العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 20-09-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

«الأفغنة»... بعد طرطوس .. زهير قصيباتي

الحياة

الخميس 17/9/2015

«على الرئيس أن يتنحى عن السلطة إذا كانت تلك إرادة الشعب». العبارة للرئيس السوري بشار الأسد الذي كرّرها وبدا واثقاً بأن السوريين يريدون بقاءه على رأس السلطة... بعدما سقط أكثر من ربع مليون قتيل خلال الحرب، وحوّلت أفواج المهاجرين واللاجئين البحر الأبيض المتوسط إلى حقول للموت، وتبدّلت معالم سورية بالدمار وحملات «التطهير».

قد يكون المعيار لدى الرئيس السوري لقياس إرادة شعبه، أن جحيم البراميل المتفجّرة والقصف الجوي محا أصوات السوريين المنكوبين بتحالف النظام وميليشياته مع الإيرانيين والروس، لا لشيء إلا لتثبيت «شرعية الأسد» في مواجهة «الإرهابيين»... أي كل مُعارِض له. ولعله لم يأتِ بما قاله لو لم يكن واثقاً بأن سيد الكرملين الرئيس فلاديمير بوتين، يعتبر نظامه «الولد المدلّل» لدى الروس.

ولأن الوقت حان للثأر من العقوبات الغربية على روسيا والتي تئنّ تحت وطأتها، منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، وضمّ موسكو شبه جزيرة القرم، وجد الكرملين ضالته في ترنُّح ما بقي للنظام السوري من قوة وقدرة على الصمود في مواجهة الفصائل التي تحاربه. وهكذا، ما أن طلب «الولد المدلّل» تفعيل المظلة الروسية، حتى تجاوب بوتين، وأرسل دبابات وطائرات إلى قاعدة طرطوس ومطار في اللاذقية.

وإذا كانت ريبة الغرب والعرب مبررة، حيال الهدف الخفي لروسيا التي بادرت إلى توسيع موطئ قدم في سورية، وعلى البحر المتوسط، فإن حيرة إسرائيل تتجاوز ببساطة الضمانات اللفظية التي تقدّمها موسكو لبقاء الأسد في السلطة. وباستثناء «الجسر الجوي» المصغّر الى طرطوس واللاذقية، لا جديد طرأ على معزوفة الحلف الثلاثي بين دمشق وموسكو وطهران: النظام السوري يخوض حرباً مع «العدوان الإرهابي».

حتى الآن، قبل أيام قليلة من زيارة بنيامين نتانياهو لروسيا، من اجل استكشاف نياتها وملامح خططها التي يعدّ لها «خبراء ومستشارون» في طرطوس واللاذقية، لم تبدِّل إسرائيل اقتناعها بأن بقاء نظام مهترئ في دمشق، وبلا أسنان حربية قد تهددها، أفضل بكثير من بديل مجهول، أو على الأقل صبغته إسلامية أو متشدّدة. وهذه مقاربة ترجّح شكوكاً لدى الدولة العبرية، بأن بوتين يرسل طائرات لحماية حدودٍ تُرتَسَم لكيان علوي قد ينكفئ إليه نظام الأسد. وإن عنى ذلك أن الصراع في سورية وعليها، ما زال مديداً، فلنا في سياق الأدلة، سبر ما عناه بوتين حين أطلق شارة تحذير من تغلغل «داعش» في أفغانستان، ومن احتمال ملء هذا التنظيم الفراغ هناك، بعد رحيل قوات «الأطلسي».

الحل إذاً، بإبقاء «أفغانستان» في سورية، بدلاً من أن تكون على تخوم روسيا... وقتال الشيشان والقوقازيين «الدواعش» على الأراضي السورية، بدلاً من انتظار عودتهم الى أبواب «القيصر». وبين الكيان العلوي و «أفغنة» سورية بدواعشها، سيناريوان لا يتعارضان مع حماية نظام الأسد المنكفئ إلى الساحل. ويمكن بوتين إقناع نتانياهو بأن روسيا التي ستقاتل «الإرهاب» و «الدواعش» على الأراضي السورية، إنما تحمي ايضاً إسرائيل وتخفف عنها عبء مواجهة «الشغب» في الجولان وغيره، وكابوس «إمارة» إسلامية أو أخرى لـ «الخلافة» وراء الحدود.

في الوقت «الضائع» حين تصبح الحرب ومصير سورية في أيدي «الكبار»، لا بأس في أن يناور النظام، ما دام الغرب غير مستعجل، وهو لم يستعجل رحيله إلا بالكلام... لا بأس من جرعة ابتزاز: نقتل «الإرهابيين» يتوقف طوفان اللاجئين إلى أوروبا، ننهي الصراع مع «الإرهاب» أولاً، لنتفرّغ للحل مع معارضة «ذكية»، تعترف بالوقائع، وترضخ.

والحل في سورية يريده بوتين مع معارضة «سليمة»، أي معافاة من «إيبولا» تداول السلطة والمعارضة الديموقراطية، ومطاردة فساد أخطبوط الأجهزة واستبدادها.

وأما السؤال: هل انتزعت موسكو من طهران أوراق إدارة الصراع، فيبقى برسم «القيصر» الذي لن يجد مبرراً على الأرجح للرد على تبجُّح إيران بأنها «الدولة الوحيدة التي يمكن أن تقدّم دعماً استراتيجياً لعودة الأمن والهدوء إلى المنطقة»! الأسد اعترف بدورها في «صمود» نظامه، كمن يستعد لمرحلة جديدة، سيحمل أوراقها بوتين إلى القمة الصعبة مع الرئيس الأميركي باراك أوباما، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة.

... «أفغنة» سورية فصل جديد في نكبة شعب تواطأ على أرضه كل أنواع الأطماع الإقليمية والدولية، وضاع بين وحشية الحرب وأوهام الخلاص القريب.

======================

موقفنا : المجلس الإسلامي السوري يبادر .. (1) وثيقة المبادئ الخمسة .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 19/9/2015

كانت المبادرة التي أطلقها المجلس الإسلامي السوري تاريخية رائدة بتوقيتها وبمضمونها ، بمنطلقاتها وآفاقها ، وبمبادئها وهوامشها على السواء .

وهي ( مبادرة تاريخية ) سبق إليها المجلس الإسلامي السوري بحق ؛ في حين تأخر الكثيرون على الساحة السورية من تولي زمام اللحظة . اللحظة التي تجسدها سنوات الألق والمجد السورية ، التي سينظر إليها عبر شرفات التاريخ كومضات تألق هذا الشعب ، الذي طالما حدثتنا النصوص الشريفة عن دوره وعن مجده وعن ظهوره الذي يدور مع التاريخ حيث دار . والذي طالما قرأنا في أسفار الملاحم الكبرى ، عن بطولاته وتضحياته وانتصاراته . ويكفي أن نذكر العالم أجمع ونحن في رحاب المجلس الإسلامي السوري أننا في رحاب موطن ( العز بن عبد السلام ) القائد الحقيقي لمعركة عين جالوت ، التي دافعت ليس عن الشرق الإسلامي وحده وإنما عن الحضارة والإنسان في العالم أجمع ...

ومبادرة المجلس الإسلامي السوري ( مبادرة تاريخية ) بحق ، لأنها أطلقت في مرحلة كثر فيها الكيد للثورة السورية ، وتشابكت فيها محاولات الالتفاف على تطلعات الشعب السوري النبيلة ، وتحول فيها هذا الكيد من كيد خفي باطن إلى كيد معلن ظاهر ، وأصبحت الدعوة إلى إعادة تأهيل ( قاتل الإنسان ومدمر العمران ) كما تقول الوثيقة معلنة ، يرددها أصحابها بلا تلعثم ولا حياء ...!!

وكانت مبادرة المجلس الإسلامي السوري ( مبادرة تاريخية ) ثالثا لأنها قطعت الطريق وفي اللحظة المناسبة ، على أولئك الذين يتحدثون عن سورية ، وكأنها مزرعة من مزارع آبائهم أو أجدادهم ( ورثوها كابرا عن كابر ) ، فجاءت الوثيقة لتقول لهؤلاء وأولئك أجمعين : إن لهذه الثورة ثوارها ، وإن لهذا الوطن رجاله وهم ، مع إرادة الخير الأصيلة فيهم ، ومع الحرص على السلم الأهلي المتمكن من عقولهم وقلوبهم ، أصحابُ القرار الأول والأخير في هذا الوطن ، من غير تعسف ولا تعنت ، ولا بغي ولا عدوان .

لقد شكلت المبادئ الخمسة الضوابط َالأساسية ، لأقل ما يمكن أن يقبل به السوريون . بوصفهم مواطنين في دولة تنتمي إلى العصر ، ويريدون أن يتمتعوا بكل ما يتمتع به إنسان العصر من حقوق وحريات ..

وكان المبدأ الأول ، مبدأ أخلاقيا وحقوقيا وسياسيا ، أخذُ المجرم بجريمته ، ومحاكمته عليها محاكمة عادلة . فكل العالم العاقل يعلم أن الذي أوصل السوريين إلى ما هم فيه ، هو بشار الأسد وأركان نظامه الذين أطاعوه وأعانوه . والجريمة الفاجعة الكبرى التي وقعت في سورية ، إذا كانت لاتهمّ هؤلاء المتشاكسين على مصالحهم الصغيرة في المجتمع الدولي ، فهي تجثم على قلوب السوريين وتقلق ضمائرهم وتقضُّ مضاجعهم رجالا ونساء ، وستظل تفعل ذلك جيلا بعد جيل ، إن لم تمسح على الجراح يد القانون العادل . إن مقتل نصف مليون سوري ، وتغييب وتعذيب مئات الألوف منهم ، وتشريد الملايين من ديارهم ، ليس أمرا هينا ، ولا جريمة صغرى ، ولا مما يُتسامح فيه مع مجرم ظل الإجرام نهجه ووسيلته .

لن يُكافئ المجرم على جريمته . هذا ما تقرره الوثيقة بحزم وجزم ، ولن يقبل الشعب السوري ، صانع الثورة وصاحب قرارها ، بذلك بأي حال . وحين يرى محترفو السياسة إن بالإمكان مكافأة المجرم على جريمته فهذا يعني سقوط كل القيم الأخلاقية والإنسانية والعدلية في هذا العالم . ومن هنا جاء البند الأول في الوثيقة واضحا جازما صريحا : ( إسقاط الأسد وكافة أركان نظامه وتقديمهم للمحاكمة العادلة ) .

ويلتفت البند الثاني من الوثيقة ، إلى حقيقة ناصعة في الواقع السوري ، طالما راوغ عنها المراوغون ، وناور حولها المناورون : ( المحافظة على مؤسسات الدولة السورية ) فأي عاقل يمكن أن يقول( لا ) لمثل هذا العنوان البراق : أي عاقل يمكن أن يقول ( لا ) للمحافظة على مؤسسات وطنه البنائية الصحية والتعليمية والإدارية ؟! ومن هنا يأتي الالتفات الضروري من الوثيقة الواعية التي تقرر بجلاء :نعم للحفاظ على كل المؤسسات البنائية الإيجابية في حياة المجتمع السوري . ولا لمؤسسات القتل والترويع والتخويف والإرهاب . المؤسستان اللتان كانتا أداتين أساسيتين من أدوات الجريمة الفاجعة ، أدوات القتل والتعذيب والتشريد والتدمير . مؤسستان قامتا على جرف ، وغذيتا على مدى عقود بالحقد والطائفية ؛ المؤسسة العسكرية التي سميت زورا وبهتانا ( الجيش العربي السوري ) والمؤسسة المخابراتية المظلمة التي سميت بالباطل باسم ( المؤسسة الأمنية ) وهي إلى مؤسسة الإرهاب والتخويف والترويع أقرب . ومن هنا جاء النص المباشر في هذه الوثيقة الواعية على ضرورة تفكيك أجهزة القمع الاستخبارية والعسكرية . وبناء بدائل وطنية نزيهة تحمي السوريين ولا تخيفهم أو تعذبهم أو تقتلهم مع المحافظة على مؤسسات الدولة الإيجابية والبناءة في المجالات الأخرى .

ومن قلب الواقع السوري المدّمى ، ومن إدراك المجلس الإسلامي السوري ، لحقيقة ما يدور على الأرض السورية من قريب ، وبعد أن تحولت المعركة في سورية من ثورة شعب ضد ظالمه ، إلى حرب ( دولية وإقليمية ) تشنها دول كبرى على شعب أعزل ، في وقت يقف فيه الآخرون في العالم متفرجين . أو يحاول فيه المنحازون أصلا إلى طرف الطاغية أن يقارنوا تدخلات أفراد فوضيين ، بلا ضابط ولا ناظم ، كانوا في الأصل وبالا على الثورة السورية ومشروعها ، بتدخل دول كبرى على المستوى العالمي والإقليمي ، بعتادها الثقيل ، وأعدادها المنظمة والمدربة والممولة ؛

يعلن المجلس الإسلامي السوري مطالبته الواضحة والصريحة بإخراج كل القوى الأجنبية والطائفية والإرهابية من سورية ، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني وحزب الله وميليشيا أبي الفضل العباس وكذلك ما يسمى ( تنظيم الدولة ) . ونعتقد أن من المهم أن يضاف إلى القائمة بعد أن ثبت التدخل الروسي المباشر على الأرض السورية وقوات الاحتلال الروسي البغيض .

ولقد نص المبدأ الرابع في هذه الوثيقة الجامعة على وحدة سورية أرضا وشعبا واستقلالها وسيادتها وهوية شعبها .

وهي بدهيات أولية كانت وستبقى حقائق ناصعة يجمع عليها كل السوريين العقلاء والأحرار . نقول العقلاء لأن الذين يلقون الكلام جزافا في الحديث عن تقسيم سورية لا يدركون الحقائق الجيوسياسية الضرورية لحياة الدول ونموها وازدهارها واستقرارها . ونقول الأحرار لأن التقسيم لا يفكر فيه إلا المرتهنون لإرادات خارجية لم ترد يوما للشعوب وبالشعوب خيرا . وكما إن لعبارة وحدة سورية أرضا دلالتها الجغرافية ، فإن النص على وحدة سورية ( شعبا ) دلالته الوطنية والديموغرافية والسيوسيولوجية . فالمجتمع السوري بكل من فيه مجتمع متضام موحد . والبغي القائم فيه اليوم إنما يحسب على الوالغين فيه فقط . وكذلك فإن النص على استقلال سورية وسيادتها وهويتها لها دلالاتها السياسية الواضحة في الإطار الذي نتحدث فيه .

ومن الحديث عن وحدة سورية أرضا وشعبا واستقلالها وسيادتها وهويتها ، ومن الاستفادة من التجربة العملية التي مرت بأشقائنا في العراق ، بعد الاحتلال الأمريكي البئيس ، تعلن وثيقة المبادئ الخمسة للمجلس الإسلامي السوري رفضها لأي شكل للمحاصصة السياسية والطائفية . لأنه في المجتمع المدني الموحد الذي نادت به الثورة السورية يوم هتفت منذ يومها الأول ( واحد واحد واحد الشعب السوري واحد ) ولأنه في دولة يسودها القانون والنزاهة والشفافية لا مكان للمحاصصات على أي خلفية من الخلفيات وإنما المكانة دائما للكفاءة والخبرة والاختصاص . والثغرة في عنق القوي الأمين القادر على تحمل أعبائها ....

يتبع وثيقة المبادئ الخمسة ( 2 ) ...

لندن : 5 / ذي الحجة / 1436

19 / 9 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=============================

الروس في سوريا .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 17/9/2015

لعل السؤال الذي يجب أن يطرح هو التالي: هل بدأ الروس تدخلهم العسكري المباشر في سوريا بطلب من نظام دمشق الكيماوي، أم على رغم منه؟

مدعاة السؤال هو أن الوجود العسكري المباشر للروس قد لا يصنع فارقاً كبيراً في موازين القوى على الأرض لمصلحة النظام. فالدور القتالي الذي يمكن أن يقوم به 1500 جندي روسي من مشاة البحرية، لن يشكل إضافة كبيرة على آلاف المرتزقة من الميليشيات الشيعية متعددة الجنسيات الذين يقاتلون دفاعاً عن النظام منذ سنوات. ومن المستبعد أن يستفيد كثيراً ما تبقى من جيش النظام المنهك، من التوجيهات التي قد يفيدهم بها الخبراء الروس. ربما فقط على مستوى قيادة الطائرات الحربية، قد يعوض الطيارون الروس ما خسره النظام من الطيارين في السنوات الماضية. لكن هذا أيضاً مما لا يؤمل منه صنع فارق كبير لمصلحة النظام، ما دام طيرانه المتخصص في قصف المدنيين وتدمير العمران عاجزاً عن تحقيق نصر ملموس على قوات المعارضة المسلحة.

ترى ما الذي دفع بالقيادة الروسية للانتقال من دور الحليف المساند، بالحماية الدبلوماسية في مجلس الأمن وكمصدر للسلاح، إلى المنخرط مباشرة في الصراع الداخلي، كحال إيران تماماً؟ وهل انتهى تقاسم العمل بين الروس والإيرانيين في دعم حليفهم في دمشق، لتنخرط كل منهما لمصلحتها الخاصة؟

لعل ردود فعل كل من بريطانيا وفرنسا على الانعطافة الجديدة في السياسة الروسية في سوريا تعطينا مفاتيح لفهم أهمية هذه الانعطافة الروسية ودلالاتها. فالقوتان الاستعماريتان الكبريان –سابقاً- تتصرفان، في الأحداث المفصلية المتعلقة بمستعمراتهما السابقة، بنوع من المنعكس الشرطي الذي لا يأخذ بعين الاعتبار، كثيراً، تبدلات الزمان وتحولاته. هذا ما لاحظناه مثلاً في المشاركة البريطانية الفعالة في حرب العام 2003 على العراق، وإمساكها بمنطقة الجنوب، أو في المشاركة الإيطالية في الحرب على نظام القذافي الساقط. واليوم، بعد تصدر أخبار التدخل الروسي، نرى استيقاظ فرنسا المتأخر على ضرورة المشاركة في الغارات الجوية على مواقع «داعش» في سوريا. في حين تتحدث تقارير صحافية عن نية الحكومة البريطانية في الحصول على إذن برلماني بشن هجمات جوية ضد مواقع التنظيم الإرهابي داخل الأراضي السورية.

تتزامن هذه التطورات مع انفجار أزمة اللاجئين السوريين، في الفترة الأخيرة، وتحولها إلى مشكلة دولية كبيرة لا يمكن التهرب من استحقاقاتها. وللمرة الأولى في تاريخ المأساة السورية الممتدة على أربع سنوات ونصف، تتحول مشكلة اللاجئين السوريين إلى قضية رأي عام ضاغطة على حكومات البلدان الأوروبية وغيرها من الدول المعنية بالصراع في سوريا وعليها.

المرجح أن التدخل الروسي المباشر لن يغير شيئاً في سياسة الإدارة الأمريكية إزاء المشكلة السورية، وقد لا يتجاوز الاستياء الفرنسي – البريطاني من هذا التدخل مستوى المشاركة الرمزية في الحرب الجوية على داعش في سوريا. في حين أن القوى الاقليمية المنخرطة في الصراع أظهرت نشاطاً أكبر في مواجهة التدخل الروسي، من خلال الفصائل العسكرية التي تمون عليها: تقدم جيش الإسلام في الشمال الشرقي من العاصمة دمشق وقطعه لطريق دمشق حمص، وفتح فصائل حلب لجبهات جديدة ضد مواقع النظام غربي عاصمة الشمال.

لكن التدخل الروسي المباشر جاء، أيضاً، في سياق نوع من التسليم الدولي – الاقليمي بقيادة روسيا للجهود الدبلوماسية الهادفة إلى إيجاد حل سياسي في سوريا، وما ينطوي عليه ذلك من تسليم متفاوت بالرؤية الروسية للحل السياسي الذي يقوم أساساً على تحوير «جنيف1» بما يضمن استمرار نظام بشار الكيماوي بذريعة «الحفاظ على مؤسسات الدولة». إذا كانت الرؤية الروسية هذه مرضية للنظام وإيران، ولا تثير اعتراضات عدد من الدول العربية، إضافة إلى الولايات المتحدة والدول الأوروبية، فهي تتعارض مع التوجهات السعودية ـ القطرية ـ التركية، ولا يمكن قبولها من طرف الفصائل العسكرية المعارضة العاملة على الأرض. فهل جاء القرار الروسي بالتدخل المباشر لفرض أمر واقع على خصوم رؤيته للحل السياسي ووضع ثقله إلى جانب النظام المتهافت على طاولة مفاوضات جنيف3؟

ما هو مؤكد أن النظام خسر الكثير خلال العام الحالي وبلغ من الضعف مبلغاً عبر عنه رأس النظام بصراحة خلال أحد ظهوراته الإعلامية قبل نحو شهرين. وفضلاً عن خساراته العسكرية وتقلص مساحة الأراضي التي يسيطر عليها إلى نحو 18% من مساحة البلاد، ازدادت مظاهر التململ لدى قاعدته الاجتماعية الأكثر تماسكاً في الساحل، وخسر المجتمع الدرزي بعد اغتيال الشيخ وحيد البلعوس. ومن المرجح أن تلعب قضية اللاجئين السوريين دوراً ضاغطاً على الحكومات الأوروبية للبحث عن حل سياسي في سوريا يوقف شلال الدم.

بمعنى من المعاني، وصلت الأزمة السورية إلى عنق الزجاجة، ولا مفر من مواجهتها في آخر المطاف، على رغم كل سلبية الإدارة الأمريكية وعلى رغم كل بهلوانيات الدبلوماسية الروسية الساعية إلى تدوير الزوايا. وأمام التقارب الأمريكي ـ الإيراني المستجد بمناسبة الاتفاق النووي، لم يبق أمام الروسي إلا العمل على ضمان مصالحه المستقبلية بنفسه من خلال الحضور العسكري المباشر، لتكون له حصته من تركة الرجل المريض في الشام.

فجنيف3 سيكون، من هذا المنظور، استعادة لجنيف1 (ولكن في شروط جديدة) من حيث اقتصاره على الدول المنخرطة وخلوه من النظام الكيماوي ومعارضيه، باسطنبولييه وقاهرييه على حد سواء، أو عدم تمتع الطرفين بأكثر من حضور رمزي. فقد جرب هذان الطرفان المحليان حظهما في التفاوض المباشر في جنيف2، وكانت النتيجة الفشل التام في مجرد إيجاد لغة مشتركة. كذلك محكومة بالفشل محاولات روسيا للاستفراد بالحل السياسي، والأمم المتحدة في تحايل دي مستورا على الكلمات والوقائع.

التركة السورية باتت ناضجة لتقاسم النفوذ. لم يبق إلا نصب الطاولة وتوجيه الدعوات.

 

٭ كاتب سوري

======================

في التعقيد السوري .. سمير الزبن

العربي الجديد

الخميس 17/9/2015

تتداخل مكونات الصراع السوري وطبقاته والقوى المحلية والإقليمية الدولية المشاركة فيه، على الرغم من وضوح مطالبه وقت اندلاعه، احتجاجات شعبية في مواجهة سلطة مستبدة، تطالب بحقها في الحرية، وفي تقرير مصير بلدها.

قد نختلف حول توصيف الانطلاقة، هل هي ثورة، أم انتفاضة، أم حراك.. إلخ من التوصيفات، لكن الانطلاقة كانت تحمل شعارات واضحة في الحرية، على الرغم من افتقادها إلى نضوج في العامل الذاتي، ليشكل حاملاً لمشروع الحريات في موجة الاستبداد. اعتبر النظام، منذ البداية، أن مهمته تقوم على تحطيم هذه الصورة، والتعامل مع المطالب بالحرية "حق يراد به باطل"، وبوصفها مؤامرة خارجية (كونية) على النظام الممانع، والمهمة الأساسية له، اجتثاث أدواتها السورية الداخلية. لم يتعامل النظام مع الاحتجاجات سياسياً، لأنها في منطقه كانت حرباً عليه. وبالتالي، لا يمكن الرد على الحرب إلا عسكرياً، وبهجوم مضاد. هكذا فسر النظام الرد العسكري على المظاهرات السلمية، فهي بتوصيفه ليست سلمية، لأن المسلحين كانوا يخرجون من بين المتظاهرين، ويطلقون النار على رجال الأمن الذين يضطرون للرد على المسلحين، والذين يُقتلون هم المسلحون، والنظام لم يستهدف المدنيين على الإطلاق، حسب ادعائه.

يعود هذا الكلام إلى ما يقارب الخمس سنوات، لكن هذا الوضع الذي كان واضحاً في مطالبه وانقساماته وطبيعته في ذلك الوقت، سرعان ما انقلب، وبفعل مجموعة من التدخلات المحلية والإقليمية والدولية، إلى حالة شديدة التعقيد، وارت خلفها المطالب الأولى الشعبية العادلة، التي غابت اليوم عن الصراع الذي خلف إلى اليوم ما يزيد عن 300 ألف قتيل، حوالى عشرة ملايين لاجئ ونازح، وعشرات آلاف البيوت المدمرة التي لم تعد صالحة للسكن. إنه اقتلاع جماعي لعشرات القرى والمدن وأحياء واسعة من المدن الكبيرة، بلد دُمّر سنوات طويلة قادمة، وما زال التدمير مستمراً.

كيف يمكن تفسير صورة الدمار القائم والمستمر في سورية، هل مطالب الحرية التي انطلقت من حناجر الشباب في منتصف مارس/آذار من العام 2011 هي التي تسببت في كل هذا الجحيم؟

الجواب، بالتأكيد لا. ما دفع سورية إلى هذا الوضع الكارثي هو نقل الصراع فيها إلى مستويات

" أخرى، حوّلت المطالب الداخلية بالحرية إلى شيء ثانوي. فقد تقاطعت وتضاربت مصالح لدول إقليمية وقوى دولية، وتعارضت والتقت، إلى درجة جعلت من خارطة التأثيرات السياسية على سورية نوعاً من الأحجية صعبة الحل. بالتأكيد مثلاً، إيران تسعى إلى الحفاظ على النظام، للحفاظ على مناطق نفوذها وامتداده إلى البحر المتوسط، عبر حزب الله، أداتها في لبنان الذي تدعمه لوجستياً عن طريق الأراضي السورية، وأي سقوط للنظام هو سقوط للمصالح الإيرانية هناك.

ولكن، ليس هذا السبب الوحيد، أعتقد أن، وقف الربيع العربي في سورية مسألة ملحة لإيران، ليس بسبب المصالح الإيرانية في هذا البلد فحسب، بل هناك مخاوف إيرانية من أن أي نجاح للربيع العربي قابل لأن يصيب إيران بالعدوى، ويعيد إليها احتجاجات العام 2009 على الانتخابات على نطاق واسع، ما يهدد النظام الإيراني نفسه. وهذا ما يجمع إيران مع أطراف تدعم المعارضة السورية، والتي تقول إنها تعمل على إسقاط النظام، في وقت تستعمل فيه سورية حاجزاً لصد الربيع العربي، لأن نجاحه لن يصيب بالعدوى تلك الدول التي وقفت ضد المطالب الشعبية بالحرية في سورية، بل سيصيب الدول التي أيدت المعارضة أيضاً. تمدد الربيع العربي هاجس دول كثيرة في التعامل مع الصراع المحتدم على الأرض السورية. حتى روسيا، عندها مخاوف من تمدد الربيع العربي إلى بطنها الرخوة في جمهوريات آسيا الوسطى. وهذا لا يتعارض مع الاستثمار في الأزمة السورية، من أجل إزعاج الولايات المتحدة الأميركية، على اعتبار أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يعيد الاعتبار إلى مناطق النفوذ التي كانت قائمة في زمن الحرب الباردة، بعد انفجار الوضع بالنسبة له في الخاصرة الأوروبية، أوكرانيا.

لا يقتصر الفاعلون في الأراضي السورية على الدول، بوصفها أساس اللعبة الدولية. لكن، في هذا الإطار، تقدمت أيضاً الطوائف لتلعب دوراً مهماً في المعادلة السورية، وتدخل لحزب الله ولو كان بطلب من إيران، لا ينفي أنه صار فاعلاً داخلياً سورياً، ليس في جبهات القتال فحسب، بل وحتى في التأثير في القرار السياسي للنظام. وهو ما يمكن أن نقوله بشأن المليشيات العراقية الأقل تأثيراً في الصراع على الأراضي السورية.

الظاهرة التي تدل على حجم التقاطعات والتعارضات، في الوقت نفسه، في الصراع على

" الأرض السورية، هي داعش، الظاهرة التي تدعمهما جهات من الطرفين المتصارعين على الأرض السورية، وكل طرف يدعمها، أو يغض النظر عنها لأسباب خاصة به، لكن هؤلاء موجودون على طرفي الجبهة في سورية، وهو ما يجعل "داعش" قابلة للحياة وقتاً طويلاً، على الرغم من إعلان الحرب عليها من الجميع، إلا أن هذه الحرب عليها من كل الجهات لا نجد تأثيراً مهماً لها على الأرض في تدمير قدرات "داعش"، فقدرات الأخيرة لم تتأثر على الرغم من كل الضربات التي تعرضت لها، بل على العكس، نراها تتمدد في مناطق عديدة.

تبدو سورية اليوم أرض اختبار للصراعات والقدرة على التأثير، وكل الكلام الذي يُقال عن تسوية الصراع أو حسمه سابق لأوانه، ويبدو إحدى أهم المشكلات التي تواجه أي حل في سورية، أن لا أحد يعرف قدرة الأطراف على التأثير في الحل، بمعنى، لا يُعرف من يملك القوة لتخريب الحل، في حال استثني من المشاركة في وضع الحل، ولا يُعرف من القادر على المساهمة في الحل. باتت التأثيرات متداخلة، إلى درجة لم يعد من الممكن فرزها وتفكيكها بسهولة، وهذا التعقيد ما يجعل الوضع قابلاً للاستمرار على ما هو عليه اليوم، بوصفه الحل الأمثل لوقف مطالب جميع الأطراف المشاركة في الصراع، وعدم إعطاء أي منها إحساساً بالنصر، الذي بات مستحيلاً على الجميع في سورية اليوم.

=======================

من أسباب هجرة السوريين .. محمد محمود

العربي الجديد

الخميس 17/9/2015

تعيش القارة الأوروبية، هذه الأيام، أكبر مشكلة للهجرة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، ويحاول قادة الدول الأوروبية معالجة نتائج المشكلات والأزمات والحروب التي تجتاح سورية والعراق خصوصاً، والشرق الأوسط عموماً، من دون مواجهة أسباب هذه الهجرة التي تكمن في الأنظمة الاستبدادية القمعية، ولا يريدون الخوض في حلها جذرياً، من دون الإشارة إلى ضرورة وقف الحرب، المسبب الرئيسي لموجة الهجرة هذه. كل اجتماعاتهم المكثفة تبحث في وضع حلول لتخفيف الهجرة غير الشرعية، ولا يبحثون أسباب الهجرة.

خرج السّوريون إلى الشارع من أجل الحرية والديمقراطية وللقضاء على الظلم والقمع ودولة المخابرات والاستبداد المقيت، من خلال المظاهرات السلمية، وبشكل حضاري، لكن النظام حوّل هذه المظاهرات إلى مسلحة باستخدام الأسلحة الفتاكة وحتى المحرّمة دولياً ضد المدنيين العزّل، ما اضطر الناس إلى الهروب من الموت المباشر، وبدأت عمليات اللجوء والنزوح بعد استخدام النظام الاستبدادي العنف المفرط بالسلاح والاعتقال والاختطاف والاغتصاب في التعامل مع الثورة السورية السلمية. ومن أسباب الهجرة باتجاه أوروبا:

1- العنف المفرط تجاه المناطق والمدن التي شهدت احتجاجات ومظاهرات سلمية ضد النظام الطاغي، واستخدام القصف العشوائي بالأسلحة الثقيلة والفتاكة بجميع أنواعها، بما فيها الأسلحة الكيماوية المحرّمة دولياً.

2- سياسة المجازر الممنهجة: مارس النظام مجازر ممنهجة ومدروسة بحق بعض المدنوالقصبات، من أجل التغيير الديمغرافي في هذه المناطق.

3- سياسة الاغتصاب الممنهج والمدروس بخطف البنات والفتيات والتحرش الجنسي، من عناصر الأمن والشبيحة، ما دفع عوائل لمغادرة سورية عديدة، خوفاً من وقوع هذه الانتهاكات على أحد أفراد عائلتهم.

4- سياسة التجنيد الإجباري، واستدعاء الاحتياط، خصوصاً بعد صدور المرسوم 104 لعام 2011، ما دفع عوائل كثيرة لمغادرة سورية خشية استدعاء أبنائهم إلى الخدمة الإلزامية أو الاحتياط.

5- القصف الممنهج والمدروس على المشافي والمراكز الصحية من النظام المجرم لقتل الكوادر الطبية والجرحى والمرضى بالإضافة إلى تدمير البنية التحتية للقطاعين، الصحي والغذائي، على الرغم من أن سورية من الموقعين على اتفاقية جنيف لعام 1949، والتي تعطي الحصانة للكوادر الطبية والجرحى والمرضى والأسرى، لكنه صنّف الأطباء ضمن أعداء الدولة، حسب مفهوم النظام بسبب علاجهم المصابين والجرحى.

6- تحويل سورية من سجن انفرادي إلى مسلخ جماعي بحق الشعب السوري، ورفع شعار

" "الأسد، أو نحرق البلد"، وبشار الأسد كان قد وعد أن لا يسلّم البلد إلى أهلها، إلا كما استولى عليها والده في السبعينات، وكان عدد السكان آنذاك حوالي 8 ملايين.

7- فتح أبواب سورية على مصراعيها لجذب الإرهابيين من المليشيات التكفيرية والإرهابية الشيعية والسنية.

8- تجنيد القاصرين والقاصرات، خصوصاً من هذه الكتائب والمليشيات الإرهابية، والتي تخلى النظام لهم عن بعض المناطق في سورية.

9- تسليم زمام الأمور في سورية إلى الحرس الثوري الإيراني، والسماح للملالي بالاحتلال العلني، من دون أن يتحرك المجتمع الدولي.

10- الوضع الاقتصادي العام، والذي دفع كثيرين إلى مغادرة سورية من دون وجود خطر مباشر على حياتهم، نتيجة توقف حركة التجارة والاقتصاد بشكل عام، ووصول نسبة البطالة إلى أكثر من 90% بالتوزاي مع الارتفاع الجنوني في الأسعار وتوقف الخدمات العامة.

11- الحصار الممنهج: استخدمه النظام في بعض المدن والمناطق، ما اضطر الأهالي إلى إيجاد مخرج آخر خارج البلد، أو مناطق أخرى في سورية.

12- المشكلات والصعوبات التي يواجهها اللاجئون السوريون في دول الجوار هي التي تدفعهم إلى المخاطرة بحياتهم وأموالهم عبر اللجوء إلى طرق غير شرعية للهجرة إلى أوروبا، وتؤدي في أحيانٍ كثيرة إلى وفاة عديدين منهم.

13- يعاني غالبية المهجرين من درجة عالية من ضعف الصلابة النفسية أمام الضغوط الكبيرة عليهم، فيصبحون كأنهم يسعون للانتحار البطيء للتخلّص من حياتهم، بناءً على أمل ضعيف، كثيراً ما يغرقون، وأغلب هؤلاء غير قادرين على التأقلم، ولا يجدون أمامهم سوى المخاطرة بحياتهم وعائلاتهم من أجل الوصول إلى "جنة" أوروبا، كما يحلمون بها.

14 ـ فقدانهم الأمل في إيجاد الحل للصراع في سورية، بعد كل الدمار والخراب.

15- تخاذل المجتمع الدولي في إيجاد الحل للقضية السورية، ولشعب ناضل من أجل الحرية والديمقراطية.

لذا، يكمن الحل الأساسي في إنقاذ الشعب السوري من براثن النظام القمعي وتحرير سورية من الاحتلال الإيراني وجميع المليشيات التكفيرية والإرهابية، حتى لا يضطر الشعب السوري، يوماً، إلى المطالبة بحق العودة.

======================

كيف يؤهل الأسد لحرب الإرهاب إذا كان هو الإرهاب بعينه؟ .. الطاهر إبراهيم

القدس العربي

الاربعاء 16/9/2015

بدأت الدول الأوروبية بالتسابق باتهام تنظيم الدولة بأنه هو من يفرخ الإرهاب. ولا أقول أنها بدأت بتأهيل بشار الأسد واعتباره واحدا ممن يحارب الإرهاب، فهي لم تنقطع عن تأهيله. وقد لفت وزير الخارجية النمساوي سباستيان كورتس أثناء زيارته طهران: أن على «الغرب ضم بشار الأسد وحليفتيه إيران وروسيا من أجل قتال تنظيم الدولة الإسلامية».

نستعجل فنقول أنه قبل سنتين من الآن كان عدد القتلى من الشعب السوري أكثر من مائتي ألف شهيد، ولم يكن لتنظيم الدولة شأن يذكر في قتال السوريين، إذن نسأل هذا الفصيح النمساوي: من قتل كل هؤلاء السوريين؟ أم يريد أن يقول للسوريين الذين لجأوا إلى النمسا وألمانيا هربا من بطش بشار أن الذي هجرهم هو تنظيم الدولة؟ وزير خارجية اسبانيا الذي كان يزور طهران عزف على نفس النغمة التي عزف عليها وزير خارجية النمسا.

إذا كان هناك من مصلحة لواشنطن والغرب عموما في قتال تنظيم الدولة وتأهيل بشار ليلقي براميله على رؤوس السوريين، فإن مصلحة السوريين هي في قتال بشار الأسد وحلفائه طهران وحزب الله والمليشيات الشيعية وكل من هب ودب ممن يحارب إلى جانب بشار.

السوريون يعرفون أن من أمد تنظيم الدولة بالسلاح والعتاد هو طهران والمالكي الذي انسحب قواد جيشه من الموصل وتركوا أسلحتهم وراءهم،لكي يقاتل بها تنظيم الدولة الثوار في سوريا والعراق. وقد أثبت التحقيق تواطؤ المالكي، فطالب بتقديمه وضباطه إلى المحاكمة.

لا نقول إن علينا أن ننسى تنظيم الدولة من معركتنا، فقد قتل هذا التنظيم من الفصائل السورية المقاتلة ومن المدنيين خلقا كثيرا. لكنا نقول إن قتال تنظيم الدولة أمر مؤجل إلى ما بعد الفراغ من قتال بشار وحلفائه. لأن بشار معه سلاح الطيران الذي تمده به روسيا تحت سمع وبصر واشنطن والعواصم الغربية، وكأن رادارات حلف الناتو لا تراه، بينما ليس ثمة دولة تمد تنظيم الدولة بمثل هذا الطيران.

عندما ينتهي السوريون من بشار ومن حلفائه وهي معركة قد تطول طالما أن العواصم الغربية قررت أن تؤهل بشار وتسكت عن جرائمه التي دمرت سوريا حجرا وبشرا، وقتلت وهجرت، وهي سياسة منظمة تريد أن تجعل من المسلمين السنة في سوريا أقلية بالقتل وبسياسة التهجير التي انتبهت إليها أوروبا مؤخرا ففتحت أبوابها للمسلمين يهربون من براميل بشار الأسد.

أقول عندما ينتهي السوريون من جرائم بشار، ويتفرغون لتنظيم الدولة، عندها سيعرف الذين جندوا أنفسهم معه أن الحجة التي يتذرع بها تنظيم الدولة قد انتهت، فيتركونه ولا يبقى معه إلا من يجهل أن إهراق دم المسلم بغير حق أعظم عند الله من هدم الكعبة حجرا حجرا.

يومها سيجد من ينصر بشار الأسد أن السماء ستتدخل في نصر المقاتلين المسلمين مثلما حصل عندما ثار غبار السماء على مطار «أبو الضهور» فلم يقدر طيران موسكو أن يطير، وخلال ساعات كان المطار قد أصبح بأيدي جنود الفتح، وكان المطار استعصى عليهم أكثر من ستة شهور بسبب قصف طيران موسكو خارج محيط مطار «أبو الضهور».

علينا أن ندقق النظر بما يجري الآن على الساحة السورية.فدول أوروبا التي فتحت أبوابها إلى للاجئين السوريين تعرف أن هؤلاء الآلاف المؤلفة من اللاجئين السوريين لم يأتوا من الرقة ومن تدمر حيث يسيطر تنظيم الدولة، بل جاؤوا من حلب وحماة ودمشق ودرعا، حيث كانت تقصفهم طائرات بشار أسد لا تخطئ منهم أحدا. أما يوم غزا تنظيم الدولة تدمر وتقدمت أرتاله من دير الزور على بعد 400 كيلو متر، كانت طائراته نائمة فليست له مصلحة في قتال تنظيم الدولة.

ومع كل ما تقدم وما كان من تنظيم الدولة ضد الفصائل الإسلامية فإن الشعب السوري الذي ذاق الأمرين من تنظيم الدولة يعرف أن معركته الحالية ليست ضد تنظيم الدولة، فإن دوره لم يأت بعد، وإن معركته مع إرهاب بشار. كما يدرك أن طيران واشنطن عندما يقصف تنظيم الدولة فإنه إن أخطأ الدواعش أصاب المدنيين الآمنين وواشنطن تدرك ذلك.

======================

وثنية تغتال الإنسان .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاربعاء 16/9/2015

يحب النظام الأسدي أن يوصف بالعلماني. ويكرّر دوماً أنه علماني، تحاربه الأصولية، لأنه يدافع عن العقل والحداثة.

يُصادر النظام العلمانية، في جملة ما يصادره من صفات، يستولي بواسطتها على مفاهيم ومبادئ، يجب الحؤول بين الآخرين والإفادة منها لبناء مواقف فكرية/ سياسية مستقلة عنه، أو مناهضة له، تمكّنهم من تكوين تنظيمات سياسية، تعبر عن حاجات ومواقف مغايرة للحاجات والمواقف التي يتبناها، ويعتبر كل ما عداها مرفوضاً وطنياً وقومياً وإنسانياً، لمجرد أنه يؤسس حقلاً سياسياً تعددياً، يبطل واحدية وجوده في المجال العام وسيطرته عليه، التي تستمد "شرعيتها" من القوة والعنف والأجهزة القمعية.

هل النظام الأسدي علماني؟ أعتقد أن الجواب يجب أن يحيط بجوانب ثلاثة: موقفه من الإنسان باعتباره قطب الوجود القادر على عقل واقعه، وتغيير شروط وجوده، من دون الاستعانة بأي فاعل آخر. موقفه من الحرية محدداً وحيداً لذات الإنسان، يصير بامتلاكه الفاعل الأول في وجوده الذي تسمو ممارساته على من وما عداه. سياساته ومحدداتها، ودرجة التزامها بالقيم النابعة من العلمانية، ثورة ثقافية قوّضت فكر الكنيسة السياسي، ونظرتها إلى الموجودات.

لن أطيل، فلا وجود للإنسان ولا وظيفة له في علمانية الاستبداد من النمط الأسدي الذي يتنكّر تنكراً مطلقاً لما يصنع هويته، ذاتاً تتعين بالحرية وحدها، وليس بأية صفة أو جهة ما ورائية أو دنيوية أخرى. لا محل للإنسان في علمانية النظام بصفته ذاتاً حرة، وبالتالي مستقلة، وتستحق الحماية من البطش والظلم والعيش الكريم في ظل العدالة والمساواة. ولا مكان له مواطن دولة وكائناً سياسياً، له حقوق مقدسة، كالحق في الحياة، ينهض عليها نظام عام، ينهار في حال تجاهلها أو قمعها، يتيح بلوغها له رعاية شأن عام مستقل عن السلطة. تكمن علمانية النظام في فصل الإنسان عن الحرية، كما عن المجال العام الذي تنفرد باحتلاله، وتملأه رمزياً بشخص رئيسٍ، هو إله سياسي واجب العبادة، يحتل في تراتبيتها مكان الله في تراتبية الدين، فهو خالق كل وجود وموجود، وتعتبر رمزيته، وبالتالي، طاعته، جوهر دين وثني تكفيري بأشد معاني الكلمة، ولأنه وثني ويشخصن إلهه، ويضعه مكان الله رب العالمين، فإنه إلحادي في موقفه من الدين السماوي، يعاديه ويسفه رموزه، ومتطرف في كل ما يتصل بإيمانه بإلهه الخاص، ومكملاته من مزارات مذهبية، ومقرات أمنية وقطعات عسكرية ومؤسسات تنظيمية. هذه "الوثنية" المعادية لأي جانب فكري/ فلسفي صنع العلمانية، والمقطوعة الصلة بالانقلاب الثوري الذي أنجزته، ووضع الإنسان في المركز من الوجود، بعد أن طرد منه مركزه القديم: الكنيسة الكاثوليكية، كانت لها نتائج ومنطويات، عبرت عن نفسها سياسياً في فصل المؤسسات الدينية عن الدولة، وفي الوقت نفسه، عبر تخطي حقل السياسة المباشر وتأسيس الفاعلية الإنسانية الشاملة، بتحولاتها التي طاولت مختلف جوانب فكر الإنسان الملموس ونظره، ممارسته وعمله، هويته ومجتمعه، دينه ودنياه.

بإخراج الإنسان من السياسة، مواطناً وذاتاً حرة، وقلب "علمانيته" إلى أداة لتعزيز السلطة،

"قُبر حياً من رفض القول بربوبية كاهنه الأعظم: رئيسه، كما حدث لمن رفض الإقرار بربوبية بشار الأسد" وبربط الشأن العام بالحاكم مجسداً للدين والدنيا، تخلَّق دين سلطوي، له ربه وكهنته ومعابده، وكُفِّر بالمعني الديني الصرف كل من رفض عبادته، ودُفن حياً أو صلب وقطعت أطرافه، على غرار ما كان يحدث في حقبة محاكم التفتيش في بعض بلدان أوروبا، بل قُبر حياً من رفض القول بربوبية كاهنه الأعظم: رئيسه، كما حدث لمن رفض الإقرار بربوبية بشار الأسد، فدفنه المؤمنون به حياً، وصوروا دفنه بهواتفهم النقالة. لا تفصل العلمانية الاستبدادية الكنيسة عن الدولة. إنها تقاتل الدين وتدمر الدنيا، بقيادة وثن أعظم، تجب على عبيده عبادته تحت طائلة القتل، هو رئيس نظامها الذي كان هيغل يسميه "العبد الأعلى".

ذات يوم في الثمانينيات، كان اثنان من أصدقائنا في طريقهم عند الفجر من مساكن برزة إلى حي المزة، في الطرف الآخر من دمشق. استوقفتهم دورية مخابرات عند جامع الروضة قرب القصر الجمهوري، لكنهم لم يروها فتبعتهم حتى أوقفت سيارتهما في ساحة الأمويين، حيث أمرهم الضابط قائد الدورية بالترجل منها، وهو يشهر بندقيته عليهم، ويكيل لهم طوفاناً من الشتائم. عندما عرف أسماءهما وهويتهما، حذرهما من تكرار غلطتهما، لأنها قد تكلفهما حياتهما. سأله أحدهما عن السبب، فرد الضابط مستنكراً: ألا تعلم أن "المقدس" يذهب، في مثل هذا الوقت، من القصر إلى بيته؟

ليس نظام الاستبداد الأسدي علمانياً، بأيٍّ من معاني العلمانية. وليست علمانيته غير دين سلطة وعبادة أوثان سياسية "مقدسة". والعلمانية ليست هذا أو ذاك، بل هي ثورة الإنسان المتعيّن بالحرية، وقد صار مركز الكون والوجود، ولأنه غدا ذاتاً حرة، فإن علمانيته لا تمنعه من عبادة الله والإيمان بأنبيائه ورسله وممارسة جميع أنواع العبادات. في المقابل، تعتبرك العلمانية الأسدية كافراً إن أنت آمنت بالله، وتعاقبك إن مارست عبادات دينك، وتقصفك بالقنابل والصواريخ من البر والبحر والجو، إن تمسكت بحريتك ومعتقداتك، ورفضت الانصياع لوثنيتها.

======================

الائتلاف السوري المعارض وتعدد المكاييل .. بشير عيسى

الحياة

الثلاثاء 15/9/2015

معظم المحللين السياسيين والقوى المعارضة لنظام الأسد، وفي مقدمهم الائتلاف السوري المعارض، بدأت تتشكل لديهم قناعة نهائية، لم تكن حاضرة بداية الأزمة، وهي أن تنظيم داعش، صنيعة أجهزة إيرانية - سورية!، في وقت ما زالت تغيب فيه هذه القناعة عن توأمه في «القاعدة» ممثلاً بـ «جبهة النصرة»، حيث يحل الصمت والتجاهل المريب، مكان الدفاع والتبني السابق، ربما لكونها مقربة من التنظيم العالمي لـ «الإخوان المسلمين»، أو ظناً منهم بأنها ستعجل في إسقاط النظام. وإلى أن يكتشف الائتلاف أن النصرة لا تقل خطراً عن دولة الخلافة، كونها تكملها، وإن اقتتلت معها، يكون الوقت أدركه!

لا شك في أن هذه القناعة التي أخذت بالتشكل، حول حقيقة ودوافع تنظيم «الدولة»، قد ارتكزت على مجموعة عوامل لعل أبرزها: انشقاق التنظيم عن القاعدة، إثر رفض الجولاني أمير النصرة في الشام، بعد الاحتكام للظواهري، مبايعة البغدادي، ومن ثم إعلان الأخير قيام دولة الخلافة، ما يعني عدم الاعتراف بالدولة السورية ككيان نهائي، أو حتى مرحلي على غرار النصرة، الأمر الذي يهدد مسعى المعارضة في قيام دولة مدنية تعددية. العامل الثاني يكمن في توسع التنظيم في المناطق التي كان يسيطر عليها «الجيش الحر» و«النصرة»، في وقت كان يتحاشى فيه الاصطدام بالجيش النظامي. العامل الثالث تمثل بقدرة التنظيم على توليد إرهاب فاق التصور، بالتزامن مع سرعة انتشار عابرة للدول، ما أعاد معه ترتيب الأولويات بالنسبة الى المجتمع الدولي.

فبعدما كانت إزاحة نظام دمشق أولوية، باتت الحرب على الارهاب تتقدم ما عداها، ما يعني بقاء حظوظ الأسد مرتفعة، لترشيحه كشريك في الحرب على «داعش»، وهذا ما تعكسه مبادرة الرئيس بوتين. وزيادة في حسن الطالع، إقرار مجلس الأمن بأن الحل في سورية يكون سياسياً!

هكذا يمكن تفهم اتهام الائتلاف للنظام بالوقوف وراء «داعش»، باعتبار أن الأخير كظاهرة ودور، ساهم في إضعاف سيطرة المعارضة، في مقابل تثبيت رواية النظام في المنابر والأوساط الدولية، من أن الإرهاب سيطاولهم جميعاً إذا انتصر في سورية، ما لم يتعاونوا معه! وهذا ما يفسر تقاعس النظام وتظاهره بالضعف في شكل مفاجئ، أمام تقدم جيش الفتح بقيادة النصرة في إدلب، فيما يعجز الأخير عن تحقيق أي تقدم في بلدتي الفوعة وكفريا، والحال ذاته ينسحب على اكتساح «داعش» تدمر وريفها، في مقابل فشله المتكرر لاستعادة حقول جزل والشاعر النفطية! وباختصار، فاستراتيجية النظام تقوم على توظيف الميداني لخدمة السياسي ومن ثم العكس!

وإذا صح أن الائتلاف حالة ثورية، فهو مطالب بوقفة ضمير تتطلب أعلى درجات اليقظة والحكمة، و «الرأي قبل شجاعة الشجعان»، ليقول الحقائق كاملة، لا منقوصة، رأفة بمن سيبقى حياً. فإذا سلمنا بأن «داعش» التي تحتل أكثر من نصف مساحة سورية، صنيعة النظام، فهذا يعني أن النظام لم يزل ممسكاً بخيوط اللعبة داخلياً، خلافاً لما يروّج له من أنه في أضعف حالاته، وإذا كان الائتلاف يعتبر أن خطر النظام لا يقل عن خطر «داعش»، الذي يقضم بيئات «الجيش الحر» وفصائله، فهذا يحتم عليه طرح الأسئلة التي تحترم الحد الأدنى من العقل السياسي، كمدخل جديد لاستعادة وتصحيح مبدئية مواقفه.

ولعل أهم الأسئلة ذاك المرتبط بالدور التركي: فمَن مكّن «داعش» وأمده بآلاف الجهاديين؟ أليس نظام أردوغان! أولم يثبت أن وحدات الحماية الشعبية الكردية، هي التنظيم الأقوى في محاربة «داعش»، باعتراف الجميع وعلى رأسهم الولايات المتحدة! ففي معركة كوباني وحدها، سقط للتنظيم قرابة ستة آلاف مقاتل، فيما كان الجيش التركي يسهّل مرور المقاتلين، ويعقد الاجتماعات مع «داعش» ويمدهم بالسلاح، وهذا ما أكده كحقيقة صالح مسلم، رئيس الاتحاد الديموقراطي الكردي في سورية لصحيفة «الحياة»، بينما كان أردوغان يراهن على سقوط المدينة! ثم ماذا عن تسريبات مقاطع الفيديو التي نشرتها صحيفة «حرييت» التركية، حيث كشفت فضائح شحنات السلاح والدواء التي كانت تذهب لـ «داعش»؟ فتمرير السلاح والجهاديين بغية القضاء على المكون الكردي في شمال سورية، بذريعة الخوف من إقامة دولة كردية، يمكن فهمه لدى العثمانيين الجدد، لكن ما لا يُفهم هو الموقف الملتبس للائتلاف المعارض، والذي تلطى وراء عنوان «وحدات الحماية تقوم بعمليات تطهير عرقي»، من دون عناء التحقق من الأمر. وهذا يؤكد ما ذهب إليه صالح مسلم، حول وجود فريق في الائتلاف يؤيد «داعش»!

لو نظرنا إلى الموضوع من زاوية مختلفة، وافترضنا أن الفضائح التي كشفتها الصحيفة، يقف خلفها النظام السوري، لا التركي، فماذا ستكون رد فعل الائتلاف؟ من المؤكد انه لن ينتظر ليتأكد، بل سيسارع لأن يقيم الارض ولا يقعدها، وهذا مفهوم، ولكن بالمعنى الثوري يجب ألا يكيل بمكيالين، كي لا يتحول إلى وظيفة لمصلحة الآخرين.

فالائتلاف يقدم جزءاً من معادلة تفترض أن «داعش» يخدم نظام الأسد، وثمة جزء مكمل، هو أن نظام أردوغان يخدم «داعش»، ما يعني بالضرورة أن سياسات نظام أردوغان تخدم نظام الأسد! فهل سيجرؤ الائتلاف على إكمال المعادلة، فيتحرر من أسره، أم أن «من يأكل من قصعة السلطان سيضرب بسيفه»؟

* كاتب سوري

======================

يوم حشر سوري عالمي! .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 15/9/2015

جاء في الأخبار وعلى لسان مصدر أممي، أنه في نهاية هذا العام 2015 ستكون قد هاجرت من سوريا جموع أخرى جديدة من سكانها يصل عددها مليوناً جديداً. وحتى ذلك الحين، قد يحدث من الصراعات العسكرية الدموية ما يضيف إلى هذا من أحداث التدمير والتفكيك ما يتجاوز إتفايقة سايكس- بيكو الاستعمارية بأضعاف. وفي يوم تاريخ هذا الخبر، أضافة قناة " العربية"، بأن مدير وكالة الاستخبارات الأميركية «سي أي إيه» أعلن أن المفهوم الوطني في المنطقة العربية سيسقط، لصالح مفهوم طائفي أو عشائري أو ديني! وبالطبع، فإن المفهوم القومي (العربي) سيتعين عليه أن يتلاشى، مُفسحاً الطريق أمام تلك المفاهيم الأخيرة (الطائفي والعشائري والديني.. إلخ) ومن ثمّ، فإن تحولاً جذرياً وعميقاً سيجتاح الخريطة الديموغرافية التاريخية للعالم العربي بأنساقه الوطنية المتعددة. وحيث يكون الأمر كذلك، فإن واقعة هجرة السوريين من وطنهم السوري بعر إخلائه لغيرهم ستكون في مقدمة مثيلاتها، التي تنتهي مع انتهاء «إعادة التأسيس» للعالم العربي الجديد! وبحسب الثقل الديني الراهن كما التاريخي، فإنه قد يظهر أن الهوية الطائفية المتوترة قد تصبح هي المهيمنة على مثيلاتها الأخرى.

وها هنا، ستبرز دول «شيعية» وأخرى زيدية وثالثة سنية وغيرها علوية وإسماعيلية، مع احتمال بروز كيانات أخرى ذات هويات عرقية وغيرها مثل الآشورية على سبيل المثال لا الحصر.

وذلك كله يمثل ما يراد له، كما يظهر، أن يكون «شرقاً أوسط جديداً» ليس بعيداً عن مشاريع أخرى يُسوَّق لها في الغرب كما في الشرق. إن إيران التي تحدثت عن وضع يدها على ثلاث أو أربع عواصم عربية، في وقت ما سابق، وضعت فيه اعتبارها أن هذه العواصم - وهي دمشق وبغداد وصنعاء وبيروت- ستصبح أو -أو هي أصبحت- مدناً ملحقة بإيران الفارسية، المتقنعة بمذهب ديني هو المذهب الشيعي. إن هذا الأمر وغيره صارا مطروحين ضمن الخريطة الشرق أوسطية الجديدة، مما يشي بمخططات أخرى سابقة وراهنة ربما تكون ما زالت مطروحة على بساط البحث. وتضاف إلى ذلك الجهود التي تبذلها قوى غربية، في ضوء التحولات الكبرى التي يعيشها الغرب منذ بروز الخطاب العولمي مع نشأة العولمة الاقتصادية خصوصاً. فإذا كانت الجهود الأولى المذكورة آنفاً، التي واجهناها مرتبطة بمفاهيم تتصل بهويات دينية أو إثنية أو عرقية قديمة، فإن تحولات الغرب المذكورة في إطار العولمة أنتجت نمطاً آخر من الهويات الأكثر إثارة للقلق.

وفي ذلك المفصل الجديد الهائل في تأثيراته، يبرز «السوق» واقعاً اقتصادياً استهلاكياً، ومنهجاً فكرياً ثقافياً، بمثابته الركن الركين للمجتمع برمته.

فمع بروزه بهذه الصيغة، يُقصي كل ما دونه، بالاعتبار الوجودي والإنساني الماهوي. وها هنا، نجد أنفسنا، بكل امتلاء وجودي وأخلاقي وإنساني، أمام تعريف العولمة الذي وضعه باحث أميركي في كتاب «أميركا التوتاليتارية»، فهو يقوم على أن هذه إنما هي «السوق المطلقة». وهذه تقوم على عنصرين اثنين يجبّان كل شيء دونهما، وهما «المال والسلعة». ونحن هنا لا نرى أن المسألة المتصلة بالعالم العربي تخضع للتحليل العولمي، وإن كانت جزءاً لا ينفصل عن المادة التي تعمل السوق العولمية على سحقها. وهي مسألة مقترنة بهويات ترتد إلى الماضي ويُراد لها أن تصبح سيدة المفاهيم والعلاقات والضوابط في المجتمعات العربية الشرقية الإسلامية، وما دونهما في قاع السلم التاريخي الشرقي.

ومن هنا فإن الإعلان عن اكتمال خروج مليون من السوريين إلى أوروبا وغيرها حتى نهاية هذا العام من حقنا أن نقرأ فيه فصلين اثنين، واحد يتمثل في تقديم أنفسهم وتاريخ وجودهم للآخرين، وآخر للتبشير بالعودة إلى سوريا لإعادة بنائها.

----------

أستاذ الفلسفة - جامعة دمشق

======================

الدياسبورا السورية .. د. خالص جلبي

الاتحاد

الاثنين 14/9/2015

إذا صحت المعلومات التي تسربت عن تقاسم حصص توزيع السوريين في أوروبا، فستكون حصة فرنسا 300 ألفاً، وألمانيا مليون لاجئ، وإيطاليا نصف مليون، والسويد نصف مليون، وتكون حصة كل من الدنمارك والنرويج نصف مليون، في حين تكون حصة إسبانيا 200 ألف والنمسا 300 ألف، في الوقت الذي تبلغ حصة كل من صربيا وبولندا والمجر وبلجيكا وأوكرانيا والتشيك مائة ألف؟ يقول التقرير إنه ستمنح العائلات السورية إقامة دائمة، تكلل بالجنسية بعد إقامة خمس سنين، فإذا أضفنا إلى هذه الأرقام من فر وشُرد إلى كندا وأميركا، كما اجتمعت أنا بعائلة صديقي في مونتريال مع أفراد عائلته الست، تكون سوريا قد فقدت خمسة ملايين نسمة من سكانها مشردين بين القارات، في أعظم هجرة تمت بعد الحرب العالمية الثانية.

أتذكر جيداً أخبار ألمانيا حينما ذهبت لها للتخصص الطبي بتاريخ 1975، قلت في نفسي في ليلة لا أنساها وأنا أدعو ربي في حي الشيخ محيي الدين العربي، الذي تحول إلى حي شعبي، دعوت ربي في جنح الظلام، فقلت كما قال موسى في مواجهة فرعون، ربنا لاتجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين. كان ذلك بعد الاعتقال الرابع الذي دام قرابة عام؟ بعدها بأيام تم اعتقالي مجدداً، فقلت هذه المرة ستكون عشر سنين أو إعدام؟ لحسن الحظ تم إلقاء القبض علي لأنني متخلف عن التجنيد الإلزامي. نجوت بفضل الدراسات العليا، (هي في الحقيقة سفلى فليس ثمة دراسات في سوريا، فضلاً عن عليا؟) بعدها- ما زلت أذكر نفسي- وأنا أرتب خروجي من سوريا، رميت نفسي يميناً وشمالاً للعمل في أي مصلحة؟ كانت شوارب رجال الأمن في انتظاري حيث أجريت مقابلة. أردت العمل في الطبقة حيث السد، فكانت كارثة يجب روايتها في قصة تراجيدية، حيث سافرت في شتاء بارد مظلم مثلج.

أرجع إلى «الدياسبورا» السورية إذا كانت سوريا قد فقدت نزوحاً خمسة ملايين من المعذبين، يضاف لها ستة ملايين أخرى، موزعين في تركيا والأردن ولبنان، حيث حزب إيران يتربص؟ والعراق حيث جنون الشيعة والسنة، فيكون من غادر سوريا 11 مليوناً، يضاف لهم ربع مليون قتيل، ومليون معاق ومشوه، ومصاب يمشي بساق خشبية، وآخر فقد بصره أو سمعه، أو طاش لبه وضاع عقله في زنازين التعذيب، فانحشر في زمرة المجانين. لاننسى أطفال الرعب فمعظم السوريين يحتاجون الآن إلى علاج نفسي.

أنا متيقن الآن أن بشار لو رشح نفسه لفترة جديدة فسوف ينتخب 99,99 بالمائة، فنصف من تبقى خائف، وربع منافق، وربع مجرم..

الآن أصبحت سوريا تذكرنا بحرب الأوراجواي حين باد معظم شعبها في حرب عام 1860 م ولكن من يعلم.. أو باتت مثل ألمانيا في حرب الثلاثين عاماً (1618 1648) حيث مات ستة ملايين ونصف من أصل 21 مليوناً من السكان وتدمرت 80 ألف قرية ومدينة.

=====================

روسيا.. الحملة الصليبية التاسعة ضد "المتطرفين" .. برهان غليون

العربي الجديد

الاثنين 14/9/2015

في أقل من أسبوع، انقلب مزاج المراقبين والمعنيين بالشأن السوري، من النقيض إلى النقيض. فقد جاءت التصريحات المتعاقبة للمسؤولين الروس، لتقضي على كل الآمال في احتمال التوصل إلى بداية حلحلة للأزمة السورية، ووضع حد لعملية القتل المنظم المستمر منذ سنوات.

وكان السبب الأول في نمو توقعات المراقبين بإمكانية انفراج في الأزمة السورية ما أشيع عن بداية تفاهم بين الروس والأميركيين الممسكين، في النهاية، بخيوط الصراع، على تكثيف الجهود وتسريع المفاوضات من أجل التوصل إلى تسوية مقبولة من الأطراف، حتى اعتقد بعضهم أن واشنطن أوكلت إلى موسكو إيجاد حل للأمر، وأن موسكو أصبحت على استعداد للتخلي عن الأسد في مقابل الحفاظ على النظام. وساهم في إشاعة هذا المناخ الإيجابي التطور البارز الذي طرأ على العلاقات الروسية السعودية، والروسية العربية عموماً، والاتفاقات التي وقعت بين الجانبين، والتنسيق الدبلوماسي العالي الذي حصل بين الروس والأميركيين، وأنتج الإجماع على البيان الرئاسي لمجلس الأمن، وتبني هذا المجلس نفسه خطة المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا. وجاء ذلك كله عقب الاتفاق على إغلاق الملف النووي الإيراني، والاعتقاد المتزايد أن طهران المتصالحة مع الغرب سوف تميل إلى تغيير سلوكها في المنطقة، والرهان على التفاهم والعمل الإيجابي بدل الاستمرار في المراهنة على سياسة التخريب وزعزعة الاستقرار التي كانت تهدف إلى الضغط على الغرب، من خلال الضغط على ما تعتبره مصالحه في المشرق العربي، وخصوصاً في الخليج وجواره.

 

قيادة العملية السياسية أم الانقلاب عليها؟

وكان تبدل موقف روسيا، نتيجة خوفها من تفاقم تدهور الموقف في سورية والعراق، وخطر سيطرة المتطرفين وانعكاسات ذلك عليها، واحتمال استعدادها للتعاون أكثر مع الغرب للتوصل إلى حل، هو الحجة الرئيسية التي استخدمها فريق المبعوث الدولي، دي ميستورا، لإقناع المعارضة السورية بجدوى المشاركة في فرق الحوار أوالتشاور التي اقترح تشكيلها لإطلاق العملية السياسية، وتجنب صدمة المفاوضات المباشرة، والمساعدة على بلورة المواقف للفرقاء السوريين.

والحال، نحن اليوم أمام مناخ مختلف تماماً. فالتصريحات الروسية الجديدة التي جاءت لتؤكد

"

التصريحات الروسية الجديدة جاءت لتؤكد للجميع أنها لم ولن تغير موقفها في موضوع بقاء الأسد والنظام

 

" للجميع أنها لم ولن تغير موقفها في موضوع بقاء الأسد والنظام، وأنها لا تزال متمسكة بخطة بوتين الرامية إلى تكوين حلف عسكري، يجمع إيران والسعودية والعراق وتركيا والنظام السوري، لمواجهة التطرف والتنظيمات الإرهابية، ليضع حداً للتفاؤل الذي ساد في الأشهر الماضية، خصوصاً بعد أن أعادت موسكو تأكيد شرعية الأسد، ما يعني دمغها جميع المقاتلين ضده، معتدلين وغير معتدلين، بسمة التمرد والإرهاب. كما أن استئناف دعمها العسكري المكثف للنظام السوري، بأسلحة متطورة، وذخائر جديدة، والحديث عن بناء قاعدة عسكرية لها في محافظة اللاذقية، وفي مصادر أخرى، عن إرسال قوات عسكرية روسية إلى المنطقة، كما كشفت الصحافة الدولية. ويوحي ذلك كله إلى أن هناك انقلاباً في الموقف الروسي، ويطيح جميع الآمال التي بنيت على إمكانية إبعاد موسكو، ولو جزئياً، عن طهران، والمراهنة على ضغوطها لإقناع إيران بتغيير سياساتها.

وقد ربطت بعض قوى المعارضة، وفي مقدمتها الائتلاف الوطني السوري، بين تطورات السياسة الروسية تجاه الأسد، وخطة دي ميستورا والانفتاح المفاجئ الذي أبدته أوروبا في موضوع اللاجئين السوريين، وتبنيها خطة استقبال عدد متزايد منهم، وإعادة النظر في إجراءات اللجوء. فرأت فيه تواطؤاً أوروبياً مع خطة طهران وموسكو، لإفراغ سورية من سكانها، لتسهيل السيطرة عليها وتغيير بنيتها السكانية.

وليس هناك شك في أن التناغم الحاصل بين تصريحات المسؤولين الإيرانيين والروس والرد الأميركي الضعيف على تحركات موسكو في المنطقة، تترك انطباعاً قوياً بأننا على أعتاب مرحلة جديدة، معاكسة تماماً لما كان متوقعاً من احتمال بدء مفاوضات متوازنة للحل السياسي، دفع إليها إدراك دولي متزايد لعظم المخاطر الناجمة عن استمرار الوضع الملتهب القائم. وقد ذهب الأمر إلى درجة استخدام محللين عبارة الغزو الروسي، لوصف ما أقدم عليه الروس من مظاهر الدعم المكثف للنظام، والتعاون مع طهران، من أجل منع قوى الثورة من الانتصار، ومساعدة النظام على استعادة السيطرة على البلاد، أو على الأقل ضمان حصول العاصمتين على موطئ قدم ثابت في القسم الغربي منها، حيث لا يزال لموسكو نفوذ قويّ فيه. وفي سياق ذلك، تزداد المخاوف عند قطاعات واسعة من الرأي العام من أن تكون سياسة الانفتاح

"

تزداد المخاوف من أن تكون سياسة الانفتاح الأوربي المفاجئ على اللاجئين وسيلة للتغطية على التراجع السياسي

 

" الأوروبي المفاجئ على اللاجئين وسيلة للتغطية على التراجع السياسي، والانضواء، في النهاية، تحت سقف المقترحات الروسية المؤيدة لبقاء الأسد. وهذا ما أوحت به، أيضاً، التصريحات الأخيرة لبعض وزراء خارجية الدول الأوروبية التي دافعت عن إمكانية، أو حتى ضرورة، الحديث مع الأسد.

السؤال: هل نحن أمام مزاودات اللحظة الأخيرة في عملية تسوية دولية على وشك أن تبدأ، وتريد روسيا أن تضمن لنفسها فيها مصالح أكبر، بعد أن اكتشفت التخلي النسبي للولايات المتحدة، والانكشاف النسبي، أيضاً، لجبهة الدول الداعمة للمعارضة، وتقربها من موسكو نفسها، لتعزز موقفها، والتراجع الملحوظ في الموقف الأوروبي تجاه الأسد ونظامه، وبداية القبول تحت ضغط الخطر الذي يمثله داعش بفرضية بقاء نظام الأسد، وربما أيضاً، تعزيزه؟

أم هي قلب لطاولة الحل، وبداية تدخل روسي مباشر يقطع الطريق على طهران، ويحفظ مصالح روسيا، قبل أي طرف آخر، ويضع حداً للعبة الاستنزاف الطويلة للأطراف، بالتفاهم الضمني أو الفعلي مع واشنطن وأوروبا والمجتمع الدولي الممثل بالأمم المتحدة وبالمبعوث الدولي، والحد من الخسائر المتبادلة، قبل أن يصبح الوقت متأخراً، لإنقاذ أي استثمارات أو رهان؟

 

مصالح روسيا في سورية والشرق

1- ينبغي أن نعترف أن موسكو أظهرت، منذ بداية الأزمة السورية، أي بعد تعثر الثورة، اهتماماً كبيراً بمصيرها، ولم يضعف هذا الاهتمام في أي لحظة، لكنه تضاعف مع مرور الوقت، ما يؤكد أن موسكو تعتقد أن لها مصالح أساسية في سورية، وأن تحول النظام القائم فيها أوتغييره، يعنيها جدياً، وأنها لن تسمح أن يحصل من دون أن تكون لها كلمة فيه، أو أن تضمن هذه المصالح.

2- على الرغم من تأكيد موسكو الدائم مع محاوريها من المعارضة أن مصالحها الخاصة في سورية ليست مهمة أبداً، وأنها لا تسعى إلى الحفاظ على مصالح خاصة، حتى أنه، في أول محادثات مع المجلس الوطني السوري، أظهر وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الكثير من السخرية من الذين يتحدثون عن قاعدة طرطوس التي ليس لها في نظره أي قيمة استراتيجية، وأن دافعها لحماية النظام هو ضمان حقوق الشعب السوري، وأنها ليست متمسكة بالأسد كشخص، وإنما هي حريصة على الشرعية والسبل القانونية، إلا أن من الواضح، أيضاً، أن استمرارها على موقفها الإيجابي من نظام الأسد، بعد التدمير الهائل الذي حل بالبلاد وتشريد ملايين السوريين وقتل مئات الأولوف منهم، يشير إلى أن مصلحة الشعب السوري لا تمثل شيئاً بالنسبة لروسيا، كما تريد أن نعتقد، ولا تدخل في أي حسابات من حساباتها.

3- وأعتقد أن مصالح روسيا الرئيسية في سورية لا تتمثل في مصالح مادية بحتة، وإنما استراتيجية كبرى، وأهمها حضورها في الشرق الأوسط في حد ذاته، وإرادتها في الحفاظ على نفوذها في الدولة، أو البلاد الوحيدة التي ضمنت لها هذا الحضور، خلال عقود طويلة من دون انقطاع، وهو حضور لا يزال استمراره مجسداً في العلاقات الوثيقة مع نخبة من الضباط ورجال الأمن والسياسة الذين اختلطوا بالروس، وتدربوا عندهم، وصاروا شريكهم الأساسي في سورية. ومما يزيد من التمسك بهم أنهم ينتمون إلى المدرسة السياسية نفسها، أي الحكم بالقوة ورفض مبادئ الديمقراطية، وقيم المواطنة الليبرالية، واستثمار العداء للغرب، أو بالأحرى اختلاقه ورعايته وتنميته أساساً لنزعة قومية تجميعية، توحد الشعوب خلف قياداتها ضد الآخر الخصم، طالما أنها عاجزة عن توحيدها من خلال الإنجازات الداخلية، ومشاركة الأفراد في قيم العدالة والحرية والسعادة الإنسانية. وهذا هو نمط القومية المتحولة إلى نعرة وعصبية جماعية، تلعب هنا الدور الرئيسي في دفع الأفراد إلى الانقياد وراء سلطة الدولة المقدسة، القيصرية، في غياب روح الانقياد للقانون التي تستدعي وجود المواطنة ونظام المشاركة السياسية والتضامن في حمل المسؤوليات والالتزامات العامة.

ويتخذ الحفاظ على الحضور والنفوذ القوي في سورية والمشرق بالنسبة لموسكو، اليوم، أهمية أكبر مع انتشار الحركات المتطرفة الإسلامية، ومخاوف السلطة الروسية الفعلية من انعكاسات التغيير في سورية على شرائح واسعة من مواطنيها، المسلمين لكن من ورائهم غير المسلمين أيضاً. العدو الأول لروسيا البوتينية هو الثورة الشعبية التي كانت تؤرق، أيضاً، من قبل روسيا

"

العدو الأول لروسيا البوتينية هو الثورة الشعبية التي كانت تؤرق، أيضا، من قبل روسيا القيصرية، ولاتزال

 

" القيصرية، ولا تزال. وجزء كبير من الطابع الاستعراضي والاستفزازي الذي تتخذه السياسة الروسية في تحدي الغرب، في سورية اليوم، لكن في أوكرانيا وغيرها، مقصود من أجل إشعال فتيلة هذه القومية الشعبوية التي تكتفي بالرموز، وتغذيتها لقطع الطريق على أي احتمال لنمو روح الاحتجاج الشعبي، بل ردعه مسبقاً، وقطع الطريق على التفكير فيه.

٤- من هنا، بعكس الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وبلاد أخرى، لم يضعف الاهتمام بالأزمة السورية، مع تفاقم أوضاعها وزيادة تعقيدها وانتشار الحركات المتطرفة فيها، وإنما تضاعف مرات. لم تكن روسيا في أي وقت حريصة على أن تكون على رأس الحل في سورية، كما هي اليوم، والسبب خوفها الوجودي من احتمال انتقال عدوى الثورة، والاحتجاج والتغيير إليها، وبشكل أخص، عودة فتيل التمرد الإسلامي إلى ما كان عليه، بعد أن زاد قوة وتنظيماً للانتقام من أيام قاسية سابقة. بمعنى من المعاني، وأكثر فأكثر، تشعر موسكو أن معركة سورية، اليوم، هي معركتها بالدرجة الأول، قبل أن تكون معركة السوريين أو الغربيين أو العرب أو الإيرانيين. وهي مستعدة للتعاون مع الشيطان للقضاء على من تعتبره العدو والخصم الرئيسي لها، اليوم، وهو الحركات الجهادية وحدها، وليس الصراع أو التنافس مع أميركا أو أوروبا. معركة روسيا في سورية سياسية وفكرية ودينية، وهذا هو بعدها الاستراتيجي، أو بالأحرى ما فوق الاستراتيجي.

٥- ينبغي أن نعترف أن مثابرة موسكو وإصرارها على أن لا يكون حل في سورية، من دون إرادتها ونجاحها في تعطيل أي مبادرة أممية أو دولية، تشك في أنها تتماشى مع ما تريد قد أتت ثمارها. وأن دور روسيا في الأزمة السورية لم يكف عن التطور يوماً بعد يوم، مع إزاحة الخصوم أو تحييدهم. ومنذ أيام، كدنا نعتقد، عن حق، أنها أصبحت بالفعل الوكيل الرسمي لجميع الفاعلين على الأرض السورية والمعنيين بها من خارجها، أو أغلبهم، في العمل على إيجاد التسوية السياسية المنتظرة لإنقاذ ما تبقى من سورية، أو وقف عملية التدمير والقتل المنهجية ودرء مخاطر الخراب النهائي.

فقد تمتعت موسكو، منذ البداية، بدعم علني من الصين والهند ودول البريكس، قد تخلت لها الدول الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة، عن جزء كبير من هامش المناورة، ولم تحاول مرة أن تحرجها، أو تضغط عليها، أو تتجاوز الخطوط المرسومة لبقاء هذا الهامش، حتى بعد أن عطلت موسكو قرارات مجلس الأمن، أو منعت تنفيذ ما لم يتفق مع رؤيتها منها.

 

ماذا تنتظر موسكو؟

الحرب في سورية ستكون، أكثر فأكثر، حرب روسيا للقضاء على المجموعات الجهادية، أي في الواقع المسلحة، أي على داعش والنصرة وبقية قوى الثورة المسلحة التي تعتبرها كلها مصدراً للخطر، ولا يهمها بشار الأسد إلا كما همّ طهران من قبل، أي غطاء لحرب التدخل المباشر، وصمام أمان لضمان عدم انهيار النظام، أو تفككه خلال مرحلة الحرب. ولا ترى موسكو تسوية سياسية ممكنة، إلا بإعادة بناء الجيش السوري، وفي التفاف جميع الأطراف

 السورية، موالاة ومعارضة، حول الدولة ومؤسساتها، أي الجيش والأمن بالدرجة الأولى.

يتقاطع مشروع موسكو مع طهران، في حماية النظام، أو بالأحرى في عدم السماح بأي نصر للثورة السورية، أو للتحالف الداعم لها في تركيا والرياض والخليج، لكنها ربما تتناقض معها في تحويل سورية إلى مزرعة، ومستعمرة خاضعة لسيطرة المليشيات الطائفية والمذهبية. وفي عملها هذا، لا ترى موسكو طهران إلا من منظار ما يمكن أن تساهم به في الحرب ضد الإرهاب التي تريد أن تتحدّى فيها، ومن خلالها، الغرب وتحالفه، وأن تحقق ما فشل في تحقيقه حتى الآن. وهي تعتقد أنها الوحيدة التي لم تتورط بأي شكل في التلاعب بالمنظمات المتطرفة، ولم تتهاون في مكافحتها.

التدخل المتزايد لموسكو في الحرب، بكل الوسائل، بما فيها نشر قوات برية محتمل، هو بداية العمل على تنفيذ ما سميت خطة الرئيس بوتين، القائمة حول هدف رئيسي واحد، هو تشكيل تحالف يضم الجميع ضد الإرهاب، ونسيان كل الرهانات الأخرى، وفي مقدمها، قضية كفاح السوريين من أجل الحرية، والخلاص من حكم الفساد والاستبداد وديكتاتورية الأجهزة الأمنية والمخابراتية. ما تريده موسكو هو باختصار تحقيق أجندتها الوطنية الخارجية المكونة من نقطة واحدة، هي القضاء على خطر الحركات المتطرفة المسلحة. وهذه هي، أيضاً، الأجندة الوحيدة التي توّحد، اليوم، جميع الدول الصناعية التي ترتعد أمام انتشار فوضى السلاح ومنظمات التطرف العابرة للحدود، والمهددة لجميع استراتيجيات الأمن الدولية. وليست داعش سوى كلمة السر للدخول إلى حلبة هذه الحرب وإضفاء الشرعية عليها.

=====================

جيش روسيا في سورية .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاثنين 14/9/2015

أقدمت روسيا على خطوة مفصلية، بالنسبة إلى الصراع على سورية، بإرسالها قطعات من جيشها البري وسلاحها الجوي إليها، وتعزيز وجودها البحري على سواحلها. ومع أنها أعلنت أن خطوتها استباقية تريد منع أميركا وبريطانيا وفرنسا وتركيا من بدء تدخل عسكري وشيك في بلادنا، فإن إعلانها يستبعد أن يكون صحيحاً، ليس فقط لأنها عاجزة عن مواجهة عسكرية مع أميركا، بل لأنها ستقضي تماما على جهودها " السلمية"، وسعيها إلى إيجاد غطاء داخلي معارض يؤيد خطتها، لا شك في أن خطوتها العسكرية المؤيدة للنظام ستكشف ظهره، وتقضي عليه، وستنهي قدرة الكرملين على الانتفاع به، وستضع حداً نهائياً لما اقترحه حول بناء تحالف عربي/ إقليمي/ دولي "يحارب الإرهاب"، وواجه رفضاً واضحاً من معظم الذين عرض عليهم، لكن احتلال جيش بوتين سورية سيجعل قيامه ضرباً من المحال، وسيوسع المواجهة الدولية الدائرة في بلادنا، وربما نقل الصراع عليها إلى طور أشد خطورة، وأعلى ثمناً من كل ما عشناه، في سنوات التطاحن الدولي والإقليمي النادر المثال، والذي سيبلغ ذروته الانفجارية، بسبب الإجراء الروسي الخطير.

إذا كانت روسيا لا تمتلك القدرة على مواجهة الغرب، ولا تريد إفساد ما تقوم به من جهود لـ"محاربة الإرهاب وتحقيق السلام"، لماذا أرسلت جيشها إلى سورية، وتحديداً إلى منطقتها الساحلية؟ ثمة احتمالات كثيرة قد تفسر خطوتها المفاجئة، أهمها في اعتقادي:

ـ شعورها بقرب انهيار النظام، مع ما سيترتب عليه من فشل سيصيب استراتيجيتها في ركنيها "السلمي والأمني"، وحاجتها إلى حماية حبيبها بشار الأسد وإنقاذه، وإلا فمرابطة قوات كافية لحماية سكان الساحل، في حال تم الاتفاق على حل، يتطلب نجاحه وجود قوات دولية للفصل بين المتقاتلين، لمنع مجازر قد تقع ضد هؤلاء. في هذه الحالة، تكون القوات الروسية طلائع هذه القوة الدولية.

ـ اعتقاد روسيا أن قوتها في سورية محدودة، وأن إيران قوة حسم، بينما هي قوة مساندة. لذلك، تمس حاجتها إلى زيادة حضورها العسكري الملموس فيها ودعمه، لموازنة الوجود الإيراني أو للتفوق عليه، وجعل الكرملين قادراً على فرض خياراته في دمشق وعلى طهران، في الاتجاه الذي يتم التفاهم عليه مع أميركا.

ـ اقتناع الكرملين بوجود مشروع لتقسيم سورية، سيخرجه منها إذا لم يبادر إلى إرسال جيشه إلى منطقة نفوذه ووجوده القديم في الساحل، لما لانتشاره فيها من أهمية متعددة الأوجه، بالنسبة إلى استراتيجيات القوى الكبرى المتوسطية. في هذا الاحتمال، تتصرف روسيا كما تتصرّف إيران التي عزّزت، في الآونة الأخيرة، تعزيزا كبيراَ حضورها العسكري والديمغرافي/ الاستيطاني داخل دمشق وحولها، وصولا إلى حمص والبقاع والهرمل وجنوب لبنان، وتستبق دخول تركيا العسكري المباشر إلى شمال سورية، وتشحنه بصعوبات قد تقنع أردوغان وقياداته بالعدول عنه، كما تستبق دخول الأردن إلى مناطق آمنة في جنوبها. قبل التقسيم، هناك التقاسم، وهو جار على قدم وساق، وسيقبل الأميركيون به إن كان القصد منه تقوية الموقف الروسي حيال إيران وداخل النظام، وتسهيل التفاهم على حل تقاسمي، يصعب على أي طرف معارض، أو موالٍ، إحباطه أو مقاومته.

إذا لم تندرج الخطوة الروسية في واحد من هذه الاحتمالات، فإنها ستنقل الصراع الدائر في بلادنا إلى عوالم تخرجنا نحن منه بصورة نهائية، وتضع العالم على حافة حربٍ فيها موت وطننا، وهلاك البشرية جمعاء.

=====================

تصريحات خامنئي وحسابات أمريكا في الأخذ والعطاء .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 13/9/2015

تصريحات خامنئي وحسابات أمريكا في الأخذ والعطاء لم تمضِ ثلاثة أيام على توقيع الاتفاق العتيد بين إيران وأمريكا؛ حتى خرج المرشد علي خامنئي بتصريحات نارية، كان مما قاله فيها: «إن سياستنا تجاه حكومة الولايات المتحدة المغرورة لن تتغير».

كان المرشد يخطب، وأمامه منصةٌ كُتبت عليها بالفارسية عبارة: «سوف نسحقُ أمريكا»، في حين كُتب تحتها بالإنجليزية «نحن نهزم الولايات المتحدة».. أكثرَ من ذلك، انتبهت بعض وسائل الإعلام إلى أن المرشد كان يتحدث؛ في حين سُنِدَ إلى المنصة أمامه رشاشٌ حربي!

من المؤكد أن (الاستهلاك الداخلي) أحدُ أسباب تلك التصريحات والرموز. لهذا، ربما، قال وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، عندما سُئل عن الموضوع يومها: «أنا أعلم أنه يحدث عادةً أن تُطلق بعض التصريحات بشكلٍ علني، في حين أن القضايا تتبلور، عمليًا، بشكلٍ مختلف».

رغم هذا، تقتضي مصلحتنا ألا نقف عند ذلك التفسير، خاصةً في معرض فهم سياسة الولايات المتحدة، في المنطقة تحديدًا، بحثًا عن مداخل التعامل معها بشكلٍ محترفٍ وخلاق، يصل بنا إلى تحقيق الأهداف الاستراتيجية المطلوبة من العلاقة معها.

فخلال الأسبوع الماضي مثلًا أعرب الرئيس الإيراني، حسن روحاني، عن استعداد بلاده لـ»الجلوس على أي طاولة مفاوضات في أي مكان من العالم، مع دول داخل المنطقة وخارجها». كان هذا إشارةَ (انفتاح) من المؤكد أن أمريكا مقصودةٌ بها، ولو أن الحديث كان موجهاً للأوربيين أيضاً، بِحُكم إدراك إيران لدور واشنطن الحاسم والنهائي في صناعة القرارات المتعلقة بالمنطقة، بغض النظر عن الهوامش المتروكة لأوروبا.

هنا أيضًا، خرج المرشد بتصريحات نارية أخرى تتعلق بأمريكا. وكان مما تناقلته وكالات الأنباء منها حديثه عن «الخطوة التاريخية للإمام الخميني في إعطاء لقب الشيطان الأكبر لأمريكا»، متسائلًا: «أي عقل وضمير يسمح أن نُصوّر مجرمًا مثل أمريكا على أنها صديق وجديرة بالثقة؟».. ومُحذرًا من «سياسات أمريكا وأساليبها للتغلغل» في إيران، ومن أن «الشيطان الذي طرده الشعب من الباب، يعتزم العودة من النافذة، وعلينا ألا نسمح بذلك». هذا دون أن ينسى الحديث عن العناصر الضرورية لـ»المواجهة المقتدرة مع العداء الذي لا ينتهي للشيطان الأكبر»، ويؤكد بعد ذلك أن إيران قبلت «التفاوض مع أمريكا في الملف النووي فحسب، ولأسباب معيّنة.. لكننا لم ولن نسمح بالتفاوض مع أمريكا في قضايا أخرى».

لنتأمل، مرةً أخرى، في العبارات والألفاظ والاتهامات الحادة الواردة في كلام المرشد عن أمريكا. ثم نتساءل: هل كانت التصريحات الأولى مدعاةً لأي تأثير سلبي في العلاقات والتفاهمات الأمريكية الإيرانية؟ لا، بكل وضوح. وهذا نصيبُ التصريحات الأخيرة بالتأكيد.

لا يمكن تفسير الظاهرة، كما يُبسُّطها البعض، بغرامٍ مفاجئ بين البلدين يصبح فيه النقدُ عتابَ أحباب. ولا هو اتفاقٌ (أيديولوجي) سري بين الشيعة وأوباما!.. كما يَهرِفُ آخرون.

إنه توزيع أدوار باستراتيجية (الصقور والحمائم) في مجال السياسة، أو (الشرطي الطيّب والشرطي المتوحّش) في مجال التحقيق الجنائي. وهذه استراتيجيةٌ تستجيبُ لها حتى أمريكا، بأكثر مما نتصور، إذا تم استعمالها بإتقان وجدية.

في إطار استعمال تلك الاستراتيجية، جاءت التصريحات السعودية الإيجابية بخصوص الاتفاق النووي خلال زيارة الملك سلمان إلى واشنطن، ومعها فتحُ الباب للاستثمارات الأمريكية. ومن جانبٍ آخر، كان مقصودًا تزامنُ ذلك مع تصاعد الحزم السعودي في اليمن باتجاه الحسم.

بشيءٍ من حسابات (الأخذ والعطاء) السياسي، قد يكون هذا، تحديدًا، الوقتَ المناسب لجرعةٍ مماثلةٍ من الحزم في الموضوع السوري.

======================

تغيير النظام أم تغيير سوريا؟! .. ماجد كيالي

المستقبل

الاحد 13/9/2015

تعرّضت قضية السوريين إلى تلاعبات كثيرة، إذ جرت محاولات عرضها باعتبارها نوعا من حرب أهلية ـ طائفية، أو كنوع من حرب أكثرية على أقليات، في حين أن الأكثرية بالذات هي التي كانت تتعرض للتدمير والإبادة والتشريد. كما عرضت على انها حرب ضد الإرهاب، والجماعات التكفيرية، وبيئاتها الحاضنة، في حين كان النظام يشتغل وفق سياسة الأرض المحروقة، على قاعدة: «الأسد أو نحرق البلد»، مسنودا في ذلك من نظام الولي الفقيه في إيران والميلشيات اللبنانية والعراقية التابعة؛ التي تشتغل كذراع إقليمية له.

الآن، وبعد كل ما مرّ، من أحداث مهولة وتضحيات جمة، تبدو قضية السوريين ازاء طور جديد، من التلاعبات، أولها، يتمثل بمحاولة تعويم النظام، أو إعادة تأهيله، بعد أن استنفد قواه، وشرعيته السياسية والأخلاقية، وهو ما تحاوله إيران وروسيا في المبادرة التي تطرحها كل منهما، على حدة، واللتان ربما تتقاطعان في منطقة ما مع مبادرة المبعوث الدولي ديمستورا. وثانيها، يتمثل بمحاولة تجريد قضيتهم من طابعها السياسي، بتحويلها إلى مجرد قضية انسانية، أو قضية لاجئين، وفي ذلك يتم تمييع هذه القضية، إن بتبرئة النظام المتسبب بهذه الجريمة، بعد أن حول كثيراً من مدن سوريا وقراها، إلى مناطق محاصرة، وإلى حقل رماية لمدفعيته ولبراميله المتفجرة، أو بالتنكر لهؤلاء اللاجئين بوصفهم مشردين، يبحثون فقط عن مكان آمن للعيش، بوصفهم ضحايا حرب مدمرة، أخذت بيوتهم واملاكهم ومصادر عيشهم، كما أخذت بعضاً من أحبابهم. هذا مع علمنا أن قضية اللاجئين السوريين هي نتاج سياسة النظام، في محاولته إعادة رسم الخريطة الديمغرافية السورية، وفي سعيه للتخلص من ما يسميه البيئات الحاضنة للثورة، وأن هذه القضية لم تنشأ اليوم، ولا تقتصر على الذاهبين إلى الدول الغربية، فثمة ملايين اللاجئين منذ أربعة أعوام، في الأردن ولبنان وتركيا ودول اخرى، كما ثمة ملايين من مشردين/نازحين في مدن وقرى سوريا ذاتها.

طبعا، هذا الكلام لا يخفف من تبعات التلاعبات الأخرى، المسؤول عنها ما يسمى معسكر «أصدقاء» الثورة السورية، ولا يغطّي عليها. فمنذ البداية، اشتغلت القوى الفاعلة في هذا المعسكر، عن قصد أو من دونه، على تشجيع التحول للعمل المسلح تحديداً، من خلال الحديث عن أن مدينة حماه أو مدينة حلب بمثابة خط أحمر، غير مسموح للنظام بالبطش بهما، أو عبر الايحاء بإمكان حدوث نوع من تدخل دولي، بفرض منطقة حظر جوي أو مناطق آمنة، ما أدى إلى تقويض السياق الذاتي لتطور ثورة السوريين، وادخالها في مواجهات لم تكن مهيأة لها، ووضعها في مراهنات أكبر من امكانياتها وأكبر من قدرة مجتمع السوري على التحمل.

في ما بعد، أي بعد أن حصل ما حصل، وبعد أن لم يعد ثمة مجال للتراجع، استمر هذا التلاعب، وهو ما تمثل بفرض اطارات سياسية على الثورة السورية، وفرض جماعات عسكرية معينة عليها، ذات طابع أيديولوجي ـ ديني، وحصر الدعم بها، لاسيما على حساب جماعات «الجيش الحر»، وعلى حساب المنشقين عن الجيش النظامي، مع التدخل في كيفية عملها، بتصعيد العمل العسكري حينا، أو بالتخفيف منه حيناً آخر، وبفتح معركة في مكان، أو الانسحاب من مكان آخر؛ وهكذا.

بالنتيجة، فإن عديدا من الأطراف، وبغض النظر عن خطاباتها أو نواياها، اشتغل، كل بطريقته ولأهدافه وبحسب حجمه، بطريقة أدت إلى تقويض سوريا، وتخريب ثورة السوريين، وتفكيك مجتمعهم، مع التأكيد بأن النظام هو الذي يتحمل المسؤولية الأساسية، أولاً، عن اندلاع ثورة السوريين، بإغلاقه كل الطرق الأخرى للتطور. وثانياً، عن التحولات الحاصلة فيها، بذهابه مباشرة نحو استخدم القوة العسكرية والجيش لوأد تطلعات السوريين للحرية. وثالثاً، عن الأهوال والعذابات التي عاشها السوريون، وعن كل مآلات الوضع السوري، وما سيفضي إليه آجلاً أم عاجلاً.

ولعل معضلة السوريين الأساسية، في هذا السياق، أن بلدهم يجاور اسرائيل، وان سوريا ليست بلدا نفطيا، وأنها بلد مفتاحي في المشرق العربي، بمعنى أنها، من بين كل الثورات الحاصلة في مصر وليبيا وتونس واليمن، هي التي تفتح على تغييرات أخرى، في عموم المنطقة، ولاسيما في المشرق العربي، وهو ما لا يلائم عديداً من الأطراف.

وربما، كانت هذه الحقيقة، أو هذا الوضع الدقيق والمعقد والحساس لسوريا، هو وحده الذي يمكن أن يفسّر الصمت المشين إزاء الأهوال التي يتعرض لها السوريون، والتسامح غير المفهوم الذي يلقاه هذا النظام الذي يقتل شعبه ويدمر عمرانه، كما يفسر السكوت عن «الزعرنة» الإيرانية من اليمن مروراً بالعراق إلى سوريا ولبنان.

هكذا بتنا اليوم ازاء الحالة السورية، في مواجهة واقع شاذ وغير مفهوم ولا مقبول، لا سياسياً ولا قانونياً ولا أخلاقياً، فرئيس النظام يعتبر أن «سوريا ليست لمن يسكنها أو يحمل جنسيتها، وإنما هي لمن يدافع عنها»، في محاولته نزع المواطنة عن معظم السوريين، الذين لم يكن نظامه يعترف لهم، من الأصل، بمكانة المواطنين، باعتبار أن سوريا ملكية خاصة، وفقا لشعار: «سوريا الأسد إلى الأبد»، وكأنه ليس فيها لا شعب ولا دولة، ما يفسر كل ما يحصل. وبالمقابل لا يوجد جهد دولي، ولا عربي، فاعل لوضع حد لمأساة السوريين، بمعاقبة النظام، أو بوضع حد للمقتلة السورية.

الأنكى انه فوق كل ذلك، وبدلاً من ترحيل الأسد يجري السكوت عن ترحيل السوريين، وبدلاً من العمل على تغيير النظام يجري العمل على تغيير سوريا. هذا ما يبدو أن النظام الدولي متواطئ عليه، حتى الآن، وهذا ما يبدو الأكثر ملاءمة لرؤية الإدارة الأميركية ولمصالح إسرائيل.

======================

موقفنا : الأرقام الصعبة في المعادلة السورية : الشعب الثائر ثم الشعب الحاضن ثم الشعب المهاجر ثم الثلاثة الذين تعلمون .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 16/9/2015

تثير الحفيظة أحيانا تصريحات متصارعة أو متناقضة ينثرها أصحابها مرة ذات اليمين ومرة ذات الشمال ، يتحدثون عن مشهد لم يكن لهم فيه يوما غير دقل الكلام . كثيرون على الساحات الدولية والإقليمية يظنون أن مناط المشهد السوري في أيديهم ، وأنهم في هذا المشهد فاعلون ، يرفعون ويخفضون ، ويقدمون ويؤخرون ، وينصرون ويخذلون ...

وأسوأ من هؤلاء وأشر قرّاء سياسة يحاولون باسم التحليل السياسي تارة ، والواقعية السياسية أخرى أن يركبوا الموجات العالية ، وأن يزيفوا الواقع ، ويغتصبوا الشواهد ليوظفوها في البرهان على نتائج تخدم أهواءهم ، أو أهواء من يدفع لهم ..

في القراءة الواقعية العلمية العملية السياسية في المشهد السوري ( بشار الأسد ) وحاشيته لم يعد رقما على الإطلاق . وهذه حقيقة سياسية علمية واقعية ومحسومة وليست دعوى رغائبية لكاتب هذا المقال .

بشار الأسد وحاشيته في ذات أنفسهم لم يعودوا رقما على الإطلاق، لا رقما صعبا ولا رقما تافها . حتى عند الطائفة التي يزعمون أنهم يمثلونها . وأول ما ستملك هذه الطائفة أمرها ستنفض يدها من هذا الذي تسبب في مقتل نصف شباب الطائفة حتى الآن . بشار الأسد بعد أشكال التدخل مثلث الرؤوس في سورية لم يعد شيئا مشكورا ، بل هو أشبه بالفزاعة التي يرفعها الفلاح فوق بذاره لتخويف الطيور ، وبشار الأسد اليوم هو مجرد جثمان لتغطية ادعاء شرعية يحتاجها حسن نصر الله والولي الفقيه وبوتين وجنوده المحاربون على الأرض السورية ..

هذه الحقيقة لا يجوز أن تغيب عنا ونحن نسمع وزراء خارجية دول اعتبروا استقبال عشرة آلاف مواطن سوري كبيرَ إنجازهم ، وتصوروا أنه يمنحهم الحق في أن يعلنوا قبولهم لبشار الأسد في المرحلة التي يسمونها الانتقالية ...

الرقم الأصعب في المعادلة السورية ليسوا هؤلاء الذين يزعمون أنهم ينطقون بالوكالة عن الشعب السوري . الشعب السوري عندما ثار لم يستشر من هؤلاء أحدا . واليوم الثورة السورية هي التي تفرض على الجميع مخرجاتها وتحرجهم بالتعامل مع هذه المخرجات والتي أبسطها ملف اللاجئين والمهاجرين ..

الرقم الأشد صعوبة في المعادلة السورية هو إرادة الثوار السوريين القابضين على جمر الثورة ، مع ما هم فيه من معاناة ولأولاء . وهؤلاء هم الذين يحق لهم أن يقولوا : نعم أو أن يقولوا لا ، والذين يحق لهم أن يحددوا الشركاء ويرسموا معالم الشراكات . الرقم الأصعب هم هؤلاء الذين وضعوا أرواحهم على أكفهم وأقسموا أن لن يردهم عن غايتهم إلا النصر . النصر ليس في إطار ( أنا) فئوية ، وليس في إطار أي شكل من أشكال البغي والعدوان بل في راية للعدل ترفرف فوق رأس كل مواطن وإنسان . النصر الذي ينبذ الظلم والفساد ولا يلتحفه ، يحاربه ولا يكتفي بتغيير حامله ..

هؤلاء الثوار الأبطال ومن سبقهم من الشهداء الأبطال وأمهاتهم وآبائهم وزوجاتهم وأبنائهم وبناتهم وإخوانهم وأخواتهم هم الرقم الأصعب في المعادلة السورية التي ستوهي قرون الوعول التي يريدونها بسوء ..

ويأوي هذا الرقم الأشد صعوبة في المشهد السوري إلى رقم صعب أوسع يتمثل في حاضنة شعبية تعد بالملاييييييييييييين من السوريين كما اعترف بذلك ( بشار الأسد ) . وهذه الحاضنة الشعبية على كثرة ما وقع بها وعليها من ابتلاء بالقتل والتدمير والجراح والجوع والتشريد ، وعلى قسوة ما لاحظتْ وراقبتْ من خذلان دولي وإقليمي ما تزال تلهج بصوت واحد : ( ما لنا غيرك يا الله ) وتصفق في وجوه من يراودونها عن الثورة ( الموت ولا المذلة ) وتلعن الذلة ومن سوقها أو أخفى عجزه و جبنه وراءها ..

وبين هؤلاء وأولئك يقف عشرة ملايين مهاجر سوري بالمرصاد لكل محاولة تحاول أن تتستر على الجريمة ، أو تعفي المجرمين من العقاب .

هؤلاء السوريون والذين يشكلون 90 % من الشعب السوري هم الرقم الصعب الذي لن يتنازل عن حق ، ولن يقبل أن يفلت مجرم من عقاب .

ولن يقبلوا أن يكافأ المجرم على جريمته ، أو أن تعود دائرة الثورة السورية إلى نقطة بدايتها ..

هؤلاء هم أصحاب القرار الحقيقي في إطلاق الثورة السورية ، وهؤلاء هم المتضررون الأُوائل من عصابة الجريمة والإثم ، وهم أصحاب المصلحة الحقيقية في الثورة ..

ويبقى السؤال العلمي الموضوعي أليس على الساحة السورية أرقام فاعلة أخرى ؟ نعم هناك أرقام أخرى منها الثلاثة الذين تعلمون...

(( وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ...))

لندن : 2 / ذو الحجة / 1436

16 / 9 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=======================

نعم، سوريا محتلّة .. غازي دحمان

المستقبل

الاحد 13/9/2015

هل بقي شيء من ممارسات الاحتلال لم يجر تطبيقه في سوريا، أو ليست سوريا واقعة تحت احتلال كامل الأوصاف والمعايير؟ طرح هذا السؤال مفيد لناحيتين، الأولى بحثية تقنية، ذلك أن مصطلح الثورة على النظام من الواضح أن الزمن تجاوزه، ولم يعد قادراً على تفسير الحالة الراهنة في سوريا، وفقد دلالاته تالياً، إضافة إلا أنه بات يؤدي دوراً سلبياً لغير مصلحة الثوار ذلك أنه يجري استخدامه لتسليط الضوء على بعض الانحرافات التي ضربت الثورة، ولكنه يبقي النظام محافظا على نقائه الاصطلاحي، ولا يلحظ حقيقة ان هذا الكيان تلاشى في إطار مشروع إقليمي أكبر وأوسع، وصار ما كان يسمى بالنظام، عدا كونه كياناً فوضوياً، مجرد بنية فرعية لبنية أكبر، يتم تحريكها خارجياً، لتحقيق وظائف ذات أثر سلبي على الإقليم السوري.

الفائدة الثانية، البحث عن مقاربات عملانية تتطابق مع واقع الحال، ذلك أن لكل حالة استعداداتها المختلفة كما ان لها استحقاقاتها ومترتباتها، مع ملاحظة أن ترحيل توصيف الحالة السورية من إطار الثورة إلى إطار مقاومة الاحتلال، تستدعي حصول نمط مختلف من المآلات والتسويات، التي تنتهي إليها الأزمة، وذلك بفرض الطرف المحتل طرفاً مقرراً ومعترفاً بحقوقه، التي سيتم انتزاعها في هذه الحالة من خانة مكاسب الثورة، وقد يصار إلى تحصيله امتيازات معينة، لقاء تفكيكه للحالة الاحتلالية، وهو ما حاولت الثورة تجنبه طوال السنوات الماضية.

لكن يبدو أن البيئة الإقليمية والدولية، الحاضنة للحدث السوري، تفرض هذا الواقع على السوريين، إذ تصر الدول الداعمة للنظام (روسيا وإيران) على الحصول على صفة المحتل، ليتسنى لها تثبيت امتيازاتها، ورفع سقوفها التفاوضية، فيما يبدو متناسبا مع قراءتها للحالة على أنها تشكل فرصة لتحقيق مكاسب جيو استراتيجية، في ظل مرحلة انتقالية على صعيد النظام الدولي، ومترتباته الإقليمية والدولية... فرصة يمكن الانطلاق منها والبناء عليها لاستكمال أوراق اعتمادها كقوة فاعلة ومؤثرة.

وللوصول إلى هذه الحالة مورست على الأرض السورية، وبحق السوريين، كل أشكال الاحتلال بنسختها الأخيرة، التي طورتها الصهيونية في فلسطين، من اقتلاع للسكان وتوطين أجانب بدلاً منهم، إلى المجازر الوحشية المتنقلة، بما فيها من ذبح واغتصاب وانتهاك، لإرعاب السكان ودفعهم إلى الهرب، كما ان العنصر الفاعل في كل هذه الحالات (الأداة) هو في الغالب عنصر خارجي، إيراني وتوابعه أو روسي، والعنصر السوري هو جزء من الكرستا المنفذة لقاء أجر آني، ينحصر في الحصول على معاش العناصر ذوي الرتب المتدنية، أو الحصول على جزء من الأرباح، كالمناصب، والسماح ببعض الاستثمارات لأصحاب الرتب الأعلى، بالإضافة إلى أن الأهداف المتوخاة من وراء هذه العملية هي أهداف أجنبية مرتبطة بمشاريع جيو استراتيجية لأطرافها، ولا علاقة للإقليم السوري بها.

لكن لماذا علينا الآن أن نعترف بأننا في مواجهة احتلال، ولماذا المغامرة بإمكانية خسارة جزء من مكاسب الثورة ومنها تكنيس ما يسمى بالنظام، من دون أن يترتب علينا التزامات إقليمية ودولية؟ الواقع علينا الاعتراف أن إيران وروسيا حققتا فائدة كبرى على حساب الثورة، حيث مارستا كل أفعالهما السابقة تحت يافطة مساعدة نظام شرعي، وأن هذا النظام يواجه نمطاً من التمرد، تقوم به فئات وشرائح من السكان، لكن ليس غالبية السكان. وبالتالي فإن النظام وفي إطار القانون الدولي، يحق له طلب المساعدة من دول حليفة، وذلك يندرج في الاتفاقيات التي جرى توقيعها بينه، بوصفه ممثلاً للدولة وبين الدول الأخرى، وتحت هذا العنوان يمكن تقديم كل أشكال الدعم والمساندة، ووضعها في خانة إما تنفيذ تعاقدات سابقة مثل عمليات توريد الأسلحة، أو في إطار تفعيل اتفاقيات التحالف المشترك في أطر الدفاع والحرب.

في المقابل رفض النظام الدولي الاعتراف للمعارضة القيام بمهام دولة، وهو ما جعلها تظهر عاجزة عن القيام بمهام جدية تحولها إلى بديل ممكن للنظام، وجمّد فعاليتها في إطار العمل العسكري، من دون تقديم المساعدات اللازمة، والمعلوم أن العمل العسكري تخللته اختراقات هائلة نتيجة دخول او استدخال قوى غير ملتزمة بالثورة، حيث لم يكن لدى المعارضة القدرة الكافية على ضبط الميدان، المفتوح أصلاً لكل أشكال الاختراق والنشاطات الاستخباراتية المشبوهة. والأدهى من ذلك، أن المجتمع الدولي حمّل وزر كل الخطايا الحاصلة في هذا الميدان على عاتق الثورة!

وفي النتيجة، وضمن المساحة التي حددها المجتمع الدولي لعمل الطرفين، لم يعد ممكناً الاستمرار بمقولة الثورة على النظام لأننا أمام تداعيات أكبر من ثورة وتتوازى مع نتائج حرب يشنها تحالف دولي. حجم الدمار وكوارث التهجير وكمية الدم المهدور قرائن تدل على ذلك. ليست ثورة بل هي مقاومة لاحتلال. كما أن الطرف الآخر ليس نظاماً، بل هو كيان مندمج في إطار القوى الاحتلالية، وإحدى أدواتها التشغيلية ذات التكلفة الرخيصة.

======================

سوريا..لا تغيير في السياسة الأميركية .. غازي العريضي

الاتحاد

السبت 12/9/2015

زيارة العاهل السعودي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز إلى واشنطن حظيت باهتمام سياسي وإعلامي عالمي. جاءت بعد فترة من التباينات والتناقضات في المواقف سببها السياسة الأميركية في المنطقة، والاتفاق النووي مع إيران الذي ولّد مخاوف كثيرة لدى دول الخليج وخصوصاً المملكة العربية السعودية، لم تبدّدها تأكيدات إعلامية متتالية من قبل المسؤولين الأميركيين على ثبات العلاقة مع المملكة، وحرص واشنطن على التفاهم مع حلفائها، والسعي إلى تطمينهم على قاعدة الإصرار على منع إيران من امتلاك السلاح النووي.

بعد الزيارة، صدر بيان رسمي تحدث عن عمق العلاقات التاريخية والحرص على تعزيزها وتطويرها في المرحلة المقبلة. أتوقف عند الشق المتعلق بالأزمة السورية. في البيان تأكيد على حل الأزمة سياسياً على أساس (جنيف- 1)، الحفاظ على المؤسسات الأمنية والعسكرية. الحفاظ على وحدة وسلامة الأراضي السورية. بناء دولة مسالمة تعددية ديموقراطية خالية من التمييز والطائفية، أي تحول سياسي يجب أن يتضمن رحيل بشار الأسد الذي فقد شرعيته.

كل البنود الأولى مستندة إلى البند الأخير. فمع بقاء الأسد لا حل ولا تحوّل. وبالتالي السؤال الذي يطرح نفسه: هل باتت أميركا مقتنعة بالتحوّل الآن؟ وبالتالي برحيل الأسد الآن؟ كيف؟ لا أشك أنها لحظة في صدقية الموقف السعودي وثباته لناحية رفض أي حل بوجود الأسد. المشكلة في أميركا التي تتحدث منذ بداية الأزمة عن فقدان الأسد شرعيته وضرورة رحيله، لكنها لم تفعل شيئاً لذلك سوى أنها ساهمت بسياساتها بتعزيز ذريعته الدائمة المبررة لكل أعمال النظام وإرهابه ضد الشعب السوري بمواجهة «الإرهاب»، فباتت أميركا نفسها تعتبر أن الأولوية هي لمكافحة هذا «الإرهاب». وانكفأت عن دعم المعارضة عندما فرض عليها اللجوء إلى حمل السلاح للدفاع عن نفسها. تارة تحت عنوان الخوف من وقوع سلاحها في أيدي المتطرفين، وطوراً في الدعوة إلى أولوية المواجهة مع «الإرهاب» إلى حد الحديث عن ضرورة توجه المعارضة والنظام معاً لمواجهته، ثم لاحقاً راحت الإدارة الأميركية تتحدث عن المعارضة المعتدلة وبناء القوة العسكرية لها التي لم يبق منها إلا 60 عنصراً خطفت «النصرة» منها ثلاثين! وسميت الفرقة الباقية بـ«فرقة الثلاثين» فيما استمر النظام يتلقى الدعم العسكري المباشر من إيران وروسيا بأشكال مختلفة، ومع ذلك فقد سيطرته على كثير من الأراضي.

الكارثة حلت بسوريا وهي إلى تفاقم: لاجئون في كل أنحاء العالم. مئات منهم يموتون غرقاً على شواطئ العار، وشهداء أبرياء في الداخل بالأسلحة الكيماوية والبراميل المتفجرة. والنزف مستمر!

كيف يمكن للأسد أن يخرج؟ ثمة احتمالات ثلاثة للتحوّل: أن يتحوّل الأسد نفسه ويتنحىّ وهذا مستحيل. أو تسعى روسيا إلى ذلك. وهذا غير ممكن من دون اتفاق مع أميركا على قضايا تخصها هي في أوكرانيا وغيرها، ويبدو بعيداً جداً، رغم مناورة بوتين الأخيرة حول استعداد الأسد لتقاسم السلطة مع المعارضة الصحيحة! روسيا تحمي الأسد في مجلس الأمن. تمدّه بالسلاح وإيران تحميه على الأرض!

في الحل السياسي، لا اتفاق بعد، في ظل تشعب المصالح والأهداف وتناقضها، بين الدول الكبرى والدول الإقليمية، خصوصاً بين أميركا وروسيا، إضافة إلى تركيز أميركا جهدها لفترة طويلة من الوقت على المفاوضات مع إيران حول ملفها النووي، ولم تكن تريد «إزعاجها» بالموضوع السوري! عدم الإسراع في الحل السياسي يعني استمرار الحرب.

في العمل العسكري، لا تبدو أميركا مستعدة لذلك، فيما تضاعف روسيا حضورها العسكري المباشر ودعمها اللامحدود للأسد ونظامه وكذلك تفعل إيران. فكيف يرحّل الأسد؟ هل يتحقق ذلك على يد فرقة الـ30؟ أم نبقى ننتظر قيام المعارضة المعتدلة لتدعمها الإدارة الأميركية، ولا يبقى شيء في سوريا حتى تلك الساعة مع استمرار الحرب؟ لا حل في السياسة، ولا حل بالقوة؟ كيف يخرج الأسد؟ لن يستمر هذا النظام مهما طال الزمن واشتدت المصاعب على الشعب السوري. هي حقيقة تاريخية، ونتيجة موضوعية لمسار الأحداث. لكن كلما طال الوقت، بات الخطر على وحدة وسلامة الأراضي السورية، وعلى تفاقم المذهبية والطائفية وسقوط الدولة ومؤسساتها أكبر!

كل ما جرى حتى الآن كان منسجماً مع السياسة الأميركية ورزنامة إدارة أوباما وبرنامجها ومع المصالح الإسرائيلية، فحيث كان ثمة ضرورة للتشدّد، فعلت أميركا. وليس فقط بمشاركة روسية، بل بطلب روسي مثل تسليم الأسلحة الكيماوية ونفذت إسرائيل ضربات ميدانية استهدفت مواقع عسكرية ومخازن أسلحة، وغير ذلك.

حتى الآن لا أعتقد أن أميركا غيّرت سياستها، ولذلك سيكون الصراع أكثر حدة، وسيشهد فصولاً جديدة حامية. آخر مظاهرها كان اغتيال الشيخ وحيد البلعوس في جبل العرب، وما تركه من انعكاسات كشفت لعبة النظام وحلفائه!

لإنقاذ سوريا وحماية وحدة وسلامة أراضيها ومؤسساتها ينبغي الإسراع في الحل الذي لا دور للأسد فيه، بسبب أميركا لا نزال بعيدين عن هذا التوجّه. الشعب السوري لم يقصّر في كفاحه وتضحياته. وكثيرون ما زالوا ولا يزالون صادقين في دعمه، لكن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق إدارة أوباما!

وزير سابق ونائب حالي في البرلمان اللبناني

======================

سِفر الخروج السوري .. د.خالص جلبي

الاتحاد

السبت 12/9/2015

تجري حالياً حرب عالمية بالوكالة، يدفع ثمنها السوريون في أفظع كارثة بعد الحرب العالمية الثانية، مع تصدع كامل الدولة السورية حسب الشاعر «أدونيس» فإن ثلث الشعب السوري هاجر، وهو ليس بشعب سوري ثوري ذلك الذي يترك بلده! هاجر أو هُجّر! والفرق عند شاعر الحداثة حرف! وفي نهاية أغسطس من عام 2015 مع نزوح جموع «الدياسبورا» السورية هائمين على وجوههم في غابات المجر ومستنقعات الصرب وبعوضها، وإعلان رئيس وزراء المجر البراءة منها ثلاثاً إحداها بالأسلاك الشائكة، واستعداد بلجيكا لاستقبال المسيحيين فقط منهم، ارتّجت أوروبا لإعلان وسائل الإعلام عن اختناق سبعين إنساناً سورياً منهم أطفال بعمر الورد في شاحنة بهائم، ماتوا متعانقين في ظلمات الشاحنة وبردها.

ماتوا في قلب أوروبا التنوير والعقلانية! فكانوا جسر عبور للهاربين من جحيم البراميلي بشار الأسد، حين أعلنت ميركل استعدادها لاستقبال 800 ألف من الشاردين الهاربين.

لقد صدق البراميلي (بشار) في اثنتين، وكذب في كل شيء، كما وصفه الإبراهيمي حين سألته مجلة «در شبيجل» الألمانية هل يعلم بما يجري؟ أجاب: يعلم الكثير الكثير: صدق في «الأسد أو نحرق البلد».وصدق في جملة «ستكون حرباً عالمية هنا».وهي حالياً حرب عالمية بالوكالة، يدفع ثمنها السوريون في أفظع كارثة بعد الحرب العالمية الثانية، فانهمر الدم مدراراً، مع تصدع كامل الدولة السورية، مترافقاً مع تدمير أكثر من مليون منزل وآلاف المدارس والمآذن.

ولكن هل نحن إزاء خطة أكبر مما نتصور، عن تفريغ سوريا وتغييرها ديموغرافياً، كما فعل بنو صهيون في فلسطين والصرب في البوسنة، ويُفعل في الزبداني حالياً.

أذكر من مجلة الشيفرة Code نادرة التوزيع، التي تصدر في سويسرا باللغة الألمانية، أن الصهاينة والنازيين كانوا يتعاونون في إرعاب اليهود للهرب إلى فلسطين.

ونحن حالياً أمام تحول كوني، يعلو فيه بنو صهيون والفرس علواً عظيماً، وسيكون مصير الشرق الأوسط بين هاتين القوتين.

وعلينا ألا نستخف بالإيرانيين فهم قوم يجيدون حياكة السجادات والمؤامرات.

طبعاً في قضايا انتهت في التاريخ.

يبدو كما قال المفكر السوري صادق جلال العظم أننا سنمر في هذه المخاضة من الجنون الطائفي لتُولد الحداثة، كما حصل في حروب الثلاثين عاماً في أوروبا (1618-1648 بين «تكفيرين» حسب المصطلحات الجديدة لنصر الله وخصومه، كما كانوا من قبل يقولون بالنواصب والرافضة، فقد تبدلت الكلمات ولم تتبدل المعارك العبثية!

في تقديري أن السنوات العشرين المقبلة قد تحمل أخباراً غير سارة للعرب.

وفي الذهن هنا كثير عن تغول التدخلات الإقليمية من قبل إيران مثلاً وشهيتها للتوسع والتدخل في شؤون بعض دول المنطقة الأخرى.

وفي التاريخ كثير من المواعظ والعبر حول المآل البائس لسياسات التدخل والتغول بصفة عامة.

وفي ذلك عبرة لمن يعتبر.

ويمكن الحديث هنا عن كثير من التنبؤات من هذا القبيل وردت في بعض الكتب ذائعة الصيت تحت مفهوم العالمية الثانية.

وأنصح القارئ بالاطلاع على كتاب المؤرخ الأميركي الشهير بول كينيدي «صعود وسقوط القوى العظمى في القرون الخمس الماضية».ولعل فكرة الكاتب في المستطاع اختصارها بإيجاز شديد في جملة واحدة هي ما يمكن تسميته «شهوة التوسع»، لأنها هي المصيدة التاريخية لكل من يسعى للتوسع والتدخل في شؤون الآخرين، وهي مقتل كل القوى ذات المنزع التوسعي أو الإمبراطوري، وسوف تنتهي أميركا بالداء نفسه بعد أن انهارت قبلها بعقود عدة مملكة الشر بتعبير ريجان، أي الاتحاد السوفييتي السابق، وهو مع ذلك كان قوة عظمى هائلة تملك قدرة ووسائل دمار كافية لتدمير العالم كله عشر مرات.

======================

أيهما أرحم: الأنظمة القومجية العربية أم الاستعمار؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 12/9/2015

هل لاحظتم أن كل الأنظمة «القومجية» التي رفعت شعار الوحدة العربية لم تستطع في النهاية أن تحافظ على وحدة بلدانها، فما بالك أن تجمع شمل العرب أجمعين تحت راية واحدة؟ مفارقة عجيبة جداً. ولعل أشهر من رفع شعار الوحدة هم البعثيون بفسطاطيهما السوري والعراقي. وانضم إليهما طبعاً الفسطاطان القذافي «الجماهيري» واليمني القومي-قبلي. ولو نظرنا إلى حال سوريا والعراق وليبيا واليمن لوجدنا أنها الأكثر عرضة للتمزق والتفتت والتفكك على أسس طائفية ومذهبية وعرقية وقبلية.

لا شك أن بعض «القومجيين» «بتوع الصمود والتصدي والمماتعة والمقاولة ومقارعة الامبريالية والصهيونية» سيظهرون لنا فجأة ليتهموا المؤامرات الكونية التي تريد تمزيق المنطقة على أسس فئوية ومناطقية وطائفية وعرقية. وبالطبع لن نختلف أبداً مع «القومجيين» الذين يتهمون المتآمرين بتقسيم المقسّم وتجزئة المجزّأ. لا بل يمكن أن نزايد عليهم في اتهام إسرائيل وأمريكا في شرذمة العالم العربي وتحويله إلى دويلات. ووثيقة «كيفونيم» الإسرائيلية أكبر شاهد على المحاولات الإسرائيلية لتمزيق المنطقة. لكن لو نظرنا إلى حال الدول القومجية لوجدنا أن أكثر من عبث بتركيبتها الطائفية والمذهبية والقبلية هي الأنظمة «القومجية الوحدوية» المزعومة التي كانت ترفع شعارات وحدوية، بينما على أرض الواقع كانت تمارس أحقر أنواع السياسات الاستعمارية الطائفية على مبدأ «فرق تسد» كي تعيش على تناقضات شعوبها. فكلما تعمقت الشروخ الطائفية والقبلية والمذهبية والعرقية في البلدان «القومجية» ضمن طواغيتها فترة أطول في السلطة. ولو نظرنا إلى حال اليمن وسوريا والعراق وليبيا لاتضح لنا الأمر بجلاء.

لا يمكن لأي نظام فئوي أن يبني دولة وطنية، فما بالك أن يدعو إلى الوحدة بين الدول. في سوريا مثلاً رفع النظام شعاراً قومياً عريضاً، بينما كان في الواقع يحكم على أساس طائفي لا تخطئه عين. ولو سألت أي سوري بسيط لأعطاك مئات الأمثلة على أن النظام السوري له علاقة بالوطنية كما أنا لي علاقة بكوكب المشتري، فما بالك أن يكون قومياً. عندما يقوم النظام بتفضيل طائفة أو جماعة على أخرى، ويسلمها كل المقاليد العسكرية والأمنية في البلاد، فهذا يعني ضمنياً أنه يقوم بالتحضير لتفتيت البلد على أساس طائفي لاحقاً. فمهما طال الزمن لا بد لبقية الطوائف ومكونات المجتمع أن تتململ، وربما تنتفض ضد الأقلية الحاكمة أو المسيطرة. وهذا ليس اكتشافاً جديداً، بل أمر بديهي جداً، فعندما تضيق الطوائف ذرعاً بتصرفات أي فئة مهيمنة، فلا بد أن يحدث التصادم، وربما الحرب الأهلية. وهذا بالنتيجة سيؤدي إلى تفتيت البلاد على أسس طائفية ومذهبية وعرقية وقبلية. وهذا ما يحدث الآن في سوريا بالضبط. حتى النظام يعترف أنه يواجه حرباً أهلية طائفية. ولو كان النظام السوري وغيره من الأنظمة القومجية قد بنى دولة لكل مواطنيها أساسها المواطنة، لما انتفض قسم من الشعب على القسم المهيمن، لأن المواطنة تضمن للجميع حقوقهم، بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية والفئوية الضيقة.

لاحظوا أن اكثر نظامين تشدقا بالوحدة العربية كانا النظامين السوري والعراقي، مع ذلك فقد وصل الأمر بالنظام البعثي السوري إلى السماح للسوريين بزيارة كل دول العالم ما عدا العراق. وكل السوريين يتذكرون عبارة «مسموح السفر لحامل هذا الجواز إلى كل دول العالم باستثناء العراق». لقد وصلت العداوة بين النظامين البعثيين السوري والعراقي إلى حد القطيعة الكاملة. فإذا كان الفسطاطان البعثيان لا يستطيعان الوحدة، فكيف كانا يريدان توحيد العرب من المحيط إلى الخليج؟ وكما نلاحظ الآن، فإن سوريا والعراق يواجهان خطر التقسيم والتشرذم أكثر من أي بلد آخر. وكذلك اليمن وليبيا بتوع «القومية». بعبارة أخرى، فإن رافعي شعار الوحدة العربية، لم يفشلوا فقط في تحقيق شيء من شعارهم الفضفاض، بل فشلوا أيضاً في تحصين بلادهم ضد التقسيم والتفتيت. وبينما استطاعت بقية الدول العربية أن تحافظ على نسيجها الوطني، ها هي سوريا تتشرذم. والأنكى من ذلك أن النظام «القومجي» لم يعد يُخفي ألاعيبه الطائفية القذرة، فقد أوعز لإيران بأن تتلاعب بتركيبة سوريا الديمغرافية على أساس مذهبي. فكلنا سمعنا عن المفاوضات التي تجريها إيران مع جيش الفتح في الزبداني كي ينتقل سكان الزبداني السنة إلى إدلب السنية، وأن ينتقل سكان الفوعا وكفريا الشيعة من إدلب إلى الزبداني لتجميع الشيعة حول دمشق. يا هيك القومية العربية يا بلاش. وفي دمشق وريفها يتم تهجير بعض سكان بالمنطقة بحجة بناء ناطحات سحاب إيرانية، بينما الهدف الحقيقي تغيير التركيبة السكانية للعاصمة، كما فعلوا من قبل مع العاصمة العراقية بغداد وحزامها. والسؤال الأكثر كوميدية وفضحاً للمتشدقين بالقومية: كيف يرفع النظام السوري البعثي شعار الوحدة والقومية العربية، بينما يتحالف استراتيجياً مع ألد أعداء العرب، وهم الفرس؟

وفي ليبيا نجد أن النظام الساقط لم يكتف بالدعوة إلى الوحدة العربية، بل أراد أن يوّحد أفريقيا أيضاً، مع العلم أنه كان في الواقع يعيش على تناقضات وتناحر القبائل الليبية، فكان يحرّض قبيلة أو منطقة ضد أخرى كي تبقى البلاد تحت سيطرته على مبدأ: فرق تسد. وقد لاحظنا كيف تشظت ليبيا بعد سقوط النظام، لأنه لم يصنع دولة وطنية، بل دولة قائمة على صراعات عشائرية وقبلية.

وآخر مثال على الأنظمة القومجية التي تاجرت بشعار الوحدة، بينما كانت تدق الأسافين بين شعوبها نظام المخلوع علي عبد الله صالح في اليمن، الذي أدت سياساته اللاقومية واللاوطنية إلى شرذمة اليمن وربما تمزيقه إلى مقاطعات ودويلات لا سمح الله.

أخيراً: أليس من حقنا أن نسأل: هل هناك فرق بين الأنظمة القومجية العربية والاستعمار؟ نعم. لقد كان الاستعمار أرحم من القومجيين، فعلى الأقل قسمنا إلى دول بينما الأنظمة القومجية رفعت شعار الوحدة العربية، بينما كانت على الأرض تقسم المقسّم وتجزئ المجزأ إلى دويلات طائفية وقبلية ومذهبية وكانتونات عرقية كما يفعل النظام الطائفي في دمشق. وستكون الخطة باء في سوريا شاهداً على ذلك. انتظروها.

٭ كاتب وإعلامي سوري

======================

العطار الروسي أمام دهر النظام السوري .. صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 12/9/2015

المنصت إلى أحدث تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، بصدد التصعيد الأخير في حجم ونوعية وجود روسيا العسكري في سوريا عموماً، وفي منطقة الساحل السوري خصوصاً؛ لن تفوته ملاحظة حسّ المقايضة الذي نهضت عليه تبريرات ذلك الوجود: إذا انضمت أستراليا، ثمّ بريطانيا، إلى دول التحالف التي تقصف «داعش» من الأجواء السورية، فلماذا تُلام موسكو إذا تواجدت على الأرض السورية، أقوى من ذي قبل، بهدف… محاربة الإرهاب؟ روسيا تقدّم أسلحة إلى العراق، أيضاً، فلماذا يُثار الضجيج حول سوريا وحدها؟ روسيا، على الأقلّ، ترسل «خبراء» عسكريين إلى سوريا لتدريب الجيش السوري ـ القوّة الأهمّ في مواجهة الإرهاب، حسب لافروف ـ على المعدّات العسكرية الجديدة؛ فماذا، في المقابل، تفعل أمريكا ودول أوروبا، وهم «شركاء» موسكو في الحرب ذاتها، ضدّ الإرهاب دائماً؟

قد تكون هذه حصيلة منصت مستجدّ، يقرأ تصريحات لافروف في المستوى الظاهر من مدلولاتها، حيث تكون المراوغة الدبلوماسية بمثابة الدليل اللغوي الوحيد لاستنباط المعنى؛ فيبدو التصريح متماسكاً، والمنطق خلفه سليماً. وأمّا إذا كان المنصت متدرّباً، في الحدود الدنيا، على حذلقات لافروف إجمالاً، وعلى فذلكاته بصدد الملفّ السوري تحديداً؛ فإنّ الحصيلة الوحيدة الجديرة بالاستنباط هي التالية: نحن نذكّر العالم ـ ويُفضّل أن يبدأ ذلك العالم من أوكرانيا، قبل أن يمرّ بسلسلة هموم موسكو حول أسعار النفط وسوق السلاح والاقتصاد المتعثر… ـ بأنّ موسكو تنوي البقاء كلاعب أساسي في الملفّ السوري، ليس حتى ربع الساعة الذي سيسبق سقوط نظام آل الأسد، بل خلال أية سيرورة متفق عليها (مع موسكو، بالضرورة) لتفكيك بنية النظام ومؤسساته الأمنية والعسكرية، وأية مرحلة انتقال سياسية لاحقة (ومن هنا عجيج لافروف الدائم، حول «التطبيق الحرفي» لتفاهمات جنيف ـ 1).

وليس التركيز على منطقة الساحل، دون سواها، إلا إشارة واضحة على أنّ حصّة موسكو المقبلة في «الكعكة» السورية، حين تنضج بالطبع، تُصاغ اليوم، وليس غداً، ضمن صفتَين متكاملتين: أنها متواضعة من جهة أولى (لأنها لا تطلب إلا التواجد في القاعدة البحرية القديمة إياها، وفي مطار حميميم)؛ وأنها واقعية، من جهة ثانية (لأنها تقرّ، في نهاية المطاف، بحتمية سقوط النظام). وأغلب الظنّ، بهذا المعنى، أنّ الاستخبارات الروسية اقتنعت، ثمّ أقنعت الكرملين، بأنّ الأسد ينوي أن تكون منطقة الساحل، وربما طرطوس بادىء ذي بدء، بمثابة ميادين تُخاض عليها آخر معارك النظام، وأشدّها دموية وعنفاً وشراسة؛ الأمر الذي يستوجب وجود كتيبة روسية واحدة على الأقلّ، وحاملات جنود مدرعة، وبرج مراقبة جوية نقّال، ومنشآت إيواء مسبقة الصنع…

فإذا جازت هذه القراءة، واتضحت معطيات أخرى لاحقة تؤكد أرجحيتها، فإنّ المنطق المقترن بها سوف يشير إلى أنّ التصعيد الأخير في الوجود العسكري الروسي لا يستهدف حماية النظام من السقوط (ليس بقرابة 50 جندياً روسياً، وحاملتَيْ دبابات، وأربع طائرات شحن…!)؛ بقدر ما يخطط لإدارة المصالح العسكرية الروسية بعد السقوط، ليس في طول سوريا وعرضها بالطبع، إذْ أضحى ذلك بعيد المنال عملياً، بل في بقعة واحدة محددة، ومحدودة، هي شريط طرطوس البحري، ومطار حميميم. وثمة منطق عسكري محض يسوّغ التركيز على هذا الجزء من منطقة الساحل السوري، فالقاعدة الروسية قديمة أوّلاً، وظلّت قيد التشغيل على الدوام؛ وقدراتها المستقبلية في تخديم المصالح الروسية، العسكرية والتجارية، لا يُستهان بها، فضلاً عن كونها قابلة للتطوير؛ كما أنها، حين تخسر موسكو حليفها الراهن، ورقة تفاوض جدّية مع الأطراف كافة: سوريا المستقبل، مثل مختلف الرعاة العرب للمعارضات السورية؛ وإيران، مثل تركيا؛ والولايات المتحدة، مثل إسرائيل…

هي، من جانب آخر، ورقة ثمينة لتعزيز حصة موسكو في رعاية التسوية الكبرى القادمة، أسوة بالتسويات الصغرى التي ستسبق أو ستلحق؛ على نحو لن ينحصر في الأدوار التي لعبتها روسيا حتى اليوم، سواء في مؤتمرَي جنيف، أو التفاوض الثنائي مع واشنطن، أو جلسات تحضير الأرواح التي عقدتها موسكو لأطراف المعارضة السورية، «الداخلية» منها أو «الخارجية». وفي ضوء خلاصة كهذه، فإنّ موسكو تعتمد اليوم ما يشبه «الخطة ب»، القائمة على إدارة اندحار النظام وليس انتشاله من الهاوية، لأنها بين أفضل مَنْ يجيدون قراءة هزائم القوات الموالية للأسد؛ ليس تلك الدراماتيكة، ذات القراءة اليسيرة (مثل سقوط معسكر القرميد، ومطار أبو الضهور مؤخراً)، فحسب؛ بل تلك المعقدة، التي يفقه عواقبها الخبراء الروس قبل سواهم (في الغوطة، وجوبر، ودرعا، وحلب…).

لكنّ نوايا موسكو الراهنة، وتصعيد الوجود العسكري ليس سوى ذروة استعراضية فيها، سبقتها استعراضات اجتماعات موسكو الكاريكاتورية مع عجائب أطراف المعارضة السورية؛ شيء مختلف، كلّ الاختلاف، في العمق الاستراتيجي قبل أية تكتيكات مؤقتة، عن ترجمة تلك النوايا على أرض الواقع. وفي هذا فإنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتنطع اليوم لوظيفة ذلك العطّار الذي خصّته الحكمة العتيقة بامتياز العجز عن إصلاح ما أفسد الدهر: لا هو بصدد خوض معارك عسكرية في الحصون التي يراها النظام خنادق قتال أخيرة، ولن يفلح جنوده ودباباته وناقلاته المدرعة في الحيلولة دون اشتعال النار في مآويهم مسبقة الصنع إياها. أفغانستان واحدة لم تكن كافية لكي تبلغ المؤسسة العسكرية والأمنية الروسية نقطة طموح قصوى في التدخل العسكري الخارجي؛ كما أنّ أوكرانيا، التي بدأت على هيئة اختبار للمغامرة الخارجية، انقلبت إلى سيف مسلط على رأس الكرملين، وأمثولة قياس محمّلة بالكثير من الدروس والعبر.

وقبل أشهر قليلة تباهى بوتين بأنّ بلاده أنفقت 20 مليار دولار لتنظيم الألعاب الأولمبية الشتوية، وحقّ القول بأنّ انخراطه الشخصي في سوتشي لا سابق له في التاريخ إلا حماس أدولف هتلر للألعاب الصيفية في برلين 1936؛ حسب تعبير غاري كاسباروف، بطل الشطرنج العالمي الأسبق. لكنّ «الهدنة الأولمبية»، التي حلم بها في سوريا، استُبدلت بكابوس مريع ومباغت؛ ليس في دمشق وحلب وإدلب ودير الزور، بل في واحدة من أهمّ الباحات الخلفية للاتحاد الروسي، في «الميدان» الأوكراني دون سواه، وفي قلب العاصمة كييف، حين سقط العشرات في مواجهات دامية بين الشرطة والمعتصمين.

وحين يجزم بوتين بأنّ ملايين اللاجئين السوريين لا يهربون من نظام الأسد، بل من «داعش»؛ ثمّ ينوب عن الأسد في خداع العالم، فيعلن أنّ الأخير وافق على اقتسام السلطة؛ فإنه يتغافل تماماً عن جرائم النظام الوحشية في أربع رياح سوريا، واستخدام النيران الثقيلة كافة، المدفعية والصاروخية والجوية (الروسية، إياها!)، وصواريخ الـ»سكود» بعيدة المدى، والبراميل المتفجرة، والأسلحة الكيميائية… ضدّ شعب أعزل عملياً. وحين يطالب باحترام القانون الدولي، وعدم شنّ الحروب على الآخرين إلا دفاعاً عن النفس أو بتخويل من مجلس الأمن الدولي؛ فإنّ بوتين يتناسى تماماً الدور العسكري الروسي المباشر في حرب القوقاز وغزو جورجيا، صيف 2008 حين كان رئيساً للوزراء، بذريعة حماية المواطنين الروس، والتدخّل بالنيابة عنهم في أوستيا وأبخازيا.

هذه محض أمثلة على سلسلة مآزق لا يختزلها أيّ حسّ للمقايضة مع الولايات المتحدة أو الغرب، خاصة بصدد رهان اسمه بشار الأسد، لم يعد خاسراً وخائراً وآيلاً إلى سقوط فقط؛ بل تناهبته المطامع الخارجية، وتناهشته الذئاب ذاتها التي لجأ إليها لحمايته، فلم يبق لموسكو إلا الفتات من الكعكة.

.. وعطّار، هيهات له أن يصلح ما أفسد الدهر!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com