العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 22-07-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

رسالة من لاجئ إلى معلمة «كورس» السياسة

فراس سعد

القدس العربي

الخميس 19/7/2018

كنت طلبت من صديق سوري ترجمة مقالي المنشور في «القدس العربي» قبل شهور عن البديل السياسي في سوريا إلى اللغة الألمانية كي يتسنى لي ارساله إلى معلمة الدورة السياسية وهي صحافية وكاتبة في السبعين من عمرها لكن عمرها لم يمنعها من الاهتمام والمتابعة والتدريس والتميز باسلوب محبب وقريب للقلب …

انتظرت ما يقرب من أسبوع حتى أنجز الصديق الترجمة مشكورا ثم انتظرت ما يقرب الأسبوعين رد معلمتي الألمانية ولقد كان ردا مخيبا وصادما .

فقمت بكتابة رد على رد المعلمة :

بمجرد أن ترجم صديقي ردك وأرسله الي تصورت ردا ذهنيا سريعا على ما كتبته . لكني تريثت في كتابة ردي لأنه ربما يكون ردا غاضبا بهذه الحالة.

اعترف يا سيدتي أن ردك كان صادما دفعني للتفكير فكرت طويلا ليس في كتابة رد هادئ. لكن فكرت في السبب الذي جعلك تكتبين أن الحل في سوريا هو في أن يتعلم السوريون الديمقراطية، وتذكرت أنه جرى مرة حديث بيننا عن هتلر والانتخابات الديمقراطية التي أوصلته إلى حكم ألمانيا .

بالنسبة لملايين السوريين هتلر – من حيث الشكل- أفضل من بشار الأسد الذي ورث الحكم عن والده الذي وصل إلى الحكم بانقلاب عسكري. فحافظ الأسد وابنه بشار لم يصلا إلى الحكم بطريقة ديمقراطية ولا حتى عن طريق الانتخابات

ونتساءل هل هتلر أفضل حقا من هذين الشخصين ؟

لو أن هتلر كان زعيما في بلد أفريقي أو آسيوي لأصدرنا حكما عاما بتجريم شعب ذلك البلد وقلنا إن هذا الشعب لا يستحق الديمقراطية لأن هذا الشعب الذي يمارس الديمقراطية أوصل هتلر إلى الحكم …

هكذا نجد أن الديمقراطية – تحديدا الانتخابات الديمقراطية- ليست هي الحل دائما فربما أدت إلى وصول مجانين إلى الحكم يدمرون العالم .

وعلى سبيل المثال في سوريا وصل حزب البعث مع الإخوان المسلمين في قائمة انتخابية واحدة إلى حجز مقاعد نيابية لهم في البرلمان السوري أواسط الخمسينيات … فهل يقبل الغرب حكم حزب إسلامي لو وصل إلى الحكم ؟ تجربة محمد مرسي تقول إن الغرب لن يقبل ….

سيدتي … إن مشاكل الإدارة والحكم في العالم كلها سواء كانت على مستوى فريق رياضي أو شلة أصحاب كما على مستوى حكومات ومنظمات دولية سياسية أو اقتصادية تعود لسبب واحد جوهري :

وهو أن الشخص المخول بإصدار قرار بشأن مجموعة أو شعب أو فريق رياضي يصدر قراره من وجهة نظره هو، هذا ما تفعله بعض مراكز الأبحاث الاستراتيجية . بل احيانا يصدر قرار مصيري يخص شعب ما بناء على تصور مسبق عن هذا الشعب، وكل تصور مسبق هو تصور منحاز أو غير واقعي .

لا يفعل الناس ذلك قصدا أو بنية سيئة لكن مراكز الأبحاث ربما تفعل ذلك قصدا … فالتصورات المسبقة أو الآراء الشخصية هي تعبير عن ثقافة الفرد و كل فرد في العالم في الشرق أو الغرب يتلقى ثقافته من الأجهزة الثقافية الكبرى في بلده : المدرسة برامج الأطفال في التلفزيون المسرح السينما ثم الجامعة وأخيرا عبر الصحفية والمجلة والراديو وشبكة الانترنت ..

هذا أمر طبيعي لكن المشكلة هي أن يقدم شخص عادي او مثقف رأيا عن بلد لا يعرفه جيدا . وتصبح المشكلة كارثة حين يكون هذا الشخص الذي لا يعرف بدقة مشاكل هذا البلد هو الشخص المخول باصدار قرار لحل مشاكل هذا البلد …

حسنا لدينا فكرة إيجابية عن الديمقراطية لكن هل يوجد نوع واحد من الديمقراطية هل ديمقراطية ألمانيا تشبه ديمقراطية أمريكا أو ديمقراطية روسيا أو تركيا أو البرازيل ؟

السؤال الثاني وهو الأهم ويتعلق بفكرتك عن تعلم الديمقراطية، في الحقيقة أن الشعوب تصنع ديمقراطياتها بالكفاح، هناك أشياء في الحياة لا تتحقق عبر التعلم بل عبر العمل والتطور الحر . وهو ما أحب الحديث عنه .

في سوريا تحديدا جرت عملية كبح أو حرف لتطور شعبنا، في الخمسينيات كانت لدينا انتخابات ديمقراطية لكن في السبعينيات وما بعدها منعت الانتخابات الديمقراطية ومنعت جميع أنواع الحريات السياسية والثقافية وكذلك قيدت حركة الشعب حتى على المستوى الاجتماعي .

لم تحاول الأمم المتحدة ولا الدول الكبرى منع الديكتاتورية في سوريا بل توجد دلائل على الموافقة عليها من عدد من الدول التي اعترفت بالنظام الديكتاتوري وتعاونت معه سياسيا واقتصاديا وعسكريا وأمنيا … وزاد تعاون الدول والمنظمات الدولية مع قائد النظام الذي كان يعتبره الغرب حتى وقت قريب شخص منفتح علماني ديمقراطي .

هكذا نجد أن المشكلة ليس في وجود الديمقراطية أو عدم وجودها .

فبشار لم يصل إلى الحكم عن طريق الانتخابات بل عن طريق الوراثة كما في الأنظمة الملكية، ومع ذلك اعتبره الغرب رجلا منفتحا وعلمانيا ربما لأنه درس في أوروبا أو لأنه تزوج من فتاة سورية عاشت ودرست في أوروبا . إذن الموضوع يتعلق بالشخص وليس بالنظام السياسي .

هل هذا يعني أن الحل في سوريا يتعلق بشخص حاكم أم يتعلق بنظام سياسي ؟

هذا ما قلته أنت : حين سألت من هو هذا الشخص الذي سيكون بديلا عن بشار الأسد، وهو تساؤل صحيح من ناحية أن مشكلة سوريا في الأساس تتعلق بشخص بشار الأسد الذي جاء بموافقة أمريكية إلى الحكم وليس بموافقة الشعب السوري.

لكن مشكلة سوريا تتعلق أيضا وبشكل أساسي بالنظام الذي يحكمها منذ أكثر من نصف قرن : نظام ايديولوجي عسكري ديكتاتوري وراثي وهو النظام الذي قبل به الأمريكان والروس والأوروبيون وتعاونوا معه ودعموه ….

يبدو أن مشكلة سوريا في الأساس ومنذ نصف قرن هي مع أمريكا وروسيا وأوروبا … وليس فقط مع حاكمها أو نظامها الحاكم .

المشكلة ليس في أن السوريين لم يتعلموا الديمقراطية بل المشكلة أن احدا في الغرب لا يريد لهم أن يصلوا إلى الديمقراطية رغم الأثمان الباهظة التي دفعوها في سبيل ذلك . لهذا السبب يحق لنا أن نقول إن الغرب مصاب بازدواجية مؤسفة لأنه يريد الديمقراطية لأنظمته وشعوبه فقط ويحرمها على شعوب وأنظمة العالم العربي وهذا موقف أقل ما يقال فيه إنه أناني وغير أخلاقي ….

==========================

موقفنا : الثورة السورية وغياب المبادرات العملية .. كفريا والفوعة محطة أخيرة

زهير سالم

19 / 7 / 2018

مركز الشرق العربي

منذ صفقة تسليم حلب للروس ولبشار الأسد في شهر كانون الأول من عام 2016 ، وما كشفه هذا الحدث التحولي من تغيرات واختلالات في موازين القوى ، ثم ما تبعه من انكشاف سياسات الرئيس الأمريكي ترامب في سورية ، ثم تشاغل الدول العربية الداعمة – في ظاهر الأمر– للثورة السورية ، بخلافات بينية مفتعلة ، ثم فيما جرى على غوطة دمشق ، وعلى درعا ، وعلى جنيف وأستانا وسوتشي ....تعيش المعارضة السورية على المستويين السياسي والفصائلي ، حالة من انعدام الوزن ، وطيش الموقف ، وفقدان الرغبة في فعل أي شيء ، غير النواحة والندب وتبادل الاتهام والتراشق بما لا يليق ..

كانت صفقة تسليم حلب هي المعلم الأول الساطع القاطع الواضح الفاضح على جملة المتغيرات السلبية الدولية والإقليمية ، نقول المتغير الساطع لنلزم برؤيته الأعشى والأعمش ، أما قراء السياسة الحقيقيون فقد قرؤوا الأمر بحقه منذ مؤتمر أصدقاء الشعب السوري الأول ، الذي انعقد في تونس ، والذي كتب بيانه الأخير معالي الوزير التونسي رفيق عبد السلام ، وأشرت عليه السيدة هيلاري بممتاز .

منذ ذلك اليوم من عام 2012 كان على ( القادة !!!!) السوريين أن يعيدوا حساباتهم ، ولم يفعلوا ، وظلوا في ريبهم يترددون ، وكان ذلك تفريطا في حق الثورة : العرض المنتهك ، والدم المسفوك وأي تفريط ..نعم كان ذلك في العام 2012 تفريطا وتضييعا وإثما ولكنه بعد 2016 لم يعد كذلك فقط ؛ فقد أصبحت له أسماء أخرى نأبى أن نذكرها لكي لا نعود بالأمور إلى دوامة التراشق والتنابذ المذموم ..

قائد الأمر الواقع ، وهو كل من ارتضى لنفسه موقع قيادة ، لدولة أو ثورة أو فريق أو حزب أو جماعة أو مجموعة عمل أو رحلة كشفية...هذا القائد يناط به أن يعيد ، مع كل متغير حقيقي، النظر في خططه ، ورسم أهدافه ، وتحديد طريقة تسميتها ، وإعادة فرز قواه ، وترتيب أوراقه ، وتعديل خططه ، وإطلاق المبادرات الحقيقية المسعفة والمساعدة والمساندة ؛ التي تعزز مواقع الصديق ، وتقلب الطاولة على العدو ..ولكن كل ذلك غاب عن الثورة السورية ، ولم يحدث منه شيء خلال ثماني سنوات ولو مرة واحدة ، على المستوى العام لقياداتها الوطنية المعترف بها عالميا وإقليميا ، ولا على مستوى مكوناتها الوطنية الحزبية والفصائلية ..

وفي السياق يجب أن نبين إن كل بيانات الإشادة والتعاطف والشجب والتنديد والإدانة والمناشدة ، لا تشكل مبادرات حقيقية لا بالمفهوم السياسي ولا بالمفهوم العملياتي ونقصد تلك المبادرات المحدودة التي يمكن أن يقوم بها قائد أي سرية أو فصيلة أو جماعة ليحقق ذاته ، ويوهن عدوه .

 

ماذا نقصد بالمبادرة السياسية ؟!

ولتوضيح ما نقصد بالمبادرة السياسية ، هذا أنموذج عملي لها كان بطلها الرئيس رجب طيب أردوغان .

ونذكر هذه المبادرة بغض النظر عن تقويمنا لها ، تحسينا أو تصويبا أو تخطئة أو ...

عندما شعر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن الناتو عموما ، والولايات المتحدة خصوصا ، قد خذلوه ، بعد أن قام سلاح الجو التركي على إسقاط أول طائرة للروس من عضو في حلف الناتو منذ الحرب العالمية الأولى ، وذلك في شهر تشرين الثاني / نوفمبر / 2015 ، أقدم على المبادرة التالية ، التي غيرت وجه السياسة ، ليس في تركية وحدها ، بل في المنطقة والعالم ..

ففي أيار / مايو / 2016 أقال الرئيس أردوغان رئيس حكومته أحمد داود أوغلو الذي تم في عهده إسقاط الطائرة أي بعد ستة أشهر من إسقاطها ..ومنذ ذلك التاريخ تغيرت اللهجة التركية الرسمية ، في الحديث عن الروس وفي الحديث عن الأمريكان وفي الحديث عن إسقاط الطائرة الروسية ، الذي تحول من عمل بطولي إلى خطأ فردي يغمز أحيانا من منفذه ..

وفي أواخر شهر حزيران / يونية / تحدث أردوغان بجرأة السياسي المسئول الذي يعلم ماذا يريد ، وقدم اعتذارا ملفوفا ثم صريحا للرئيس بوتين ، وللدولة الروسية، وكان لدى الرئيس بوتين ، هو الآخر ، أسبابه للمسارعة لقبول الاعتذار ، وللبدء برفع ما فرض من عقوبات على تركية .، وكان من هذه الأسباب طبعا إيجاد شريك مساعد في التخفيف من حدة التورط الروسي في سورية.

ثم في مطلع شهر آب / اغسطس / 2016 قام السيد رجب طيب أردوغان بزيارة موسكو ، والدخول في حلف جديد مع موسكو يعيد التوازن للخلل في السياسات الغربية ، وكان لهذا الحلف انعكاسه المباشر على ما جرى ويجري في سورية ..

مرة أخرى عرض التجربة ليس للتقويم . وأبسطه أن التقويم من وجهة النظر التركية سيختلف عن التقويم من وجهة النظر السورية .

قراء السياسة السوريون أدركوا منذ التصريحات الأولى لابن علي يلدريم أن المبادرة التركية المحترمة لأنها خيار أصحابها ، تقتضي من السوريين مبادرة خاصة بهم ، تدفع عن حلب قبل سقوط حلب بأربعة أشهر .

وعلى الرغم من حجم المتغيرات العاصفة والمتعددة التي نزلت على الأرض السورية ، والتي كل واحد منها يفوق أطنانا ما استشعره السيد أردوغان من خذلان غربي ، إلا أن مبادرة واحدة لائقة ببعض هذه المتغيرات لم تصدر عن أي جهة أو تجمع أو جماعة أو فصيل في المعارضة السورية !!

كانت مواقف المعارضة السورية أشبه بذلك الذي يظل يردد أن عمره أربعون عاما لأن الرجل عند كلمته .

أما لماذا غابت المبادرات العملية النوعية المستدركة والمتلافية والمسددة كتلك المبادرة التي أقدم عليها السيد أردوغان لشعبه وبلده فأمر تحليلها يطول . وأقل كلام نقولها فيها : إن غياب القائد المبادر هو السبب الأول . وأول شرط في القائد المبادر أن يكون واثقا من نفسه ( إذا قيل قدمها قيسٌ تقدما ) ولا نريد أن نزيد ..

ونشهد اليوم مشهدا رديفا لما شهدناه في حمص والقلمون وداريا والزبداني ومضايا وحلب والغوطة وحوران ..

مشهد إخراج أهل كفريا والفوعة من بلديهما في لعبة شيطانية خبيثة حبك أطرافها بوتين مع الولي الفقيه مع بشار لأسد ..

إن أبسط ما يعلمه كل إنسان امتلك مشاعر إنسانية وعقلا سليما أن الإخراج من الأوطان هو عملية اقتلاع للجذور ..

لا يجوز لأحد أن يصدق أن أهالي كفريا والفوعة فرحون بالتهجير ، لا يجوز لأحد أن يصدق أن أهالي كفريا والفوعة يحلمون في عالم بوتين وبشار بجنات تجري من تحتها الأنهار..

أهالي كفريا والفوعة مواطنون سوريون عاشوا في محيطهم وفي مجتمعهم منذ قرون لم يضارهم في عيش أحد قبل بيت الأسد وقبل حزب البعث ؛ ثم قال لهم من يريد أن يستثمر في قلتهم وفي خوفهم : إن وراء حدود بلداتكم وحوشا كاسرة تريد أن تفتك بكم فاصطفوا خلفنا..

وكان إثمهم أنهم صدّقوا المستبد الفاسد المفسد ...وكان إثم بعض الناس من حولنا وحولهم أنهم لم يعرفوا كيف يردون على المستبد ويكذبونه ..

فهل من مبادرة اليوم يتبناها رجال سوريون حقيقيون يقولون : إن إخراج السوريين من مدنهم وبلداتهم ، مهما تكن خلفياتهم الدينية والمذهبية والعرقية ، ليست مطلبا ثوريا ..ولا هي فعل أخلاقي ولا إنساني.

هل من مبادرة عملية جادة يؤكد عليها أهل الرشد والحزم تنص على أن الانتقام من الناس على خلفياتهم الدينية والمذهبية والعرقية لم تكن هدفا ثوريا ولن تكون ، على عمق ما عاش مجتمعنا من جراح . مبادرة تؤكد أن كل طروحات النقمة والانتقام التي تلتوي بها ألسنة البعض ( اتهاما – وادعاء ) إنْ هي إلا مكر دُبر بليل لتشويه الثورة والثوار وقطع الطريق عليهما ..

ألا قوة حقيقة ضامنة إقليمية أو فصائلية تقول لأهل كفريا والفوعة ، أنتم آمنون في أرضكم ، ما كففتم عن الشر والحرب أيديكم .

 لقد علمتم اليوم أن بشار الأسد ليس لكم بحام ولا كافل ولا ضامن ، وأن أمنكم وأمن أجيالكم من أمن المجتمع الذي تعيشون فيه ، فتوقفوا عن الخوف تأمنوا ، وأول إمارات الكف عن الخوف أن لا تكونوا أدوات بيد من يريد أن يستخدمكم في الدفاع عن مشروع استبداده وفساده ..

ليس من الجميل أن يخدعنا أهل الخبابة والمكر ، ولكن أهل الحكمة والحصافة والعقل لن يعدموا اتفاقية بشروط وطنية محكمة يكون فيها المحتل وعميله أول الخاسرين

المشهد السوري بحاجة إلى الكثير الكثير الكثير من المبادرات الكلية والجزئية السياسية والمجتمعية المشروعة والمجدية بل الضرورية وكل ذلك ممكن قريب . ولكن الذين لا يعلمون لا يعلمون .

ــــــــــــ

* مدير مركز الشرق العربي

=======================

عن مهزلة هلسنكي

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 19/7/2018

حمّلت قمة الرئيسين بوتين وترامب في هلسنكي، قبل انعقادها، الكثير من التوقعات. وبقدر تلك التوقعات المرتفعة كانت خيبة الأمل، على الأقل من أداء ترامب، في الرأي العام الأمريكي بصورة خاصة. وبلغ الأمر بالرئيس السابق لوكالة الاستخبارات الأمريكية جون برينان أنه اتهم ترامب بـ«الخيانة الوطنية». كيف لا، وهو ينحاز إلى رواية بوتين في موضوع التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، في عام 2016، منتقداً المؤسسات الأمريكية، وأجهزة الاستخبارات بالذات؟

إنه حقاً أمر لافت بغرابته أن يتعامل ترامب مع البلدان الحليفة للولايات المتحدة بعدائية ظاهرة، مقابل تودد مخزٍ لقادة من نوع بوتين وكيم جونغ أون وغيرهما من النماذج المنبوذة في الرأي العام الغربي. وهكذا قالت وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت، بحق، إنه أول رئيس للولايات المتحدة معادٍ للديموقراطية.

يقال إن الفريق الأمني في الإدارة الأمريكية قد أعد ملفاً لترامب، من أجل قمة هلسنكي، من مئة صفحة للاستنارة بمحتوياته قبل اللقاء مع بوتين، فلم يقرأ صفحة واحدة منه! لقد دخل إلى الاجتماع مع الثعلب الروسي بلا أي استعداد، كما لو كان يفتح حسابه على تويتر لينشر تغريدة جديدة، أو سلسلة تغريدات قائمة على الجهل المطبق، على عادته.

يتضح ذلك أكثر ما يتضح فيما قاله، في المؤتمر الصحافي المشترك مع نظيره الروسي، بشأن الوجود الإيراني في سوريا. فترامب الذي ملأ الدنيا ضجيجاً حول نيته بطرد الإيرانيين من سوريا والإقليم، اكتفى، هذه المرة، بالحديث عن وجوب عدم السماح لإيران بالاستفادة من هزيمة داعش! تذكرنا هذه الصيغة الملتبسة، بل المائعة، بصيغة سلفه باراك أوباما الذي كان يردد أنه يجب ألا يستفيد نظام بشار من هزيمة داعش. وهو ما قد يشير إلى قبول بقاء الإيرانيين في سوريا ـ باستثناء المنطقة المحاذية لإسرائيل ـ كما انطوى منطق أوباما المذكور على القبول ببقاء نظام الأسد. فهل هذه هي نهاية الاستراتيجية الأمريكية الطنانة التي أعلنها وزير الخارجية بولتون، قبل حين، لاحتواء النظام الإيراني؟

يمكن الاستدلال بردود الفعل الإيجابية في كل من موسكو وتل أبيب، لمحاولة معرفة ما جرى بين ترامب وبوتين. فبخلاف الرأي العام الأمريكي المصدوم بما «حدث» في هلسنكي، لوحظ ارتياح كبير في وسائل إعلام كل من روسيا وإسرائيل (وربما إيران؟). الأمر مفهوم، إلى حد كبير، بالنسبة لإسرائيل، بالنظر إلى أن النقطة الأبرز التي اجتمع عليها الرئيسان، في المؤتمر الصحافي، هي اتفاقهما على وجوب الحفاظ على أمن إسرائيل. ويبدو أن المسألة السورية برمتها قد اختزلت، في الوقت الراهن، إلى هذا الأمن الثمين. وهو ما ترجم ميدانياً، بشكل فوري، في الغارات الروسية ـ الأسدية على مناطق في محافظة القنيطرة، خلفت أعداداً من القتلى، وفراراً جماعياً من السكان المدنيين باتجاه الشريط الحدودي مع إسرائيل. ما يعني أن تل أبيب مستعجلة لعودة النظام إلى الشريط الحدودي، مع نزع سلاحه الهجومي (وهو ما التزم به النظام طوعاً)، لإعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك للعام 1974، كما قال الروس.

كذلك مفهوم هو الارتياح الروسي لنتائج القمة التي بدت، في شكلياتها البروتوكولية على الأقل، نوعاً من العودة إلى الثنائية القطبية التي سادت في حقبة الحرب الباردة، واعترافاً أمريكياً بندية روسيا في رسم مصائر العالم. لكنها عودة هزلية حقاً، إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الدولة العظمى الوحيدة، الولايات المتحدة، يحكمها ضفدع صادح الصوت على حلفائه الغربيين، كما على صحافة بلده ومؤسسة الحكم الراسخة فيه، مسحوق أمام نظيره الروسي؛ وأن الدولة الأخرى، روسيا، دولة هشة وهزيلة، على كل المستويات، يحكمها بلطجي أقوى منها. لا يمكن تصور قيام نظام دولي جديد، على ما يطمح كل من بوتين وترامب ـ من منظورين مختلفين ـ بين دولة ضفدع بقائد ذي عضلات، ودولة عملاقة برئيس ضفدع.

تراجع ترامب، بعد القمة، عن تشكيكه برواية المؤسسات الأمريكية بشأن التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية. من المحتمل أنه دخل مرحلة من الخوف الجدي على منصبه بعد توجيه قاضي التحقيق مولر اتهامات إلى 12 ضابط استخبارات روسيا، إضافة إلى جاسوسة روسية عملت «على الأرض» في واشنطن، بالتدخل في العملية الانتخابية لمصلحة حملة ترامب وضد منافسته الديمقراطية كلينتون، وبعد موجة الغضب العارمة، في الصحافة والكونغرس والمحفل الاستخباري، على أدائه الذليل أمام بوتين في قمة هلسنكي.

ترى هل تبدأ المؤسسة الأمريكية خطواتها باتجاه عزل الرئيس، لتعود الأمور إلى نصابها؟ أم أن ترامب يتجاوز كونه ظاهرة أمريكية شاذة، إلى كونه معبراً شفافاً عن حال الانحطاط التي يمر بها عالمنا؟

 

٭ كاتب سوري

==========================

لـ«ضمانه» أمن إسرائيل... نتنياهو وراء إنقاذ الأسد ونظامه!

صالح القلاب

الشرق الاوسط

الخميس 19/7/2018

عندما يقول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ويكرر هذا القول أكثر من مرة بأن نظام الأسد الأب والابن قد وفر الضمان لأمن إسرائيل على الجبهة الشمالية، أي جبهة هضبة الجولان المحتلة منذ عام 1970 وحتى الآن، فإن هذا «يفسر» كيف أنَّ مستجدات الأزمة أو الكارثة السورية بقيت تتلاحق وتتابع إلى أنْ أصبحت قوات هذا النظام البائس تقرع أبواب مدينة القنيطرة بعدما حطمت أبواب درعا ولكن بقذائف المدافع الإيرانية وبقنابل القاصفات الاستراتيجية الروسية، بينما الإسرائيليون على بعد أمتار قليلة يفركون أكفهم بعضها بعضاً فرحاً وتشجيعاً... و«ليذهب المعارضون ومعهم معارضتهم إلى الجحيم»!!

وحقيقة أن هذا ليس جديداً ولا هو بعد الانتفاضة الشعبية السورية في عام 2011، إذ إن المعروف إلا لمن هم مصابون بحولٍ سياسي أبدي أن حافظ الأسد عندما كان وزيراً للدفاع، عشية انقضاضه على حكم البعث في وصلته الثانية بعد فبراير (شباط) عام 1966 وانتزاعه وبالقوة من بين أيدي رفاقه، قد أصدر بياناً على لسان عبد الحليم خدام أعلن فيه سقوط مدينة القنيطرة ومعها هضبة الجولان كلها قبل سقوطها بيومين وهذا كانت إسرائيل قد اعترفت به للأمم المتحدة في وقته مما يعني أن هذه المنطقة الاستراتيجية قد سُلِّمت للإسرائيليين تسليماً وبلا أي قتال ولا مواجهة فعلية.

كانت عملية «عيلبون» التي كانت البداية لانطلاقة الثورة الفلسطينية المسلحة في الفاتح من عام 1965 قد تمت بقيادة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (أبو عمار)، رحمه الله، بالانطلاق من هضبة الجولان هذه في اتجاه مدينة الناصرة بالقرب من بحيرة طبريا مع أنَّ بلاغها «رقم 1» كان قد أعد في بيروت ويومها كان قد مرَّ على حكم حزب البعث نحو عامين وكان حافظ الأسد في بدايات مشواره لانتزاع الحكم من أيدي رفاقه وكان هناك «شيء» اسمه: «القيادة القومية» التي كانت داعمة ومؤيدة لـ«الكفاح المسلح» ولثورة الفلسطينيين على غرار الثورة الجزائرية التي كانت حررت الجزائر بثمن باهظ يقدر بمليون ونصف المليون شهيد بعد استعمار فرنسي ظالم كان قد تواصل لمائة واثنين وثلاثين عاماً وكان أسوأ استعمار عرفته البشرية.

لقد كانت تلك هي البداية للعمل الفلسطيني المسلح ضد إسرائيل عبر هضبة الجولان التي غدت محتلة بعد حرب يونيو (حزيران) عام 1967 لكن ما إن كانت هناك حركة فبراير عام 1966 التي أنهت حكم «القيادة القومية» ووضعته في أيدي مجموعة من العسكريين على رأسهم اللواء صلاح جديد الذي كانت نهايته الموت البطيء في إحدى زنازين سجن المزة المعروف ومن بينهم حافظ الأسد الذي بدأ يلمع نجمه والذي ما لبث أن انتزع الحكم من أيدي رفاقه في عام 1970 فيما يسمى «الحركة التصحيحية» حتى تغيرت الأمور وأصبح عبور الفدائيين الفلسطينيين لهذه الهضبة في اتجاه فلسطين المحتلة ممنوعاً ومحرماً حتى على تنظيم الصاعقة التابع لحزب البعث.

وهكذا وحتى عندما لا يزال حافظ الأسد وزيراً للدفاع في سوريا وقائداً لسلاح الجو السوري ولم يقم بعد بحركته التصحيحية في عام 1970 فإنه قد أصدر «تعميماً» عسكرياً من 26 نقطة منع بموجبه استخدام الملابس العسكرية الفدائية على الأراضي السورية ومنع الانطلاق بأي عمل مسلح ضد إسرائيل لا من هضبة الجولان التي غدت محتلة بعد عام 1967 ولا من غيرها وذلك ضد رغبة ما من المفترض أنهم رفاقه في الحزب وفي النظام من الدكتور نور الدين الأتاسي رئيس الدولة وصلاح جديد الذي كان يعتبر الرجل الأقوى في الحزب وفي الدولة.

وعليه فإن أبواب السجون السورية وفقاً لهذا «التعميم» قد أطبقت في السنوات اللاحقة، أي بعد احتلال هضبة الجولان في عام 1967 على المئات من الفدائيين الفلسطينيين الذين حاولوا القيام بعمليات عسكرية عبر هذه الهضبة وفيها الذين ينتمي بعضهم إلى «منظمة الصاعقة» التي كانت تابعة لحزب البعث وكانت تعتبر منظمة سورية.

لقد بقيت هضبة الجولان حتى بعد احتلالها في عام 1967 وحتى بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) في عام 1973 وعملياً حتى الآن محرمة على الفدائيين الفلسطينيين وأيضاً على أي عمل مسلح وذلك في حين أن الضغط في هذا الاتجاه وخاصة في ستينات وسبعينات القرن الماضي كان يتركز على الأردن وعلى لبنان وكانت حجة نظام الأسد في عهد الأب وفي عهد الابن أنه لا يجوز جر سوريا إلى مواجهة مع «العدو الصهيوني» قبل أوانها... وحقيقة أن هذا الأوان لم يأتِ بعد حتى بعد كل هذه السنوات الطويلة وهو قد لا يأتي أبداً ما دام بقي هذا النظام وبقي على رأسه بشار الذي بهذا الخصوص هو سر أبيه بالفعل!!

وحتى بالنسبة للوجود العسكري الإيراني في هذا البلد العربي فإن آخر ما صدر عن طهران على لسان مستشار الشؤون الدولية لقائد الثورة الإسلامية علي أكبر ولايتي خلال وجوده في روسيا قبل بضعة أيام هو أن وجود إيران في سوريا لا علاقة له بإسرائيل، وحقيقة أنَّ هذه مسألة معروفة ومؤكدة، وأنَّ هذا الوجود، الذي تمثل بأكثر من سبعين ألفاً من المقاتلين الإيرانيين بالإضافة إلى الكثير من الميليشيات الطائفية الإيرانية والأفغانية والعراقية، هو لمواجهة الثورة السورية وللحفاظ على نظام بشار الأسد الذي أكد بنيامين نتنياهو أنه بقي الضامن للأمن الإسرائيلي في هضبة الجولان على مدى كل هذه السنوات الطويلة منذ عام 1970 وحتى الآن... حتى هذه اللحظة وهنا فلعل ما هو واضح ومؤكد ولا خلاف عليه هو أنَّ إسرائيل باعتبارها لاعباً رئيسياً في الأزمة السورية هي من أبقت على هذا النظام الدموي وعلى رئيسه.

ثم وإنه ما كان من الممكن أن يكون هناك كل هذا التدخل الإيراني وبكل أشكاله المتعددة هذه لو لم تكن إسرائيل راغبة في هذا التدخل ولو لم تكن للإسرائيليين مصالح استراتيجية فيه وأهم الأدلة في هذا المجال هو أن الروس كانوا وما زالوا يساندون هذا التدخل لأنه في مصلحتهم أيضاً ولأن روسيا فلاديمير بوتين تعتبر أن بنيامين نتنياهو هو أكبر حليف لها في هذه المنطقة، بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة إنْ في هذا العهد وإنْ في العهد الذي سبقه لا بل وفي كل العهود تعتبر أن الدولة الإسرائيلية هي الثابت الوحيد في الشرق الأوسط وأنه لا يمكن الاعتماد فعلياً على غيرها.

وهنا فإنه من المفترض أنْ لا خلاف عليه هو أن ما كان من الممكن أن تلعب روسيا كل هذه الأدوار الفاعلة والمصيرية في سوريا من دون رضا إسرائيلي وموافقة إسرائيلية وأنه ما كان من الممكن أن تكون هناك مناطق «خفض التصعيد» هذه التي كانت ولا تزال تشكل أكبر مؤامرة على الشعب السوري والثورة السورية لولا أن إسرائيل تعد يداً طولى في هذه المؤامرة الخطيرة ولولا أن الإسرائيليين يعتبرون أن هذه الثورة تشكل خطراً عليهم بمقدار الخطر الذي تشكله على النظام الأسدي فالأمور في هذا المجال باتت واضحة ومعروفة وإلا ما معنى أن تصمت تل أبيب كل هذا الصمت إزاء ما جرى مؤخراً في الجهة الجنوبية وإزاء استهداف جيش النظام السوري لمدينة القنيطرة المطوقة بالقوات الإسرائيلية من كل جانب بحجة أن فيها مجموعات إرهابية.

فماذا يعني هذا كله..؟!

إنه يعني أن من حقق لنظام بشار الأسد كل هذه «الانتصارات»!! وأبقاه في سدة الحكم حتى الآن ليس الروس ولا الإيرانيين وإنما إسرائيل بل بنيامين نتنياهو الذي أثبت فعلياً وعملياً أنه اللاعب الرئيسي في هذه الأزمة وأنه لا توجد تعقيدات ولا حلول من دونه وهذه طامة كبرى ما دام أن الأوضاع العربية بصورة عامة هي هذه الأوضاع المأساوية.

وهذا يعني، إذا أردنا قول الحقيقة، أن إسرائيل إنْ هي أبقت على نظام بشار الأسد وحافظت عليه، على اعتبار أنه بقي «حارساً أميناً»!! لأمنها خلال كل هذه السنوات الطويلة، فإنها ستبقى الرقم الرئيسي في هذه المنطقة ولسنوات طويلة.

==========================

سوريا والإرهاب الأكبر المسكوت عنه

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 18/7/2018

نظرة بانورامية سريعة على المدن السورية، تجعل الناظر يجزم ويخرج بنتيجة واضحة عمّن هو الإرهابي الحقيقي الذي أجرم بحق الشعب السوري وبحق تاريخه وجغرافيته، ومعه بحق منطقة غدت الآن برميل بارود نتيجة الأحقاد والثأر الذي يعتمل في أحشائها، ومع هذا نرى إعلاماً وساسة وخبراء يكذبون ويحوّرون الحاضر الذي نراه ونعيشه.. فكيف بمقدورنا أن نستأمنهم على تاريخ. فالإرهابي الحقيقي هو من خنق أكثر من 1500 مدني معظمهم أطفال ونساء بالكيماوي وفي يوم واحد في الغوطة، ليدشن بذلك عصراً جديداً في قتل السوريين بمباركة دولية غير مسبوقة، جعجع يومها من جعجع ثم صمت الجميع، وكرّت سبحة استخدام الكيماوي ثم الكيماوي المعدل ولا يزال...

ومن قبل الكيماوي وبعده، كانت العصابة المحتلة للشام قد استخدمت كل ما تملكه من ترسانة عسكرية فرّغتها في أجساد السوريين، فكان عصر البراميل المتفجرة، وعصر صواريخ السكود المدمر، وعصر صور قيصر الذي كشف ما تقشعر له الأبدان من سلخ جلود المعتقلين أحياء وبلغت عدد الصور 55 ألف صورة لـ 11 ألف معتقل كانت كافية لتهز الضمير الإنساني؛ لكنه كان ضميراً ميتاً لا حراك فيه، وصاحب ذلك كله عصر الطيران الحربي الذي دكّ المدن والقرى. وحين عجز عن تدمير ما تبقّى كان الطيران الروسي والأميركي والميليشيات الطائفية تحرث معه الأرض، وتقدّم له ما عجز عن السيطرة عليه أرضاً على طبق من دم، وسط وليمة لدماء السوريين وانتهاك أعراضهم وتشريد الملايين منهم، فتحوّلت مدن عريقة إلى يباب، كما رأى الجميع مشاهد الغوطة ودرعا وحمص والقصير ودير الزور والرقة ومعظم المدن السورية، ووجد قتلتنا فرصهم باتهام بعضهم بعضاً من أجل تحقيق تنازلات أو مزايدات رخيصة على دماء من تبقى من السوريين، فكان كل طرف يتهم الآخر بتدمير هذه المدينة فيرد عليه الآخر باتهامه بتدمير المدينة الأخرى.

ويأتيك بعضهم وبعضنا ليتهم فصائل بالإرهاب، في حين لا يوجد حتى اليوم فصيل وطني سوري واحد نفّذ عملية عسكرية خارج سوريا، باستثناء داعش؛ بل كل الفصائل كان قتالها داخل سوريا. بينما من يتهمنا ويتهم فصائلنا بالإرهاب سافر آلاف الأميال ليدمر بلادنا ويقتل شعبنا ويهجر أهلنا ومع هذا لا يجرؤ أحد على وصمه بالإرهاب، وحتى الميليشيات الطائفية غير الخاضعة للدول لم يُتهم أحد منها بالإرهاب وهي التي فعلت مئات أضعاف ما فعلته داعش في سوريا وبحق السوريين، وهي التنظيم الذي نُكبت به الثورة، فكانت أداة مهداة لكل قتلة الشعب السوري يعلّقون عليها مشاكلهم وجرائمهم.

الإرهابي الأكبر والمجرم الحقيقي هو من دمّر المدن السنية الشامية العريقة، ومن قبلها المدن العراقية العريقة، والإرهابي الأكبر هو الذي وفّر أرضاً خصبة للتطرف والانتقام والثأر، قد لا تؤتي أكلها اليوم أو غداً، ولكن حتماً فإن ملايين الشهداء والمعتقلين والجرحى والمشردين في ذينك البلدين سيثأر لهم بضعة آلاف على الأقل، سيرحل الإرهابي الكبير وأذنابه يوماً ما، وسيبقى أهل هذه المنطقة متمسكين ببيوتهم وبأرضهم، وحينها فقط سيدرك الإرهابي الأكبر أنه كان يزرع وهماً وسراباً، وأنه كان يحرث البحر، وأن من عوّل عليه في إبادة الغالبية إنما كان يضع حمله على جمل كسيح أعرج...;

==========================

المحنة السورية وغياب التضامن العالمي

برهان غليون

العربي الجديد

الاربعاء 18/7/2018

تحوّل الوضع السوري إلى محور لقاءات دولية لا تنتهي، وليس مؤكدا أنها ستنتهي قريبا. وبعد حقبة أولى، كان موضوع هذه اللقاءات التعبير عن دعم الشعب السوري والصداقة له، ضد نظامه المتوحش، تتمحور المفاوضات اليوم بشكل صريح بشأن تأكيد كل طرف إقليمي أو دولي مصالحه القومية. وتدّعي دولٌ تبعد آلاف الكيلومترات عن حدود سورية مصالح استراتيجية كبرى ومصيرية فيها. لكن أحدا من هذه الأطراف لم يعد يسأل أو يتساءل عن مصالح السوريين الوطنية، ولا عن معاناتهم الهائلة، ولا من باب أولى عن حقهم في تقرير مصيرهم، أو تمكينهم منه.

لا أعتقد أن السؤال الصعب الذي تطرحه هذه المفاوضات الدولية على اقتسام جلد الحمل السوري يكمن في معرفة لماذا لا تتردّد الدول في سحق شعب، واستباحة حقوقه، عندما تبدو لها الفرصة سانحة لذلك. فهذه هي سنة الصراع بين الأمم منذ أقدم العصور. السؤال الأهم والذي يساعدنا على توسيع مداركنا حول ما يجري حولنا وفي العالم هو السؤال المعاكس: ما الذي يحفز دولا، قادرة ولديها القوة للتوسع وزيادة مواردها ومصالحها ألا تفعل ذلك على حساب الشعوب الضعيفة أو المنكوبة؟ والأكثر أهمية سؤال ما الذي يدفع بعض الدول القوية إلى تقديم العون لشعوب زلت قدمها أو اعتدي عليها، من قوى داخلية أو خارجية، إلى الشعور بالمسؤولية تجاهها، وبذل الجهد لمساعدتها للخروج من نزاعات داخلية أو خارجية مدمرة، حتى لو اضطرها الأمر أحيانا لمواجهة دول طامعة فيها، ومصممة على احتلالها أو الفتك بشعبها؟ باختصار، ما الذي يجعل السوريين يعتقدون أن المجتمع الدولي قصّر في حقهم، لأنه لم يبادر إلى نجدتهم ووقف عمليات القتل المنظم وأعمال الإبادة الجماعية والتهجير القسري الذي مورس بحقهم، ومن أين يأتي هذا الحق، وهل يمكن المراهنة بالفعل على التضامن الدولي في المستقبل، وما الخيار إذا لم تعد لهذا التضامن أسس قوية أو نوابض حقيقية؟

تدخل هذه التساؤلات في إطار البحث في موضوع المجتمع الدولي، من حيث هو مجال منظم نجحت فيه الدول والمجتمعات في أن تخضع سلوك الدول المكونة للمجموعة الدولية قواعد وقوانين وقيم أخلاقية، تساهم في ضبط ديناميات القوة التي تتحكّم في النظام الدولي، من حيث هو توازنات للقوى، حتى لا يظل محكوما بقانون الغاب الذي يأكل فيها القوي الضعيف، من دون تردّد ولا رحمة. وهي تبطن إمكانية التوفيق، إلى هذا الحد أو ذاك، بين السياسة التي توجهها المصالح الخاصة أو الوطنية، والأخلاق التي تطمح إلى وضع حدودٍ لاستخدام القوة، لغاية الحفاظ على المجتمع الدولي وضمان التعايش بين شعوبه ومجتمعاتها القوية والضعيفة. وهو ما نجم عنه مفهوم المجتمع الدولي الذي يشير إلى فضاء دولي منظم حسب قواعد ومبادئ، لا حقل صيد مفتوح من دون حدود لمن يملك القوة. وهذا هو أساس قيام النظام المجتمعي أيضا.

(1)

ولد المجتمع الدولي القائم، كما تمثله مواثيق الأمم المتحدة ومنظماتها، والذي نشهد كل يوم 

"حل محل حق الفتح إقرار مبدأ سيادة الدولة التي تشكل المقوم المعنوي والسياسي الأول لها" تراجع صدقيته وتفكك بنيانه، من رحم الحرب العالمية الثانية. وكان الدافع إليه مشاعر الأسى التي نجمت عن الكارثة الإنسانية التي خلفتها حربان عالميتان، دمرتا حياة عشرات ملايين البشر في القارة العجوز وخارجها، وزرعتا الخراب في أوروبا ومحيطها، وقسم كبير من آسيا التي دخلت في الحرب، أو أدخلت فيها. فقد نشأت عن هذا الخراب، وبسببه، إرادة قوية لدى النخب السياسية والرأي العام الغربي، لوضع حد لهذه الحروب التي كانت جميعها حروبا استعمارية، محورها الصراع على تقاسم مناطق العالم من الدول الأكثر تقدما صناعيا وعسكريا وحضاريا في أوروبا وآسيا والأميركيتين. وهكذا أقرت الدول الخارجة من الحرب إقامة منظومةٍ من المؤسسات والقواعد والأعراف، تضبط سلوك الدول، وتهدف، كما ينص على ذلك ميثاق الأمم المتحدة، إلى ضمان السلم العالمي، وحل النزاعات بالوسائل السياسية. وحلت منظمة الأمم المتحدة محل عصبة الأمم التي سقطت في الحرب، وبسببها بمقدار ما أظهرت، في الصورة التي شكلت عليها، عجزها عن بناء التفاهم بين الدول، والمساعدة في حل النزاعات فيما بينها، قبل أن تتفجر في حروب دموية وانتحارية.

لم يكن التوقيع على اتفاقية دولية تجربة جديدة في العلاقات الدولية، حتى بالنسبة للغرب الذي تحول، منذ القرن السابع عشر، بما كان يشهده من تحولاتٍ علميةٍ وسياسيةٍ وعسكريةٍ واقتصاديةٍ جديدة ومجدّدة، في الوقت الذي بقيت فيها المدنيات الكبرى القائمة في آسيا والشرق الأوسط تكرّر نفسها، إلى أهم مسرح لحركة التاريخ العالمي، فقد سبقتها اتفاقات ويستفاليا التي أنهت دورة حروب قارية طويلة عصفت بأوروبا في القرن المذكور ذاته. وقامت حقبة السلم التي أعقبت التوقيع عليها على وضع حد لمبدأ التوسع الإقليمي، بصرف النظر عن الذرائع، دينية أو ثقافية أو استراتيجية، والاعتراف بالحدود القائمة للدول حدودا نهائية. وكان ذلك أول محاولة لوقف العمل بما كان يسمّى حق الفتح الذي ساد خلال القرون السابقة، وفي كل القارات، حيث لا يرسم حدود الدولة إلا قوة سلاحها ومقاتليها، والذي قام عليه قيام الإمبراطوريات والسلطنات الكبرى، والاعتراف بها في جميع أنحاء العالم. وحل محل حق الفتح إقرار مبدأ سيادة الدولة التي تشكل المقوم المعنوي والسياسي الأول لها، واعتبار المساس بها تقويضا لوجودها، وخرقا للاعتراف المتبادل بمساواة الشعوب في حقوق الحماية والاستقلال والحفاظ على هويتها ومواردها ووجودها. ولم يعد يعترف بالدولة ناقصة السيادة كدولة، وإنما بوصفها مستعمرة أو محمية أو إمارة.

لكن اتفاقيات ويستفاليا التي يعتبرها علماء العلاقات الدولية أحد الأركان المؤسسة للدولة القومية وللنظام العالمي الحديث، لم تحترم كثيرا بعد توقيعها. وكما يحصل اليوم في منظومتنا الأممية، عادت الدول الأقوى في القرون الثلاثة التالية إلى استخدام تفوّقها الاستراتيجي والعسكري من 

"بعد أقل من سبعة عقود، تبدو تجربة الأمم المتحدة أكثر تخييباً للآمال من سابقاتها" أجل فرض خياراتها على العالم، أو على الدول القريبة منها. وشنت الحروب بالوكالة من أجل إضعاف هذه الدولة أو تقسيم تلك، أو قطع الطريق على هذا الشعب أو ذاك على استكمال تحرّره الوطني، وممارسة حقوقه التي تعترف له بها المواثيق الدولية. ومع ذلك، استمر درء الحروب، والحفاظ على السلم العالمي الدافع الرئيسي لاتفاقيات دولية متجدّدة، والمبرّر لها، وبموازاتها عرف القانون الدولي تطوراتٍ مهمة في اتجاه إخضاع العلاقات بين الدول لقوانين وأعراف وقواعد، تحمي الضعيف من القوي، وتشيع مناخا من الأمن والسلام العالميين بين الشعوب التي تعيش في ظلها.

كانت فترات الحروب الطويلة تنتهي دائما بمعاهدات سلام مشابهة للتي وقعتها دول أوروبا والعالم بعد الحربين العالميتين، وبترتيبات قانونية ضرورية من أجل توطيد الأمن وإعادة إعمار المناطق المنكوبة وحفظ حياة ما تبقى من سكانها قبل العودة من جديد، في حقبة تالية، إلى جدلية الحرب والنزاع: في الماضي، لتوسيع رقعة أراضي الملك أو السلطان، وبالتالي تعظيم قوته وقدراته العسكرية مد حدود الإمبراطورية، وفي الحاضر للهيمنة الإقليمية أو الدولية التي تترجم، تماما كما كان الأمر في حروب التوسع الإمبراطورية، بتحقيق فوائد ومنافع وأفضليات اقتصادية واستراتيجية تعزّز موقف الدولة وموقعها في المنظومة الدولية، وبالتالي نصيبها من التحكّم في الموارد العالمية والسياسات الدولية التي تمس مصير المعمورة بأكملها.

ما ميز سلام ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي نشأت في ظله منظمة الأمم المتحدة عن سابقاتها ليس الهدف، وإنما أمران: الأول طموحها إلى جعل معاهدة السلام الأوروبية الأميركية اليابانية معاهدة دولية مفتوحة تشمل جميع الدول، تلك التي دخلت الحرب وتلك التي لم تدخلها، والدول القائمة بالفعل وتلك التي سوف تقوم في ما بعد، أي نزوعها العالمي. والثانية ضمان تطبيقها من خلال آليات ومؤسسات تعمل في اتجاهين: تعزيز التقارب بين الدول على الصعد الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، ثم إرساء قواعد تضمن ضبط القوة، وتقييدها بقوانين ومواثيق، والحيلولة دون استخدامها بغير حق وخارج القانون الدولي، والتشجيع على حل النزاعات بالوسائل السياسية. وهذا ما تشير إليه تعدّدية مؤسسات الأمم المتحدة المتخصصة في الشؤون الثقافية والاجتماعية والقانونية والإنسانية، وكذلك الدور المركزي الذي يلعبه مجلس الأمن الذي احتفظت الدول المنتصرة في الحرب باحتكار الحق في تعطيل أعماله، إذا لم تتطابق قراراته مع مصالحها.

بعد أقل من سبعة عقود، تبدو تجربة الأمم المتحدة أكثر تخييبا للآمال من سابقاتها، فقد أدى التعطيل المنهجي لمجلس الأمن، وهو المؤسسة السياسية الرئيسية للمنظمة، إلى القضاء نهائيا على مفهوم حكم القانون في العلاقات بين الدول. وتكاد هيئاتها القيادية تعلن إفلاسها وفشلها في إيجاد حل سياسي وسلمي لمعظم النزاعات القائمة. والسبب واضح: إذا كانت المنظمة الدولية قد أقرّت حكم القانون بين الدول، وجسّدته يبقى السؤال: ما الذي يضمن تطبيق القانون نفسه، أو كما نستخدم بالنسبة للدولة، سيادة القانون في العلاقات الدولية؟ لا شيء بتاتا سوى إرادة الدول الأقوى، منفردةً أو متكتلة. فهي تملك وحدها إمكانية تطبيقه من عدمه. غياب القوة لتطبيق القانون بشكل مستقل عن أصحاب العلاقة، قوّض معنى القانون الدولي تماما. ولم يكن هذا أكثر وضوحا مما هو عليه اليوم.

وراء التطلع إلى منظمةٍ ترعى سلاما عالميا ودائما، كما تنص مواثيق الأمم المتحدة كانت تكمن ثقافة الأنوار التي أحيتها كوارث الحربين العالميتين، الأولى والثانية. وهي ثقافة كونية أو 

"غياب القوة لتطبيق القانون بشكل مستقل عن أصحاب العلاقة قوّض معنى القانون الدولي تماماً" إنسانية تقدم قيم كرامة الفرد وحريته إنسانا على حساب قيم التعصب القومي والتفوق العرقي أو الحضاري التي سيطرت على المجتمعات السياسية التي أشعلت نار الحروب، وشجعت عليها، في عموم دول القارة الأوروبية. وكانت هذه الثقافة قد نمت في سياق ترشيح شعوب أوروبا نفسها لقيادة العالم منذ القرن الثامن عشر، بعد أن أسست لفكر الحقوق الفردية والأخلاق المدنية. والحال أن تراجع أثر هذه الثقافة لدى النخب الحاكمة في عموم البلاد أو أكثرها، وعودة ثقافة التفوق العرقي والثقافي والتمييز ضد الشعوب والأمم الضعيفة، وفي مقدمها العرب والمسلمون عموما، وتفاقم الاعتقاد بأن الشعوب أو الأمم ليست متساوية، وأن هناك الصالحة للمدنية منها وأخرى يحسن تهميشها وتحييدها، أو أن هذا الشعب متخلفٌ لا يرقى إلى مستوى ممارسة قيم الحق والقانون والحرية والكرامة، أو همجي لا يصلح معه الحل السلمي والحوار، ولا يمكن التعامل معه إلا بالقوة والعنف، أقول تراجع هذه الثقافة عند النخب الحاكمة، بما فيها الديمقراطية والليبرالية في الغرب، قد قوّض الأسس الفكرية والأخلاقية التي تقوم عليها فكرة المجتمع الدولي القائم على حكم القانون والشرعية الدولية، والذي يعني تضامن القوي والضعيف في تطبيق القانون، وضمان الحقوق المتساوية للدول والشعوب السيدة. لم يعد هناك حافز للتعاون على تطبيق القانون، بل يزداد الميل اليوم عند الدول القوية أساسا إلى التحلل من الالتزامات والعهود الدولية السابقة، كما تفعل واشنطن وروسيا اليوم، أكبر قوتين عسكريتين في العالم.

(2)

بانهيار مفهوم التضامن العالمي، وهو ليس مفهوما سياسيا، ولا يرتبط بالدول والحكومات فحسب، ولكن قبل ذلك، وأكثر من ذلك، بوعي الرأي العام العالمي وثقافته، أي بالشعوب والمجتمعات، وتراجع فاعلية الضمير المرتبط بقيمه، لا يبقى هناك أساس يرتكز إليه احترام القانون الدولي. وبتقويض الأساس الأخلاقي الرئيس الذي يقوم عليه المجتمع الدولي ومنظمة الأمم المتحدة، يزول الحافز لاحترام حق الشعوب الأخرى، أو حتى التضحية بأي جهد، مهما كان ضئيلا، من أجل حماية حقوقها الأساسية، ويحل البحث عن الأمن والسلام الداخليين، الوطنيين، محل شعار الحفاظ على الأمن والسلام الدوليين الذي قامت على أساسه منظمة الأمم المتحدة.

وكما قاد التطلع العالمي في فترة ما بعد الحرب الثانية إلى منظومة دولية تضمن السلام والأمن الدوليين، في سياق أجندة إعادة الإعمار للدول التي أنهكتها الحرب إلى تخفيف القبضة عن الشعوب والأقطار المستعمرة، وفتح لها نافذة كبيرة لانتزاع استقلالها وإعادة تنظيم نفسها، وفي ما وراء ذلك تغيير البنية الجيوسياسية العالمية، وإعادة بناء مسرح السياسة العالمية، مع تشكيل دول قومية جديدة، وتقدم بعضها إلى مصاف دول مؤثرة ومستقلة بالفعل، يقود النكوص الذي نشهده اليوم إلى الثقافة الشعبوية والخصوصويّة وقيمها الأنانية والشوفينية، بل والعنصرية الفاقعة، إلى تخلّ كامل عن أي فكرة للتضامن العالمي، والقبول بإبادة شعوب واستخدام المحارق كما حصل في الأربعينيات من القرن الماضي، من دون اكتراث كبير من أحد. وهذا هو السقوط الأخلاقي بحد ذاته. وتقدم منطقة الشرق الأوسط، وفي قلبها المحنة السورية، النموذج الأكثر تجسيدا لهذا السقوط، وانهيار أخلاقيات التضامن الذي قام عليها.

لا تتعلق المشكلة، إذن، بطبائع شخصية أو بأشخاص "مصروعين"، أو مستهترين بالأعراف

"لم يعد هناك حافز للتعاون على تطبيق القانون" والقواعد المرعية والأصول، من دونالد ترامب إلى فلاديمير بوتين وكيم جونغ أون وحتى بشار الأسد. المشكلة بنيوية تتعلق بانهيار التوازنات الدولية، وشعور الأقوياء بأنهم محتكرون للقوة، وقادرون على فعل أي شيء من دون عقاب أو مساءلة، ولا قوة أخرى تستطيع ثنيهم عن قراراتهم، أو أخرى تحدّ من جنون القوة.

وهذا الاختلال الكبير في موازين القوة هو الذي ينتج الجنون الدولي، ويحوّل "العقلاء" إلى شاذين وساديين ووحوش. وهذا ما حصل بالضبط، ولا يزال يتفاقم، بعد زوال توازنات الحرب الباردة ونظام ثنائية القطبية، من دون أن يحل محله أي نظام يحفظ الحد الأدنى من التوازن الدولي. أما تكتل معسكر عدم الانحياز فقد كان لانهياره أثر أكبر من زوال الحرب الباردة على مصير الدول المتوسطة والصغيرة التي تشكل أكثرية دول العالم. وهي التي تفتقر اليوم لوسائل الدفاع، بل وشروط الاستقرار، وربما بالنسبة لكثير منها، البقاء في المستقبل.

لا أعتقد أن النتائج ستكون أفضل لو حصل تفاهم بين الكبار، أميركا والصين وأوروبا وروسيا، عليها. بالعكس سوف يزيد هذا التفاهم من فرص تسلط هؤلاء القادة وجنونهم، ويحولهم إلى وحوش تتقاسم فرائس سهلة، لاحول لها ولا قوة ولا معين. والواقع أن زعماء دول كبرى كثيرين يتصرفون منذ الآن كقبضايات الحي ويتنازعون، كما كان الحال في الحقبة الاستعمارية، على اقتسام موارد المعمورة، وعلى مناطق النفوذ فيها من دون خوفٍ ولا خجل.

ما هو مطلوب لتغيير سلوك الدول والحكومات المستأسدة ليس الاستسلام لها، ولا مواجهتها الانتحارية. إنه تماما عكس ما فعلته إيران الخمينية في السنوات العشر الماضية. بدل السعي إلى تقليد الدول الكبرى ومواجهة ضغوطها القوية بالفتك بالدول الصغيرة، وانتزاع مواردها وميزاتها منها، ينبغي العمل على لمّ شمل الدول المتوسطة والصغيرة، وإعادة بناء قطب عالمي قوي منها، يحل محل كتلة عدم الانحياز البائدة، يحمي مصالحها، ويحدّ من تغول القوة على القانون والحق. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا ببناء روح التضامن المعدومة بينها وبناء قواعد الدعم المتبادل، والتقريب بين وجهات نظر دولها، وحل الخلافات التي تفرّق صفوفها. وهذا يحتاج تطوير ثقافة ما فوق قومية، أو عالمية جديدة، وتجديد المهمل والمتهالك من قيمها، وتظهير وحدة المصالح ووشائج القربى وحوافز التعاون والتكافل بين الشعوب الضعيفة والمستضعفة، وتوسيع دائرة التبادل الثقافي والاقتصادي والاجتماعي والحوار بين نخبها، في سبيل إنشاء فضاء حي وفاعل للمجتمعات الضعيفة، موازٍ لفضاءات الدول الكبرى المهيمنة على الاقتصاد والسياسة والقانون والفكر العلميين.

==========================

طوفان الموت في سجون الأسد

غازي دحمان

العربي الجديد

الاربعاء 18/7/2018

عشرات، إن لم يكن مئات، العائلات، تفاجئها يوميا أنباء مقتل أبنائها في سجون نظام الأسد، إما بتبليغ الأسر مباشرة من أجهزة المخابرات، أو يكتشف الأهل الأمر عند استخراج أوراق من دوائر السجل المدني، أو حتى يبلغهم أحد من الدوائر ذات العلاقة بالأمر.

طوفان من أسماء الشهداء الذين يموتون تحت التعذيب تغرق فيه سورية. وبصمت، وبعيداً عن أعين الإعلام يتم تهريب مذبحة لعشرات آلاف المعتقلين على مدى سنوات الثورة. تفيد تقديرات بأن عدد السجناء الذين انقطعت أخبارهم يتجاوز مائتي ألف معتقل، عدا عن عدد مثلهم لم يعترف نظام الأسد باعتقالهم، على الرغم من دلائل كثيرة على قيامه بذلك.

تنسب تقارير الوفاة التي تستخرجها أجهزة مخابرات نظام الأسد موت المعتقلين إلى أزمة قلبية، من دون خشية من انكشاف هذه الذريعة المتهافتة، والسبب أن الأزمة القلبية واحدةٌ من أسباب الموت التي لا تثير أسئلةً كثيرة لدى المتلقي، ما دامت الأجهزة لا تستطيع الادعاء بأن عشرات آلاف السجناء انتحروا في السجون، نتيجة إحساسهم بالذنب، وما دام النظام لا يستطيع ذكر الأسباب الحقيقية للوفاة، التعذيب الشديد، أو القتل المتعمد.

لكن من هؤلاء الذين تصر أجهزة الأسد على إرسالهم إلى الموت من دون رحمة؟ وكيف لنظام يقول إنه انتصر ويقتل شبابا؟ ثم ماذا عن الحل السياسي الذي زعم رأس النظام أنه صار ممكناً الآن؟ من يفتش في هوية هؤلاء يجد أنهم، في الغالب، من عناصر الثورة المدنية، طلاب 

"ليس بشار الأسد فارساً نبيلاً فيعفو عن خصومه حينما يكون في موقع القوّة" ثانويات وجامعات، كتّاب ومصورون ونشطاء وكوادر متعلمة، أصحاب أفكار ليبرالية ويسارية، وحتى لا منتمون سياسياً، بقدر ما لديهم ثقافة تحرّرية، ونشطون اجتماعياً وثقافياً، ولديهم القدرة على التعبير عن أنفسهم وعن الحراك الثوري ووصف جرائم النظام. ظهر هؤلاء يوم قامت الثورة، بعد أن كانت قدراتهم وطاقاتهم حبيسة خيالاتهم وصدورهم، وشكلت الثورة المنصّة الكبرى لعرض قدراتهم.

في حسابات نظام الأسد، هؤلاء هم عدّة الثورة وأدواتها الأساسية، وبتحطيم هذه العدّة لن تكون هناك ثورة لسنوات طويلة مقبلة، فهم محرّكات الثورة، ومن يبلورون محفّزاتها، وهم من يكشفون للمجتمع دروب الخلاص من الاستعباد والفساد. وبحسابات هذا النظام، لا يمكن التصالح مع هؤلاء، كما يفعل مع المسلحين، ولا يمكن المغامرة بإطلاق سراحهم، وإعادتهم إلى بيئاتهم، لأن الثورة إذا نامت، فهؤلاء قادرون على إيقاظها.

ليس قتل الناشطين في سجون الأسد حدثاً مقطوع الصلة عن كل الإجراءات التي قامت بها أجهزة النظام لقتل الثورة، فلم تكن قد مضت على انطلاق الثورة أشهر قليلة، حتى أصدر نظام الأسد قائمةً بمليون مطلوب للأجهزة المخابراتية، حينها لم يكن السلاح قد ظهر، ولم يعرفه أي من الناشطين والمتظاهرين، وبما أن هؤلاء المليون كانوا يعرفون مصائرهم، لو تم القبض عليهم، فإنهم قرّروا مرغمين التخفّي أو الهرب خارج البلد، وتكشّف لاحقاً أن نظام الأسد تعمّد تسريب لوائح المطلوبين، ليتخلص من عدّة الثورة.

أيضاً، يدخل أمر قتل السجناء ضمن مخطط القضاء، بالكامل، على الجيل الذي مسّته الثورة، سواء الذين انخرطوا مباشرة بفعالياتها، أو الذين لم يثبت أنهم شاركوا من قريب أو بعيد في الثورة. وقد يرى القارئ أن هذا الطرح مبالغٌ فيه، غير أن جنون نظام الأسد وغباءه دفعاه إلى التفكير على هذه الشاكلة، بل والعمل على تطبيق هذا التفكير عملياً، بدليل وضعه كل شخص يبلغ عمره بين العقدين، الثاني والرابع، على لوائح المطلوبين، إن لم يكن لزجّهم على جبهات المعارك، لإدخالهم إلى السجون بذريعة الاشتباه.

تكشف مجريات تطورات الأوضاع في سورية أن نظام الأسد سيواصل الحرب على السوريين إلى أمد طويل، وحتى لو سكتت الجبهات، وصمتت المدافع، وزالت المخاطر، فإن ماكينة القتل 

"نظام الأسد سيواصل الحرب على السوريين إلى أمد طويل" لن تتوقف، والسبب أن تقييم نظام الأسد هذه الأوضاع يقوم على اعتبار أن لديه فرصة يتوجب استثمارها إلى أبعد الحدود، فعين العالم غائبة، والستارة أسدلت على الحدث السوري، والمجتمع السوري ضعيف وممزق إلى أبعد الحدود، والفرصة مواتية لممارسة التنكيل بأبشع صوره.

من بين أصعب المآسي التي واجهها السوريون مأساة قتل السجناء، ذلك أن أهالي المعتقلين ماتوا عشرات المرّات، وهم يعيشون قلق الانتظار والخوف، ويتمسّكون بالأمل، على الرغم من حبائله المتقطعة، ليأتيهم خبر موت أبنائهم، في نهاية المطاف، مثل ضربة صاعقة، وكأن عصابة الأسد تقول لهؤلاء، موتوا جماعياً بالأزمات القلبية، قتلنا أبناءكم خنقاً وسحلاً وتقطيعاً، أشبعنا غليلنا بموتهم، والآن ننتقم منكم لمسؤوليتكم عن تنشئة هؤلاء العاقين.

ليس بشار الأسد فارساً نبيلاً كي يعفو عن خصومه، حينما يكون في موقع القوّة، ولا هو بالرجل الذي عرك السياسة ووصل إلى المنصب بجهوده. ويذكر من عرفوه أنه حين تم استدعاؤه من لندن، بعد موت شقيقه باسل، الوريث الأساسي لسلطة حافظ الأسد، جرى تكليف قادة أجهزة المخابرات بتعليمه ألف باء الحكم، وهؤلاء يعتبرون جميع السوريين خونةً ومتآمرين، ما داموا أحياء يتنفّسون، وهم ليسوا سوى عبء فوق ظهورهم، والسياسة الممكن التعامل معهم بها هي إخضاعهم بالسوط إلى أن يأتي أجلهم، وأفضلهم من يرحل باكراً ويريح.

==========================

إيران في البازار الروسي

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 18/7/2018

قبل توجهه إلى العاصمة الفنلندية هلسنكي، للقاء نظيره الأميركي، دونالد ترامب، في أول قمة خاصة بهما، استقبل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشار المرشد وأبرز وجوه النظام الإيراني، علي أكبر ولايتي، والذي جاءت زيارته موسكو لافتة لجهة التوقيت، ونوع الرسالة، وشخص حاملها أيضًا. أما التوقيت فكان بعد يوم من لقاء الرئيس بوتين رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو (في زيارته الثامنة لموسكو منذ التدخل العسكري الروسي في سورية خريف العام 2015، والثالثة هذا العام)، وقبل ثلاثة أيام من قمة هلسنكي الروسية - الأميركية.

بين لقاء بوتين- نتنياهو وقمة بوتين – ترامب، أوفدت إيران مستشار مرشدها، للوقوف على تفاصيل موقف موسكو وحقيقة التسريبات الصحافية عن "صفقة" روسية – أميركية، تعمل إسرائيل و"أصدقاؤها العرب" على ترتيبها، والتوسط فيها، وتشمل إيران وسورية، وربما القرم أيضا. بحيث تخلي موسكو بين واشنطن وطهران في مقابل انسحاب الولايات المتحدة من سورية وتركها لروسيا لترتب أوضاعها (بما في ذلك إخراج إيران منها أو من أجزاء فيها)، وتنازلات في أوكرانيا تشمل القرم، ووقف مبيعات الأسلحة الأميركية لكييف.

هذا عن التوقيت، أما الرسول فلم يكن إلا علي أكبر ولايتي، المحسوب على جناح روسيا في النظام الإيراني، وهو الذي قصدها لدعوتها إلى التدخل في سورية إلى جانب قائد فيلق القدس قاسم سليماني، ونائب وزير الخارجية في ذلك الوقت، حسين أمير عبد اللهيان، والذي كان يقوم مقام وزير الخارجية، قبل أن يتخلص منه جناح ظريف – روحاني، الساعي إلى تقارب مع الغرب، بدلًا من روسيا.

أما مضمون الرسالة التي قال عنها ولايتي إنها "تمثل انعطافة في تاريخ العلاقات الروسية -الإيرانية"، فلم يكن سوى عرض ضخم من طهران لإقناع موسكو بعدم السير في الصفقة المزعومة، والتخلي عنها في مواجهة صعبة منتظرة مع واشنطن، بخصوص ملفها النووي، ووجودها العسكري في سورية، ونفوذها الإقليمي وبرامجها الصاروخية.

يتضمن تفاصيل العرض الذي طرحه ولايتي فتح قطاع النفط والغاز الإيراني بالكامل (إيران تملك رابع احتياط نفط في العالم وثاني احتياط غاز طبيعي) أمام عملاقي النفط والغاز الروسيين، "روسنفت" و"غاز بروم"، وتحويل كل الاستثمارات من الشركات الأوروبية المنسحبة من السوق الإيرانية بسبب العقوبات الأميركية إلى الشركتين الروسيتين، أي منح روسيا ما يشبه حقوق امتياز حصرية في تطوير قطاع الطاقة الإيراني، تصل قيمة الاستثمار فيها، بحسب الروس، إلى 50 مليار دولار، لكن بوتين الذي يدرك حجم المأزق الإيراني، ويسعى إلى تحقيق أقصى فائدة ممكنة من ظروف المواجهة التي تخوضها إيران مع إدارة ترامب، يطمع بأكثر من ذلك. إذ طرح على الموفد الإيراني إنشاء ما يشبه صيغة "النفط مقابل الغذاء" التي كانت سائدةً في العراق أيام الحصار. وبموجب هذا المقترح، تعرض روسيا الحصول على كامل إنتاج إيران من النفط المخصص للتصدير، والذي قد يصل إلى 2,6 مليون برميل يوميا في مقابل بضائع روسية، وفيما تقدّم روسيا هذا المقترح كأنه معروف تصنعه لتتيح لإيران الالتفاف على العقوبات الأميركية، الا أن حجم المكاسب الروسية المتحققة منه عظيم. وبخلاف تصريف بضائعها في السوق الإيرانية، وبيع النفط الإيراني لحسابها في الأسواق العالمية، تحقّق موسكو مكاسب جيوسياسية كبيرة، إذ يجعل هذا المقترح من روسيا، بإضافة صادرات إيران (6% من صادرات النفط في العالم) إلى صادراتها (11%) اللاعب الأول في سوق النفط العالمية، متفوقة على السعودية (16%) كأكبر مصدر للنفط، ويقضي نهائيا على أي فرص بتحول إيران إلى بديل محتمل للغاز الروسي إلى السوق الأوروبية، وهو ما كانت تطمح إليه أوروبا وإيران من وراء الاتفاق النووي.

هذا يعني أن روسيا تسعى إلى أكثر بكثير مما يعرضه ولايتي: أي سيطرة مطلقة على قطاع الطاقة الإيراني، من استكشاف وإنتاج وبيع وتوزيع (كما الحال أيام السيطرة البريطانية عبر شركة النفط الأنغلو- إيرانية قبل تأميمات مصدّق عام 1951). هذا يحول إيران فعليًا إلى محمية روسية. فهل يكون هذا الثمن الذي يطلبه بوتين لعدم بيع إيران إلى الأميركيين والإسرائيليين؟ وهل غدا أصحاب البازار الأشهر جزءا من بازار أكبر، ساقتهم إليه أوهام القوة والهيمنة؟

==========================

في نقاش وثيقة ديمقراطيين سوريين

عمار ديوب

العربي الجديد

الثلاثاء 17/7/2018

أصدَرَ مثقفون وباحثون وسياسيون سوريون، قبل أيام، وثيقةً فكرية سياسية (https://geroun.net/archives/121285)، يريدون من خلالها التأسيس الفكري والانطلاقة السياسية لـ"مشروع وطني جديد"، ويهدفون منه التأسيس لجمهورية جديدة، تليق بكل تضحيات السوريين، وتنسجم مع تاريخهم التعدّدي ومستقبلهم "الديمقراطي"؛ فالديمقراطية هي الأساس في الجامعة السورية الجديدة، وهي الجماعة الوطنية بامتياز.  تتصدّى الوثيقة لقضايا كثيرة؛ فسورية تمرّ بمرحلة ثورية، وقد طال أمدها، ويكاد النظام يعود إلى الحياة بعد موت أكيد، والثورة تنهزم بشكل كامل، وبالأحرى انهزمت، وصار لا بد من 

"تتصدّى الوثيقة لقضايا كثيرة؛ فسورية تمرّ بمرحلة ثورية، وقد طال أمدها، ويكاد النظام يعود إلى الحياة بعد موت أكيد، والثورة تنهزم بشكل كامل" تجديدها بآلياتٍ مختلفة وبرؤية مختلفة، وهي قضية الوثيقة الأساسية. وتؤكد الوثيقة أنه لا يمكن الوصول إلى سورية مستقرة، من دون أن تتحقق مطالب الثورة، ولنقل بعض أهدافها المعلنة في العام 2011، وهي لا تُختصر في إسقاط النظام، بل في تحقيق جملة أهداف تعدّدها الوثيقة: الحرية والكرامة والديمقراطية والمواطنة وإنهاء الاستبداد.

تشتمل الوثيقة على انتقادات جيدة للقوى السياسية المعارضة ورؤيتها للسياسة، فترى أن وظيفة هذه "المعارضة" تتحدّد بمنع قيام بديل سياسي معارض لتمثيل الثورة. ويطاول النقد أيضا الفصائل المسلحة، وترى أنها أصبحت تعيق تشكيل جيش وطني بديل. وتجزم الوثيقة بأن استقرار سورية يعتمد على حلّ دولي، طرفاه روسيا وحلفاؤها وأميركا وحلفاؤها، لكن ذلك غير ممكن قبل زوال القيادات الأولى للنظام، سياسيًا وأمنيًا، واستبدالهم بقياداتٍ منه، لم يكونوا والغين في القتل والتدمير، وهذه الإزالة شرط ضروري للبدء بالاستقرار والانتقال إلى السلم الأهلي.

ما لا أراه صحيحًا في الوثيقة، وقد بُنيت عليه، يتحدّد بعدة قضايا:

أولًا، بشأن مفهوم الثورة الوطنية الديمقراطية: هناك عدة تعاريف في الوثيقة، منها "رهان مجتمعي"، وثورة من أجل "الحرية والكرامة، ومحاربة الفساد، ومن أجل الديمقراطية". وتنتمي كل هذه التعريفات إلى رؤية المعارضة قبل الثورة، أي لم تلحظ الوثيقة الواقع بكلّيّته ما قبل لحظة الثورة. الثورة كما أرى حدثت ضمن شروط عربية، وشروط داخلية تكثّفت، لكنها تمّت في لحظةٍ تاريخيةٍ محدّدة، وهي شروط تعميم الليبرالية الجديدة؛ فالطبقة الوسطى باتت مهدّدة بالانهيار، بينما انهارت الطبقات الدنيا خصوصا في الأرياف، وتخلت الدولة عن تقديم الدعم والمكتسبات الاجتماعية، سيما ما يتعلق بمجانية التعليم والطبابة، وتزايدت أسعار المواد الأساسية والضرائب على المفقرين..؛ فكانت الثورات. لا يمكن حصر الثورة في سورية أو البلدان العربية بالجانب السياسي، وأنّها ردٌّ على الاستبداد ومن أجل الحرية. ألم يكن الاستبداد جاثمًا في سورية منذ سبعينيات القرن الماضي مع تأسيس دولة "الحركة التصحيحية"؟، فلماذا لم تحدث الثورة، وكذلك لماذا أخذ الاحتجاج السياسي، والمرتبط بالعسكري، في الثمانينيات الصبغة الإسلامية، ثم ألم تكن هناك معارضة ديمقراطية وماركسية، وأودعت السجون ولم تتحقق الثورة؟ ثورة 2011 هي ابنة شرط تاريخي جديد، وتهدف إلى إيقاف السياسات الليبرالية أولًا، وطبعًا هي تريد الوصول إلى الحريات والحقوق السياسية، وتغيير السلطة، بل وإسقاطها.

في سورية المعقّمة من أي تعبير سياسي كان يستحيل الذهاب نحو رؤية اقتصادية للثورة، مناهضة لليبرالية الجديدة، بل لم يتم التفصيل بطرح الحريات والحقوق السياسية إلا بالتدريج، ومع تطور الثورة ذاتها. ويشكل رفض تيارات من المعارضة توضيح ذلك، واختصار الأمر بإسقاط النظام، انقلابًا على الثورة، واعتمادًا على الخارج، كما أوضحت الوثيقة.

ثانيًا: تحمّل الوثيقة المجلس الوطني السوري والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية مسؤولية كبيرة في تفشيل الثورة، وهذا صحيح، وتنتقل بعدها إلى تحميل الحركات الإسلامية المتطرّفة (جيش الإسلام وأحرار الشام وجبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية) مسؤولية كبيرة في تشويه الثورة، وهذا صحيح. ما كان يفترض أن تصوّب الوثيقة عليه هو دور القوى التي شكّلت المجلس والائتلاف، فهي من قاد الثورة في سنواتها الأولى، وهي من لم تسع إلى تطوير (وضبط) الثورة وقواها، ورفضت كل الانتقادات التي حاولت تصويب رؤيتها! ضمن هذه القوى، لعب الإخوان المسلمون دورًا مركزيًا في إفشال المعارضة، وبالدرجة الثانية قوى إعلان دمشق، وهذا يجب توضيحه، ليتم تحميل المسؤولية عن تغييب المشروع الوطني الديمقراطي، وغياب حركة موحدة لفصائل الجيش الحر، وكذلك إقامة علاقاتٍ متينةً مع دول إقليمية، وليس عبر المجلس الوطني و"الائتلاف" مرجعية وحيدة للعمل السياسي المعارض، ومنذ 2011.

ثالثًا: لم تقطع الوثيقة في الموقف من الأكراد، فتارة يكون الحديث عن وطن سوري للجميع، ويكون لكل أصحاب الأديان والقوميات الحقوق نفسها، ولكن على الأرض السورية. وحين يتم الحديث عن حق تقرير المصير، يتم تخصيص فقرة عن الأكراد، وأن للأكراد الحق باختيار مستقبلهم كما يشاؤون، وهنا يغيب الاشتراط على الأرض السورية. يجب إزالة هذا التناقض بشكل كامل؛ فسورية دولة للجميع، وكل مشاريع القوميات يجب ألا تتعدى الوطنية السورية الجامعة، كما ترغب الوثيقة. طبعًا هذا لا يعني في أي حال أن سورية أصبحت وطنًا قوميًا للسوريين، فهذا غير صحيح بالكامل، حيث لمستُ أن الوثيقة تكاد تماهي بين الوطني والقومي.

تتحدّث الوثيقة عن "نقص الاندماج" في الهوية الوطنية، وأن النظام استغل ذلك، وباعد بين السوريين على أساس الطوائف والأديان والقوميات؛ لكن الوثيقة ترى أن الأسلمة ليست سوى قشرة أُلصقت بالسوريين، أي يمكن إزالتها بسهولة ما دامت قشرة! لا أتفق مع الوثيقة بشأن نقص الاندماج، فهذا يعني أن الماضي القديم، وحينما كان البشر يُعرّفون أنفسهم بالأديان والطوائف، هي السبب والمشكلة، وقد استثمر فيها النظام وأفسد الثورة، وبالتالي يتحمّل الماضي المسؤولية الأساسية، وهي حجةٌ يمكن للنظام نفسه استخدامها بالقول: إن الشعب فيه نقص في 

"يتم تخصيص فقرة عن الأكراد، وأن للأكراد الحق باختيار مستقبلهم كما يشاؤون، وهنا يغيب الاشتراط على الأرض السورية" الهوية، وبالتالي ليس من خيار إلا الاستبداد لردم هذا النقص وتحقيق الاندماج؟

في سورية، لا يمكن نقاش نقص الاندماج بسبب الماضي، بل يجب دراسته عبر سياسات النظامين، الحالي والسابق، وقبل الخمسينيات وبعدها. قصدت أن سياسات الدولة السورية كانت تتقصد إبقاء البنية القديمة، وتعيد إنتاجها بما يتناسب معها. كان هذا الأمر يتم عبر آلية تشكيل نظام الحكم، وكذلك عبر آليات الإنتاج الزراعية والتجارية الأساسية، وبدرجة أقل الصناعية. وبالتالي، لم يتم تبني سياسات عامة للدولة، بما يكرس بنية اجتماعية جديدة، وتقوم وفق مبدأ المواطنة، وهذا أدى إلى إعادة إنتاج البنية الاجتماعية القديمة، وبما يتناسب مع تلك السياسات. تتكلم الوثيقة عن نقص الاندماج، ثم عن أن الأسلمة مجرد قشرة طارئة، ومرة ثالثة تتكلم عن روابط وطنية اغتنت بالتنوعيْن، الديني والقومي، أليس في هذا القول تناقض؟ تفسير ذلك يكون عبر القول إن الأسلمة والطائفية مرتبطتان بسياسات الحكم، وليست قضية قديمة، وأيضًا لا يمكن، بعد تعقّد الوضع السوري، اعتبار الأسلمة قشرة، بل الحقيقة أن الأسلمة والطائفية أصبحتا قضيتين تتطلبان جدية كبيرة لتجاوز بعدهما السياسي. ما انتقدته هنا لا يعني أنني أوافق أن الصراع كان طائفيًا أو أصبح كذلك، أو أن الأسلمة أصبحت أساسية، بل أقصد أن هناك مشكلات طائفية تراكمت، وتتطلب حلولًا متعدّدة، ليتم تجاوزها.

رابعًا: ما زالت الوثيقة تعوّل على القرارات الدولية التي أكدت ضرورة تشكيل نظام جديد، يكون شراكةً من النظام والمعارضة، وتبني رؤيتها للحل وللمرحلة الانتقالية وفقًا لها. والسؤال: هل بعد مؤتمرات أستانة وسوتشي، وتغيّر الأولويات الدولية و"التصالح" الإقليمي والدولي مع النظام، يمكن الاعتماد على هذه القرارات في انتقال سورية نحو الديمقراطية؟

أصابت الوثيقة في ضرورة إيلاء المسألة النظرية أهمية كبرى لفهم الوضع السوري، وفي ضرورة تشكيل تجمعات وطنية ديمقراطية من السوريين، وأينما كانوا؛ وهذا سيطرح آلياتٍ جديدةً للعمل السياسي السوري، باعتبار سورية أصبحت محتلة ونظامها تابعًا.

في كل الأحوال، يؤمل أن تثير الورقة نقاشًا واسعًا، وهذا أيضاً مما لا أراه سيتحقق، نظرًا إلى الانقسامات السورية الشديدة، والتي لم تدفعهم، حتى اللحظة، إلى وعي كارثية الوضع. وربما يتطلب وضعنا المأساوي هذا وقتًا إضافيًا، لتشكيل حركة وطنية ديمقراطية، تساهم في نقل سورية نحو واقع جديد، وبما يحقق مصالح كل السوريين.

========================

الحياء شعبة من الإيمان ياعطوان!

يحيى حاج يحيى

إذا أردتم أن تنظروا إلى وجه نُزع من الحياء  فاسمعوا مايلقلق به عبد الباري عطوان  من عودة سلطة بشار وروسيا وأسياده الصفويين إلى إدلب  !؟ صدق فيه المثل : لا للصيف ولا للضيف ولا لغدرات الزمان !؟

 وترجمته في الواقع لا لفلسطين   ولا لسورية ولا لقضايا العرب والمسلمين  ( إذا كان في الفلسطينيين  سيئون  فهذا العطوان أسوأ من أساء  إلى  قضية فلسطين الحبيبة  )

========================

صفقة بوتين ـ ترامب: تعويم الأسد وتحجيم إيران

ماجد كيالي

العرب

الاثنين 16/7/2018

تتّجه الأنظار إلى قمة هلسنكي، التي تعقد اليوم الاثنين بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب، والروسي فلاديمير بوتين، وهو الاجتماع الثالث من نوعه بينهما، في غضون عام، بعد الاجتماعين السابقين، وأولهما، عقد في هامبورغ بألمانيا في يوليو عام 2017، على هامش قمة دول العشرين، وثانيهما، عقد في فيتنام في شهر نوفمبر من العام 2017، على هامش مشاركتهما في قمة المنتدى الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك).

أهمية هذا الاجتماع، على الصعيدين الدولي والإقليمي، كما على الصعيد الثنائي، تتأتّى من مكانة كل من الدولتين، بالنسبة لأوروبا وللشرق الأوسط، سياسيا واقتصاديا وعسكريا، ومن تأثير التوافقات بينهما على هذه المنطقة أو تلك، لا سيما بخصوص عديد من الملفات، وأهمها الموقف من إيران، ومن الوضع في سوريا، ومكانة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتعامل مع التدخل الروسي في أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم.

ففي الملف الأول، ثمة ما يتعلق بالملف النووي والعقوبات المفروضة على إيران وتحجيم نفوذها الإقليمي وضمن ذلك تحجيم وجودها في سوريا. وفي الملف الثاني، ثمة التوافق على وقف الصراع في سوريا، أو تحديد مستقبل هذا البلد، وكيفية التعامل مع الأطراف الدولية والإقليمية المنخرطة فيه.

وفي الملف الثالث، يدور الحديث عن مدى التزام الولايات المتحدة بتقوية حلف الناتو في مواجهة التحدي الروسي، وما إذا كانت الإدارة الأميركية ستخل بهذا الأمر على حساب شركائها أو حلفائها التقليديين في أوروبا.

أهمية هذا الاجتماع، على الصعيدين الدولي والإقليمي، كما على الصعيد الثنائي، تتأتى من مكانة كل من الدولتين، بالنسبة لأوروبا وللشرق الأوسط، سياسيا واقتصاديا وعسكريا، ومن تأثير التوافقات بينهما على هذه المنطقة أو تلك

أما الملف الرابع، فهو مرتبط بالثالث أي مسألة الناتو، ويتعلق بإمكان تهاون الولايات المتحدة مع روسيا بالتسليم لها بضم شبه جزيرة القرم، مقابل التخلي عن نفوذها في أوكرانيا.

طبعا، فوق ذلك، ثمة ملفات ثنائية خلافية، أيضا، بين روسيا والولايات المتحدة، وضمنها العقوبات الأميركية (التكنولوجية) المفروضة على روسيا، والتدخل لتخفيض أسعار النفط (بحسب الادعاءات الروسية) كوسيلة لإضعاف روسيا اقتصاديا والضغط عليها سياسيا، وثمة خطط نشر “الدرع الصاروخية”، التي ترى فيها روسيا تهديدا لأمنها.

الفكرة من عرض هذه القضايا هدفها التأكيد على أهمية وخطورة التوافقات أو الخلافات، الأميركية – الروسية، بتداعياتها في الشرق الأوسط وفي أوروبا وفي العالم، لا سيما وأن هذه القضايا بات لها فترة طويلة من الزمن، ونجم عنها أثمان باهظة.

المشكلة في هذا الأمر، وفي مناقشة السياستين الأميركية والروسية، أو الترامبية والبوتينية، أنه بات من الصعب التكهّن بمدى حسم كل من الطرفين لموقفه من هذه القضية أو تلك، أو مدى التزامه، من الناحية العملية، بأي توافق قد يحصل.

ففي الموقف من سوريا، مثلاً، أضحت الولايات المتحدة تسيطر على ثلث الأراضي في سوريا (إلى حدود شرقي الفرات)، حيث تقع منابع النفط والغاز وخزانات الحبوب والقطن، وهي ظلت تصر على أن هذا الوجود هو لمنع التمدد الإيراني، بإقفال “الكرادور” من إيران إلى لبنان.

لكن الأحداث الأخيرة في مدينة درعا، التي تضمنت مساومة مع روسيا، وإسرائيل ضمنيا، بيّنت استعداد الإدارة الأميركية لإدارة ظهرها لمختلف تعهداتها وأقوالها السابقة، ما أدى إلى معاودة النظام السوري السيطرة عليها مؤخّرا، بواسطة القوة الجوية الروسية، ولو أن هذه المساومة انبنت على اشتراط عدم تواجد إيران، أو أي قوة تابعة لها في الجنوب، إلى الحدود مع إسرائيل.

وحتى في موضوع إيران فإن الإدارة الأميركية مازالت حتى الآن غير حاسمة أو حائرة، بشأن موقفها من استمرار الاستثمار في الدور الإيراني، لإبقاء الاضطراب في سوريا، وفي المشرق العربي، وتحجيمه فقط (خدمة لإسرائيل)، وبين إنهاء كامل للوجود الإيراني في هذا البلد، وفي الحالتين باستخدام روسيا لهذا الغرض.

الفكرة من عرض هذه القضايا هدفها التأكيد على أهمية وخطورة التوافقات أو الخلافات، الأميركية – الروسية، بتداعياتها في الشرق الأوسط وفي أوروبا وفي العالم

الملاحظة المهمة أيضا، في هذا السياق، تتعلق بما إذا كانت الولايات المتحدة تريد عقد مساومات أو مقايضات، مع روسيا أم لا، علما إنها تجاهلت ذلك متعمدة خلال السنوات الماضية، رغبة منها، ربما في استخدام روسيا وتوريطها في الصراع السوري، إذ أن الولايات المتحدة كانت رفضت أي مقايضة كانت تريدها روسيا من وراء دخولها سوريا.

فهل هذا يعني أن الأوضاع تغيرت، وأنها باتت ناضجة لتغيير في الموقف الأميركي يتمثل في ضرورة حسم الصراع في سوريا ووقفه بشكل أو بآخر، وفق ترتيبات سياسية معينة، تحجم بشار الأسد، أو تعومه لفترة محددة؟

ثم ما هي هذه الصفقة الأميركية – الروسية المفترضة، وهل ستشمل التسليم بضم القرم إلى روسيا، ورفع العقوبات التكنولوجية عنها، ورفع أسعار النفط في مقابل تحجيم إيران في السوق النفطي، وتهدئة مخاوف روسيا من خطة الدرع الصاروخية؟

بمعنى آخر هل نحن إزاء صفقة كاملة، دولية وإقليمية، أم إزاء صفقات جزئية وموضعية؟ في المقابل ثمة ملاحظة تتعلق بروسيا، أيضا، وما إذا كانت، بعد كل ما حصل، أو ما تعتقد أنها حققته، جاهزة لعقد صفقات؟ أم أنها ترى أنها حققت ما تريده بقوتها وعنادها، سواء في القرم أو في أوكرانيا أو في سوريا، أو من خلال تحالفاتها مع إيران وتركيا؟

وفي حال انخرطت في نوع من صفقة فهل ستلتزم روسيا بها، مع علمنا بكل ما حصل في سوريا، إذ أن كل صفقات خفض التصعيد تبينت عن ادعاءات ومخاتلة للواقع، لأنه في ظل هذه الصفقات واصلت روسيا قصفها للمدنيين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، من دون مراعاة لأي شيء، لا لاتفاقات ولا لمعايير دولية؟

على أي حال فإن أكثر ما يهمنا في هذا اللقاء هو ما سيتمخض عنه بشأن وقف الصراع المرير والمدمر في سوريا، وطبيعة التوافقات في هذا الشأن، سواء في ما يتعلق بنفوذ إيران، أو بما يتعلق بمصير نظام بشار الأسد.

==========================

الحقائق مخاليق عنيدة

يحيى العريضي

العربي الجديد

الاثنين 16/7/2018

الحقائق مخاليق عنيدة قاهرة؛ مهزومٌ من لا يواجهها، ومنتصرٌ من يتدبَّر أموره معها في لحظات ضعفه، بصبره وعمله وعقله، لكي يصل إلى لحظة صناعة حقائقه. حتى عام 1967 من القرن المنصرم، كان اليهود مثار شفقة. إبّان الحرب العالمية الثانية، مَنَع الأميركيون سفينة تقلّ يهوداً مستجيرين من ظلم هتلر من الاقتراب من الشواطئ الأميركية. عام 1956، ألصق الصهاينة أنفسهم بالقوة الأنكلو- سكسونية، واشتركوا في العدوان الثلاثي على مصر؛ لكن أميركا قمعتهم. تلك كانت حقائق كان على قادة اليهود مواجهتها.

صَبَرَ اليهود وعملوا وأعملوا عقولهم ليوصلوا "حقائقهم". وذاع أنهم السفينة الأميركية "ليبرتي" عام 1967، وخَرِسَ الأميركيون تجاه ذلك. قلب الأميركيون من داعمين جمال عبد الناصر ومعنّفين بن غوريون عام 1956 إلى أعداء لعبد الناصر وشامتين بهزيمته أمام "ديفيد الصغير". وديفيد صنع حقائق عنيدة.

لا أحد يستطيع إنكار تأثيراليهود على رأس المال ودورته، والعلوم وتفرّعاتها، ودهاليز السياسة بمؤامراتها وخبثها ومحفلها الأعلى القوي، المستفيد حتى من لاهوتيات تدعّم طموحات البشر الدنيوية: " قصة شعب الله المختار". حتى قصة فلسطين صوّروها "أرضاً بلا شعب لشعب بلا وطن". ضاعت قضية فلسطين بين تلك القوة وذلك الضعف والتآمر العالمي، وقلة حيلة من تصدّى للدفاع عن فلسطين من أهلها وإخوتهم.

"يرتسم في أذهان سوريين كثيرين مصير الفلسطينيين، عندما يرون نصف سكان سورية يقتلَعون من بيوتهم"

يرتسم في أذهان سوريين كثيرين مصير الفلسطينيين، عندما يرون نصف سكان سورية يقتلَعون من بيوتهم، يُقتَلون بالآلاف، ويتبعثرون في أربع بقاع الأرض، ويحمي قاتلهم "فيتو" روسيا واسطولها الجوي. يستنجد السوريون بإخوتهم والعالم؛ فيدعمونهم بكلام كثير. وفي المحافل الدولية، تكون المباراة في اللعب بقضيتهم. والأخطر والأغرب من كل ما حدث لسورية والسوريين أن أحفاد الصهاينة الذين وضعوا أيديهم على أرض الفلسطينيين تحولوا إلى المقرّر الأساس في الشأن السوري. فرئيس روسيا، فلاديمير بوتين، رأى أن تقديم أوراق اعتماده للغرب يتم عن طريق الصهاينة، وعبر التنسيق معهم في الشأن السوري. ولم تعطه أميركا تفويضاً كاملاً في الشأن السوري إلا عبر التنسيق مع إسرائيل وبرضاها؛ وهكذا تم؛ فقادة هذه الذين راقهم شعار نظام الأسد: "أحكمها أو أدمرها" سعوا إلى الإبقاء على تلك الطغمة، لانها أثبتت أنها الفضلى في حماية "الشمال الإسرائيلي". وكأننا بالنسبة لهذا العالم لا نزال أمام عملية تكفيره عن أخطائه تجاه اليهود؛ وكأنه بموقفه الإجرامي تجاه سورية والسوريين يلبي رغبة الصهاينة بأن عقاب السوريين بهذه الطريقة خدمة لهم، وتنفيذ لمشيئتهم وإرادتهم.

يعتقد سوريون كثيرون أن توقف المأساة السورية مرهونٌ بإرادة إسرائيلية تثبت يوماً بعد يوم أن امتداد المأساة كل هذا الوقت يعود إلى أن اسرائيل لم تشبع بعد من الدم السوري، وكأن الجهة الوحيدة التي ترفض الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين كانت ولا تزال هي الشعب السوري تحديداً. وكأن السوريين هم فقط من يعتقد أن منح فلسطين لليهود هو "عطاء من لا يملك لمن لا يستحق". وربما يكون هؤلاء على حق، ليعتقدوا أن بقاء حافظ الأسد وابنه كل هذه السنين في السلطة ليس إلّا لأنه كان الأداة القامعة والمدمرة لتلك الإرادة الشعبية السورية إن فلسطين عربية سورية.

تلك وقائع تسكن اللاوعي العالمي، تم تحويلها إلى حقائق عنيدة، لا بد من مواجهتها لا بنكرانها، أو بالانتحار أمامها، أو بالتسليم لها. على السوريين أن يقنعوا العالم بأن ليس في سجله "هولوكوست" واحد، بل إن ألف "هولوكوست" قد تم تنفيذه في سورية، وكلّه موثّق: أفران للمعتقلين في صيدنايا، أحد عشر ألف صورة لمعتقلين قضوا تحت التعذيب (صور قيصر)، آلاف المغتصبات، قصف مدمّر للمشافي والمدارس والأسواق، تطهير عرقي إثني، مجازر الكيميائي، أسلحة فوسفورية وقنابل نابالم. وهناك المزيد والمزيد. لا يريد السوريون تدفيع العالم أي ثمن إلا وقف الهولوكوست الأسدي الإيراني الروسي بحقهم؛ لا يريدون أن يكونوا في أرضٍ ليست لهم؛ فلا وطن لهم أساساً إلا سورية.

في تطورات المسألة السورية، لا شبيه للمنظومة الأسدية إلا حكومة فيشي التي أوجدتها النازية في فرنسا. لم يكن إلى جانب تلك الحكومة عالمياً وقتها إلا مَن نصّبها. ولكن مع اختلاف 

"في تطورات المسألة السورية، لا شبيه للمنظومة الأسدية إلا حكومة فيشي التي أوجدتها النازية في فرنسا" الزمن، ومع الخدمات "الجليلة" التي قدّمتها المنظومة الأسدية لمختلف دول الظلم في العالم، وخصوصا الصهيونية، ترى أن "الفوهرر" الروسي الحديث لا يقف وحده داعماً الفيشية الأسدية، بل أيضا طغمة من الماسونية العالمية التي يتظاهر بعضها بنصرة الشعب السوري.

ما يتحدّى ذلك كله ويتجاوزه، وبعد أعوام على المأساة السورية، هو الحقائق السورية العنيدة التي لا بد للسوري أن يصنعها. استبداد منظومة الأسد وجرائمها، ونازية الاحتلال الروسي الإيراني، ورخاوة "أصدقاء الشعب السوري" وتآمرهم، وانتهازية نتنياهو ومخططات إسرائيل الإجرامية؛ كلّها ليست قدراً. تبدأ صناعة الحقائق هذه بتثبيت وقائع القضية وساعاتها وأيامها في السنوات الثماني الماضية؛ وتمر بتقوية الخلية السورية الذاتية؛ فلا بد من مشروعٍ تجترحه عقول السوريين الفاعلة، شعاره "استعادة وطن"، مشروع يُبنى لبنة ًلبنة ثقافياً سياسياً اقتصاديا، قوامه أربعون مليون سوري بعثرهم إجرام المنظومة الاستبدادية بعد سنة 2011 وقبلها. لا بد بدايةً من كشف حساب للحقائق، ومواجهتها بعناد وعقل وصبر، واعتماد مبدأ "ما حكّ جلدك مثل ظفرك"؛ وما عانك مثل صدقك. ولا يموت حقٌّ وراءه مطالب عنيد. ولا ينقص السوريين وجود أمثال أولئك الذين أنقذوا شعوبهم. لن ينتهي الزمن غداً أو بعد غد. مشروع إسرائيل بدأ نصف قرن قبل إعلانها؛ وبني على باطل. يبني السوريون مشروعهم على حقٍّ يقف كالرمح. إنه رمح الحقيقة؛ ولا بد أن نكون أعند من حقائقنا.

==========================

الكرد والنظام في سورية.. أي حوار؟

خورشيد دلي

العربي الجديد

الاحد 15/7/2018

تحفل الصحف والمواقع الموالية للنظام السوري بأخبار وتقارير عن حوارات مع الكرد، وصلت إلى حد الحديث عن اتفاق نشر بنوده، مضمونها تسليم الكرد كامل المنشآت النفطية للحكومة السورية، وإعادة مؤسساتها وأجهزتها إلى مناطق الإدارة الذاتية الواقعة تحت سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي، في مقابل شكل من الاعتراف بالأخيرة، في إطار نظام الإدارة المحلية. لكن اللافت أن جميع الأخبار والتقارير التي نشرت في هذا السياق قوبلت بنفي من مسؤولي الإدارة الذاتية. فما الذي يجري؟ ولماذا تُساق الأمور على هذا النحو؟ وما هي دوافع حوار ممكن بين الجانبين على وقع التطورات الجارية على الساحة السورية إقليميا ودوليا؟

ثمّة قناعة بأن التطورات الميدانية والعسكرية المتسارعة على الساحة السورية جعلت من خيارات الكرد محدودة، ووضعتهم أمام خيار وحيد، هو الحوار مع النظام والعودة إلى حضنه، فاحتلال تركيا عفرين قضى على المشروع الكردي الذي كان يتجه إلى ربط الكانتونات الكردية، لتشكيل إقليم فيدرالي في شمال سورية، كما أن التفاهم الأميركي - التركي بشأن منبج زاد المخاوف الكردية بإمكانية تخلي الإدارة الأميركية عنهم، وتركهم أمام رحمة تطورات دراماتيكية غير محسوبة، خصوصا في ظل التطورات الميدانية لصالح الجيش السوري، بعد استعادته السيطرة على معظم مناطق الجنوب والبادية والحدود مع العراق، وسط تأكيد النظام على أنه سيعيد السيطرة على كامل الأراضي السورية، وتلويح أميركي دائم بالانسحاب العسكري من شرقي سورية.

في الحديث عن الحوار بين النظام والكرد، ينبغي النظر إلى أنه، منذ بداية الأزمة السورية، لم يتوقف الحديث عن تنسيق وتعاون غير معلن بين الجانبين، فكل طرف حرص على عدم الصدام مع الآخر، كل لأسبابه ودوافعه، الكرد في تجنّب مناطقهم التدمير، والتوسيع التدريجي للمناطق الواقعة تحت سيطرتهم، والنظام في الحلول دون إمكانية تحالف بين تركيا والكرد، بل واستخدام الكرد في مواجهة المشروع التركي في الشمال السوري، إلى أن أفرزت التطورات الميدانية واقعا جديدا، على شكل افتراق في الأهداف والأولويات، فالنظام بات يرى في التحالف الأميركي مع الكرد مدخلا للتقسيم، والكرد في إمكانية البناء على هذا التحالف لنيل الحقوق القومية، وهو ما غير من الموقف التركي من الأزمة السورية، وباتت محاربة المشروع الكردي تركيا أولويةً تركيةً قفزت على هدف إسقاط النظام على وقع التقارب التركي الروسي الإيراني، وهي تطورات عمقت من المخاوف الكردية، خصوصا بعد التهرّب الأميركي من التدخل لصالح الكرد في عفرين، في مواجهة العملية التركية التي انتهت باحتلالها، والإحساس بإمكانية التخلي الأميركي عنهم، كما حصل في الجنوب السوري. وعليه وضعت هذه التطورات الكرد أمام خيارين، العودة إلى حضن النظام أو المواجهة العسكرية، بالتزامن مع مواجهة التدخل العسكري التركي حتى النهاية، وهو ما يراه الكرد ليس في استطاعتهم، فالتطورات الميدانية والتحالفات الدولية تبدوان أقرب إلى انقلاب حقيقي ضد التطلعات الكردية، وهو انقلاب قد يسرع من الحوار بين النظام والكرد. ولكن كيف؟ وعلى أي أساس؟ وفي الأساس، كيف يمكن البدء بهذا الحوار في ظل القواعد العسكرية الأميركية في شمال سورية وشرقها؟ والأهم، هل هناك فعلا رغبة وإرادة جديتان لدى الطرفين بحوار يفضي إلى الحفاظ على وحدة سورية، ويقر بالهوية القومية للكرد؟ ثمة من يرى أن الخيارات المحدودة للكرد ورغبة النظام بالتفرغ لمعركة إدلب بعد الجنوب، والاستفادة من الكرد في مواجهة تركيا، كلها معطياتٌ ستجعل من هذا الحوار استحقاقا لا بد منه في المرحلة المقبلة.

==========================

الفصائل المسلحة تسلّم أسلحتها

ماجد كيالي    

الحياة

الاحد 15/7/2018

منذ ظهورها، أو منذ انشائها أو تدعيمها بأيد خارجية، على الأغلب، رفضت معظم فصائل المعارضة المسلحة أي نقد لها، وتمسّكت بفكرة أن إسقاط النظام لا يكون إلا بالسلاح، وهو اعتقاد، أو وهم، لم يقتصر عليها إذ أيّده كثر في المعارضة السياسية، وفي أوساط المثقفين، في غمرة الحماس لإسقاط النظام، والمراهنة على التدخّل الخارجي.

والمشكلة أن المراهنة على العمل المسلح، لم يجر التراجع عنها، أو تفحّصها، أو تدارك، تداعياتها الخطيرة، على رغم كل الكوارث التي نجمت عنها، في السنوات الماضية، من إتاحة التقتيل والتدمير والتشريد للنظام وحليفيه الإيراني والروسي، وعلى رغم إخراج معظم الشعب من معادلات الصراع ضد النظام، وعلى رغم كل الفوضى الحاصلة في المعارضة.

الآن، ومع ثبوت عقم خيار العمل المسلح، من حلب إلى درعا مروراً بالغوطة والقلمون وجنوبي دمشق، والذي احتل قسراً، وبقدرة الفاعلين الخارجيين، مشهد الصراع السوري، نشهد ظاهرة قوامها أن تلك الفصائل المسلحة، التي كانت رفضت كل نقد لها، وقاومته بالبطش والعنف والتشكيك، بل التخوين، في كثير من الأحيان، تذهب هي نفسها نحو إنهاء ظاهرتها، مرة واحدة، على نحو ما شهدنا في درعا، وقبل ذلك في القلمون والغوطة والرستن وحمص وحلب، وأماكن أخرى.

والحال، فإن ما يحصل يؤكد هشاشة تلك الفصائل، وحقيقة أنها لم تكن نبتاً طبيعياً في ثورة السوريين، ولا كان ولاؤها للشعب، كما يوضّح ذلك حجم الأوهام التي بناها البعض عليها، على رغم معرفته بهشاشتها وارتهاناتها، وتحولها إلى مجرد امارات عسكرية، بادعاءات إسلامية، مثل «الخلافة» و «الهيئات الشرعية»، وغير ذلك.

لذا فقد كانت ثمة سذاجة وحماقة، إن أحسنّا التعبير وحسن النية، في مراهنة البعض على تلك الفصائل منذ ما سمي «تحرير» حلب صيف 2012، إذ كان بالإمكان رفض تلك الظاهرة، أو التبرؤ منها، أو عزلها، لأنها نشأت في أغلبها بفعل فاعلين خارجيين (بدليل غرفتي الموم والكوك)، بعلم جميع المعنيين والمهتمين، ولأنها حمّلت السوريين أكثر من قدراتهم أو من إمكانياتهم على التحمل.

في هذا الإطار ينبغي القول إن احتكار السلاح، أو الكيانات المسلحة (سواء كانت إسلامية أم شيئاُ آخر)، لمشهد الثورة السورية لم يكن لصالحها، ولا لصالح الشعب، كما أنه لم يكن قدراً (كما يبرّر البعض)، مع العلم أن الثورة الشعبيةـ السلمية ما كان لها ان تسقط نظاما، كنظام الأسد، لكنها كانت على الأقل أدخلت الشعب في السياسة، بعد عقود من التغييب والحرمان، وحرّرته من الخوف، وجعلته يتجرأ على السلطة، ناهيك أنها كانت ستجنبه كل هذا القتل والدمار وتشريد الملايين، أي كان الشعب السوري سيبقى على أرضه، في انتظار تحقيق آماله، طال الوقت أم قصر.

والحال فإن ما يحصل اليوم من تسليم الفصائل بانتهاء دورها، وتسليم سلاحها، يثير الانتباه إلى: أولاً، أن تلك الفصائل لم تعمد إلى تقديم مراجعة لطريقها، ولا إلى شرح سبب اخفاق طريقها، أو الدروس المستفادة من تلك التجربة المريرة والباهظة الثمن، والأنكى أن الحديث يدور عن عشرات الفصائل، التي كانت تنازعت واقتتلت في ما بينها. ثانياً، لم تسلم الفصائل المعنيّة بإخفاق طريقها لشعبها، إذ أنها كانت قاومت وخوّنت كل نقد لها، في حين أنها سلمت للنظام بكل شيء، إذ إنها ذهبت نحو انهاء ظاهرتها بطريقة مهينة، بعد أن دفعت البيئات الشعبية الحاضنة لها الثمن باهظاً، إذ كل منطقة كان جرى الإتفاق فيها، بين فصائل مسلحة معارضة وضباط روس (وكلاء النظام)، بعد تدمير تلك المنطقة وقتل عشرات ومئات فيها، وتشريد غالبيتها، وليس قبل ذلك، أي أن الأساس عند الفصائل المذكورة سلامة منتسبيها، بدل أن يكون سلامة شعبها، مع العلم أن الفصائل قبل القتل والتدمير والتهجير تكون في موقع قوة أفضل في التفاوض بالقياس لما بعد ذلك. ثالثا، في كل منطقة جرى تسليمها ظهر أن تلك الفصائل تملك مخزوناً كبيراً من الأسلحة والآليات والذخائر، وأنها لم تقدم أفضل ما عندها في الصراع المسلح، الذي طالما أعلت من شأنه. حصل ذلك سواء بسبب هشاشة بناها، أو بسبب تنافساتها واقتتالاتها البينية، أو بسبب ارتهاناتها الخارجية، وفوق ذلك فإن هذه الفصائل قامت بتسليم أسلحتها وذخيرتها للنظام الذي كانت تقاتله، بدل تدمير سلاحها وذخيرتها، على ما جرت العادة في هكذا ظروف، ما يلفت الانتباه حقا.

الآن، مع انهيار هذه الفصائل أو هذا النهج في الصراع، يفترض انهيار الأوهام حول المراهنة على الخارج، وانهيار الإدعاءات التي حملتها هذه الفصائل وحاولت ترويجها، من مثل الخلافة والهيئات الشرعية وغيرها. وهي الإدعاءات التي كشفتها، أو فضحتها، مخازن التموين التي احتفظ بها «جيش الإسلام» تحت سيطرته في حين أن أهل الغوطة يعانون الحصار التمويني، وفضحتها سجون «التوبة» التي تشبه سجون النظام، وصكوك تسليم السلاح سليماً للقاتل الذي يقتل السوريين، بعد طول إدعاء بتقديس السلاح وحملة السلاح لا سيما «الشرعيين»، الذي حاولوا دفن فكرة الديموقراطية والمواطنة والحرية، تحت أقدامهم، وهذا أكثر شيء أفاد النظام.

==========================

روسيا تغزو المنطقة

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 14/7/2018

في الأيام الأولى التالية لغزوتها السورية، أرسلت موسكو جنرالين إلى عمّان وبغداد، للتباحث مع المسؤولين فيهما بشأن إمكانية إقامة نظام آمن إقليمي، يستند إلى وجودها العسكري في الأرض السورية. تمت الزيارة في إطارٍ كان الرئيس الروسي بوتين قد حدّده في حديثٍ أكد فيه تصميم الكرملين على استعادة مناطق نفوذ الاتحاد السوفييتي في البلدان العربية التي ضمت مصر وسورية والعراق واليمن والجزائر والسودان وفلسطين، وذكر الكاتب المصري الراحل، لطفي الخولي، أن عدد سكان "نظمها اللارأسمالية" بلغ 70% من العرب.

في حينه، ردت واشنطن بزيارة قام بها إلى العاصمتين رئيس أركان جيشها الجنرال جوزف دانفورد، أدلى خلالها بتصريحٍ من بغداد، رحب فيه بانضمام موسكو إلى التحالف الدولي للحرب ضد الإرهاب الذي أسسته واشنطن مع 66 دولة، وأكد أن أحدا لن ينضم إلى نظام أمن إقليمي روسي!

فيما بعد، ركزت روسيا جهدها على سورية، وأقامت ما يشبه تحالفا ضم إيران والسلطة الأسدية وتنظيمات إرهابية جندتها طهران، ليكون هذا أول تحالف معلن بين دولة كبيرة وتنظيمات إرهاب خارجة على القانون الدولي، ويقدم أدلة قطعية على ما أصاب النظام الدولي من انهيار، ويكشف نمط النظام الأمني الذي اقترحته موسكو، ويرجح أن يخضع لمحورٍ يجمعها بإيران، الدولة التي تعلن تصميمها على تجريد العرب من دولهم، وتتعاون لبلوغ هذا الهدف مع تنظيمات إرهابية دان مجلس الأمن عام 1995 الأكبر بينها: تنظيم الحرس الثوري الإيراني المرابط تحت اسم حزب الله في لبنان، علما أنها تخترق بلدان الجوار، وتضع معظمها بين خيارين: أن تقف على حافّة حرب أهلية داخلية أو تنصاع لطهران.

لا نعرف إن كان هذا النهج روسيا أو إيرانيا أو بلورته الدولتان بتفاهم استراتيجي بعيد المدى، يتيح لهما ممارسة "إرهاب دولة" صار جزءا تكوينيا من حربهما على النظام الدولي القائم، ليس إرهاب التنظيمات بالمقارنة معه غير لعب أطفال، كما تؤكد الحالات السورية والعراقية واليمنية. واليوم، يباغتنا مندوب روسيا في الأمم المتحدة باقتراح عقد مؤتمر أمني "للمنطقة العربية والشرق الأوسط"، أي لإيران وتركيا. لهذا الاقتراح معنى وحيد، هو أن الروس عازمون على توسيع سياساتهم الحربية التي أرجعت سورية إلى العصر ما قبل الحجري، لتشمل العالم العربي والشرق الأوسط، انطلاقا من تحالفها مع إيران، وعلاقاتها المؤثرة مع تركيا، وتخضع العرب للابتزاز الذي دمر سورية، وتنشر الموت والدمار في عموم المنطقة العربية، استنادا إلى علاقات روسيا مع إسرائيل وإيران، عدوي العرب اللدودين، وإلى دور جيشٍ وضع منذ غزو سورية في خدمة هذا المخطط، يُراد له أن يفرض مصالح روسيا ونفوذها على العرب، بعد أن أوقف الأسدية على أقدامها، وحوّل سورية إلى مقبرةٍ تضم رفات شعب بكامله، قتل لأنه طالب نظاما تحميه بالحرية.

تستغل روسيا واقعتين: غفلة العرب الذين يكافئونها على جريمتها السورية، ويزورونها وكأنها كعبة العالم الجديدة، ويشترون سلاحها، ويوظفون أموالا في اقتصادها المفلس، وسخافات ترامب الذي يسمم، بعنصريته وتفاهته، العلاقات الدولية، ويقوّض النظام الدولي ومؤسساته، ويستخف بقيمه، ويعتدي في كل خطوةٍ يقوم بها على العرب عامة، وشعب فلسطين وحقوقه خصوصا، ويسعى إلى وضع العرب في جيب إسرائيل، أو إلى إخراجهم من التاريخ قرنا مقبلا، إذا لم "ينقذهم" الاستعمار الروسي!.

ليست سورية كل المأساة، هي الخطوة الأولى على دربها. الآتي على العرب أعظم، لن أقول شامتا: باذن الله.

==========================

قمة هلسنكي ودور إيران في سورية

راتب شعبو

العربي الجديد

السبت 14/7/2018

منذ سنوات، لم يكن للولايات المتحدة الأميركية تصور مستقل يتعلق بالموضوع السوري المتفجر، ما خلا "استراتيجية" الخلاص من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وكانت "الاستراتيجية" الأساس الذي قامت عليه العلاقات الأميركية مع بقية القوى المتصارعة في سورية، لا سيما مع القوات الكردية شمال سورية وشمال شرقها. عدا ذلك، اقتصر الدور الأميركي على العرقلة والمقايضة والصورة الإعلامية التي تطلبت رشقات صاروخية، حين كانت تعلو رائحة السلاح الكيميائي عن الحد الذي يمكن السكوت عنه. ولم يكن الدور الأوروبي، المرهون لهواجس اللجوء ومحاربة غزو الإرهاب لدول القارة العجوز، أفضل حالاً، بل ظل، في الغالب، دوراً تابعاً لمتبوعه الأميركي. هذا ما جعل الدور الروسي الإيراني أكثر فاعلية، وجعله يفرض إيقاعه على جميع الأطراف. هنا يوجد حلفٌ يمتلك، إلى جانب القوة، وضوح الهدف، وهناك حلفٌ يمتلك القوة، وهي، فوق ذلك، قوة متفوقة في الواقع، لكنها بلا هدف واضح، الأمر الذي جعله تابعاً للحلف الأول، أو معرقلاً له في أفضل حال. على هذا، يمكن القول إن الحلف الأول "داعم لنظام الأسد"، ولكن لا يمكن القول إن الحلف الثاني داعم لتغيير هذا النظام، وهذا من أهم العناصر التي صنعت الفرق في مسار الصراع السوري.

على هذا، يمكن القول إن لدى الرئيس الروسي، بوتين، في القمة المرتقبة له مع الرئيس الأميركي، ترامب، في هلسنكي بعد غد (16 يوليو/ تموز)، شيئا استراتيجيا يقوله بوضوح حيال الموضوع السوري، فيما ليس لدى ترامب سوى المطالبة بترتيباتٍ أقل أهمية بكثير. سيقول بوتين إنه يريد هزيمةً تامةً لمعارضي نظام الأسد، وإنه يدعم استمرار هذا النظام كما هو، أو بدستور "معدّل"، لا قيمة فعلية له طالما أن العصب الأساسي للدولة بقي بيد الحلف الأسدي. وسيكتفي ترامب بمطالب تتعلق بشروط انسحاب القوات الأميركية من سورية (من مستوى أن لا يلاحق النظام العناصر المسلحة السورية التي عملت بالتنسيق مع القوات الأميركية بعد انسحاب هذه)، وبضرورة عدم وجود وحدات إيرانية قريبة من الحدود مع إسرائيل والأردن. لم يعد ترامب، ولا حتى إسرائيل، تصر على خروج إيران من كامل سورية، ليس لأنهما توافقان على وجودها، بل بالأحرى لأن من الصعب فرض هذا المطلب، حتى لو أراد الروس ذلك، من دون المغامرة بحرب إقليمية واسعة، لا يريدها ترامب (المنكفئ)، ولا يبدو أن إسرائيل تريدها أيضاً.

مع ذلك، يبقى مشروعا التساؤل عن جدية المطالبة الأميركية والإسرائيلية بخروج إيران الكامل من سورية. ألا يشكل الوجود الإيراني عامل شلل لطاقات التغيير في المجتمع السوري، حين يكون هذا الوجود "التوسعي" محرّضاً دائماً على صراع هوياتي مدمر داخل المجتمع من جهة، وحين يكون، من جهة أخرى، سبباً لاستمرار وجود نظام سياسي بات عبئاً على البلد، وبات التغيير السياسي الذي يمنعه الوجود الإيراني شرطاً لخروج سورية من دائرة الشلل؟ أليس في استمرار الوجود الإيراني إذن ضمانٌ لاستمرار شلل المجتمع السوري؟ أليس هذا ما يخدم

"تجاهل حقيقة أن خروج إيران من سورية مرهونٌ بتفكيك نظام الأسد يشكل خللاً في التصور الأميركي والإسرائيلي" الاستراتيجية الاسرائيلية البعيدة، بمجرد ضمان بعد المليشيات التابعة لإيران عن حدودها؟

من نافل القول إن الطلب الأسدي على الوجود الإيراني في سورية يزداد، كلما يزداد ضعف النظام عسكريا وسياسياً. والحال أن نظام الأسد يعاني عسكرياً من نقصٍ في الموارد البشرية مع تهرّب نسبة كبيرة من "الموالين" من الخدمة الإلزامية، ما يزيد من اعتماده على المليشيات إيرانية الولاء، ويعاني من تراجع حاد في موارده الاقتصادية اللازمة لدعم مجهوده الحربي. وتشير الأرقام إلى تراجع الدخل القومي السوري بنسبة 500% (من 60 إلى 12 مليار دولار). وسياسياً يعاني النظام من نقصٍ حاد في القبول الشعبي، ما يعني نقصاً حادّاً في الشرعية، ذلك أن القبول الشعبي يشكل معيار الشرعية في البلدان التي تفتقد آلية مضطردة لإنتاج الشرعية السياسية.

الخلل العميق في التصور الأميركي والإسرائيلي حيال الوجود الإيراني، أو وجود القوات التابعة لإيران في سورية، يكمن في تجاهل الحقيقة المذكورة آنفاً. من المفارقة الجمع بين المطالبة برحيل إيران عن سورية والقبول ببقاء نظام الأسد الذي لا يقف على قدميه من دون الدعم الإيراني. القبول ببقاء نظام الأسد يقتضي القبول ببقاء وجود إيراني في سورية، ذلك لأنه لا يمكن لروسيا أن تغطّي الدور الذي تفعله إيران في حماية نظام الأسد. تجاهل حقيقة أن خروج إيران من سورية مرهونٌ بتفكيك نظام الأسد يشكل خللاً في التصور الأميركي والإسرائيلي، وهو خللٌ يدركه هؤلاء، ولا شك، لكن استراتيجيتهم تقوم على عدم تجاوز الخلل المذكور، وفق الصيغة التالية: لتبق إيران في سورية بما يخدم استمرار نظام الأسد، ولكن من دون أن يشكل ذلك تهديداً لأمن إسرائيل. والترجمة العملية لهذا الموقف هي المطالبة ببقاء الوحدات التابعة لإيران على بعد 65 كلم مما تراه إسرائيل حدوداً لها، وعلى بعد 25 كلم من الحدود الأردنية.

على هذا، لا يمكن توقع حصول اتفاق روسي أميركي على خروج كامل للقوات الإيرانية من سورية. ما يمكن توقعه، في هذا الخصوص، التزام روسي بمعالجة مخاوف إسرائيل، سواء من وجود إيراني على حدودها، أو من دور إيراني مقلق في جوارها، وهو ما يُتوقع أن يقابله الرضى الأميركي بدور أساسي للروس في ترتيب البيت السوري على مقاس نظامٍ معاق، ومعارضة مستعدة للانحناء بما يكفي للدخول تحت السقف

==========================

ماذا كانت أمريكا وإسرائيل تريدان في سوريا؟

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 14/7/2018

انتظرت إسرائيل طويلاً كي تقول كلمتها في الوضع السوري. وقد ظن الكثير من المغفلين السوريين، وخاصة في المعارضة أن تل أبيب تقف إلى جانبهم، لكن الحقيقة الإسرائيلية ظهرت فاقعة جداً قبل أيام عندما صرح وزير الدفاع الإسرائيلي بأن بلاده قد تعقد حلفاً استراتيجياً مع النظام السوري بعد أن سلمته المنطقة الجنوبية. ثم تبعه نتنياهو قائلاً من موسكو: ليس لدينا أي نية لإزعاج نظام الأسد. وقبل إسرائيل غالباً ما كانت أمريكا تبدو غير مهتمة بالوضع السوري منذ بداية الثورة قبل سبع سنوات، فقد كانت تحاول أن تعطينا الانطباع بأنها بريئة مما يحدث في هذا البلد المنكوب، وفي كثير من الأحيان كانت تكتفي بالنصح والمناشدة للأطراف الداخلية والخارجية كي ترأف بحال السوريين. وقد شاهدنا قبل سنوات تسجيلاً لنائب الرئيس الأمريكي الأسبق جو بايدن وهو يلقي اللوم على أصدقاء الولايات المتحدة من العرب وغير العرب ويتهمهم بالتدخل في سوريا وإيصالها إلى ما وصلت إليه. وكأن أمريكا لا علاقة لها أبداً في كل ما يحدث في بلادنا. وفي آخر أيام أوباما اعترف بن رودز مستشاره الشهير في كتابه الجديد «العالم كما هو» بأن أوباما كان قد غسل يديه من المسألة السورية في آخر أيامه، وأطلق يد إيران في البلد مقابل التوقيع على الاتفاق النووي.

ثم جاء ترامب ليعطي الانطباع أن سوريا ليست ذات أهمية بالنسبة للرئاسة الأمريكية الجديدة، وبأنه باع سوريا للروس هذه المرة. لكن تلاميذ الصف الأول في السياسة يعرفون تمام المعرفة أن كل التصريحات الأمريكية التي تحاول أن تبدو غير مكترثة بالقضية السورية هي للضحك على الذقون وذر الرماد في العيون. كيف تكون سوريا عديمة الأهمية بالنسبة للمشروع الأمريكي في المنطقة وهي جارة إسرائيل المباشرة؟ هل يمكن أن تتخلى أمريكا عن هذه المنطقة الحيوية جداً في الشرق الأوسط وتهديها لروسيا وإيران؟ ومنذ متى توزع أمريكا الهدايا على الروس والإيرانيين؟ نحن نعلم أنه عندما تدخلت روسيا في جارتها أوكرانيا لأسباب تتعلق بحماية الأمن القومي الروسي، عاقبتها أمريكا وأوروبا بشدة وفرضت عليها عقوبات اقتصادية كبيرة، رغم أن التدخل فرضته المصلحة القومية الروسية. أما عندما غزت روسيا سوريا البعيدة عن حدودها، فلم تتعرض لأي عقوبات غربية او أمريكية، ورحبت بها اسرائيل. وهذا يعني أن الاحتلال الروسي لسوريا جاء بضوء أخضر أمريكي اسرائيلي. لكن «بتوع» المقاولة والمماتعة لا يريدون أن يفهموا ذلك، ويمضون في تحالفهم مع الغزاة الروس في سوريا وهم يعلمون انهم مجرد أجراء لدى أمريكا وإسرائيل وأوروبا.

عدم الاكتراث الأمريكي بسوريا إذاً كذبة سمجة لا تنطلي على أحد، وأن الموقف الأمريكي البارد تجاه سوريا يدخل في إطار ما أسماه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر ذات يوم بالغموض البناء. ولا ننسى أن كل الاتهامات الأمريكية لدول عربية وإقليمية ولروسيا بتخريب سوريا لا يمكن ابتلاعها أو تصديقها. هل تستطيع أي دولة في العالم أن تتدخل في سوريا وترسل إليها السلاح والميليشيات والطائرات من دون ضوء أخضر أمريكي، أو رغماً عن أمريكا؟ كيف يمكن أن تضحي واشنطن بهذه المنطقة الخطيرة جداً المحاذية لإسرائيل وتتركها للقوى الأخرى كي تلعب بها وتستغلها؟ أليس أمن إسرائيل أولوية قصوى لأمريكا؟ إذاً ليس صحيحاً أبداً أن الأمريكيين لا يبالون بالوضع السوري، وأن الحقيقة الفاقعة أنه لم يحدث شيء في سوريا منذ اليوم الأول للثورة من دون علم أو توجيه أمريكي. لا بل إن البعض يعتبر ما حدث في سوريا على مدى الأعوام الماضية هو جزء لا يتجزأ من مشروع «الفوضى الخلاقة» الأمريكي الذي بشرتنا بها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس. ولا ننسى أن سفير أمريكا الشهير في سوريا روبرت فورد كان أول مسؤول غربي يتدخل في الثورة السورية علناً عندما زار مدينة حماة في بداية الثورة وشاهد بأم عينه أكبر مظاهرة شعبية سورية وصل عدد المشاركين فيها في ذلك الوقت في إحدى ساحات حماة إلى أكثر من نصف مليون شخص. ولا شك أنه أرسل تقاريره آنذاك للخارجية الأمريكية حول الهبة الشعبية العارمة في سوريا من أقصاها إلى أقصاها، وكيف يجب التعامل معها وتخريبها قبل أن تحقق هدفها بعيداً عن التوجيه الأمريكي.

وإذا تركنا الجانب السياسي، وتوجهنا إلى الجانب العسكري والأمني سنجد أن كل الجماعات التي دخلت سوريا في بداية الثورة للقتال ضد النظام كانت تحت المراقبة الأمريكية. لا يمكن لتلك الجماعات التي عبرت الحدود أن تدخل سوريا دون أن تراها وتراقبها وتوجهها الاستخبارات الأمريكية. وحدث ولا حرج عن السلاح الذي دخل سوريا بالأطنان، فقد كان أيضاً بتوجيهات أمريكية، وخاصة الشحنات التي جاءت من ليبيا. لا يمكن أن تدخل كل تلك الجماعات والكميات الرهيبة من السلاح وتصل إلى حدود إسرائيل دون أن تراها وترعاها المخابرات الأمريكية. وهل ننسى غُرف الموم والموك التي كانت تدير الجماعات السورية التي تقاتل ضد النظام؟ ألم تكن كلها بقيادة وتوجيه أمريكي؟ ألم تكن الاستخبارات الأمريكية بمثابة رئيس مجلس إدارة الفصائل السورية التي تعارض النظام؟ ألم تكن أمريكا تجلس في المقعد الخلفي وهي توجه القوى والدول التي تعمل على الساحة السورية؟ هل ننسى ما يسمى بأصدقاء سوريا الذين كان يقودهم جون كيري؟ هل ننسى صواريخ التو الأمريكية المضادة للدروع التي كانت تزود بها أمريكا قوى المعارضة وتفعل فعلها بدبابات الجيش السوري؟

يعترف كثير من الضباط السوريين المنشقين بأن الاستخبارات الأمريكية كانت دائماً تجلس على رأس الطاولة أثناء الاجتماعات التي تعقدها القوى المتورطة في الوضع السوري، بينما يجلس ممثلو الدول الأخرى وقيادات ما يسمى بالجيش الحر على أطراف الطاولة للاستماع إلى توجيهات المسؤول الاستخباري الأمريكي. ولا ننسى أن اسم «الجيش الحر» نفسه لم يكن تسمية سورية، بل تسمية غربية.

ماذا كانت أمريكا تريد في سوريا بعد أن كانت تقود الجميع هناك وتوزع الأدوار؟ هل فعلاً انهزم مشروعها أمام الروس والإيرانيين وما يسمى بحلف الممانعة؟ هل خسرت المعركة في سوريا وأصبحت مضطرة للقبول ببقاء الأسد ونظامه؟ بالطبع لا، خاصة وأن الاستخبارات الأمريكية اعترفت عندما سافر بشار الأسد إلى روسيا في زيارته الأولى بأن الرئيس اختفى عن رادار المراقبة الأمريكي في دمشق لمدة أربع وعشرين ساعة، وأنها كانت تعلم بموعد زيارته وعودته. بعبارة أخرى، فإن الاستخبارات الأمريكية تعرف الغرفة التي ينام فيها الرئيس السوري، وليس فقط المنطقة، وهي تراقب صوته عن طريق بصمة الصوت ثانية بثانية. ولو كانت تريد رأسه فعلاً لاعتقلته من مخبئه كما اعتقلت صدام حسين وعرضته أمام الشاشات. لكن طبعاً، لديها خطط أخرى تستوجب بقاء الرئيس لفترة معينة، خاصة وأنه ينفذ لها ببراعة ومهارة مشروع الفوضى الهلاكة بالتعاون مع بتوع المقاولة والمماتعة. وقد وصف أحدهم بشار الأسد بأنه قائد مشروع الفوضى الأمريكي في سوريا والمنطقة.

هل انتهى الدور الأمريكي في سوريا بعد تسليمها للروس وإعادة سلطة النظام على الكثير من المناطق التي كانت تسيطر عليها قوى المعارضة بدعم أمريكي، وبعد أن أعلن الإسرائيليون عن نيتهم إعادة تأهيل النظام؟ أم إن الروس والإيرانيين والنظام مازالوا مجرد أدوات في اللعبة الإسرائيلية الأمريكية الكبيرة؟ هل حدث كل هذا التدمير والتهجير في سوريا دون تخطيط مسبق، وأن كل ما شهدناه هو مجرد إصابات حرب عشوائية ليس لها هدف؟ هل اكتفت أمريكا وإسرائيل بتدمير سوريا وتهجير نصف شعبها والاستحواذ على مناطق النفط والقمح والماء شرق سوريا؟ أم إن المخطط في بدايته وأن كل ما نشاهده الآن على أنه نهايات هو في واقع الأمر مجرد محطات، وأن القطار لم يصل إلى محطته الأخيرة بعد، وربما تكون سوريا محطته الأولى فقط؟

 

٭ كاتب واعلامي سوري

==========================

منبج بعد درعا ... وإدلب بين الأسد و «طالبان»

سميرة المسالمة 

الحياة

السبت 14/7/2018

لا يبدو السيناريو الروسي حتى اللحظة واضحاً في شكل هيمنة النظام على درعا، على رغم أن قوات الأسد بدأت تتموضع في كثير من المناطق المستولى عليها، في شرق الطريق وعلى طول الحدود مع الأردن، وفي مدنـــها وقراها غرباً، إلا أن ذلك لا يفسر بصورة نهائية إذا كانت موسكو تريد للأسد انتصاراً مشابهاً لما حدث في حمص والغوطة، حيث شاهدناه متجولاً بين دمارها، وعلى أنقاض تهجير سكانها، يلقي خطاب نصره، معلناً عودة هذه المدن إلى كنف النظام وأمنه، أم أنه «نصر شكلي» فتحظر عليه زيارتها، كما هو حاله في حلب، التي لا تزال حتى اليوم في عهدة الروس، على رغم مضي نحو عام ونصف على استرجاع الهيمنة عليها، من الفصائل المسلحة المحسوبة على المعارضة «الممولة تركياً»، ما يعني أن المساومات الدولية الحقيقية لم تحسم بعد، حتى عندما تغادر فصائل الجنوب جبهاتها سواء إلى خارج الحدود (الأردن أو الشمال الســـــوري تحـــت النفوذ التركي)، أو إلى داخلها، أي إلى الفيلق الخامس (الشرطة الروسية) المعد لاستيعاب نشاط المسلحين وتدجينهم ليكونوا السلاح بيد روسيا والنظام وليس عليهما.

والسؤال المكتوم في حلق مناصري النظام الذين احتفلوا بانتصارهم في حلب، والذي لم يكلل حتى اليوم بخطاب نصر الأسد الموعودين فيه من هناك على رغم عودة مؤسسات الدولة الخدمية إليها، وزيارات الحكومة التنفيذية ولقاءاتها بفعاليات حلب الاقتصادية المتكررة لإعادة الحياة إليها: هل طريق الأسد إلى درعا يمر من عمان إلى القدس صار مفتوحاً أمامه، أم أنه كما طريق حلب لايزال مغلقاً ويحتاج إلى معابر جانبية من منبج حتى أنقرة؟

فإذا كان طريق الأسد إلى حلب حتى اللحظة مرهوناً بالتوافقات التركية الروسية، التي تتضمن مصير ريف حلب ومناطق درع الفرات وإدلب وعفرين ومنبج، فإن الطريق إلى درعا أيضاُ، موصول بعمان المفتوحة مباشرة على القدس المحتلة، ولعله الطريق الأقرب إلى دمشق، من طريق حلب المفتوح على خيارات واسعة لكل الأطراف المتصارعة دولياً ومحلياً، فطـــــريق الأسد من دمشق إلى درعا مرهون بخيار العودة إلى ما قبل 2011، اقتصادياً وعسكرياً، وهو ما يسعى له النظام مع كل من الأردن وإسرائيل، إضافة إلى تفصيلات إيرانية لم تخرج في مضمونها عما تريده الولايات المتحدة الأميركية، منها تأكيد التزام إيران ببيت الطاعة الأميركي، والتي جاءت عبر تصريحات السفير الإيراني مجتبى فردوسي بور فــــي عمان في 23 ايار (مايو) 2018، لصحـــيفة «الــغد» الأردنية نافياً فيها «أي وجود للقوات الإيرانية في الجنوب السوري»، ما يعـــــني التزام إيران كمرحلة أولى- ليست نهائيـــة - بمطالب إسرائيل بالابتعاد عن حدودها 80 كيلو متراً.

في الوقت الذي تفتح خيارات الطريق إلى إدلب باب المساومات الدولية واسعاُ، بحيث لا يمكن اقتصار حرب السنوات السبع- بكل القوى الدولية والإقليمية التي شاركت فيها- إلى مجرد حركة عصيان داخلي، يمكن لموسكو لملمتها وإعادتها إلى داخل الجب الأسدي، كما تحاول الآلة الإعلامية للنظام ترويجه، أيضاً لا يمكن التسليم أن كل ما تريده الولايات المتحدة بدخولها هذه الحرب فقط تلبية المطالب الإسرائيلية، المقتصرة على إبعاد إيران ومنظماتها وأذرعها «الميليشياوية» عن حدود إسرائيل، وتأطير وتحديد برنامجها النووي والصاروخي، مع أهمية هذين البندين على خارطة الأجندة الأميركية، وحلفائها من الأوروبيين والعرب أيضاً، لكن الشعار الذي رفعته أميركا «الحرب على الإرهاب» لا يزال في مقدمة أولوياتها، ما يترك المجال لإدلب بأن تكون أمام سيناريوات عديدة:

- إما محاربة «داعش» والتنظيمات المتطرفة حتى الهزيمة المطلقة، وهو الأمر الذي برهنت حروب السنوات الماضية الكثيرة في أفغانستان وباكستان على فشله، لأنها تنظيمات قادرة على إعادة إنتاج نفسها من جديد في مواقع جغرافية أخرى، وبمهمات إرهابية واسعة التمدد، وهو ما تخشاه أميركا والغرب.

- أو تسليم الملف كاملاً لتركيا لتدوير هذه المنظــمات والميليشيات، وإعادة إنتاج البديل الـــجديد تـــحت مسمى «منــطقة نفوذ سنية» تعود إدارتها سياسياً ومجتمعياً إلى تركيا، وتتشارك مع النظام السوري بتطويق حــدودها أمنياً، أي بإقامة ما يشبه منطقة حكم ذاتي، تجتــمع فيها القوى المسلـــحة التي رحلها النــظام وروسيا من كل سورية إلى إدلب، تحت مسمى فصائل متطرفة، تكـــون فيها الهيمنة على سكانها، والفصائل المسلحة الأخرى لمصلحة «المتحولين» من هيئة تحرير الشام وفصائل التركســــتان وبقــايا «داعــــش» ومن هو في سياقهم أو يتوافق معهم من الإســـلاميين، إلى المسمى الجديد الذي تختاره لهم تركيا اعتماداً على تجربة طالبان باكستان، وهذا السيناريو يتيح فرصة استمرار الصراع داخلياً ودولياً وفق الحــاجة له ولتوظيفاته.

- أو يستعيد النظام كامل الهيمنة ضمن محددات الخطة الروسية، التي تبدأ بشن الحرب، وتنتهي بالتسويات والمصالحات والتسليم، كما جرى في كل من حلب والغوطة ودرعا، مع ضمانات لتركيا بمراعاة كامل مخاوفها لجهة كرد سورية، وتوزعهم الجغرافي على حدودها، ولجهة ضمان حقوق مناصري تركيا من الأحزاب الإسلامية، للمشاركة في سلطة توفر لهم ما يتطلعون إليه من حرية الحركة والنشاط الحزبي الذي يخدم أهداف تركيا في المنطقة.

لا شك أن الولايات المتحدة منحت روسيا حرية التصرف بما يتعلق بالملف السوري، لكن ذلك لا يتناقض مع حفظ ماء الوجه الأميركي داخليا، بإنهاء ملف الإرهاب وتطويق مــخاطره، ضمن أحد السيناريوات التي تكفل إحكام السيطرة على منابع الإرهاب، وهذا يضمنه وجودهم ضمن مساحة جغرافية محددة، مسورة ومحمية من كل الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية، وهو الأمر الذي يجعل من مصير إدلب «بعبعاً» للجميع، ومنهم الكرد الذين اختاروا أن يكونوا إلى جوار النظام، وتـــــحت مظلته ليتــجنبوا الدخول في حرب مع تركيا، ويتــموضعوا جنباً إلى جنب مع مصير مجهول لإدلب، وهو ما راعته التسويات التي تجري بين النظام والكرد بعيداً من الحرب المشتعلة في كل من درعا وعلى أطراف غرب إدلب.

قد تبدو السيناريوات موغلة في التشاؤم، ولعل أقلها سوءاً متابعة روسيا لخطة هيمنتها على كامل مساحة سورياة ما قبل 2011، ولكن ذلك كله لا يعني بالضرورة إعادة انتاج نظام الأسد الذي نعرفه سابقاً بنسختيه الأب والأبن، بقدر ما هو إعادة انتاج تجربة الأسد الأب في لبنان، ولكن وفق النسخة الروسية في سورية وتحت رعاية دولية تضمن إنتداب الرئيس فلاديمير بوتين على سورية، وفق صيغة دستورية تعد بالتوافق بين خاسرين (النظام والمعارضة)، وتحت رعاية المنتصرين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية.

* كاتبة سورية

==========================

موقف الإخوان من وفاة الأسد وثورة الشعب - الحلقة (5) .. دور ثورات الربيع العربي في دعم الثورة السورية

محمد فاروق الإمام

يطرح المراقب في "الربيع العربي" التساؤلات عن الدور الذي قامت وما تزال تقوم به مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة أننا سمعنا هنا وهناك تسميات عن "ثورة فيس بوك" و"ثورة تويتر".

فالثورة هي قضية شعب ونضال شعب وشبكة الانترنت من خلال الإعلام الاجتماعي ومن خلال قدراتها التقنية المتعددة الوسائط التي تقدمها جعلتها أداة لإيصال القضية وللتحفيز كمكبر للصوت.

ففي عودة إلى أبرز أحداث "الربيع العربي" وبداية من تونس، يمكن تلخيص الدور الذي لعبته مواقع التواصل الاجتماعي في الانتفاضة الشعبية التونسية بالقول إن جزءاً من تاريخ "ثورة الشباب" في تونس كتب على الحائط الافتراضي لموقع "فيس بوك".

فقد كان نظام زين العابدين بن علي يحكم قبضته على الاتصالات الالكترونية ويضيق على الصحافيين والإعلاميين ومنع المراسلين المحليين والأجانب من السفر إلى سيدي بوزيد لتغطية الأحداث. وكان الإعلام الرسمي يصف الأحداث بأعمال إرهاب وتخريب وقد حاولت السلطات حجب المعلومات وتحويرها .

فمع القمع والتضييق الإعلامي الذي كان يعيشه التونسيون كان البديل شبكة الانترنت وبالتحديد موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" الذي تمكن من خلاله التونسيون الالتفاف على الرقابة وعلى التعتيم الإعلامي وسمحت للكثيرين بنقل كم هائل من المعلومات من صور وفيديو إلى العالم وإلى التونسيين عبر موقع "فيس بوك" وعبر الانترنت، مما ساعد في إقناع التونسيين بأن الوقت قد حان للانتفاضة و التحرك للخروج إلى الشارع و الانضمام إلى الشباب في ثورتهم.

كما في تونس كذلك في مصر فقد نشطت مواقع التواصل الاجتماعي وتحديداً خدمة "تويتر" للدعوة للتظاهر ولتنسيق الاحتجاج. فالإنترنت غيّر مفاهيم الناس من خلال حملات التوعية التي يقوم بها النشطاء المصريون للتعريف بحقوق الإنسان وبحقوق" المواطن" السياسية. وفي مصر لمواقع التواصل الاجتماعي الدور الأكبر في تنظيم النشطاء وفي نقل نبض الشارع ونقل وقائع الأحداث بشكل آنيّ من قلب التظاهرات، ولتبادل المعلومات عن أماكن التجمعات بالإضافة للنصائح المختلفة لمواجهة حالات الاعتقال أو كيفية تفادي القنابل المسيلة للدموع وغيرها من الأمور لحماية المتظاهرين.

وأهمية هذا الوسيط كانت أيضاً من خلال التفاعل بين المواطنين المصريين في الداخل والخارج وأيضاً في كيفية نقل وقائع الإحداث بدل الإعلام العالمي والوطني المكبل حتى تنحي حسني مبارك. وما زال الإعلام الاجتماعي ناشطاً في مصر اليوم في مواجهة المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

في ليبيا عند اندلاع ثورة 17 فبراير/ شباط، أسس المدون الصحفي محمد نبوس "قناة ليبيا الحرة" التي تعد أول محطة تلفزيونية إخبارية خاصة ومستقلة أنشئت في الأراضي التي يسيطر عليها "المجلس الوطني الانتقالي" تبث عبر الانترنت. حيث تناقلت وسائل الإعلام العالمية الصور الأولى التي نقلها نبوس عن الدمار والمعارك في مدينة بنغازي. قتل محمد نبوس في 19 مارس/ آذار 2011 برصاص قناصة عندما حاول التقاط صور عن الدمار الذي لحق بمدينة بنغازي جراء قصف كتائب القذافي لها في معركة بنغازي الثانية.

في سورية مع تصاعد نبض الاحتجاجات ضد نظام بشار الأسد في سورية، تصاعدت أيضاً حدة المواجهات في الفضاء الالكتروني حيث تحولت الشبكة العنكبوتية إلى ساحة حرب حقيقية، فبرزت مجموعة على موقع "فيس بوك" أطلقت على نفسها اسم "الجيش السوري الإلكتروني" وفيما بعد كان لها موقعها الالكتروني الخاص.

فقد دشنت هذه المجموعة أسلوباً جديداً في التعاطي مع الاحتجاجات ومع المعارضة عن طريق قرصنة الصفحات الشخصية لبعض المعارضين أو المناهضين للنظام السوري وأيضاً اختراق مواقع وسائل الإعلام العربية والغربية.

ومع منع النظام السوري عمل مراسلي وسائل الإعلام العالمي على الأراضي السورية، لجأت وسائل الإعلام تلك إلى ما يتم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي "يوتيوب" و"فيس بوك" و"تويتر" التي تنشر عليها أفلام فيديو من المظاهرات أو المعارك مصورة بالهاتف الخلوي.

ولو بقي الجدل مفتوحاً حول حجم التأثير الفعلي للإعلام الاجتماعي، غير أنه لم يعد بوسع أحد تجاهل هذه الشبكات. وتبقى جملة كتبها مدون مصري على موقع "تويتر" بداية ثورة 25 يناير في رسالة موجهة إلى قناتي "الجزيرة" و"العربية" وربما إلى كل وسائل الإعلام يقول فيها:" لم نعد بحاجة إليكم بعد اليوم ...لدينا تويتر".

دور دول الخليج العربي في دعم الثورة السورية

كما هو معروف عربياً فإن نظام الأسد هو بوابة النفوذ الإيراني، ويده التي تبطش بكل من يعارض التوسع والتمدد الإيراني في بلاد العرب، ولسورية تأثير على لبنان وفلسطين والعراق، تأثير سلبي ومزعزع لاستقرار تلك الدول منذ عقود من الزمن، وعلاوة على ذلك فالنظام في سورية يحكم تحت غطاء حزب البعث بالحديد والنار وينكل بالشعب عامة وبالأغلبية السنية بشكل خاص بصورة وحشية وسادية، مما دفع دول الخليج للوقوف في وجه الأسد في بداية الثورة السورية بالإضافة إلى الدافع الأخلاقي والإنساني والديني والعروبي من مذابح ومجازر الأسد التي تفوق في حدتها وحجمها مجازر هولاكو وهتلر وموسليني وستالين!

بدأت دول الخليج بدعم الثورة السورية بتدرج بطيء لخطورة الموقف وتأثيره على الموقف الدولي والموقف العربي والموقف الخليجي ولتقاطع المصالح الدولية في الشأن السوري، ولكن بعد تمكن الداخل السوري والشعب السوري من مواجهة آلة الأسد العسكرية المدمرة والفتاكة بشكل بطولي وتاريخي يسجل في تاريخ البشرية، ويسجل لها كأهم ثورة في تاريخ البشرية، ويسجل لها كثورة تقاطعت معها جوانب الدين والتاريخ والسياسة والجغرافيا والأعراق لتفرز لنا ثورة من نوع آخر، ثورة كرامة.. ثورة تاريخ.. ثورة حرية.. ثورة دين.. ثورة مفترق طريق للبشرية! بدون مبالغة ولكل تلك الأسباب توجب على دول الخليج شعبياً ورسمياً أن تقف مع الشعب السوري لمصلحتها ومصلحة الشعب السوري فدعمت المعارضة معنوياً وإعلامياً وسياسياً وإنسانياً، وأخذت دول الخليج موقفاً متقدماً وريادياً في الثورة السورية، وتحدت كل الصعاب والعقبات الدولية سياسياً لإنجاح الثورة السورية، ويحسب لها بدون منازع وسيذكره التاريخ لها وسيكتب بأحرف من ذهب في نجاح الثورة السورية لدول الخليج وأخص في عجالة دور شخصين لابد من ذكرهما، وهما خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز والشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، رئيس الوزراء ووزير خارجية قطر فكانا هما رأس الحربة الخليجية في جميع ما يذكر عن الموقف الخليجي في دعم الثورة السورية.

يتبع

=============================

القطبة المخفية في تسوية الجنوب السوري

أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 14/7/2018

اخترق هدوء العاصمة دمشق، في إحدى ليالي خريف عام 2011 صوت رصاص غزير أطلق في الهواء، فرحاً وابتهاجاً، من مختلف مواقع تمركز قوات النظام... بدا الأمر غريباً في ظل تواتر مظاهرات السوريين وتمددها لتشمل مختلف المدن والمناطق، ليشاع في صبيحة اليوم التالي أن السبب هو وصول تأكيدات حاسمة للنظام السوري بأن دولة إسرائيل لا تزال على عهدها، ولم تغير موقفها من دعم بقائه في السلطة، بعد أن بدأت الثورة السلمية تهز أركانه واستقراره.

وبغض النظر عن الغرض من إشاعة ذلك التفسير وقتئذ، فإن ثمة حقيقة قديمة وقوية تقول إن إحدى دعائم استمرار النظام السوري وتسويقه دولياً هو الرضا الإسرائيلي عنه بصفته نظاماً مجرباً حافظ على جبهة الجولان آمنة ومستقرة طيلة عقود، ويسهل التوصل معه إلى تفاهمات بشأن القضايا الأكثر حساسية، وهي حقيقة لم يحجبها تصنع حكومة تل أبيب عدم الاكتراث وادعاء الحياد في الصراع السوري، ولا تصريحات بعض قادتها عن فقدان النظام لشرعيته، وأنه غير قادر على الحكم بعد العنف المفرط الذي مارسه ضد شعبه، مثلما لم تحجبها الاشتباكات والمعارك التي اشتعلت بينهما بالأصالة مرة، في حرب أكتوبر عام 1973 وبالوكالة مرات في جنوب لبنان وغزة، بل تؤكدها إعلانات إسرائيل المعروفة في أزمات سورية كثيرة، عن ضرورة الحفاظ على السلطة القائمة كخيار أفضل، على أن تبقى ضعيفة من أجل لجم اندفاعاتها الإقليمية المؤذية، وتؤكدها أيضاً حالة العداء الأصيل عند حكام تل أبيب لقيام نظام ديمقراطي في دمشق يمكن أن يحدث تبدلاً استراتيجياً في الوضع القائم، ويحمل فرصة النهوض بالبلاد وتعزيز قدرتها ومكانتها، تحدوهم مصلحة عميقة في استمرار الاستبداد والفساد كوسيلة حكم في سوريا تلجم حضور المجتمع الحي وتستنزف طاقاته، وتأخذه نحو التنابذ والتفكك والتفسخ كي يأمنوا جانبه موضوعياً لعشرات قادمة من السنين، ويضمنوا تالياً طي صفحة الجولان المحتل ليغدو مصيره كمصير لواء إسكندرون.

والحال، تغدو الحسابات والأهداف الإسرائيلية أشبه بالقطبة المخفية في ما نشهده من تبادل أدوار وتناغم بين واشنطن وموسكو للتأثير بالصراع السوري، ومؤخراً لفرض تسوية في جنوب البلاد، والقصد أن لقادة تل أبيب كلمة قوية حول مستقبل الأوضاع في بلد يجاورهم ويحتلون جزءاً من أرضه، بل لهم الأولوية، عند الغرب والشرق، في تحديد ما يمكن أن يترتب من أي تطور في سوريا على مصالح دولتهم وأمنها خصوصاً في المناطق الحدودية، وكلنا يتذكر، المواقف المثيرة لمسؤولين إسرائيليين، في تحذير الكرملين من مخاطر إسقاط النظام وانتصار ثورة السوريين، وفي مطالبة البيت الأبيض تقنين دعم المعارضة وتخفيف الضغط على الحكم السوري وتركه لشأنه، والمغزى أن هناك حرصاً دولياً لا يمكنه القفز فوق هموم الأمن الصهيوني وحساباته الاستراتيجية، يحدوه قوة اللوبي اليهودي الحاضر ليس فقط في واشنطن والعواصم الأوروبية والمؤثر على سياساتهم الشرق أوسطية، وإنما الموجود أيضاً في موسكو وقد تنامى وزنه بفعل التشابك مع نحو مليوني يهودي من أصول روسية، هاجروا إلى إسرائيل، وبات دوره مؤثراً على قرارات الكرملين المتعلقة بالمنطقة والحدث السوري.

من هذه القناة يمكن النظر إلى ما أثير منذ شهور في لقاء نتنياهو وبوتين عن قبول الأول عودة قوات النظام السوري إلى الشريط الحدودي، في شرق درعا وغرب القنيطرة، شريطة إبعاد ميليشيا طهران و«حزب الله» إلى مسافة لا تقل عن - 80 - كيلومتراً من خط الاشتباك في الجولان، بما يشمل العاصمة دمشق وريفها، مع تمكين القوات الدولية (أندوف) وتفعيل دورها الرقابي في المنطقة المنزوعة السلاح، ومنح إسرائيل حرية ضرب أي أهداف إيرانية في سوريا تشكل ركيزة خطيرة على أمنها، وإذا أضفنا الحرص الدولي على تجنيب المنطقة تداعيات حرب مباشرة بين تل أبيب وطهران بدأ نذيرها يتضح مع ارتفاع حرارة التوتر بينهما، جراء تعزز حضور الميليشيا الإيرانية وفاعليتها في سوريا، وتواتر الضربات الإسرائيلية التي طاولت غير موقع حساس للحرس الثوري و«حزب الله» في العمق السوري، يمكن أن نفسر توقيت الخرق الروسي المتعمد لاتفاق خفض التوتر، الذي أبرم حول جنوب سوريا، وتالياً دوافع الانسحاب الصريح للراعي الأميركي وتخليه عن دعم المعارضة، ربطاً بما يثار عن صفقة أو تسوية لتلك المنطقة ستتم المصادقة عليها خلال لقاء هلسنكي المرتقب بين ترمب وبوتين، تتوافق مع مصالح إسرائيل وتهدف لإبعاد مختلف التشكيلات الميليشياوية الإيرانية، مقابل رفع الغطاء عن الجماعات السورية المعارضة، وإعادة المشهد الحدودي إلى سابق عهده.

صحيح أن ثمة منفعة، تكللت بالصمت، تجنيها حكومة تل أبيب من سياسة النظام في استجرار الدعم من خصومها، إيران و«حزب الله»، مراهنة على تسعير الاقتتال المذهبي في تفكيك الوطن السوري وإنهاك المجتمع، وفي النيل من أهم كوادر «حزب الله» والإجهاز على ما تبقى من سمعته السياسية كحزب مقاوم، لكن تلك المنفعة ترتبط بخطوط حمراء يفترض عدم تجاوزها، بدأت تحضر وتتضح مع تراجع حدة القتال وميل توازنات القوى لمصلحة النظام وحلفائه، منها التمدد العسكري الإيراني في سوريا، خصوصاً في المنطقة الحدودية، وأهمها وصول أسلحة متطورة إلى «حزب الله» قد تسمح بتعديل الستاتيكو القائم.

لا يوفر النظام السوري، بديماغوجيته العريقة، وسيلة لحشر إسرائيل في كل شاردة وواردة، ولنقل في أي أزمة أو محنة يسببها استبداده وعنفه وفساده، غالباً كي يحرر نفسه من المسؤولية والأهم كي يسوغ مختلف أشكال الفتك والتنكيل ضد معارضيه، وبرغم وضوح أسباب ثورة السوريين ودوافعها الداخلية فقد صنفت سلطوياً كمؤامرة صهيونية للنيل من النهج المقاوم للنظام، واليوم وبرغم معرفة القاصي والداني حقيقة الدور الإسرائيلي المشجع والمتواطئ في صفقة أو تسوية جنوب سوريا يطلع علينا الإعلام الممانع بديباجته المقيتة، بأن تلك التسوية هي ضربة قاصمة للمخطط التآمري الصهيوني راعي المنظمات الإرهابية وداعمها، كذا!

==========================

الفرق بين المظاهرة والثورة !؟

يحيى حاج يحيى

الفرق بين المظاهرة والثورة  كالفرق بين زجاجة المشروب الغازي إذا فتحت بعد رجّها ، أو أنبوبة الغاز إذا انفجرت فتركت صوتاً وأثراً ؟

وأما الثورة فهي البركان الذي ينتفض ، ويهدأ أحياناً ، ولا يُعرف متى ينتفض من جديد

وصدق الشاعر الشهيد هاشم الرفاعي :

إن احتدام النار في جوف الثرى. - أمرُ يثير حفيظة البركانِ

==========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com