود من حكم استبداد وفساد ونهب و"ممانعة" زائفة، على حساب حقوقهم في التنمية والتعليم والصحة والبنية التحتية السوية.

وليس أقلّ دلالة، ومضاضة ومأساوية، أنّ الطيران الحربي الإسرائيلي والأمريكي والروسي والتركي يواصل قصف أبناء سوريا، كلٌّ حسب ما يقتضيه مشروعه في البلد؛ وأنّ "الشيطان" دون سواه شريك غير صامت أبداً، ولكنّ ضدّ أبناء الشعب السوري، أولاً وأخيراً وحصرياً.

==========================

وزير الخارجية الأميركي في بيروت .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد  18/2/2018

منذ أيام أوباما، إذا قال الأميركي شيئاً ضد "حزب الله"، يكون إكمال الجملة بالقول: ودعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية. ولا يرجع ذلك إلى دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، الحليف الاستراتيجي، بل لأنّ الولايات المتحدة وفرنسا كانتا وراء القرارين الدوليين 1559 و1701. القرار الأول في عام 2004 ضد الوجود العسكري السوري، وأي ميليشيات مسلحة على الأرض اللبنانية. والقرار الثاني يضع الجيش والقوى الأمنية على الحدود مع إسرائيل لحماية لبنان، ويمنع وجود أي قوات أُخرى جنوب نهر الليطاني. وبالطبع ما التزم لبنان بأيٍّ من القرارين، ولا تصرف بمقتضى القرار 1680 الذي يُنشئ المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة رفيق الحريري. فكانت الخطة الاعتذارية التي التزم بها الرئيس ميشال سليمان وحكومات "المستقبل" وغيره: عقد مؤتمرات الحوار الوطني لمناقشة موضوع الاستراتيجية الدفاعية (وضع سلاح الحزب بيد الجيش)، وحَذَرَ التدخل في سوريا صدر إعلان بعبدا عام 2011 للنأي بالنفس عن الأزمة السورية!

منذ ذلك الحين جرت في النهر مياهٌ كثيرةٌ، وسيطر الحزب في كل مكان. فقبل أيام كان ما يزال يحفر لشبكته الهاتفية في إحدى القرى السنية على مرأى ومسمع من الجميع. بيد أنّ الجديد هو ما جرى منذ تولّي الرئيس عون سُدّة الرئاسة، حيث ما عادت محايدة، بل توالت تصريحات رئيس الجمهورية لدعم سلاح الحزب وإعطائه وظائف جديدة: ردْع إسرائيل ومكافحة الإرهاب. وبعدها يقول الرئيس إن الحزب لا يستعمل سلاحه في الداخل، وإنّ سلاحه باقٍ "لنهاية أزمة الشرق الأوسط"! وتبعه في ذلك رئيس الحكومة سعد الحريري الذي كرر العبارة ذاتها. واضطر كثيرون لتنبيهه أنّ ذلك مُخالفٌ للقرارات الدولية، ويهدد أمن لبنان، فأكّد حرصه على القرارات الدولية من دون أن ندرك ماذا يعني ذلك، ولا احتاج عون والحريري مَثَلاً إلى الحديث ولو مرةً واحدةً عن الاستراتيجية الدفاعية. ومنذ أسابيع يتوالى ظهور رؤساء الميليشيات العراقية المتأيرنة على الحدود، من دون أن تحرك الحكومة ساكناً، بل إنّ الحريري تذمّر من أنّ تصريحات المعارضين تهدد الاستقرار! وفي 14 فبراير الجاري، الذكرى الثالثة عشرة لاغتيال والده، هاجم الحريري معارضيه بشراسة، وقال إنهم يخدمون "حزب الله"، وهو لن يتحالف مع الحزب في الانتخابات. وما انزعج أنصار الحزب وقالوا إنهم متفقون معه في بيروت، ومحافظة بعلبك- الهرمل من تحت الطاولة!

ويوم الخميس الماضي جاء وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون إلى بيروت، وقد استجدت للبنان مشكلتان مع إسرائيل بسبب تصرفات الحزب: بدأ الإسرائيليون يبنون جداراً فاصلاً يشبه ذلك الذي بنوه في الجولان، واعترضوا على الحدود البحرية الجنوبية معهم (بلوك رقم 9)، والذي يريد لبنان البحث عن النفط والغاز فيه، بينما تزعم إسرائيل أنّ لها حقاً فيه!

ماذا كان موقف تيلرسون، واللبنانيون يريدون وساطته في الأمرين؟ قال إنّ الحزب تنظيم إرهابي، ولا فرق بين جناحيه العسكري والسياسي (وكان قد قال شيئاً مختلفاً في الأردن عن الموضوع!)، وأنه هو وإيران سبب التوتر في المنطقة، وهو الذي يجلب بتصرفاته مشكلات عدم الاستقرار على لبنان. وكالعادة رجع للالتزام الأميركي بدعم الجيش، والمساعدة للاجئين السوريين، والحرص على الاستقرار. وهذا يعني أنه لن يساعد في البلوك 9، ولا حديث عن حقوق لبنان الأُخرى ما دام لبنان يخالف القرارات الدولية، ويخضع لسطوة سلاح الحزب! وتعزّى رئيس الحكومة بأنّه تحدث إلى تيلرسون عن إمكانيات الدعم الأميركي للبنان في المؤتمرات القادمة في بريطانيا وروما وباريس!

كلام عون وباسيل والحريري في الأوساط القريبة: أنّ لبنان لا يستطيع مجاراة الأميركان، والظروف غير ملائمة، وعندنا انتخابات، وأميركا في كل الأحوال متحيزة لإسرائيل! وقد تأخر باسيل عن استقبال تيلرسون في المطار، وفي قصر بعبدا، فرأى الأميركيون في ذلك رسالةً إيرانية بأنهم هم الذين يملكون السياسة الخارجية اللبنانية وليس عون ولا باسيل ولا الحريري!

لا أمل في هذا الحكم التابع، ولا في هذه الحكومة لا لجهة إبعاد لبنان عن أزمات المنطقة بدعمٍ دولي، ولا لجهة الخروج من الأزمة الاقتصادية على أيدي حكومة غارقة في الفساد! الإيرانيون يرتهنون لبنان ويحولونه إلى دولة فاشلة، كما فعلوا بالعراق وسوريا!

==========================

حرب معلنة لا يريد أطرافها أن تندلع .. أكرم البني

الحياة

الاحد  18/2/2018

اللافت أن الرأي العام كان محقاً في استبعاد نشوب حرب إقليمية بعد الغارات الإسرائيلية على مواقع عسكرية في العمق السوري تعود غالبيتها للقوات الإيرانية، ولم يخدعه إسقاط طائرة إسرائيلية أو عبارات التهديد والوعيد التي عادة ما يطلقها قادة تل أبيب وطهران ضد بعضهما بعضاً. وإذا استبعدنا نظرية المؤامرة التي يعتقد أصحابها بأن ما جرى مجرد مسرحية وزعت أدوارها جيداً لتسويغ ما بات يعرف بصفقة القرن، أو لتلميع وجه أنظمة الممانعة التي لم تعد تشكل خطراً جدياً على دولة إسرائيل، فثمة عامل جديد لا يصح اليوم إغفاله وقد ساهم في تثبيط تلك المواجهة العسكرية وتخميد تداعياتها، وهو دور موســكو المتصاعد في تقرير شؤون المنطقة، والتي ما أن أطلقت صفارة النهاية حتى امتثل جميع الأطراف لمطلب التهدئة ووقف التصعيد.

الكلمة المسموعة لقيادة الكرملين لم تتأت فقط من وزن سياسي فرضه تدخل عسكري قلب موازين القوى في سورية لمصلحة النظام وإيران، أو من انحسار فعالية واشنطن وتراجع دورها وتأثيرها عالمياً، أو نتيجة عمق المصالح الروسية وخشيتها من نشوب حرب إقليمية قد تخلط الأوراق بصورة لا ترضيها، وتعيد بناء مواقف واصطفافات تشرع الأبواب على تطورات ربما تجهض ما تخطط له وتفقدها فرصة تاريخية لتمكين نفوذها المشرقي، وإنما أيضاً بسبب حضور دوافع ومصالح ذاتية لدى مختلف الأطراف المعنية بالحرب للانصياع لإرادة موسكو ومطالبها.

تصح قراءة السبب في قوة اللوبي الصهيوني في روسيا وتنامي قدرته على التأثير وخلق أفضل التفاهمات بين موسكو وتل أبيب حول أحداث الشرق الأوسط، يحدوه وجود مليون ونصف مليون مستوطن إسرائيلي هاجروا من روسيا ودول الاتحاد السوفياتي السابق ولا تزال تربطهم علاقات متعددة الأشكال مع بيئتهم القديمة، وتحدوه أساساً الوعود والتطمينات التي تقدمها قيادة الكرملين لحكومة إسرائيل بأولوية الحرص على أمنها ولجم تمدد طهران ومخططاتها، مثلما تصح قراءته من حاجة إيرانية متصاعدة للغطاء الروسي مع انحسار هامش مناورتها، وتفاقم مشكلاتها في الإقليم، وفشل رهانها بأن يفضي توقيع الاتفاق النووي إلى تخفيف حدة أزمتها الاقتصادية، ناهيكم بتواتر التهديدات ضدها من الرئيس ترامب وقادة أميركيون بصفتها راعية للإرهاب ولعدم الاستقرار في المنطقة. فكيف الحال مع وضوح دعم واشنطن للغارات الإسرائيلية وحماستها لتكرارها بأمل لجم شهية إيران التوسعية وتحجيم دورها الإقليمي؟

صحيح أن إسرائيل لا تخفي سعيها إلى النيل من أية محاولة لتغيير الستاتيكو القائم، وهي مستعدة للذهاب بعيداً لمنع نقل أسلحة متطورة إلى حزب الله ولإجهاض خطط الحرس الثوري في خلق ركائز عسكرية حولها ونشر بعض الميليشيات التابعة له بالقرب من حدودها، لكن الصحيح أيضاً أن ليس ثمة حافز ملح عندها كي تخوض حرباً ضد إيران وحلفائها، ما دامت قادرة بضربات مركزة على تحقيق أهدافها، وما دامت تدرك أن ما يعرف بمحور "المقاومة والممانعة" لم يعد يشكل خطراً داهماً عليها، وأن قدراته استنزفت ولا تزال تستنزف في صراعات التمدد الإقليمي، وما دامت تميل في حساباتها الإستراتيجية لاستثمار هذا المحور، إن لشل الحياة السياسية في بلدان الطوق وتدمير فرص بنائها وتطورها، وإن لإشغال الأطراف العربية ومحاصرتها.

منطقياً، وربطاً بالحراك الشعبي الفلسطيني والغضب العربي الرافضين لقرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس، يمكن تفهم الفكرة التي ترجح نشوب حرب إقليمية بين تل أبيب وطهران، بصفتها إحدى الأوراق التي يمكن أن تلجأ إليها إيران للتهرب من معالجة الأسباب الحقيقية لأزماتها، ولتسويغ سياستها التدخلية في شؤون الإقليم، ولاستعادة شعبية اهتزت بصورة غير مسبوقة في الشارع العربي نتيجة ممارساتها العنفية والدموية في غير بلد، والأهم للرد على مستجدات بدأت تقلقها، منها تفاقم الاحتقانات الداخلية التي تجلت مؤخراً بتظاهرات شعبية مناهضة للحكومة شملت العديد من المدن، ومنها تصاعد حملة البيت الأبيض ضدها، من دون أن نغفل خسائر حلفائها في اليمن، وتحسّبها من أن يضعف تقدم الدور الروسي من وزنها ودورها في سورية والمنطقة.

لكن هيهات أن تخوض إيران مغامرة الحرب، وقد أنهكتها التدخلات المتعددة في سورية والعراق واليمن، فكيف الحال وأهل الحكم في طهران يدركون جيداً بأن زمن المناورات بحروب خارجية للالتفاف على الأزمة الداخلية وتشويه أسبابها قد ولى، بل يتحسبون من أن يؤدي افتعال صراع عسكري واسع مع إسرائيل في الظرف الراهن وما قد يرافقه من غارات تدميرية، إلى عكس الأهداف التي يبتغونها، والقصد أنهم يتحسبون من أن تفضح مناخات الحرب إن طال أمدها عوامل ضعفهم وزيف شعاراتهم وعمق الهوة التي تفصلهم عن مجتمعهم، ما يعجل في ردود أفعال الفئات المتضررة من سياستهم التدخلية التي كلفت الشعب الإيراني الكثير، ويزيد من احتمال تفكك قواهم وتحالفاتهم، كما تتراجع قبضتهم وعزم سيطرتهم في العراق وسورية ولبنان واليمن، فكيف الحال والجميع بات يعرف أن إعادة إحياء هموم مواجهة إسرائيل فقدت تأثيرها القديم عند بشر ملوا شعارات المقاومة والممانعة وخبروا جيداً كيف وظفت هذه الشعارات لتعزيز أسباب التسلط والاستئثار والقمع والفساد؟

الجميع يهدد ويتوعد بالحرب، ولكن الجميع يحرص عملياً على تجنبها، ليصح تفسير تصعيد طهران الأخير والتي طالما اكتفت بـ "أضعف الإيمان" رداً على ضربات إسرائيلية أكثر إيلاماً، بأنه محاولة لحفظ ماء الوجه ضد استباحة إسرائيلية طالت زمنياً وطاولت الكثير من مواقعها ومراكز حلفائها، أو في أحسن الأحوال كخيار اضطراري باتت الحاجة لتوظيفه تعبوياً وإعلامياً ملحة، إن لترميم مكانتها ومكانة محور الممانعة، وإن لشــحذ الهمم للمضي قدماً بخططها التوسعية، وإن لكسب نقاط تخفف من شدة أزماتها ومن مسؤوليتها عن تفاقم الاحتقانات والصراعات الطائفية والمذهبية وما آلت إليه أوضاع المنطقة من خراب.

==========================

طائرة كل نصف قرن .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 17/2/2018

أخيرا، شرب ما يسمى "الجيش العربي السوري"، وهو ليس جيشا أو عربيا أو سوريا، حليب السباع، وتصدّى بعد قرابة نصف قرن لطائرات إسرائيل التي أغارت آلاف المرات على سورية، بما في ذلك بيت بشار الأسد، ورشق حزمة صواريخ عليها بأسلوب "يا ربي تجي في عينه"، فأصاب بالخطأ واحدة منها، كانت تضرب مواقع لقوات الاحتلال الإيراني. عندئذٍ، قرّر جنرالات إيران و"استراتيجيون" عرب، أطلوا علينا من تلفزيونات تحولت فجأة إلى ما يشبه تلفاز "المنار" الإيراني في بيروت، أن قواعد اللعبة بين النظام المقاوم وإسرائيل قد تغيرت، وتناسوا أن طائراتها هاجمت أربعة عشر موقعا لجيش العدوان الأسدي على السوريين، وأن إسقاط الطائرة حدث بالخطأ، ولو أن قواعد الاشتباك تبدلت، لكانت قواعد الصواريخ التي دمرتها الغارات قد أطلقت بعض قذائفها، ولما تم تدميرها بالكامل بين دمشق ودرعا، وإخراج مطارات التيفور والمزة وخلخلة من الخدمة، وإحراق معسكراتٍ لـ"حرس الطائفية الجمهوري". اعتبر هؤلاء إسقاط طائرة إسرائيلية خلال قرابة نصف قرن "انتصارا للمقاومة"، بدّل موازين القوى بين نظام سلمه حافظ الأسد عام 1967 محافظة سورية اسمها الجولان، ثم سامحه بها في مقابل تسليمه السلطة، شريطة أن يحكم سورية بلدا محتلا. وهكذا كان، فحكمها مثل مندوب سام صهيوني في رئاسة الجمهورية، وفعل الأفاعيل بالسوريين، قبل أن يقبض الله روحه ويتولى ابنه الحكم، ويكمل مهمة أبيه في القضاء على "شعب الإرهابيين السوري".

ما الذي تغير حقا بإسقاط الطائرة الإسرائيلية، إذا كانت طائرات إسرائيل دمرت ما أرادت تدميره لنظام "المقاومة"، بعيد سقوط الطائرة بساعات؟ وهل يعتقد "الاستراتيجيون" أن العدو الإسرائيلي لا يضع في حسبانه خسارة طائرة كل نصف قرن؟ لو كان يفعل ذلك، لما اعترف بسقوط طائرةٍ وقعت في فلسطين المحتلة، ولأسقط في يد المحللين الاستراتيجيين الذين قفزوا عن حقائق الصراع المذلة، ولما طبّلوا لجيش النظام الجبان الذي كان يقصف الغوطة بالطيران، بينما كانت طائرات إسرائيل تهاجمه، ولرفضوا التحدّث بلغة جنرالات طهران الذين أحرقوا إسرائيل عشرات المرات خلال الأعوام الماضية، من دون أن يرموها ولو بحصاة، ولغة مندوبهم السامي في لبنان، حسن نصر الله الذي حرّر فلسطين آلاف المرات (!).

تكمن قواعد اللعبة في قيام إسرائيل بالضرب حيثما أرادت، وكلما حلا لها أن تضرب، وبعدم الرد عليها، بحجة أن الزمان والمكان لم يكونا مناسبين للرد خلال نصف القرن المنصرم. أمس، أطلقت صواريخ أصابت طائرة، أعقبتها غارات بالعشرات لم يتم خلالها إطلاق صاروخ واحد، فأين هو تبدل "قواعد الاشتباك"؟ لم يكف الصهاينة عن الهجوم، ولم يجرؤ النظام على الدفاع، أليست هذه هي القواعد التي التزم بها بعد إسقاط طائرة إسرائيل بالخطأ، على الرغم من أن الغارات التي تلته استهدفت قواعد الصواريخ التي أصابتها ودمرتها؟

بقصر كلامهم على حدث جزئي هو إسقاط الطائرة، تبنّى الخبراء نظرة إيران، وتجاهلوا حقائق الصراع العسكري، والمضامين السياسية لما جرى، ولماذا صعّدت إيران موقفها العسكري، وهاجمت خلال أيام قوات يدعمها عسكر واشنطن قرب دير الزور، وأرسلت طائرةً مسلحةً بلا طيار إلى إسرائيل، وما هي علاقة محاولات جس النبض هذه، فيما يقال عن تبدل الأدوار الدولية، وليس "قواعد الاشتباك"، في سورية، بعد فشل مؤتمر سوتشي وإعلان واشنطن نهاية سياسة الانكفاء في العراق وسورية.

من المفهوم أن "يفوش" جنرالات طهران بعد إسقاط طائرة إسرائيلية، أما أن يغرق "خبراؤنا الاستراتيجيون" في شبر ماء فهذا ما ليس مفهوما أو مقبولا.

==========================

روسيا وتحجيم إيران في سورية .. بشير البكر

العربي الجديد

السبت 17/2/2018

كادت أن تندلع الحرب، السبت الماضي، على أرض سورية بين إسرائيل وإيران، ولكن جملة من العوامل حالت دون ذلك، أولها التدخل الروسي لدى الطرفين، من أجل ضبط النفس، واحترام قواعد الاشتباك التي وضعتها موسكو منذ تدخلها العسكري المباشر على الأراضي السورية في سبتمبر/ أيلول 2015.

هناك إجماع على أن الطرفين غير مستعدين لخوض الحرب الشاملة في هذا الظرف، لكنها كانت ربما ستقع من دون تخطيط مسبق، لو أن الحادث خرج عن مساره قليلاً، وأدى إلى خسائر أكبر في الجانب الإسرائيلي. ومع ذلك، لم يكن رد إسرائيل متناسباً مع "الاستفزاز" الإيراني بإرسال طائرة من دون طيار مسلحة بصاروخ، كي تحوم في أجواء فلسطين المحتلة، وأعلن الجيش الإسرائيلي أن الهجوم الإسرائيلي داخل الأراضي السورية هو الأكبر منذ عام 1982.

قامت إسرائيل بـ 12 غارة على أهداف عسكرية، منها أربعة أهداف إيرانية، والباقية تابعة لجيش النظام ضمن منظومة الدفاع الجوي التي تحركت بفعالية هذه المرة، وأطلقت 20 صاروخاً باتجاه الطائرات الحربية الإسرائيلية، وأصابت واحدةً منها، الأمر الذي يشكل مفاجأة في المقاييس كافة.

يجدر هنا التوقف أمام الموقفين الإيراني والروسي، كون طهران وموسكو تتحكمان بجزء كبير من سورية، وتتشاطران القرار الرسمي، ولا يمكن أن يحصل تطور من هذا المستوى من دون أن يعنيهما مباشرة.

صار واضحاً أن إيران أرادت توجيه عدة رسائل من إرسال الطائرة من دون طيار. والهدف الأول هو صرف الاهتمام الإسرائيلي عن التحضيرات الجارية منذ أسبوعين للتصعيد مع حزب الله في لبنان، وجرّها نحو الأراضي السورية. والهدف الثاني محاولة للرد على الغارة الأميركية التي استهدفت المليشيات التابعة لإيران وروسيا في منطقة شرق الفرات، وذهب ضحيتها أكثر من 100 قتيل من هذه المليشيات التي تحرّكت بقرار إيراني، من أجل السيطرة على حقول النفط والغاز في محيط دير الزور التي استولت عليها "قوات سورية الديموقراطية" الكردية. وقد سبق لواشنطن أن أكدت أن منطقة شرق الفرات ستكون خاضعة للسيطرة الكردية فقط.

أما الرسالة الإيرانية الثالثة فموجهة إلى موسكو التي تعمل، يوماً بعد آخر، على الاستحواذ على القسط الأكبر من القرار، فيما يخص الوضع في سورية. وتبين خلال الأشهر الأخيرة أن وتيرة العمل الإيراني الروسي المشترك قد خفّت، مع صدور عدة مواقف صريحة بأن روسيا سوف تتكفل بإخراج المليشيات الإيرانية من سورية، الأمر الذي تعتبره إيران من المحرّمات، في وقت بدأت بتكثيف عملية استقدام مليشيات عراقية إلى سورية، وتوجيه بعضها إلى منطقة الجولان.

لم تكن إيران لترسل طائرة من دون طيار نحو إسرائيل، أو أن ترد إسرائيل بغارات مكثفة على 12 هدفاً عسكرياً داخل سورية من دون علم موسكو، وكذلك التصدي للغارات باستخدام بطاريات صواريخ سوفييتية الصنع. ومن هنا، يطرح الموقف الروسي شبه المتفرج أسئلة كثيرة. هل أرادت موسكو ترك الطرفين يصلان إلى حافّة الحرب، ثم تدخلت لضبط الموقف؟

قد تكون الخطوة الإيرانية ذات أهداف تكتيكية، لكنها طرحت عدة حقائق. الأولى أن احتمال الحرب بين إسرائيل وإيران وارد جداً. الثانية، أن ساحة الحرب بين إيران وإسرائيل لن تكون في لبنان، وإنما في سورية، ولدى إسرائيل أهداف ثمينة. الثالثة، أن روسيا لن تمانع في توجيه إسرائيل ضربة كبيرة إلى إيران في سورية، تنهي وجودها العسكري ونفوذها السياسي كلياً. وهذا الأمر لاحظه خبراء روس تحدثوا عن إيران، أنها بدأت تثير متاعب لروسيا، بعدم احترام الخطوط الحمراء التي حددتها إسرائيل لها في سورية، بالاتفاق مع روسيا، وكلها تتعلق بنفوذ إيران وحضورها العسكري في سورية.

==========================

سورية والنفوذان الإسرائيلي والإيراني .. عمار ديوب

العربي الجديد

السبت 17/2/2018

كان لبنان ملعباً للصراع بين إسرائيل وسورية، ولاحقاً حلّت إيران مكان سورية. شكّل ضعف النظام السوري سبباً لتصبح سورية مكان الصراع بين إسرائيل وإيران. أصبح لبنان بالنسبة إلى إيران "دولة" تابعة، وتحالف ميشال عون وحسن نصر الله سَهّلَ هذا الأمر. لم ينته الأمر في سورية بعد، وحجم التدخل الإقليمي والدولي ومساحة سورية الكبيرة وغياب كتلة "طائفية شيعية" يمنع ذلك حتى لحظته. محاولات إيران إيجاد "حزب طائفي كحال لبنان واليمن والعراق" لم تثمر، لانعدام الممكنات إذاً.

أبعدت الاتفاقية الدولية بعد حرب 2006 على لبنان حزب الله عن حدود "إسرائيل"، لكن غياب التوافقات بين أميركا وروسيا على إبعاد مليشيات إيران عن جنوب سورية وغربها كان سبباً للتأزم الإسرائيلي الإيراني. لم تأخذ الدول العظمى بعد بالاعتبار التّخوّفات الإسرائيلية. تحتج إسرائيل ذاتها، ومنذ سبع سنوات، لدى روسيا، ومع أميركا، من هذا الوجود، عدا أن إيران حاولت مراراً الاقتراب من الجولان، وتشكيل مجموعات متخصّصة "لإزعاج" إسرائيل، وفرض نفوذ ثابت لها في سورية معترف به. وإذا كانت التحركات الإسرائيلية تُلحظ من خلال العمليات الجوية، فإن كثافة المواقع العسكرية الإيرانية في سورية توضح خطورة التدخل الإيراني. إذاً هناك حرب باردة بين الدولتين، وتجري على الأراضي السورية.

ما يسمح بالوجود الإقليمي في سورية غياب التوافق الأميركي الروسي على شكل النفوذ في

"هناك تخوفات فعلية من تحويل سورية إلى أرضٍ لمعارك جديدة بين إسرائيل وإيران" سورية، ووجود مصالح متناقضة بينهما. من وجهة نظر الثورة والوطنية السورية، كلّ تدخل على الأرض السورية هو ضدّ مصالح الشعب. وحقيقة الأمر كذلك، فالبلد الذي يُدمر ويُقتل شعبه ويُهجر، ويتراجع دور "النظام والمعارضة" في تقرير مستقبله، هو سورية.

يستند مشروع إيران إلى أذرع طائفية. وعلى الرغم من محاولاتها التنسيق مع النظام اقتصادياً وعلمياً، فإن الفشل سيرافقه، نظراً لمساندتها النظام وضد الثورة الشعبية، وكذلك اعتمادها الخيار الطائفي، والذي ترفضه الأغلبية السورية ومن كل الطوائف. أيضاً هناك رفض أميركي لوجودها، وهو أحد النقاط الذي تكلم عنها وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، "تحجيم إيران في سورية"، عدا عن وجود مصالح متناقضة مع روسيا، ظهرت مراراً، لكن التوافق يستمر بينهما، نظراً للخلاف المستمر بين الدولتين العظميين. وبالتالي، هناك أسباب عديدة تفرض تحجيم إيران، وليس فقط بسبب الشروط الإسرائيلية.

ظهر في السنوات الماضية ما يشبه "التنسيق" بين سوريين وجهات إسرائيلية، وآخر فصولها، ما أوضحه التحقيق الاستقصائي الذي نشرته "العربي الجديد" (7/2/2018) عن غسّان عبود، "تسريبات من داخل شبكة أورينت تكشف خيوط التعاون مع إسرائيل"، وقبله انتشرت تقارير عن علاقة ملهم الدروبي، وهو أحد قادة الإخوان المسلمين، مع إسرائيل، وهناك تقارير عن علاقات أخرى تتم في تركيا، وكذلك ذهاب وفد إعلامي أخيرا، ومعهم إعلامي سوري، ويضاف إلى ذلك كله حاجة الجرحى في المناطق المحاصرة بين إسرائيل والمناطق التي تحت سيطرة النظام. يظهر من ذلك كله وكأنّ هناك "علاقات" تتطوّر بين سوريين من غير النظام وإسرائيل، أو كأن هناك توافقات لصالح الجهتين وضد إيران، أو حتى من أجل علاقات مستقبلية "طبيعية"، وما يمنع ذلك فقط المشروع الإيراني.

بوضوحٍ شديد، لا علاقة للثورة السورية بإسرائيل، ولن تكون هناك أية علاقات ممكنة قبل استعادة كامل الأرض السورية المحتلة، وإيجاد حل للقضية الفلسطينية. وتشكل أجواء "صفقة القرن" وأوهام الرئاسة الأميركية عن أن القدس يجب أن تصبح عاصمة إسرائيل، عوامل إضافية لرفض أية علاقات "جديّة" ومؤثرة بين سورية وإسرائيل. وبالتالي، كل المحاولات التي ذكرتها، أو كما فعل المعارض كمال اللبواني وسواه من قبل، تمثل هؤلاء الأفراد، وهي تعبر عن "عمالة" رخيصة، لصالح تزيين وجه إسرائيل، والتي تتجه إلى أن تصبح دولة دينية بامتياز.

التعقيد الذي يحيط بمستقبل السوريين لا يجد أيَّ حلٍّ له لدى إسرائيل، فهي ليست أكثر من دولة محتلّة لقسم من المنطقة، وليست دولة مؤثرة في الشرطين، الدولي والإقليمي الضاغط على 

"هناك عنصر مهم في السياسة الإسرائيلية، ويكمن في الإضعاف المستمر، والحق بقصف كل مركز عسكري إيراني" سورية، والذي حوّل الأخيرة إلى ملعب له، وهو ما سمح لإسرائيل بمحاولة الحضور الإقليمي.

التناقض بين إيران وإسرائيل أمر طبيعي. المشكلة الحقيقية في العالم العربي، وتحديداً في سياسات الأنظمة، والتي تتسارع لإقامة علاقات مع إسرائيل، كما تحاول أخيرا كل من السعودية والبحرين، وكما أشيع عن "تحالف سني إسرائيلي"، عدا عن وجود علاقات سابقة ضمن اتفاقيات السلام، وأخطرها اتفاقية أوسلو ونتائجها الكارثية، ومع دول كالمغرب مثلاً. المشكلة هنا أن كل تلك العلاقات أقيمت من دون حلٍّ لمشكلة الصراع الصهيوني ضد الدول العربية، ورفض إسرائيل تنفيذ القرارات الدولية. وبالتالي، هناك مشكلة تتعدّى سورية، والآن هناك تخوفات فعلية من تحويل سورية إلى أرضٍ لمعارك جديدة بين إسرائيل وإيران، وتؤدي إلى مشكلاتٍ إضافية للسوريين.

دخول طيارة إيرانية بلا طيار، وإسقاط طائرة إسرائيلية، ثم الإغارة مجدداً على أهداف إيرانية سورية كثيرة وعدم الرد، يوضح أن لا تغيير في المخططات الإقليمية، كما أشيع، وستبقى الخلافات بين إسرائيل وإيران ضمن الحدود السابقة "سورية ولبنان وغزة ملعب بينهما". ضعف حزب الله وتورّط إيران في سورية والحصار عليها ليست عوامل إضافية لهجمات إسرائيلية، فهناك عنصر مهم في السياسة الإسرائيلية، ويكمن في الإضعاف المستمر، والحق بقصف كل مركز عسكري إيراني. هذا الإضعاف يُنهك الحزب وإيران، ويمنع تحويل سورية إلى جبهة قوية ضدّها، وكذلك معرفة إسرائيل أن أية توافقات بين روسيا وأميركا ستتضمن بالضرورة تهميشاً للوجود الإيراني في سورية. الرأي الذي يؤكد أن ضعف حزب الله وإيران يشكل مناخاً مثالياً للحرب ليس صحيحاً؛ فإسرائيل تستهدف إضعاف المشار إليهما، وهذا سيدفع العرب إلى التعاون معها، وهي قضية إسرائيل الحقيقية، حيث سيكون لها حصة من ثروات العرب، وإقامة علاقات طبيعية مع هذه الدول.

السوريون، كما بقية العرب، معنيون برفض تحويل بلادهم إلى ساحات حربٍ أهلية، ورفض كل ميل طائفي إلى السياسة، ومعنيون بتغيير أنظمتهم، لأنّها أنظمة حرب "أهلية" طبقية، ولأنّ ذلك يُدمر مستقبلهم. ومعنيون أيضاً برفض تحويل بلادهم إلى ساحاتِ حربٍ للخلافات الإقليمية والعالمية. سورية ولبنان واليمن وليبيا، الآن، هي ساحات لهذه الخلافات، فهل يتنبه السوريون إلى ما صُيّروا إليه؟

==========================

لا تراهنوا على صراع إيراني إسرائيلي! .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 17/2/2018

ظن البعض مؤخراً أن الحرب ين إيران وإسرائيل قد تندلع بين لحظة وأخرى بعد أن ادعت إسرائيل أنها أسقطت طائرة استطلاع إيرانية داخل الأجواء الإسرائيلية كانت قادمة من قاعدة إيرانية في سوريا. ومما زاد في تأزم الوضع بين طهران وتل أبيب أن النظام السوري أسقط طائرة إسرائيلية في اليوم نفسه لأول مرة منذ واحد وثلاثين عاماً. هذه الأجواء المحمومة جعلت الكثيرين يتوقعون أن تشتعل الحرب بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى. لكن السياسة علمتنا أن لا نأخذ أبداً بظاهر الأمور مهما كانت مشتعلة إعلامياً، فالحقيقة لا تجدها في وسائل الإعلام ولا في التصريحات السياسية النارية، بل تجدها على أرض الواقع. وقد أخبرنا الفلاسفة الإغريق أن لا نركز على ما يقوله الساسة، بل على ما يفعلونه على الأرض. ولو نظرنا إلى ما فعلته إسرائيل وإيران على الأرض نجد أن الطرفين حلف واحد يتقاسم العالم العربي بالمسطرة والقلم.

قالها لي باحث سوري كبير يعيش في أمريكا منذ الأيام الأولى للثورة السورية. وهو مؤيد للنظام بطريقة ذكية قال: "لا تتفاجأوا بالتغلغل الإيراني المتزايد في المنطقة عموماً وسوريا خصوصاً: فهناك اتفاق بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى يسمح لإيران بالتمدد واستعداء العرب للتخفيف من العداء العربي لاسرائيل. بعبارة أخرى هناك اتفاق بين اسرائيل وإيران على تقاسم العداء مع العرب، فبدلاً من أن تظل إسرائيل البعبع والعدو الوحيد للعرب في المنطقة تتقاسم العداء مع إيران بحيث يخف الضغط على إسرائيل. ولو نظرنا الآن لوجدنا ثمرات هذا الاتفاق على الارض. ألم يصبح غالبية العرب ينظرون إلى إيران على أنها أخطر عليهم من اسرائيل؟ وبالتالي، فإن كل العداء هذا الظاهر بين الصفيوني والصهيوني مجرد ضحك على الذقون. أما الخوف الإسرائيلي من الوجود الإيراني في سوريا ولبنان فقد أصبح نكتة سمجة لم تعد تنطلي على تلاميذ المدارس.

تعالوا نشاهد كيف سهّلت أمريكا وإسرائيل لإيران الخمينية أن تتمدد حتى تصل إلى حدود إسرائيل. ألم يرفع الإمام الخميني عند وصوله إلى السلطة في إيران في نهاية سبعينيات القرن الماضي قادماً من بلاد الغرب "اللعين"، شعار محاربة الشيطان الأكبر، ألا وهي أمريكا وكل الجهات المتحالفة معها في الشرق الأوسط؟ ألم تكن إسرائيل على رأس قائمة الجهات التي استهدفتها القيادة الإيرانية الجديدة التي استلمت مقاليد الحكم بعد الثورة؟ ألم نسمع وقتها كيف بدأ الإيرانيون الجدد يرفعون شعار تحرير القدس وإغراق الصهاينة بالماء؟

ألم تنتبه إسرائيل وأمريكا لكل تلك التهديدات الإيرانية الصارخة؟ لماذا لم تتخذ واشنطن وتل أبيب كل الاحتياطات، وترصد كل التحركات الإيرانية الجديدة لحظة بلحظة خوفاً من حملة الثأر الإيرانية الرهيبة التي أطلقها الخميني ضد الشيطان الأكبر وربيبته إسرائيل؟ على العكس من ذلك نجد أن التغلغل الإيراني في المنطقة بعد سنوات قلائل على الثورة الإيرانية، فقد وصلت إيران فوراً إلى الحدود الإسرائيلية بلمح البصر بعد تهديداتها النارية للإمبريالية والصهيونية. وفي بداية الثمانينيات، وبعد ثلاث سنوات أو أقل، ظهر فجأة إلى الوجود "حزب الله اللبناني" كأول طليعة وذراع عسكري لإيران في المنطقة. ولو ظهر ذلك الحزب مثلاً في بلد عربي بعيد عن إسرائيل، لبلعنا القصة. لكن الذي حصل أن إيران أسست حزب الله على الحدود مباشرة مع ما تسميه وسائل الإعلام الإيرانية "الكيان الصهيوني" بعد أن قضت بالتعاون مع النظام السوري على كل الفصائل اللبنانية والفلسطينية والوطنية واليسارية والإسلامية وغيرها في لبنان التي كانت تخوض حرب العصابات ضد إسرائيل.

فجأة ظهر حزب الله ليرفع شعار تحرير القدس من على الحدود مع إسرائيل مباشرة، وليس من طهران.

والسؤال هنا بعد تولي الخميني مقاليد الحكم في إيران ورفعه شعارات تقطر عداء لإسرائيل وأمريكا: كيف سمحت إسرائيل وأمريكا لذراع عسكري إيراني ضارب أن ينشأ على حدود إسرائيل مباشرة مع لبنان بعد فترة قصيرة جداً من وصول الخميني إلى السلطة، وبالتالي أن يهدد "الصهاينة" من على مرمى حجر؟

بعض الساخرين يتهكم قائلاً: يبدو أن أمريكا وإسرائيل اللتين تراقب أقمارهما الاصطناعية دبيب النمل في المنطقة، كانتا نائمتين في تلك اللحظات التي ظهر فيها حزب الله على الحدود مع إسرائيل أو كانت الكهرباء مقطوعة في إسرائيل، فنشأ الحزب ونما، ودجج نفسه بالسلاح الإيراني والسوري بلمح البصر، وعندما استفاقت أمريكا وإسرائيل وجدتا أن هناك قوة عسكرية إيرانية ضاربة على الحدود الإسرائيلية، فأسقط في أيديهما، وندمتا على الساعة التي أخذتا فيها غفوة، فاستغلتها إيران في إنضاج حزب الله، وجعله سيفاً مسلطاً على رقبة إسرائيل بين ليلة وضحاها.

وبما أن النظام الإيراني الجديد رفع منذ بداية الثورة شعار القضاء على الصهيونية، فكيف سمحت له إسرائيل وأمريكا أن يتغلغل في سوريا جارة "الصهيونية" المباشرة بهذا الشكل الرهيب، بحيث أصبحت سوريا على مدى عقود بعد الثورة الإيرانية (عدوة الامبريالية والصهيونية)، أصبحت مربط خيل إيران في المنطقة؟ يبدو أيضاً أن الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية أثناء التغلغل الإيراني في سوريا والهيمنة عليها كانت نائمة، ربما بسبب التعب، أو بعد تناول وجبة ثقيلة من الأسماك، فاستغلت إيران الغفوة أيضاً، ووصلت إلى حدود "الكيان الصهيوني" لتهدده مباشرة. وها هو الحرس الثوري الإيراني الذي يريد أن يدمر الصهاينة يصول ويجول الآن في سوريا حتى وصل إلى تخوم الجولان، وإسرائيل "المسكينة" غافلة عنه. يا سلام! يا حرام!

لو كانت اسرائيل تخشى من إيران وميليشياتها الطائفية في سوريا، لما سمحت هي وأمريكا لتلك الميليشيات بدخول سوريا أصلاً، ومن سلم العراق لإيران على طبق من ذهب، لا يمكن أن يعرقل التغلغل الفارسي في سوريا، ومن يخشى من حزب الله في لبنان، لا يمكن أن يسمح لإيران بإنشاء ألف حزب الله في سوريا.

==========================

موسكو بين اختيارَين: طهران أم تل أبيب؟ .. مرح البقاعي

الحياة

السبت 17/2/2018

لم يكن التحرّش الإيراني من طريق طائرة "درون" بلا طيار انطلقت من الأراضي السورية نحو شمال إسرائيل، إلا صرخة المكتوم في ضوضاء تعالي الأصوات الدولية، صاحبة النفاذ والرجاحة السياسية والعسكرية على الأرض السورية، وفي مقدمها روسيا. وقد جاء الرد الإسرائيلي سريعاً من خلال 12 غارة نفذها الطيران على مواقع عسكرية بالقرب من دمشق انتهت بسقوط طائرةً F16 المتطورة لتل أبيب.

حتى اليوم، لم تتضح الصورة في شكل كامل، وبالتفاصيل المطلوبة، لكيفية سقوط هذه الطائرة، ولو أن بعض التقارير تناقل نبأ إسقاطها بصاروخ سام 5 الذي خضع للتطوير الروسي منذ تسلّمته سورية قبل عقود. غير أن المغزى من هذا الاستعراض "الحربجي" على الطرفين الإسرائيلي والسوري، وفي هذا التوقيت بالذات، هو حمّال وجوه واعتبارات.

فإيران التي وجدت أنها دُفعت من الحدود السورية مع الجولان المحتل نحو محيط دمشق، إثر الاتفاق الذي تم بين عمان وموسكو وواشنطن في المنطقة المنخفضة التوتر هناك، وهي المنطقة الوحيدة من مجمل المناطق المنخفضة التوتر التي حافظت على وقف إطلاق النار فيها بضغط أميركي لافت، لم ترض بالمطلق عن خسارتها لتلك المواقع المتقدمة مع إسرائيل، والتي ستضمن لها مناورة أوسع على طاولة المفاوضات بين الدول الضامنة من جهة، وأميركا الرابضة للحظة قنص كل مراميها في سورية دفعة واحدة وبلا تردد. ولم ترَ طهران ضمن هذه الشروط الجديدة لتغيّر الأوزان والمعطيات للدول الأربع ذات المنفعة المباشرة في سورية، إلا أن ترسل طائرة الدرون تلك لتقول: أنا هنا!

ومن المضحك والمبكي في آن، أن السفير الإيراني في دمشق ظهر على شاشة التلفزيون الرسمي السوري إثر سقوط الطائرة الإسرائيلية ليبارك العملية ويهنئ الشعب السوري بهذا الانتصار الجوي على إسرائيل، بينما لم يظهر وزير الدفاع السوري أو رئيس أركانه على أقل تقدير للإعلان عن التصدي للاعتداء الإسرائيلي على الأجواء السورية.

طبعاً، لم يفت على المسؤولين في النظام السوري ومعسكره الإعلامي توظيف سقوط الطائرة لمصلحة إعادة تداول الشعارات الممجوجة التي كرسها الأسد الأب، ومن بعده الابن، من أن هذه العائلة هي وحدها القادرة على حماية الأرض والسيادة الوطنية من أطماع تل أبيب، ولو أن هذا التسويق الإعلامي للأسد جاء مغلفاً بغموض العملية وتأرنُب (من أرنب) الجيش النظامي أمام العديد والعتاد الروسي والإيراني، اللذين استقرا على أرضه لا للدفاع عن النظام وحسب، بل عن خارطة نفوذ الدول المعنية التي ملعبها الأرض السورية. وحين يقترب الجميع من تقاسم مواقع النفوذ في سورية، سيرتفع معدل التوتر الميداني والتفاوضي بدرجة موازية لطموح اقتسام الكعكة السورية ولحجم المصالح الدولية الطويلة الأمد. فإيران ذات المطامع العقائدية تريد أن تسترد ما استثمرته في الإبقاء على بشار الأسد ونظامه، ليشكّل وتداً آخر يضاف إلى أوتاد غرستها في لبنان واليمن والعراق، لرفع خيمة مشروعها الطائفي التوسعي العابر للحدود. وإيران المستشرية في النسيج السوري بأذرع ميليشياتها الأخطبوطية، تريد أن تعزز من موقعها في ملف الاتفاق النووي الذي تعد الولايات المتحدة العدة لقلب طاولته على رؤوس متشددي طهران وملاليها، لتفوّت بذلك الفرصة على واشنطن من خلال ليّ ذراعها حيث الوجع العميق: أمن إسرائيل. إلا أن وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسن، الذي يقوم بجولة هذا الأسبوع لدول في المنطقة ستشمل مصر والأردن ولبنان والكويت وتركيا، لم يضف إلى برنامج زياراته محطة تل أبيب إثر هذا التصعيد الأخير، الأمر الذي دعا مدير عام المخابرات الإسرائيلية، تشاغي تزورييل، إلى حض الولايات المتحدة على ضرورة مقاربتها للرؤية الإسرائيلية لنوايا إيران في سورية، واصفاً إيران بأنها "سيدة لعبة الانزلاق نحو المنحدرات".

أما روسيا، التي وضعت يدها في يد إيران لدعم النظام السوري من أجل الاستمرار في السلطة، فما فتئت تتوجس من النفوذ الميليشياوي الإيراني على رغم أنها تسيطر على الأجواء السوريّة تماماً. وروسيا التي تواصلت في شكل وثيق ومتصل مع إسرائيل، هي من مهّد الأجواء (غضّت الطرف في أضعف الإيمان) لدخول الطيران الإسرائيلي وضربه مواقع عسكرية حساسة للنظام ولطهران قرب دمشق، إثر سقوط المقاتلة الإسرائيلية. وعلى رغم أنه لم تُحسم حتى اليوم كيفية سقوط الطائرة الإسرائيلية F16، هل بفعل عطل تقني في تشغيلها أم بالدفاعات الجوية السورية المختلطة الهوية، إلا أن فصل المقال يكمن في الاتجاه الذي ستأخذه موسكو بعد هذا الحدث المنعطف، إذ لن يمكنها بعد اليوم أن تستمر في سيرها البهلواني على حبليّ إسرائيل وإيران معاً، وعليها أن تحسم أمرها على أي جانبيها ستميل.

==========================

الصراع على سوريا وتأثيراته على لبنان .. رضوان السيد

الشرق الاوسط

السبت 17/2/2018

منذ إسقاط السوخوي في إدلب، وإيقاف الأميركيين لهجمة النظام السوري وميليشياته للاستيلاء على أحد حقول النفط بدير الزور، كان منتظراً أن يردَّ الروس على الأميركيين، بتصعيد الهجمات في إدلب والغوطة الشرقية، وصولاً لإسقاط الإف - 16 الإسرائيلية، ومنع إسرائيل من الاستمرار في الحرب على المواقع الإيرانية بجوار دمشق وعلى الحدود السورية - اللبنانية - الإسرائيلية.

الإيرانيون والسوريون وإعلام "حزب الله" في لبنان، كل هؤلاء - وهم طرف واحدٌ - اعتبروا إسقاط الطائرة انتصاراً يُنسي كلَّ ما عداه، منذ خمس سنوات، وبشرّوا بحربٍ قادمة لن تجرؤ إسرائيل على خوضها. والإسرائيليون قالوا إن الطائرة سقطت مُصادفة بسبب سوء تصرف الطيارَين، بالإمكانيات التي لديهما، وأنهم سوف يستمرون في سياستهم لمنع إيران من التمركز على حدودهم، وتذمروا في الوقت نفسه من قلة حيلة الأميركيين، وأظهروا اعتمادهم على الرئيس بوتين في إنفاذ التعهدات الثنائية، ومنع نشوب حرب ـشاملة في المنطقة.

لماذا يتذمر الإسرائيليون من الأميركيين، ولماذا هذه الحماسة الإيرانية للحرب؟ يرى الإسرائيليون أنه كانت هناك تعهدات من جانبهم ومن جانب الروس للأردن ولإسرائيل، بأن لا تقترب إيران وميليشياتها من حدودهما، ولا من الحدود السورية - العراقية. وصحيح أنّ الأميركيين لا يزالون بقاعدة التنف، لكنّ الحدود الإسرائيلية ما عادت آمنة رغم التعهدات المتكاثرة. ولذلك تكررت زيارات نتنياهو لموسكو وسوتشي، لكي يذكّر الإسرائيليون الروس بالتعهدات، ولكي يستمر "حقهم" في الإغارة على المواقع الإيرانية والمتأيرنة "حزب الله" على مقربة من الحدود لناحية لبنان، ولناحية الجولان.

أما الإيرانيون فيستمرون منذ الربع الأول من العام 2017 في الزحف باتجاه الحدود مع الجولان المحتل. ثم إنّ إسرائيل بدأت تتهمهم بتطوير مصانع للصواريخ وقواعد في سوريا ولبنان، يمكن منها وبها إلحاق خسائر كبيرة بالكيان إذا نشبت الحرب. وقد خفتت تهديدات الحزب العلنية لإسرائيل بعد العام 2013 بسبب انشغال الحزب في سوريا، لكنّ اللهجة الحربية تصاعدت من جديد في العام 2017 بعد أن مالت الكفة لصالح النظام السوري بسبب التدخل الروسي. وفي الشهور الأخيرة من العام قيل إنّ الحزب وزّع قوات النخبة في ميليشياته بين سوريا ولبنان. وبدا أنه (من الناحية الإعلامية على الأقلّ) يتوقع حرباً قريبة مع إسرائيل، وهو مستعدٌّ لها، مع الاستمرار في القول إنّ الإسرائيليين لن يتجرأوا على ذلك بسبب ضخامة القدرات العسكرية التي جمعوها وطوروها في لبنان وسوريا.

إيران تعتبر لبنان وسوريا ساحة استراتيجية واحدة. وليس بسبب الحدود المشتركة، والأرض المشتركة فقط، بل ولأنها استولت من سنوات على الساحة اللبنانية، ووصلتها بالساحة السورية لجهة القلمون في وسط سوريا، ولجهة جنوب دمشق فالجولان. واستناداً إلى تجربتها في العراق ولبنان، فهي تتوقع أن يغادر الروس سوريا بعد الحرب، باستثناء القواعد، كما حصل مع الأميركيين في العراق؛ في حين يكونُ الإيرانيون قد ثبّتوا أقدامهم بداخل البلاد وعلى حدودها من الشمال إلى الوسط إلى الجنوب، ومع الحدود العراقية واللبنانية والجولان المحتل.

لقد أدرك الإسرائيليون ذلك بسبب العلنية التي تتّسم بها التصرفات الإيرانية في السنوات الأخيرة. ولذلك تكثفت غاراتهم بالداخل السوري وعلى الحدود مع لبنان بحجة منع إدخال السلاح للحزب، والآن بحجة منع الإيرانيين من إنشاء قواعد وتطوير أسلحة. ولأنّ الساحتين السورية واللبنانية مترابطتان في المنظور الإيراني؛ فإنّ إسرائيل أقبلت على بناء جدار فاصل على الحدود مع لبنان، يشبه الجدار الفاصل الذي سبق أن أقاموه في الجولان. وقد امتدّ الجدار الأرضي إلى البحر، عندما أعلنوا أنّ البلوك رقم 9 الذي حدده اللبنانيون للبحث فيه عن البترول يقع بعضه ضمن المجال البحري الإسرائيلي، وهو أمرٌ غير صحيح بالطبع، لكنّ الإسرائيليين يريدون القول إنّ لبنان لن يستمتع بثرواته البحرية، ولن يجري الانسحاب من أرضه (مزارع شبعا) ما دامت الميليشيات الإيرانية موجودة على حدود الكيان في لبنان وسوريا.

وما تصرفت السلطة اللبنانية من قبل بحكمة، ولا هي تتصرف بحكمة اليوم. فطوال الشهور الماضية ظلَّ رئيس الجمهورية يصرّح بأنّ لبنان بحاجة لـ"حزب الله" وسلاحه لردع إسرائيل وتحرير الأرض، كما أنه بحاجة للحزب لمكافحة الإرهاب (!). ورئيس الحكومة اللبنانية يصرّح بأنّ الحزب لا يستعمل سلاحه في الداخل اللبناني؛ فأين يستخدمه إذن؟! ويعود رئيس الجمهورية للقول: إن سلاح الحزب باقٍ لحين انتهاء أزمة الشرق الأوسط! وكل هذا الكلام لا يعرِّض أمن لبنان للخطر فقط؛ بل ويخالف القرارات الدولية التي تمنع الحزب من الوجود في جنوب لبنان الذي يوجد فيه الجيش والقوات الدولية. كما أنّ القرار الدولي رقم 1559 يمنع وجود سلاح غير سلاح الجيش والقوى الأمنية على أرض لبنان!

الحرب واقعة في سوريا في كل مكان من سنوات. وقد دخلت إسرائيل على الحرب هناك بقوة الآن، بسبب الوجود الإيراني في سوريا على حدودها كما يقول الإسرائيليون. لكنّ السلطة اللبنانية وبدلاً من الانشغال بتطبيق النأي بالنفس، ووقاية لبنان من الأخطار بقدر الإمكان، تزيد في احتضان ميليشيا الحزب إمّا عجزاً وإما اقتناعاً أنّ المحور الإيراني هو الذي يستطيع حماية لبنان، وليس القرارات الدولية ولا القوات الدولية ولا الجيش اللبناني!

ويبقى السؤال المكرور: لماذا تريد إيران أو تتظاهر أنها تريد الحرب؟ يعتقد الإيرانيون أنّ حرب العام 2006 هي التي مكنتهم من السيطرة على لبنان، ويحسبون أنّ سوريا تحتاج شرعنة السيطرة عليها إلى حربٍ لن يخسروا فيها إيرانيين كثيرين، وتكون مكافأة لكلّ ما قدِّموه لنظام الأسد.

وعندهم الآن دافعٌ آخر. فالتذمر الداخلي بإيران ركّز على الإنفاق الهائل على الميليشيات خارج إيران مثل "حزب الله" وحماس وغزة والميليشيات الشيعية في سوريا والعراق. ولذلك يكون على الحرس الثوري إثبات أنّ هذا الإنفاق ليس عبثياً في مقابل الإمبراطورية من ضمنها ثلاثة بلدان عربية هي العراق وسوريا ولبنان!

هل تؤدي هذه الإمبراطورية إلى تحسين أحوال الشعب الإيراني؟ وهل يسمح التنافس الدولي في سوريا بانفراد إيران بالسيطرة عليها؟ ولماذا يسلِّم لها الأميركيون والروس والأتراك والعرب بهذه السيطرة؟ وأخيراً لماذا يسلِّم الشعب السوري بسيطرة عصائب طائفية على بلاده؟

يقول الخبراء المتذاكون إنّ الإيراني "حسّيب" فهو صانع السجاد الصبور، الذي يحيك السجادة قطبة قطبة. لكنّ هؤلاء يتجاهلون أنّ إيرانيي ولاية الفقيه، لن يجدوا للسجادة التي مزقوها وأحرقوها سوقاً ولا مشترين: "وكذلك نُوَلّي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون".

=========================

آذار وبحار الدم (الحلقة 45) .. الطليعة تعلن النفير العام في مدينة حماة   والسلطة تفاجئ القيادة الميدانية .. محمد فاروق الإمام

عرفت الأجهزة الأمنية السورية بقرار عمر جواد بالنفير، ففاجأته بسحب جميع الوحدات العسكرية يوم 31 كانون الثاني من المدينة إلى خارجها بشكل تام، فأخلت مدينة حماة لعمر جواد الذي لم يدرك أن هذا الانسحاب كان جزءاً مما يسمى في حرب العصابات بـ(شبكة العنكبوت).

ويتلخص هذا المفهوم بتشكيل أطواق متتالية، ثم الاصطدام عبر مفارز بقواعد العصابيين و(استفزازهم) للخروج من مكامنهم إلى حرب مكشوفة، يكونون فيها مطوقين تماما، ويبدو أن هذا ما حدث.

القيادة الميدانية تدعو أهل حماة للجهاد

داهمت الأجهزة الأمنية القاعدة القيادية المركزية وأرغمتها على المجابهة، مما أدى، وفق الرواية الأمنية السورية شبه الرسمية، إلى تسبيق عمر جواد لساعة الصفر بيومين.

أمام مهاجمة الأجهزة الأمنية لقاعدة القيادة دعا عمر جواد أهل حماة في ظهر يوم 2 شباط عام 1982م من خلال مكبرات الصوت في المساجد إلى الجهاد، وأوهم الناس بأن كافة المدن السورية سقطت بيد (المجاهدين) ما عدا حماة.

وهكذا وقعت المدينة في الفخ الذي نصبته أجهزة الأمن، فتقاطر الشباب على المراكز التي حددها عمر جواد لاستلام السلاح الذي وزعه بسخاء لكثرته. وتوهمت القيادة الميدانية أنها ربحت المعركة، وأن النصر بات قاب قوسين أو أدنى، بعد أن خلت لها مدينة حماة وسيطرت عليها بشكل تام من 2 شباط إلى 12 منه عام 1982م. وكانت المجابهة الدامية بين (كليشنكوف) عمر جواد و(دبابة وراجمة ومدفع وطائرات السلطة) ولتُذبح المدينة من الوريد إلى الوريد بحماقة القيادة الميدانية وغفلتها، وبعنجهية صقور السلطة بعيداً عن العقل والنظر إلى التداعيات والعواقب.

تدمير حماة واستباحتها من قبل قوات النظام

بعد حصار السلطة لمدينة حماة، بهدف إخراج المقاتلين من مخابئهم بعد أن علمت بقوتهم هناك، عمدت السلطة للاعتقالات والتعذيب الجماعي للإمساك بالخيوط التي يمكن أن توصلها للتنظيم العسكري، وفعلاً توصلت بعد شهرين لمعرفة معظم القواعد واعتقال عدد من المقاتلين غير المكشوفين، فباشرت بمداهمة هذه القواعد ونسفها على رؤوس المدنيين لمجرد احتمال وجود مسلحين، وقامت بأعمال عشوائية من التمشيط دفعت معها المقاتلين وقيادتهم لقرارهم الاضطراري بالصدام، لذلك قرروا المجابهة حتى لا يكون قتلهم مجاناً، وحتى يتركوا مجالاً أمام الجيش للانشقاق إن كان هناك شيء من هذا سيحصل. وهكذا قررت قيادة المقاتلين وعلى رأسها (عمر جواد) الصدام العلني في 25 كانون الثاني عام 1982م. ثم جاء نزول عدنان عقلة غير المتوقع، وما كان من تدارس الأمر بينهما قرر فيه عدنان الخروج لاستنفار شبابه للمشاركة في الصدام بعدما وعده العراقيون بالدعم، فوعده أبو بكر بتأخير الانفجار ما أمكن لفتح المجال أمام إخوة الخارج للمشاركة في هذا الصدام.

في اليوم الثاني من شباط عام 1982م قامت مجموعة من الوحدات الخاصة التابعة للعقيد علي حيدر بالتوجه لمداهمة قاعدة أبي بكر القيادية، وعلم بذلك أبو بكر عبر التصنت على أجهزة الإرسال، فنصب الكمائن للمجموعة المداهمة فأبادها عن بكرة أبيها، وابتدأ المقاتلون خطة سيطرتهم على المدينة، ومع الصباح توجه أبو بكر إلى المسجد وأعلن عبر مكبرات الصوت الانتفاضة المسلحة، ووزع كميات كبيرة من الأسلحة على الأهالي، وقام المقاتلون بالسيطرة على المدينة، ودارت معارك ضارية وعنيفة بين المقاتلين والوحدات الخاصة والحزبيين، تم على إثرها تنظيف المدينة من كل عناصر السلطة والحزب، وتمت للمقاتلين السيطرة الكاملة عليها. في حين أغلق الجيش بدباباته ومجنزراته وراجمات صواريخه المنافذ المؤدية إلى المدينة، ومنع الخروج أو الدخول منها وإليها، وفرض حصاراً شديداً حولها وعلى تخومها.

قامت السلطة بعد ذلك بمحاولات إنزال جوي للوحدات الخاصة ولسرايا الدفاع التي كان يقودها العقيد رفعت الأسد شقيق الرئيس حافظ الأسد فوق بعض الأماكن من المدينة، إلا أن المقاتلين تمكنوا من إبادة تلك المجموعات، فيما أخفقت كل محاولات الجيش المحاصر للمدينة من اقتحامها بالمدرعات في عدد من المحاور، التي كان المقاتلون يتصيدونها ويعطبونها ويمنعونها من التقدم، حيث كان المقاتلون لها بالمرصاد، وبقي المقاتلون يسيطرون على المدينة دون وجود لأي نوع من أجهزة السلطة فيها.

ثم قرر المقاتلون بعد تضييق الخناق عليهم الانسحاب إلى الأحياء القديمة حيث يسهل الدفاع عنها لصعوبة تحرك الآليات في أزقتها الضيقة. وحافظ المقاتلون على سيطرتهم على عدد كبير من أحياء حماة رغم شح ما تبقى معهم من ذخائر وخاصة المضادة للدروع.. واستمر قصف المدينة العشوائي من قبل السلطة بالمدفعية والهاونات والدبابات وراجمات الصواريخ نحو عشرة أيام دون توقف ليلاً ونهاراً، قتل خلالها القائد (أبو بكر – عمر جواد) القائد الميداني للطليعة بقذيفة مدفع هاون في اليوم الثامن للمعارك، وتولى القيادة نائبه (أبو عارف – مسعف البارودي) وبقي يقاوم حتى أصيب هو الآخر وقتل.

اقتصر القتال في الأيام الأخيرة من المعارك على الأحياء المتفرقة بالمدينة، وألقى معظم المدنيين الذين بقوا على قيد الحياة أسلحتهم كي لا يثبت عليهم تهمة المقاومة، وهكذا انتهى كل شكل من أشكال المقاومة بعد حوالي ثمانية عشر يوماً من انفجار الأحداث، لم تتمكن السلطة بكل ما لديها من قوة من دخول المناطق التي كان المقاتلون ومناصريهم يسيطرون عليها في تلك الأيام الملتهبة.

ولم تدخل قوات الجيش إلى المدينة إلا بعد أن سوت معظم أحياءها بالأرض، ولم ينجو من القصف دور العبادة من مساجد وكنائس، وقيل إن نصف المدينة قد أتي عليها تدميراً وخراباً، وما تبقى لم يكن سالماً تماماً، وقد تكبد المدنيون خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات، حيث بلغ عدد القتلى نحو خمس وثلاثين ألفاً والآلاف من الجرحى.

وبعد أن تبين للعقيد رفعت الأسد خلو المدينة من المقاتلين والمقاومين أمر سراياه باستباحتها لثلاثة أيام لم يتركوا فيها شيء يمكن حمله أو سلبه ونهبه، في حين قامت بعض الفرق الأخرى باعتقال كل من وصلت إليه يدها من رجال وشباب وحتى النساء والشيوخ والأطفال. وجرت عمليات قتل لأسر بأكملها، وقدر عدد من تمكن من الفرار من المدينة بنحو ثلاثمائة ألف هاموا على وجوههم في المناطق السورية أو خارج البلاد.

يتبع

=============================

آذار وبحار الدم (الحلقة 46) .. مأساة تبديل بطاقات الهوية الشخصية في حماة .. محمد فاروق الإمام

ابتداءً من مطلع شهر تشرين أول 1981 قامت السلطة بالبدء باستبدال بطاقات الهوية القديمة بأخرى جديدة من نوع آخر، وكانت السلطة قبل ذلك بعامٍ تقريباً قد أصدرت أمراً للمواطنين بضرورة تقديمهم طلبات للحصول على بطاقات هوية جديدة بدل بطاقات الهوية الشخصية القديمة التي تقول السلطة أن الإخوان المسلمين تمكنوا من تزويرها وتوزيعها على مستوى واسع في البلاد، وكان مركز استلام بطاقات الهوية الشخصية فخّاً كبيراً لاعتقال من تريد السلطة اعتقاله، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل قامت السلطة ومن خلال دورياتها الراجلة بنصب حواجز تفتيش ثابتة وغير ثابتة تفاجئ المواطنين للكشف عن هويَّاتهم الجديدة، واتخذت من هذه اللعبة القذرة ذريعةً لإهانة الناس وخصوصاً منهم كبار السنِّ المُسنين من النساء والرجال، أمّا الشباب الذين لم يكونوا يحملون هذه البطاقات الجديدة فكانوا يلاقون أقسى أنواع التعذيب والاضطهاد حتى يتبين للمجرمين ويتأكدون بأن ذلك الشاب أو تلك الفتاة لم تستلم بعد بطاقتها الجديدة، وكثير من الشباب اختفى من على هذه الحواجز الثابتة والطيّارة. 

اضطهاد السلطة للناس في شوارع حماة

لقد صبّت السلطة العذاب والقمع على سُكّان مدينة حماة جملةً واحدة، فلم تميز حقيقة بين مسلم ومسيحي ولا بين إخوانيّ أو بعثيّ، فأولاً يأخذ كُلٌّ نصيبه من التعذيب والاضطهاد ثم يرى قائد الدورية من يكون ذاك الشخص الذي أمامه، فبداية أول ما يوقفوا شخصاً ما للتفتيش والاستفسار عن هويته توجه إليه البنادق من كل صوب وتوجه المسدسات إلى رأسه وتحيط به الرشاشات من كل جانب، وكل ذلك يتم بمرافقة السبِّ والشتائم بأبشع وأقذر ما عرفته قواميس الشتيمة والسباب، والويل لمن تشابهت كنيته بكُنية أحد الملاحقين المطلوبين للاعتقال، فعندها يقوم عناصر الدورية بضربه بأعقاب بنادقهم ومؤخرات مسدساتهم على رأسه ووجه وأنحاء جسمه المختلفة، وإذا ما سقط إلى الأرض تناولته أقدامهم بالركل والرفس كالبغال والحمير الهائجة، ولا يخرج الشخص من هذه الحفلة إلا وقد أدمى رأسه وجسده، وكثيراً ما كانت تتكسر بعض أطرافه.

ومن الصور التي شاع استخدامها لإذلال المواطنين وقمعهم وإهانتهم وتمزيق كرامتهم هو إخراج الناس من بيوتهم عند تطويق أحد الأحياء وتفتيشه، وذلك بإيقافهم ووجوههم إلى الجدار ولساعات طويلة وعلى رجل واحدة مرفوعي الأيدي، ثم يقوم بعض الزبانية بضربهم بشكل عشوائي بالسياط على ظهورهم وأرجلهم والويل لمن تذمر أو اعترض، ثم تبدأ حلقات التعذيب المختلفة فيختارون عدداً من الناس فيحلقون نصف شعر رؤوسهم، والبعض يحلقون لهم نصف الشارب، والبعض الآخر يحرقون لهم بالنار لحاهم وينتفونها للبعض الآخر، أو يطلبون من الرجال المُسنين الذين تجاوزوا السبعين من العمر أن يرقصوا وبقوة، ويأمرون بعض الناس على الاستلقاء على الأرض ويرغمون بعضاً آخر أن يدوسوا فوقهم بأرجلهم، أو يرمونهم على منحدر قاسي فيتدحرجون وبقسوة إلى أسفل الحفر، ويأمرون بعضاً آخر من الناس بالركوع والسجود لصورة حافظ الأسد ومن يرفض تفقأُ عينه حتى يركع ويسجد، وإذا رفضَ فيكون مصيره القتل.

هذه صورٌ بسيطة من التعذيب والاضطهاد الذي كانت تمارسه السلطة ضد أهالي مدينة حماة أبي الفداء الباسلة التي كانت عصية على الفرنسيين، وأخيراً وبعد نهارٍ طويل من التعذيب الوحشيّ يعود من يعود من الناس إلى بيوتهم مقهورين مُهانين، فكيف لا يريد هؤلاء أن يبقى الشعب يُكنُّ لهم أي نوع من الحب أو حتى الكره البسيط، لا بل إنه حقد وكره ملأ جنبات قلوبهم ضدهم.

يتبع

=============================

مفاخر !! ومباذل  !؟ .. يحيى حاج يحيى

من مفاخر تاريخنا المعاصر أن يكون العربي السوري المسيحي فارس بك الخوري ممثلاً لسورية في الأمم المتحدة في أصعب الظروف وأدقها في كفاحنا ضد الاحتلال الفرنسي !!!

ومن مباذل الحاضر أن يجلس الدعي الشعوبي الصفوي بشار الجعفري في الكرسي ذاته !؟!؟ ( كبير عليك هذا الكرسي يا جعفريفتش ) فأنت لا تمثل إلا الذين جلبوك !!؟

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com