العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 23-11-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

مفهوم الحرية في الثورة السورية .. عمّار ديّوب

الحياة - الخميس 20-11-2014

طرح السوريون قضية الحرية كرد على كل منظومة الاستبداد؛ أي هم مع كل حرية، في الاقتصاد والسياسة والتعليم والثقافة والدين وفي كل شيء. طُرح مفهوم الحرية كمطلق يحتمل كل شيء، ولكن كذلك أن يكون بلا أي محتوى. واقعياً، سورية حتى ربيع 2011 لا تعرف أبداً أي شيء عن الحرية. محاولات السياسة والمثقفين كلها باءت بالفشل الذريع منذ بيان الألف وإلى انطلاقة الثورة.

الخلافات المتعاظمة بينهم ولأسباب هامشية كانت توضح رأي هوبس في الإنسان ك «ذئب لأخيه الإنسان»، وكان روسو مجرد فيلسوف يحب أن يكون الناس خيري الفطرة، أما كانط فليس له أي مكان بين السوريين، وبخاصة معاييره الأخلاقية التي ترفض سعادة البشرية قبالة موت طفل واحد. تجربة السنوات الأربع للثورة السورية، تبيّن أن السوريين مقطوعو الصلة بكل معايير الأخذ بالمواطنة ومنظومة حقوق الإنسان كمعايير أولية في تنظيم أي عمل مجتمعي، سياسي وسواه.

مناسبة الكلام، تصدّع كل القوى السياسية القديمة، وفشلها الذريع في قيادة الثورة. وبالمثل تصدّعت كل الحركات الجديدة، وكيفما دقّقنا بأي تجربة من التنسيقيّات إلى المعارضات إلى الكتائب المقاتلة ومؤسسات الحكومة الموقتة، وجدنا أنفسنا أمام حالة من التفتت والفوضى والشللية والتبعية للدولة الإقليمية والعالمية وفساد واسع يماثل فساد النظام.

كانت قضية حرية المعتقلين من أخطر القضايا، والتي نشرت عنها تقارير كثيرة توضح كارثة ما يحصل. حتى هذه القضية لم تسلم من المفاضلة بين معتقل ومعتقل وفقاً لطائفته أو تياره السياسي ومؤخراً وفقاً لقوميته، وسوى ذلك. يعلم الجميع ما يحصل في المعتقلات، ولكنهم يتعاملون مع كل القضايا بما فيه هذه القضية كمسألة للاستقطاب والصراع السياسي وما هو أدنى من ذلك. إذن المعارضة لم تقدم بديلاً سياسياً أفضل من النظام بما يخص مفهوم الحرية والحقوق التي تتضمنها.

هذه قضية لعبت وتلعب دوراً في انزياحٍ كبير عن الثورة وهناك من يلتحق بالجهادية وهناك من يغرق بالسلبية والتشاؤم، وهناك من يعود ليتصالح مع النظام، وهناك من يعود لأعماله السابقة. هذا الانفضاض، يتحقق شعبياً عبر مصالحات يعقدها النظام مع أهالي المناطق الثائرة والتي أنهكت كلية وتركت من المعارضة لكل أشكال الموت؛ النظام يعتمد هذه القضية كسياسة عامة كي يقوى تدريجياً ويتفرغ لاحقاً لدعسها بالأقدام، والعودة عنها، وإنهاء كل مظاهر التمرد؛ أي هو الآن يُبقي السلاح بيد المقاتلين ويعطيهم الحق بالسيطرة على داخل أحياء المصالحة، وليس لتثبيت حقهم في ممارسة حريتهم بل ليقتلها لاحقاً.

ليس هذا ما خرج إليه السوريون؛ فهم خرجوا للانتقال إلى حياة أفضل، وها هم الآن يعقدون مصالحات معه في كثير من المناطق. ما دفعهم نحو ذلك تركهم «فرادى» في مواجهة عارية معه، وفشل المعارضة في تمثيل قضيتهم وعدم احترامها تضحياتهم، وخضوع الدعم لشروط خارجية.

عكس الأحلام التي رافقت السوريين، أي تحقيق حياة أفضل؛ فإن المناطق «المحررة الآن» تعيش بخوف شديد من المحاكم الشرعية، وفشل السلطات الثورية الجديدة وفساد كثير من ناشطيها، ويقرأ الناس جيداً نتائج المال السياسي الفوضوي، والشخصنة، والذاتيات المتضخمة، وانبثاق العائلية والعشائرية والطائفية والجهادية في شكل واسع. أي أن حلمهم بالحرية والخبز والعمل تقلص كثيراً؛ هذا دفعهم ويدفعهم للهجرة ولإنهاء كل علاقة بالداخل، أو اعتباره مما لا يتغير أو دخلت سورية بالمجهول، ولا آمل يرتجى من أي فعل.

الحرية لا تتحول إلى حقوق للناس، ما لم تقرّ كما هي كحقوق عامة للناس على المعارضة وهدف لثورتهم ضد نظام ينفي أي وجود لها؛ من دون حق الناس بتمثيل أنفسهم في هيئات ومجالس وتجمعات، والأخذ بآرائهم، ستستمر حالة الشعور بالخذلان، وربما التصالح مع النظام أو الانسياق نحو الجهادية. قرأت مؤخراً على «فايسبوك» من كتب: من «الموت ولا المذلة» كتعبير عن صرخة الحرية ضد النظام في 2011، إلى «الموت أو تركيا 2014»، كتعبير عن فشل المعارضة والنظام في إبقاء أي روح وطنية لدى الشعب ودفعهم للتمسك بالخارج لحل الكوارث التي يعيشونها وتتكاثر يومياً.

عرّف ماركس يوماً الحرية بأنها وعي الضرورة، ولاحقاً وحينما تتوافر شروط معنية لا بد من تغيير تلك الضرورة. هذه القضية، أي تشكيل وعي سياسي بأهداف الثورة، وبمعايير معينة ضابطة لممارسة الثوار وفقها، أصحبت أكثر من ضرورة، أي من دونها لن تتحقق أبداً الحرية وبقية أهداف الثورة. يقف حائلاً دونها تبسيط شديد لأهداف الثورة، وانفلات عشوائي في الممارسات المعبرة عنها.

وهذا أدى ويؤدي، إضافة لدور النظام المركزي في كل ما يحصل وحصل، إلى «الكفر» بالثورة والحرية. إذاً التوحش الذي تتعامل فيه المعارضة مع تياراتها، ومع النظام كذلك، وكردّ على النظام وكتعبير عن ممارسات شبيهة فيه، توضح أثره الشديد فيهم؛ وهنا تصح مقولة إن الثقافة السائدة هي ثقافة الطبقة السائدة؛ إن كل ذلك، كان سبباً في انتقال الثورة من الحرية إلى الجهادية، ومن إخفاء كل ما هو سلبي في بداية الثورة إلى ممارسة كل ما هو سلبي وضار بالثورة في السنوات التالية لها.

الشروط الواقعية للحرية لن تتحقق قبل بداية المرحلة الانتقالية لسورية ولن تتحقق كذلك من دون تشكل وعي سياسي ومجتمعي كما أوضحنا من قبل، حيث سيشعر الناس بالأمان، والبدء بممارسة أحلامهم وأفكارهم وحياتهم كما يشاؤون، حينها فقط سيسقطون ليس الخوف من النظام فقط بل ومن المعارضة ومن كل أشكال السلطات التي انبثقت في المناطق «المحررة الآن»، ومارست أفعالاً تماثل أفعال السلطة التي يريدون التحرر منها!.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل هي حرب ضد الأطفال السوريين ؟! .. د. محمود نديم نحاس

ما يرد في وسائل الإعلام حول وضع الأطفال السوريين يثير القلق فعلاً، حيث هناك جيل كامل معرَّض للضياع. وأولى معالم الضياع مسألة انعدام الجنسية في بعض بلدان اللجوء حيث لا يتم تسجيل المواليد بسبب عدم حصول الوالدين على الإقامة القانونية. إنهم الضحايا المنسيين في خضم الأوضاع الصعبة في سوريا. أما التعليم فهو المَعْلم الثاني في الضياع. ففي بلدان اللجوء، هناك أعداد ضخمة من الأطفال لا يلتحقون بالتعليم لأسباب عديدة، مثل عدم توفره، أو عدم استطاعة الأهل دفع الرسوم، أو حاجة الأهل لأن يعمل الطفل وينفق على أهله.

والتعليم في المناطق الساخنة في الداخل السوري ليس أحسن حالاً. فقد ورد خبر يقول بأن 3994 مدرسة على الأقل إما مدمرة بشكل كامل أو متضررة بأضرار نسبية، من بينها 450 مدرسة مدمرة بالكامل أغلبها في محافظات حلب وحمص وريف دمشق. وهذه المدارس المدمرة لا يمكن ترميمها أو اصلاحها، بل تحتاج إلى جرف وإعادة بناء بحسب تقديرات المهندسين. وتتراوح أحوال 3423 مدرسة ما بين الأضرار المتوسطة والنسبية، ويمكن إعادة ترميمها وتشغيلها، لكن 1500 مدرسة منها أضحت مقرات للنازحين داخل الأراضي السورية، وتحولت 150 مدرسة إلى مشاف ميدانية لمعالجة الجرحى والمصابين من جراء القصف العشوائي التي تقوم بها قوات النظام. ويُضاف إلى ذلك تحويل قرابة 1200 مدرسة إلى مراكز اعتقال وتعذيب في ظل اكتظاظ السجون المركزية النظامية بأعداد هائلة من المعتقلين تجاوزت 215 ألفا، بالإضافة إلى استخدام عدد من المدارس كمقرات أمنية يقيم فيها عناصر الأمن ويتم من خلالها قصف الأحياء المجاورة.

تلك هي صورة السندان، فما هي صورة المطرقة؟ تقول الأخبار بأن تنظيم داعش أغلق معظم المدارس في مدن وبلدات محافظة دير الزور، التي يسيطر عليها، وذلك ريثما يتم إخضاع المدرّسين لدورة شرعية، ولحين الانتهاء من إعداد مناهج تعليمية جديدة، بديلة عن المناهج الكفرية الحالية. وفي المناطق المحاصرة يعيش الأطفال ظروفاً معيشية صعبة، بعد فقدانهم لحقهم في التعليم وتدمير مدارسهم. هذا عدا الجوع والعطش وانعدام حليب الأطفال والدواء والقتل اليومي بالبراميل المتفجرة النازلة من الطائرات.

وقد وجّه أطفال حي الوعر المحاصر في مدينة حمص رسالة مؤثرة إلى الأمم المتحدة بشأن الأوضاع غير الإنسانية التي يعيشونها، وفي شريط فيديو قدمه التجمع المدني في حمص ظهر مجموعةٌ من الأطفال يتناوبون على الحديث من وراء سياج يبدو وكأنه سياج لمعتقل كبير، وهذا ما يشير إليه أحد الأطفال صراحة في مقدمة الشريط، حيث يقول وهو يمسك بحديد السياج (أكبر معتقل في العالم). ولقد أضاف بردُ الشتاء القارس مأساةً جديدة للمناطق المحاصرة التي لا يجد أهلها ما يقتاتون به، فضلا عن أن يفكروا في تعليم أولادهم. وكما ورد في الأخبار فإن كثيرين يعتمدون على ما تبقى من مقاعد دراسية في المدراس التي هدمها القصف لإشعالها كحطب للمدافئ لعلها تقي أطفالهم ساعة من البرد.

ربما تكون هناك صورة مشرقة، لكنها على بعد بضعة آلاف من الكيلومترات. فقد قال اتحاد المعلمين الألمان إن هناك حاجة إلى ألفي وظيفة إضافية لمواجهة التنامي في أعداد أبناء اللاجئين الذين يتلقون تعليمهم في ألمانيا، حيث هناك حاجة إلى أخصائيين اجتماعيين وأطباء نفسيين ومترجمين فوريين. وتتراوح الكلفة المادية لهذا المشروع بين عشرة إلى عشرين مليون يورو. نعم إنهم يفكرون بطرق مختلفة، لكن كم عدد اللاجئين لديهم؟.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : بمقص الشجر يقطع بشار الأسد رؤوس معارضيه تحت خيمة التعتيم الإعلام الغربي المتحضر!! .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 21/11/2014

الإعلام رسالة قبل أن يكون مهنة . كل العاملين في ميدان الإعلام على اختلاف انتماءاتهم تلقوا في تعليمهم الأولي أن قواعد الرسالة الإعلامية مع كل مقتضيات مهنيتها تكمن في استبطانها قيم : الحياة والحرية والقيم الإنسانية النبيلة...

منذ مايقرب من أربع سنوات تاريخ انطلاق الثورة السورية ، يتابع السوريون انحيازا إعلاميا مبهما غير قابل للتفسير من كبريات وكالات الأنباء ، ومحطات التغطية الإعلامية الغربية منها بشكل خاص إلى مشروع التوحش والهمجية والاستبداد الذي يمثله بشار الأسد وقواعده وداعموه .

لقد خرج السوريون في ثورتهم يرفعون شعارات وقيما إنسانية حضارية كونية . ولم تكن شعاراتهم في الأشهر الأولى للثورة أبدا إيديولوجية بل كانت مطالبة بالعدل والحرية والمساواة والكرامة الوطنية . لم يكن في أيدي السوريين يومها عصا ولا حجر ؛ ولكن أعداء الإنسان والحضارة والحرية كانوا قد قرروا الوقوف ضدهم على خلفية تاريخية عفنة تستدر معانيها من أوربان الثاني وبطرس الناسك ليس غير .

منذ اليوم الأول للثورة تعامل الإعلام الغربي مع الثورة السورية بطريقة مختلفة تماما عن تعامله مع ثورة تونس ومصر وليبية ، فالشعب الذي كان أكثر وضاءة وأكثر شجاعة وأكثر ثباتا ، والذي دفع منذ اليوم الأول فواتير الشهداء التي لم تكن متصورة كانت الرسالة الإعلامية (الغربية ) متشككة في هذه الثورة متربصة بحملتها منحازة أوليا ومباشرة إلى جانب ( دكتاتورهم ) الفاسد القاتل وشركاه ، مما يؤكد أن وراء الأكمة ما وراءها ، ورغم أن الأسباب معروفة بالنسبة إلينا جيدا ، فإننا نفضل أن نقول إنها عصية على التفسير بالنسبة إلينا ...

 لم يلق (حمزة الخطيب ) و( هاجر الشرعي ) وعشرات الأطفال الذين قتلوا ومئات الصبايا اللواتي اغتصبن من وكالات الإعلام الغربية حاملة رسالة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ( رويترز وفرانس برس والسي ان ان وكذا قنوات تدعي الحضارة والتمدن والانتصار لمشروع التحرر العالمي ( مثل قناة البي بي سي وقناة الحرة وقناة فرانس 24 ..) ، لم تلق أخبار هؤلاء الشهداء أو الضحايا ما تستحق من تغطية إعلامية ولو جافة ، ودائما ظلت تلك الوكالات وهذه القنوات تمارس الانحياز السافر والهمجي إلى مشروع الدكتاتورالقاتل المستبد الفاسد وعصاباته ومساعديه على المستوى المحلي والإقليمي والدولي..ودائما كانت تردد دعاوى مجرميه وكذابيه وتفسح لها المجال وتعطيها المساحة الأكبر تحت عنوان الرأي والرأي الآخر وهي كانت دائما أبواقا للرأي الآخر رأي القتلة والمجرمين والمستبيحين لحقوق الإنسان ..

وظلت هذه الوكالات وتلك القنوات منذ الأيام الأولى للثورة وحتى اليوم تتستر على جرائم ( العميل المحبوب ) وتشكك في وقوعها ، وتقلل من شأنها ، تحت غطاء ادعاء المصداقية في تحري الحقيقة فيها ...

وبالغت في ذلك فإنها ظلت تشترط لإثبات جريمة – وما أكثر الجرائم والمذابح الجماعية - ما يتطلبه أي قاض من شاهد عن كيفية التحمل والأداء . ،

وفي الوقت نفسه فقد ظلت هذه الجهات توظف في كوادرها البشرية (عناصر أمن ) من الوالغين في جهاز الجريمة نفسه كمراسلين لها ليبدئوا ويعيدوا في تشويه الثورة والنيل من الثوار ، واتهام الشعب الحر الأبي بكل ما يسوء ...

وبينما تظل صاحبة رواية ( فلسطينون نزلوا من المخيمات في درعا منذ اليوم الأول للثورة ... ) وصاحبة رواية ( أطفال قتلوهم في الساحل وحملوهم إلى الغوطة ... ) هي الشاهد العدل ذا المصداقية عند أدعياء التحضر هؤلاء يبقى هذا الإعلام المتعصب والمتطرف و المنحاز بسياساته ومناهجه وشخوصه جزء من مشروع الهمجية والقتل والانحطاط والعدوان على الإنسان .

ويمعن هؤلاء في سبيل الانتصار لمشروعهم التاريخي المتعصب والمنغلق بإبقاء الشعب السوري تحت نير الرق والعبودية والاستبداد فلا يزالون يسلطون عدساتهم المزيفة على مواقع الخلل في ثورة عفوية شعبية يدس عليها أعداؤها الكثير من الأدعياء ، ويتصرف في فضاءاتها أفراد تغلب عليها في بعض المواطن القهر أو اليأس والإحباط ...

إن جريمة القتل الجماعي بغاز السارين ، وغاز الكلور ، وجريمة قصف المدنيين بالطيران الحربي وبالقنابل العنقودية والقنابل الفراغية والقتل تحت التعذيب والاغتصاب كل هذه الجرائم الموثقة لم تلق من أعداء الإنسانية والحرية من القائمين على ماكينة الإعلام الغربي ما تستحق من التداول والفضح والإدانة ..

وتتحول تهمة التبعية ( للامبريالية ) التي يلصقها فريق من اليساريين الغربيين بالثورة السورية إلى درع يتسترون به لينحازواعلى خلفية أكثر عمقا في لاوعيهم الثقافي إلى المجرم القاتل ،متجاهلين معطيات الواقع ، وحقائق الموقف ( الامبريالي ) التي تفضح هي الأخرى كل ما وراء موقف الغربيين كل الغربيين من تعصب وعفن وحقد وكراهية .

وبينما يشن إعلام التعصب الهمجي حملته المبرمجة والمدروسة للتشهير بجرائم مستنكرة أصلا يقوم بها أفراد ، صُنعوا بليل لتشويه هذه الثورة ، وقطع الطريق على مشروع شبابها الجميل .. فإنه يتغاضى بل ويتستر على جرائم أكثر عنفا وبشاعة يقوم بها ( هتلرهم المفضل المحبوب ) بشار الأسد ...

 بمقص الشجر يقوم بشار الأسد ، بل عميل الغرب المتحضر وأداته لكسر إرادة السوريين ، بقطع رؤوس المواطنين المعارضين وذبح المئات منهم يوميا بسكين يتربع حامله على كرسيه في النادي الدولي ...جرائم لا يرتكبها بشار الأسد وحده بل يشاركه فيها المتواطئون معه والمتسترون عليه ، والصامتون عنه والمروجون لأكاذيبه تحت ستار رسالة إعلامية مدنسة ومدنس كاتبها وقارئها ...

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأسد ونهاية اللعب على "الحبلين" .. رائد الجندي

العربي الجديد- الخميس 20-11-2014

كلنا سمعنا عن التصريحات الهجومية التي أطلقها النائب اللبناني، وليد جنبلاط، على بشار الأسد، بعد عودته من موسكو، وأن الأشهر المقبلة، على حد قوله، ستكون حاسمة في عمر النظام السوري، وأن حزب الله لو اطلع على اتفاق مسقط بين ‏طهران وواشنطن، لسحبَ جنودَه من سورية بسرعة.

أيضاً، تفاؤل معاذ الخطيب بإشراقة الشمس على سورية التي ستأتي من موسكو بعد زيارته الأخيرة لها، مع تواتر أخبار عن موافقة روسية على تنحي الأسد والدائرة المحيطة به، شرط الحفاظ على مؤسسات الدولة والمؤسسات العسكرية والأمنية، مع تداول اتفاق روسي  مصري، لمبادرة برعايتهما لحل الأزمة في سورية.

يا ترى، بعد هذا كله، هل هناك، مثلاً، تأكيد روسي على إنهاء الأسد؟ والتي ربما اعتبرت الأخير خائناً لها، ولسياستها بسبب تأييده ووقوفه مع التحالف الدولي الأميركي الذي أكدت فيه روسيا، سابقاً، أنها ضد أي ضربات عسكرية جوية على سورية من التحالف، وأن ذلك يعتبر انتهاكاً صارخاً لسورية ولسيادتها، فضلاً عن اعتباره انتهاكاً للقوانين والأعراف الدولية.

 فكيف بالأسد يكسر، اليوم، كلام معلمه الدب الروسي، ويقبل بالتحالف الأميركي، ويستمر معه إلى الآن؟!

طبعاً كلنا يعلم أن الأسد وأركان نظامه يلهثون وراء مصالحهم، للحفاظ على مناصبهم قدر المستطاع، مهما طال الزمن، وغرقت البلاد، أكثر وأكثر، بالحرب والدمار والقتل واللجوء والتشرد الذي بات يفتك بكل مكونات الشعب السوري.

لكن السؤال الأبرز اليوم، هل موافقة الأسد بالسماح للتحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، بضرب مواقع داعش في سورية، وتأكيد ذلك في صحيفة الوطن السورية، المقربة من النظام، والتابعة لرامي مخلوف التي عنونت سابقاً أن "واشنطن وحلفاءها في خندق واحد مع الجيش السوري لمكافحة الإرهاب"، يكون الأسد قد خسر هنا حليفه الروسي للأبد وضحّى به، وربما يكون قد ضحى بنفسه، بهذا الانضمام، وخسر بذلك ثقة الروس بالأسد شخصياً، ليرى الروس أن الأسد فقط يلهث وراء القوى العظمى، وأنه مستعد لأن يرمي بحلفائه جميعاً، مستعطفاً ومستنجداً بأميركا التي تعد أقوى دول العالم، محاولاً كسبها إلى جانبه، ولدحر صفة الإرهاب عنه، ولإعادة شرعيته بتأييده لها وللتحالف.

فهل أدرك الأسد أن مصالحه، اليوم، هي بتأييد أميركا وحلفائها بحربها على الإرهاب في سورية والعراق، وأن لا مشكلة لديه بخسارة روسيا بهذا التأييد، طالما أن أميركا وحلفاءها قابلوا موافقة الأسد بإيجابية، ولم يتطرقوا لضرب النظام السوري في دمشق.

عملياً، هل تأييده التحالف الأميركي هو نهاية الأسد الأخيرة، وربما المؤكدة من الروس والأميركيين الذي قد يتفقون معاً بإنهاء حكمه نهائياً؟

لكن، في النهاية، هل مستقبلاً، وربما خلال أشهر، سنرى تحولاً دراماتيكياً في المشهد السوري من الروس على الأسد شخصياً، لتتم محاسبته على طريقتهم هم؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السياسة الأميركية في سورية .. سلامة كيلة

العربي الجديد-الخميس 20-11-2014

بدت السياسة الأميركية تجاه سورية، في الفترة الأخيرة، مرتبكة، بل متناقضة، حيث راوحت بين اعتبار تنحية الأسد ضرورة للانتصار على داعش وأن للأسد دوراً في العملية السياسية، مروراً بأولوية الصراع ضده، أو أن الأمر لا يزال كما هو، باعتبار أن الأولوية للحرب ضد داعش.

الاهتمام بهذا الأمر مرتبط بفهم ما إذا كان باراك أوباما قد غيّر من سياسته تجاه النظام السوري، وبات معنياً بإسقاطه، أو أن الأمر لا يزال بعيداً عن التفكير الأميركي؟ وربما كان أكثر من اهتم بهذا الأمر بعض أطراف المعارضة التي لا زالت تنتظر، منذ بدء الثورة، هذه الخطوة الأميركية التي تتعلق باعتبار إسقاط النظام هدفاً يحظى بالأولوية.

وعلى الرغم من كل ما قيل عن "التناقض" في التصريحات أخيراً، سواء التي نُقلت عن أوباما نفسه، أو ما أتى عليه وزير الدفاع، أو الملاحظات حول سياسة أوباما تجاه سورية وقالها مسؤولون أميركيون سابقون، فإن "الغوغاء" الإعلامية هي التي حاولت ترويج ذلك، وليس لأن ما قيل يتعلق بارتباك أو تناقض في ما قيل أخيراً. فالسياسة الأميركية تجاه سورية محددة، منذ البدء، انطلاقاً من أن سورية باتت بعيدة عن اهتمام السياسة الأميركية، خصوصاً بعد أن تبلورت الاستراتيجية الجديدة بداية سنة 2012، والتي اعتبرت أن منطقة آسيا والمحيط الهادي هي الأولوية، وأن الخطر المهدِّد لأميركا هو الصين بالتحديد. ولهذا، كان موقف واشنطن باهتاً مما يجري في سورية بعد 15/3/2011، بعكس ما كان تجاه تونس أو مصر. ثم "باعت" سورية لروسيا في سياق الحوار والمساومة بينهما. ولهذا، دفعت لعدم دعم المعارضة بأي شكل، بل كانت تحبط اندفاع حلفائها الذين عملوا من أجل إسقاط النظام (تركيا وقطر وفرنسا تحديداً). وفي كل الأحوال، ما هو محدَّد في سياستها أنه ليس من حل عسكري، بل الحل سياسي، ويقوم على التفاوض بين أطراف متعددة، وهو لا يلحظ بقاء بشار الأسد في الحكم، بل يعتبر أن مبادئ جنيف1 القاعدة لهذا الحل.

لهذا، حين يربط باراك أوباما بين الحرب على داعش وتنحية بشار الأسد لا يقصد العمل العسكري من أجل إسقاط النظام، لا مباشرة ولا بدعم المعارضة المسلحة (يظهر الحديث عن تدريبها نكتة في بلد يعيش حرباً حقيقية منذ أكثر من سنتين)، بل يقصد أن الوصول إلى حل سياسي ربما يجب أن يسبق "الحرب ضد داعش"، من أجل ترتيب مشاركة المعارضة والسلطة المنحّى منها بشار الأسد في هذه الحرب، والتي هي ليست حرباً بالفعل، بل مناورة سياسية من أجل فرض سياسات على دول المنطقة، وخصوصاً إيران التي تريد إدارة أوباما "التحالف" معها. لكن، بعد تقليص شروطها، وتخفيف تمددها في المنطقة. وهذا ما يحدث في العراق، حيث إنها باتت تفرض ما أرادته سنة 2011 قبل أن تقرر الانسحاب، أي قانون يمنع محاسبة جنودها، لكي تفرض وجود ما بين 10 إلى 15 ألف جندي (وهو ما سيحدث قريباً)، وفرض سيطرة الأولى على السلطة في بغداد، من دون تجاهل التأثير الإيراني.

هذا الشكل من "فرض الشروط" في العراق ربما هو المقصود بالكلام عن "أولوية تنحية الأسد"، حيث يجري التفاهم مع إيران على إبعاد بشار الأسد عن السلطة، وترتيب مرحلة انتقالية على أساس جنيف1، وبمشاركة روسية، لأن أميركا لا يبدو أنها تراجعت عن "بيع" سورية لروسيا. بالتالي، تأتي كل تلك التصريحات التي أثارت شهية بعضهم والارتباك لدى آخرين، تأتي في هذا السياق فقط، أي عبر التفاوض مع إيران وروسيا التي يبدو أنها اتفقت مع أميركا على التحضير لجنيف 3، وإنْ بشكل مختلف بعض الشيء.

لا أحد يتوقع أكثر من ذلك.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مجلس عسكري سوري أعلى .. ميشيل كيلو

العربي الجديد-الخميس 20-11-2014

أثير في أثناء انعقاد الهيئة العامة للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية لغَط كثير حول المجلس العسكري الأعلى الذي أرسل خمسة عشر مندوباً جديداً عنه إلى اللقاء، لكي يحلّوا محل خمسة عشر مندوباً، كانوا أعضاء في الائتلاف، منذ جرت توسعته عام 2012. ومع أن عملية الاستبدال طبيعية تماماً، وتعتبر حقاً محفوظاً للكتلة التي يتبع لها الأعضاء، فإن معركة نشبت حول شرعية قبول الأعضاء الجدد، لعبت دوراً كبيراً في انقسامات الهيئة حول قضيتهم والقضايا الاخرى، وخصوصاً منها مسألة الحكومة.

وكان رئيس أركان الجيش الحر الأسبق، اللواء سليم إدريس، والذي أقاله الرئيس السابق للائتلاف، أحمد الجربا، من منصبه، هو الذي أصدر قرار تعيين مندوبي الجيش الحر الخمسة عشر في "الائتلاف". وحين سئل عن الواقعة، قال إنه أصدر قرار التعيين للأشخاص الذين اقترحهم الجربا عليه، وأنه يطلب من المجلس تغطية تصرفه، لعلمه أنه ليس الجهة المكلفة بالتعيين، وهو تابع للمجلس، ولا يجوز أن يقرر شيئاً في منأى عنه، أو من دون استشارته. وقد أصدر المجلس، بناءً على طلب اللواء إدريس، قراراً تضمّن بندين، تفويض اللواء بالتعيين، والتحفظ على أسماء مَن عيّنهم. بهذه الطريقة، حصل الجربا على كتلة انتخابية تمثل الأركان، عملت طوال فترة وجودها في "الائتلاف" ككتلة انتخابية لصالح من كان معظم أعضائها يسمّونه "السيد الرئيس"، وصار استبدال أعضائها يعني تهديد أغلبيته داخل الهيئة العامة التي يفترض أنها ستجدد له بعد قرابة شهرين في رئاسة الائتلاف.

وكان المجلس العسكري الأعلى قد اجتمع، قبل نيف وشهر، في الريحانية، وقرر إقالة ممثلي الأركان الذين تحفظ عليهم منذ جرى تعيينهم، فاقترح ضيفه هادي البحرة إحلال كلمة استبدال محل كلمة "إقالة"، وأصدر، بالتعاون معه، قراراً بتشكيل لجنةٍ، تنتقي ممثلين جدداً للأركان من ذوي المؤهلات العلمية، المعروفين بنظافة الكف، وبدورهم في الثورة، وبسمعتهم النضالية الطيبة، كأنما كان البحرة يتهم من تم إقصاؤهم بالافتقار إلى هذه الصفات. وقد قبل أعضاء المجلس حضور البحرة، مع أنه ليس عضواً في المجلس، أو من الهيئة العامة التي انتخبت أعضاءه، ثم استكملوا عدد أعضائه إلى ثلاثين، بعد أن كانوا سبعة عشر فقط، بينهم من طفش إلى داعش، ومن طلب اللجوء السياسي في بلدان أوروبية، ولم يكن بينهم غير عدد قليل تنطبق عليه مواصفات البحرة. ووافق رئيس أركان الجيش الحر، العميد عبد الإله البشير، على الاستبدال، ومهر قرار إقالة ممثلي الأركان في الائتلاف بتوقيعه.

وتقول قواعد استبدال العضوية في "الائتلاف" بضرورة صدور قرار بقبول الأعضاء الجدد من لجنة العضوية، تصدق عليه اللجنة القانونية، قبل أن يصدره الأمين العام ل"الائتلاف" بقرار. وقد حدث هذا كله من دون مشكلة. ولكن، وبما أن حضور الأعضاء الجدد إلى اجتماعات الهيئة كان يمكن أن يفجّر الائتلاف، في ظل رغبة جماعة الجربا ببقاء القديمين أعضاء فيه، فقد توافقت، شخصياً، مع الأستاذ البحرة والأمين العام ل"الائتلاف"، الدكتور نصر الحريري، على مخرج يلزم ممثلي الأركان بقبول المادة 31 من نظام المجلس الداخلي، مع ما تتضمنه من ضرورة تشكيل مجلس أعلى للقيادة، وباعتبار "الائتلاف" مرجعية سياسية لهم. وقد أملى البحرة على الدكتور نصر النص الذي سيوقع عليه الممثلون الجدد، تمهيداً لانضمامهم إلى الهيئة العامة، لكن الطرف الآخر رفض ما توافقنا عليه. فاتني القول إن البحرة كان قد أصدر، وهو في نيويورك، قراراً بإقالة المجلس الأعلى، وأرسله بالإيميل إلى الأمانة العامة، لكن اللجنة القانونية أفتت ببطلانه، لأن إصداره ليس من صلاحيات رئيس الائتلاف الذي يعتبر غير ذي صفة بالنسبة للمجلس، وأكدت حق الممثلين في المشاركة باجتماعات الهيئة كأعضاء كاملي العضوية. فاتني كذلك القول إن الأستاذ البحرة اعترف، في عرض سياسي قدمه إلى الهيئة، بأنه "ربما يكون قد أخطأ في قراره".

 ويقول بعض أعضاء "الائتلاف" إن موقفهم يتعلق بمقاومة سيطرة "الإخوان المسلمين" على المجلس وممثلي الأركان. وليس هذا القول صحيحاً على الإطلاق، فالإخوان صاروا بالنسبة لهؤلاء شمّاعةً، يعلّقون عليها أخطاءهم، ولو كانوا مسيطرين على "الائتلاف"، لما كانوا بحاجة إلى استعادة ما فقدوه في اجتماعات سابقة، لأن أحداً ما كان لينجح في انتزاعه منهم.

بقي أن نسمّي الأشياء بأسمائها، كي لا نظل غارقين في خلافات بعيدة كل البعد عن مصالح شعبنا وثورته، ونتجاهل واقعة ساطعة هي أن ممثلي الأركان وأعضاء المجلس الأعلى وافقوا على ورقة الأستاذ البحرة ووقعوها، وقبلوا أن يكونوا جزءاً من مجلس قيادة أعلى يشكله الائتلاف، إنْ صحا من موته السريري، وتخلص من انقساماته القاتلة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خطة دي ميتسورا لتصفية القضية السورية .. برهان غليون

العربي الجديد- الاربعاء 19-11-2014

أثار المبعوث الدولي، ستيفان دي ميتسورا، بفكرة المناطق المجمدة آمال سوريين كثيرين بإمكانية فتح ثغرة في جدار الحرب الوحشية، والتقدم، ولو خطوة صغيرة، في اتجاه التهدئة، على طريق إيجاد حل سياسي للمحنة السورية المستعصية.  ومن الطبيعي أن يثير هذا العرض خيال أبنائنا الذين يتعرضون في المناطق المحاصرة، أو الخارجة عن سلطة نظام الأسد، بمقدار ما يلوح لهم بالخلاص، على الأقل من حرب الجوع والبراميل المتفجرة والحارقة، ومن القنص والتشبيح من كل الأشكال. لكن، ليس في مخطط وقف إطلاق النار، بدءاً من حلب أي مشروع حل سياسي. بالعكس، هدفه مساعدة النظام من قبل حلفائه، الروس والإيرانيين، على قطف ثمار حرب التجويع والتركيع والقتل العشوائي والتهجير المنهجي للسكان، وقتل أي حياة مدنية طبيعية في المناطق التي يسيطر عليها المقاتلون المعارضون. ولا يعني، في النهاية، إلا قبول السوريين بوضع حد للصراع، من دون أن يضمنوا أي تغيير، أو تحول في نظام الحكم وفي الحاكمين، بل، فقط، لقاء السماح لهم بعدم الموت تحت البراميل المتفجرة، وبتلقي المعونات الغذائية الدولية، أي الاعتراف في النهاية والإقرار بالأمر الواقع.

يعرف الإيرانيون الذين يقودون العمليات العسكرية والسياسية في سورية أن الاستنزاف أصاب جميع القوى، وفي مقدمها النظام، وأن الأسد ليس في حاجة إلى أكثر من تجميد المواقع، ووقف إطلاق النار، حتى يستمر، ويوقف تدهور موقفه العسكري والسياسي، فوقف إطلاق النار، من دون شروط، سوى تأمين الغذاء للمناطق المحاصرة، يعني، ببساطة، تحرير الأسد من كل الضغوط العسكرية والدولية، وتكريس سلطته من جديد في المناطق التي يسيطر عليها، وهي الأهم سياسياً في سورية، وتركه المناطق الأخرى الخاضعة للمعارضة تكتوي بنار الفوضى والصراعات الداخلية، والتسول على المساعدات الدولية.

مثل هذا الوضع لا يشكل ضماناً لبقاء الأسد، كما يريد الإيرانيون فحسب، وإنما يريح، أيضاً، المجتمع الدولي الذي يريد أن يتخلص من عبء المأساة السورية، ولا يبقي من القضية السورية، أعني قضية تغيير نظام حكم جائر وقاتل، إلا بُعدها الإنساني. سيقدم المجتمع الدولي المساعدات لمناطق المعارضة، حتى تستمر في الحياة، لكنه شيئا فشيئاً سوف يتعامل مع دمشق كعاصمة للدولة السورية المتبقية، في حين سينظر إلى مناطق المعارضة المتفرقة كفراطة وفرق حساب.

 

من الطبيعي أن يتحمس الأسد لمثل هذا المخطط الذي يأتي ليكمل عمله التدميري، ويؤمن استمراره، بتكريس تقسيم الأمر الواقع للبلاد بينه وبين المعارضة، مع احتفاظه بالجزء الأساسي من الدولة، ومواردها ورموزها، وتركه سائر المناطق هدية مسمومة للمعارضة تتنازع عليها مع داعش والقوى المتطرفة الأخرى، وتأكل بعضها فيها.

وليس من قبيل المصادفة أن يختار دي ميتسورا مدينة حلب، والتركيز عليها، فبتجميد القتال في حلب يسمح لنظام الأسد الإيراني أن يستجمع قواه من أجل القضاء على معاقل الثوار في الغوطة الشامية، وينظف منطقته من المعارضة نهائياً. هذا أفضل تتويج يمكن أن يحلم به الأسد لسياسة عقد الهدن الكثيرة التي وقعها مع مقاتلي الأحياء والقرى، والتي حيد من خلالها آلاف المقاتلين، وخفف العبء عنه، ليعزز مواقعه في دمشق والوسط والساحل، ويجعل منها دولته الخاصة المعترف بها.

مشروع دي ميتسورا هو طوق النجاة لنظام الأسد المتهاوي والمهدد، الذي يأتي في اللحظة المناسبة، وهو الضربة القاضية التي يريدها حلفاؤه للثورة وأهدافها. سيتمترس الأسد والإيرانيون في دمشق وملحقاتها، وهذا يكفيهم، ويتحدوا المعارضة في إقامة النظام التعددي الديمقراطي الذي قامت من أجله الثورة في مناطقها المبعثرة. بعكس ما يشاع تماماً، لا يفتح المشروع أي أفق للحل أو للتسوية أو للمفاوضات، ولا للانتقال السياسي، ولا لحكومة شراكة، حتى من نوع لا وطني، لكنه بتقسيمه سورية بين المعارضة وداعش والنظام، يلغي الحاجة إلى المفاوضات والتسويات والمطالب الديمقراطية من الأساس، ويمكّن كل طرف من تطبيق النظام الذي يريده في منطقته. وفي الحقيقة، ينهي وجود سورية نفسها كدولة.

ولا أعتقد أن الدول ستعارض ذلك، بل ربما وجد كثير منها، بما فيها من يدّعي الصداقة للشعب السوري حتى الآن، أفضل وسيلة للتملص من المسؤولية، كما سيجد في وجود دولة إسلامية متطرفة في شرق سورية أفضل وسيلة لدفع المسلمين السنة، وإغراقهم في شلالات دماء حرب أهلية داخلية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نزيف النخبة السورية ودمارها .. فايز سارة

الشرق الاوسط - الاحد 11-16-2014

بين آخر الأخبار المتعلقة بنزيف النخبة السورية ودمارها، كان خبر مقتل 4 من الخبراء السوريين في مركز البحوث العلمية القريب من دمشق إلى جانب خامس كان معهم قيل إنه إيراني الجنسية، وبغض النظر عن التفاصيل الملتبسة، التي أحيط بها مقتل الخبراء العاملين في أهم وأخطر مؤسسة علمية في سوريا، فإن مقتلهم يمثل حدثا جديدا في ظاهرة نمت واستشرت منذ بدء الأحداث السورية، هي ظاهرة نزيف ودمار النخبة السورية في مسار حرب بدأها النظام ضد السوريين، قبل أن تشارك فيها أطراف محلية وأخرى إقليمية ودولية من مواقع مختلفة ولغايات وأهداف متباينة.

بدأ المسار العام للظاهرة مع خروج السوريين للمطالبة بالحرية متظاهرين ومحتجين، وكان من الطبيعي، أن ينضم إلى المتظاهرين والمحتجين رموز من النخبة السورية في تكويناتها المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية وغيرها، وكغيرهم من المحتجين والمتظاهرين، تعرضوا إلى قمع النظام قتلا وجرحا واعتقالا وملاحقة، وهو اختصار للنهج الذي سار عليه النظام وما زال في التعامل مع الحراك السلمي والمدني الذي أطلقته ثورة السوريين، وتحولاتها إلى العمل المسلح.

وتطورت مشاركة قطاعات النخبة في الفعاليات المناهضة للنظام مع تطورات الأزمة السورية وصولا إلى الصراع المسلح، فكانت فعاليات الإغاثة ومساعدة المتأثرين بحملات النظام العسكرية والأمنية في تشريد السكان وتدمير مناطقهم السكنية، فنشأت أنشطة الدعم الإنساني في مجالات الغذاء وتأمين السكن للمشردين، ثم امتدت الأنشطة في مساعدات طبية ودوائية لمواجهة ظروف الجرحى والمرضى في مناطق العمليات الأمنية والعسكرية وحولها، وتزامنا مع تلك الأنشطة، كان نشاط المحامين والحقوقيين الذي تزايدت مهماتهم في الدفاع عن المعتقلين والبحث عن المختفين قسرا لمعرفة مصيرهم، وارتبط ذلك كله بالحاجة إلى أنشطة إعلامية ساهم فيها أفراد وجماعات، أرست أشكالا مختلفة من نشاطات إعلامية دعاوية عبر مؤسسات غير رسمية، ولدت في خضم تطورات الحدث السوري.

ولم يكن بالإمكان القيام بهذه الأنشطة دون توفير إمكانات مادية ومالية، الأمر الذي تطلب دخول بعض الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية لجمع التبرعات المالية والعينية لمعالجة أوضاع السوريين وخصوصا ضحايا قمع النظام ومساعدتهم في التغلب على ظروف حياتهم الجديدة، فنشأت شبكات جمع التبرعات وتوزيعها في الأنحاء السورية المختلفة.

وكما هو واضح من تلك الأنشطة، فقد تطلبت الحالة انخراط مجموعات مختلفة من النخبة السورية، التي لا شك أنها انقسمت بين قوة، انتمت إلى ثورة السوريين، وقلة وقفت إلى جانب النظام أو وضعت نفسها خارج معادلة الصراع، وإن كانت أقرب إلى موقف النظام وسط موقف الحياد.

إن آلافا من شخصيات النخبة السورية انخرطوا في فعاليات الثورة، أو أعلنوا الوقوف إلى جانبها، مما وضعهم في مسارات حياتية ومهنية وعملية مختلفة عما كانت عليه أوضاعهم قبل الثورة. بعضهم اعتقل أو اختفى دون معرفة مصيره، وهذا ما أصاب أطباء ومحامين وفنانين ورجال أعمال من اعتقال وقتل تحت التعذيب وخطف بسبب أنشطتهم ومواقفهم.

ولم تكن ممارسات النظام وميليشياته بما فيها عناصر «حزب الله» اللبناني والميليشيات العراقية وحدها التي ألحقت القتل والجرح والاختفاء القسري، بل امتد ذلك إلى المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، التي وجدت فيها التشكيلات المسلحة للمعارضة، وفي المناطق التي سيطرت عليها قوى التطرف والإرهاب من أخوات «القاعدة» أمثال تنظيم «داعش» و«جبهة النصرة»، حيث قتل وجرح واختفى مئات من رموز النخبة الذين عارضوا نظام الأسد أو مواقف القوى والجماعات المسلحة وخصوصا المتطرفة.

وباستثناء هذا النسق من استنزاف وتدمير النخبة السورية، فإن تطورات الوضع السوري فتحت نسقا آخر لا يقل خطرا على مصير النخبة من سابقه. فاندفع مئات آلاف من كل الاختصاصات بما فيها الاختصاصات النادرة وبينهم أساتذة في الجامعات وأطباء ومحامون ومهندسون ورجال مال وأعمال وكتاب وسياسيون وصحافيون وغيرهم لمغادرة البلاد، بسبب الملاحقة الأمنية أو طلبا للعمل وللسلامة ورغبة بالخروج من حمام الدم المتزايد الانتشار، فأصبحوا لاجئين ومقيمين في دول الجوار وفي الأبعد منها، وسط ظروف صعبة وغير إنسانية.

لقد خسرت سوريا في 3 سنوات ونصف، قسما كبيرا من نخبتها في المجالات المختلفة، وباستثناء الأثر الإنساني الذي لن يمحى بما فيه من آلام ومعاناة شديدة، فإن الأثر المادي كبير أيضا، وستحتاج سوريا إلى عقود من السنوات حتى تعوض ما فقدته من قدرات النخبة، ليس ممن قتلوا وجرحوا واعتقلوا أو اختفوا قسرا، بل أيضا بالنسبة لمن ذهبوا في لجوء مؤقت أو دائم ولا أحد يعرف إذا كانوا سيعودون في المستقبل أم لا؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بين (أسلمة سوريا) و(الثورة في إسلامها).. ملاحظاتٌ منهجية (3) .. د. وائل مرزا

المدينة - الاحد 11-16-2014

بين (أسلمة سوريا) و(الثورة في إسلامها).. ملاحظاتٌ منهجية (3) بعد شبهة (الخوف على الإسلام)، تُثار عند رفض موضوع المراجعات شبهةٌ ثانية، في سوريا تحديدًا، وتتمثل في أن مثل هذه المراجعات تشغل الناس عن المهمة الأساسية المتمثلة في مقاومة النظام، ورغم إمكانية حدوث هذا إذا كانت النياتُ سيئةً، أو طريقة التفكير في المراجعات وتنفيذها تقليديةً وفوضوية، إلا أن الحقيقة هي عكسُ ذلك إذا أردنا التفكير بطريقةٍ علمية، فضلًا عن أن ممارسات وتجارب الأمم والدول عبر التاريخ تُثبت تلك الحقيقة عمليًا.

فالنظام يعتاشُ منذ اللحظة الأولى على دعوى التطرف، ثم على واقع الإرهاب الذي أنتجه ذلك التطرف أفكارًا ومنظمات، ربما بنفس الدرجة أو أكثر من اعتماده على جهوده الذاتية والمساعدات التي تأتيه من الخارج، وفي غياب المراجعات الجادة والحقيقية لفهم الإسلام وتنزيله على الواقع، فإن صعود التطرف بات أكبرَ ورقةٍ في يد النظام إعلاميًا وسياسيًا واجتماعيًا، يستعمُلها ضد الثورة وأهلها داخليًا وإقليميًا وعالميًا، وصار أكبر عائقٍ داخلي يخلق الكوابح والمطبات في كل ما يتعلق بالثورة وأدواتها وحاضنتها.

ورؤيةُ الواقع بشكلٍ عميق، بعيدًا عن المظاهر السطحية، تُظهر أن كثيرًا من الأطراف المتداخلة في الموضوع السوري تَطربُ أصلًا لوجود التطرف، وتعتبره عنصرًا رئيسًا في تبرير الاستقالة السياسية والأخلاقية للنظام الدولي من (الهم) السوري، بحيث يبقى المتضررُ الأولُ والأكبرُ من غياب المراجعات وغلبة التطرف؛ سوريا وثورتها وشعبُها، وإسلامُها الأصيل.

في مقابل هذا، للمفارقة، تأتي الظنون والمقولات التي تربط كل دعوةٍ للمراجعات والإصلاح بأنها استجابة لرغبات الغرب أو أمريكا أو أي طرفٍ من الأطراف، ويتصاعد الحديث أحيانًا عن (إسلامٍ أمريكي) و(إسلام أوربي) وما إلى ذلك، وهناك أخيرًا مقولة (الخوف من الفوضى)، حين يعتقد البعض أن إغلاق الباب، بإحكام، على (الإسلام كما نفهمه) هو الوسيلةُ الأكثر أمنًا للحفاظ عليه. وهذه مأساةٌ ينبغي إعادة النظر فيها بشجاعةٍ وتجرُّد.

لا مفر من إعادة التذكير بأعلى صوت، والنداء موجه للإسلاميين، ممن يخافون على الإسلام حقًا، مشايخَ وحركيين ونشطاء، ولكثيرٍ من المسلمين، إعادةِ التذكير بأن الباب، الذي يستميتون لخَتمهِ بالأقفال، أصبح مفتوحًا على مصراعيه منذ زمن، فالإسلام بات شأنًا عامًا، كما ذكرنا في بداية هذه المقالات، وبغض النظر عن النيات، فقد صار الحديث فيه مشاعًا لكل الناس، لأنهم يرون أنه يؤثر في حياتهم ويصنع حاضرهم ومستقبلهم، ولم يعد ثمة معنى لحصر الحديث في الدين في طبقةٍ معينة، بل إن المفارقة الغريبة، أن شريحة علماء الدين هي الأكثرُ سكونًا وقلة حركة وتَمَسُّكًا بالحرفية، حين يتعلق الأمر بفهم الإسلام في ضوء المتغيرات الكبرى الراهنة، بدلًا من مواكبتها، على الأقل بقاعدة ابن القيم المشهورة التي تقول ب(تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال والعوائد والمقاصد والنيات).

لا خوف على الإسلام من مراجعاتٍ جدية وحقيقية وشاملة وعميقة يقوم بها أهل العلم والاختصاص، بل الخوفُ عليه إن لم يحصل هذا.

لا مهرب من الفوضى، ولا مفر من ظهور إسلامٍ أمريكي وأوروبيٍ، بل ونسخٍ عديدةٍ أخرى من الإسلام، في هذا العصر وفي مثل الظروف التي تمر بها سوريا والمنطقة، لكن الحل الوحيد الذي يمكن أن يُخفف من تلك الفوضى، وقد يُبلور إسلامًا أقربَ للمقاصد والمنطلقات التي أرادها الخالق، لن يظهر إلا في ظل المراجعات، ونَصِفُها، مرةً أخرى، بما يجب أن تكونَ عليه: جديةً وحقيقيةً وشاملةً وعميقة.

هذه فرصةٌ تاريخية بكل معنى الكلمة، ولم يسبق لها أن وُجدت في تاريخ المسلمين، فقد كان الواقع يسمحُ لهم، ولغالبية علمائهم، بالقفز فوق جذور المشكلات الكبرى الكامنة في التراث الإسلامي وفي المدونة الفقهية التقليدية، لأنها كانت (نظريةً) قابعةً في بطون كتب التراث والفقه الضخمة.

صحيحٌ أن كثيرًا منها فعلَ فِعلهُ في ثقافة المسلمين، فأنتج واقعًا اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا فيه الكثيرُ من الأزمات، وهو لا يليق بالقيم الكبرى للإسلام لا على مستوى الأفراد ولا الجماعات البشرية، لكن هذا حدثَ بشكلٍ غير مباشر، وعلى مدى العقود والقرون، لهذا، كان من السهل ألا يرى الكثيرون مفاصل الربط بين هذا الواقع وتلك الجذور.

لكن (داعش) وأمثالها أخرجت جملةً فقط من تلك الجذور من بطون كتب التراث، ومن صفحات المدونة الفقهية الإسلامية، وقالت: هذا هو الإسلام، (داعش) قامت بتجميع ما استخرجته ثم أعادت تركيبه على أنه (الإسلام)، بل وأقامت عليه دولةً ونظام حكم، لأول مرةٍ في تاريخ الإسلام والمسلمين بهذا الشكل.

لا مهربَ من الاعتراف بهذه الحقيقة أولًا وقبل كل شيء، لأن كل ما يستندون إليه من تعاليم مقبولٌ -نظريًا- من بعض الفقهاء والمشايخ! أما القولُ بأن تطبيقهم للإسلام هو الخاطئ، والحديثُ عن مشكلاتٍ في الآليات القضائية وافتقاد الأهلية (السلطانية) للقيام بأفعالهم وما إلى ذلك، فإنه يوقعنا في مشكلةٍ أكبر، لأن مؤداه المنطقي أنهم (يمثلون الإسلام)، فضلًا عن أن هذا المدخل يوقع أصحابه السوريين في شبهة استحالة تطبيق أحكام يرونها جزءًا لا يتجزأ من الإسلام، لكنهم ينتظرون لتطبيقها إمامًا أعظم لا يعلم أحدٌ كيف له أن يظهر في سوريا في هذا الزمان.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

طهران والاختيار بين النووي والأسد .. سعد كيوان

العربي الجديد - الاحد 11-16-2014

يبدو أن لعبة الشطرنج التي تجري، منذ سنة، بين الولايات المتحدة وإيران، على رقعة الشرق الأوسط، راحت تزداد تعقيداً مع قرب انتهاء الوقت المحدد للمفاوضات حول الملف النووي الإيراني في 24 نوفمبر/تشرين أول المقبل، جراء مجموعة عناصر استجدت، في مقدمها الظهور "المفاجئ" لتنظيم داعش الذي تمدد من سورية، ليجتاح شمال العراق، ويتحول إلى "بعبع" للمنطقة بأكملها، ويضع أيضاً الطرفين، أي واشنطن وطهران، في مواجهته، أقله في المعلن.

ومن الواضح أن المفاوضات لم تعد تدور حول النووي فقط، أو بالأحرى، يتم التفاوض عمليّاً حول كل شيء، من العراق إلى سورية ولبنان، ومن الثورات إلى الأنظمة وثوراتها المضادة، ومن المصالح والنفوذ في هذه الدول، ودور الدول المحيطة والمؤثرة، إلى "داعش" بيت القصيد، وخالط كل الأوراق والحسابات.

انطلقت المفاوضات في 24 نوفمبر/تشرين ثاني 2013، من إطار عام، يقضي أن توافق إيران على التزامات طويلة المدى، تتعلق بتقليص برنامجها النووي، في مقابل رفع متدرج للعقوبات المفروضة عليها. بمعنى آخر، تلتزم إيران تعاقديّاً التزاماً طويل المدى، في مقابل أن يستخدم الرئيس الأميركي، باراك أوباما، صلاحياته الرئاسية لتقليص العقوبات الاقتصادية الحادة المفروضة على إيران، وأن يستأذن الكونغرس في إلغاء قانون العقوبات على إيران، بحلول نهاية عام 2016.

ولهذا الغرض، باشرت إيران، بعد انتخاباتها الرئاسية، العام الماضي، التفاوضَ حول ملفها النووي مجدداً، وأفلحت في إبرام "اتفاق إطار" مع مجموعة (5 الاحد 11-16-2014 1)، أي الولايات المتحدة، فرنسا، انكلترا، روسيا والصين الاحد 11-16-2014 ألمانيا، مدته ستة أشهر، إلا أنه بسبب الفجوة الكبيرة التي استمرت تفصل مواقف الأطراف، ورغبة الجميع في استمرار التفاوض، فقد تم تمديد المهلة ستة أشهر إضافية، إفساحاً في المجال للتوصل إلى اتفاق نهائي. وستنتهي هذه المهلة الإضافية، بعد نحو عشرة أيام، ولا يزال الاتفاق بعيد المنال.

إن النووي قبل "داعش" ليس كما بعده! فواشنطن وطهران تقفان عمليّاً، اليوم، في خندق واحد، في مواجهة هذا الوحش، كل من موقعه وحساباته المختلفة. فقد عمل نظام الملالي، في البداية، على تغذية ظاهرة "داعش" التي أطلقها حليفهم وربيبهم، بشار الأسد، في سورية، ثم مهد الطريق ل"داعش"، لكي يغزو العراق عبر ربيبه الآخر، نوري المالكي، من أجل أن تتحول الثورة إلى إرهاب واقتتال سني-سني. في الوقت عينه، سعت الإدارة الأميركية إلى استغلال الظاهرة الآخذة في التمدد، وتوظيفها في أكثر من اتجاه، بهدف ابتزاز الخصوم والحلفاء على السواء. حاولت التعويض عن تخاذلها وإطلاق الوعود الكاذبة تجاه (إسقاط) النظام السوري، وكذلك تجاه دعم المعارضة السلمية، ثم المقاتلة، على الأرض.

فكان أن "انقلب السحر على الساحر"، وتحول "داعش" إلى وحش دموي كاسر، يتهدد الجميع، وفرض نفسه بقوة على طاولة المفاوضات النووية. فقرر أوباما التدخل عسكريّاً، عبر الغارات الجوية التي تشنها قوى التحالف، منذ أكثر من شهرين على "داعش" في العراق وسورية على السواء. رفضت إيران المشاركة، على الرغم من صراخها وإعلانها، هي وحلفاؤها بشار في سورية و"حزب الله" في لبنان، والمليشيات الشيعية في العراق، الحرب على الإرهابيين والتكفيريين. كيف لها أن تشارك في المعركة إلى جانب من تصوره لجماهير "المستضعفين" على أنه "الشيطان الأكبر"، ومنبع "الاستكبار العالمي"؟ وأين لها أن تجد بعدها الخصم الذي يعبئ به علي خامنئي ملايين الإيرانيين، أو حسن نصرالله، حشود الممانعين الشيعة في لبنان... علماً أن الأسد عرض خدماته على "الشيطان الأكبر" أوباما من أجل التعاون والتنسيق في مقاتلة "الإرهابيين"، على الرغم من عدم تصديه، ولو بغارة واحدة، على "داعش".

في المقابل، يعكف مستشارو البيت الأبيض، في الأيام الأخيرة، على وضع استراتيجية جديدة، بعدما تبين للرئيس الأميركي أن لا جدوى من الغارات الجوية فوق الرمال المتحركة، وأن القضاء على "داعش" يفترض التحرك، أيضاً، باتجاه إسقاط نظام الأسد. وهذا يعني إعادة خلط الأوراق مجدداً باتجاه مزيد من التعقيد والتوتر، وربما التفجير في أكثر من ساحة، إلا أن اللافت في هذا المجال هو دخول روسيا على الخط، عبر تسريب ديبلوماسيتها معلومات عن استعدادها التخلي عن الأسد في مقابل تشكيل حكومة انتقالية، تضم المعارضة المعتدلة، وبعض القريبين من النظام، شرط الحفاظ على مؤسسات الدولة والجيش. فهل هذا يعني أن موسكو باتت مقتنعة أن استمرار الرهان على بشار أصبح رهاناً فاشلاً، وأنه مازال يقف على قدميه فقط بفعل الدعم العسكري الإيراني والمليشيات اللبنانية والعراقية التابعة لطهران؟ وبالتالي، من الأفضل ملاقاة واشنطن في منتصف الطريق للحفاظ على موطئ قدم على شرق المتوسط.

هذه التطورات المتسارعة وضعت نظام الملالي، المتمرس في التفاوض، والمعروف بنفسه الطويل في "حياكة السجاد"، أمام اختبار لا يحسد عليه. واشنطن تمارس ضغوطها عبر الملف النووي، وموسكو تترك فجأة طهران الحليفة في منتصف الطريق. والخيار هو بين الملف النووي وبقاء بشار الأسد في السلطة، أي بين ضرورة رفع العقوبات الاقتصادية الخانقة عن نظامها وشعبها أيضاً، والحفاظ على نفوذها ومطامعها التوسعية على ضفاف المتوسط بعد أن امتدت أذرعها إلى معظم الدول العربية!

قد يتم ربما في اللحظة الأخيرة إيجاد حل مؤقت للنووي، عبر التمديد للمفاوضات، لكي تبقى العصا مرفوعة في وجه طهران، ولكن، كيف يمكن لها أن توفق بين القضاء على "داعش" وبقاء الأسد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المعارضة السورية ضيّعت اللبن .. محمد صبرا

العربي الجديد - الاحد 11-16-2014

"الصيف ضيعت اللبن" نقرأ في كتب اللغة عنه أنه مَثَلٌ عربي شهير، يضرب لمن ضيّع الفرصة، وفوّت الغنيمة، وترك المجال الرحب الواسع، ولم يكن له من ذكاء عقله، ومن شرف نفسه، ومن قوة عمله، ما يجعله محصلاً لمكاسب دنياه، ومدخراً لمآثر أخراه.

كلما مرّت العبارة على سمعي، تجسدت المعارضة السورية حالة نموذجية ينطبق عليها هذا المثل، فلقد ضيعت المعارضة الفرصة تلو الأخرى، من دون مبرر يشفع لها. لم تستطع أن تكون البديل الأخلاقي عن نظام خرج عن كل المنظومات الأخلاقية. اقتربت المعارضة كثيراً من ممارسات النظام، سلوكها السياسي والإداري والإعلامي لم يعد مفارقاً لسلوكه، ولا يشكل نقيضاً عنه، حتى بات الفارق بين المعارضة والنظام في امتلاك الأدوات، وليس في البعد الأخلاقي الذي كان يجب أن يشكل جوهر سلوك المعارضة، وعلامتها الفارقة عن النظام.

فمنذ أن انطلقت الثورة السورية، كان محركُها الأساس شباباً لم يتجاوزوا منتصف العشرينيات، كانوا القوة المحركة للتظاهرات. هم المنظمون والمتظاهرون. كان وجودهم مربكاً للنظام، لأنه، للمرة الأولى، يواجه أناساً لا يعرفهم، ولا يمكن له أن يتنبأ بسلوكهم، كانوا أشباحاً بالنسبة له. ولذلك، احتار النظام في الآلية المناسبة للتعامل مع عدو بقي مجهولاً بالنسبة له، في المرحلة الأولى. قام النظام بالانقضاض على هذه الشريحة العمرية بشكل عشوائي، وركز، في بدايات الثورة، على اعتقال طلاب الجامعات السورية والخريجين حديثي العهد، حتى زاد عدد المعتقلين من هذه الشريحة على ثلاثين ألفاً في الأشهر الستة الأولى، وضمن بهذا الأسلوب العشوائي في الاعتقال إبعاد هذه الشريحة المتعلمة والقادرة على إدارة الحراك السلمي من الشارع.

وبعد ذلك، بدأ إعلام النظام وسياسيوه، وحتى رئيسه، بالتشكيك بأن الثورة التي لا قيادة لها، ولا عنوان واضحاً لها، مجرد ثورة افتراضية. كان النظام يسعى، بأي شكل، إلى ظهور قيادة يستطيع قراءتها، وتكييف سلوكه مع سلوكها.

كان تأسيس المجلس الوطني السوري، في أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2011، يوما فرحاً للنظام، لأنه، للمرة الأولى، سيواجه أناساً، يعرفهم جيداً، ويعرف النسق السلوكي الذي يتبعونه، يعرف نمط تفكيرهم وردود فعلهم. كان هذا التأسيس ضربة لقيادات الثورة الشابة التي اضطرت للاعتراف بقيادة المجلس لهم، وتمثيله الثورة بسبب عوامل عدة. ومع ذلك، فشل المجلس في تمثيلهم، وقيادة حراكهم، لأن أعضاءه كانوا خليطاً من طامحين وطامعين وحالمين ومعارضين، قارعوا النظام فترة طويلة، لكنهم لم يستطيعوا تجاوز ذواتهم، وتغيير نمط سلوكهم.

كان الطامحون والطامعون والحالمون يشكلون أغلبيته. داعبت مخيلاتهم تداعيات التجربة الليبية، وتخيلوا قصر الشعب الذي سيعقدون اجتماعاتهم فيه، بعد أن تقصف الطائرات الأميركية قوات النظام. خدعوا أنفسهم ولم تخدعهم أميركا. كانت الولايات المتحدة واضحة، منذ البداية، بعدم التدخل عسكرياً في سورية، وبأنها لن تضغط من أجل انهيار سريع للنظام.

تحدثت هيلاري كلينتون بصراحة في لقائها الأول مع قيادة المجلس الوطني، في 6 ديسمبر/كانون الأول عام 2011، حيث قالت كلاماً واضحاً عن ضرورة حماية الأقليات والنساء، وعن حكم القانون، وأن المشكلة ليست إزاحة الأسد، بل هي في حكم القانون وحماية الحريات الذي يجب أن يسود بعد حكم الأسد، وعندما سئلت عن التدخل، قالت إن عدد الضحايا لا يسمح الآن ببحث التدخل. فهم بعضهم أن كلينتون تقول إذا زاد عدد الضحايا فإننا سنتدخل. مارس الطامعون والحالمون وهم الذات المدمر، كانت قراءتهم للواقع الدولي والإقليمي وللموقع الجيوسياسي لسورية سطحية، تنم عن عقم سياسي متجذر فيهم.

استمر سياسيو المعارضة في صياغة خطاب سياسي، أقل ما يمكن أن يقال فيه إنه كان ردة الفعل التي يتوقعها النظام منهم. زاد النظام من وحشيته، بعد تأسيس المجلس الوطني، لأنه، الآن، بات يعرف من سيواجه، وانزلق المجلس إلى المكان الذي خطط له النظام، العسكرة التي زايد فيها أعضاء المجلس الوطني، عبر الدعوات المستمرة للعالم إلى تسليح السوريين، وكأن من سيحمل السلاح خريجو معهد "الكونسرفتوار" في دمشق، وليس خريجي معهد الفتح الإسلامي ونظائرهم من الحركات السلفية التي تمجد الجهاد وثقافة الاستشهاد.

لم يستطع المجلس الوطني صياغة خطاب وطني سوري، يركز على البعد الحقوقي المنتج للقيم في الثورة السورية، بل ذهب إلى خطاب صراعي مانوي استقطابي، لا معنى له سوى تقسيم الشعب السوري بين شبيحة وضحايا، وهذا ما كان يريده النظام الذي قسم الشعب، بدوره، إلى شرفاء وإرهابيين. كان هناك بون شاسع بين التظاهرات التي تنادي بوحدة الشعب، وبأن الشعب السوري واحد، تلك التظاهرات المليئة بالأهازيج الرائعة والمتحدية، على الرغم من الألم والجراح، وبين خطاب بعض أطراف المعارضة المتشنج، والذي بدأ يلامس الأمور من زوايا الصراع الطائفي. كان المتظاهرون الذين يستشهدون برصاص جنود النظام يشيعون الشهداء، وهم يهتفون لسورية، لكل سورية، ويرفضون الانزلاق إلى فخ الخطاب الطائفي الذي يريده النظام، بينما تصدّر أولئك المعارضون الشاشات، وعبروا، وبشكل مسيء، عن مقاربات طائفية في خطابهم، يكفي فقط أن نقارن بين خطاب المعارضة ولوحات كفرنبل وداريا والزبداني وأهازيج حوران وحماه والموحسن والقورية في عام 2011، حتى نعرف كم كان الشعب السوري متقدماً برؤيته السياسية، وناضجاً بخطابه أكثر من معظم أولئك المعارضين.

ومما يدعو إلى الأسف أن "الائتلاف" الذي ورث المجلس الوطني ورث، أيضاً أخطاء المجلس والمعارضة التقليدية، وزاد عليها أنه انفصل، بشكل شبه نهائي، عن واقع الثورة وعن القضية الوطنية السورية، بسبب صراعات مكوناته على سلطات موهومة وكراسي معلقة في الهواء، غير موجودة سوى في أحلام بعض أعضائه.

كانت أمام "الائتلاف" فرصة ذهبية، لإعادة ترميم خطابه السياسي والوطني في مفاوضات جنيف، وفعلاً قدم الائتلاف وثيقةً، يمكن اعتبارها خارطة طريق عقلانية وواقعية جداً، وتشكل، بحد ذاتها، نقطة مشتركة بين كل من يريد حماية سورية وقضيتها الوطنية. كانت هذه الوثيقة من 24 نقطة، سميت إعلان المبادئ الاساسية للمرحلة الانتقالية. رفض النظام مجرد تسلم هذه الوثيقة، وكان على "الائتلاف" أن يبدأ حملة دبلوماسية وإعلامية، لشرح هذه الوثيقة وبيان أهميتها. لكنه، وبمجرد عودته من جنيف، أضاع الوثيقة في زحمة الخلافات بين كتله وأعضائه، وتم نسيانها وتجاوزها نهائياً، والغريب أن باقي أطياف المعارضة لم تستثمر في هذه الوثيقة، على الرغم من أنها قدمت خطاباً وحلولاً قريبة جداً من طروحاتها، فلا خلاف جوهرياً بين طرح هيئة التنسيق، مثلاً، ورؤيتها للحل، وبين وثيقة إعلان المبادئ، لكن الهيئة من باب "الجكر السياسي" لم تقرأ هذه الوثيقة، وتجاهلتها تماماً. وكذلك فعلت شخصيات معارضة كثيرة خارج الائتلاف والهيئة، والذين يبحثون عن حلول، متجاهلين أن الالتفاف حول إعلان المبادئ، وبغض النظر عن أنه مقدم من "الائتلاف"، قد يشكل حلاً مناسباً، يحمي سورية من التفتت، ويحمي تضحيات آلاف السوريين من أن تتحول إلى تضحيات مجانية، وسنندم يوماً أننا لم نكن في مستوى دماء الضحايا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السياسي والعسكري في الثورة السورية .. ميشيل كيلو

الشرق الاوسط - الاحد 11-16-2014

لم يتطابق السياسي والعسكري منذ قامت الثورة السورية، واتسمت علاقاتهما إما بافتراق ظهرا معه، وكأنهما جهتان تنتميان إلى ثورتين مختلفتين، وليسا وجهين متكاملين ومتلازمين لثورة واحدة، أو بتبعية فصائل وهيئات عسكرية لهيئات وفصائل سياسية، متناقضة المواقف والرهانات، حصرت أنشطتها، في معظم الأحيان، بتفريق المقاتلين وانتزاعهم من تنظيماتهم الأصلية، ونقل خلافاتها إليهم، لتزيدهم تمزقاً على تمزق، وضياعاً على ضياع.

باختلاف النشأة بين السياسي الذي اقتصر، في البداية، على حراك مجتمعي سلمي، شمل مختلف مناطق سورية، وكان يعتقد أنه سيكون قصيراً وحاسماً، وبين العسكري الذي نشأ بفضل انفكاك عسكريين عن جيش النظام، بعد أن شرع يقتل مواطني"ه"، ويدمر قراهم ومدنهم، وقع تطور سار فيه السياسي على نهج، والعسكري على آخر ، بينما افتقر كلاهما إلى قيادة تجمعهما وتنظم علاقتهما، وتحدد ما هو متكامل أو متناقض بين أنشطتهما ومهامهما، وتجعل سياساتهما ومواقفهما الموحدة تنبع من خطة شاملة للحراك، وتستجيب لحاجاته، لكي لا ينجح النظام في تحويله إلى صراع مسلّح، متزايد العنف، يضعف السياسي، الضعيف أصلاً، لصالح العسكري، المتخبط والمجزأ، ويحل تدريجياً "المجاهد" محل المتظاهر السلمي، ويقيد حراكه، ويقلبه أكثر فأكثر إلى عنف مسلّح غير هويته، على الرغم من أن نجاحاته كانت تعوض بعد الشيء عن النتائج الوخيمة لتشتته المكاني.

بدل أن يقوي السياسي العسكري والعسكري السياسي، أضاف كل منهما نواقصه وعيوبه الكثيرة إلى مصاعب الآخر، الذاتية والخاصة، فتناقض العسكري البادئ بارتباك مع حراك سلمي مضطرب ومتخبط سياسياً، تقوده جهات محلية، تفتقر إلى الخبرة والتجانس، وإلى تفاهم يتخطى مكانيتها الضيقة، تدعمه رؤى جامعة: متقاربة أو متشابهة فكرياً وعملياً، في حين تعارض السياسي مع صراع عسكري، تختلف شروط نجاحه اختلافاً كبيراً عن شروط نجاح ما افترض أنه الحاضنة السياسية التي نشأ فيها. هذا الانتقال المفعم بالنواقص والعيوب، قام على افتراق العسكري عن السياسي، فعزز عيوب وضعيهما، وإيجاد بيئة شك وارتياب بينهما جعلت هم السياسة، بعد تأسيس المجلس الوطني بصورة خاصة، اختراق العسكر واستمالة مجموعات أو أفراد منهم، وأخذ موطئ قدم للنفوذ وكسب الولاءات بينهم، في حين لعب المال السياسي القادم من الخارج دوراً مدمراً في تنمية ميل عسكر الحارات والشوارع، المعزولين غالباً بعضهم عن بعض، إلى تنمية استقلالية مزعومة في مواجهة السياسي، أو بعيداً عنه، أخذت صورة تمزق أصاب ما كان يجب أن توحده التطورات والمصالح الوطنية، وأبرزت عقلية المفاضلة بين السياسي والعسكري، متجسدين في داخل مسلّح وخارج سياسي، وبدات تنتشر أسطورة أن الحسم سيكون عسكرياً، وأنه يكفي لحدوثه تزويده بقدر وافر من السلاح والمال، فلا حاجة به إلى إطاعة مركز سياسي موحد، أو قيادي، لا دور ولا لزوم له.

بذلك، تناقص دور السياسي وتأثيره، بدل أن يتزايد مع تصاعد الصراع، واعتبر مجرد عبء ثقيل على كاهل ثورة تتحول أكثر فأكثر إلى أعمال عسكرية ظافرة يغذيها، ويدعمها خارج عربي وإقليمي، تتصارع توجهاته ودوله. وزاد الطين بلة أن العسكري كان يخوض معارك كثيفة، لكنها مجزأة، وتدور في مناطق متفرقة.

خلال هذه العلاقة التي كانت تتطلب معالجة جدية وثورية، وبدل إزالة ما بين السياسي والعسكري من صعوبات وتناقضات، دعي قرابة 600 مقاتل عسكري ومدني إلى مؤتمر في أنطاليه لهيكلة الجيش الحر، تم استبعاد الائتلاف عنه، على الرغم أن العالم كان قد اعترف به مرجعية سياسية له. ذلك كان يعني انتزاع المسألة السورية من السياسي، ووضع يد الخارج على العسكري، وكان يؤسس لفصل أحدهما عن الآخر وبالعكس، ووضعهما في عالمين متباينين ومختلفين أشد الاختلاف، وإخضاع السياسي للتهميش التام والعسكري لإرادات وخطط، لا تنبع قيمتها وأولويتها من أثرها الوطني، أو هويتها السياسية المستقلة، ولا تمت إلى الثورة وحراكها بصلة داخلية ملزمة.

عوض رفض هذا الحدث الخطير، والرد عليه ببرنامج شامل لتوحيد السياسي والعسكري، ولإقامة علاقات لا لبس فيها، بينهما تجعل منهما جسمين، ينتميان عضوياً بعضهما إلى بعض، وإلى ثورة واحدة، تجاهل قادة الائتلاف – السياسي - ما وقع، ولجأ من حل محلهم فيما بعد إلى طريقة "أسدية" في التعامل مع العسكر، أن استغلوا وضعهم على رأس جهة سياسية معترف بها دولياً، لكي يشتروا "قادة" عسكريين، ويستخدموا لأغراض محض انتخابية وشخصية من أرسلتهم أركان الجيش الحر من المقاتلين إلى "الائتلاف"، مندوبين عن المجلس العسكري الأعلى، مع أن هؤلاء انتدبوا إليه لكي يمثلوا مصالح ووجهات نظر المجال العسكري في المجال السياسي، ويقيموا تطابقاً فاعلاً بينهما. بذلك، تم تقريب واستبعاد المكونات العسكرية حسب قابليتها للشراء، أو امتناعها عنه، وقيمة أصواتها الانتخابية، وليس وفق أي معيار وطني. وبذلك، فاقم "السياسي" مشكلات العسكري الذي كان يتعرض لتراجع ميداني متواصل، تحت وطأة هجمات ضارية، تعرض لها على يد النظام و"داعش"، أخرجته من معظم المناطق التي كان قد طرد الأسد منها، وتلازمت مع قطع المدد الخارجي بصورة شبه تامة عنه: مع أنه كان شحيحاً ومتقطعاً على الدوام.

سيكون من الصعب أن تنتصر ثورة يذهب ساستها في اتجاه وعسكرها في آخر، ولن تنجح نضالات يستخدم الساسة العسكر فيها لمقاصد شخصية، لا علاقة لها بمبدأ وطني أو ثوري. في المقابل، لن تنجح ثورة يعزف عسكرها عن تصحيح مسارها، مع أنهم حاملها الذي يرتبط استمرارها، ونجاحها بوحدته وبقدرته على الفعل، علما أن انقساماته وخلافاته لعبت دوراً كبيراً في تقويضها، مثلما لعبت خلافات وانقسامات السياسي دوراً مخيفاً في تمزقه وهزائمه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السفر برلك الأسدي.. مضر عدس

العربي الجديد - الاحد 11-16-2014

السفر برلك كلمة تركية، ترجمتها إلى العربية (النفير العام، التعبئة، التأهب للحرب)، ارتبطت بالذاكرة العربية ارتباطاً أسود، وعلى الرغم من مضي نحو مائة عام على إعلان الخلافة العثمانية للسفر برلك، فإنّ الحوادث المرتبطة بالحادثة لا تزال عالقةً في الذاكرة الجمعية العربية والسورية.

إبان الحرب العالمية الأولى، ونتيجة للمعارك الكبيرة والطاحنة، واتساع رقعة الصراع بين العثمانيين وأعدائهم، وكثرة القتلى بين صفوف جيش الأستانة، والزيادة المضطردة في أعداد الجبهات الساخنة، اضطرت حكومة الخلافة إلى أن تعلن السفر برلك، فانتشرت دوريات الجيش والشرطة، وبدأت حملات الاعتقالات الواسعة في المدن والقرى السورية وغير السورية التابعة للحكومة العثمانية. وكذلك جُمعت أعداد غفيرة من الشباب والرجال الذين لم يستطيعوا الهرب، أو الاختباء هرباً من خدمة الموت، وما أن يُجمع عدد معيّن، حتى تسارع الجهات المسؤولة عنهم على تشكيل كتائب وألوية، ومن دون أيّ تدريب عسكري كاف ومطلوب، تُزجّ هذه التشكيلات على عجل في ساحات المعارك.

وحتى اليوم، تبقى قصص نجاة أجدادنا من السفر برلك قصصاً للسهرة، فجدّ فلان استطاع النجاة من مجزرة راح ضحيتها آلاف من العساكر في الجيش العثماني، وجدّ فلان آخر استطاع الهرب من جبهة أخرى، قبل أن تُباد قطعته العسكرية عن بكرة أبيها، لعلنا إن جمعنا القصص كلها، سنكتشف أن من أهم أسباب انهيار المدن الخاضعة للحكومة العثمانية، في الحرب العالمية الأولى، هو الاعتماد المطلق على جنود تم زجهم في الصراع، بعد حصول فراغات كبيرة في القوات المسلحة، الخبرة العسكرية القليلة، أو المعدومة، وسقوط الجبهات السريع من دون مقاومة تذكر، هي أهم أسباب سقوط المدن والقرى، بالإضافة إلى أسباب أخرى، لا يتسع المجال لذكرها هنا، وبالطبع، تسارعت الأحداث، إلى أن هُزمت الخلافة في حربها في آخر المطاف.

واليوم، وفي الحرب العالمية السورية، حاول النظام مراراً وتكراراً زجّ جميع فئات المجتمع السوري في الحرب، ولكن بطرق غير مباشرة، ومن دون أن يعلن بأي شكل حالة السفر برلك أو النفير العام. اليوم، وبعد أكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة على اندلاع الثورة السورية المباركة، بدأت حملة السفر برلك السورية تعود إلى الساحة، ولكن، من دون إعلانها بشكل واضح، كما فعلها العثمانيون من مائة عام تقريباً.

ففي الجنوب السوري، وبالتحديد جبل العرب، بدأت حملةٌ، هي الأكبر لتجنيد الشباب السوري في محافظة السويداء في الصراع السوري لصالح النظام، معلنين قوائم وأسماء، حيث طُلب من الشباب مراجعة شعبة التجنيد الخاصة بهم، للالتحاق بالخدمة الإلزامية، وصل عدد المطلوبين لتأدية الخدمة العسكرية إلى 12 ألف شاب، حسب بعض الإحصاءات، ونتيجة إجراءات تعسفية من الجيش النظامي، تهدف إلى إلحاق الشباب في صفوف القوات النظامية بالإجبار والترهيب، خرجت احتجاجات في عدة أماكن في المحافظة، ترفض إدخال أبنائها في الصراع الدائر، وطالب شيوخ دين، من طائفة الموحدين الدروز، النظام، بأن يكفّ يده عن شباب المنطقة، قبل أن يتفاقم الوضع، وتتحول المنطقة إلى ساحة صراع جديدة.

لم يقتصر السفر برلك الأسدي على أبناء الأقليات فقط، لكن الحملة شملت كل المناطق الخاضعة لقوات النظام، حيث تناقل ناشطون أخباراً عن اعتقال النظام شباناً في حماه ودير الزور ودمشق ومناطق أخرى عديدة، بالإضافة إلى إرساله قوائم تضمّ أسماء الشبان المطلوبين للالتحاق بخدمة العلم في مناطق مختلفة، مثل بعض القرى في ريف دمشق.

مؤكد أنها ليست المحاولة الأولى للنظام، في السنوات الماضية في الحرب الدائرة، في اعتقال الشباب السوري، وذلك لإلحاقه في جبهات القتال المنتشرة على الأرض، ومؤكد أنّ للنظام باعاً في تشكيل ميليشيات عسكرية، لا فائدة حربية منها، مثل جيش الدفاع الوطني والمفتقدة للخبرة العسكرية بالمطلق، ولكن زجّ الشباب عنوة في الصراع، على غرار شباب الدفاع الوطني، وبأعداد كبيرة، وفي الجبهات وبشكل مباشر، وإخضاع مناطق كاملة، وبشكل كبير، سواء من الأقليات أو الأكثرية لكلمته، وإجبار أبناء المناطق الخاضعة له على إرسال أبنائهم إلى الموت الأكيد، سيكون له تأثير مباشر في انهيار دفاعات الأسد، وسقوط المدن والقرى، ولم تكن تجربة الجيش العثماني الوحيدة في التاريخ، فأحد أسباب سقوط المناطق التي سيطرت عليها قوات هتلر في الحرب العالمية الثانية وخسارته معارك كثيرة، بعد مضيّ أربع سنوات على الصراع، هو زجّ شباب ألمان في الحرب، من دون أي خبرة عسكرية، وتشكيل ألوية وقطاعات عسكرية كاملة منهم، وعدم احتواء الجيش النازي لضباط ذوي خبرة لقيادة المعارك، بعد موت كثيرين منهم في معارك سابقة.

قد يقول بعضهم إن النظام السوري يعتمد على مرتزقة أجانب، تابعين لميليشيات طائفية، تقاتل إلى جانب قواته، ولكن، في النهاية، أعداد هذه الميليشيات لا تؤثر على سياق المعركة في المحصلة، ولو استطاع النظام الاعتماد عليهم، لم يعلن نفيراً عاماً غير معلن، وفي النهاية، لعلّ السفر برلك الأسدي، على قبحه وسوأته، سيكون الشعرة التي ستقصم ظهر البعير.

 -*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : عشرون يوما على مبادرة دي ميستورا .. إطفاء جذوة الثورة خطوة ...خطوة .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 19/11/2014

ليس من السهل ، في ظل الوضع القائم ، على رجل متكئ على أريكته ، أن يعلن عن بعد : نرفض أو نستنكر أو نشجب ..فالشعب السوري الذي يعيش مأساته مكعّبة أمنيا وإنسانيا واقتصاديا ينتظر يد رحيمة تمتد له ببديل مشرف يحفظ له مكتسبات ثورته ، وثمرات تضحيات جهاده ويفرّج عنه بعض ما يعيش ...

وبعد مرور عشرين يوما على تقديم مبادرة السيد دي ميستورا 31 / تشرين الأول الماضي ، فما تزال هذه المبادرة تحدث تفاعلاتها ، وتثير الاهتمام بها .

 وللعلم فإن هذه المبادرة قد اشتقت أصلا من خطة ( أسدية ) مع تعديلات طفيفة . ولقد اعتبر السيد دي ميستورا وعد بشار الأسد وفريقه بدراستها مكسبا كبيرا له ، واختراقا عظيما لخطته . وقد رُوي أن دي ميستورا بشر بشار الأسد أن الأمريكيين في جيبه إن قبل هو بالمبادرة ، وهو في الوقت نفسه لم ير أن المعارضة تستحق أن تعرض المبادرة عليها.

إن حالة التفشي أو حالة التواري التي تعيشها مؤسسات المعارضة السورية جعل المشهد يبدو أكثر مأساوية وسوداوية في عيون الكثير من السوريين .هذا في وقت يعمل فيه ( رسل بشار ) الظاهرين والأخفياء على تسويق المبادرة ، وتجميلها ، وتقديمها على أنها المخرج الإنساني الرحيم . ولو كانت هذه الرحمة على طريقة الموت الرحيم في إنهاء المعاناة ...

وباختصار كثيف إذا كان الهدف من المبادرة هو التخفيف الآني من معاناة السوريين بوقف ما سمي ( فرامة اللحم ) ، وتدارك الموقف بإيصال المساعدات إلى المحتاجين إليها على الأرض السورية وخارجها ، وربما تزيين ذلك ببعض البهارات والمقبلات لجعل كأس السم حلوا وكأس السم هو ما سمي وضع الأسس للحل السياسي الآتي ... فإن أي مواطن سوري ( إنسان ) سيجد نفسه متعاطفا مع المبادرة بعد أن أثبتت قوى المعارضة وهيئاتها المتعددة عجزا مخيفا وميّئسا عن تقديم أي شيء حقيقي للشعب الذي ثار على أمل ، وقدم بلا حدود ، وضحى بما لم يضح به شعب في ثورة يتيمة منذ القرن العشرين .

فكل ثورات القرن العشرين قامت في ظل حرب باردة وجدت لها في ظلالها أصدقاء داعمين وأعداء معارضين ؛ بينما ثورة الشعب السوري لم تجد إلا أعداء محاربين وأدعياء متربصين أو متوارين .

ولكن الحق الذي يبقى دائما أحق أن يتبع ، والوفاء لروح الثورة ولمبادئها ولاستحقاقاتها ولدماء شهدائها وتضحيات نسائها ورجالها كل أولئك يفرض على الإنسان أن يأبى أن يخوض مع الخائضين ويسترسل مع المسترسلين تحت عناوين إنسانية براقة هي الموت والذلة بعينه وعينها ...

إن التفكير (الأسدي أو الإيراني ) الشيطاني الذي صدرت عنه مبادرة دي ميستورا والتي قامت كما قالوا على قاعدة ( حل من أدنى إلى أعلى ) أو من قاعدة الهرم إلى قمته ، مشتقة من خطة بشار الأسد التي يسميها بالمصالحات التي يفرضها على المواطنين السوريين تحت وطأة الحصار والتجويع والقتل ؛ هو في حقيقته خطوة شريرة وخبيثة لتصفية الثورة ، وإعادة السوريين إلى ما يسميه بشار الأسد ( بيت الطاعة ) أو ( حظيرة الذلة والمهانة والرعب ) ولكن حسب قواعد هنري كيسنجر خطوة ..خطوة .

إن مبادرة دي ميستورا لا تقوّم أو تدرس بما هي في ذاتها ، بل تقوّم وتدرس بمآلها وصيرورتها ، وبما سيكون عليه الوضع بعد تطبيق بنودها . وهذا ما تخلفت قوى المعارضة عن دراسته والتحذير منه ، حتى سبق أفراد من هذا الحراك أو ذاك إلى التطوع بتقديم مواقف لا يدري أصحابها حقيقة أبعادها ..

إن الخطر الأول في تحديد الموقف من المبادرة الشيطانية هو انعكاسها المبدأي على موقف وقرار الثوار والمعارضين وهم لا يمتلكون مركزية القرار ، حيث سيزيد التعامل مع المبادرة من شتات هؤلاء وأولئك ، هذا بين رفض وقبول واشتراط وفي هذا ما فيه من زيادة الوهن والخلاف ..

ثم إن السؤال الأساس الذي تُستقبل به هذه المبادرة هو : كيف ستكون المواجهة السياسية بعد أن يخمد لهيب الثورة ، وتهدأ الأمور ، ويسترخي المقاتلون في ظل حالة من الشتات والتفرق وانعدام القيادة المركزية ؛ مع الأخذ بالحسبان أنه سيكون على الجهة المقابلة قوة مركزية قوية مدعومة من قوى عالمية عسكريا وسياسيا واقتصاديا ؟!

في مثل هذه الأجواء سيتقدم السيد دي ميستورا أو بشار الأسد حيث لن يكون هناك فرق بالحلول الجزئية لبقع ( المتمردين ) أو كانتوناتهم ترغيبا وترهيبا ليسلموا سلاحهم وليندمجوا في ( الجبهة الوطنية التقدمية ) التي يعتقل في ظل قانونها مواطن مثل لؤي حسين ويقدم للمحاكمة بتهمة توهين نفسية الأمة ...

هذه هي صيرورة مبادرة دي ميستورا وهذا هو مآل ثورتنا معها ...

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السمسرة على الوطن: بشار الأسد وبعض معارضيه نموذجاً .. د. فيصل القاسم

القدس العربي - السبت 15-11-2014

ليس هناك أدنى شك بأن الثورة السورية واحدة من أكثر الثورات المشروعة تاريخياً، فلم يتعرض شعب في القرن العشرين للقهر والفاشية والإذلال المنظم كما تعرض الشعب السوري على أيدي النظام الأسدي الطائفي الغاشم الذي لم يشهد له التاريخ مثيلاً. وبما أن ذلك النظام بات رمزاً لكل ما هو وحشي وهمجي قذر، لم يقبل حتى بتلبية أبسط مطالب السوريين، فاستبدل قوانين الطوارئ سيئة الصيت التي ثار السوريون عليها بقانون الإرهاب الذي راح يحاكم السوريين بموجبه، ويضعهم أمام محكمة الإرهاب لمجرد التلفظ بكلمة بسيطة. كل من يفتح فمه ضد النظام أصبح حسب القانون الجديد إرهابياً وجب اعتقاله إذا كان موجوداً، أو صدر قرار بحرق منزله أو مصادرة أملاكه إذا كان خارج البلاد. لقد أصبح السوريون بعد الثورة يترحمون على قوانين الطوارئ على بشاعتها بعد «الإصلاحات» الإرهابية التي قام بها النظام بعد الثورة. وعندما أراد بشار الأسد أن يضع دستوراً جديداً للبلاد على سبيل الإصلاح المزعوم، وضع مواد جديدة تجعل حتى سلاطين القرون الوسطى يحسدونه على السلطات التي منحها لنفسه بموجب الدستور الجديد، فهو راع لكل شيء في سوريا حتى الزبالة والزبالين والقمامة والنخاسين. لم يترك شيئاً إلا ووضعه تحت رعايته.

وليت بشار الأسد اكتفى بوضع القوانين القراقوشية للانتقام من السوريين لأنهم ثاروا عليه، بل راح يستخدم كل أنواع الأسلحة المحرمة دولياً كي يثأر من الثورة. والأنكى من ذلك أنه عمل على تحويل سوريا إلى بؤرة تجتذب كل شذاذ الآفاق إليها لإفساد الثورة وجعلها تبدو في نظر العالم مجرد فوضى وحركات إرهابية. كلنا يتذكر كيف أخرج كل المتطرفين من سجونه بعد الثورة، وزودهم بالسلاح كي يقاتلوه، ويحولوا الثورة إلى صراع دموي. وقد لاحظنا كيف كان بشار الأسد في خطاب القسم السخيف يتلذذ ويتشفى وهو يتحدث عن إفشال الثورة وتحويل سوريا إلى ساحة صراع يعبث بها القاصي والداني.

وكي يحمي بشار الأسد نفسه ونظامه قدم كل أوراق اعتماده لإيران وروسيا وإسرائيل، وتعهد بأن يكون مجرد بيدق في المخططات الروسية والإيرانية والإسرائيلية بشرط أن لا يسقط نظامه تحت أقدام السوريين، ويكون مصيره كمصير بقية الطغاة الذين قضوا تحت نعال الشعوب. لقد تحول النظام السوري إلى مجرد أداة قذرة ضد سوريا والسوريين، لا بل أصبح حراس قصره من غير السوريين، فالآمر الناهي أمنياً وعسكرياً في سوريا هي إيران وميليشياتها العراقية واللبنانية باعتراف الميليشيات الشيعية نفسها. أما روسيا فقد سلمها بشار الأسد كل ثروات الغاز والنفط من خلال عقود طويلة الأمد مدة بعضها ربع قرن من الزمان.

لقد كان النظام السوري يهدف من خلال الارتماء الكامل في الحضنين الروسي والإيراني دفع خصومه أيضاً إلى الارتماء في أحضان القوى المنافسة لإيران وروسيا في سوريا، بحيث تضيع القضية السورية، وتتحول سوريا إلى سلعة دولية يسمسرون عليها من أجل منافع سلطوية حقيرة. فعندما وجدت جماعات المعارضة السورية أن النظام بات يحتمي بمنظومة عسكرية وأمنية واقتصادية روسية إيرانية مفضوحة، لم يجدوا بداً من الارتماء في أحضان المعسكر الآخر لمواجهة النظام. وقد أصبح بعض شرائح المعارضة السورية بدورها كالعراقية سابقاً مضرباً للمثل في التسول والسير وراء الآخرين. لا شك أن هناك بعض الجهات العربية والأجنبية التي وقفت إلى جانب المعارضة السورية لتمكينها من مواجهة أكثر الأنظمة فاشية في القرن العشرين، وعملت الكثير على مساعدة السوريين. لكن هناك جهات كثيرة أخرى لا يهمها في سوريا سوى تحقيق مصالحها الضيقة التي لا تمت لمصالح السوريين بصلة.

ولو نظرنا إلى الخارطة السورية الآن لوجدنا أن كل طرف خارجي منخرط في الأزمة يغني على ليلاه، ولا يهمه لا سوريا ولا السوريين. هل يعلم السوريون الآن أن كل القوى المتصارعة على سوريا والمتحالفة مع النظام أو بعض فصائل المعارضة لا يهمهما الشعب السوري قيد أنملة. الكل يبحث عن مصلحته في سوريا. إيران تستخدم بشار الاسد كأداة لتوسيع إمبراطوريتها الشيعية الفارسية والوصول عبر الأسد إلى شواطئ المتوسط. وروسيا تريد الحفاظ على قواعدها البحرية في سوريا، بالإضافة الى نهب الثورات الغازية والنفطية السورية التي أعطاها إياها الاسد مقابل الحماية والسلاح والحفاظ على طرق الغاز والنفط الدولية. وتركيا لا تريد لإيران أن تصبح على حدودها السورية، وتعمل على تأمين الشمال السوري لصالحها. وأمريكا طبعاً تريد تأمين الحليف الاستراتيجي إسرائيل من الخطر السوري واستغلال الموقع الاستراتيجي لسوريا. مع ذلك، يستمر بشار الاسد، ويستمر معارضوه في السمسرة للقوى المتكالبة على سوريا كي تنهش في الجسد السوري، وتحقق مطامعها، حتى لو أدى ذلك إلى تدمير الوطن وتهجير شعبه وتحويله إلى طعام للأسماك في عرض البحار والمحيطات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المحلل الغربي والشأن السوري: ألا لا يجهلنْ أحد عليهم! .. صبحي حديدي

القدس العربي - السبت 15-11-2014

يسعى جهده لإقناعك بالتالي: «عدد متزايد من المراقبين السوريين والعرب على امتداد الشرق الأوسط لديهم نظرة مختلفة إلى قرار [الرئيس الأمريكي باراك] أوباما، بمهاجمة أخطر أعداء الأسد، ‘الدولة الإسلامية’ في قواعدها شمال سوريا. والإدراك السائد هو أنّ الولايات المتحدة قد بدّلت مواقفها، وأنّ الأسد، وقد عزّز مواقعه بسبب هذا التبدّل في الرؤية، لم يعد الهدف الرئيسي للولايات المتحدة، المتمثل في تغيير النظام». والمرء يتساءل، أوّلاً: من هم، حقاً، أولئك «المراقبون السوريون والعرب»؛ وأين، ومتى، راقبوا وتوصلوا إلى خلاصة دراماتيكية مثل هذه؟ وثانياً، متى كان «تغيير النظام»، وليس «تنحّي الأسد» مثلاً، هو هدف البيت الأبيض الرئيسي؛ وكيف، ومتى، تمّ الإعلان عن هذا التغيير، وبلسان مَن؟

هذا نموذج أوّل على (بعض، وليس حتى معظم) طرائق سايمون تيسدول، المعلّق في صحيفة ال»غارديان» البريطانية؛ كلما شاء التعليق على شأن سوري ما، صغير أو كبير، أسوة بشؤون الشرق الأوسط عامة، بوصفها ميدان اختصاصه المعلَن. نموذج ثان، هو محض تنويع على روحية الافتراض التلفيقي في المقام الأوّل، يسير هكذا: «القيادة العسكرية الأمريكية تقاتل الآن في الخنادق ذاتها مع الجنرالات السوريين في حرب على الإرهاب داخل سوريا، هكذا نشرت صحيفة في دمشق، نقلاً عن دبلوماسي سوري (…) لكن مزاعم رجال الدعاية للنظام ليست كلها خالية من الحقيقة. لقد فتحت الولايات المتحدة خطوط اتصال غير مباشرة مع دمشق في الأسابيع الأخيرة. صحيح أنها لم تطلب الإذن لتنفيذ الضربات الجوية، لكنها قامت مسبقاً بإبلاغ سفير الأسد في الولايات المتحدة حول بدء الهجمات».

أهذا هو، حقاً، طراز القتال معاً «في الخنادق ذاتها»؟ ومتى، في الأساس، كان جنرالات النظام قد قاتلوا «داعش» في بلدة كوباني، أو  في المرحلة الراهنة، التي يقصدها تيسدول، تحديداً  على أية جبهة قصف جوّي أمريكي؟ وما الجدوى، في أوّل المطاف ونهايته، من مساءلة خلاصات تيسدول هذه، إذا كان تفسيره لتردد أوباما، في تنفيذ ضربات جوية ضدّ نظام الأسد، آب (أغسطس) 2013، بعد لجوء النظام إلى استخدام السلاح الكيماوي في الغوطة، تفسيراً عجيباً منفرداً ومغلوطاً أيضاً: «كان أوباما مستعداً، وإنْ مكرهاً، لمهاجمة الأسد في ربيع 2013، ولم يمنعه من التنفيذ إلا التصويت ضدّ الحرب في البرلمان البريطاني». هل كان تصويت مجلس العموم البريطاني هو العائق، حقاً؟ ثمّ هل كان مشروع الضربات في ربيع 2013، أم في صيفه؟

بذلك فإنّ تيسدول أحد «كبار» ذلك النوع الخاصّ من الكتّاب والمعلّقين الغربيين الذين ابتُلينا بهم، نحن العرب؛ والذين ينقلبون، أو نقلبهم نحن عن طريق بعض عباقرتنا أبناء جلدتنا، إلى خبراء فطاحل فصحاء، لا يُشقّ لهم غبار في تشخيص أمراضنا السياسية والاجتماعية والثقافية والنفسية؛ وذلك بالرغم من اعتمادهم، شبه الكليّ، على معرفة بائسة، جاهزة وسطحية، قائمة إجمالاً على الكليشيهات، وعلى هذه وحدها حصراً أحياناً. وشرّ البلية أنّ بعض هؤلاء يصفّي حساباته المحلية، العقائدية غالباً، على حساب ما هو جوهريّ، كما حين يرتئي يساري بريطاني أو أمريكي أو فرنسيّ أنّ العاجل هو مناهضة الولايات المتحدة؛ وأنّ انتقاد النظام السوري، حتى في ما يخصّ ملفات جلية لا تقبل الالتباس، مثل جرائم الحرب وارتكاب المجازر وممارسة العقاب الجماعي وانتهاج سياسة الأرض المحروقة… ليست كافية لإدانة النظام، أو تصبّ المياه في طواحين الإمبريالية!

وجه آخر للبليّة أن يتنطح معلّق غربي لهذه الملفات تحديداً، فيكتب عنها ليحشد من الأغلاط والمغالطات ما يُخجل ويُضحك في آن؛ ويتكىء، في التوصّل إلى خلاصاتها، على مصادر معلومات و»مراقبين» محليين لا تقلّ معرفتهم بؤساً، وأحياناً: خبثاً وضلالة وتضليلاً، عن المعرفة البائسة الأمّ التي منها يغرف صاحبنا المعلّق الغربي. وبالطبع، من حقّ أمثال تيسدول التشاور حول موضوعاته مع مَن يشاء، شريطة أن لا يقتصر التشاور على مصدر متعاطف مع السلطة، منتسب إلى مؤسسات شبه سلطوية، إذا لم يكن ممالئاً للسلطة صراحة وعلانية. وفي كلّ حال، وخاصة حين تُطلق أحكام عامة دراماتيكية من طراز قتال أمريكا مع النظام في الخنادق ذاتها؛ ألا يتوجب أن تكون الاشتراطات المهنية، في التحقق من المعلومة وتمحيصها وتدقيقها، أشدّ صرامة ورصانة؟

وليست حال تيسدول هذه جديدة على تراثه في قراءة المشهد السوري، حتى حين كانت عناصره أقلّ تعقيداً بكثير، وكان اصطفاف قواه أوضح من أن توقع المراقب، شبه الحصيف، في أخطاء شنيعة. على سبيل المثال، ذات يوم غير بعيد، اعتبر تيسدول أنّ «جبهة الخلاص الوطني»، التي كانت قد تشكلت أساساً من جماعة الإخوان المسلمين السورية ونائب الأسد السابق عبد الحليم خدام، هي «في الكمون وعلى المدى البعيد أكثر إشكالية» لنظام الأسد من تقرير الأمم المتحدة حول اغتيال رفيق الحريري؛ وأنّ تلك الجبهة كانت «أوّل معارضة منظمة وذات مغزى ضدّ النظام، منذ أربعة عقود»! تلك الخلاصة كانت جهلاً فاضحاً بطبيعة تقييم الشارع السوري، ثمّ المعارضة، لرجل مثل خدّام، ظلّ طيلة عقود أحد أكبر تجسيدات الفساد والاستبداد في سلطة «الحركة التصحيحية»، حافظ الأسد ومن بعده وريثه.

وكان الجهل يشمل، أيضاً، ضحالة مذهلة في معرفة طبيعة هوامش الحركة السياسية والعقائدية التي كانت جماعة الإخوان المسلمين تملكها في الشارع السوري؛ يوم تشكيل الجبهة، ولكن أيضاً خلال العقود التي أعقبت اندلاع مواجهات العنف بين الجماعة والنظام منذ أواخر السبعينيات عموماً. وبدا تيسدول أقرب إلى الغريب تماماً عن حقيقة كبرى، بسيطة وبيّنة، كانت تشير إلى أنّ لقاء الإخوان  خدّام لم يمثّل فريقاً معارضاً عريض الأطياف والشرائح، بقدر تمثيله لأطراف متمفصلة مذهبياً، وعاجزة استطراداً عن استقطاب فئات أخرى من أبناء المجتمع السوري (كما فعل «إعلان دمشق» مثلاً). ولأنّ الاخطاء الشنيعة، من حيث الوقائع والتواريخ، لا تغيب البتة عن تحليلات قاصرة مثل هذه؛ فقد تحدّث تيسدول عن «مؤتمر جبهة الخلاص الأوّل» في لندن لكنه في واقع الأمر كان الثاني للجبهة، بعد الأوّل الذي عُقد في بروكسيل.

الخطأ السياسي، في المقابل، قاد تيسدول إلى اعتبار الجبهة «صيغة تعاون غير مسبوق» بين زعيمين للمعارضة، علمانيّ وديني؛ لكنّ خدّام لم يكن زعيم معارضة، بادىء ذي بدء، ومن السخف تصنيفه كزعيم لمعارضة أخرى غير معارضته العائلية  على غرار اقتصاده العائلي!  المؤلفة من أبنائه وبعض أزلامه في أفضل التقديرات. كما أنه ليس علمانياً، ولم يكن في أيّ يوم، كيفما قلّب المرء هذا المصطلح أو أقامه وأقعده؛ بالقدر الذي لا يجوز فيه اعتبار علي صدر الدين البيانوني، المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين يومذاك، «زعيماً دينياً». كان مثيراً للسخرية، أيضاً، اكتشاف تيسدول الأرخميدي، بصدد التعاون بين العلمانيين والإسلاميين، لأنّ الجماعة كانت صاحبة مبادرة إلى عقد مؤتمر في لندن، صيف 2002، ضمّ إسلاميين إخوانيين وإسلاميين غير إخوانيين، إلى ماركسيين ويساريين وقوميين وليبراليين.

أحدث خلاصات تيسدول، على طريقة «ختامها مسك» ربما، هي هذه: «ثمن النصر على الدولة الإسلامية قد يكون انتصار الأسد في سوريا». ويأتيك، بعدها، مَنْ يطلب الحكمة من «محلل» كهذا، لا يجهل ويتجاهل، فحسب؛ بل يُجهّل عن سابق قصد وتصميم، فيردّ من جانبه: ألا لا يجهلنْ أحد علينا!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خطة دي مستورا: حين يتحول السوري إلى فأر تجارب! .. د. عبد القادر المنلا

القدس العربي - السبت 15-11-2014

هكذا وبكل ثقة وإشراق يعلن المبعوث الدولي الجديد إلى سورية عن خطته التي تفتق ذهنه عنها، كما لو أنها حل سحري غير مسبوق، خلاصتها: تجميد القتال في نقاط محددة تكون منطلقاً لاستمرار هذا التجميد وتعميم التجربة على كافة المناطق السورية، حال نجاح النموذج الذي اقترح المبعوث الدولي أن يبدأ من حلب.

يا للهول.. ما تلك العبقرية يا دي مستورا، كيف تضمن الموافقة على خطتك على الأقل من قبل النظام الذي لم يقبل بهدنة ولو لمجرد ساعات قليلة خلال كل الزمن الماضي من عمر الثورة واشتعال الصراع، ثم أين الجديد الذي تحاول تقديمه وعلى من تراهن في نجاح خطتك؟ وهل تلك خطة أصلاً، هل أنت جاد فعلاً لتتعاطى مع مشكلة بحجم الحدث السوري بهذه البساطة التي تستحق لقب السذاجة، وهل سوف يشد المجتمع الدولي على يديك معجباً بإنجازك غير المسبوق؟

لا يحق لأحد في العالم اليوم، لا الأمم المتحدة ولا مجلس الأمن ولا أي دولة سواء أكانت عظمى أو صغرى، غربية أو عربية، أن يزعم أن لديه نوايا فعلية أو هاجساً حقيقياً في البحث عن حل للمأساة السورية، سواء كان ذلك الحل سياسياً أو عسكرياً أو إنسانياً، ولاسيما بعد السنوات الأربع التي عانت فيها سورية والسوريون ما عانوا، ولو أن المجتمع الدولي ترك السوريين وشأنهم فلربما لم تصل سورية إلى ما وصلت إليه، ولربما وجدوا حلاً ما سواء بإسقاط النظام أو بقدرة الأخير على قمع الثورة منذ أيامها الأولى- وذلك يراه الكثير من السوريين حلاً بالقياس إلى ما آلت إليه سورية من دم ودمار. لكن تدخل المجتمع الدولي هو ما عقد المشكلة وفاقمها إلى الدرجة التي استعصى فيها الحل، مع استمرار النزيف والدمار بشكل مطرد، لقد بذلت بعض الدول الفاعلة جهوداً جبارة للوصول إلى حالة الاستعصاء، وهي التي بيدها وحدها مفاتيح الحل، فكيف يمكن للسوريين أن يعولوا على حل للمشكلة ممن تسبب في خلقها وتفاقمها، عامداً متعمداً أو متلكئاً متردداً. في الحالة الأولى لا مصلحة للمجتمع الدولي بإنهاء المأساة، وفي الثانية سيبدو وكأن خيوط اللعبة قد أفلتت من بين يديه، أما الصورة الأنقى التي لا يختلف عليها السوريون اليوم فهي رغبة الكثير من الدول في استثمار الحدث السوري والاستثمار فيه باعتباره بات أرضاً خصبة لتحريك الصراعات وإدارة المصالح وتصفية الحسابات الإقليمية والدولية..

المشكلة التي يواجهها السوري اليوم هي أنه يدرك استحالة الحل عبر المبعوثين الدوليين، وعدم جدوى وجودهم حتى إن كانت لدى المجتمع الدولي نوايا صادقة، فلو كانت ثمة مقترحات عميقة وفاعلة لدى أحدهم لارتطمت بحوائط صد متعددة، أهمها انعدام الصلاحيات التنفيذية، ليس عند المبعوث الأممي وحسب، بل في الأمم المتحدة ومجلس الأمن أيضاً، خصوصاً بعد الرخاوة البادية التي واجه بها خرق الكثير من قراراته، أو إحالتها إلى بند وجهات النظر من قبل الطرف المتضرر، مما أدى إلى ميوعتها ومن ثم ذوبانها ونسيانها طالما غاب البند الملزم لتنفيذها، ومن ثم يأتي النظام السوري الذي لا يرى محيصاً عن استمراره على رأس السلطة، طالما لم يتخل عنه داعموه وأياً كانت النتائج، ولا يجد حلاً سوى باسترداد موقعه القديم وإعادة إخضاع سورية والسوريين لسلطته المطلقة، التي ستكون أقسى وأشد بطشاً في ما لو حقق حلم الانتصار، ومن ثم تأتي أطراف الصراع الأخرى، وبشكل خاص المعارضة المسلحة التي لو ارتضت إلقاء السلاح، حرصاً على ما تبقى من سورية – بشرها وحجرها- لما فسر النظام ذلك إلاّ بالنصر المبين، وسوف يلتفت حينها إلى تصفية خصومه الذين ألقوا السلاح طوعاً، فمن أين للمعارضة المقاتلة خيارا آخر وهي تدرك ما ستؤول إليه حالها وحال من ناصرها في ما فعلت ذلك.

الحقيقة التي لم يعد من الوارد نكرانها هي أن التحرك الدبلوماسي بخصوص سورية، الذي شهدته السنوات الأربع المنصرمة لم يكن ذا هدف محدد، ولم يكن مهموماً بإيجاد حل، قدر اهتمامه باستهلاك الزمن والتظاهر بملء الخط الدبلوماسي على اعتبار أن المجتمع الدولي قرر الحل السياسي خياراً وحيداً في سورية، وليس دي مستورا ومن سبقوه سوى من مستلزمات هذا الحل الوهمي وإكسسواراته، الذي رأينا تجلياته على أرض الواقع، فكلما ازداد التمسك بالحل السياسي ازدادت حالة العسكرة على الأرض، وتشعبت الصراعات وتكاثرت الفصائل المقاتلة، وتعقدت سبل الوصول إلى أي نوع من التسوية.

مرحلة كوفي عنان جلبت معها النصرة والفصائل الإسلامية الأخرى، أما مرحلة الأخضر الإبراهيمي فلم تنته إلاّ وتنظيم «داعش» يعلن دولة مترامية الأطراف ممتدة على مساحات واسعة بين العراق وسورية، كل مقترحات المبعوثين الأمميين الهادفة إلى إيجاد الحل السياسي كانت تجلب المزيد من وقود الحرب وأدواتها وتترافق مع توسّع رقعتها. قبل دي مستورا كانت القصة أقل تعقيداً والمقترحات أكثر جدية وملاءمة، ومع ذلك كانت المبادرات السياسية تنعكس سلباً على أرض الواقع، أما مرحلة دي مستورا فهي الأكثر صعوبة وتعقيداً إلى درجة الاستحالة، ومع ذلك يخرج المبعوث الدولي مبتهجاً بخطة شديدة البلاهة والخيالية، ولا يتوانى عن طرحها ولا يتوانى المجتمع الدولي عن التعاطي معها وكأنها خطة رغم انفصالها عن واقع الأحداث انفصال الأسد عن واقع ما يجري في سورية.

لو أن للسوريين رأياً في مأساتهم لاقترحوا على الفور «تجميد» عمل دي مستورا وتجميد كل المبادرات الدبلوماسية بعد أن تعاقب عليهم نجوم الأزمات الدولية، فجعلوا من سورية حقلاً لتجاربهم وحولوا السوريين إلى فئران تجارب لا تزال المخابر السياسية والعسكرية تستعمل أجسادهم ودماءهم وأرواحهم وبيوتهم وأرضهم ووطنهم مواد خام وبالمجان، ومن دون استعجال النتائج.

٭ كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ضياع حلب وحمص وحماية كوباني! .. رضوان السيد

الشرق الاوسط - السبت 15-11-2014

كففت منذ شهور عن الكتابة عن الأوضاع في سوريا. وليس لأنني رجوت خيرا من وراء ضرب «داعش» في «عين العرب»، بل على العكس من ذلك. فقد اعتبرت أن الأميركيين إنما عادوا لثلاثة أسباب: الحيلولة دون صدام أكبر بين الإيرانيين والأتراك، وحماية الأكراد في العراق وسوريا، ومتابعة صراعهم مع «القاعدة» وأخواتها وبناتها. لقد انصرفت عن الكتابة في تلك المأساة البالغة الهول، إحساسا باليأس وعدم الجدوى. وصرت إلى إجمال الوضع السوري والعربي بعامة في عبارة واحدة: بعد أربع سنوات على الانفجار في خمس أو ست دول عربية هناك نصف مليون قتيل، ونصف مليون معتقل، واثنا عشر مليون مهجر، ومعظم الأصناف الثلاثة في سوريا الأسد بالطبع!

أعود اليوم للكتابة في الوضع السوري لسببين: استغاثة الفرنسيين من أجل إنقاذ ثلاثمائة ألف من المدنيين الباقين بمدينة حلب، بعد تهجير أكثر من مليونين. فالحلبيون المدنيون والمقاتلون اليوم واقعون بين النظام السوري جيشا وميليشيات إيرانية من جهة، و«داعش» من الجهة الأخرى. أما السبب الثاني للكتابة فهو ظهور دي ميستورا، المبعوث الدولي الجديد بعد الإبراهيمي عند بشار الأسد، ليعرض عليه خطة لتجميد الصراع في عدة مناطق منكوبة بسوريا لأسباب إنسانية، أبرزها حلب. النظام السوري قال: جاءت الفرصة ولا ينبغي تفويتها! لماذا لا يكون التجميد كما حصل بحمص من قبل؟ أي أن يجلو المقاتلون (ومعهم بالطبع المدنيون!)، ويحل السلام والخراب الآمن كما حلا بحمص المنكوبة! ولا ندري ماذا قال له دي ميستورا بالضبط، أو بماذا أجابه. لكن أبواق النظام و«حزب الله» ذكرت أنه تساءل أو قال: إنما أردت وقف القصف والقتال من الطرفين، وفتح ممرات إنسانية، لكن بحسب التصور الذي تعرضونه، فهذا يعني أن تصبح المدينة بعد خروج المقاتلين منها بينكم وبين «داعش»! وقال له سوريو النظام: نحن ندبر أمرنا مع «داعش»، وإنما المهم ذهاب الإرهابيين الآخرين! وعلى أي حال فإن دي ميستورا ما ثبطت عزيمته، بل مضى إلى حمص ليتحدث إلى المقاتلين بحي الوعر (الذي لم يستسلم مقاتلوه بعد!) لكي يرى إذا كان من الممكن أن يحدث لهم ومعهم ما حصل مع الآخرين في الخالدية وغيرها، وإذا نجح في ذلك، فسيكون هذا إيذانا بالإمكان في حلب على الشاكلة نفسها!

وبالطبع، فإن ما سعى ويسعى إليه دي ميستورا، مختلف تماما عما قصد إليه الفرنسيون. الفرنسيون أرادوا التوصل إلى تنسيق بين الأتراك والأميركيين والعرب، بحسب ما قاله الأميركيون للجميع في مؤتمر جدة وقبل مؤتمر جدة. قالوا وقتها: المطلوب الآن مكافحة «داعش» في العراق وسوريا. والمناطق التي نحطم فيها داعش بسوريا، يحل محلهم فيها المقاتلون المعتدلون الذين دربنا بعضهم، وسنستمر في تدريب البعض الآخر بتركيا والسعودية. وهذا يعني التضييق على النظام السوري من ناحية حلب، ومن ناحية درعا، بحيث يقبل العودة إلى طاولة المفاوضات، من أجل الحل السياسي بحسب «جنيف1» و«جنيف2».

خلال شهرين ونيف ما حصل شيء من ذلك؛ فالعرب وفوا بما طالب به الأميركيون، وغطوا بمشاركتهم الحملة على «داعش» في سوريا على وجه الخصوص، بل وشجعوا العشائر العراقية (التي يذبحها «داعش» الآن بالأنبار) على القتال لتحرير أرضهم مع قوات الحكومة العراقية التي لم تصل بعد! أما الأميركيون فقد كشفوا عن عدة أمور معاكسة لما توقعوه أو خططوا له في سوريا. قال أوباما إن المقاتلين المعتدلين يحتاجون إلى عدة سنوات ليصبحوا أندادا للنظام على الأرض. وقال جنرال أميركي، إن بشار الأسد يستفيد من ضربات التحالف في سوريا. وأرادوا من تركيا المشاركة في الحرب لمساعدة حزب العمال الكردستاني (عدو تركيا) حتى لا تسقط عين العرب، وما فعلوا شيئا تقريبا حتى ضد «داعش» خارج المعركة من حول كوباني أو عين العرب! وخلال الجدال العلني مع تركيا إردوغان، والسري مع العرب كشفوا عن أن هناك اتفاقا مع الروس والإيرانيين على عدم الإضرار بالنظام السوري بأي شكل أثناء ضرب «داعش» في كوباني، وفي كوباني وحسب! وربما شجعوا دي ميستورا أخيرا على استصراخ إنسانية الأسد المزدهرة هذه الأيام!

ماذا حصل في المناطق السورية ومعركة كوباني لا تزال جارية؟ شن النظام السوري حربا غير مسبوقة بالبراميل المتفجرة في شتى المناطق، وبخاصة في حلب. وأقبلت جبهة النصرة على مقاتلة الثوار في منطقة إدلب نيابة عن «داعش»، وأحيانا بالتنسيق مع معسكرات النظام الباقية بالمنطقة. والجديد، باستثناء بعض التقدم للثوار في منطقة درعا أربعة أمور: ازدياد سيطرة «النصرة» في مناطق الثوار المختلفة، واستغاثة الفرنسيين من أجل حلب، وحلول دي ميستورا السلمية لصالح النظام، ورسائل أوباما المتوالية إلى خامنئي التي يعرض عليه فيها التعاون ضد الإرهاب، في مقابل ازدياد التجاوب في الملف النووي!

لقد واجهت سائر حركات التغيير العربية بعد شهور على اندلاعها عام 2011 عدة ظواهر: هشاشة في القيادة والتنظيم وتصور المستقبل، وصعود الإسلاميين السياسي والجهادي الإرهابي، والتدخل الميليشياوي والطائفي الإيراني إلى جانب القوى القديمة والقاتلة في العراق وسوريا واليمن ولبنان. وقد ترتبت على ذلك نتائج مفجعة: فوضى ضاربة، وعنف مستشر، وخراب متزايد، ولجوء من المدنيين العديمي الحيلة إلى الجيش أو القوى القديمة التي ثاروا عليها من قبل. وإذا كانت هذه الظواهر تتفاوت في البلدان المختلفة؛ فإنها جميعا تبلغ ذرى غير مسبوقة في تاريخ العالم الحديث في سوريا! والأكراد لا يستحقون الحسد على اهتمام أميركا بهم، فمصيبتهم الماضية والمستقبلية مع تركيا وإيران هائلة الحجم. ولنتأمل بمن نصح «داعش» للتحرش بهم!

قابلت أخيرا أستاذا جزائريا في منتدى فوجدته ساكتا بعد شدة حماس لنمط التغيير في تونس، والذي كان يرجو أن يحدث مثله بالجزائر. وقلت له: هل صرت مثل هؤلاء المتحدثين اليوم عن شرور الفوضى وضرورة العودة للهدوء القديم؟ فقال: تقريبا! لكن بالله عليك، كيف يصبح بشار الأسد وعلي عبد الله صالح الملاذ الذي لا ملاذ غيره، ويصبح المالكي نائبا لرئيس الجمهورية بالعراق؟! وقف القتل أمر جيد، إنما ليس بهذه الطريقة المذلة يكون إخضاع الناس! تصور أن عندنا في وهران في آخر الدنيا عشرة آلاف سوري هارب من «عدالة» الأسد، والأميركيون يقولون إن همهم الأكبر في سوريا مكافحة تنظيم خراسان الرهيب!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com