العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 24-04-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

معنى جنيف: حرمان السوريين من حِداد .. ياسين الحاج صالح

الحياة

الثلاثاء 16/4/2016

للصراع السوري طوال خمس سنوات خاصية نادرة، قد لا يكون ثمة ما يشابهها في ثورات وحروب دول وحروب أهلية أخرى. ولا شبه لها حتى في الأقرب إلينا من صراعات كالحرب اللبنانية والحرب العراقية والحرب الإسرائيلية المستمرة على الفلسطينيين، مجتمعاً وأرضاً: لم تتح للسوريين خلال خمس سنوات طويلة فرصة يوم واحد لالتقاط الأنفاس، للنظر في ما حولهم وتفقد أنفسهم وجيرانهم، لتقييم وضعهم، وجوهرياً للقيام بحداد وفتح صفحة جديدة. لم يمر يوم واحد، خلال نحو 1860 يوماً من دون وقوع ضحايا، بين آحـادٍ كل يـوم في بداية الثورة، إلى عشرات طوال معظم سنواتها، وإلى مئات في بعض مذابحها، وإلى نحو 1500 في الغــوطة وحــدها في يــوم من أيام آب (أغسطس) 2013، إلى ما بين أحاد وعشرات كل يوم بعد «وقف إطلاق النار» قبل نحو شهرين. وهذا في عشرات مواقع البلد كل يوم، وعملياً في كل منطقــة خارجة على سيطرة النظام، ودومــاً مع دمار واسع.

نحن في حاجة عامة ملحة إلى حداد، لنودع من رحلوا، ونتصالح مع فقدِنا، ولنبدأ في التعافي، أفراداً وأسراً وبيئات اجتماعية وبلداً. في الحداد لا نأسى على من فقدنا فقط، ولا نجتمع للتواسي فنوثق رابطتنا الاجتماعية فقط، وإنما نعلن أيضاً انتهاء الفقد بوداع الفقيد، ثم العودة إلى «الحياة الطبيعية». نحن لم نحُدّ لأن الفقد لم ينتهِ، ولم نجتمع ونتواس لأن الدم لا يزال يسيل، ولم نشرع بجديد لأن الصفحة القديمة لم تطوَ. يتجمع موتانا في داخلنا، وتتحول نفوسنا إلى أحياء مدمرة، ولا نتلقى أي عون من أجل الانفصال عن الموت والدمار. والقاتل العام معروف الاسم والعنوان، مقيم هناك، وهو يبدو اليوم محصناً من عقاب واجب أكثر من أي يوم مضى.

ككسر لإيقاع الحالة العادي وتفرغ وقتي لوداع من ماتوا، الحداد يحمي أيضاً التمايز بين الحياة والموت، فيسهم في صون حرمة الحياة وحماية الأحياء. هذا لم يتسنَّ للسوريين، ليس على الصعيد الجمعي وحده، ولكنه قلما كان متاحاً حتى على صعيد الأُسر، لاستحالة إقامة جنازة لائقة حيناً، ولمنع الجنازة أحياناً (معظم من سلمت جثثهم ممن قتلوا تحت التعذيب في مناطق سيطرة النظام)، أو تعذر جمع جسد القتيل أو القتلى ودفنهم، أو تفرق الأسرة بين البلدان، أو إيقاع القتل اللاهث الذي لا يسمح باكتمال الانفصال عن راحل قبل أن يتلوه آخر.

ما وقع على الصعيد العام، بالأحرى، هو عكس الحداد إن كان للحداد من عكس: تسيير عادي جداً، مبتذل، لـ «الأزمة»، يمنع معاقبة القاتل ووقف القتل طوال خمس سنوات، ثم يضغط اليوم على أهالي المقتولين بكل السبل كي يقبلوا بالابتذال مخرجاً من صراعهم التراجيدي، حتى من دون أدنى ضمان بوقف القتل.

هذا هومعنى جنيف.

ما هو الخطير في ذلك؟ فوق التسليم بالعدد المهول من الضحايا، وبأنهم سقطوا من أجل لا شيء، هناك أيضا حرمان تضحية السوريين من أن يكون لها أي معنى عام، ولو حتى «قيمة قربانية»، على ما يقول جيورجيو أغامبن عن «الإنسان المباح». يساعدنا المعنى على أن نتحمل رحيل من رحلوا وننسب إلى رحيلهم قيمةً وشأناً: لقد كانوا قرابين للحرية، لسورية الجديدة، للترحيب بالمستقبل والتخلص من قوى وأجهزة القتل القديمة. عبر الفصل بين صراعنا المرير والمعنى، نخسر قضيتنا ومعنانا، فوق خسارة شهدائنا ودمار بلدنا وتحطيم مجتمعنا وتهجير نصف السكان في الداخل والخارج، ونقبل أن كل هذا راح هدراً.

كان أول التجريد من المعنى هو فعل التسمية. وُصِف صراعنا بأنه «أزمة»، «حرب أهلية»، «صراع طائفي»، ما يعني أن الأمر يتعلق بصراعات غير عقلانية بلا معنى، تنشب بين أناس غير عقلانيين، ويجب أن تتدخل القوى الدولية النافذة لتسويتها. من يفرض التسمية يقرر التسوية، ويمحو الفارق بين القاتل والضحية، فلا يعاقب ذاك، ولا يحد على هذا.

لكن بالإصرار على مخرج مبتذل من صراعنا وبحرماننا من حداد، فإننا لا نحرم فقط من الأسى على ضحايانا والتواسي في ما بيننا، ولا من التضامن الذي قد نلقاه من شركاء لنا، وإنما كذلك من إعلان وقف الفقد أو انتهائه، وما يعقبه من تكيف مع الخسارة وإعطاء أنفسنا بداية جديدة. الحداد مستحيل من دون معاقبة القاتل، ومن دون حداد يحترم الضحايا ويودعهم، يجري إغراق التوقف المحتمل للصراع في العادية والابتذال، فيكون هو ذاته توقفا مبتذلاً هشاً، فلا يكون هناك فرق مهم بين توقف واستمرار، بين سلم وحرب، بين صراع ولا صراع، وبين بداية ونهاية. وفي ذلك قلة احترام لصراعنا ولضحايانا، ولا مبالاة كاملة بحياتنا وموتنا.

وقف إطلاق النار الساري منذ ما يقارب الشهرين هو من هذا الصنف. والعملية السياسية في جنيف لا تعدو كونها إدارة لـ «الأزمة»، مؤداها نقل الصراع السوري من «أزمة عالية الحدة» إلى معتدلة أو منخفضة الحدة، حسب التعبيرات المبتذلة لمراكز أبحاث غربية. إدارة الأزمة تقتضي بقاء الأزمة، والاحتفاظ بمنابع التأزم من أجل أن يحتفظ المديرون بموقع مهيمن، يتحكم بتفاعلات «هذه المنطقة المتأزمة من العالم».

من دون عقاب ومن دون حداد، يتمّ تبديد الأثر التأسيسي للصراع، وتجريد موت السوريين، وتالياً حياتهم، من القيمة.

انفراد الصراع السوري بامتناع الحداد الفردي والجمعي طوال أكثر من خمس سنوات لا يعزله عن نسق مطرد لكل ما رأينا من تسويات لصراعات الإقليم، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى إلى التسويات الفلسطينية، إلى التسوية اللبنانية، إلى التسوية السورية التي يتمّ طبخها من قبل أقوياء غربيين وروس لمصلحة غربيين وروس وإسرائيليين، وشركاء محليين للثلاثة. هذا النسق يتمثل في ابتذال التسويات قياساً إلى مأسوية الصراعات، و»نجاح» التسويات الثابت في ألاّ تطوي صفحة الصراعات التي يفترض أنها تُسويها. هذا النسق يتمثل جوهرياً في الحرمان من العدالة ومنع معاقبة المجرمين، بل مكافأتهم أحياناً (إسرائيل دوماً). ومؤدى النسق هو حرمان الضعفاء عملياً من أن تكون لهم سيادة، وبالتالي سياسة. وفي العمق حرمانهم من أن يكون لهم كرامة وتاريخ.

محصلة هذه العمليات التي تفصل بين السلم والعدالة استحالة السلم عملياً، والعيش في شروط من الحروب المتكررة التي تعالج بتسويات من الصنف المبتذل نفسه، يشترك فيها وكلاء مبتذلون للنظام الدولي، ما يؤدي إلى انحطاط السياسة في المنطقة، وإلى أوضاع مثل القائمة اليوم، تجمع بين صفتين متناقضتين: الإعضال والابتذال، مزيج من الاستحالة والتفاهة. أليس المستحيل التافه أو التفاهة المستحيلة هي جوهر بشار الأسد وممثلي نظامه جميعاً؟ ابتذال وتفاهة، وسفاهة في الواقع، تحظى بتغطية من نظام دولي لم يمتنع عن حماية السوريين فقط، وإنما هو يوفر رصيد قوة وحماية مضمونة لقتلة تافهين. كان ممثل النظام، الجعفري، يُشبِّح بكل سفاهة في جنيف، ولم يظهر مسؤول دولي واحد ليقول بكلام واضح: إن هذا غير محترم وغير مقبول!

وغير انحطاط السياسة، انحطاط الثقافة. شرط التفاهة المستحيلة المديد، المفروض قسراً، ينعكس في أذهان «مفكرين» عندنا، خصوصيةً للمنطقة ومجتمعاتها وثقافتها وعقلية سكانها. وهو ما لا تكف عن نشره وتعميمه أيضاً مراكز أبحاث وخبراء غربيون. يغيب كل ما له علاقة بالسيادة، بالقوة الفعلية، بالتحكم بحياة عشرات ملايين أو مئات ملايين البشر، باستثناء الإقليم من العدالة، بحصانة مكفولة دولياً لقتلة السكان المحليين. وتبدو التفاهة المستحيلة التي صنعت شروطها خلال قرن نتاجاً تلقائياً لتكويننا، ويبدو سحق مقاوماتنا وتجريدها من المعنى انعداماً ذاتيا لمعنانا. هذا التفكير أسوأ من أن يكون خطأ، إنه مساهمة الابتذال في الثقافة والفكر، مساهمة في ألا تكون هناك ثقافة وفكر ولا بعد ألف عام.

مساهمة أيضا في تغذية شروط الحرب المستمرة التي تدوم أجيالاً أو قروناً. قد يكون الصراع السوري علامة ولوج زمن وحشي من العنف القاتل المغطى دولياً، من تسهيل أمر التخلص من الضعفاء من دون حداد بكفالة دولية، ومن الابتذال واللامعنى المفروضين دولياً بدورهما.

أكثر ما تلح الحاجة إليه هو القطع مع هذا المسار، الخروج من تناسل التفاهة المستحيلة الذي لا ينتهي، والدخول في المأسوي، حيث هناك حداد على الضحية وعقاب للمجرم، وحيث السلم سلم والحرب حرب، وحيث هناك كرامة وعدالة وسياسة. وتاريخ.

هذا شيء يمكن، ويجب، أن نعمل على تحقيقه في الفكر والفن والثقافة، اليوم ودوماً.

* كاتب سوري

======================

ثم هذا موقفنا من الأقليات .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

20/4/2014

أولا مشروعنا في هذا العصر هو التأسيس لمجتمع مدني موحد قائم على أساس دولة المواطنة ، وسيادة القانون ، مجتمع أسنان المشط حيث لا أقلية ولا أكثرية فيه إلا بالمفهوم السياسي الذي يفرزه الحراك المجتمعي الحي ..

وحتى يتحقق هذا المشروع الأمل نؤمن أن من واجب ( الأكثرية ) حماية جميع الأقليات ( يجب على المسلمين الدفاع عن متعبدات أهل الكتاب بأنفسهم ) ما بين القوسين منقول عن أبن القيم . وهذا يعني أن يقاتلوا دفاعا عنها وأن يقتلوا دونها .

وحتى نصير إلى هذا الواقع فيستقر الهرم المجتمعي على قاعدته يجب أن ندفع عن أنفسنا صولة الصائلين المتسربلين بسربال أقليات مغتصبة للسلطة ولأدوات الدولة ، والمتحالفة مع كل أشرار العالم ضدنا ..

تسألني : هل كل أبناء ( الأقليات ) يفعلون هذا ؟ وينخرطون في هذا الحلف الأثيم ؟! أقول بكل تأكيد لا ، فأبناء الأقليات ( ليسوا سواء ..) مثلهم مثل أي تجمع بشري ، وفيهم مواطنون شرفاء وعقلاء وأذكياء ، ولكن ما يشار إليه هنا هو هنا هو الموقف لأفراد من عصابات ورموز من مرجعيات سطت على قرار هذه المجموعات وتاجرت به ، وتقحمت بها لتوردها الموارد ..

وهؤلاء الأشرار الذين يديرون لعبة الشر على أرضنا يريدوننا أن نذهب معهم في لعبتهم إلى الآخر ، وكما دفعونا إلى ساحة الصراع العسكري على غير رغبة منا ، ولا عدة في أيدينا ، يريدون أن يدفعونا إلى ساحة الصراع الطائفي لأنهم أصحاب المصلحة الحقيقة فيه ، يريدون دفعنا إلى خط اللاعودة ، ونقطة لا لقاء بعدها ، إلى الحرب الوجودية التي أعلنها علينا بالفم الملآن حسن نصر الله ، وبشار الأسد ، وعلي خمنئي وبوتين ..

ونحن لا نخوضها في سورية (حرب وجود) إلا بالمعني الدفاعي ، ونأباها حرب وجود بمعنى نفي الآخر أو العدوان عليه . نؤمن أن الوطن رحب واسع يتسع لكل أبنائه ، وأن سماء الله تظلل بزرقتها كل من خلق . نحن نعمل على رد الصائل بكل ما نملك من قوة وحزم وعزم ، لنضع (( الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ )) في بلدنا سورية . وحين توضع (( الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ )) لن تظلم أكثرية ولا أقلية ، بل لا ينبغي أن يكون في سورية أكثرية أو أقلية : فأمام القانون بشر متساوون . وأمام الله (( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ  ..))

نحن لا نبشر هنا بمقولة : ( من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر ). نحن نبشر بالعدل على قاعدة أنه (( لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ...))

أرهقتنا منذ نصف قرن التعميمات الخاطئة ، ومنذ أيام كان بين أيدينا طيار يقال له (سني) يفتك بأطفالنا بلا رحمة ولا شفقة فهل منعه كونه سنيا من الظلم .، أو هل أعاننا هذا على استيعاب الدرس ..

هؤلاء الحثالة من السوريين الذين ترشحوا إلى مجلس الشعب ، وسط هذا الطوفان من الدم والتدمير واحتلال البلد ؛ لا يجوز أن ننظر إليهم بخلفياتهم الطائفية ونقومهم على أساسها أبدا ، هم أراذل الناس وفي كل تقلبات التاريخ وفي كل الأمم والشعوب كان في الناس أراذل . أهل الفجور من أصحاب العمائم الذين ما زالوا يروجون للظالم القاتل المستبد ، على أي خلفية غير خلفية السقوط يمكن أن نفسر تصرفاتهم...

الأخوة الكرد بكل ألقهم ومظلوميتهم لا يجوز أن يصادرهم نفر قليل وهم بعض لحمنا الحي ، ودمنا الفائر والمسفوك ظلما ...

الشريعة الإسلامية ، وليس شريعة حقوق الإنسان فقط ، والدين والعقل والمصلحة والمستقبل الجماعي كل أولئك يطالبنا أن نسقط المنطق الطائفي ، وأن نصادر منطق الأقلية والأكثرية ، وان نسير تحت راية وثيقة المدينة التي جمعت سكان طيبة فأوعت بدون تحيز ولا استثناء .. ..

كل أشرار العالم أوباما وبوتين وعلي خمنئي وبشار الأسد يلزوننا لزا ويؤزوننا أزا لنندفع في طريق الطائفية والفئوية البغيض لأنه الماء الذي يستطيعون الاستثمار فيه ، يدفعوننا إلى الطريق التي وصفها محمد رسول الله بأنها المنتة .

صلى الله على من علمنا الخير ...

وسيدنا محمد قائدنا للأبد ...

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

========================

مشروع النهوض العربي .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 16/4/2016

أثارت التوافقات الأخيرة بين المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية التي أعلن عنها في أثناء زيارة الملك السعودي إلى مصر والتي تمت على مدى خمسة أيام مضت قبل أسبوع من الآن، حزمة كبيرة من الاقتراحات الحافزة المفتوحة في أوساط من الباحثين والمفكرين الاستراتيجيين وكذلك المثقفين والسياسيين، وكان ذلك أمراً طبيعياً في الوضعية العربية الراهنة، المتسمة بالتصدع والانهيار باتجاه حُطام غير مسبوق. وما يزيد الحال العربي قسوة ومأساوية أنه يفرض نفسه تحت قبضة الداخل والخارج، ومن شأن هذا أن يضع يدنا على أن نظاما إقليميا عربيا فقد القدرة على الفعل التاريخي المؤثر، ويتعرض في الوقت نفسه لاستهداف وتدخلات الآخرين.

ومع ذلك فإن الواقع العربي المشخص يظهر في أكثر من قطر عربي، ويتجلى في الأقطار العربية أو معظمها، بحيث لا يسمح الكل لنا أن نحول دون تشخيص الرؤية باتجاه كلي عربي شمولي. إذ علينا أن ننظر إلى مشاكل البلدان العربية بوصفها مشاكل تنتمي إلى وطن واحد، دون إغفال رؤية الخصوصيات النسبية لتلك المشاكل في أقطار الوطن العربي، بوصفها أجزاء لكل مترابط المصالح.

وثمة أربع مهمات تاريخية عظمى تقف أمام الوطن العربي، نرى أنها قد تكون الأهم في المهمات ذات الأولوية اليوم، وهي النهوض والتنمية والحداثة والتنوير، لكونها تكوّن هرماً تاريخياً مطلوباً لجميع العرب. وإذا كان الأمر كذلك فإن الفعل التاريخي المشخص لا ينحصر في بعد زمني قائم على التوالي بين هذه الأولويات، بل يفعل فعله كلاً وأجزاءً، وهذا ما يجعل العمل البنائي التاريخي ذا أبعاد وآفاق واحتمالات على الباحث السياسي والآخرين أن يأخذوه بالاعتبار العميق.

لقد جاء اللقاء السعودي المصري في وقته، أي في اللحظات ما قبل الانهيار الكبير، فالطائفية تغلغلت في أعماق الحياة العربية وبصيغ جديدة أكثر فتكاً وإجراماً وظهر هذا خصوصاً بصيغة مفعمة بالبارود. ولوحظ أن ذلك التغلغل الطائفي في العالم العربي لم يبق حالة نظرية بحتة، وإنما تحول -في حالات كثيرة- إلى صراعات سياسية ومسلحة أخذت طابع التغيير الديمغرافي، وفي ذلك كان، وما زال، لإيران، دور مكثف وآخذ في التوسع. أضف إلى ذلك عمليات التدمير في سوريا وفي اليمن والعراق وليبيا، ومحاولات الهيمنة لهذا المذهب الطائفي أو ذاك، إضافة إلى صراعات تتضح، مثلاً، في الزعم الخطير والوقح من قبل إيران بأن لها أربع عواصم عربية، هي دمشق وبيروت وبغداد وصنعاء، وربما كذلك بلدان هذه العواصم نفسها.

إنه وضع مفعم بالعار لا يمكن قبوله بكل الاعتبارات، ومن ثم لم يعد الصمت ممكناً، وها هنا، أخذت طلائع وإرهاصات الموقف الجديد الذي تبلور في الخطوات الأخيرة، التي أخذتها السعودية ومصر، وظهر ذلك بوضوح في الاتفاقيات السبع عشرة، التي عقدت بينهما، هذا أولاً، أما الأمر الآخر فقد تجلى في القمة الإسلامية، في تركيا، التي طرحت فيها مسائل تتصل بصد خطر الظلامية، والتنوير، والإصلاح السياسي، والتنمية الاقتصادية، وغيرها.

لقد اتضح من حوارات وقرارات الأيام الخمسة من زيارة الملك سلمان إلى مصر، ومن القمة الإسلامية في إسطنبول، وما قد يمكن اعتباره «قرار الحسم» باتجاه الفعل التاريخي الجديد المتوجب على البلدان المعنية، أن ذلك هو المطلوب اليوم وليس غداً في إنجاز مشروع الخلاص الاستثنائي بأهدافه الطموحة: الاتجاه المفتوح بين الأطراف المعنية، وذلك عبر إنجاز خطط تتصل بالتنمية الشاملة وبوضع المخططات الخاصة بتحديث هذه البلدان، إضافة إلى فتح أبواب التنوير، والتحديث.

أما الآلية العلمية التي تضبط ذلك الفعل التاريخي المركب فتنطلق من ثلاث خطوات كبرى حاسمة تبدأ بمراكز بحوث وطنية بكوادر علمية عالية الإمكانات، وبالتوجه إلى العلماء والخبراء في العالم العربي للمشاركة في هذه المهمة القومية، وبإعلان خطوات كبرى للتغيير والتطوير الثقافي والسياسي والاقتصادي. ولعل شعار هذه العملية المركبة الكبرى يكون: الآن وليس غداً، لأن الغد يأتي ومعه مشكلاته.

======================

البرهان على تحرير الجولان .. د.محمد الزعبي

كلنا شركاء

الثلاثاء 16/4/2016

هاتفني مساء امس ( ١٧/٤/٢٠١٦) أحد أصدقائي  ، ليسألني ، فيما إذا كنت قد سمعت ماقاله نتنياهو  عن الجولان  ، وأنه قد قال ماقال  خلا ل اجتماع لمجلس وزرائه عقده دون خوف أو حياء  فوق ثرى هضبة الجولان ” المحتل ” ؟  . أجبت صاحبي أن نعم أنني سمعت ماقاله نتنياهو  في ذلك الاجتماع  – المسرحية  حول  الجولان المحتل  ، وأن  مقولته المضحكة المبكية  حول أن الجولان قد بات إسرائيليا  ” إلى الأبد ” !!! ، ذكرتني  بمقولة بشار الأسد التي طالما سمعناها طيلة سنوات الثورة الخمس  ، ألا وهي  ” بشار الأسد إلى الأبد ” !!. لقد صرنا إذن ياصديقي أمام   توأم إسمه  ” إلى الأبد ” أو بتعبير آخر أننا بتنا أمام ” أبدين ” متشابهين شكلا ومضمونا ، أبد بشار الأسد وأبد نتنياهو،وقد بات أمام ثورة شعبنا العربي السوري العظيمة، مهمة الخلاص من هذا التوأم الإمبريالي  – الصهيوني ، مواليد  الخامس من حزبران عام ١٩٦٧ ، دفعة واحدة ، ومرة واحدة   وإلى ” الأبد ” .

قلت لسائلي ، إن مسرحية نتنياهو التي رأيناها يوم أمس ( الأحد ١٧/٤/٢٠١٦ )  ، والتي كتبها وزير خارجية بريطانيا ( بلفور )  قبل مائة عام ( ١٩١٦)  ، وأخرجها حافظ الأسد قبل خمسين عاما ( ١٩٦٧ ) ومثلها نتنياهو يوم أمس  ( ٢٠١٦ ) تشير  بصورة واضحة (وهذا من وجهة نظري الخاصة ) إلى أن  لعبة حافظ الأسد  قد وصلت إلى خواتمها ، وأن أيام  سيادة الوريث  بشار باتت معدودة  ، وهذا هو السبب الحقيقي وراء جنون نتنياهو  وخروجه عن طوره يوم أمس ، وعقده جلسة مجلس وزرائه فوق  ثرى هضبة الجولان العربية السورية ، و على بعد أمتار من قصر توأمه   في ” الآبدية ” بشار ، ا بن حافظ  الأسد ، وخال رامي مخلوف  ، وذيل كلب  بوتين ، ذلك لأنه يرتعد خوفاَ من  ” البديل ” ، والذي هو الشعب السوري الحر، المصمم على تحرير الجولان من قبضة الصهاينة .

كما وذكرتني  مهزلة نتنياهو حول ضم الجولان إلى ” إسرائيل ” ، بمهزلة صهيونية مضحكة أخرى ، أنقلها كما وردت في كتاب يوسف زيدان ” اللاهوت العربي وأصول العنف الديني ” صفحة 55 ، الطبعة العاشرة 2014 : >> ثم تتخذ الذات الإلاهية ( التوراتية ) أقصى صورها الإشكالية ، حين يغدو الله ( سبحانه ) ، مغلوباً مستغيثاً مستسلماً ، وهو ماحكاه سفر التكوين ، حين قصّ الواقعة الشهيرة التي صارع فيها ( الله )النبي يعقوب ، بعد مااتخذ الله في هذا(العراك )صورة رجل أدمي ، وظل الإنسان والله يتقاتلان طيلة الليل ، حتى اقترب الفجر ،واستطاع يعقوب (عليه السلام) أن يجثم فوقه ، وينتزع منه الاعتراف بنبوته ، تقول التوراة  “… وقال أطلقني ، لأنه قد طلع الفجر ، فقال لاأطلقك إن لم تباركني ، فقال له مااسمك ؟ ، فقال يعقوب فقال لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب ، بل أسرائيل … “<<( التلوين والتسويد من الكاتب  ).

فياله من إسرائيل (!!) ، ويالها من دولة هذا الإسرائل (!!) وياله من نتن ياهو رئس وزراء هذه ال ” الدولة “، وياله من  بشار الأسد ، وياله من بوتين ، ويالها من  مسرحيات مضحكة مبكية ومؤلمة ، ولكن وبالتأكيد  ليس إلى الأبد  . إن مارأيناه فوق ثرى الجولان يوم أمس ، هو البرهان الملموس على أن  نظام  عائلة ” الأسد ـ مخلوف ” يلفظ أنفاسه الأخيرة  .

والله أعلم .

======================

هموم السوريين في ذكرى الجلاء .. أكرم البني

الحياة

الاثنين 18/4/2016

يندر بين السوريين من لا يعرف أن السابع عشر من نيسان (ابريل) هو ذكرى جلاء الفرنسيين عن أرضهم، لكن غالبيتهم تبدو اليوم غير مكترثة، كأن الحديث عن الاستقلال ومظالم الاحتلال لم يعد يعنيها، لم لا؟ وهي التي تكابد محنة ومظالم لم يشهد التاريخ الحديث لها مثيلاً.

أين صار الوطن الذي يفترض الاحتفاء باستقلاله؟ تسمع السؤال يتكرر بعفوية ومرارة، أهو في ذاك المشهد الذي لا يصدق من الدمار والضحايا والتشرد؟ أم في لغة العنف والسلاح التي باتت تعصف بكل مفاصل الحياة وتخلف المزيد من الرعب والاضطراب والتشرذم؟ أم في ملايين اللاجئين والمهجرين وهم يتحسرون بألم على حياتهم الضائعة؟ أم في مئات آلاف الأطفال الذين غادروا ديارهم صغاراً ويعانون الأمرّين للحصول على الغذاء والصحة والتعليم، عداك عن تعرضهم لأبشـع ظواهر الاستغلال والقهر والتمييز؟!

عن أي استقلال تتحدثون؟! يعترضك سؤال مختلف، تحدوه الإشارة الى تعدد القوى الخارجية التي استجرتها أطراف الصراع إلى البلاد، إلى وطن بات مستباحاً وأشبه بساحة لتصفية حسابات الهيمنة والنفوذ على المنطقة، إلى مجتمع تمزقه هويات القوى المتحاربة والاستقطابات الثأرية والإقصائية، وما تخلفه من تخندقات حادة وتغذية للعصبيات وأثمان تدفع من حساب تعايش الشعب الواحد ومستقبله ومقومات استمراره؟

ويفاجئك آخر بسؤال يتجاوز المألوف: «ماذا لو استمر الاحتلال الفرنسي، هل كان ليفتك بنا كما نفتك بأنفسنا؟!»، سؤال ما كان ليخطر على بال أحد في الماضي، لكنه يبدو اليوم مقبولاً، كاعتراض على ما حصل ويحصل من عنف وتنكيل، وكرد فعل احتجاجي على ما خلفه الصراع البيني من مآسٍ ودمار وضحايا ومشردين ومن أحقاد وشروخ اجتماعية يصعب أن تزول.

ويستدرك السائل، أليس ما نعيشه اليوم هو حصاد ما زرعته أيادينا؟! متى كان شغلنا الشاغل تنمية الوطن وهويته الجامعة؟ ألم تتحكم بعقولنا ونفوسنا أحلام وأيديولوجيات أكبر من الوطن؟ أولم يكن الوطن عند القوميين من بعثيين وناصريين وغيرهم محطة طارئة نحو الأمة العربية الواحدة؟! ولمْ ننس مفاخرة الشيوعيين بانتمائهم الأممي على حساب هويتهم الوطنية، أو كيف يقدس الإسلام السياسي الرابطة الدينية ويعتبر ما دونها مجرد نقاط عبور صوب مشروع الخلافة؟ والأهم، لمْ ننس أثر تحويل الدولة كسلطة عمومية إلى أداة لحماية فئة حاكمة وتمكينها، ودور القمع والتمييز والإقصاء في تفشي الفساد وتخريب البنية الوطنية وتدمير خلايا التجدد والتشارك في المجتمع؟! وهل يمكن من غير ضمان المساواة بين الناس وحقوقهم وكراماتهم تحصين الاستقلال وردع أي طامع؟! حزن السوريين في ذكرى الجلاء على ما حل بوطنهم عميق، وقلقهم من احتمال تطور الصراع نحو الإيغال في العنف أو التقسيم أو المحاصصة العرقية والطائفية عميق أيضاً، ليس فقط لأنه يتعارض مع ما طمح إليه رواد الاستقلال، أو مع شعاري الحرية والكرامة اللذين رفعتهما ثورتهم، بل أساساً بدافع من رغبة صادقة بوقف دوامة الأحقاد وحمامات الدم، ولأنهم يعرفون جيداً المصير البائس الذي ينتظرهم إذا ما فشلوا في وقف العنف وبناء اجتماع ديموقراطي ووحدة وطنية يحتضنان تنوعهم وتعدديتهم.

«لا تزال أيادينا على قلوبنا ونأمل بأن لا نشهد اندفاعات للعنف تمعن في هتك مقومات السيادة والهوية الوطنية»، يستهل أحدهم حديثه ويستدرك متمنياً استمرار الهدنة على هشاشتها ونجاح مفاوضات جنيف في رسم مسار الانتقال السياسي، غامزاً من هذه القناة الى ضرورة التوفيق بين المصالح والمواقف المتباينة، وإلى خطورة تغييب العقل والاستمرار في شحن الأجواء بنوازع التطــرف والمـــغالاة، بينما يرشــح التشاؤم في تساؤل أحدهم، عن الجدوى من الرهان على وطن لا يثق أبناؤه به أو ببعضهم، ولا يعترفون بعد سنوات من العنف الأعمى بأن الخلاص بات جمعياً، وبأن ثمة ضرورة وجودية اليوم لتقديم التنازلات لإنقاذ الحضور الوطني، وإحياء روح التعايش، والتأسيس لعقد اجتماعي يمنح دولة المواطنة دورها العمومي في إدارة البلاد وضمان أمنها وإعادة إعمارها.

الدرس واضح، يعلن أحدهم بحزم، جلاء المستعمر ليس سوى عتبة الإقلاع نحو الاستقلال الناجز، والقــــصد أن المعنى الحقيقي للاستقلال يتأتى مما درجت تسميته بالاستقلال الثاني الذي يكرس قيم الحرية وبناء دولة المواطنة الديموقراطية، كطريق مجربة للنهوض بمجتمعنا المأزوم، ولحضّ الجميع على تجاوز حساباتهم الضيقة وجعل الانتماءات الطائفية والإثنية هي الأضعف أمام انتماء أقوى وأرقى هو الانتماء إلى الوطن، بخاصة أن الدولة السورية لا تزال حديثة العهد، ولم تتبلور في المجتمع منذ استقلاله، هوية قوية جامعة تستند إلى عقد ديموقراطي يعترف بخصوصية مختلف المكونات وحقوقها، فكيف الحال مع تعاقب سلطات استبدادية ساهمت في تشويه الهوية الوطنية والانتكاس بالمجتمع إلى روابط ما قبل مدنية، متوسلة لضمان سطوتها وامتيازاتها أساليب التمييز والولاءات المتخلفة.

الدرس واضح، يضيف آخر محذراً من التغني بسيادة ومناعة وطنيّتين ضد التدخلات الخارجية عبر الشعارات التعبوية وتوسل استقرار وأمن شكليين تكرسهما قوى القهر والاستبداد، فما تفرضه سلطة تقمع مكونات المجتمع وتئد حقوق أبنائه ومشاركتهم لن يمنع الانفجار والتلاعب بالبلاد عند أول امتحان، بدليل ما ذهبت إليه أوضاعنا الراهنة.

والحال، لا يمكن دون الحرية والكرامة حماية الاستقلال وخلق إنسان ووعي جديدين تتألق بهما الوطنية السورية بعمقيها الإنساني والحضاري، درس يستـــقي معنى الكـــرامة من إصــرار يوسف العظمة على مواجهة الجيش الفرنسي في معركة يدرك مـــسبقاً أنها خاسرة، كي لا يكتب التاريخ يوماً، أن محتلاً دخل دمشق ولم يقاومه أهلها! درس يستمد قيمة الحرية مما قاله شكري القوتلي في يوم الجلاء، عام 1946 «إن الحرية والاستقلال صنوان، صيانتهما أشق من الظفر بهما، هما أمانة الشهداء في أعناقنا، كي نورث أبناءنا وطناً سليماً قوياً محترماً».

======================

أميركا واستراتيجية استنزاف روسيا .. غازي دحمان

العربي الجديد

الاثنين 18/4/2016

تنظر واشنطن لروسيا تحت قيادة فلاديمير بوتين، بوصفها قوة إقليمية غير عقلانية تظهر على مسرح الحدث الدولي، في وقت تنشغل أميركا فيه بإجراء ترتيباتٍ كبرى على صعيد العالم، لمواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين، بمصادر تهديداته المتعدّدة. وبالتالي، هي لا ترغب في رصد موارد وطاقات كبيرة، لمواجهة هذه القوة الطالعة، وترغب في العمل على استهلاك طاقتها بوسائل وطرق غير مكلفة، لا على الخزينة الأميركية، ولا على هيبة واشنطن وسمعتها الدوليتين.

يعكس تصريح الرئيس الأميركي، باراك أوباما، أن روسيا دولة إقليمية، طبيعة التقدير الأميركي لقوة روسيا وحدود هذه القوة، وطبيعة الاستجابة الأميركية للتحدي الذي تظهره روسيا، ولا تحتاج واشنطن عناءَ كبيراً للبحث عن نقاط ضعف روسيا وتحليلها ومعالجتها، ومن ثم بناء تقديرات حولها، ففي عصر الإعلام المفتوح والعولمة، تتوفر المعطيات بسهولة، ولم يعد بمقدور أجهزة الدول إخفاء عناصر ضعفها بالتحديد وأساليب وطرق إداراتها.

روسيا، بمنطوق المعطيات، بلد ينطوي على أعطابٍ بنيويةٍ على كل المستويات، الديمغرافية والعسكرية والاقتصادية، ويحتاج كل مستوى إلى معجزة، حتى يخرج من أزمته، ويصعب تطويره وضخ الحياة في عروقه بدون إجراءاتٍ عميقةٍ واستثمارات عقلانية وطويلة الأمد، وهو ما لم يتوفر، في ظل قيادة متوترة ومشتتة الأهداف غير العقلانية بطبيعة الحال، مثل إعادة إحياء القومية السلافية والدفاع عن الأرثوذوكسية في وجه الثقافة الأوروبية الزاحفة عبر خواصر روسيا الرخوة، من أوكرانيا ولاتفيا، إلى مواجهة تمدّد حلف الناتو الذي يطبق الخناق على روسيا.

لا شك في أن الغرب لم يكن بريئاً في تعامله مع روسيا، وقد دفع موسكو إلى اتخاذ هذه السياسات، استجابة للتحديات التي فرضها عليها، منذ لحظة سقوط الاتحاد السوفييتي، وكان المقصود من ذلك كله جعل روسيا تغرق في تفاصيل هذه السياسات، بما يضمن تشتت مواردها، وعدم القدرة على تركيز قوتها، حتى لا تتحول إلى قوة وازنة في الفضاء الأوروبي وفي المجال الدولي عموماً، وكانت روسيا تحتاج إلى فترة راحة، تستطيع من خلالها إعادة بناء قوتها، بعيداً عن الانخراط في أزمات جديدة، تماماً كما فعلت الصين التي خضعت لعملية تحول عميقة، أخذت مداها الزمني، وقامت على أساس تكييفات عديدة، أجرتها في بناها ومفاصلها كافة، وجرى ذلك كله في بيئة دولية مناسبة.

"في مقابل صعود نجم بوتين، كل شيء في روسيا يتراجع من الاقتصاد إلى الرياضة والإنتاج العلمي والثقافي"

 

حاولت روسيا توفير بعض الشروط، لتحقيق انطلاقتها، لكن استثماراتها لم تنجح في هذا المجال، حيث سعت إلى جعل مجموعة "بريكس" شبكة أمانٍ لها. لكن، مع الزمن، تراجعت التوقعات بأن تشكل هذه الدول منافساً أو بديلاً للاقتصاديات الغربية، كما حاولت روسيا إدماج نفسها بآسيا، لكنها وجدت أن آسيا مكتفية بذاتها. ومن الصعب أن تحقق روسيا نجاحاتٍ مهمةً في المقلب الآسيوي، حتى المشروع الأوراسي الذي تتبناه روسيا، لم تجد، حتى اللحظة، المجال الجغرافي القابل لاستيعابه وتطبيق الحلم الروسي فيه.

أمام هذه المعوقات، لم تجد روسيا سوى اللجوء إلى السياسات الصلبة لمواجهة التحديات التي تواجهها، ولا شك في أن هذا النمط من التعاطي يحتاج إلى تظهير نمطٍ من القيادات الكاريزمية، والمتسلّطة في الوقت نفسه. وبالفعل، أنتجت هذه المناخات فلاديمير بوتين الذي يصعد نجمه في سماء العالم، إلى درجة ان الإعلام الأميركي صنّفه أكثر الشخصيات تأثيراً في العالم، لكن المفارقة أنه في مقابل صعود نجم بوتين، كان كل شيء في روسيا يتراجع من الاقتصاد إلى الرياضة والإنتاج العلمي والثقافي، وكأن الخبرة الغربية في التعامل مع مجتمعات العالم الأقل تطوراً تقوم على قاعدة إذا أردت لبلد التراجع والهبوط، عليك بإيصال زعيمه إلى السماء، دع الإعلام يتولى هذه المهمة.

أمام اندفاع بوتين، اتبعت واشنطن سياساتٍ بدت، في مظهرها، تراجعية، وانطوت على إغراءاتٍ لمزيد من الاندفاع والتورط. وعلى عكس ما حاولت واشنطن إشاعته عن تصدّيها للإجراءات العدائية الروسية، عملت بشكلٍ حثيثٍ على فتح نوافذ جديدة لتوسيع رقعة التورط الروسي، لم تصطدم، حتى اللحظة، مع موسكو، بل كانت تشجعها تارةً بالصمت، وتارة بالتوافق، وتارة أخرى بالتغابي السياسي، بمعنى أنها تظهر التباساً في فهم مواقف موسكو، عندما يتحول الأمر إلى إشكالية في تسويق مواقفها لدى الحلفاء.

بالحسابات الأميركية، ليست طاقة روسيا بالحجم الذي تعجز واشنطن عن تصريفه، وهي مرشحة للاستنفاد، عبر بؤرة صراع أو اثنتين في أقصى حد، من منطلق أن هذه الطاقة لا تملك قاعدة متينة، تضخ فيها شحناتٍ إضافية، ولا إمكانات حقيقية، تسمح لها بالاستمرار، وتقوم مكونات هذه الطاقة على بعضٍ من مدخرات أرصدة وأسلحةٍ، لم تكتمل بعد عملية تطويرها.

ماذا يعني ذلك بالنسبة للأزمة السورية؟ يعني أن أميركا لن تدخل لا في مواجهة حاسمة مع روسيا، ولن تتخذ إجراءاتٍ من شأنها تغيير المعادلة، ودفع روسيا إلى التراجع، ما دامت واشنطن تنظر إلى الأزمة السورية بوصفها واحدةً من الأدوات التشغيلية للاستنزاف الروسي، وأن تصريحات مسؤوليها، أخيراً، عن وجود خطة بديلة في سورية ما هي الا محاولة لإسكات حلفائها، ومنع تدحرج حرب إقليمية، بما يحرج أميركا باتخاذ موقف صارم من روسيا لا تريده الآن.

======================

الفدرالية السورية… تقسيم مقنع .. ميسرة بكور

القدس العربي

الاثنين 18/4/2016

هل الفدرالية التي أعلنتها مجموعات كردية انفصالية ضيقة في مدينة الرميلان في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا، ترسيخاً لمقولة الأسد «سوريا المفيدة» ويصبان في نفس الكأس المر، تفتيت سوريا من أجل المصلحة الفئوية الضيقة.

سبق وأن طرحت روسيا مقترحاً يتم بموجبة تحول سوريا إلى دولة «فدرالية « كبديل للدولة المركزية الحالية، ومدخل لحل سياسي وسط بين فرقاء الصراع السوري. ربما لقناعة باتت تترسخ لدى الروس مفادها عدم تمكن حليفهم الأسد من استعادة حكم سوريا مركزية كما كانت وعدم قدرته استعادة السيطرة على المناطق التي خرجت من قبضته.

المقترح الروسي لم يأت من فراغ، حتى وزير الخارجية الأمريكي قد لوح بسيناريو أشد خطورة من الفيدرالية، حينما قال أمام الكونغرس «ربما فات الأوان لإبقاء سوريا موحدة» في حال فشل العملية السياسية.

الفدرالية بالمفهوم السياسي ليست شيئا سيئا، بل هي نظام حكم منتشر في العالم أجمع؛ والكثير من دول العالم تتّبع هذا النوع من أنواع الحكم. لكن السؤال المطروح اليوم هل يصلح هذا المفهوم في سوريا وهل هو قابل للتطبيق خاصة في ظل هذا التفتت والتشرذم على الساحة السورية وفي ظل تنامي المشاعر القومية عند بعض الأكراد السوريين، وطوائف أخرى كانت شريكة لنظام الأسد في ذبح بقية المكونات السورية الرافضة لحكم عائلة الأسد، وعدم توافق لشعب السوري على هذا المبدأ «الفدرالية»؟

بالنظر إلى واقعنا على الأرض السورية، لا نجد أن الهدف من الفدرالية هو ذلك المعنى السياسي الذي تعرف به الفدرالية، وطرحها في سوريا لن يشكل حلا أو مدخلا لحل مستدام في سوريا.

الفدرالية المطروحة في سوريا، هي شكل من أشكال التقسيم، بعبارة أخرى «التقسيم المقنع» فالفدرالية التي تطرح على أساس تقسيم الجغرافيا السورية على أساس عرقي وطائفي وليس سياسيا وطنيا، هو عنوان واضح للتقسيم.

بالنظر للجهات التي تطرح فكرة التقسيم المقنع «الفدرالية « نجد أن أكثر المتحمسين لها هم فئات عنصرية تابعة لحزب العمال الكردستاني، الذي يدعو بوضوح لتشكيل دولة يطلق عليها أسم «كردستان « ويعمل على ذلك منذ عقود طويلة، فهدفه الرئيسي هو «كردستان» مستقلة.

مستغلةً الثورة السورية، مجموعات ما يسمونها وحدات حماية الشعب الكردستاني، قامت بتوفير كل أسباب ومقومات الانفصال عن سوريا، من خلال تشكيل ميليشيات عنصرية وإعلان حكم ذاتي وارتكاب عمليات تطهير عرقي بحق المكونات الأخرى من عرب وتركمان وحرقت قراهم وأجبرتهم على ترك مواطنهم الأصلية والتشرد في البراري والقفار نتيجة تصرفات هذه الفئة الباغية الحالمة بدولة كردية لا تعيش إلا في مخيلاتهم العنصرية.مدفوعين بالسلاح الأمريكي وتحالفهم مع روسيا التي تبنت طرح (الفدرالية) وروجت له، وافتتحت في موسكو 10 فبراير /شباط ممثلية أكراد سوريا.

وتبني ممثل الأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا السيد ستيفان دي مستورا، الذي صرح أنه من الممكن طرح هذه الفكرة على طاولة المفاوضات في جنيف.

تندفع هذه الميليشيا العنصرية المارقة الخارجة عن مطالب الثورة السورية مُجِيره مأساة السوريين لخدمة مأربها الانفصالية.

لكن وفد الهيئة العليا للتفاوض الممثلة لمطالب الثوار رفضت هذا الطرح جملةً وتفصيلاً، كذلك خرجت مظاهرات في عديد من المناطق السورية بما فيها تلك المناطق التي يدعون تمثيلها بفدراليتهم المزعومة.ترفض فكرة الفدرالية وأي شكل من أشكال التقسيم المقنع.

وحدها منظمة حماية الشعب الكردي التابعة لحزب العمال الكردستاني الإرهابي هي من تبنت الفكرة بل أعلنت فدراليتها من طرف واحد وفرضته على الواقع بقوة سلاح ميليشياتها.

هل من الممكن أن يستمر هذا الانفصال «الفدرالية»؟

لن يكون لمثل هذا الطرح أي مستقبل في سوريا لأنه مبني على أساس عنصري عرقي لا يهدف إلى وحدة سوريا الوطن والإنسان، بل هو مشروع ملوك الطوائف والعرقيات،التي ستكون متناحرة متقاتلة في ما بينها بحثاً عن النفوذ ومقومات الصمود حيث أن الأقاليم الطائفية المقترحة ليست كلها على سوية واحدة من حيث توزع الثروات النفطية أو الزراعية وكذلك السياحية، ولا يمكنها أن تصمد بمفردها وتستطيع تلبية متطلبات مواطنيها بسبب شح الموارد وضعفها ولا تتمتع بأغلبية ساحقة من العناصر الانفصالية المؤيدة للفدرالية. وأراضيها غير متواصلة أو مترابطة، بل الأغلبية الكاسحة في عموم أرض سوريا، من الرافضين لفكرة تقسيم سوريا تحت عناوين مزخرفة «فدرالية» لجعل سوريا مجموعة من الدول الطائفية، تتقاتل في ما بينها ولا تلتفت لبناء الوطن والإنسان.

ولا أعتقد أن المجتمع الدولي يرحب بمزيد من القلق والتطرف في منطقتنا، رغم رغبتهم بوجود دويلات ضعيفة لكن مشاكل الأمن والهجرة والتطرف،ستجعلهم يعيدون النظر في دعم التقسيم المقنع في سوريا «الفدرالية».

ثم أن الفدرالية بهذا المعنى ليست حلاً وهي غير مقبولة من عموم السوريين المخلصين لوطنهم، فالفدرالية لا تعني قيام مجموعة إرهابية عنصرية بتهجير السكان الأصليين وضم مناطقهم إلى إقليمها العرقي المزعوم.

وكيف لنا ان نصدق أن من يقوم بتهجير المواطنين من قراهم ومناطقهم بهدف ربط تجمعات سكانية لا تمت لهم بصلة بقوة السلاح إلى ارض الميعاد الكردية.

ثم من قال أن الفدرالية، تعني أن تقوم حكومة الإقليم بالسيطرة على الحدود والثروات الباطنية وتغيير أسماء المناطق وأسماء المحافظات إلى أسماء غريبة عن الواقع وليس لها أي صلة بتاريخ المنطقة. وأي فدرالية تلك التي تسمح بتشكيل جيش «البيشمركه» داخل الدولة ولا يتبع لوزارة الدفاع وكذلك قوات الأمن الداخلي التي لا تتبع للحكومة المركزية، بل مجموعة من عناصر انفصالية متطرفة ومن عرقية معينة.

لا يمكن لمثل هذا المشروع «التقسيم» المقنع تحت عنوان الفدرالية، أن يستمر لأن مكونات تلك الأقاليم الطائفية لن تنسجم في ما بينها لأسباب طائفية وعرقية، ومن ثم ضعف موارد معظم تلك الأقاليم، كون الثروة النفطية تتركز في مناطق شرق وشمال سوريا.

كيف نتوقع من هذه الفئة أن لا تعلن انفصالها عن سوريا في المستقبل، ألم نتعلم من الدرس العراقي.؟

وكيف لنا أن نثق بهم وهم يتعاملون بشكل كامل مع الاحتلال الروسي، كما أن العديد من عناصرهم تدربوا في معسكرات نظام الأسد، ومعظمهم يتلقى تعليماته من حزب العمال الكردستاني الإرهابي الانفصالي.

كاتب وباحث سوري

======================

ترتيب البيت الإسلامي: السعودية وتركيا بين الدور والمسؤولية .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 17-4-2016

ترتيب البيت الإسلامي: السعودية وتركيا بين الدور والمسؤولية كنا نعرف، ومعنا العالم بأسره، أن منظمة التعاون الإسلامي هي ثاني أكبر منظمة دولية في العالم، وأنها تمثل 57 دولة يبلغ عدد سكانها 1.5 مليار إنسان يمثلون أكثر من 20% من تعداد البشرية، وأن مساحتها مجتمعةً أقلُ بقليل من مساحة روسيا وأوروبا والولايات المتحدة سوياً، فيما يقترب معدل ناتجها القومي من معدل الناتج القومي للاتحاد الأوروبي.

لكن ما كنا نعرفه، ويعرفه العالم أيضاً، يتمثل في حقيقة العجز المحزن لتلك المنظمة، بكل تلك الأرقام، على إيجاد مكانٍ لها في هذا العالم يليق بحجمها ووزنها السكاني والجغرافي والاقتصادي، وموقعها الجيوسياسي.

«أن تصل متأخراً خيرٌ من ألا تصل أبداً». ثمة أملٌ بأن تنطبق هذه المقولة على حاضر المنظمة ومستقبلها بعد انعقاد القمة الثالثة عشر في اسطنبول منذ يومين. ورغم كثرة التحديات وصعوبة الواقع، داخل دول المنظمة وخارجها، إلا أن عنصراً وحيداً، دون اختزال، سيساعد في حصول النقلة المطلوبة: الإرادة السياسية.

واليوم، تظهر تلك الإرادة بشكلٍ واضح لدى أكبر قوّتين مؤهّلتين، سوياً، لتُصبحا رافعة العمل في المنظمة بحيث تبلغ موقعها المطلوب، والممكن يقيناً: السعودية وتركيا. فمع التغيُّرات العاصفة التي أصابت المنطقة العربية، ولاتزال تحيط بها. ومع ارتداداتها الإقليمية والعالمية التي تأثَّرت بها دول المنظمة بأشكالٍ متفاوتة، تَشَكَّل واقعٌ جديد، سياسي وأمني وثقافي واقتصادي، يفرض على البلدين التعاون والتنسيق في أعلى أشكاله تنظيماً وفعالية، ليس فقط لتطوير واقع دول المنظمة، وواقعهما عطفاً على ذلك. وإنما، الأهم من هذا، لمواجهة التحدي الوجودي الذي يكاد يعصف بالجميع، في حال الاستسلام لتوجُّهات النظام العالمي الجديد الذي يتشكَّل في السنوات الأخيرة.

لا يمكن أن تكون القضية حصراً في البلدين على وجه التأكيد، لأن هذا التفكير يُناقض بذاته معنى وجود المنظمة وحتمية صعودها في العالم بجهود أعضائها دون استثناء. لكن ثمة عاملين يجب أخذهما بعين الاعتبار. أولاً، أهلية القيادة، بكل ما تتطلبه من قدرات وإمكانات بمقاييس العصر المعروفة، وثانياً، الخيار الذاتي، ويمكن هنا أيضاً استعارة مفهوم الإرادة السياسية.

فواقعنا المعاصر يُظهر بوضوح أن حجم الدولة وتاريخها لم يعودا حاسمين، وحدهما، لاحتلال دورٍ متقدِّم يُعطي زخماً إضافياً لموقعها ودورها في هذا العالم بشكلٍ عام، وفي ترتيب البيت الإسلامي الذي نتحدَّث عنه تحديداً. فكم من دولةٍ تُصرُ، وأحياناً بعنادٍ غير مفهوم، على الاستقالة من دورها وتقزيم موقعها، مهما تناقضَ ذلك مع حجمها وتاريخها. وكم من دولةٍ تصعد كالصاروخ في تأكيد دورها وموقعها، مهما تناقض ذلك، أيضاً، مع حجمها وتاريخها.

ثمة حقيقةٌ أخرى يجدر الحديث عنها بصراحةٍ ووضوح. فالحديث عن تطوير منظمة المؤتمر الإسلامي، وكل ما له علاقة بذلك من صفةٍ (إسلامية)، لا يتضارب بالضرورة مع (عربية) الدول العربية وثقافتها، تماماً كما لا يتضارب مع (إفريقيَّة) أعضاء المنظمة من القارة السمراء، ولا مع (آسيوية) أعضائها من آسيا، بكل تنوّعها الكبير إثنياً ولغوياً وثقافياً.

هذه (تناقضاتٌ) موهومةٌ ومُفتعلة، يمكن أن تُصبح مجال تضارب وُفق فكرٍ تقليديٍ لم يعد صالحاً للعصر، لكنها في حقيقتها مصدرُ تنوعٍ ثريٍ وهائل. وبشيءٍ من التفكير المعاصر، سياسياً واجتماعياً وثقافياً، تبني الخلفية السابقة أطرا حديثة ومعاصرة من التداخل والتكامل الإيجابي لدوائر الهوية والانتماء، بعيداً عن الشعور بأنها مداخل تنافرٍ وتنافسٍ وعداء.

أكثرُ من ذلك. يمكن أن تُصبح هذه الطريقة في التفكير، نهايةَ المطاف، مدخل حلٍ أكثر فعاليةً لمشكلة الطائفية، بكل ما ينتج عنها في واقعنا المعاصر، من ارتكاسٍ إلى هوياتٍ ضيقةٍ بدائيةٍ غرائزية أحادية البُعد. وهذه مُقاربةٌ لمحاربة الطائفية وعنفها القاسي المعاصر يجدر أن تكون مجال دراسةٍ وتفكير، إن كنا نبحث حقاً عن حلول شاملة وغير تقليدية للظاهرة.

بالمقابل، تُقدِّم منظمة التعاون الإسلامي تحت شعارها الراهن (الوحدة والتضامن من أجل العدل والسلام) حلولاً لمشكلات يعتبرها النظام الدولي أساسية وخطيرة، وهي كذلك فعلاً، لكن حلوله المشوّهة لها تزيدها اشتعالاً. مَن هو، مثلاً، المتضرر الأكبر من ظاهرة الإرهاب؟ ومَن هو بالتالي الأقدر على التعامل معها بشكلٍ جذريٍ حاسم؟ تَعرضُ المنظمة ترياقها الخاص لهذا المرض. وإذا نجح في شفاء البشرية منه، كاحتمالٍ غير مستبعد، سيكون معيباً، مع هذا المثال، ومع حديثنا السابق عن عجز النظام الدولي، عدم الاستجابة لأردوغان في دعوته لإعادة هيكلة مجلس الأمن، وصولاً لنظامٍ دولي أكثر تنوّعاً وتمثيلاً وقدرة حقيقيةً على حل مشكلات هذا العالم.

يعيد هذا التحليل التذكير بالمسؤولية الكبرى المُلقاة على السعودية وتركيا ليكون العمل الفعلي بعد القمة الأخيرة خطوة انطلاق حقيقية، ليس فقط لإعادة ترتيب البيت الإسلامي، وإنما البيت العالمي الذي ملأته الفوضى، ولم يعد بعض ساكني غرفه الراقية قادرين على وقف اهتراء أساساته.

======================

نيران الشرق الأوسط .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 17-4-2016

عندما كان الرئيس أوباما يقدم كشف حساب عمّا تحقّق من انتصارات على «داعش» و«القاعدة»، كان باحثون استراتيجيون آخرون يقولون: لكنّ ضرب «داعش» وتحجيمه بالعراق وسوريا لا يجعل أوروبا في مأمن. فالداعشيون تستطيعُ شبكاتُهم الضربَ في أوروبا من خلال الأنصار مهما بلغت قِلّتُهُم. لذلك فالمشكلة هي مشكلةٌ مع شبان المسلمين في كل مكان، والذين يستطيع أحدهم أن يقرر فجأةً تفجير نفسه في الحضارة الغربية!

أوباما يرى تقدماً محسوساً في مكافحة «داعش» وبخاصة في العراق. لكن الوضع السياسي في العراق انهار عندما فقد معظم النواب ثقتهم بمحاولات العبادي الإصلاحية. هناك 170 نائباً (من 328) يريدون الخلاص من الرئاسات الثلاث، وقد بدؤوا بمن يمونون عليه في نظرهم وهو رئيس مجلس النواب، فقد تسربت تشكيلة أُولى لحكومة التكنوقراط، حظيت ببعض الرضا وبخاصة من جماعة الصدر. إنما بعد اجتماع العبادي برؤساء الكُتَل، وبأقطاب «حزب الدعوة»، قدّم تشكيلة أُخرى وقّع عليها رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب، وتيار عمار الحكيم؛ فأثار ذلك حفيظة النواب (ومنهم إياد علاوي)، والذين ذهبوا إلى أن المحاصصة عادت تحت ستار التكنوقراط! وبحسب الدستور فإن الكتل السياسية هي التي تشكل الحكومة، وهذه الكتل تأبى أن يتولى الوزارات أُناس لا تعرفهم أو ليسوا منها، وهذه محنة لرئيس الحكومة، لأنه إنْ حظي باستحسان الصدر والنواب، غضبت عليه الكتل السياسية في حزبه وخارجه، وغضب عليه الأكراد، وإن أرضى الكتل السياسية غضب عليه النواب أو معظمهم. إن الذين اعتصموا بمجلس النواب (=171) ليسوا جميعاً من المستقلين أو المتنزهين؛ بل منهم أعضاء في «حزب الدعوة» يريدون إحراج العبادي لإخراجه، والأكراد لا يريدون استبدال ممثليهم في الحكومة؛ بينما الكتل السياسية الأخرى ترغم العبادي على مُراعاة مصالحها! أما النواب السنة، وبين المعتصمين مجموعات وازنة منهم؛ فهم ساخطون، لأنهم يأتون من محافظات مهجَّرة أو تحكمها «داعش»، ويراد منهم القبول بتسوية لا تصحح شيئاً، ولا تشي بأي أمل في الخلاص من التركيبة التي أنشاها الاحتلال عام 2003.

إن هذا الوضع بالعراق لا يَسُرّ الأميركيين، الذين يريدون من العراقيين التركيز على «داعش»، وبعدها لكل حادث حديث، ولا يَسُرُّ الإيرانيين لأنّ المجموعات التي صنعوها هي التي ثار السخط عليها من جانب مرجعية السيستاني، ومن جانب جمهور عريض، فبمن تسيطر في العراق إذا زال هؤلاء؟! لذلك فالمأزق السياسي والأمني مستحكم، ولا حلَّ له في الأُفق، وبخاصة أن حلَّ مجلس النواب لإجراء انتخابات جديدةٍ دونه خرط القتاد!

ولنمضِ إلى سوريا، فـ«داعش» يتراجع، لكن «النصرة» تتقدم. المعارضة استعادت بعض ما فقدته بالطيران الروسي. إنما وسط التوازُنات التي صنعها التدخل الروسي، تزداد آمال النظام بالبقاء، وهو يستورد مقاتلين من العراق وأفغانستان وباكستان وإيران. ووسط هذه الحشود، لماذا يدخل النظام في مفاوضات من أجل الانتقال السياسي، وقد أجرى اليوم انتخابات، ويستطيع إجراء مثائل لها غداً!

أما حكومة السراج في ليبيا ومجلسها الرئاسي، فقد دخلت طرابلس، وقد تذهب إلى طبرق، لكنْ وقبل الحديث عن مصارعة «داعش» وسط تحيات وزراء الخارجية الأوروبيين: ماذا عن ميليشيات «فجر ليبيا» المسيطرة في طرابلس ومصراتة؟ وماذا عن الجيش الوطني الليبي بقيادة الجنرال حفتر، والذي لم يقل شيئاً بعد عن الوضع الجديد؟!

إن المشكلات لا تنحصر في انتشار الدواعش وأشباههم أو في الميليشيات المسلَّحة من كل لون؛ بل هناك الهشاشةُ السياسيةُ الهائلة في البرلمانات والحكومات، والتي يتشاجر أعضاؤها على كل شيء بما في ذلك القاعات التي ينبغي أن يجتمعوا فيها! وهذا الوضع سائد في لبنان والعراق وليبيا، أمّا في سوريا فالرئيس الأسد يستطيع إجراء انتخابات كل يوم، وتشكيل الحكومات كما يشاء في دمشق، إنما ليس في جوارها!

الخبراء الاستراتيجيون يزعمون أن ضرب الدواعش بالعراق وسوريا، لا يحمي أوروبا من الانتحاريين، ولا من المهاجرين. وإذا كان هذا صحيحاً، فالصحيح أيضاً أنه ليس هناك من يعتبر نفسَه مسؤولاً من السياسيين المتبقّين بعد كل تفجير، عن مصائر البلدان والأوطان. يقول المثل: النار لا تحرق إلاّ في موضعها، لكنّ الشاعر يقول أيضاً:

والنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله!

======================

حرب أم ثورة؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 17-4-2016

يؤمن بعض العرب أن ما تعيشه سورية حرب وليس ثورة. وقد انضم الرئيس الأميركي، باراك أفندي أوباما، يوم 14 إبريل/ نيسان الجاري، إلى هذا الرأي، بكلامه عن ضرورة وقف "الحرب الأهلية" في سورية شرطاً للانتصار على الإرهاب. وقد شاركت، أخيراً، في برنامج إذاعي، وما أن ذكرت كلمة الثورة، حتى قال المذيع: هذه ليست ثورة، إنها حرب.

يعبر هذا الرأي، في أحد جوانبه، عن انزعاج أصحابه من الثورة التي تتواصل منذ نيف وخمسة أعوام، من دون أن يتمكن أعداؤها من القضاء عليها، على الرغم مما شهدته سنوات الصراع من قتل وتدمير وعنف أعمى، طاولت جميع قطاعات الشعب الثوري، ومن تدخلاتٍ قام بها المرتزقة والمأجورون، ومشاركات حربية مباشرة لجيوش دول إقليمية وعظمى، استخدمت كل ما تملكه من أسلحة متطورة. ويعبر هذا الرأي، من جهة أخرى، عن الرعب من ثورةٍ يبعث صمودها اليأس في قلوب أصحابه، وتخيفهم أمثولتها، وما سيترتب عليها من نتائج، لا سابقة لها في تاريخ المنطقة القديم والحديث، ولا سيما أنها تنتصر ضد حربٍ كونيةٍ، فشلت، إلى اليوم، في كبحها أو حرفها عن هدفها المعلن: إسقاط النظام، وتأسيس وطنٍ للعدالة والمساواة والكرامة الإنسانية والحرية، يحمل قيامه مخاطر قاتلة بالنسبة للفاسدين والمفسدين في الشرق الأوسط والإقليم، وللدجّالين والمستبدين من طهران إلى لبنان، ولأولئك الحكام الذين يتعيشون على أمل إبليسي، يوهمهم أن شعوبهم ستبقى، بعد ثورة سورية التي كسرت العين فيها المخرز، بعيداً عن السياسة والثورة، وأن أجهزتهم ستبقي العرب والعجم على ما هم عليه من إذلال، بينما تميد الأرض تحت أقدام نظامٍ كان أنصاره، وحتى خصومه، يعتقدون أنه ثابتٌ كالجبال الرواسي، لا يمكن أن يتزحزح أو يهتز، وها هو مواطنهم العادي يرى كيف عجز عن كسر شوكة شعبٍ أعزل مسلح بروح الحرية، ثم كيف شرع يتهاوى، على الرغم مما وصل إليه من دعم، ونشره في الأجواء من إرهاب وتخويف، واستماتته لتحويل ثورة الحرية إلى اقتتال طائفي.

تعرّضت الثورة السورية لحملات تشويهٍ شنيعة، فهي أولاً "إرهابية"، على الرغم من مظاهرات الشهر الأخير السلمية التي لم تظهر فيها قطعة سلاح واحدة، ولم ير مخلوق فيها شعاراً للإرهاب، أو علماً من أعلام تنظيماته. وهي ثانية محكومة بالفشل، على الرغم من إنجازاتها التي لم يتوقع أحد حدوثها، وأهمها استمرارها نيفاً وخمسة أعوام، هشم النظام في أثنائها المجتمع. ومع ذلك، خرج السوريون، داخل الوطن وخارجه، يؤكدون تصميمهم على إسقاطه، على الرغم من أن الهدنة التي طبقتها الأمم المتحدة كانت شديدة الهشاشة، وأن طائرات روسيا لم تفارق أجواءهم. لا يعيب الثورة أنها تخوض حرب دفاع عن الشعب، لصد عدوانٍ شاملٍ، يشنه عليه نظام إجرامي، وحلفاؤه في تنظيمات المرتزقة وجيوش الغزو الأجنبية. تُرى، هل سبق لأية ثورة كبرى، كالسورية، أن نجت على مر التاريخ من حربٍ شنها أعداؤها عليها؟ ألم تحارب الثورة الصينية سبعة وعشرين عاماً للخلاص من نظام تشان كاي شيك، والثورة الفيتنامية، عقوداً ضد الحكام المحليين وجيوش الغزاة الأميركيين؟ وهل حالت الحرب دون أن تكون ثورتا الصين وفيتنام ثورتين بكل معنى الكلمة، حاربتا لأنهما اضطرتا لخوض الحرب، شأن الثورة السورية، مع فارق جوهري لصالح الأخيرة، أنها حافظت على طابعها السلمي، وأعلنته باعتزاز وتصميم، بعد أن اعتقدنا جميعاً أنها انطبعت بطابع الحرب، فإذا بها تباغتنا من جديد باستعادة شعاريْها الأولين "الحرية للشعب السوري الواحد والسلمية"، وتعاليها بكبرياء على ما حلّ بالشعب من عنف ودمار وتهجير وقتل، ويواجهه اليوم أيضاً من حرب روسية/ إيرانية/ أسدية.

إنها ثورةٌ للحرية. لذلك صمدت وحافظت على نزعتها السلمية، وصانت، إلى درجةٍ لا يستهان بها إطلاقاً، وحدة الشعب والمجتمع، وواصلت طريقها بعزيمةٍ وكبرياء، ولا شك عند السوريين في أنها ستبلغ أهدافها حرباً، إذا ما منع الثالوث الشيطاني الروسي/ الإيراني/ الأسدي بلوغها سلماً، ومن لا يعجبه ذلك، فيضرب رأسه بأي حائط، عله يستعيد بذلك رشده

======================

مفاوضات.. الجولة الثالثة .. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 16-4-2016

نحاول أن نجد أملاً في المفاوضات السورية في جنيف، ولكن الأمل ضعيف جداً في إمكانية إيجاد حل سياسي مقبول، وسط هذا التردد الدولي حول اتخاذ قرار حاسم ينهي تصاعد المأساة السورية التي ألقت بظلالها القاتمة على المنطقة، ووصلت تداعياتها الفاجعة إلى أوروبا، وإلى العديد من أصقاع العالم، وقد أخفقت الجولتان السابقتان، حيث ترافق مع الأولى قصف مدمر على سكان محافظة حلب شاركت فيه روسيا، مع إعلان النظام رفضه للتفاوض. وأخفقت الجولة الثانية لرفض النظام مناقشة الموضوع الأساس، وهو تشكيل هيئة حكم انتقالية. وكان الدور الروسي معطلاً لمسيرة التفاوض، حين أصر على تحويل لقاءات التفاوض إلى حفل فلكلوري ضاعت في ضجيجه الأصوات الباحثة عن حل جاد، فقد بدا المشهد هزلياً حين جاءت معارضة مصنعة، تناضل بقوة لتأييد النظام والمطالبة ببقائه مع إجراء عمليات تجميل لإصلاح التشوهات. ومع أننا نتفهم رغبة «دي مستورا» في إرضاء أطراف الصراع الداعمة للنظام، فإننا نخشى أن تطغى هذه الحالة العبثية من المشاغبة المسرحية على جدية مهمة المبعوث الدولي، ثم إلى إعلان إخفاق الحل السياسي، وهذا ما يريده النظام الذي ابتعد من البداية عن الحلول السياسية التي كان بوسعها أن تجنب سوريا كل ما حدث من دمار ومجازر. فهو يخشى أن يقوده الحل السياسي إلى انتهاء تفرده بالسلطة، ونهاية سلطته المطلقة التي تجعله قادراً على خنق الشعب حين يريد، دون أن يملك أحد حق الاعتراض على أحكامه مهما بدت خاطئة وجائرة.

وفي هذا المشهد الفوضوي الذي يصر الآخرون على تهميش المفاوضات من خلاله، قام النظام بانتخابات برلمانية أكدت أنه غير معني بمسيرة التفاوض وبخطة القرار 2254، فهو ماض في سلطته غير الشرعية كأن شيئاً لم يكن. وعلى رغم أننا في المعارضة وأصدقاء سوريا من المجتمع الدولي غير معنيين بما يفعل النظام من ترتيبات خادعة في ادعاء الديمقراطية، فإن إقامة الانتخابات في غياب الشعب دليل استهتار كامل بالحالة المأساوية التي يعيشها ملايين السوريين الذين ينتظرون حلاً منذ خمس سنوات، ويتفاءلون أن يجدوا أملاً عبر مفاوضات جنيف. لكن الأمل محال مع تعنت النظام الذي يرفض تنفيذ قرار مجلس الأمن، ويرفض تشكيل هيئة حكم انتقالي، والطريف أن أحد أعوان النظام وصف هيئة الحكم بأنها انقلاب، متجاهلاً وجود ثورة هي أول انقلاب حقيقي على نظام حكم في سوريا دفع الشعب فيها مليون ضحية من أبنائه، وتعرض مئات الآلاف منهم للسجن والاعتقال والموت تحت التعذيب كي يخلص من الظلم ويتحرر من العبودية. ولم تشهد البشرية في تاريخها الحديث شعباً يهاجر من وطنه بهذا الحجم الذي يفوق اثني عشر مليون مهاجر ونازح، هرباً من نظام يلاحقه بالبراميل المتفجرة وبالصواريخ، ويستقدم جيوشاً من روسيا وإيران ومليشيات متنوعة كي يقتل شعبه عقاباً له، لأنه تجرأ وطلب الحرية والكرامة.

لقد بدأت المفاوضات في جنيف وهي تحمل بذرة نهاية أخرى مريرة، لأن روسيا ما تزال تصر على استمرار المأساة، وهي تعرف أنه لا حل للقضية إلا برحيل الأسد وأركانه. وقد قبلت المعارضة أن يشارك في هيئة الحكم من لم يرتكبوا جرائم من بنية النظام، وهذا تنازل كبير كان دافعه الأساسي هو الحرص على الدم السوري وعلى إنهاء تصاعد الفاجعة الكبرى، والخوف على سوريا من التقسيم والتمزق، والإسراع في محاربة الإرهاب وإخراج كل المقاتلين الغرباء من سوريا. لكن الدول الداعمة للنظام مصرة على الدفاع عن بقاء من دمروا سوريا ومن قتلوا شعبها وشردوه، ومصرة على إذلال هذا الشعب وإعادته إلى بيت الطاعة والخضوع، وهي تعلم أن هذا محال، وأن دونه أكثر من مليون ضحية أخرى، لكنها غير آبهة لذلك، فهي تدرب قواتها بأجساد السوريين وأرواحهم.

وأما إيران فهي مستعدة أن تقتل الشعب السوري كله لقاء أن تبقى مسيطرة على سوريا، كما تسيطر على العراق، وهي تخطط لقضم بلاد العرب، مسكونة بحقد طائفي تاريخي لم ينفع في إطفاء جذوته كل ما بذل العرب من مودة ورحابة وحرص على حسن الجوار.

وقد لبينا الدعوة إلى الجولة الراهنة في جنيف، على رغم معرفتنا السابقة بعقم المحاولة، فإننا لا نريد إغلاق باب الحوار والتوقف عن متابعة الحل السياسي، ونحن ندرك أن المجتمع الدولي لن يتحمل مزيداً من هدر الوقت ومن هدر الدماء، فلابد له من مراجعة حاسمة لرؤية نهاية لهذه القضية التي تشغل العالم، وتوشك أن تتحول إلى حروب مدمرة لا نهاية لها في المنطقة كلها.

ومع أن دي مستورا أعلن أن هذه الجولة ستناقش القضية الجوهرية (هيئة حكم انتقالية ذات مصداقية) لكن الموقف الروسي لا يزال يقف عائقاً أمام تنفيذ القرار الدولي الذي وقعته روسيا ذاتها، وهي تعلم أن الحديث عن توسيع الوفد وعن تشكيل حكومة وحدة وطنية تقدم أوراق اعتمادها للأسد ذاته، ولو في المرحلة الانتقالية، هو مضيعة للوقت ومنح فرص أكبر للنظام كي يرتب ما تهدم من بنيانه، وإغلاق لأبواب الأمل أمام الشعب النازح المتربص في المخيمات، وقد أصبحت معاناته حديث البشرية.

إن الخلاص من الإرهاب يقتضي خلاصاً من أسبابه، ولا يغيب عن العالم كله أن النظام استقدم الإرهاب كي يغطي على قضية الشعب الثائر ضد الاستبداد، وتجاهل هذه الحقيقة سيجعل الإرهاب يبقى ويتمدد، وقد آن أن يواجه العالم الحقيقة بدوافع إنسانية، وأن يعترف بحق الشعب السوري في الانتقال الكامل إلى دولة مدنية ديمقراطية.

======================

تحولات الانتخابات البرلمانية في سوريا .. فايز سارة

الشرق الاوسط

السبت 16-4-2016

تمثل الانتخابات البرلمانية الأخيرة، التي أجراها نظام الأسد، مشهدًا آخر في مسرح اللامعقول الذي كرسه نظام الأسد في السنوات الخمس الماضية في سوريا، وكان بين مشاهده الأخرى الأكثر إثارة قتل واعتقال ودمار وتهجير وإفقار وتجويع للسوريين، فاقت كل ما يماثلها من مشاهد، ظهرت على مسرح اللامعقول العالمي طوال عقود طويلة من الزمان في بلدان العالم المختلفة.

والانتخابات الأخيرة في بعض جوانبها، لا سيما في مسارها وفي نتائجها، بدت استمرارًا لنهج كان قد كرسه الأسد الأب في عهده الطويل، وقد بدأه بمجلس معين في عام 1971، قبل أن يرسم تجربة الانتخابات المحسوبة النتائج بصورة مسبقة ودقيقة للغاية، ولم يتم خرق تلك النتائج إلا مرات قليلة، وفي مناطق محدودة. وعمليات الخرق القليلة كانت نتيجة أخطاء من النظام وأجهزته، وخروجهما عن النهج المعمول به، أكثر مما كانت ثمرة لنشاط جماعات أو شخصيات عملت على خرق مسار الانتخابات ونتائجها، أو واحدة منها.

وبدا من الطبيعي أن يرث الابن فيما ورث من تركة أبيه الميت، تجربة الانتخابات البرلمانية، فكانت تجارب عهده الانتخابية مثل تجارب أبيه مع تعديلات طفيفة وغير جوهرية، غير أنه، ومع انطلاق ثورة السوريين على النظام في عام 2011، فتح الأسد الابن الباب أمام تبدلات عميقة في الانتخابات البرلمانية، فكانت تجربة عام 2012، التي تمت بداية العام الثاني من الثورة، ثم جاءت التجربة الأخيرة بعد دخول ثورة السوريين عامها السادس.

ففي عام 2012، وبدل أن يذهب نظام الأسد إلى حلول للقضية السورية تستجيب للمطالب الشعبية، وتتعامل معها بطريقة تتجاوز الحل الأمني العسكري الذي اتبعه، وتفتح الأبواب لحل سياسي، أصر على إجراء الانتخابات وجاء ببرلمان من مؤيديه ومن الشبيحة، ليدعموا سياساته وممارساته ضد الشعب، غاضًا البصر عما يحيط بالبلاد وبالسوريين من ظروف استثنائية، مؤكدًا رغبته في الاحتفاظ بالسلطة مهما كانت النتائج، قبل أن يضيف إلى ذلك فعلاً آخر مماثلاً في الانتخابات الرئاسية، التي جددت لبشار الأسد في عام 2014 وجوده على رأس نظام فقد شرعيته السياسية والوطنية والأخلاقية.

ثم جاءت انتخابات عام 2016، لتكون مسارًا إلى الأعمق في نهج النظام ورئيسه، متجاوزة وقائع تضرب في الأعماق فكرة إجراء أي انتخابات برلمانية، حيث تتوزع السيطرة في البلاد على سلطات الأمر الواقع المتصارعة، القسم الأكبر مساحة منها تسيطر عليه قوى الإرهاب والتطرف من «داعش» و«القاعدة» وأخواتهما، وقسم آخر تسيطر عليه قوى المعارضة المسلحة، وقسم تسيطر عليه قوات سوريا الديمقراطية، التي يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سياسته الملتبسة، وقسم أخير يسيطر عليه النظام وحلفاؤه، وفي هذا الشق من السيطرة تنتصب قوى خارجية، تتبع دولاً، بينها إيران وروسيا وميليشيات من الأفغان والعراقيين واللبنانيين وغيرهم.

والنقطة الثانية في الوقائع المحيطة بانتخابات عام 2016، تكمن في حال السوريين الذين وزعتهم السياسات الدموية والإرهابية للنظام وحلفائه وجماعات التطرف إلى نحو ستين في المائة موجودين داخل الأراضي السورية، وأربعين في المائة مهجرين ولاجئين في بلدان الجوار وفي الأبعد منها. بل إن المقيمين في الداخل السوري لا تجمعهم ولا تساعد الظروف على مشاركتهم في عملية انتخابية، إذ لا يسيطر النظام بصورة كاملة إلا على محافظة واحدة هي طرطوس، وعلى أغلبية محافظة اللاذقية، وله سيطرة ملتبسة على محافظة السويداء، ووجود نسبي في بقية المحافظات، ما عدا الرقة وإدلب الخارجتين كليًا عن سيطرته.

النقطة الثالثة في الوقائع أن الانتخابات جرت في أجواء مساعٍ دولية لحل سياسي وفق مضمون القرار 2254 الذي انعقد مؤتمر «جنيف3» على أساسه، وعلى أعتاب جولته الثالثة، التي قيل إنها للبحث في موضوع الانتقال السياسي في سوريا، الأمر الذي يعني عدم جدية النظام في التعاطي مع المساعي الدولية أو استهانته بها على الأقل، من خلال سعيه إلى تكريس وقائع تعيق جهود التسوية.

النقطة الرابعة المحيطة بالانتخابات، تزامنها مع استئناف العمليات العسكرية للنظام وحلفائه في ثلاث جبهات على الأقل، تشمل دمشق وحلب والمنطقة الوسطى، في خرق واضح للهدنة، وهو ما ترافق مع إعلان مجيء قوات إيرانية إلى سوريا للقتال مع قوات النظام، وزيادة المشاركين في حرب النظام من الميليشيات اللبنانية والعراقية والأفغانية بهدف انتزاع أراضٍ جديدة من سيطرة قوة المعارضة، وخلق وقائع ميدانية تحسن وضع النظام على الأرض، وتفرض تلك الوقائع على مجريات المفاوضات سواء لتحسين ظروف الفريق التفاوضي للنظام أو لتعزيز قدرته على تعطيل الحل السياسي.

وسط تلك الوقائع، تبدو انتخابات النظام البرلمانية، مجرد مشهد مسرحي، لا يخفف من معناها إعلان النظام، أن إجراءها هو استحقاق ينبغي الحافظ عليه، ولا تبدل نتائجها، التي جلبت مطبلين ومزمرين وشبيحة من المؤيدين والمرتكبين، ليصيروا أعضاء في مجلس شعب دمية، يقارب التجربة العملية في الانتخابات البرلمانية السورية الشائعة، بل ويزيد عليها الكثير!

*نقلاً عن صحيفة "الشرق الأوسط"

======================

الأسد إذ يتحدى المعارضة .. لؤي حسين

الحياة

السبت 16-4-2016

مهما كان موقفنا من بشار الأسد ومن دوره في الأزمة التي تعصف بسورية منذ خمس سنوات، لا بد أن نشهد له بأنه قال كلاما متقدما قبل بضعة أيام في مقابلته مع وكالتي «ريانوفوستي» و»سبوتنيك» الروسيتين. فبمتابعة بسيطة لهذا اللقاء نرى تقدماً ملحوظاً يحرزه الأسد على نفسه وعلى معارضيه، وذلك لأول مرة طيلة السنوات الخمس المنصرمة. بل إن أجوبته التي ناقض فيها ما صرّح به وزير خارجيته قبل أسابيع، تسمح لنا بالتشكيك بأن المقابلة بمجملها نُظّمت ورُتّبت لتناسب الشريك الروسي الذي كان قد سحب أغلب قواته على أثر تصريحات السيد وليد المعلم التي تفيد بعدم القبول إطلاقا بحث موضوع بشار الأسد أو مقام رئاسة الجمهورية في المفاوضات.

وقد رجّحنا حينها أن تلك التصريحات سبب قرار الرئيس الروسي سحب أغلب قواته من سورية بعد مساهمتها الرئيسة في انتصارات كبيرة حققها الجيش السوري. واعتبرنا ذلك بمثابة تهديد قوي وصارم للأسد بأن عليه أن يختار بين القبول بما رسمه له بوتين وقياداته، واتفق عليه مع الأميركيين، وبين أن يواجه مصيره وحده. ضمن هذا السياق وحده، يمكننا النظر إلى مقابلة الأسد الأخيرة، حيث يبدو قبوله بانتخابات رئاسية مبكرة وبمشاركة المعارضة في مرحلة انتقالية كأنه الجواب الصريح الذي طالبه به بوتين، والذي يتمثل بقبول دور روسي وصائي على نظامه في هذه المرحلة. فكلامه هذا عن الانتخابات الرئاسية المبكرة يناقض بشدة ما حرص على التمسك والاعتداد به لأيام قليلة سابقة من أنه رئيس بشرعية انتخابية اكتسبها بفوزه المسرحي في الانتخابات الرئاسية الزائفة، التي أجراها قبل أكثر من سنة ونصف السنة، واعتبر بعدها أن مقامه لا يجوز المساس به قبل انقضاء مدته الدستورية بتمام سنواتها السبع.

في هذه المقابلة، يخوض الأسد في النقاط الرئيسة وذات الحساسية الواردة في بياني فيينا وميونخ وقراري مجلس الأمن ٢٢٥٤ و٢٢٦٨، أي النقاط التي اتفقت عليها موسكو وواشنطن: مرحلة انتقالية، دستور في الصيف المقبل، سلطة انتقالية تشارك فيها السلطة والمعارضة، انتخابات رئاسية مبكرة، وقف إطلاق النار. ونلحظ، إضافة إلى أنه يقدم أجوبة متقدمة عمّا عهدناه به من تعنت خلال سنوات الصراع والأزمة، أنه يقدم أجوبة مرنة غير متصلبة، فأغلب الأجوبة يقدمها على أنها وجهة نظر، بمعنى لا يستبعد أو يستنكر وجهات النظر الأخرى، وأهمها الطرح الروسي الذي نراه حريصاً كل الحرص على أن يكون ما يقوله شبه متطابق معه.

في المقابل، مما يطرحه الأسد في مقابلته، والذي سيكون أساس اشتغال وفده التفاوضي في جنيف، نجد أن المعارضة مكتفية بالمراوحة عند مقولة عدم القبول بمشاركة الأسد أو أيٍّ من أركان حكمه في «هيئة الحكم الانتقالية»، معتبرةً أن بيان جنيف والقرارات الدولية تدعم هذا الفهم. وذلك من دون أن تخبرنا عن أي تفصيل آخر.

المقارنة بين طرفي التفاوض المعتمدَين دولياً لإنهاء الأزمة السورية، النظام والمعارضة، ليس من باب المفاضلة بينهما وفق معيار أخلاقي أو معيار إجرامي، فمثل هذه المفاضلة ليست قائمة دولياً على الإطلاق، لا الآن ولا سابقاً. لكن مقارنتنا هذه تأتي ضمن محاولة استشراف مستقبل مفاوضات التسوية، ومحاولة تقدير ماذا ينتظرنا في جولة المفاوضات الثالثة (أو الثانية) الآن في جنيف. فهذا التغيير في مواقف الأسد والمراوحة في مواقف المعارضة متأت من فهم الدول الداعمة والراعية للطرفين لمآلات الأمور. فإذ نرى روسيا، من خلف أقوال الأسد، تعتبر أن سياقات التسوية الحالية دخلت مرحلة المنافسة متخطية بذلك مرحلة الصراع العسكري، نلاحظ أن الدول الحاضنة للمعارضة ما زالت عاجزة عن تَمثّل هذا الفهم من خلال طروحات وتصريحات الهيئة العليا للمفاوضات ووفدها المفاوض.

وإن غضضنا النظر قليلاً عما تقوله وسائل الإعلام، وما تحاول الإيحاء به، سنجد ببساطة هشاشة كبيرة في بنية وموقف الطرف المعارض. وسندرك بمرارة أنه بعد مضي خمس سنوات من الصراع المعقد والمتنوع، بآلياته ومستوياته ووسائله وأطرافه، وبعد عدد لا بأس به من جولات تصنيع معارضة مطيعة من قبل دول بارزة في مجموعة «أصدقاء الشعب السوري»، نصل إلى لحظة الاستحقاق السياسي التي نحتاج فيها بكل قوة إلى معارضة وازنة وعاقلة يمكنها أن تكون بديلاً للنظام أو لبعض أجزائه، أو حتى أن تكون شريكاً كفوءاً له، فلا نجد أن لدينا سوى قبض ريح. بل إن نظرنا إلى هذه الجولة من المفاوضات، خصوصاً إذا تمت في شكل مباشر، سنرى أنها ستتم بين رفاق السلاح الواحد. فالشخصيات الرئيسة فيها هم من موظفي النظام الحاليين أو السابقين، ضباطاً أو وزراء أو سفراء أو دبلوماسيين أو رؤساء وزراء أو نواب رؤساء وزراء.

أمام هذا المشهد الجارح للذات السورية التي كانت طامحة إلى رؤية سورية أفضل مما كانت عليه مطلع ٢٠١١، نتمنى على المثقفين السوريين والعرب، خصوصاً اللبنانيين منهم، الذين أخرجونا من جلودنا حين كنا نقول إن ثورتنا التي نريدها هي ثورة على بنية سياسية ومعرفية وقيمية وثقافية واقتصادية وليس استبدال أشخاص بأشخاص، أن يعيدوا النظر في كل ما قالوه سابقاً، آخذين بعين الاعتبار أن الموضوع أصبح الآن أدنى بكثير مما كنا نحذَره ونحذّر منه. فكل المطروح الآن مجرد تغيير في ولاءات موظفي السلطة: فبينما كان ولاء جميع الموظفين قبل «الثورة» (كما يطيب للبعض تسمية الصراعات الدائرة على الأراضي السورية) لرأس النظام أو لشريك قوي من عائلته، كرفعت الأسد سابقاً، ستتوزع الولاءات الآن بين وزراء خارجية أو موظفي خارجية الدولة الراعية لأطراف الصراع المحلية والأجنبية الموجودين على الأرض السورية.

خسرت سورية الكثير. ولكن قد يكون من أهم ما خسرته الآن هو سيادة أبنائها «بعجرهم وبجرهم»على شؤونهم المحلية وحقلهم العام.

* رئيس «تيّار بناء الدولة» السوريّة

======================

جيل الضياع وقوارب الموت! .. د.خالص جلبي

الاتحاد

السبت 16-4-2016

أرسل شاب عربي في «الواتس آب» لوالده صورته ضاحكاً مستبشراً، وهو يتلقى من امرأة سمراء وثيقة نيله الجنسية الأميركية، فهل هو يوم فرح لنيل جنسية وطن آخر أم حزن على ترك الوطن الأم؟ الواقع أن الشاب لم يطرح هذا السؤال على نفسه لأنه خرج ولم يعد، وحين يتحدث مع من يحب في أرضه غير المحبوبة، يقول لست في نية العودة إلا زائراً فأزور المقبرة التي تضم رفات والدي فأقرأ عليه الفاتحة، ثم أثني فأزور من أحب ممن بقي على قيد الحياة.. أما بقية ذكرياتي في وطني الأصلي فهي كرب وضيق وفقر وشقاء وانعدام فرص العمل. ويقولون عن هذه النماذج إن أفضل لحظات اتصالها بالوطن هي لحظات الطائرة حين يقدم الواحد منها وحين يغادر. فالوطن هو من يوفر الحياة الكريمة.

ويقولون إن الصدر الأعظم كان يحذر السلطان العثماني: مولاي، إن ثمة تحولات في أوروبا، نازلات صاعدات، ومن المناسب أن تزور أوروبا، وتطلع على ما يجري فيها. وقبل ذلك كان جواب المقتدر بالله العباسي: إن سلطان المسلمين لا يزور أوروبا إلا فاتحاً. كان هذا في الزمن الماضي، أما الآن فشباب كثير من الدول المسلمة يتوسلون لأوروبا أن تأخذهم، ويهرعون بكل سبيل بما فيها «قوارب الموت» يلتمسون حياة ممكنة، بعد أن لم تبق حياة في بلادهم الأصلية.

نفس هذا الكلام أو شبيهه ينطبق على سلاطين الموحدين ومن بعدهم، عندما كانوا يتأملون مجريات الأحداث في إسبانيا المواجهة لهم. وكيف لا وقد أزالوا دولة البرتغال من الوجود في معركة وادي المخازن.

حالياً الأتراك يحلمون بالانضمام إلى أوروبا وأوروبا ترفض. ومن يدخل أوروبا من العمال الأتراك يشتغلون في أصعب الأماكن كمصانع الحديد وما شابه ذلك.

والمغاربيون بدورهم ينتقلون بقضهم وقضيضهم إلى أرجاء المعمورة الأربعة خاصة أوروبا. وحالياً تعتبر اللغة العربية هي اللغة الثانية في فرنسا بعد لغة موليير.

ألقيت مرة محاضرة في مدينة مغاربية وسألت عن أهلها؟ قالوا لي إن معظمهم في إيطاليا! وكنت مرة أخرى في زيارة لبلدة في الدواخل في أقصى الريف، ولما سألت صديقي بوشعيب عن أخيه حسن؟ قال: هرب في بطن حافلة لنقل الركاب، وكاد يهلك اختناقاً في الطريق، ولكنه نجا من الموت، فهو يعمل الآن في باريس! سألت حسن الذي كان بالكاد يفهم لهجتي: أراك تركب سيارة مرسيدس مستعملة! قال نعم. قلت له ماذا تعمل؟ وقد ظننت أنه يعمل في «بزنس» مهم! فأجاب معتداً واستخدم كلمة فرنسية، وأنا لا أجيد منها حرفاً! وبعد ذلك تعاون مع أخيه بوشعيب وقال: جمع النفايات. هززت رأسي متأسفاً.. مع احترامي لكل المهن.

كنت في ألمانيا لفترة تسع سنوات، وتعرفت على العديد من الأتراك ودخلت بيوتهم، فظننت نفسي أنني أعيش في الأناضول، أو «حلكو» من سوريا (ريف تعيس). كنت أحزن حينما أقارن مجد العثمانيين، وقد انقلب دور الأتراك فيه إلى عمال بسطاء في بلاد الجرمان. كنت أكرر «ارحموا عزيز قوم ذل».

كتب سياسي تونسي معللًا الإرهاب والتطرف وهو يتلقى جائزة تعايش الأديان في إيطاليا، إنها أحقاد التاريخ المتراكمة! أما الحل فاعترف بعد كلمات كثيرة طويلة أنه ليس ثمة حل لا في المدى المنظور ولا في المدى الطويل، وإنما ألوان من المقاربات من التنمية والتربية والتجديد الديني، ولعل خطبة الجمعة تأتي في مقدمة عتبات التجديد، بتغيير نظم الخطاب الديني لدى البعض من وعظي عدواني إلى سلامي روحاني.

والوضع نفسه ينطبق على كثير من شباب العرب كالشاب الذي فرح بنيل جنسية دولة أجنبية، لأنه يمثل جيلًا مشرداً هارباً، يبحث عن أي فرصة للحياة بعد أن لم تبق في بلده حياة.

======================

حسين العودات.. عصر في رجل .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 16-4-2016

إذا كان هناك نفر قليل يلخص تطور السوريين السياسي في النصف الثاني من القرن الماضي وما انصرم من هذا القرن، فإن حسين العودات كان أحد أبرز رجال هذا النفر الذين واكبوا تطور شعبهم، وما عاشه وطنهم من أحداث، وعرفه من حكام وهزائم، وتعرّض له من خيباتٍ، وبلوره من خيارات، وتبناه من أفكار.

كان أبو خلدون فتى يافعاً، عندما ضيعت السياسات العربية فلسطين. ومثل كثيرين من أبناء جيل النكبة، رد عليها بالانتساب إلى حزب البعث الذي كان بعض قادته قد ذهبوا إليها للدفاع عنها ضد الصهاينة، وعادوا من هناك، قانعين بأن حرباً أخرى لا بد أن تُخاض داخل سورية، ضد ما سماه ميشيل عفلق، في إحدى مقالاته عام 1946 "حكم التخت والمزرعة". بعد أعوام قليلة من الكارثة التي عاشها راحلنا الكبير، وهو على مقاعد الدراسة في قريته الصغيرة، أم الميادن، قرب الحدود الأردنية، تعرّف أبو خلدون على حوران ومناطق من جبل العرب في العطل الدراسية، حيث كان يعمل "جمّالاً" يجوب قراهما وبلداتهما، وتلتقط ذاكرته مشاهد البؤس والتخلف والجهل التي ظهر أثرها لاحقاً في رؤيةٍ سياسيةٍ، تجاوزت اجتماعياً ما كان "البعث" يوليه لقضايا الشعب الفقير، وجعله أحد ممثلي "اليسار الاشتراكي" في الحزب. وقد تعزّز هذا الجانب في شخصيته من خلال ما عرفه في أثناء قيامه بالتدريس في حوران، وتقلده وظائف إدارية تتصل بالتعليم. لذلك، اقترب، بعد انقلاب "البعث" العسكري عام 1963 من تياره اليساري الذي أعطى القضية الاجتماعية الأولوية على القضية القومية، وأيد التعاون مع الحزب الشيوعي، وعارض ملاحقته واضطهاد كوادره ومناضليه. في هذه الأثناء، كان دور أبو خلدون يبرز بسبب المكانة التي احتلها قلمه في عالم الإعلام، وما أبداه من درايةٍ في إدارة مؤسساته، الرسمية طبعاً التي لم تكن مواقفها متطابقةً في قضايا معينة مع مواقف "القيادة".

بعد هزيمة حزيران، والصراعات التي أعقبتها، وانتهت بانقلاب حافظ الأسد على الحزب ورفاقه، افترق أبو خلدون نهائيا عن الحزب، على الرغم من محاولات احتوائه بمناصب أسندت إليه. في هذه الفترة، اقترب أبو خلدون من الحزب الشيوعي، وحين أيقن أن هذا الحزب وجه آخر للنظام، شمله هو أيضاً بالنقد الذي كان يوجهه في مقالاته للأمر القائم، وصار واحداً من طبقةٍ ثقافيةٍ مستقلة حزبياً، معارضة للنظام وجبهته الوطنية التقدمية وأحزابها الكركوزية، أعادت قراءة أفكار ماركسية عديدة والتثقف بها، في ضوء التجربة السورية للسلطة، وما رسخته في الحياة السورية من ظلمٍ طبقي غير مسبوق باسم الاشتراكية، وقُطرية صارخة ومعادية للعرب باسم القومية، وقمع شامل طاول جميع فئات الشعب باسم الحرية، وسلطوية غاشمة، أمنية ومتعسكرة، قادت البلاد إلى هزائم متعاقبة أمام العدو الإسرائيلي، بعد أن سلمته الجولان، واستقوت باحتلاله من أجل البقاء في الحكم.

وشهدت هذه الحقبة زيارات أبو خلدون المتكرّرة أجهزة الأمن التي لاحقته بالمضايقات

"تكثف سيرة حسين العودات تاريخ سورية الحديث وما عرفه من وعودٍ كاذبةٍ" والاعتقالات، قرابة ثلاثين عاماً، كان قد أسس في أثنائها دار نشر حملت اسم "الأهالي"، طبعت مؤلفاتٍ وترجماتٍ لكتّاب ومفكرين سوريين وعرب، ممن كانوا قد انفكّوا بدورهم عن النظام العربي الفاسد والقمعي، والتحقوا بسياساتٍ أسستها قراءاتٌ ثقافيةٌ، استهدفت إعادة إنتاج المشروع العربي، باعتباره مشروع حريةٍ قبل أي شيء آخر، أي مشروعاً للمواطن العادي الذي لا بد أن يجعل حريته رهانه السياسي الرئيس، ويربط بها جميع رهاناته الأخرى، بكل ما يجب أن يتجدّد بواسطتها في ميادين الاشتراكية، باعتبارها عدالةً اجتماعية، والوحدة هدفاً ومهمة للدولة الوطنية، والحرية قيمةً تتعين بها المساواة والديمقراطية والكرامة الإنسانية.

 

بهذه المقدمات، وقبيل موت حافظ الأسد بأيام، كان حسين العودات من أوائل من أسسوا "لجان إحياء المجتمع المدني في سورية" التي رفضت المعادلات السياسية السائدة بين السلطة والمعارضة، وأخرجت السياسة من إهابهما، ونقلتها إلى حيز جديد، هو حرية المواطن الفرد: نقطة الارتكاز في وجوده التي إن فقدها فقد كل شيء، حقوقه وكرامته وإنسانيته، ولا بد أن يناضل لنيلها إذا كان سيثور على نظام عنيف وسلطوي، يفكّك مجتمعه ويغيبه عن الشأن العام، ويعرّضه لقدر لا يرحم من الاضطهاد الذي يصدر عن سلطةٍ وعدته بالحرية. وكان من الطبيعي أن يكون مكتب أبو خلدون وبيته مقر اجتماعات اللجان اليومية الدورية والطارئة، وأن يتولى الإنفاق على كثير مما كانت اللجان توزعه من مقالاتٍ ونشراتٍ ظرفية، وأن يكون من كتاب "إعلان دمشق" وكتاب ومفاوضي "إعلان بيروت/ دمشق ـ دمشق/ بيروت"، وأحد المثقفين الستة الذين دعوا، بعد الثورة، إلى توحيد المعارضة، واقترحوا خططاً، ودعوا ممثلي التجمعين المعارضين الرئيسين إلى لقاءاتٍ حوارية حول مشروعيهما. كما كان من المفهوم أن لا يبقى نائباً لرئيس "هيئة التنسيق" التي تشكلت من الحزب الناصري، ومزق يسراوية متنوعة، فكرّس قيامها انشقاق المعارضة، بدل أن يوحّدها، خصوصاً بعد أن بدأ بعض قادتها يغازلون النظام، ويتعرّضون للإدانة من الشعب، حتى أن مواطني دوما منعوا منسقها العام من حضور مجلس عزاء أقيم لأحد شهداء المدينة من الناصريين، مع أن المنسق هو الرئيس المفترض للحزب الناصري الذي ينتمي الشهيد إليه.

لم يغادر أبو خلدون سورية بعد الثورة، بل بقي فيها إلى أن وافته المنية، على الرغم مما كان يتعرّض له من مضايقاتٍ، بسبب كتاباته شديدة الوضوح والجرأة، وإسهاماته التلفازية التي دافعت عن حق الشعب في الثورة ومقاومة جرائم النظام، وكشفت حجم ارتكاباته ضد عزّلٍ يطالون سلمياً بأقدس ما في وجود الشعوب والأفراد: الحرية. ولم ينقطع أبو خلدون، على الرغم من ظروفه الشخصية الصعبة، وأمراضه المتكاثرة، وفقده إحدى عينيه، عن تكريس وقته للدفاع عن الناس، بالكتابة في الصحف والاتصالات اليومية معهم، وعبر البحث وإصدار دراسات وكتبٍ عالجت، بعلمية وصراحة، أكثر قضايانا التاريخية والراهنة حساسيةً وأهمية، من تلك المتصلة بالإسلام وتاريخه ومدارسه الفقهية ومشكلاته السياسية والفكرية إلى قضايا الأقليات وحقوقها، والمرأة ودورها، والسياسة ومعانيها ومرتكزاتها.

تكثف سيرة حسين العودات تاريخ سورية الحديث، وما عرفه من وعودٍ كاذبةٍ، قدمها انقلابيون طيّفوا السلطة، وأحلوا مصالحهم محل مصالح وطنهم العليا، وعاشه، في المقابل، من نضالاتٍ قام بها مواطنون، ضحوا بكل شيء من أجل نصرة المظلومين، وإنقاذ شعبهم وأمتهم، بما عرف عنهم من شجاعةٍ أدبية وجرأة، وتحد لموازين قوى كانوا الطرف الأضعف فيها، لكن حبهم وطنهم وولاءهم لشعبهم جعلهم يؤمنون بما كان كثيرون يعتبرونه جنوناً: أعني الإيمان بأن الثورة واجبة وآتية، وأن دورهم يلزمهم بالتمهيد لها، والانخراط فيها، من دون حساباتٍ صغيرة أو شخصية، ومن دون يأس.

كان أبو خلدون نموذجاً لهذا المثقف الذي بدأ حياته متحزباً، وأنهاها مناضلاً وثورياً، يؤمن أن انتصار ثورة الشعب انتصار له، حياً أو ميتاً.

صديقي وأخي أبو خلدون: نم قرير العين، فقد حققت الثورة لك ولنا الامتلاء الإنساني والوجودي الذي لولاه لكانت حياتنا مأساة مرعبة، ولكنا فشلنا في أن نبارح الدنيا ونحن سعداء.

======================

موقفنا : حول تفوهات نتنياهو عن سلخ الجولان .. الثورة ... ثورة تحرر وتحرير .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

18/4/2016

لم تكن حكاية الاحتلال الرخي الذي دام نصف قرن لجولاننا الحبيب لتخفى على أحد من أبناء الشعب السوري الحر الأبي . منذ أول يوم للجريمة الخيانة في الخامس من حزيران 1967 ، ومنذ صدور البلاغ 66 عن سقوط القنيطرة المدبر المزعوم والشعب السوري يدرك حكاية الخيانة ظاهرها وباطنها حدها ومطلعها ، ولم تزده العقود الخمسة لهذا الاحتلال الرخي المديد إلا قناعة بالخيانة وخلفياتها ، والمؤامرة وتفصيلاتها وبنودها ...

وجاءت هذه الثورة المباركة بألقها الوطني ، وشعاراتها التحررية ، وتطلعاتها الإنسانية ؛ لتزيد علاقة الخيانة المريبة وضوحا وتأكيدا ، حيث الترابط الحميم بين المحتل المغتصب والمستبد الغاصب ، الذي وظف نفسه حاميا للمحتل ، مدافعا عن وجوده ، ساهرا على رخائه وبحبوحته ، قامعا لكل القوى الوطنية المتطلعة لمقاومته ، متصديا خلال نصف قرن هي عمر الاحتلال لكل إرادة ، تحرير ، أو مشروع مقاومة وإنقاذ .

خمس سنوات من عمر الثورة ، والموقف الدولي بكل تلافيفه ، والمشتق أصلا من الموقف الصهيوني ، يتمترس وراء حماية الدور الوظيفي للمستبد الغاصب، والمتمثل في توفير الأمن الوقائي للاحتلال ، وتجاهل أولوية مشروع التحرير إلا بالدعوى والادعاء . وإن ينس الشعب السوري فلن ينسى مطالبة صنو بشار الأسد وابن خاله وهو يستنجز المحتل الإسرائيلي ثمن الرعاية والحماية بقوله : أمن بأمن وسلام بسلام .

واليوم ، وإذ يتابع العالم مشهد انهيار نظام الاستبداد ، ويتأكد المحتل المغتصب أن أيام المستبد الغاصب قد باتت في سورية معدودة محدودة ؛ يبادر نتياهو إلى التلفظ بما صدر عنه من تفوهات يائس مأفون ، معتقدا كما يعتقد كل الطغاة أن قانون التاريخ يهذي كما يهذون ...

قد يصدق من يقول إن ( تفوهات نتنياهو ) بكل ما فيها من تبجح ووقاحة وغرور لا تستحق أن يلقي إليها العقلاء بالا ، في سياق ثوري يعصف اليوم بالمظلة التي خانت وهانت وسلمت الجولان وسكتت على احتلاله كل هذه السنين الطوال ..

ولكن حتى لا يسيء مسيء فهم الازدراء وتفسير الإهمال لا بد لكلمة الحق من حامل تواجه نتنياهو والذين ظللوا عليه وحموه : لن يكون بشار الأسد إلا الخطوة الأولى على طريق التحرر والتحرير ...

والجولان: بؤبؤ عين الشام ..

الجولان : منصتنا التي من فوقها نرقب القدس والأقصى وحيفا ويافا وعكا قاهرة المحتلين ...

وثورتنا جوهرها التحرر ومشروعها التحرير . وفي إطار الثورة ، ثورة التحرر والتحرير تسقط كل أقاويل : نشجب ونستنكر وندين.

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

============================

من دفتر الأحوال السورية .. هيفاء بيطار

العربي الجديد

السبت 16-4-2016

قبل بداية الثورة السورية، كان سعر الدولار بين 45 و50 ليرة سورية، وكانت الألف ليرة تعادل 32 ألف ليرة لبنانية. وبعد دخول الثورة المُنتهكة والمسروقة عامها السادس، أصبح الدولار بأكثر من 500 ليرة سورية، وأصبحت الألف ليرة تشتري زجاجة ماء واحدة بسعة ليتر (!)، أي ألفي ليرة لبنانية. ماذا يعني هذا الانهيار المُريع في الليرة السورية، وهل يعقل أن تساوي الألف ليرة سورية زجاجة مياه معدنية في لبنان، فيما كانت الألف ليرة، قبل بداية الثورة، تشتري ثلاثة كيلو من اللحم، والآن لا تشتري أوقية. العملة الجديدة من الألف والخمسمائة ليرة سورية أشبه بشيك بلا رصيد، قيمتها الشرائية شبه معدومة، وأصبح، كما قال تاجر، حليب الأطفال أكثر غلاء من البترول. يقبض الشعب السوري هباء وأوراقاً نقدية بلا قيمة، فيما يشتري كل شيء محسوباً سعره باليورو أو الدولار. أصبحت مظاهر الفقر الفاقع لا تخفى في سورية، مشاهد رجال وأطفال ونساء ينبشون في القمامة، كما مشاهد أطفال ينامون في الشارع، عادية، وأفواج المتسولين، وخصوصاً الأطفال، عادية، كما لو أنها من تفاصيل الحياة السورية.

تغيّر مظهر الحياة في سورية بشكلٍ يبعث على العجب، ويمكن اختصار شكل الحياة في اللاذقية بالتدخين ودكاكين الألبسة المستعملة، فعلى الرغم من انقطاع أهم الأدوية وغلائها الفاحش، في الوقت نفسه، وعلى الرغم من الجوع وانعدام القوة الشرائية للعملة السورية، إلا أن كل أنواع الدخان موجودة، بما فيها المعسل والتنباك للأراجيل. وتحولت أهم الدكاكين، وفي أرقى شوارع اللاذقية، محلات لبيع الدخان، ومقاهٍ لتقديم الأراجيل تعج دوماً بالناس، كما لو أن وجودهم يتلخص في نفخ همومهم مع دخان السيجارة أو الأرجيلة، وبلغ عدد دكاكين الألبسة المستعملة ومحلاتها بالآلاف. تتلخص الحياة المزدهرة ظاهرياً في اللاذقية والساحل السوري في الدخان والألبسة المستعملة، كما لو أن هذه خطة الدولة لحل الأزمة. لكن، حتى الألبسة المستعملة باهظة الثمن، للألف ليرة سورية التي تعادل زجاجة ماء.

طعم الحياة السورية، إن كان لها طعم، هو الذل. على من يضطر أن يسافر إلى لبنان، حسب القانون، أن يبرز على الحدود ألف دولار، أي أن يملك نصف مليون ليرة سورية! من أين يحصل عليها إذا كان متوسط الرواتب 25 ألفاً إلى 30 ألف ليرة، أي 60 دولاراً في الشهر، وعليه أن يُعيل أسرته بهذا المبلغ الوهمي. والبنك المركزي والبنوك الخاصة تمنع بيع الدولار، والمهربون تجار العملة يدخلون السجن، من حين إلى آخر، بتهمة الاتِّجار بالعملة الصعبة، فيما أسياد تجارة الدولار واليورو طليقون، ويجمعون أرباحاً وفيرة من تصريف العملات.

أصبحت أحاديث السوريين متناسبة مع شكل الحياة اللامنطقي والعجيب في بلدهم، فكم من عائلاتٍ اضطرت لبيع كثيرٍ من أثاث منازلها، لتؤمن أجرة المهربين الذين سينقذون أولادها من شرف لقب "الشهيد البطل". وكم من عائلاتٍ تدفع راتباً للضابط المسؤول عن ابنها المجند، لكي لا يقذفه إلى الخط الأول للمعركة، وكم من عائلاتٍ نسي أولادها طعم اللحم والخضر والفاكهة، بسبب غلاء الأسعار.

الانهيار الاقتصادي يعني انهيار الإنسان، وليس مجرد بورصةٍ تعلو وتهبط، أن يتحول متوسط دخل السوري إلى 50 أو 60 دولاراُ في الشهر يعني أن أطفالاً يعانون من نقص التغذية والطبابة والدراسة والأمل والفرح والطمأنينة، أي أن اليأس دفع الناس، بمباركةٍ عظيمةٍ من الدولة، لكي يجدوا حلولاً لأزماتهم الحياتية، بمجرد تدخين معسل التفاح أو أي نوعٍ يريدون، وأن يلبسوا كنزةً من سوق الألبسة المستعملة. أن تُختزل الحياة وتُنتهك بتلك الطريقة، ويشعر المواطن السوري أنه لا يساوي شيئاً، وأن ما يملأ جيوبه مجرد عملة وهمية، مثل العملات التي تطبع ألعاباً للأطفال.

هذه مسؤولية الدولة التي أدّت إلى تدهور حياة السوري، وليكون طعمها طعم الذل وانعدام الكرامة وغياب الأفق لحياة كريمة. تستحق الألف ليرة سورية أن يُرسم عليها زجاجة مياة معدنية بسعة الليتر. ستكون أصدق وأدق معيار لانهيار حياة السوري.

======================

مسرح جنيف أو التفاوض من أجل حل مسبق الصنع .. بدر الدين عرودكي

القدس العربي

الخميس 21-4-2016

هل من المبالغة القول إن ما نشهده اليوم بجنيف، مما أطلق عليه وصف المفاوضات بين ممثلي النظام الأسدي وممثلي المعارضة بإشراف الوسيط الأممي وبمعونة مستشاريه من النساء والرجال الذين على زعمهم المعارضة لم يحظوا بشرف التواجد ضمن الوفد الممثل لمعظم أطيافها، ليس إلا مسرحيات مُعدّة بإتقان، بعضها يعرض أمام العامة وتنقله وسائل الإعلام وبعضها أمام الخاصة ويُسرَّبُ منه ما شاء له المخرج أن يُعرف وثالثها أمام خاصة الخاصة لا يُعرف منه شيئاً إلا استنتاجاً أو بالأحرى تخميناً؟

يدرك كل من بذل جهداً بسيطاً في متابعة مجريات الحدث السوري منذ بداياته أنّ كل محاولات العثور على ما أطلق عليه منذئذ «الحل السياسي» لم تكن إلا ترويضاً على قبول ما لم يكن وما لا يمكن أن يقبل به شعب يكابد القتل اليومي والتهجير والحصار والتجويع منذ خمس سنوات من دون أن يتنازل عن حقه الأساس الذي خرج يطالب به في إسقاط النظام من أجل تحقيق الحرية والكرامة.

إسقاط النظام يعني، من دون أي مواربة أو مراوغة أو لعب بالألفاظ: إسقاط النظام الأسدي بكل رموزه وممثليه، أشخاصاً ومؤسسات؛ يعني: إسقاط نظام المصالح الفردية/الفئوية الذي أقامه الأب المؤسس من حول شخصه وأسرته وحفنة من طائفته، بعد أن جمع عصبة من الأفراد والجماعات ذوي انتماءات قومية ودينية وطائفية مختلفة، مدنية وعسكرية، وربطها إليه بمصالح أتاحها لها، فصارت من بعدُ جزءاً لا يتجزأ من هذا النظام بحيث بات دفاعها عنه هو، في الوقت نفسه، دفاعاً عن نفسها بالدرجة الأولى. لم يكن الأمر، وليس هو بأي وجه من الوجوه، عبودية بقدر ما هو تماهي أشخاص ومصالح ومصائر في نسق عصبة مصلحية، وهذا ما يفسر هذا التلاحم من حول شخص رئيس النظام ماضياً وحاضراً، وما يؤدي بالتالي، منطقياً، إلى جعل مطلب إزاحته أساساً جوهر أي عملية انتقالية لابدّ لأي حلٍّ تفاوضي يوصف بالسياسي أن يتضمنه كاملاً غير منقوص.

لكن البعض ممن يقدمون أنفسهم بوصفهم «المعارضة البناءة» ويضعون قوسين صغيرين من حول كلمة الثورة كلما تطرقوا في أحاديثهم إلى ثورة السوريين يأخذون على من تصدّوا لحمل هذا الحق والدفاع عنه أمام من ينكرونه عليهم محاولين تجسيده قولاً وفعلاً وممارسة أنهم لا يزالون يراوحون عند مطلبهم الأساس في الوقت الذي «تفوّق» فيه خصمهم على نفسه و»تطور» فصار ينطق بما يريد سادته وحُمَاتُه منه أن يقول.

كما أن البعض من القوى الإقليمية والقوى الدولية ممن لم ينظروا يوما إلى ثورة السوريين إلا بوصفها حادثاً طارئاً يمكن السيطرة عليه وتكييف مآلاته أو إعادة صنعه عملت ما بوسعها كي ترتقي بمطلب وقف القتال إلى مقام أولوية مطلقة بالنسبة إلى المطالب الأخرى بما فيها الحرية والكرامة وإسقاط النظام، ليسهل بعد ذلك الالتفاف على الجرائم المرتكبة وإعادة تأهيل مجرمي الحرب حكاماً يكتسبون الشرعية عن طريق صناديق اقتراع ما كانت يوماً أكثر من سجل استبدادهم ونفاقهم وتزويرهم والتي لم يتوقفوا يوماً عن الاستناد إليها من أجل تبرير بقائهم أو تفسير عودتهم التي يطمئنون إليها بفضل حلفائهم وحماتهم.

وكان مدخل هؤلاء وأؤلئك إلى هذا التكييف الحديث عن «مؤسسات الدولة» وضرورة المحافظة عليها؛ والإصرار على ضرورة «احترام الشرعية» التي لم يتقدّم أحد منهم لشرح معناها أو التذكير بمصدرها بله تبرير شرعيتها ذاتها! والحقيقة أن هذه «الشرعية» بالذات، التي نودي بها منذ البداية وحُكيَ عن «فقدانها» و«ضرورتها»، لم تنكرها، باستثناء الغالبية العظمى من الدول العربية الأعضاء في الجامعة العربية، الغالبية العظمى من الدول الكبرى أو الصغرى الفاعلة بدليل استمرار وجود النظام الأسدي ممثلاً لدولة كاملة العضوية ضمن منظمة الأمم المتحدة ومؤسساتها وكذلك استمرار التعاون الأمني الدولي معه سراً أو علانية. كما بقي الحديث طوال السنوات الأخيرة إما رفضاً صريحاً لموضوع رحيل رئيس النظام من قبل ممثلي النظام الأسدي وكذلك من قبل سادته الإيرانيين والروس معاً ومن ورائهم سيد البيت الأبيض الذي ما برح يكرر القول عن «فقدان الشرعية» ويفعل كل ما يعززها، وإما رفضاً ضمنياً معطوفاُ على «الشعب السوري» الذي يعود إليه أمر تقرير مصير «رئيسه»، وكأنّ أحداً لا يعلم من هو هذا «الشعب» الذي قام بانتخاب رئيس النظام عام 2014 وهو يُقتل ويُشرّدُ ويهجَّر، وكيف دُعي في الظروف ذاتها مؤخراً إلى «انتخاب ممثليه» في مجلس الشعب!

على غرار النظام الذي أتقن لعبة الشكليات في كل مجال من مجالات السياسة والحكم والدبلوماسية: الانتخابات الرئاسية والنيابية أو النقابات او الدستور المُفصَّل على مقاس سيد النظام وتبعاً لرغباته على الصعيد الداخلي، والابتزازات المالية ذات الطابع المافيوي على الصعيد الإقليمي، وكذلك ممارسة لعبة المفاوضات أيضاً بعد أن سبق له ممارستها على الصعيد الدولي، بدعم مكشوف وفعلي من حلفائه الذين صاروا اليوم سادته، يقوم هؤلاء السادة بالتعاون مع خصومه المفترضين وعلى رأسهم الإدارة الأمريكية باستخدام لعبة الدلالات والشكليات ذاتها: الانتخابات، و»قرار الشعب السوري»، وسوى ذلك من الترهات التي صدعوا والحق يقال رؤوس السوريين بها، فضلاً عن رؤوس مواطنيهم.

لكن السؤال الأهم، أو إن شئنا السؤال/العذاب، يبقى: ما طبيعة هذه المفاوضات؟ وبين مَن ومَن تجري فعلاً؟ ومَنْ يُراد له أن يقوم بدور شاهد الزور؟

يُقال إن الحل بات جاهزاً. وربما كان الأدق القول إن الحل كان مقرراً سلفاً ولم يبق سوى إخراجه على نحو يبدو معه وكأنه نتيجة مفاوضات عسيرة وتنازلات متبادلة! سوف يُستعاض في صياغة هذا الحل عن بعض التعابير أو عن دلالاتها بتعابير أو دلالات أخرى. فبدلاً من «هيئة انتقالية بكامل الصلاحيات»، ستكون ثمة «حكومة انتقالية مشتركة بكامل الصلاحيات» يرأسها الأسد الذي سيقرر «الشعب السوري» مصير بقائه من عدمه. وسيكون هناك دستور تشرف على وضعه هذه الحكومة، ثم انتخابات رئاسية ونيابية.. إلخ.

يُحكى في سوريا دوماً عن «عقدة النجّار»! تلك التي تحول بينه وبين إنجاز عمله على النحو الذي يريد وبالسرعة المُلائمة. العقدة هنا كانت، ولا تزال، وستبقى «بشار الأسد» شخصاً ونظاماً. ذلك أن العناصر التي تسكت عنها المقترحات الأممية، أكان مصدرها حلفاء النظام الأسدي أم «أصدقاء» الشعب السوري، تجهل أو بالأحرى، وهو الأدق، تتجاهل طبيعة النظام التي أشرنا إليها في مستهل هذا المقال: «العصبية المصلحية، أي تلك التي تتجاوز العائلة إلى حلقات أكثر عدّة وعدداً. فكيف يمكن لنظام قوامه هذه العصبية على وجه التحديد أن يسلك سلوك نظام عقلاني قوامه النهج الديمقراطي أو المؤسساتي الذي يزعمه نهجه؟ وكيف يمكن لحلفائه وخصومه المُفترضين أن يجعلوا منه في صياغة مقبولة شكلاً مرفوضة قواماً لقمة سائغة في فم شعب عانى مرارة مذاقها خلال نيف وأربعين عاماً؟

وحدها الصياغة الواضحة البليغة تقول شيئاً ذا معنى: هيئة انتقالية بصلاحيات كاملة من دون الأسد وزمرته. لكنها ليست على جدول الأعمال.

إذ من الواضح أن الاستغباء الذي يمارسه النظام الأسدي بات قانون الجميع اليوم بجنيف: مسرح يراد أن يكون أبطاله دمىً يجسدها كلٌّ من النظام والمعارضة. من الواضح أن النظام وقد فقد على الأرض كل شيء وبات بفضل حلفائه قادراً على أن يقف على أقدامه بعض الوقت قد استحال دمية كاملة الأوصاف لا ينطق إلا بما يريد له حامله أن ينطق به. أما ممثلو المعارضة فهم يملكون حرية اختيار رهان الشعب المصيري الذي تصدّوا لتمثيله: الانتقال من الاستبداد إلى الحرية والكرامة: الخيار الوحيد.

٭ كاتب سوري

======================

سوريا والانتداب عزيز المنال .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 21-4-2016

طرح الناشط الحقوقي المعروف أنور البني، في حوار صحافي، فكرة وضع سوريا تحت الوصاية الدولية كمدخل للخروج من المأزق الحالي. (حرر الحوار باسل العودات، في صحيفة «العرب» بتاريخ 8 نيسان/ابريل).

والحال أن وصاية دولية متعددة الأطراف باتت أمراً واقعاً، منذ مؤتمر فيينا في شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي على الأقل، من غير إعلان صريح بذلك. فقد اجتمع هناك ممثلو عدد من الدول المنخرطة في الصراعات السورية، على رأسها الولايات المتحدة وروسيا، وبغياب تام لأي ممثل عن سوريا، نظاماً ومعارضة، واتفقوا على خريطة طريق لحل سياسي ينهي الصراع، تم تكريسها، بعد أقل من شهر، في قرار مجلس الأمن رقم 2254 الذي بدأت على أساسه جولة مفاوضات جديدة، في جنيف، بين ممثلين للنظام والمعارضة، في شباط/فبراير الماضي.

مشكلة الوصاية الدولية، القائمة اليوم، هي أنها متعددة الأطراف، وتتشكل من مجموعة دول غير منسجمة في أهدافها بشأن سوريا ومصيرها، إضافة إلى أنها غير رسمية، مما يعفيها من أي واجبات ومترتبات على وضعية الوصي القانوني. وعلى رغم اتفاق تلك الدول، من حيث المبدأ، على الالتزام بإيجاد حل سياسي في سوريا، تحول المصالح المتباينة لها دون ترجمة ذلك إلى حقائق على الأرض.

إن ما استدعى هذه الوصاية، أصلاً، هو عجز كل من النظام والمعارضة عن حسم الوضع في سوريا عسكرياً لمصلحة أحدهما، بموازاة استحالة وجود أي أرضية مشتركة تسمح بإيجاد حل سياسي يتوافق عليه الطرفان. لا بد من القول، هنا، أن النظام الذي لم يتورع عن استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد السوريين، هو الطرف غير القابل لأي حل سياسي، بسبب بنيته المتصلبة المتطرفة غير القابلة لأي إصلاح. لا يمكن، بالمقابل، مطالبة الطرف الآخر بالتخلي عن مطلب تغيير النظام حفاظاً على الكيان السوري، لأن معنى ذلك هو الخضوع لابتزاز كل من أمسك بوسائل التدمير وطرح شعارات عدمية من نوع «الأسد أو لا أحد» أو «الأسد أو نحرق البلد» وقد طبقهما النظام الكيماوي حرفياً حين أفلتت من يده السيطرة على البلد. هذا إذا لم نتحدث عن أن أكثر الفصائل المسلحة المعارضة له تصرفت دائماً بطريقة أكثر مسؤولية منه، حتى إذا قارناه بداعش نفسه.

أضف إلى ذلك أن هذا النظام الكيماوي الذي ابتكر سلاحاً بدائياً يشبهه، هو البراميل المتفجرة العمياء التي يلقيها على المناطق الآهلة بالسكان، لا يعترف بأي قيم عالمية أو أعراف بشرية، ويحرج بوحشيته حتى أشد حلفائه إخلاصاً له. ولو كان طريق الحل يمر بتحكيم جهات محايدة لا مصالح استراتيجية لها في سوريا، لما ترددت في تحويل رأس النظام وأركانه إلى محاكم دولية كمجرمي حرب ومجرمين ضد الإنسانية، بدلاً من إرغام المعارضة على التفاوض معه كما تفعل «مجموعة فيينا» الوصية على سوريا. هذا ما أفاد به المحامي الأمريكي كريس أنجلز الذي يقود وحدة جرائم النظام السوري في «لجنة العدالة والمحاسبة» التي تمكنت من جمع كمية هائلة من الوثائق التي من شأنها إدانة النظام بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وصولاً إلى رأس النظام نفسه. وقال قائد فرق التحقيق للجان الدولية في رواندا وسيراليون ستيفن راب إن تلك الوثائق «أغنى من كل شيء رآه وحقق فيه في هذا المجال».

ولو كان الأمر يتعلق بدولة «طبيعية» كان من شأن أوراق بنما الخاصة بفساد العائلة الحاكمة وحاشيتها المقربة، أن تكون كافية وحدها للإطاحة بالنظام، من غير حاجة إلى إدانته بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. فقد أطاحت تلك الأوراق، إلى الآن، بعدد من الساسة الأوروبيين (رئيس وزراء إيسلندا ووزير الصناعة الإسباني)، ولم تهتز شعرة لأركان النظام الكيماوي وهم يكررون القول إن مصير بشار ليس مطروحاً للتفاوض، كما لو كان نجاحه منقطع النظير في تدمير سوريا ورهن مصيرها بإرادات دول أجنبية، تزكيةً له تدفع للتمسك به.

بعد حرب مطلع الثمانينات التي شنها حافظ الأسد على الشعب السوري، فدمر مدناً وقتل عشرات ألوف السوريين، وحوَّل سوريا إلى مقبرة كبيرة تصفر فيها رياح الموت، فارتفع جدار من اليأس والتسليم، في المجتمع، من أي تغيير في سوريا. كثيراً ما كانت تحضر، في الجلسات الخاصة، مقارنة حكم الانتداب الفرنسي، في عشرينات القرن العشرين وثلاثيناته، بالكابوس الأسدي الجاثم على الصدور، ليخرج الانتداب، من تلك المقارنة، في صورة أقل سوءًا منه، بدلالة إنجازات المحتل الفرنسي التي ما زالت بعض آثارها قائمة إلى اليوم، كما بدلالة المجازر التي ارتكبها الأسد بالمقارنة مع عدد محدود نسبياً من القتلى (يعدون بالمئات) شكلوا فاتورة التخلص من حكم الانتداب. من المحتمل أن يرحب كثير من السوريين، اليوم، بنظام انتداب دولي يشكل مخرجاً من الجحيم الذي أحرق بلدهم خلال أكثر من خمس سنوات. هذا النظام الذي شكل، تحت مظلة «عصبة الأمم»، غطاء للمطامع الاستعمارية الفرنسية والبريطانية، لا يعدو كونه، في الحالة السورية اليوم، مجرد حلم بعيد المنال. فالقوى الدولية المنخرطة في الجحيم السوري، لا تسمح بوضع نهاية له، ولا تتمتع حتى بـ»أخلاقيات» الاستعمار القديم الذي تنطح لـ»تمدين» مجتمعاتنا «المتخلفة» بنظره، بواسطة أنظمة الوصاية أو الحماية أو الانتداب، ولا هي ترقى إلى مستوى تحمل مسؤوليات الاستعمار بمختلف وجوهه. حكومات الدول القادرة اليوم تتصرف، إزاء كثير من المشكلات الدولية، بوضاعة تدفعنا إلى الترحم على مستعمرينا السابقين.

٭ كاتب سوري

======================

المفاوضات والشرعية والنظام السوري .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 21-4-2016

بعد أن ظهر أن المفاوضات السورية تتقدّم، لأن روسيا باتت معنية بالوصول إلى حل، بعد أن سرّبت إمكانية التخلي عن بشار الأسد، وسحب جزء من قواتها، وأن أميركا باتت تشدّد على تحقيق الحل على ضوء أزمة اللاجئين التي أوجدت مشكلة في أوروبا. الأمر الذي كان يشير إلى توافق أميركي روسي، ينطلق من تشكيل "هيئة حكم انتقالي" من دون بشار الأسد، حيث باتت المسألة الأولى في المفاوضات. بعد ذلك، وصلنا إلى وضعٍ يشير إلى تراجع المفاوضات، واحتمالات العودة إلى الحرب، على الرغم من أن أشكالاً من الحرب ظلت قائمة من النظام وروسيا. فقد أرسل النظام الإيراني قوات من جيشه علناً، ليعزز جبهة حلب، كما جرت الإشارة، وتحدث النظام عن حسم السيطرة على حلب، مؤكداً أن ذلك تمّ بالتوافق مع روسيا. وأصبح الأمر يتعلق بقضم المناطق واحدة وأخرى، تحت مسمى وقف إطلاق النار الذي لم يتوقف أبداً. وهذا يشير إلى أن الحسم العسكري ما يزال هدف النظام وإيران، وأن المفاوضات هي فقط لاستقطاع الوقت والتغطية على الدور العسكري.

كما عادت روسيا تماطل، وتصرّ على "انتقال شرعي" في السلطة، أي أن يتحقق ذلك من خلال الدستور الحالي. وبهذا، وجدت أن في الدستور ليس هناك نص يقول بتأسيس "هيئة حكم انتقالية". بالتالي، لا بد من البدء بالدستور. وأخذت تميل إلى تشكيل "حكومة وحدة وطنية"، كما كانت تكرّر منذ البدء، وهدّدت باستجلاب وفد تفاوضي، يمثل "المعارضة"، صنعته في قاعدة حميميم العسكرية، وبإعادة إحياء الحديث عن دور مؤتمري موسكو والقاهرة بوصفهما يمثلان معارضة.

يعني ذلك كله أن المسألة الجوهرية لم تُلمس بعد، فروسيا تنطلق من "شرعية النظام"، وتُقرّ بأنه "منتخب شعبياً"، وأن الدستور القائم أُقرّ في انتخابات "شرعية". وهي، بالطبع، ترفض أن ثورة نشبت، وأن "الشعب يريد إسقاط النظام"، فهي ترتعد من ثورةٍ في روسيا، وككل إمبريالية ترفض حق الشعوب في الثورة. لكن، حدثت في سورية ثورة، أسقطت شرعية النظام. بالتالي، لم يعد ممكناً استمراره. وأنهت الثورة شرعية كل النظم التي حدثت فيها، وحتى النظم العربية التي لم تشهد ثوراتٍ، حيث ظهر أن الشعب يريد التغيير. ولا يغيّر في ذلك كل مواقف النظم الإقليمية والدول الإمبريالية.

فـ "شرعية" النظام قامت على القوة، من خلال السطوة الأمنية والسيطرة على كل مجالات المجتمع. وإذا كان ذلك مقبولاً شعبياً، في الفترة الأولى من حكم البعث، نتيجة ما حقق من تغييرات، فقد أدى النهب المتسارع للمجتمع إلى أن تصبح القوة "الأساس الشرعي" للنظام، بعد أن أقامت السلطة قوة أمنية كبيرة، وسيطرت على الجيش والنقابات والهيئات والمدارس والجامعات. ولم تكن هذه "الشرعية" نابعةً من دستور أو انتخابات، التي كانت النتيجة المنطقية للسطوة الأمنية، والشكل الذي تظهر السلطة فيه، ربما لكي تخفي السطوة الأمنية. وكان الحزب الذي "يقود الدولة والمجتمع" الشكل الذي يُراد منه إخفاء ذلك كله.

فالانتخابات هي الإطار الصوري لأشخاص معينين مسبقاً من الأجهزة الأمنية، فالأمن هو الذي يختار أعضاء "مجلس الشعب"، وكانت نسبة المشاركة في التصويت هزيلة دائماً، وهذا ما أشارت إليه جريدة الأخبار التابعة للنظام في الانتخابات أخيراً، وفي انتخابات سابقة. وأشارت جريدة الأخبار كذلك إلى نسبة التصويت على تعديل الدستور سنة 2012، حيث كانت المشاركة هزيلة. يعني أن نسبة من يشارك في التصويت هامشية لا تسمح بإعطاء شرعية للنظام. بالتالي، لا الدستور الذي يكرّس سلطة مطلقة لـ "الرئيس"، ولا مجلس الشعب، يعطيان شرعية للنظام الذي يقيم شرعيته على القوة، القوة فقط هي أساس شرعيته.

لهذا، حين تراجعت قوته نتيجة الثورة، استعان بحزب الله والمليشيا الطائفية العراقية وغيرها، وعلى الحرس الثوري الإيراني، ثم على الجيش الإيراني، وكذلك على القوة الروسية. لكن ذلك كله من دون جدوى، فسيسقط. لم تكن الثورة قادرة على إسقاط النظام، نتيجة عفويتها وكل التدخلات الإقليمية والعالمية، لكنها لا تسمح بالوصول إلى حلٍّ يبقي بشار الأسد ومجموعته. هذا أساس كل تفاوض.

======================

كنا عايشين .. أحمد عمر

العربي الجديد

الخميس 21-4-2016

كلما زرت صديقي النازح الذي خلّف عيادته وأمواله وراء ظهره، قالت زوجته متحسرة على الديار: كنا عايشين. فأُمسِك غضبي، والغضب مثل السمك، لا يُمسك إلا بيدٍ جافةٍ، وقلبٍ حليم، وأبتسم، وأحاول أن أفسّر لها ما جرى بقوانين التاريخ وعلم الاجتماع السياسي والاقتصادي.. فأذكر أنّ العدل أساس الملك، وأنّ الظلم ظلمات، وأنّ معدل ارتفاع الفقر في الجمهورية العربية الحبسية نزل إلى خط بنغلاديش، وخط الرقعة، وأكل أوراق الشجر، فتقول: بس كنا عايشين. أذكّرها بزوجها الذي حبس عشرين يوماً، بتهمة معالجة أهالي الجيش الحر. فتقول: كان يجب أن يكون حريصاً... لكنه أقسم عند التخرج قسم أبقراط، فتقول: أخطاء فردية.

وأذكر لها الدماء الزكية البريئة التي سفحت قبل أربعين عاماً في حماة وحلب.. والدماء لوليها سلطان، وما يزال المناضلون والأحرار يموتون تحت التعذيب.. فتقول: كنا عايشين، وأحسن من النزوح والبراميل. أذكّرها بالرشوة التي كانت تدفع لشرطي المرور، ولفروع الأمن الكثيرة، حتماً مقضياً... فتعذرهم: الشرطة فقراء و.. كنا عايشين. وأذكر لها فرصةً ذهبيةً أتيحت للنظام في عام ألفين وواحد مع بيان الـتسعة والتسعين، فاعتقلهم النظام، ونكّل بمن نكّل، فتقول: كان يجب أن نصبر. فأذكر لها الجفاف الذي ضرب البلد، ونحن بلد زراعي، وأنّ العدل في سورية يبكي الجنّ، وبات القضاة نخبة أقليات، وكأننا في جنوب إفريقيا العنصرية، فتقول: الدولة لهم، وكان يجب أن نقنع بحصتنا. وأعود إلى المطر الذي قلّ وشح، وأنت مؤمنة وتعرفين علاقة السماء بالأرض، فتقول: بس النظام كان ناوي يعمل إصلاحات، ولم نعطه فرصته.

لعله كان يريد الاتصال بصديق، أو الاتصال بالجمهور. أقول إن النظام هو نفسه منذ أربعين سنة، وكان يزداد سوءاً، وأنت ترين بطشه، وما يفعل بالمدن والقرى فتكاً وتدميراً... فتسكت، ثم تقول: الظلم في كل الوطن العربي.. فأقول هذا لا يعني أن الظلم يجب أن يتحوّل إلى عادة، أو إلى أن نقبل به، وأذكّرها بأمثلةٍ من علوم الاجتماع والعمران، فهي حاصلة على شهادة جامعية تربوية، فأقول إن للأمم والدول، مثل البشر، أعمار، وإن عمر النظام انتهى لأنه أسرف، وزادت نسبة الكولسترول والشحوم الثلاثية والسباعية في دمه الفاسد، وأنه نُصح كثيراً بعمل حمية، لكنه لم يرعوِ، وأصيب بالزهايمر، وجنون البقر وجنون الحمير..، فتقول: بس كنا عايشين، فأذكر حادثة دعس الطفل وليد جارنا، وأن دمه راح هدراً، فتقول: عمره انتهى وكل شيء بأجل، أذكّرها بآيات القرآن، وأنا آمل حشرها في زاوية: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ، يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. تبيّن لي أنها تقيم في دائرة ليس فيها زوايا مثل النظام. زوجها ساكت يُرضع الوليد من رضاعة صناعية.. أستشهد لها بكلام الله، فهي مؤمنة، وسأفحمها بقوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ، وَ: كَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ، و: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ.

فتستشهد بالقرآن، وتقول: إنما يوفّى الصابرون بغير حساب. ملك غشوم ولا فتنة تدوم. فأصوّب لها الفهم: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ، فقد اجتزأت يا مدام، سكتنا عن الحق، فظنَّ أهل الباطل أنهم على حق، وكما تزرع تحصد، ثم أصاب بكيماوي اليأس، فأقرّر التقهقر، فزوجة صديقي مثل الطيور التي تولد في القفص وتعتقد أنّ الطيران جريمة.

فأقول لزوجها على الباب: أزوجتك من قناة الدنيا؟ يقول، وهو يحمل طفله مع الرضاعة: أختك وتعرفها.

أقول: إنها تكرّر مثل جماهير النظام: عايشين، عايشين. يقول زوجها: هي عايشة، أما أنا فميت من زمان، يا خال ابني. أهمس له: طلّقها، يا صهري، أو انشق. فيقول وهو يصلح الرضّاعة: أنتظر الزمان والمكان المناسبين.

======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com