العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 21-06-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

أزمة الحسم العسكري في سورية .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 18/6/2015

كانت هناك انتعاشة في الأمل بتحقيق الحسم العسكري، بعد تقدم كبير في الجبهات، الجنوبية والشمالية الغربية والقلمون، وتعالت أصوات "ترفض الحل السياسي"، وتصاعدت لغة النصر لدى قطاع كبير في "معارضة الخارج" (هي خارج طبعاً)، التي باتت لا تقبل الحديث سوى عن الحسم العسكري "القريب والحتمي". ترافق ذلك مع تصعيدٍ في الخطاب الطائفي من جزء كبير منها، حيث بات يظهر أنها تعبّر عن "السنّة"، هذه "الأغلبية المضطهدة" من "أقلية علوية". وذلك كله تماشياً مع تسويق جبهة النصرة، ومجمل "الفصائل الإسلامية"، وتبرير وجودها، وكذلك شرعية هذا الوجود، مؤكدين فكرةً شاعت، منذ بدء الثورة، أنها "ثورة سنية ضد نظام علوي"، أو متوهمين أنهم أكّدوا هذه الفكرة التي ستوصل إلى الانتصار.  لكن، توقف التقدم جنوباً بعض الوقت، نتيجة إرباكٍ أحدثه وجود جبهة النصرة، حيث أصدرت كتائب الجنوب بياناً تعتبر فيه التنظيم تكفيرياً تجب مقاطعته، والسعي إلى إنهائه. وحين عادت إلى التقدم بالسيطرة على اللواء 52، ومحاولة السيطرة على مطار الثعلة المتاخم لحدود محافظة السويداء، بدت أنها تدخل في صراعٍ "طائفي" مع الدروز، هؤلاء الذين أصيبوا من جبهة النصرة، منذ عامين، باختطاف أفراد منهم، وظلوا على تخوّف من فعل طائفيٍّ تقوم به. وعلى الرغم من تطمينات قادة الجبهة الجنوبية، ظل التخوّف قائماً، ومع أن شباب السويداء باتوا يرفضون الخدمة في الجيش، وتحركت بعض زعاماتها الدينية لرفض السلطة ورفض الدفاع عنها. لكن، كان واضحاً أن وجود جبهة النصرة يربك إمكانية تحقيق تقدم جديد هناك.

في الشمال الغربي، توقف التقدم فجأة "من دون ذكر الأسباب"، بعد السيطرة على مشفى جسر الشغور في "وضع غامض"، ثم "قامت جبهة النصرة بالواجب"، بارتكاب مجزرةٍ في قريةٍ درزية في ريف إدلب. وظهر أنه ليس مطلوباً التقدم أكثر. مَنْ حدد ذلك؟ خصوصاً بعد السرعة التي تحقق فيها التقدم والمناطق التي جرت السيطرة عليها، والتي تتاخم "المناطق العلوية". هنا، يمكن تأكيد أن القوى الإقليمية التي فرضت توحيد الكتائب المسلحة مع جبهة النصرة في "جيش الفتح" هي التي قررت ذلك، بوقف التسليح أو بقرار مباشر، ثم جعلت جبهة النصرة تتحرك، بما يربك الأطراف الأخرى، ويجعلها تتحسب الصدام معها. لنصل إلى أنه في ظل الصراعات الإقليمية، كان مطلوباً أن يتحقق ما تحقق فقط، جزء من تعديل ميزان القوى، ولإظهار المقدرة على التأثير، في سياق مساومات سياسية تجري.

وإذا كانت جبهة النصرة في صدامٍ مع الكتائب الأخرى في تلك المنطقة، حيث صفّت جبهة ثوار سورية وحركة حزم، واصطدمت مع حركة أحرار الشام وجيش الإسلام. وبالتالي، كانت تربك كل الوضع هناك، بما يجعل الصراع مع السلطة مرتبكاً، فإن قوى أخرى، مثل جيش الإسلام، تخضع لـ "قرارات خارجية". وبالتالي، تلتزم تكتيك دولٍ، لا تريد الحسم العسكري، بل الوصول إلى "صفقة".

في القلمون، معارك محتدمة، وكرّ وفر، لكن وجود داعش أربك الوضع، وربما وجود النصرة يؤثر سلباً كذلك، مع أن حزب الله يتكبد خسائر كبيرة، وظهر كأنه يقاتل إلى جانب داعش، على الرغم من تحشيده "اللبناني" الذي انخرط فيه الحزب الشيوعي بعد لأيٍ. و"اختفت" معركة حلب كما يبدو، ولعبت السلطة هناك عبر تقدم داعش، كما فعلت في تدمر، وما تريد فعله بتقدم داعش جنوباً، وربما نحو دمشق والقلمون.

إذن، سنلمس أن التقدم العسكري محكوم بأمرين: تحكم دول إقليمية (السعودية، قطر، تركيا) في قوى مسلحة ذات تأثير. الطابع الطائفي الذي يظهر على القوى المسلحة، خصوصاً دور النصرة وجيش الإسلام. وهنا، يظهر مأزق الثورة الآن، حيث وفق منظور أن "الثورة سنية" لا انتصار لها، بل إنها تدخل الصراع في دوامة المساومات الدولية، وفي مسار دموي مستمر استغلته السلطة إلى أقصى مدى. والعجزة الجالسون في الخارج يطبلون ويزمرون لجبهة النصرة وللأسلمة.

======================

معركة تل أبيض .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 18/6/2015

في أقل من أسبوع تمكنت قوات كردية – عربية مشتركة من تحرير مدينة تل أبيض الحدودية من سيطرة «الدولة الإسلامية» التي دامت نحو عام ونصف العام، وخرج المعبر الحدودي (تل أبيض – أقجة قلعة) من يد التنظيم الذي كان يستخدمه بوابةً لنقل الرجال والسلاح في اتجاه، ولنقل النفط وجرحى التنظيم (إلى المستشفيات التركية) في الاتجاه الآخر.

هذه هي الخلاصة العسكرية للمعركة. أما خلاصتها السياسية فيمكن استنتاجها من تصريح رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان الذي قال إن «طيران التحالف يقصف العرب والتركمان ويرغمهم على النزوح، ليحِلَّ محلهم مقاتلي pyd وpkk».

في جينات الدولة التركية خوف أزلي من نشوء دولة كردية مستقلة تعيد تقسيم تركيا بعد تفكك الامبراطورية العثمانية. وسواء كان القوميون المتشددون يحكمون تركيا أو الإسلاميون المعتدلون أو العلمانيون أو الجيش، يبقى هذا الخوف هو الرائز الأهم لرسم السياسة الخارجية التركية تجاه جوارها الاقليمي. الخطر الإرهابي الجهادي المتمثل في «داعش» أو النصرة أو أخواتهما هو، في نظر الدولة التركية، خطر طارئ مؤقت، مقابل الخطر الدائم الذي يشكله الكرد. هذا الرائز «الغريزي» هو الذي جعل أردوغان وأركان حكمه يقفون في الجانب الخاطئ من الصراع الكردي – الداعشي، فيشجعون الأخير ويدعمونه ويقدمون له التسهيلات اللوجستية لتحجيم القوة الكردية الممتدة على الجانب الآخر من الحدود مع سوريا.

لكن للمسألة بعدها الآخر المتعلق بالثورة السورية ومآلاتها في السنوات الأربع الأخيرة، حيث غلب على فصائلها المسلحة الفاعلة الطابع الإسلامي الجهادي بصورة متدرجة، إلى درجة تحولت معها ثورة الحرية والكرامة إلى «ثورة إسلامية»، وبخاصة في الشمال والشمال الشرقي. بعد أكثر من سنتين من هذا التحول الكارثي لم يعد ينفع ذلك التفسير الصحيح لهذه الظاهرة بأنها نتاج طبيعي لوحشية النظام في مواجهة الثورة الشعبية، ولا طبعاً التفسير التآمري القائل إن المنظمات الجهادية (وخاصةً داعش) هي صنيعة النظام ودمية بيده للقضاء على الثورة. فالتحول المذكور حدث، بصرف النظر عن الجهة المسؤولة عنه (بطش النظام وأو السلبية الأمريكية، أو القوى الاقليمية المنخرطة في الصراع السوري). وتقع مسؤولية مواجهة هذا الخطر الجديد على ثوار سوريا الذين يواجهون، في الوقت نفسه، قوات الأسد وحلفائه اللبنانيين والعراقيين والأفغان وغيرهم. الواقع الأكثر مأساوية هو أن من وصفناهم بـ»ثوار سوريا» ليسوا أكثر من بقايا متفرقة من المجموعات الصغيرة التي تعلن انتماءها إلى «جيش سوري حر» لم يعد موجوداً على وجه التقريب. بدلاً من ذلك يدور الحديث عن «إسلاميين معتدلين» لا يوجد إجماع على تحديدهم. ففي حين يخرج البعض جبهة النصرة من هذا التصنيف، مكتفين بتشكيلات أبعد ما تكون عن الاعتدال كحال أحرار الشام وجيش الإسلام وما لف لفهما من المنظمات الجهادية، يعتبر آخرون النصرة جزءًا من قوى الثورة.

هل أراد النظام هذا التحول ونجح في تحقيقه؟ نعم. هل يستفيد النظام من هذا التحول إذا كان قادراً، في مساره الانحداري نحو السقوط المحتم، على الاستفادة من أي شيء؟ نعم، وإن كان فقط بكسب مزيد من الوقت لتدمير ما لم يكفه الوقت لتدميره من سوريا وطناً ونسيجاً اجتماعياً وبشراً وحجراً. سوف يواصل نظام الكيماوي والبراميل البدائية القاتلة مهمته المقدسة هذه حتى اللحظة الأخيرة قبل سقوطه. وأي تطور يؤخر هذه اللحظة ويمنحه مزيداً من الوقت لتنفيذ المهمة، هو تطور محمود من وجهة نظره، حتى لو كان ارتكاب مجازر بحق قاعدته الاجتماعية كما حدث في اشتبرق العلوية، أو بحق أقليات أخرى كما حدث في قرية قلب لوزة الدرزية في جبل الزاوية، أو في قرى قريبة من مدينة سلمية الإسماعيلية على يد داعش قبل أشهر.

طيران التحالف الدولي يضرب داعش، والفصائل الإسلامية «المعتدلة» تقاتل داعش، وجبهة النصرة تقاتل داعش، والنظام يقاتل داعش، في دير الزور على الأقل. والعالم كله موحد اليوم في أجندة سياسية – أمنية في مواجهة داعش. الطرف الوحيد الذي ألحق هزائم جدية بداعش هو قوات الحماية الشعبية التابعة للفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، مدعومة ببعض الكتائب الصغيرة من الجيش الحر (العربي ـ السني). وهو الطرف المتهم اليوم بارتكاب تطهير عرقي بحق العرب السنة والتركمان في تل أبيض ومحيطها. السبب المرجح لهذا الاتهام هو أن سيطرة القوات الكردية على المدينة الحدودية سيؤدي إلى وصل الانقطاع الجغرافي بين «كانتوني الجزيرة وكوباني» المحكومين من قبل «الإدارة الذاتية» لحزب أوجالان السوري.

بعيداً عن البيئة المسمومة للفيسبوك السوري (العربي والكردي) الذي لا يكف عن التحريض على الكراهية القومية المتبادلة، لا نملك معلومات من جهة محايدة حول حدوث تطهير عرقي بحق العرب والتركمان. أما تصريح أردوغان فهو يصب في الخانة الفيسبوكية نفسها الموصوفة أعلاه. يبقى البيان المشترك الصادر عن «كبرى فصائل المعارضة السورية المسلحة» (الجبهة الشامية، وحركة أحرار الشام الإسلامية، وجيش الإسلام، وجيش المجاهدين) الذي اتهم وحدات حماية الشعب بممارسة التطهير العرقي، مقابل نفي الحزب الأوجالاني السوري لهذه الاتهامات.

ويضيف بيان «كبرى الفصائل» المذكور أعلاه أن «هذه الحملة تأتي استكمالاً لمخطط تقسيم تعمل عليه أطراف محددة، على رأسها حزب العمال الكردستاني، بالتعاون مع أطراف إقليمية ودولية».

لا نعرف من هي الأطراف الاقليمية والدولية التي تعمل على تقسيم سوريا. أما حزب العمال الكردستاني الذي يضعه البيان «على رأس» قوى التقسيم، فقد تخلى، منذ اعتقال عبد الله أوجالان في العام 1999، عن هدف إقامة الدولة الكردية. وقبل ذلك كان أوجالان تحدث عن عدم وجود جزء من كردستان داخل الحدود السورية، وأن كرد سوريا نزحوا من موطنهم الأصلي في تركيا على فترات، الأمر الذي أكده أيضاً رئيس الفرع السوري صالح مسلم في أكثر من مناسبة. ومشروع الإدارة الذاتية الذي فرضه الحزب كأمر واقع لا يحمل أفقاً انفصالياً كما يؤكد في كل مناسبة. ويتعرض الحزب الأوجالاني السوري إلى انتقادات قاسية، بسبب رؤيته هذه، من الأحزاب والأوساط الكردية الأخرى في سوريا التي تطالب بنظام فيدرالي على غرار الاقليم الفيدرالي الكردستاني في شمال العراق.

في ظل هذه المعطيات لا يبقى من معنى للاتهامات الواردة في بيان «كبرى الفصائل» سوى التناغم الذي ألفناه منها مع الموقف التركي الرسمي الذي تلقى ضربتين قاصمتين في كوباني وتل أبيض، وقبلهما في رأس العين (2013). السياسة التركية في سوريا القائمة على غريزة الخوف من قيامة كردية محتملة هي التي تلقت هزائم داعش كما لو كانت هزيمتها الخاصة، ودفعت الثمن غالياً في الانتخابات العامة في 7 حزيران.

يبقى أن هناك أخبارا متواترة حول عمليات انتقامية ترتكبها قوات حماية الشعب ضد عرب من المنطقة تتهمهم بالعمل مع داعش إبان احتلاله لتل أبيض، من قتل وتهجير وتهديدات متنوعة. في الفوضى القائمة اليوم لا أسهل من اتهام العرب السنة بموالاة داعش، ولا أسهل من اتهام الكرد بأنهم pyd وعملاء للنظام.

٭ كاتب سوري

======================

لماذا سُلّمت تل أبيض إلى حلفاء الأسد؟ .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 18/6/2015

أجمعت التحليلات والآراء على أن «داعش» تلقى «ضربة كبيرة» بخسارته مدينة تل ابيض عند الحدود مع تركيا، والتي قيل انها كانت تشكل طريق إمداد حيوية له بالمقاتلين والسلاح، وإن «وحدات حماية الشعب» الكردية حققت «انجازاً ضخماً» وأثبتت انها حليف للأميركيين في «محاربة الإرهاب» يعتمد عليه. لكن المحللين والمعلقين تناسوا حقائق واضحة تثير تساؤلات عديدة حول معركة تل ابيض ككل: اسبابها وتوقيتها ونتائجها.

أولاً، اعترف قادة من القوات الكردية التي دخلت المدينة بأنهم استولوا عليها من دون جهد عسكري فعلي. وقال احدهم ان «مقاتلي داعش انسحبوا من دون قتال يذكر. كان انتصاراً سهلاً». وهذا يعني ان السكان المدنيين، ومعظمهم من العرب السنّة، الذين فروا الى تركيا، انما فعلوا ذلك ليس بسبب المعارك، بل نتيجة «تجاوزات» أقر مسؤولون اكراد بحدوثها في تصريحات موثقة.

ثانياً، لا بد من الإشارة الى ان «داعش» لا يهرّب، بالطبع، الأسلحة والرجال من طريق المعابر الرسمية بين سورية وتركيا. ولو كان في حاجة الى ذلك، لقام به عبر المناطق الحدودية غير المراقبة والتي تمتد مئات الكيلومترات بين البلدين. وإذا كان قادراً على اختراق شبكات الأمن الحدودية التركية مثلما يفترض المحللون، فهو بالتأكيد قادر على اختراق تلك التي سيقيمها الأكراد في المناطق التي تمددوا اليها. أي ان تل ابيض ليست بالأهمية التي ألصقت بها، فالتنظيم المتطرف يمتلك من السلاح ما يفيض عن حاجته بعدما استولى منذ السنة الماضية على مخازن ضخمة للجيش العراقي في الموصل والرمادي مليئة بالأسلحة الأميركية، وبينها دبابات وآلاف الآليات العسكرية.

ثالثاً، تربط «وحدات حماية الشعب»، الذراع العسكرية لحزب «الاتحاد الديموقراطي» الكردي بقيادة صالح مسلم، علاقة وثيقة بـ «حزب العمال الكردستاني» بزعامة عبدالله اوجلان، المتحالف مع نظام بشار الأسد ووالده من قبله. وسبق لهذه «الوحدات» ان تعاونت مع الجيش النظامي السوري الذي اخلى مواقعه في مناطق وجودها بين الرقة وحلب، ليسمح لها بإقامة نوع من «الحكم الذاتي» هدفه الأساس مواجهة نفوذ «الجيش السوري الحر». حتى انها دخلت في مواجهات عنيفة مع «الجيش الحر» ومع فصائل كردية اخرى انتقدت تعاون مسلم مع نظام الأسد واتهمته باغتيال معارضيه.

رابعاً، تفيد بيانات عسكرية كردية وأميركية بأن «وحدات حماية الشعب» حصلت على غطاء جوي من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، وكان التنسيق واضحاً بين الطرفين. لكن هذه «الفاعلية» الأميركية في «معركة» تل ابيض لم تظهر عندما تعلق الأمر بتقدم «داعش» في تدمر مثلاً بعد انسحاب الجيش النظامي منها بلا قتال، او عندما حشد قواته لاحتلال الرمادي التي انسحب الجيش العراقي منها بلا قتال ايضاً.

خامساً، ثمة دلائل ومؤشرات عديدة ومتكررة الى ان «داعش» الذي يخوض معارك ضد فصائل المعارضة السورية في اكثر من جبهة، يرتبط بعلاقات استخباراتية واضحة بالنظامين السوري والإيراني، سهلت له التوسع في سورية والعراق، بهدف تأكيد ما يواصل حاكم دمشق وحلفاؤه ترديده من ان العالم سيواجه في حال سقوطه «تنظيمات ارهابية». وهو افتراض تتبناه الولايات المتحدة ايضاً وتقول انها تخشاه لتبرير امتناعها عن تقديم دعم جوهري للمعارضة السورية.

لكن لماذا يضطر «داعش» المتعاون مع نظام الأسد، الى إخلاء مناطق خاضعة لسيطرته لتتسلمها قوات حليف آخر للنظام، اي «الاتحاد الديموقراطي» الكردي؟

السبب هو التقدم الميداني الذي حققته أخيراً قوات المعارضة، وخصوصاً الفصائل الإسلامية التي وحدت جهودها، في جبهات درعا وحلب وإدلب، والذي أقلق الأميركيين المتمسكين عملياً ببقاء الأسد الى حين الاتفاق مع الروس والإيرانيين على استبداله، بما لا يتعارض مع مصالح اسرائيل الحريصة على بقائه. ذلك ان واشنطن تعرف ان لتركيا دوراً في إنجاز هذا التنسيق المستجد في صفوف المعارضة، والذي يقال انه يلقى دعماً خليجياً. ومع ان «داعش» كان منتشراً عند الحدود التركية، الا ان اي عمل كان يمكن ان يقوم به كان سيضطر الأميركيين وحلفاءهم الى مشاركة الأتراك في الرد عليه، اما اكراد «الاتحاد الديموقراطي» فلا يشكلون قلقاً سوى لأنقرة وحدها، ومنحُهم المزيد من الأرض والقدرات العسكرية قد يدفعها الى فرملة سياستها السورية الجديدة التي تخطت «الحدود» الأميركية.

======================

إعادة رسم خريطة المشرق .. لؤي صافي

الحياة

الخميس 18/6/2015

إنطلق الربيع العربي لتحقيق أهداف محلية محدودة تتعلق بتحسين ظروف الحياة وإنهاء حالة الاستبداد والفساد داخل حدود دُولِه، ولكن تحركات الشعوب الغافلة عن السياق التاريخي العام والتحولات الدولية التي بدأت مع انهيار الاتحاد السوفياتي لم تكن تتوقع أن تؤدي تحركاتها إلى تداعيات ذات مدى بعيد وتغيرات عميقة في الوضع الإقليمي وارتداداته الدولية.

ثمة اليوم خمسة مشاريع لإعادة ترتيب الأوراق السياسية في المنطقة، تتمركز في خمس عواصم: طهران وأنقرة وأربيل والرياض والقاهرة. هذه المشاريع متناقضة لأنها في مجملها تقدم بعد الهوية القومية والعقدية على بعد القيم والمبادئ الإنسانية التي تقوم على أساسها التجمعات الحضارية الواسعة.

تزايد حدة الصراعات القومية والطائفية نتيجة حالة الغليان الشعبي في بلدان الربيع العربي أوجد ظروفاً شجعت أصحاب المشاريع الخمسة للمضي في تحقيق أهدافهم، وفتح الباب على مصراعيه أمام القوى الدولية، التي تميل إلى المشروع الذي يمثله محور القاهرة، إلى اللعب على الاختلافات القومية والطائفية في المنطقة. تركيا التي سعت جاهدة إلى تحجيم التناقضات وتطوير تفاهمات إقليمية تحصن المشرق من التأثيرات الخارجية تجد نفسها اليوم في قلب المعمعة.

المشرق مقبل على مرحلة طويلة من القلاقل والصراعات التي يصعب الآن التنبؤ بمآلاتها، ولكنها بالتأكيد ستعيد تشكيل الخريطة السياسية لبلدان المشرق، وستفتح الباب لظهور قوى جديدة ما زالت حتى الآن مغيبة تحت ثقل المنظومة السياسية التي رسمت في أروقة عصبة الأمم في مطلع القرن الماضي.

لكن خلافاً للخريطة السياسية التي رسمت في قلب أوروبا في القرن المنصرم فإن الخريطة التي ترسم اليوم تقوم على مشاريع تصنع في أغلبها داخل حدود المشرق. هذا يعني أن التطورات السياسية الجارية تسير في منحى معاكس تماماً لما جرى قبل قرن لأن مركز الهزات التي تتوالى اليوم يقع في قلب المشرق في حين ستظهر ارتداداتها داخل المنظومة الدولية المهيمنة، وسيتناسب حجم الارتدادات طرداً مع قوة وعمق الهزات التي تعيشيها شعوب المشرق.

الاهتزازات العميقة والشديدة التي تواجه القوى السياسية في دول المشرق أكبر من أي منها، والوصول إلى صيغ تخدم مصالح الشعوب يتطلب من القيادات الشعبية الارتفاع فوق المصالح الآنية الضيقة، وهو أمر ما زال عصيا على الجميع. المطلوب العمل على تحقيق دولة القانون التي تحمي الجميع، وتتساوى تحتها الشعوب، بدلاً من المضي لتحقيق مشاريع حصرية ستؤجج الصراع إلى عقود. السعي لتحقيق رؤية جامعة للتنوع المشرقي واجب على الجميع لأنه واجب وطني وقومي وديني وإنساني.

* كاتب سوري

======================

كم سيبقى من نظام الأسد للتفاوض عليه؟ .. غازي دحمان

الحياة

الخميس 18/6/2015

مثل كتلة ثلج يذوب نظام بشار الأسد وتبتلع جغرافية سورية قُطعه الواحدة تلو الأخرى، وقد فاجأت طريقة تلاشيه تلك حتى حلفاءه الذين بنوا تقديراتهم على بقائه مدة اطول تمنحهم مساحة كافية لفحص الخيارات المختلفة بشأن التفاوض عليه وعلى دورهم في سورية وموقعهم في المنطقة.

فجأة أصبحت كل الصيغ الميدانية التي اعتمد عليها النظام من دون فعالية، فلا طائراته ولا كثافة نيرانه باتت تحقق فارقاً في التوازن مع قوى الثوار ولا موارده عادت كافية لإخراجه من دائرة الإنكسارات المتوالية، وبالكاد يستطيع تحقيق انسحابات نصف ناجحة، وفجأة تغيرت ديناميكيات الصراع وتبدلت المواقع بحيث صار النظام يعاني حالة من الفوضى وكأنه استعارها من خصومه الذين طوروا مستوى تنسيقهم بدرجة لافتة، وانتهى الوقت الذي كان يشكل تدخل حلفائه فارقاً في الميدان لصالحه. يكفي أنّ أقواهم «حزب الله» صار مستنزفاً في بقعة جغرافية صغيرة ويقاتل من أجل الاحتفاظ بتلة على واد في جرود القلمون لينتقل بذلك من بحبوحة إستراتيجية هجومية تسمح له باختيار مواقع وأمكنة المعركة إلى الوضعية التي يدافع فيها عن مواقع تجمعاته ومخازن أسلحته وخطوط إمداده.

بالحسابات العسكرية، لم يكن صعباً قراءة تطورات المشهد الراهن أو تقديرها بالتقريب. تلك نتيجة منطقية لحالة الإستنزاف التي يعانيها النظام على مدار أربع سنوات وفي ظل استمرار دينامية الثورة ضده، فقد تدمّرت آلته العسكرية بمختلف تشكيلاتها، وخسر مساحات إستراتيجية واسعة، وحوصر جزء كبير من طرق إمداده، وترافق ذلك مع خسارته لجزء كبير من كادره المقاتل وبات صعباً عليه تعويض ذلك بسهولة، كما أن البنية التي صنعتها إيران من مئات الميليشيات تبين أنّها بنية فوضوية قد تساعد على إدامة حالة اللاإستقرار والأذى لكنها لا تساهم في الحفاظ على نظام الأسد.

لكنّ هذه الحسابات فاتت داعميه الذين ركّزوا جهودهم على خيار واحد وحسب هو الانتصار وسحق ثورة الشعب السوري بكل الطرق والوسائل بما فيها التهجير والإبادة، واستخدموا في سبيل ذلك سياسة حافة الهاوية في تكتيكات الحرب والتفاوض، ولم يوسّعوا دائرة خياراتهم، بل عملوا على دمج الصراع في إطار نسق أحلامهم الجيوسياسية المفترضة ما جعل تقديراتهم لمجريات ومآلات الصراع رغبوية بحيث لا تسمح لهم برؤية المعطيات وتقيّيمها بشكل حقيقي.

والراهن أن النظام اليوم صار مشكلة كبيرة بالنسبة الى حلفائه أنفسهم وبالنسبة حتى الى كثير من القوى التي كانت ترغب بزواله ورحيله. الكل ينطلق من قاعدة ضرورة الحل السياسي للأزمة لأن من شأن ذلك توفير حالة يمكن السيطرة عليها وضبطها بحدود معينة، ذلك أنّ أغلب القوى تدرك أنّ في سورية هناك مشكلة إندماج الدولة ومؤسساتها بالنظام، بمعنى أن المؤسسات جرى تصميمها للعمل فقط ضمن شروط وقوانين النظام، وبالتالي فإن تفكيك هذه الحالة أمر معقّد وغير مضمون النتائج ومغامرة لا يريد أحد الدخول فيها، والطريقة الأفضل للخروج من هذا المأزق تتمثّل بحصول اتفاق يبقي جزءاً من النظام ويضمن بقاء تسيير مؤسسات الدولة، بخاصة تلك التي لها علاقة بالأمن.

ولعل هذه الحقيقة شكلت على الدوام نقطة قوة لصالح النظام وداعميه وهي التي سمحت لهم بتصعيد سقف مطالبهم واللعب على حافة الهاوية اعتقاداً منهم أن لا خيار للمجتمع الدولي غيرهم، وبخاصة بعد ظهور «داعش» ومحاولة طرح معادلة إما النظام أو «داعش» والقوة المتطرفة في مجتمع غير متجانس لا دينياً ولا ثقافياً ولا حتى عرقياً.

اليوم يبدو أننا نقترب من نهاية مرحلة كان يمكن لنظام الاسد فيها فرض شروطه وكان يمكن لحلفائه طرح مقاربتهم ورؤاهم للحل، مع اقتراب فقدانهم السيطرة على الأرض، وحتى بالنسبة الى الاطراف التي كانت تدعو الى الحل السلمي مثل الولايات المتحدة، فكيف يمكن المحافظة على ما تبقى من نظام الأسد للوصول به الى مرحلة التفاوض وإنجاز التسويات في وقت ما زالت تلك الأطراف تفتقر لتصور مشترك للحل ولم تتفق على الخطوط العريضة سواء في الحصص أو الأدوار أو موقع سورية من التحالفات وفي وقت تتحرك فيه التغيرات على الأرض بسرعة؟

غالبية الأطراف تبدو خياراتها قليلة ومتساوية في الوقت نفسه. بالنسبة الى حلفائه لا يبدو أن جسد النظام قد يستجيب لجرعات جديدة من المساعدات تنقذه من السقوط إلا في حال تطبيق انواع من العلاجات الخطرة كالتدخل المباشر على الأرض من قبل روسيا وايران وهو ما لا يبدو أنه يلوح في الافق، وبالنسبة الى الولايات المتحدة لديها خيار واحد هو الضغط على الدول الداعمة للثوار كي تخفف من زخم دعمها أو تشترط عليهم التركيز على جبهات محددة للمحافظة على ما تبقى من النظام.

في الحسابات العملانية يمكن لهذه الإجراءات تحقيق نتائج معينة، لكن الواقع يقول أن وقوع النظام على خط الاحتمالات السيئة قد لا يفيد معها الكثير من هذه الإجراءات، ذلك أن مروحة الإنهيارات تتوسع بما يفوق القدرة على ترميم الأوضاع وقد يجد الجميع أنفسهم أمام حالة لا يمكن ضبطها والتحكم بها، وبخاصة أن النظام صار في عين الاستهداف من أكثر من جبهة بما فيها جبهة بيئته الداخلية التي تحصل فيها تغيرات من شأن تطورها الإطاحة برأس النظام وفرط جبهته بالكامل.

* كاتب سوري

======================
لماذا تعثرت ثورات الربيع العربي؟
.. محمد شومان

الحياة

 الاربعاء 17/6/2015

أتحفظ دائماً عن وصف ما جرى في تونس في أواخر 2010، ثم في مصر وليبيا وسورية واليمن في عام 2011 باعتباره ثورات، فهي انتفاضات جماهيرية واسعة أدت إلى تغيير وجوه النخب الحاكمة في تونس ومصر مع استمرار النظام والدولة والسياسات الاقتصادية والاجتماعية، بينما قادت هذه الانتفاضات إلى انهيار الدولة في ليبيا وسورية واليمن وإشعال حروب بالوكالة لقوى إقليمية ودولية، اتخذت شكل الحروب الطائفية والجهوية، سقط فيها أكثر من ربع مليون قتيل، وحوالى مليوني جريح، وتجاوزت أعداد النازحين واللاجئين وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة 3 ملايين شخص.

الأرقام صادمة والمشهد في الدول الخمس مختلط ومرتبك، ولا يمكن وصفه بأنه ربيع عربي، لأنه أدى إلى أوضاع كارثية في ليبيا وسورية واليمن، ومشاكل صعبة في مصر وتونس لكنها لم تصل إلى حد الحرب الأهلية وانهيار مؤسسات الدولة، وبالتالي من الصعب المساواة بين حالات الدول الخمس فثمة اختلافات تاريخية ومجتمعية، لكن تبقى هناك سمات عامة، أقلها تزامن الحراك السياسي السلمي في بداياته وانتشاره بطريقة العدوى وربما المحاكاة من تونس إلى بقية الدول العربية. ويقدم هذا التزامن دليلاً معقولاً على عافية العروبة الثقافية والسياسية.

إن الحراك الشعبي الواسع وغير المسبوق الذي جرى خلال عامي 2010 و2011 في الدول الخمس، والتفاعلات التي دارت حولها في السنوات الأربع الأخيرة خضعت لتفسيرات وتأويلات عدة، لعل أهمها:

أولاً: نظرية المؤامرة، وهي الأشهر والأكثر تداولاً في الأوساط الشعبية، وتنطلق من مسلمة أن أحداث السنوات الخمس الأخيرة هي مؤامرة خارجية حركتها كالعادة أميركا والدول الغربية وإسرائيل، وفي سردية أخرى أشعلتها إيران و «حزب الله»، وفي سردية ثالثة قادها «الإخوان» بدعم من تركيا وقطر. وبغض النظر عن تفاصيل السرديات الثلاث، فإنها تنفي عن الشعوب العربية القدرة على الثورة أو المطالبة بالإصلاح والتغيير، فهي دائماً في موقع المفعول به أو المسيّر من الخارج وبواسطة قوى خارجية متفوقة على إرادات الشعوب العربية ورغباتها المشروعة في الديموقراطية والعدالة الاجتماعية وإقامة دولة المواطنة. ووفق أصحاب نظرية المؤامرة، فإن استسلام دول الربيع لم يكن على درجة واحدة، فلم تنهر الدولة والجيش في كل من تونس ومصر نتيجة ظروف تاريخية وتطور اجتماعي وسياسي، لكن الدولتين تعانيان من مشاكل أهمها وفق نظرية المؤامرة استمرار التآمر الخارجي عليهما!

ثانياً: عجز مؤسسات الدول الخمس ونخبتها عن التوافق على خطوات للإصلاح السياسي والاجتماعي سواء قبل الانتفاضات الشعبية أو بعدها. فقد شكل الإصلاح أحد أهم مفاهيم الخطاب السياسي والإعلامي العربي قبل الربيع العربي، ومع ذلك لم يستوعب في خطوات تنفيذية ولم تستجب له النخب الحاكمة، على رغم حديثها الشكلي عنه وادعاء القيام به أحياناً، الأمر الذي فتح الطريق أمام الحراك الثوري، والمفارقة أنه بعد نزول الملايين إلى الشوارع والميادين، فإن النخب الحاكمة ومؤسسات الدولة لم تستجب أو تقدم تنازلات، وإنما كشفت عن تحيزاتها الطبقية والطائفية في شكل سافر، وفضحت هشاشة مؤسسات الدولة وطائفيتها في سورية، وقبليتها في كل من اليمن وليبيا، والأدهى أن النخب الجديدة التي وصلت إلى الحكم في مصر وتونس لم تنجح في تحقيق بعض أهم مطالب الجماهير، ربما بسبب تكوينها السياسي، أو نتيجة مقاومة بيروقراطية الدولة ومؤسساتها التي تعاني من الفساد وترفض التغيير والإصلاح، ما يثير تساؤلات قلقة في شأن الاستقرار في كل من تونس ومصر، خصوصاً أن أحداث الثورة في البلدين أرهقت الاقتصاد وأفرزت جماعات إرهابية ترفع شعارات إسلاموية.

ثالثاً: مدى سلطوية نظم الحكم وتحالفاته وطبيعة تكوين مؤسسات الدولة، بخاصة الجيش في الدول الخمس. حددت هذه العوامل سلوك الانتفاضة الشعبية في كل دولة وتوقعاتها، فسادت السلمية تحركات الجماهير في تونس ومصر واليمن ضد نظام الحكم، وانحاز الجيش في البلدين لإرادة الشعب، فتخلى بن علي ومبارك عن الحكم بعد أيام قليلة، وفي المقابل اعتمد القذافي والأسد على القمع بالسلاح من اللحظة الأولى للانتفاضة، وخاضا حرباً ضد شعبيهما! فحمل الشعب السلاح، ومع انهيار الدولة طغت الجهوية والقبلية والطائفية على المعارضة السياسية ودولة المواطنة، وانحاز الجيش في أغلبه إلى الأسد بينما لم يكن هناك جيش بالمعنى المعروف في ليبيا. المعنى أن دموية نظامي الأسد والقذافي وتاريخهما الطويل من القمع فرضا على الحراك الشعبي حمل السلاح، بينما أجلت الوساطات والضمانات الخليجية استخدام علي عبدالله صالح السلاح ضد الشعب. وعرفت مصر بعد 30 حزيران (يونيو) مستويات من العنف والإرهاب على يد بعض الجماعات الإرهابية الإسلاموية إلا أنها تظل محدودة، ولا تزال الدولة قادرة على مواجهتها بصلابة وحسم، أما تونس فواجهت حالات أقل من العنف والإرهاب، لكن تبقى التهديدات قائمة.

رابعاً: مدخل التحليل الثقافي. كشفت الانتفاضات الشعبية في الدول الخمس عن عمق الانقسام الثقافي والسياسي في كل مجتمع، والفشل التاريخي لمؤسسات الدولة في استيعاب هذا الانقسام وعلاجه، حيث لجأت الدولة دائماً إلى قمع تيار الإسلام السياسي بطبعاته المختلفة، وملاحقته أمنياً، والتحيز إلى القوى المدنية التي لم تكن مدنية في شكل حقيقي ربما باستثناء حالة تونس، أضف إلى ذلك التحيز لطوائف أو قبائل معينة وقمع أو التحالف القلق مع طوائف وقبائل أخرى في كل من سورية وليبيا واليمن. من هنا، شاركت بفاعلية كل القوى المقموعة من الدولة ومؤسساتها ورفعت شعارات الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية، لكنها من داخلها كانت تخوض معاركها الدينية والطائفية والقبلية والجهوية. هكذا، اختلط الحداثي بالديني بالتقليدي مع نزعة ثأرية للانتقام من كل رموز الدولة الحديثة وقيمها، ووجدت تلك النزعة طريقها بالسلاح في سورية وليبيا، وبدرجة أقل في اليمن، فيما بدت نزعة الانتقام لدى «الإخوان» وحزب «النور» ضد كل ما هو مدني أو حداثي بعد نجاحهما في الحصول على غالبية برلمان ما بعد الثورة. وكان تفرد «الإخوان» بالحكم واستبعاد كل القوى المدنية التي ساندت مرسي في الانتخابات الرئاسية رد فعل طبيعياً على استبعادهم التاريخي من مؤسسات الدولة. القصد أن الانقسام الثقافي والسياسي سواء كان دينياً – مدنياً، أو حداثياً طائفياً أو قبلياً سارع بإشعال نار الحرب الأهلية والتقسيم بعد إطاحة سلطة القذافي وعلي عبدالله صالح أو إضعاف سلطة بشار، بينما عرقل الانقسام والاستقطاب الثقافي التوافق بين فصائل ومكونات الانتفاضتين التونسية والمصرية. وفي كل الحالات نشطت التنظيمات الإرهابية الإسلاموية في سورية وتونس وليبيا ومصر والعراق واليمن كتجليات عنيفة لحالة الانقسام والاستقطاب المدني الإسلاموي.

خامساً: مدخل الثورات الفاشلة. يفترض هذا المدخل أن الدول الخمس شهدت حراكاً ثورياً غير مسبوق نتيجة تراكم الاستبداد والتمييز وفشل الدولة، لكن هذا الحراك افتقر في كل دولة إلى شروط الثورات الناجحة، وأهمها التنظيم الثوري والأيديولوجية أو حتى الرؤية للتغيير، ولم تكن هناك برامج واضحة للتغيير، كما لم يتفق المشاركون في كل انتفاضة على قيادة فردية أو جماعية، وبالتالي فشل الحراك الشعبي بطابعه السلمي في تونس ومصر واليمن، أو طابعه العنيف في ليبيا وسورية في الحفاظ على زخمه والتعايش بين فصائله، والتحول إلى ثورة بمعنى تغيير النظام وإحداث تغييرات حقيقية في الثروة والسلطة ومؤسسات الدولة، فلم يتولّ الثوار الحكم في مصر وتونس واليمن، ودخلت سورية وليبيا في حالة الحرب الأهلية منذ بدايات الانتفاضة الشعبية، ووفق رؤية هذا المدخل فإن قوى الثورة المضادة في الدول الخمس وفي دول الجوار، تدخلت بصور مختلفة للحفاظ على مصالحها أو خوفاً من رياح التغيير والديموقراطية في المنطقة، ما عرقل المسار الثوري، وأعاد القوى القديمة إلى الحكم، ودعم أطراف الصراع والحرب الأهلية في ليبيا وسورية، ما جعل بقية الشعوب العربية تنظر بعين الرضا إلى حالها مقارنة بدول الانتفاضات الخمس، وإضافة إلى الأدوار السلبية لقوى الثورة المضادة فإن الولايات المتحدة والدول الغربية استعملت معايير مزدوجة في التعامل مع الانتفاضات الشعبية، ولم ترحب بها في تونس ومصر بينما شجعتها في ليبيا وسورية وتدخلت عسكرياً في الأولى وامتنعت عن ذلك في سورية كما لم تقدم الدعم الكافي للمعارضة.

باستثناء التفسير الأول، فإنني على قناعة بأهمية التفسيرات الأربعة الأخيرة، والتي لا غنى عنها في تحليل مسار الانتفاضات العربية وتعثر اكتمالها كثورات لأسباب كثيرة أشرت إلى بعضها، وأضيف إليها ضعف القوى السياسية وهشاشة المجتمع المدني، وغياب ثقافة الديموقراطية، ومع ذلك فإن الانتخابات البرلمانية والرئاسية تصدرت جدول أعمال الانتفاضات في تونس ومصر، وبالتالي جاءت بقوى غير ديموقراطية توظف الدين في السياسة، وتفهم الديموقراطية على أنها وسيلة ذات اتجاه واحد – ولمرة واحدة - للوصول إلى الحكم، كما ترفض مشاركة القوى السياسية الأخرى وتهمّش المرأة والأقليات الدينية. إن سوء ممارسة الديموقراطية واقتصارها على نتائج الصندوق أضر كثيراً بالانتفاضتين المصرية والتونسية وحال دون تطورهما، على رغم أنهما الدولتان الأكثر اقتراباً من شروط ثورات التحول الديموقراطي مقارنة باليمن وليبيا وسورية.

أخيراً، لعل السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل فشلت تماماً انتفاضات أو ثورات العرب، أم إنها تعثرت لأسباب مختلفة؟ وبالتالي فإن مؤشرات انهيار الدولة وسقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى وتدمير المقومات الاقتصادية لثلاث دول، فضلاً عن العراق، ثم بروز دور جماعات الإرهاب الإسلاموي، وتعثر عملية الانتقال الديموقراطي في مصر وتونس. كل هذه المؤشرات تثبت فشلاً كاملاً لتلك الانتفاضات، أو تدل على تعثرها، وبالتالي فإنها تستكمل مساراً تاريخياً معقداً وطويلاً، لا بد أن يدفع فيه العرب كلفة اقتصادية وبشرية وأخلاقية، هذا المسار الكارثي يتشابه مع أوضاع أوروبا في القرن التاسع عشر على نحو ما طرح فوكاياما، حيث أمضت عقوداً عدة لإنجاز التحول الديموقراطي وقيام دولة المواطنة، وهو تشابه أتحفظ عنه شخصياً لأن التاريخ لا يكرر نفسه، وما أحوجنا كعرب أن نتعلم من دروس التاريخ حتى نتجنب كوارثه وتضحياته التي تبدو أحياناً بلا معنى!

======================

وثيقة شرف وكرامة للسوريين .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 16/6/2015

مع تصاعد الصراع في سوريا باستخدام كل ما يدخل في إطار السلاح، عدا السلاح النووي، وسواء كان ذلك باستشارات وبتحفيز من كل من يفقدون من المصالح الجبروتية، في الحقل العسكري والحقل الاقتصادي والطائفي والآخر الديني المذهبي وغيره، مع ذلك كله، راحت المكنونات العميقة في حياة أولئك وغيرهم تُفصح عن مزيد من المشاريع المناسبة لتدمير سوريا قبل تقسيمها فيما بينهم. أما ما يمكن أن يمثل قاسماً مشتركاً بين هؤلاء وغيرهم في الداخل كما في الخارج، فيتجسد دونما شك في مشروع تقسيمي للوطن السوري، بالاعتبار الجغرافي والديموغرافي خصوصاً.

ولعل كثيراً من السوريين ومن غيرهم في الخارج يجتمعون على ذلك. وهم -في هذا- يحرصون على اقتسام «الكعكة الثمينة»، بطريقة أو بطرق ما «تعطي كل ذي حق حقه»، ونحن نعلم مسبقاً أن حَمَلة الاستعمار الفرنسي قبل عقود كثيرة، كانوا يطمحون إلى تحقيق ذلك الهدف «المشترك» بين الخارج الفرنسي والداخل السوري. ولكنهم أخفقوا في تحقيقه، مع أن حوافز كثيرة كانت تصب في هذا الهدف، الذي لو تحقق في ذلك الحين، لجاء امتداداً لمشروع التقسيم الذي تجسَّد حينه في معاهدة «سايكس- بيكو» التقسيمية الاستعمارية.

لقد حدث ما حدث، وأخذت إسرائيل تتعملق طفلاً مدللاً في أيدي حُماة الظلامية (لنفكر الآن فقط فيما سبق نشأة «داعش» وفيما يجسده الآن كدعوة للقتل، من رموز للظلم واستباحة للكرامة وبصفته رداً ظلامياً على «داعش» نفسه و«الداعشية»). نعم، كانت نشأة إسرائيل واحدة من المظالم بحق العرب وبما لحق بهم لاحقاً والآن من مظالم فظيعة، ومع تلك المظلمة بحق الشرف والكرامة البشرية الدولية، أصبح مشروع استباحة أولئك حتى الثمالة، مشروعاً تحقق في معظم جيوبه، وينتظر أن يتحقق كلياً. وقد فتح ذلك الحال الأبواب أمام المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني! ولعل الفرصة العظمى جاءت في وقتها، حيث التقى ذلك، ويلتقي الآن بواحدة من أخطر الاستراتيجيات التفكيكية، التي وجد الحالمون بنشوء شرق أوسط جديد فرصة ضخمة فيها لتحقيق حلم طالما جعلوه ديْدنهم، متحالفين مع ثلة ممن يدعون الآن للثلاثية الجديدة، تقسيم سوريا جغرافياً، وجعل الطوائف فيها مدخلاً لذلك التقسيم، و«الرد»، على ذلك كله بروح ثأرية يُراد لها أن تنتقم لِمن فقدوا أطفالاً ونساء ورجالاً، ولمن أصبحوا في وطن مفكك ممزّق، دون أن يدرك الجميع أن ذلك كله قد يؤسس لما هو أعظم: الفوضى الأميركية «الخلاقة» المفتوحة.

من هنا ومن غيره، راحت تتصاعد كرامات السوريين ومواقع شرفهم الوطني والسياسي والقومي، لتُجمع على ما يجمعهم، في إطار تلك الثلاثية وعلى أساس نقدها ونقضها. إن ذلك قاد هؤلاء إلى ثلاثية مضادة لتلك المذكورة، وبالصيغة التالية، لا لتقسيم سوريا جغرافياً، ولا لِمن يحلمون بوطن مُفكك على أساس الطائفية، ولا للثأرية بصفة كونها استعادة لحقوق المظلومين والمهجّرين والمُستباحين والمجوّعين وغيرهم ممن يدخل في خانتهم، بل نعم لعدالة حقيقية تعيد أو تعوض لكلِّ منهم حقه. ذلك لأن شيئاً من غير هذا القبيل، لعله أن يُفضي إلى إدخال للوطن فيما يقود إلى الأعظم.

إن ما تقدم هنا يعلن عن هويته الوطنية التاريخية والتنويرية الديمقراطية، ممثلاً ذلك في هذا الذي قدّمناه هنا، وهو ميثاق شرف لكل السوريين يحتمون به ويدافعون عنه، بحيث يتجاوزون المأساة غير المسبوقة، وينطلقون باتجاه إعادة بناء قد لا تُضاهى!

======================

مسار السوريين إلى الحل السياسي .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الثلاثاء 16-6-2015

شكل مؤتمر القاهرة للمعارضة السورية، نقطة تحول سياسي مهمة في نشاط المعارضة طوال أكثر من أربعة أعوام مضت. والنقطة المحورية في أهمية المؤتمر، تكمن في أنه وللمرة الأولى ترسم المعارضة ملامح حل سياسي متكامل للقضية السورية في نص مكتوب ومعلن، شارك في وضعه وتدقيقه ممثلون عن جماعات وتحالفات وشخصيات مستقلة سياسية ومدنية وعسكرية من المعارضة، يتبنون خيار الحل السياسي ويدعون له.

وتظهر أهمية المؤتمر في الأمر الأول في أطروحته الأساسية في السعي نحو حل سياسي، وهو أمر يتوافق مع توجهات أغلبية السوريين الذين أدى الصراع المسلح إلى قتلهم وجرحهم وتغييبهم، ودمر حياتهم وقدراتهم وشتتهم مهجرين ولاجئين، كما ترك آثاره السلبية على المجتمع الدولي وبخاصة الدول المحيطة، التي صار لها حاجة للوصول إلى حل للأزمة، يوقف تدفق النازحين وعودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم والحد من صيرورة سوريا مأوى ومولدا لجماعات التطرف والإرهاب، التي أطلقتها سياسات وممارسات النظام وحلفائه.

وسط تلك الاحتياجات الضاغطة. فإن قسمًا من المعارضة السورية، بدأ نشاطًا عبر اجتماع مؤسس في القاهرة في كانون الثاني (يناير) الماضي، وعبر يومين من النقاشات، تم التوصل إلى توافق ظهر في «نداء القاهرة من أجل سوريا»، ركز على السعي من أجل حل سياسي للقضية السورية، ترسم خريطته في مؤتمر يحضره ممثلون وأعضاء في التشكيلات السياسية والمدنية والعسكرية وشخصيات مستقلة، وهي مهمة أنيط القيام بها إلى لجنة منتخبة من جانب الحاضرين في اجتماع القاهرة، أثمرت جهودها عن إعداد وثيقتين للمؤتمر، أولها «الميثاق الوطني السوري»، والثاني «مشروع خريطة الطريق للحل السياسي التفاوضي من أجل سوريا ديمقراطية».

وإذا كانت وثيقة «الميثاق الوطني السوري»، ركزت على الإطار النظري والسياسي لمستقبل سوريا باعتباره مرجعًا للمبادئ الدستورية للمرحلة الانتقالية، والإطار الذي يعتمد عليه في كتابة الدستور السوري الجديد بناء على قيم السلام والحرية والعدالة والمساواة. فإن الوثيقة الثانية ركزت في محتواها على الإطار السياسي والعملي للحل السياسي، ولا سيما في تأكيد الحاجة للحل وضرورته الموضوعية بالاستناد إلى المرجعية الدولية في التعامل مع القضية السورية، وأساسها بيان جنيف لعام 2012 وما أحاط بمؤتمر جنيف الذي انعقدت جلساته بداية العام 2014. ولا سيما الفقرة المتعلقة بقرار مجلس الأمن الدولي حول تشكيل «هيئة الحكم الانتقالية» بالرعاية الدولية، انتقالاً إلى تحديد طبيعة النظام السياسي الذي يشكل إطارا للعملية التفاوضية المؤدية للحل، والأساس في ذلك انتقال سوريا إلى «نظام ديمقراطي برلماني تعددي تداولي»، يقوم على ميثاق وطني مؤسس، يركز على المواطنة والحقوق المتساوية لكل السوريين في دولة تقوم على القانون والفصل بين السلطات.

وركزت الوثيقة في جانب آخر على الخطوات، التي تسبق عملية المفاوضات وصولاً إلى هيئة حكم انتقالية، تهيئ البلاد وفعالياتها السياسية والمدنية والعسكرية للانخراط في العملية التفاوضية، تسبقها إجراءات أهمها وقف الصراع المسلح لجميع الأطراف القابلة للدخول في الحل، ووقف دعم الجماعات المسلحة، وإخراج المقاتلين غير السوريين من البلاد تحت طائلة المسؤولية الجنائية، والبدء في إطلاق سراح المعتقلين والمخطوفين، وتهيئة ظروف عودة المشردين واللاجئين إلى بيوتهم، وتوفير أسس لتطبيع حياتهم، والسماح بدخول الإغاثة والإعلام إلى كل المناطق، وعودة المعارضين المقيمين في الخارج، وضمان حرية النشاطات والتجمعات السلمية .. إلخ»،.

وتفتح هذه الإجراءات باب الاتفاق بين ممثلين عن النظام والمعارضة للتوصل إلى اتفاق على هيئة الحكم الانتقالية في غضون شهرين.

وسيكون على هيئة الحكم الانتقالية من خلال صلاحياتها الكاملة وعبر الهياكل التي تمثلها، المضي في إجراءات أساسية في المرحلة الانتقالية، والمحددة بعامين.

وإذا كان من المهم في خريطة الطريق رسمها معالم الحل السياسي، فإن من المهم أيضا، أن الخطة تضمنت تأكيدًا على ضرورة الدعم الدولي القوي والفعال من جانب الأمم المتحدة والقوى الدولية والإقليمية للخطة، وخاصة في وقف دعم قوى الحرب والإرهاب في سوريا وإخراج المقاتلين الأجانب منها، وفي رعاية عملية إعادة الإعمار وتطبيع حياة السوريين أو استعادتهم لحياتهم الطبيعية بعد كل ما عانوه.

=====================

ضحايا العراق وسوريا .. فايز الفايز

الشرق القطرية

الثلاثاء 16-6-2015

في كلمته أمام جموع أبناء البادية الأردنية الشمالية المتاخمة للحدود السورية، أعاد الملك عبد الله الثاني التأكيد على وجوب حماية والوقوف مع أبناء العشائر في البادية السورية والعراقية دون أن يشرح ذلك، وهذه التصريحات لم تكن المرة الأولى، فقد سمعتها من الملك شخصيا قبل أربعة أشهر في لقائه مع شخصيات من قبيلة بني صخر، وحينها أطلق وصفا جيوسياسيا، بقوله "سنهستان"، على مناطق العشائر في العراق، حيث يدرك الملك، بمكانه ومكانته، أن العشائر السنية في العراق لم يعد لها أي وضع سياسي أو اقتصادي، وليس لها سند أو قوة حماية لمواجهة الاضطرابات والهجمات والتصفيات الطائفية التي تمارسها مليشيات وعصابات انخرطت في الجيش العراقي، بينما الأكراد تمكنوا من تأكيد وجودهم وحماية مناطقهم، وإيران تدعم الشيعة في كل العراق وتستميل العروبيين منهم، وتعلن نواياها دون تردد.

وغير بعيد عن حديث الملك، فإن هناك العديد من الزعامات السياسية العربية، فضلا عن شخصيات غير عربية، كالمسؤولين الإيرانيين والإسرائيليين والغربيين يطلقون تصريحاتهم بين الحين والآخر لتسليط الضوء على قضايا فئات من المكون الشعبي في العراق وسوريا، فالإيرانيون لا يتورعون عن إعلانهم الحرب ضد التنظيمات المسلحة السنية حتى تلك التي تلعب دور الدفاع عن مناطقها، مبررة ذلك بأنه لحماية أبناء الشيعة في العراق والمراقد ومقدساتهم من قبور الأئمة، فيما الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، عملت ما بوسعها لحماية المسيحيين في العراق وتأمين خروجهم من المناطق التي هجروا منها إلى الخارج، حيث غالبية مسيحيي الموصل أصبحوا في الأردن ومنهم من نقلته السلطات الفرنسية إلى فرنسا، وكذلك الإزيديون الذين ما زالوا يشغلون بقضيتهم الدوائر الغربية، فيما يتحدث مسؤولون إسرائيليون عن رسائل متبادلة تتعلق بحماية الدروز في سوريا.

اليوم وبعد عام كامل من سيطرة تنظيم داعش على مدينة الموصل، وبعد عشر سنوات من سيطرة الشيعة والأكراد على الحكم في العراق ورغم دخول بعض الشخصيات السنية المرتجفة وذات المصالح الشخصية في بعض المناصب الرسمية في حكومات بغداد، لم يجد أبناء السنة عموما والعشائر العراقية في غرب العراق من يساندهم أو يدعمهم سياسيا على الأقل وعلنا، ولم تتبن أي دولة عربية سنية قضيتهم، وكأنهم قطيع من الأغنام تاه في بوادي العراق ومليشيات الطوائف تمتلك الحق في تركهم أحياء بلا مقومات حياة أو التخلص منهم، وهم اليوم باتوا بين حجري الرحى في الحرب الطاحنة في العراق ما بين الحشد الشعبي والقوات الإيرانية البغدادية وما بين تنظيم داعش، الذي استطاع إخضاع غالبية مناطق السنة لسيطرته، لا لقوته ولكن لسكوت أبناء تلك المناطق عنهم لعدم وجود بديل عنه.

في سوريا الأمر لا يختلف عن العراق، فتنظيم داعش ـ جناح سوريا ـ هو الأكثر وحشية ودموية وسلطوية، وهو يبتلع المحافظات تباعا، ويخضع أبناء البادية لسلطته لعدم وجود أي قوة على الأرض، فجيش النظام لم يعد بإمكانه حماية أي مدينة في وسط سوريا حتى حدودها الشرقية، وآخر الألوية انسحب من جنوب سوريا ململماً جراحه، وترك مدينة السويداء عرضة لهجمات تنظيم داعش الذي يلعب على مبدأ الكرّ والفرّ، بينما اللواء 42 انسحب من المدينة إلى أطرافها الغربية وقد يكون رحل هو الآخر، وتركوا جنوب سوريا.

إذا هل سنتخيل ما الذي ستستقر عليه الجغرافيا السياسية في سوريا والعراق بعد كل تلك الحروب والمذابح التي وقعت وكان ضحيتها الأكبر هم أهل السنة والعشائر العربية، هل سيلوم أحد أبناء تلك البلاد إذا ما انضموا جميعا إلى التنظيمات الإرهابية أو شكلوا تنظيمات جديدة ستكون أكثر فتكا وتطرفا بعدما تخلى جميع العرب السنة عنهم بداعي عدم التدخل في شؤون الغير، مقابل الدعم العسكري والمالي من إيران لكل "أتباعها الطائفيين" في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وبغطاء سياسي من الولايات المتحدة، حيث تمنع الأخيرة تسليح أبناء العشائر في العراق وسوريا وتتركهم نهشا لقوات الطوائف، وأكثر من ذلك فهي تتهم أبناء السنة بدعم التنظيمات الإرهابية وتحرض ضدهم.

على الدول العربية المعنية والمؤثرة اليوم، وأنا أقصد دولا ثلاثا، هي المملكة العربية السعودية وقطر والأردن، أن تتفكر حكوماتها وقياداتها جديا بوضع إستراتيجية جديدة ترتكز على التحولات الجديدة في منطقتي العراق وسوريا، وتهدف إلى تحييد المناطق الساقطة سياسيا وعسكريا من أيدي النظامين العراقي والسوري، وتحديدا في سوريا التي باتت على مشارف سقوط نظام الأسد الذي يعيش على الأوكسجين الإيراني، وعلى دولنا الثلاث أن تصيغ مشروع سلام جديدا، إما على طاولة مفاوضات لفصل مناطق السنة، أو استصدار قرار أممي بإطلاق رصاصة الخلاص على ذلك النظام وإخراج القوى الإيرانية ووكلائها، لفتح الطريق لمستقبل جديد يقرره أبناء سوريا والعراق من جديد وتحديدا أبناء السنة الذين باتوا هم ضحايا العراق وسوريا، وليس لهم نصير سوى الله.

=====================

دور الأقليات في الثورة السورية .. ميسرة بكور

القدس العربي

الثلاثاء 16-6-2015

هدف هذا المقال مناقشة موضوع الأقليات ودورها في الأحداث الدامية في سوريا، التى برزت خلال سنوات الثورة الاربع والتي لم تنته فصولها حتى الآن، والأطروحات التي تتحدث أن عمليات انتقامية أو إباده جماعية ستقع على الطائفة الفلانية، وسوريا مقبلة على حرب طائفية لا تبقي ولاتذر.لا يشكك أحد بأن سوريا بلد متعدد الطوائف والأعراق كما هي تضاريسها، رغم عدم وجود احصائيات او مراجع موثقة تدل على نسبة كل طائفة او عرق على الوجه الدقيق، لكن في نظرة سريعة على خارطة التنوع السكاني»العرقي» والطائفي نجد بأن الطائفة السنية تشكل ما يزيد عن 85 % من السكان وهم مقسومون بدورهم الى اربع عرقيات «العرب السنة وهم الغالبية الساحقة، الكرد والتركمان «لا يوجد رقم دقيق يثبت أيهم الآكثر عدداً، ومن ثم الشركس والداغستانيون» بعدهم تأتي الطائفه العلوية والمسيحية والدروز، والاسماعيلية، أما الطائفة الشيعية فهي صغيرة جداً لا تكاد تذكر ولا تشكل في أقصى حد 0.5% من التركيبة السكانية للبلاد.

مع انطلاق شرارة الحراك السلمي في سوريا 15مارس/آذار من عام2011 كان اللون الغالب على هذا الحراك «السنة» وهو شيء طبيعي ومفهوم قياساً لحجم السنّة وتوزعهم في البلد. كذلك انخرط معهم بالثورة مجموعات لابأس بها من الطائفة «الاسماعيلية خاصة في منطقة السلمية في محافظة حماة وسط سوريا. كذلك فعل التركمان ذو الغالبية السنية حيث تفاعلوا بشكل مباشر مع الثورة دون النظر إلى الموضوع العرقي، وخير دليل على ذلك «باباعمرو» حمص وسط سوريا.

أما الكرد فكانت مشاركاتهم على استحياء في الحراك السلمي حتى استشهاد المعارض الكردي البارز «مشعل تمو» والذي كان تحولا نوعيا في فعالية الحراك الكردي، لكن للأسف بعد أن سيطر الجناح الكردي المتعصب قومياً حدث شرخ بينهم وبين الثورة السورية الشاملة، وبدأت تظهر الشعارات القومية والأهداف الانفصالية أو الراغبة في الحكم الذاتي في المناطق ذات الأغلبية الكردية وهي قليلة في كل الأحوال، وخير شاهد على ذلك هو تشكيل مجلس اطلق عليه اسم «المجلس الوطني الكردي» على غرار المجلس الوطني السوري والذي انضم اليه مجموعات من الكرد، كذلك رفعوا الرايات الخاصة بهم «علم ما يسمى كردستان» وهذا إن دل على شيئ يدل على أنهم يريدون وطنا مستقلا خاصا بهم بعيداً عن الوطن السوري.

أما الطائفة الدرزية والتي تتمركز اغلبيتها في الجبل ومحافظة السويداء جنوباً، فشاركت مجموعات صغيرة في الحراك السلمي والمظاهرات ضد حكم الأسد، سرعان ما تلاشت وتم تطويقها من قبل الزعامات المحلية أوالحزبية والأمنية التابعة لنظام الأسد الحاكم.

أما أغلبية الطائفة العلوية فأعلنت من أول يوم تضامنها مع نظام بشار الأسد ورفضت رفضاً قاطعاً التعاطي مع هذه المظاهرات على أنها ثورة شعبية، واعتبروها أنها مؤامرة خارجية ضد نظامهم يقودها مجموعات تكفيرية وهابية ممولة من الأمير بندربن سطان ومن رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق سعد الحريري، فتصدى بعض شباب هذه الطائفة للحراك الشعبي.

تعددت وسائل القمع من التشويه الإعلامي والتشكيك في نوايا الثوار الى أن وصلوا حد القتل وماسمي بـ «التشبيح والذبح» ومن ثم انخرطوا في جيش الدفاع الوطني وتعاونوا مع الأمن وبذلوا كل ما بوسعهم لوأد هذه الثورة التي اعتبروها بأنها موجهة ضدهم وضد حكمهم المتمثل بالرئيس «بشار الأسد» ابن طائفتهم. ومع تواتر الأحداث وارتكابهم كل المجازر والافعال الشنيعة التي يعجز قلم كاتب عن وصفها، لم يعد لديهم اي خيار سوى المضي قدماً بما فعلوه أو الفرار خارج البلاد خشية ردة فعل الثوار بحال سقوط النظام. كذلك فعلت الطائفه الشيعية على ندرتها في سوريا.

أما المسيحيون السوريون فيمكن تقسيمهم الى ثلاث فئات، فئة شاركت بالمظاهرات، وفئة شاركت بالأعمال الإغاثية لكن الأغلبية لاذت الصمت والمراقبة. على مبدأ «الي بيتزوج امي أقول له عمي».

بالعودة الى دروز جبل العرب في السويداء، لم يحدث أي حراك حقيقي أو فعلي ملموس عندهم وغالبيتهم التزمت الصمت والمراقبة مع بعض التحركات التي يطلق عليها العسكريون اسم «مناوشات» وكثير منهم انخرط في جيش النظام ومن ثم الدفاع الوطني، خاصة في قرى ريف ادلب وكذلك في بعض احيائهم بدمشق.

مع منتصف السنة الثالثة من عمر الثورة السورية بدأ اهل الجبل يتذمرون من ارتفاع عدد القتلى بين ابنائهم وخوفهم من انتقام الثورة، فما كان منهم أن أعلنوا عدم ارسال أبنائهم إلى التجنيد في صفوف جيش الأسد وحدثت بعض الاحتجاجات والمناوشات مع فرع الأمن العسكري وصلت الى حد الاصطدام المسلح وطرد عناصر النظام من بعض الحواجز الأمنية.

ولا يفوتنا التذكير بأنهم احتضنوا إخوانهم اللاجئين من محافظة درعا القريبة وقدموا لهم العون والمساعدة، ويذكر انهم هددوا نظام الأسد في حال تم قطع الوقود والمحروقات عنهم سيقومون بقطع طريق السويداء دمشق ويتحركون في احيائهم القريبة من الغوطة المحاصرة . اليوم وعلى اصداء انتصارات ثوار درعا نسمع بعض الاصوات التي تنادي بتسليح الدروز وانخراطهم في جيش النظام لكن فقط في مناطقهم، وأصوات اخرى تنادي بالانضمام للثورة بشكل مباشر والتعاطي معها على أنها ثورة شعب ضد نظام جائر.

خلال هذة الفترة الزمنية بذل الثوار كل ما بوسعهم لإقناع باقي فئات المجتمع السوري بأن ما يقومون به هو فعل ثوري هدفه رفع المظالم وتحقيق العدالة للجميع ومما فعلوه في هذا السياق أسماء الجمع التي كانت تميز الحراك السلمي، على سبيل المثال «الجمعة 22 نيسان/ابريل 2011 (العظيمة) 17/6/2011 جمعة صالح العلي، جمعة ازادي9/3/2012 ، جمعة الوفاء للإنتفاضة الكردية، 27/5/2011 جمعة حماة الديار12/10/2012 جمعة أحرار الساحل يصنعون النصر، دون ان يفلحوا في اقناع الشريك من الأقليات بمشروعية الثورة وضرورة الانضمام اليها.

كان نظام الأسد قد حرص خلال حكمه لسوريا لأكثر من 40 عاماً أن لا تكون هناك إشارة لأي تمايز ديني أو عرقي، وذلك على الرغم من اعتبار سوريا دولة ذات طابع إسلامي. لكنه مع أول شرارة للثورة السورية بذل كل مابوسعه لتسويق أن مايحدث في سوريا ارهاب «وهابي» هدفه تحويل سوريا إلى إمارة إسلامية ظلامية تضطهد الطوائف ساعده على ذلك ظهور تنظيم الدولة وأسلمة الثورة السورية الذي كان سببه الرئيسي هو تدخل حزب الله اللبناني على أساس طائفي واضح. في هذا السياق نذكرتصريح وزير الخارجية «وليد المعلم» بان من قام في سورية ضد النظام هم عصابات وهابية سلفية متشددون يريدون ان يقيموا امارة اسلامية في سوريا». مما دفع الطوائف والاقليات السورية التزام الصمت وترقب ما يسفر عنه شلال الدماء المنهمر من شرايين اخوانهم في الوطن.

قد يحتج البعض بأنه قدم مساعدات انسانية واغاثية للنازحين السوريين «عندما يسيل دمي لايكفي ان تقدم لي الخبز».

المتابع بعين المراقب المحايد يستطيع أن يقول دون حرج ان الأقليات السورية خذلت الثورة وخذلوا اشقاءهم في الوطن لو أنهم انخرطوا في الثورة لوفروا كثيرا من الدماء، ربما لم يستطع احد فرض تسمية اسلمة الثورة بسبب تنوع أطيافها وعرقياتها.

رغم كل ما تم تسويقه من قبل حلفاء النظام عن عمليات انتقامية تجاه بقية الطوائف لم يفلح نظام الأسد بأن يثبت على الثوار السوريين وجيشهم الحر أيا من هذه الادعاءات. أما ما يفلعه تنظيم الدولة يسأل عنه هو يقول بأنه دولة خلافة «اي اعماله لا تلزم الثورة السورية».

تشير الأحداث على الأرض إلى أن المجتمع الدولي والعربي لن يسمح بأي عملية انتقامية، ودليل ذلك الضغط على الثوار عندما تقدموا في منطقة كسب في ريف اللاذقية، ومنع السلاح عن ثوار حمص. وليس ببعيد عنا الضغط على جيش «الفتح» ادلب لوقف معارك سهل الغاب وكذلك التقدم الى معقل النظام في اللاذقية.

من الصعب منح الأعذار للمتقاعسين عن أداء الدور الثوري في هذا الوقت الصعب، على الجميع تحمل المسؤولية كاملة والعمل بالطاقة القصوى، لأن الوقت من دم.

=========================
حكايات من سجن تدمر .. خطيب بدلة

العربي الجديد

الاحد 14/6/2015

بمناسبة تفجير تنظيم داعش الإرهابي سجن تدمر العسكري، يوم السبت الثلاثين من مايو/أيار الماضي، أخذنا، نحن السوريين، نتذكّر الويلات، والمآسي، والقصص الخيالية التي كانت تصل إلينا من ذلك المكان

لعل من أبرز الشخصيات التي ساهمت في ترسيخ البطش والاستبداد، خلال حكم الأسد الأب، ضابطٌ صغير برتبة نقيب، اسمه فيصل غانم، من قرية تدعى "بيت عليان" في محافظة طرطوس، كان يتخذ من تعذيب السجناء وإذلالهم شغلاً، وهواية، ومنهجاً، وديدناً،.. وقد بقي مديراً لهذا السجن الرهيب حتى 1984.

لم يكن فيصل غانم، من حيثُ المبدأ، يأتي بشيء من عنديَّاته، فما تناقلته الألسنُ وتلقته الآذان أن نظام الأسد كان قد أرسل إلى تدمر تشكيلة واسعة من معتقلي الرأي، بدءاً بحزب العمل الشيوعي، والمكتب السياسي للحزب الشيوعي (رياض الترك)، وحزب البعث العربي الاشتراكي اليميني (جماعة العراق)، وجماعة الإخوان المسلمين، وحزب الطليعة، وغيرهما من الأحزاب الإسلامية، وقال لإدارة السجن: خذوهم هؤلاء الرجال بلا سجلات، وبلا قيود، واعلموا أنه لن يطالبكم بهم أحدٌ ما حييتم، أو، كما يقول صاحب البيت لضيوفه: على حسابكم.. صحتين على قلوبكم.

لم تكن عادةُ زيارة أهالي السجناء لأبنائهم متبعةً في كل سجون أمن الدولة، باستثناء سجن صيدنايا الذي كانَ مُراقَبَاً من الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، ومن ثم، كان السجين السوري يموت، ويعيش، ويمرض، ويشفى، ويعجز، ويتخّ في السجن، ويموت موتاً طبيعياً، أو يُشنق، أو يقصف بالطيران الحربي، من دون أن يدري به أحد.  

ومن حكايات السوريين الطريفة أن السيدة أم فيصل، والدة مدير سجن تدمر، قد جَمَعَتْ كميات كبيرة من الذهب في أثناء تولي ابنها الإدارة. وكانت تعمل على النحو الآتي: تذهب إليها زوجة أحد المعتقلين أو أمه أو ابنته، ومعها قطعة ذهب عيار 21، وتطلب منها تأمين زيارة الأسرة للسجين، فتقول لها بشمم:  - اتركي ذهبك معك، يا أختي، فنحن لا نأكل الحرام!.. أملي علي اسم سجينك لنرى.  فتمليه عليها، وتكتب هي رسالة إلى ولدها الغالي، تسأله: هل هذا السجين عندكم؟ (وهي تقصد: هل هذا السجين ما يزال على قيد الحياة، أم أنكم قتلتموه؟).. فإذا أتاها الجواب بـ "نعم"، تأخذ الهدية الذهبية، وتعطي للمرأة ورقة عليها اسم السجين وأسماء أفراد الأسرة طالبي الزيارة... إلخ.

وكان صديقي (مالك أ..)، من حزب العمل، الذي أمضى 14 سنة هناك، قد أكد لي أن فيصل غانم لم يكن يداوم يومياً في السجن، بل يزوره مرة كل بضعة أيام، وقد جرت العادةُ أن (يُضَحِّي) له الجلادون بواحد من السجناء، يختارونه، على الأغلب، من الإسلاميين. وكانوا من الذكاء وسعة المخيلة، بحيث إنهم لم يقتلوا اثنين من السجناء بالطريقة نفسها، وإني لأخشى على القراء الأعزاء من نقل تفاصيل ما وصفه لي، لئلا يروا كوابيس في النوم، مثلما حصل معي بعدما سمعتها منه.. وأما تتمة الحكاية فتسير على النحو التالي: يرفس أحد الجلادين باب المهجع الكبير بقدمه، يفتح النوبتجي الباب، يرى الجثة فيسحبها إلى الداخل، ويغلق الباب، وبعد قليل، يفتح الباب ويُبلغ الجلادين أن هذا السجين توفى.

ومن أطرف ما جرى مع فيصل غانم، كما حدثني الصديق محمد برو، أنه جاء يعايد المساجين في مناسبة الحركة التصحيحية، فكان، يومها، لطيفاً، على خلاف عادته، يتودد للسجناء، ويسألهم عن معاناتهم. فلما قال له أحدهم إنه هنا منذ سبع سنوات بلا محاكمة، وإن القاضي سليمان الخطيب قد حاكمه، قبل خمسة أشهر، وأصدر حكمه ببراءته، ومع ذلك أعيد إلى هنا، وهو لا يدري إلى متى سيبقى، طبطب على كتفه بحنان وقال له: - يا ابني لا تهتم، والله لو تبقى هنا مائة سنة ستخرج.   

======================

فرصة للإصلاح .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 14/6/2015

يدوخ السوريون ويحارون في كل ما يتعلق بهوية الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية ودوره. ويكثر الحديث، في كل اجتماع ومحفل، عن ضرورة إصلاح هذا الجسم السياسي الذي يتنطح لقيادة العمل الوطني السوري، لكنه يفتقر إلى المقومات التي تؤهله لذلك، ويقترف أخطاء صارت من لوازم وجوده، بدل أن يحرر السوريين منها، وينتهي به المطاف، في كل مرة، إلى "قيادةٍ" يتسم جهدها بالفردية والتخبط، بغض النظر عمن يتولاها. هناك بنية تحكم الائتلاف، حالت، إلى اليوم، بين من يقودونه وإقامة توازنات توحيدية فيه، تسمح بتوجيهه نحو إنجاز المهام الثورية والاستباقية التي تقوم بها عادة القيادة الثورية، لكي تلقى أعمالها قبولاً وطنياً عاماً، وتنسجم مع تطلعات الشعب، وتجتاز، بنجاح، المراحل التي يمر نضاله بها.  وعلى الرغم من محاولات لم تنقطع، قام بها معظم الذين انتموا إلى الائتلاف، أو عملوا في إطاره، وعلى الرغم من وعود بالإصلاح، قدمها كل من رشح نفسه لأي موقع قيادي فيه، فإن الفشل كان حليف الجميع، وحليف الأعضاء الذين قدم كثيرون منهم خططاً إصلاحية، طاول بعضها العمل الوطني برمته، واستهدف تفعيل الائتلاف جسماً معترفاً دوليا بتمثيله الشعب السوري، وحقه في أن ينال حريته، ويقيم نظاما سياسيا من اختياره. لم يقوّض هذا الفشل المتكرر، تماماً، فكرة إصلاح الائتلاف، سواء في ما يخص نظمه الإدارية وهيئاته، أو أساليب وطرق اتخاذ القرار فيه، أو نظرته إلى القضايا المطروحة عليه، وفي مقدمتها قضايا الثورة والصراع الدائر في سورية، الذي ترعاه أطراف متناقضة الأهداف والمصالح.

هل فشلت مشاريع الإصلاح لأنها اقتصرت على الإطار الداخلي الضيق للائتلاف، وإلى عدم طرحها خارجه: على الرأي العام الواسع، حيث يمكن لمطلب الإصلاح أن يصير شأناً وطنياً عاماً يتجاوز العدد المحدود لأعضائه، الغارقين في انقسامات وخلافاتٍ تدفع كل كتلة منهم إلى رفض ما يصدر عن الأطراف والكتل الأخرى من أفكار وخطط واقتراحات.

بسبب قصور الائتلاف وفوات سياساته، وما يشوبها دوما من نواقص وعيوب ، بدأت فصائل مقاتلة تبلور رؤية سياسية ووطنية عامة، ونشأت، شيئا فشيئاً، ظاهرة الفصائل العسكرية/ السياسية التي تتقارب وجهات نظرها، وتخلق أجواء عامة، يمكن أن تغدو حامل مشروع إصلاحي يفيد في تفعيل الائتلاف، إذا ما التقى توجهها مع سياسات "التجمع الوطني السوري"، بما يضمه من تيارات سياسات مختلفة: ديمقراطية وإسلامية، توافقت على عمل سياسي وطني الرهانات والممارسات، وقدمت مشاريع إصلاحية متعددة، واشتغلت بروحية التوافق وتجاوز التكتلات، ودعت إلى القيام بعمل منظم يخلو من العشوائية والتخبط...، ولكن من دون جدوى إلخ. من هنا، فإن لقاء التيار السياسي/ العسكري مع خط "التجمع" وجهوده يمكن أن يبني الحامل الوطني المطلوب لإصلاح الائتلاف، من دون أن يضر بطابعه التمثيلي، وباعتراف العالم به ممثلاً للشعب السوري، علما أنه سيسهم، بالتأكيد، في إخراجه من عجزه وركوده، ويحوله إلى مؤسسة عمل وطني، تقوم، أخيراً، بالمهام التي فشل في تحقيقها.

هل يلتقي هذان التياران في حاضنة وطنية، تضم عددا كبيرا من أعضاء الائتلاف، إلى جانب الفصائل المقاومة، فتتحد قوى الثورة بلقائهم، وتتوفر الحوامل المناسبة لإصلاح مؤسستها الرئيسة، ولاندراج خط المقاومة السياسي في حاضنة الوطنية الجامعة، بما في ذلك من خير للسوريين، وإنعاش لآمالهم في انتصار حريتهم، وتخطّ لمصاعب أنتجها تشتتهم وعجزهم عن إقامة حد أدنى من الوحدة بينهم، في مختلف مجالات نضالهم؟

======================

الصراع على سوريا في طبعته الأخيرة .. غازي دحمان

المستقبل

الاحد 14/6/2015

شهد الملف السوري، على هامش قمة كامب ديفيد، نوعاً من الاشتباك الناعم، بين الطرف العربي الخليجي وإدارة أوباما. وإذا كانت كل ملفات البحث قد انتهت برضى خليجي، مستند إلى حقيقة ان لواشنطن مصالح وتقديرات لا نملك إلا أن نحترمها، حتى في ما خصّ مقاربتها لملف إيران النووي واسلوب معالجتها له، إلا أنه في الملف السوري حصراً اختلفت الرؤى، وظهر أن كل فريق له حساباته ومصالحه، التي لا يمكن بأي شكل من الأشكال التنازل عنها أو حتى التهاون بها، إما بسبب ضيق هامش المناورة، في صراع لم يعد خافياً انه صار إقليمياً بامتياز، وإما لأن هذا الصراع أصبح متشابكاً، ويقع على خط العديد من الصراعات والانقسامات، التي تشهدها البيئة الدولية.

ما يثبت حقيقة اتساع حجم تأثيرات ومفاعيل الملف السوري ومركزيته في الحراك الدولي الراهن، هو أن واشنطن ودول الخليج يمتلكان العديد من المشتركات والتقاطعات في عمق الملف ذاته، ولديهما أيضا تجربة عمل وتفاصيل متكاملة عن ظروفه ووقائعه ومساراته، بما يسمح ببناء توافقات على بعض الخطوط العريضة، إلا أن تلك التقاطعات على أهميتها لا تغطي كل تفاصيل القضية السورية، وبالتالي لا تمنع حالة الاختلاف التي تتمظهر في خطوط مقاربات الطرفين لها.

كانت التغيرات في التوازنات التي حصلت في سوريا إحدى أوراق البحث، التي أراد الطرف الخليجي من خلالها دفع نظيره الأميركي لقراءة الوضع الإقليمي، بطريقة مغايرة، علّ ذلك يساعد في تثقيل أوراقه التساومية في مواجهة المفاوض الأميركي، الذي تعامل بتقنية صرفة مع الحوار مستندا إلى لغة المعطيات والوقائع، ليبني عليها حجته في التحرك على مساحة الملفات الشرق أوسطية العديدة، وقد فعل الطرف الخليجي ذلك سعيا وراء هدف محدد، هو إخراج الساحة السورية من حسابات النفوذ الإيراني، ومن حقل مساوماته، وضمها إلى الفضاء العربي.

وتكمن قوة استراتيجية الطرح الخليجي بتلازمه مع الإجراءات العملانية المتخذة في إطار الفضاء المشار إليه والقدرة على توظيف الجغرافيا والديمغرافيا في لعبة الأوراق والصراع وبناء هياكل قوة تستند لبنية حقيقية، خصوصاً بعد إعلان الأردن نيته تدريب العشائر العربية في العراق وسوريا لمواجهة خطر تنظيم داعش، وذلك في ما بدا أنه استكمال لصناعة بنى القوة الحاصلة في شمال وجنوب سوريا.

غير أن إدارة أوباما، وكما اتضح، اتبعت تكتيكاً مختلفاً في موضوع سوريا تحديداً. يقوم هذا التكتيك على رفض إدماج سوريا ضمن هذا التشكل الاستراتيجي، لا الآن ولا في المستقبل، وتحويلها إلى قضية مرتبطة بملفات دولية واقليمية، ومفتوحة على احتمالات مستقبلية عديدة. وتعزيزاً لهذا النهج الاستبعادي، سعى التكتيك التفاوضي الأميركي إلى إغراق سوريا بالتفاصيل، وتحويلها إلى قضية أقليات ومصالح إقليمية ودولية، ورفض منطق اعتبارها جسماً صلباً متماسكاً ضمن مقلب جيو إستراتيجي أوسع. على عكس ما جرى التسليم به للخليج في البحرين، وبدرجة أقل في اليمن.

لا شك في أن أميركا في هذا المنحى تراعي مسألة وقوع سوريا في صلب عدة مشاريع جيو استراتيجية (روسيا وإيران) فضلاً عن أهمية مستقبلها بالنسبة لإسرائيل، وهي ترى أن الرؤى الخاصة بمآلات الحدث السوري ما زالت في حالة من السيولة ولم تصل إلى درجة من التبلور والوضوح، ما يؤجل معها طرح أي حديث جدي. وقد عبر الرئيس أوباما عن ذلك بقوله إن الحرب السورية قد تطول إلى ما بعد نهاية ولايته، وبهذا الصدد لم يعد سراً التحرك الأميركي الأخير في الملف السوري وتفحص بعض السيناريوات الخاصة بسوريا مع الأطراف الدولية والإقليمية، من دون الانحياز الى رؤية محددة. وبالتالي، فإن واشنطن تذهب إلى محاولة خفض سقف التوقعات لدى مختلف الاطراف، والأهم انها توظف الموضوع السوري لصناعة شبكة علاقات جديدة، تشكل واشنطن فيها الطرف الذي يمسك بكل خيوط اللعبة، بحيث تؤهلها هذه الوضعية للبيع هنا والشراء هناك.

كيف يمكن ترجمة هذا المتغير على إدارة الأزمة السورية؟ التقدير أن تعمد واشنطن إلى منطق تغير ديناميكية الصراع التي تأسست في أعقاب تحرير إدلب وتحويلها من حرب بهدف تحرير كامل سوريا وإسقاط النظام، إلى معارك توضح مناطق النفوذ بدرجة أكبر، ولا تصل إلى حد قلب الأوضاع بشكل جذري، بحيث تتشكل على أساسها توافقات إقليمية ودولية معينة ويجري اختبار السيناريوات بشكل عملاني. ووفقاً لهذا، يمكن لواشنطن إدارة التفاوض المستقبلي على سوريا، ومآلات أزمتها، وتحديد موقعها في كل ذلك وفق مصالح أصدقائها والقوى الدولية الأخرى.

لكن هذا النمط من الإدارة والمآلات المتوقعة له، يتعارض بدرجة كبيرة مع المصالح العربية ويضر بمجال أمنها، وبخاصة في حال تم تغليب المصالح الإيرانية والروسية والإسرائيلية وحتى التركية على المصالح والاعتبارات العربية. إذ وفق ذلك ستصبح سوريا تجسيداً لحالة اختراق أمني دائم وتهديد استراتيجي عميق لبنية النظام العربي وللأمن الخاص لأكثر من دولة عربية. وهذا عنوان التصادم مع الاستراتيجية الأميركية في المرحلة المقبلة. لذلك، يتوجب على التحالف العربي تعزيز السياقات التي ارساها في قلب الصراع السوري وتزخيم الفعل بدرجة أكبر، خصوصاً على جبهة الجنوب التي باتت جاهزة لتحقيق تغيير واقعي يفرض على مختلف الأطراف بناء مقاربات جديدة لمستقبل سوريا. المطلوب هو تحطيم الشبكة التي تسعى أميركا لبنائها حول الموضوع السوري، ومنع تبلور حل دولي من شأنه أن يكون «سايكس بيكو» جديداً لسوريا وربما للمنطقة كلها.

======================

حزب الفتنة! .. ميشيل كيلو

البيان

الاثنين 15/6/2015  

الأصل في الدولة الحديثة، أن تدير شؤون مواطنيها بطرق رشيدة، تتسم بحسن التدبير وتنأى عن العنف.

والأصل في المواطنة ألا يستخدم مواطن العنف في المجال العام لتحقيق مآربه أو مصالحه، لأن القانون وحده معني بتنظيمه باسم الإرادة العامة التي يعبر عنها، وكيلا تشحنه بالفوضى إرادات أفراد متناقضة تقوض السلم الأهلي، في حال خرجت على القانون.

أما ممارسة الأفراد للعنف، فهي تخالف ما تنهض عليه الهيئة المجتمعية العامة وتسانده الدولة التي تعبر عنها، وتعمل لتطبيق العدل على الجميع بالتساوي، بتفويض منها.

ينطبق على الأحزاب ما ينطبق على الأفراد، فلا يجوز للعمل الحزبي شحن المجال العام بالعنف، أو الدعوة لاستخدامه فيه، ولا يحق لتكوين سياسي جزئي، كالحزب، الاستيلاء على مهام ووظائف تكوين عام، هو الدولة، حتى في حال قام بثورة واستولى على السلطة، بالنظر إلى أن استيلاء تكوين جزئي على الدولة، يلغي عموميتها وطابعها الشامل والمجرد.يستولي حزب الله بالعنف على دولة ومجتمع لبنان، ويعتدي على شعبه والشعوب المجاورة، وخاصة منها شعب سوريا، الذي لم يخضع يوماً له، ولم يطلب منه أن يحكمه، ولم يبادره بالعداء أو يشن الحرب عليه، ولم يعتد على وطنه لبنان.

بل كان ضد عدوان النظام الأسدي عليه، حين كان يحتله، ولم يمارس أي تمييز ضد شركاء الحزب في عقيدته من السوريين، ولم يرفع السلاح في وجه جيش لبنان أو يهدد وجود الدولة هناك، ولم يتوعده أو يعلن عزمه على مقاتلته في أي مكان وزمان، وإنما فتح بيوته أمام أنصاره من اللبنانيين، عندما وفدوا إلى سوريا، ولم يترك واحداً منهم ينام في خيمة أو يكابد الجوع والبرد.

ومع ذلك، أدى عنف حزب الله ضد مجتمعه اللبناني، إلى تدخله العنيف ضد المجتمع السوري، بما ينطوي عليه من مخاطر قد تدخل العنف إلى علاقات شعبين شقيقين، لطالما تغنى شعراؤهما ومثقفوهما بأخوتهما، وتحدثوا عنهما باعتبارهما «شعباً واحداً في دولتين».

وضع حزب الله نفسه فوق الدولة في لبنان، أو بالأصح، وضع الدولة في جيبه وتحت حذائه، فصار من الطبيعي والمحتم، أن ينقل أجواء الفتنة التي يفرضها على بلاده إلى سوريا، أو أن يرغم السوريين على أخذها إلى لبنان، ولولا وعي السوريين وشعورهم الودي تجاه إخوتهم هناك، ورغبتهم في ألا يسقطوا في الفخ المنصوب لهم، لاكتسح العنف والقتل كل بقعة من أرض البلد الجار.

وصرف الحزب معظم وقته في مقاتلة اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين والعراقيين واليمنيين... إلخ، بعد أن أخضع لبنان لتسلط مذهبي مسلح، نسف توافقاته التاريخية التي قام عليها، وقوض الإدارة السلمية للعلاقات بين المكونات التي أسسته، وفرض عليه رعباً شاملاً، جعله يعيش في قلق دائم، طبع أوضاعه بالهشاشة، وقلص فترات التعايش السلمي التي كان ينعم بثمارها بين كل حربين، وبسط هيمنته عليه، وأخرج مصيره من أيدي أبنائه ووضعه في يدي إيران.

ليس لبنان غير أول ضحايا الحزب، الذي كان دخوله إلى سوريا مجرد تصعيد خارجي لعنفه الداخلي.

ومع ثقتنا بأن الحزب وقع في فخ لن يخرج سالماً منه، وأن رهانه ينصب على جر لبنان إليه، لجعله شريكاً له في جريمة قتل السوريين، وفي دفع ثمنها، فإنه لن ينجح في إيهام السوريين بأنه يقاتلهم باسم لبنان، ولن يخدعهم برهانه علي الفتنة، ولن يفسد ما يحملونه لشعبه الشقيق من مودة أخوية!

======================

ماذا ننتظر يا ترى وسوريا آخذة بالتمزق ؟! .. صالح القلاب

الرأي الاردنية

الاثنين 15/6/2015

 رغم انشغالات العرب الكثيرة والخطيرة فإنه لا عذر إطلاقاً في أن تتمزق سورية على هذا النحو بينما هم يتخذون موقف المتفرج ولا حول ولا قوة وكل هذا وهم يعرفون ويدركون أنَّ تشظي هذا البلد المحوري لن يؤثر على دول الجوار فقط وإنما على المنطقة العربية كلها فتأثير هذا الانهيار سيؤدي, إن لم يجر التصدي له وبسرعة وقبل فوات الأوان, إلى حالة كحالة تلاحق سقوط حجارة الـ «دمينو» المعروفة التي تبدأ بالحجر الأولى وتنتهي بالأخيرة في تتابع متتال يستمر حتى النهاية.

كان العرب, القريبون والبعيدون, قد قصروا تقصيراً فادحاً عندما نأوا بأنفسهم عن العراق بعد احتلاله في عام 2003 فكانت إيران هي المستفيد من ذلك النأي بمسارعتها لملئ الفراغ تدريجياً إلى أن أصبحت تحتل هذا البلد العربي احتلالاً كاملاً وإلى أن غدا إخراجها منه يحتاج إلى جهد سنوات طويلة ويحتاج إلى موقف عربي موحد لأن المستهدف ليس الشعب العراقي فقط وإنما الأمة العربية كلها.

ما كان من الممكن أن تتمدد إيران كل هذا التمدد الاحتلالي لا في سورية ولا في اليمن ولا في لبنان لو لم يسكت العرب على تمددها في العراق واحتلاله على نحو ما هو الوضع عليه الآن فهذا السكوت أعتبره الإيرانيون عجزاً فـ «تطالوا» أكثر من اللزوم وإلى حد أنهم باتوا يتحدثون عن تبعية أربع عواصم عربية هي بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء للعاصمة الإيرانية طهران.

لقد سمع العرب كلهم أمس الأول نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد وهو يتغنى باعتماد نظام بشار الأسد للاستمرار في ما يعتبره صموداً على الدعم الإيراني والقوات الإيرانية والمؤكد أن تصريحات الرئيس حسن روحاني التي قال فيها إن إيران ستبقى تدعم النظام السوري حتى النهاية لا تزال حية ولا تزال تتردد في كل الأرجاء العربية وحقيقة أن هذا الدعم الذي تحدثت طهران عنه أكثر من مرة هو دعم للمصالح الحيوية الإيرانية في هذا البلد وفي المنطقة العربية وليس لسورية ولا للنظام السوري.

إنَّ سورية أصبحت في طريقها إلى الانقسام والتشظي فبشار الأسد, رضوخاً لما تريده إيران ويصرُّ عليه المنتفعون المحيطون به, مُتمسِّك بكرسي الحكم حتى النهاية وذلك بينما الشعب السوري الذي فقد مئات الألوف من أبنائه والذي أصبحت كل مدنه وقراه وبلداته مدمرة لا يمكن أن يقبل بأي مساومة وأي حلٍّ يبقيان على هذا النظام مما يعني أن كل هذا الشد في اتجاهين متعاكسين سيؤدي إلى التقسيم وإلى ظهور الدويلة الطائفية التي يريدها الإيرانيون مكملة لدولة حزب الله وتمتد من دمشق إلى اللاذقية وتشمل كل لون حسن نصر الله الطائفي في لبنان.

وهكذا فإنه إن لم يكن هناك موقف عربي جدي ضاغط على إيران بإشغالها بحروب داخلية كالحروب التي أشغلت العرب بها في أصعب وأخطر مرحلة في تاريخهم المعاصر فإننا بالتأكيد سنصحو ذات يوم قريب على ظهور أكثر من دويلة سورية وإننا سنجد منطقتنا في النهاية وقد تحولت إلى لوحة فسيفسائية طائفية ومذهبية وهذا هو ما تريده إسرائيل وما بقيت تسعى إليه منذ قيامها وحتى الآن.

======================

الأكثرية «المخيفة» المعرّضة للتهجير والإبادة! .. رضوان السيد

الشرق الاوسط

السبت 13/6/2015

 عندما يستمع المرء لأحد خطابات الجنرال اللبناني ميشال عون، أو أحد برامج تلفزيونه، يخيَّلُ إليه أنّ الرجل معرَّضٌ شخصيًا ومع صهريه أولاً، ثم سائر المسيحيين، للقتل والإبادة من جانب أهل السنة في لبنان، لأن كل السنيين في نظره داعشيون! وقد تعودْنا على هذه الرؤية (السمحة والمستنيرة) من جانب الجنرال ووسائل إعلامه من سنين، أي قبل ظهور «داعش» بمدة. وكنا وقتها من وجهة نظره متعصبين وإرهابيين، وآكلي حقوق المسيحيين ولحومهم! إن الطريف، بل وذا الدلالة، أنّ كل السياسيين والمثقفين المسيحيين الذين قُتلوا بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، هم جميعًا ومن دون استثناء من خصوم الجنرال عون، ومن حلفاء السنة. ونحن نعرف بالطبع، ومنذ عام 2005، لماذا يقف الجنرال وصهره هذا الموقف من أهل السنة. إذ منذ ذلك الحين، بل من قبلها بعقدين، يريد الجنرال أن يصبح رئيسًا للجمهورية. وقد أضاف لذلك أخيرًا مطلب أن يكون أحد صهريه قائدًا للجيش، أما صهره الآخر فينبغي أن يتولى اختيار كل حصة المسيحيين في الدولة اللبنانية (!). وهو يعتبر أنّ أهل السنة هم الذين يحولون دون تحقيق أحلامه (المتواضعة)، بوصفه زعيم المسيحيين الأوحد في لبنان منذ كانوا!

رهبة الجنرال عون من السنة مصطنعةٌ إذن وقصدها الابتزاز. إنما إذا كان أهل السنة على هذا الجبروت والإجرام، أفلا يخشى الجنرال شرّ هؤلاء وأهوالهم فيسكت عنهم، كما سكت عن حزب الله، بل وتحالف معه منذ عام 2006 وحتى اليوم. وهو يكرر للمسيحيين رجاء إقناعهم أنّ الحزب بقتله للسوريين ومناصرته لبشار الأسد في مواجهة شعبه، إنما يُسهمُ في حماية المسيحيين وسائر الأقليات من «داعش» وأهل السنة!

الواضح إذن أنّ المشكلة المتمثلة في قتل الناس بسوريا والعراق ولبنان واليمن، إنما هي مع إيران وميليشياتها المنتشرة في البلاد العربية. وهؤلاء يبررون قتل السوريين والعراقيين واليمنيين واللبنانيين وتهجيرهم بأنهم تكفيريون، وأنهم يعتدون على مزارات أهل البيت، ويريدون قتل الشيعة. إنما على الأرض لا نرى قتالاً بين «داعش» وحزب الله والميليشيات العراقية والأفغانية والباكستانية التي جلبها الإيرانيون إلى سوريا والعراق للدفاع عن أهل البيت وقتل الكفّار! بل نرى أنّ الحزب والميليشيات الأخرى وجيوش النظامين السوري والعراقي تقتل وتهجِّر السنة من غير «داعش»، والذين لا يكفّرون ولا يقاتلون وفي معظم الأحيان لا يستطيعون حتى الدفاع عن أنفسهم!

من ذلك نعرف أنّ «داعش» ضروري لحزب الله. كما أن حزب الله و«الحشد الشعبي» ضروري لـ«داعش». إذ كيف يمكن تبرير قتل الناس وتهجيرهم لدى الحزب وفصائل «الحشد الشعبي» إن لم يكن هناك ادعاء بوجود «داعش» بينهم أو أنّ أكثرهم تكفيريون وداعشيون! وهذا هو الذي حصل في القصير والقلمون وعرسال وجرودها، وفي سائر أنحاء سوريا. وهذا هو الذي حصل ويحصل بالعراق، ليس بعد «داعش»، بل منذ سقوط نظام صدام على أيدي الأميركان عام 2003 وإلى اليوم والغد وبعد الغد.

إنّ هذه وقائع دامغة، لا تحتاج إلى شواهد. ومع ذلك فالشواهد تفقأ العين والأذن. رُبع اللاجئين السوريين في لبنان بالذات هجَّرتهم ميليشيات نصر الله التي غزت مناطق في سوريا بحجة حماية الشيعة، فأدخلت بذلك عشرات الألوف إلى لبنان قسرًا. و90 في المائة من مجموع المهجَّرين السوريين بالداخل والخارج (بحسب الأمم المتحدة 5.12 مليون) إنما هجرتهم قوات النظام. والثلاثة ملايين سني بالعراق الذين تركوا منازلهم عبر عشر سنواتٍ إنما هجّرتهم الميليشيات الشيعية المتأيرنة أو القوات الرسمية للحكومة العراقية المتأيرنة أيضًا!

ولنتوقف للحظات عن استعراض تهجير وقتل أبناء «الأكثرية» العربية السنية على أيدي «الأقليات» الشيعية والعلوية والحوثية الخائفة منهم (!) ولنتأمَّل أفعال «القاعدة» و«داعش» في أوساط السنة أيضًا. هؤلاء القتلة يتحدثون كل الوقت ضد الشيعة ويسمونهم الروافض.. إلخ. لكنّ هذا الأمر ليس أكثر من دعاية لاستجلاب تأييد بعض السذَّج. أمّا على الأرض؛ فإنّ كل الأماكن التي يتمركز هؤلاء فيها هي مواطن سنية، ومن اليمن (مع القاعدة في جزيرة العرب)، وإلى سوريا والعراق وليبيا وأفغانستان وباكستان ونيجيريا. وهم الذين شرّدوا في حركاتهم مئات الآلاف من السنة، قبل أن تدخل إيران وميليشياتها على المشهد فتشرد الملايين مع الأسد والمالكي وعفّاش! لماذا يفعل القاعديون والداعشيون ذلك؟ لأنهم انشقاقات في قلب أهل السنة. والانشقاق يقاتل الأصل الذي انشقّ عنه لنزاعه على الشرعية معه، قبل أن يقاتل الخصوم الواقعيين أو المتصوَّرين!

لماذا تظهر «الأكثرية» بمظهر من يُخيف رغم أنها ما عادت تخيفُ أحدًا حقيقةً، ورغم أنها تتعرض للإبادة أو التهجير في كل مكان، حتى في بورما والفلبين وتايلند؟! إنّ الذي أراه أنّ 70 في المائة من دعاوى الخوف من التكفير والاضطهاد هي دعاوى باطلة، ويُقصدُ بها المزيد من تبرير القتل والتهجير. وهذا ديدن الميليشيات الإيرانية والأسدية والعفّاشية. أمّا الـ30 في المائة الأخرى فلها أسبابها الإعلامية والانتهازية. وهذا ديدن الجنرال عون، وديدن وسائل إعلام بأوروبا وروسيا والصين وأستراليا والولايات المتحدة. هؤلاء يقولون إنّ «القاعدة» كانت رائدةً في الهجوم على الآخرين، ولا يزال ألوف الشبان يسارعون للقتال مع «داعش» وليس في سوريا والعراق فقط، بلا ويمكن أن يعودوا لارتكاباتٍ إرهابية في أوروبا وغيرها.

إنّ الأقليات في منطقتنا لا تتصرف في الحقيقة تصرُّف الخائف، بل تتصرف تصرف المنتصر الذي يريد تأبيد انتصاره في سوريا والعراق ولبنان واليمن وأفغانستان. ذلك أنّ هذه الأقليات تسيطر على «الأكثريات» العددية في كل هذه المواطن. وقد أخافتها تحركات عام 2011 المدنية والمسالمة، والتي حاول الجمهور من خلالها استعادة هويته ومشاركته في إدارة شأنه العام، والذي اغتصبته الأقليات المذهبية والدينية والجهوية والمالية والإثنية منذ عقودٍ وعقود.

ومن جهةٍ أخرى؛ فإنّ قلّةً من أهل السنة العرب وغيرهم أصيبت بالرعب بالفعل، وصارت تتصرف تصرف الأقلية الخائفة، باستخدام العنف ضد ضعفاء آخرين، فأسهمت من حيث لا تدري في زيادة العنف ضد الجمهور الضائع والهائم على وجهة في كل مكانٍ في البر والبحر.

إنّ هذه الشعوب تحتاج إلى تأمين وحماية وطمأنة. ومن الميليشيات الإيرانية والسلطات القاتلة والجيوش غير الوطنية في سوريا والعراق واليمن، ومن «القاعدة» و«داعش» في الوقت نفسه.

نحن السُّنة نعد 90 في المائة من العرب، و93 في المائة من المسلمين. ونحن المقتولون والمذبوحون والمهجَّرون في كل مكان، وتُلاحقُنا الاتهاماتُ بالإرهاب والتكفير. ومع ذلك؛ ليس من حقنا أن نسلك سلوك الأقليات الخائفة أو المنتصرة. الحلُ في عواصف حزم في كل مكان أو لا يبقى عربٌ ولا سنة!

======================

النظام السوري والمتاجرة بالأقليات على الطريقة الاستعمارية .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 13/6/2015

حاول نظام بشار الأسد أن يقدم نفسه للداخل والخارج منذ بداية الثورة على أنه حامي الأقليات. لكنه نسي أن لعبة حماية الأقليات ليست جديدة، بل استخدمها المستعمرون لأغراض حقيرة مرات ومرات قبله لتبرير غزوهم لبلادنا أو تمرير بعض سياساتهم الإجرامية، فبحجة حماية الأقليات كانوا يفعلون الأفاعيل، مع العلم أن آخر ما يهمهــــم كان حماية الأقليات التي استغلوها لأهداف استعمارية قذرة وممارسة سياستهم المعروفة «فرق تسد». لقد أساء المستعمر للأقليات أكثر بكثير مما أفادها، وجعل بعضها يبدو أحياناً في أعين الأكثرية على أنها مجرد طابور خامس.

طبعاً لا تختلف سياسات النظام السوري عن السياسة الاستعمارية، فهو استخدم الأقليات لنفس الأغراض السلطوية المفضوحة ودق الأسافين بين الأكثرية والأقليات كي يحمي نظامه ويعيش على تناحرها. لا بل إنه استغل حتى طائفته العلوية المسكينة من أجل بقائه في السلطة، فقد خسر العلويون حتى الآن، حسب إحصائياتهم هم، أكثر من مائة وخمسين ألف قتيل. وكان النظام يبتزهم دائماً بأن الأكثرية ستسحقهم إذا لم يشاركوا معه في الحرب ضد الثورة. وقد وقع العلويون كما غيرهم من الأقليات في حبال النظام الشيطانية. والسؤال إذاً: إذا كان النظام يتاجر بأبناء الطائفة العلوية التي ينتمي إليها، ويقدمها قرباناً من أجل البقاء في السلطة، حتى لو أصبحت طائفة بلا رجال، فكيف يتوقع أبناء الأقليات الأخرى كالمسيحيين والاسماعيليين والدروز أن يحميهم النظام؟ أليس الأقربون العلويون أولى بالمعروف؟ مع ذلك لم يقدم لهم النظام أي معروف، بل حارب بأشلائهم. وحتى المصابون منهم الآن يتسولون حبة الدواء، ولا يجدون ما يسد رمقهم. أما الدروز فقد عوّضهم عنزتين عن كل «شهيد».

كيف تصدق الأقليات أن النظام يحميها إذا كان عدد المسيحيين في عهدي حافظ وبشار الأسد قد تناقص بنسبة مهولة، فلم يبق منهم حوالي 300 ألف مسيحي من أصل مليونين في سوريا؟ وقد هاجر معظمهم إلى الغرب أيام حافظ الأسد، حسب الباحث المسيحي جورج كدر. وقد لحق بهم عشرات الألوف أثناء الثورة، ولم يستطع بشار الأسد أن يؤمن لهم أي حماية. وحدث ولا حرج عن الدروز الذين هاجر منهم مئات الألوف بسبب الفقر والظلم والطغيان، فعدد الدروز خارج سوريا أكبر بكثير من عددهم داخل سوريا. هل كانوا ليهاجروا بمئات الألوف يا ترى لو كان النظام يحميهم ويراعيهم كما يدعي ليل نهار؟ بالطبع لا.

وتنقسم لعبة المتاجرة بالأقليات من قبل النظام السوري إلى مرحلتين. المرحلة الأولى عندما كان يحرضهم ضد الأكثرية الثائرة بحجة أن الأكثرية ستسحقهم إذا لم يقاتل أبناء الأقليات إلى جانبه. وقد نجح مرحلياً، بحيث امتنعت الأقليات، على الأقل، عن الانضمام إلى الثورة، لا بل إن بعضها انضم إلى قطعان الشبيحة والنبيحة. لكن من المؤسف أن بعض الأقليات انطلت عليه اللعبة القذرة، ولم يكتشف الملعوب إلا متأخراً، أو بالأحرى حتى انتقل النظام إلى المرحلة الثانية من المتاجرة بالأقليات، خاصة بعد أن فشل في تجنيد أبنائها في الجيش كما حصل في السويداء، حيث تخلف حوالي ثلاثين ألف شاب عن الجندية لرفضهم أن يكونوا قرابين في حرب الأسد المجنونة ضد الشعب السوري.

الآن وبعد أن انتهى بشار الأسد من المرحلة الأولى، وأصبح في وضع بائس عسكرياً بعد أن خذلته بعض الأقليات، ولم يعد قادراً على المواجهة العسكرية، أو توفير أبسط أنواع الحماية للذين وقفوا معه من الأقليات، راح الآن يسلم مناطق الأقليات لقوى التطرف أولاً عقاباً لمن رفض الانضمام إلى جيشه، وثانياً بهدف لفت انتباه العالم إلى أن الأقليات باتت مهددة من داعش ومثيلاتها. وبهذه اللعبة، يكون النظام قد بدأ بالمتاجرة بالأقليات دولياً. ها هو يقول للعالم الآن بعد أن أوصل جحافل المتطرفين إلى الموحدين الدروز في السويداء والاسماعيليين في السلمية، ها هو يقول للعالم: انظروا: الأقليات في خطر، وعليكم أن تقفوا معي ومعها. إنها المتاجرة بالأقليات في أقذر صورها.

لكن من الواضح أن لعبته انفضحت وانكشفت، ولم تعد تنطلي على الأقليات، ففي السويداء مثلاً بدأ الموحدون الدروز يقتربون أكثر فأكثر من جيرانهم في درعا بعد أن فشل النظام في دق الأسافين وإثارة الفتن بين الطرفين. وقد انفضح أمر النظام أكثر عندما اكتشف دروز السويداء أن النظام قام بإفراغ المتاحف من الآثار ونقلها إلى مناطقه، ناهيك عن أنه أفرغ صوامع الحبوب، وسحب الأسلحة الثقيلة إلى مناطقه كي يترك الدروز لمصيرهم. لقد كان يريد من وراء ذلك المتاجرة بمحنتهم في مواجهة قوى التطرف التي جاء بها إلى مشارف السويداء. لكن هذه اللعبة القذرة انكشفت. وحسبه الآن أن يهرب من المنطقة الجنوبية بعد أن تهاوت قلاعه فيها تباعاً، وبعد أن بات أهل السويداء يدركون أن النظام كان يتاجر بهم لأغراضه الخاصة.

نرجو أن تكون الأقليات قد استوعبت اللعبة تماماً، وأنه من الأفضل لها أن تتحالف مع الأكثرية لا مع نظام طاغوتي زائل مهما طال الزمن.

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com