العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 24-05-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

وراء الأبواب المغلقة… أمام الكاميرات .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 21-5-2015

ارتفعت، في الآونة الأخيرة، بورصة التكهنات حول تفككات محتملة في قمة السلطة في نظام دمشق الكيماوي، بمناسبة الوضع الغامض لرئيس مكتب الأمن القومي علي مملوك، وما قيل عن تصفية اللواء رستم غزالي قبل ذلك. وفي حين تقاطعت عديد الروايات اللبنانية بشأن تعرض الأخير للضرب المبرح على يد عناصر رئيس شعبة الأمن العسكري رفيق شحادة، ثم وفاته بصورة مريبة، بعد غيبوبة في مشفى الشامي بدمشق؛ ما زالت الرواية الوحيدة حول مصير مملوك هي تلك التي جاءت في تقرير صحhفي نشر في جريدة ديلي تلغراف البريطانية. وقد بادر النظام لإظهار مملوك على شاشة التلفزيون بمناسبة استقبال رأس النظام للمبعوث الإيراني علي بروجردي، دفعاً للشائعات.

للشائعات، في زمن الحرب، مفعول كبير في التأثير على معنويات الأطراف، وخاصةً في بلد أدمن تداولها بوصفها «وسيلة الإعلام» الموثوقة، مقابل وسائل إعلام النظام الرسمية التي طالما تواطأ كل من النظام والمجتمع في سوريا على معرفة أنها وسائل كذب. ولطالما لجأ النظام إلى نشر الشائعات الشفهية، بدلاً من الصحف والتلفزيون، إذا أراد لمحكوميه أن يصدقوا خبراً أو معلومة أو تقييماً في شأن من الشؤون العامة المهمة.

وهكذا، استطاع النظام أن يستخدم هذه الوسيلة المجربة بطريقة معكوسة أيضاً: وذلك ببث شائعة كاذبة يخدم انتشارها أعداءه، ثم «يفاجئ» الجميع بتكذيبها من خلال صورة تلفزيونية لا تدع مجالاً لأي شك أو تأويل. هذا ما حدث، مثلاً، بالنسبة لنائب الرئيس فاروق الشرع الذي ذاع خبر انشقاقه مرات ومرات، أو ما قيل عن إصابة ماهر الأسد شقيق رأس النظام. من المحتمل، إذن، أن يكون خبر اعتقال علي مملوك أو وضعه في الإقامة الجبرية، هو من إنتاج أجهزة النظام، وتم تسريبه بصورة مقصودة إلى الديلي تلغراف، فتلقفه السوريون التواقون إلى تفكك وسقوط النظام. والهدف من تكذيب الشائعة، بعد بثها، هو رفع معنويات البيئة الموالية للنظام بعد خسائره العسكرية الكبيرة في الشهرين الأخيرين.

لم يقتصر تقرير الجريدة البريطانية المذكور على خبر مملوك، بل تضمن أيضاً عن مساعٍ تجري لعودة رفعت الأسد من منفاه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من النظام، الأمر الذي عززه طرح الوزير السابق محمد سلمان، المعروف بعلاقته مع رفعت، «خارطة طريق» لحل الأزمة السورية، لا تتضمن أي إشارة إلى مصير رأس النظام، قبل نحو أسبوعين.

وفي سياق متصل جاء خروج رئيس تيار بناء الدولة لؤي حسين من سوريا إلى اسبانيا عبر الأراضي التركية بعدما «أحس بخطر شديد على أمنه» على ما جاء في تدوينة له على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك. ومن اسبانيا جاء إلى اسطنبول للقاء رئيس ائتلاف قوى المعارضة خالد خوجة «بحثاً عن حل لإنقاذ البلاد». بعد «أزمة علم الثورة» في المؤتمر الصحhفي الذي عقده الرجلان، وأثارت موجة احتجاجات صاخبة للبيئة المعارضة على صفحات فيسبوك، وأربكت رئيس الائتلاف فسارع إلى تقديم اعتذاره عما حصل، نصبت محطة تلفزيون أورينت المعارضة فخاً للؤي حسين بدا أنه كان جاهزاً للوقوع فيه، فشكل كلامه المسرب الضربة القاضية لطبخة يبدو أنها كانت تطبخ وراء الأبواب المغلقة.

لا نملك أي معلومات حول هذه الطبخة المفترضة، سوى تصريح وجيز لعضو الائتلاف المعارض سمير نشار الذي اعتبر فيه لؤي حسين «أول معارض علوي للنظام». فإذا أردنا البناء على هذا التصريح، معطوفاً على وصف خالد خوجة لـ»المعارض العلوي الأول» بأنه «قامة وطنية» فهمنا أن الإضافة المحتملة التي قد يشكلها حسين للمعارضة «الخارجية» إنما تصدر من انتمائه الأهلي لطائفة السلالة الحاكمة نفسها.

أليست إحدى المعضلات الواقفة في وجه أي حل سياسي للمشكلة السورية هي مصير هذه الطائفة، أو «الأقليات» بصيغة موسعة؟ فإذا كان مصير الأسد قابلاً للمساومة حتى عند أشد داعمي النظام إخلاصاً، كإيران وروسيا، فمصير العلويين هو الذي يؤرق جميع السوريين بمؤيديهم ومعارضيهم، ليس فقط لأسباب إنسانية – على أهميتها القصوى- ولكن لأهميتها الوطنية أيضاً. ذلك أن إنقاذ جماعة أهلية كاملة من الخطر الحقيقي الذي بات يتهدد وجودها هو، في الوقت نفسه، إنقاذ لوحدة البلاد. فبعدما تورطت هذه الطائفة، كجماعة سياسية، في مساندة نظام قاتل دمر البلد (هذا على الأقل هو الرائج في «الوعي العام السني»)، لم يعد أمامها إلا خياران: إما إقامة دويلة علوية تستعيد تجربة سابقة قامت في عهد الانتداب الفرنسي، أو ابتكار صيغة سياسية لتقاسم السلطة، بعد سقوط نظام الأسد، على غرار التجربتين اللبنانية والعراقية. بين هذين الحدين (تقسيم سوريا أو تقسيم السلطة) من المحتمل أن سائر السوريين سيختارون الثاني، وإن كان على مضض. ذلك أن لوحة الصراع اليوم لا تسمح ببقاء النظام السابق ولا بانتقال السلطة، على دولة موحدة، من أقلية إلى الأكثرية السنية، ولا هما خياران مرغوبان لدى غالبية السوريين. أما الحديث الرومانسي للتيار الديمقراطي ـ بمعناه العريض- حول «دولة ديمقراطية مدنية تعددية» فقد طوته الحرب في سوريا وعليها، منذ وقت طويل. وتتطلب العودة إلى هذا الهدف مرحلة انتقالية طويلة نسبياً لاستعادة الثقة المتبادلة بين المكونات الوطنية. فالتجربتان اللبنانية والعراقية أثبتتا أنهما لا تجلبان استقراراً اجتماعياً مستداماً.

في غياب أي مبادرات سياسية جدية للحل، عربية أو دولية، لإنهاء المأساة السورية، لم يعد أمام السوريين غير اقتلاع شوكهم «سياسياً» بأيديهم. ترى هل كان «انشقاق» لؤي حسين محاولة في هذا الإطار، أسقطها كارهوه بصورة مدوية؟ وإلا ما الذي قد يغري الائتلاف المعارض بأخذه على محمل الجد، وتيار بناء الدولة الذي يرأسه حسين لا وزن له في المعادلات السياسية القائمة؟

من المرجح أن الطائفة التي بلغت درجة عالية من الرعب الوجودي وخسرت رهانها على انتصار النظام عسكرياً، وباتت، بخسائرها البشرية الكبيرة، شريكة في المأساة السورية العامة، بدأت بحثها عن الحلول السياسية أخيراً. في المقابل تحولت الفصائل الجهادية العاملة على أرض سوريا إلى خطر حقيقي كبير على جميع السوريين، من شأنه توحيدهم في مواجهته.

٭ كاتب سوري

======================

موقفنا : لو كان بشرا سويا ...لسجل شكره للأردن قيادة وشعبا وكذا لتركية ولبنان ولكن .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 19-5-2015

تداولت وكالات الأنباء أن خارجية ( الأسد رفعت ) إلى الأمين العام للأمم المتحدة ، وإلى رئيس مجلس الأمن الدولي رسالتي شكوى بحق الأردن الشقيق . رسالتان تضجان بالكذب والافتراء ، وتتهمان المملكة الأردنية الهاشمية بكل ما تفرزه النفوس السوداء من افتراء و كراهية وبغضاء ..

في الحديث الشريف في صحيح مسلم ( شر الرعاء الحطمة ) . ولعل وصف ( الحطمة ) لم ينطبق على ( حاكم ) في تاريخ هذه الأمة ، منذ أن نطق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا القول الجامع ، كما ينطبق اليوم على هذا الحاطم المبير الذي حطم في حياة السوريين ، كل شيء ، فأهلك الحرث والنسل ، ودمر البلاد وقتل وشرّد العباد ؛ ولا يزال سبيلا إلى ضحكته البلهاء ، وإلى الإمعان في المجاهرة بالمزيد من الكذب والافتراء على الله أولا ، ثم على كل أصناف الناس .

وحتى أولئك الذين حاولوا منذ أول يوم أن يساعدوه و يسعفوه وينجدوه ببعض الحكمة وببعض حسن التدبير ، فيما تسبب به باستبداده وفساده ورعونته من تحطيم ، لم يسلموا من افترائه وكيده وخبطه ولبطه . ولقد كان الأردن الشقيق كما كانت تركية على رأس دول المنطقة والعالم التي قدمت في هذا السياق الكثير. والوقائع شاهدة ، وذاكرة التاريخ ما تزال طرية حية ؛ فأبى الظالم المعتوه إلا بطرا وغرورا وجحودا وكفورا ...

لن يعني لعصبة الجحود والمكابرة شيئا أن نذكرهم بكل المخارج الإيجابية التي تقدمت بها قوى وطنية وإقليمية تذكر بضرورة ترك المكابرة والمخاتلة والمناورة والكذب والخداع والاعتراف بالثورة كثورة شعبية حقيقية بمضمونها ومسماها ، والاعتراف بالثوار كأبطال وطنيين يدافعون عن حق وعن حاضر ومستقبل ، ولكن آثرت عصابة ( الحطمة ) وداعموها كما سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحطم في حياة السوريين كل ما هو حق وخيّر وجميل ..

ومع كثرة الجهود والمبادرات التي عرضتها دول الجامعة العربية ، ودول الجوار العربي والإسلامي وفي مقدمتها تركية والأردن الشقيق ..ظل الحصاد دائما المزيد من الغمط والكبر والاستهتار بلعبة القتل والتشريد و التدمير والتحطيم . وكان التمترس دائما وراء عبارات المؤامرة ، والاختباء تحت شعارات الحرب على التطرف المدّعى والإرهاب المصنوع على عين دائما هو الجواب الحاضر لكل الناصحين . وكان ذلك كما يعلمه حتى مدّعوه نوعا من التبجح بالباطل ما أنزل الله به من سلطان ...

ليس من الجدية في هذا الموطن أن نتوقف عند شيء من فقاقيع البهتان التي نفثتها رسالتا الخارجية الأسدية ، ضد الأردن ( الشقيق ) ، بكل ما يحمل لفظ الشقيق من دلالات الحب والسمو والإيثار ..

ولا يستحق هذا الغثاء الذي يرغي في الرسالتين وقفة إدانة واستنكار ، فمن يتلبس بكل هذا القتل وبكل هذا الانتهاك لا يستنكر منه بعد لا في مقام السياسة ولا في مقام الأخلاق شيء ..

وإنما يكفينا في هذا المقام أن نذكر هذا الذي حطم في حياة السوريين كل شيء ، فألقى بتصرفه الأرعن والأهوج على كل المستويات ، عبئا إنسانيا ثقيلا على الأردن الدولة والمجتمع فتحمل الجميع العبء بالأريحية على الخصاصة ، فآووا الخائف وأمنوه ، وأعانوا الكَل ، وأغاثوا اللهفان وداووا الجريح والمريض وكانوا كهف أمن وأمان للأرملة واليتيم ، وفتحوا المدارس والجامعات ، وتقاسموا اللقمة والجرعة ...

ثم تلقوا برسائل خارجية بشار جواب اللئام على الكرام وكم حفلت قصص العرب بحكايات اللئام يتنكرون للكرام ..

ولو كان هذا ( الحطمة ) بشرا سويا ، ولو كان يشعر بأي رابطة تربطه بهؤلاء الملايين الذين ألقت بهم تخبطات مسه وهو الممسوس ( ..الذي تخبطه الشيطان ) ؛ على الأردن وتركية ولبنان لكان من بعض معطيات السياسة ولن نقول الخلق ، أن يشكر من آواهم وحماهم صباح مساء ، نعم لكان من بعض معطيات السياسة أن يشكر هؤلاء الذين حُمّلوا ،على غير إرادة منهم فتحملوا كما يحمل الكرام ، كل صباح ومساء ..

عذرا ...بل شكرا أهلنا في الأردن الشقيق ، شكرا للقيادة وللدولة وللمجتمع ..

عذرا ..بل شكرا أهلنا في تركية الشقيقة شكرا للقيادة وللدولة وللمجتمع ...

عذرا بل شكرا لكل الخيرين في لبنان الخيّر، الخيرين الذين أعطوا فما أكدوا ولا منّوا ولا كدروا فكانوا للأخوة مثلها الصادق ، يصدق ما خلفها ويصدق ما بين يديها إلى أبد الآبدين ...

لندن غرة شعبان 1436

19 / 5 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

============================

المشهد السوري: تقدم عسكري وتراجع سياسي .. أكرم البني

الحياة

الاربعاء 20-5-2015

قبل أن يهدأ غبار المعارك التي أحرزت فيها جماعات المعارضة المسلحة تقدماً في شمال سورية وجنوبها، ارتفعت أصوات تطالب بتسعير الحرب وبعدم تفويت فرصة تحقيق حسم عسكري سريع على نظام يتهالك ولا يحتاج سوى إلى ضربة كتف حتى ينهار! وتعلن تالياً رفضها الصريح والقاطع للسير في طريق الحل السياسي، متهمة أنصاره بأنهم انهزاميون يسعون، مهما تكن نياتهم صادقة، إلى إنقاذ النظام من مصيره المحتوم!

وهذا ما يفسر تمنع أطراف من المعارضة السياسية عن المشاركة في مشاورات جنيف التي دعا إليها ديمستورا، وارتفاع حرارة المطالبة باستجرار سلاح نوعي وفرض حظر جوي ومناطق آمنة، ثم التشجيع على توجيه المعركة صوب مدن الساحل السوري لإنزال ضربات قاصمة بالنفوذ السلطوي هناك، أو حض الفصائل العسكرية على توحيد صفوفها وتشكيل «جيوش فتح» في حلب ودمشق للاستيلاء على هاتين المدينتين، أسوة بما حصل في إدلب. فكأن هؤلاء قد وقعوا في الفخ ذاته الذي ميّز سلوك النظام على امتداد الصراع وإدمانه الخيار الحربي لتحقيق الغلبة، وكأنهم قد سحبوا أحاديثهم عن عجز السلاح في معالجة المحنة السورية، وعن دور الحل السياسي في الحفاظ على وحدة المجتمع والدولة، وأن الرهان على منطق العنف لن يفضي سوى لإطالة أمد الصراع واستجرار المزيد من التدخلات والمساندات الخارجية مكبداً السوريين المزيد من الدماء والدمار؟!.

ولا نعرف إذا كان هؤلاء يدركون قبل أن يروجوا للخيار العسكري، بأن من حق الناس عليهم، تقديم اعتذار عن تشجيعهم سابقاً لاندفاعات هجومية مسلحة في غير منطقة، سعرت العنف وخلفت خراباً وضحاياً ومهجرين من دون تحصيل نتائج سياسية تذكر، وتالياً عن أوهام دأبوا على إشاعتها حول سرعة تفكك السلطة وانهيار مؤسساتها، وعن مبالغاتهم في تقدير وزن المعارضة المسلحة وقدراتها، وعن تعويلهم على نصر عاجل بالحث على تحويل الجهود العسكرية إلى دمشق لإسقاط العاصمة، وعن عبارات يقينية بدت كرهانات مخفقة بحصول تدخل دولي وفرض حظر جوي ومناطق آمنة! واستدراكاً، ماذا يمكن أن نسمع من هؤلاء في حال لم ينجح خيارهم الحربي في تحقيق الحسم والغلبة؟! هل يقدمون اعتذاراً جديداً ويعترفون بأن رغباتهم وليس الوقائع هي التي قادتهم مرة أخرى نحو مواقف ورهانات خاطئة، وأن جيشان نفوسهم بتحقيق نصر سريع، أعمى أبصارهم عن رؤية تبعات ذلك على حياة البشر ومصائرهم؟!.

صحيح أن النظام يعاني اليوم إنهاكاً اقتصادياً وتشتتاً لقواه وقواته، لكن هؤلاء هم من كانوا يؤكدون بأنه ليس على استعداد للتخلي عن السلطة حتى لو تخلى عن أجزاء مهمة من الوطن، وبأن ثمة خطوطاً حمراً ترسمها المصالح الإقليمية والدولية لا يمكن للنظام أو للمعارضة تجاوزها، يؤكدها إقرار الجميع بأن الصراع السوري بات مسرحاً مفتوحاً للتدخلات الخارجية هي الأقدر على تمكين قواه الداخلية وتقرير مصيره.

ويزيد تراجع السياسة تراجعاً ما أثير عن اشتراط وضعته مؤخراً بعض الجماعات الاسلاموية فور تحقيق «انتصاراتها» بأن لا تمنح ثقتها لمعارضة سياسية إلا في حال أعادت النظر بهدف الدولة المدنية واعترفت بحاكميه الشريعة الإسلامية، ولا تضعف من خطورة هذا الاشتراط بل تعززها محاولة لملمته بسرعة وإقناع أصحابه بأن الوقت مبكر لطرح هذه الأفكار، وأن ثمة حاجة لا تزال قائمة لإظهار الجماعات المسلحة كإطراف معتدلة كي تتمكن من استمالة الغرب وطمأنة قطاع واسع من السوريين يرفض الدولة الدينية، كضرورة لا غنى عنها لإلحاق الهزيمة التامة بالنظام!.

يجوز تفسير هذا الاشتراط كتحصيل حاصل للوزن الجديد الذي باتت تحرزه الجماعات الاسلاموية على الأرض ربطاً بواقع ضعيف ومتهالك للمعارضة السياسية، أو كمحاولة خبيثة من جهات إقليمية دأبت على إلباس الثورة السورية لبوس التدين والإسلام خوفاً على مصالحها واستقرار سلطانها من تقدم التيارات المدنية والديموقراطية، مثلما يجوز لآخرين استثمار هذا الاشتراط لتأكيد ما كانوا يثيرونه بأن لا أمان للتنظيمات الاسلاموية وبأنها تظهر غير ما تضمر وتتمسكن حتى تتمكن، وأن المثال السوري ليس بجديد، فقبله انقلبت هذه التنظيمات على الشعارات الديموقراطية والمدنية التي رفعتها في بلدانها وتبنت حين اشتد عودها أو وصلت إلى السلطة ما تمليه عليها أجندتها الإيديولوجية.

لكن الأخطر أن يتكاثر أنصار هذا الاشتراط والمروجون لمشروعية فرض الأجندة الإسلامية على البلاد مأخوذين بفكرة أن الإسلاميين هم الذين يقاتلون على الأرض وهم الذين يقدمون التضحيات وتالياً هم الأولى بوضع مشروعهم الديني موضع التنفيذ، ساخرين من الشعارات المدنية التي يرفعها السياسيون في المنافي، ومن حقوق أقليات وقفت على الحياد أو ساندت النظام، وعاتبين على الخائفين من استبدال أقلية ظالمة بأكثرية مظلومة، وعلى دعاة الحفاظ على التنوع والتعددية بأنهم يحاولون ذر الرماد في العيون لقطع الطريق على حق الغالبية الدينية في أن تحكم وتسوس!.

يخطئ ويدمر مشروع التغيير الديموقراطي من يريد احتكار التضحيات الشعبية وتوظيفها بما يخدم أجندته الخاصة، وهو يعرف أن الشهداء والمعذبين ليسوا ملكاً لأحد بل مواطنون سوريون يرجون بغالبيتهم العدالة والمساواة، وأيضاً من يسعى لجرف الصراع صوب أبعاد مذهبية مستهتراً بالشروخ العميقة والتشوهات البنيوية التي يحدثها، ثم من يعزز رهانه على الحرب ومنطق السلاح ويتوسل «الانتصارات الأخيرة» للتخلي عن أولوية مطلب وقف العنف بصفته عتبة الإقلاع نحو حل سياسي يلبي مطالب الناس ويضمن حقوقها.

صحيح أن الشعب السوري أثبت أنه شعب حي لم تتمكن كل أساليب التنكيل قهر روحه التواقة للحرية والكرامة، وأنه يزخر بطاقة لا تنضب للتضحية من أجل تحقيق حلمه النبيل، لكن حلمه لا يتحقق بالانتقال من استبداد إلى آخر بل بقطيعة تامة مع منظومة العنف والوصاية والفساد والتمييز.

* كاتب سوري

======================

«حزب الله» يؤسس لتقسيم سورية .. غازي دحمان

الحياة

الاربعاء 20-5-2015

الكلام الذي جرى تسريبه على لسان الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله أثناء لقائه رئيس «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون، من أن سقوط نظام بشار الأسد يعني سقوط «حزب الله» ومحور المقاومة لا يبدو بريئاً في توقيت صدوره ولا في مضامينه، وليس المقصود منه الرغبة في الدفاع عن نظام بشار الأسد، بل هو محاولة لتغطية تحركات الحزب في المرحلة المقبلة، في الساحتين السورية واللبنانية في بداية مرحلة تتسم بإعادة توزيع الأدوار والمواقع وترسيم الحدود.

نصرالله نفسه اعترف في التسريب المنسوب إليه باستحالة استعادة سيطرة النظام على سورية، كما أنّه يعرف بالوقائع والمعطيات أن قدرات إيران وإمكانات الحزب لم تعد تسمح بتحقيق مثل هذا الهدف، ولا بد من أنّه على اطلاع على تسريبات بدأت تتواتر من طهران حول مفاوضات تجريها على رأس الأسد شرط أن يتم الحفاظ على بعض مصالحها التي حصلت عليها كبديل من الديون التي دفعتها لنظام الأسد واحتفاظ الإيرانيين المجنّسين بجنسيتهم السورية.

على ذلك، فإن نصرالله استفاق على واقع جديد يدفعه إلى تعديل أهدافه في سورية واستتباعاً تجميع موارده بما يتناسب مع هذا التطور وهو بدأ يرتب لحصوله على جزء من الكعكة السورية في هذه الأوقات التي تتسم بالفوضى، وبالتالي يستثمر وجود الأسد كرئيس شرعي من وجهة نظره لتنفيذ أجندته القائمة على اقتطاع كامل القوس المحاذي للبنان من القصير إلى القلمون وريف دمشق الغربي وصولاً إلى القنيطرة، حيث توجد قواته في هذه المناطق، وهي مناطق قريبة من بيئة الحزب وقد جرى إفراغها سكانياً على مدار السنوات الأربع كما عمل «حزب الله» على تأسيس بنية له في بعضها بالاعتماد على السكان المحليين الموالين له، سواء في القصير من خلال تجنيده السوريين في القرى الشيعية أو في السفح الشرقي لجبل الشيخ في قرى حضر وحينة الدرزية من خلال تأسيس ما يسمى المقاومة السورية في الجولان.

نصرالله يؤسس نواة دولة له ربما في عملية استباقية لتقسيم المشرق والمنطقة، بخاصة بعد أن بدأ الحديث في شكل علني عن تقسيم العراق، ويستغل في ذلك حقيقة أن الحدود بين سورية ولبنان غير مرسّمة أو واضحة وفيها تداخلات كبيرة وهو بذلك يستطيع إسكات الأصوات اللبنانية المعارضة له بخاصة إذا ادعى أنه يستعيد أرضاً لبنانية ويمنع تهديداً مستقبلياً محتملاً في حال سقوط الدولة السورية، وبذلك يضمن «حزب الله» أيضاً تطويق لبنان كله جغرافياً من كل الحدود البرية وينصب نفسه القوة المقررة لمصير اللبنانيين.

الهدف الآخر للحزب هو جعل نفسه القوة المسيطرة على «الدول» السورية المقبلة، عقب سقوط الأسد، وذلك من خلال سيطرته على المرتفعات الاستراتيجية على طول القوس الممتد من جبل الشيخ في الجنوب حتى مرتفعات حمص في الغرب مروراً بمرتفعات القلمون التي تحاصر دمشق وغوطتيها الشرقية والغربية، وبالتالي وضع أي قوة من الممكن أن تظهر في هذا الحيز تحت سيطرته النارية وضمان بقائها ضعيفة ومحاصرة، ولعلّ الهدف الأكبر في هذا الترتيب وعملية القضم الجغرافية والاستلحاق الديموغرافي لسكان هذه المناطق، يتمثل في تحوّل الحزب إلى قوة إقليمية كبرى غير محصورة ضمن حيز جغرافي ضيق، وتملك مدى استراتيجياً واسعاً يصلها بالعراق من خلال ضم منطقة القلمون الشرقي، وبالتالي يمكنها تقاسم النفوذ مع إسرائيل في المنطقة مستقبلاً، انطلاقاً من هذه المعطيات وعلى أساس أن دولة الحزب بهذه المواصفات ستكون بديلاً لدولة الأسد.

الملاحظ أن «حزب الله» لا يتعاطى مع معركة القلمون بدرجة التوتر نفسها التي كان يتعاطى بها في السابق مع عملياته داخل سورية وعلى رغم الخسائر الأولية الكبيرة، فإن الحزب لا يُجر إلى ردود فعل موازية، وتفسير ذلك أن الحزب يفكر هذه المرّة استراتيجياً وبرؤية بعيدة المدى وبسبب قناعته أن حجم الهدف وضخامته يستحقان التضحية والتروي.

تتسق هذه الاستراتيجية مع توجهات إيران الحالية التي باتت تركز فقط على جزء من سورية وتحديداً المنطقة الممتدة من الساحل إلى حمص فدمشق مع بقاء طريق العراق مفتوحاً، كما تتسق مع استراتيجية إسرائيلية بدأت تطالب في شكل واضح بتقسيم سورية.

طالما ادعى المتحدثون باسم «حزب الله» في الآونة الأخيرة بأنه صار قوة إقليمية فاعلة، ولا شك في أن هذه الفرصة مناسبة في تقديرات قادته لترجمة هذا الأمر وتحويله إلى واقع عبر اقتطاع مساحات واسعة وحيوية من سورية وتطويع لبنان في شكل نهائي، لكن السؤال: هل تكفي موارد الحزب لإنجاز هذه المهمة؟ الأكيد أن معرفة النتيجة في المختبر السوري اللاهب ستحتاج إلى نزف كبير وحرب ستطول.

* كاتب سوري

======================

علاقة «أبدية» مع سوريا .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 19-5-2015

طالعنا الإعلام التلفزيوني بإعلان إيراني صدر عن أحد المسؤولين الإيرانيين بصيغة خبر أو بقرار، لا أدري بماذا أسميه، يعلن فيه أن إيران لن تتخلى عن سوريا، نعم سوريا وإلى الأبد! وكان ذلك في بداية هذا الشهر، والملفت في هذا الإعلان أنه قد جاء بلهجة حازمة قاطعة!

وهذا ما دعاني، أولاً، إلى التساؤل الجاد عما إذا كان يوجد في المنظومة السياسية السجالية مثل ذلك القطع والحسم، خصوصاً حين يتصل الأمر ببلدين اثنين يملك كل منهما استقلاله الوطني، وثانياً حين يدور الأمر على وضعيات يعبر عنها بلغة هي أقرب إلى الاستخدام الفلسفي أو الديني. فإذا كان التقارب بين إيران وسوريا قد راح في السابق يأخذ صيغاً واضحة وصريحة ومتسارعة، فقد كان ذلك يمثل حالة محتملة، خصوصاً في ظروف مثل عام 2006 حيث كان الموقف الإيراني من إسرائيل موقفاً سلبياً (هكذا ظهر الأمر)، حتى إذا لم يكن قد حدد أهدافه كاملة. وهذا ما لم ننسه. أما ما يحدث الآن، في مرحلة الثورة السورية، من مزيد من التقارب بين البلدين إلى درجة أن جيوشاً وقطعات عسكرية إيرانية تقتحم سوريا للدفاع عن النظام القائم عسكرياً، فإن في ذلك ما يدعو إلى الأسى والاستنكار والشجب.

وستتضح شرعية الاستنكار والشجب للتدخل العسكري الإيراني في سوريا وبقيادة القوات العسكرية لـ«حزب الله» برئاسة حسن نصرالله، نقول ستتضح خصوصاً حين نكون قد سمعناه متحدثاً من قناة «المنار» مُعلناً أن قواته العسكرية لم تدخل إلى سوريا إلا بهدف «حماية المقدسات الشيعية» الموجودة فيها! وبغض النظر عما إذا كان التأكيد على وجود تلك المقدسات في سوريا وارداً، أو لم يكن، فهنالك حتى الآن بعض التساؤلات -بصرف النظر عما إذا كانت تلك المقدسات غير موجودة أو موجودة جزئياً في سوريا- التي يبرز منها التساؤل التالي: إذا كان التاريخ المفترض لذلك الوجود قد شارف على أربعة عشر قرناً هجرياً ونصف القرن، فهل تعتقد يا حسن نصرالله أن المقدسات إياها ظلت دون حماية تليق بأصحابها، بحيث كان من الممكن أن تُنتهك من طرف فئة أو أخرى؟ لا أشك يا حسن نصرالله أن السوريين -أهل الأرض السورية- هم الذين حموا المقدسات وأشرفوا على خدمتها الخدمة اللائقة.

لقد شعرت وشعر الكثيرون من السوريين، ومن أهلنا اللبنانيين، بالكثير من الأسى والألم، ولنقل: وذهب ذلك مع الريح! ولكن أن يقف اليوم في هذه الأيام المأساوية الدامية على السوريين والشعوب العربية، رجل يعتبر شخصية رسمية في إيران، ويصرح بعلاقة جيدة وأبدية مع سوريا الرسمية، فإن هذا ما كان مقبولاً، إذ لماذا يشغل الإيرانيون والآخرون منهم المتعاونون مع قواتكم العسكرية، أنفسهم بمهمات قتال في سوريا وضد شعبها؟ إنه لأمر ما كان له أن يحدث، وإذ هو حدث وترك ويترك دماء سورية زكية تختلط مع الأرض، فإن مثل ذلك القول أصبح سلاحاً تأنف النفس أن توجهه ضد السوريين والعرب جميعاً، بل وكذلك الإنسانية والرأي العام الدولي.

وما أثار العقل وترك أسئلة في القلب والذهن ليس مجرد أمر عارض، ومع ذلك من البداهة أن أدعوك إلى العودة لشعبك اللبناني، ولأخيك السوري، ولدينك القائم على الحرية والعدل. وثمة فكرة أخيرة أستنبطها من الإعلان الذي قدمه المسؤول الإيراني وأعلمنا فيه أنه سيبقى يدعم سوريا فيما هي عليه، وكم شعر كثيرون بخيبة الأمل والمرارة حين سمعوا ذلك المسؤول الإيراني يتحدث بما مؤداه أن ذلك الدعم لسوريا سيبقى «إلى الأبد»! وهذا ما جعلنا نشعر بمرارة وألم منك وعليك، فليس هكذا أيها المتحدث تورد الإبل وتُتخذ المواقف.

======================

إيران تريد الأنبار المفتوح جغرافياً على سوريا والأردن والسعودية .. أسعد حيدر

المستقبل

الثلاثاء 19-5-2015

الدكتور علي ولايتي، ليس مجرد مستشار في مكتب المرشد آية الله علي خامنئي الذي يضم حوالى 12 ألف مستشار وممثل له وموظف. ولايتي هو الرقم واحد في دائرة السياسة الخارجية لدى المرشد، ما يعزز موقعه أنه أمضى أكثر من عشر سنوات وزيراً للخارجية. لذلك عندما يزور ولايتي لبنان في هذا الوقت، يعني أنه يريد نقل «رسالة» مباشرة من المرشد الى الرئيسين نبيه بري وتمام سلام، وفي الوقت نفسه يعمل على نقل «صورة» كاملة للوضع المعقد في لبنان الى المرشد مباشرة، بعد أن يكون قد أنهى عملية «المسح» للميدان اللبناني.

المحصلة المعلنة لزيارة ولايتي كما قدمها في توحيد المسارين: «مواجهة الظواهر الارهابية التكفيرية، وأن يتم العثور على مخرج لأزمة الفراغ الرئاسي«، «الدعم» الذي قدّمه، لم يتبلور بالتفاصيل. وبقي غارقاً في العموميات ومحصوراً بالتمني «ان إيران تأمل وتدعم أن يتم ملء الفراغ الرئاسي بأسرع وقت«، أما كيف ومتى فهذا يبقى سرًّا تحت «عباءة» السيد حسن نصرالله والمرشح الجنرال ميشال عون. عملية بسيطة لفكفكة لغة الترميز الإيرانية: السياسة الإيرانية، ليست مستعجلة على الحل في لبنان، لأن لديها اهتمامات أوسع وأشمل.

العراق في الأولويات، لأنه «المركز» في المنطقة. طهران تعتقد، أن من يسيطر على أكثر من نصف العراق وأكثر من نصف القرار العراقي يمسك بالقرار العراقي.

ولايتي اختصر الموقف رغم وجود وزير الدفاع العقيد حسين دهقان في بغداد بالقول: «نحن مستعدون لتحرير الرمادي من قبضة داعش». الوزير دهقان لن يغادر بغداد قبل أن ينهي اجتماعاته مع كل الدولة العراقية والقوى الفاعلة. في بغداد وخارجها يقال أن طهران دفعت باتجاه سقوط الرمادي بيد «داعش»، لتصبح مشاركتها بالقتال والتوجيه والتأطير مطلباً عراقياً أميركياً.

عراقياً، تريد إيران مدّ نفوذها بأي طريقة وأي ثمن على الأنبار، عبر المشاركة مباشرة وأيضاً عبر قوات «الحشد» لتحرير الرمادي من «داعش». الأنبار هو «قلعة» السُنَّة العراقيين الذي أتعب الأميركيين. وللأنبار حدود مشتركة مفتوحة على كل من: سوريا والاردن والسعودية. إمساك إيران بالأنبار يعني أنّها فتحت مسرباً للنظام الأسدي، و»باباً» للضغط على الأردن، وفتحت جبهة واسعة ضدّ السعودية، وأخيراً قدّمت مثالاً ميدانياً للعراقيين بأنّ عليهم عدم الاعتماد على الأميركيين لأنّ فشلهم بارز وواضح، وفي الوقت نفسه تقدّم للأميركيين سبباً إضافياً للاعتماد عليها في الحرب ضدّ «داعش»، مع ما يعني كل ذلك من مقايضات في ملفات وساحات أخرى.

سوريا دائماً في قلب اهتمامات إيران وفي المقدمة المرشد ومستشاروه وأبرزهم ولايتي، خصوصاً وأنّ سوريا الأسد تبقى «الملكة» على رقعة «الشطرنج الخامنئي». لذلك كرّر ولايتي موقف طهران «الداعم بشكل كامل ومطلق لسوريا والمقاومة لأنّ في ذلك تقوية محور الممانعة في المنطقة برمتها«.

الولي الفقيه وكل النظام الإيراني يعرفون أنّ سوريا انتهت. لكن طبعاً لن يستسلموا، فالمفاوضات تشكّل باباً للحل السياسي الذي يحفظ لهم بعض ما يريدونه، لذلك بعض الخسائر الإضافية من الاستثمارات المستمرة تحفظ لهم حصّة مقبولة لهم. لتقدير حجم الاستثمارات اليومية فإنّه في الوقت الذي كان ولايتي يتنقل في بيروت كان مستشار النائب الأول للرئيس الإيراني، وهو رئيس لجنة تنمية العلاقات الاقتصادية الإيرانية السورية (حسب النصّ الرسمي السوري الإيراني) رستم قاسمي، يبحث في دمشق «سبل التعاون لسدّ حاجة السوق السورية من المشتقات النفطية والأدوية والأجهزة الطبية للمشافي وقطع الغيار للمعامل والمنشآت السورية ومحطات الطاقة الكهربائية والصوامع والمطاحن وتأمين احتياجات القطاع التمويني والزراعي والموارد المائية ووضع آليات جديدة للتعاون بما يعززه». كل هذا التعاون والليرة السورية تنحدر يومياً ليرتفع منسوب التضخم وصعوبات الحياة المعيشية للمواطن السوري.

«إيران الخامنئية» تقاتل بقوّة لتكسب مواقع جديدة وتضمن عدم خسارتها بعض مكاسبها. في وقت يبدو فيه جلياً بعد قمّة كامب دايفيد أنّ الرئيس باراك أوباما ترك لأهل المنطقة خصوصاً العرب منهم «أن يقلعوا شوكهم بأيديهم»، ما يبشّر بصيف خانق من الصدامات الواسعة واستمرار الفراغ الرئاسي في لبنان مفتوحاً على الخريف وربما ما بعده».

======================

قراءة سياسية للمشهد العسكري في سورية .. منذر خدام

الحياة

الاثنين 18-5-2015

< كان السؤال الذي يتردد على ألسنة كثير من المراقبين للشأن السوري، ماذا بعد سيطرة المعارضة المسلحة على وادي الضيف ومعسكر الحامدية، إلى الجنوب الشرقي من مدينة إدلب؟ فقياساً بتجارب سابقة كانت الجبهة المشتعلة، سواء حقق النظام فيها نجاحاً أو حققته المعارضة، تأخذ فترة راحة لتضميد الجروح وإجراء بعض الحسابات لتقويم نتائج المعركة. هذه المرة ما جرى في إدلب كان مختلفاً عن كل المعارك السابقة. هنا لم يترك المسلحون فرصة للنظام لكي يلتقط أنفاسه، فشنوا هجوماً واسعاً وكبيراً على قواته في مدينة إدلب، مركز المحافظة، ونجحوا في السيطرة الكاملة عليها، ليتابعوا هجومهم المعد بصورة جيدة، نحو مدينة أريحا الإستراتيجية إلى الغرب من مدينة إدلب ويسيطروا عليها أيضاً. وتقول مصادر محلية إن القوات السورية انسحبت من المدينتين بدون قتال، علما أن الهجوم، خصوصاً على مدينة إدلب، لم يكن مفاجئاً، إذ عمدت سلطات المدينة إلى نقل وثائق حكومية وأموال البنك المركزي إلى أماكن آمنـة قبل حصول الهجوم على المدينة ببضعة أيام، بل أعلمت سكان المدينة بذلك طالبة ممن يريد المغادرة أن يغادر فوراً، وهذا ما حصل بالفعل.

أسفر هجوم المعارضة المسلحة الواسع في محافظة إدلب إلى إحكام سيطرتها على كل المحافظة تقريباً، باستثناء جيب محدود في معسكر المسطومة، وفي مدينة أريحا إلى الجنوب من مدينة إدلب وهو الآخر قد صار جبهة مشتعلة.

ما حصل شمالَ سورية كان حصل شبيه له جنوبَها، في محافظة درعا، إذ سيطرت قوات المعارضة المسلحة على مدينة بصرى الحرير، وعلى المعبر الحدودي الوحيد المتبقي بيد النظام بين سورية والأردن.

وهكذا أعاد هجوم المعارضة المسلحة الناجح على قوات النظام في محافظة إدلب ومحافظة درعا، نوعاً من التوازن النسبي إلى المشهد العسكري على الأرض. غير أن مصادر النظام تقول إنه لا يمكن القبول به، وهي تعد لمعركة استعادة مدينة جسر الشغور ذات الأهمية الإستراتيجية في الشمال، والتعويض في جبهة القلمون. بيد أن السؤال هو: هل من أبعاد سياسية لكل ذلك؟

الإجابة عن هذا السؤال تكمن في تفحص ما يجري على الساحة الدولية من نشاط سياسي ودبلوماسي مصاحب لما يجري على الأرض السورية من معارك عسكرية. وبالفعل، فقد شهدت الساحة الدبلوماسية الدولية نشاطاً سياسياً ودبلوماسياً لافتاً منذ مطلع 2015، فبعدما نجحت موسكو في جمع عدد من المعارضين السوريين مع وفد النظام في «ساحة موسكو» بتشجيع من الإدارة الأميركية، ها هو السيد دي ميستورا المكلف الأممي بالملف السوري يوجه دعوات لجميع الأطراف السورية والدولية المؤثرة في الداخل السوري للتشاور معه في جنيف للبحث عن تسوية سياسية محتملة للأزمة السورية تحضيراً لإطلاق مسار جنيف-3. وها هي الدبلوماسية الأميركية والفرنسية والبريطانية تنشط مجدداً للبحث عن حل سياسي للأزمة السورية. فبعدما التقى الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، رئيسَ الائتلاف السوري المعارض خالد خوجة في باريس، وبحث معه إمكان تحريك مسار الحل السياسي للأزمة، يلتقي به وزير الخارجية الأميركي جون كيري في واشنطن ويناقش معه آفاق الحل السياسي. وكان لافتاً ما قاله كيري في المؤتمر الصحافي الذي عقده مع خوجة، أن «الأسد ليس له دور في مستقبل سورية السياسي على المدى البعيد»، الأمر الذي استدعى هجوماً حاداً عليه من المعارض السوري ميشال كيلو، فتصريح كيرى هذا يعني عملياً تخلي واشنطن عن شرط ألا يكون للأسد أي دور في المرحلة الانتقالية.

وبالتوازي مع ذلك، كانت المملكة العربية السعودية وجهت بدورها دعوات رسمية لعدد من الشخصيات المعارضة للقاء يعقد في الرياض للبحث في إمكان توحيد جهود المعارضة استعداداً للتفاوض مع النظام والبحث في تشكيل وفد موحد منها. ومع أن السعودية عادت وطلبت تأجيل لقاء الرياض تأميناً «لأسباب ناجحة» كما جاء في كتاب التأجيل، فإن تحرك المملكة السياسي هذا ينطوي على دلالة سياسية بالغة. وينطوي ما تقوم به القاهرة من تحضير لمؤتمر يجمع طيفاً واسعاً نسبياً من المعارضين السوريين يعقد أواخر الشهر الجاري، على دلالات سياسية كبيرة، خصوصاً أن القاهرة لا تخفي تنسيقها مع المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة بخصوص ذلك، وتحديداً لجهة تشكيل وفد من المعارضة استعداداً للمفاوضات مع النظام في جنيف-3.

وإذا وضعت في السياق ذاته تصريحات الرئيس الفرنسي حول ضرورة التعاون مع روسيا لحل الأزمة فـــي سورية، والنتائج غير المرضية لزيارة وزير الدفاع السوري لطهران، وما يشاع عن ضغوط تمارسها طهـــران على دمشق للقبول بتسوية سياسية، يصير الجــواب واضحاً، وهو أن الأزمة السورية قد وضعت على طريق الحل، وأن التصعيد العسكري في شمال سورية وجنوبها لا يعدو كونه رسالة سياسية لتحسين وضع المعارضة التفاوضي في جنيف 3. ويصب في هذا الاتجاه اجتماع قادة ثلاثة فصائل عسكرية معارضة مهمة، هي «جيش الإسلام» و «صقور الشام» و «أحرار الشام» في تركيا، وما يشاع عن احتمال مشاركتهم ضمن وفد المعارضة التفاوضي.

لا شك في أن المشهد في سورية معقد جداً، لكن الثابت فيه هو أن تنامي أخطار الإرهاب والخوف من احتمال انهيار الدولة السورية بدآ يضغطان على كل الدول المؤثرة في الأزمة ويدفعانها إلى البحث عن حل سياسي.

* كاتب سوري

=====================

الشام واليمن والعراق.. التفكير خارج الصندوق .. د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاثنين 18-5-2015

الشام واليمن والعراق.. التفكير خارج الصندوقالشام واليمن والعراق.. التفكير خارج الصندوق

لا يزال كثير من الناس يحرصون على فهم ما يجري في المنطقة وتحليله بأدوات تاريخية عفى عليها الزمن، وأكل عليها الدهر وشرب، ولا يزالون يشدون كل تحليلاتهم إلى داخل الصندوق بمعنى فهم ما جرى ويجري وسيجري من خلال الدولة، والتأثيرات الدولية والنفوذ الإقليمي وسياسات الكبار ونحوها من مصطلحات الحرب الباردة وما قبلها وما بعدها، ولكنهم يجهلون تماماً أن العالم العربي بعد ربيعه الذي طال ليس هو نفسه قبله، وبالتالي ظهر اللاعبون غير الحكوميين في العراق والشام واليمن وغيرهم، ومثل هؤلاء اللاعبين الجدد لهم من النفوذ والتأثير على بلدانهم وحتى على سياسات الدول أكثر من اللاعبين الحكوميين، وإلا فماذا نفسر ما جرى من انتصارات في إدلب وجسر الشغور ومن قبلها درعا وحلب وغيرها، حين قرع أجراس البيت الأبيض والأحمر والأسود بطهران تجاه هذه التغيرات الاستراتيجية لاقتراب الثوار من الساحل معقل الطائفة العلوية وخزانها البشري في الحرب المشنونة على الشعب السوري منذ خمس سنوات، وهو ما دفع إلى طيران وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى موسكو للتوصل إلى حل تسووي يضمن عدم انتصار الثوار عسكرياً على الأرض، لكن لا يزال كيري وغيره يظنون أن بمقدور موسكو إرغام العصابة في دمشق على التنازل؟!

أقول هذا من وحي منتدى الدوحة الذي حضرته وضم سياسيين حاليين ومتقاعدين وخبراء ونحوهم، التفتُّ لأحد أصدقائي لأبوح له بما ذكرته آنفاً، حدّق بي طويلاً قائلاً «هذه إشارة مهمة لا بد من التفكير خارج الصندوق، بالفعل فالقوى اللاعبة لم تعد هي نفسها»، فلا يمكن حل مشاكلنا بالعقلية التي اعتدنا عليها حين صنعناها وخلقناها بأنفسنا أو بتدخلات غيرنا.

يأتي الرئيس الأميركي باراك أوباما بعد اجتماع كامب ديفيد ليجترّ الماضي الأميركي بما يتعلق بالشأن السوري حين يقول: «إن الوضع في سوريا لن يُحل في زمن ولايتي»، وكأن الشعب السوري ينتظر ممن كذب على نفسه والعالم أكثر من مرة ورسم خطوطاً حمراء لطاغية دمشق، فكانت خطوط سماح بمواصلة مذبحة الشعب السوري بموافقة ضمنية من الأميركيين، والسوريون كما هم غيرهم من العرب والمسلمين يستذكرون هنا مقولة علي بن أبي طالب رضي الله عنه «فوت الحاجة أهون من طلبها من غير أهلها»، وحينها قد يصح قول دستوفسكي: «أحياناً لا تملك إلا أن تلعن»، فالثورات مثل الروايات كما قال الفيلسوف الفرنسي توكفل أصعب ما فيها نهاياتها؛ ولذا فإن شعوب الربيع العربي وثواره يجهدون لرسم النهاية المنطقية لثوراتهم التي حددها مفجرو ثورات الحرية والكرامة.

لعل عدم ثقة الملك سلمان بن عبدالعزيز باجتماع كامب ديفيد ونتائجه هو ما دفعه إلى عدم الحضور، بينما فضل ملك البحرين حمد بن عيسى حضور عرض ويندسور للخيول بأميركا على اللقاء مع أوباما وهو ما يعكس مدى الإحباط واللاثقة الخليجية بالوعود الأميركية التي ظهر أنها تبحث أو بالأصح تحاول تظهير صداقتها القديمة السرية مع إيران على علاقاتها مع حلفائها العرب.

التفكير خارج الصندوق يقودنا إلى عدم تعويل الدول العربية وتركيا على الموقف الدولي الذي خذلهم كما خذل السوريين لخمس سنوات ومن قبلهم العراقيين واليوم اليمنيين، فالتفكير الجديد ملخصه أن إيران التي تدير معركة الموت وهي حرب بالوكالة عبر وكلائها من العصابات العراقية الطائفية، والنظام الطائفي بالإضافة إلى ميليشياتها الأفغانية وحزب الله وغيرهما، وكذلك الحوثيين في اليمن، مثل هذه المعركة لا يمكن أن تجابه إلا بنفس الأدوات بحيث يتم تكثيف الدعم العسكري والسياسي والمالي للثوار على الأرض، لصدّ الطوفان الإيراني على تخوم بغداد ودمشق وصنعاء قبل أن يخترق حدود ما تبقى من دول عربية وإسلامية خارج السياسة العدمية الإيرانية وهي سياسة الخراب والدمار، وليكن الشعار داوها بالتي كانت هي الداء، وكما قال السيد المسيح عليه السلام: «رُدوا الحجر من الجحر الذي انطلق منه».

إن الداخل الإيراني يشي بتناقضات اجتماعية واقتصادية وسياسية كبيرة، ولعل ما يحصل في الأحواز وبلوشستان وغيرهما قمة جليد هذه التناقضات التي بإمكان الدول العربية أن تستغلها من أجل تشكيل استراتيجية ردع حقيقية في مواجهة الغطرسة الإيرانية التي تعدّت وتجاوزت كل الحدود، وفاقت معها كل التصورات والخيالات، حتى في الأفلام الخيالية والهوليوودية، فدمرت أعظم بلدان حضارية في العالم العربي، العراق والشام واليمن، وبلا سياسة جادة وواضحة وعملية من قبل الدول العربية وتركيا فإن الصلف الإيراني سيمتد إلى بلدان أخرى لا سمح الله، وحينها ولات ساعة مندم.

في الشام والعراق واليمن لعل الشيء الوحيد الذي تملكه هذه الشعوب هو الوقت، ومن ملك وقته لا يضره أحد بإذن الله، فالوقت صديق الأحرار والثوار، بقدر ما هو عدو الاحتلال والغزاة، فالمعركة في جوهرها مع الاحتلال الداخلي أو الخارجي معركة معنوية وكسر معنويات، فقبل أن ينهزم المحتل مادياً ينهزم معنوياً؛ ولذا تنتصر الشعوب الحرة الثائرة على الجبروت الاحتلالي.

وأختم المقال بأبيات رائعة تختصر مشهدنا:

قال يا ظبي تمهل لي سؤال لو تشاء

كيف أعييتُ وما زلتَ نشيطاً ذا مضاء

قال فاعلم أيها المغرور يا صفر الذكاء

أنت للصياد تجري يا أجير الأوصياء

بينما أجري لنفسي ليس جريانا سواء

=====================

العرب وأمريكا: من (إدارة) العلاقات إلى علاقات (الإرادة) .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 17-5-2015

العرب وأمريكا: من (إدارة) العلاقات إلى علاقات (الإرادة) منذ ستة أعوام، في مثل هذا الشهر تحديداً، وقبل زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما الأولى إلى الرياض بعد انتخابه رئيساً في ولايته الأولى، نشرتُ في هذه الصحيفة مقالاً بعنوان (أمريكا والدور المحوري للخليج)، حملَ المقال انتقاداً للمقولة الشائعة عن قدرة مراكز الدراسات والأبحاث ودوائر صناعة القرار في أمريكا على فهم الواقع العربي بشكلٍ دقيق. وتحدث، تحديداً، عن الصورة النمطية في الأوساط السياسية الأمريكية عن دول مجلس التعاون الخليجي، وهي صورةٌ «كانت مبنيةً على رؤية المنطقة من منظور كونها خزاناً استراتيجياً للنفط . وبالتالي، فإن علاقة أمريكا مع تلك الدول كانت محصورةً في صياغة سياساتِ تعاون تُرّكزُ على أمن المنطقة، واستمرار قدرتها على ضخ النفط في شرايين الاقتصاد العالمي. لهذا، لم تأخذ تلك السياسات بعين الاعتبار لعقودٍ طويلة التأثيرَ الممكن لدول الخليج في السياسات الإقليمية وحتى العالمية، إلا من خلال ذلك الجانب الوحيد، أي المسألة النّفطية. تغيّرت هذه النظرة إلى حدٍ ما بعد أحداث سبتمبر المعروفة، لكن المدخل كان أيضاً جزئياً حين تمّ اختزالهُ في موضوع التعاون على مكافحة الإرهاب».

وفي مطلع شهر مارس / آذار من العام الماضي 2014، نشرتُ مقالاً، أيضاً في هذه الصفحة، بعنوان (في الحاجة لردٍ استراتيجي عربي على الاتفاق الاستراتيجي بين أمريكا وإيران)، بدأ بالعبارة التالية: «لايُمكن التعامل مع الصفقات الاستراتيجية الكبرى إلا من خلال صفقات شاملة مقابلة تحمل أيضاً الصفة الاستراتيجية. ولايُمكن استيعاب الاختراقات غير المألوفة، والكامنة في الاتفاقات الاستراتيجية التي تستهدف مصالح العرب، وربما وجودهم، إلا باستحداث اختراقات غير مألوفةٍ أيضاً في الصف العربي الداخلي على كثيرٍ من المستويات». وبعد الحديث عن «صفقة استراتيجية كبرى تمت أو في طريقها للاكتمال بين النظام الإيراني والإدارة الأمريكية» . جاءت خاتمةُ المقال كما يلي: «كيف يقرأ أصحاب العلاقة هذا المشهد الاستراتيجي الحساس وكيف يتعاملون معه؟ من الواضح أن القراءة الراهنة، وماينتج عنها من سياسات، لاتكفي إطلاقاً لاستجابةٍ فعالة للقادم الخطير. لامفر إذاً من مراجعةٍ خلاقة وجذرية تحرص على توظيف كل الأوراق الممكنة في مواجهة هذا التحدي الخطير، ولو اقتضى الأمر اختراقات قد تكون غير مألوفة في عالمنا العربي، لكنها اختراقاتٌ لايُستغنى عنها في السياسة الدولية، وهاهي إيران وأمريكا تُقدم لنا نموذجاً عنها هذه الأيام».

بغض النظر، مبدئياً، عن نتائج القمة الخليجية الأمريكية، على أهميتها، لايمكن اعتبارُها، على المستوى الاستراتيجي، إلا بدايةً جديدة لنمطٍ مُختلف من العلاقات.

أدركت الإدارة الأمريكية دلالات هذه التطورات، خاصةً منذ بدء (عاصفة الحزم)، وأدركت، أكثرَ من ذلك أن العاصفة المذكورة لاتتعلق باليمن فقط، بل بالمنطقة بأسرها. وأنها عاصفةٌ تهدف لإحداث نقلةٍ في العلاقة معها من كونها مجرد (إدارة) قائمة على الرؤية الأمريكية النمطية، لتصبح علاقة نديةً قائمةً على وجود (الإرادة): المرادف الأقرب لـ (حزمٍ) أحدث اختراقات في السياسات العربية غير مسبوقة، ولم تكن أمريكا، بحكومتها ومراكز دراساتها وأبحاثها، تتوقعُ حصولها في قريبٍ أو بعيد.

لهذا، نسمع اليوم في العاصمة واشنطن همساً يتصاعد من زاويةٍ لأخرى عن ضرورة إعادة رسم الأجندات البحثية لدراسة المتغيرات الجديدة، وعن واقع (المفاجأة) الذي تعيشه كل المؤسسات ذات العلاقة، حكوميةً كانت أو خاصة.

هكذا هي أمريكا. وهذه هي (واقعيتُها). يفرض (الواقع) نفسه عليها، فتركض لاستيعابه ومحاولة فهمه. حصلَ هذا، بكل صراحة، مع إيران حين بدأت، بممارساتها، تفرضُ واقعاً مُعيناً في المنطقة. وهاهو يُكرر نفسه مع ملامح وبدايات (الحزم) الخليجي الذي يُفترض أن يمثل العرب بأسرهم ليكون أكثر فعاليةً وتأثيراً.

ومن واقع ذلك الإدراك، يأتي استمرار الحزم المذكور، بكل جوانبه، وخاصةً في سوريا الآن، ليكون العامل الرئيس في إقناع الأمريكان بضرورة بناء علاقةٍ استراتيجية جديدة مع المنطقة، لن تَضمَنها التصريحات ولا حتى المكتوب على الورق، بقدر ماتضمنها الممارساتُ والأفعال.

=====================

حرب القلمون التي لن تقع! .. رضوان السيد

الشرق الاوسط

السبت 16-5-2015

 قبل شهرين وأكثر بشّرنا الأمين العام لحزب الله بأنه ذاهبٌ إلى حربٍ كاسحة بمنطقة القلمون السورية على الحدود مع لبنان لتثبيت المشهد الاستراتيجي الذي لا يزال لصالحه في ما بين ظهر البيدر وممر خيبر (!). وقتَها ما خاض نصر الله حربه بسبب كثافة الثلوج كما قال، لكنه وعلى مدى الأسابيع الماضية ظلَّ يقوم باستعراضات عسكرية علنية حاشدًا السيارات المصفحة والمدفعية والشبان من بيروت وإلى حدود منطقة القلمون. وفي آخِر خطاباته قبل أسبوع أنكر - متظاهرًا بالمزاح والراحة - أن يكون قد حدَّد موعدًا للمعركة. لكنه أصرَّ على أنها واقعةٌ حتمًا.

ولمن لا يعلم فإنّ منطقة القلمون السورية على امتداد سلسلة جبال لبنان الشرقية، هي منطقةٌ جبلية تضم عشرات القرى والبلدات، وكان فيها عام 2011 نحو نصف مليون نسمة، لكنّ سكانها اليوم لا يزيد عددهم على مائة وخمسين ألفًا بعد أن تعرضوا للقتل والتهجير من جانب حزب الله أولاً، ثم من طيران النظام السوري ومدفعيته ثانيًا. في عامَي 2011 و2012 انحسرت سلطة النظام السوري عن معظم الريف في شتى الأنحاء. وفي كل مكان حلّت محلَّ مراكز النظام العسكرية والأمنية جماعات محلية مسلَّحة من أهل تلك القرى. وقد قررت إيران أواخر عام 2012 التدخل للحيلولة دون سقوط النظام، واختارت البدء بالمناطق الحدودية مع شرق لبنان وشماله الشرقي حيث معظم القرى من الجهة اللبنانية شيعية باستثناء عرسال وثلاث قرى أصغر. وما كان هذا الاختيار بسبب القرب من مناطق سيطرة الحزب فقط، بل ولأنّ المقصود أن يظلَّ الطريق في ما بين الغوطة واللاذقية سالكًا عبر القلمون والقصير وحمص ووادي النصارى. بعد الاستيلاء على القصير كما هو معروف (وهي المعركة التي اعتبرها نصر الله ومحمد حسنين هيكل وعبد الحكيم عبد الناصر، وكل اليساريين والقوميين الأشاوس أهمّ من قادش وحطين!)، تهجّر أهل القصير إلى داخل لبنان، متوزعين بين شمال لبنان وعرسال. وقد كان الأثر الآخر لهذه الهجمة على التكفيريين ومدمِّري مزارات أهل البيت (وليس في القصير والقلمون مزارات لأهل البيت!) غير القتل والتهجير، إبدال أسماء المساجد من عمر وسعد وعثمان إلى الحسين وعلي.. والمضي باتجاه حمص من أجل تخريب مسجد خالد بن الوليد، ونبش قبره لأنه – فيما يزعمون – كان عدوًا لفاطمة وعلي! بعدها اندفع مقاتلو الحزب إلى بلدات وقرى القلمون قاتلين ومدمِّرين، فحَصل مزيد من التهجير باتجاه عرسال والقرى المجاورة، وانسحب المسلَّحون إلى قمم الجبال والتلال، ودخل بعضهم إلى لبنان، واشتبكوا مع الجيش وقوى الأمن، وقتلوا وأسروا العشرات منهم، وهذا ما هدف إليه حزب الله. لقد أراد أن يسانده الجيش ويساند النظام السوري في مكافحة السلاح والمسلَّحين من سوريا وإليها. ولأنّ الجيش كان عنده تحليل أنها حربٌ خاسرة، فإنه لم ينجرّ إلى صفوف الحزب، ودعم مواقعه الدفاعية، وقال إنه لن يقاتل إلاّ من يقاتله على الأرض اللبنانية!

إنّ الذي أردتُ الوصول إليه من وراء هذا الكلام الطويل أنّ غزوة حزب الله الثانية أو الثالثة للقلمون خلال عامين، تختلف عن سابقاتها بأمرين: الأول أنّ المسلَّحين ما عادوا للتمركز في البلدات والقرى حتى لا تتعرض للخراب والقتل والتهجير، بل انتشروا في رؤوس الجبال، وتوحدت صفوفهم باستثناء بعض الاختراقات من جانب «داعش» (وبالمناسبة، ما اشتبك «داعش» مع حزب الله أبدًا!). وقال لنا ضباطٌ كبارٌ من الجيش اللبناني إنّ المسلَّحين ما تعرضوا لهم منذ أكثر من شهرين، وإنهم انسحبوا للداخل السوري بحيث ما عادوا يستطيعون رؤيتهم بالمناظير المكبِّرة! والأمر الثاني أنّ الحزب يشنُّ حربه المدَّعاة هذه المرة دون أهداف كبرى أو واضحة. في أواخر عام 2012 كان الإيرانيون يريدون استنقاذ النظام، ومعهم الروس، ودول عربية، وقوة النظام لا تزال موفورة، والانتشار الإيراني منتصر في كل مكان، وأوباما يركض وراءهم من أجل التفاوض. أما اليوم فالنظام السوري ما عاد إنقاذه ممكنًا ولا واردًا، وإنما الوارد تأخير سقوط دمشق، وحفظ الطريق إلى الساحل الذي وصل الثوار إلى حدود مدينته الكبرى: اللاذقية! وهكذا فالمقصود من الغزوة الشهيرة تحصين الطريق بإبعاد المسلَّحين عنها لحفظ حية الحركة للحزب والنظام مع لبنان، ومع الساحل عبر القلمون وحمص إلى اللاذقية وطرطوس. وهناك مسألةٌ أخرى أو ثالثة، هي رفع المعنويات ليس للنظام السوري، بل لجمهور الحزب، ومسلَّحيه، إذ انتقل المحور الإيراني كلّه إلى الدفاع بعد «عاصفة الحزم»، والعجز في العراق رغم المذابح ضد السنّة، وتقدم الثوار في شمال سوريا وشرقها وجنوبها. لقد كان الحزب يُخفي سلاحه وقوته أو مظاهرها بداعي سرّية الخطط والتوجهات. وهو اليوم لا يحارب إلاّ بالاستعراض العلني والفج، والانتصارات في التلفزيونات ووسائل الاتصال. إنّ الطريف أنّ المسلَّحين وأنصارهم صاروا هم أيضا أكثر مهارةً في وسائل الاتصال، ومشاهد الاستعراض.

لماذا هذا الإصرار إذن من جانب الحزب، ومن جانب إيران، على القتال في سوريا واليمن، مع أنه لا أفق لنصرٍ أو لحلٍّ لصالحهم؟! نحن ندرك ولا نتفهم لماذا هذا الحرص الإيراني على العراق، مع أنهم هم الذين خلقوا المشكلة لأنفسهم! لقد سلمهم الأميركان العراق عام 2010، وبدلاً من المساعدة في بناء دولةٍ محترمةٍ لشعبٍ صديقٍ يمكن أن يكون حليفًا للأبد، انصرفوا هم والمالكي لاكتناز الثروات، وإقصاء الآخرين. وكانت النتيجة داعشًا. وبدلاً من الاتعاظ، راحوا يشجعون على القتل والتهجير في المناطق المحرَّرة. وهذا تغييرٌ ديموغرافي لن ينتج، مثلما لم يفد الاستيطان في إلغاء الشعب الفلسطيني. أمّا في سوريا واليمن فإنّ الغلبة غير ممكنة، والتغيير الديموغرافي غير ممكن، فلماذا الاستمرار في القتل والتخريب؟ إلى أين يمكن أن يذهب الشعب السوري، بعد أن امتلأت بمهجَّريه أصقاعُ العالم؟ إنكم تقصدون الشعب السوري لقتله على أرضه، ولا ذنب له (في نظركم) إلا أنه يريد تغيير رئيسه! ما رأينا شعبًا دفع لتغيير رئيسه ما دفعه الشعب السوري طوال أربع سنوات! ثم أنتم تريدون بالقتل والتشييع والتملك والتزوير تغيير الحقائق، والقول إنكم من مكوِّنات الشعب السوري، وهو التعبير (= المكونات) الذي علَّمناه العراقيين؟!

حرب القلمون لن تقع، لأن القلمون ليس بيد الثوار. إنما هم في التلال والجبال. ويمكنكم إبعادُهم إلى الأقاصي، لكنهم لن يهاجروا إلى لبنان ولا لأي مكان. لقد سئموا الهجرة والتهجير، وقرروا أن يشنوا عليكم حرب كرٍ وفرٍ لجعل بقائكم على الأرض السورية مستحيلاً! عجيب أمركم أيها الإيرانيون العُتاة: «الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا».

=====================

الأزمة السورية ومؤتمرات الوقت الضائع .. حسين العودات

السفير

السبت 16-5-2015

تتزاحم الدول الإقليمية العربية وغير العربية، فضلاً عن دول أخرى غير إقليمية، على كسب السبق في عقد لقاءات أو مؤتمرات بين أطراف المعارضة السورية أو بينها وبين السلطة، أو عقد مؤتمرات دولية تشارك فيها دول عديدة ومنظمات إنسانية وسياسية دولية. ويزعم جميع الذين يدعون لهذه المؤتمرات أنهم يسعون للوصول إلى مشروع تسوية أو ملامح تسوية للأزمة السورية، أو لحل ينهي آلام وعذابات الشعب السوري ويعيد الاستقرار للمنطقة، ولم ينجح، مع الأسف الشديد، أي من هذه اللقاءات والمؤتمرات التي عُقدت في الوصول إلى الهدف وحل الأزمة وتحقيق الاستقرار. وما زال «بازار» المؤتمرات واللقاءات مفتوحاً بسبب تتالي الفشل. ويبدو أن الدول الإقليمية والدول الأخرى من التكتلات الدولية فضلاً عن الأمم المتحدة والجامعة العربية وقوى المعارضة الداخلية والخارجية وكل مَن هبَّ ودبَّ، استمرأت عقد اللقاءات والمؤتمرات كل لأسبابه الخاصة التي لا علاقة لها، في نهاية المطاف، بأزمة الشعب السوري أو مصالحه أو تخفيف آلامه ومصائبه، التي نادراً ما شهدها شعب آخر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

عُقدت هذا العام وحده حتى الآن، أو ستُعقد خلال شهر، لقاءات عدة، منها لقاء القاهرة التشاوري بين أطراف من المعارضة، ولقاء موسكو الأول بين وفد من المعارضة وآخر من السلطة. كما عقد لقاء موسكو الثاني، ولقاء باريس بين «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة» و «هيئة التنسيق»، وها نحن على أبواب عقد مؤتمر القاهرة (الثاني) ومؤتمر الرياض ومؤتمر تركمانستان المزمَع عقده قريباً كاستمرار لمؤتمر موسكو، فضلاً عن مؤتمرات ولقاءات عقدت خلال السنوات الماضية منها لقاء استوكهولم ولقاءات قرطبة واسطنبول والدوحة و... (يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد 30 ق.). والملاحظ مرة أخرى أن أياً من هذه اللقاءات أو المؤتمرات لم يحقق خطوة إيجابية واحدة، سواء بوقف إطلاق النار أم فك الحصار عن مئات ألوف المحاصرين أم المساعدة على إيصال الغذاء والدواء لمناطق النزاع الحامية، أم الإفراج عن النساء المعتقلات والأطفال المعتقلين، أم تخفيف وسائل الدمار والقتل التي تمارسها السلطة، أم أخيراً الأسلوب الهمجي والحقد غير المحدود الذي يملأ صدور المتحاربين والمسلحين، موالين ومعارضين. بل ربما زادت هذه اللقاءات والمؤتمرات الأمور تعقيداً والأجواء توتراً، وأتاحت الفرصة لوفود السلطة ووفود المعارضة المزايدة السياسية، والاستعراض، سواء برفع وتيرة التصريحات أم بمحاولة كل طرف من الموالاة ومن المعارضة أن يُبعِد نفسه أمام مناصريه وجماهيره عن تهمة المهادنة (والتخاذل) والتراجع. بل أتيحت الفرصة لكل من الأطراف أن يؤكد «ثوريته» و «صلابته» برفع مستوى مطالبه وبالمزايدة البعيدة عن روح المسؤولية. وفي الخلاصة سعى النظام بنفسِه أو بطريق الموالين له لتحويل الأزمة السورية وكأنها حرب بينه وبين المنظمات الإرهابية، ولتأكيد أن كل هذا الدمار إنما تسبّبت به هذه المنظمات أو مارسته، بينما سعت فصائل المعارضة المشاركة على تبرئة نفسها من تهمة «التخاذل» أو حتى «الاعتدال»، وأصرّت على أن مواقفها صلبة ومتجذرة، وأنها تمثل الشعب السوري كله، ويكاد كل فصيل أن يقول «لولا الحياء» أنه الممثل الشرعي والوحيد للشعب السوري. وفي الوقت نفسه، برأّت الدول التي دعت للمؤتمرات أو دعمت عقدها نفسها من تهمة التقصير أمام شعوبها من جهة، وأظهرت نفسها على أن سياستها ذات تأثير في حل الأزمة السورية، وأن لها الحق في لعب دور إقليمي أم غير إقليمي مهم من جهة أخرى. أما الأمانة العامة للجامعة العربية والأمانة العامة للأمم المتحدة فإن كلاً منهما يحاول إخفاء بؤسه، والتغطية على تقصيره واستلابه، بالمشاركة في اللقاءات أو عقد بعض المؤتمرات أو بإرسال مبعوثين سرعان ما يتحوّل همهم وهمّ طاقمهم وهدفهم إلى إطالة أمد المهمة واستمرار قبض الرواتب وضمان تعويضات مريحة وإضافة بند أو معلومة للسيرة الذاتية قد تنفع يوماً، والتمتّع بالسفر والظهور بوسائل الإعلام وإطلاق التصريحات الرنانة وغير ذلك، وستر العورة بالمشاركة في اللعب بالوقت الضائع.

تخشى بعض فصائل المعارضة الداخلية كما الخارجية على نفسها من نجاح هذه اللقاءات والمؤتمرات. وتتهيّب أن يتوصل أحدها إلى مشاركة معظم أطياف المعارضة وإقرار مشاريع مناسبة وقابلة للتطبيق (ميثاق وطني، خريطة طريق.. إلخ) واختيار هيئة سياسية تمثل المعارضة والشعب السوري حقاً وصدقاً وجديرة بالتفاوض مع النظام بنجاح. ولهذا ترفض بشدة (وصلف) ومن دون رأي مقنع أو مبرر تسمية هذه اللقاءات بالمؤتمرات أو تتيح لها الوصول إلى مقرّرات وانتخاب هيئات سياسية، أو تشكيل جسم جديد مهما كان فعالاً، وبالتالي لا ترغب إلا في عقد لقاء تشاوري يتيح الحوار ولا يتخذ قرارات، أو مؤتمر لتبادل الآراء (أي مؤتمر مكلمة). ولذلك فإن أكبر الفصائل المعارضة رفضت حضور مؤتمر القاهرة الثاني قبل أن يحدد موعده أو تُنشر أسماء المشاركين فيه أو تكتب الأوراق التي ستقدم له، وذلك خوفاً من وصول المؤتمر إلى قرارات من شأنها أن تكون صالحة لوضع القدم في أول الطريق. ويحاول هذا الفصيل إغراء فصيل داخلي آخر لعقد مؤتمر يشاركان به مع بعض المستقلين، وليستغنيا بذلك عن أي مؤتمر آخر، إلى أن غيّرت السياسة السعودية قواعد اللعبة وقررت عقد مؤتمر في الرياض يصل إلى اختيار هيئة تفاوض، تشارك في تحديد مستقبل سوريا بحسب الإعلان الرسمي.

رفضت السياسة الروسية أي مقترح في لقاء موسكو من شأنه تحقيق تقدم سواء كان يتعلق بخريطة الطريق والوصول إلى تسوية أم بالمعتقلين السياسيين أم بتخفيف القصف والتدمير وإيصال المساعدات أم بغير ذلك، وأيّدت السياسة الأميركية مؤتمر موسكو لأنها كانت واثقة أن لا نتائج جدية له يمكن أن تجيّرها السياسة الروسية لمصلحتها، وبقيت أوروبا تابعة مترددة ليس لديها القدرة على عمل أي شيء مع أن لديها الرغبة. أما الأمانة العامة للجامعة العربية، فما زالت نائمة وكأن لا شأن لها بما يجري في داخل عضو مؤسس من أعضائها، ولكي يغطي بان كي مون عيوب الأمم المتحدة، أرسل مبعوثه دي ميستورا من جديد ليعقد لقاءات مع المعارضة السورية والسلطة ودول الجوار ودول ومنظمات ذات علاقة في جنيف. وصرح وأقسم أن هذه اللقاءات لا تتجاوز التعرف إلى الآراء، مع أن آراء الأطراف جميعها لديه سمعها سابقاً وقُدمت له خطياً بناء على طلبه، وباعتبار أن ذلك حصل قبل فترة قريبة، فما من جديد يمكن أن يغيّر الآراء.

تُسمى مثل هذه التجمعات باللهجة العامية السورية (همروجة) أي تجمّع غير منهجي لا بجدول أعماله ولا بأساليب عمله ولا بنتائجه. ويشبه المهرجان المقسط لأن المقابلات التي يجريها دي ميستورا فردية. ولا شك في أنها تفرح المدعوين من المعارضة لأنها تشعرهم بأهميتهم أمام زوجاتهم وأبنائهم على الأقل. وتفرح السلطة التي تجدها مناسبة لممارسة الصلف واللامسؤولية والمرجلة. كما تُسرّ بعض الدول التي ترى في دعوتها اعترافاً بأهميتها، وتساعد هذه اللقاءات الدول الفعالة في المماطلة وتأجيل الوصول إلى تسوية لمعالجة الاستحقاق السوري ريثما يتسنّى لها الاتفاق تحت الطاولة.

بقي طرف واحد، رئيس متضرّر يعيش أزمة وجودية ويتلقى مختلف أنواع القتل والتدمير والاعتقال، إضافة للجوع والغلاء والمرض والفقر وكل الآلام الأخرى وهو الشعب السوري، الذي يتحدّث الجميع باسمه. فالسلطة تزعم أنها تمثله، والمعارضة تؤكد أنها تمثله، والدول الإقليمية والمؤسسات الدولية تقول إنها تريد مصالحه وتسعى لتحقيقها، والويل كل الويل لمن لا يصدّق.

=====================

العرب بين المشروعين الصهيوني والصفيوني .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 16-5-2015

لو اتفقنا جدلاً أن من حق إيران أن تجرب تطبيق نموذجها في العالم العربي عبر أذرعها الشيعية الداخلية المنتشرة هنا وهناك في بلادنا، فهل تقبل الأكثرية بالنموذج الشيعي؟ ألا ترفضه رفضاً قاطعاً ومستعدة لمواجهته بكل الوسائل كما نرى في اليمن الآن؟ ألا تصبح العملية إذاً وصفة لحرب مذهبية طاحنة داخل الدول العربية التي اخترقتها ايران. ألا تصبح حتى أذرع إيران الشيعية داخل العالم العربي مجرد حصان طروادة، إن لم نقل مجرد وقود في خدمة المشروع الايراني التفكيكي للمنطقة. ألا نفهم من استخدام ايران لأذرعها المذهبية في بلادنا أن إيران تعمل على شرذمة أوطاننا وتمزيقها عبر أشلاء عملائها الداخليين، وبدمائهم؟ ماذا تريد إيران من استخدام أذرعها الداخلية في بلادنا غير تقسيم دولنا وتفكيكها وإنهاكها. ألا يتلاقى المشروع الايراني في هذه الحالة مع المشاريع الغربية والاسرائيلية القائمة على تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ وتحويل أوطاننا إلى ساحات لحروب اهلية مذهبية لعقود وعقود؟

ليس هناك شك بأن تفكيك الدول العربية وتحويلها إلى دويلات وملل ونحل متقاتلة ومتصارعة مصلحة استراتيجية معلنة لإسرائيل، ولكل الطامعين بهذه المنطقة التي حباها الله بموقع جغرافي عظيم وثروات يسيل لها لعاب العالم. لقد قالها الإسرائيليون على رؤوس الأشهاد أكثر من مرة في إعلامهم واستراتيجياتهم بأن من مصلحتهم شرذمة البلدان العربية حتى البعيد منها كالسودان. وقد سمعنا إحدى الشخصيات الأمنية الإسرائيلية الشهيرة وهو يلقي محاضرة ذات يوم يؤكد فيها على أنه حتى السودان البعيد يشكل خطراً على الدولة العبرية، وبالتالي لا بد من العمل على إنهاكه وتمزيقه كي تكتفي إسرائيل شره.

ولا شك أن الكثير منا سمع بوثيقة «كيفونيم» الإسرائيلية الشهيرة التي ظهرت في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، والتي أعلنت صراحة عن مصلحة إسرائيل في تقسيم البلدان العربية المجاورة إلى دويلات عديدة وضربها ببعضها البعض، لأن من شأن بقائها كما هي أن يشكل خطراً على إسرائيل لاحقاً، فما بالك إذا فكرت تلك الدول في الانضواء تحت لواء دولة كبرى على غرار التكتلات الكبيرة التي تجتاح العالم.

ولا شك أن بعضنا سمع بما يسمى بـ»خريطة الدم» الأمريكية التي أعلنت عن مشاريع تقسيمية مماثلة للمشروع الإسرائيلي. وهي خطة لا تقل خطورة عن الخطة الإسرائيلية في أهدافها الرامية إلى تفتيت المنطقة العربية وإغراقها في دمائها كي تبقى مشغولة بانقساماتها وجروحها لزمن طويل. ولا داعي لشرح ما كتبه بعض المستشرقين الأمريكيين المزعومين حول ضرورة ضرب مكونات المنطقة العربية بعضها ببعض. لكن المخططات الغربية والإسرائيلية الشريرة لتفكيك المنطقة العربية وضرب شعوبها وأعراقها وعقائدها ببعضها البعض يجب أن لا يعمينا أيضاً عما تفعله إيران الآن في المنطقة منذ سنوات. وهو لا يقل خطورة وجهنمية على العرب من المشاريع الغربية والصهيونية. لا عجب أن بعض المطلعين على النوايا الإيرانية راح يتحدث عن مشروعين في المنطقة، ألا وهما «المشروع الصهيوني»، و»المشروع الصفيوني» نسبة إلى الصفويين الإيرانيين. وكي لا نبدو وكأننا نوزع الاتهامات لإيران جزافاً، أود أن أطرح بعض الأسئلة الاستفسارية حول ما تقوم بها في أكثر من بلد عربي؟ ألا ترقى أفعالها وسياساتها المفضوحة إلى نفس المشاريع الإسرائيلية والغربية التي تحاول تمزيق المنطقة وشرذمتها؟

لطالما شتمنا اتفاقية «سايكس-بيكو» البريطانية الفرنسية التي شرذمت العرب إلى اثنين وعشرين كياناً في العقد الثاني من القرن الماضي. لكن الأخطر الآن، وكما هو واضح من الاستراتيجية الإيرانية، أن إيران تعمل على تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ، تماماً كما يفعل الغرب والصهاينة. ماذا نسمي التدخل الإيراني في اليمن ودعم جماعة ضد أخرى ودفعها للانفصال عن الدولة الأم بحجة أن المنتمين لتلك الطائفة أو الجماعة مضطهدون، ويجب أن يحصلوا على حقوقهم؟ ألا يعلم القاصي والداني مدى التدخل الإيراني لصالح الحوثيين في اليمن والعمل على تشييع غيرهم بهدف سلخهم عن بلدهم والتلاعب بهم خدمة للمصالح الإيرانية العابرة للمنطقة؟ ألا تشجع إيران الانفصاليين في اليمن بمختلف توجهاتهم حسب القيادة اليمنية؟

وإذا تركنا بداية ما بات يعرف بـ»الهلال الشيعي»، ألا وهو اليمن، وتوجهنا إلى الجزء الثاني من الهلال، ألا وهو العراق، لوجدنا أن محاولات التقسيم الإيرانية السايكسبيكية الجديدة للعراق لا تخفى على أحد، فبحجة أن الشيعة هناك تعرضوا لظلم تاريخي على أيدي الرئيس الراحل صدام حسين ونظامه السني راحت إيران تدفع بالشيعة إلى التمترس والانغلاق والانفصال، مما جعل العراق يعاني الأمرّين على صعيد وحدته الوطنية منذ أن تكالب عليه الأمريكيون والإيرانيون منذ عام 2003. ولو استمرت السياسات الإقصائية التي يتبعها حكام العراق الجديد بدعم وتأييد إيراني لأدى ذلك حكماً إلى تفتيت العراق على أسس طائفية وعرقية لا تخطئها عين. وليس أدل على ذلك الثورة المتصاعدة في المناطق السنية العراقية على سياسات التهميش والاضطهاد والتفرقة البغيضة التي يمارسها أزلام إيران في حق سكان تلك المناطق في العراق.

وحدث ولا حرج عن البحرين التي تشجع فيها إيران أتباعها من نفس المذهب على الثورة وحتى الانفصال، إذا لم تتمكن من السيطرة على البحرين بأكملها باعتبارها جزءاً تاريخياً من إيران كما تدعي. ولا داعي للحديث عن سياسات إيران التحريضية في بقية دول الخليج على أسس تفتيتية فاقعة.

أما في سوريا، فقد أصبحت الصورة أكثر وضوحاً وقتامة من حيث مدى التدخل الإيراني وضرب المكونات السورية ببعضها البعض، مما يهدد وحدة البلاد بشكل خطير. الجميع بات يرى أن دعم إيران للنظام الحاكم في سوريا له خلفيات عقائدية وطائفية لا تخفى على أحد، حتى لو أدى ذلك إلى تهميش السواد الأعظم من السوريين وتنفيرهم. لا شك أن إيران تعرف أن الغالبية العظمى من الشعب السوري لا تتبع ملتها دينياً، وهي بالتالي لا يمكن أن تقبل بالنفوذ الإيراني في سوريا على الطريقة العراقية. وهو أمر تدركه إيران جيداً، خاصة بعد أن بدأ ينهار النظام الذي تحالفت معه لحماية مصالحها في سوريا والمنطقة عموماً. وانطلاقاً من هذه الحقيقة يرى البعض أن إيران لا تمانع في تقسيم سوريا ودعم المتحالفين معها سياسياً ومذهبياً لإقامة دويلة تحفظ لها طريق المرور إلى لبنان، حيث تدعم هناك دويلة داخل دولة، ألا وهي دويلة «حزب الله»، كما يسميها اللبنانيون المتصارعون مع الحزب ومرجعياته الإيرانية. أليس الدعم الإيراني غير المحدود لحزب الله في لبنان وصفة كاملة الأوصاف لتقسيم الدولة اللبنانية على الطريقة السايكسبيكية الجديدة وأخطر؟ ألا يؤكد قادة حزب الله أنهم يتبعون ولاية الفقيه في إيران أولاً قبل أن يتبعوا الدولة اللبنانية؟

ولا داعي لذكر أنه حتى بلدان المغرب العربي البعيدة لم تسلم من التدخل الإيراني الذي يتخذ من التشييع طريقاً له لتفتيت الدول العربية. ولعلنا نتذكر كيف قام المغرب بطرد السفير الإيراني لهذا السبب.

هل تقل خطورة عن المشاريع الغربية والإسرائيلية لتفتيت المنطقة العربية وشرذمتها؟

٭ كاتب وإعلامي سوري

falkasim@gmail.com

=====================

أميركا تلاعب إيران .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 16-5-2015

لا يعرف قادة إيران قواعد اللعب السياسي الأميركي. لو كانوا يعرفونها لفهموا أنها تتبنى، بين ما تتبناه، نهجين، يقومان كلاهما على تأسيس ساحة هيكليةٍ، يدخل الآخرون إليها ويخرجون منها بإذنها ورغبتها، شريطة ألا يتحول أي منهم إلى جزء تكويني منها، كي لا تستمر في الوجود بدونه. هذه الساحة تدخل واشنطن إليها الآخرين كي يخدموا مصالحها، وهي تترك حصة لهم، تتعين بقدرتهم على إنجاز مهمتهم الرئيسة: خدمة مصالحها وإدراج مصالحهم في إطارها، فإن كانوا من القوة، بحيث يقاومون إدخالهم إليها بغير شروطهم، أو لغير المهمة التي قررتها واشنطن لهم، تركز جهد البيت الأبيض على أخذهم إلى الوضع الذي يجبرهم على تنفيذ ما يريده، بتركيز جهودها على تكييف أوضاعهم مع خططها وحاجاتها، وإخضاعهم للشروط التي حددتها لهم فيها، وإن تظاهرت بقبولهم على حالهم، واعترفت لفظياً بحقهم في الاستقلال عنها. إنها إما تكيف الآخرين مع سياساتها ومصالحها، أو تكيف نفسها مع أوضاعهم، كي تغيرها بالقدر الذي يرغمهم على قبول ما تقرره اليوم، أو كانت قد قررته بالأمس، لهم.  ليس التوازن وضعا تقبله أميركا، لكونه يقوم على الندية والحقوق المتساوية والاستقلالية. هذه النقطة غابت، كما يبدو، عن قادة إيران، بسبب غرورهم الذي يمنعهم من فهم سياسات واشنطن، ويحجب عن أعينهم جهلهم بها، ويجعلهم يكتفون بأفكار مخصصة للاستهلاك الداخلي، تصورهم عباقرة يمارسون سياسات معصومة لا يأتيها الباطل، يقررونها نيابة عن ذات علوية مقدسة، أو تحت إشرافها، فهم، في نظرتهم، إلى أنفسهم رابحون دوماً، لأنهم عاجزون، بكل بساطة، عن أن يخسروا. بهذه الخلفية، كان من الطبيعي أن يجعلوا مفاوضاتهم مع أميركا انتصاراً صرفاً لهم، وهزيمة كاسحة لها، وأن ينشروا جملة من الأوهام حول نتائجها، تعبر عن اعتقادهم بأنها ستسلم المنطقة لهم، بعد أن أضعفوها وأرغموها على الاستجابة لمطالبهم، بل وجندوها لخدمة مصالحهم على حساب مصالحها.

تبدو إيران جهة تتخبط في فخ نصبته لنفسها، فالاتفاق الذي فرضته أميركا عليها صار أمراً واقعاً يصعب التنكر له، مع أنه جعلها دولة محدودة السيادة، بما فرضه عليها من تدابير وإجراءات تفتيشية غير محدودة. ووضع طهران في سورية لم يتحسن، بل صار خطيراً بسبب تبدلٍ أصاب الموقف الإقليمي/ الدولي، يضعها أمام أحد خيارين: المزيد من الانغماس في الوحل السوري، أو الخروج منه مع ما يضمره ذلك من إضرار بمصالحها، وتهديد لعملائها ومرتزقتها في المشرق. كما أن هجومها في اليمن تحول من فرصة نجاح إضافية، تنتمي إلى حقبة غضت أميركا خلالها النظر عن تمددها وانتشار جماعاتها في البلدان العربية المجاورة، إلى بداية انكفاء مهلك، يتجلى في رد عربي/ إسلامي عليها فتح ملف وجودها في العالم العربي من جهة، وفي عجزها من جهة أخرى عن نجدة عملائها في حزب أنصار الله الحوثي الذي ما إن أكمل انتشاره في أرض اليمن، والذي لن يستطيع المحافظة عليه، لافتقاره إلى القوة اللازمة لإدامة سيطرته عليها، حتى بدأ طرد إيران من جزيرة العرب، وانقض تحالف عسكري عربي/ إسلامي، مدعوم أميركياً ودولياً على الحوثيين، وسط إعلانات عسكر واشنطن بمنع طهران من التدخل في الصراع لنجدته، ولو رمزياً عبر إرسال سفنها الحربية إلى بحر العرب.

"الاتفاق الذي فرضته أميركا عليها صار أمراً واقعاً يصعب التنكر له، مع أنه جعلها دولة محدودة السيادة، بما فرضه عليها من تدابير وإجراءات تفتيشية غير محدودة" تلاعبت أميركا بإيران كما يتلاعب هر بفأر، وها هي تدفعها إلى مكان يجبرها على التكيف مع سياساتها ومصالحها، مقابل بقائها في الحقل البنيوي الذي أقامته واشنطن في المنطقة، ووظفت فيه جهوداً متنوعة، كان أهمها استدراج عسكرها إلى المقتلة السورية، ثم، وما إن تأكد سقوطها في الجحيم السوري، وانزلاقها إلى مواجهة مع العرب، حتى قلبت لها ظهر المجن، وحرضت خصومها على تسديد ضربات موجعة لها في اليمن، حيث ظهرت محدودية قوتها، ولا محدودية تبجحاتها. وفي سورية، حيث بان تخبطها في الفخ المنصوب لها، وصار بالإمكان البدء بتحجيم دورها العربي، وإخراجها من أماكن خالت أن مصيرها صار بيد "وليها الفقيه"، وأنها ألحقتها بها، وجعلتها جزءاً من مستعمراتها.

انتهت مع معركة الحرية في سورية، ومعركة عاصفة الحزم في اليمن، أكذوبة إيران قوة عظمى، تستطيع السيطرة على المنطقة والاستئثار بها، في مواجهة شعوبها وبقية العالم، بينما يغرق مركزها الإمبراطوري في مشكلات تهدد وجوده، علماً بأنه لم يسبق لإمبراطورية أن أرجأت سقوطها في مركزها عبر التمسك بأطرافها.

بنهاية زمن الاستفراد بالجيران، وزمن غزوهم من الداخل، وببدء زمن مواجهة العرب لها في جنوب وشمال وشرق وغرب وطنهم، يجد قادتها أنفسهم أمام أحد خيارين، كلاهما مر: إنقاذ نظامهم عبر مراجعة شاملة لحساباتهم، تفرض عليهم الانسحاب إلى داخل بلادهم، أو انهيار مركزهم الإمبراطوري سيتسارع من الآن فصاعداً في أطرافه. ماذا سيختار المعصومون المزعومون؟ مواصلة التخبط هنا وهناك بينما تدنو نهايتهم، أم الواقعية والعقلانية والانكفاء والتعامل مع جيرانهم كأحرار مستقلين، لهم الحق في قلع أشواكهم بأيديهم، بالطريقة التي يختارونها ومن دون تدخلها؟

=====================

موقفنا : هذا هو جديد أوباما فما هو جديدنا .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 17-5-2015

في لقائه على قناة العربية فاجأ الرئيس الأمريكي باراك حسين أوباما جماهير الأمة أجمع بالمزيد من الرسائل العدمية ، رسائل الاستخفاف والاستفزاز والتحدي . وليس من المجدي أن يعتذر البعض لرئيس دولة عظمى بالجهل في مواقع الكلام ، كما حاولوا يوما أن يعتذروا للرئيس بوش الابن عندما أفصح عن عزمه على شن حملة صليبية جديدة على أمة الإسلام ..

الحملة الصليبية التي باشرها بوش لم تنته ؛ بل لعل من الصواب أن نقول إن الحملة الصليبية التي أطلقها أوربان الثاني في القرن الثاني عشر لم تزل ، ساخنة وباردة، تنتقل في كل عصر من طور إلى طور . فلم يكن مصادفة ، ولا زلة لسان ، ولا سوء تقدير لمواقع الكلام ، أن يعلن اللورد ألنبي الانكليزي يوم دخوله القدس في مطلع القرن العشرين إعلانه الشهير : اليوم انتهت الحروب الصليبية ، متزامنا مع إعلان الجنرال غورو الفرنسي ، في التوقيت نفسه على قبر القائد الناصر صلاح الدين : ها نحن قد عدنا يا صلاح الدين ..

من جهتنا كنا نتمنى أن الحروب الصليبية لم تكن . وحكمة من أجدادنا في امتصاص وقعها المباشر الصادم يومها أطلقوا عليها حروب (الفرنجة) . فقد كانوا يدركون التداعيات المدمرة لمعركة قاطعة ظالمة : تعلن باسم الله على خلق الله . إن أشنع الظلم والبغي والقتل ما كان باسم الرب . باسم الحي القيوم الذي وهب الحياة وصانها .

وودنا أيضا أن هذه الحروب كتبت نهايتها مع الكلمات التي نطق بها ألنبي ، كما زعم ، فطوى الغرب المتنور المتحرر من سلطان الكنيسة ، ومن البابا أوربان ، ومن نداءات بطرس الناسك المسعورة أعلامها ؛ وقبل باللقاء مع أمتنا ،على قاعدة السواء التي دعا إليها القرآن الكريم ، وأقام عليها بنيانه الديني والسياسي على السواء . ولكن لا الأمنيات التي تمنينا ، ولا الدعوة الربانية الكريمة التي دعا إليها قرآننا أغنت من واقع البغي والظلم والعدوان الذي ما زال الفرنج على تعدد هوياتهم يفرضونه علينا .

هذه المقدمة ليست عودة إلى لتاريخ ، ولا هي محاولة للتذرع به لتفسير واقع سياسي أصبح عصيا على كل معطيات القراءة السياسية لحقيقة ما يجري في فلسطين وفي سورية ، وفي العراق ، وفي لبنان وفي اليمن وفي ليبية وفي مصر أيضا ...

وحين نستحضر كل ما يعلنه ويتدارى به الإنسان ( الفرنجي ) من مبادئ الحرية وحقوق الإنسان وكل ما صدر عما يسمى مجلس الأمن الدولي من قرارات بغض النظر عن قربها للحق أو مجافاتها له ؛ ثم نقرن كل ذلك بما يجري في عالمنا بشكل عام وفي أقطارنا التي ذكرناها بشكل خاص ، سنضطر تحت ضغط العقل العملي إلى البحث عن معطى مفتاحي يفسر لنا كل هذا الذي يقرر وكل الذي وكل الذي يتم السكوت المتعمد عنه ، ثم كل هذا الذي يمرر..

معادلة معقدة صعبة يتناقض فيه القول مع الفعل والظاهر مع الباطن ؛ يفرض علينا قراءتها والتعامل معها ، وإظهار القناعة بها ، وأن نقنع بها أجيالا من أبناء أمتنا درسوا كل قوانين الطبيعة والفيزياء والأحياء وتعلموا كيف تحل في كل العلوم جميع المعادلات .

إننا ومع إقرارنا بخلل كبير في معطيات واقعنا الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ندرك أنه ليس من الإنصاف أن يُحمّل جيل واحد من أبناء الأمة مسئولية اختلاله ؛ وفي الوقت نفسه فإنه ليس من الروح العلمية والعملية التسليم لاختلاله ، والنزول على أحكامه ..

إن ما صرح به الرئيس الأمريكي ( باراك أوباما ) في لقائه على قناة العربية في 14 / 5 / 2015 عن أمة العرب والمسلمين جديد وصريح وقاس .. حين قصر دورها على حماية رمزيات مقدسة ربما ينازعها آخرون على الحق في حمايتها في ظل تحالفاته المريبة ..

وما قاله الرئيس أوباما عن فلسطين ، والتزامه بأمن الإسرائيليين ، وتشاغله عن مأساة الفلسطينيين معطى آخر ، لا يمكن أن يُستقبل فقط ، بالاستنكار والتنديد ...

وما اختصر فيه الرئيس أوباما ثورة الشعب السوري ، ثم تجاهله لتضحيات هذا الشعب الحر البطل ، وطمسه لتطلعاته في الحرية والعيش الكريم ومقابل كل ذلك ما أكده من رفض حازم لانتصار هذه الثورة ، ثم اتهامها واتهام ثوارها بالتطرف والإرهاب ، وهو قد كان له دور مباشر في تأجيج أوار المتطرفين ؛ إن كل أولئك هو بعض قديم الرئيس أوباما الجديد ..

فأوباما الذي يعلن صراحة التزامه المطلق في فلسطين بأمن الإسرائيليين ، يعلن ضمنا في سورية الحرة الأبية التزامه بأمن الطائفيين المستبدين من القتلة والمجرمين ، التزامه بأمنهم ، وضمانه لمستقبلهم ، على حساب أمن وبقاء كل السوريين .

إن الجديد الذي أعلن عنه أوباما في لقائه على قناة العربية أن الزمن المتاح لمشروع إبادة السوريين بكل أنواع الأسلحة ، بما فيها الغازات السامة سيظل مفتوحا ، وأن حق تدخل كل أشرار الأرض للاشتراك في مشروع إبادة الشعب السوري سيظل متاحا ، على مدى ما تبقى من زمن ولايته ولا أحد يدري بعد ولايته ماذا يكون ...

هذا هو الجديد العجيب الذي يفصح عنه الرئيس أوباما ربما للمرة الأول في عهده غير الرشيد ..

هذا الجديد الذي يعلن عنه الرئيس أوباما وهو على مقعد التحبب والتودد للأمة وشعوبها ، كما قال ، يحتاج إلى مستقبلين عقلاء ، يستمعون القول فيتتبعون موارده ومستقراته ، مفاصله وانعكاساته وتردداته ، ثم يضعونه موضعها في صناعة قرارهم وحزم أمرهم .

 ما صرح به أوباما على قناة العربية ليس قولا عابرا مرسلا بل هو قول من أعلى المصادر ، في أوثق اللحظات ، إنه القول العريان يصدر عن رجل بلغ به الاستهتار بالأمة أن يسب تاريخها وأجيالها على منابرها ثم نجد من حوله بعض أبنائها يضحكون ..

إن أي شيء ننجزه في إطار العمل الصعب في الظرف الصعب أكثر جدوى من الوقوف على باب من أعلمنا أن النار والعار والخزي والشنار هي وحدها مكافأة هذا الوقوف ...

لندن : 28 / رجب / 1436

17 / 5 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

==================================

عن واقعة علم الثورة السورية .. إيلي عبدو

العربي الجديد

السبت 16-5-2015

انتقد معارضون سوريون، سبق لهم أن شكلوا عصبية متطرفة تجاه كل ما يمس معارضتهم، إقصاء علم ثورتهم عن مشهد جمع رئيس الائتلاف المعارض، خالد خوجة، ورئيس تيار بناء الدولة، لؤي حسين. والعلم الذي حذف عن قصد حقبة الأسدين، وربط بين بدء الانتفاضة والاستقلال الوطني منتصف الأربعينيات، يحمل رمزية البدايات المتمثلة بتظاهرات جامعة لأطياف شتى من عموم السوريين، قبل أن يفرقهم الصراع مع النظام، وقد فرّخ حروباً محليةً وأهلية، توزعت موضوعاتها الغنائمية والنفوذية بين أمراء وقادة القرى والمناطق.  والعلم نفسه نُحّي عن فضاء الفصائل المعارضة، بعد أن اجترحت لنفسها شارات خاصة، فخرجت عن سردية الصراع العمودي مع النظام، واستعانت بما هو فرعي لتدبيج أيدولوجيتها الذاتية سلاحاً تعبوياً ضد الأسد. والخلط بين العمودي، أي طبيعة الحرب ضد النظام، والأفقي، أي تعريف هذه الحرب وتأطيرها عقائدياً، استتبع خلطاً ميدانياً، فتصادمت الفصائل، وتقاتلت وكفّرت بعضها، ليصبح العلم أقرب إلى الذكرى داخل الثورة نفسها.

وعلى جاري عادة الأنظمة العربية، التقط الائتلاف المعارض العلم المهزوم معنوياً، وتمسك به، دلالة على "نضالات" الشعب و"تضحياته" في سبيل "القضية". فغدا شارة رسمية تنتصب إلى جانب أعلام الدول الحليفة، بعد أن كان يرفع خفية، في شوارع دمشق، ضمن سياق الصراع الرمزي ضد النظام الحاكم، استبداداً وقتلاً وتهجيراً.

سعى لؤي حسين، المنتمي إلى حساسية طائفية، تستهول انهيار النظام من دون ضامن يكبح الفوضى الانتقامية المتوقعة، إلى إضفاء بعد تمثيلي على العلم، يضمر تظهير الانقسام بين موالي الأسد ومعارضيه، فاقترح على خوجة وضعه إلى جانب العلم الموازي، خلفية للمؤتمر الصحافي. أراد بذلك، أن يموضع نفسه بشكل غير معلن، ممثلاً مستقبلياً لعموم المؤيدين، مقابل خوجة الممثل المعلن للمعارضة.

التصارع لإشهار اجتماعين سياسيين، معارض وموال، بممثلين مشكوك بأهليتهما الشعبية، وعبر شارات مستهلكة رمزياً، حُسم لصالح الفراغ. إذ ظهر الرجلان بدون أي علم، بعد أن اشترط حسين إزاحة علم الثورة، لعجز المنظمين تأمين العلم الآخر.

والفراغ المشهدي الذي تبدى في المؤتمر ليس فقط نتيجة للانقسام الحاد بين السوريين، هو أيضاً علامة بارزة على خلو الوطنية السورية من أي عنصر إجماعي، وتناحر فرقها بين علمين، انتهت صلاحيتهما على يد نظامٍ تتحكم بقراره مليشيات إيرانية، وفصائل معارضة عدد كبير منها يقاتل لأهداف أيديولوجية، تتعدى إسقاط الأسد نحو بناء دولة، وفق تصوراتها الفئوية.

"تنافس أنصار الثورة على شتم لؤي حسين واتهامه بالعمالة، عدا عن الغمز من انتمائه الطائفي" ويستوجب التناحر رسم موازين قوى جديدة بين الجماعات، تلحظ بداية انهيار النظام وحلفائه، وتغلب فصائل المعارضة واستيلائها على مدن ومناطق تشكل خطراً على معقل الأسد نفسه. ما يعني بناء وعي شعبوي معارض، ينبذ أي حوار مع الموالين المقبلين على الهزيمة. وعي ثأري طارد للتسويات والمساومات التي تقوم السياسة عليها عادة، ممهداً الدرب لتكوين نظام اضطهادي جديد، يبادل الأدوار بين المضطهِد والمضطهَد، ويشرّع البلاد على حرب أهلية صامتة، تتلطى وراء المرحلة الانتقالية، ذاك أن الأخيرة تنفع ستاراً سياسياً لتغطية الانتقامات الطائفية بين الجماعات، كما حصل في عراق ما بعد صدام حسين.

وبدا طلب لؤي حسين إزاحة علم الثورة واستجابة رئيس الائتلاف له عنواناً مثالياً للانقضاض على فكرة الحوار مع موالي النظام وبناء شبه تعاقد معهم، يمرر مرحلة سقوط الأسد، من السواد الأعظم من المعارضين.

تحول حسين، وهو طامح إلى ذلك، واجهة لمؤيدي الأسد، فتنافس أنصار الثورة على شتمه واتهامه بالعمالة، عدا عن الغمز من انتمائه الطائفي. وما تفسير التنافس الشتائمي سوى رفض أي تسوية لدى الوعي المعارض توازن بين إسقاط الأسد والحفاظ على قاعدته الشعبية. وأخطر ما في هذا الوعي تلبسه ذريعة العلم وواقعة إزاحته عن المنصة لرفض التحاور مع

"الخصوم"، أي استحضار عنصر "وطني"، والتمسك به، ضمن حادثة درامية، لطرد المؤيدين خارج خريطة مستقبل سورية.

أما الأخطر من التلابس المذكور بين العلم ووظيفته الطاردة رضوخ قيادة الائتلاف لذلك الاستثمار الأداتي وتحويله وطنية ركيكة، تلغي ميول الجماعات، استناداً إلى جذرية الثورة. فخرج رئيس الائتلاف معتذراً عن "الخطأ غير المقصود"، بدون أن يفصل بين العلم، بوصفه أداة تعبئة وحشد ضد النظام، ما يزيد من احتمال انتهاء وظيفته، والعلم علامة جمع واتفاق وتعاقد بين عموم السوريين. ولأن الجزء الثاني من الفصل يصعب تحققه في الآجال القريبة، فإن الانجراف سياسياً وراء وعي شعبوي يستخدم العلم ذريعة شوفينية، لإلغاء الآخرين وعزلهم، قد يستكمل في حلقات انتقامية، تكرر أفعال النظام الحالي. وهو ما لم تنتبه إليه قيادة الائتلاف، ففضلت ممالأة جمهور المعارضة، بدل مصارحته بضرورة الجلوس مع الموالين، اليوم من خلال لؤي حسين وغداً من خلال شخصيات وجهات أكثر جذرية في تمثيلها.

=====================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com