العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 22-02-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

معنى التوقيت الغربي لمقابلات الأسد .. غازي دحمان

الحياة - الاربعاء 18-2-2015

باتت لقاءات الرئيس السوري بشار الأسد مع وسائل الإعلام الغربية تثير تساؤلات حول توقيتها ومحتوياتها، تتعدى كونها مجرد تعبئة مساحات إعلامية، أو حتى مسألة تسليط الضوء على نزاع يحتل مكانة ما لدى الرأي العام الغربي. لو كان الأمر كذلك لجاءت هذه اللقاءات ضمن سياق إعلامي أوسع ومن دون تلك الضجة الإعلانية التي ترافقها.

ولكي نكون واقعيين لا بد من الإعتراف ان الطاقم الإعلامي المحيط بالأسد هو الذي يختار توقيت إجراء هذه المقابلات بناء على طلبات مقدمة من وسائل إعلام غربية وتجري المفاضلة بينها، من حيث إختيار توقيت إجرائها، بناء على تقديرات تتعلق بدرجة فعاليتها وإنتشارها، ولكن أيضا لأن إجراءها وبثها في هذا التوقيت يلبي ربما حاجة غربية لدى مجتمعات تتعامل مع الإعلام بمنطق الرشادة الذي تتعامل به مع السوق، ولا شك أن القائمين على تسويق المنتج الإعلامي الغربي يعرفون مدى حاجة السوق لهذا النمط من المحتويات في توقيتات محدّدة.

ليس خافياً أن الأسد يستفيد من المتغيرات والأحداث، وغالباً ما تبدو لقاءاته وكأنها محاولات إنغماس ضمن نسق قيد التشكل أو سياق جار في إطار بيئة يكون الطلب فيها شديداً على هذا النوع من التصريحات، ولديها قابلية لإستهلاكها، بيئة مستفزة أو مستنفرة أو تنتظر إجابات محددة، لذا يمكن تمرير أشياء كثيرة بغض النظر عن جوهر طروحاتها بقدرالإهتمام بالقالب الذي تطرح فيه، مثل تصريحات الأسد بعد حادثة «شارلي ايبدو» وبعد الغارة الإسرائيلية على القنيطرة أو تصريحاته بعد إحراق الطيار الاردني معاذ الكساسبة، وهنا يتضح مدى دور شركات العلاقات العامة التي تسانده في الغرب ورصدها للمناخ السياسي والمزاج الشعبي بوصفها عناصر مساعدة على تمرير محتوى معين من دون الحاجة إلى فلسفته وتبريره.

يحاول الأسد في هذه التصريحات التي يطلقها عبر لقاءاته إيصال رسائل الى متلقين من شرائح مختلفة ومتضاربة أحياناً، فهو يخاطب المواطن الغربي العادي عن مخاطر التطرف الإسلامي ويقدم نفسه كشريك له في القيم ونمط الحياة والسلوك وموقفه من الإرهاب الذي يتسق مع الإستجابة الغربية تجاه هذه الأفعال عبر محاربة من يقف وراءها بكل الوسائل الممكنة، كما يخاطب الفئات والشرائح ذات الثقافة اليسارية التي تنادي بالسيادة وعدم التدخل في شؤون الدول الخارجية.

غير أن الحقيقة ان تصريحات الأسد ورغم كل ما يقال فيها عن إنكاره لحقائق تبدو بمثابة مسلمات خبرها السوريون وأخذت غالبية سكان المنطقة علماً بها، من خلال معايشتهم اليومية للأحداث، مثل القصف بالبراميل المتفجرة وإستهداف البيئات الحاضنة للثوار وممارسة العقاب الجماعي، إلا ان الرأي العام الغربي قد لا يكون شكّل ذات الصورة عن الحدث، وهو يشاهد روايتين متناقضتين، ولأن رواية الثورة مأسوية وصادمة إلى حد يفوق الخيال وتلطم الضمير الغربي، فإن هذا النمط من التصريحات يشكّل نوعاً من الدعم النفسي لهذا الرأي العام الذي يعتبر نفسه صاحب النموذج الأخلاقي الأرفع في الكون، وهو لا يحتاج سوى تفنيد رواية الثورة والإصرار عليها وتقديم الرواية الأخرى التي تتحدث عن محاربة تطرف ودولة وقوانين، على الأقل من أجل موازنة الصورة وإيقاف صعود رواية الطرف الآخر عن إبادات جماعية تحصل في سورية وإعادة الحالة إلى حيز اللبس والحيرة، وتالياً الخروج من حالة الإحساس بتأنيب الضمير والعجز. من هنا يتعمّد الأسد تكذيب حتى سلمية الثورة في أشهرها الاولى بعد أن انتبه الى خطئه حين اعترف بهذا الأمر، حتى لا تتأسس على هذه البيّنة مقتضيات كثيرة، وكأنه يقول للرأي العام الغربي: ها أنا أقدم لك طوق نجاة من الأزمة وحتى من مجرد الشك بإمكان حصول تقصير ما تجاهها.

غير ان تصريحات الأسد يجري توظيفها من قبل المكونات السياسية الغربية ومن هياكل صناعة القرار، ذلك أن العملية السياسية الغربية تسمح بتباين الرؤى وظهورها بشكل جلي في مخرجات السياسة الخارجية، وتضع في الإعتبار المصالح المباشرة للدولة وهذا مبرر عقلاني ومنطقي في السياسات الغربية، لكن هناك أيضاً ضرورة مهمة لوجود غلاف أخلاقي تبريري يساعد على تمرير تلك السياسات، وقد كشفت التجربتان البريطانية والأميركية في التصويت ضد قرار التدخل في سورية مدى إندماج هذين البعدين وأثرهما في إتخاذ القرار، كما ظهر الدمج الواضح بين توجهات الرأي العام وتأثيرها في إتجاهات التصويت لدى ممثليه في دوائر صنع القرار.

على ذلك، لا يبدو مهماً إذا كان كلام الأسد خلال مقابلاته منطقياً أم لا، كما ليس مهماً تفحص مدى النجاح في طرحه، والرأي الذي يستخلصه من قام بالمقابلة، كما فعل محرر «فورين بوليسي» الذي وصف الأسد بالمنفصل عن الواقع أو المجرم. المهم ما هي الأهداف التي يريد الإعلام الغربي تحقيقها، ليس لدى الشارع السوري بالتأكيد، ولكن ضمن بيئته نفسها، والواضح أن الهدف الاول تطبيعي بإمتياز يتمثل بالسماح بقبول رواية الأسد للأحداث، وذلك كتمهيد لتبرير الإنسحاب الذي سيجريه صنّاع القرار لاحقاً، أو تهيئة لإعادة التموضع تجاه الأزمة. وهنا يلفت الإنتباه أن هذا الزخم الإعلامي يأتي بعد تصريحات جون كيري الغريبة بأنه آن الاوان كي يضع الأسد مصلحة شعبه في المقدمة، بعد سنوات من دعوة مستمرة له بالرحيل، والغريب أنه في المقابلتين («فورين بوليسي» و»بي بي سي») جرى تكرار تصريحات كيري واعتبارها سؤالاً مركزيًا في الحوار!

=====================

حسن نصر اللات يحرض على ذبح السوريين .. محمد فاروق الإمام

في آخر صرعات نصر اللات التي أتحف السوريين واللبنانيين بها هي دعوته للأحزاب اللبنانية التي تطالبه بسحب ميليشياته ومرتزقته من سورية، قائلاً: من يريد أن يدافع عن لبنان واللبنانيين فليذهب إلى سورية ليذبح أطفال ونساء سورية وشيوخها ورجالها فهم الخطر الحقيقي الذي يتهدد لبنان وشعب لبنان وهذا ما نفعله نحن لنجنب لبنان وشعب لبنان مخاطر نراها نحن ولا ترونها أنتم!

حسن نصر اللات بدعوته لباقي الأحزاب اللبنانية للذهاب إلى سورية لمشاركة ميليشيات حزب اللات في قتل السوريين جريمة ضد الإنسانية يعاقب عليها القانون الدولي الغائب عن كل ما يجري في سورية من مجازر بشعة على يد الإرهابي الأول بشار الأسد والمرتزقة التي تسانده على مبدأ طائفي حاقد ظننا – واهمين - أن السنين الطويلة قد أتت عليه، بفعل التقدم والتطور الإنساني.

حقيقة لم تلد الأمهات مثل هذا الأفاك الذي لا يزال بعض اللبنانيين والعرب يصدقون ما يقوله.. هذا الكذاب الأشر الذي سبق مسيلمة الكذاب بمراحل يقول ما لا يقوله لا عاقل ولا مجنون؛ استخفافاً بعقول اللبنانيين والعرب، فمن جهة يدعي أنه رأس حربة المقاومة والممانعة في الجنوب اللبناني بمواجهة إسرائيل، ومن جهة ثانية يوجه عناصره لقتل السوريين بلا تمييز، وينشر ميليشياته على كامل التراب السوري من درعا وحتى حلب، وكأن البوصلة قد ضلت طريقها فانقلب الجنوب شمالاً وتحولت مزارع شبعا إلى رتيانوحرتتنين والبريج والملاح والضاحية الجنوبية إلى حلب، حيث تم قتل ما يزيد على مئتين من عناصر النظام وحزب اللات وبعض المرتزقة من الأفغان والإيرانيين والعراقيين الذين يستعين بهم النظام، فيما يقوم حزب اللات بتجنيدهم وتدريبهم والزج بهم في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل.. اللهم إلا إرضاء لأسياده في قم وطهران.

يا معتوه لبنان والضاحية الجنوبية.. توقف عن بهلونياتكالممجوجة،ومسرحياتك الباهتة السخيفة، وادعاءاتك المفضوحة.. فسورية ليست مسرحاً للعرائس ولكنها مسرحاً لقبر الغزاة بين ثنايا أرضها ووهادها ووديانها.

يا معتوه لبنان ننصحك بالمزيد من حياكة الأكفان والاكثار من حفر القبور فقافلة (شهداء الواجب الديني وحماية مراقد الشيعة) في طريقها إليك، فتحمل وليتحمل معك أبناء طائفتك -المغرر بهم- مآتم الحزن والنحيب والعويل على فلذات أكبادهم وقد ألقيت بهم إلى مهاوي الموت والردى، ليخسروا الدنيا والآخرة.

====================

عن رزان زيتونة وسميرة الخليل .. نجوى بركات

العربي الجديد - الثلاثاء 17-2-2015

لا معرفة بيننا، لا صداقة، ولا عِشرة، ولا حتى لمحة، أو لقاء عابر ذات مرة. ومع ذلك، لا أدري لم أشعر أني مرتبطة بهما، كأنّ لهما عليّ، وأنا مدينة لهما.

إنهما الناشطة الحقوقية والكاتبة السورية، رزان زيتونة، مؤسِّسة مكتب توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب، وسميرة الخليل، الناشطة وزوجة المعارض ياسين الحاج صالح. كانتا قد اختطفتا من المكتب في مدينة دوما، ليل 9 ديسمبر/كانون الأول 2013، مع زوج رزان، وائل حمادة، والمحامي ناظم الحمادي، لأنهما، مع رفاق لهما، كانتا تعملان على جمع الحقائق التي ستكون جزءاً من ملف سورية في مسار العدالة الانتقالية القادمة في سورية، تمهيداً لانتقال سورية إلى دولة مدنية ديمقراطية. قيل إن رزان كانت قد تعرضت إلى التهديد سابقاً، وتحديدا في سبتمبر/أيلول 2013، عندما أطلقت مجموعة، لم تعرف هويتها، الرصاص أمام باب منزلها، وبترك رسالة مكتوبة بخط اليد، تضمنت تهديداً بالقتل، في حال أنها لم تغادر المنطقة في غضون أيام.

طبعا، لم تخف رزان ولم تغادر، واستمرت في عملها، وكأن شيئا لم يكن، ثم حدث ما حدث، وكان ما كان. وأنا، حين علمت بما جرى لهما، أصابني ما يشبه الهوس، فصرت أركض وراء أخبارهما، كأنّ لي شأنٌ وأكثر، بل وكأنني مرتبطة بهما بما يعدو التضامن، لا بل وحتى الصداقة، إلى ما يشبه صلة الدم. كأنهما أختاي الصغيرتان، وأنا مكلفة بحمايتهما. كأنهما ابنتاي وقد فشلت، وتلكأت، في مكان ما، فكان ما أصابهما. أو كأنهما أمي، وقد ضاعت وهي تجري بحثاً عني في الغابة، حيث تحيا الغيلان. وحين أُمعن التفكير في أسباب انجذابي وغرقي في تقصّي غيابهما، يخطر لي أن فيهما ما يتجاوز قدرتي على الفهم، وقدرتي على الفعل، وربما هذا من دواعي انعقاد صلتي بهما.

هكذا، يسكننا أشخاص لا نعرفهم، يقيمون بين أضلاعنا، يجلسون إلى مائدتنا، ويأكلون معنا أفكارنا. ثمّة ما يربطنا بغيابهم، بعذابات أرواحهم، وقد طُليت زفتا أسود، وأوثقت بالسلاسل والحبال. وفي كل مرة، ينأون ويغورون في النسيان، يأتي شيء ليذكّرنا بهم، وليحفر كالسكين في الموضع إياه.

انظر إلى الوجه الأبيض الباسم، إلى الشعر الأشقر الملموم بمنديل مثني صغير، إلى الجسد النحيل، ثم إلى الشعر الأسود القصير، والبسمة الخجولة، والكتف العارية التي لا تلقى وزن الريح، واتخيّل ما هي أيام رزان وسميرة في الأسر. هل أبقوهما معاً، وكيف احتملتا كل ما مورس بحقهما، وكيف ما زالتا إلى اليوم تحتملان؟ والآن، وقد تعبت يدا الخاطف من التعذيب، وقد أتى وقت الأسر، الوقت الثقيل البطيء الذي لا يتقدم، ولا يمرّ، الوقت الذي يأسن كالمستنقع، يصير سميكاً، لزجاً، دبقاً، تملأ روائحه النتنة الخياشيم. الوقت الآسن الذي يغلّف العينين، والأطراف والقلب والروح، كيف تُحتسب الأيام فيه، وهل يوقّعها ضوء النهار، أم أنه ليل طويل مقيم لا ينتهي؟ هل هما معصوبتا العينين، موثقتا اليدين، أو طليقتان يمكنهما التحرك تحت الحراسة، في بضعة أمتار؟

ألاّ تتمكن امرأة من غسل شعرها، وجهها، أسنانها. أن تحيض، تبرد، تجوع، تمرض، تشتاق. أن تكون في الظلمة، ولا ترى أوجه من تحب. أن تُقتل أنوثتها، ثم تُقتل روحها، ثم يُقتل دماغها، ولا تطلق عليها رصاصة الرحمة.

أكاد لا أجرؤ على تخيّل ما يعدو تلك التفاصيل، فما أن تحضر صورة الخاطف، حتى أخشى أن يكون ما تخيلتُ، وهو، في عرفي، أقصى العذاب، تفصيلاً يسيراً في مسلسل همجي طويل، يصبح الموت، مع تصوّره، أمراً رحيماً.

عشتِ رزان. عشتِ سميرة. عاشت سورية التي تشبهكما.

===================

القتل في دُوما.. والطبل في "بي بي سي" .. ياسر الأطرش

العربي الجديد - الثلاثاء 17-2-2015

يدرك السوريون، تماماً، أن العالم لن يتحرك لا عسكرياً، ولا حتى وجدانياً، لينتصر لأبرياء دوما الذين أحرقتهم نار الأسد الحاقد، وأتت على شيخهم وطفلهم بقصدية مطلقة، وسط تهليل وابتهاج ونشوة من آكلي لحوم البشر من الشبيحة الطائفيين و"الممانعين"، وليس آخرهم، ولا أوحدهم، رائدة الفبركات والتشفّي، غدي فرنسيس، التي أطلقت عبارتها الساخرة "دوما مشوية" وأتبعتها بعبارة أشد على النفس من الموت نفسه، وكأنها مصرة على السخرية من موت الأبرياء، لتزيد: "دوما مسلوقة"..

ولا يبدو ذلك غريباً في زمن بشار، فالإعلاميون المفترضون على قرع طبله يرقصون، ويسوقون للعالم أفكاراً يخجل من طرحها حتى المجانين والحمقى. فمنذ يومين، خرج علينا "إعلامي عالمي" كما قدمه تلفزيون الأسد، يدعى مصطفى بربر، قصَّ على مسامعنا ما تعجز عن فهمه وإدراكه أعتى العقول العلمية حول جهاز "آي فون" ذي الخصائص الخارقة الذي أدخله شخص سوري قادم من الخليج، لتتبعه المخابرات التركية والعالمية وتختطفه، ثم يطلقه مسلح سوري، ضميره حيّ، في رواية غرائبيةٍ، لا يمكن شرحها، لأنه لا يمكن فهمها.

إلا أن بربر وفرنسيس وأساتذتهما، لن يستطيعوا الوصول إلى أطراف عوالم كذب رئيسهم ووقاحته، وهو الذي أفنى جيشه الباسل مدناً وقرى بأكملها بالبراميل المتفجرة العمياء، وخلال إلقاء العشرات منها، وفي الأثناء نفسها، كان ينفي لقناة بي بي سي علمه بوجودها، أو استخدام جيشه لها.

يجب، إذن، على العالم أن يكذّب عيونه وكاميراته وشهوده، وعلينا أن نكذّب المؤيدين الذين يتغنون بالآلاف بالبراميل، ويجب أن نكذب الموتى، ونجعلهم يبتكرون أسباباً أخرى لموتهم تناسب السيد الرئيس.

ومع دخول الحرب هذا المدخل الخطير، من إحراق دوما، إلى سخرية الأسد من العالم بأسره، إلى تشفي أزلامه بموت الأبرياء، ماذا تغير، وماذا يمكن أن يتغير؟

أكثر الأجوبة إيلاماً هو الاحتمال الراجح، لن يتغير شيء.. فردود فعل العالم على إحراق دوما أقل من باردة، والردود على التصريحات المستهزئة بالإنسان والإنسانية شبه معدومة، عدا توضيحات عادية من وزارة الخارجية البريطانية، لا تؤسس لموقف، ولا يمكن البناء عليها، فهل تخلى العالم عن المسألة السورية نهائياً؟.

حقيقة، العالم كله معنيٌّ بالقضية السورية، كلٌّ حسب ضروراته ومصالحه، فحتى دولة جزر القمر بدت مهتمة عندما أصدرت، أخيراً، قراراً يقضي بمنع السوريين من دخول أراضيها من دون الحصول على تأشيرة وموافقة أمنية، ودول الجوار مشغولة باللاجئين وهمومهم ومتاعبهم، وكذلك أوروبا التي تصب اهتمامها على إعادة توطين ما يمكن من السوريين، وإطفاء الحرائق العنصرية الناشئة تجاههم، وأقرانهم في مجتمعاتها، غير متقاعسة في دورها العسكري المحصور في محاربة داعش، ضمن التحالف الدولي، أما الولايات المتحدة فتبدو موجودة في كل التفاصيل، ولكن بلا فاعلية، وهذا ما سارت عليه سياسات أوباما المترددة، تحت عنوان "فلنتجاوز كل ما يمكن أن يخلق تفرقة".

وفي الجانب الآخر، تلقي روسيا بثقلها السياسي كله في الميدان، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وتطلق الحبل على غاربه للحليف الإيراني، ليقود المعركة بشكل سافر على الأرض، مستخدماً نظامه الديني في استقطاب المقاتلين الطائفيين من أركان الدنيا الأربعة، في ما يبدو بالنسبة لها معركة حياة أو موت، فخسارة سورية ستقوّض حلم الإمبراطورية، وتجعل مكاسبها في اليمن مبتورة، ما لم تستطع تطويق الخليج العربي من بوابة الأردن.

وعلى هذا، فمن ذا الذي ينتظر السوريون تدخله؟ ومن ذا الذي بقي خارج اللعبة؟

العالم جُلُّه موغلٌ في المقتلة، ودم دوما يعني السوريين وحدهم، وتدرك الأنظمة التي تدير حرب الأسد أن مزيداً من المجازر لن يغير الاصطفافات والأولويات. والانطلاق من هذه الحقيقة، بالنسبة للسياسيين والعسكريين في المعارضة، ربما يوفر كثيراً من دم الأبرياء، إذا ما أحسنوا إدارة القضية، ومخاطبة العالم بلغة المصالح، بدل الندب والتذكير بجرائم الأسد، فالعالم كله يسمع ويرى ويعرف، ولكن، وحدنا نتألم ونموت.

============================

ما بعد اجتماع المعارضة في القاهرة .. فايز سارة

الشرق الاوسط - الاحد 15-2-2015

أنهى اجتماع القاهرة للمعارضة السورية جلساته في القاهرة الشهر الماضي، وأصدر بيانه حول رؤية المشاركين من المعارضة للحل السياسي في القضية السورية، وشكل لجنة متعددة المهام، لكن الأبرز في مهماتها أمران؛ أولهما شرح وترويج نداء القاهرة في المستويات السورية والإقليمية والدولية، والسعي من أجل كسب دعم وتأييد لما احتواه من توجهات في معالجة القضية، والدفع نحو خلق آليات وخطوات للحل السياسي، والثاني الإعداد لمؤتمر وطني للمعارضة السورية، يعقد في القاهرة في أبريل (نيسان) المقبل، لا يقتصر على من حضر اجتماع القاهرة من تنظيمات وقوى وشخصيات مستقلة، إنما يشمل قوى أخرى وشخصيات، لم تتح الظروف حضورها للاجتماع والمشاركة في مجرياته ومخرجاته، ودفعها على مسار الفعل والتفاعل لجهة تبني الحل السياسي للقضية.

وكما هو واضح من مهمة اللجنة، فإن المطلوب كثير وكثير جدا، ليس لأن نداء القاهرة، يمثل نقلة جديدة في نشاط المعارضة من حيث رسم مواقف وسياسات، أهملت أو جرى الابتعاد عنها لسبب أو لآخر رغم ضرورتها في استراتيجية المعارضة، وتعاملها مع آفاق القضية السورية، بل لأن واقع المعارضة السورية المتنوعة والمجزأة والمتصارعة واقع معقد وملتبس، يجعل من الصعوبة بمكان التعامل معها في موضوعات هي خارج الشعارات والطروحات العامة، التي درجت قوى وشخصيات المعارضة على تبنيها في السنوات الأربع الماضية من المجريات السورية.

ولا تقتصر الصعوبات القائمة في وجه لجنة اجتماعات القاهرة لإنجاز مهماتها على الجهد الخاص بالمعارضة السورية، بل هي قائمة في الجهود التي يفترض أن تبذل مع القوى الإقليمية والدولية المعنية والمهتمة بالقضية السورية، وهي قوى مختلفة في مصالحها ومواقفها وعلاقاتها البينية من جهة وفي مواقفها وعلاقاتها مع الفاعلين في القضية السورية ولا سيما نظام الأسد من جهة وقوى المعارضة من جهة أخرى. لكن العامل الإيجابي في هذا الموضوع، هو تشارك أغلبية القوى الإقليمية والدولية في تبني موضوع الحل السياسي، خاصة إذا كان مع استبعاد أي دور للأسد ومجموعته الفاعلة في مستقبل سوريا، وهو أمر ملموس في محتوى جنيف 2، ولا سيما في اختصاص هيئة الحكم الانتقالي، التي ينبغي تمكينها من الصلاحيات الكاملة بما فيها السلطة على المؤسستين العسكرية والأمنية في خلال الفترة الانتقالية.

ولأن الصعوبات كثيرة وكبيرة أمام لجنة اجتماعات القاهرة في إنجاز مهماتها وخاصة المهمتين الأبرز، فإن جهودا أخرى ينبغي أن تصب في السياق نفسه، خاصة إذا كان خيار الحل السياسي هو الحل المطلوب، كما تقول معظم القوى الإقليمية والدولية الفاعلة، وعلى نحو ما يقول عدد كبير من أطراف وشخصيات المعارضة بمن فيهم قوى وشخصيات لم تحضر في القاهرة، وكما هو محسوس في أوساط سورية واسعة، أتعبتها سنوات الصراع المسلح في ظل واقع، يؤكد صعوبة الحل العسكري وصولا إلى درجة الاستحالة، وما يسببه استمرار الصراع من كوارث القتل والتهجير والتدمير بالتزامن مع تنامي الإرهاب والتطرف في صفوف النظام من جهة، وعند جماعات متطرفة مثل «داعش» و«النصرة» وغيرهما.

ومن أجل توسيع الجهود السورية والإقليمية والدولية في دعم فكرة الحل السياسي على نحو ما عبر عنه نداء القاهرة، فلا بد من تأكيد نقاط أساسية، أكدتها نقاشات المشاركين وحواراتهم في اجتماع القاهرة، وتضمنها النداء الذي صاغ الخلاصات، ومثلهما محتوى الجهود التي تبذل لعقد مؤتمر القاهرة في أبريل المقبل، وأبرزها ثلاث نقاط:

أولى النقاط أن نداء القاهرة ليس نصا نهائيا لا يمكن المساس به، بل هو إطار لفكرة الحل السياسي وروحها، يمكن أن يجتمع بالاستناد إليهما قوى وجماعات وشخصيات المعارضة، المتفقة على الحل السياسي، بما في ذلك قوى وشخصيات عسكرية، شاركت في الصراع، وهي تتبنى فكرة الحل السياسي، ويمكن أن تندرج فيه، وتكون فاعلية في الوصول إليه، وتطبيقه.

والنقطة الثانية، تأكيد أن اجتماع القاهرة، ومؤتمر القاهرة المأمول انعقاده، ليس هدفه خلق كيان سياسي جديد للمعارضة السورية على مثال الكيانات القائمة أو على أنقاضها، إنما له هدف محدد، وهو توافق أوسع طيف من المعارضة السورية على فكرة الحل السياسي، وضرورة الذهاب إليه في موقف موحد وقوي، وهو أمر يقرب بينها، ولا يمنع في الوقت نفسه استمرار وجود كيانات المعارضة القائمة حاليا من الائتلاف الوطني إلى هيئة التنسيق إلى أصغر قوة معارضة في سوريا وخارجها.

والنقطة الثالثة، أن اجتماع القاهرة ومؤتمرها المرتقب، لا يتصلان بسياسة المحاور الإقليمية والدولية في موقفها من القضية السورية أو في صراعاتها البينية. إنما هما على مسافة واحدة من تلك المحاور، همهما الأساسي كسب الدعم والتأييد للقضية السورية، ودفعها باتجاه حل، يوفر دماء السوريين، ويوقف معاناتهم، ويخفف من تداعيات القضية السورية على العالم كله وخاصة في قضايا الهجرة واللجوء والمساعدات، ومواجهة الإرهاب والتطرف، التي هي بين أبرز تداعيات القضية السورية. ومما لا شك فيه أن النقاط الثلاث السابقة، يمكن أن تزيل أي التباسات أو تحفظات من جانب قوى وشخصيات معارضة، لم تحضر اجتماع القاهرة، ولدى كل قوى إقليمية ودولية، لم تصلها شروحات وافية حول القاهرة ومخرجاته، وتوجهات اللجنة التي كلفها الاجتماع إدارة الفترة الفاصلة بين نهاية أعماله وانعقاد المؤتمر الوطني المقبل في القاهرة، وهو ما يفترض إطلاق مبادرات كثيرة، تشجع على عقد المؤتمر وإنجاح أعماله، التي لا شك أن آثارها ستكون إيجابية، ليس على المشاركين في اجتماع القاهرة، بل على كل السوريين والمهتمين بالقضية السورية.

===================

موقفنا : الدلالة المباشرة لتصريح دي ميستورا : شريك بشار الأسد وفي حكمه .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 16/2/2015

لم يلق التصريح الخطير الذي أدلى به المبعوث الأممي إلى سورية السيد دي ميستورا من المعارضة السورية ما يستحق من موقف عملي يحسم مادة الشر، ويغلق بابه ، ويضع حدا لتداعياته الخطيرة ، وما يمكن أن يجره على الثورة السورية والشعب السوري من سوء ...

ولم يكن كافيا – في رأينا – التوضيح الذي في سنده أكثر من مجهول والذي رواه بعض أطراف الائتلاف أن السيد دي مستورا أتبع تصريحه سيء الدلالة بتوضيح : ( لم يكن مقصودا بحرفيته ..) ، ولعل التوضيح جاء شاهدا إضافيا توضيحيا لقول العرب ( عذر أقبح من ذنب ) ..

كما أنه لم يكن كافيا التعقيب السريع والمشكور الذي تفضلت به كلُ من الخارجيتين الفرنسية والأمريكية على أن بشار ( القاتل ) لا مكان له في مستقبل سورية . التصريحان واللذان لم يتأخر رجال العصابة في دمشق وبيروت وطهران في استنكارهما ...

لقد أثبت السيد دي ميستورا خلال زيارات ثلاث قام بها إلى دمشق منذ شهر تموز / 7 / 2014 وجالس فيها بشار الأسد أنه كان أذنا واعية لكل ما يمليه عليه أو يطلبه منه الطاغية القاتل ...

وحتى المبادرة البائسة التي تقدم بها السيد دي ميستورا جاءت صورة محسنة عن عروض بشار الأسد فيما يسميه ( المصالحات )، التي يعقدها مع بعض البؤر الثورية تحت ضغط الحصار والتجويع والحرمان من أبسط حقوق الحياة . لقد لحظ كثير من المتابعين والمراقبين المحايدين أن المبادرة التي تقدم بها السيد دي ميستورا ، والتي زعم أنها محاولة لتخفيض مستوى القتل أكثر منها مبادرة لحل سلمي ، مشتقة مباشرة من مقترح بشار الأسد لهدنة تقود إلى عملية إعادة احتواء يحلم بها بشار الأسد وعصابته انتظارا لما أطلقوا عليه ( ساعة الحساب ...)

يظن بعض رجال المعارضة من صناع قرارها أن الاسترسال مع هكذا شخصيات وأدوار هو نوع من السياسة. والمسايرة لمجتمع دولي قوي يجب مصانعته ومسايرته ما داموا غير قادرين على الوقوف في وجه إملاءاته في الأشخاص والأفكار . وهذا في حقيقته تقدير للم خاطئ بل مدمر ، يرتبط أصلا بالخور وبضعف النفوس . إذ ينسى هؤلاء أن ثمن استراتيجية الاسترسال والتمرير هذه المزيد والمزيد من دماء الأبرياء من أبناء الشعب السوري ..

وكذلك فإن شخصية أممية وسيطة مثل شخصية دي ميستورا لا ينفعنا معها إدانة ولا شجب ولا استنكار . لقد كان أيسر ما يمكن أن يصدر عن قوى المعارضة في موقف رسمي حاسم اعتبار السيد دي ميستورا وسيطا غير نزيه ، ومبعوثا غير مرغوب فيه ، وتثبيت توافق لجملة القوى المعارضة السورية يتبنى رفض أي تعاون أو لقاء أو تنسيق مع السيد دي ميستورا على أي مستوى من المستويات ...

إن موقفا حاسما وصلبا مثل هذا يجعل أي بديل للسيد دي ميستورا يفكرا طويلا قبل أن يفتح فمه لينثر التفوهات الضارة والخطيرة واللامبالية ...

إن دي ميستورا الذي كان يشرب القهوة على مائدة بشار الأسد عندما كان الطاغية الجزار يصعد مجزرته في دوما هو شريك مباشر لبشار الأسد وحكمه حكمه في كل شيء ...

لا لقاء ولا حوار مع الطاغية وشركائه أجمعين

لندن : 27 / ربيع الآخر / 1436

16 / 2 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

===================

حرب درعا ومتّهمو المقاومة بالانحراف .. حسام عيتاني

الحياة- الاحد 15-2-2015

يقود ضباط «حزب الله» و «الحرس الثوري» الإيراني الهجوم الأخير في ريف القنيطرة وشمال غربي درعا. وتقول الأنباء أن المهاجمين حققوا تقدماً واستعادوا بلدات وتلالاً استراتيجية كانت قوات المعارضة سيطرت عليها في وقت سابق قبل أن تشن هذه هجمات معاكسة.

يضاف هذا التطور الميداني الذي يقال أنه محاولة لوقف تمدد مسلحي الجبهة الجنوبية نحو ريف دمشق، إلى سلسلة المشاركات الواسعة لمقاتلي «حزب الله» في الحرب السورية بعد معارك القصير ويبرود ومعلولا والقلمون، إضافة إلى وجودهم الكبير في مناطق السيدة زينب وريف دمشق وصولاً إلى حلب وحمص، وهذه الأخيرة اعتبرت مسألة محض إيرانية لم يمكن التوصل إلى تسوية لوضع مقاتلي المعارضة في أحيائها القديمة إلا بتدخل مباشر من المسؤولين العسكريين الإيرانيين الذين أشرفوا على المفاوضات والترتيبات اللوجيستية التي أفضت إلى خروج المقاتلين من البلدة القديمة.

في غضون ذلك، ما زالت أصوات تعلو معتبرة أن «حزب الله» بمشاركته في الحرب السورية انحرف عن دوره كقوة مقاومة هدفها المفترض الوحيد حماية لبنان من أي عدوان إسرائيلي.

في الوسع إثبات خطل هذا الفهم لماهية المقاومة ووظيفتها، ليس في السياسة والدفاع فحسب، بل في مجالات الثقافة والاجتماع أيضاً، والقول أن المقاومة التي يقودها «حزب الله» إنما تؤدي بالضبط دورها الدقيق، ليس بتنفيذ استراتيجية إيرانية فحسب، على ما يود الخائفون من التوسع الإمبراطوري الإيراني قوله، بل أيضاً في تعبيرها عن أزمة عميقة في بنية الاجتماع السياسي والدولة في المشرق العربي. بل يمكن القول أن ما يفعله الحزب هو تطبيق مفهوم المقاومة في المعطى السياسي الراهن.

وليس مصادفة أن يتشارك الحزب اللبناني مع الميليشيات الحوثية في اليمن و «الحشد الشعبي» العراقي في صفات تتجاوز بأشواط الانتماء المذهبي والولاء لإيران إلى الموقف من الدولة والسلطة السياسية، ومحاولة إعادة تعريفهما بما يضمن دوراً مقرراً وأرجحية حاسمة في سياساتها وتوجهاتها الداخلية والخارجية.

ذلك أن المقاومة تعريفاً هي البديل الأهلي عن دولة أخفقت في أداء واجباتها المفترضة، سواء في الدفاع عن الأرض ضد المعتدي الأجنبي أو الحفاظ على الهوية الثقافية والدينية، كما يُفهم من دراسات ما بعد الاستعمار (البوست كولونيال). وفي استعراض للحالات التي شهدت ظهور قوى المقاومة، المسلحة والسلمية، يلاحظ بسهولة غياب الدولة الوطنية أو تعليق عملها أو وقوعها في لجة صراع أهلي محتدم. تمتد الحالات هذه من فيتنام أثناء الاحتلالين الفرنسي ثم الأميركي والجزائر في حرب التحرير ضد الاستعمار الفرنسي، وصولاً إلى لبنان الذي بدأت مقاومته ضد الاحتلال الإسرائيلي في وقت كانت الدولة قد تلاشت. ينطبق الأمر ذاته على حركات المقاومة الأوروبية أثناء الاحتلال النازي لفرنسا وهولندا ودول أوروبا الوسطى والشرقية.

المقاومة الثقافية التي يطنب كتاب دراسات ما بعد الاستعمار في الحديث عنها لا تشكل استثناء. فالتمسك بالخصائص المحلية من لغة وتقاليد وعبادات وعادات، يبدو عملاً مجتمعياً أقرب إلى الدفاع عن النفس أمام هجوم ثقافة المستعمر وعاداته، وسط انعدام الدفاع المؤسسي الذي كان على هيئات الدولة توفيره.

غني عن البيان أن هذه الحالات جرت في بقاع انهارت فيها بنى الدولة القديمة تحت ضغط الاحتلال والاستعمار، وفي ظل محاربة دولة الاحتلال كل محاولات تشكيل بدائل وطنية، كما فعلت فرنسا في قمعها العنيف مساعي الأمير عبدالقادر الجزائري تشكيل دولة تتولى مهمات تلك التي أطاحها نزول القوات الفرنسية إلى أرض الجزائر.

تعبر حركات المقاومة عن فراغ في هيكل الدولة نتيجة الاحتلال أو بسبب الافتقار إلى الإجماعات الوطنية الكبرى. والسمة الأخيرة هي ما نعثر عليه في المشرق العربي. عليه، يمكن فهم ذلك المديح المتبادل، بين «حزب الله» و «حركة أنصار الله» التي منحتها وسائل الإعلام الإيرانية (قناة «العالم» على سبيل المثال) صك الانتماء إلى محور المقاومة، وهو ما باركته حركة الجهاد الإسلامي.

التمدد المسلح إلى الداخل السوري من جانب الميليشيات العراقية واللبنانية ينطوي، وفق هذا المنظور، على أكثر من مد يد العون إلى الحليف السياسي (والمذهبي) الذي يقاتل للحفاظ على سلطته المتآكلة. فهو يشير إلى حالة الفراغ في السلطة التي تعاني سورية منها وتحولها بالتالي إلى أرض قابلة لشكلين من البدائل: المقاومة المعبرة عن نهاية السلطة المركزية السابقة التي عرفتها البلاد منذ الاستقلال، ومقاومة المقاومة (إذا جاز التعبير) الذي تمثله محاولات بناء دولة جديدة هي الخلافة التي يروّج لها تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام - داعش».

أما ما تقاومه المقاومة هذه فيحتل درجة متأخرة في سلم الأولويات، كما بيّنت تجربة «حزب الله» في لبنان بعد الانسحاب الإسرائيلي في 2000. ذلك أن هشاشة الدولة الوطنية وجيشها ومؤسساتها، كانت كفيلة بتوفير الذرائع الكافية للحزب لتبرير الاحتفاظ بسلاحه. وهو مصر على الاحتفاظ به إلى أن «تقوم الدولة القوية»، من جهة، لكنه غير معني بالإجابة عن السؤال البسيط: كيف تقوم الدولة بوجود جيش رديف أقوى من الجيش الوطني؟

لا ترتبط الدورة المفرغة من الأسئلة والإجابات المشابهة بضرورات الاستراتيجية الإيرانية وحدها. بل الأرجح أن تستمر ويتفاقم خطرها على ما تبقى من عوامل اتحاد بين مكونات هذه المنطقة، ما دام الاختلاف شاسعاً حول أساسيات السلطة المتصورة.

===================

تُجار النزاعات .. د. وائل مرزا

الشرق القطرية - الاحد 15-2-2015

لا ينتفع العرب بشيءٍ إذا تعاملوا مع العالم بمنطق الاستقطابات والمحاور على العكس من ذلك تماماً، يخسرونَ احترامهم، يرمون مصداقيتهم وراء ظهورهم، ويُضيّعونَ مشروعية وجودهم واستمرارهم في نظر شعوبهم قبل نظر العالم، تظلُّ هذه الحقائق تفرضُ نفسها مهما جمّلَ لهم البعض انقسامهم، ووجدوا له الأعذار والتبريرات (المنطقية)، ومهما تمّ إغراءُ طرفٍ من هنا بمكاسب آنية، وطرفٍ من هناك بجوائز ترضية تكتيكية، لا تُقدّم ولا تُؤخر في حلبة السياسة الدولية.

رغم هذا، لا ينتظر المرء من جميع أطراف النظام السياسي العربي إدراك الحقائق المذكورة، فضلاً عن صناعة القرار بناءً على مُقتضاها، ولأسباب عديدة قد لا تكون ثمة حاجةٌ للتفصيل فيها، من هنا، يكفي وجود من يدرك تلك الحقائق، ويعمل لإقناع الآخرين بأن حداً أدنى من الإجماع العربي يمكن أن يحقق (المصالح)، وتحديداً حين يكون في ذلك الإجماع انسجامٌ مع الموقف الشعبي العربي، وبما يحقق طموحات الشعوب وآمالها، هكذا يتم بناء المشروعية السياسية، ومع بناء المشروعية تظهر المصداقية ويعود الاحترام، في عالمٍ لا يفهم إلا عندما تُخاطبهُ بتلك اللغة.

وقد يكون من عجائب المفارقات أن يكمن وجه الاختلاف في اللغة العربية بين كلمتي (المصالحة) و(المصالح) في حرفٍ واحد!

لكن مصدر التحدي الأكبر في وجه المصالحة وصانعيها سيتمثل دائماً في أصحاب المَصَالح المنتفعين من (صناعة النزاعات).

في أحد الأفلام الخيالية التي تدور أحداثها خلال العقد الثامن من القرن الفائت، يقوم بعض الأبطال الخارقين بأعمال تؤدي إلى استتباب السلام والمصالحة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بشكلٍ كامل، وكنتيجةٍ لتلك المصالحة، يسود الأمن والوئام بين شعوب العالم وتختفي الحروب والنزاعات، فنرى مدير تحرير إحدى الصحف الأمريكية يصرخ في وجه كبير المحررين قائلاً: "ما هذا الذي يجري؟! لم يعد لدينا أخبار، كل ما نراه هو شعوب العالم المختلفة وكلٌ منها يضع يده في يدِ الآخر، يبتسمون ويساعدون بعضهم إلى درجةٍ مملة، هذه ليست أخباراً، ابحث لي عن أخبار كالمعتاد بأي ثمن"!،

هذه صورةٌ معبرةٌ لشريحةٍ من بني البشر تعيش على وجود الصراع في هذه الأرض، وتقتاتُ من استمرار النزاعات البشرية، هذا نموذجٌ إنسانيٌ لا يستطيع أن يكون له دورٌ في هذه الحياة بمعزلٍ عن (صناعةٍ) كبرى ومعقّدة ومتعددة الأطراف لا يسمع بها الكثيرون، اخترعَها الطمع البشري، اسمها (صناعة النزاعات).

كثيرون هم المنتفعون من تلك الصناعة على مستوى الدول والمنظمات والأفراد، والرأي العام العربي يعرف غالبية هؤلاء، لكن الحقيقة، كما يوحي المشهد السينمائي المذكور، أن بعض أهل الإعلام باتوا جزءاً لا يتجزأ من تلك الصناعة، لا يسري هذا على الواقع العربي فقط طبعاً، وإنما توجد ملامحه في كل مكان من العالم، فاشتعالُ النزاعات يعني اشتعال المنافسة بين المصالح، وكلما كانت النزاعات كبيرةً وشاملة كانت المصالحُ أكبر، وكلما كبُرت المصالح ارتفع حجم المكافآت والعوائد التي يجنيها مَن يخدمون تلك المصالح، وبما أننا نعيش في عالمٍ أصبح الإعلام يُعتبر السلاح الأول في معاركه السياسية والثقافية، فإن هناك إغراءً شديداً لأهل الإعلام للاستفادة من هذا الوضع، ولتحقيق مكاسب لا يمكن تحقيق جزءٍ منها في أوقات الاستقرار والسلام.

لا يمكن أن تفوتك معرفة أفراد هذه الشريحة، لأن عجزهم الحِرَفي الفاضح في زمن السلم يكشف حقيقة إمكاناتهم الإعلامية، لا يعني هذا أنهم فاشلون في استخدام اللغة أو أنهم يفتقرون للذكاء، بل ربما كان الأمر على العكس من ذلك، لكن بؤس البشرية معهم يتمثل في أن قدراتهم المذكورة لا تظهر إلا في وقت صناعة الأزمات، ويبدو الحديثُ معهم عن مهمةٍ نبيلة للإعلام تتمثل في رفع ذائقة الناس ووعيهم، وفي تأكيد معنى التعارف بينهم، يبدو بمثابة (الكليشيه) التي تثير الملل، وحين ترى مَن يختفي ويتوارى منهم في زمن السلم والاستقرار، ثم يظهر في وقت الأزمات والنزاعات ليصبح مالئ الدنيا وشاغل الناس، ولتصعد أسهمه إلى السماء بعد أن كانت في الحضيض، وليُصبح في صَدرِ الصفحات بعد أن كان ضائعاً في زاويةٍ هامشية من صفحاتها أو أبوابها الداخلية، فاعلم أنه واحدٌ من أولئك، وإذا كان لكل الحروب أثرياؤها الذين تزيد أرصدتهم وتتضاعف من دماء الشعوب، فهؤلاء يُشكّلون شريحةً منهم دون شك.

لا يعلم أغلب الناس في العالم، ولا يعلم القراء والمشاهدون والمستمعون العرب على وجه التحديد مدى سهولة الانضمام إلى صناعة النزاعات بالنسبة لإعلامي ينحاز لذلك الخيار، ولا يدركون حجم المكاسب المادية والمعنوية التي تنتج عن مثل هذه الممارسة، فهناك ألف طريقة وطريقة لصبّ الزيت على النار في هذا المجال، يمكن للمراقب أن يرصدها في عشرات المقالات والتحليلات وزوايا الرأي التي تُحرّف الحقائق، وتتلاعب بالألفاظ والمصطلحات، وتُخفي ما يجب أن يعرفه الناس، وتُركّب صوراً ذهنيةً لا أصل لها، وتستعمل خلط الحقائق والأوراق، وتستخدم اللغة لاستخلاص نتائج خاطئة من مقدمات صحيحة، وتقول جزءاً من الحقيقة لتوظيفها في تركيب كذبةٍ كبيرة، وتؤكد على لغة التهويل والتخويف وإثارة الذعر، وتلجأ لأسلوب التحريض السافر حيناً والمستتر حيناً آخر.

لا يمكن للمصالحة العربية أن تكتمل في يوم من الأيام دون أن تكون مُنسجمةً مع ما يُحقق مصالح الشعوب وحقوقها وطموحاتها المشروعة، لكنها لا يمكن أن تبدأ، أصلاً، قبل أن يجد العرب، حكاماً ومحكومين، طريقةً للتعامل مع تجار صناعة النزاعات.

===================

رجالات سورية - المفكر والمناضل السوري سليم الجزائري .. محمد فاروق الإمام

ذات نهار عربي من عام 1916 كان كوكبة من عشاق الحرية العرب يتأهبون لملاقاة الموت أمام المشانق التي نصبها جمال باشا السّفاح في دمشق وبيروت بعد محاكمة صورية في سجن عالية بلبنان، وبين هذه الكوكبة كان سليم بن محمد بن سعيد الجزائري الحسيني، ولد في دمشق عام 1879. نشأ وترعرع في بيت علم وتقوى، فعمه الشيخ طاهر الجزائري أشرف هو ووالده على تربيته، وتفتحت عين سليم الجزائري على ما يدور حوله من نشاطات الحلقة العلمية السياسية، وكان في مقدمتها حلقة عمه المعروفة بحلقة الشيخ طاهر الجزائري الذي عمل مفتشاً للمعارف، وعمل على إصلاح نظم التعليم في سوريا، وجمع رجال العلم والمعرفة والثقافة في دمشق حوله، في حلقة أدبية ثقافية، تدعو إلى تعليم العلوم العصرية، وتعتني بتاريخ العرب وتراثهم العلمي.

تلقى سليم الجزائري تعليمه الأولي في المدارس الابتدائية الأميرية، حيث درس القرآن الكريم والإملاء ومبادئ العلوم، ثم أدخل المكتب الرشدي العسكري حتى يتلقن مبادئ الرجولة والحزم. وبعد الانتهاء من دروسه في المدرسة الحربية، تخرج ضابطاً من ضباط أركان الحرب، فتم تعيينه في الدائرة العسكرية في دمشق، وعندما حدثت الفتنة الشهيرة في اليمن، بعث الجزائري لإخمادها مع عزت باشا الألباني، فسقط أسيراً هو ومجموعة من الضباط، وبقي في الأسر بضعة أشهر عانى فيها معاناة شديدة وذاق ألواناً من البؤس والجوع.

وعلى الرغم من إخلاص الجزائري وتفانيه في خدمة الدولة العثمانية لم ينج من الظلم، ولما حدث الانقلاب الاتحادي عام 1908، اعتقد الجزائري أن له دوراً جديداً يلعبه هو وزملاؤه في مسيرة الحياة التي بشر بها الاتحاديون والدستور، فكان في مقدمة الضباط السوريين حيث أسندت إليه الشؤون العسكرية في دائرة أركان الحرب، وحقق انتصارات كبيرة في مقدونيا، وكلف بالقضاء على (إبراهيم باشا الملى) الذي كان يدبر مع جنوده مؤامرة، وبعد الانتهاء من هذه الفتنة كان هناك مؤامرة أخرى تحاك لهم في الخفاء، حيث اتهم الجزائري ورجال العهد الجديد بأنهم يطالبون برفع الحجاب عن النساء، فحصلت بلبلة مما دعا إلى اجتماع حافل في حي الميدان من أجل إطفاء هذه الفتنة، وألقى الجزائري خطبة أذهل فيها الحاضرين بما يتمتع به من ثقافة وبلاغة وحسن منطق. وعندما زار الشيخ رشيد رضا دمشق وألقى دروساً في الجامع الأموي، جعل ذلك سبباً للطعن بالجزائري لأنه على حد زعمهم هو الذي كان يشجعه على إلقاء دروسه المخالفة لما اعتادوا عليه، وقد خرج الجزائري من سورية بعد هذه الفتنة وهو يؤمن أن الاتحاديين وأعوانهم كانوا وراء إخراجه حتى يضعفوا الصوت العربي في الجيش العثماني.

سافر الجزائري إلى اسطنبول وعين مدرساً لمادة الجغرافيا في المكتب الحربي، وكان لدروسه صدى كبير في نفوس الضباط العرب، وكان يضرب الأمثلة على القيادة العربية من تاريخ العرب المضيء أمثال خالد بن الوليد ونبوغه في القيادة العسكرية،، مما جعل مدير المكتب يتعرض له أكثر من مرة، وكان جواب الجزائري: (إن الأمم التي ليس لها أبطال في القرون الخالية تفتخر بهم يجوز لها أن تستعير الأبطال الغرباء وتتغنى بأسمائهم، وهذا من صفات الأقوام الحقيرة التي لا يأبه لها. والعربي الذي يغفل (خالد بن الوليد) ليتغنى بنابليون هو صعلوك ما ذاق الأنفة ولا عرف عزة النفس).

عندما خرج الجزائري من دمشق ما لبث أن رأى السياسة الاتحادية شبحاً جديداً كان يتراءى له من قبل من حين لآخر بصورة مغشاة بعيدة، لكنه هذه المرة بدا قريباً واضحاً يكاد يلمس باليد. هذا الشبح هو الفتى الطوراني يحمل بيده سكيناً يذبح بها الإنسان العربي في فراشه، وازدادت هذه الصورة وضوحاً لدى الجزائري عندما زار ولاية (أضنة) واطلع على المذبحة الأرمنية التي حدثت هناك في نيسان سنة 1909. فتتبع حركات رجال الثورة واطلع على أناشيدهم الحماسية وهناك نظم أول نشيد عربي حماسي أقبلت عليه المدارس العربية والشارع العربي إقبالاً كبيراً حتى كاد يصير النشيد الوطني أنشودة تغنى على كل لسان عربي آنذاك.

شغل سليم الجزائري في أواخر حياته الكثير من المناصب منها: رئاسة أركان الحرب الفرقة التي استرجعت أدرنة من البلغاريين بعد حوادث في الحرب البلقانية الثانية، وكان الجزائري أول ضابط عربي دخل تلك المدينة بعد وقوعها بيد البلغاريين، ثم صدر أمر تعيينه قائداً لإحدى الآليات فيها. ثم انتخب عضواً في هيئة أركان الحرب في الدردنيل، وساهم مساهمة فعالة في رسم الخطط الحربية من أجل الدفاع عن المضائق ثم تقرر نقله إلى ولاية أزمير بوظيفة لا تتناسب مع مؤهلاته وخبراته بسبب مجاهرته بآرائه التي عالج فيها سياسة العرب والترك، وتصعيده للروح القومية في نفوس الضباط العرب في الجيش العثماني، وكان من مؤسسي الجمعية القحطانية وجمعية العهد وجمعية فتيان العرب والتي تقوم جميعها بالمطالبة بالمساواة بين العرب والترك.

بقي سليم الجزائري في ولاية أزمير حتى عام 1916 حيث صدر أمر تعيينه قائداً لسواحل سورية، فسافر على عجل، ولما وصل إلى عالية في لبنان أبلغه ضابط المحطة أن الديوان العرفي يحتاجه في مسألة بسيطة فذهب معه، وهناك تم تجريده من أسلحته، وبلغ الأمر بتوقيفه، فشعر حالاً بالحيلة وبالموت الذي ينتظره هو وأصحابه أعلام الحرية والفكر والأدب الذين وجدوا داخل السجن، فأخذ ينظم الأناشيد الحماسية في الأمة العربية.

فجر يوم السادس من أيار 1916، سيق الجزائري إلى حبل المشنقة وهو مرتد بزته العسكرية، ولما هم الجلاد بأن ينتزع نظارته صاح به: (إليك يا هذا عني فإني أريد أن أموت وأنا مثل ما كنت آمر جنودي، قل.. لجمال لا يسترسل في السرور إذا رآني أموت، فإن روحي لا تزال حية وستطبع في نفوس العرب محبة الوطن، ثم التفت إلى زملائه وقال: لو متنا على فراشنا لكان لنا أقرباء ميتون على هذه المشانق، حيث يولي ألوف من الرجال والنساء وجوههم شطرنا، وتقوم أمة بأسرها فتبكينا دماً لا دمعاً. وتلك الأمة العربية التي تعظم حياتها بموتنا).

أتقن سليم الجزائري بالإضافة إلى اللغة العربية اللغة التركية والفارسية، وكان مولعاً بالرياضيات، إذ ألف كتاباً في المنطق طبع باسم (ميزان الحق) خرج به على الطريقة القديمة، كما اخترع (بركاراً) لطيفاً يحمل في الجيب لرسم الخطوط المستقيمة والمتوازية والدوائر وغيرها وقرر أن يرسل إلى أوروبا من يسجله له باسمه ولكن الحرب حالت دون ذلك.

==================

تطورات مشحونة بالاحتمالات .. ميشيل كيلو

العربي الجديد - الاحد 15-2-2015

تطوران علينا التحسب لهما، والاستعداد لوقوعهما في القليل الباقي لنا من زمن، قبل قدوم شهر يوليو/تموز من عامنا الحالي: الموعد الذي حدده جون كيري، وزير خارجية أميركا، موعداً أخيراً للتوصل إلى تفاهم نهائي حول برنامج إيران النووي بين مجموعة الخمسة زائد واحد وإيران.

لا حاجة إلى إبراز أهمية ما يدور بين واشنطن وطهران من مفاوضات تقتصر، ظاهرياً، على برنامج الأخيرة النووي، لكنها ستتعداه، بالتأكيد، إلى قضايا متنوعة تتعلق بمستقبل، وربما بمصير، المشرق العربي والخليج ومناطق أخرى خارجهما، يقدر المراقبون والخبراء أنها ستبدأ بتفاهم استراتيجي حول سياسات مختلفة للملالي تجاه منطقتنا، مع ما سيترتب عليها من نتائج وآثار حاسمة بالنسبة إلى بلادنا وشعبنا والنظام الأسدي بالذات، بفضل دور تقر أميركا فيه بمكانة خاصة لمصالح إيران في المشرق العربي، يرجح أن تصل نتائجها إلى الخليج، ولو بعد حين، وأن يتراجع اعتمادها على الأطراف الشيعية الموالية لها في هذه البلدان، في مقابل تزايد دورها كدولة، ودور أجهزتها المباشرة في محيطها العربي والإسلامي، تمهيداً لفترة لاحقة، قد لا تكون بعيدة تنهض على علاقة استراتيجية جديدة مع إسرائيل التي تبرز أكثر فأكثر قوة مرشحة للعب دور أكبر في الفترة التالية للصراع السوري، ستكون خلالها شريكاً تمس الحاجة إلى دوره من أجل ضمان وضعٍ يلي التفاهم الأميركي/ الإيراني المأمول، بالارتباط مع تسوية الوضع السوري المرتقبة، ووضع اليد على برنامج الصواريخ الإيرانية الذي يحرص الغرب وإسرائيل على

وقفه، وحجتهم أن من سيتعهد بالتخلي عن السلاح النووي لن يكون بحاجة إلى صواريخ ناقلة لها إلى أراضي الغير عامة، وإسرائيل بصورة خاصة.

ثمّة احتمالان يطرحهما التطور المرتقب في العلاقات الأميركية/ الإيرانية، أولهما التوصل إلى اتفاق بين الدولتين، يحترم مصالح إيران في محيطها العربي، مقابل تخليها عن برنامجها النووي، وقدراتها الصاروخية بعيدة المدى. في هذه الحالة، سيكون من الضروري اتخاذنا كل ما يلزم من تدابير مسبقة، لمواجهة تفاهم يحابي النظام الأسدي الذي يرجح أن يكون استمراره جزءاً من الصفقة. أما الاحتمال الثاني، فهو فشل أميركا في التوصل إلى الاتفاق المطلوب حتى شهر يوليو/تموز المقبل، واضطرارها إلى الرد على إيران في خاصرتها السورية الرخوة، مع ما سيتطلبه توجهها من تصعيد متنوع الأشكال في سورية، من واجبنا الاستعداد المسبق له منذ اليوم، لاحتمال أن تستهدف سياسات واشنطن كسر النظام، أو إضعافه إلى حد يرغم طهران على التخلي عنه، أو قبول تسوية نكون طرفاً رابحاً منها، مع ما قد يحدثه موقف أميركا من تبدل في سياساتها تجاه قضيتنا، لطالما اعتبرناه شرطاً رئيساً لبلوغ حل دولي، تكرسه أوضاع محلية وإقليمية تقلص دور روسيا في بلادنا، وقدرة طهران على دعم نظامها، والمشاركة في الحرب ضد شعبها.

لم يبق لدينا وقت كثير. لذلك، "يستحسن" أن نبادر إلى اتخاذ تدابير عملية فورية، تمكننا من مواجهة الاحتمالين بنتائجهما المتناقضة اللذين سيتوقف عليهما مصيرنا، وقد تكون نهاية ثورتنا في أولهما، بينما يقربها ثانيهما من انتصار نضحي في سبيل إحرازه منذ نيف وأربعة أعوام.

تحدثت عن احتمالين متناقضين، فلا بد من أن نعمل لتقليص مخاطر أولهما وتعظيم فرص نجاح ثانيهما. أخيراً، يصير الاحتمال واقعياً بقدر ما نقيم شروطاً تضمن تحققه، فهل نفعل هذه المرة، ولو من قبيل الاستثناء والمصادفة؟

====================

عنقود عنب دوماني .. رشا عمران

العربي الجديد - السبت 14-2-2015

من الصعب على سوري عاش يوميات الثورة السورية، في سنتها الأولى (2011)، أو تابع تفاصيلها، أن ينسى اللافتة الكبيرة التي حملها ثوار دوما في التاسع من شهر يوليو/ تموز، وخطوا عليها قول الله تعالى في سورة المائدة (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني، ما أنا بباسط إليك يدي لأقتلك). كانت تلك اللافتة في مقدمة إحدى المظاهرات الرائعة في مدينة دوما، (أقل من تسعة كيلو مترات عن قلب دمشق)، وقد تكون إحدى الصور الأبهى عن مسار الثورة السورية في ذلك الوقت: التمسك بالسلمية في مقابل العنف الأمني المسلح، والتمسك بالمدنية ضد الهمجية العسكرية والأمنية، والتمسك بشراكة الوطن ضد من استباحوا هذه الشراكة، لم تكن اللافتة استثناءً في دوما. يتذكر الجميع أيضاً يوم صدحت من جامع دوما الأكبر أغنية الفنان سميح شقير الشهيرة (يا حيف)، أغنية تذاع من الجامع!! هذا أيضاً كان ردا مدينيا على من اتهم دوما يومها بالإرهاب السلفي الريفي، ويتذكر الجميع، أيضاً، ذلك الرجل العجوز، أبو صبحي الدرة، بائع البقدونس الذي كان يمشي وحيداً، ملقيا قصيدة أصبحت إحدى علامات الثورة (يا فتية الشام للعلياء ثورتكم). وكان أبو صبحي الذي استشهد، بعد وقت قصير برصاص قناص حاقد، يرد بقصيدته تلك على كل من وصم أهل دوما بالتخلف والجهل. كانت دوما، في تلك الفترة، تفاخر بأهلها وثوارها وثائراتها، وعلى الرغم من تعرضها لمجزرة تلو أخرى، إلا أنها كانت تفاخر، أيضاً، باستقبالها مئات الناشطين السوريين المدنيين الذين رغبوا في تحويل تجربة حرية دوما إلى ما يشبه المثل عمّا يجب أن تكون عليه إدارة المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، لكي تستحق لقب المناطق المحررة. انتشار القناصين على الأسطح المجاورة لها وتعرضها اليومي للقصف، وخنقها بحصار قاتل، لم يمنع ناشطي الإغاثة من دخولها، بابتكارهم طرقاً مذهلة للابتعاد عن حواجز الأمن والجيش، ولم يدفع سكانها وأهلها إلى مغادرتها، ولم يتخل الناشطون عنها، ولم تتوقف ثائراتها عن إيجاد بدائل يومية للحياة.

كانت تجربة دوما أكثر تجارب الثورة السورية المدنية ابتكاراً ونمواً وتطوراً، حتى بدأ المال السياسي لعبته بها، وظهر المجاهدون من كل الأجناس والانتماءات، وبدأت صراعات الكتائب ومحاولات التسلط والاستفراد بالبلدة، وطوال هذه المدة، منذ البداية إلى الآن، لم تنج دوما يوماً من القصف. ظلت تقصف من الطائرات، وترسل إليها الصواريخ القاتلة من قمة جبل قاسيون، وتم إطباق الحصار عليها، فتك الجوع والمرض بأهليها، ومورس عليهم كل ما يخطر في البال من صنوف القهر، واستثمر الحصار أمراءُ الحرب داخلها، وفرضوا على المدنيين فيها توجهاتهم ورؤاهم بقوة السلاح. حرم أطفالها من حياتهم، وحرم من بقي منهم من طفولتهم، ومن بقي من شبابها الثائر المدني حياً نجا بحياته من الموت والاعتقال، إذ كان يكفي أن يكون الشاب (دومانياً) كي يكون مطارداً وملاحقاً ومعتقلاً حتى الموت.

تلك هي دوما، وتلك كانت ثورتها، نبيلة وفاتنة وجريئة وجاذبة، وذات جمال يصيب بالعدوى، كان على هذا الجمال أن يبتر، أن يظهر ما هو ضده. الرايات السوداء التي ارتفعت. الكتائب التكفيرية التي تشكلت وتسلحت. أمراء الحرب الذين ظهروا بجيوشهم فيها. حصارها الطويل وقصفها اليومي والفتك بكل مواطن الجمال والحياة فيها. عوقبت دوما على فرادتها في بداية الثورة، وعلى جمالها الطويل، وتُعاقب اليوم بمحاولات متواصلة لتدميرها، وقتل وتهجير من بقي من أهلها، بإلقاء حمم الموت عليها، على أن صرخة امرأة دومانية من قلب الدمار، أول من أمس، وهي تقول (ماعاش يلي بدو يمحي دوما من الوجود) تكفي، وحدها، للرد على المبشرين بالموت والخراب، سراً وعلناً. إنه العنب الدوماني الذي يثمر ويقطر حلاوة، على الرغم من عطشه الشديد.

===================

حرب الإبادة في دوما وغوطة دمشق .. برهان غليون

العربي الجديد - الجمعة 13-2-2015

تعيش دوما وبقية مدن الغوطة الشرقية لدمشق، منذ سنتين، تحت حصار وحشي، حوّل حياة سكانها إلى جحيم دائم، وهدد أبناءها بالمجاعة، ودفع القسم الأكبر منهم إلى حياة التشرد والهجرة. وهي تتعرض، منذ أيام، إلى حملة إبادة منظمة، بكل وسائل العنف والوحشية، أمام صمت العالم وشلله.

لم تجد قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن العديدة التي صدرت لوقف الحصار والقتل العشوائي للمدنيين، ولا نداءات السوريين، وتوسلات أطفالهم، ولا موجات نزوح السكان، وهجرتهم وتشردهم التي اعتبرتها منظمات حقوق الإنسان أكبر كارثة بشرية في هذا القرن، في تحريك ساكن. ولا تزال الدول الكبرى التي لا تكف عن التأكيد على ضرورة احترام الشرعية الدولية، والقانون الإنساني، حانثة بوعودها والتزاماتها تجاه حماية المدنيين، وحريصة على رفض "التورط"، والمقصود التضامن مع السوريين، في ما تسميه، باطلاً، الحرب الأهلية السورية، وهي ليست سوى حرب إبادة شاملة، تشنها طغمة جائرة على شعب أعزل، للاحتفاظ بالسلطة، وحرمان السوريين من حقوقهم الطبيعية.

ومع ذلك، لا يشك أحد في أن المسؤول الأول عن جرائم الحرب التي ترتكب في سورية هو نظام الأسد وحلفاؤه في طهران وموسكو، ومن يتعامل معهم من المرتزقة والوصوليين، في الداخل والخارج.

كما لا يشك أحد في أن قسطاً كبيراً من المسؤولية في ما آلت إليه الأمور يقع على عاتق المجتمع الدولي الذي تنكر لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان، ورفض أن يقدم أي تضحية تذكر من أجل حماية الشعب السوري من جرائم الإبادة الجماعية المستمرة منذ سنوات.

لكن الاعتراف بهذه المسؤوليات، والوقوف عندها، لن يقدم السوريين في شيء، ولن يساعدهم على الخلاص من محنتهم. ولا بد من التذكير بالمسؤولية الكبيرة التي تقع على قوى الثورة والمعارضة، نتيجة اتباع سياسات جعلت من الصراع في ما بينها، وانقساماتها، محور نشاطها الأول، وحيدت جزءاً كبيراً من قواها وجهدها في المعركة الرئيسية، وشوهت صورتها وسمعتها، وأغلقت الكثير من أبواب التضامن والدعم والتعاطف تجاهها. ولا يقلل تقصير العالم في حق السوريين من مسؤوليتنا، نحن السوريين، الفشل، لأسباب ذاتية وموضوعية، في توفير الشروط الضرورية، لتعبئة طاقات شعبنا وتوحيدها لفرض إرادتنا واحترام حقوقنا على العالم. هكذا بقينا نقاتل كل لوحده، ونتنازع في ما بيننا على القيادة والزعامة، ونتقوقع في قرانا وأحيائنا ومدننا. والنتيجة افتقارنا، حتى اليوم، إلى قيادة موحدة، وخطة وطنية شاملة لتحريك القوى، المسلحة والسياسية، على الساحتين الداخلية والخارجية، واستراتيجية لتفكيك النظام، وتحرير الأرض، وأكثر من ذلك مسؤولية خلافاتنا في تقديم ذريعة سهلة للدول، حتى تنفض يدها من قضيتنا، وتنأى بنفسها عن مساعدتنا، على الرغم من أنها لا تزال تحرص على عدم الاقتراب من نظامٍ أصبح التعاون معه، في أي شكل، عنواناً للتواطؤ، وتهمة للضلوع في الحرب الدموية اللاإنسانية التي يخوضها ضد شعب كان يعتبر شعبه.

ما هو مطلوب، اليوم، أكثر من الرسائل والنداءات والاسترحام للمجتمع الدولي، والأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، بعد أن تبين عجزها وشللها وافتقارها لأي نوع من الصدقية. وينبغي أن أقول، إن جميع الرسائل المفتوحة، وغير المفتوحة التي وجهناها إلى الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، في الأشهر الأخيرة، بقيت حبراً على ورق، وهو لم يكلف نفسه حتى بالرد عليها، خجلاً أو عجزاً أو قلة اعتبار.

 

لن يتحرك العالم، ما لم نبدأ، نحن أنفسنا، بالتحرك لصالح قضيتنا، ونجبر الآخرين على

"علينا وحدنا، نحن السوريين، تقع مسؤولية مراجعة خططنا وتنظيم قوانا، كي نوقف حرب الإبادة التي يشنها نظام الخيانة والتآمر الدولي على شعبنا" التحرك معنا، لوقف الحرب العدوانية التي ما كان ممكناً أن تستمر لولا تدخل الدول الأجنبية، وعلى رأسها إيران وروسيا، وسكوت المجتمع الدولي عن هذا التدخل الذي تحول إلى تواطؤ في حرب الإبادة السورية.

ولن يهرع أحد من الخارج، لنجدتنا ما دمنا، نحن أنفسنا، غير قادرين على أن نهرع لنجدة بعضنا. ولا ينبغي أن نحلم بمزيد من التضامن الفعال معنا، مهما أثرنا من عواطف حزن علينا من الآخرين، ما لم نجعل، نحن أنفسنا، من التضامن في ما بيننا قاعدة عملنا ووجودنا في هذه المرحلة الكارثية من تاريخنا.

يتطلب هذا، أولا، الرد على مواقع نيران الأسد بالقوة نفسها التي يتعرض بها للمدن والأحياء المحاصرة، وإبلاغ الأمم المتحدة والعواصم الدولية الكبرى بأنها تتحمل مسؤولية كل ما يحصل بسبب هذا الرد، نتيجة سكوتها على النظام الطاغية، وتخليها عن مسؤولياتها، وتركها السلطة الإجرامية تنتهك القوانين والشرائع الدولية والإنسانية من دون عقاب.

ويتطلب، ثانياً، لتحقيق هذا الهدف، العمل السريع من جميع الكتائب المقاتلة على توحيد الفصائل المقاتلة، ودمجها ضمن هيكلية عسكرية مركزية، قادرة على العمل، حسب خطط مدروسة، على ضوء خطة وطنية عامة، لمواجهة النظام والقوى المتطرفة العاملة على هامشه ولصالحه. وهذا ما لم يتحقق، حتى الآن، ولو أن خطوات مهمة جرت على هذا الطريق، لكن، ببطء شديد.

ويتطلب، ثالثاً، على المستوى السياسي، تكوين جبهة عمل وطنية عريضة، تضم كل المعنيين بتغيير النظام، من المقاتلين والسياسيين والمدنيين، وإحلال نظام وطني تعددي وديمقراطي مكانه، بصرف النظر عن التوجهات السياسية والأيديولوجية والطبقة الاجتماعية والقومية والطائفة.

ويتطلب، رابعاً، القبول بتحالفات تكتيكية داخلية وخارجية، تضمن عزل نظام القتلة وقوى التطرف الداعشية، وجميع القوى العاملة على تفتيت سورية، وتفتيت المقاومة البطولية لشعبها.

باختصار، لم يعد للإدانة السياسية والأخلاقية، ولا للشكوى من تخلي المجتمع الدولي عن قضيتنا وتردد الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، في الانخراط بشكل أكبر في الدفاع عن حقوق السوريين، ومستقبلهم، أي جدوى أو فائدة. ولن نستطيع أن نواجه الحرب والعدوان المفروضين، اليوم، علينا، ما لم نرتق، نحن السوريين، جميعاً، وعلى رأسهم قوى الثورة والمعارضة، إلى مستوى التحديات التي تواجهنا.

حان الوقت كي ندرك، بعد أربع سنوات من القتال، أنه لا مهرب لنا من الاعتماد على أنفسنا، وأن أحداً لن يحمل العبء عنا، مهما كان كبيراً وهائلاً، وأن علينا وحدنا، نحن السوريين، تقع مسؤولية مراجعة خططنا وتنظيم قوانا، كي نوقف حرب الإبادة التي يشنها نظام الخيانة والتآمر الدولي على شعبنا.

وعلينا أن نكون واثقين بأن الشعب الذي لا يزال يقاوم، منذ نصف قرن، نظام العنف والقتل والإرهاب، والذي أظهر، منذ ثورة مارس/آذار 2011، ما أذهل العالم من ضروب البطولة والشجاعة والتضحية، قادر على أن يصنع النصر، وأن وحشية النظام وسعار آلته الحربية، وهلوسات قادة نظام طهران الدينية والمذهبية، لن تضعف إرادته، لكنها ستزيد من تصميمه على الدفاع عن أرضه، والتمسك بوطنه وتحريره.

===================

سنة خامسة ثورة : انتصارات الثورة السورية لماذا تغيب عن تحليل المحللين وتعليق المعلقين !؟ .. زهير سالم

21-2-2015 مركز الشرق العربي

شهدت الساحة السورية خلال الأسبوعين المنصرمين تصعيدا غير مسبوق في العمليات العسكرية التي انتشرت على الأرض السورية من الجنوب إلى الوسط إلى الشمال . هذا التصعيد الذي تولت مبادراته في المواقع المتعددة العصابات المتعددة الجنسيات المحتلة لسورية ، حيث تواترت الأنباء أن قوات الحرس الثوري الإيراني بتركيبتها المتعددة وقوات حسن نصر الله المحتلة هي التي أخذت على عاتقها أمر هذا التصعيد تخطيطا وتنفيذا . أي أن المعارك قادتها وخاضتها القوات المتميزة الداعمة لبشار الأسد والمعتدة بقوتها وشجاعة مقاتليها ، كما يزهو علينا في كل مرة قاسم سليماني وحسن نصر الله...

وقد رافقت عمليات التصعيد هذه على المستوى السياسي زيارة دي ميستورا إلى دمشق أولا وعرضه تقريره ( المتواطئ عليه) على مجلس الأمن ثانيا ، حيث أراد المخططون والمنفذون أن يوحوا للعال أجمع أن المجرم القاتل منتصر ، وأنه يعرض قبوله للهدنة في حلب من موقع القوي المتفضل ، وليس من موقع المهزوم المنكسر . يرتبط كل هذا بمحاولة مريبة من السيد دي ميستورا لإحراج الثوار السوريين وإظهارهم بمظهر المتعنت الرافض للحل السياسي الذاهب في طريق القتل والهدم .

لقد ظل الإعلام العالمي الموجه منذ عام تقريبا يعمل كنوع من رمي التمهيد كما يقولون في علم التكتيك العسكري على إقناع السوريين أولا والرأي العام العربي والعالمي أن نصر الثورة في سورية مستحيل ، وأنه لا بد من حل سياسي يفرض على الشعب السوري يكون قتلة هذا الشعب جزء منه ...

 بدأت عملية التصعيد المشار إليها بالمعركة الكبرى في الجنوب حيث صرحت مصادر مقربة من القيادة العسكرية السورية – حسب وكالة آكي الإيطالية – أن قادة الحرس الثوري الإيراني هم الذين خططوا وقادوا هذه المعركة ، وهم الذين حددوا الكثافة النارية وحشدوا أكثر من ثلاث مائة راجمة صواريخ وعشرات الدبات ومئات الجنود الطائفيين الإيرانيين واللبنانيين الحزبللاوين . وكما ذكرت المصادر العسكرية فقد كانت المعركة في الجنوب أعنف تغطية نارية شهدتها الأرض السورية منذ انطلاق هذه الثورة المباركة ,,,,

أسفرت المعركة عن نصر مؤزر لقادة الجيش الحر والثورة السورية وعن أكثر من مائة هالك خلال عشرة أيام منهم الكثير من الإيرانيين . حيث أكد شهود عيان أن طائرات إيرانية انطلقت من مطار بيروت تحمل جثامين الهلكى الإيرانيين . وأن برادات المستشفيات السورية والحزبلاوية تحتوي جثث العشرات من جنود حزب الله الذين يتم تسليمهم إلى أهليهم على دفعات خوفا من انتفاضة ناقمة ضد سياسات الحزب في حارة حريك حيث ينتمي أكثرهم ..

وفي الوقت نفسه عندما كانت طائرات القتل تستهدف أهالي دوما بالبراميل المتفجرة في حرب إبادة مكشوفة ، سكت عنها العالم استطاع الثوار أن يردوا بالقصف الحي على العديد من مواقع بشار الأسد في دمشق . مما يثبت أن معاقل بشار الأسد أصبحت في متناول يد الثوار .

على محور ثالث أقدمت العصابات المتحالفة الإيرانية الحزبللاوية الأسدية على شن هجمات مباغتة على محاور متعددة في الشمال السوري في الريف الحلبي ، بغية فك حصار وفرض آخر ، وإيجاد واقع عملياتي جديد حول مدينة حلب وطرق امداد الثوار قبيل الدخول في الهدنة الديمستورية المزعومة . وعلى الرغم من التقدم الأولي الذي حققه هذا الهجوم ، إلا أن روح الفداء ، ومبادرات التنسيق والتعاون التي سبق إليها الثوار ، مع إعلان النفير العام ، في حلب وما حولها ؛ قلب الأمور على المحتلين والقتلة المارقين فما أسرع ما تحول نصرهم إلى هزيمة ، وتقدمهم إلى اندحار . ورغم الجرائم والمجازر المروعة التي ارتكبها الطائفيون من أتباع الولي الفقيه وجنود حسن نصر الله ضد المدنيين السوريين ، ورغم ارتفاع حصيلة الشهداء الأبرار الذين دافعوا عن عرض وعن أرض فقد أسفرت المعركة عن استعادة كل المناطق التي تم احتلالها وعن سقوط أكثر من مائتين وعشرين هالكا من جنود العصابات الإيرانية الباكستانية الأفغانية الحزبللاوية مع عشرات الأسرى من العصابات متعددة الجنسيات ...

وعلى محور ثالث للتطورات اللافتة لانتصار الثورة السورية قيام وحدات من قوات هذه الثورة بقصف مواقع عصابات الأسد في اللاذقية كرد على استرسال هذه العصابات في قصف المدنيين ...

لعل الملاحظة التي لا تقل أهمية والتي يصر الإعلام العالمي الموجه على تجاهلها هي إقدام أهالي مدينة صلخد الأحرار على مهاجمة شعبة التجنيد ، وإطلاق سراح بعض المواطنين الذين أوقفوا فيها برسم الخدمة الإلزامية كموقف وطني من أهالي المدينة لرفض الانخراط في معركة الأسد الجريمة ....

كل تلك الانتصارات الاستراتيجية والتطورات المهمة لم تشكل مادة للقراءة لدى متابعي الإعلام العالمي الموجه ، الذين ما زالوا يصرون على تكرار الحديث عن استحالة انتصار الثورة وثوارها ...!!!

والأعجب من كل ذلك أن أصبح الكشف عن وجود العصابات الأجنبية المنظمة التي تحركها وتوجهها وتمولها دول وعصابات على الأرض السورية من المسكوت عنه رغم أنف القانون الدولي مثلها مثل البراميل المتفجرة التي ما زالت أداة القتل المفضلة لدى بشار الأسد والمشرعنة بالصمت الدولي ، ومثل غاز الكلور القاتل الذي ساوته الشرعية الدولية زورا بغاز السارين ....

أيها السوريون هذا نصركم قريب منكم وهو في متناول أيديكم فاحذروا أحاديث المشككين والمثبطين والمتآمرين ...

حلنا السياسي هو الذي نصنعه بانتصارنا وليس الذي يفرضه علينا شركاء القتلة المستبدين الفاسدين ...وليظل شعارنا مرفوعا : نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ .

لندن : 2 / جمادى الأولى / 1436

21 / 2 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=====================

رجالات سورية - شاعر الحرية رفيق رزق سلوم .. محمد فاروق الإمام

ذات نهار عربي من عام 1916 كان كوكبة من عشاق الحرية العرب يتأهبون لملاقاة الموت أمام المشانق التي نصبها جمال باشا السّفاح في دمشق وبيروت بعد محاكمة صورية في سجن عالية بلبنان، وبين هذه الكوكبة كان شاب في مقتبل العمر بهي الطلعة، باسم الوجه، موفور الصحة، ينتظر دوره وهو ينظر بثقة وشموخ إلى جثث رفاقه التي تدلت في الفراغ هامدة وعندما وصل إلى رأس الميدان ورأى المشنقة الفارغة قال مبتسماً: يظهر أن مكاني هناك وأخذ يسير نحوها ولكنه عندما اقترب ورأى جثة (عبد الحميد الزهراوي) أستاذه ورفيقه في النضال والعلم متدليةً من المشنقة الأولى غلب عليه الجد وحيّاها صائحاً (مرحباً يا أبا الحرية). هذا الشاب هو الشاعر رفيق رزق سلّوم الذي كتب اسمه بماء الذهب في سجلّ الكرامة والحرية والفداء وكان من أكثر رجالات الكفاح ضد الاتحاديين مكانة وسمو منزلة ومثالية ورباطة جأش حتى وهو يقابل الموت وجهاً لوجه.

ويبدي الكاتب التركي (فالح رفقي آتاي) مدير مكتب جمال باشا السفاح في كتابه (جبل الزيتون) إعجابه بما أظهره رفيق رزق سلّوم من الشجاعة ورباطة الجأش قائلاً: "كان رفيق مثالياً حقيقياً قابل الموت بوجه ضاحك ولا شك أن السير إلى الموت دون حقد ودون أسى لهوَ من أصعب الأمور”. ويصف الجنرال (علي فؤاد أردن) وكان رئيساً لأركان الجيش الرابع بقيادة جمال السفاح في مذكراته موقف رفيق رزق سلّوم أمام الموت فيقول: "سار إلى المشنقة بخطوات ثابتة سريعة فما إن تلقاه المأمور الذي تولى شنقه حتى رمى طربوشه على الأرض ولكن رفيقاً صاح به غاضباً: ردوا الطربوش. لا يحقّ لكم أن ترموه على الأرض فأذعنوا لطلبه ووضعوه على رأسه ولم يلحظ آنئذٍ أن الطربوش تلطخ بالتراب، ولو لا حظ لصاح بهم: نظفوا طربوشي من الغبار.

ولد الشاعر رفيق رزق سلوم في مدينة حمص في يوم مشرق من أيام شهر آذار سنة 1891. وما إن بلغ رفيق الخامسة من العمر حتى أدخله والده إحدى المدارس الابتدائية ينهل من معين المعرفة ما تيسر من علم وثقافة رغم فقره المدقع، ولم يمضِ على تتلمذه وقت طويل حتى اكتشف فيه معلّموه ذكاءً خارقاً ونباهة نادرة ووعياً متألقاً يستوعب الدروس بسهولة بارعة فأحاطوه بالرعاية والاهتمام. وفي عام 1904 وكان في الثالثة عشرة من عمره وبعد إنهائه مرحلة الدراسة الابتدائية أرسله أهله إلى (المدرسة الأكليريكية الأرثوذكسية) في (البلمند) بلبنان حيث بقي أربع سنوات تلقى خلالها آداب اللغة العربية وعلوم اللاهوت لكن "الرهبانية" على سمو رسالتها الروحية لم تتسع لمواهبه وطموحه وأمانيه الكبرى لذلك انفصل عن "رهبانية" طائفة محدودة الأهداف وانتظم في سلك "رهبانية" وطنية مترامية الأطراف هي “رهبانية“ الوطن العربي الكبير. في مطلع عام 1909 الدراسي التحق بالكلية الأمريكية في بيروت فأتقن اللغة الإنكليزية. ووضع أول مؤلفاته وهو رواية "أمراض العصر الجديد" وكان له من العمر 17 عاماً. وفي صيف العام 1909 عاد إلى حمص فعرّفه أستاذه (خالد الحكيم) ب(عبد الحميد الزهراوي) ومنذ ذلك الحين أخذت القضية الوطنية تشغل تفكيره وبناءً على مشورة الزهراوي سافر إلى الآستانة في نهاية الصيف لدراسة الحقوق. وفي الآستانة انكب رفيق على الدراسة وراح في أوقات فراغه يدبج المقالات وينشرها في (المقتطف) و(المهذب) و(المقتبس) و(المفيد) و(حمص) وفي مجلة (لسان العرب) التي كان يصدرها المنتدى الأدبي بالإضافة إلى تحريره في جريدة (الحضارة) لصاحبها عبد الحميدالزهرواي والتي كانت تصدر فياسطنبول باللغة العربية. وخلال مدة إقامته هناك التي امتدت إلى عام 1914 ألّف كتابه الاقتصادي الفريد "حياة البلاد في علم الاقتصاد" وكان أول كتاب بالعربية يتطرق إلى هذا العلم وكان قد نشر منه بعض الفصول قبل طبعه كاملاً في جريدة "الحضارة". كما وضع كتاب "حقوق الدول" الذي نشره على حلقات في جريدة (المهذب) التي كانت تصدر في زحلة ويقع هذا الكتاب في حوالي أربع مائة صفحة ولكنه لم يُنشر وظلّ في حوزة أهله. وكان لرفيق رزق سلوم منظومات شعرية رائعة نظم معظمها في الأغراض الوطنية ألقيت في مناسبات قومية عربية كما أُولع بالموسيقى، فأتقن العزف على القانون والعود والكمنجة وكان يحث أترابه على تعلم هذا الفن الجميل. في عام 1914 أي قبيل اندلاع نيران الحرب الكونية اجتاز رزق المرحلة النهائية من دراسة الحقوق متفوقاً على خمسمئة طالب وفي مراحل دراسته ما بين حمص وبيروت واسطنبول توفرت له معرفة اللغات التالية: الروسية، واليونانية، والإنكليزية، والفرنسية، ناهيك عن اللغتين العربية والتركية اللتين ألفّ فيهما وخطب.

في اسطنبول تسلم رفيق رزق سلوم منصب نائب رئيس (المنتدى الأدبي) الذي تأسس عام 1909 وضم مجموعة من النواب والمفكرين والطلاب العرب ليكون مكاناً يلتقي فيه الزوار العرب والعرب المقيمون في اسطنبول وكان يرمي إلى ائتلاف العرب وحماية حقوقهم والمطالبة باستقلالهم، وكان النادي يقوم بأداء تمثيليات عربية ومنها رواية (السموأل) وكان رفيق أحد أبطالها حيث ألقى في حفل تقديمها خطاباً بحضور بعض المسؤولين الأتراك بدأه ببيتين شعريين من نظمه قال فيهما:

قبّلتُ حدّ السيف قبلة عاشق

وهتفت ياسلمى افرحي وتهللّي

إن كان في موتي حياة تُرتجى

للعُربِ أَقبل يا حمام وعجّلِ

وبالتزامن مع (المنتدى الأدبي) تأسست (الجمعية القحطانية) التي كانت جمعية سرّية ليس لها أي مظهر علني وكان لديها مشروع محدد لإنشاء مملكة عربية تركية مزدوجة فيكون للمناطق العربية برلمان وحكومة محلية يقابله تنظيم مماثل للمناطق التركية وهو تنظيم يشبه إلى حد بعيد تنظيم الدولة النمسوية- المجرية الشهيرة التي كان يحكمها في فيينا إمبراطور من عائلة هابسبورج أما رئيس هذه الجمعية فكان (عزيز المصري) الضابط آنذاك في الجيش العثماني وقد انتقي أعضاء هذه الجمعية بعناية فائقة من الرجال العرب المعروفين بإخلاصهم الشديد وبحكمتهم وشجاعتهم وكان من بين هؤلاء سليم الجزائري من دمشق والأميران شكيب أرسلان وعادل أرسلان من لبنان وخليل حمادة من لبنان وعلي النشاشيبي من القدس وشكري العسلي من دمشق (والد الأستاذ صبري العسلي) وكان من بين هؤلاء المؤسسين ضباط في الجيش العثماني واثنان من مؤسسي (المنتدى الأدبي) أحدهما رفيق رزق سلوم.

في عام 1914 استعرت نيران الحرب العالمية الأولى وخاضتها الدولة العثمانية عام 1915 فانتهزها جماعة الاتحاد والترقي فرصة لتوسيع حكم الإرهاب في البلاد العربية وكان جمال باشا السفاح أحد الاتحاديين الذين وقع عليهم الاختيار ليكون والياً على الشام وقائداً للقوات العثمانية في البلاد العربية، وكان معروفاً بكرهه الشديد للعرب فألف الديوان العرفي في "عالية" وحاكم بواسطته عدداً من القادة العرب محاكمة شكلية، وقضى بإعدامهم وكان من بين هؤلاء القادة الشاعر رفيق رزق سلوم الذي وُشي به للسلطات التركية، فألقي القبض عليه في بيت ابن عمّه أنيس سلوم في دمشق في 27 أيلول عام 1915 وسيق إلى "عاليه" ليلقى الموت في ساحة البرج ببيروت مع مجموعة من زملائه المناضلين العرب بعد أن عانى الأهوال الشديدة على يد سجانيه الأتراك في سجن عاليه كما قال في الرسالة التي كتبها إلى أهله قبل إعدامه بشهر أي في 5 نيسان 1916 وفي هذه الرسالة شرح سلوم لأهله كيف أُلقي القبض عليه وما قاساه في سجن عاليه ولحظات انتظاره للإعدام وفي هذه الرسالة أيضاً يطلب من أهله أن لا يحزنوا لموته لأنه يكره الحزن والحزانى -كما يقول - ويضيف "ثقوا بأن روحي ترفرف دائماً فوقكم فأرى كل حركة من حركاتكم ولا ترونني فإذا حزنتم أهرب من عندكم وإياكم أن تغيروا ثيابكم أو عادةً من عاداتكم ويوصي أهله في ختام الرسالة أن يكتبوا على شاهدة قبره الأبيات التالية"

وإن الذي بيني وبين بني أبي وبين بني عمي لمختلف جدا

فإن أكلوا لحمي وفرتُ لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا.

========================

هل دخلت إيران بلداً عربياً إلا وكان مصيره الخراب والضياع؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي - السبت 14-2-2015

ليس المقصود من العنوان أعلاه القول إن البلاد العربية التي اقتحمتها إيران كانت في وضع مثالي، ثم جاءت إيران لتخربها. لا أبداً. فقد فعل الطواغيت العرب في تلك البلدان الأفاعيل، ولولا فسادهم وبطشهم واستبدادهم لما تدخلت إيران ولا غيرها أصلاً في تلك الدول. لكن هل تحسنت الأوضاع في البلاد التي غزتها إيران بطريقة أو بأخرى، أم إنها زادت في معاناتها وتأزمها وتشرذمها، لا بل راحت تدق الأسافين بين مكوناتها المذهبية باستخدام المبدأ الاستعماري الشهير: «فرق تسد». وقد نجحت إيران حتى الآن في استغلال الصراع المذهبي والطائفي في تلك البلدان لإحكام قبضتها على تلك الديار التعيسة.

سمعت من عرب كثيرين، وخاصة الذين يتضامنون مع إيران مذهبياً بأن لا مانع لديهم أن تأتي إيران لتحكمهم، وتنهض ببلدانهم بعد أن حوّلها الطغاة إلى دول فاشلة على كل الأصعدة. «أهلاً بإيران»، يقول أحدهم، «لو أنها ستفعل لنا ما فعلته أمريكا لليابان بعد الحرب العالمية». صحيح أن أمريكا تدخلت في اليابان بعد ضربها بالقنبلة النووية، لكن تدخلها كانً حميداً للغاية. فقد ساهمت أمريكا في نهضة اليابان الصناعية والاقتصادية، لا بل وضعت لها القوانين التي تنظم مختلف جوانب الحياة.

ولا ينكر فضل أمريكا على اليابان بعد منتصف القرن الماضي إلا جاحد. هل إيران مستعدة لتفعل للبلدان التي وضعت يدها عليها كما فعلت أمريكا لليابان؟ على ضوء ما نراه في العراق مثلاً منذ أكثر من عشر سنوات، لم نلحظ أبداً أن إيران تريد الخير للعراق بقدر ما تريده بلداً محطماً مهشماً ضعيفاً متناحراً ليبقى لعبة في يديها، ومجرد حديقة خلفية لها بعد أن كان في عهد الرئيس الراحل صدام حسين شوكة في خاصرتها وتهديداً عسكرياً واستراتيجياً لها.

لا شك أن الاحتلال الأمريكي فعل الأفاعيل بالعراق، وكاد أن يعيده إلى العصر الحجري، كما توعد وزير الدفاع الأمريكي الأسبق رامسفيلد ذات يوم. لكن ماذا فعلت إيران حتى لأزلامها من العراقيين الشيعة؟ صحيح أنها ساعدتهم في الوصول إلى السلطة والاحتفاظ بها. لكن في الوقت نفسه وضعتهم في مواجهة مذهبية طاحنة مع السنة، بحيث لم يمر أسبوع على العراق منذ سنوات إلا وتشهد البلاد أعمال عنف طائفية رهيبة تفسد الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية حتى الآن، وتجعل من العراق دولة فاشلة بامتياز.

تصوروا أن العراقيين حتى الآن لا يجدون الماء النظيف أو الكهرباء أو حتى الوقود، بينما يعوم العراق على بحر من النفط. ماذا فعلت إيران للعراقيين لتساعدهم للخروج من محنتهم؟ لا شيء يذكر سوى تكريس الصراع المذهبي والطائفي كي تعيش على تناقضات العراقيين المذهبية والعرقية. إنه تصرف استعماري مفضوح. ولا تلم إيران إلا نفسها عندما تبدأ الجماعات السنية المتطرفة بإزعاجها وإزعاج بيادقها في العراق. فلا يمكن لأي شعب أن يستقبل مستعمراً بالرياحين والورود.

ولو نظرنا إلى سوريا لوجدنا أن السيناريو الإيراني في العراق يتكرر هنا بحذافيره. لقد تحولت سوريا بسبب التدخل الإيراني وغير الإيراني إلى ساحة للصراع المذهبي والطائفي البغيض. وبسبب التغول الإيراني في سوريا يتدفق على هذا البلد المنكوب عشرات الجماعات السنية المتطرفة لمحاربة ما تسميه الاستعمار الصفوي. ولو زرت دمشق هذه الأيام لوجدت أنها تحولت إلى مستعمرة إيرانية مفضوحة. ويقال إن أكثر من أربعين بالمائة من المدينة اشترته إيران لتحوله إلى ما يشبه دويلتها في لبنان.

والبعض يتحدث الآن عن ضاحية جنوبية في جنوب دمشق على طراز ضاحية حزب الله في بيروت. لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نتوقع الخير لسوريا تحت السيطرة الإيرانية على هذا الحال. والمثال العراقي أمامنا يصدمنا كل يوم.

وكما أن العراق سيبقى ساحة للاحتراب المذهبي والطائفي لزمن طويل طالما إيران موجودة هناك، سيكون الوضع في سوريا ربما أسوأ، خاصة وأن أكثر من تسعين بالمائة من السوريين لا يوالون إيران مذهبياً. وبالتالي، سيكون الصراع في سوريا ضد إيران أكثر حدة، خاصة وأن الكثير من المسلمين السنة يعتبرون إيران عدواً مذهبياً صارخاً.

وليس بعيداً عن سوريا، هل استقر وضع لبنان يوماً بوجود دويلة إيرانية داخل الدولة اللبنانية؟ صحيح أن لبنان بلد يتصارع طائفياً منذ نشأته، لكن هل أصبح أفضل حالاً بعد استفحال النفوذ الإيراني فيه؟ بالطبع لا. لا بل إن يتهم إيران وجماعتها في لبنان بأنهم قضوا على رفيق الحريري لأنه كان يحمل مشروعاً عربياً يهدد النفوذ الإيراني في لبنان.

والآن في اليمن: ألم يزدد وضع اليمن سوءاً بعد سيطرة أنصار إيران على البلاد؟ ألم يصبح اليمن على كف عفريت؟ ألم يصبح نسخة طبق الأصل عن العراق؟ فكما أن إيران لعبت على التناقضات المذهبية في العراق، وحولته إلى ساحة صراع مذهبي رهيب، ها هو اليمن يتحول إلى ساحة أخرى للتناحر المذهبي بسبب إيران تحديداً. فكما أن داعش تحارب جماعة إيران في العراق، فإن القاعدة وأخواتها في اليمن سيتصدون بشراسة للحوثيين أزلام إيران في اليمن ليتحول اليمن إلى محرقة مذهبية بامتياز.

لا تهمنا شعارات إيران، بل يهمنا ما آلت إليه بلداننا بسبب التدخل الإيراني الذي زاد الطين بلة، بدل أن يساعدنا في الخروج من المستنقع. من المضحك أن إيران تتظاهر بحماية الشيعة العرب، بينما في الواقع، تخوض معاركها الاستعمارية للسيطرة على المنطقة بأشلائهم في العراق ولبنان وسوريا واليمن.

صحيح أن قوى إقليمية وعربية أخرى عبثت، وتعبث بالعراق وسوريا ولبنان واليمن، لكن الناس عادة توجه اللوم للقوة الأكثر نفوذاً وسيطرة في تلك البلدان، ألا وهي إيران. سؤال للجميع: ماذا جنى العراق وسوريا ولبنان واليمن من التدخل الإيراني غير الخراب والدمار والانهيار والضياع، وربما قريباً التشرذم والتفكك على أسس مذهبية وطائفية وعرقية قاتلة؟

٭ كاتب واعلامي سوري

===================

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com