العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 25-01-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

داخل وخارج سوريان .. ميشيل كيلو

العربي الجديد - الخميس 22-1-2015

في الثورة السورية، أو ما بقي منها، غالباً ما يستخدم مصطلحا الداخل والخارج بمعنى جغرافي سطحي، تترتب عليه نتائج سياسية سطحية بدورها، فالداخل، في الفهم الشائع، هو ما يوجد في سورية، والخارج هو العكس: ما ليس داخلها. ولأن هذا النمط من الفهم يفصل الداخل والخارج فصلاً تاماً عن بعضهما، فإنه لا تقوم بينهما في السياسة مناطق تواصل أو تفاعل مؤثرة، وينجح النظام، وبعض معارضيه، في ربط مفهومي الداخل والخارج بأحكام قيمية، ما أن تُطبّق على الواقع السياسي، حتى تنتج مقاربات غير سياسية حوله، تجعل معارضي الداخل وطنيين وثوريين بامتياز، بالمقارنة مع مناضلي الخارج الذين تحوم حولهم شكوك، ويتعرضون لاتهامات متنوعة.

هذه النظرة التي تربط سلامة العمل الوطني بالموقع الجغرافي وليدة "عقدة نقص"، تتبناها جهات في معارضة الخارج، تقيم ارتباطاً سببياً بين صحة خطها وعملها وبين انتقالها "الجسدي" إلى الداخل، إلى أراضي سورية الوطنية، وتزعم أن من يعيشون خارجها يعجزون، لهذا السبب بالذات، عن اعتماد سياسات ومواقف صحيحة حيال قضايا الداخل، التي تنفرد بكونها، وحدها، قضايا الثورة والشعب. بهذا الفهم، تصير خطوات الائتلاف السياسية وقراراته خارجية، أو بالأحرى برانية، حتى عندما تنصب على أكثر قضايا الداخل حساسية وصميمية، ويخضع العقل السياسي المعارض لمشكلة مفتعلة ذات عقابيل ضارة، تضعه في مواجهة إكراهَين:

ينبع أولهما من رؤية تجعل الموقع الخارجي، الذي يقود الثورة ويمثلها، أقل قيمة وصدقية ومركزية من الموقع الداخلي، رغم خضوع الأخير لاستبداد قاتل، يجعل معارضته مستحيلة أو ضعيفة أو خطرة على من يمارسونها، وغلبة الدور الدولي على أدوار الفاعلين السوريين، وخصوصاً منهم الذين يعيشون ويناضلون في الداخل، وما يحتمه هذان العاملان من تهميش للداخل في ظل ائتلاف بقي خارجيّ التوجه، خلال الفترة التي أعقبت إقامته. ترجع هذه الرؤية المغلوطة إلى تطبيق مقولة جغرافية داخلية المركز على مجال سياسي بقي مركزه الرئيس الخارج، المعترف به عربياً ودولياً، مع أن فاعليته اتسمت، دوماً بمحدوديتها وكثرة تخبطها. وللعلم، لا ينتقص الفصل بين الداخل والخارج من أهمية وقيمة الحضور الداخلي لتنظيمات ورموز خارجية، تستمد أهميتها من موقفها، وليس من موقعها، لكونها تركّز، في معظم ما تدلي به من آراء وتتخذه من مواقف، على الداخل وقضاياه الرئيسة، وما يجب أن يكون عليه وضع الخارج ودوره، لكي يقوم بما عليه من واجبات تجاهها. بدورها، تلغي المقاومة المسلحة الفصل بين الداخل والخارج، بفضل طابعها التفاعلي: الداخلي/ الخارجي، وما تنجزه، في هذين المجالين، من أعمال يمكن لنتائجها أن تكون متكاملة، إذا أحسن استغلالها سياسياً.

"توزع السوريون جغرافياً على دول عديدة، بعد اقتلاعهم من وطنهم، وطرد قطاعات واسعة منهم إلى خارجه"

وينبع ثانيهما من خطأ الاعتقاد بصعوبة، وأحياناً استحالة، تطابق خيارات الخارج مع خيارات الداخل ومصالحه، بعد أن انفصل بعض معارضي الداخل عن الائتلاف الوطني، ورفضوا، بهذا القدر أو ذاك، صفته وبعض أدواره ممثلاً للقضية الوطنية والثورية السورية، ما جعل تفاعله معهم واهناً أو سلبياً، وجعلهم ينافسونه، ويعملون للحد من دوره وطابعه التمثيلي الجامع. في المقابل، أخذ بعض قادة الائتلاف يعزون نواقص عملهم وأخطاءهم إلى القطيعة بين فصائل من معارضة الداخل وبينهم، ويقيمون ضرباً من التطابق بين إصلاح الائتلاف واحتواء هؤلاء، بنقله إلى الداخل، كأن ما يقترفونه من أخطاء لا يرجع إلى قرارات وأولويات سياسية، بل هو نتاج حتمية جغرافية، لا قدرة لأحد على الإفلات من نتائجها.

ليس كل قرار يصدر في الخارج سيئاً. وليس كل من يعيش في الداخل مناضلاً. ولا بد من اعتبار السوريين جسداً واحداً، ينشط في ساحة نضالية مشتركة، تجسدها أهداف شعبهم وآلامه وتضحياته، وقد توزع السوريون جغرافياً على دول عديدة، بعد اقتلاعهم من وطنهم، وطرد قطاعات واسعة منهم إلى خارجه، مع ما صاحب هذه المأساة من مصاعب، تلزم من يحتل موقعاً نضالياً مقرراً بابتكار أساليب وخطط عملية تخدم شعبه، بما هو جسد واحد له مصالح موحدة ومشتركة، وبرؤية ترى في الداخل والخارج مفهومين سياسيين، تتعين هويتهما وعلاقاتهما بنضال الشعب في سبيل حريته، وبسوية وعيه الثوري وقدرة قياداته وقواه على الانتصار في معركة مصيرية، فرضها الطغيان عليه.

لو كان النضال يتعين بأحكام قيمة جغرافية، لكان هناك، اليوم، شعبان سوريان، داخلي وخارجي. ولما تضامن أحدهما مع الآخر، ولاستحال تفاعلهما الإيجابي مع أية أفكار ومواقف مشتركة، ولما ظلت سورية وطن شعب واحد، هتف له المتظاهرون السلميون، ويقاتل في سبيله، منذ ثلاثة أعوام ونصف العام، مقاومون وطنيون، يضحون لتحقيق هدفٍ لا يحيدون عنه، هو الحرية.

===================

البيدق السوري والتنافس الإقليمي .. غياث بلال

العربي الجديد - الاربعاء 21-1-2015

تقترب الثورة السورية من دخول عامها الخامس، في وقت تشهد فيه دول غربية عديدة عملية مراجعة وتقييم لسياساتها العسكرية والأمنية والسياسية في الشرق الأوسط، على خلفية حادثة  "شارلي إيبدو"، التي أكدت فداحتها لصناع السياسة في العالم أن استراتيجية الانتظار الهادفة لتحويل سورية إلى محرقة للإرهابيين من جميع التصنيفات، لم تسفر إلا عن تحويل الثورة السورية من أزمة إقليمية إلى مشكلة عالمية، تطال نيرانها دول أوروبا الآمنة. فقد أصبح للإرهابيين، اليوم، قاعدة خلفية ذات إمكانات هائلة، يتلقون فيها التدريب والتمويل وكل أشكال الدعم والتنسيق اللوجستي، ابتداء من مرحلة الاستقطاب والتجنيد، وانتهاء بتنفيذ عمليات إرهابية على الأراضي الأوروبية.

فجاء اجتماع رؤساء وملوك ووزراء من أكثر من أربعين دولة في تظاهرة باريس، في مشهد معبّر، ليس فقط عن التضامن مع فرنسا، بل وعن فهم جديد لطبيعة الأزمة، بما يوحي باقتراب اتخاذ مساعٍ جديدة هادفة لتصحيح مسار السياسة الغربية في سورية، إلا أن عدم مشاركة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، في هذه التظاهرة بعث، أيضاً، رسالة خفية، توحي بعدم رغبته في إجراء أي تغيير حقيقي على سياسته الحالية في سورية. أو بالأصح، بعدم رغبته في تبني سياسة فاعلة في سورية، وذلك لأن الإدارة الأميركية تملك سياسة محددة، حيال ما يجب فعله في العراق، لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية هناك، وذلك فقط من أجل الخروج من دائرة المسؤولية المترتبة عليها تجاه ذلك البلد الذي قوضت أركانه في ما مضى. أما حيال سورية، فلا يوجد لديها أي استراتيجية محددة سوى سياسة الانتظار ومطالبة الأطراف الإقليمية بالتوصل إلى تفاهمات فيما بينها، تعمل على حل الأزمة، بما يحافظ على بنية الدولة السورية، ومن دون أي تدخل أميركي عسكري مباشر في سورية.

ولكن القوى الإقليمية لا زالت منقسمة فيما بينها بشدة، ففي حين لا زالت إيران تمد النظام السوري بكل أسباب الحياة والاستمرار، إلا أن ثبات النظام السوري واستقراره لم يعد أولويتها الأولى، حيث أصبح السعي إلى خلق وتشكيل ميليشيات عسكرية، محلية وقوية، قادرة على حماية مصالحها هي الأولوية العليا لإيران، بغض النظر عن اسم الحاكم القابع في دمشق. فمعلومات عديدة واردة من داخل المنظومة العسكرية والأمنية لنظام الأسد تؤكد توسع وانتشار عملية خصخصة الميليشيات الشيعية المنتشرة في سورية وربطها مباشرة بالحرس الثوري الإيراني، من دون مرور سلسلة القيادة عبر النظام السوري. الأمر الذي يؤكد ضعف ثقة النظام الإيراني بقدرة الأسد على الاستمرار ضمن المعطيات الحالية. وبالتالي، ستشكل هذه الميليشيات ذراعاً عسكرياً لإيران، يعمل على إضعاف وزعزعة أمن أي حكومة أو نظام جديد، يأتي بعد انهيار الأسد، كما أنها ستكون ورقة تفاوضية مرتفعة الثمن، في لعبة تبادل المصالح مع القوى الإقليمية والدولية، خصوصاً بعد أن أثبت هذا الأسلوب نجاعته في لبنان واليمن.

أما تركيا وقطر والعربية السعودية فلا زالوا مصرين على حل سياسي، يبدأ بخروج بشار الأسد، على الرغم من إرسال الأخيرة إشارات عديدة لقبولها باستمرار النظام الأمني والعسكري في السيطرة على مقاليد الحياة في سورية، فالسعودية على الرغم من أنها تقدم الدعم لبعض الكتائب الاسلامية السلفية في سورية، إلا أنها معنية، بشكل أساسي، بإيجاد نظام سياسي علماني في سورية، يشكل قطيعة مع أي شكل من الإسلام السياسي الذي يمكن أن ينافسها شرعية تمثيل الإسلام عالمياً، أو ربما يمكن أن يقدم نموذجاً بديلاً قادراً على المزاوجة بين الحداثة والإسلام، ما سيعني عملياً دورانه في الفلك التركي، وكذلك قدرته على تقديم بديل جذاب للشباب السعودي والعربي الفاعل والطامح للالتحاق بركب الحداثة والتطور في العالم. أما الدعم المقدم للكتائب السلفية في سورية، فإن الهدف منه الحفاظ على حد أدنى من القدرة على التأثير في مجريات الأحداث الميدانية في سورية لاستثمار هذه القدرات في بازارات السياسة.

في حين تتفق قطر وتركيا مع العربية السعودية بضرورة التوصل إلى حل سياسي، لا يكون الأسد جزءاً منه، إلا أنهم يختلفون في أغلب التفاصيل التي تتبع ذلك. فالحكومة التركية تسعى، اليوم، إلى إقامة منطقة عازلة في الشمال، قادرة على إيواء اللاجئين، وفي الوقت نفسه، قادرة على توفير قاعدة خلفية للمعارضة ومؤسساتها وللجمعيات الأهلية والإغاثية، المهتمة بالشأن السوري. حيث يمكن لتركيا أن تتخفف من الحمل الاجتماعي والأمني الثقيل لوجود أكثر من مليوني سوري على أراضيها، ولو نسبياً، من خلال حصر النشاطات السياسية والعملية الخاصة بالسوريين، في هذه المنطقة خارج الحدود السورية. في حين أن تحقيق هذا المسعى سيسمح بإيجاد نوع من الاستقرار في هذه المناطق، فإن هذا الاستقرار سيؤدي إلى نازحين إلى هذه المناطق، وعودة عجلة الحياة والاقتصاد في هذه الأماكن إلى الدوران، ما سيعمل على إعادة بناء الأطر والهياكل الاجتماعية والسياسية، الكفيلة بالسماح بخروج قيادة مدنية اجتماعية، يمكنها تمثيل المعارضة بشكل حقيقي وجدي، والتفاوض عنها.

من حيث النتيجة، تمتلك الدول الإقليمية الفاعلة رؤى متضاربة عن الكيفية الأمثل، للوصول إلى حل سياسي، يحقق مصالح كل الأطراف، ويؤدي إلى إنهاء الحرب في الحالة السورية. الأمر الذي حال دون تمكن القوى الرئيسية الكبرى للوصول إلى موقف توفيقي بين الأطراف، يحفظ ماء الوجه لإيران، ويلقى القبول لدى العربية السعودية وتركيا.

في هذه الأثناء، فقدت التشكيلات السورية المعارضة أغلب مقدرات التأثير وصناعة الفعل السياسي والمبادرة السياسية، ما أدى إلى تحول الأزمة السورية إلى صراع مشاريع إقليمية وعالمية على أرض سورية وبدماء أبنائها. في حين تحول السوريون من بيدق يمتلك القدرة على التأثير في لعبة الأمم إلى الرقعة نفسها التي تدير عليها الأمم ألعابها.

وبناء على ما سبق، تؤكد معظم مراكز الأبحاث الغربية أن الأزمة السورية ستستمر سنوات طويلة أخرى، طالما أن عجلة النزاع بين الأطراف الدولية والإقليمية مستمرة بالدوران في غياب قدرة المعارضة السورية على التأثير عليها بشكل فاعل، إلى أن يحدث تغيير جذري مفاجئ لدى أحد طرفي الصراع، يؤدي إلى تغيير جذري وغير متوقع. عندها، سيتغير شكل الصراع وستتغير أدواته، إلا أن الأزمة ستبقى مستمرة، ولكن، بأشكال جديدة.

===================

الرد الإسرائيلي على «حزب الله» في القنيطرة .. غازي دحمان

الحياة - الاربعاء 21-1-2015

أفرج عن نصف ابتسامة، وأودع النصف الثاني عند جمهوره يظهرها يوم المفاجأة القادم، أو عند خصومه حين يكتشفون السر بعد أن تصفعهم المفاجأة. السيد حسن نصرالله في حديثه التلفزيوني الأخير كان ممتلئاً فرحاً وثقة توحي بأنه اكتشف السر الذي سيمكن محور «المقاومة» من السيطرة على هذه المنطقة وديموغرافيتها، وللمرة الأولى يتحدث عن حق لكيان اسمه «حلف المقاومة» في المواجهة مع إسرائيل.

السر لم يكن بصواريخ «الفاتح 110»، فهذه أسلحة معطّلة لا تصلح للاستخدام الميداني في حالة «حزب الله»، ذلك أن قواعد الاشتباك المفروضة بعد حرب تموز (يوليو) 2006، لا تتيح إمكان الاستفادة من هذه الأسلحة ولا حتى اعتبار أنها يمكن أن تحدث تغييراً مهماً على قواعد اللعبة أو إدماجها ضمن معادلات القوة في المنطقة، ناهيك عن أنها بالأصل أنماط من أسلحة دفاعية يتم استخدامها للرد على استهداف إسرائيلي محتمل، وليس للهجوم أو لتغطية عمليات تسلل عناصر الحزب لاحتلال الجليل، وفوق كل هذا وذاك لا تسمح العمليات الجوية الإسرائيلية والطلعات التفقدية اليومية بتجهيز قواعد إطلاق هذه الصواريخ وتشغيلها.

ولم يكن السر أيضاً بإمكان تحقيق نصر ناجز في مواجهة الثورة السورية، فالوقائع الدامية والتراجعات الهائلة في الميدان، والتشكيك بإمكان الاحتفاظ بتواجد عناصر الحزب في قرية فليطة في القلمون، تفضح أي مزاعم بهذا الخصوص، فلا أخبار وردية على هذا الجانب، وليست هناك مفاجآت لم تستعمل من دون أي نتائج مجدية على الأرض.

السر كله يكمن في اعتقاد القيادات الميدانية للحزب بأنها على وشك إطلاق دينامية جديدة للأزمة في المنطقة، تقضي بالإطاحة بالثورة السورية من بوابة القنيطرة، أما آليات هذه الدينامية فهي عبارة عن إطلاق الصواريخ من الشريط الحدودي المتاخم للجولان على المستوطنات الإسرائيلية، فضلاً عن القيام ببعض عمليات التسلل لزرع الألغام واستهداف الدوريات الإسرائيلية، وفي ذلك يضمن الحزب، ومن ورائه إيران، إشعال حالة من الصراع بين مقاتلي المعارضة في جنوب سورية وإسرائيل، ما يضطر هذه الأخيرة إلى الانخراط في الحرب ضدهم، وربما يستدعي ذلك انخراط التحالف الدولي المشكّل للحرب على «داعش» في هذه الجبهة، باعتبار أن «جبهة النصرة» الموضوعة على قوائم الإرهاب الغربية تشكل القوة الأساسية فيها، وفق مزاعم إعلام الأسد و «حزب الله».

من الواضح أن «حزب الله» ومن خلفه إيران عقدا آمالاً كبيرة على هذا المخطط، فبالإضافة إلى انه قد يشكل حبل إنقاذ لنظام الأسد الذي تشير معظم التوقعات إلى أنه سيواجه أوضاعاً ميدانية معقدة في الفترة المقبلة وتحديداً من جبهة الجنوب، فإن نجاح هذه الخطة سيعيد ترتيب الأولويات في المنطقة على أساس المتغير الإسرائيلي لقلب المعادلة، وفي أقل الأحوال سوءاً سيفجر تناقضات خطيرة بين القوى المعادية لنظام الأسد والرافضة لإعادة تأهيله، خصوصاً أنه يأتي عقب أحداث باريس التي شكلت صدمة وارتباكاً غربياً واضحاً.

على ذلك، كان يمكن القنيطرة أن تشكل متغيّراً يعزّز التغييرات الحاصلة في الآونة الأخيرة منذ اجتياح «داعش» الموصل، مروراً بجريمة «شارلي إيبدو»، بحيث تتكامل ثلاثية هذا النسق: اضطهاد الأقليات، إرهاب ضد الغرب، وزعزعة أمن إسرائيل، وبالتالي تصبح إعادة صياغة التوجهات وترتيب الأولويات في المنطقة حاجة ضرورية، مع ما يتطلبه ذلك من استدعاء مقاربات جديدة تفي بالغرض.

ويوحي تواجد قيادات من الصف الأول في «حزب الله» وكبار المستشارين الإيرانيين في القنيطرة، بأنهم كانوا معنيين باستعجال تحقيق هذا التطور، والأكيد أنه لم يكن مجرد جولة تفقدية، على ما حاول الحزب قوله في بيانه، إذ من الواضح أن الأمور كانت في طور التجهيزات الأخيرة للقيام بعمل ما، ربما كان من بينها قيام الحزب بنقل بعض المعدات إلى الشريط الحدودي على خط شبعا- العرقوب، وربما عند وصول الأمور الى هذه الدرجة من التطور تدخلت إسرائيل التي باتت مهتمّة بدرجة كبيرة بتدمير أكبر كمّ ممكن من أسلحة الحزب.

===================

موقفنا : هل تنجح عمليات إسرائيل التجميلية في إعادة تقديم وجه حزب الله القبيح !؟ .. زهير سالم

مركز الشرق العربي - 19 / 1 / 2015

نحتاج في المنطقة بل في العالم إلى أبجدية جديدة ، غير تلك التي تواضع عليها البشر ، لنفهم الأحداث التي يديرها ويدبرها الولي الفقيه مع تابعَيه حسن وبشار. نحتاج إلى ذلك المعجم الدلالي الذي فُسر به القرآن الكريم : حين يقول قائلهم عن قوله تعالى (( يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ..)) هما أبو بكر وعمر . وعن قوله تعالى لبني إسرائيل (( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً.. )) هو أمر لهذه الأمة : اذبحوا عائشة ( رضي الله عن أم المؤمنين عائشة ) ، المعجم الدلالي الذي فسر ( الزنا ) بوضع نطفة العلم المتضمنة سر (الإمام ) في غير موضعها . وفسر الأمر بالصوم ( بحفظ سر الإمام ) وأن الطهر والعفاف ، أو الإمساك عن الطعام والشراب هو فهم الدهماء والطغام...

نحتاج إلى معجم دلالي جديد من الوقائع اليومية من مثل أن يقدم بشار الأسد على قتل أعوانه من رجال خلية الأزمة ومنهم صهره ووالد من هو خالهم وزوج من هي شقيقته ، أو إقدامه على تدبير محاولة قتل رموز المسيحيين في لبنان ومن بينهم البطركين صفير والراعي فيما عُرف بمؤامرة ميشيل سماحة . معجم دلالي لا ينسى وقائع إطلاق رموز التطرف من سجون المالكي وسجون بشار وتمكينهم ، وتمويلهم بأساليب كثيرة كان آخرها ذوبان فرقتين من الجيش العراقي أمام بضع مئات منهم تاركة وراءها ( أحلاسها وأقتابها ) من أسلحة خفيفة وثقيلة ...

لن نطيل في سرد الشواهد التاريخية والمعاصرة التي تفرض على قارئ الخطاب أو الحدث السياسي أن يفهمه ويفسره باعتبار أولي قائم على معرفة شاملة لطبيعة الجهة التي تصدره أو تصنعه .

منذ أوائل السبعينات للقرن الماضي عبر الشعب السوري بذكائه الفطري عن فهمه لطبيعة الموقف السياسي ( لحافظ الأسد ) عبر نكتة انتشرت في سورية من الشمال إلى الجنوب ، نكتة تشبه الرجل الذي كان صانعوه من قادة السياسة الدولية يتغزلون بقدراته وذكائه ودهائه ، بسائق السيارة الذي يغمّز ( يؤشر ) يسارا ويذهب يمينا . كانت النكتة إشارة واضحة إلى باطنية الأسد وخبثه وكذبه من جهة ، كما كانت إشارة واضحة إلى أن ادعاءاته الاشتراكية واليسارية والمعاداة للامبريالية والصهيونية كانت مفضوحة عند العامة والخاصة على السواء .

بالنسبة لما حدث بالأمس من قيام مروحية صهيونية بقصف صاروخين على إحدى قرانا في الجولان ...

ندين إقدام المروحية الصهيونية بالأمس على قصف الأرض السورية في منطقة الجولان . ونعتقد أن إقدام العدو على استخدام ( مجرد مروحية ) لتنفيذ هذا العدوان له دلالاته الاستراتيجية والعسكرية بالغة الخطورة ، فالأجواء التي توفرها قوى الاحتلال الجديدة لهذا العدو لم تعد تضطره إلى استخدام طيران حربي ، ولا إلى تسلل من وراء تغطية وحدات الرادار ..

نؤكد أن الإسرائيليين بمشروعهم الصهيوني المجدول بحزم أمريكي مع المشروع الصفوي ؛ قد تحركوا لتنفيذ العدوان بناء على طلب وتنسيق مباشر مع بشار الأسد ومع قيادات حزب الله ، كما تنسق طائرات التحالف الدولي مباشرة مع نفس القيادات قبل أن تقوم بانتهاكاتها بقصف الأرض السورية .

إن حاجة بشار الأسد وحزب الله إلى هذه الضربات الإسرائيلية أصبحت استراتيجية و أكثر ضرورة في هذه المرحلة من الصراع .

فهم بحاجة إلى هذه العمليات أولا لأنهم بحاجة إلى مزيد من خلط الأوراق ، ولاسيما بعد النجاح الذي أحرزوه في تصوير صراع طلاب الحرية والكرامة في سورية على أنه صراع مع متطرفين وإرهابيين ..

وهم بحاجة إلى هذه الضربات ثانيا في الوقت الذي يتكبدون فيه الخسائر اليومية في الشمال والوسط والجنوب كنوع من إحراج الثورة والثوار ، وتصويرهم كما يردد الناعقون باسمهم على أنهم مدعومون من ( إسرائيل ) بدلالة أن بعض الجرحى وبدواع إنسانية محضة يتم علاجهم هناك .

الحقيقة التي لا يجوز أن ينساها سوري ولا عربي ولا إنسان أن بشار الأسد الباقي بالدعم الإيراني المباشر كما يرى ويسمع الجميع ، ظل باقيا منذ اليوم الأول وحتى اليوم بالقرار الإسرائيلي المباشر . القرار الإسرائيلي الذي جعل قوى الأرض جميعا في سلة واحدة ، بعض يدعم ويمد وبعض يصمت ويناور ..

وهم بحاجة إلى استدعاء هذه الضربات ثالثا لأنهم أشد حاجة اليوم إلى عمليات التجميل للوجه القبيح الذي زاده ما تلطخ به من دماء أطفال سورية ونسائها قبحا وتشوها . مرة ثالثة ورابعة وخامسة نقول لأصحاب الوجوه الشائهة إن كل مباضع الجراحين في إسرائيل بل في العالم لن تصنع برقعا يخفي هذا القبح الذي لبسكم ولبستموه ..

وقد يسأل سائل : هل ما دفعه بشار الأسد وحسن نصر الله في هذه العملية من خسائر يستحق كل هذا الذي تتحدث عنه وتقرره ؟ سؤال لا يطرح في سياق المقدمات التي قدمناها في أول هذا المقال ...

إن الذين يظنون أن ( جهاد مغنية ) شيء مهم عند حسن نصر الله وبشار الأسد . عليهم أن يتذكروا أن أباه من قبل ( عماد مغنية ) مع كل ما قدم لهم لم يكن هذا الشيء المهم . إن اتهام الموساد الإسرائيلي بقتل عماد مغنية لم يكن إلا عملية تكريم لذلك الشيء الذي قرر بشار الأسد أو صهره يومها أن يتخلص منه . وزوجة عماد مغنية وأم جهاد مغنية هي خير من كان يعلم هذا ...

في حديث حسن نصر الله الخميس الماضي على قناة الميادين قال : نحن غير ملتزمين لإسرائيل بعدم الرد على ضرباتها. وهي عبارة تختلف بكل تأكيد عن القول ( نحن ملتزمون بالرد على هذه الضربات . علينا أن لا ننسى أن أي عملية قد تشهدها المنطقة في الجولان أو في لبنان لن تعني أكثر من محاولة لبشار الأسد أو لحسن نصر الله للهروب إلى الأمام ، إلى الحضن الذي عرفهم ورباهم و عرفوه لينا دافئا حنونا منذ عقود ..

لندن : 28 / ربيع الأول / 1436

19 / 1 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

===================

هنا سايغون من دمشق: الواقعية الأميركية الكئيبة .. مرح البقاعي

الحياة - الاثنين 19-1-2015

خلال غداء عمل جمعني في واشنطن مع مسؤول أميركي يشرف في حكومته على الملفات السوريّة الساخنة، قال لي بعد أن استمع مليّاً إلى رأيي بأداء البيت الأبيض وعلى رأسه أداء الرئيس باراك أوباما في ما يتعلق بالحرب الدائرة على الأرض السوريّة ومشتقاتها من حروب الآخرين عليها، وبهدوء ولهجة إذعان للواقع المربك: «لقد رسم الرئيس أوباما استراتيجيات السياسة الخارجية للبلاد حسب رؤيته الخاصة، ولا أعتقد أنه سيغيّر محاورها الرئيسة ما عدا ما يمكن أن يطرأ من تعديلات طفيفة في التكنيك السياسي هنا وهناك، وحسب دواعي الظروف الدولية، وعلينا أن نقبل بخطّه السياسي ونتعامل معه». واستأنف بسرعة كلامه من دون أن يتسنّى لي مقاطعته وقال: «أتمنى لو نسال الرئيس جورج بوش ماذا كان سيفعل لو حكم أميركا في ظروف مشابهة».

إلا أنني ما زالت أعتقد أنه بإمكان أوباما أن يفعل الكثير في العامين الأخيرين من فترة رئاسته الثانية والأخيرة. فالمتعارف عليه هنا في الولايات المتحدة أن الرئيس في هذه الفترة يركّز على استمرارية حزبه في الحكم لا على أدائه فيه، لا سيما أن استمرارية الديموقراطيين هذه المرة تواجه تحدّيات غير مسبوقة بعضها على المستوى الداخلي في الاقتصاد والصحة والأعمال في الولايات المتحدة، وأخرى على الصعيد الخارجي في السياسات المتعلّقة بتطوّر الأحداث في الشرق الأوسط تحديداً. فداخلياً أصيب الديموقراطيون في الانتخابات الأخير لمجلسي النواب والشيوخ بهزيمة قاسمة لم يمنَ بها حزبهم منذ خمسين عاماً، حيث سيطر الجمهوريون على الغالبية العددية في المجلسين في مناخ من انخفاض هائل في شعبية الرئيس وتراجع غير مسبوق في تأييد الأميركيين لسياساته.

أما على المستوى الخارجي فحدّث ولا حرج... إذ يكاد يكون عنوان التحدّي الأعـــظم للولايات المتحدة هو اندلاع العنف المتطرّف متمثلاً بتنظيم الدولة الإسلامية الذي أصبح يسيطر على مساحة جغرافية تعادل مساحة الأردن، حيث تمدّد في سورية على ما يعادل 35 في المئة من الأرض السورية، في حين انتشر في العراق من الموصل شمالاً حتى الرمادي على مشارف بغداد جنوباً. أما خريطة التنظيم في العراق والشام فإنها تشير إلى فهمه – ولو كان بدائياً – لاقتصاديات الحرب وأدواتها. فالتنظيم يشرف في سورية والعراق على معظم آبار النفط ويسيطر على إنتاجه وعلى مرافق مصافي البترول، وكذا يوفّر السوق السوداء لبيع هذا النفط في شكل غير شرعي لتجار هذه السوق في تركيا من جهة، وللنظام الرسمي السوري من جهة أخرى، ويؤمن بذلك مصادر تمويل القتال ومقاتليه.

أما الغارات الجويّة لقوى التحالف فلم تفلح في إيقاف مدّ التنظيم إنما أثّرت فقط على انتشاره. ولهذا كانت تقديرات القيادة المشتركة أن هذه الحرب ستستمر لسنوات عدّة في غياب قوية أرضية مرادفة تفتفقر إليها عمليات من هذا النوع، وعدو بهذه المواصفات، وهي غير متوفّرة ولن تتوافر على أي حال من جهة قوى التحالف.

الصقور الجمهوريون يضغطون على أوباما من أجل أن يطوّر خطته العسكرية لضرب التنظيم والقضاء عليه وليس تقليم أظافره وحسب، وذلك اقتداء بسلفه الرئيس ليندون جونسون في 1965 حين أرسل حملة جويّة لقصف أهداف استراتيجية في شمال فييتنام اتبعها بنشر القوات البرية الأميركية على الأرض. بينما لم تؤدِ آلاف الغارات التي يشنّها التحالف منذ شهرين على مواقع سيطرة تنظيم الدولة إلى كسر شوكته بسبب غياب المتابعة الأرضية لعمليات التطهير من الجو، إذ سارع مقاتلو التنظيم في إعادة الانتشار بين العراق وسورية، واتخذوا من الأحياء والمرافق المدنية مقرّات لهم، وأزالوا راياتهم حتى لا تكون هدفاً للضربات الجوية، بل بدّلوا من وسائل تنقلهم وأخذوا يتحركون بسيارات ركاب عادية وقد هجروا سيارات الدفع الرباعي (فورويلز).

وعلى رغم الضغوط التي يتعرّض لها الرئيس أوباما من أبناء جلدته الحزبية، تماماً كما يتعرّض لها من خصومه الجمهوريين ممن هم خارج دائرة الحكم وداخله، فإن الطرفان يُجمعان على أن الرئيس لن يقوم بالمغامرة في إرسال قوات قتالية بريّة مهما طال أمد الحملات الجوية التي قدّر لها البنتاغون أن تستمر ثلاث سنوات. وبينما يبرّر المقرّيون بأن أوباما قد تعلّم دروساً من التاريخ جعلته ينظر بمنظار الواقعية الكئيبة» (Grim Realism) لهكذا نوع من النزاعات ذات الجذور الأيديولوجية البحتة، ما جعله يوقن أن القوات البرية الأميركية - مهما عظم عديدها وعتادها - ستكون محدودة القدرة على الحسم في حروب من هذا النوع. أما الجمهوريون، فهم يرون أن أوباما حوّل الولايات المتحدة إلى قطّ خائر في وجه أسد مستأسد.

دخل جورج بوندي، مستشار الأمن القومي الأميركي في 1964، إلى المكتب البيضاوي في البيت الأبيض قبيل إصدار الأمر بالحملة العسكرية على الحكومة الشيوعية في فييتنام الشمالية، فوجد الرئيس جونسون متجهماً واستقبله بالقول: «لا أعتقد أن لدينا أسباباً قوية تستحق أن ندخل من أجلها هذه الحرب... والأسوأ أننا لن نتمكّن من الخروج من دوامتها في حال دخلناها».

لعل الرئيس أوباما يشترك مع جونسون في مشاعر الواقعية الكئيبة تلك، إلا أن الأخير قرّر أن يدخل المغامرة العسكرية الكبرى في فييتنام حيث خسرت أميركا أول حرب خارجية في تاريخها. أما أوباما الذي دخل البيت الأبيض حاملاً رسالة مدّ اليد بالمصافحة للشرق المسلم، ونال جائزة نوبل الأرفع للسلام، فيبدو أن خسارة سلفه جونسون للحرب كانت الأغلب أثراً على قراراته، ما سيجعله مصمّماً على مغادرة المكتب البيضاوي صانعاً للسلام أيضاً، ولكن سلام من قشّ وريح هذه المرة.

 

===================

تصعيد التطرف في سوريا .. فايز سارة

الشرق الاوسط - الاحد 18-1-2015

تؤكد نظرة سريعة للمشهد السوري، حقيقة التطرف المتصاعد فيه. فمن الناحية السياسية والعسكرية، يسيطر النظام وأنصاره على قسم كبير من المشهد، والقسم الرئيسي الآخر، تسيطر عليه التنظيمات المتشددة، وكلاهما ينتمي إلى عالم التطرف، ومن الناحية الجغرافية، يسيطر النظام والجماعات المتشددة على أغلب المناطق، وفي كل الحالات السياسية والعسكرية والجغرافية، ليس للقوى المعتدلة إلا مساحات ضيقة، وبعض من الجزر غير المترابطة الموزعة في الجهات الأربع من البلاد.

ويتناقض المشهد السوري في حالته الراهنة مع الشائع والمعروف في أن سوريا كانت، على مدار تاريخها الحديث والمعاصر، خارج سياسة التطرف وجغرافيته، كما شاع عن أهلها أنهم الأكثر وسطية واعتدالا في المنطقة. ويدعم أغلب أصحاب هذه النظرة رؤيتهم، بقول إن التنوع القومي والديني والطائفي، إنما هو تعبير عن روح الاعتدال والتعايش، التي ميزت السوريين، وجعلتهم شركاء في كيان واحد، رفع آباء الاستقلال السوري أحد أبرز شعاراته في القرن الماضي، وهو شعار «الدين لله والوطن للجميع».

وليس من باب المبالغة، القول، إن مضمون شعار آباء الاستقلال، قد تعرض لانتهاك شديد، ولا سيما في السنوات الأخيرة، التي صار فيها الحسم للسلاح باعتباره أداة بيد متطرفي النظام والجماعات الإرهابية، وأنه حل محل السياسة، التي تقوم بالدور الأهم في التفاهم والتوافق ومعالجة المشكلات في الحياة الوطنية، ولا يحتاج إلى تأكيد قول إن هذا التحول جاء نتيجة طبيعية لعوامل داخلية وخارجية، أثرت على الواقع السوري في العقود الماضية، وخصوصا في السنوات الأخيرة.

إن الأبرز في العوامل الداخلية تجسده السياسات الناجمة عن سلطة الاستبداد التي مثلها نظام البعث، ولا سيما عهد الأسد بين الأب والابن، وكان الجوهري في تلك السياسات اتباع سياسات متشددة متطرفة، تقوم على الانقسامات الوطنية، وتقوية روح الانقسامات العنصرية والدينية والطائفية، وشيوع الفساد وشراء الولاءات وغيرها، التي جاء الرد عليها في مستويات من مقاومات سياسية وشعبية، تفاعلت في بعض الأحيان مع سياسات النظام من الخندق المقابل على نحو ما بدت أحداث الثمانينات، والتي بلورت في سوريا، ولأول مرة في تاريخها الحديث، جماعات متطرفة مسلحة في صف النظام من جهة، وفي الصف المقابل له، وقد فتح هذا التطور الباب على تدخلات وعوامل خارجية، ساهمت في نمو واتساع التطرف، ومهدت للتطرف الذي تصاعد في السنوات الأخيرة عبر تصعيد دور العوامل الخارجية.

وترتبط العوامل الخارجية وتزايد دورها في صعود التطرف بالبيئة، التي أعقبت قيام ثورة السوريين في وجه نظام الأسد، وكان من أبرز ملامحها الاستخدام المفرط للقوة في مواجهة حركة الاحتجاج الشعبي، وتشكيل ميليشيات مسلحة تدعم النظام، ثم نشر الأسلحة في كل مكان، وسحب قوات النظام من بعض المناطق الحدودية، ولا سيما في الشمال والشرق، وتشجيع دخول ميليشيات متطرفة منها «حزب الله» اللبناني والميليشيات العراقية إلى سوريا للقتال إلى جانب قواته، وكلها أشاعت الفوضى، وساهمت في الدفع نحو عسكرة الثورة، وتحول بعض الحراك الشعبي إلى المقاومة المسلحة، وبدء توافد متطوعين لمواجهة إرهاب النظام ومعه.

وتندرج العوامل الخارجية لتصعيد التطرف في مسارين: أولهما مواقف الدول التي لها تأثير في الوضع السوري أو لديها رغبة في أخذ مكانة لها فيه. والثاني تدخل التنظيمات والجماعات، ولا سيما المتطرفة، التي رأت في الوضع السوري حيزا لتحقيق أهدافها وطموحاتها. وفي الحالتين، كانت الدول والجماعات تستفيد من الظروف الداخلية والخارجية التي تحيط بسوريا.

لقد دفعت إيران، وبالتفاهم مع نظام الأسد، بالميليشيات اللبنانية والعراقية للدخول إلى سوريا، وجميعها ميليشيات ذات طبيعة متشددة من الناحيتين؛ الدينية والطائفية، ثم أضافت إليهم تشكيل ميليشيات من المرتزقة والقتلة من إيران وأفغانستان، ولم يقتصر دور ما سبق على العمليات العسكرية والأمنية، بل امتد إلى ممارسات تغذي نزعات التطرف عبر احتفالات وأنشطة إعلامية، ومساعدات غذائية، هدفها تحشيد طائفي يعمق الانقسامات في البلاد.

ولم تكن إيران وحدها في هذا الخط من تنمية الأحاسيس المتطرفة، فكل الدول التي دعمت تشكيلات سياسية أو عسكرية سورية، استخدمت دعمها في التأثير على توجهات تلك الجماعات المنتمية إلى هوية أخرى، وبصورة عامة دعمت التشكيلات الدينية والقومية السياسية والعسكرية المتشددة من قبل دول الخليج العربية ومن قبل إقليم كردستان العراق، وهو ما أذكى روح متطرفة في مناطق واسعة، قبل أن يؤدي إلى أسلمة الثورة وتشكيلاتها، وإلى بلورة حس قومي متشدد في أوساط عربية وكردية.

وباستثناء الدور المباشر الذي ساهمت فيه دول قريبة وأخرى بعيدة في تعزيز التطرف، فقد لعبت دول كثيرة، بينها دول تضع نفسها في الصف الأول في الحرب الدولية على الإرهاب والتطرف، مثل: الولايات المتحدة، وروسيا، ودول أوروبا الغربية، دورا كبيرا في تصعيد التطرف عبر تأخرها في حسم الصراع السوري، وإطالة أمد الصراع فيه؛ مما دفع، ليس لتوجه مزيد من المتطرفين الأجانب إلى هناك فحسب، إنما أيضا إلى تنامي بيئة التطرف المحلية.

ولم يختلف مسار التنظيمات والجماعات الخارجية في دعم التطرف، إلا قليلا عن مسار الدول، فأغلب الجمعيات، وخصوصا العاملة في البلدان العربية وفي أوساط واسعة من الجاليات الإسلامية عبر العالم، ركزت في مساعداتها على دعم ومساندة قوى وتشكيلات التطرف سواء كانت في صف النظام ومؤيديه أو في صف «المعارضة» ومؤيديها، وأغلبها قام بعمليات دعائية، وجهود تنظيمية، دفعت متطوعين للذهاب إلى سوريا، ورغم أن بعضهم رغب في القتال ضد نظام الأسد بسبب ما ارتكبه من جرائم ضد السوريين، فإنه تم توجيه الجميع للانخراط في صفوف الجماعات المتطرفة، والتورط في ممارساتها الإجرامية.

إن ثمار العوامل الداخلية والخارجية في دعم وزيادة التطرف، تجاوزت حدود سوريا بما تركته من آثار مدمرة على الأصعدة السياسية والعسكرية والثقافية، وعلى صعيد القتل والدمار والوحشية المرافقة لهما إلى تأثيراتها على المحيط الإقليمي، كما هو الحال في العراق ولبنان وتركيا وصولا إلى أوروبا، التي دفعت وحدها عشرات آلاف المتطرفين من مواطنيها قبل أن تتعرض لموجة الإرهاب الحالي، والتي يرتبط أغلب المنخرطين فيها بنمو التطرف وصعوده في سوريا.

===================

النظام السوري والحلّ السياسي .. فراس قصاص

العربي الجديد- الاحد 18-1-2015

إذا كان استشراف موقف النظام السوري من الحل السياسي الذي يأخذ بأي من خيوط السلطة الأساسية في سورية من ورثة حافظ الأسد، في أي مفاوضات محتملة، أمر منوط بمعرفة كيف يصنع القرار السياسي هذا النظام، ومن يتحكم بمجريات الأمور فيه، وكيف تتوزع خارطة مراكز الثقل ودوائر الفعل في بنيته، فإنه أصبح من المسلمات، ولا سيما بعد أن سقطت فرضية الحرس القديم، ومعها جهل الرئيس بما يحصل حوله، وعدم رضاه عنه، أن السلطة السورية، سلطة مجسدة بأشخاص قلائل، حازوا على مفاصل الحكم والهيمنة، عبر حوامل تتحدد بالانتماء إلى عائلة حافظ الأسد، وإن بشار وماهر الأسد هما أُسّ هذه السلطة وأساسها، وهما من يمنحا لأي مراكز ثقل أخرى في النظام، وزنها وأهميتها. وعلى ذلك، فمعرفة موقف النظام السوري في أي ظرف وحالة، أمر يتحدد بإرادة هذين الشخصين، ولا يمكن والحال هذه، النظر إلى عملية صنع القرار السياسي في سورية، وقياسها إلى اعتبارات سياسية، دستورية ومؤسساتية، كما جرت العادة في الدول الديمقراطية، وإنما، على نحو شاذ ومدهش، إلى شروط بيولوجية وراثية ونفسية وتربوية متعلقة ببشار وماهر الأسد ليس إلا، وهي لذلك عملية، يمكن تحديدها وفق تعيينين اثنين:

الأول مرتبط بعلم الجينات والمورثات، حيث تتحدد مواصفات الفرد واستعداداته الوراثية الرئيسية، بما فيها سمات الصلابة والقسوة الدموية واللجوء إلى ممارسة العنف والاستعداد لمواجهة المخاطر والتحديات، بالسؤال عن سمات مماثلة عند الأقرباء من الدرجة الأولى، وبشار ـ ماهر الأسد، على سلّم القياس هذا، يؤكدان أكثر فأكثر، أنهما ورثا جينات عنف ودموية مع استعداد للدخول من أجل مصالحهما في مغامرات كبرى، أيّاً تكن فواتيرها الأخلاقية والإنسانية باهظة، عن أبيهما حافظ الأسد. وقد أثبت الإبنان، في سنوات الثورة الماضية، أنهما شخصيتان دمويتان، من طراز أبيهما إن لم يكن أكثر توحّشاً وعنفاً.

أما التعيين الثاني، فمتصل بعلم النفس التقليدي الذي يرصد شخصيات الأفراد وعوالمهم النفسية التي تتبلور وتتأثر بعوامل عديدة، أهمها التي تتصل ببيئة التربية والتنشئة الاجتماعية، وهو ما يمكن أن يقرر من دون صعوبة، كيف أن بشار الأسد ومعه أخوه، واللذان تربيا في بيت حافظ الأسد، الديكتاتور الدموي الذي حوّل شعارات أيديولوجيا الأسدية، إلى ذرى تعليمية وطقوس اجتماعية وسياسات إعلامية ونصب تذكارية شاملة لأرجاء البلاد.. إنهما ذوي طبيعة نفسية متشكلة من علاقة طغيانية تملّكية مع موقع السلطة، منجدلة مع إيمان دوغمائي، بأن لهما ولعائلتهما دوراً تاريخياً مشبعاً بالدفاع عن الأفكار و"المعاني الكبرى"، عن القومية العربية ومحاربة إسرائيل والدفاع عن "سورية الآمنة والموحدة، سورية التي ستختفي وتندثر وتسقط في براثن التكفير والتشدد والضعف والاختفاء، دون الدور الأسدي فيها". ولعلّ الآلية النفسية العميقة المساهمة في حصول هذا الإيمان وتبلوره، والتي تقوم على الربط الجدلي، تبريراً وتأكيداً، بين مصلحة الفرد ونوع المعرفة التي يحوزها، فهماً وموقفاً وتفاعلاً، هي التي تفسر سياسات أسدية كثيرة في سورية والمنطقة، سواء سياستها في تكريس الطائفية في أبنية الدولة وأجهزتها الأمنية والعسكرية واقعاً، من ثم إنكارها ورفض السماح بفتح نقاش علني حولها، والإصرار على عدم اتباع أي سياسة تنويرية وتحريرية في البلاد، أو سياستها وموقفها من إسرائيل الموضوع في ثلاجة اللاسلم واللاحرب لعقود طويلة، ثم توظيف كل ذلك، في عملية الدفاع عن مصالح ووجود النظام السوري، في مرحلة اشتعال الثورة ضده، باستدعاء بيئة التشدد الديني والمساهمة النشطة في خلقه في الوضع الثوري، والإفادة من موضوع إسرائيل ومن محور الممانعة ضدها، في تشويه رهانات الثورة وأهدافها، وفي المساهمة في عملية قمعها، وكل ذلك دون النظر إلى أي كلفة قد تدفعها البلاد وإنسانها ومستقبلها.

بالعودة إلى التعيينين أعلاه، وبالاستناد إلى ما يقررانه من خلاصات، يمكن القول إنه من الصعوبة بمكان أن يفرض أي أحد، الروس أو حتى الإيرانيون، على بشار حافظ الأسد ذي الشخصية الصلبة، الموهومة حول دور تاريخي وطني وقومي وإقليمي، المرتبطة بعلاقة تملّك أبدي مع موقع السلطة والهيمنة والامتيازات، أي حل سياسي يتخلى بموجبه عن السلطة، حتى لو تخلى أحد الطرفين، الروسي أو الإيراني، أو كلاهما، عنه وعن رهانهما على الأسدية في سورية، على الرغم من أن ذلك لم يزل مستبعداً، إن لم يكن مستعصياً. فشخصية كهذه مستعدة أن تدمر وتقاتل، وتتسبب بمآسٍ لا حصر لها، في سبيل الدفاع عن تسلّطها وأوهامها عن ذاتها وعن دورها، تماماً كما فعل صدام حسين ومعمر القذافي في بلادهما، حيث قاتلا من دون أن يصطف معهما أي طرف إقليمي أو دولي حتى آخر نفس. ورهان الدول العظمى، أو أي أطراف أخرى سياسية سورية أو عربية، على أي حل سياسي، هو، في الواقع، خسارة إضافية للوقت، وتعظيم لمأساة التاريخ المعاصر السورية. إلا إذا اعتبر هؤلاء أن بقاء بشار الأسد رئيساً ومتحكّماً بالجيش والأجهزة الأمنية، بعد أن يمنح معارضيه رئاسة الحكومة والوزارات الأخرى كلها، يمثّل حلاً سياسياً! هكذا حل سياسي وحده الممكن في عرف النظام السوري، وفي الواقع الذي تحدده المعطيات الحالية على الأرض. وهو إن حصل لا يعني إلا أن بشار الأسد قد انتصر في معركته على شعبه وضد حركة التاريخ، وذلك أمر على الرغم من كل ما يجري في سورية من كوارث مأساوية، لم يزل مستبعداً جداً، إن لم يكن مستحيلاً.

===================

معركة الخير ضد الشر .. ميشيل كيلو

العربي الجديد - الاحد 18-1-2015

بعد أن طوى صفحة صراعه مع إسرائيل، ونقل مقاتليه وخبراته إلى سورية والعراق واليمن، وحوّلهم من مقاتلين يحررون أرض لبنان من الاحتلال الإسرائيلي إلى مرتزقة يقاتلون العرب والمسلمين، نقل حزب الله اهتمامه الاستراتيجي من صراعه المزعوم مع الصهيونية وإسرائيل إلى مجال جديد، غير مزعوم إطلاقا، هو محاربة التكفير، كما يجسده الإسلام الآخر، غير الشيعي الذي فقد حقه في أن يكون إلى جانب الله، بعد أن احتكر عملاء إيران هذه الصفة، وتركوا لغيرهم من المسلمين خانة وحيدة، يحشرون فيها، هي ضروب من الإرهاب والتكفير، لا يستطيع حزب الله تجاهلها أو عدم خوض الحرب ضدها، انطلاقا من إطارٍ كان حسن نصر الله قد حدده في دروس تعليم ديني ألقاها في عاشوراء، رأت في صراع الحسين ويزيد صراعاً بين الخير والشر، وجعلت الخير من نصيب الأول والشر حصة الثاني، وأكدت أن صراعهما ليس شخصياً، وانه أبدي يتجاوز الأزمنة والأمكنة، وأن التراخي فيه كفر وخيانة للدين، وأن انتصار الخير فيه يعادل نجاة البشرية، والخسارة تقود إلى جاهلية ضلال، لا يبقى معها حق وخير وجمال!.

بنقله المعركة من إسرائيل الصهيونية/ اليهودية إلى العرب والمسلمين، طبق نصر الله معايير معركته الأولى على معركته الجديدة، الدائرة، اليوم، سورية والعراق والبحرين واليمن، حيث يتهم وجود أعداء أشد خطراً من الصهاينة، يمثلون شراً يجب أن تكون المعركة ضده أبدية، بينما "تراجعت" (قل انتهت) المعركة ضد الصهاينة، الجالسين بارتياح في مزارع شبعا وتلال كفر شوبا والقرى السبع، وهي جميعها مناطق لبنانية، كان نصر الله قد وعد بمواصلة المعركة إلى أن يتم تحريرها بالكامل، خطوة في الطريق إلى تحرير ما بعد بعد بعد بعدها، وها هي قواته "تحرر" القصير وحوران وحلب وحمص وحماه من "التكفيريين"، وتعد العدة لمواجهة "الاستيطان العربي" في البحرين الذي ندّد نصر الله به، وحذر منه، في آخر موعظة سياسيةٍ ألقاها على مقاتليه الأخيار، بما أن استيطان البلدان العربية لا يجوز أن يكون بعد اليوم غير إيراني/ فارسي، على غرار ما يحدث في العراق ولبنان، ويراد له أن يحدث في سورية، بعد أن ينتصر جيش القدس والحرس الثوري وحزب الله والنظام العميل لطهران على شعب سورية التكفيري.

لم يكن حزب الله بحاجة إلى إجراء تغيير كبير في خطابه وأيديولوجيته، بل كان كل شيء جاهزاً لتبرير التغيير في اتجاه البندقية من إسرائيل إلى العرب والمسلمين، من أنصار الشر الذين لا يؤمنون بولاية الفقيه: شيعة كانوا أو سنة، ولا قيمة إطلاقاً لإيمانهم بالله ورسوله، ما دام نصر الله يصنفهم تكفيريين شريرين، ويعد بشن حروب استباقية ووقائية، رادعة وإبادية، ضدهم، حماية لمواقع الولاية في لبنان، وللخير المهدد بالشر في العالم كله، وليس هناك من حرج إطلاقا في إضافة مسوغ جديد، كل يوم، لحربه المقدسة، مثل منع الاستيطان العربي في البحرين: ميدان معركته المقبلة، بعد سورية والعراق واليمن، الذي سيتعرض للقضم، وصولاً إلى تفجير الخليج، وسيشهد عملية نقل إضافية للمعركة إلى المجالين، العربي والإقليمي، تحت إشراف الحرس الثوري الإيراني الذي يرى فيها جزءاً من الامبراطورية الفارسية.

بتحول حزب الله إلى آلة قتل وغزو للعرب والمسلمين، تظهر مهمته الأصلية على حقيقتها، وتنكشف مقاصد طهران العربية. ويبقى السؤال: أين نحن العرب من هذا كله؟

===================

موقفنا : كيف نحسم هذه المعركة ... بل كيف ننتصر فيها !؟ .. زهير سالم

مركز الشرق العربي – 18/1/2015

طوباوي حالم ، أو عاجز لا يحسن إلا الانتقاد ، أو ربما مغرور يظن في نفسه الحكمة وهو إلى الاضطراب أقرب ، أو العزيمة وهو من الخور قد جُبل ، أو القدرة وهو الذي لا يحسن غير الرمي بسهام النقد والتبكيت والغمز واللمز ؛ بمثل هذا المنطق يدافع المتشبثون عن تشبثهم مع عجزهم . إذ من عادة المستبدين دائما أن يهاجموا خصومهم وإن أقروا بالتقدم والفرادة لمجرد أنهم ألحقوا كلمات الإعجاب والثناء والتوقير والتمجيد بلكن ....

وبات أمر الناس بين رجلين متقحم جريء ( لا يدري ولا يدري أنه لا يدري ) ومحجم ( يدري ويدري أنه يدري ) ، ولكنه يرى في الإحجام بعض الصيانة وبعض الحفاظ على وجه لم يترك بشار الأسد وعصابته فيه من ماء ، فيطوي على مكابدة وكمد ويردد مع الرجل المقبل من أقصى المدينة (( يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ...))

وحتى لا يقول البعض استئنافا أو استكمالا أو عطفا أو استرسالا :

يقولون أقوالا ولا يثبتونها وإن قيل هاتوا حققوا لم يحققوا ، ولأن التدقيق في التحقيق لا يكون إلا في المضيق ، فما زال الكتمان معوانا على أداء ، وأبلغ منه تكرار الإمام حجة الإسلام رحمه الله لأكثر من عشر مرات في كتابه الأحياء ( إنك لا تعلق الدر في أعناق .. ) ومعذرة للإمام إذ حذفت من مثله ما لا يليق بمقامنا وإن كنا في زمان قد كثرت فيه الخنازير .

إن انكشاف الأوراق عن جملة التغيرات الحادة والعميقة في المواقف الدولية والإقليمية من قضية شعبنا وثورتنا ومستقبل وطننا ( سورية المسلمة العربية ) أصبحت بحيث لا يمكن أن يتجاهلها متجاهل أو يتجاوزها متجاوز ، من عامل صادق ، ومتابع حريص . وهو انكشاف وهي تغيرات تستدعي ما يقابلها في مواقف ( المسترسلين ) و( السادرين ) و ( المؤملين ) و( المنتظرين ) . تستدعي ما يقابلها على قاعدة نيوتن الثالثة في توازي رد الفعل مع الفعل في مقداره ومناقضته إياه في اتجاهه ..

إن التراخي عن إعمال هذا القانون الفيزيائي الحركي بعد اليوم لن يعد في باب المرونة السياسية ، ولا الرويّة وبعد النظر، وإنما سيلحق بحسن الظن الموسوم عند العقلاء بالغفلة . فقوانين الفيزياء عجلى فظة حادة صارمة لا فسحة فيها ولا مكان فيها ليد ماسح ولا تؤدة وئيد ..

وحتى لا نكثر الكلام ، ونغرق في البيان ، والمقام لم يعد يحتمل أخذا ولا ردا ، ولا مراء ولا لجاجا، وإعلانا للبراءة أمام الله ثم الناس ، وإقامة للحجة على الذين لا يكتبون ولا يقرؤون ، نقترح في هذه الأسطر العجلى خمس خطوات بينات واضحات صريحات نأمل من الله أن تقلب الموقد على من سعرّه ، والطاولة على من رتبها ، ووضع حولها كراسيها وقدر أوزانها وأرقامها ....

الخطوة الأولى : -----------------------

الخطوة الثانية: ++++++++++++++++++++++++

الخطوة الثالثة : ÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷

الخطوة الرابعة : ×××××××××××××××××××××××

الخطوة الخامسة : =======================

لقد كانت لعبة الشطرنج مهمة جدا لمن حاول أن يستفيد منها . ولم يجعلها مجرد تزجية للسأم أو تمضية للسهرات ، فاقتنص منها الدروس وتعلم من الخسارة والربح العبر . فالبيدق على رقعة الشطرنج مهم جدا وقمين أن يحافظ قائده عليه ، ويدافع عنه ، ولكن ليس قمينا أن يجعل بيدق خصمه هدفا فيضيع وقته وجهده للانقضاض عليه . وهذا كلام كرره العقلاء مرارا وقرروه تكرارا ولكن الناس تعودت ركوب الجدران الواطئة لمجرد أن تظهر على ظهر .

والذين نظّروا للعبة الشطرنج قالوا إن الفرس والفيل متناظران وأنهما بوزن استراتيجي واحد ( 14 ) وإن الرخ ( القلعة ) يفوقهما بوحدتين ، وإن الوزير يحوز عشرين وحدة ، بينما أفردوا ( الشاه ) بأربع وعشرين.وحين يختل ميزان القوى في الموقف والمال والرجال تحتاج إلى فقه عمري يعوض الألف بالواحد ليعلو صوت هلال بن علفة التيمي ينادي ( قتلت رستم ورب الكعبة ) وما أجمله من نداء ..

في تراثنا العامي يقولون : إذا ضربت فاضرب الأمير ، وإذا سرقت فاسرق الحرير ، وأنا لا آمر أحدا بالسرقة ولا أنصح بها . وكنت أمازح بعض أقراني الذي يستمعون إلى غناء أصحاب الأصوات الجافة بقولي : ويحك ترتكب معصية بالاستماع إلى مثل هذا ... هلا استمعت إذ عصيت إلى ما يخفف عنك وقع كي النار ..

هذا كلام هزل يراد به الجد . وحسبنا قول ربنا : (( إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ))

اللهم فاشهد ...

لندن : 27 / ربيع الأول / 1436

18 / 1 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

الميليشيات الإيرانية والمواجهة الحتمية! .. د. رضوان السيد

الاتحاد - الاحد 18-1-2015

على وقع هجمات الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني على مملكة البحرين، سارعت دول مجلس التعاوُن الخليجي لاستدعاء سفراء لبنان لدى عواصمها، موجِّهةً تحذيراً للحزب وللإدارة اللبنانية أن تتحرك صوناً لمصالحها وأمْن أشقائها. وموقف مجلس التعاون هذا حتى في مسألة البحرين، جديدٌ نسبياً. فقليلاً ما كانت دول الخليج تهتم لصراخ الميليشيات الإيرانية من حولها، مرةً من أجل «المظلومية» الشيعية، ومرة أُخرى من أجل الممانعة والمقاومة، وفي الفترة الأخيرة من أجل مكافحة الإرهابيين والتكفيريين! أما موقف الأمين العام لـ«حزب الله»، فهو جديدٌ وليس جديداً. فدعاوى المظلومية والمقاومة والتكفير تتكرر منذ سنوات. أما الجديد فهو المقارنة بين إجراءات حكومة البحرين والسياسات الصهيونية تجاه الاستيطان والفلسطينيين! وهذه دعوى خارجة عن الحدّ، لكنها ليست جديدةً تماماً في سياق تصرفات «حزب الله» في لبنان وسوريا والعراق واليمن: الاستيلاء على الأرض والمؤسسات بالسلاح، وتهديد من يشكل خطراً على المشروع الإيراني، وادعاء تمثيل المجتمعات في مواجهة الدول، والتساوم مع الأميركيين والإسرائيليين مقابل هذا أو ذاك من الأمور!

كيف حصل هذا التغول، ولماذا استطاع الاستمرار؟ حصل في البداية نتيجة اعتبار ولاية الفقيه الإيرانية ولياً لأمر الشيعة في العالم من جهة، ومساعدة شيعة لبنان على مواجهة إسرائيل، باعتبار أنّ الجيش اللبناني لا يستطيع ذلك. وفي النهاية أقام الحزب دولةً داخل الدولة، مستعيناً بالقوة المسلَّحة عن ادعاء حمل السلاح في مواجهة إسرائيل فقط. وبسبب نجاح التجربة في لبنان، مدَّتْها إيران إلى العراق وسوريا واليمن.. والبحرين والكويت وأفغانستان. فعندما تكون الدول قوية يظل التنظيم الإيراني بالبلاد سرياً، ويقوم بأعمال التفجير الاغتيال والابتزاز، والتحالفات الساترة. وعندما تكون الدول ضعيفة تخرج التنظيمات بالسلاح إمّا للاستيلاء الكامل أو لمشاركة الدول والأنظمة في الإدارة والقرار. وعندما قامت حركات التغيير عام 2011 اعتبرتها إيران مؤامرةً أميركيةً عليها فمضت خطوات إلى الأمام إذ تدخلت عبر «حزب الله» والميليشيات الشيعية الأخرى في سوريا والعراق واليمن وغزة ومصر، فاجتمعت على بعض البلدان العربية أصوليتان محترفتان: الجهادية السنية التي تريد إقامة الخلافة، وولاية الفقيه الشيعية التي تريد إقامة الإمامة! وهكذا وقع العرب ووقع الإسلام في قلب الصراع بين أُسطورتين قاتلتين: واحدة تريد إقامة دولة دينية متخيَّلة على النهج المذهبي السني، وواحدة تستحضر الإمامة الغائبة لتقديم زمان صنع السلطة المطلقة التي تستحضر علامات القيامة وملاحمها بين المهدي والقحطاني والخراساني واليماني والسفياني! ولذلك يبدو الأمين العام للحزب عصرياً جداً عندما يهتم بالمقاومة والممانعة والصهيونية والاستيلاء على المطار والمرفأ، بينما يحشد جمهوره من أجل دولة التمهيد والإمام الحي من آل البيت، وحماية مزارات موتاهم!

الميليشيات الإيرانية تمارس الاستيلاء على الدول والشرذمة للمجتمعات باسم التشيع والتكفير. والميليشيات الجهادية تستولي على البترول والغاز والأراضي، وتفتت الدول وتقتل الناس إرعاباً. والجهاديون يريدون فيما يزعمون إخراج الأنظمة والأميركان، وإحلال نظام الإسلام محلَّ الجاهلية. أما الميليشيات الإيرانية فتُساوم بالتخريب الولايات المتحدة، وتريد مشاركتها نفوذها في المنطقة.

المشروع الإيراني للاستيلاء والشرذمة سابقٌ على المشروع «القاعدي» و«الداعشي». ونجاحاته الظاهرة سببها أنّ الأنظمة والشعوب ما اتخذت مقاومتها له سِمة الشمول والاتّساق. وذلك لسببين: أنّ المنفذين المباشرين هم من أهل البلاد، وقد كان هناك اعتقاد أنّ وطنياتهم ستتغلب على مذهبياتهم. كما أنّ فئات شعبية عربية اغترت بعدائها الظاهر لإسرائيل، بحيث بدا ذلك باعتباره وظيفتهم الوحيدة. وما أزال أرى أنه رغم فظاعة «الداعشيات» وأشباهها؛ فإنّ فُرَص القضاء عليها أوضح وأرجح لأنّ الأنظمة والجمهور الأعظم واجهها من البداية من دون أَوهام!

لقد انكشف «حزب الله» في مناسباتٍ عدة: في الاغتيالات، وفي احتلال غزة، وفي احتلال بيروت، وفي القتال ضد الشعبين السوري والعراقي. لكن لأنه ذراعٌ إيرانية، فقد ظل التردد قائماً، باعتبار أنّ الوصول إلى حلٍ مع إيران، ينحّي ميليشياتها عن أعناق الناس في لبنان وسوريا والعراق واليمن والبحرين. وأنا أرى الآن، بل ومنذ العام 2012 (تدخل الحزب في سوريا) أنّ العكس قد يكون الحلَّ الأقرب: انكسار الميليشيات في لبنان أو سوريا أو العراق أو اليمن، هو الذي يعيد الإيرانيين إلى التعقل والتفاوض!

ـ ـ ــ ــ ـ ــ ــ ــ

أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة اللبنانية

===================

إلى متى نبقى نحن العرب فئران تجارب؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي - السبت 17-1 -2015

تتخبط المجتمعات العربية في بحر من المتغيرات والزلازل السياسية والثقافية والدينية والاجتماعية المخيفة، بحيث لا تستطيع أن ترسو على بر. لماذا؟ لأنها أولاً محكومة بأنظمة سياسية تابعة وغير مستقلة ولا مستقرة، وتنفذ سياسات وضعها الغير لها، وثانياً لأنها ليست أكثر من مختبرات تجارب، إن لم نقل فئران تجارب. فهي مطلوب منها أن تغير نمط حياتها وثقافتها وتوجهاتها وحتى معتقداتها بين عقد وآخر كي تتماشى مع المتحكمين بها خارجياً.

قبل أكثر من نصف قرن من الزمان – وهي فترة قصيرة جداً في عمر الشعوب – سنّت بعض القوى الكبرى المتحكمة بمنطقتنا جغرافياً وديموغرافياً وثقافياً وإعلامياً ما يشبه الفرمانات والمراسيم الملزمة لبعض دولنا كي تتبع نظاماً إسلامياً متزمتاً ومناهج تعليمية متحجرة، لأنها وجدت في مثل هذا النظام الوسيلة الأنجع للوقوف في وجه بعض النظم السياسية العربية الناشئة التي قد تهدد مصالحها في المنطقة كالنظم القومية والاشتراكية التي كانت تابعة بدورها للمعسكر السوفياتي.

بعبارة أخرى، فإن المجتمعات العربية ذات التوجه الإسلامي أو الاشتراكي أو القومي كانت بمجملها ضرورات أملتها العوامل الخارجية أكثر منها المتطلبات الداخلية. فهذا النظام أقام دولة ‘إسلامية’ كي يرضي أسياده الأمريكيين والأوروبيين، ويحارب إلى جانبهم، وذاك أنشأ نظاماً اشتراكياً نزولاً عند رغبة أسياده السوفيات، بما ينطوي عليه ذلك من فرض وقهر وتوجهات قسرية مخالفة لطبيعة المجتمع وميوله الإنسانية.

وبعد أن تغيرت التحالفات الدولية بعد انتهاء الحرب الباردة وظهور أمريكا كقطب أوحد، كان لا بد للمجتمعات العربية أن تتغير مائة وثمانين درجة كي تواكب سادتها الأمريكيين الجدد الذين لم تعد تناسبهم النظم الاجتماعية التي أمروا بقيامها، ودعموها في النصف الثاني من القرن العشرين.

لهذا السبب تحديداً نرى أن المجتمعات العربية تتخبط منذ سنوات في بحر من الفوضى والاضطرابات والهزات الاجتماعية والسياسية الرهيبة.

لقد دأبت بعض الأنظمة العربية منذ أكثر من خمسين عاماً على بناء ما تزعم أنه مجتمعات إسلامية الطابع، وجندت لها ميزانيات هائلة كي تكرسها، وتقويها، وتثبت أسسها من خلال وسائل إعلام ونظم تعليمية «متأسلمة». وقد كان الهدف من كل ذلك، في واقع الأمر، ليس إقامة مجتمعات إسلامية، بل من أجل صد التغول الشيوعي في المنطقة العربية الذي كان ينافس الهيمنة الأمريكية.

وقد تطور هذا المجتمع الإسلامي المزعوم في ذروة الصراع السوفييتي الأمريكي في أفغانستان كي يزود من يسمون بالمجاهدين الأفغان بمزيد من المقاتلين العرب العقائديين من أجل طرد «الغازي السوفييتي».

وقد تبين فيما بعد أن الاستخبارات الأمريكية ومعها بعض الأجهزة العربية كانت وراء هذه اللعبة القذرة التي راح ضحيتها الألوف من المضحوك عليهم من السذج العرب الذين تحولوا فجأة من «مجاهدين» إلى إرهابيين في عُرف من صنعوهم.

وقد كان الهدف الأول والرئيسي من تلك الحملة ‘الإيمانية’ الملعوبة جيداً طرد المحتل السوفياتي من أفغانستان كي يحل محله الأمريكيون فيما بعد بطريقة منظمة وملعوبة كالشطرنج في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر.

لم يعد الإسلام الجهادي مطلوباً بعد أن تخلصت أمريكا من عدوها التقليدي (الشيوعية)، وبالتالي لا بد من تفكيك المجتمعات التي عاشت على الأصولية الإسلامية لعقود. ومطلوب الآن تفصيل إسلام جديد يناسب المجتمعات التي يريدها الغرب.

لا عجب إذن أن قامت بعض المعاهد الغربية بوضع خطط لتكوين إسلام ناعم يتواءم مع المخططات الأمريكية الجديدة في العالم العربي. وكان لا بد للإسلام الجديد أن ينقلب مائة وثمانين درجة على الإسلام الذي كان مطلوباً أيام الحرب الباردة. إنه ‘الإسلام الليبرالي’ الذي يقبل بكل الأطروحات والمفاهيم والقيم الغربية، ويساعد على نشرها وترسيخها في المنطقة.

لا عجب أن رأينا بعض ‘الإسلاميين العرب الجدد’ يقودون الحملة الجديدة لتطهير العالمين العربي والإسلامي من الفيروس الأصولي القديم، ويبشرون بـ’التسامح والمحبة والديموقراطية’.

من هو المخول والقادر إذن على القيام بهذه المهمة التفكيكية للمجتمعات العربية المطلوب إعادة تركيبها؟ إنه الإعلام، وليس أي إعلام، بل الإعلام الترفيهي التجهيلي الهابط المعتمد على إثارة الغرائز ومسح العقول وتغييب الوعي، خاصة وأن المهمة أمامه شاقة للغاية، وتحديداً في البلدان التي حملت مشعل الإسلام الأصولي. فليس من السهل تحويل اتجاه المتزمتين دينياً بالاتجاه المطلوب إلا بفضائيات رخيصة تنتشر كالفطر البري في السموات العربية، وتغزو عقولهم وقلوبهم بما لذ وطاب من أغان ومسلسلات محلية وأجنبية مدبلجة وأفلام وغانيات كاسيات عاريات وراقصات ومطربات ماجنات واحتكارات فنية شيطانية. في الماضي أرادونا أن نكون متدينين متزمتين. وفي لحظة ما يريدوننا أن نكون راقصات وراقصين وطبالين وزمارين، على أن نكون مستعدين مرة أخرى لنصبح «جهاديين» إذا اقتضت الحاجة.

إلى متى نبقى مجتمعات للتركيب والتفكيك عند الحاجة نزولاً عند رغبة هذه القوة الخارجية أو تلك؟ أما آن الأوان لأن تكون لدينا ثقافتنا الخاصة بنا المنبثقة من طبيعتنا وواقعنا وتاريخنا وتراثنا وأحلأمنا وآمالنا؟ بالطبع. لكن ذلك لن يتحقق إلا عندما تكون لدينا حكومات وأنظمة مختارة داخلياً وليس مفروضة من الخارج. وعيش يا كديش ليطلع الحشيش!

٭ كاتب واعلامي سوري

===================

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com