العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 23-08-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

«أبو» سورية و «أخوها» .. زهير قصيباتي

الحياة

الخميس 20/8/2015

موسكو وطهران: مصير الحل في سورية يقرره السوريون. النظام السوري: نقرره بالبراميل المتفجّرة والغازات السامة والتعذيب والتنكيل، والتهجير... فالهدف استئصال الإرهاب والتكفيريين.

ولنا أن نستنتج أن جميع الذين أبادتهم البراميل السود في دوما قبل أيام قليلة، هم تكفيريون، رجالاً ونساء وأطفالاً.

أما المثال الروسي- الإيراني عن رؤية لم تتبدّل- للصراع والحرب في سورية، رغم توقيع الاتفاق النووي- فهو جزء من حملة دشّنها حليفا النظام السوري لتبديد أي وهم زرعه الرئيس الأميركي باراك أوباما بإمكان تبديل سياسة الحروب بالوكالة التي تديرها طهران خصوصاً، وتشجّعها موسكو... من دون اعتبار لأي مصلحة مشتركة في تعاون الكرملين مع الدول العربية المعنية بإنهاء مأساة السوريين ونكباتهم.

الآن، لم يعد ممكناً الشك في أن الاتفاق النووي الذي وصفته إيران بأنه انتصار لها في مواجهة الدول الكبرى، شجّعها على مزيد من التمادي في تسهيل ما يرتكبه النظام السوري، رغم «العقاب» القاسي له في عبارات التنديد المملّة التي يكررها مجلس الأمن. حتى واشنطن تتعمّد سياسة الغباء في ترك حبل المجازر على غارب النظام السوري الذي يتنافس مع «داعش» على دماء شعب تخلى عنه العالم «المتحضّر»...

ومن دون أدبيات بكائية، رغم فظاعة مشاهد أكياس الجثث المكدّسة في دوما، يجدر السؤال عن صدقية «نظرية» التحوُّل في موقف روسيا من نظام الرئيس بشار الأسد، بل حتى طهران التي نفت مرات أن مصير الأسد كان تحت الطاولة في مفاوضات فيينا النووية، لتوجّه أخيراً رسالة إلى الجميع مفادها أنها لن تتخلى عن دعمها النظام السوري. بل إن تقهقُر حلفائها الحوثيين في اليمن، يرجّح مزيداً من التشبُّث الإيراني بسورية، أرضاً ونظاماً، وكل ما روّجته طهران عن انفتاحها على حوار مع جيرانها الخليجيين من أجل استقرار المنطقة، هدفه ينحصر في إظهار دول مجلس التعاون بمظهر المتردّد السلبي الذي لا يريد إنهاء سفك الدم.

ما حصل بعد الاتفاق النووي مع إيران التي ما زالت تمارس سياسة التعمية، واستغباء الآخر، والتعالي على المصالح العربية، وترويج صورة عدوانية لكل من يخالفها في نهج الهيمنة على المنطقة، هو إعلان روسي- إيراني عن تجديد رعاية النظام السوري بوصفه «ضحية» الإرهاب والتطرف والتكفير! والأنكى أن يصدّق الكرملين وطهران ان العالم يصدّق ما يدّعيانه في شأن نيات الأسد، واختزال كل الصراع في سورية وكل المآسي بمواجهة مع الإرهاب، اقترحت لها موسكو حلفاً مستحيلاً مع نظام يرتكب المجازر في حق السوريين، ويدّعي أبوّته لهم!

صيغة شبيهة لما قيل قبل اتفاق فيينا، حول القنبلة النووية الإيرانية: طهران استماتت دفاعاً عن حليفها الأسد، وجرّت «حزب الله» إلى خسائر جسيمة تكبّدها في سورية، فكيف بعد حصولها قريباً على صواريخ «أس 300»... وكيف بعد ورطة تركيا في قتال الأكراد (حزب العمال الكردستاني)، وفتح أبواب المواجهة مع «داعش»، والصراع المرير مع المعارضة في الداخل؟

«فليقرر السوريون من دون تدخُّل خارجي»! الوجود الإيراني في سورية «جمعية خيرية» لتضميد جروح السوريين، ومواساة أيتامهم وأراملهم، وأما البراميل المتفجّرة، فحال طهران معها كحال النظام في دمشق، وهو يكاد ان يعتبرها وروداً، خاسر كل من يضيّعها، ويلعق أشواكها.

ولكن، هل هناك ما يبرر كل تلك السوداوية في تقويم مآل ديبلوماسية التفجيرات «النظامية» والسكاكين الإيرانية التي لا تريد الطعن إلا في «النيات السيئة»، ولا تطمع بأكثر من كشف خبث التكفير، ولا تسمع بالبراميل... ولا ترى مصيبة للسوريين إلا في «تدخُّل خارجي»، فيما تدخّلها محلي، «أبوي»، جلّ مسعاه أن يقرروا وحدهم؟

للوزير سيرغي لافروف أن يبتهج بأن الحليف الإيراني بات على عتبة الخلاص من سيف العقوبات، بات موعوداً بخزينة تسمح بصفقات وعقود تسلُّح، تُنعش سوق الأسلحة الروسية. حافز آخر لتجديد دماء الشراكة التي ترعى نظام البراميل، وفصول النكبات السورية... حتى الأمل بتغيير جِلد هذا النظام، بدّده لافروف، لأن إزاحة الأسد حتى في نهاية المرحلة الانتقالية ليست مضمونة، فهو «الرئيس الشرعي لسورية».

بين الأميركي والروسي ما الذي تبدّل إذاً، بعد الاتفاق النووي، في الملفات الإقليمية؟ أي تقارُب بين واشنطن وموسكو يشجّع على أمل بحلحلة في تفكيك عُقد الصراع في سورية وعليها؟

يمكن الكرملين أن ينام على حرير منحه أوباما مكافأة نزع الأسنان الكيماوية السورية، وأن ينام مطمئناً إلى تغاضي الرئيس الأميركي عن المجازر في دوما وغيرها، ما دام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو الذي عبّد لأوباما طريق اتفاق فيينا، ليدخل التاريخ من أبواب خامنئي.

... وعبّد للسوريين مزيداً من الطرق إلى الكوارث.

======================

موقفنا - حول البيان الرئاسي : من دوما إلى مجلس نيويورك .. حتى تكونوا أقوياء .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 21/8/2015

متأخر جدا بعد خمس سنوات من القتل أن يكتشف البعض المؤامرة على الشعب السوري البطل، وثورته العظيمة ...

متأخر جدا أن يقتنع البعض أن أناقة المظهر ، ودبلوماسية المنطق ، وعذب الكلام ، والاستجابة ليد كل لامس لا تغني من الحق شيئا ...

نعم ومتأخر جدا أن نعلم أن صوابية التحليل ومنطقيته ، والكثير من المعرفة لا ينفع إن لم يجد سبيله إلى التوظيف المنهجي الهادف ...

ماذا يغني من الحق أن نكتب أو يكتبوا وأن نعلن أو أن يعلنوا عن خطورة البيان الرئاسي لمجلس الأمن ، ولمؤامرة ديمستورا ، ومن قبله كل المبعوثين الدوليين الذين كانت ألسنتهم معقودة بقرارات دولية لا تسمح لضمائرهم أن تفصح عما يجول فيها ...

ماذا يغني من الحق أن نقول إن ديمستورا يلتف على كل القرارات السابقة ، التي لا تستحق البكاء عليها ، ومنها جنيف واحد ، ومنها أن الائتلاف الوطني هو الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري ..

ماذا يغني من الحق أن نكرر أن القاتل بشار الأسد ، حسب خطة ديمستورا ، التي قام عليها البيان الرئاسي لمجلس الأمن ، سيشكل ثلثه إلى اللجان الرباعية ، وسيشكل من وراء ستار ثلثاً آخر يدعوه المفاوضون " أصحاب المصلحة " ليس فيه من المغتصبات والثكالى واليتامى أحد ، وسيشترط ديمستورا على الثلث الثالث من المعارضين الأشداء من يشاء وما يشاء ...

ماذا يفيدنا بعد اليوم أن نقول إنه بينما كان السيد ( ستيفان أوبراين ) المسؤول الأممي المكلف بملف العمليات الإنسانية ، وخليفة فاليري آموس ، يتفاوض في دمشق مع وزير خارجية الأسد كيف يطعم الجائعين من السوريين ( أي سوريين ؟!! ) ، متناسيا عشرات الألوف الذين يحكم عليهم الأسد بالموت جوعا في زنازينه كانت طائرات شريكه الإنساني تدك بقذائفها سوقا شعبية في دوما فتقتل أكثر من مائة شهيد ...

لم يستحق هؤلاء الشهداء من المبعوث الأممي الذي كان على بعد أمتار منهم ولا من مجلس نيويورك ولا من السيد ديمستورا كلمة عزاء ...

هذه هي الحقائق مدركة عارية مفضوحة لا يواريها إلا مغرور أو مفتون ..هذه هي الحقائق التي أوصلتم الشعب والثورة إليها .. أيها المتباكون على الشعب السوري البطل وثورته الجميلة ، هذه هي الحقائق أيها المهرولون وراء الحلول الرخوة ، الحالمون بمجد يصنعه لكم الآخرون ...

أما الطريق الجاد فقد عرفتموه ...

لا تحسبن المجد شهدا أنت لاعقه

لن تدرك المجد حتى تلعق الصبرا

وعندما تكونون أقوياء ، أقدامكم على أرضكم ، وبأيديكم ما تدافعون به عن قراركم ؛ لن يهمكم كثيرا ماذا قال ديمستورا، ولا ماذا قرر مجلس نيويورك وعندها فقط سيصغون هم إلى ما تقررون وإلى ما تقولون .

والحق الحق أقول لكم : إني أقول ما تعرفون ...

لندن : في 6 / ذو القعدة / 1436

21 / آب / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=====================

عقدة الأسد في "تسويات" الأزمة السورية .. برهان غليون

العربي الجديد

الخميس 20/8/2015

تمحور الصراع على دور بشار الأسد في الحل السياسي في سورية، وموقعه في المرحلة الانتقالية، منذ الأشهر الأولى للثورة في العام 2011، حين صعّد المتظاهرون، في مواجهة الحملة الدموية التي تعرضوا لها من قوى الأمن والجيش والشبيحة، من مطالبهم، وتبنوا إسقاط الأسد، بينما جعل الموالون له من شعار "الأسد أو نحرق البلد" ديناً جامعاً، وتأكيداً لرفضهم، أي تعديل في قواعد الحكم والسيطرة والنظام.

وحصل ما يشبه ذلك أيضاً على صعيد السياسة الدولية، فتبنى من سموا أنفسهم أصدقاء الشعب السوري فكرة تنحي الأسد، رداً على سياسة إفراط النظام في العنف. وبرز تشبث حلفاء النظام الإقليميين والدوليين، في طهران وموسكو، بشعار الدفاع عن وجود الأسد في أي صيغة تسوية سياسية، ورفض أي نقاش عنه. وكانت عقدة الأسد قد برزت بشكل قوي، أيضاً، منذ بدء المداولات الدولية لإصدار قرار مجلس الأمن الذي سمي، لاحقاً، بيان جنيف1، والذي أقرت فيه تسوية تقوم على تشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات، من دون أي إشارة إلى دور الأسد، سلباً أو إيجاباً. والواقع أن مسودة مشروع القرار كانت تتضمن جملة تنحي الأسد، وهذا ينسجم مع فكرة هيئة الحكم التنفيذية كاملة الصلاحيات. ولكن، تم التوافق على حذفها، والإبقاء على الغموض في موضوع دور الأسد، لضمان تصويت موسكو على القرار الأممي.

وإذا كان هناك من يتحدث، اليوم، عن بارقة أمل في الحل السياسي، بعد خمس سنوات من الأزمة، كما عبر عن ذلك الرئيس الأميركي، باراك أوباما، في آخر خطبه، فذلك لأن الجهود الدبلوماسية المكثفة التي بذلتها، في الأشهر الأخيرة، قوى ودول معنية عديدة، خصوصاً المملكة العربية السعودية، توحي بأن موسكو أصبحت تبدي مرونة أكثر في هذه المسألة، ولا ترد على من يطرحها من الأطراف الأخرى بالأسلوب نفسه من النزق والغضب الذي كانت ترد به على محدّثيها من قبل.

يبدو مستقبل الحل السياسي، إذن، مرتبطاً في سورية، بعد خمس سنوات من أزمة كارثية، بتقرير مصير شخص، هو بالأساس إشكالي، حتى داخل أسرته ونظامه، لم يحظ، يوماً، باحترام أقرانه، واتهمه رؤساء دول عديدون بالكذب والمراوغة، ولم يبد، خلال خمسة عشر عاماً من حكمه، أي نضج أو حنكة سياسية، ولا تميّز بأي شعور بالمسؤولية، ولم يكفّ عن محاولة إصلاح الخطأ بخطأ أعظم منه، حتى وصلت سورية إلى الحالة المأساوية التي تعيشها اليوم، والتي لم يسبق لها مثيل في الصراعات السياسية في العصر الحديث.

"شخص إشكالي، حتى داخل أسرته ونظامه، لم يحظ، يوماً، باحترام أقرانه، واتهمه رؤساء دول عديدون بالكذب والمراوغة، ولم يبد، خلال خمسة عشر عاماً من حكمه، أي نضج أو حنكة سياسية، ولا تميّز بأي شعور بالمسؤولية"

كيف حدث هذا؟ وكيف قبل العالم أن يعلق مصير شعب من 23 مليون نسمة بمصير شخص يعترف الجميع، بما فيه أنصاره، أنه ارتكب من الأخطاء القاتلة والانتهاكات الخطيرة والجرائم اللاإنسانية ما لا يمكن إحصاؤها، بحق طائفته وشعبه والشعوب العربية المجاورة، وكيف ترك هذا العالم طاغيةً دموياً مغرقاً في النرجسية والانفصال عن الواقع، يستمر في تدمير بلد كبير ونشر الموت والخراب في مجتمع آمن، وخلق أكبر كارثة إنسانية في القرن، وتهديد الأمن والسلام العالميين، من دون أن يحرك ساكناً، أو يقوم بأي رد فعل جدي؟

وكيف استسلم العالم أمام مثل هذه المعادلة التي تركت نظاماً موغلاً في الاستبداد والعنف، يستمر في تدمير بلد عريق في الحضارة والمدنية، وفي نشر الموت والخراب في مجتمع آمن، ودفع ملايين السوريين إلى مخيمات اللجوء، لإحداث أكبر كارثة إنسانية في القرن، وتهديد الأمن والسلام العالميين، من دون أن يحرك ساكناً؟

 

مصير شخص ومصير شعب

من الصعب تفسير الحرص الذي أظهرته أطراف دولية، ولا تزال، على التمسك بشخص على قمة نظام ارتكب من الانتهاكات ما ملأ آلاف الصفحات في تقارير المنظمات الإنسانية والحقوقية، حوّل سورية إلى معتقل كبير، وجرد أبناءها من حقوقهم المدنية والسياسية، وجعلهم فريسة أجهزته الأمنية خارج أي حماية قانونية أو سياسية، وهو لا يزال يقتل، يومياً، مئات من السوريين منذ أربع سنوات من دون انقطاع، ويقصف، عشوائياً، المدن والقرى السورية بالبراميل المتفجرة والصواريخ والمدفعية، ويدفع إلى طرق الهجرة والتشرد بملايين الأفراد الأبرياء من أجل القضاء على حاضنة الثورة الاجتماعية. ومن المستغرب أن يحظى مثل هذا الشخص بالتعاطف والمداراة التي سمحت له بالاستمرار في أعماله المخالفة أي عرف أو قانون، والتهرب من أي محاسبة أو عقاب.

هذا الشخص هو أول من استخدم سلاح الإرهاب وسيلة لترويع الخصوم والمختلفين معه وفرض سيطرته في الداخل والخارج، ودفع واشنطن إلى تسجيل سورية على قائمة الدول المدعمة للإرهاب حتى وقت قريب. وهو الذي صنع منظمات إرهاب عديدة، واستخدمها ضد دول الجوار، وكان أبرزها إرسال المقاتلين الجهاديين إلى العراق، لزعزعة استقرار السلطة الجديدة في العقد الماضي، وخطط مع حزب الله لعملية اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق، رفيق الحريري، وشخصيات سياسية وإعلامية وفكرية لبنانية عديدة، وصنع السلاح الكيمياوي خارقاً المعاهدات الدولية لحظر الأسلحة الكيمياوية، واستخدم هذا السلاح ضد المحتجين المدنيين من شعبه. وكانت هذه أول مرة يستخدم فيها سلاح كيمياوي على نطاق واسع في صراعات سياسية، ومارس القتل الجماعي، كما في معسكرات الاعتقال النازية، ما أثبته بالدليل القاطع مصور الجيش المنشق المعروف باسم القيصر، والذي عرض صور آلاف المعتقلين الأبرياء الذين قضوا تحت التعذيب والتجويع والتمثيل بجثامينهم، ويحتفظ، حتى الآن، بمئات الألوف منهم تحت التعذيب في أقبية سجونه؟

"تبرر طهران تمسكها بالأسد بذريعة الدفاع عن حليف رئيسي في محور الممانعة ضد إسرائيل، وتعتبر خروجه من الحكم تهديداً لهذا المحور، وبالتالي، لقضية العرب والمسلمين الأولى في مواجهة الصهيونية والإمبريالية"

 

ذرائع واهية وأوهام

يعزو الموالون للأسد تمسكهم به رئيساً أبدياً إلى خوفهم من الأعمال الانتقامية والمجازر التي يمكن أن يتعرض لها العلويون والأقليات عموماً، كما سوقت ذلك أجهزة الأسد وطهران السياسية والإعلامية والمخابراتية، وضرورة الوقوف صفاً واحداً وراء "الرئيس" وسلطته الشرعية، في مواجهة التنظيمات الإسلامية التكفيرية. وهذا ما يشرحه بالتفصيل علي عباس، في مقالة طويلة، عنوانها معبر "لماذا نحن (العلويون) مع بشار الأسد"؟ كتبها في نوفمبر/ تشرين أول 2011.

أما طهران فتبرر تمسكها بالأسد بذريعة الدفاع عن حليف رئيسي في محور الممانعة ضد إسرائيل، وتعتبر خروجه من الحكم تهديداً لهذا المحور، وبالتالي، لقضية العرب والمسلمين الأولى في مواجهة الصهيونية والإمبريالية. بينما تعتقد موسكو أن بقاء الرئيس "الشرعي" واستمراره في لعب دور رئيسي، في أي مرحلة انتقالية، يشكل ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة وتجنيبها الانهيار. وقد بدأت هذه الفكرة تجذب عواصم أخرى، أخيراً، لاعتقادها أن البديل المنظور للنظام القائم الذي تراجعت قوته كثيراً، يمكن أن يكون، على الأغلب، سيطرة التنظيمات الجهادية أو المتشددة، مثل القاعدة وتنظيم الدولة. وهي ترى أن وجود الأسد يمكن أن يشكل حاجزاً أمام الانهيار المفاجئ للجيش والدولة والنظام.

وأكثر فأكثر، تنزع الدبلوماسية الدولية إلى النظر إلى وجود الأسد ضامناً ما تبقى من مؤسسات الدولة، وإلى دعم هذه المؤسسات وعدم التفريط فيها، في انتظار التسوية السياسية خياراً وحيداً مقبولاً في مواجهة مخاطر تمدد تنظيم الدولة والقاعدة والحركات الجهادية، وتفاقم خطر انتشار الفوضى وعدم الاستقرار.

والواقع ليس للدور الذي لعبه الأسد، في السنوات الخمس الماضية، والذي يريده بعضهم أن يستمر في لعبه في المرحلة الانتقالية، أي علاقة بقوة الأسد ولا بحماية الأقليات أو منع تفكك الدولة والمؤسسات، ولا من باب أولى بالحفاظ على سياسة الممانعة ومحورها. بالعكس، كانت أساليبه الإجرامية في التعامل مع السوريين السبب الأكبر في انقلاب الأوضاع وانفلاتها، وتفكك أجهزة الدولة، وتعرية البلاد أمام أعدائها وخصومها، وفي انتشار الفوضى والحرب الأهلية والإرهاب.

بالعكس، استمراره في الحكم وفي خطبه الاستفزازية التي قرر فيها، أن من يدافع عن سورية من المليشيات الطائفية هو صاحب الحق فيها، لا سكانها ومواطنوها، هو أكبر محرّض على استمرار العنف وتعميق مشاعر الكراهية والانتقام، والدفع نحو مذابح طائفية محتملة، وهو، بالقدر نفسه، أقوى دافع لإفراغ فكرة الدولة من مضمونها، وتعزيز نشوء الإمارات الموازية وتفكيك مؤسسات الدولة وتدميرها. ويشكل وجوده في السلطة، كما ذكر سياسيون دوليون كثيرون، يجعل منه قطباً مغناطيسياً جاذباً للتطرف والإرهاب من كل مكان.

"تعتقد موسكو أن بقاء الرئيس "الشرعي" واستمراره في لعب دور رئيسي، في أي مرحلة انتقالية، يشكل ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة وتجنيبها الانهيار"

 

تقاطع المصالح الدولية

لا يرتبط التمسك بالأسد ودوره في أي تسوية قادمة، لا بالحيلولة دون حصول المذابح الجماعية التي أصبحت برنامجه اليومي، في المدن والقرى المعرضة للقصف الدائم بالصواريخ الفراغية والبراميل، ولا بالخوف من انهيار النظام وانتشار الفوضى وسيطرة التنظيمات المتطرفة، أو بضرورة احترام الشرعية والقانون الدولي، ولا بالحفاظ على مؤسسات الدولة والحاجة إليه، وإلى قواته، لمواجهة التنظيمات الإرهابية، كما يشير بعضهم.

ما يفسر بقاء الأسد، حتى الآن، تقاطع مصالح متعددة، أو بالأحرى غياب مصالح مشتركة لدى الأطراف الدولية، للانخراط جدياً في العمل على وقف الحرب، ووضع حد لتطبيق برنامج القتل اليومي والتطهير العرقي، ومواجهة الأطراف التي تجد، في الحفاظ على نظام الإقصاء واحتكار السلطة والانفراد بالقرار، مصلحة استراتيجية ترفض النقاش فيها. ومن هذه الأطراف، العائلة الحاكمة وطبقة المحاسيب الملتفة حولها، وبعض الدول التي جعلت من سورية ورقة ضغط في حساباتها الاستراتيجية، أو جزءاً من مشروع هيمنتها الإقليمية، وفي مقدمتها طهران الخامنئية التي أعلن مسؤولوها، مرات، أن سورية أهم بالنسبة لهم من أي محافظة إيرانية أخرى، وأن طهران ليست متمسكة بنظام الأسد فحسب، وإنما هي مستعدة للقتال عنه.

ما تهدف إليه طهران من التشبث بالأسد ليس الحفاظ على محور الممانعة، كما تدعي، والسوريون هم أولى به، وإنما الحفاظ على بنية النظام القائم على احتكار السلطة والاستفراد بالقرار والإقصاء الدائم لأغلبية الشعب، للاحتفاظ بهامش مناورة كامل في ما يتعلق بتقرير مصير البلاد والتصرف بأرضها ومواردها وحقوق شعبها ومصالحه. فبوجود مثل هذا النظام وحده تستطيع طهران أن تؤمّن لنفسها الغطاء الشرعي والقانوني، لتمرير مشروعها الطائفي الاستراتيجي، القائم على العمل على تغيير البنية السكانية والمذهبية لبعض المناطق السورية في إطار تغيير التوازنات السياسية الداخلية، والجيوسياسية الإقليمية، وتشكيل الهلال الشيعي، الممتد من قم إلى بيروت، وتعزيز وضع حزب الله، الذي يمثل القاعدة العسكرية والسياسية والأيديولوجية الرئيسية لطهران في المشرق، بأحزاب "إلهية" جديدة. وقد استغلت طهران مناسبة الأزمة التي أعقبت ثورة آذار (مارس)، 2011، إن لم تختلقها، من أجل التخلص من الدولة الوطنية لصالح دولة المحاصصة بين أمراء المليشيات، وتسهيل اختراق المجتمعات والسيطرة المديدة عليها.

ومن دون الإبقاء على نظام احتكار السلطة الذي يمثله الأسد، ولم يعد من الممكن استمراره من دونه، لن يكون في وسع طهران أن تستمر في خطتها هذه، وأن تمرّر قراراتها وتستكمل مشروعها المذهبي والجيوسياسي الإقليمي. وهذا هو نموذج السيطرة الذي طبقته من قبل في عراق ما بعد صدام، حيث حالت دون إعادة بناء الدولة الوطنية، واستبدلتها بحكم ائتلاف المليشيات الطائفية والمذهبية التابعة لها، وشجعت النخبة السياسية الجديدة على الاستئثار بالحكم على أساس طائفي، وعارضت بقوة، ولا تزال، مشاركة السنة في القرار السياسي، ولا تزال تراهن على تعبئة الصراعات المذهبية وتأجيجها، لتبقي على سيطرتها في العراق، وللتمدد نحو بلدان المنطقة الأخرى.

باختصار، بمقدار ما يشكل ترحيل الأسد بالنسبة للمعارضة الإشارة لانطلاق قطار الإصلاح والدخول في المرحلة الانتقالية التي تأمل أن تقود إلى دولة العدالة والحق والحرية والقانون، يشكل بقاؤه صمام الأمان بالنسبة لمصالح إيران في إطار استراتيجية التوسع والهيمنة الإقليمية.

في هذه الحالة، كيف يمكن التوصل إلى حل سياسي؟ وما هي الطريقة لإيجاد مصالح مشتركة لدى الأطراف غير المعنية ببقاء الأسد، تدفعها إلى الضغط على طهران والدول الحليفة لها، لوضع حد لنزيف الدم والحرب المدمرة؟

كان من الممكن للحرب ضد الإرهاب أن تكون محور هذه المصالح المشتركة بالفعل، لتشكيل فريق من الدول يضغط على طهران، ويجبرها على الحد من أطماعها، والتراجع عن سياسات التأجيج الطائفي، وزعزعة الاستقرار الإقليمي. لكن، ما حصل عكس ذلك تماماً، فقد طرحت واشنطن طهران على أنها الشريك الرئيسي الإقليمي في الحرب ضد الإرهاب، ليس في العراق فحسب، وإنما في سورية أيضاً، عن طريق دعم حلفائها. وها هي، الآن، تعزز من ضغوطها في سورية، لتأكيد دورها، وما تعتبر أنه مصالحها الاستراتيجية المستقبلية، من دون أن يطالبها أحد من الدول الكبرى، أو الصديقة، بسحب مليشياتها، أو وضع حد لهجومها المستمر على مواقع المعارضة، بالتعاون مع براميل الأسد التفجيرية.

حتى نتقدم نحو الحل السياسي، ينبغي على أحد الأطراف أن يتراجع، المجتمع الدولي الباحث عن تسوية، أو طهران المتشبثة بابتلاع سورية. وفي نظري، لن تتراجع طهران عن حلمها بالإبقاء على الأسد، وتأكيد استتباعه ونظامه، لا بوساطة روسية، ولا بضغوط دولية عادية، خبرتها واعتادت عليها. لن يجبر طهران على العودة إلى ميزان العقل في سورية سوى هزيمة مليشياتها العاملة، وفي مقدمتها مليشيا حزب الله، أو موقف حاسم وجدّي من الأمم المتحدة والدول الرئيسية، وقرار ملزم من مجلس الأمن يجبرها على احترام سيادة السوريين، وإخراج مليشياتها من سورية. وهذا يستدعي، منذ الآن، التعاون بين المعارضة السورية والدول الكبرى والأمم المتحدة على تشكيل البديل المقنع والمقبول، ليس لنظام الأسد الديكتاتوري والطائفي فحسب، وإنما لمنظومة العلاقات الإقليمية التي أصبحت سورية أحد أركانها الرئيسية.

ليست عقدة الأسد، في النهاية، إلا تغول طهران وتمردها على الشرعية الدولية، من دون أن تجد رادعاً لها. هذه هي المشكلة، وهي العقدة الحقيقية.

======================

العراق وسورية ولبنان على طريق الزوال .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 20/8/2015

ما قاله الجنرال الأميركي أديرنو عن ان تقسيم العراق، رسمياً، قد يكون الحل الوحيد لوقف العنف الطائفي الفالت من عقاله، ينطبق ايضاً على سورية الغارقة في دمائها، وعلى لبنان الذي يعيش حالاً من الاهتراء السياسي والاجتماعي والأمني لن تلبث ان تتفجر عنفاً، علماً ان التقسيم لن يؤدي سوى الى مفاقمة الاشتباكات الأهلية بدلاً من وقفها.

فعندما تنحدر السياسة الى ادنى مستوياتها او تضمحل، وتتراجع الولاءات الى ما قبل الدولة والاجتماع، ويعمّ الفساد والإفساد، تنهار تدريجاً فكرة العيش المشترك، وتسقط الأطر التوافقية للعلاقات بين الأطراف الأهلية المصوغة في دساتير وقوانين، وتتحول كل جماعة الى «كيان مستقل»، ويسود العنف وسيلة للذود عن حياض «الشعوب الجديدة» وحدودها، بما هي انقسامات ايديولوجية ومصلحية وجغرافية، مدعومة بذرائع وحجج بدائية تؤسس لحروب متناسلة.

وكلام الجنرال الذي خبر الوضع العراقي سنوات يعني ان فكرة التقسيم باتت تراود أذهان المسؤولين الأميركيين اكثر فأكثر، مع فشل الحلول المرتجلة والجزئية التي يخرجون بها من وقت لآخر، او يفرضونها على الحكام في بغداد، او يروّجون لها عند الإيرانيين المهيمنين على قرار بلاد الرافدين، ومع العجز او اللارغبة في ايجاد حل لسورية المقسّمة بحكم الواقع، ومع اللامبالاة الشاملة ازاء ما يعيشه لبنان من انهيار على كل الصعد.

وهي فكرة سبق لصحيفة «نيويورك تايمز» ان نشرت مقالاً عنها لباحث اميركي، وخريطة مفصلة لتصوره عن تقسيم دول عربية في مقدمها العراق وسورية، في ايلول (سبتمبر) 2013، اي قبل بروز «داعش» في العام التالي وإعلان «دولته».

لكن من الواضح ان شعوب الدول الثلاث المعنية وأنظمتها لم تكن في حاجة الى الأفكار الأميركية ولا الى اي دفع خارجي للوصول الى حال التشرذم الحالية، كونها توفر بنفسها شروط الانقسام بأشكاله المتنوعة، وتمتلك ادواته الفاعلة، ولا تعوز مكوناتها الرغبة في الانتقام من بعضها بعضاً، بعدما تساكنت قسراً منذ ترسيم خرائط سايكس - بيكو، وكان بعض نخبها يظن انه سيتمكن يوماً من إسقاط تفاهم فرنسا وبريطانيا على توزيع المكاسب في المشرق الموروث من العثمانيين، ومن إزالة الحدود بين دوله المستحدثة على طريق اقامة «وحدة» متخيلة، فإذا بهذا السقوط يفسح المجال امام المزيد من الكيانات الأصغر التي تحركها فكرة «النقاء» الديني والمذهبي والعرقي.

أما عمليات التجميل التي تقودها حكومة عراقية ناقصة التمثيل ومرتهنة القرار، فلن تقوى على التشوهات المتراكمة والمتأصلة في النفوس والعقول، ولن تستطيع إعادة عقارب الساعة الى الوراء بعدما باتت تباعد بين طوائف العراق وإتنياته جبال من الجثث وأنهار من الدماء، ولن تنجح في جعل تهديد «داعش» يلغي استحكامات المرجعيات والزواريب ولصوص بغداد. ذلك ان فاقد الشيء لا يعطيه، ومن يحكم العراق باسم «الأكثرية» يخاف ان يفقد كرسيه اذا لم يمتثل لقرار إعادة كتابة تاريخه بقلم أعجمي.

وفي سورية النازفة ألف «دولة» و «دويلة» تتنازع شعباً ممزق الأوصال، يحفر القتل اليومي خدوداً عميقة في جسده وروحه منذ اربع سنوات، فيما اصحاب المبادرات يتلهون بإبراز دهائهم وحنكتهم في الصياغات المحكومة سلفاً بالفشل والإجهاض حالما تقترب من قصر الطاغية وأيدي جنرالات طائفته المدججة.

اما لبنان الذي يديره «حزب الله» بالوكالة عن الولي النووي، فيتمدد الترهل الى سائر مفاصله مبشراً بسقوطه التام في الفوضى والتسيب، بعدما تحوّل رهينة لنزوات الطوائف والمذاهب والعصابات التي خطّت حدوداً بين «شعوبه»، بحيث لم يعد يمكنها، مجتمعة او منفردة، السيطرة حتى على نفاياتها، ولم تعد تثير قلق احد ولا اهتمامه.

دول ثلاث على طريق الزوال وتناثر خرائطها، بينما العالم يتفرج متواطئاً او شامتاً او باحثاً عن فرص.

======================

إيران بعد اتفاقها النووي بعين «ربيع دمشق» .. منير الخطيب

الحياة

الخميس 20/8/2015

ارتفع منسوب التحليلات المتفائلة، من أطراف عدة، بتحوّل إيران إلى «دولة طبيعية» في العالم والإقليم، بعد توصّلها إلى اتفاق مع مجموعة دول 5 الخميس 20/8/2015 1 في شأن برنامجها النووي.

تُذكّر هذه التحليلات برهانات السوريين على أوهام «الإصلاح السياسي» عقب وراثة بشار الأسد للسلطة عام 2000، حيث اختلطت تلك الأوهام مع رغبات الناشطين والمثقفين والمعارضين السياسيين السوريين وآمالهم، فأنتجت رؤى وتصورات عوّلت على عملية طويلة وبطيئة ومتدرجة وسلمية، تنقل سورية في نهاية المطاف إلى وضع ديموقراطي، ينهي مفاعيل الاستبداد المديد، ويعيد إطلاق مساري الاندماج المجتمعي وبناء الدولة الوطنية اللذين تهتّكا في عهد البعث.

كان ذاك مضمون حراك «الربيع الدمشقي» المؤود. وأيضاً، كان رهان كثر من زعماء العالم، من جاك شيراك الذي استقبل بشار الأسد في قصر الإليزية قبل استلامه السلطة، إلى الإدارة الأميركية التي أرسلت وزيرة الخارجية حينها مادلين أولبرايت إلى دمشق لمباركة عملية التوريث، وما بينهما كُثر. وقد أظهر السوريون، حينذاك، روحاً عالية من التسامح والصفح عن جرائم السلطة البعثية، مقابل البدء الجدّي في مسار إصلاح سياسي. لكن بنية النظام غير القابلة للإصلاح صفعت أوهام السوريين ورغباتهم ومصالحهم الوطنية، وقادت سورية، بعد مضي عقد ونصف العقد على «ربيع دمشق»، إلى الخراب السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي.

بعد اتفاق إيران النووي، يراهن قسم من زعماء العالم وفي مقدّمهم الرئيس الأميركي باراك أوباما، إضافة الى عدد كبير من المراقبين والمحلّلين ورجال الفكر والسياسة والإعلام، على تغيير سلوك إيران في الداخل الإيراني وفي الإقليم، ما يترك مجالاً للمقارنة بتلك الرهانات الرغبوية على تغيير سلوك النظام السوري عام 2000، وذلك بسبب تماثل بنية كلا النظامين في قضايا ماهوية: فكلاهما يعتمد على الترابط الوثيق بين المؤسسات الأيديولوجية والإعلامية والعسكرية والأمنية، وفي كليهما نوى مذهبية ما دون وطنية، تتحكم بتلك المؤسسات الظاهرة. ويتشابه اعتماد النظامين على التعبئة والشحن للظواهر الجماهيرية الرعاعية، إضافة الى تماثل النظامين في قمع الداخل وإسكاته وخنق إمكانات تشكيل فضاء وطني عام فيه، مقابل التركيز على الأدوار الإقليمية وخلق الأزمات في مناطق النفوذ، ومن ثم، تقديم نفسيهما كشريك للمجتمع الدولي في معالجة تلك الأزمات. فكان هذان النظامان، على الدوام، نظامين مولِّدين لمعظم أزمات الإقليم.

ومثلما سوّق الإعلام مقولة «الحرس القديم والحرس الجديد» في 2000 في توصيف النظام السوري، بهدف تبرير الالتفاف على الوعود الإصلاحية، يتم الآن تسويق مقولة «الجناح المعتدل والجناح المتشدد» داخل النظام الإيراني، بهدف الالتفاف على الأدوار التخريبية لإيران في الإقليم. ومثلما كانت بنية النظام السوري عصية على أي مظهر من مظاهر الإصلاح، كذلك ستكون بنية النظام الإيراني، فهما متشابهان في البنية، بصرف النظر عن الفارق الكبير بين حجمي البلدين، وهناك تحول سورية، النظام والبلد، إلى ورقة في يد السياسات الإمبراطورية الإيرانية.

إن فاعلية اتفاق إيران النووي في تغيير بنية النظام الإيراني وأدواره الإقليمية، أصغر بكثير من رغبات المراهنين على ذلك، فتغيّر تلك البنية وممارساتها في الإقليم سيرورة طويلة ومعقّدة، يتداخل في تركيبها الكثير من القوى والعوامل: تبدأ بالرهان على إعادة إزهار «ربيع طهران»، الذي خنقه تحالف الباسيج والحرس الثوري مع المؤسسة الدينية عام 2009، ولا تنتهي بقطع الطريق أمام استثمار إيران في الانقسام المذهبي في البلدان العربية المشرقية. فالدور الإمبراطوري العنصري والتخريبي للنظام الإيراني، أصبح أكبر من طاقات الشعب الإيراني وشعوب المنطقة على الاحتمال.

* كاتب سوري

=====================

أهداف تكتيكية للمبادرة الإيرانية .. غازي دحمان

العربي الجديد

الاربعاء 19/8/2015

بتذاكٍ وكيدية، ملحوظين، يسارع عقل جمهورية إيران الإسلامية إلى إجراء مناورة دبلوماسية، تبدو وكأنها محاولة لبناء حيثيات وهمية، أشبه بمجسمات كرتونية، وفرضها أمراً واقعاً على خريطة الصراع في المنطقة، فيما بدا أنه مسعى للهروب إلى الأمام، وعدم رغبة في رؤية الوقائع كما هي، وخصوصاً بعد تحطم النماذج التي صنعتها على المساحة اليمنية.  حسناً، ما لم نستطع فعله في الميدان، سنحاول صناعته بالدبلوماسية، هذا لسان حال الإيرانيين، أو ليست الدبلوماسية استكمالاً للحرب؟ خصوصاً أن العقل السياسي الإيراني الحديث على عالم العلاقات الدولية ما زال عند الدروس الأولى في السياسة، بعد أن ظل عقوداً يصنع سياساته، تأسيساً على نظرية عودة الغائب في الاستراتيجيا، والنهل من كتاب الملل والنحل تكتيكياً.

أظهر ذلك كله طرح إيران الجديد ساذجاً في الشكل، وخبيثاً في المضمون، وكأنه لا يطرح حلا لأزمة معقدة، ومتشابكة إقليمياً ودولياً، تحتاج مقاربتها إلى رؤية معاصرة للمشهد الدولي والتغيرات الاجتماعية وتأثيرات العولمة، بل مجرد محاولة للانتقام من تاريخ سحيق، وإعادة تصويب مستحيلة لوقائع دفنها الزمن.

لا تحمل الخطة الإيرانية جديداً، لا من حيث تقنياتها، ولا من حيث الطرح، ولا تنطوي على عناصر مؤثرة، من شأنها تحفيز الأطراف المتصارعة على قبولها. لذا، تعرف إيران أن حظوظ نجاح مبادرتها معدومة، لكن ذلك لا يمنع من قذف ألغامٍ كثيرة في فضاء الأزمة السورية:

- تظهير الإشكالية في سورية على أنها بين أقليات وأكثرية، والإيحاء بأن الأقليات هي من قامت بالثورة، نتيجة اضطهاد الأكثرية لها، ولأن الدستور القديم لا يتضمن حقوقاً واضحة لها، وفي ذلك محاولة خبيثة لاستغلال القلق الدولي على الأقليات في المنطقة! غير أن ثمة هدفا عملانيا يتجاوز المضمون العاطفي الظاهري، ذلك أن إيران، بعد أن أنجزت عملية التطهير الديمغرافي لمنطقة واسعة، تمتد من اللاذقية حتى دمشق، وتشكل جسور تواصل بين لبنان والعراق، وصار العنصر الغالب فيها يتشكل من الأقليات، فهي تريد ضمانة دستورية على شكل لامركزية، تؤهلها للسيطرة على القرار السوري، وطلب الانفصال لاحقا عن الجسم السوري، في حال لم تلبِّ مصالح إيران وشروطها.

"لا تحمل الخطة الإيرانية جديداً، لا من حيث تقنياتها، ولا من حيث الطرح، ولا تنطوي على عناصر مؤثرة، من شأنها تحفيز الأطراف المتصارعة على قبولها"

- اختزال القضية في إجراءات شكلية، مثل الانتخابات على مستويات دنيا، ترسيخاً لقناعة أن بشار الأسد رئيس شرعي، وبالتالي خارج كل المعادلات، مثل الأبنية الأمنية والعسكرية التي تشكل الجزئية الأهم في مؤسسة الدولة السورية التي يطالب الغرب بالحفاظ عليها.

- مجرد دخول عتبة العملية السلمية يُصار إلى تبرئة النظام من كل الجرائم السابقة، وعلى السوريين دفن قتلاهم، والعودة لحالة الخضوع السابقة للنظام.

- التركيز على صورة سورية الحالية، ومعالجة الأوضاع ضمن إطار هذه الصورة، بما فيها من توطين وإحلال ديمغرافي وإهمال كل ما هو خارجها، بما فيه ملايين المهجرين والنازحين، وحل هذه المسألة عبر تسويات مناطقية، كأن يتم تهجير سكان الزبداني في مقابل نقل سكان كفريا والفوعة إلى ريف اللاذقية، حيث سيحلون مكان المهجرين من بانياس وجبلة وجبل التركمان.

- حرف التغيرات الدولية، ومنع أي تطورات قد تحصل، خصوصاً بعد ظهور تغيرات في الموقف الروسي، ومنع تطوير تفاهم أميركي - تركي، بخصوص المناطق العازلة. وبالتالي، تستهدف المبادرة حماية نظام الأسد فترة، حتى تكون المعطيات تغيّرت بعض الشيء.

تعرف إيران أن مبادرتها ميتة، ولا يمكن أن تشكل قاعدة للتفاوض، فلا هي طرف موثوق به بالنسبة للغرب، ولا هي تملك جسور تواصل مع الطرف السوري الآخر الذي يفترض به قبول المبادرة. لكن، لا بأس من إشغال العالم في الفترة المقبلة، وضمان عدم تشكّل سياقات بديلة تقلب المعادلة في الشرق الأوسط لغير صالحها، ولا شك أن إيران حاولت الاستفادة من نقلات سياسية حاصلة في المشهد الدولي، بعد قراءتها من زوايا نظر محددة، وتأويلها بما يناسب العقل الإيراني، خصوصاً لجهة الموقف الروسي المتأرجح، والموقف الخليجي المرن الذي تبين أنه يهدف إلى تفكيك مواقف الأطراف، وليس تغير الموقف تجاه الحدث السوري.

بالنسبة لروسيا، الواضح أنها تمر بمرحلة بناء تقديرات جديدة للأزمة، وإعادة تقييم وضعها، فهي تقف حائرة أمام احتمالية تطور علاقات الغرب مع إيران وانفتاحها الاقتصادي عليها، وتأثير ذلك على أسعار النفط. وفي الوقت نفسه، تريد موازنة أوضاعها أمام هذه التغييرات المحتملة، وتقديراتها الخسارة المتوقعة، والربح المقدر يجعلها، في هذه المرحلة، تذهب إلى إمساك العصا من المنتصف. ربما من هنا جاء تصريح الرئيس الأميركي، باراك أوباما، وقبله الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، عن حصول تغيير في الموقف الروسي، ما يطرح التساؤل عما إذا كانت روسيا بصدد إحداث تحول جذري في موقفها، أم هي خطوة تكتيكية لفتح باب المساومة معها؟

بالنسبة للخليج، وبعد محاولة إيران الاستفادة من زيارات بعض مسؤولي النظام السعودية وعُمان، وتظهيرها على أنها تشكل تحولات في الموقف من الأزمة، فلم يكن ممكنا لدول، مثل السعودية وقطر، أن تعدّل مواقفها تجاه الحدث السوري صوب تلك الاتجاهات. بالأصل، قامت هذه البلدان بهيكلة أنظمتها السياسية والأمنية، ومنظوماتها العسكرية، نتيجة التداعيات الخطيرة للحدث السوري، وتأثيرات إيران فيه، بما يثبت أن الأزمة السورية جرى دمجها في قلب استراتيجيات هذه الأنظمة البعيدة المدى، والتي تتضمن رؤاها للأمن والاستقرار في هذه المنطقة، والقضية ليست شخصية، ولا عاطفية، بقدر ما هي تقديرات مبنية على وقائع محايثة، فضلاً عن أن هذه السياسات تجسيد للبدائل الأكثر تلاؤماً مع مصالح دول الخليج الأمنية والسياسية.

======================

سوريا ولعبة الأمم .. د.خالص جلبي

الاتحاد

الاربعاء 19/8/2015

في زيارتي الأخيرة إلى كندا، اجتمعت في تورنتو بسيدة فاضلة سألتها عن اسمها، فذكرت لي اسمها مقروناً باللقب «تسابحجي». استرعى انتباهي هذا اللقب، فسألتها إن كانت تعرف «مروان تسابحجي»؟ فقالت: هو والدي؟ وقفت للحظات عدة استجمع ذاكرتي، ثم بادرتها بالسؤال: وهل والدك هو من ترجم كتاب لعبة الأمم (Game of Nations) لمؤلفه رجل الاستخبارات الأميركية(CIA) الشهير «مايز كوبلاند»؟ فهزت رأسها بالإيجاب. ثم تابعت متسائلاً: وماذا جرى لوالدك الآن؟ قالت مات مقتولاً ومن أقرب الناس إليه؟ رجعت بالذاكرة إلى سنين بعيدة سابقة، عندما أخذني صديقي عصام السمان لزيارة هذا الرجل، حيث اكتشفنا أنه منبع لمعلومات ثمينة وأنه ذو وعي سياسي واسع ونير. لكن الأهم من ذلك هو اهتمامه بكتاب «لعبة الأمم» الذي يروي قصة اللعب بالشعوب والحكومات من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إي).

ولعل ما جرى في الآونة الأخيرة من توقيع للاتفاق النووي بين كل من إيران ومجموعة (5 الاربعاء 19/8/20151)، ينبغي النظر إليه على ضوء أحداث وقعت قبل الآن بوقت طويل، خاصة حين طُرد الشاه للمرة الأولى وقفز إلى الواجهة مصدّق (وليته بقي فلم يأت النظام الأوتورقراطي التيولوجي الحالي)، فقام «شفارتس كوبف»، وبكلفة بسيطة لا تتجاوز خمسة ملايين دولار باستخدام البوكسرجية (شيء من هذا القبيل حدث في الصين) والمصارعين والشبيحة، فقلبوا نظام حكم مصدّق وأتوا بالشاه من جديد، فظل في الحكم حتى اندلعت ثورة الخميني التي أطاحته في 1979، وما تلا ذلك من قصة احتجاز الرهائن الأميركيين من موظفي السفارة الأميركية في طهران، ثم تشرد الشاه بعد ذلك، على النحو الذي ذكره «هيكل» في أحد كتبه، حيث مات في مصر وقيل إنه كان مصاباً بالسرطان.

وفي الوقت الحالي تحاول إيران رد الاعتبار لنفسها، فيما لا يتحمل العالم المزيد من تطوير السلاح النووي وأسلحة الدمار الشامل. لكن هذه اللعبة اليوم تدار في سوريا. وذكر لي ذلك صديق سوري اجتمعت به في مونتريال بكندا، وقال إن هناك غرفة عمليات تنظم تقدم وتأخر «الجيش الحر» ومقدار ما يحتاج له من ذخيرة. وبهذه الطريقة من «الريموت كونترول» يتحرك بيدق المقاومة المسلحة السورية، وجيش بشار البراميلي، كما نرى هذه الأيام في معركة الزبداني وكفريا والفوعة في الشمال وفي الساحل السوري.

وفي الدوحة، ومع مطلع أغسطس 2015 يجتمع عالم الكبار من روسيا وأميركا مع وزراء خارجية دول خليجية للتخطيط للمرحلة القادمة في سوريا. فهل ستكون بوجود الأسد البراميلي أم من دونه؟ وبكلمة مختصرة، وعلى ضوء «لعبة الأمم»، فإن سوريا وثورتها خرجتا من أيدي الثوار لتصبحا رهينتي لعبة أممية يقامر فيها الكبار ليس من أجل مصالح السوريين ودمائهم التي روت الأرض، بل من أجل مصالح الكبار وحساباتهم غير المعلنة غالباً.

======================

السراب الأميركي .. هيثم المالح

الشرق الاوسط

الثلاثاء 18/8/2015

 لا يماري أحد في أن الولايات المتحدة هي القوة الأعظم في العالم، كما يعرف الجميع أنها ازدادت قوة وجبروتًا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وإشراف الحرب الباردة على نهايتها مع وجود بؤر للصراع هنا وهناك، وقد تكون منطقة الشرق الأوسط هي من أهم بؤر الصراع هذه، للموقع الجغرافي الذي تتمتع فيه، وللثروات الهائلة المكتشفة حتى الآن وغير المكتشفة.

ولا أحد يجهل الدور الذي لعبه البعض من قادة الشيعة في إيران والعراق خاصة، حين سهلوا بل وتعاونوا مع «الشيطان الأكبر» من أجل الإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين، والسيطرة على العراق تحت مسمى طائفي بغيض - أكثرية شيعية، وأقلية سنية - واستبعاد الإخوة الأكراد بهذا الشكل. وكذلك لا يجهل أحد دور هؤلاء في تسهيل دخول الجيوش الأميركية إلى كل من العراق وأفغانستان، لضرب الأكثرية السنية تحت مسمى «الإرهاب»، ومن هذا الدور الذي لعبه مركز ولاية الفقيه وأعوانهم، الفتاوى المتعددة بعدم جواز قتال الأميركيين الذين قدموا لتحرير «الشيعة»، من المجرم صدام حسين.

لا شك أن قوى التحرر في عالمنا كانت تقف ضد ممارسات صدام حسين، ولكن أن يعمد الجنود الأميركيون لوضع علم بلادهم فوق تمثال صدام حسين، هو أمر كان في غاية الهوان ودلالته أكبر مما وقع فعليا.

وددت من وضع هذه الصورة أمام القارئ حتى أذكر الجميع بمواقف الإدارة الأميركية، بدءًا من خلق الكيان الصهيوني في فلسطين، ودعم هذا الكيان الذي قام على الإرهاب، وليس عنا ببعيد حين وافقت عصابة الإجرام في دمشق، بوساطة روسية على تسليم الأسلحة الكيماوية، كيف انفرجت أسارير باراك أوباما مصرحًا بأن - إسرائيل أضحت أكثر أمانًا – واستمر المجرم بشار الأسد في استعمال أنواع من الأسلحة الكيماوية، والأسلحة المحرمة دوليًا، يقتل بها الشعب الذي ينتمي إليه، إلا أن الإدارة الأميركية لم يرف لها جفن، لا بل الأنكى من ذلك، وفي الكثير من تصريحات هذه الإدارة، ترى ضرورة التعاون مع طهران التي أضحت بفضل ذلك تسيطر على مفاصل السلطة في دمشق، وهي فعلاً من يدير دفة الحكم عسكريًا وسياسيًا، وتسعى إيران بكل طاقتها، وفي سباق مع الزمن لتفرض تغييرًا ديموغرافيًا في سوريا وخاصة في دمشق.

من جهة أخرى يجري التفاهم حول الكثير من هذه المشكلات مع روسيا، الشريك الثاني لنظام الإجرام في دمشق، لتقاسم سوريا بين الصفويين والروس، كل ذلك يجري أمام أعين الولايات المتحدة، إذا لم نقل بمباركتها.

أود أن أقول: إن جل مآسينا، واضطراب أوضاعنا، يأتي من السيد الأميركي الذي همّه الوحيد الحفاظ على أمن إسرائيل، ومصالح «التروستات» الكبرى التي تتحكم في القرار الأميركي، أما أن يرتكب كائن من كان من الأنظمة أبشع الجرائم وأخسها، فهو لا يحرك للسيد الأميركي أي ضمير.

فإذا كانت هذه هي الصورة، وأعتقد أنني أصبت كبد الحقيقة فيما وضعت من كلمات أمام القارئ، فلماذا نسعى للقاء الإدارة الأميركية، أوباما أو كيري، ونحن على يقين أن هذه الإدارة، إذا لم تكن قد باعتنا للإيرانيين والروس حتى الآن، فهي على استعداد لأن تفعل ذلك، أو أنها في الطريق إلى ذلك، ولكن أليس علينا أن لا نلدغ من الجحر مرتين؟!

أود أن أقول: إن ضعفنا وتفككنا، هما اللذان ساقانا وراء السراب الأميركي، وسنظل نلهث وراءه إلى أن نحقق ذاتنا.

* عضو الائتلاف السوري المعارض

======================

الانقراض السوري .. علا عباس

العربي الجديد

الثلاثاء 18/8/2015

ما الذي يمكن أن تأتي به الحرب سوى الموت؟ يمكنها أن تأتي بما هو أكثر بكثير. يمكنها أن تأتي باللصوص والعاهرات، يمكنها أن تتسبب بالطلاق وبخلافات الأخوة، فهي من تأتي بالفقر واليأس، وهذان الأخيران يجلبان كل الشرور.

في تقرير للأمم المتحدة عن آثار الحرب على سورية، تبين أن نسبة الفقر هناك تجاوزت ال 90 بالمئة، والفقر لا يميز بين لاجئ في الداخل أو لاجئ في الخارج أو مقيم. فمن بين 23 مليون سوري، وخلال أربع سنوات من الحرب، أصبح أكثر من عشرين مليوناً فقراء.

ومن بين عشرين مليون فقير، لا بد أن يظهر مليون لص ومليون امرأة مستعدة أن تفعل أي شيء كي تطعم أبناءها، ومنهم أيضاً لا بد أن يظهر عشرة آلاف قاتل مأجور وقاطع طريق، ومئات الآلاف ممن هم مستعدون للقتال تحت أي راية في مقابل ما يسد رمق الأبناء.

هذه آثار طبيعية يمكن أن تصيب أي مجتمع، إذا ما عمّه الفقر، والمجتمع السوري لن يكون استثناءً، وقد بدأت هذه الآثار في الظهور، فحوادث السرقة أصبحت امراً معتاداً، أبسطها وأسهلها قفز اللصوص الصغار عن شرفات المنازل، لسرقة ما يتوفر في البيوت الفقيرة كذلك، وأكبرها سرقة البلد ومستقبله وأرواح أبنائه، وهو ما تقوم به طائرات النظام وأجهزته الأمنية وتعنت رأسه، وتمسكه بكرسيه المتهالك، ولو كلف ذلك ما تبقى من البلاد وأهلها.

وبين هذا وذاك، تنتشر السرقات المتوسطة، فمليشيات الدفاع الوطني، وبعد أن انتهت من "تعفيش" الأحياء التي هجرها سكانها، التفتت إلى أحيائها هي بالذات، وصارت تسرق نهاراً جهاراً، من دون أن يجرؤ أحد على الاعتراض أو الشكوى، وبعد أن انتهت من خطف الأثرياء للمفاوضة على إطلاقهم مقابل فدية، صارت تخطف الأقربين وأبناء الحي والقرية.

كتائب تتغطى باسم الثورة مارست وتمارس السرقة والخطف ومختلف صنوف الإجرام. زراعة المخدرات بدأت الانتشار، وتعاطيها وتجارتها صار أمراً مألوفاً، في مجتمع ارتطم بجدار اليأس.

آبار النفط صارت محل صراع بين لصوص ولصوص أقوى منهم، آثار سورية صارت لها شبكاتها الممتدة في العالم، عصابات صغيرة تنقب وتنهب وتخرب، عصابات أقوى وأكبر تقوم بتهريب تاريخ سورية عبر الحدود، ليصل إلى مافيات دولية منظمة، تدير سوق الآثار السوري العراقي.

عشرة آلاف عام من الحضارة موزعة على ثلاثة آلاف موقع أثري، صارت بعهدة اللصوص، وما أبقاه النظام وفاسدوه بعد أربعين عاماً من السرقة والنهب، يتم الإجهاز عليه الآن، وباشتراك الجميع.

التعليم متوقف في أكثر من نصف البلاد، وأمراض القرن التاسع عشر عادت إلى الظهور في سورية. أطفال دون العاشرة يقفون بهدوء، وربما بعض الاستمتاع، وهم يشاهدون مسلحي داعش يقطعون بالسيف رؤوس أعدائهم، أطفال آخرون يخرجون من تحت الأنقاض برجل واحدة أو يد واحدة، أو من فوق جثث أخوتهم الأصغر، فيما طائرات النظام تغادر المكان، بعد أن "دكّت أوكار الإرهابيين".

الأسر تفككت وتشتتت، وصار كل واحد منها في بلد، وكم من أسرة لا تعرف أين مستقر أبنائها، عدا مئات آلاف الأسر، يقبع أبناؤها في أفرع الأمن والمعتقلات سيئة الصيت، ولا يعرفون إن كانوا أحياء أو أمواتا.

كم من زوجة تنتظر زوجاً ربما مات منذ ثلاث سنوات، وكم من أخرى تزوجت بعد أن عرفت بموت زوجها، وهو في الحقيقة ما زال على قيد الحياة، ملايين المآسي والقصص الإنسانية التي لا يمكن للأدب، ولا للسينما أن يتخيلها. وكلها تصب في نتيجة واحدة: هذا المجتمع في طريق التفكك.

قبل عامين، كنا نقول إن العالم يقف مكتوف الأيدي، وهو يشاهد الشعب السوري يذبح ويقتل بالقصف والرصاص والأسلحة الكيماوية، وكنا ما نزال نمتلك الأمل بأن يتحرك الضمير الإنساني، ويدفع حكومات بلاده لتفعل شيئاً يوقف الموت والخراب في سورية.

مع تفاقم المأساة الإنسانية وتوسعها وتعمقها وامتدادها لكل جوانب الحياة، صارت الحالة أكثر سوءاً بكثير، فالعالم لم يعد يقف مكتوف الأيدي، وهو يشاهد الشعب السوري يذبح، العالم توقف عن المشاهدة أصلاً، ملّ من موتنا، ضجر من خرابنا، سئم من منظر دمائنا النازفة.

أذكر جملة للشاعرالسوري الراحل إياد شاهين تعبّر تماماً عما يجري في بلادي: إنه ليس الموت، إنه الانقراض.

======================

نصائح للأميركيين .. ميشيل كيلو

البيان

الاثنين 17/8/2015 

بعد عمليات بحث وتنقيب وتحقيق طويلة ومضنية، تم العثور على ستة وخمسين سوريا «معتدلا»، قرر عسكر واشنطن خلال مداولات سرية جرت وراء ابواب مغلقة ودامت اشهرا، أنهم يصلحون لدورة في التدريب العسكري.

ومع أن معظم هؤلاء تدرب خلال اعوام على اشرس انواع القتال اليومي ضد جيش فتاك بطاش هو جيش الرفيق بشار الاسد، فإن العسكر الأميركي قرر أنهم بحاجة إلى تعلم فنون النظام المنظم، والركض في مناطق مكشوفة، والزحف والحبو والانبطاح والوقوف، وكذلك الرمي بالكلاشينكوف لبعض الوقت، تمهيدا للرمي بسلاح بالغ السرية هو بندقية «ام سكستين» القديمة، المقدمة من جيش البيت الأبيض، قبل منحهم شهادة تثبت أنهم صاروا محاربين اشداء، وتزويدهم بسيارات تويوتا وسلاح خفيف ومتوسط روسي الصنع، سبق لهم أن تعاملوا معه وعجنوه وخبزوه كرشاشات «اربعة عشر ونص» و«ثلاثة وعشرين»، التي يعرفونها بالتأكيد اكثر بكثير من الذين دربوهم عليها ومنوا عليهم بها.

هذه «الدورة» كانت جزءا من «خطة» الولايات المتحدة لحسم الصراع في سورية، بقوة جيش جرار يضم عددا هائلا من المحاربين يبلغ خمسة آلاف مقاتل، ليس فيهم من لا يمكن تصنيفه كواحد من عتاة المعتدلين، هذا إن وفقها الله في العثور عليهم وسط بحار ومحيطات المتطرفين والإرهابيين والأصوليين السوريين، الذين يشكلون بلا ادنى شك نسبة تبلغ ٩٩،٩٩،٩٩ بالألف من الشعب الإرهابي، الذي يزعم أنه يريد الحرية ولا شيء سواها.

لم يبق احد من جيش التحرير الأميركي، فقد اعتقلت النصرة وقتلت وجرحت خمسين منهم، ونجح الستة الباقون بالفرار إلى مكان بقي مجهولا إلى اليوم  هل عادوا إلى اميركا على متن بنادقهم السحرية التي نجحوا في تحويلها إلى عصي يمتطونها فتطير  لو وقع هذا لأية دولة، لكانت شعرت بالاحباط واليأس، لكن أميركا ليست أية دولة، لذلك قررت مواصلة تدريب جيش الاعتدال العتيد دون كلل او ملل، غير آبهة بما وقع لطلائعه.

بما أن عسكرها يعرفون تماما كيف يفيدون من أخطائهم، فقد قرروا تدريب المعتدلين فرادى، بالواحد، كي لا يكون لسقوطهم المحتم في يد النصرة أو غيرها أي أثر سلبي أو يهز خوف العالم من جيش اليانكي، المتربص به في أربع اقطار الكون.

سيأخذ بناء الجيش الذي سيحرر دمشق من الآن فصاعدا الشكل التالي: سينزل خبراء واشنطن إلى المخيمات للبحث عن المعتدلين، الذي يشبه البحث عن إبرة في كومة قش ضخمة، فإن وجدوه بعد جهد جهيد، نقلوه إلى مكان سري لتدريبه على فنون القتال التي يجيدها أكثر من أي جندي يدربه من جيشهم، وحين ينتهي تدريبه ويتم تزويده بالبندقية، يعاد إلى سورية كي يفتح جبهة ويبدأ معركة تحرير الشعب من الطغيان وكسر جيشه، في حال لم تتعرف النصرة عليه، وتخيره بين الاسر والقتل وبين الالتحاق بها.

هذه افضل الخطط التي يجب على واشنطن اعتمادها، كي لا تنتهي حرب سورية بسرعة، وليحذر عسكر البنتاغون والرئيس اوباما شخصيا التفكر بتزويد مقاتلي الجيش الحر بما يحتاجونه من سلاح وتجهيزات، لأن ذلك سيمكنهم  لا سمح الله  من حسم معركة شعبهم من أجل الحرية واسقاط نظام الأسد، مع ما يمثله ذلك من كارثة يهون، بالمقارنة معها، قتل واسر وفرار ستة وخمسين معتدلا، لا دور عمليا لهم في الحرب، ولا ما يحزنون!

======================

خيارات واعدة ومخاطر .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاثنين 17/8/2015

يمكن للتدخل التركي في شمال سورية أن يصحح أوضاعنا السورية المعوجة، ويحسّن أحوالنا السيئة، لأسباب ثلاثة:   الصفقة التي عقدتها أنقرة مع واشنطن، وتقوم على محاربة تنظيم داعش وقواته والقضاء عليهما مقابل موافقتها على "ضبط الحالة الكردية"، والاستعاضة عن "قوات حماية الشعب" التابعة لحزب المجتمع الديمقراطي، الفرع السوري لحركة "البي كاكا" الكردية التركية، بقوات من الجيش الحر، تقوم بمهام القوة البرية المطلوبة أميركياً لقتال الإرهاب، عوضا عن جنود جيش واشنطن. إذا كانت القوات قد قدمت حلا جزئيا لحاجة أميركا إلى قوات أرضية، تردف حربها الجوية ضد "داعش"، فإن تبنيها مشروعاً قومياً غامض الملامح، يضمر مشكلات متشعبة، تستطيع نسف أي حل، وبالأحرى استقرار قد تبلغه سورية، وتهديد أمن تركيا وسلامها ونهضتها، وإضعاف فرص البديل الديمقراطي، والإسهام في إطالة عمر النظام الأسدي الذي دعم "القوات" بجميع قواه.

بالجيش الحر بديلاً، سيتم حتما تقييد دور الأطراف المقاتلة الأخرى، وهذا مصلحة سورية لا لبس فيها، وستتوفر للأميركيين والأتراك قوة أرضية، يعزز نموها الخيار الديمقراطي والوطني السوري، ويضعف النظام. هذا الوضع يتيح فرصة حقيقية لفتح باب الحوار مع الكرد السوريين، بمختلف أحزابهم وتشكيلاتهم السياسية والعسكرية، وللوصول إلى تفاهم نهائي حول الحلول المطلوبة لمشكلات سورية القومية، يحفظ حقوق الكرد، ويصون مصالحهم، في مقابل دور متوافق عليه، يلعبونه في إطار الرهان الوطني الديمقراطي العام، القائم على وحدة الدولة والمجتمع، وتلبية حقوق مكونات الجماعة الوطنية السورية، يعيد دمج الحراك الكردي في الحراك السوري الديمقراطي العام، ويمكّنه من استعادة مكانه المميز والمهم فيه، الذي جعل منه حراكا طليعيا وقياديا في النضال الوطني والديمقراطي السوري، نيفاً ونصف قرن.

 يتخطى الالتزام بضرب داعش المنطقة الآمنة التي ستكون خالية من حضورها ومخاطرها إلى نمط النظام السوري الواجب القيام بعد الأسد، ويؤسس ميزان قوى، يعيد إحياء معادلة الثورة الأولى التي كانت تحتم قيام بديل ديمقراطي للاستبداد الأسدي. يعزز التفاهم التركي/ الأميركي هذه المعادلة، ويعطي لشطب "داعش" معنى واحداً، هو التخلص منها بديلاً، يمتلك فرصة كبيرة في صراع القوى السورية على السلطة، وجعل الخيار الديمقراطي محتماً، وإقناع العالم بنضج شروط الانتقال من الأسدية إلى الحرية، في حال نجحت المعارضة في التخلص من عيوبها الكثيرة جداً، وبناء نفسها سياسياً وعسكرياً، بطرق تؤكد قدرتها على تحقيق خيار الحرية وإحباط أي خيار غيره.

بضرب "داعش" بقوة جيش حر متنامي القدرات، وباستمرار تهالك النظام واستثماره، ستتاح الفرصة لاستعادة رهان الثورة الأول: "الحرية للشعب السوري الواحد"، والديمقراطية بديلاً لا مهرب منه للاستبداد، واستعادة القوى الديمقراطية دورها ومكانتها رافعة للثورة، وقوة مؤهلة لحسم الصراع لصالح شعب سورية الموحد ودولته المستقلة. هذا أيضا مكسب وطني وثوري، لا لبس فيه.

 ستقدم المنطقة الآمنة، بضمانة ميزان القوى الخارجي، التركي/ الأميركي، الإطار الضروري لضبط علاقات القوى الداخلية والإقليمية، بحيث تفضي إلى حل يطيح النظام المتحالف مع الإرهاب الإيراني. وهذا بدوره أعظم مصلحة وطنية وثورية سورية.

لكي لا نضيع هذه السانحة الفريدة بحساباتنا الصغيرة، علينا البدء، أخيراً، بترتيب أوضاعنا الذاتية بكل مسؤولية، وإبداء أقصى قدر من المرونة والتفهم حيال الكرد وحقوقهم، ومن التشدد تجاه "داعش" والإرهاب. وعلينا كذلك العمل لإنجاح الخطوة التركية، وإلا غدت عنصرًا إضافيا في الصراع الضاري الذي دمر بلادنا، واستنزفت ما لم يستنزف بعد من قوانا، وأطالت مأساة شعبنا القاتلة عوض إنهائها.

======================

ماذا حدث في موسكو؟ .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 16/8/2015

وصل إلى موسكو في وقت متقارب من نهاية الأسبوع الماضي وفدان من المعارضة السورية، كان أولهما وفد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، والثاني وفد لجنة مؤتمر القاهرة للحل السياسي، وقد ضم الأخير كسابقه حشدًا من قوى المعارضة أغلبه لا ينتمي للائتلاف، وإن كان بين الاثنين رابط من قوى موجودة في الطرفين المعارضين.

الحدث بحد ذاته، كان تطورًا مهمًا في علاقة روسيا مع المعارضة السورية، وفي تعامل الأخيرة مع الموقف الروسي. فمن الجانب الروسي، دأبت موسكو على اعتبار المعارضة البعيدة عن النظام، معارضة إرهابية ومتطرفة ومرتبطة بالأجندات الخارجية، وهذه المقاييس لم تكن بعيدة كثيرًا عن نظرتها للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، رغم أنه حاز أغلبية دولية بوصفه ممثلاً شرعيًا للشعب السوري، وتقارب هذه النظرة الروسية للائتلاف نظرتها إلى بعض القوى المشاركة في مؤتمر القاهرة، وهو أمر حدا بالقيادة الروسية في السنوات الماضية إلى التعامل مع قوى «معارضة» سورية مقربة من النظام، أو منظمة بمعرفته.

أما المعارضة السورية، فقد نظرت إلى روسيا باعتبارها الحامي الرئيسي لنظام الأسد، والداعم الأول له في المستويين السياسي والعسكري، حيث استخدمت موسكو الفيتو أربع مرات في مجلس الأمن الدولي لمنع إدانة نظام الأسد وسياساته، وقدمت له السلاح والذخيرة، التي استخدمت في قتل الشعب السوري وتدمير بلده، فكان افتراق المعارضة عن موسكو بديهيًا، وأقله الحذر والريبة في التعامل معها ومع طروحاتها في الموضوع السوري.

غير أن تباعد موسكو والمعارضة السورية، صار عرضة للتبدل في الأشهر القليلة الماضية بفعل ثلاثة من العوامل: أولها، التغييرات الميدانية الحاصلة في الداخل السوري لجهة تقهقر النظام وتصاعد أزمته الذاتية وعلاقاته. والثاني، طبيعة التطورات الإقليمية والدولية في الموقف من القضية السورية في ضوء الاتفاق النووي الإيراني واجتماعات الدوحة والتفاهمات الأميركية - الروسية، والروسية - السعودية، والتفاهمات الأميركية - التركية. والعامل الثالث، يتصل بموقف المعارضة السورية، خصوصًا فيما يتعلق بموضوعي الحرب على الإرهاب والحل السياسي، وكلها مهدت لدعوة موسكو المعارضة السورية للتباحث معها في المستوى الأعلى للدبلوماسية الروسية بحضور وزير الخارجية لافروف ونائبه بغدانوف وفريقه المعني بالملف السوري.

وبطبيعة الحال، فقد عرضت الدبلوماسية الروسية في اجتماعاتها، التي تمت على مرحلتين مع الوفدين - كل على حدة - واحدة مع بغدانوف وفريقه وأخرى مع لافروف، موقف القيادة الروسية وتحليلاتها حول القضية السورية، وما ينبغي فعله في التعامل مع الواقع، وكيف يكون مستقبل سوريا، وكله لم يعكس تغييرًا جوهريًا في الموقف الروسي الذي ركز كثيرًا على مكافحة الإرهاب باعتباره مهمة رئيسية في سوريا.

ورغم أن المعارضة السورية، ذهبت بوفدين منفصلين إلى موسكو، لم يلتقيا هناك، فقد حملت أجندة واحدة أساسها، أن المعارضة ضد الإرهاب، وأنها مع الحل السياسي، وأوضح ممثلو المعارضة أمام المستضيفين الروس، ولو بتعابير مختلفة قليلاً، أن السوريين انخرطوا عمليًا في الحرب ضد الإرهاب وإرهاب المتطرفين، خصوصًا «داعش» قبل قيام التحالف الدولي ضد الإرهاب، وأنهم قبلوا المرجعية الدولية للحل السياسي في سوريا ممثلة ببيان جنيف 1 لعام 2012، التي ذهبوا على أساسها إلى جنيف 2.

ومقابل نقاط الاتفاق في لقاء المعارضة السورية مع القيادة الروسية، برزت نقطة الافتراق بينهما، وهي مصير الأسد، حيث يرى الروس، أن وجوده ضمان للحفاظ على الدولة السورية ومؤسساتها، فيما طرح ممثلو المعارضة، أنهم مع الحفاظ على الدولة السورية ومؤسساتها، وأن الطريق إلى هذا الهدف، يبدأ من إطلاق حل سياسي، يتم في إطاره تشكيل هيئة حكم انتقالي بكامل الصلاحيات؛ مما يجعل الأسد لا مكان له في مستقبل سوريا.

وسط التوافقات والتعارضات في موقف كل من روسيا والمعارضة السورية، تم فتح بوابة لعلاقات جديدة بين الطرفين. الروس من جانبهم، سوف يسعون إلى التأثير على موقف المعارضة لجعلها أقرب لمواقف موسكو ورؤيتها، والمعارضة سوف تعمل بالمقابل من أجل تغيير الموقف الروسي، ليصير أقرب إلى موقفها، وكلاهما أمر طبيعي.

وسط تلك المهمة المزدوجة، لا بد للمعارضة السورية من السعي لدى موسكو، وحضها لتوليد آليات عملية لخلق هيئة حكم انتقالي تمهد لحل القضية السورية، لأن الحل وحده هو الذي سيذهب بالسوريين إلى الحرب على الإرهاب، ليس من مبدأ تعارضهم مع الإرهاب وإرهاب «داعش» فقط، بل لأن ذلك سيمكنهم من إعادة بناء بلدهم، التي دمرها إرهاب النظام والمتطرفين بصورة مشتركة.

=====================

في كلمتين : دوما تباد والمجتمع الدولي يستنكر ... ولكن .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 18/8/2015

ولكنّ أحدا لم يشكل تحالفا دوليا لمواجهة مجرم حرب الإبادة ...

ولم يحرك أساطيله الجوية للجم شهوة القتل لديه ...

ويتساءلون لماذا ؟!

ولا نملك إلا أن نرد على سؤالهم بسؤال : لماذا ؟! لماذا ؟! لماذا ؟!

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

======================

الشيخ وهبة الزحيلي والتقليد الفقهي والثورة السورية .. رضوان السيد

الشرق الاوسط

السبت 15/8/2015

 توفّي الشيخ وهبة الزحيلي قبل أيامٍ بدمشق عن سنٍ عالية. وقد كان منذ الستينات والسبعينات من القرن الماضي بين أربعة أو خمسة هم أشهر علماء الشام، أما في العقدين الأخيرين فقد صار أول اثنين أو ثاني اثنين، والآخر هو الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي. والنشأة العلمية واحدة، فبعد دمشق تابعا دراساتهما الجامعية بالأزهر، وحصلا على الدكتوراه من هناك أيضًا. وقد اشتهرت أُطروحة الزحيلي، كما اشتهرت من بعد أُطروحة البوطي. أما الزحيلي فقد كتب أُطروحته عن: «آثار الحرب في الفقه الإسلامي»، وأما البوطي، فقد كتب أُطروحته في «ضوابط المصلحة في التشريع الإسلامي». وإذا كان الرجلان قد تشابها في التقليد المذهبي (= المذهب الشافعي) وفي الدراسة؛ فإنّ الأصول الثقافية والمزاج والعلاقات بنظام الأسدَين والاجتماع السوري العام، اختلفت اختلافًا شاسعًا. أما الزحيلي فقد مارس حيادًا صارمًا رغم كتاباته الأكاديمية التي تتدخل في الشأن العام باسم الإسلام، وأما البوطي ذو الأصول الكردية والصوفية فقد ظلّ قريبًا باختياره واختيار النظام من حافظ الأسد وابنه، وفي النصف الثاني من الثمانينات لعب دورًا في تهدئة الأمور بين الأسد والمنفيين أو الهاربين من الإخوان والمحسوبين عليهم (بعد واقعة حماه عام 1982). وفي حين يقلّل كارهو البوطي من شأن ما قام به وأنه كان لصالح النظام فإنّ آخرين قالوا لي ومنهم البوطي نفسه إنه بفضل حركته وثقة الأسد به، مكَّن ثلاثة آلاف سوري من العودة إلى ديارهم أو السماح لهم بالحركة الحرة بين الداخل والخارج!

ينتمي وهبة الزحيلي (وأخوه محمد والبغا والنابلسي والبوطي وأديب الصالح والعتر وآخرون كثيرون من جيلي السبعينات والثمانينات) إلى فقهاء التقليد الإصلاحي الإسلامي الذي استقر بالأزهر أيام شيخه محمد مصطفى المراغي وشيخه مصطفى عبد الرازق، اللذين تتلمذا على محمد عبده، وكسبا المؤسسة إلى ميراثه في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي. وقد حسبتُ الزحيلي وزملاءه جميعًا على الأزهر رغم أنهم ما تخرجوا جميعًا فيه وبخاصة بعد الثمانينات من القرن الماضي، لأنّ علماء بلاد الشام والعراق من السنة، ما استطاعوا أو ما مالوا حقًا إلى إقامة مرجعيات عقدية وتعليمية في ديارهم أو مدنهم الكبرى بعد ذهاب العثمانيين. بل إنّ كثيرًا من طلاب العلم الديني في مدن بلاد الشام كانوا يذهبون إلى الأزهر منذ أربعينات القرن التاسع عشر. وقد أتاح الأزهر وأتاحت مصر لكل المذاهب الفقهية تعليمًا ثانويًا وآخر عاليًا، ومِنَحًا، واستقبالاً ودودًا؛ بل وبدأت منذ ثلاثينات القرن العشرين ترسل معلّمين وشيوخًا من أجل التعليم الديني في المدارس والمعاهد الناشئة في فلسطين وسوريا ولبنان والعراق.

وما سمح عسكريو وأمنيو الدولة الوطنية من جهتهم أيضًا بنشوء مرجعيات دينية أو إسلامية كبرى كمؤسسات أو شخصيات. وهذا فرقٌ آخر بين ضباط ثورة يوليو، وسائر الآخرين بمشارق العالم العربي ومغاربه. بل إنّ بعضهم رغب في أن يذهب طالبو الدراسات العليا في العلوم الدينية إلى الأزهر باعتباره يمثل الإسلام المعتدل الذي لا يتعاطى السياسة. وما أُنشئت كلية الشريعة بجامعة دمشق، والأُخرى بجامعة بغداد إلاّ في الستينات والسبعينات. وفي كلية الشريعة هذه درّس سائر الذين ذكرناهم من فقهاء الشام.

بدا التقليد الفقهي السني (تقليد المذاهب) مزدهرًا في الشام ومصر والعراق فيما بين الأربعينات والسبعينات. فقد ألّف الفقهاء المتأَكْدِمون في كل شيء من فقه المذاهب (الحنفي والشافعي على وجه الخصوص) وإلى تفسير القرآن، والفقه المقارن، والفقه والقانون، ومشكلات الشباب، والتيارات المعاصرة والإسلام، والإعجاز العلمي في القرآن. ورغم أنّ معظم هذه المؤلفات ذات طابع مدرسي؛ فإنها تميزت بفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، ومحاولات التلاؤم حتى مع الاشتراكية والرأسمالية، والقول بحجية المصلحة في التشريع، وإمكانيات الحكم المدني. وتميز الشيخ البوطي بالتأليف في الحياة الروحية، وفي الحوار بين الأديان والمذاهب، وكتب في سلمية الجهاد ودفاعيته.

منذ التسعينات، كنتُ أتجادلُ مع الشيخ البوطي، وأكثر مع الشيخ الزحيلي بشأن مصائر التقليد الإسلامي. وكان رأيي منذ ذلك الحين أنه تحت وطأة السلفيات الجديدة والإخوانيات فإنّ التقليد انهار رغم انفتاح كبار رجالاته على الإصلاح، وحلَّت محله الإحيائيات الجديدة التي صارت إسلامًا سياسيًا وآخر جهاديًا. وكان الشيخ البوطي يعترف بوجود انقسام، لكنه كان ينبهني إلى شعبيات الإحياء الصوفي، وإلى خطورة تسييس الإخوان للإسلام. أما الشيخ الزحيلي فإنه كان ينكر ذلك تمامًا، وينبهّني إلى شعبية كتبه. فقد كتب موسوعة: «الفقه الإسلامي وأدلته» في ثمانية مجلدات طُبعت عدة مراتٍ بالعربية، وتُرجمت رغم ضخامتها إلى عدة لغاتٍ إسلامية. وقد استغربتُ في التسعينات ما قاله لي اللواء غازي كنعان عن «شرور» مالك بن نبي المفكر الجزائري الذي قضى سني عمره الأخيرة (1968 - 1975) بين سوريا ولبنان، لأنّ مالكًا نبهّني عام 1970 إلى انهيار تقاليد فقه الدين وتقاليد فقه العيش في أوساط الشبان، وظهور بروتستنتيات متشددة في أوساط الشبان، وهي مضرة بالدين أكثر من إضرارها بنظام الدولة الوطنية بالجزائر وسوريا ومصر؛ قال: ينبغي مكافحة العنف في عقول الشباب!

... وجاء العام الفاصل، 2011. فأما الشيخ البوطي وباسم المسالمة وطاعة السلطة العادلة كما هو مذهب أهل السنة؛ فإنه ظلَّ مع بشار الأسد وليس بالصمت، بل بالكلام اليومي والعالي الوتيرة. وأمّا الشيخ الزحيلي فقد قلّت مراتُ مغادرته لدمشق. وما قال كلمة مع النظام أو ضدّه، لكنْ عندما رأيتُه مطلع عام 2012 كان كأنما كبر عشرين سنة، قال لي على حدة: «لقد غادر الزملاء والتلامذة، وما بقي بدمشق غير دراويش البوطي وأنذال لبنان بالتلفزيون السوري. قل لي كيف يكون زبانية النظام القاتل أصحابًا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ثم في الوقت نفسه كيف تريدني أن أقبل مقولة القرضاوي بارتداد النظام وضرورة الجهاد ضده؟! قبل ثلاث سنوات لا أكثر جاء القرضاوي مبعوثًا من أمير قطر ليمدح الرئيس المجاهد بشار الأسد، الذي ارتدّ الآن في نظره فيما يبدو. ذكِّرْني يا ابني كيف كان يقول مالك بن نبي عن فقه الدين وفقه العيش، لا أريد الآن إلاّ توقف القتل، فأنا أشعر أننا مقبلون على ما هو أشدّ هولاً، زارني أستاذ إيراني وقال لي إنّ الخامنئي لن يتخلى عن الأسد لأنه يعتبره مثل ابنه (!)؛ ليتني متُّ قبل هذا وكنتُ نسْيًا منسيا». وعندما قتل البوطي بمسجده بدمشق عام 2013 بطريقة غامضة وما ادعى أحدٌ المسؤولية، اتصلتُ بالزحيلي وعزيته فاكتفى كما في آخر مرة بالقول: ليتني متُّ قبل هذا. رحم الله الزحيلي، ولَطَف عز وجلّ بسوريا وبالإسلام!

======================

صناعة عناصر التسوية في سورية .. غازي دحمان

الحياة

السبت 15/8/2015

تدرك جميع الأطراف المعنيّة بالأزمة السورية أنّ الوضع الحالي لا يشكّل فرصة لصناعة تسوية في سورية، نظراً لحجم التعقيد الذي تنطوي عليه الأزمة وعدم وضوح الصورة، لكن إدراك المخاطر الكبيرة التي يولدها إستمرار الأزمة والتي تتوالد بشكل ميكانيكي مذهل، وكذلك إعتقاد الأطراف أنّه من المفترض قيامها بدور ولو بحدّه الأدنى يتطابق مع مسؤولياتها في حفظ السلام العالمي، وبخاصةً بعد إنجازها لما تعتقده صفقة العصر، الإتفاق النووي مع إيران، ومحاولة هذه الأطراف إستثمار مناخ التقارب الحاصل بينها على هامش مفاوضات النووي، يدفعها إلى محاولة تنشيط الحراك حول الملف السوري، أو أقلّه إبقاء المسألة مطروحة.

ملامح هذا الحراك وحدوده تكشف بشكل واضح أنّ سقف أطرافه منخفض وطموحاتها واقعية وغير مندفعة، ومن الطبيعي انها إستنتجت من خبرتها السابقة بأنّ التسوية لن تحصل لمجرد حضور أطراف الصراع إلى جنيف أو موسكو، تلك ليست سوى تكتيكات يمارسها الطرفان لتحسين مواقعهما الديبلوماسية، ولن تحصل التسوية نتيجة تصورات نظرية للحل يصوغها خبراء في العلوم السياسية عن طبيعة نظام الحكم وشكل الدولة. تلك قضايا جيدة لكنها متقدمة كثيراً وثمة فجوة كبيرة بينها وبين الواقع الجاري.

بدل ذلك يذهب الحراك الدولي بإتجاه صناعة عناصر التسوية، ويشير حتى اللحظة إلى محاولة بناء عناصر محدّدة تساهم في إنتاج عملية التسوية، وهذه العناصر تتمثل بوجود طرفين مستعدين للتفاوض ولذلك جرى التركيز في الفترة الماضية على بلورة طرف معارض واضح من خلال توحيد المعارضة السورية «الإئتلاف الوطني» و»هيئة التنسيق»، وثاني تلك العناصر وجود خريطة طريق للتسوية ويبدو أن خطوط هذه الخريطة تقوم على توحيد الجهود على محاربة «داعش» في مرحلة أولى قبل البحث في قضايا الحل الباقية والتي تأتي على رأسها المرحلة الإنتقالية والقوى التي ستقودها، وثالث تلك العناصر انخراط القوى الكبرى بإتصالات مع إيران تمهيداً لتعديل موقفها أو التوصل أقله إلى صيغة مقبولة معها.

يقوم التحرك المشار إليه على فرضيات يتطلب فحصها والتحقق منها على أرض الواقع، مثل فرضية أنّ «داعش» بات يمثل خطراً مشتركاً على جميع الأطراف الإقليمية والدولية وبالتالي وجود مصلحة عند الجميع للتوافق على آليات محاربته، ونقطة الضعف في هذه الفرضيّة أنّ الكثير من أطراف الصراع، بما فيها نظام الأسد وبعض القوى الإقليمية ترى في وجود «داعش» فرصة تكتيكية لها أكثر من كونه خطراً وجودياً عليها، وثمة فرضيّة أخرى قوامها وجود إختراقات إلى حد ما في الموقف الروسي تجعله أكثر مرونة وانفتاحاً على تقبل مقاربات جديدة لحل الأزمة وبخاصة بعد الإنفتاح الروسي على السعودية وطرح بوتين فكرة التحالف الرباعي في مواجهة «داعش»، وهذه الفرضية تعاني من ضعف أيضاً ذلك أن الموقف الروسي نفسه قام على فرضية خاطئة أساسها إعتقاد الكرملين أنّ أطراف التحالف المشار إليه باتت في موقف مأزوم جراء وصول الارهاب اليها، وبالتالي هي بحاجة لمن ينزلها عن الشجرة، والفرضية الثالثة تقوم على إحتمالات إنعكاس الإتفاق النووي مع إيران، بعد مدة زمنية، على مواقفها الإقليمية، وهو ما فنّده وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس بعد زيارته طهران.

هذا في الشكل العام، أما في ما يخص منهجبّة التحرك وآليات العمل، فيبدو أنّ الجهود الدولية تذهب بإتجاه تفكيك الواقع في سورية وتوضيح الصورة الداخلية والوضع الإقليمي المرتبط بها للبناء عليه، وفي هذا السياق تأتي مقترحات الوسيط الدولي ستيفان دي ميستورا «محادثات حول مواضيع محددة في شكل متواز أو متزامن، عبر مجموعات عمل بين السوريين». من هنا وبعكس المرات السابقة يجري التركيز على تفاصيل صغيرة تتعلق بالفوارق التفصيلية بين القوى الميدانية وأحجامها وإرتباطاتها ومدى فعاليتها، وهذا الأمر انعكس بشكل واضح على المدة الزمنية لإنجاز هذا التحرك إذ يبدو أنّ غالبية الأطراف ترغب في إستمرار حالة الستاتيكو القائمة لمدة أطول وعدم حصول تغييرات تخل بالتوازن القائم وتخلق معادلة جديدة وبخاصة من جهة فصائل المعارضة حتى يصار الى إنضاج عناصر التسوية بشكل أفضل.

لكن من الواضح أن أطراف الصراع الداخلية باتت على بينة بطبيعة الحراك وظروفه وبناء عليه راحت تعمل بدورها على صناعة حيثيات واضحة كأوراق مساومة قادمة وباتت تجهز النطاقات التي ستتحرك بداخلها وهو ما يقف في خلفية إعلان بشار الاسد نيته التمركز في مناطق محددة وفي محاولة «حزب الله» تفريغ المنطقة من الزبداني الى القصير من المقاتلين والسكان، وكذلك إقتراب الفصائل المقاتلة في الشمال من خط القرى العلوية بشكل أكبر، فيما يبدو أنه عمليات ترسيم حيثيات جغرافية لمرحلة التفاوض المنتظرة.

ولعلّ العائق الأكبر الذي يقف في مواجهة هذا التكتيك أنه يأتي متأخراً لدرجة أنه لا يصلح لتحقيق إختراقات مهمة في جدار الأزمة السميك، كما أن فعاليات هذا التحرك تبدو مقتصرة على بناء تصوّر في المدى المنظور وفهم الخريطة وترتيبها لإستيعاب تسوية ما، وهذا الأمر يحتاج مدّة زمنية تطول لأكثر من عام لبناء هذا السياق هذا اذا استمرت الأمور على سوية معينة من الزخم الديبلوماسي، إضافة إلى أن بؤرة هذا التحرك تنطوي على محاولة صناعة أوراق ضاغطة على أطراف الصراع وقادرة على تحريك مواقفهم ومواقعهم في الأزمة، وهو أمر تجاوزته ظروف الأطراف الميدانية التي تكيّفت بدرجة كبيرة مع الواقع وصنعت لنفسها مصادر تمويل في إطار إقتصاد الحرب ومصادر دعم بشري من البيئات المفقرة بازدياد يكفيها للقتال مدداً زمنية أطول حتى لو ضمن مساحات أضيق.

المشكلة أن صناعة عناصر التسوية هي نفسها قد تكون عناصر لزيادة تفجير الأزمة وإستدامة الحرب. أي خطأ بسيط في المقادير ودرجة الحرارة قد يحرق التسوية بدل إنضاجها.

======================

بشار الأسد الشجرة التي تحجب الغابة .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 15/8/2015

صحيح أن الرئيس السوري يبدو وكأنه محور القضية السورية. وصحيح أن وسائل الإعلام تصوره على أنه العقبة الكأداء التي تقف في وجه أي حل في سوريا. وصحيح أن الخلاف الأكبر بين المعارضين والمؤيدين يدور حول تنحي الاسد أو بقائه. وصحيح أن الروس والإيرانيين يربطون بقاء الأسد بأي حل يريدونه في سوريا. وصحيح أن خصوم الأسد في الخارج يريدون رأسه. لكن مع كل ذلك، لا يشكل بشار الأسد إلا جزءاً صغيراً جداً من المسألة السورية التي باتت ذات أبعاد دولية وإقليمية وعربية متشعبة. الصراع على سوريا باختصار أكبر من الرئيس السوري بكثير، ولا يعدو بشار الأسد كونه سوى ستار دخاني رقيق لإخفاء معالم الصراع الحقيقية.

عندما ترى الروسي والإيراني والعربي والتركي والأمريكي والإسرائيلي يتصارعون عبر أدواتهم وعملائهم على الأرض السورية، لا بد أن تسأل: ما علاقة ذلك ببشار الأسد؟ هل يتقاتلون ويتنافسون من أجله؟ بالطبع لا، فالرئيس السوري ليس أكثر من رأس جبل الجليد في المحرقة السورية. ومن المعروف أن رأس جبل الجليد لا يشكل سوى عشرة بالمائة، إن لم نقل أقل من الجبل المختبئ تحت الماء. وكذلك الأمر بالنسبة لوضع الرئيس السوري. ولا بد للباحث بعمق في خفايا الوضع السوري أن يضحك كثيراً عندما يسمع البعض وهم يطالبون برحيل بشار الأسد، ويقدمونه على أنه العلاج الشافي للكارثة السورية، وكأن رحيله سيحل كل الصراعات الدائرة على الأرض السورية، وسيعيد سوريا إلى ما كانت عليه، أو ينقلها إلى الدولة الديمقراطية الوطنية المنشودة، أو سيحقق فوراً أهداف الثورة. ليتهم علموا أن المشكلة السورية لم تعد أبداً تتركز في تنحي الرئيس السوري أو استمراره في السلطة، وأن كل من يركز على تنحي بشار الأسد، ويقدمه على أنه أساس الحل، دون أن يغوص في خفايا الصراع السوري، إنما يشارك، بقصد أو بغير قصد، في تسخيف القضية السورية، وربما إخفاء النوايا الحقيقية للفيلة التي تتعارك على العشب السوري. فقد يتنحى غداً، لكن لا قيمة لتنحيه إلا إذا كان نتيجة توافق حقيقي بين القوى المتصارعة على سوريا، أو تقاسم للنفوذ. أما أن يتنحى بشار الأسد بينما الصراع دائر بين القوى المختلفة، فهذا لا يقدم ولا يؤخر شيئاً. هل سيتصالح الإيرانيون والروس والصينيون ومجموعة بريكس والأتراك والأمريكان والعرب والإسرائيليون والأوربيون فوراً إذا تنحى الرئيس السوري؟ بالطبع لا. فهو لم يعد محور الصراع أبداً كي يساهم في إيصال السفينة السورية إلى بر الأمان، بل، كما أسلفنا، فقد غدا هو وجيشه مجرد ميليشيا من الميليشيات المختلفة المتقاتلة على الأرض السورية. ومما يؤكد أن شخصية الرئيس السوري فقدت قيمتها في الصراع السوري أن الإيرانيين يعترفون علناً بأنهم حكام سوريا الحقيقيون. وقد سمعنا المسؤولين الإيرانيين وهم يقولون إنه لولاهم لما بقي النظام شهراً واحداً. وهذا يؤكد أن القضية باتت أكبر وأعقد بكثير من رأس النظام.

ولا بد للعارف ببواطن الأمور أن يضحك كثيراً عندما يسمع الإعلام السوري وهو يتشدق بالصمود في وجه المؤامرة، وهو يصور النظام على أنه أفشل كل المخططات والمؤامرات.أفشل كل المخططات والمؤامرات. لا شك أن النظام يعلم جيداً أنه ليس أكثر من بيدق من البيادق المتصارعة على الأرض السورية، لكنه يقدم نفسه على أنه غيّر العالم بصموده. النظام يعلم علم اليقين أن الصراع في سوريا ليس من أجله أبداً، وأنه مجرد تفصيل بسيط جداً في المسألة السورية. كما يعلم أيضاً أن أهمية الصراع لا تنبع من صمود النظام أبداً، بل من أهمية سوريا وموقعها الاستراتيجي وثرواتها، ناهيك عن أهميتها الكبرى كممر لخطوط الغاز والطاقة بين الشرق والغرب. فالذي حمى النظام حتى الآن ليس جيشه ولا صموده المزعوم أبداً، بل الأطماع الروسية والإيرانية في صراعها مع القوى الأخرى التي تريد قطعة أو حصة من الكعكة الاستراتيجية السورية. ولا تتفاجأوا قريباً إذا رأيتم الإيرانيين يتصارعون مع الروس على سوريا بعد الاتفاق النووي. صدقوني حتى همجية النظام السوري واستخدامه الفاشي للقوة لم يكن ليحدث لولا أنه يأتي ضمن الصراع الأكبر بين المتصارعين على سوريا. بعبارة أخرى فإن الجيش السوري تحول إلى قوة مرتزقة يخوض حرباً بالوكالة ضد جماعات أخرى تعمل أيضاً لصالح أطراف أخرى تنافس الداعمين لبشار الأسد.

ولا بد أن تضحك أكثر عندما تقرأ لبعض السخفاء اللبنانيين وهم يتفاخرون بأن بشار الأسد صمد وغيّر العالم، وأنه لن يتنحى. لماذا لا يقولون لنا الحقيقة؟ هل هو الذي غيّر العالم، أم إن موقع سوريا الاستراتيجي وأهميتها الإقليمية والعربية والدولية هي التي جعلت الصراع بين العالم يصل إلى ما وصل إليه، وأن يخلط الأوراق ويغير التحالفات؟ صدقوني حتى لو كان رئيس سوريا اسمه زعيطو المحنفش كان سيحصل نفس السيناريو في سوريا بسبب القيمة الاستراتيجية للبلاد. الحقيقة أن الصراع بين المتصارعين على سوريا لم يُحسم بعد، وأن بقاء الأسد حتى الآن هو مجرد نتيجة لذلك الصراع على سوريا الاستراتيجية لا أكثر ولا أقل، وليس نصراً يمكن التفاخر به من قبل الممانعجيين وأبواقهم، ولا من قبل الإعلام السوري الذي يرفع إشارة النصر بينما وضع النظام في الواقع كوضع الجندي الذي فقد عينه وأذنه ورجليه ويديه، وتشوه وجهه تماماً، لكنه ما زال يكابر.

لو استطاع بشار الأسد أن يحسم الوضع لصالحه في نهاية الصراع سنبصم له بالعشرة أنه محور المسألة السورية وفارسها كما يدعي مؤيدوه، لكن، كما يعلم الجميع، فإن محصلة أي اتفاق نهائي في سوريا سيكون بمثابة تقاسم للنفوذ بين القوى المتصارعة على سوريا. وسيكون فريق بشار الأسد تابعاً ذليلاً لحلف معين تماماً كما سيكون معارضوه. هل تسمعون الإعلام السوري وهو يتحدث عن فلاديمير بوتين كما لو كان زعيم القومية العربية؟ هل تشاهدون النظام وهو يتحدث بصفته مجرد حجر شطرنج أو حتى مرتزق بيد داعميه كإيران أو مجموعة البريكس؟ فكما أن النظام يتهم معارضيه بأنه بيادق بأيدي الامبريالية الأمريكية، فهو غدا أيضاً باعترافه المفضوح مجرد بيدق بيد الامبريالية الروسية والصينية والإيرانية، إلا إذا كانت روسيا والصين وإيران جماعات خيرية، وتريد إنقاذ سوريا وشعبها ونحن لا نعرف ذلك. بعبارة أخرى، فإن التركيز المفرط على شخصية بشار الأسد في الصراع السوري مجرد ضحك على الذقون وحرف للأنظار عن الصراع الحقيقي.

بشار الأسد ليس أكثر من الشجرة التي تحجب الغابة. والغابة في حالتنا السورية هي الصراعات الدولية والإقليمية والعربية على سوريا.

٭ كاتب واعلامي سوري

======================

سوريا: مبادرات عديدة ونتائج متواضعة .. حسين العودات

السفير

السبت 15/8/2015

بعد سنوات خمس على اندلاع الانتفاضة السورية وبدء الأزمة بسبب رفض النظام الاستجابة لمطالب المنتفضين، وبعد تردّد وتراخٍ وعدم اتخاذ قرارات صارمة بإنهاء الأزمة من قبل المجتمع الدولي، حيث كانت المبادرات والممارسات في ذلك الوقت تهتم بإطالة مدة الوقت الضائع انتظاراً لحجز حصة في النتائج، ولم تكن الدول ذات النفوذ تتفق على توازن المصالح وتحقيق المطامح في سوريا، ويُلاحظ في الشهرين الأخيرين ازدحام المبادرات الدولية والعربية إضافة إلى مبادرة دي ميستوراً (أي الأمم المتحدة) وكثرت هذه المبادرات حتى خلتَ أن دول العالم مشغولة بحل الأزمة السورية. إلا أنه، حتى الآن، وبرغم كثرة هذه المبادرات، فإن نتائجها متواضعة. ولعلها جميعها في طور التمهيد للوصول إلى مبادرة موحّدة تتفق عليها الدول الكبرى والدول الإقليمية، وعند ذلك تصبح قابلة للتنفيذ برغم العقبات التي تخلقها السلطة السورية وبعض فصائل المعارضة، فالسلطة مازالت تحلم بتحقيق نصر عسكري على قوات المعارضة المسلحة، وتطرح أمام العالم أنها المواجه الرئيس للمنظمات الإرهابية. بينما تصرّ بعض فصائل المعارضة على تنحي الرئيس بشار الأسد قبل بدء أي محادثات لعقد تسوية. ولذلك، فليس سوى اتفاق الدول التي ذكرت قادراً على فرض التسوية التي يتم الاتفاق عليها وإلزام الطرفين المتصارعين بقبولها، ونصل بذلك إلى بداية نهاية المأساة السورية وعذابات الشعب السوري.

بدأت المبادرات المتعدّدة والمزدحمة قبل أسابيع عدة بتلك المبادرة التي طرحها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي، والتي كانت في الواقع مبادرة خيالية وغير قابلة للتطبيق مطلقاً، لأنها تتجاهل تعقيدات الأزمة السورية. وفحوى مبادرة الرئيس الروسي يتضمن قيام تحالف تركي  سعودي  سوري (أي مع السلطة السورية) لمواجهة المنظمات الإرهابية. وبعد الانتصار عليها يمكن البحث في الأزمة السورية وإمكانية حلها، كما تمنى الرئيس بوتين على الأمير السعودي استقبال مبعوث سوري للحوار معه وعرض وجهة النظر السعودية. وبالفعل استقبل الأمير محمد بن سلمان في جدة اللواء علي المملوك رئيس مكتب الأمن القومي السوري، وعرض أمامه مبادرة سعودية جديدة تتضمّن انسحاب القوات الإيرانية واللبنانية والأفغانية والعراقية وغيرها من القوات الأجنبية التي تتواجد في سوريا وعودتها إلى بلادها، ثم إجراء انتخابات في سوريا تُشرف عليها الأمم المتحدة. وعند ذلك يمكن إلقاء تبعية التسوية وتفصيلاتها وخريطة طريقها على الشعب السوري (الذي يتولى قلع شوكه بيديه)، ولم يجب المبعوث السوري بأي شيء كما لم يجري حواراً شاملاً مع الأمير.

بعدها بأيام، اجتمع وزير الخارجية الأميركية جون كيري ووزير الخارجية السعودية ووزير الخارجية الروسية في الدوحة لبحث الأزمة السورية، كما تبع ذلك اجتماع ثنائي بين لافروف وكيري في كوالالامبور، ولم تصدر عن الاجتماعين أي معلومات تشير إلى مبادرة جديدة سيتم تبنيها. إلا أن إيران طرحت بدورها تعديلاً لمبادرة سابقة تتضمن أربعة بنود هي: الوقف الفوري لإطلاق النار، تشكيل حكومة، تعديل الدستور السوري بما يضمن حقوق الأقليات، ثم إجراء انتخابات في سوريا، وقد رفضت فصائل المعارضة السورية والدول المتحالفة معها هذه المبادرة لأنها تؤسس للمحاصصة في سوريا، ولأن الانتخابات من دون إشراف جهة محايدة وقادرة يسمح بالتلاعب بها، فضلاً عن أن حكومة الوحدة الوطنية اصطلاح غامض، حيث لم تحدد المبادرة صلاحياتها ووظائفها وأهدافها وعلاقتها بالرئيس السوري ومدى الالتزام بنقل صلاحيات منه إليها. كما لم تحدد المبادرة كيف يمكن فرض وقف إطلاق النار على جميع الأطراف. وقد استدعت الحكومة الإيرانية وزير الخارجية السوري إلى طهران لعرض المبادرة أمامه، من دون أن يصدر عن الاجتماع معلومات مفيدة. وكان دي ميستورا المبعوث الدولي لسوريا قد تقدم لمجلس الأمن بمبادرة تتضمن تشكيل لجان أربع، بحيث تتولى اللجنة الأولى بحث فك الحصار عن المحاصرين السوريين وتأمين المساعدات الغذائية والصحية، أما الثانية فتهتم بوضع الميثاق الوطني وصلاحيات هيئة الحكم، وتبحث اللجنة الثالثة القضايا العسكرية والأمنية والدمج بين القوى المسلحة وإعادة هيكلة الجيش فضلاً عن وقف إطلاق النار، وتضع اللجنة الأخيرة مشروعاً لإعادة إعمار سوريا، على أن يتزامن عمل هذه اللجان جميعها في آن واحد. وبذلك يعتقد دي ميستوراً أنه فوّض هذه اللجان المشكلة من سوريين مهمة وضع الصلاحيات وخريطة الطريق وصولاً إلى تسوية شاملة، أي أنه وضع ملامح حل سوري.

في الأسبوع الماضي، قام وزير الخارجية السعودية بزيارة موسكو لبحث إمكانية توحيد وجهات النظر من أجل حل الأزمة السورية، كما سيزورها خلال هذه الأيام وزير الخارجية الإيراني للأمر نفسه. وهكذا يلاحظ أن المبادرات تتساقط على سوريا وعلى رأس السوريين بغزارة من دون الوصول إلى نتائج ملموسة. والملاحظ في هذه المبادرات عدم وجود رد فعل حقيقي من الدول الأوروبية ومن الإدارة الأميركية. ولعل هذا يضعف المبادرات ويسلبها فعاليتها، إلا إذا كانت تمهيداً لعرض مشروع متكامل على الإدارة الأميركية وعلى الدول الأوروبية لحل الأزمة، منفتح وقابل للنقاش والتغيير والتطوير. ولذلك، أكد المسؤولون الروس أكثر من مرة أن مبادرتهم هذه والمبادرات الأخرى وقرارات مؤتمري موسكو ما هي إلا في إطار مقررات مؤتمري جنيف الأول والثاني وتهيئة لهما. وعلى أي حال، فقد دعت موسكو وفداً من «الائتلاف الوطني السوري» وآخر من لجنة مؤتمر القاهرة لبحث هذه النشاطات والفعاليات الروسية جميعها. ولعل النشاط الروسي تنامى بسبب اعتقاد السياسة الروسية أن إيران بعد الاتفاق النووي لن تبقى منغلقة سياسياً ومنفتحة اقتصادياً، بل ستنفتح سياسياً على الغرب، مما يخلخل تحالفها مع روسيا ويثبت توجهها الغربي. والسبب من جهة ثانية يتمثل باعتقاد السياسة الروسية أن قوة المنظمات الإرهابية تتنامى بسبب استمرار الأزمة السورية، وليس بعيداً أن تقفز هذه المنظمات إلى القوقاز وتحرّض الشعوب الإسلامية هناك على حمل السلاح. وبالتالي وجدت أنه من الضروري إنهاء الأزمة السورية الذي يمهد للانتصار على المنظمات الإرهابية.

على أي حال، من المتعذر استكمال أي مبادرة من دون قبول أميركي وأوروبي إضافة للقبول الروسي والإيراني والسعودي. كما أن النظام السوري سيرفض أي مبادرة واقعياً إلا إذا أجمعت عليها هذه الدول من الحلفاء وغير الحلفاء، وبالتالي سيضطر هذا الإجماع أصحاب الرؤوس الحامية لقبول المبادرة الموحدة.

إن المبادرة التي تتفق عليها دول العالم من أصدقاء سوريا ومن الآخرين، هي الوحيدة القابلة للتنفيذ والقادرة على فرض نفسها على السلطة السياسية وعلى المعارضة، لأن الصراع في الواقع هو أيضاً خارج الحدود السورية وكذلك حل الأزمة. ولم تعد المبادرات الناقصة أو الجزئية أو التي تأتي من طرف واحد أو طرفين قادرة على ذلك. هكذا إذاً، تتعدد المبادرات سواء كانت روسية أم إيرانية أم سعودية أم من الأمم المتحدة (دي ميستورا)، من دون أن تصل إلى هيكلية كاملة قادرة على تأدية المهمات، ومازالت تحتاج لمشاركة أطراف عديدة أخرى بحيث تحقق التوازن في المصالح بين السلطة والمعارضة، وتحقق بعض مطالب المعارضة وخاصة معاقبة مَن ولغت أيديهم بالدماء، كما تحقق أخيراً التوازن بين مصالح دول الجوار وآرائها، وكذلك الدول الأخرى الأوروبية وغير الأوروبية التي تؤثّر جدياً في حل الأزمة.

إنها إذاً مبادرات عديدة ومن جهات متعددة متوافقة أو متناقضة لكنها جزئية وتمثل غالباً رأي مقدّمها من دون الأخذ بالاعتبار الآراء الأخرى، وهذا ما جعلها متواضعة النتائج.

======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com