العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 21-12-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

مبادرتان سياسيتان.. بدلا من واحدة.. لحل الأزمة السورية! .. بكر صدقي

القدس العربي - الخميس 18-12-2014

في الوقت الذي تواصل طائرات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة غاراتها على مواقع تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» في العراق وسوريا، يعمل كل من المبعوث الدولي ستيفان دي مستورا ونائب وزير الخارجية الروسي بوغدانوف على مبادرتين سياسيتين لحل الأزمة في سوريا. ويعتمد اللاعبان الأممي والروسي، كل من جانبه، على صيغة «الغموض الخلاق» فلا يتسرب شيء من «المبادرتين» إلا بالقطارة. من المحتمل أن كلتا المبادرتين غير ناضجتين لتطرحا على أطراف الصراع للقبول أو الرفض، بقدر ما تتم بلورتهما بالتوافق مع تلك الأطراف. لكن منهجية كل منهما باتت معلنة ويمكن تلخيصها فيما يلي:

تقوم مبادرة دي مستورا على الانطلاق من الميداني إلى السياسي، ومن الجزئي إلى الكلي. هذا ما يعنيه «تجميد القتال» بدءاً من مدينة حلب، أو ما يعرف ب»حلب أولاً». وهو ما يعني توافق النظام والمجموعات المعارضة المسلحة في مدينة حلب على وقف العمليات القتالية ليحتفظ كل طرف بمواقعه، وفتح ممرات لعمليات الإغاثة للمدنيين. بنجاح هذه المرحلة الأولى تنقل التجربة إلى مواقع أخرى فيها جبهات قتال بين الطرفين، وهما قوات النظام والميليشيات الأجنبية التي تقاتل إلى جانبه من جهة، وما يسمى ب»المعارضة المعتدلة» من جهة ثانية. يتجنب دي ميستورا التطرق إلى موقع الميليشيات الشيعية اللبنانية والعراقية التي تقاتل في حلب إلى جانب النظام، كما لم يعلن عن القوى المشمولة بصفة «الاعتدال»، وإن كان مفهوماً وضع كل من تنظيم الدولة «داعش» وجبهة النصرة خارج المشاورات في إطار المبادرة.

هذه الإنجازات الجزئية على مستوى الميدان، إذا تم تحقيقها، باتت الطريق سالكة نحو الحل السياسي الشامل الذي سيجمع النظام والمعارضة في قوة واحدة لمحاربة داعش وأخواتها.

تنطلق المبادرة الروسية، في المقابل، من فوق إلى تحت، أي من «الحوار» بين النظام والمعارضة في موسكو ثم في دمشق، وصولاً إلى حل سياسي يتوافق عليه الطرفان في نوع من تقاسم السلطة بينهما. من المحتمل، هنا أيضاً، أن الحل السياسي ليس هدفاً بحد ذاته، بل مجرد وسيلة لإعادة التموضع لتشكيل جبهة موحدة ضد «التطرف».

ما يوحي بجدية موسكو هذه المرة بخلاف المناسبات السابقة، ومؤتمر جنيف 2 ضمناً، هو أن ممثل بوتين القوي بوغدانوف ذهب «بنفسه» إلى الائتلاف المعارض في اسطنبول ليطرح عليه الأفكار الروسية الجديدة، في حين أنها طالما تجاهلت هذا الإطار المعترف به دولياً، وفضلت التعامل مع معارضة قريبة منها و»معتدلة» في معارضتها للنظام الكيماوي في دمشق كهيئة التنسيق وتيار بناء الدولة ومجموعة قدري جميل والشيخ معاذ الخطيب.

ما الذي غيَّرَ من السياسة المتصلبة لموسكو في دفاعها عن النظام وجعلها تبذل جهوداً دبلوماسية بحثاً عن حل سياسي؟ يربط كثير من المراقبين بين هذا التغير وما انتهت إليه المفاوضات الدولية مع إيران بشأن مصير برنامجها النووي. فالتمديد الذي ترافق مع تصريحات متفائلة من الجانبين الأمريكي والإيراني أقلق موسكو بصورة جدية، وهي الحاضرة على طاولة المفاوضات والعارفة بدقائقها، من تقارب أمريكي – إيراني قد يرقى إلى مستوى التحالف ويترك موسكو خارج كل الحسابات في رسم مصائر الإقليم المضطرب الممتد من العراق إلى لبنان مروراً بسوريا، خاصةً وأن علاقة نظام دمشق الكيماوي بإيران تتجاوز في متانتها علاقته بموسكو بكثير. أضف إلى ذلك أن الإدارة الأمريكية تبدو بعيدة كل البعد عن البحث عن حلول سياسية للأزمة السورية، وتقتصر اهتماماتها على مواصلة الحرب على داعش في العراق وسوريا، وعلى ترتيب تحالفاتها مع الدول الاقليمية في خدمة هذه الحرب.

موسكو التي باتت تعيش عزلة دولية خانقة بسبب ضمها لشبه جزيرة القرم واستمرارها في تغذية الاضطرابات في شرق أوكرانيا، وآثار العقوبات الاقتصادية الغربية المطبقة بحقها التي بدأت تظهر بقوة، إلى جانب التكاليف الباهظة للحرب النفطية عليها من خلال خفض الأسعار، راحت تبحث عن مخارج أو مسكنات لأزمتها المتفاقمة. من ذلك زيارة بوتين الباذخة إلى أنقرة وما نتج عنها من اتفاقات اقتصادية طموحة. ومن ذلك حركتها الدبلوماسية النشيطة بحثاً عن شركاء سوريين من النظام والمعارضة على أمل تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير لبوتين يعوّضه عن عزلته الدولية وتدهور حال الاقتصاد الروسي.

من جانبها، لا تبدو واشنطن على أي درجة من القلق أو الاستياء من تفرد موسكو بالمسألة السورية. من المحتمل أن إدارة أوباما تعرف محدودية تأثير القيادة الروسية على نظام دمشق الكيماوي، وتراهن على شريكها الإيراني الذي يتفرد بهذا التأثير. إضافة إلى أنها على دراية عميقة بمشكلات المعارضة السورية، سواء من حيث هزال تمثيلية الأطر السياسية جميعاً بما فيها الائتلاف، أو من حيث قوة المنظمات الإسلامية المتطرفة كداعش والنصرة مقابل تراجع وزن المجموعات المسلحة المعتدلة المحسوبة على الجيش الحر. من هذا الإدراك الواقعي لمفردات المشكلة السورية، تركت الإدارة الأمريكية المجال لموسكو لتلعب في الوقت الضائع بلا جدوى عملية، مع إمكان الاستفادة من المشاورات التمهيدية الجارية على خطي دي ميستورا وبوغدانوف معاً لإنضاج وضع قد تتلقفه واشنطن مستقبلاً لفرض تصورها الخاص للحل السياسي على الأطراف. وذلك من غير أي تلكؤ في حربها المتواصلة على داعش، تلك الحرب المديدة التي سترسم خطوط تحالفات جديدة عبر الإقليم وصولاً إلى خلق ستاتسيكو جديد لما بعد الحرب.

الإنضاج المشار إليه في الأسطر السابقة هو قياس مدى الإرهاق الذي أصاب السوريين من سنوات أربع من حرب مجنونة قتلت ربع مليون وشردت نصف السكان. طريقة استجابة الأطراف للمبادرتين الأممية والروسية ستشير إلى مدى الإرهاق الذي أصابها. ينطبق ذلك على كل من النظام والمعارضة. وبصورة أولية يمكننا أن نلاحظ التجاوب الإيجابي المعلن من الطرفين مع كل من المبادرتين، على رغم الشروط المتطرفة التي طرحاها. لم نعد نسمع ذلك الرفض المسبق الصاخب للمبادرات السياسية الذي كنا نسمعه كثيراً إزاء المبادرات السابقة، مع أن المبادرتين الجديدتين أكثر هزالاً من سوابقهما وأقل قابلية للتطبيق.

٭ كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : حول اقتراح راسموسن تقسيم سورية على الطريقة البوسنية .. أميتوا بوارح الأفكار .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 20/12/2014

من واجب المعارضة السياسية الراشدة أن تكون قادرة على تتبع تفاصيل المشهد السوري . ولاسيما ما يصدر منها عن جهات مؤثرة أو فاعلة والسبق إلى تحديد موقف إعلامي منها ، ووضع الخطط والآليات العملية للتعامل معها بتعزيز الإيجابي وإماتة ونفي السلبي .

كل الطروحات تبدأ جنينية ، وأحيانا وجهات نظر فردية ، وإذا لم تجد الموقف الذي تستحق ، ربما نما السلبي منها في ظل الصمت والظلمة وتحول إلى مقترحات ومن مقترحات إلى خطط مما يجعل من الصعب التعامل معها والتصدي لانعكاساتها ...

وهذا الجهد في الرصد والتتبع وتحديد الموقف ومن ثم وضع الخطط والآليات العملية للتصرف الراشد هو ما يطلق عليه في العادة ( الحضور) ، الحضور الفاعل المنفعل المتجاوب مع أي وخزة دبوس ولو في طرف إبهام الرجل . وعكس الحضور هو الغياب والغياب هو شكل من أشكال الموت . الأموات يغيبون ، والأموات لا يسمعون ما يقال ، ولا يرون ما يدور حولهم ؛ وبالتالي فالأموات لا يستجيبون ..(( إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ))

في الحديث عن حل سياسي في سورية ظلّ الإعلان عن التمسك بوحدة سورية أرضا وشعبا لازمة تأكيدية يتطوع بها الجميع ويتمسك بها الجميع وهي رغم تكرارها لم تكن مملة بل ظلت دائما ضرورية . ويبدو أن التأكيدات المعلنة المتكررة كانت استباقا تطمينيا ، وربما وقتيا ، لنفي ما يدور في الخلفيات الذهنية والنفسية للمتحدثين ، وربما كان الإصرار على ترك الجرح السوري نازفا ، لجعل ما لا يُقبل الحديث عنه ابتداء مقبولا في ظروف القرار الصعبة انتهاء ..

لقد كان خطيرا ، وهو مرفوض ومستنكر ومدان ، من كل السوريين الأحرار الشرفاء على اختلاف الهويات الفرعية ؛ ما أعلنه أو اقترحه بالأمس الجمعة / 19 / 12 / 2014 السيد أندرس فوغ راسموسن الأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي ( أن يكون الحل في سورية على الطريقة البوسنية ) !!

ففي ندوة تحت عنوان / السلام في الشرق الأوسط - اللاعبون – المشاكل – وسبل الحل ../ التي نظمتها جامعة حسن قليونجي في مدينة غازي عينتاب التركية قال راسموسن : ( في سورية ينبغي تقاسم البلاد في إطار التوزعات الإثنية والدينية عبر إقناع الأسد بمغادرة السلطة .مؤكدا أن هذه الصيغة ليست هي الحل الأمثل إذ بعد الخلافات الدينية والإثنية في سورية أعمق من البلقان ...)

وهذا الكلام على خطورته ، وتداعياته الكارثية على مستقبل سورية الدولة والأرض والإنسان ، وتناقضه مع كل ما استقر عليه الأمر من وحدة الأرض والشعب في سورية يستحق من جميع قوى المعارضة الراشدة رفضا واستنكارا من جهة وخططا وآليات عملية تميت بوارح مثل هذه الأفكار السود في مهدها ...

وهذا الكلام من جهة أخرى كلام متهافت موضوعيا وعلميا ، فلا سورية في خارطتها الديمغرافية العددية هي البلقان ، ولا القطيعة بين أبناء المجتمع السوري الموحد على اختلاف الانتماءات بلغت عشر معشار ما كان عليه الأمر في البلقان .

إن الذي يجب أن يقال للسيد راسموسن إن التناقض الأول والأساسي في سورية هو تناقض بين طغمة مستبدة فاسدة وبين شعب بكل مكوناته يتوق إلى العدل والحرية والتعايش بحب ووفاء وخلا هذا التناقض فإن إرادة البقاء معا ، والعيش المشترك هي قاعدة أساسية يجتمع كل السوريين عليها .

 بل يجب التأكيد أنه حتى هذه المجاميع من السوريين التي لا تقف في صف الثورة والثوار ليست رافضة في الحقيقة لمشروع الثورة ولا لتطلعات الثوار ، وإنما هي تستثقل الكلفة المبهظة من الدماء والدمار من واقع معرفتها بقسوة وبشاعة هذه الطغمة الفاسدة المفسدة . ..

ومما يجب التنويه إليه في هذا المقام هو أن المجتمع الدولي ، والسيد راسموسن بخلفيته أحد كبار ممثليه ، الذي يتمسك بالقيم الكونية التي تمضي بعيدا في إزواء الهويات الكبرى لحساب قيم العولمة التي يصفها بالإنسانية ؛ يحاول اليوم في مجتمعاتنا المتطلعة إلى العدالة والكرامة إعادة استنبات الهويات الفرعية والنفخ فيها ، وتعظيم استحقاقاتها .

وإن هذه القوى الدولية المنحازة في أصل أمرها ضد قضايا الشعوب وتطلعاتها ،والتي ارتضت على مدى ستة عقود أن يستقر هرم المجتمع والدولة في سورية على رأسه ، ولم تجد في ذلك أي ضير أو غضاضة وهي تتابع بصمت على مدى العقود الستة المجازر المادية والمعنوية ؛ نراها اليوم تفزع إلى مثل اقتراحات السيد راسموسن الصفراء القاتلة بديلا عن عودة سورية إلى وضعها الطبيعي باستقرار هرمها الديمغرافي على قاعدة مجتمع مدني موحد تكون فيه المواطنة المجردة من كل اعتبار إضافي مناط الحقوق والواجبات ..

ولن نغادر المقام قبل أن ننهي إلى السيد راسموسن وإلى الذين ربما يصغون لقوله أنه لا عبرة ولا ثقل في ميزان الثورة السورية والثوار السوريين لكل هذه القوى المصنوعة و الظرفية التي تطرح طروحاتها الذرائعية الفجة لتعطي المسوغ لحديث مثل حديث السيد راسموسن ولاقتراح مثل اقتراحه ..

إن الثوار السوريين والمعارضة السورية الراشدة الماضية بكل قوة على طريق النصر تتمسك بالقوة نفسها وبالتصميم نفسه بوحدة الأرض السورية ووحدة المجتمع السوري ، ووحدة الدولة السورية وأي تفكير أو اقتراح ينال من هذه الحقائق سيبقى مستنكرا ومدانا ومرفوضا ومقاوما بكل ما أوتي السوريون كل السوريين الأحرار من قوة وعزيمة ..

لندن : 29 / صفر / 1436

20 / 12 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«همس» إيراني عن «تقسيم» .. زهير قصيباتي

الحياة - الخميس 18-12-2014

«لإيران نفوذ أساسي في المنطقة، يمتد من اليمن إلى لبنان... هذا لم يتصوّره أحد».

صدق صاحب العبارة، مستشار المرشد في إيران، علي أكبر ولايتي، لكن رئيس البرلمان علي لاريجاني يريدنا أن نصدق في آن، أن ليست ل «الجمهورية الإسلامية» أي أطماع في دول المنطقة، ولا تسعى إلى بناء امبراطورية. الفارق بين العبارتين زمنياً لا يتجاوز يومين، ومعهما يتحدث المستشار الآخر للمرشد بوصفه قائداً أعلى للقوات المسلحة الإيرانية اللواء يحيى صفوي عن «المؤامرات الكبرى بزعامة أميركا في إطلاق العصابات التكفيرية» مثل «داعش».

ويريدنا صفوي أيضاً أن نصدق أنه لم يسمع شيئاً عن اقتسام إيران وأميركا الأدوار في العراق، براً لقوات المرشد ومستشاريه العسكريين في تقوية دفاعات العراقيين، وجواً بالغارات الأميركية على مسلحي «داعش» وعتاده.

يُطمْئِن لاريجاني الدول العربية بأن بلاده التي تفاوض أميركا وأوروبا على برنامجها النووي، لا تخطط لغزو أي دولة... وليس المتاح سوى أن نصدق، ما دامت إيران لا تحتاج إلى إرسال جحافل إلى اليمن، فيما الحوثيون يتولون المهمة، ويسهّلون للمرشد موطئ قدم على البحر الأحمر. ولا تحتاج إلى احتلال العراق، فيما الحكم في بغداد مطمئن الى رعايتها له... ولا لاحتلال سورية ولو كانت واقعياً تهيمن على القرارات العسكرية للنظام في دمشق، وهو يهبها حرية القرار في ساحات القتال.

لدى اللواء صفوي أميركا شيطان يتزعم «المؤامرات الكبرى»، والشيطان ذاته هو الذي يدافع المرشد علي خامنئي عن استكمال المفاوضات «النووية» معه، وهو الذي يصر الرئيس حسن روحاني على التعامل بحسن نية معه، وعلى حوار يفتح له كل أبواب التطبيع، والأسواق والصناعات والواردات من قطع غيار الطائرات المهترئة الى السجاد الأعجمي.

أميركا منغمسة في الحرب على تنظيم «داعش» والتكفيريين، وبالمنطق الإيراني، منهمكة بالجماعات التي فرّختها لتستأصلها في الوقت المناسب! بالمنطق ذاته، فلنحاور «الشيطان» إذا تاب عن العقوبات و «استسلم»، وانحازَ إلى شهية الحوثيين «ثوار الحرب على الفساد» في اليمن، وتفهّمَ مطالب معارضين في البحرين يوالون ادعاء طهران حماية حقوق الشيعة العرب... وتركَ خيوط السياسة العراقية بين أصابع إيرانية، وتخلَّى عن عدائه ل «حزب الله» لكون الحزب شأناً داخلياً لبنانياً، وواظبَ على «حسن سلوكه» في الفصل بين محاربة «داعش» ومسألة بقاء النظام السوري، وعدم «التحرش» به!

أصابع الشبهة إذاً تتجه إلى مَن يحيك «المؤامرات»، الدول الكبرى وعلى رأسها أميركا، أما الفعل فإيراني بامتياز، أثار مللاً لدى العرب الذين قاوموه بالدهشة والتنديد!

هل يكذب صفوي؟ هو ينذرنا بأن السنين العشر المقبلة ستشهد تقسيم دول إسلامية. كأن المستشار العسكري للمرشد يملك خرائط التقسيم، وما تحذيره هذه الدول إلا من باب فعل الخير، ولا علاقة للأمر بأي تطبيع بين «الشيطان» وحُماة «الثوار» الجدد الذين أكلوا «ربيع» اليمن السعيد.

الأدهى أن صفوي الذي يحرّض على دول الخليج، يتحدث عن احتمال تقسيم بعضها، طبعاً في سياق «المؤامرات» الخارجية، ويستقوي بتحالف «يتكوّن الآن بين إيران والعراق وسورية»... لمجابهة التكفيريين.

يحرّض صفوي فيما وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف يستغرب عدم تفعيل دول الخليج تعاونها مع طهران لوقف انتكاسات اسعار النفط. بالمرشد ومَنْ معه، تتحدث «الجمهورية الإسلامية» بألسنة «الانتصارات»، فيما معظم العرب لا يسمعونها بأُذن واحدة. وهنا يكمن «إيبولا» ما بعد «الربيع العربي» الذي قطفت طهران ثماره «نفوذاً لم يتصوّره أحد».

ولمن لا يتصور، قد تجدي قليلاً مقارنة بين الدورين الروسي والإيراني في حماية النظام السوري، رغم تهجير نصف شعبه، ومقتل ما يقترب من ربع مليون. وقد تكون المفارقة السوداء فيما رئيس الوزراء السوري يزور طهران لتبديد هواجس عن مرحلة «رفع الغطاء» عن ذاك النظام، أن بعضهم يصرّ على «صراع» روسي- إيراني مرير، سيحسم قرار مَنْ يرفع يده اولاً عن مصير بشار الأسد.

ومصير الأسد شأنٌ، ومصير سورية شأنٌ آخر، لن تحسمه سوى نهايات حرب طويلة مع التكفيريين الذين جعلوا إيران شريكاً لأميركا، بالمرتبة الممتازة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن مأزق السياسة الروسية في سورية .. منير الخطيب

الحياة - الخميس 18-12-2014

من الصعب أن ترث روسيا الدور السوفياتي في سورية، فتلك حقبة انتهت إلى الأبد، كما لن تنفعها مبادراتها الركيكة والتي فات أوانها في ما يتصل بإيجاد «حل سياسي» للقضية السورية، في إنقاذ ما تبقى من الرصيد الأخلاقي للسياسات السوفياتية السابقة في ضمائر السوريين. فذلك الرصيد أصبح هباءً منثوراً بفعل السلاح الروسي الذي فعل الأفاعيل بالسوريين وممتلكاتهم وأرزاقهم، وبفعل إجهاض روسيا أي مخرج سياسي للمأساة السورية، من دون أن ننسى تلطي السياسة الأوبامية المترددة والمرتبكة خلف ذاك الفجور الماكيافيلي في السياسة الروسية تجاه نكبة السوريين.

يتردد، أخيراً، أن روسيا ستقوم برعاية حوار سوري – سوري، يضم معارضين وشخصيات من النظام، بهدف الوصول إلى «حل سياسي». صحيح أن تزامن تآكل الروبل الحاد مع تآكل النظام السوري بفعل التعفن الناجم عن استنزافه المستمر هو وراء الاندفاعة الروسية الديبلوماسية الراهنة. لكن معضلات مستعصية ستواجه السياسة الروسية في سورية مستقبلاً، منها ما يتصل بالمنظور الروسي لمضمون «الحلول السياسية» في سورية المحكوم بالرؤية السلطوية البوتينية، بوصفها أكثر الرأسماليات ابتذالاً وتأخراً نتيجة ولادتها «مافيوياً» من عملية تفسخ النظام الشيوعي التي تماثلها عملية التفسخ البعثي. وذلك المنظور لا يكترث بمواضيع مثل الحرية وحقوق الإنسان ودولة الحق والقانون، وبالتالي ف «الحل السياسي»، وفقاً له، لا يغدو أكثر من مسألة توسيع ل «الجبهة الوطنية التقدمية» القائمة، وتشكيل حكومة «وحدة وطنية». وهذا في كل الأحوال منظور متأخر عن إدراك حجم أو عمق التحول التاريخي الحاصل في سورية.

كما أن مداخل الحضور السوفياتي في سورية منتصف القرن الماضي، سواء تلك التي تعلقت ببناء الجيش السوري «العقائدي» وتسليحه، أو التي ارتبطت بالبعد «النضالي» للأيديولوجيا الشيوعية «الكدحانية»، وجذبت التيار القومي العربي الذي أمسك بالسلطة حديثاً حينذاك، وقادته إلى الانضواء في سياسة المحاور المفروضة بشروط الحرب الباردة، هي ذاتها المخارج التي ستخرج منها روسيا من سورية. لأن الخيار الوطني السوري يملي على السوريين، بداهة، تغيير بنية الجيش وإعادة هيكلته وطنياً، وتقليص التضخم المفرط في التسليح، وتجنب سياسة المحاور القائمة على حساب المصلحة الوطنية السورية، وذلك كله سيؤدي إلى تحجيم الحضور الروسي في سورية.

وعلى رغم انقسام السوريين مذهبياً وطائفياً وقومياً، واختلافهم سياسياً وفكرياً، وتمايزهم اجتماعياً وطبقياً، فإذا نظروا إلى روسيا بعين الانقسام الأول، سيكون هواهم ليس هوىً روسياً، لأن السلاح الروسي دمر مناطق الأكثرية السنّية. وإذا نظروا إليها بعين الاختلاف السياسي الفكري، فالإسلاميون والليبراليون والديموقراطيون والناشطون في الحراك المدني السلمي وقسم من اليساريين هواهم ليس هوىً روسياً أيضاً. وإذا نظروا بعين التمايز الطبقي الاجتماعي، فالسلاح والموقف الروسيان كانا موجّهين ضد الأغنياء والفقراء وضد سكان المدن والأرياف على حد سواء. لذا غدت روسيا دولة منبوذة بالنسبة إلى غالبية السوريين.

ومما يزيد من نبذها أن البوتينية، كنموذج سلطوي في الحكم، تنتمي إلى ماضي البشرية المرتبط بالاستغلال والتسلط والاستبداد والتحكم المطلق، ولا يمكن أن يكون لها حضور مستقبلي في ظل تحولها إلى مصدر للنفور الكوني، بخاصة أن ثورات «الربيع العربي» انتفضت في وجه نسخ كاريكاتورية عنها، وبوتين زعيم بمواصفات الزعماء العرب ولكن بشروط روسيا.

لهذا، فروسيا نموذج آفل، وهي لن تستطيع مواصلة كسر إرادات السوريين، وستدفعها عوامل التحول التاريخي الكبير التي حدثت في بلادنا إلى خارج المستقبل السوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الحل الروسي في سورية: غروزني مثالاً .. برهان غليون

العربي الجديد - الاربعاء 17-12-2014

هل هناك فرصة للحل السياسي للحرب السورية المشتعلة منذ أربع سنوات؟ وهل أصبح النظام السوري جاهزاً لذلك؟ وما الذي دفع موسكو إلى التحرك الدبلوماسي، اليوم، بموازاة تحرك دي ميستورا الذي يكشف العجز الكامل للأمم المتحدة عن القيام بأي دور؟

في نظري، وحسب ما تسرب، حتى الآن، من معطيات، هناك بالفعل إرهاصات لبدء مفاوضات حول الأزمة السورية. لكن، ليس من أجل إيجاد حل للأزمة، يلبي الحد الأدنى من مطالب السوريين الذين أصبحوا ضحية صافية للمصالح الإيرانية والروسية والدولية، وإنما لتكريس المكتسبات التي حققها فرسان الحرب الحقيقيون، إيران وروسيا، وشرعنتها، وإنقاذ الجلاوزة الأشرار من حلفائهم "السوريين" الذين لم يترددوا في استخدام الغاز الكيماوي، لقتل أبناء وطنهم وأطفاله. وهم يسعون، في ذلك، إلى استباق المرحلة المقبلة التي يمكن أن لا تكون بعيدة جدا، والتي قد يضطرون فيها، مع انهيار حصان ركوبهم أو انكساره، إلى التفاوض على تفكيك نظام الاحتلال الذي فرضوه على السوريين.

لو كانت لدى الروس والإيرانيين إرادة حقيقية في إنهاء الحرب السورية، لما تطلب الأمر كل هذه المناورات والتحضيرات الجديدة، والتصريحات المواربة والمتناقضة، ولا الاجتهاد في انتقاء المعارضين، وفرزهم، حسب الطلب. فماذا كان بإمكان طهران وموسكو أن تطلبا من المعارضة أكثر من أن تتخلى عن هدفها الأول في إسقاط النظام، وأن تقبل الدخول في حكومة انتقالية، مناصفة مع نظام القتلة نفسه، وقد قبلته؟ وماذا كان في وسع المعارضة أن تقدمه للنظام، أكثر من التصالح مع نظام قاتل، بعد مئات آلاف الشهداء وملايين المشردين، وتدمير المدن وتسليمها للمتطرفين من كل الآفاق؟ وما المشكلة في العودة إلى مثل هذا الحل الذي اتفقت عليه الدول ومجلس الأمن، وقبلت به كل أطياف المعارضة، إنقاذاً لما تبقى من البشر والحجر؟

الجواب أن المشكلة في الحل الذي رفضته هذه القوى الثلاث في جنيف، القائم على مبدأ الانتقال السياسي الذي اتفق عليه الجميع، باستثناء إيران والنظام، أنه يخاطر بأن يقود إلى وضع حد للاحتلال الإيراني والوصاية الروسية على سورية ومنظومة القتل والإرهاب التي يستخدمها للحفاظ على نفسه، حتى لو كان ذلك على مدى متوسط. المطلوب، بالعكس، من أجل تكريس الاحتلال والوصاية الإبقاء على منظومة القمع والإرهاب التي يمثلها ما يسمى النظام السوري الذي أصبح مرتكزا وحيدا لهما. ليس هناك أي تفسير آخر للتخلي عن إطار مفاوضات جنيف لصالح حلول بهلوانية ضعيفة، إن لم يكن الهدف تشليح المعارضة أوراقاً وتنازلات أكثر، وتحويلها، في النهاية، إلى خاتم في إصبع نظام الاحتلال المثلث، والتغطية على دناءة الأهداف، ولا أخلاقية المصالح التي تكمن وراءها.

ليس لهذا الطرح أي علاقة، كما تدعي موسكو، بالحفاظ على مؤسسات الدولة. فلا يضمن بقاء الدولة ومؤسساتها في كل مستويات الإدارة المدنية والاقتصادية والاجتماعية، والتي ليس لأي سوري مصلحة في تفكيكها أو التخلي عنها، سوى السلام القائم على التفاهم الحقيقي بين أبناء الشعب السوري، وتوصلهم إلى تسوية تنهي عهد الاحتلال والوصاية والقتل المنظم. ما يطالب به الروس والإيرانيون المحركون للأسد ومنظومته هو الحفاظ على أدوات الاحتلال الطويل: الجيش الذي تحول إلى ميليشيا فاشية، ومنظمات المرتزقة الأجنبية الممولة على أسس طائفية، وأجهزة الأمن العسكري والسياسي التي تشكل النواة الصلبة للسلطة المافيوية. فليس هناك أي أمل في استمرار النظام المشترك، الإيراني الروسي المافيوي، من دون حماية هذه الأجهزة من أي تغيير، والإبقاء عليها في يد الأسد، أو من يحل محله، ويقوم تماما بدوره، من الطغمة القاتلة نفسها.

وبينما يعد الروس المقصلة لقطع رأس الثورة، ربما بمساعدة بعض أبنائها الذين أعمى أبصارهم البحث عن دور، أو شوشت حساباتهم العاطفة الأبوية الفائضة، تتطوع الأمم المتحدة، عبر مبعوثها، ستيفان دي ميستورا، بحمل المنشفة لمسح الدماء المسفوكة، ومواساة أيتام الثورة بقطرة من الماء وكسرة الخبز التي حولها حصار الجوع إلى سم زعاف.

لم يطلق الروس والإيرانيون، بعد أن أعدموا مؤتمر السلام في جنيف بشكل متعمد، وبقسوة لا حدود لها، مناورتهم البائسة الجديدة، رفقاً بالسوريين، أو تحننا عليهم. فعلوا ذلك، لأنهم أدركوا أنهم وصلوا، في استخدامهم القوة وتوسعهم وسيطرتهم، إلى أقصى ما يمكن لهم فعله، ولم يبق أمامهم، بعد ذلك، إلا الانحدار. وفكروا أن من مصلحتهم أن يستخدموا التطلع الشعبي والعالمي للسلام من أجل تكريس مكاسبهم، وفرض شروطهم على المعارضة. وما يقترحونه حلاً، كما تسرب من معلومات حتى الآن، هو تطبيع/تجميد الأوضاع والتوازنات والمصالح القائمة، لجماعات النظام وأمراء الحرب، وإخراجها بعد مفاوضات قرقوشية، في صورة حل سياسي يكرس، بالطرق السياسية والحيل والمناورات، ما لم يعد بإمكانهم الحفاظ عليه بالوسائل العسكرية، كما يدق إسفيناً عميقاً في جسد المعارضة الهش والضعيف والمقسم أصلاً.

 

فقد خسر النظام، في سنوات المواجهة الطويلة الماضية، الكثير من قدراته العسكرية، وإلى حد كبير، السيطرة على الآلة الميليشيوية التي استخدمها، حتى الآن، ضد الشعب والمعارضة، واستنفد طاقاته، وأصبح من الصعب عليه أن يجددها بسهولة. ولم يعد أمامه إلا مواجهة المرحلة المقبلة التي ستشهد فيها هذه القوى نفسها حركة الارتداد عليه، وعلى نفسها، أمام انعدام أي أمل، بعد اليوم، للحسم العسكري التي وعدت به. وهو، منذ الآن، يعتمد على شراء خدمات المرتزقة المحترفين من أفغانستان وغيرها، لسد الثغرات العديدة في جبهاته.

فطهران، الممولة والمخططة للحرب والمستفيدة الرئيسية منها، تواجه، بعد فشل نظامها في التوقيع السريع على الاتفاق النووي مع الغرب، تقلص مورادها المتزايد مع الانخفاض المتواصل في أسعار النفط، واستمرار العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها منذ سنوات طويلة. ولن يكون في وسعها مواجهة أعباء حرب الاستنزاف التي أطبقت عليها كالفخ، وليس من المؤكد أن الإيرانيين قادرون على تحملها إلى فترة طويلة.

أما روسيا التي وصلت إلى طريق مسدود في أوكرانيا، فقد يئست من إمكانية تحقيق حسم عسكري ساحق، على مثال الحل الذي حققته هي في غروزني عاصمة الشيشان، أي الاستسلام الكامل للمعارضة. وهي تعتقد أن بإمكانها الاستفادة من معطيات الحرب الدولية ضد الإرهاب من أجل تعويم نفسها دبلوماسيا، وفتح تجارة جديدة رابحة مع واشنطن التي تفتقر لأي خطة في سورية، والمراهنة على انقسام المعارضة، لتهميشها وتقليص مطالبها وتدجينها. وليس هناك ما يمنع من تجريب طرائق أخرى، مع تراجع قدرة الطرائق العسكرية على الحسم، وتفاقم كلفها المالية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية، من أجل تحقيق الهدف في هزيمة الثورة السورية، وتأكيد شرعية النظم، مهما كانت السياسات .

بالنسبة لنا، نحن السوريين، أي حل، مهما كانت مظاهره الآنية، لن يكون مقبولاً، ولا مفيداً، ولن يشكل مرحلة على طريق إنهاء المحنة الإنسانية والسياسية السورية، ما لم يتضمن: 1. تفكيك نظام الاحتلال الذي دمر حياة الشعب السوري في السنوات الأربع الماضية بأركانه الثلاثة: الميليشيات المرتزقة المرتبطة بطهران والممولة منها والفيتو الروسي الذي يجسد الوصاية على البلاد، ومنظومة القتل المنظم والإبادة الجماعية المافيوية للأسد 2. الإقرار الصريح والواضح بحق الشعب السوري الكامل في تقرير مصيره، تحت إشراف الأمم المتحدة، وليس أي دولة أخرى، وبضمانة رسمية وعلنية منها. 3: محاسبة المسؤولين عن الجرائم الوحشية وجرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبت، ولا تزال، في السنوات الأربع الأخيرة. وسيكون من العار على الامم المتحدة وجميع الدول والقوى السياسية المعارضة وغير المعارضة أن تقبل القتلة وفرسان السلاح الكيماوي والبراميل المتفجرة شركاء في إعادة إعمار ما هدموه، بدم بارد وعن وعي وسابق تصميم، وأن يعيد توحيد الشعب من استخدم كل الوسائل الدنيئة لتقسيمه وتمزيقه، وأن يؤهل الدولة، من حولها، إلى آلة للحرب والقتل والدمار، وأن يبني الامة من سلمها للاحتلال. من مثل هذه الشراكة الخبيثة لا يمكن أن يولد شعب، ولا أن تنتعش سياسة، ولا أن تنهض أمة، أو تقوم دولة أو ينشأ اقتصاد. إنها وصفة الحرب الأهلية الدائمة، والتعطيل الكامل لفرص استعادة سيادة الدولة وحكم القانون وعمل المؤسسات، ومن وراء ذلك تكريس نظام الاحتلال الداخلي والخارجي، على ما يأملون أن يكون حطام ثورة الفقراء والمعذبين والمشردين من أبناء سورية الشهيدة. لكنهم واهمون.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الغارات الإسرائيلية على سورية .. الرسائل والدوافع .. ماجد الشيخ

العربي الجديد - الاربعاء 17-12-2014

مهما يكن من أمر الغارات التي شنها سلاح الجو الإسرائيلي، ضد أهداف داخل الأراضي السورية، فإن التقديرات في إسرائيل تفيد أن سورية وحزب الله غير معنيين، على الأقل حاليّاً، في ظل ما يجري من حرب أهلية، بتفرعاتها وتداعياتها الإقليمية والدولية في سورية، بالتصعيد مع الإسرائيليين، ما ينطبق، أيضاً، على إسرائيل نفسها. في وقت ما زالت الأخيرة تعمل على تفادي ردود فعل غير متوقعة من حزب الله، ردّاً على غارات الطيران الإسرائيلي بين حين وآخر داخل الأراضي السورية، والقليل منها داخل الأراضي اللبنانية.

ومهما تكن "سياسة النعامة" التي تحاول إسرائيل اتباعها، إزاء استهدافها من الجو مجموعة أهداف حيوية، من قبيل السلاح الكيماوي السوري، أو الأسلحة الإيرانية والروسية التي يجري شحنها إلى حزب الله داخل الأراضي اللبنانية، فإن عدم التأكيد الرسمي الإسرائيلي المسؤولية عن الغارات لا ينفي، بالطبع، تلك المسؤولية المباشرة عن الفعل، وعن السياسة التي تحاول الاختباء وراء غلالة شفافة من الغموض.

وليست هذه السياسة بنت ساعتها، فقد اعتادت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، على الفعل، وترك الداخل، لا سيما الإعلامي منه، ينشغل، وإن بارتباك، بقراءة توقعات وتقديرات، معروفة ومكشوفة للمستويين السياسي والعسكري، وليست خافية، أيضاً، على صعيد الخارج. على الرغم من ذلك، ومن الصمت الرسمي حيال الغارات الأخيرة، كان رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، قد ألمح إلى مسؤولية سلاح الجو الإسرائيلي عن شن الغارات، حين قال في جلسة للحكومة، الأسبوع الماضي: "سنعالج كل التهديدات، بالمسؤولية نفسها التي عالجناها بها لغاية الآن. نحن نتابع ما يحدث في الشرق الأوسط باهتمام كبير، نصغي السمع، ونتابع بعيون مفتوحة ما يحدث. أمور كثيرة تحدث، وسنبقى طوال الوقت على أهبة الاستعداد، وسنعالج هذه التهديدات والتحديات التي لا تتوقف".

إلا أن تصريح وزير الأمن، موشيه يعالون، كان أوضح ما صدر عن القيادة العسكرية الإسرائيلية، حين قال إن "على من يحاول تسليح أعدائنا أن يعرف أننا سنصل إلى أي مكان، وفي أي وقت، وبكل طريقة من أجل إحباط مخططاته. ولن نساوم في ذلك، ولن نسمح بتجاوز خطوط حمراء، تشكل خطراً على أمن إسرائيل. ولن نساوم على أمن مواطني إسرائيل".

أما لجهة الحظر الذي تفرضه الرقابة العسكرية الإسرائيلية على موضوع الغارات، فقد ظهر في كلام معلق الشؤون العسكرية في القناة الثانية، روني دانييل، الذي ألمح، أيضاً، إلى إمكان رد حزب الله على الغارة. وقال "من الممكن جدّاً أن يكون سلاح الجو قد عمل في سورية، لكننا ممنوعون من أن نصرح عن أمور دقيقة. ولكن، من غير الصحيح الافتراض أن مثل هذا الهجوم، ولفترة طويلة، لن يرد عليه بإطلاق نار من حزب الله". لهذا، ما كان من صحيفة هآرتس إلا أن لفتت الانتباه، مرة أخرى، إلى أن الغارات الجوية على الأراضي السورية هي استمرار لسياسة إسرائيل الأمنية، فيما يتعلق بالأزمة السورية، وإن "رد حزب الله يصعب التنبؤ به، لكن الحزب يظهر ثقة كبيرة بالنفس عند استفزازه إسرائيل"، ولاحظت أن الضربات تزامنت مع إعلان نتنياهو أنه سيذهب إلى الانتخابات، وتثير هذه المصادفة مزيداً من التساؤلات عن الدوافع السياسية للضربات الجوية.

ولئن لم تؤكد، أو تنفي، إسرائيل مسؤوليتها، فإن الغارات، في حد ذاتها، مؤشر على وجود خط أحمر، ينبغي أن تقف عنده عملية تسليح حزب الله من أسلحة في الأراضي السورية، وعدم نقلها إلى الأراضي اللبنانية، وإلا فإن التعرض للأسلحة في مخازنها استعداداً لنقلها، أو القيام بعمليات استباقية ضد قوافل تتحرك، استعداداً لعبور الحدود، سيكون الدافع والمحفز الرئيس للقيام بغارات، كلما استدعت الحاجة، ولن يكون هناك ما يردع إسرائيل عن القيام بعمليات كهذه، والذريعة دائماً وجود تهديدات أمنية.

وبحسب المراسل العسكري للقناة العاشرة الإسرائيلية، أور هيلر، فإنه "منذ اندلاع الحرب الأهلية في سورية، وضعت إسرائيل خطوطاً حمراء تقضي بمنع نقل أسلحة استراتيجية ونوعية من سورية إلى حزب الله، مثل صواريخ "سكود ب"، وسلاح حديث مضاد للطائرات مثل "إس 300" أو صواريخ بر بحر متطورة من طراز "ياخونت".

ورجحت القناة الإسرائيلية الثانية أن يكون الهجوم محاولة لإحباط تهريب شحنة صواريخ متطورة من سورية إلى حزب الله عبر جبال القلمون. وقال معلق الشؤون العربية، إيهود يعري، "إن الغارة الثانية استهدفت منطقة تقع على الطريق الرئيسي القديم من دمشق إلى بيروت. ومن هذا، يبدو أننا، هذه المرة، نتحدث عن محاولة تهريب شحنة صواريخ متطورة من سورية إلى حزب الله، عبر جبال القلمون، وهو أمر عملت إسرائيل من قبل على إحباطه". ولقد لاحظ عاموس هارئيل في "هآرتس" أن ما جرى، أخيراً، جاء بعد أن بذل حزب الله جهوداً لتحديد قوانين لعب جديدة أمام إسرائيل في الساحة الشمالية، وهو يتم بعد أن قام المجتمع الدولي بتغيير أولوياته، فيما يتعلق بالحرب في سورية (في البداية إسقاط الأسد وبعد ذلك هزيمة أعدائه، وهم حاليّاً داعش)، وهذه هي المرة الأولى التي تعمل فيها إسرائيل في سورية، منذ إعلان نتنياهو نيته الذهاب إلى الانتخابات.

وبحسب وسائل الإعلام الأجنبية، قصفت إسرائيل من الجو بين خمس إلى عشر مرات في عامين. وردت سورية وحزب الله بالتهديد والتحذير، لكنهما لم يفعلا بشكل مباشر. وقد تغير ميزان الردع في فبراير/شباط. وحسب تلك التقارير، حاولت إسرائيل إصابة قافلة سلاح قرب الحدود السورية اللبنانية، لكنها فعلت ذلك، أول مرة، في الأراضي اللبنانية، وليس في سورية. وبعد الهجوم، وضع حزب الله ثمناً خاصاً به: أي عمل إسرائيلي في الأراضي اللبنانية سيأتي بعده الرد. ووقف حزب الله وراء مجموعة عمليات من العبوات وإطلاق الصواريخ في هار دوف وهضبة الجولان، ووصفت بأنها انتقام للقصف في جنتا، وعلى حادثين قتل فيهما ناشطون لحزب الله.

إلى هنا، من الواضح أن حدود القوة الإسرائيلية، وحدود التهديدات التي يطلقها النظام السوري، كما أن حدود رد حزب الله، باتت واضحة، بل أكثر من واضحة، وهي حدود لا تذهب بعيداً، إذا ما كان الأمر يتعلق بقصف أهداف داخل الأراضي السورية. وفي حال تعلق الأمر بقصف طائرات إسرائيلية أهدافاً داخل الأراضي اللبنانية، فإن الأمر قد يختلف؛ لكنه، في كل الأحوال، لن يتجاوز ردود فعله التي باتت محدودة ومحصورة بما يعكسه دوره ومفاعيله وتداعياته داخل الأراضي السورية، من انشغالاتٍ أضحت تمتد وتطاول دوره المقيد داخل الأراضي اللبنانية، في ظل تحدياتٍ بات يثيرها انتقال الصراع السوري إلى الداخل اللبناني، المنهك بالأزمات الداخلية، وما تثيره الأزمات الإقليمية، خصوصاً السورية، من تأثيرات مباشرة وغير مباشرة؛ حزب الله أول من يتأثر بها، الأمر الذي حدّ، ويحدّ، من فاعليته وقدرته على التعاطي بحيوية مع الوضع العسكري ضد المستوطنات والقطعات العسكرية الإسرائيلية في الشمال الفلسطيني، انطلاقاً من الجنوب اللبناني. وذلك على الرغم من ردود متناثرة هنا أو هناك، لم تعد تبلغ "سوية الردع" الذي كان يتمتع به الحزب قبل نشوب الأزمة السورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حقائق أمام "باري ماتش" بعد محاورتها الأسد .. نجاتي طيّارة

العربي الجديد - الاربعاء 17-12-2014

لا يستحق حوار المجرم بشار الأسد مع مجلة باري ماتش، والذي نشرته في الرابع من ديسمبر/كانون الأول الجاري، الاهتمام والتعليق، فهو مشبع بالكذب والادعاء. لكن، لأن الحديث اهتمت بنشره مجلة فرنسية واسعة الانتشار، ولأن سياق الحدث السوري يمر بمرحلتي "داعش" والتحالف الدولي، رأيت واجب التعليق والرد.

لن أستخدم وصفاً آخر للأسد غير المجرم، فوحده المناسب، فقد ارتكب المذكور ما يطلق عليها القانون الدولي جرائم ضد الإنسانية. فكان يجب سوقه، أو على الأقل، المطالبة بسوقه إلى محكمة الجنايات الدولية، بدلاً من إجراء "باري ماتش" مقابلة صحافية معه، وبدلاً من السكوت السافر عن جرائمه الموصوفة. لكن، وللأسف، سياسة الدول والإعلام شيء، والقانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان شيء آخر. والواضح لكل ذي بصيرة أن الفارق بينهما على أشده فيما يتعلق بالمأساة السورية المستمرة.

أما عن المقابلة، واحتراماً لحق القارئ الفرنسي في الاطلاع على الأقل، نقول إن المجرم الأسد يكذب، منذ الجملة الأولى في جوابه الأول، وهذا دأبه. وكان الأحرى بنائب رئيس تحرير مجلة باري ماتش، الذي أجرى المقابلة، أن يواجه ذلك بالحقائق التي تقول: على العكس تماماً. منذ الأيام الأولى، كان الشهداء من المدنيين فقط، ففي درعا سقط الطالب أكرم الجوابرة أول شهداء الثورة برصاص الأمن، يوم الجمعة 18 مارس/آذار 2011، ولحقه حسام عبد الوالي عياش وأيهم الحريري، وشاب آخر، ولم يُجرح واحد من السلطة. ومنذ الأيام الأولى، واجهت السلطة المظاهرات السلمية بالعنف، في درعا وحمص وبانياس، ولم يكن هناك أي سلاح لدى المتظاهرين، بل لم تكن الشعارات ضد النظام، ولا ضد الرئيس حتى، بل كانت كل مطالبها تتركز في درعا على إطلاق سراح الأطفال، ومحاسبة من عذّبهم، وتطورت إلى المطالبة بإقالة المحافظ. كذلك في حمص، إذ خرجت المظاهرة الثانية يوم الجمعة 25/ 3/2011، تنادي بإلغاء الأحكام العرفية، وإقالة المحافظ الفاسد والإفراج عن طلّ الملوحي، الصبيّة العشرينية التي صارت رمزاً للاعتقال التعسفي، ولم يفرج عنها حتى اليوم، على الرغم من نيلها تخفيض ربع المدة التقليدي قبل حوالى العام. أما المستشارة الرئاسية، بثينة شعبان، ففي مؤتمر صحافي شهير مساء 24 /3/2011، اتهمت جمهور المتظاهرين بالفتنة والإرهاب مباشرة، وقالت إن "الرئيس" أمر بعدم إطلاق النار على المتظاهرين، حتى لو أطلقوا وبادروا هم أنفسهم بإطلاق النار. وكان هذا منتهى الكذب والخداع. وحيث لم يكن مسموحاً باطلاع صحافة مستقلة أو مراقبين أجانب على ذلك كله، وفق الوضع السوري المعروف، فقد أطلق رصاص الشرطة والأمن والشبيحة على المتظاهرين السلميين، بعد أقل من 18 ساعة من ذلك التصريح.

وشهدت ذلك بنفسي ذلك اليوم، في حمص، وأعلنته على عدة فضائيات. صحيح أنه لم يمت أحد بالرصاص يومها، بل جرح كثيرون، ومات مجند شاب كان حارساً على باب نادي الضباط، لكنه مات بالحجارة التي لجأ إليها المتظاهرون رداً، وهم هاربون من رصاص الأمن، فاقتحموا النادي المذكور، الذي كان رمزا لكل قباحات النظام، وتسلق اثنان منهم البناء، ومزقا لوحة الأسد الأب، فرفسها أحدهما بقدمه، في منظر صار من أوائل أيقونات الثورة السلمية السورية.

أما الحديث عن دعم قطر وتركيا الإرهابيين، فالجميع يعلم أن البلدين تأخرا في تأييد الثورة السورية، بعدما كانا أبرز أصدقاء النظام وشركائه، ولم يكفّ البلدان، عبر وزيري خارجيتهما، عن زيارة دمشق ونصح المجرم ومطالبته بالإصلاح واستيعاب مطالب شعبه، وبدون فائدة طوال الشهرين الأولين من أحداث الثورة.

لكن، يستغبي المجرم القراء وذاكرتهم، ويمضي في حديثه عن أخطاء الممارسة بطبيعة الأمور، وكأن قتل آلاف المدنيين، وتشريد ملايين السوريين لاجئين، ومحو أجزاء كبيرة من حمص ودرعا وحلب وغيرها، وتدمير سورية وإعادتها قروناً إلى الوراء، مجرد أخطاء طبيعية ومتوقعة في الممارسة، تماثل أخطاء متمرن جديد في لعبة كرة القدم، أو رحلة كشافة.

في جوابه الثاني، يناقض خطاباته الأولى التي اعترف فيها بنفسه بسلمية الثورة، خلال أشهرها الستة الأولى، ويمضي منسجماً مع الرواية التي استكملها ونجح، مع الأسف، في إخراجها وتنفيذها واقعياً في سياق دولي ملائم. وهي رواية تتلخص في أن كل ما حدث من مظاهرات محض إرهاب. لذا، كان لا بد من مواجهته بالسلاح. وذلك، بالضبط، ما يلاقي هوى الغرب الذي تجتاحه، اليوم، فوبيا الإرهاب. وفي ذلك يتابع، فيقول: لو لم ندافع عن الشعب، لما كنا قادرين على الصمود. بينما نعلم جميعاً أن إرهابيي حزب الله هم الذين استعادوا القصير من الثوار، وليس جيشه مدعي الصمود. علما أنهم استعادوا القصير بعد تدميرها، ومسحها بالطيران، كما أن تدخل قوات الباسيج الإيرانية، والدعم الروسي والإيراني لجيشه وخزانته لا يحتاج دليلاً جديداً.

وجرياً على عادته في الادعاء، إن لم نقل أكثر، يرفض أرقام الأمم المتحدة ومصادرها، وكأن لديه أفضل منها، لكنه لا يعلمنا عنها مع ذلك! فتفلت منه، ومن الذين لا شك أنهم أعدوا له الأجوبة، عبارة ستثير الرعب لدى مواليه، فضلا عن أنها تنسف ادعاءاته بتحقيق النصر. ويعترف، أو يدعي، فيها، بأن العدد الأكبر من الضحايا في سورية هم من مؤيديه، على الرغم من محاولته الظهور بمظهر الضحية. فلا شك أن أعداد القتلى هي أحد المؤشرات العسكرية للنصر أو الهزيمة، لكنها هنا، وبتأثير سلاح الطيران وصواريخ سكود والبراميل المتفجرة، والتي يملكها النظام، ولا تملكها المعارضة، كما يعلم العالم بأجمعه، وخصوصا من يمنع الأسلحة عن الجيش السوري الحر. وبتأثير ذلك كله، في التسبب بأعداد هائلة من القتلى المدنيين، ملأت صور مجازرهم الشاشات والصحف، لكي تبرهن انتصاره، لكن ليس على جثث شعبه فقط، بل على آثار سورية وعمرانها واقتصادها وبيئتها كذلك.

أما الكذبة الكبرى، والأكثر ادعاء وفضائحية، فهو تكراره مصطلح الدولة، الغريب بكل المقاييس عن نظامه، على الرغم من لعبة تحديد المصطلحات التي يتفاصح بها دوماً، وطالما عبّرت عن إحساسه بالنقص تجاه الثقافة والمثقفين. وهو، بذلك، يتعامى عن خصائص نظامه الذي اشتهر بالفوز بنسبة تقارب ال99% في كل أشكال ومستويات انتخاباته، كما اشتهر بالرئاسة الوراثية، واستدامة العائلة الحاكمة إلى الأبد. لكن، والحق يقال، كان صادقا للمرة الأولى بقوله "من المستحيل لدولة أن تقتل المدنيين". ولما كان معروفاً بصورة قاطعة، أنه قتل المدنيين، فإن نظامه لا يمثل دولة فعلاً، وبحسب أقواله تحديداً، إنما هو نظام عصابة عائلية، عنصرية ضد الآخرين من شعبها، كما كان نظام سلوبودان ميلوسيفتش، وكما كان نظام الأبارتايد، والمعلم الكبير للتمييز العنصري نظام هتلر!

وحين يعترف بأنه لا يستطيع الحديث عن نهاية الحرب، فيحاول الظهور بمظهر الواقعي، على العكس من كل إعلاناته السابقة عن قرب انتصاره، وقضائه على فلول الإرهابيين، وذلك لأنه فشل عملياً في الانتصار على الثوار، وامتد صراعه معهم حوالى أربع سنوات، ولا أفق يبدو لنهاية الكرّ والفرّ معهم، فقد لجأ للعبة عاطفية تثير السخرية، بحديثه عن كسب قلوب السوريين، وهو المعروف عنه، بكل بساطة: أنه حطّم قلوب كل السوريين، معارضين أو موالين، على السواء.

أما أطرف ما جاء في الحوار، فهو عن اشتراط الإجراءات الدستورية التي يأتي بواسطتها الرئيس، وكأن الانتخابات السورية مجهولة عالمياً، أو كأن تزويرها، ونسب النجاح فيها، لم تعد تثير ضحك الناس في العالم، بل قرفهم، ويأسهم من فشل الأنظمة والمجتمعات العربية أيضاً.

وحين يستحق القسم الثاني من الحوار بعض الاهتمام، نظراً لجدة الموضوع المتعلق بداعش والتحالف الدولي، فيسأله مندوب "باري ماتش": "قام سلاحكم الجوي بألفي طلعة على الأقل خلال 40 يوماً، وهذا عدد ضخم. عندما تتقاطع طائراتكم مع طائراتهم، مثلاً، وهي في طريقها إلى قصف الرقة، هل هناك تنسيق بينكم أو اتفاق عدم اعتداء؟" هنا، يكاد المجرم يشير إلى تنسيق غير مباشر بين قواته وضربات طيرانه وبين قوات التحالف الدولي. لكنه لا يكشف أن تلك الضربات لم تصب أحداً من داعش، على الإطلاق، في غاراتها تلك، بين يومي الثلاثاء والخميس الأسودين 25/ 26 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بل أصابت كثيرين من أهل الرقة، وأرسلت 305 منهم مباشرة إلى الجنّة.

وبالطبع لن يحب أن نذكّر بإفراجه المدروس، أوائل الثورة، وفي أوائل الثورة السلمية، عن حوالى 700 سجين إسلامي متشدد، من سجن صيدنايا الشهير، وعلى رأسهم الأربعة، الذين قادوا أكبر القوى الإسلامية التي ستستولي على قيادة الثورة السلمية السورية، وتتابع عسكرتها لاحقاً، وصولاً إلى تحول معظم مقاتليها إلى صفوف داعش. (بموجب أول مراسيم العفو 31/05/2011، أفرج عن زهران علوش، قائد لواء الإسلام لاحقا، ثم جيش الإسلام. وحسان عبود، أبو عبد الله الحموي قائد أحرار الشام، الذي قتل بصورة غامضة، مع حوالى 50 من قادته في اجتماع سري، في أوائل سبتمبر/أيلول 2014. وعيسى الشيخ قائد لواء صقور الشام، وأبومحمد الجولاني أمير جبهة النصرة).

وإذ لا تستحق تفاصيل عديدة، في الحوار، الوقوف عندها، نظراً لارتفاع نسبة الكذب والادعاء وتضخم تأثيرات انفصامه عن الواقع، مثل حديثه عن قبطان السفينة الذي لا يفكر بحياته، بل بإنقاذ السفينة، فإن كل ما هو مكشوف ومفضوح من مسؤوليته عن إغراقها وإغراق مواطنيها في مآس غير مسبوقة في تاريخ الشعوب، يؤكد أن إنقاذ سفينة سورية في أي حل عسكري أو سياسي قادم لا يمكن أن يتم بدون إبعاد مريض ومجرم مثل بشار الأسد.

_______________________

تنشر "العربي الجديد" المقالة بالتزامن مع "لوموند" الفرنسية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا تصر واشنطن على اتهام الإسلام السني بالإرهاب؟ .. الطاهر إبراهيم

القدس العربي - الاربعاء 17-12-2014

مع بداية العشر الأخير من القرن العشرين وبعد هدم جداربرلين وتفكك الاتحاد السوفييتي، شهد العالم قوة وحيدة تتحكم فيه هي أمريكا، التي فرضت نفسها شرطيا للعالم وقاضيا يحكم بتجريم أقوام وتبرئة آخرين. لعل أبرز المظاهر التي ظهرت فيها واشنطن أنها اتخذت قوائم للإرهاب تضع عليها من لا يوافقها من الدول والجماعات والأشخاص.

كان من أذرعها التي تطال الذين وضعت أسماؤهم على اللائحة السوداء: الإنتربول والمحكمة الجنائية الدولية ومعظم البنوك التي لها صفة دولية. وأحيانا ترسل جيشها لجلب المطلوبين لها إلى الساحة التي تجعلها مكانا لتطبيق عدالتها عليه، أو تجمد ملاحقة مطلوبين للوقت الذي قد تراه مناسبا لفرض شروطها عليهم. يكفي أن نرى ما فعلته في العراق عندما غزته عام 2003 وحطمت دولته وسلمته أنقاضا إلى حكومة المالكي، ففرض الطائفية التي دمرت ما كان يعرف بدولة اسمها العراق، وكل ذلك فعلته واشنطن بعيدا عن مجلس الأمن.

لعل الأشد فظاعة من ذلك كله اعتقال واشنطن لأكثر من 500 من العرب والمسلمين، وإيداعهم سجن غوانتنامو الرهيب من دون محاكمة. وقبل وصول باراك أوباما إلى السلطة، كان فقد أكد في دعايته الانتخابية تقديم هؤلاء إلى المحاكمة ومن ثم إغلاق غوانتنامو، لكنه تراجع عن ذلك. لا يهمنا سبب رجوعه، إنما المهم أنه لا يمكن الاطمئنان إلى ما تفكر به واشنطن.

هذه السياسة التي أصبحت خلقا لأمريكا ولّد عند الشعوب الإسلامية السنية حجما هائلا من عدم الثقة، بما يمكن أن تفعله بهم أمريكا. وما جعل المسلمين يتوجسون من مستقبلهم الغامض مع واشنطن أنها احتكرت الحقيقة. والحقيقة المخوفة هنا هي تفسير واشنطن للأمور، وليس ما يحصل على أرض الواقع.

على سبيل المثال، أعلن الإخوان السوريون قبل سنتين وثيقة سموها «عهد وميثاق»: التزموا فيها بالديمقراطية والتعددية السياسية وما تفرزه صناديق الاقتراع ومبدأ تداول السلطة في سورية المستقبل. وقد هلل السياسيون السوريون لهذا الإعلان، ليتبين أن واشنطن لن تقبل بالإخوان المسلمين ولو خلعوا جلودهم.

واشنطن تريد شيطنة الإخوان السوريين ليس في سورية فحسب، بل هذا ديدنها في الشرق منذ ورثت بريطانيا في البلاد العربية وفي الشرق الإسلامي. كان مما سعت واشنطن له أن يقود العلمانيون الثورة السورية وسمتهم المعتدلين. وقد علم السوريون أن هؤلاء المعتدلين من غير الملتزمين بالإسلام، لكن الواحد منهم ما إن ينضم إلى قتال النظام حتى يصبح جهاديا خالصا، فليس هنالك في الثورة السورية معتدل ومتطرف. أما المعتدلون فهم إما ضباط انشقوا عن الجيش النظامي وقد أنفوا أن ينخرطوا تحت قيادة قادة الفصائل المدنيين، وقد تجمع أكثرهم في تركيا، أو أنهم أصحاب طموح أرادوا أن يكون لهم شأن فقنعوا بما عرضته واشنطن.

حتى الآن لم تستطع طائرات التحالف أن تنجح في تحجيم «تنظيم الدولة (داعش)»، بل نرى أن هذا التنظيم يزداد اتساعا أفقيا وشاقوليا كلما ازدادت هجمات طيران التحالف، بل ان البعض يعتقد أن هذا التنظيم يمتلك أسلحة أمريكية مضادة غنمها من جيش المالكي، لم يستعملها حتى الآن، يخبئها ليفجر بها مفاجأة تعصف بهيبة واشنطن أمام شعبها وحلفائها.

نعود إلى ما بدأنا به مقالنا فنتساءل: لماذا تريد واشنطن شيطنة الإسلام السني المعتدل؟ وكان الأحرى بها أن تستعين به لتحتوي «القاعدة» و»داعش» وأخواتهما وما يمكن أن يظهر بعد. الجواب واضح لدينا، فهي تخشى الإسلام السني المعتدل أكثر مما تخشى «القاعدة» و»داعش». فقد رأت كيف أحسن الإسلاميون المعتدلون النتيجة في الانتخابات التي جرت في كل من مصر وتونس وفي ليبيا بالانتخابات الأولى، لذا فهي تستبق الوضع في سورية قبل نجاح الثورة.

يبقى التساؤل الوجيه الذي يخطر ببال كثيرين: ألم تحسب واشنطن حساب توسع الأمر فينقلب السحر على الساحر، فيتوسع «داعش» الذي كان قبل سنة لا يعد عسكره عدة مئات في العراق ومثلها في سورية، فأصبح بعشرات الألوف اليوم، بل قد يمتد ذراعه إلى اليمن الذي يموج بالقبائل السنية الذين قتلوا حتى الآن عدة مئات من الحوثيين الذين تدعمهم واشنطن وإيران، والحبل على الجرار.

هناك من يعتقد أن واشنطن حسبت حساب كل هذه المحاذير، لكنها تخاف هذا الإسلام السني المعتدل، لأن أتباعه يرفضون أن يبيعوا أنفسهم. فعدلت إلى طهران التي تملأ الأسماع بأنها ضد الشيطان الأكبر، ثم تبيع وتشتري مع هذا الشيطان من تحت الطاولة. مؤخرا ظهر اتفاق الطرفين إلى العلن، ليتبين أن طهران كانت تقاتل «داعش» بعلم واشنطن قبل أن يظهر التحالف إلى العلن، وما خفي كان أعظم.

٭ كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية: دفاعاً عن المجتمع المدني .. أكرم البني

الحياة - الاثنين 12-15-2014

ثمة من يسخر اليوم من الدعوة إلى إحياء المجتمع المدني ونشر ثقافته ويعتبرها خروجاً عن مألوف الصراع الدموي أو ضرباً من الأوهام وجهداً ضائعاً لا جدوى منه في ضوء الوضع الكارثي، إنسانياً وعمرانياً، الذي وصلت إليه البلاد مع تمادي لغة العنف وظواهر الانقسام والاحتراب، ومع تنامي التدخلات الخارجية وتفاقم أزمة معيشية تفقد البشر أبسط مقومات استمرارهم في الحياة، والأهم مع تشديد الخناق على الناشطين المدنيين والنيل منهم.

صحيح أن فرص حضور المجتمع المدني تبقى محدودة في ظل غياب الأمن والاستقرار وسيادة لغة القوة والسلاح، لكن الصحيح أن غيابه، نتيجة القمع المزمن وازدراء مؤسساته وتهميشها، كان سبباً قوياً لهذا التفاقم المذري للصراع السوري وخروجه عن السيطرة وعن المعالجة السياسية العقلانية، والصحيح تالياً أن النهوض بالمجتمع المدني والاحتكام إلى قيمه ومفاهيمه هو اليوم واحد من الخيارات الحيوية المطلوبة لمواجهة هذا الخراب، بما هو رهان على جماعات ومكونات وطنية تعددية قائمة على الانتماء الطوعي وتلتف حول أنشطة ثقافية أو حقوقية أو خدمية بدافع المصلحة المشتركة للناس في حماية مصائرهم من أوضاع باتت تهدد حياتهم ومستقبلهم، وبما هو رهان على ثقافة وأفكار حداثية تبرز معنى الحرية والحقوق الفردية والمساواة بين البشر من دون النظر إلى اللون والجنس والدين والقومية، وتشكل مدخلاً لإعادة البناء على مفهوم الوطن والمواطنة والعقد الاجتماعي الديموقراطي.

ونسأل، ألا تأنف ثقافة المجتمع المدني الدخول في مواجهات إقصائية وصراعات حادة، وتشدد على طرائق الحوار وبناء التوافقات وفتح قنوات للتفاعل الاجتماعي السلمي؟ ألا تستمد قوتها من خلق تراكمات في الوعي والعمل الملموس لمحاصرة الاندفاعات العدوانية ولاعتراض مسار عنفي ينذر بما هو أسوأ؟ ثم لماذا يغيب عن البال دور المجتمع المدني في محاصرة ظواهر التفكك ومحاربة الشروخ والاصطفافات ما دون الوطنية، وفي نقد المناخ القائم على تغذية روح التمييز والتفرقة الطائفية أو الدينية؟ أوليس في نشر القيم المدنية عن المساواة والتسامح واحترام ظواهر التعددية وحق الاختلاف، ما يخفف حدة الاستقطابات ونوازع التطرف والمغالاة ويحاصر أدواراً داخلية ومصالح خارجية تتطلع إلى إعادة صوغ المجتمع السوري على أسس متخلفة إثنية وطائفية لتسهيل السيطرة عليه والتحكم بمصيره؟

ثم ألا تعزز هذا الخيار الحاجة الملحة اليوم إلى إحياء روح التكافل والتضامن بين الناس وحفزهم على معالجة تدهور شروط حياتهم وهم متحدون ومتعاضدون، وتالياً تمكينهم، بصفتهم أبناء مجتمع واحد، من مواجهة مخلفات العنف والفقر والعوز الشديدين وضغط ظروف حياتية مرشحة لمزيد من التفاقم؟

وأيضاً نسأل، ألا تشكل فكرة إحياء المجتمع المدني أحد مفاتيح الرد على الاستباحة غير المسبوقة لبلادنا من جانب أطراف خارجية صار لها مصلحة مباشرة باستثمار الصراع السوري في حسابات الهيمنة والنفوذ، أو كلغة مشتركة للرد على واقع يعاني من انهيارات أخلاقية وقيمية ومن تراجع روح المواطنة ومقوماتها؟ ولم نبخس حق التشابكات المتنوعة بين الأفراد والفئات المختلفة في حماية الدولة والمجتمع، وبقايا المدنية فيهما حين تنطلق من اعتبار الشراكة المتكافئة في الوطن من دون غيرها من الروابط العشائرية أو الطائفية أو القومية أو الحزبية هي مصدر الحقوق والواجبات وأساس العلاقة والمساواة. ألا يقرب ذلك المسافات بين كتل وجماعات بدأت تعيش حالة من التخندق المتخلف حول الذات، ويعيد الاعتبار إلى وحدة الوطن وسيادته في مواجهة محاولات تفكيكه وتمزيقه والاستيلاء على مقدراته؟

والحال، مع غلبة منطق العنف وانحطاط الحقل السياسي وذهاب أصحابه بعيداً وراء الحسابات الأنانية والمصالح الضيقة، تظهر اليوم أهمية نشر ثقافة المجتمع المدني وتنمية دوره وتمكينه، كظاهرة إنقاذية واعدة ترتبط بالقدرة على الإنتاج والعطاء من منظور إنساني بحت، بما يعني إيلاء البنية المجتمعية المنهكة والمفككة الأولوية، إن في رعاية ما تفرزه معاناة البشر من تضامنات تحتية لا تخضع لبرنامج حزبي أو لإرادة سياسية، وإن بتشجيع المبادرات الذاتية والجمعية التي تعزز إيمان الناس بحقوقهم وبقدرتهم على التعايش ووقف التدهور المستمر.

لكن المتضررين من حضور المجتمع المدني ومن انتشار ثقافته كثر، ويجمعهم خيط واحد هو خوفهم على مواقعهم وامتيازاتهم من حراك المجتمع واستعادة دوره، ما يفسر حالة الحصار والتضييق المتعمد من جانب مختلف أطراف الصراع على الناشطين المدنيين، منهم من لا يزال في سجون النظام، كالحقوقيين، خليل معتوق وجديع نوفل وعمر الشعار، والصحافيَينِ مازن درويش ولؤي حسين وغيرهم كثيرون، ومنهم ناشطون مدنيون ومنتخبون في المجالس المحلية وإعلاميون جرت تصفيتهم أو اعتقالهم على يد المتشددين الإسلامويين في المناطق الخارجة عن سيطرة السلطة، وأبرزهم الحقوقيون الأربعة، رزان زيتونة وسميرة خليل ووائل حمادة وناظم حمادي، وقد مضى عام كامل على اختطافهم المدان واختفائهم المريب!

«كل شيء باهظ الثمن اليوم إلا الإنسان» هي عبارة يكررها السوريون ليظهروا الدرجة التي وصل إليها استرخاص حياة البشر، فكيف بحقوقهم وحاجاتهم! ما يشدد في المقابل على أهمية نشر ثقافة تقوم على النقيض وتركز على قيمة الإنسان بصفته الأثمن والأعلى والأرقى، الإنسان المكون من دم وروح والمتساوي مع الآخر بغض النظر عن قوميته ودينه وجنسه، والإنسان بصفته كائناً جديراً بالحياة والاحترام التامّين، وذاتاً حرة لها حقوق سياسية نابعة من حقوقها الطبيعية في الحرية والكرامة والاجتهاد.

بالنتيجة، يبدو التركيز على فكرة إحياء المجتمع المدني ونشر ثقافته خياراً حيوياً نحتاجه اليوم كأحد أهم قواعد الحماية الذاتية لبلادنا وللحد من تسلط أطراف الصراع وانفلاتها، وكمسار ثقافي وعملي يطلق آفاقاً جديدة لمصلحة إعلاء شأن الحياة والحرية والإنسان في مواجهة طغيان المصالح الضيقة وغطرسة العنف والقوة، ويتجه أساساً نحو البشر، لتقوية ثقتهم بأنفسهم وبجدوى دورهم في انتشال وطنهم من الوضع المأسوي الذي وصل إليه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أزمة توثيق انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا .. د. مصعب قاسم العزاوي

القدس العربي - الاثنين 12-15-2014

يتسم عمل توثيق انتهاك حقوق الإنسان في سوريا بصعوبات مركبة ومتداخلة فيما بينها بدءاً من تصحر الوطن السوري من كل نشاط مجتمعي مدني حقيقي من قبيل الدفاع عن حقوق الإنسان خلال العقود الطويلة من تسيد نظام الاستبداد والدولة الأمنية المافيوية في كل مفاصل حياة المواطن السوري، وصولاً إلى مأساة التغييب القسري سواءً بالقتل أو الاعتقال للعديد من الناشطين الحقوقيين الذين تمكنوا، وخلال فترة وجيزة من عمر الثورة السورية، من الإمساك بالمفاتيح الأساسية للعمل في ميدان حقوق الإنسان وتقديمه في صيغة صحيحة وصادقة، على الرغم من أنها في معظم الأحيان ظلت تتراوح في حيز التوثيق الأولي الخام الذي يحتاج دائماً إلى التدقيق والتنقية لزيادة قدرته التأثيرية عند المتلقي له، ومروراً بالصعوبات المهولة التي تقارب المستحيل لتحرك الناشطين الحقوقيين في سوريا وقدرتهم على العمل المشترك فيما بينهم في الداخل السوري ومع رفاقهم الموجودين خارج حدود الوطن.

وما ساهم بشكل مؤلم في تشويش عمل ونتاج وتعقيد مهمة الناشطين الحقوقيين في سورية ظهور مؤسسة تزعم اهتمامها بالعمل في ميدان حقوق الإنسان وهي في واقع الأمر شخص واحد ليس لكيان المؤسسة التي يتحرك باسمها أي كيان اعتباري أو قانوني أو جسم تنظيمي عياني مشخص سواء في سورية أو في المهجر. وهو الذي قام دائباً بتحويل ضآلة العمل مجال حقوق الإنسان في سورية من توثيق لكل الانتهاكات التي تندرج تحت الأبواب الأساسية في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى عمل إخباري مسطح يتناول التطورات الميدانية في واقع المأساة السورية من اشتباكات ومواجهات وتفجيرات وحوادث قتل على أساس طائفي أو ثأري دون التحقق الموضوعي من أنها في الواقع الحقيقي كذلك.

ولأن معظم المؤسسات الإعلامية الغربية محكومة بمعادلة القرد الذي إن خيرته بين أنواع الطعام فلن يختار إلا الموز من كل ما لذ وطاب لأن ذائقة القرد وتكوينه البنيوي والوظيفي تفرض ذلك، فهي، أي تلك المؤسسات الغربية، ظلت تستمرئ كل الرسائل الإخبارية التي تصور الثورة السورية على أنها حرب أهلية على أساس طائفي ومنذ الأشهر الأولى لعمر الثورة السورية، وأنها لم تقم أساساً كثورة شعبية تطمح للتحرر من الاستبداد وتحقيق الكرامة والعدالة الاجتماعية.

ولذلك ظلت الوسائل الإعلامية الغربية الكبرى تدمن اختزال انتهاكات حقوق الإنسان في سورية بما تقدمه لها تلك المؤسسة/ الفرد من صور شوهاء عن الثورة السورية دون البحث أو التمحيص في مدى صدقية وتوثيق المعلومات المقدمة لها كتفاصيل لتلك الصورة الشوهاء، وخاصة إن كانت من قبيل أكل قاتل همجي لقلب قتيله دون تحليل وشرح الظروف الموضوعية التي أدت إلى ذلك التحول الوحشي وفق مبدأ العنف الذي لا يولد إلا العنف في السياق المكاني والزماني لتلك الحادثة الشاذة، وأن التعميم من حالة استثنائية هو خطأ ما لم يتم التحقق علمياً وإحصائياً من أن ذلك المثال الخاص تشخيص صحيح لحالة عامة وسائدة.

وما ساهم في مفاقمة صعوبة مهمة توثيق انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا وإيصالها إلى الإعلام الغربي هو تنطع تلك المؤسسة/ الفرد لتقديم أرقام تحصي أعداد القتلى من أفراد الجيش والجهات الأمنية السورية دون تقديم أي قوائم قابلة للتحقق من صحتها وواقعيتها، واستخدام تلك الطريقة المخاتلة وسيلة للتشكيك في مصداقية الهيئات الحقوقية الأخرى التي لا تستطيع أن تقوم بأي توثيق ملموس لأعداد القتلى من الجيش النظامي والجهات الأمنية الموالية لنظام الأسد لعدم وجود أي ارتباط بينها وبين الجهات الرسمية السورية المعنية بإحصاء أعداد القتلى من أفراد جيش النظام الأسدي وأجهزته الأمنية، وخاصة في ضوء التضييق المهول على ناشطيها وملاحقة معظمهم من قبل الأجهزة الأمنية السورية.

يضاف إلى ذلك وقوع كل الكيانات السورية الأخرى المعنية بتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان في سورية على اختلاف مشاربها في أسر المطلب الجوهري والثابت بضرورة الحفاظ على الاستقلالية المطلقة لكل أنواع العمل في ميدان توثيق انتهاكات حقوق الإنسان عن ارتهانات التمويل الخارجي المباشر وغير المباشر، والحفاظ على أن يكون العمل دائماً وفق مبدأ يقيني ينطلق من أن العمل في مجال حقوق الإنسان وخاصة في مثل الحالة السورية يجب أن يكون عملاً تطوعياً وممولاً بشكل ذاتي من مساهمات المنخرطين فيه فقط، وهو ما أصبح مطلباً مركباً ومعقداً خاصاً في ضوء النكبة الشاملة عمقاً وسطحاً لكل تكوينات المجتمع السوري المنتفض، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى اضطرار العديد من الناشطين الحقوقيين الذين لم يعودوا قادرين على القبض على جمرة الاستقلالية المادية إلى قبول عروض العمل هنا وهناك مع مؤسسات إعلامية وحقوقية غربية وعربية وهجران العمل في ميدان توثيق انتهاكات حقوق الإنسان في سورية بشكل موضوعي ومنهج.

وذلك كله كان قد وسع الفسحة لما أتينا على ذكره آنفاً للإدلاء بنتاجه غير الموثق على أنه توثيق لانتهاكات حقوق الإنسان في الإعلام الغربي خاصة وبعض الإعلام العربي المتكاسل أيضاً الذي لم يكلف نفسه عناء البحث عن الحقيقة الموضوعية بما يجرى في سورية إنْ لم يكن في الواقع منغمساً في معادلة تفارق المقول عن الفعل!

٭ كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل المنطقة الآمنة خيار ممكن؟ .. فايز سارة

الشرق الاوسط - الاحد 14-12-2014

تثير فكرة المنطقة الآمنة بعض الجدل القانوني والحقوقي حول إذا ما كانت الفكرة مختلفة عن فكرة المنطقة العازلة، التي تتم إقامتها في مناطق الصراع بين طرفين أو أكثر. وتجنبا لأي التباسات، فإن فكرة المنطقة الآمنة، هنا، تختصر باعتبارها منطقة خارج الاستهداف العسكري، يتم حماية السكان فيها، وقد شهد العالم إقامة مناطق آمنة مرات في الربع الأخير من القرن الماضي، على نحو ما حدث في البوسنة وفي شمال العراق، حيث جرى توفير ملاذات آمنة للسكان، وحمايتهم ولو جزئيا من الاستهدافات العسكرية.

وفكرة المنطقة الآمنة في سوريا، تكاد تكون بين الضرورات الملحة بعد سنوات 4 من الصراع المسلح، وما نجم عنه من قتل ودمار وتشريد للسكان، حيث أصبح نحو 5 ملايين من السوريين لاجئين في بلدان الجوار وفي الأبعد عنها، ونحو ضعفهم مشردين ونازحين داخل البلاد، والعدد مرشح للزيادة المطردة، إذ لم يتم التوصل إلى وقف الصراع والذهاب إلى حل للقضية السورية. بل إن لفكرة المنطقة الآمنة ضرورات تتعدى فكرة حماية السكان المدنيين في جوانب كثيرة، أبرزها إعادة قسم من اللاجئين إلى بلدهم، وإعادة تطبيع حياتهم، التي اختلت مساراتها وموازينها في السنوات الماضية، إضافة إلى خلق أو اختبار الأشكال الممكنة للإدارة لفترة ما بعد الصراع المسلح في مستقبل سوريا، ومعالجة ظروف ما بعد الصراع وغيرها من ضرورات.

ورغم أن أطرافا مختلفة ترى أو تؤيد فكرة إقامة المنطقة الآمنة في سوريا، فإن تركيا، جارة سوريا في الشمال، بين أكثر الأطراف حماسا لفكرة المنطقة الآمنة، وقد سمعت من مسؤول تركي كبير في الفترة الأخيرة ما يؤكد هذا الخيار، والمضي العملي نحو تحقيقه، خاصة أن الفكرة كانت مثار نقاش تركي مع أطراف إقليمية ودولية، اختلفت مع الأتراك، لكنها في الآونة الأخيرة اقتربت أكثر من الموقف التركي، وهذا ينطبق على الموقف الأميركي الذي أظهر تفهما أكبر للفكرة.

غير أنه قبل بروز الموقف التركي الأخير بشكل واضح، كان الائتلاف الوطني السوري، طرح قبل 6 أشهر مشروعه «العودة إلى سوريا» المتضمن انتزاع منطقة داخل البلاد، يتم الانتقال إليها، وجعلها محمية بكل الأشكال الممكنة، ورغم أنه لم يحدد الائتلاف في خطته بدقة المكان الجغرافي لبدء خطته «العودة إلى سوريا»، الذي قد يكون في شمال البلاد وربما في جنوبها، رغم أن الوقائع تميل إلى قول إن العودة ستكون إلى المناطق الأقرب إلى الحدود التركية، وهي المنطقة التي يرى الأتراك فيها حيزا لإقامة منطقة آمنة.

ضرورات إقامة منطقة آمنة تتقارب في الفكرتين التركية والسورية من جوانب عدة، وخاصة لجهة الضرورات المدنية، التي أشرنا إليها، ومنها حماية المدنيين، والملاذ الآمن للعائدين، وتطوير إدارة سورية جديدة، ومعالجة ظروف ما بعد الصراع المسلح، لكن الهاجس الأمني للفكرة قد يكون الأكثر أهمية في ضوء المخاوف من الأخطار العسكرية - الأمنية، التي تشكلها تداعيات الصراع في سوريا، ولا سيما في نقطتين، أولاهما النمو الكبير في قوة جماعات التطرف والإرهاب من «داعش» وأخواتها من أبناء «القاعدة» على حساب القوى المعتدلة في وجودها وانتشارها وتأثيره على السوريين والأتراك.. والثانية تنامي حضور وقدرات قوات الحماية الشعبية الكردية، التي تمثل امتدادا للخصم التقليدي للأتراك في سوريا حزب العمال الكردستاني «p.k.k»، مما يجعل تركيا أكثر رغبة في عزل الطرفين عن التماس مع حدودها، ولو في مناطق محدودة، تمثلها المنطقة الآمنة.

وإذا كانت المنطقة الآمنة ضرورة للسوريين والأتراك، فإن إمكاناتها تكاد تكون قائمة من الجانبين من الناحيتين السياسية والعملية. والأهم في الناحية السياسية أن ثمة حاجة لإعادة صياغة خريطة الصراع السوري، الذي تكاد لوحته في شمال البلاد تقتصر على حضور قوات النظام وقوات التطرف، بعد أن شهدت المنطقة تراجعا ملحوظا في وجود ودور الجيش الحر بما يمثله من قوة معتدلة، تقف في مواجهة تطرف وإرهاب مزدوج لنظام الأسد وتحالفاته المسلحة من جهة، وقوى «داعش» و«النصرة» من جهة أخرى، خاصة في ضوء استمرار الصراع، وانسداد أفق حل القضية السورية.

كما أن الإمكانات العملية لفكرة المنطقة الآمنة قائمة هي الأخرى، حيث هناك قوى اجتماعية ومناطق جغرافية معارضة لنظام الأسد من جهة، وفي مواجهة جماعات التطرف، فيها كثير من الارتباك والصراعات، مما يجعلها فريسة سهلة لواحد من الطرفين، أو لاقتسامها بينهما، وكل ما تحتاجه إقامة منطقة أو مناطق آمنة فيها، هو إعلان تلك القوى حضورها السياسي، ودفع التشكيلات المسلحة المعتدلة للوجود فيها، ومركزة قياداتها بعد تدريبها وتسليحها لتأمين قوة حماية على الأرض، فيما يقوم الأتراك بتوفير الحماية الجوية لها.

وإذا كان من الصحيح أن عملية كهذه لا بد أن تواجه تحديات ومشكلات كثيرة من أطراف عدة؛ فإن من الصحيح أيضا أن إخراج ما صارت إليه القضية السورية من انسدادات سياسية في مسارها نحو الحل، وما يمثله استمرار دموية النظام وصعود التطرف والإرهاب، وتداعيات الوضع السوري في المستويين الإقليمي والدولي، أصعب بكثير، وهي بين الحقائق التي لا يمكن تجاوزها بأي شكل كان.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : بمزيد من الانتصارات نحبط مبادرات إنقاذ الأسد .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 18/12/2014

ما حققه ثوار الشمال السوري في ريف إدلب من انتصارات ، وما يحققه ثوار حلب من صمود وإنجازات في استعادة بعض المواقع الحيوية والاستراتيجية على مداخل حلب الرئيسية ، وكذا صمود أهلنا في حمص، وغوطة دمشق وتقدمهم المشرف في حوران ؛ كل أولئك يشكل معالم مبشرة تؤكد أن الثورة في سورية ما تزال مستمرة وأن الثوار الأبطال يستحقون دائما التحية والتقدير .

لقد قلبت انتصارات المسطومة من قبل ثم انتصارات معسكر وادي الضيف و ومعسكر الحامدية المعادلة على الأرض ، وقطعت كل أجهزة الإنعاش التي كان يتعلل بها البعض في الحديث عن قدرة بشار الأسد على البقاء أو الوقوف على قدميه من جديد ..

إن الذي يجب أن ندركه في سورية معارضين وثوارا في وقت معا أن الذين تقدموا ويتقدمون بمبادراتهم هذه الأيام لا يتقدمون بها رغبة في حقن الدم السوري ، ولا إشفاقا على الإنسان السوري ، ولا خوفا على سورية الدولة - كما يُزين للبعض - بل هم يفعلون ذلك إدراكا منهم لحقيقة الانهيار الذي آل إليه أمر بشار الأسد ، فيسارعون بمبادراتهم المكشوفة إلى حمايته و إنقاذه من ضربة غير محسوبة كالتي حدثت في معسكر وادي الضيف أو الحامدية تكون فيها نهايته . وهم على الحقيقة قد لا يأسفون كثيرا عليه ، بل هم قلقون لأن نهايته إن فاجأتهم ستهدر كل ما راهنوا عليه من دور ونفوذ في المنطقة ، وكل ما ضحوا به من دماء وأموال على مدى ما يقرب من أربع سنوات ..

هذه المبادرات سواء منها مبادرة دي مستورا أو المبادرة الروسية ، أو الطروحات الإيرانية التي تبدو هذه الأيام محمومة في البحث عن حل مع الروس تارة ومع الأتراك أخرى ؛ كل هذه المساعي والمبادرات لم تصدر ، مع كل ما فيها من جنف وانحياز ، عن شعور أصحابها بقوتهم أو قوة الطاغية حليفهم بل على العكس هي تصدر عن هلع مكتوم يحاول أصحابه التغلب عليه . وكذلك فإن إعلان بشار الأسد استعداده لدراسة هذه المبادرات والتعامل إيجابيا معها لم يصدر عن حالة من النشوة بالانتصارات الجزئية والشكلية التي يحققها الطاغية كما تدعي وسائل كذبه الترويجي ، بل هو يفعل ذلك كخطوات استرضائية للحلفاء المتحكمين من جهة ، وخطوات استباقية للانهيار الكلي الذي يحس به والذي قد يجعله يفقد كل شيء ..

ولا أدل على حالة الهلع التي يعيشها الطاغية وطغمته من قيامه بسحب قواته من أريحا والمسطومة إلى مناطق الساحل خوفا من تكرار الهزائم بمثل ما تسببت به من خسائر بشرية في هزيمة الأسبوع القريبة ووقاية من تداعيات يوم أسود بات يظنه قريبا ..

جدير بالذين تضربهم مشاعر الوهن فيخلدون إلى حالة من الشلل ، أو اللهاث اليائس وراء ( أي حل !!) أن يدركوا هذه المعطيات من وضع عدوهم. وأن يعيدوا تلاوة قوله تعالى : (( إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا.)) على أنفسهم . تحتاج الثورة السورية والمعارضة السياسية إلى نوع من العلاج يقال له في مثل هذه الوضع العلاج بالصدمة . تحتاج الثورة السورية أن تعرف من عوامل قوتها ما يعرفه الآخرون عنها ، وأن توظف هذه الإمكانات في الحفز لضربة قاضية تنهي هذه الوضع المقلق وتضع حدا لمعاناة السوريين ومراهنات المراهنين .

لقد كان قرار منع الثوار السوريين من الانتصار قرارا دوليا بامتياز ، وكانت كل الأطراف الدولية تدرك أن أي دعم جاد ومنظم لهؤلاء الثوار يعني جعل بشار الأسد في خبر القذافي المقبور ، ولذلك توافق الجميع في سبيل فرض الحلول على سورية على استراتيجية سموها ( استراتيجية الإنهاك ) . إن كل سوري حر شريف يدرك أن من الخيانة والإثم بمكان التماهي مع هذه الاستراتيجية والركون إلى أصحابها ولو طرفة عين .

" رحم الله امرأ أراهم من نفسه قوة " هذا هو العنوان الذي أعلنه رسول الله صلى الله عليه يوم دخل مكة معتمرا . إن المبادرات المجحفة والمؤامرات الكالحة لا ترد بالشجب والإدانة والاستنكار ، وإنما ترد بالعمل الجاد والخطوات النوعية . وهذا بشار الأسد عاد في صورة من يقال فيه (( فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ )) .

فهل من يوجه الضربة القاضية لكيان منهك طال ترنحه

لندن : 26 / صفر / 1436

18 / 12 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نصيحة جزائرية للشعب السوري! .. د. فيصل القاسم

القدس العربي - 13-12-2014

صحيح أن الفارق الزمني بين الثورتين الجزائرية والسورية حوالى ربع قرن من الزمان، إلا أن أوجه الشبه بين الثورتين واضحة للعيان. لهذا بات البعض يخشى، على ضوء المبادرات الدولية والروسية تحديداً، أن تنتهي الثورة السورية على الطريقة الجزائرية البائسة، وأن يعود جنرالات الأمن والجيش إلى تشديد قبضتهم على البلاد والعباد عبر مصالحات زائفة وقوانين الوئام الوطني الكاذبة المفصلة على مقاس القتلة والمجرمين الذي عاثوا في البلاد خراباً وتدميراً وقتلاً. وقد وضع أحد الباحثين الجزائريين أوجه الشبه التي لا تخطئها عين بين الحالتين الجزائرية والسورية. ولو رتبنا الأحداث من البداية إلى النهاية لوجدنا التالي:

خروج مظاهرات مطالبة بإلغاء الانقلاب الذي قام به جنرالات الجزائر على نتائج الانتخابات وضرورة إعطاء الجبهة الإسلامية للإنقاذ الفرصة في الحكم. بالمقابل، خرجت مظاهرات شعبية في سوريا مطالبة بتغيير نظام الحكم. وكما تصدى النظام الجزائري للمظاهرات الشعبية بالحديد والنار، أنزل بشار الأسد الجيش إلى الشوارع فوراً للقضاء على التجمعات الشعبية والسياسية. وقد تشابه النظامان في شن حملة مداهمات واعتقالات في صفوف المعارضة واختفاء عشرات الألوف، مما حدا بالمعارضة إلى حمل السلاح للدفاع عن نفسها في كلتا الدولتين، فأصبح صاحب الحق متمرداً في نظر النظامين.

وكما ظهرت في الجزائر جماعات متطرفة مجهولة المنشأ، شعارها محاربة النظام وتشويه سمعة المعارضة، برزت على الساحة السورية أيضاً جماعات لم يعرف أحد من أين جاءت. والغريب أن كل تلك الجماعات جاءت باسم الدين وشعارها «الله أكبر». ويعتقد الكثيرون أنها صنيعة أمنية في كلتا الحالتين، ولكم القياس. ثم تلى ذلك البدء في حملات التصفية الجماعية لكل من كان له علاقة من قريب أو من بعيد بالمعارضة الأصلية.

لاحظوا أيضاً ظهور المجازر الجماعية بالجملة، والمجرم مجهول، والكل يتبرأ من الجريمة. أضف إلى ذلك الحملة المسعورة لتشويه صورة الإسلام والمعارضة. وكما هرب ملايين الجزائريين للخارج، أصبح العالم الآن يضرب المثل بعدد اللاجئين الذين هربوا من سوريا جراء الصراع الدامي. وقد أصبح كلّ من الشعبين منبوذاً أينما حلّ، وصارت صفة الإرهاب ملازمة لهما.

لاحظوا أن العالم في ذلك الوقت تحرك، لكن ليس لإنصاف الشعب الجزائري المسكين، بل لإنهاء الصراع لصالح الجنرالات والحفاظ على النظام. لاحظوا أيضاً أن العالم يعيد الكرة الآن في سوريا، حيث تناسى ما حل بالسوريين من كوارث، وأصبح همه الحفاظ على الحكم في دمشق من خلال مصالحات مفروضة على الشعب فرضاً بعد أن ذاق الأمرّين على مدى سنوات من التشرد والجوع والمرض والدمار. وكما دخل الشعب الجزائري وقتها في حالة من الضياع والتيه والحسرة، وكان يتمنى الرجوع إلى نقطة البداية والرضى بالواقع، فإن الكثير من السوريين بات يحن إلى أيام الطغيان الخوالي، ويريد سلته بلا عنب.

إلى هنا كل شيء متطابق حرفياً بين التجربتين الجزائرية والسورية. وعلى ضوء ذلك يمكن أن نتوقع الأحداث التالية في سوريا بناء على النموذج الجزائري. أولاً: الدعوة إلى الحوار بين أطراف النزاع برعاية أصحاب المصالح. ثانياً: الدعوة إلى الوئام المدني ووقف إطلاق النار واعتبار الوضع حرباً أهلية، وبالتالي لا أحد سيُحاسب لاحقاً. ثالثاً: الدعوة إلى مصالحة وطنية، وذلك يعني عفا الله عما سلف، وينجو الجميع بفعلته والذين ماتوا، والمجرمون حسابهم عند ربهم ولا عقاب، ولا متابعة، ولا هم يحزنون في الدنيا. رابعاً: بقاء النظام في الحكم، ويتم استبدال الرئيس بشخصية جديدة حسنة السمعة وترضي الجميع، لكنه في الواقع تطور يخدم النظام ويدعم قوته، ويعطيه شرعية جديدة لم يكن يحلم بها قبل الثورة. خامساً:.عندما ترضى المعارضة بالمصالحة فاقرأ السلام عليها، لأن النظام سيعمل على تلميع صورته وتشويه سمعة الطرف الآخر، ويستحيل بعدها القيام بثورة ديمقراطية في البلد. سادساً: العودة إلى نقطة الصفر، والجميع سيسكت خوفاً من تكرار الاحداث من جديد، وكلما ظهرت بوادر انتفاضة قام النظام بتفجير هنا وآخر هناك، فيهدأ الجميع.

ولمن ما زال لديه أمل في الحرية، فإن النظام الذي قتل مليون سوري لا يقيم لك أي وزن ولا أهمية لوجودك، فيما لو تمكن ثانية. لاحظ كيف صمت الشعب الجزائري بعد تلك التجربة المريرة، وانظر إلى أين وصل وضعه الآن. رئيس مشلول، وفساد ليس له مثيل، ومجرمون يمارسون الموبقات على رؤوس الأشهاد، ولا أحد يجرؤ على الكلام، فالجميع خائف. وليعلم السوريون، إذا رجع النظام، فلن يرحم أحداً. وبالتالي، كل من ينخدع بوعود المصالحة المزعومة في سوريا، فلا يلم إلا نفسه. لهذا أمام الشعب أمران اثنان: إما أن ترضوا بالعودة إلى نقطة الصفر وفق الأحداث المتوقعة، وإما أن توحدوا الصفوف، وتحسموا أمركم ضد النظام الحاكم، لأنه في أضعف أحواله، ولو كان قادراً على المواجهة لما بدأ في الدعوة إلى المصالحة أصلاً .

فاختاروا مصيركم الآن: إما أن تكونوا أو لا تكونوا.

اللهم اشهد أني قد بلغت.

أخوكم المحب ابن الجزائر.

٭ كاتب واعلامي سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com