العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 20-03-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

بوتين يقرر... والأسد يمتثل .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 17-3-2016

إعجاب فلاديمير بوتين بالعروض المسرحية وحرصه على إذهال «المشاهدين» لا يحولان دون واقعيته عندما يتعلق الأمر بمصالح «الروسيا» العليا. فالدخول الاستعراضي الى الحرب السورية والخروج المماثل منها، وإحاطة القرارين بالكثير من التشويق والغموض، لم تخف جميعها أن الغرض منهما كان روسياً، وروسياً فقط، وأن بشار الأسد كان مضطراً، لضعفه، ان ينصاع مرتين: عندما جاء الجيش الروسي ليوقفه على رجليه، ثم عندما تركه لا يستطيع السير من دون عكازين صنعهما له.

جاء قرار موسكو بالتدخل ليحقق مجموعة أهداف بينها استعادة دور ما على الساحة الدولية بعد عزلة تسبب بها التدخل في أوكرانيا وجورجيا واقتطاع جزء من دولتين أوروبيتين، ولو من «الدرجة الثانية». وجاء ايضاً بعدما تأكدت موسكو من أن الجيش النظامي السوري الذي دربته وسلحته ويواليها كبار ضباطه بات على وشك الانهيار او تغيير الخيارات، ما يهدد نفوذها في سورية. وكذلك لأنها اعتبرت أن الفرصة سانحة لإجراء مقايضة في الملفات مع الأوروبيين المرتبكين والأميركيين المنسحبين من المنطقة.

وكان الإخراج في المرتين مسيئاً جداً الى هيبة الأسد، إذ استدعي وحده الى موسكو ليلاً وأبلغ بقرار التدخل الذي اتخذ ولم يعد أمامه سوى الانصياع. وبدا من نشر الكرملين نص الاتفاق من جانب واحد، أن موسكو تتقصد إظهار تحكمها بالتفاصيل كأنها تقول إن من يريد التفاوض حول سورية فليأتِ إليّ. ولم يستطع ادعاء الأسد انه هو من طلب التدخل الروسي تغيير هذا الانطباع.

ثم جاء إعلان بوتين قراره سحب الجزء الأكبر من قواته الجوية بعدما استنتج أن العملية في سورية «حققت أهدافها»، وقول الكرملين إن الأسد أُبلغ بالقرار ليوضح أن موسكو اتخذته وحدها. ومرة ثانية لم ينجح ادعاء دمشق أنها طلبت من الروس «تقليل نشاطهم الجوي» في تأكيد أي مشاركة لها في صنعه. فالروس يحاورون الأميركيين والأوروبيين، ويحمون مصالحهم معهم، وليس على الأسد سوى تقبل النتائج طالما أن وضعه على الأرض لا يسمح له بأكثر من ذلك.

لكن لماذا الانسحاب وما المصلحة الروسية التي أملته؟ من الواضح أن بوتين رأى أن من الأفضل سحب قواته وهو في قمة الاستفادة من تدخلها قبل أن يبدأ الثمن الذي يدفعه في الارتفاع، بعدما تبين أن ورقتي الضغط اللتين أتاحهما وجوده المباشر في سورية استنفدتا غرضيهما: الأولى كانت ورقة المهاجرين ضد اوروبا والثانية ورقة الأكراد ضد تركيا.

فبعد الاتفاق بين أوروبا وتركيا على تولي أنقرة «حراسة» حدود الاتحاد في مقابل بدل مالي، لم تعد بروكسيل في حاجة الى تخفيف عقوبات فرضتها على موسكو بعد أزمة أوكرانيا كي توقف ضرباتها الجوية في سورية، والتي تسببت في دفق جديد للاجئين هدد الوحدة الأوروبية. ولم تلمس موسكو أي مؤشرات الى إمكان تغيّر وشيك في الموقف الأوروبي.

أما الضغط على تركيا والمعارضة السورية عبر محاولة وصل الجيبين الكرديين في شمال سورية لإقامة «منطقة عازلة» بين حدود الدولتين تضعف المعارضة وتقطع طرق إمدادها، فلم تفلح بسبب التهديد السعودي والتركي، ولتفضيل الأكراد العلاقة المستجدة مع الأميركيين الذين نصحوهم بانتظار انتهاء الحرب على «داعش» قبل نيل أي «مكافأة» فعلية. ويعرف أكراد سورية أن الأميركيين وحدهم يستطيعون مساعدتهم في تثبيت وتوسيع الحكم الذاتي الذي اقاموه بعدما دعموا بنجاح قبلهم أكراد العراق.

حاول نظام الأسد خلال الفترة الفاصلة بين التدخل والانسحاب الروسيين أن يدعي لنفسه القدرة على فرض شروطه، فتحدث عن «تحرير» كل سورية وعن رفض أي تفاوض حول انتخابات رئاسية او حكومة انتقالية بصلاحيات واسعة، لكن قرار بوتين جاء ليؤكد أنه ليس على استعداد لمواصلة دفع كلفة حرب غير مضمونة النتائج، وأن اتفاقه مع واشنطن على إيجاد تسوية قد تقود الى الفيديرالية أهم بالنسبة اليه من رغبات الأسد الذي عليه الامتثال. أما مصلحة سورية فليست عند أي منهما.

======================

موقفنا: أكثر من خمس مائة هاتف إلى قاعدة حميميم.. تناشد الروس البقاء، الروس أعادوا تموضعهم ولم يرحلوا .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 20-3-2016

التاريخ لا يعيد نفسه ، الناس هم الذين يعيدونه . والوثيقة التاريخية المحفوظة في الخارجية الفرنسية والتي ناشد فيها زمرة من سموا أنفسهم يوما ( وجهاء ) ، المستعمرَ الفرنسي البقاء في سورية تسجل اليوم بأصوات حية تنضح بالعمالة والإثم. المناشدة الجديدة ، غير الاستدعاء المباشر ، الذي أقدم عليه بشار الأسد مستبد سورية وقاتل إنسانها ، وهادم عمرانها . المناشدة الجديدة الآثمة الخطيرة هي ما أعلن عنه الجنرال الروسي ( سيرغي كورالينكو ) رئيس مركز التنسيق للمصالحة في قاعدة حميميم العسكرية ، حيث اعترف الجنرال المذكور ( إن أكثر من خمس مائة اتصال تلقته القاعدة الروسية في حميميم من مواطنين يريدون معرفة مدى صحة الأخبار المتعلقة بتخفيض عداد القوات ) . ويضيف الجنرال الروسي في إعلانه الصريح ( إن روسية متفهمة قلق السوريين وإن قرار التخفيض – تخفيض القوات الروسية - لا يهدف إلى وقف العمليات العسكرية وإنما جاء بالتنسيق الكامل مع الرئيس بشار الأسد . وما زال عدد الطائرات كاف لمراقبة الأجواء السورية ، ولضمان حسن سير الهدنة . وروسية ماضية في دعمها للقوات الروسية في حربها ضد التنظيمات الإرهابية . )

ومع ما تتحمله هذه الرسالة التطمينية من تغرير بالحديث عن تنسيق كامل مع بشار الأسد ، نفاه الرئيس بوتين بصراحة فجة . فإن ما يشكله هذا التصريح من دلالات خطيرة ، إنما تحمل تأكيدات نكدة عن طبيعة الدور الوظيفي الذي رهنت هذه الزمرة من الناس نفسها له ، وعن الفصول المتبقية من المهمة الروسية.

إن الاندفاعة الحالمة وراء عنوان الانسحاب الروسي من سورية يجب أن تتوقف . ويجب على جميع القوى السورية أن تعيد تقويم موقفها بالعمل الوطني الجاد لفرض جلاء كامل للقوات الروسية عن الأرض السورية . ولوقف جميع أشكال التدخل الخارجي في سورية أرضا وجوا وبحرا ، تحت أي ذريعة من الذرائع .

إن تمكين الثورة السورية وثوارها الممثلين الحقيقيين للشعب السوري من وسائل المقاومة المجدية هو الكفيل وحده بإسقاط الإرهاب والإرهابيين من مختلف الهويات .

إننا بالعودة الواعية إلى الإعلان الأول للانسحاب الروسي ، والتوقف عند كونه لن يكون كاملا، وتأكيد هذا الإعلان أن الروس سيحتفظون بقواعدهم العسكرية على الأرض السورية ندرك بكل وضوح أن الاحتلال الروسي لسورية ما يزال قائما . وأن كل الذي حصل في سورية إنما هو إعادة تموضع ، أو إعادة انتشار .

كما إننا بالتوقف الواعي عند تصريحات الرئيس بوتين الأخيرة التي أكد فيها أن قواته التي غادرت سورية قادرة على العودة إلى سورية خلال ساعات . وتأكيده أن بلاده ستواصل تقديم كل أشكال الدعم للنظام في سورية بما فيها الدعم العسكري والاستخباري ، وبما يضمن بقاء توازن القوة . ومؤكدا بقاء منظومات ( اس 400 ) ( وبانتسير ). يجعل استرسالنا بالفرح والغبطة والتأييد والتحبيذ بأن الاحتلال الروسي لوطننا قد انتهى نوعا من السذاجة السياسية والتغرير بمواطنينا .

إننا بالمتابعة اليومية لعمليات القصف التي يوزعها الروسي حسب مخطط مرسوم لكل الأرض السورية ، والتي أكدها سيرغي رودسكي مدير العمليات لهيئة الأركان العامة في سلاح الجو الروسي من أن القوات الروسية الجوية تواصل ضرباتها ضد أهدافها بمعدل 20 – 25 طلعة جوية ؛ ندرك أن الاحتلال الروسي ما يزال يلعب في سورية لعبته المريبة. وأنه بعد أن أدت أسراب طائراته المرحلة الأولى من أهدافها . بقي في سورية من القوات والقواعد ما يكفي لتحقيق المرحلة الثانية من المخطط المريب.

إن معرفة الأخطار هو الخطوة الأولى على طريق تلافيها , وإن على النائمين في العسل أن يدركوا حقيقة المؤامرة التي يتعرض لها الشعب السوري . وأن يستعدوا للتصدي لها وإسقاطها . بحسب ما تقتضي منهم المهمة التي تصدوا لها.

إن الاحتلال الروسي لسورية لا يزال حقيقة واقعة . وستكون لهذا الاحتلال تداعياته وآثاره الخطيرة ليس فقط في صورة ما بدأ به الذين اجتمعوا للإعلان عن فيدراليتهم في الشمال والشرق ، بل إن الأخطر من كل ذلك ما قاله المتصلون الخمس المائة في حديثهم إلى قاعدة حميميم مما لم نحط بكنهه بعد ...

أيها السوريون هؤلاء أعداؤكم قد جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وقد أحاطوا بكم فخذوا حذركم ... خذوا حذركم .. وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ..

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

========================

عن الانسحاب الروسي ودلالته .. راتب شعبو

العربي الجديد

الخميس 17-3-2016

أثار قرار روسيا سحب القسم الأكبر من معداتها العسكرية من سورية خيبةً كثيرة على ضفة الموالين للنظام السوري، مقابل ارتياح كثيرين على ضفة المعارضين له، حتى أن أحد المعارضين المخضرمين عبّر عن فرحته بالقول "إن هذا الخبر يعادل لدي خبر سقوط النظام". الواقع أن ثمة مبالغة في المشاعر هنا وهناك، وأن الخطوة الروسية هذه لا تحمل بعداً سياسياً يتجاوز ما كان قد صرّح به المسؤولون الروس قبل التدخل أو بعده.

حين تدخل الروس في سورية تدخلاً عسكرياً مباشراً في 30 سبتمبر/ أيلول 2015، قالوا إن مهمتهم لا تتجاوز ثلاثة أشهر، وقالوا قبلها وخلالها إنهم لا يدافعون عن شخص، وإنهم لم يأتوا لكي يساعدوا النظام في الحسم التام ضد معارضيه، وهذا ما جعل الروس يحتجون على تصريحات الأسد الذي ذهب إلى القول إنه لن يتوقف حتى استعادة كامل سورية. منذ البداية، كان الفارق واضحاً بين ما يريده الروس وما يريده النظام السوري. وظهر هذا الفارق جلياً للإعلام في اللغة الحادة التي استخدمها المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة، فيتالي تشوركين، تعقيباً على تصريحات الأسد تلك: "عليه أن يلتزم الخط الروسي"، مضيفاً بما ينطوي على تحذير "إذا ما اتبعت السلطات السورية خطى روسيا لحل الأزمة، فلديهم فرصة للخروج منها مع حفظ كرامتهم". جاء ذلك بعد أيام من تصريح لرئيس الوزراء الروسي، ديمتري ميدفيدف، يقول فيه إن روسيا دخلت إلى سورية "من أجل هدف محدد وملموس هو التوصل إلى اتفاق".

من البديهي أن التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية لم يكن لضروراتٍ سورية، بل لضرورات روسية أساساً. لم تكن حاجة النظام السوري إلى روسيا هو ما جلب تدخلها، بل حاجة روسيا إلى النظام منصة يطل منها الروس إلى سورية المقبلة. ويدرك الروس، بلا شك، أن سورية المستقبل لن تكون سورية الأسد بأي حال. وهذا بالضبط ما أحدث التباين بين الفهمين، الروسي والسوري، وما جعل وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، يقول إن "الأسد يغرد خارج السرب"، أي إنه لا يدرك حقيقة الأمر.

ظن مسؤولو النظام السوري الذين يقرّ في وعيهم أن النظام هو بشار الأسد، وأن بشار الأسد

"هل سيدرك النظام معنى الخطوة الروسية وحقيقة التفاهم الدولي الخاص بسورية؟" هو النظام، أن روسيا قادمة لإنقاذ الأخير من السقوط، المهمة التي يدرك الروس جيداً أنها مستحيلة، كما أدركوا جيداً استحالة استعادة "رئيسهم" في أوكرانيا. بين إنقاذ النظام السوري، ممثلاً ببشار الأسد، وإنقاذ موقع روسيا وتعزيزه في سورية وفي العالم، يكمن الفارق الذي لم يرغب رئيس الدبلوماسية السورية، وليد المعلم، في رؤيته، فأطلق تصريحه الطفولي: "بشار الأسد خط أحمر"، والذي أثار جون كيري فقال إنه "يعرقل المفاوضات"، واعتبره وزير الخارجية الفرنسي، جان مارك إيرو، "استفزازياً"، وقد يكون هو ما دفع بوتين إلى إعلان خطوته الانسحابية بهذا الشكل، لإعادة المعلم ومعلميه إلى أرض الواقع بواسطة العلاج بالصدمة. وربما كان إسقاط طائرة الميغ 21 السورية بمنظومة دفاع جوي محمولة على الكتف في 13 مارس/آذار الجاري إشارةً، في هذا الاتجاه، للنظام ولحلفائه. وكان لافتاً نفي المعارضة السورية إسقاط الطائرة بصاروخ، مؤكدة إسقاطها بالمدفعية، وذلك، فيما يبدو، لعدم عرقلة المفاوضات في اتهاماتٍ بشأن الدول التي زودت المعارضة بالسلاح الجوي.

تكثر التكهنات في تفسير سبب الخطوة الروسية، بين كونها تحت ضغط أميركي أو تحت ضغط اقتصادي، أو تعبيراً عن صفقةٍ ما، أو عن صراعات داخل الكرملين ..إلخ، غير أن الخطوة الروسية تبدو منسجمة مع المهمة العسكرية الروسية، كما ارتسمت منذ البداية، فالروس تدخلوا لتحسين موازين القوى، بما يخدم تحقيق تسويةٍ، تحافظ في النظام على الجزء الصلب الذي تقف عليه المصالح الروسية. ولا تفسير للطريقة الصادمة سوى أنها محاولة صب الماء البارد على رؤوس ممثلي النظام الحامية، قبيل جولة التفاوض. وربما جاء هذا "التبريد" تحت ضغط أميركي بعد أقوى تصريح يصدر عن كيري، قبيل لقاء المبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا، مع وفد النظام السوري في جنيف، وينطوي على نفاد الصبر من مناورات النظام السوري، وتهرّبه الدائم من تقديم تنازلاتٍ فعلية، حيث هدّد كيري النظام وحلفاءه: "إذا اعتقد النظام وحلفاؤه أنهم قادرون على اختبار صبرنا أو التصرف بطريقةٍ لا تحترم تعهداتهم (...) فإنهم واهمون".

حقق التدخل الروسي الغرض الأساسي منه، ويجب الآن تكثيف دور روسيا في الوساطة للتوصل إلى اتفاق سلام في سورية، كما جاء في كلام بوتين. يمكن أن يُفهم من هذا أن ما حققه الروس، عسكرياً ودبلوماسياً، يقع في مكان أدنى من استمرار الأسد، وأعلى من سقوط النظام، ويتكثف هذا في آليةٍ معينةٍ للحفاظ على استمرار مؤسستي الجيش والأمن، بإدخال تعديلاتٍ في التركيبة لن تكون جوهرية، مع المرونة في المستوى السياسي، وصولاً إلى رحيل الأسد. وهذا يشكل، كما يبدو، النواة الصلبة للاتفاق الروسي الأميركي حيال التسوية السورية.

كان نجاح الهدنة التي بدأت في 27 فبراير/ شباط مؤشراً على مدى تبعية "الداخل" إلى "الخارج"، وعلى أن التسوية باتت قريبةً، لأن "الخارج" توصل إلى اتفاق بشأن "الداخل". وإذا نجح هذا الخارج في فرض الهدنة، فإنه يقف، اليوم، أمام اختبار قدرته على فرض التسوية. والحق أن الانسحاب الروسي (الجزئي بطبيعة الحال) هو أهم مقومات نجاح التسوية، لأنه يفرض على النظام وممثليه أن يروا ذاتهم، وأن يدركوا مرغمين أن "ما لا يدرك كله، لا يترك جله".

ويبقى السؤال المهم: هل سيدرك النظام السوري معنى الخطوة الروسية وحقيقة التفاهم الدولي الخاص بسورية، أم سيتعامى مجدداً، ويلجأ إلى خلط الأوراق والمناورة، ليضيف جرائم جديدة إلى جرائمه السابقة؟

======================

لكي تُستعاد الثورة .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 17-3-2016

أنعشت التظاهرات التي جرت في الأيام الماضية، في مدن سورية عديدة، الأمل بالثورة، وأبانت عن حيويتها، بعد سنتين من الصراع المسلح، والعنف الوحشي من النظام، وأدوار المجموعات السلفية "الجهادية" التي أكملت سياسة النظام لحشر الثورة بين "عدوين"، لإنهاكها وتخريبها، ومن ثم إظهار أن الأمر يتعلق بصراع بين النظام وداعميه مع هؤلاء "الجهاديين". وبالتالي، لكي تخرج الثورة من معادلة الصراع، وتُدفن.

أبانت التظاهرات عن حيويةٍ لافتةٍ، وهمّةٍ على الاستمرار بلا كلل. لكن ظهر أن أمراً ينغّص، حيث عملت جبهة النصرة، من خلال جيش الفتح، بتخريب التظاهرة في إدلب، الأمر الذي أدى إلى عدم خروجها في الأسبوع التالي. تكرّر الأمر الجمعة الفائتة في معرّة النعمان، حيث خرّبت جبهة النصرة التظاهرة. ولم تكتفِ بذلك، حيث هاجمت ليل السبت الأحد الفرقة 13، وقتلت عناصر منها واعتقلت آخرين، وسيطرت على مكاتبها، ليظهر أنها ضد الثورة، لهذا تمنع التظاهرات وترفض عَلَمها، لتكريس العلم الأسود، كما أنها بدأت من جديد في سياسة قضم الكتائب المسلحة التي تقاتل النظام، بعد أن أوهمت، خلال الفترة الماضية، أنها تقاتل النظام.

لم ينتبه أحد إلى نقل النظام عناصر "النصرة" من درعا ومن مخيم اليرموك إلى إدلب، بل جرى غض النظر عن كل وسائل الدعم التي قامت بها "النصرة" لمصلحة داعش في مراحل هزيمتها. ولا إلى ما قال أبو محمد الجولاني، في مقابلته الأخيرة، حيث أوضح أن لا خلاف فقهي وفي التوجّه مع داعش. الآن، يجب فهم أن ما بدأ هو ما كان محدّداً لدور جبهة النصرة التي ظهرت أنها ضد داعش، وقيل إنها تضم سوريين، على الرغم من أن قيادتها والمتحكّمين بها هم ليسوا سوريين، وأيضاً مشكوك بهم كما في داعش. وأظن أن هذا القَسْم بين داعش والنصرة كان له هدف عملي، ربما سيظهر الآن. حيث ستقوم "النصرة" بالدور الذي قامت به داعش، فتفرض سيطرتها على كل مناطق الشمال الغربي السوري، وحتى ريف حماة وحمص. وبهذا، ينتهي الجيش الحر هناك، ويخرج من قصف الطيران الروسي وطيران النظام، ليستعاد ببساطة إلى "حظيرة" النظام.

بعد الهدنة، يبدو أنه جاء دور جبهة النصرة، لكي تقوم بما قامت به داعش. لهذا، لا بد، أولاً، من أن تدين كل أطراف المعارضة التي غطت على جبهة النصرة وامتدحتها، معتبرةً أنها جزء من الثورة، الجبهة وترفع الغطاء عنها، وإلا يجب أن تُدان هي من الشعب، لأنها تغطي على قوة إرهابية، تخدم النظام. لقد استرسل العديد من "قيادات" المعارضة في كيل المديح للجبهة، والدفاع عنها، وتبرير جرائمها، وعلى هؤلاء أن يعلنوا موقفاً واضحاً الآن، وإلا سيوضعون مع الجبهة الإرهابية، ويسجّل أنهم أسهموا في تخريب الثورة، بدعم قوى أتت لتخريبها. أعرف الجهل الذي يحكم هؤلاء، والغباء الذي يلفهم، لكن الآن، وبسرعة، يجب كشف الغطاء عن جبهة النصرة، قبل أن تكمل مخططها، فتأكل الثورة المسلحة، وتدمر الحراك الشعبي الذي عاد من جديد.

من جهة أخرى، يجب كشف كل الدول التي تدّعي أنها من "أصدقاء الشعب السوري"، وتقوم بدعم الجبهة وتمويلها، وحمايتها سياسياً، فقد حظيت الجبهة بتمويل ودعم من دول ورجال أعمال، وجرى تظهيرها في إعلامها. هذه الدول هي ليست مع الثورة السورية، وربما تريد، الآن، طمس الحراك الشعبي الجديد. لكن، يجب أن تُكشَف، لأنها تسهم كذلك في تخريب الثورة، ولقد كانت كذلك منذ البدء، فهي تريد تدمير المسار الثوري العربي، ودفنه في سورية، على الرغم من كل تصريحاتها وخطاباتها.

جبهة النصرة هي الجزء الثاني من المسلسل نفسه، هكذا بالضبط. لم يعد ما يفرض الإخفاء، بعد أن نهضت الثورة من جديد، بشبابها وعَلَمها، وبكل الحماسة التي ظهرت. بالتالي، لكي تُستعاد الثورة يجب إنهاء النصرة، ولا شك في أن القوى المقاتلة الموجودة قادرة على ذلك، أو سيكون من يرفض خائناً للشعب وللثورة. وبالتأكيد، سوف يكنسها الشعب، كما فعل في معرّة النعمان.

======================

الانسحاب الروسي في ذكرى انطلاق الثورة السورية .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 17-3-2016

من المرجح أن فلاديمير بوتين لم يشأ هذه المصادفة المشار إليها في العنوان أعلاه، بل أراد لقراره بسحب «القسم الرئيسي» من قواته من سوريا أن يتزامن مع موعد استئناف مفاوضات جنيف المعلن عنها سابقاً، ليكون لهذا الانسحاب مفعوله على مناخ المفاوضات. وربما العكس هو الصحيح، أعني أن موعد استئناف المفاوضات الذي تأجل، أكثر من مرة في غضون الأسبوع السابق عليه، ربما تحدد بناءً على تقدم الاستعدادات الروسية لسحب قواتها قبل الإعلان الرسمي عن ذلك.

هذه مجرد تكهنات ستفصل فيها التطورات اللاحقة بدءًا من المسار الذي ستمضي فيه مفاوضات جنيف، وانتهاءً بالسلوك الذي سيتبعه النظام الكيماوي وحلفاؤه في الميدان. لكن المؤكد أن التوافق الأمريكي ـ الروسي حول تسوية سياسية في سوريا يبدو، في ظل تطورات الأشهر الثلاثة الماضية، أكثر جدية وثباتاً من أغلب التوقعات. وإذا كان صمود الهدنة التي تم فرضها على الأطراف المؤشر الأول لجدية التوافق المذكور، فقرار الانسحاب الروسي المفاجئ يشكل مؤشراً أقوى، على رغم ادعاء واشنطن بعدم علمها المسبق بهذا القرار. أما نظام دمشق وحلفاؤه المصدومون بالقرار الروسي، كما يظهر بوضوح في تعاطي إعلام الممانعة معه، فقد حرص الروس على تأكيد أن الرئيس بوتين اتخذ القرار وحده، بخلاف ما زعمه بيان النظام عن «تنسيق» بشأنه بين موسكو ودمشق.

هذه التفاصيل ترجح التحليلات القائلة بأن قرار الانسحاب العسكري الروسي، في جانب منه على الأقل، يستهدف الضغط على النظام ليدخل في المسار التفاوضي بجدية. وكان ممثل روسيا في مجلس الأمن فيتالي تشوركين واضحاً في رده على سفاح دمشق الذي كان قد خرج عن النص الروسي في خطاب له أمام مجلس نقابة المحامين منتصف شباط /فبرايرالماضي، حيث عبر عن رغبته في استعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية، ما يعني عملياً مواصلة الحرب إلى ما لا نهاية.

فنصحه تشوركين بـ»الخروج من الأزمة بكرامة» من خلال الالتزام بعملية التسوية السياسية التي تقودها موسكو وواشنطن وفقاً لخارطة الطريق المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن 2254. هذا بخلاف التحليلات القائلة بأثر تصريحات وليد المعلم النارية، قبل يومين، على قرار موسكو الذي لا يمكن أن يكون ابن لحظته. بل على العكس، ربما كانت التصريحات النارية المذكورة هي ردة فعل غاضبة من نظام دمشق على ضغوط روسية متواصلة لإرغامه على الالتزام بالهدنة، أولاً، وبالدخول الجدي في التسوية المقررة أممياً، من جهة ثانية.

بررت موسكو قرارها بالقول إن القوات الروسية قد أنجزت المهمات الموكلة إليها. فهل تحققت كل الأهداف المعلنة من التدخل حقاً؟ لا شك أن موسكو فرضت، بتدخلها، أمراً واقعاً على العالم وهو أن روسيا أصبحت صاحبة الكلمة الأولى في تحديد مصير النظام، وشريكة للولايات المتحدة في أي تسوية سياسية للصراع السوري. إضافة إلى تمكينها للنظام من استعادة بعض المناطق الحيوية ضمن حدود ما يسمى «سوريا المفيدة»، بما يدخله في التسوية السياسية من موقع قوي لم يكن يملكه قبل التدخل الروسي في 30 أيلول/سبتمبر 2015. كما كرست روسيا وجودها العسكري الدائم في القاعدة الجوية في اللاذقية والقاعدة البحرية في طرطوس، مهما كانت نتيجة العملية السياسية في جنيف. وتبقى الاتفاقية الموقعة مع النظام التي منحت روسيا حق التدخل العسكري بلا حدود زمنية، حتى بعد الانسحاب الجزئي الذي بدأ فور صدور القرار.

بالمقابل ثمة أهداف، قطع القرار الروسي الطريق أمام استكمال تحقيقها، أهمها استعادة حلب وريفها الشمالي وصولاً إلى الحدود مع تركيا، وما يعنيه ذلك من إخراج تركيا نهائياً من الصراع السوري. ومنها أيضاً السيطرة على الغوطة الشرقية، حيث لم تتوقف محاولات قوات النظام وحلفائه من الميليشيات الشيعية التقدم نحوها على رغم الهدنة المعلنة. كذا فيما يتعلق باستعادة مدينة جسر الشغور ذات الأهمية الاسترتيجية في إشرافها على مناطق القاعدة الاجتماعية الصلبة للنظام على الشريط الساحلي.

القطع الذي شكله الانسحاب الروسي أمام تحقيق هذه الأهداف الحيوية، حتى من وجهة نظر المصالح الروسية وحدها، يشير إلى عنصر آخر في التفاهمات الروسية ـ الأمريكية: الحفاظ على توازن قوى دقيق لا يسمح بنصر صريح للنظام ولا للمعارضة، بما يخدم التصور الأمريكي – الروسي للتسوية السياسية: أي مشاركة في الحكم بين النظام والمعارضة للتفرغ لـ»محاربة الإرهاب». وقد اكتشف الروسي، في غضون الأشهر الخمسة والنصف التي انخرط فيها في الصراع بصورة مباشرة، أن النظام أكثر ضعفاً مما كان يتوقع، وغير قادر على استثمار قصف الطيران الروسي في تحقيق مكاسب كبيرة على الأرض، وهو يتصرف، فوق ذلك، بعنجهية وتصلب سياسيين لا يتناسبان مع هشاشته، و»يبيع من كيس روسيا» وكأن القوات الروسية خادمة في إمرته، في حين أن العلاقة بينهما معكوسة تماماً.

لسان حال الروسي الذي تضغط عليه تكاليف الحرب الباهظة (مليونان ونصف من الدولارات كل يوم) في ظل أزمة موارد كبيرة، يقول للنظام: لن أقوم بالعمل كله نيابة عنك. عليك الالتزام بالتسوية السياسية أو تواجه مصيرك وحيداً.

دي ميستورا بدوره هدد بالعودة إلى رعاة التسوية السياسية بعد خروجه من اللقاء مع وفد النظام. ما يعني دلالة إضافية على جدية الإرادة الدولية في إرغام النظام على التسوية السياسية التي يرفضها، في حقيقة الأمر، جملة وتفصيلاً.

ترى هل ما زال النظام يملك من الوسائل ما يبعده عن تجرع كأس السم؟ وإلى أي حد يمكن لموسكو أن تمضي في محاولة إخضاعه؟

قد يأتينا الجواب على السؤال الأول من داعش، بعدما أعلنت جبهة النصرة عن قسطها من «المهمة» بنيتها في شن حملة عسكرية كبيرة ضد النظام في غضون 48 ساعة. أما السؤال الثاني فالأيام القادمة ستجيب عليه.

٭ كاتب سوري

======================

هذه الثورة وهي تستهل عامها السادس .. بدر الدين عرودكي

القدس العربي

الخميس 17-3-2016

ما إن توقف القصف الروسي في المناطق التي لا تسيطر عليها ميليشيات النظام الأسدي وحلفاؤه الإيرانيون وذراعهم اللبنانية، وشعر السوريون لأول مرة منذ خمس سنوات بابتعاد القتل والتدمير ولو إلى حين، حتى خرجوا متظاهرين في نيف ومائة موقع حاملين علم الاستقلال، علم الثورة، ومنادين بمطالبهم أيام الثورة الأولى: الحرية، والكرامة، وإسقاط النظام.

وكما قمَعَ النظامُ الأسدي المظاهرات الأولى، حاولت «جبهة النصرة» أن تقمع المظاهرات الأخيرة وأن ترفع أعلامها وأن تعتقل المتظاهرين. حاولت، لكنها لم تنجح كل النجاح. فالمظاهرات استمرت، ثم ما لبث أهل معرة النعمان أن هاجموا مقرها وحرروا سجناءهم منه.

دلالتان بليغتان: أولاهما، أنَّ إنكار النظام الأسدي طوال السنوات الماضية وجودَ ثورةٍ ضده مع كل محاولاته كسر وقهر إرادة السوريين لم يتمكن من إخماد جذوة هذه الثورة وهذه الإرادة التي استعادت تعبيرها السلمي الواضح والصريح عما تريد تحقيقه. وثانيتهما، أن استماتة النظام في استثمار الجماعات المتطرفة واستغلال قدراتها كي يدرج نفسه ضمن معسكر المقاتلين ضد الإرهاب بدا وهو يبوء بالفشل داخلياً حين نبذ السوريون كل الرايات وحملوا علم الثورة، ويواجه العجز خارجياً حين لم يُعَبِّرُ أحدٌ في المجتمع الدولي، بمن فيهم حماته أو حلفاؤه، عن قناعته بهذا الزعم.

وعلى أن هاتين الدلالتين لم تكونا على موعد مع المراقبين الذين سبق لهم أن اعتبروا الثورة السورية في عداد المنسيات، فإنه لم يكن أيضاً مجرد صدفة بروزهما بقوة عشية بدء المفاوضات بين النظام الأسدي والمعارضة التي حدَّد جدول أعمالها التوافق الروسي الأمريكي وفرضها على الطرفين بمعزل عن أوروبا وعن المعنيين أنفسهم. مفاوضات تأتي في نهاية مرحلة عقدت خلالها عدة مؤتمرات في جنيف وفي فيينا تمهيداً لاستصدار القرار 2254 بها عن مجلس الأمن بالإجماع. دخلت روسيا مع موافقة أمريكية تامة بأسطولها الجوي والبحري والصاروخي من أجل تعديل ميزان القوى تمهيداً لهذه المفاوضات وللحل الذي يجب الوصول إليه بنهايتها. ولم تكن الأهداف المعلنة من هذا التدخل إلا لخلط الأوراق تمهيداً لتحقيق هذا الهدف الخفي الذي أخذت معالمه بالظهور مع إعلان الانسحاب الروسي الجزئي (الذي بدا مفاجئاً) من سوريا على النحو المذكور.

ما كان من الممكن الوصول إلى هذه المحطة الأولى والتي لن تكون الأخيرة على درب الآلام السوري لولا تضافر عوامل عديدة، شديدة التداخل، على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي، طوال هذه السنوات الخمس. محلياً، انتهى النظام الأسدي رغم كل ما بذله من محاولات وحصل عليه من دعم إلى فقدان كل قدرة على المبادرة العسكرية بعد أن استبعد منذ البداية إمكان أيّ مبادرة سياسية، في حين لم تتوصل مختلف الهيئات والمجالس التي طمحت إلى تمثيل هذه الثورة، السياسية منها والعسكرية، إلى أن تتوحد من حول مشروع سياسي شامل يستجيب لمطالب الثورة وتطلعاتها من ناحية، وتفرضه بوصفه البديل الوحيد عن النظام الأسدي من ناحية أخرى.

وعلى الصعيد الإقليمي، انتهت كلّ من إيران وذراعها اللبنانية ومرتزقتها من أفغانستان والعراق إلى الفشل في تحقيق أي مكسب حاسم على الأرض يمكن أن تحصد به ما جاءت من أجله، في حين لم تتمكن القوى الإقليمية الأخرى، وخصوصاً التركية والسعودية والقطرية، من الحركة إلا ضمن وفي إطار ما تتيحه لها ارتباطاتها السياسية والاستراتيجية والقانونية على الصعيد الدولي. أما دولياً، فلم تفلح المؤتمرات التي عقدها الكبار في جنيف الأول والثاني، ولا ما حاولته الجامعة العربية بالتعاون مع الأمم المتحدة في أن تثني النظام الأسدي عما عقد العزم عليه منذ اليوم الأول للثورة والذي لخصه هذا الشعار : «الأسد أو لا أحد».

ولأسباب لا علاقة لها بشخص الأسد أو بطبيعة نظامه، وقفت روسيا إلى جانب النظام الأسدي وإيران في ظل وبالتوازي مع تواطئها الخفي مع الإدارة الأمريكية الذي سينكشف فيما بعد توافقاً. وهو توافق تجلى للمرة الأولى واضحاً إثر الاستنفار العسكري الذي أعلنته الإدارة الأمريكية بسبب استخدام النظام الأسدي للسلاح الكيمياوي، والذي ألغته ما إن اقترح الروس أن يتمَّ تسليم المخزون السوري من هذا السلاح بلا شروط!

على هذا النحو بدا الوضع وكأنه يستجيب لما تريده القوتان الروسية والأمريكية، على ما بينهما من اختلاف في المصالح والغايات. هكذا، لم يستيقظ ضمير المجتمع الدولي ما دامت مصالحه لم تُمَسَّ من قريب أو بعيد وما دام السوريون يقتلون أو يسجنون أو تدمر بيوتهم أو يهاجرون بالملايين إلى دول الجوار. لكنهم ما إن عبروا البحر بمئات الألوف مغامرين بأرواحهم نحو أوروبا وطالت العمليات الإرهابية التي حققها تنظيم الدولة قلب باريس حتى هرعت الدول الأوروبية إلى قرع ناقوس الخطر. فهبت حكوماتها تحاول وقف هذا الغزو غير المسبوق وتقاسم أعبائه ثم معالجة أسبابه بصورة أو بأخرى وهو الأمر الذي لم تكن من قبل مجمعة على طريقته لاسيما وأن الولايات المتحدة وروسيا قد احتكرتا الإشراف على القضية السورية وعلى العمل على حلها بما يستجيب أولاً وبقدر الإمكان لمصالحهما ثم لمصالح أوروبا، وفي غياب، وبمعزل عن صاحب القضية الأساس:الشعب السوري.

تسارع إيقاع العمل ووتيرته في المجال الدبلوماسي والسياسي والعسكري. تواجد روسي عسكري منذ الثلاثين من أيلول/سبتمبر الماضي لتغيير ميزان القوى على الأرض، واجتماعات فيينا المتوالية لإعداد الحل السياسي وتهيئة طرفيه، النظام والمعارضة، ثم قرار مجلس الأمن 2254 الذي وضع خطة العمل بإجماع أعضائه، وأخيراً اجتماعات جنيف.

في ضوء ما تفرضه هذه الوقائع اليوم، وأمام قرار دولي بإنهاء «الأزمة السورية»، لا تبدو إمكانات المناورة أو الخيارات كثيرة بين يدي طرفي المفاوضات التي بدأت. ولن يكون لأي ضرب من التذاكي أو الحماقة يصدر عن أحدهما من دور سوى أن يرتدّ صفعة أو إلغاء.

ومن الممكن بهذا الصدد التساؤل عما إذا كان الإعلان المفاجئ عن الانسحاب الروسي (الجزئي) من سوريا صفعة أريد بها تذكير النظام الأسدي بالحدود التي عليه أن يلتزم البقاء ضمنها!

ذلك أن قوتي الطرفين على مائدة المفوضات غير متساويتيْن.

فالنظام الأسدي لا يملك إلا «شرعية» رسمية وشكلية أُريدَ لها الاستمرار على الصعيد الدولي بانتظار ما سيأتي؛ بينما تنحصر قوته العسكرية في المرتزقة والميليشيات الخارجية التي تدعمه. كما أنه فقد مع بدء هذه المفاوضات الدعم السياسي الذي كانت تحظى به مواقفه من قبل إيران وروسيا خاصة بما أن الحلَّ السياسي الذي بات قراراً أمريكياً روسياً لن يستجيب بالضرورة لما أراد ولا يزال يريد أن يفرضه على السوريين.

أما قوى المعارضة التي اتحدت بعد أن جمعت لأول مرة فصائل سياسية وعسكرية فاعلة على الأرض ضمن الهيئة العليا للمفاوضات، فهي تملك شرعية وليدة وغضة لاشك، إلا أنها قابلة للاتساع والرسوخ بمقدار ما ستثبت خلال هذه المفاوضات كفاءتها وقدرتها على حشد الشعب السوري الثائر وراءها لا من خلال تمسكها بالمبادئ التي خرج من أجلها ودفع ولا يزال يدفع الثمن باهظاً من أجل تحقيقها فحسب، بل كذلك بقدرتها على المناورة السياسية مستفيدة من مواضع الضعف العديدة لدى خصمها.

لن يكون من السهل التغلب أو القفز على ما قرره راعيا المفاوضات. لكن سيكون من الصعب على هذيْن الأخيريْن أن يفرضا ما يريدانه ولاسيما حين يخرج الشعب السوري مرة أخرى ليعلن تمسكه بما يطالب به ممثلوه بعد أن اكتسبوا الشرعية الحقيقية على مائدة المفاوضات.

٭ كاتب سوري

======================

نهاية الحرب السورية .. برهان غليون

العربي الجديد

الاربعاء 16/3/2016

كان المحرّك الرئيسي للحرب السورية الداخلية، وبقي، خلال السنوات الخمس الماضية، رفض الأسد ونظامه الانتقال السياسي، وسعيه من خلال شن العدوان والحرب على شعبه، وبيع ولائه للدول الأجنبية، إيران ثم روسيا، من أجل تأمين وسائل الاستمرار في الحرب، العسكرية منها والسياسية، للبقاء في السلطة.

خطوة الروس الانسحاب المفاجئ من سورية رسالة موجهة للأسد، أن حقبة التلاعب والهرب من الاستحقاق التفاوضي، والعمل على تقويض المبادرات الدولية، انتهت، وأن عليه التخلي عن أحلامه، والقبول بالمشاركة الجدية في مفاوضاتٍ سوف تفضي، لا محالة، إلى نهاية نظامه وحكمه. وقد جاءت هذه الخطوة رداً واضحاً على تعنت الأسد، ورفضه الاعتراف بالتوافق الدولي حول إعادة إطلاق مفاوضات الحل السياسي، وسعيه، بجميع الوسائل، إلى تقويضها، سواء بإصدار قرار تنظيم الانتخابات التشريعية في الشهر المقبل، ليقطع الطريق على الانتخابات التي حدّدها التوافق الدولي، بعد 18 شهراً، وتحت إشراف دولي وبمشاركة المعارضة، أو من خلال دفعه وزير خارجيته إلى الإعلان عن رفض النظام التفاوض حول الانتخابات الرئاسية، واعتبارها خطاً أحمر، أي في الواقع اعتبار مصير الأسد موضوعاً خارجاً عن التفاوض، أو أخيراً اعتقاد الأسد أنه يستطيع أن يستخدم الروس، من أجل القضاء على المعارضة، واستعادة ملكه، كما لو كانوا خدماً لديه، وهو ما رد عليه، في وقتها، ممثل روسيا في الأمم المتحدة، فيتالي تشوركين، قائلاً: لا تركّزوا على ما يقول الأسد، ولكن، على ما سيفعله.

جاءت الخطوة لتقول إنه طفح الكيل عند بوتين من تلاعب الأسد وألاعيبه، والأهم من ذلك، أكدت خطوته هذه أن هناك فعلاً توافقاً وتفاهماً دوليين، من أجل دفع المفاوضات السياسية، هذه المرة، نحو النجاح، وأن روسيا تريد أن تلعب دوراً إيجابياً في ذلك. لا ينبغي أن نتفاءل كثيراً، ونعتقد أن سبب نشوء هذه الإرادة الإحساس المفاجئ بالمعاناة السورية، أو القلق على مصير المحاصرين والمجوّعين والمشرّدين أبداً. ما وراء الاتفاق الدولي هو الخوف من أن يقود استمرار البركان السوري بنفث لهبه إلى زعزعة استقرار المنطقة، وبشكل خاص، أوروبا والعالم، سواء نتيجة تفاقم أزمة المهجّرين واللاجئين الذي أصبحوا يشكلون، اليوم، عبئاً كبيراً على الدول المستقبلة، ولا أحد يعرف ما الذي سيكون عليه مصير أبنائهم، والأجيال الجديدة الفاقدة للتعليم والأمل معاً، إذا استمر الوضع سنوات أخرى، أو بسبب الانتشار المتوسع للتنظميات المتطرفة، في أكثر من منطقة، انطلاقاً من سورية والعراق، وتزايد العمليات الإرهابية في أوروبا وبلدان عديدة.

جاء التوافق الروسي الأميركي والدولي من منطلق الاعتقاد المتنامي، بعد فشل القضاء على داعش وأخواتها، بأن من المستحيل احتواء مضاعفات الأزمة السورية، من دون وضع حدٍّ للحرب، والدفع في اتجاه التهدئة، والعودة إلى الحالة الطبيعية والاستقرار. لكن نهاية الحرب بهذا المعنى، أي زوال مبرّر استمرارها، مع التوصل إلى اتفاق دولي للحل، وتبني الدول له والعمل عليه، ما يجعل من العودة إلى الحرب مناهضةً للقرار الدولي، ولمصالح دول كبرى، لا تعني وقف الأعمال القتالية تماماً، أو عدم حصول معارك وصدامات. هذا يمكن أن يحصل ضمن إطار الحفاظ على المواقع الراهنة للأطراف، أو في مواجهة قوى من النظام، أو من خارجه، تريد أن تغير في واقع وطبيعة المعادلة التي قام عليها الاتفاق الدولي. بل أكثر من ذلك لا تعني نهاية الحرب، أي زوال مبرّراتها الكبرى، أن روسيا لن تستخدم قوتها الباقية في سورية ضد هذا الطرف أو ذاك، وضد المعارضة إذا حاولت أن تستفيد من الانسحاب لصالحها. أعتقد أن هناك اتفاقاً، أيضاً، على تثبيت مبدأ لا غالب ولا مغلوب، وحرمة الحسم العسكري لأي طرف. وأي طرفٍ يحاول خرق هذا المبدأ أو يظهر وكأنه يقوم بذلك سوف يتعرض للرد الروسي. وربما سيكون ثمن وقف العمليات الروسية لصالح مشروع الأسد، وتوجه الروس لدعم المشروع الدولي لإنجاح مفاوضات التسوية السياسية هو وقف حلفاء المعارضة تزويدها أيضاً بالسلاح، وربما كان هذا أحد بنود التوافق أو الاتفاق.

في جميع الأحوال، نحن مقبلون على مرحلةٍ، ستكون فيها الكلمة الأولى في الصراع السوري للسياسة والدبلوماسية وليس للسلاح. وسيكون من المفيد جداً لنا، أي للشعب السوري الذي عانى أشد العذاب في السنوات الماضية، أن يعيد إحياء روح التظاهر والتفنن في التعبير عن لفظه النهائي لهذا النظام ورجالاته، وتأكيد حقه الذي لا يمكن نقاشه في إحقاق الحق، وتطبيق قانون العدالة، وإنزال العقاب بالقتلة والمجرمين، من أي جهة كانوا.

هذه هي اللحظة التي تعود فيها القضية إلى الشعب، والتي يعود فيها الشعب للعب دوره الحاسم. والكلمة الآن للناشطين في ساحات سورية وأحيائها. وهذه هي، أيضاً، دعوة لهم، كي يعودوا، لمن يستطيع أن يعود، ليستعيد دوره ونشاطه من داخل سورية التي تتهيأ للحرية والانتصار.

باختصار، فرض القبول بالانتقال السياسي على الأسد، وهو ما يعني ضمناً نقل السلطة منه إلى طرف آخر ونظام آخر، يعني إزالة أهم دافع ومنبع للحرب: مصير الأسد نفسه.

نهاية الأسد تعني، ببساطة، نهاية الحرب تماماً كما تعني نهاية الحرب نهاية الأسد.

======================

لهذا قرّر بوتين الانسحاب .. مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 16/3/2016

فاجأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين العالم بقراره سحب الجزء الأكبر من قواته من سورية، تماماً كما فاجأه يوم قرّر التدخل عسكرياً فيها. وقع المفاجأة يزيده حضوراً عدم قدرة كثيرين، بمن فيهم الأميركان، على قراءة نيات الرئيس الروسي، والتنبؤ بسلوكه. وما يزيد الصورة تعقيداً بالنسبة إلى منطقتنا العربية عدم القدرة على تحديد أهداف السياسة الخارجية للرئيس بوتين وفهمها على وجه الدقة، لأننا نستمر، في محاولة قراءتها، من زاوية ما يعنينا منها (سورية تحديداً)، وليس من زاوية ما يعني روسيا ويهمها في بيئتها ومحيطها، وهي زاويةٌ، بالتأكيد، أوسع وأشمل، إذ تتضمن قضايا وملفات عديدة، لا صلة لنا بها. فوق ذلك، يبدو الرئيس بوتين مستمتعاً بمشاهدة الحيرة تعلو الوجوه حيال سياسته وتصرفاته. لذلك، تجده لا يفتأ يحاول ابتكار المزيد منها، حتى يزداد العالم حيرة، ويزداد هو إعجاباً بذاته وقدراته في ممارسة الدبلوماسية السرية، ومحاكاته رموزها وأبطالها (مترنيخ، أندروبوف، كيسنجر).

واقع الأمر أنه يصعب فهم السلوك الروسي في سورية، إذا حاولنا ربطه بحيثيات الأزمة السورية وجدولها الزمني، وهو بحق لا يعد ممكناً إلا إذا عدنا إلى خطاب بوتين الشهير الذي ألقاه في مؤتمر ميونخ للأمن عام 2007، وصرخ فيه، للمرة الأولى، في وجه الغرب، وخصوصاً إدارة الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش، احتجاجاً على مساعي تطويق روسيا بالثورات الملوّنة، التي بدأت في جورجيا عام 2003، وانتقلت إلى أوكرانيا عام 2004، ثم قرغيزيا في العام الذي يليه، فضلاً عن إعلان واشنطن نيتها إنشاء درع صاروخي في التشيك وبولندا، يجرّد روسيا من قدراتها الصاروخية الاستراتيجية. منذئذ، قرّر بوتين أن عليه أن يستغل فرصة انشغال واشنطن واستنزافها في العراق وأفغانستان للرد.

بدأ بوتين العمل من جورجيا، حيث غزاها في أغسطس/آب 2008، وسلخ عنها أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، من دون أن تستطيع إدارة بوش أن تفعل شيئاً لإنقاذ حليفها الرئيس ساكاشفيلي من هزيمة نكراء. استكمل بوتين مخططه بالخطوة الأهم، وهي استعادة أوكرانيا من حضن الغرب، فتمكّن من خلال دعم حليفه، فيكتور يانوكوفيتش، في انتخابات عام 2010 من إطاحة النخبة الموالية للغرب، والتي ظل يضيّق عليها بقطع إمدادات الغاز عن أوكرانيا، كلما اشتدّ فيها برد الشتاء، حتى لفظها الناخب الأوكراني. ومستفيداً من الارتفاع الكبير في أسعار النفط، وبناء احتياطي كبير من العملات الصعبة، وبعد تأمين حدوده الجنوبية عبر إجهاض محاولات جورجيا الانضمام إلى "الناتو"، واستعادة أوكرانيا، قرّر بوتين أن أمامه نافذة تمتد إلى مطلع عام 2015 ليتمكّن من إنجاز مشروعه الأكبر (الاتحاد الأوراسي)، وذلك قبل أن تكمل واشنطن الانسحاب من أفغانستان، وتعود إلى التركيز بشكل كامل على أوراسيا.

وعلى الرغم من أن الاتحاد الأوراسي الذي تم التوقيع على اتفاقية إنشائه في 29 مايو/أيار 2014، يمكن أن يضم نظرياً كل دول الاتحاد السوفييتي السابق، إلا أن بوتين ركّز تحديداً على دولتين، هما كبرى جمهوريات آسيا الوسطى (كازاخستان) وكبرى جمهوريات أوروبا (أوكرانيا)، وتعد هاتان الدولتان بحق بمثابة الجناحين، الآسيوي والأوروبي، لقلب روسيا الأوراسي. لكن الأميركان الذين كانوا ينظرون، بقلقٍ شديد، إلى مخططات بوتين فيما يعتبره خبراء الجيوبوليتك الغربيين قلب العالم (أوراسيا) ما كانوا ليسمحوا له بتحقيق مراده. لذلك، وقبل أشهر فقط من التاريخ المحدّد لإعلان الاتحاد الأوراسي الذي كان يطمح بوتين أن يعيد، من خلاله، أمجاد روسيا ونفوذها على الساحة الدولية، تم اختطاف أوكرانيا منه. رد بوتين بغضب شديد، فالاتحاد الأوراسي لا يعود أوراسياً من دون أوكرانيا، وكان البديل غزو القرم وضمها، وكأن بوتين أراد أن يأخذ الجزء (القرم) تعويضاً عن خسارة الكل (أوكرانيا).

فرض الغرب، على الفور، عقوبات قاسية على موسكو، رفضها بوتين، من زاوية أنها توحي بمعاملته كما تعامل أي دولة عالمثالثية متمرّدة على الغرب. ولذلك، رد عليها بإلغاء خط غاز "السيل الجنوبي" الذي يمر عبر البحر الأسود إلى بلغاريا، ثم إلى أوروبا. وأعلن من أنقرة إنشاء خط "السيل التركي" عوضاً عنه، في مؤشرٍ إلى رغبته في تعزيز العلاقة مع تركيا، على الرغم من الخلاف بينهما حول سورية. لكن بوتين لم يكتف بذلك، بل ظل يتحيّن الفرص لردٍّ أكبر، يساعده في إثبات ذاته، وموقع بلاده دولةً عظمى على الساحة الدولية. وهنا، برزت سورية فرصةً سانحة للرد.

تدخل بوتين في سورية لأسباب عديدة، لبعضها علاقة بالصراع الدائر فيها، وأكثرها مرتبط بمصالح روسيا الكبرى، وعلاقاتها الإقليمية والدولية، فقد أثاره التقارب التركي-السعودي الذي أخذ منحى جدياً، بعد تسلم الملك سلمان مقاليد الحكم، وإعلان تركيا دعمها التدخل السعودي في اليمن. وقد ظهرت نتائج التقارب السعودي-التركي جلية في سورية، مع تداعي قوات النظام سريعاً في مناطق مختلفة في شمال غرب البلاد وجنوبها أيضاً.

استغل بوتين التوسّل الإيراني له بالتدخل عسكرياً في سورية، باعتبار أنه يخدم غرضه في الرد

"يقول بوتين للأسد في الانسحاب "الدراماتيكي" أنه ربما حان الوقت ليعيد إجراء حساباته" على الغرب والسعودية التي اتهمها بالوقوف وراء انهيار أسعار النفط، السلعة الرئيسة التي تبيعها روسيا لتقتات منها. وعبر هذا التدخل أيضاً، لاحت لبوتين فرصة إنشاء حزام من عدم الاستقرار، يقع خلف الحزام الذي يحاول الغرب تطويق روسيا به، واستخدام ذلك أداةً لمعاقبته على سلوكه غير "اللائق" في التعامل مع روسيا. وعليه، كان الهدف الروسي، في الأشهر الخمسة الماضية، ليس فقط إنقاذ نظام الأسد، بل تهجير وضخ أكبر عدد ممكن من اللاجئين السوريين باتجاه تركيا، ومن ثم أوروبا، حتى كادت أزمة اللاجئين تعصف بالاتحاد الأوروبي الذي كاد يتفكك تحت ضغط الأزمة السورية. خلاف ذلك، سارع بوتين إلى فتح مسار سياسيٍّ، حاول من خلاله جر الأميركان الذين طالما عاملوه باستخفافٍ بلغ حد الاحتقار (عندما وصف أوباما روسيا استصغاراً بأنها دولة إقليمية) إلى تفاهماتٍ مباشرة معه. وهكذا، انطلقت مسيرة فيينا بعد شهر تماماً على التدخل الروسي، وتمكّن بوتين خلالها من إقناع الأميركان باستبدال العمل في إطار مجموعة دعم سورية المؤلفة من 17 دولة بالعمل في إطار ثنائي. وبذلك، يكون بوتين قد حقق بعض أهم أهداف تدخله في سورية، وفي مقدمتها تأكيد مكانة بلاده باعتبارها دولة كبرى فاعلة وذات وزن، كما نجح في جرّ الأميركان إلى تفاهماتٍ ثنائيةٍ معه ذات علاقة بسورية وغيرها، بعد أن داوموا على رفض الحديث معه، منذ أزمة أوكرانيا. ويبدو أيضاً أن روسيا في طريقها إلى تحقيق تفاهماتٍ مع السعودية بشأن أسعار النفط، وقد تجلى ذلك في اتفاق الدوحة الذي ضم، إلى جانب الدولة الراعية، كلاً من السعودية وروسيا وفنزويلا، وقرّر تجميد إنتاج النفط، وفق معدلات شهر يناير/كانون الثاني الماضي، ما استدعى ارتفاعاً في الأسعار تجاوز 40% من أدنى مستوى لها عند حدود 27 دولاراً إلى حدود 40 دولاراً للبرميل الواحد، وقد ساعد على ذلك خروج كثير من الحفّارات من العمل في الولايات المتحدة بسبب انهيار الأسعار.

هل يعني تحقيق هذه الأهداف أن بوتين قد قرّر سحب كل استثماراته العسكرية والسياسية والاقتصادية في سورية؟ الأرجح أنه لم يفعل، فمن جهةٍ، لم تعلن روسيا نيتها سحب كامل قواتها، بل قرّرت الاحتفاظ بوجود عسكري في قاعدة حميميم وميناء طرطوس. ومن جهة أخرى، يبدو أن روسيا غير مستعدة للتخلي عن التنسيق الذي بدأ، الآن، بين الجيشين الروسي والأميركي في سورية لمواجهة تنظيم الدولة، وهو مطلب ألحّ الروس عليه طويلاً، وظلت ترفضه واشنطن قبل أن توافق عليه أخيراً. لكن الأهم من ذلك كله أن بوتين سيستمر في محاولة البرهنة للعالم أنه الوحيد القادر على اجتراح معجزة الحل في سورية. هذا الأمر سوف يؤدي على الأرجح إلى اتساع الخلافات مع نظام الأسد حول مقتضيات التسوية التي تسعى إليها موسكو وفق التفاهمات والأثمان التي تم التوافق عليها مع واشنطن. والأرجح أن بوتين يقول للأسد في إعلانه "الدراماتيكي" عن الانسحاب أنه ربما حان الوقت لكي يعيد إجراء حساباته، فموسكو لم تأت لإنقاذه، بل جاءت لإنقاذ نفسها ومصالحها، وهي لن تسمح لأحد بإعاقتها.

======================

خطاب مفتوح إلى وفد المعارضة السورية المفاوض! .. الطاهر إبراهيم

القدس العربي

الاربعاء 16/3/2016

دخل وفد المعارضة السورية المفاوض في مفاوضات لا يعرف أحد إلى ما ستفضي إليه. وهي متروكة إلى دي ميستورا وما يخبئه للسوريين من أمور ليس بينها،على الأغلب، خلاصهم من ظلم بشار الأسد ومن استعمار تفرضه إيران والميليشيات الشيعية ومن قصف مدمّر بدأته روسيا قبل 5 أشهر.

لا نقول لوفد المعارضة لا تذهبوا إلى جنيف دون أن نقدم لهم البديل، بل نقول اذهبوا. لكن قبل أن تبحثوا في أمور يعتبرها السوريون من أبسط الحقوق بأن تكون لهم حكومة تعبر عن حق الشعب في العيش بحرية وكرامة بعيدا عن بطش أجهزة بشار الأسد. قولوا لدي ميستورا نريد قبل التفاوض إطلاق سراح المعتقلين الذين أكل المرض أجسادهم، ولو نصفهم على الأقل، وإيقاف قصف الطائرات الروسية وطائرات بشار الأسد وفورا، وأن يرفع الحصار عن القرى والبلدات والمدن السورية. وإلا فاعلموا أن « دي ميستورا» لا يريد بالسوريين خيرا، لأن ما نص عليه قرار مجلس الأمن 2254 في مادتيه 12و 13 هو واجب التنفيذ قبل التفاوض.

فإذا كانت واشنطن وموسكو راعيا مؤتمر التفاوض الحالي في جنيف، حريصتين على إنجاح المؤتمر فلن تقفا حجر عثرة أمام تنفيذ المادتين 12و13، خصوصا أنهما تؤكدان قضايا نبهت عليها المؤسسات العالمية مثل أطباء بلا حدود ومؤسسات الإغاثة العالمية و حقوق الإنسان، وجعلت منها شغلها الشاغل خصوصا في المدة الأخيرة. أقول إذا كانت واشنطن وموسكو تريدان للمؤتمر النجاح فسترغم نظام بشار على إطلاق سراح المعتقلين وإيقاف القصف وفك الحصار عن البلدات والأحياء السورية المحاصرة.

لا تدخلوا في جدل عقيم مع دي ميستورا عما إذا كان يجب على بشار الأسد أن يرحل اليوم أوغدا، فهو تحصيل حاصل إذا كان غيم واشنطن سيمطر، لكن أصروا قبل ذلك على إطلاق المعتقلين من سجونهم،وأن يتم يرفع الحصار عن المدن والقرى السورية فورا وأن توقف طائرات بشار الأسد براميله وطائرات بوتين قصف الأحياء بعدما دمرت المستشفيات وما بقي من المدارس، كي لاتصبح الأحياء المتبقية في درعا ودوما وحلب وإدلب ودير الزور مثل أحياء حمص التي رأينا صور أبنيتها من الجو: قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا، هجرها أهلها وتركوها مأوى للبوم والكلاب الضالة.

فإذا أصر وفد المعارضة على هذه المطالب الأساسية واستجابت واشنطن وموسكو له سيشعر الوفد أنه وضع رجله على أول الطريق الصحيح وسيشعر أن الرياح تجري فيما تشتهيه سفنه. أما إذا وقفت موسكو(سنجق عرض) كما يقال بوجه هذا المطلب الحيوي للسوريين، ولم تتشجع لهذا الطلب واشنطن فليعلم الوفد أنه يمشي في أرض وعرة وأن مطبات كثيرة تقف في طريقه وأن الهدف الذي يسعى إليه وهو الانتهاء من بشار الأسد، دونه مصاعب وعقبات.

في هذه الحالة ما على الوفد المفاوض ومن ورائه الهيئة العليا إلا أن يترك جنيف فورا ويعود إلى سوريا ويصارح الشعب السوري بالحقيقة المرة وهي أن موسكو ترفض أي حل سلمي وأن واشنطن متواطئة، وأن يعلن الوفد أنه ليس هناك من طريق لتحرير سوريا إلا الاستمرار في قتال بشار الأسد ومليشيات طهران وجيوش بوتين، وكما قال «فيصل الأول بن الشريف حسين»: الاستقلال يؤخذ ولا يعطى!

كاتب سوري

======================

درس بوتين وجدار الأسد .. زهير قصيباتي

الحياة

الاربعاء 16/3/2016

مع بدء إقلاع مقاتلات روسية تنسحب من سورية، لوّحت الأمم المتحدة بإعداد ملفات قانونية ضد «مجرمي الحرب»، وتجرّأت «جبهة النصرة» على إعلانها خطة لشن هجوم خلال 48 ساعة. ثلاث خطوات تلت صدمة القرار المفاجئ الذي اتخذه الرئيس فلاديمير بوتين بسحب الجزء الأكبر من القوة الروسية المرابطة في سورية، والتي قلبت ميزان القوى لمصلحة نظام الرئيس بشار الأسد، وأنهكت الفصائل المقاتلة المعارضة، من دون أن تسحق «داعش» أو «النصرة».

قرار قيصر الكرملين جاء في الذكرى الخامسة لانطلاقة الثورة السورية التي أرغمها النظام على «العسكرة». وإذا كان الإعلام الروسي هلّل للخطوة- الصدمة، باعتبارها نصراً لبوتين الذي استوعب الدرس الأفغاني، ونجح في عدم الانزلاق إلى مستنقع سوري، فالمسألة الحاسمة ليست في تشديد الضغط المعنوي على نظام الأسد فحسب، لكي يسهّل مفاوضات جنيف، فيما الكرملين يُدرك تماماً أن جوهر الحلقة المفرغة التي ما زالت المفاوضات أسيرة لها منذ الجولة الأولى، هو مصير رأس النظام السوري. وأن يعلن المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين ما لم يجهر به الكرملين، حول الدافع الرئيسي للصدمة، أي «تشجيع حل سياسي للصراع»، فذاك إدانة للنظام لأنه لا يقدّم ما يكفي لتشجيع التسوية.

لعل أبسط مثل على أن الأسد ما زال يراهن على عامل الوقت لسحق المعارضة المسلّحة، هو تجديد رئيس الوفد السوري إلى جنيف، معزوفة شكل الوفد، ومَنْ يمثّل مَنْ، ومَنْ هو «الإرهابي» الذي يجب استبعاده... أما «الخط الأحمر» للتفاوض، والذي جدّده وزير الخارجية وليد المعلم، عشية الجولة الجديدة في جنيف، ليجعل منصب الرئاسة فوق عملية السلام وكل مرحلة «انتقالية»، فلا يؤدي عملياً إلا إلى استبعاد خريطة الطريق بالكامل، لأن المعارضة لن تفاوض لمجرد المشاركة في «حكومة وحدة وطنية»، يرعاها المتهم بالدور الأول في تدمير سورية وسقوط حوالى 380 ألف قتيل من شعبها.

كان واضحاً أن نظام الأسد استقوى بالتدخُّل العسكري الروسي، ليكرّس مقولته أن لا ثورة ولا معارضة ولا حرب أهلية، بل صراع مع «الإرهاب». تسلّح النظام بالغارات الروسية ووثيقة التفاهم التي سبقت التدخُّل العسكري للكرملين في 30 أيلول (سبتمبر). في الجو تحميه «السوخوي»، وعلى الأرض «الحرس الثوري» والميليشيات التي ترعاها إيران. تجاوز بوتين المهلة التي حددها للتدخُّل وعملية سحق كل مَنْ يرفع السّلاح في وجه النّظام. بدلاً من مئة يوم، مئة وخمسة وستون، واللافت الارتباك في موسكو، في صيغة إعلان بدء الانسحاب، والتضارب مع البيان السوري، والارتباك في واشنطن التي فوجئت أيضاً بقرار القيصر.

أولى الملاحظات التي تؤشر إلى الارتباك، إعلان الناطق باسم الكرملين أن بوتين تحدّث هاتفياً إلى الأسد لإبلاغه القرار، ثم أوضحت الرئاسة الروسية أنه اتُّخذ بالتنسيق مع الرئيس السوري. وفي حين حرصت موسكو على تأكيد عدم تناول مصير الأسد، خلال الاتصال، حرص بيان رسمي في دمشق على صيغة «اتفاق» الرئيسين على «خفض القوات الجوية الروسية في سورية». الأكيد، أن لجيش بوتين من الطائرات الحربية الباقية في اللاذقية، ما يكفي لمزيد من الغارات التي لا تفرّق بين فصيل معارض وآخر يحارب مع «داعش». بهذا المعنى، قد يعني قرار الخفض لـ «تشجيع» الأسد على التفاوض، ورقة تلوِّح بها موسكو لإبلاغه أن سقف الدعم ليس بلا حدود.

ولكن، بعد كل الذي حصل منذ «جنيف 1»، ألا يُدرك بوتين نيات الأسد وأهدافه؟... وأن قلب ميزان القوى سيشجّع النظام السوري على مزيد من التصلُّب، وأن الورقة الإيرانية جاهزة ليلوّح بها مجدداً بديلاً من «السوخوي»؟ ليس بلا دلالة ما أوردته صحيفة «كومرسانت» الروسية من أن هدف موسكو لم يكن انتزاع كل الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة فذلك «قد يستغرق سنوات، من دون ضمانات» بإنجازه. الأهم أن الدب الروسي خرج من عزلته الدولية، وبات على تنسيق يومي مع «شريكه» اللدود الأميركي الخائب في المنطقة... والمهم بعيون الروس أنهم لن ينزلقوا إلى أفغانستان ثانية.

في الوقائع أن تسعة آلاف غارة روسية لم تنقذ نظام الأسد إلى الحد الذي يمكّنه من سحق كل مَنْ يرفع السلاح في وجهه... لم تنقذه من الفصائل المعارضة ولا من «داعش»، بافتراض إضعاف الروس التنظيم وموارده النفطية.

الانسحاب- الصدمة، خبر سيء للنظام، إلا إذا كانت طهران المرتاحة إلى قرار القيصر بعد غضب صامت من تدخُّله، قادرة على تحصين ما بقي من قوة للجيش السوري، وإرسال أفواج أخرى من الميليشيات، كفيلة بتمديد الحرب سنوات إضافية. وقد تكون نتائج جولة جنيف الحالية مفصلية في تبديل أوراق روسيا التي كسرت جدار العزلة حولها، لكنها لن تحطّم عناد النظام السوري في رفضه التغيير من الرأس إلى القاعدة، ولا إصرار المعارضة على عدم بيع نفسها لـ «حكومة وحدة وطنية»، لا يصعب التكهُّن بما فيها من الوحدة الجدّية، والوطنية التي تستجيب طموحات السوريين.

بين كابول ودمشق مسافات طويلة، بمقدار ما يبدو الطريق إلى السلام في سورية.

======================

روسيا والمرحلة السورية الجديدة .. غازي دحمان

العربي الجديد

الثلاثاء 15/3/2016

كشفت مناقشات "تادي فالداي" الذي تعقده روسيا سنوياً، ويعبر بشكل جلي عن مؤسسات صنع القرار في موسكو، كما يعكس رؤاها ونظرتها إلى العالم وأدوارها، أنّ منطقة الشرق الأوسط باتت تحتل المرتبة الثانية من حيث الأهمية الجيو- سياسية بعد الفضاء الأوراسي، والذي يشكّل غلاف روسيا المباشر، وهو ما يرفع من احتمالية زيادة الانخراط الروسي السياسي والعسكري بشكلٍ أكبر في المنطقة، في المرحلة المقبلة، خلافاً لما تتوقعه معظم التقديرات، والتي غالباً ما تربط التدخل الروسي بظروف سياسية آنية.

هذا تطور مستجد في التفكير الجيوإستراتيجي الروسي، ويقطع مع مرحلةٍ سابقةٍ كان اهتمام موسكو فيها محصوراً ببلدان الجوار الجغرافي، ويقف خلف هذا التحوّل عاملان مستجدّان أيضاً، الأول الانسحاب الأميركي من المنطقة، وحالة الفراغ التي تعيشها في ظل الصراع الإقليمي بين الدول، وعدم وجود دولة أو منظومة دول قادرة على ملء الفراغ، أما العامل الثاني فهو التدخل الروسي في سورية الذي دفعها إلى تطوير دورها، إلى درجةٍ ربما يشمل مساحة واسعة من الشرق الأوسط. على ضوء ذلك، يمكن تقدير طبيعة المرحلة المقبلة، ورسم صورة تقريبية لها في سورية، وما حولها:

على المستوى السوري الداخلي: من الواضح أن الهدنة، وبغض النظر عن التقديرات التي تتوقع نهايتها، سوف تستمر مدى طويلاً، وخصوصاً في المساحة التي جرى تسميتها "المنطقة الخضراء"، والتي تشكل اصطلاحا "سورية المفيدة"، والأرجح أنه سيجري تمديدها فترات طويلة، وتحويل الصراع فيها إلى صراع موضعي، في بعض النقاط والذي لن يؤثر إجمالا على استمرارية الهدنة. ومن الواضح أن مكائن الحرب قد أطفأت محركاتها، ونتيجة الأعطاب التي طاولت تلك المحركات التي اشتغلت بكامل طاقتها خمس سنوات، يصعب إعادة تشغيلها مرة أخرى، ذلك أن تلك المكائن باتت بحاجة إلى تجديد كامل قطع غيارها، وهو ما لا يبدو متوفراً في الزمن المنظور، وخصوصاً على مستوى الكادر البشري، بعد أن استهلكت أطراف الصراع رصيدها من الشباب القادر والقابل للحرب، وأن الجولة الأخيرة كانت آخر فترات الصراع الساخن.

في هذه المرحلة، ستعمل روسيا على ترتيب مسرح الحدث وإعادة صياغته، وذلك عبر استخدام مزيج من السياسة الناعمة والصلبة، بما يضمن تغيير ديناميكية الصراع، ويضعها بموقع الضابط المدير له:

عسكرياً: من المرجّح أن تعمل روسيا على اختراق القوة العسكرية للمعارضة، وفرط هيكلياتها، ومحاولة دمجها ضمن أطر جديدة تقترحها، تحت مسمى التعاون في محاربة الإرهاب، أو إعادة بناء قوة وطنية سورية، وهو ما بدأت عمله بالفعل عبر عمليات الاتصال والتنسيق مع الفصائل، لإنجاح الهدنة، وتسعى إلى تحويل هذا الأمر إلى عمليةٍ متكاملةٍ، وليس مجرد اتصالات لحظية، ولا شك أن روسيا ستواجه رفض بعض الفصائل المسلحة، لكن الغالبية ستدرك أن الخيارات والبدائل معدومة أمامها، في ظل تلاق روسي وأميركي، وانكفاء الحلفاء مكرهين، كما أن الفصائل التي ستبقى خارج العملية لن تستطيع وحدها، وبعد تفكيك المشهد العسكري وتجزئته، إنتاج مقاومة ناجحة ضد نظام الأسد وحلفائه، أما الآلية التي ستعتمدها روسيا، فهي في الاغلب عن طريق الاتصال المباشر، عبر ضباطها الموجودين في قاعدة حميميم، وستعرض روسيا على الفصائل مساعداتٍ من نوع معين، تثبت فيها حسن نيتها تجاهها.

"ستعمل روسيا على ترتيب مسرح الحدث وإعادة صياغته، وذلك عبر استخدام مزيج من السياسة الناعمة والصلبة، بما يضمن تغيير ديناميكية الصراع، ويضعها بموقع الضابط المدير له"

سياسياً: ستبدأ روسيا تشكيل تيار سياسي واسع من المعارضة والنظام، تيار ثالث يؤيد سياستها في سورية، وستذهب خطوة أوسع في هذا المجال، من خلال الاتصال بالزعماء المحليين العشائريين والدينيين، وستقوم بمبادرات مهمة في هذا المجال، عبر رفع الحصار عن المناطق المحاصرة، والضغط على النظام لإخراج جزء من المعتقلين. وفي هذه الأثناء، ستبدأ روسيا في البحث عن ثمن لبشار الأسد، بعد أن جرّدته من حاضنته، واستقطبت حولها جزءاً من رجاله، وهي في طور اختبارهم وفحص إمكانياتهم ومقبوليتهم.

على المستوى الإقليمي: من المرجّح أن تشكّل سورية منصّة لروسيا، وربما لأميركا، لضبط الحراك الإقليمي، وترتيب الفوضى الإقليمية، وضبط عمليات صعود القوى وصراعاتها، وصولاً إلى إعادة تشكيل المنطقة، جغرافياً وديمغرافياً، ويبدو أن لدى إسرائيل علما بهذا الأمر، والدليل اندفاعها للتنسيق الكامل مع روسيا في سورية ولبنان، وربما هذا ما أدركته، أخيراً، إيران وتركيا، وعلى أساسه تجري إعادة صياغة العلاقات بينهما، بناءً على هذا المتغير. ومن الواضح، هنا، الإشارة إلى حقيقة أن أميركا قرّرت ألا تسير خلف حلفائها، ولا تسمح للرؤوس الحامية داخل الإدارة بتطوير التناقض مع روسيا، ولا تريد التورط في حربٍ عالميةٍ بسبب سورية، وتريد من روسيا أن تفكك الصراع في الإقليم، بتفكيك ديناميات الأزمة السورية. وثمة هدف أميركي آخر، يتمثل بإشغال روسيا في ترتيبات الشرق الأوسط واستنفاد قوتها هناك، لأن إخراجها من سورية سيدفعها إلى الالتفاف إلى دول البلطيق (أستونيا ولاتفيا وليتوانيا)، وهو ما قد يهدد بإشعال حرب عالمية حقيقية، أو يدفعها إلى التنسيق مع الصين، بما يعرقل النشاط الأميركي في منطقة شرق آسيا.

روسيا الآن في وضع يسمح لها بالسيطرة والتحكم وتلقي العروض وفحصها، وطرح الشروط، لم تعد تسيطر فقط نارياً على المعارضة، بل هي باتت في وضعٍ، يسمح لها بالعبث باستقرار أوروبا، وإعادة تشكيل العالم العربي، وحتى الشرق أوسطي، وهي تمسك بكل المفاتيح اللازمة لإدارة خطوط سير الإنتاج، ويمكنها تحديد مواصفات المنتج وشكله، هل هذه مبالغة؟ الواقع أن هذه حقيقة مجردة وصادمة، فقد اختبرت روسيا حدود قوة كل اللاعبين إلى أقصاها "بما فيهم إيران ونظام الأسد"، وأوصلتهم إلى مرحلةٍ لا يملكون معها خيارات قوية، ولا هوامش مناورة، استثمرت في جنونها، وفي جبنهم، وهي تراهن على أنها لا تزال قادرةً على اللعب على الحافة، وأنهم ما زال لديهم ما يتنازلون عنه.

واجهت روسيا قوى غير منظمة، وغير جاهزة للحرب، وكل ما فعلته أنها كشفت مزاعم هذه القوى، وفككتها ونزعت كل أغطية الحماس عنها. وواجهت قوى منهكة بسبب فوضوية إدارتها للصراع، بدءاً من إيران التي هرولت مستنجدة بروسيا، وانتهت إلى قوة هامشية ومستأجرة لدى روسيا. كل الأطراف المواجهة لروسيا، أو تلك الحليفة لها، خاضت المعركة من دون رؤية إستراتيجية ناضجة، وافتقدت للمبادرة، في غالب الأحيان، وفي وقت استثمرت فيه روسيا عناصر القوة التي تملكها بشكل جيد، وأدارت مواردها وأصولها بكفاءة، وهو ما أهلها لفرض قواعد التعامل الخاصة بها على الآخرين، لم تستطع الأطراف الأخرى استثمار عناصر قوتها، ولا حتى اجتراح طرائق مناسبة، للخروج من خانة العجز التي وضعتها بها روسيا.

======================

خمس سنوات على الثورة السورية.. مقدمات وأجواء وتحولات .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الثلاثاء 15/3/2016

التباسات الثورة السورية كثيرة، وسوء الفهم هو الذي طالها، ولا زال الأمر ملتبساً ومشوّشاً، وربما أكثر من ذلك، حيث يصطف اليسار العالمي إلى جانب النظام، وتقف القوى الإمبريالية معه، أو تناور لمصلحته، وهكذا الدول الإقليمية. لهذا، لا بد من تحديد السياق التاريخي الذي انفجرت فيه، والظروف التي أحاطت بها، حيث ليس من الممكن فهمها من دون فهم ذلك كله. وبالتالي، لا يمكن فهم المسار الذي اتخذته، والواقع الذي وصلت إليه من دون ذلك. ولا شك في أن كل الثورات العربية تأثرت بالظروف العالمية والمحلية، وأصلاً كانت نتاج بعضها. لكن، كان الأمر أكثر تعقيداً في سورية.

الأزمة المالية العالمية في 2008

شكّل انفجار الأزمة المالية في سبتمبر/ أيلول سنة 2008 نقطة تحوّل عالمي، فهي ليست أزمة مالية عابرة، خصوصاً وأن النمط الرأسمالي بات يخضع لسيطرة الطغم المالية، بعد أن أصبح "اقتصاد المضاربة" هو الأساس في الاقتصاد الرأسمالي، فقد أصبحت أسواق الأسهم والمديونية والمضاربة على النفط والسلع والعملة، وسيادة "الاستثمار قصير الأجل"، هي السمات الطاغية في النمط الرأسمالي، وهذا ما جعله اقتصاداً أزموياً (أو مأزوماً)، نتيجة الآثار التي يتركها هذا النمط من النشاط الاقتصادي على بنية الرأسمالية، ما يسمح بنشوء "الفقاعات"، نتيجة التراكم التضخمي المتسارع.

"كل الثورات العربية تأثرت بالظروف العالمية والمحلية، وأصلاً كانت نتاج بعضها. لكن، كان الأمر أكثر تعقيداً في سورية"

لقد أظهر انفجار الأزمة تلك مدى التعقيد الذي باتت تعيشه الرأسمالية، ومدى الضعف الذي بات يحكمها. لأن سيادة الاقتصاد المالي على الاقتصاد الرأسمالي يؤدي إلى احتلالات كبيرة، ليس من الممكن ضبطها، بالضبط بفعل التراكم التضخمي الذي ينتج عن اقتصاد المضاربة والديون والاستثمارات قصيرة الأجل. وإذا كانت الأزمات الرأسمالية السابقة تجد حلاً لها، وكانت أزماتٍ ناتجةً عن مشكلات فيض الإنتاج، فإن الأزمة الراهنة التي أتت نتيجة "فيض الأرباح" لا يبدو أن هناك إمكانية لحلها. هذا ما ظهر بعد سنوات من الأزمة، وظهر أن احتمالات تكرارها كبيرة وحتمية. وإذا كانت قد أصابت الاقتصاد الأميركي، فقد أثّرت في مجمل الاقتصاد الرأسمالي. وبالتالي، يمكن القول إن هذا الاقتصاد بات معرّضاً لأزماتٍ مستمرة، متكرّرة، وربما تكون أسوأ من الأزمة السابقة.

وتعيش أوروبا أزمة ديون "دول الجنوب" (اليونان وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال)، وهي مهدّدة بانهيار كبير كذلك نتيجة احتمالات عجز تلك الدول عن سداد ديونها. وبات الحل يقوم على فرض سياسة تقشّفٍ، تلقي ملايين العمال والموظفين والفلاحين في الفقر. وكذلك تعيش بلدان أوروبا الشرقية أزمات كبيرة نتيجة الإفقار الذي تعمم فيها.

هذا الوضع يعني أن النمط الرأسمالي ككل مأزوم، وأن الرأسمالية باتت عاجزةً عن حل أزمته، لأنها تتعلق بتضخم مرضي في القطاع المالي. ولضرورة تحقيق التراكم المتصاعد والمتضخم، يجب نهب المجتمعات، بما في ذلك المجتمعات الرأسمالية نفسها. وهذا ما يجعل الانفجارات الاجتماعية وتفجّر الصراع الطبقي ممكناً، بل حتمياً. لقد بات العالم "على صفيح ساخن"، وباتت احتمالات الثورة كبيرة، ليس في منطقة واحدة فقط، ولا في الأطراف فحسب، بل حتى في البلدان الرأسمالية نفسها. إذن، تشهد الرأسمالية أزمةً عميقةً لا حل لها، وما قامت به الطغم الرأسمالية هو السعي إلى إدارتها، حيث يجري تأخير حدوثها أو تخفيف آثارها. ليبدو العالم على أبواب ثوراتٍ كبيرةٍ، نتيجة ذلك، ونتيجة السياسة التي تستخدمها الرأسمالية، ليس من أجل حل الأزمة، بل من أجل زيادة التراكم المالي عبر الديون والنهب والمضاربات، والتي تتمثل في سياسة التقشف، وخصخصة "كل شيء"، بما يلقي كل العبء على الشعوب.

ولا شك في أن انفجار الثورات العربية كان نتيجة تلك الأزمة، بعد مسار من الانهيار الاقتصادي، بدأ من سبعينات القرن العشرين، وهدف إلى نهب "القطاع العام"، والمجتمع، وتحكّم الطغم الإمبريالية ورأسمالية مافياوية محلياً. وهي حالةٌ، يمكن أن تحدث في بلدان أخرى، في حال حدوث أزمات جديدة. هذا الوضع هو الذي كان يجعل الرأسمالية قلقة، وتخاف الانفجارات الاجتماعية. في المقابل، هي عاجزة عن تخفيف نهبها، لأن الطابع التضخمي للتراكم المالي يفرض زيادة النهب، وليس تخفيفه. لهذا وجدنا أن سياسة توسيع الخصخصة وزيادة الأسعار والضرائب والنهب زادت بعد الثورات، على الرغم من أن الفقر والبطالة والتهميش كانت كلها في أساس هذه الثورات.

ولا شك في أن انفجار الثورات العربية كان يؤشّر إلى الأخطار التي باتت تحيق بالرأسمالية. لقد أشّرت إلى آثار الأزمة التي لا حل لها، وبالتالي، إلى إمكانية انتشارها عالمياً.

ثانياً: التوضُّع الجديد لأميركا

ضربت الأزمة أميركا بالأساس، فهي مركز التراكم المالي، وحيث تظهر هيمنة الطغم المالية. وإذا كان واضحاً أن أميركا تعيش أزمة منذ سبعينات القرن العشرين، كان يجري تحديدها في ثلاث عناصر: العجز في الميزان التجاري، حيث باتت تستورد أكثر مما تصدر، والعجز في الميزانية، حيث باتت تنفق أكثر من مدخولها كدولة، وتراكم المديونية بشكل كبير. إذا كان واضحاً ذلك، فقد ظهرت أزمة الاقتصاد عبر حالات الإفلاس المستمرة، ومن ثم تمركز الشركات، وتزايد دور المال، بعد أن تضخّم التراكم المالي على حساب الاقتصاد الحقيقي. وهو ما دفع بعد انهيار الاشتراكية إلى محاولة السيطرة المباشرة على العالم عبر الحروب. وعلى الرغم من احتلالها أفغانستان والعراق، وتوسيع قواعدها في العالم، لم تمنع انفجار الأزمة سنة 2008. فقد أصبحت أميركا المثال على هيمنة المال على الرأسمال، وهذا ما ظهر في انفجار أزمة الرهن العقاري التي أوضحت تضخم القروض، من دون ضمانات كافية.

"النمط الرأسمالي ككل مأزوم، وأن الرأسمالية باتت عاجزةً عن حل أزمته، لأنها تتعلق بتضخم مرضي في القطاع المالي. ولضرورة تحقيق التراكم المتصاعد والمتضخم، يجب نهب المجتمعات، بما في ذلك المجتمعات الرأسمالية نفسها"

كان واضحاً أن تجاوز الأزمة ليس ممكناً، وأن ما هو ممكن هو إدارتها، مع توقّع حدوث أزمات أخرى، فالفقاعات كثيرة، ويمكن، في كل لحظة، حدوث ما يؤدي إلى انفجارها. ولقد أدت الأزمة إلى كشف ضعف القدرة المالية للدولة الأميركية، بعد أن باتت المديونية تساوي الدخل القومي. وهو ما فرض إعادة النظر في كل الوضعية التي عملت على أساسها الإدارات الأميركية، منذ انهيار الاشتراكية، حيث سعت أميركا إلى مدّ سيطرتها، لكي تشمل العالم، من أجل التحكم بالنفط والأسواق والمواقع الإستراتيجية، وضمان تنافس لا متكافئ مع الرأسماليات الأخرى، يصبّ في مصلحتها، لتعديل كلية وضعها الاقتصادي. لقد سعت لكي يكون العالم أحادي القطب، ومتحكماً به، بلا منافسين. وهي السياسة التي بدأت بالحرب على العراق سنة 1991، وامتدت إلى سنة 2008، حيث انفجرت الأزمة.

أدى الفشل في حل الأزمة، ومن ثم العمل على إدارتها، إلى تغيير كبير في المنظور الأميركي للعالم. لم تعد تعتقد أن في مقدورها السيطرة وفرض أحادية القطب، حيث فرضت الأزمة تقليص ميزانية الجيش، وتخفيض عديده. وبالتالي، بات عليها أن تعيد النظر في توضعها العالمي بما تسمح به قدراتها، وعلى أساس ما تعتقد أنه أولوية لها. لهذا، أقرّت إستراتيجيةً تنطلق من أن أولويتها هي منطقة آسيا والمحيط الهادي (الباسيفيك)، لأنها اعتبرت أن الخطر الممكن ربما يأتي من الصين، التي تتقدّم بشكل لافت، ولقد باتت القوة الثانية على الصعيد الاقتصادي. مما جعلها تمركز قواتها هناك، وتوصلت، أخيراً، إلى عقد شراكة إستراتيجية مع عدد من دول المنطقة.

كانت هذه الإستراتيجية تبعدها عن "الشرق الأوسط"، ما دامت قد نقلت أولويتها، من دون أن تكون بلدان الخليج العربي (وبضمنها العراق) مشمولة بذلك، حيث ظلت تخضع لمبدأ كارتر الذي يعتبرها جزءاً من الأمن القومي الأميركي. بالتالي، قرّرت الإدارة الأميركية سياسة "انسحاب تدريجي". وضمن هذه الوضعية، باتت تسعى إلى بناء تحالفاتٍ جديدة على ضوء الخوف من "الخطر الصيني". وهنا، باتت معنية بتطوير علاقاتها مع روسيا، وأيضاً مع إيران، على الرغم من الخلافات التي كانت لا زالت قائمة معها، والتي لا زال بعضها قائماً.

ما يمكن قوله هنا هو أن إستراتيجية بوش الإبن قُبرت، وتراجع الاهتمام بالمنطقة العربية نسبياً، وبات منظورها لا مبالياً بشكلٍ ما. كل ذلك بمعنى التمسك بالسيطرة على الدول، كما كان الأمر في السابق. بالتالي، تراجع اهتمامها بالسيطرة عليها، على الرغم من أن تراجعها لم يكن سريعاً، وليس بدون تدخلات.

ثالثا: تموضع النظام

كانت سياسة بوش الإبن تدفع النظام السوري إلى الخلاف معها، حيث كان الهدف هو تغيير النظام وفرض نظام "طوائفي" تحكمه "السنّة". ولهذا، ظهر أنه جزء من محور "مناهض" لأميركا، وهو ما أسمي محور "الممانعة"، وضم تركيا وقطر وإيران والنظام في مقابل المحور الاعتدال الذي كان بقيادة السعودية، وبدعم أميركي. ولقد أظهر اغتيال رفيق الحريري هذا التناقض بين المحورين، وأظهر أن أميركا تريد تغيير النظام، على الرغم من سعي "رجال الأعمال الجدد" المشكّلين من العائلة وروابطها (الأسد، مخلوف، شاليش) إلى فتح الخطوط معها، وتحقيق التفاهم الضروري لاستمرار النظام.

ظهر سنة 2005 أن أميركا والسعودية يعملان من أجل تغيير النظام، مستفيدين من مقتل رفيق الحريري، الذي أفضى إلى انسحاب القوات السورية من لبنان، وتصاعد الضغط الدولي عليه. لكن، فشل التغيير، وأفضت الأزمة المالية إلى نجاح باراك أوباما، الذي أتى بسياسة جديدة، قامت على التهدئة في "الشرق الأوسط"، والانسحاب من العراق، وتجاوز الصراع الذي كان يبدو أنه ضد الإسلام.

وإذا كان النظام يتمترس خلف "محور الممانعة" المتشكل من تركيا وقطر وإيران، فقد سارع إلى التجاوب مع سياسة أوباما الجديدة. لهذا، أخذت تتطور العلاقة بين البلدين خلال سنة 2009 وسنة 2010، إلى الحدّ الذي جعل سفير النظام في واشنطن، عماد مصطفى، يعبّر عن فرحه للتطور الذي شهدته العلاقة بين البلدين. انتهى اهتمام أميركا بسورية، لهذا جرى التخلي عن سياسة بوش الإبن، وهو ما سمح بإعادة العلاقات وتطورها بشكل سريع.

مع السعودية التي كانت أكثر تأثراً باغتيال "صديقها" الحريري، فقد شهدت سنة 2010 أيضاً تحسناً في العلاقات خلال مؤتمر القمة العربي في الكويت. فقد التقى الملك عبدالله بن عبد العزيز بشار الأسد، وعطف عليه، وقرّر دعم سورية مالياً. طبعاً، لم تكن إيران المتحكم بالنظام الأساسي حينها، بل كانت كل من تركيا وقطر الدولتين الأكثر تأثيراً على النظام. ويبدو أن السعودية كانت تعرف أنها قادرة على جذب النظام إلى جانبها، بعد أن أخذ الخلاف مع قطر يتصاعد.

في هذا الوضع، يكون النظام قد حسّن علاقاته الدولية والعربية (كانت روسيا خارج المعادلة حينها)، وأخذ يرتب وضعه على أساس علاقات جيدة مع أميركا التي كان طموح المافيا الجديدة تطوير العلاقات معها منذ البدء، ومع السعودية التي ظلت حليفاً للنظام منذ أيام حافظ الأسد، ولم يخرّبها سوى قتل رفيق الحريري. وبالتالي، استقبل النظام سنة 2011 وهو في وضع مريح خارجياً. وكان محور الممانعة يتلاشى، في مواجهة تلاشي المحور الآخر.

"إذا كانت المرحلة الأولى من الثورة قد شهدت تدخلاً إقليمياً لوقفها، وصدّ موجة الثورات التي امتدت من تونس إلى سورية، فقد بات مطلوباً في المرحلة الثانية أن تتحوّل الثورة إلى مجزرة، لكي تكون مثالاً "مبهراً" في العنف والوحشية، يخيف شعوب العالم المتحفّزة للثورة"

بهذا، لم يكن النظام حين بدأت الثورة في تناقض مع أميركا ولا مع السعودية، وكان في علاقات "حميمة" مع كل من تركيا وقطر، وعلاقات ثابتة مع إيران. وبالتالي، كان يتكسر الحصار الذي فرضته أميركا حوله منذ سنة 2005، وينفتح على العالم، محسّناً من وضعه وتموضعه. وكان يعتبر أن وضعه "الطبيعي" أن يكون في علاقة جيدة مع أميركا، القوة المسيطرة عالمياً، والتي جهد، منذ ما بعد احتلال العراق، إلى تأسيس علاقة وثيقة معها. بالضبط، لأن نشاط المافيا الاقتصادي الذي يتحقق خارج سورية من الأموال التي تنهبها منها، يجب أن يجد ظروفاً مناسبة، لا أن يقع تحت بند العقوبات الأميركية، كما حدث منذ سنة 2005 واستمر إلى سنة 2010.

رابعاً: تتالي الثورات العربية

 

إذا كانت الرأسمالية تعيش أزمة عميقة، واحتقاناً قابلاً للتفجّر. وكانت أميركا نتيجة أزمتها قد أخذت تنسحب من الشرق الأوسط، ومن ثم كان النظام السوري قد أعاد ترتيب علاقاته العربية والدولية. فإن نشوء الثورات وامتدادها من تونس إلى مصر واليمن والبحرين وليبيا ثم سورية، وانتشار الحراك في الجزائر والمغرب وعُمان والأردن والعراق، قد أوجد حالةً من الخوف لدى دول إقليمية مثل السعودية وحتى إيران، ودولية مثل روسيا وخصوصاً أميركا. فالحالة تخيف نتيجة هذا الامتداد السريع، والذي يعني أن الثورات من الممكن أن تتوسّع في عالم يعيش أزمة عميقة، وأطراف نهبت خلال العقود السابقة بشكل مشابه.

باتت أزمة الرأسمالية التي تفجرت في المركز تلقي بظلالها في الأطراف، وهذا ما يجعل انفجار الثورات العربية مؤشراً على خطر قادم، خطر توسّع الثورات إلى بلدان أخرى، مهيأة للثورة، بعد أن نهبت وأُفقرت وهُمّشت. وأيضاً، كان امتدادها العربي يخيف دولاً، مثل السعودية، من انتقال الثورة إليها، نتيجة وجود ظروف اقتصادية اجتماعية (البطالة والفقر والتهميش) مشابهة.

هذا ما يوضّح طبيعة التعامل المختلف بين الثورات الأولى (تونس ومصر) والوسطى (اليمن والبحرين) والأخيرة (ليبيا، وخصوصاً سورية). فقد عملت الإدارة الأميركية على تحقيق تغيير سريع في كل من تونس ومصر، من أجل إنهاء الثورات بسرعة، حتى وإنْ كان ذلك على حساب إبعاد الرئيس. كان الهدف هنا هو منع تفاقم الثورة، وإنهائها قبل أن تمتدّ إلى بلدان أخرى. لقد أرادت "إطفاء الحريق" بالسرعة الممكنة، لكي لا يتوسّع إلى بلدان أخرى. حدثت هذه المحاولة في البحرين، حيث سحقت قوات "درع الجزيرة" السعودية الاحتجاجات، وفي اليمن عبر "المبادرة الخليجية". وفي ليبيا، تقرَّر تدخل حلف الأطلسي عبر الطيران. لكن، يبدو أن الأمر بات بحاجة إلى شكل آخر، بعد أن استمرت الثورة في سورية، وباتت تهدد النظام، حيث يبدو أن أميركا كانت تعتقد أن النظام قادر على سحق الثورة.

أصبح مطلوباً وقف المدّ الثوري في سورية، وقف هذه الموجة التي كانت لا زالت تتوسع عبر الحراك في العراق والأردن والمغرب، واستمرار الثورة في اليمن، على الرغم من محاولات الالتفاف السعودية. بات الهدف وقف المدّ الذي انطلق من تونس، لكي لا يتوسع إلى بلدان أخرى، وكانت السعودية مهيأة لذلك، نتيجة انتشار البطالة والفقر والتهميش، وبالتالي، باتت هي المعنية أكثر في وقف هذا المدّ. باتت معنية بوقف الثورة في سورية وسحقها، هذه كانت أولويتها، وأساس سياستها منذ 15/ 3/ 2011. فالخطر بات ليس إيران، كما كان يروَّج، ولا تحالف النظام مع إيران كما كان يُكرَّر، بل الثورة. وعلى أساس ذلك، بنت سياستها التي قامت على مساعدة النظام في افشال الثورة. هذه نقطة مهمة، بغض النظر عن كل التصريحات التي كانت تُطلق، على الرغم من أن الموقف السعودي في السنة الأولى لم يكن واضحاً، أو داعماً للمعارضة السورية، حدث ذلك فقط نهاية سنة 2012، بعد أن صدرت مبادئ جنيف1، وجرى ترتيب المعارضة الخارجية، بما يجعلها توافق على تلك المبادئ، ومن ثم جرى تحويل "الملف السوري" من قطر إلى السعودية. وتغيّر نحو دعم بعض أطراف المعارضة بعد التدخل العسكري الإيراني، عبر حزب الله ثم مباشرة. لكن، في كل الأحوال، كان الهدف السعودي منع انتصارها عبر التزام السياسة التي قرّرها النظام، بإظهار أن الثورة "حراك سنّي"، ومجموعات سلفية إرهابية. فكان دورها تحويل ثورة الشعب إلى حراك سنّي، والكتائب المسلحة إلى مجموعات أصولية.

تطور الأمر مع استمرار الثورة، وتصاعد وحشية السلطة، وإدخالها المجموعات الأصولية طرفاً في الصراع، لتأكيد خطابها المسبق، لكن لتخريب بيئة الثورة، واختراق هذه البيئة عبر تلك المجموعات. وأيضاً استخدام كل أنواع الأسلحة ضد الشعب، والإيغال في القتل والتدمير. فقد بات منذ سنة 2013 ودخول قوى إيران الصراع ضد الشعب، أن أميركا خصوصاً، وكل الرأسمالية التي تخاف الثورات، باتت معنيةً بتحويل الثورة إلى مجزرة، لكي تكون مثالاً لكل شعوب العالم المفقرة والمضطهَدة، والتي تتحفز للثورة، بما يردعها. كانت الرأسمالية بحاجة إلى مثال، مثال كيف أن كل تمرُّد على النظم والرأسمالية يقود إلى مجزرة.

"كان الوضع في سورية يشي باحتمالات الثورة. لكن، لم يكن الاحتقان قد تراكم بما يسمح بكسر حاجز خوفٍ بني على العنف والوحشية. لهذا، ساعدت الثورات العربية في تفجرّها. ونتيجة هذا الوضع، استمر توسعها عاماً كاملاً، لكي تصل إلى معظم سورية، أي من درعا إلى حلب"

ربما هذا هو ما دفع أميركا لتسهيل دور داعش والنصرة في خدمة النظام، ومن ثم لتدخلها بحجة "الحرب ضد داعش"، حيث توسعت بعد هذا التدخل. حيث بدا أن الصراع هو "ضد الإرهاب"، أي "ضد داعش"، وليس صراع شعب ضد نظام من أجل الحرية والعيش الكريم. كل ما بات يركّز عليه الإعلام الغربي هو أن الثورات تقود إلى الفوضى، هذه الفوضى التي تستغل من المجموعات الأصولية، ويتحوّل الصراع إلى "حرب أهلية" و"صراع طائفي"، وعمليات قتل وتدمير وحشية. على الرغم من أن ذلك كله هو "من صنع" النظام والقوى الإمبريالية والدول الإقليمية (السعودية خصوصا، ومن ثم قطر وتركيا).

لهذا، نجد أن الإعلام وخطاب النظام بات ينطلق من أن سورية مثال جيد على كيف أن التمرّد يفضي إلى القتل والتدمير والتهجير، لكي يقول إن قبول الوضع القائم، على الرغم من كل سوئه، أفضل من التمرُّد عليه.

إذا كانت المرحلة الأولى من الثورة قد شهدت تدخلاً إقليمياً لوقفها، وصدّ موجة الثورات التي امتدت من تونس إلى سورية، فقد بات مطلوباً في المرحلة الثانية أن تتحوّل الثورة إلى مجزرة، لكي تكون مثالاً "مبهراً" في العنف والوحشية، يخيف شعوب العالم المتحفّزة للثورة، نتيجة أزمة الرأسمالية، وميلها إلى زيادة إفقار الشعوب، ودفعها إلى البطالة والتهميش. كان عمق أزمة الرأسمالية يفرض أن ينشأ مثال على نتائج كل تمرُّد عليها، مثال وحشي، يهدف إلى ردع الشعوب عن الثورة. إذن، هو مثال "مصنوع"، ككل أفلام هوليود. خصوصاً وأن الرأسمالية مضطرة لأن تزيد في نهبها واستغلالها وإفقارها الشعوب، نتيجة طابعها الذي يتسم بالمضاربة.

بالتالي، ما يجري في سورية هو من صنع متعدّد، على الرغم من كل "التناقض" الذي يبدو بين الأطراف المتدخلة في الصراع، فلم تكن مشكلة أميركا هي "الخلاف" مع النظام (على الرغم من أن الخلاف كان قد انتهى كما أشرنا)، بل كان في الخوف من الثورة. وأيضاً، لم تكن مشكلة السعودية علاقة النظام بإيران (كانت العلاقة قد عادت إلى "طبيعتها") بل كانت في الخوف من امتداد الثورة إليها. وهكذا إيران وروسيا ودول أخرى ظلت تدعم النظام، علناً أو خفية. تمركز كل الهجوم على الثورة إذن، من كل الأطراف التي رأت في الثورات خطراً عليها، في عالم متفجّر وثوري. وهذا الرد هو نتاج الأزمة العميقة التي تعيشها الرأسمالية، ورد الدول التي نهبت شعوبها وأفقرتها، فقد كانت هناك ضرورة لـ "اطفاء الحريق"، وتحويل نتائجه إلى مثالٍ على ما يمكن أن يفضي إليه كل تمرّد أو ثورة.

خامساَ: طبيعة بنية النظام

كل ما أشرت إليه يتعلق بالوضع الدولي وعلاقة النظام الدولية، والذي كان يؤشّر إلى أن الهدف الرأسمالي كان "إطفاء الحريق"، وأن أميركا كانت تنسحب من "الشرق الأوسط"، على الرغم من أنها باتت معنية بتحويل الثورات إلى مجزرة، وأن النظام السوري كان قد استعاد علاقاته مع أميركا والسعودية، بعد أن كانتا في صدام معه. الآن، لا بد من تلمّس بنية النظام الذي كان يسعى إلى التكيف مع أميركا والرأسمالية، على الرغم من أنه كان مهدداً بالإسقاط من تلك الدول، قبل أن يركن إلى علاقاتٍ جيدة معها. وبالتالي، لماذا كان وضع سورية مشابهاً لأوضاع البلدان التي حدثت ثورات فيها؟

إذا كان النظام "تنموياً"، وكان "القطاع العام هو أساس الاقتصاد، فقد أخذت الأمور تتغير منذ سنة 1991، حيث صدر المرسوم رقم 10 الذي يتعلق بالسير في طريق توسيع دور القطاع الخاص، وتحقيق الانفتاح الاقتصادي. ربما توقفت هذه السياسة نهاية سنة 1996، بعد مرض حافظ الأسد، لكنه عاد بقوة بعد استلام بشار الأسد، حيث ظهر أن الفئات التي نهبت "القطاع العام"، طوال السنوات السابقة، خصوصاً آل مخلوف (خال بشار الأسد) وشاليش (أولاد عمته)، قد تقدّمت، لكي تفرض منظورها الاقتصادي، وتصبح الفئة المسيطرة، ليس في الاقتصاد فقط، بل في الدولة كذلك. فتسرّع في تحقيق الانفتاح الاقتصادي عبر "اقتصاد الصدمة" الذي اكتمل سنة 2007. وقد حدث خلال ذلك تحويل في بنية الاقتصاد، حيث انهارت الزراعة، نتيجة ارتفاع أسعار المازوت والبذور والأسمدة، وحدثت هجرة كبيرة من أهم المناطق الزراعية (منطقة الجزيرة)، كما جرت خصخصة المشاريع الناجحة في "القطاع العام"، وترك المشاريع الأخرى في حالة "موت سريري"، وأدى الانفتاح إلى انهيار صناعات أساسية، مثل النسيج والصناعات الغذائية والأدوية. وتشكّل اقتصاد يقوم على الخدمات والعقارات (بالتشارك مع الرأسمال الخليجي)، وأصبح الاستيراد السمة التي تحكم التجارة بعد تراجع الصادرات، واستيراد السلع التي كانت تنتج محلياً. بالتالي، تحوّل الاقتصاد إلى اقتصاد ريعي، تتحكم به فئة مافياوية عائلية (آل الأسد ومخلوف وشاليش) مع شركاء آخرين، بالتحالف مع البورجوازية التقليدية في دمشق وحلب. وهذا هو التحالف الطبقي الذي بات يحكم سورية بشكل مباشر منذ سنة 2007، وهو التحالف الذي بات يتحكم بنسبة 60 إلى 70% من الاقتصاد (والعائلة كانت تتحكم بنسبة 30%). ليظهر تمركز الثروة بيد أقليةٍ حاكمة، كانت تصدّر أرباحها إلى الخارج، من أجل الاستثمار في الخليج أو تركيا أو أوروبا الشرقية.

في المقابل، ونتيجة تحويل وضع الاقتصاد وتراجع فرص العمل لدى خريجي الجامعات، وصلت نسبة البطالة إلى 30/33% من القوى العاملة. وعلى الرغم من تصاعد أسعار السلع، نتيجة اللبرلة والتحوّل نحو الاستيراد، ظلت الأجور ثابتةً، أو ازدادت بشكل هامشي. فقد باتت أجور "القطاع العام" هزيلة، وكانت أجور القطاع الخاص أهزل، سوى التي تتعلق بالتقنيات الحديثة. لهذا، وحسب دراسةٍ أجريت سنة 2010، كان الحد الأدنى الضروري فيما يتعلق بالأجور هو 620 دولار (31 ألف ليرة)، بينما كان الحد الأدنى القائم هو 140 دولار (6000 ليرة)، ومتوسط الدخل هو 220 دولار (11 ألف ليرة). ولا شك أن هذا يظهر الفارق الكبير بين الضرورة والقائم، ويوضح مستوى الفقر الذي بات يحكم قطاعاً كبيراً من الشعب. وهذا طال العمال وموظفي الدولة وكثيرين من موظفي القطاع الخاص. وكان التشكّل الاقتصادي المشار إليه، وضعف القدرة الشرائية، يفضي إلى تراجع وضع فئات وسطى من المهنيين، الأطباء والصيادلة والمهندسين والمحامين والأساتذة، وانهيار وضع تجار متوسطين، مقابل استفادة فئة من كل هذه الفئات باتت تشكّل جزءاً من التحالف الطبقي الحالكم.

"أميركا لا تعتبر نفسها معنية بالسيطرة على سورية، هي تريد العراق. لهذا، لا تعمل في سورية من أجل منافسة روسيا، بل من أجل مساعدتها على السيطرة"

بهذا، باتت فئات فلاحية وعمالية، ومن الفئات الوسطى كبيرة العدد مفقرة، في اقتصاد كان يتحوّل إلى الريعية، ويمركز الثروة بيد أقلية، ويجمّد الأجور في وقتٍ كانت تشهد الأسعار، السلع والخدمات، ارتفاعاً كبيراً، ولا يسمح باستيعاب العمالة التي تدخل السوق سنوياً. لا شك في أن هذا الوضع هو وضع كل البلدان العربية التي شهدت ثوراتٍ وتحركات شعبية، ووضع كثير من بلدان الأطراف.

ربما كان الاختلاف يتمثل، أولاً، في تأخر انتصار اللبرلة (2007)، وثانياً طبيعة السلطة كدكتاتورية شمولية، واجهت معارضيها بوحشية، طوال سنوات حكمها، سواء بالسجن الطويل أو التدمير، كما حدث في حماة سنة 1982. وهيمنته على النقابات والاتحادات، وتفكيكه الأحزاب وتهميشها، وتدمير السياسة في المجتمع. لهذا، كانت ردود الفعل على التحولات الليبرالية ضعيفة، وربما لم تأخذ مداها، حيث بدأت الثورات العربية في 17/12/ 2010. ففي مصر، بدأت اللبرلة، منذ أواسط سبعينات القرن العشرين، وتصاعدت في تسعيناته. وفي تونس، بدأت اللبرلة كذلك منذ السبعينات. وكذلك في المغرب، وفي الثمانينات في الجزائر. وتأخر اللبرلة، مع عنف السلطة، لم يكن يسمح بحراكٍ احتجاجيّ جدي قبيل الثورات العربية، لتأتي الثورات نفسها عنصراً مفجّراً للثورة.

خلاصة

كان الوضع في سورية يشي باحتمالات الثورة. لكن، لم يكن الاحتقان قد تراكم بما يسمح بكسر حاجز خوفٍ بني على العنف والوحشية. لهذا، ساعدت الثورات العربية في تفجرّها. ونتيجة هذا الوضع، استمر توسعها عاماً كاملاً، لكي تصل إلى معظم سورية، أي من درعا إلى حلب.  وتطورت مواجهتها من عنفٍ إلى عنف أشدّ، حيث كان واضحاً أن النظام يريد الحسم العسكري فقط. وكانت طبيعة تكوينه تجعله يسير في هذا الطريق، حيث لا بد للمافيا الحاكمة، وللعائلة التي فهمت أن سورية ملكية خاصة لها، أن لا تقبل "الحل الوسط"، بل أن تسعى إلى الحسم، مهما كان العنف الضروري لذلك، والأساليب التي يمكن استخدامها من أجل الوصول إلى ذلك. ومن ذلك إطلاق "جهاديين" من السجون، لكي تشكّل تنظيمات أصولية إرهابية.

وكان الخوف من انتشار الثورات أكثر قد دفع نظم إقليمية لكي تشتغل على إعاقتها ووقفها. ودفع الطغم الإمبريالية إلى أن تدفع، مستفيدة من وحشية النظام ودخول القوى الأصولية وتدخل دول إقليمية، نحو أن تتحوّل الثورة إلى مجزرة، لكي تكون مثالاً يخيف شعوب العالم من كل ثورة. باتت سورية، إذن، مركز وقف الثورات وتحويلها إلى مجزرة. لهذا، تدخلت كل القوى، الإمبريالية والإقليمية، من أجل إجهاض الثورة وتحقيق ذلك. كانت هذه هي المسألة الأهم بالنسبة للرأسمالية عموماً، وهي الضرورة التي يجب أن تردع الشعوب، في عالمٍ مقبل على الثورات، نتيجة الأزمة العميقة التي تعيشها الرأسمالية.

وإذا كان يُفهم ما جرى في سورية، انطلاقاً من المنظور الذي حكم اليسار في الحرب الباردة، حيث باتت أميركا هي التي تفتعل الصراع في سورية عبر "مؤامرة"، فإن فهم استراتيجية أميركا ما بعد الأزمة يمكن أن تلقي الضوء على دورها ومواقفها. ولقد أشرت إلى أن العلاقة الأميركية السورية عادت "إلى طبيعتها" سنة 2010، والى انسحاب أميركي من المنطقة، فإن الموقف الأميركي كان مربكاً في السنة الأولى من الثورة، لكنه لم يكن يسمح بتدخل دول "حليفة"، مثل تركيا وقطر في الصراع، ومن ثم تفاهم مع روسيا على الحل، وبات يدعم الدور الروسي لرعاية مرحلة انتقالية (كما صرّح باراك أوباما بداية سنة 2012). وحين تدخلت إيران، ولم يستطع الروس تحقيق الحل، جاء تدخلهم غير المباشر أولاً، ثم بشكل مباشر. لكن، من أجل محاربة داعش (كما قالت). ولا شك في أنها شاركت في توسيع دور المجموعات الأصولية، داعش والنصرة، وضبطت ما يمكن أن يرسل من سلاح للكتائب المسلحة، ودعمت الدور السعودي في الأسلمة والسيطرة على المسلحين. بمعنى أن الموقف الأميركي تطوّر من محاولة تحقيق حل روسي ينهي الثورة، إلى دعم تفاقم الصراعات وتحويلها إلى صراعاتٍ طائفية وأهلية، وإرهابية. وما أرادته، هنا، كما أشرنا قبلاً، هو تحويل الثورة إلى مجزرة. لكنها لا زالت تعمل على أن تكون روسيا راعية الحل، والمسيطرة على سورية. على الرغم من الخلافات والاحتكاكات التي تظهر أحياناً، وعلى الرغم من الغباء الروسي الذي يفشل الوصول إلى حلول، فأميركا لا تعتبر نفسها معنية بالسيطرة على سورية، هي تريد العراق. لهذا، لا تعمل في سورية من أجل منافسة روسيا، بل من أجل مساعدتها على السيطرة.

======================

صندوق الثورة الأسود .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الثلاثاء 15/3/2016

تجد المعارضة السورية نفسها سجينة صندوق مغلق، أرضيته عسكرية وسقفه سياسي، تمنعها أوضاعها الراهنة من فعل أي شيء جدّي حياله، لا سيما وأنها ليست هي التي صنعته، وأنها تجد نفسها مجبرةً على الرضوخ له والانصياع لمتطلباته، وعمل حساباتها في ضوء ما يقرّره صنّاعه الذين لا ينتمون إليها، ولا يوافقون على خياراتها وأهدافها، لكنهم يسمحون لها بحرية التحرك بين أرضية الصندوق وسقفه، المغلقين بإحكام، كي لا تبذل الفصائل المعارضة أي جهد، ولا تضع أية خطط لإخراج الثورة منه، ولا تنسى أنه محروس بقوى عربية وإقليمية ودولية تتحكم به، لا قبل لأحد داخله أو خارجه بمواجهتها، وليس من حقه الاعتراض على ما تبديه من آراء، وتتخذه من مواقف، وتدافع عنه من مصالح. ومن دواعي انضباطه بالصندوق خوفه من غضب صنّاعه الذين صاروا أولياء نعمة، وأمر المعارضة التي ترتبط دورة حياتها بهؤلاء: بما يقدمونه لها من أسباب الحياة والاستمرار من حينٍ إلى آخر، ويمنّون به عليها من أعطياتٍ تعزّز دور من يمسكون بمن هم داخله من أهل الثورة وقواها.

لم يكن "لممثلي" الثورة السورية (الأصح القول للممثلين على الثورة السورية) أي دور في تحديد سقف الصندوق السياسي، أو تقرير هوية ودور العسكر الذين يحتلون أرضيته. أما حركتهم داخل الصندوق فكانت، بطبيعة الحال، عشوائية وكيفية ومحدودة، ومرسومة بصورة مسبقة إلى أبعد حدّ يمكن تصوره، وافتقرت افتقاراً مخزياً إلى ما يلبي حاجة الثورة السورية برامج وخطط تساعدها على بلوغ الحرية، وبلورة خيارات ذاتية، وقرارات مستقلة نسبياً. وليس سراً أن هؤلاء ظلوا دوماً محكومين بمساحة الصندوق الداخلية الضيقة، والتي تضيق وتتسع بقرارٍ من صانعيه والقائمين على حراسته. ربما كان هذا يفسر تلاشي دور ممثلي المعارضة المتزايد، ويكاد يكون غائبا تماماً، في معظم القضايا التي تطرح نفسها عليها في محبسها داخل الصندوق الذي كلما تحرّكت المعارضة إلى الأعلى، ارتطم رأسها بسقفه الشديد الانخفاض، وإلى الأسفل اصطدمت قواها العسكرية بأرضيته القاسية. ويزداد الأمر سوءاً إن فكّرت بالخروج عسكرياً منه إلى ميادين القتال، أو سياسياً إلى مراكز تجمع وإيواء ملايين السوريين المشردين في أربع جهات الأرض: مادة الثورة البشرية التي لا تملك القدرة على إقامة علاقة مباشرة معهم، لأن تواصلها الحر معهم، أو تواصلهم غير المقيد معها يعني خروجها من الصندوق، وهو محظور وتحول دونه عقباتٌ متنوعةٌ، في مقدمها ضيق ذات يد الثورة، وافتقارها ما يمكّنها من إقامة علاقاتٍ منظمةٍ مع شعبها الذي صار بالنسبة لها افتراضياً.

"لا فائدة من أي جهد إصلاحي، أو تغييري، يلتزم بقواعد الصندوق، والتي تبقي من هم داخله عاجزين، وخارجه ضائعين ومشتتين"

يضيق الصندوق عندما يتصاعد النضال الثوري السوري، ويكبر دور حامله المدني والشعبي في الصراع من أجل الحرية. عندئذٍ، يستخدمه صنّاعه للضغط على من يعيش وينشط من السوريات والسوريين خارجه، ويُستعان بالدور التعطيلي لمؤسسات المعارضة التمثيلية التي تنسق أفعالها وأقوالها مع الجهات التي أقامته، وتقصر الجزء الأكبر من جهدها على تقييد حراك الطاقات الشعبية والقدرات المجتمعية المدنية والحرّة.

السؤال الذي يطرح الآن: هل تتوفر لمن نصّبوا ممثلين لثورةٍ لم يكن لمعظمهم أية علاقة نضالية بالظروف التي أنجبتها، أو أي دور في انفجارها، القدرة على والرغبة في الخروج من الصندوق الأسود الذي يحتجز إرادة شعب سورية، وقدرات قواه الثورية، واقتصر دورهم إلى اليوم على المشاركة من موقع التبعية في إدارة مآزق وطنهم، وإبقاء قضيته حبيسة حسابات الذين بنوا جدران صندوقٍ محكمة الإغلاق، تستحيل مبارحته، بغير خوض معركة وطنية الخيارات ضده، ينخرط فيها ثوريون مؤمنون بحق شعبهم في الحرية والقرار الوطني المستقل، يرفضون الانصياع لأية جهةٍ، ترى في ثورتهم مسألة برانية من مسائل سياساتها الخارجية، أو علاقاتها وصراعاتها الإقليمية والدولية. بما أن من صنعوا القفص جلبوا معظم ممثلي المعارضة الحاليين من عالمٍ، لا يمت إلى الثورة بصلة، ووضعوهم في مواقع لعبوا عبرها دوراً يُصادر إرادة الشعب، ويمنع سجناء الصندوق من تغيير وضعهم، عبر تواصلٍ منظمٍ وثوريٍّ مع القوى المدنية والثورية خارجه، أو/ وتمكين من هم خارجه من مساعدة سجنائه على كسر أو اختراق سقفه السياسي فوق، وأرضيته العسكرية تحت.

والنتيجة: لا فائدة من أي جهد إصلاحي، أو تغييري، يلتزم بقواعد الصندوق، والتي تبقي من هم داخله عاجزين، وخارجه ضائعين ومشتتين، وتسمح بأن يتلاعب بالثورة كل من هب ودب في المنطقة وخارجها، وباستمرار تدفق نهر الدماء من أوردة وشرايين المطالبين بحريتهم من السوريات والسوريين الذين يفتقرون إلى قيادةٍ تقربهم من أهدافهم. ولا بد من تركيز الجهود على تغيير قواعد اللعبة القائمة مند نيف وأربعة أعوام ونصف العام، والسعي إلى تكسير السقف السياسي فوق، واختراق الأرضية العسكرية تحت، بقوةٍ كتلك، تاريخية جديدة، تحشد طاقات الشعب، وفق استراتيجية سياسية، تترجم إلى برامج وخطط ينضجها الحوار والتواصل بين جميع المكونات السياسية والعسكرية والمدنية السورية التي ستخرج عندئذ من الصندوق، وستستعيد حرية التفكير والقرار، وسترفض أية أوضاعٍ وخياراتٍ، لا تلبي مصالحها وتحقق مطالبها.

ثورتنا الرائعة، والتي لا مثيل لها، أسيرة، ولن تنتصر إذا لم نحرّرها من أسرٍ مضت عليه قرابة خمسة أعوام، تنوعت خلالها مآسي شعبنا وطال عذابه.

======================

لماذا هذه المؤتمرات الفاشلة بشأن سورية؟ .. كرم يوسف

العربي الجديد

الاثنين 14-3-2016

مهما تمت العودة إلى الوراء في ما يخص الأزمة السورية، فإنه يصعب تعداد المؤتمرات التي انعقدت بخصوصها. في أفضل الأحوال، يمكن ذكر أولها، وهو مؤتمر أنطاليا في تركيا، وآخر مؤتمر يتم التحضير له. ثمة مؤتمرات كانت خاصة بالمعارضة السورية وحدها، وأخرى بين المعارضة والنظام، وأخرى عقدت بناء على طلب من حلفاء للنظام أو للمعارضة، ناهيك عن مؤتمرات مصغرة محلية عسكرية أو مدنية في الخارج، أو في الداخل للطرفين.

كانت المؤتمرات الأولى للمعارضة مجمعة على جملة أمور، أهمها الإصلاح السياسي الذي تطور إلى تنحي بشار الأسد ونظامه عن الحكم. وفيما بعد، لم يعد للمعارضة بشكل عام توجه محدد، عدا مطلب تنحي الأسد، حيث أن مطالب بعض القوى العسكرية على الأرض، والتي تتضمن برامج سياسية أيضاً، تعلقت بإقامة دولة خلافة أو إسلامية. وبغض النظر عن عدم تعامل المجتمع الدولي مع هذه القوى، عسكرياً أو سياسياً، واعتباره الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة الممثل السياسي الوحيد للمعارضة، فإن ما قالته هذه القوى العسكرية لم يتم التنازل عنه بعد. إضافة إلى هذا، لا يوجد إلى الآن إجماع للمعارضة السياسية على كلمة واحدة تتعلق بمصير سورية.

لعل القول إن المؤتمرات التي عقدها النظام السوري في الداخل، له ولحلفائه، أو مع حلفائه في الخارج وحدها التي كانت مجمعةً، طوال فترة الصراع في سورية، على جملة قضايا محددة، وفي مقدمتها، عدم قبول إزاحة الرئيس بشار الأسد عن السلطة، وقبول مفاوضات لا تؤدي إلى أي نتيجة. ولم تؤد هذه المؤتمرات إلى نتائج لحل الأزمة، على الرغم من هذا الإجماع لديها، كما مؤتمرات المعارضة السورية بكل توجهاتها العسكرية والسياسية والإغاثية والمدنية.

انعدام القواسم المشتركة للحوار، وترقب أي فصيل الانتصار وحسم الأمور في أي وقت، حتى ضمن فترة الإعداد للحوار، بالإضافة إلى العوامل الخارجية المباشرة وما تريده من سورية المستقبل، وتسليح الفريقين وتأثيرها على دفع عجلة الحوار، والتي يتبين أنه لم يتم الإقرار بعد بتحولها إلى جدية، أثرت وتؤثر على مسار أي مؤتمر وحوار سيعقد، وتجعله أمراً صعب التحقيق، ساهمت كل هذه العوامل في انعقاد مؤتمرات منتهية الصلاحية قبل انعقادها.

يضاف إلى هذا ضبابية الرؤية الأميركية في ما يخص الوضع السوري، حيث كانت كل الحسابات الأميركية تنتهي إلى مساعدات عسكرية روسية لجيش النظام في أقصى حد، من دون أن يكون هناك خيار مشاركة روسية في العمليات العسكرية بشكل مباشر. التردد الأميركي حيال الوضع السوري والاكتفاء بالتصريحات الإعلامية المطالبة برحيل الأسد، وعدم شرعيته، والتهديد بأنه لن يكون له دور في مستقبل سورية لم تكن أموراً كافية لإزاحة الأسد عن السلطة، خصوصاً أن الكلام لو كان ينفع لنفعت أصوات الملايين التي خرجت تطالب بإسقاطه، وما كانت هناك حاجة لكلام أميركي.

"إذا قبل الأسد فكرة بناء شكل جديد لسورية، فإن المعارضة التي لم يجعلها حلفاؤها تستفيد من طائرة واحدة في المطارات التي سيطرت عليها، ولم تؤمن لها سلاحاً نوعياً، سترفض هذا المبدأ جملة وتفصيلاً"

ما يجب أن يتم السؤال عنه هو إلى متى سيتم عقد مؤتمرات فاشلة بخصوص الأزمة في سورية، وما الذي يمكن أن يجعلها تأخذ مساراً حقيقياً؟ لا شك في أن قوة الإرادة الدولية، والمتمثلة بأميركا وحلفائها، كانت قادرة فيما سبق على عقد هذا المؤتمر وإنجاحه، أو إسقاط الأسد عسكرياً بتدخل عسكري، لم يكن بالضرورة أن يكون برياً، لكن وجود إيران وحزب الله، اليوم، على أرض المعركة، سيجعل من الصعب الوصول إلى حل سياسي، فإيران لا تقبل مفاوضاتٍ لا تكون هي الرابحة فيها، كما أن لديها القدرة الكبيرة على التمييع السياسي. كما أن روسيا التي زجت بنفسها في الصراع ليس لديها قرار بالسلام، حيث هناك سلاح كاف ليحارب به جيش الأسد وموالوه سنوات، وإن يخسر هؤلاء كثيراً من الجغرافية السورية. ولو افترضنا تخلي إيران وحزب الله عن الأسد، مجازاً، في حربٍ ترى فيها إيران أحلامها تتحول إلى حقيقة، فإن هذا الأمر أيضاً لا يعني وقف الحرب.

لا خطأ كبيراً، لو تم التوجه اليوم إلى بناء شكل جديد لسورية، لتكون هناك محادثات جديّة بشأن السلام، بحسب أولئك، علماً أن الأسد نفسه لا يزال يرفض فكرة التقسيم، لكن نسيانه جبهة الرقة وأقساماً كبيرة من دير الزور، وقبوله وجوداً شكلياً لنظامه في المناطق الكردية في سورية، يجعلان من الممكن أن تصبح فكرة تقسيم البلاد ممكنة. ويمكن القول إن سعي الأسد، ومعه روسيا وإيران وحزب الله، إلى الحصول على أكبر جغرافية ممكنة من سورية تحت سيطرتهم، ليس إلا من باب جعله مفاوضاً قوياً، يفرض شروطه، وليس من باب الإيمان الحقيقي بإعادة سورية إلى ما كانت عليه، فلو كانت هناك القدرة على شيء مماثل، لتمت استعادة الضواحي القريبة من القصر الرئاسي، والتي هي خارج سيطرة النظام أو أجزاء من ريف دمشق على مسافةٍ لا تتعدّى كيلومترات قليلة عن مكان وجود الأسد في دمشق.

إذا قبل الأسد فكرة بناء شكل جديد لسورية، فإن المعارضة التي لم يجعلها حلفاؤها تستفيد من طائرة واحدة في المطارات التي سيطرت عليها، ولم تؤمن لها سلاحاً نوعياً، سترفض هذا المبدأ جملة وتفصيلاً. ولكن، هناك حلفاء للمعارضة يريدون لهذه الحرب أن تستمر، وأن تبقى الأطراف العسكرية التي ترتبط بالقرار السياسي على قيد الحياة، بأن تتوفر فقط على أسلحةٍ غير كافية وفعالة لحسم حرب كبيرة كالتي تجري، الأمر الذي يجعل المتابع يعتقد بأن هؤلاء الحلفاء يعملون على وجود سورية بشكل آخر غير التي كانت عليها، ومساحتها 185 كم مربع، وستكون هناك معارضة تقبل بفكرة تقسيم البلد، وسينضم لها آخرون ممن يتمسكون الآن بوحدة سورية، حينما يجدون أنفسهم مستثنين من أي حل وأي شرعية دولية.

هي مفاوضات لا سبيل لها لأن تنجح، وأحد شروطها ألا يكون الآخر موجوداً بعد المفاوضات، وحين يتم قبول فكرة وجود شكل إداري جديد لسورية، كالفيدرالية مثلاً، سينتهي الشرط المستحيل في هذه الحوارات، وسيكون هناك قاسم مشترك جديد، يمكن العمل عليه وتطويره من جميع الأطراف، لا سيما أميركا على لسان وزير خارجيتها، وما صرحت به عن الخطة (ب)، لو فشلت المفاوضات، وما قاله نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، عن رغبة بلاده بوصول السوريين إلى إنشاء جمهورية فيدرالية.

======================

أوسمة العار والشنار .. محمد فاروق الإمام

وزع مجرم الحرب بوتين على طياريه أوسمة العار والشنار الذين أمضوا مناوراة تدريبية حقيقية مغموسة بالدم في سماء سورية لنحو ستة أشهر، تفوقوا فيها على ذيل كلبه بشار قتلاً وتدميراً وخراباً وتهجيرا لشعب سورية الصابر والمصابر. وقد جرب هذا المجرم الأفاك كل ما لدى ترسانته الحربية من أسلحة الدمار والقتل الحديثة المحرمة دولياً، من قنابل فراغية وعنقودية وفسفورية وصواريخ عابرة، قتلت الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة ودمرت المساجد والكنائس والمدارس والمستشفيات ومؤسسات الدولة والبنى التحتية وبيوت المدنيين في كبريات المدن والبلدات والقرى السورية.

هذا المجرم الذي لم يخجل من نفسه عندما رد على إحدى الصحفيات في مؤتمره الصحفي السنوي الارتجالي الذي عقده في موسكو بكلام يفتقر إلى الحد الأدنى من الإنسانية.

الصحفية: "سيدي هل نحن (دولة روسيا) قادرون على تحمل تكاليف التدخل العسكري في سورية لدعم النظام السوري؟".

الإرهابي بوتين يجيب بكل وقاحة وصفاقة:"أستطيع أن أقول لك إننا نقوم بتدريب قواتنا على مناورات عسكرية على استخدام مختلف أنواع الأسلحة وبشكل واقعي على الأرض، ولم نكن لنجد ساحة للتدريب على مناورات كهذه بتكاليف أرخص".

لقد استرخص هذا السفيه المتغطرس الدم السوري ليجري عليه تجارب ما تفتقت أذهان مجرميه وقتلته من هواة سفك دماء الشعوب من أسلحة الموت والتدمير في سورية التي حملت مشاعل النور والحضارة والمدنية للعالم قبل عشرة آلاف سنة، في الوقت الذي كان فيه الروس يتحممون بالتراب ويتغذون بلحاء الشجر وأذناب الخنازير ويسكنون المغارات والجحور.

التاريخ يعيد نفسه فقبل ألف عام تقريباً أغرى الخائن (ابن العلقمي) وزير المستنصر العباسي الشيعي الحاقد (هولاكو) ليغزو بغداد عاصمة الدنيا وقبلة الرقي والحضارة والمدنية ليستبيحها ففعل بعد تردد، وقتل فيها ما يزيد على مليون إنسان ودمر بغداد واستباح كل ما يدل على رقيها وحضارتها من كتب ودور علم وثقافة ومساجد.

وقبل ألف وخمسمائة سنة باع (ابن رغال) نفسه ل(أبرهة الحبشي) ليدله على الطريق إلى مكة المكرمة ليهدم كعبتها قبلة المسلمين ومهفى أفئدتهم.

واليوم ظهر في بلاد الشام دجال مأفون دموي النزعة سادي الهوى توسل إلى المجرم بوتين ليحول دون دق آخر مسمار في نعشه، وقد أنهكته الحيل لنحو خمس سنين في التغلب على الشعب السوري وقهره، وقد فعل فيهم الأفاعيل..فعل فيهم ما لم ترومثيلاً له بطون كتب التاريخ وعلوم المجتمع وأحوال الأمم. فقد قتل هذا المأفون المتنمر من شعبه ما يزيد على نصف مليون إنسان، معظمهم من الأطفال والنساء والعجزة والشيوخ، وغيب في سجونه وأخفى ما يزيد على هذا العدد، وهجّر أكثر من سبعة ملايين سوري إلى خارج الوطن، وأجبر أكثر من سبعة ملايين آخرين على النزوح من بيوتهم بحثاً عن مكان آمن هرباً من براميل الموت المتفجرة التي أمطرهم بها، ودمر معظم المدن والبلدات والقرى السورية، بما فيها من دور عبادة ومستشفيات ومدارس ومؤسسات وبنى تحتية وآثار تاريخية، استعان خلالها بميليشيات شيعية حاقدة من إيران والضاحية الجنوبية والعراق وباكستان وأفغانستان، ولما شعر أنه بات قاب قوسين أو أدنى من نهايته، استصرخ المجرم بوتين الذي لم يتأخر في تلبية ندائه، فسارع إلى سورية التي باتت أقرب إلى التحرير الكامل من قبضة ذيل كلبه بشار، رامياً بأحدث ما أنتجته الترسانة العسكرية الروسية من أسلحة الدمار والقتل، لينفذ في سورية ما نفذه في الشيشان من سياسة الأرض المحروقة، ويوقف تقدم الثوار ويحقق تراجعاً للثوار فيبعض المناطق لمصلحة النظام وشيعته، الذين جاؤوا لنصرته من كل فج عميق ليحولوا دون سقوطه.

وبعد ستة شهور دموية وجد بوتين نفسه أنه يكاد يغوص في وحل المستنقع السوري دون أن يحصد أي ثمار لكل ما قام به من قتل وتدمير، وقد أخفق ذيل كلبه من استثمار كل ما قدم له، تؤرقه ذكريات الهزيمة المنكرة التي لحقت بأسلافه في أفغانستان، فاتخذ قراره المفاجئ بسحب قواته من سورية على عجل ودون سابق إنذار أو تفاهم أو استشارة مع حلفائه في سورية وإيران وإسرائيل، طامحاً إلى حفظ ماء وجهه الذي تجمدت ذراته على محياه وهو يستقبل طياريه ويمنحهم أوسمة العار والشنار.

=======================

هل من نهاية للفشل المحلي والدولي في سوريا؟ .. ميسرة بكور

القدس العربي

الاثنين 14-3-2016

مرّةً ثانيةً وثالثةً يثبت الثوار السوريون، بكل تصنيفاتهم ومسمياتهم، أنهم ملتزمون بالحل السياسي السلمي وبالانتقال السياسي في سوريا. ومرة رابعة وخامسة يثبت نظام دمشق وحلفاؤه أنهم غير معنيين «نهائيا» بأي حل سياسي يفضي إلى عملية انتقالية حقيقية. ومرة عاشرة تثبت إدارة أوباما أنها غير جدية وغير معنية بإنهاء مأساة السوريين.

وما مسارعة روسيا للتوصل إلى قرار وقف الأعمال العدائية في سوريا الا التفاف على قرار السعودية وتركيا ودول التدخل البري في سوريا، وفشل المساعي الروسية في إصدار قرار من مجلس الأمن يحول دون السماح بأي تدخل في سوريا من دون موافقة نظام الأسد .

لم يحترم الروس ونظام الأسد قرار مجلس الأمن القاضي بوقف العمليات العدائية كما كان متوقعاً. فلم تكد تمر عشر دقائق حتى بدأ نظام الأسد وحليفه الروسي بخرق قرار وقف الاعمال العدائية.

ولم يخيب الروس توقعات الرئيس أوباما حول إمكانية الالتزام بقرار مجلس الأمن الدولي الذي أقر بالإجماع، ونص على وقف الأعمال القتالية في سوريا، باستثناء تنظيمي «الدولة» و»النصرة».

وسرعان ما تحولت شكوك أوباما إلى يقين، حين لم يحترم الروس وحلفاؤهم القرار الأممي أكثر من عشر دقائق، بينما اكتفى وزير الخارجية الأمريكي بالحديث عن خطة بديلة قيد الدراسة في حال فشل الهدنة وربما تقسيم سوريا إلى دويلات.

هذه هي الإدارة المترددة، وتحديدا في الملف السوري، التي بقيت خلال سنوات الصراع الخمس تتحدث عن حرب أهلية وضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة ومكافحة الإرهاب، بدون أن تقدم حلولا عملية ومنطقية للوضع القائم في سوريا.

هل يمكننا إدراج الطرح الروسي الأخير حول سوريا دولة اتحادية «فدرالية» تحت عنوان «إفلاس روسي»، وإقرار بالفشل على إحداث فارق لصالح نظام الأسد، الأمر الذي أغضب الحليف الإيراني؟ أم هو مجرد ورقة ضغط على تركيا والثوار السوريين للرضوخ للمشروع الروسي في سوريا؟ وما هو المنطق أو المبرر الأخلاقي والسياسي الذي تبرر به موسكو فرضها على السوريين شكل دولتهم؟

كثيرة هي الأسئلة التي طرحها مراقبون حول ما تم الاتفاق علية بين روسيا والولايات المتحدة الامريكية وتوافق الطرفين على وقف الأعمال العدائية في سوريا، مع استثناء تنظيمي «الدولة « و»جبهة النصرة».

لا يخفى على المراقب أن معظم المناطق التي تسيطر عليها جبهة النصر تقع في عمق مناطق الثوار السوريين والجيش الحر. وهناك مناطق سيطرة مشتركة بين الفريقين، رغم ما تم الحديث عنه من انسحاب التنظيم من بعض المواقع.

فهل أخذت الولايات المتحدة، وشريكها الروسي، هذه المعطيات بعين الاعتبار؟ وكيف سيتم التعامل معها؟ وهل من الممكن أن تقوم أمريكا بالضغط على الفصائل الثورية من أجل الانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها جبهة النصرة من أجل قصفها؟

وأي سبب ستقدمه تلك الفصائل لتبرر انسحابها انصياعاً للرغبة الأمريكية، وهم في الأمس القريب كانوا زملاء سلاح وقاتلوا معاً على جبهات إدلب وريفها.. ومعسكر الصوامع والقرميد والمسطومة لم يزل شاهداً على تلك المعارك؟

من المستفيد من وقف إطلاق النار في سوريا.. عدا المدنيين طبعاً، الذين سيتنفسون الصعداء بعد خمس سنوات من القصف الذي أهلك الحرث والنسل؟ وما هو الطرف العسكري الذي سيستفيد من قصف مواقع جبهة النصرة وتنظيم الدولة؟

وهل ستكون الفصائل الثورية هي التي ستحل مكان جبهة النصرة وتنظيم الدولة في حال إخراجهما من مواقعهما نتيجة القصف الروسي الامريكي، أم أن عصابات «سوريا الديمقراطية» الانفصالية ستملأ الفراغ الناجم عن انسحاب «داعش»، أم مليشيات بشار الأسد ومرتزقة إيران؟

برغم ذلك تظل هناك إيجابيات للهدنة تتمثل بما يلي:

- كشف قرار وقف إطلاق النار «المزعوم» زيف مزاعم نظام موسكو، وأنه شريك غير جدي في صنع السلام، وانه يستغل الوقت من أجل تعزيز سيطرت نظام الأسد على مزيد من الأراضي لتحسين موقفه التفاوضي.

- خروج المظاهرات السلمية في عموم المناطق التي تخضع لسيطرة الثوار، والتي كانت بمثابة دلو ماء بارد سكب على رأس بوتين ونظام الأسد وميليشياتهم الطائفية، وأعاد للثورة السورية طابعها السلمي وهدفها الرئيس وهو إسقاط نظام الأسد بكافة رموزه ومرتكزاته.

- كانت فرصة للمدنيين في بعض المناطق التي خفت فيها وتيرة القصف كي يتنفسوا الصعداء بعد سنوات الحرب المدمرة.

وبشار الأسد يعلم علم اليقين أن الولوج إلى عملية سياسية حقيقية، ووقف إطلاق النار الحقيقي، والجلوس إلى طاولة المفاوضات، سيكون هو الخاسر الأكبر فيها وسينهي حكم عائلته. لذلك سيفعل وميليشياته كل ما يستطيعون لإفشال وقف إطلاق النار وتعطيل أي مفاوضات.

وهذا ما يمكننا أن نستشفه من خلال إعلان دمشق موافقتها على وقف إطلاق نار مشروط، حيث جاء بالإعلان: «الموافقة على وقف الأعمال القتالية، مع استمرار مكافحة الإرهاب ضد داعش والنصرة و ‏التنظيمات الأخرى». ولاحظوا أن «التنظيمات الأخرى» تعني المعارضة السورية بكل فصائلها دعونا نتذكر أن سياسة بشار الأسد في قمع الثورة منذ أول يوم كانت تقوم على فكرة أن الثوار ما هم إلا جماعات مسلحة تحمل السلاح في وجه الدولة. تذكروا جيداً كيف تم وضع السلاح في الجامع العمري في درعا بداية الثورة .

الفكرة الثانية تقوم على تصوير المعارضة على أنها مجموعات طائفية «سنية» مرتبطة مع «القاعدة» و»النصرة»، من أجل تبرير قمعه للثورة. لذلك علينا أن لا نغرق بالتفاؤل. وهذا لأن نجاح هذه الهدنة، التي شككت أمريكا على لسان رئيسها بإمكانية الالتزام بها، يبقى مرهوناً بالتزام نظام الأسد وحلفائه الروس والانفصاليين الأكراد بتطبيقها، وهم الذين يستمرون بإفشال محادثات السلام في جنيف، برفضهم تطبيق القرارات الأممية ذات الصلة .

======================

سنة سادسة ثورة : الثورة على الكانتون الأسدي ، سورية .. حطام نصف قرن من الجريمة المستمرة .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 17-3-2016

بحق أو بأخيه تنطلق البكائيات المحلية والعربية والدولية على ما يجري في سورية ، سورية الثورة ، ثورة الحق والعدل والمساواة والحرية . بعض الناس ينطلقون في بكائياتهم من قلوب واهنة ، وإرادات مرتعشة ، وخوف متراكم ، وإيثار للسلامة هي للموت أقرب ، ومن مقارنة السيء بالأسوء المرتهن باللحظة ، العاجز عن استشراف المستقبل . وآخرون من هنا وهناك وهنالك يُسرون ، في بكائهم ، حسوا في ارتغاء . فكأنهم إذ يشكون اللحظة يمجدون الباطل بكل عسفه وظلمه فيرون الخمود استقرارا ، والجمود سلاما ، والموات حياة . ( ولتجدنهم أحرص الناس على حياة) أي حياة !! فللدود أيضا حياة ...

يخطئ الأولون ويجدّف الآخرون حين لا يميزون بين ألم النزع ( وجاءت سكرة الموت بالحق ) ، وبين ألم المخاض ، حيث يتوقع في كل لحظة أن ينبثق فجر جديد ، أو أن يبتسم للحياة ثغر طفل وليد . ويخطئ الأولون ويجدف الآخرون بين ألم يصنعه الصبر على الذلة ، والإمساك على الهُون ، والخضوع تحت أقدام الطغاة والجبارين ؛ وبين ألم تصنعه إرادة الحياة ، والتصميم على الانعتاق ، والثبات على طريق المكرمات .

نعم كانت مكلفة خمس سنوات من عمر الثورة ومبهظة ، ولكنها لم تكن أقل كلفة ، ابدا لمن أدرك شيئا من علم الحساب من الخمسين العجاف التي عاشتها سورية إنسانها وعمرانها . جامعها وجامعتها ، مصحفها وصحيفتها ، حقلها وبستانها ، سوقها ومستشفاها ، من ذلك الذي تعيشه الثورة السورية اليوم.

يبكون بدموع كاذبات على طفل سوري بلا مدرسة اليوم ولا يتساءلون وماذا كان يتعلم الطفل السوري في المدرسة يوم كان يضيع عمرا في الذهاب والإياب ولا علم إلا عن الرئيس الواحد والحزب القائد . فهلا عاد هؤلاء المتعلمون إلى علم الإحصاء والحساب ليدركوا أين كانت تقع المدرسة ( الأسدية ) والجامعة ( الأسدية ) على قوائم إحصاءات التنمية البشرية العالمية ، المجردة من الدلالات التوظيفية السياسية .

 يبكون في سورية اليوم القتل ، ولا أحد يحب القتل ولا أحد يختاره طريقا، ولكن ألا يجدر بهم أن يميزوا بين القتل المثمر للحياة ، والذي سماه القرآن الكريم ( شهادة ) وبين موت أو موات الأحياء . ( إنما الميت ميت الأحياء ) ؟! كانت سورية الساكنة المستقرة التي يبكي عليها بعض ويتباكي عليها آخرون هي الأرض الموات بل الأرض اليباب ومعذرة للشاعر العظيم ت . س. إليوت . كانت سورية الدولة العقيم ، والحكومة العقيم . والصحيفة العقيم . والمدرسة والجامعة العقيم ، والمستشفى العقيم...

ومع موات الحياة في سورية ، كان القتل ينهش من جنبات الأرض إنسانها السوري والفلسطيني واللبناني في كل عام بالمئات والألوف ولماذا نذكر الذين لا يتذكرون ...

يبكون على سورية الهوان التي ألفوا و في بعضهم قيل ( ما لجرح بميت إيلام ) . ويتباكون على سورية الامتيازات التي فقدوا أو ربما يفقدون ولذلك يتشبثون بمن ألان لهم واشتد على شعبها ، ووطّأ لهم وشقّ على أهلها ، فشل قدراتهم وأوهى طاقاتهم وبدد شملهم وجعل جهدهم فيما لا يدفع أذى ولا يرد شرا ..

في ميدان الكلمة وميدان الصحيفة يدرك رجل سبعيني مثلي بعض ما كان في سورية من رجال عظام ومضامير للسبق لا ترام . بقية من جيل مازال يحفظ وميض ذكريات خارج إطار ( أهرام – أخبار – جمهورية ) أو خارج إطار ( البعث – الثورة – تشرين )

 لتعود الذاكرة إلى ( زهير ) الفتى الصغير ، الذي كان يظن أنه أصبح رجلا في الثالثة عشرة ، يوم كان يقف على رصيف بائع الصحف على زاوية مدخل باب النصر في مدينته حلب ، ويقرأ مع كثير من الناس العابرين عناوين الصحف وعناوين الأخبار . كان ابن الثالثة عشرة يميز بين الصحف وأحزابها وكتابها ، فهذه لحزب الشعب أو الحزب الوطني وتلك للبعث وثالثة للشيوعيين ورابعة للإخوان للمسلمين كان ابن الثالثة عشرة كما يميز بين الصحف وكتابها ، والأخبار ودلالاتها . وأكثر من خمس عشرة صحيفة تستند كل يوم إلى الجدار ويقف الذين لا يريدون أن يدفعوا الخمسة قروش أو العشرة قروش لتصفحها بصريا. من ذاكرة طفل صغير هو اليوم في السبعين أسرد عليكم ما بقي في هذه الذاكرة من عناوين كانت تشكل فضاء سورية السياسي والفكري والثقافي ، الذي لا يعرف عنه شيئا من عاش في ظل سورية الكانتون ، كانتون بيت الأسد المظلم الرطب العفن الضيق ، أذكر لكم عن تعليقات ذلك الجدار عناوين صحف مثل : القبس - الأيام – المنار – اللواء - الوطن – الرأي العام – النور – التربية – برق الشمال –

غابت كل تلك الصحف ليكون الشعب السوري في ظلمة يتخبط ، ولتنعم دولة العدو الصهيوني بلقب الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط ، أو بكونها البقعة النظيفة في عالم من القذارة ( شيمون بيريس ) وتتساءلون لماذا يتمسكون ببيت الأسد ؟!

 إن الذين يتباكون اليوم أو يبكون (كانتون الأسد ) بكل الموت الذي كان فيه، لم يكونوا لتعني لهم سورية الحية شيئا . وهم لم يقرؤوا ربما عن سورية ( نجيب الريس ) الصحفي الملتهب وعيا وحماسا ، الذي كان بقلمه وبقرائه الأكثر تنورا من كل خريجي الجامعات الأسدية ، مشكلة للاستعمار وللحاكمين باسم الاستعمار . نجيب الريس رحمه الله تعالى الصحفي السوري الذي ما يزال يلهب ذاكرة السوريين بنشيده الذي نظمه في الزنازين المظلمة :

  يا ظلام السجن خيم إننا نهوى الظلاما

هل حقا كان نجيب الريس ( يهوى الظلاما ...) أم هي هواية الحندس الذي يسبق الفجر عادة ، ويكون سببا فيه وطريقا إليه ..

يا ظلام السجن خيم إننا نهوى الظلاما ..

النشيد الثوري الملتهب الذي حفظناه صغارا ، ورددناه فألهمنا الكثير كبارا معتقلين ومشردين وما نزال . المتباكون على الكانتون الأسدي الرطب المظلم لم يسمعوا ولم يعرفوا عن سورية إلا ما عرفه ضفدع فقست بيضته في بئر عن عالم البئر وما فيه من وشل وظلمة ورطوبة وعفن وضيق وعلى مثل هذا يبكون أو يتباكون.

جيل لم ينتظر كما كنا ننتظر أعداد المضحك المبكي في عصر أصبح فيه كل شيء في سورية مضحكا مبكيا في وقت معا ...

تريدون أن تعرفوا لماذا ما زال يتمسك رجل سبعيني بالثورة عودوا غلى سورية الجميلة والتي كنا نريدها أجمل في جامعها وكنيستها في مدرستها وجامعتها في صحفها وأحزابها ، في حقولها ومزارعها ومصانعها وأسواقها ...عودوا لتعرفوا أي أفق تنشد الثورة وكم يستحق هذا الأفق من عناء .

فكروا فقط بمعنى أستاذ جامعي من الزمن الجميل لتعرفوا كم هو قبيح وجه الكانتون الأسدي فهذا ليس وجه سورية الحديثة كما يزيفون ...

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

 ========================

سوريا باتجاه التفكيك .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الاثنين 14-3-2016

إذا كانت الأزمة السورية قد بدأت عام 2011 نتيجة عدم الاستجابة لدعوات القيام بإصلاحات لشؤونها الاقتصادية والسياسية وأخرى كثيرة فيها، فإن المطروح راهناً، عام 2016، يتمثل في الإجابة عن هذا الإخفاق بصيغة تفكيكها وتحويلها كومة من المناطق المتداخلة المتجاورة بعد سلخها بعضها من بعض.

والطريف أن البعض من الخارج والداخل راح ينتج من المسوغات يجعل عملية التقسيم أمراً ممكناً وسهلاً، بل مطلوباً باسم الحرية والحداثة، كما باسم مقتضيات التقدم التاريخي أمام شعوب ومذاهب وطوائف «أن لها أن تنطلق دون قيود». ويلجأ أصحاب الشأن، في حقل الاستراتيجية السياسية خصوصاً، إلى وضع الشعب السوري أمام نمطين اثنين من التقسيم، هما «الاتحادي الفيدرالي»، وعلى المعنيين أن يختاروا المناسب ها هنا.

وإذا عدنا إلى انطلاقة الأحداث في سوريا عام 2011، وجدنا أن المسألة ظهرت في صيغة الدعوة إلى إصلاحات هنا وهناك من قطاعات المجتمع السوري، بعد مرور ما يتجاوز نصف قرن من الزمن على أيدي من يعلن استراتيجيته الوحدوية العربية، وتعني «حزب البعث العربي الاشتراكي»، وهذا بذاته يتمثل في مفارقة شديدة الاضطراب تقود إلى ما كان يحارب تحت راية «استراتيجية الانفصال والانفصالية»، خصوصاً منذ إخفاق الوحدة بين سوريا ومصر في أواخر العقد السادس من القرن العشرين، وتحت حكم حزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا والحكم الذي كان على رأسه جمال عبد الناصر في مصر.

والملفت، بإشارة قاسية إلى حدود قصوى، أن سقوط الوحدة بين سوريا ومصر وتدمير سوريا، الذي يفتح الباب واسعاً أمام الانقسام والتفكك في المرحلة الراهنة، يلتقيان في محور واحد هو ذاك الذي ظهر في أواخر الوحدة المذكورة: إنه الديكتاتورية السياسية والفساد والإفساد الاقتصاديان، ومن ثم غياب الديموقراطية، بما في ذلك مبدأ التداول السلمي للسلطة، لقد سقطت الوحدة المذكورة، مع سقوط القوة التي كان عليها أن تحميها، نعني سقوط ما كان بدرجة أو أخرى، قائماً على الحكم الديموقراطي، وكانت النتيجة هي التالية: لقد افتقدت «الوحدة» ما يدعمها، فذهبت أدراج الرياح بمؤسسيها وقادتها.

إن أصحاب القرار الروسي ومعهم سوريون ولبنانيون وعراقيون ويمنيون هم الذين أمسكوا بقرار تقسيم سوريا، أو الرغب في ذلك. ولم يجربوا كيف سيكون الحال حين تكون الديموقراطية السياسية قائمة، ولذلك، هم يعتقدون أن الحفاظ على سوريا ديمقراطية سيكون خطراً على مصالحهم.

كان البريطانيون قد فعلوا مع الفرنسيين ما أنتج معاهدة «سايكس بيكو»، التي بمقتضاها يجب تقسيم سوريا، العملاق الحضاري، وآخرون اليوم يرون أن المشروع الوطني والقومي الديموقراطي لوحدة سوريا إنما هو صمام أمان في مواجهة النزعات التقسيمية، بتلوناتها الطائفية والاثنية والدينية أولاً، وهو الذي سيكون دعماً هائلاً للقضية القومية العربية، ثانياً والشيء اللافت أن وضع سوريا الراهن، الذي يتطلب توحيداً لقواها مع القوى العربية في مواجهة النزعات التقسيمية، نقول، إن ذاك هو بالذات ما يحتاجه العرب راهناً في نطاق التأسيس لبدايات أولية، على الأقل، للإسهام في المشروع النهضوي العربي العمومي، وكذلك - وهذا مهم - من أجل حماية كيانها الوطني القومي.

أما ما وضعه البعض من أسس للقول بالأخذ بواحد من الخيارين المطروحين بالنسبة إلى التقسيم الفيدرالي، فهذا على الأقل، يحافظ على سوريا كلاً راهناً ومستقبلاً، مع بناء نظام مدني ديموقراطي فيها. وما نحسب أن إضافة التقسيم الاتحادي إلى التقسيم الآخر، أي الفيدرالي لم يذكر، إلا من باب ذرّ الرماد في العيون.

وعلى كل حال، إن الأمر سيحسم بعمل سياسي هائل، يخرج قضية الوجود العربي من حاضنة العصر الجاهلي. أما البديل عنه فهو تساقط الدول العربية، الواحدة تلو الأخرى. وهذا هو السقوط التاريخي.

======================

«حزب الله» ووباء الطائفية .. خالص جلبي

الاتحاد

الاحد 13-3-2016

ما يحصل في المنطقة العربية حيث جنون الحرب والوباء الطائفي والجذام الحزبي يصيب من يريد أن يرى أن ليست ثمة إحداثيات في الرؤية فيصاب بالدوار. وأذكر من صديق الفكر إدريس المغربي كيف كان متحمساً لفكر اللاعنف، ثم كب على وجهه مع سراب المدعو «نصر الله» اللبناني، ثم انقلابه مجدداً ضده حين رآه يفتك قتلًا بالأطفال السوريين، والمسألة كما جاء في قول منسوب للمسيح، عليه السلام، أن من أخذ السيف بالسيف يهلك، وهو ما حصل لنصر الله ومآله وكل من سار على دربه العاثر.

ونحن في الطب نمارس في المشافي العلاج بشكليه المحافظ الروتيني من إعطاء الدواء كما نمارس أيضاً الجراحة، وكذلك الحال في ظاهرة السلم والحرب. ولكن على القارئ أن ينتبه إلى أن قاعات العمليات الجراحية في مشفى يحوي 600 سرير يكون عددها ست قاعات للعمليات الجراحية أي واحدة لكل مئة سرير. وكذلك هي ظاهرة الحرب واستخدام القوة، إذ يجب أن تكون هي آخر الحلول.

منذ ظهر تنظيم «حزب الله» باسمه الذي انتحله، تذكرت سفرتي إلى طهران في مناسبة شهر بهمن (فبراير) الذكرى الثانية للثورة الإيرانية. كنت مأخوذاً بنهجها السلمي في إسقاط الشاه. وكان رشيد الجزائري يصرخ في التلفون أن الثوار أمسكوا بالسلاح، فهم يقاتلون الحرس الشاهنشاهي؟ لم أستوعب فكرته تماماً لأن قدر الانسجام الفكري بيننا كان كبيراً حتى انشق فأصبح الرجل اليوم من دعاة التشيع، وأخذ لقب «مستبصر»، بعد أن كان التلميذ رقم واحد للمفكر الجزائري مالك بن نبي. ورجعت من طهران يومها وقد غسلت يدي منهم سبعاً إلى المرافق. وحين ظهر «نصر الله» كتبت مقالة نشرت في جريدة «الشرق الأوسط» على جزأين، الأول مقارنة بين المدعو «نصر الله» والشقي «بانشو فيا»، المكسيكي، والثانية مقارنة بين السياسي «نصر الله» والفيلسوف الألماني فيرنر هايزنبيرج. وكما في سوق العملات وانهيار أسعار النفط كذلك الحال مع «حزب الله» أو حزب الشيطان أياً ما تدعو فهذا هو قدر الأنتروبيا (التحول) يأكل الدول والمنظمات فيسحقهم الموت ولايبالي.

قلت لصديقي المغربي إدريس اليوم يقاتل «حزب الله» إسرائيل، وغداً سيقتل السوريين. وهو ما نراه اليوم حين يقول «نصر الله» إن طريق القدس يمر من الزبداني ومضايا؟ يومها ذكرت جملة عجيبة، فقلت لو حصل تمرد في يبرود أو جيرود فسيكون «حزب الله» من يقمعه وهو ما حصل في معركة القلمون.

وينسب للمسيح قوله إن من أخذ السيف بالسيف يهلك، وهو ما انتهى إليه «حزب الله» اليوم، فظهرت حقيقته، وانكشفت عورته، ولعنته معظم حكومات العرب في مؤتمر مطلع مارس 2016، واكتشف كثيرون أنه سراب ومنظمة إرهاب.

قلت لمفكر لبناني في أكتوبر 2015 حدثت موقف غريب في كندا باعتلاء المنبر امرأة تخطب في صلاة العيد! قال لي حصل ما هو أفظع حين انفرد الإيرانيون في عرفات في يوم خاص بهم خارج إجماع المسلمين.

هل نستوعب درس التاريخ لفهم الكيفية التي تفترق بها بعض الأديان إلى أديان أصغر ويتابع الانشطار طريقه كما يقول ابن خلدون تدريجياً فلا يفطن له إلا الآحاد من الخليقة، ليتشكل دين جديد مستقل بذاته كما في ولادة اللغات البشرية، وبمقارنة بسيطة بين الألمانية والفرنسية والإسبانية لجس بعض المفردات نعرف تماماً أنها ولدت من رحم واحدة. وهكذا تتشقق بعض الأديان لتبزغ أديان جديدة كما هي الحال بين البروتستانت والكاثوليك والسريان والأرمن والأقباط، وكما هو الحاصل مع الشيعة والإسماعيلية والعلوية.

======================

سوريا والسوريون ولحظة الحقيقة .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 13-3-2016

سوريا والسوريون ولحظة الحقيقة ثمة زخمٌ غير مسبوق في الحراك السياسي الإقليمي والدولي فيما يتعلق بالقضية السورية. ورغم كثرة السيناريوهات المطروحة، بما تحمله معها من إشارات وإيحاءات، متضاربة أحياناً، حول حلٍ ما، تمﱠ أو يتم الاتفاق عليه، تبقى الحقيقةُ بعيدةً عن ذلك، ويبقى الموقف مفتوحاً على جميع الاحتمالات.

الثوابت المتعلقة بالقضية السورية قليلة، ومنها أن الموقف الدولي انقلب خلال العام الفائت، 2015م، من حالة التوافق على (اللا قرار) بالنسبة لسوريا إلى إدراك ضرورة وجودة (قرار) فيما يخصها. حصلَ هذا بعد أخذ العِلم، من قِبل أوروبا، بطبيعة (التهديد) الديمغرافي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والأمني عليها، مع تصاعد أزمة اللاجئين. ثم مع ظهور ملامح إفلات (وحش) داعش، الذي خُلِقَ لأغراض استراتيجية، من قبضة السيطرة المُحكَمة. ففي حين يمكن توظيف (تنظيم) بهيكليةٍ معينة وفي بقعةٍ محددة من المكان، سوريا والعراق، تُصبح تلك المهمة مستحيلةً إذا تحول التنظيم إلى (فكرة)، يمكن أن يظهر من يريد التعبير عنها في أي مكانٍ في هذا العالم، من باريس إلى عمق جنوب كاليفورنيا.

وتزامنَ مع تلك التحولات النقلة الجديدة في السياسة السعودية في المنطقة، بكل شمولها المتعلق بالرؤية والأدوات والإرادة. فأصبحت الحاجة ملحةً دولياً وإقليمياً لإخراج الحالة السورية من جمودها السابق.

هكذا وُلدت (فيينا) ومعها (مجموعة الدعم الدولية لسوريا). وللتعامل مع الوضع الجديد، بما يُحقق مطالب السوريين، جاء مؤتمر الرياض الذي نشأت عنه (الهيئة العليا للمفاوضات).

لم يكن انعقاد المؤتمر ووجود الهيئة، بأدائها السياسي والإداري المتقدم نسبياً على أجسام المعارضة السورية، منسجماً مع التفاهمات الجديدة، وتحديداً الأمريكية الروسية منها، فجاء الرد سريعاً من خلال القرار 2254 الذي كان محاولةً للالتفاف على بيان جنيف الذي يقتضي إنشاء (هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات).

اتكأت الهيئة على المواد 12 و13 و14 من القرار المذكور وتمكنت من المناورة، بدعم سعودي قوي، ساندتهُ دول الخليج العربي وتركيا، فتجاوزت فخ المرحلة الأولى من جنيف 3 دون تنازلات. بل وببعض مكاسب تمثلت في إلغاء فكرة وفد المفاوضات الثالث، ثم ترسيخ مبدأ رفض المفاوضات في ظل استمرار العدوان العسكري من قبل روسيا وإيران والنظام.

ولاحتواء الموقف ظهرت فكرة وقف إطلاق النار في نسختها الروسية. أدركت الهيئة أن المقترح المذكور، بتلك النسخة، فخٌ آخر قد يُصبح التعامل معه بسذاجة نوعاً من الانتحار الذاتي لقوى الثورة. لكن التعاطي مع جوهر الموضوع كان ضرورياً سياسياً وواقعياً، فجاء عرضُ البديل المتمثل في هدنةٍ مؤقتة يجري من خلالها تحديد معنى مصطلح وقف إطلاق النار عملياً، عبرَ رصد درجة التزام النظام وحلفائه به، إن لجهة وقف الأعمال العسكرية أو لجهة تنفيذ (البنود الإنسانية).

وعلى مدى أسبوعين، ظهرت مؤشراتٌ يتأكد معها أن القرار القادم من قبل الهيئة، بخصوص استمرار المفاوضات، لا يحتاج فقط إلى دراسةٍ جدية، بل إنه يحتاج أيضاً إلى مزيدٍ من ترتيب صفوف المعارضة السورية، وإلى الاستقواء بكل ما لدى السوريين من طاقات وقدرات.

فهؤلاء وبلادهم اليوم أمام لحظة حقيقة قد يتقرر فيها مسارٌ محدد للقضية السورية. ورغم كل الإيحاءات والمناورات الإعلامية والسياسية، لا تزال ملامح هذا المسار قيد التكوين، ولم يُصبح بعد في طور الاكتمال بأي درجة. لكن هذه النافذة لن تبقى مفتوحةً طويلاً. فكل القوى المؤثرة في القضية تتحرك جدياً للتأثير فيه، وثمة أفكار عديدة مُبتكرة وجديدة يجري تداولها، وطبيعة المسار في النهاية ستكون مُحصلةً لمجموع تلك الجهود كما هي العادة في عالم السياسة.

من هنا يأتي حديث المبعوث الدولي دي ميستورا يوماً عن حكومة وحدة وطنية، ثم حديثهُ في اليوم التالي عن أن بيان جنيف يُعتبر «الكتاب المقدس» للمفاوضات السورية. إضافةً لقوله: «إن كل السوريين يرفضون التقسيم ولكن يمكن نقاش الفدرالية في المفاوضات». مع تأكيده أن حظوظ التوصل إلى تسوية للأزمة السورية هي الأعلى منذ أي وقت مضى في ظل الزخم الراهن.

هناك انطباعات تقليدية سائدة، بطبيعة الحال، حول محدودية قدرة السوريين على التأثير في المرحلة الراهنة. لكن الاستسلام لهذه الانطباعات، نفسياً وعملياً، خطيرٌ بنفس درجة الخطر الذي يقع فيه البعض حين يتعامل مع الموضوع بعقلية الأوهام، بعيداً عن مُقتضيات الواقعية.

ففي ظل التأكيد السعودي المستمر على أن حل القضية يتمثل في «سوريا بلا بشار الأسد»، ومعرفة المملكة، مع دول الخليج وبعض الدول العربية وتركيا، بدرجة تأثير مستقبل سوريا في مستقبل المنطقة، يمكن لهيئة المفاوضات أن تبلور رؤيةً يكون لها تأثيرٌ وازن في رسم تفاصيل (الحل)، بما يحقق المصالح المشتركة ومطالب السوريين.

======================

الهدنة السورية «مرشحة» للاستمرار حتى تمرير الانتخابات الأميركية .. ثريا شاهين

المستقبل

الاحد 13-3-2016

تكشف مصادر ديبلوماسية، أن مفاوضات جنيف بين السوريين التي ستبدأ جولتها الثانية غداً الإثنين، ستعمل على تثبيت الهدنة الأمنية القائمة أي بما يعرف بوقف الأعمال العدائية، لمدة طويلة إلى حين انتهاء مرحلة الانتخابات الرئاسية الأميركية.

وسيتخلل ذلك تمرير مرحلة الانتخابات النيابية في روسيا في أيلول المقبل، حيث يهمّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الاستقرار في سوريا لكي لا يستغل أي طرف روسي هذا الموضوع في الانتخابات، ما يعني أن ما سينتج عن التفاوض هو التأكيد على الاتفاق الأميركي الروسي في ما خص السعي لاستقرار الوضع السوري في هذه المرحلة، كما سيسعى الطرفان الأميركي والروسي إلى أن يضعا الحل على السكة، هذا الأمر ليس سهلاً ويلزمه وقت، إنما المسعى مستمر في هذا الشأن.

وتفيد مصادر ديبلوماسية أخرى، أن وقف النار يبدو صامداً حتى الآن على الرغم من الخروقات. إنما الأنظار تتجه إلى مواقف موسكو، وإلى أي مدى تريد فعلاً التوصل إلى حل. السؤال «هل هناك استكمال لحصار حلب، وهل تتم التحضيرات لمعارك أخرى؟».

لا تشير التوقعات إلى أن الهدنة ستصمد كثيراً، إلا في حالة واحدة، هي تمسّك موسكو بها إذا كانت تريد فعلاً إنهاء الأزمة السورية، وإذا باتت الكلفة عليها عالية نتيجة انخراطها بالأزمة. هذا هو العامل الوحيد الذي إذا توافر يجعل الالتزام بالتفاوض واضحاً للتوصل إلى حل لأن المهم من خلال الجولة الثانية للتفاوض استكشاف مدى رغبة الروس بثبات الهدنة، أم أنهم يريدونها لاستجماع جديد للقوى.

مطالب الروس لا تزال هي ذاتها، يريدون وفداً معارضاً يضم المعارضة القريبة من النظام يفاوض مثله مثل وفد المعارضة الفعلية للنظام. وهم أيضاً مصرّون على لوائح الإرهاب بشكل أن تضم الفصائل المقربة من الخليج وتركيا، ما يعني بالنسبة إلى الروس أن ثلاثة أرباع الفصائل المعارضة هذه هي إرهابية. إذاً مواقفهم لا تزال متصلّبة، وهذه الشروط تتوازى مع الرؤية الإيرانية التي تتألف من نقاط أربع، من بينها حكومة وحدة وطنية، ويبقى الرئيس السوري بشار الأسد رئيساً، وإجراء انتخابات. المعارضة الفعلية لن تقبل بكل هذه الطروحات، لأنها لا تتضمن انتهاء ولاية الرئيس، ولا هيئة حكم انتقالية، وهي تدرك أنه إذا تضمّن وفدها وفد معارضة النظام، فإن الهدف يعني إضعاف الموقف.

من المؤكد أن الدول الداعمة للمعارضة الحقيقية، بدأت تعزز الدعم بالسلاح لها، وأي تدخل إضافي ينتظر التطورات على الأرض، لا سيما وأنه في ضوء تدريبات «رعد الشمال» ستصبح كل الجيوش الخليجية قادرة على العمل معاً وفق تنسيق محدد. في الحد الأدنى قد يحصل تدخّل في مناطق تنظيم «داعش» لمحاربته، ما يوفر عودة هذه المناطق إلى المعارضة لدى هزيمة الإرهاب، بحيث لا تقع تحت سلطة النظام.

حتى الآن وقف النار يعتبر جيداً. إنما الأنظار تتجه إلى ما إذا كانت ستتطور الخروقات أم ستبقى مضبوطة تحت سقف معين. لكن المصادر تشير إلى أنه من الصعب أن يصمد طويلاً إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سياسي، وهو بدوره يبقى صعباً. روسيا لا تريد أن تغرق في سوريا لكن في الوقت نفسه يجب معرفة تحت أي شروط. الأمور لا تزال في مرحلة الترقّب لمصير الهدنة. وصمود الهدنة مرتبط بشكل مباشر بالحل السياسي.

والهدنة، وفقاً للمصادر، كانت مطلوبة لأن كل طرف يحتاج إلى وقت كاف لإعادة حساباته، لا سيما الروس والإيرانيون، و»حزب الله» للعديد من الاعتبارات، ويأتي وقف النار جزءاً منها. الاعتبارات الأخرى، متصلة بأن المدنيين يحتاجونه لضمان وصول المساعدات ووقف تعرض المستشفيات والقوافل الإنسانية للاعتداءات. ثم أن وقف النار يشكل مقدمة أساسية لوقف الأعمال العدائية ولتشكيل حكم انتقالي يفترض البحث ببدء تنفيذ ذلك لتحقيق الحل السياسي من أجل بدء تنفيذ القرار 2254.

هناك تخوّف من أن تخرق الهدنة، لا سيما وأن هناك أطرافاً مطلوب منها أن تلتزم وقف النار وليست مستعدة لذلك، منها «داعش» و»النصرة»، وأي رد عليهما سيؤدي إلى عدم التزام الطرف الآخر الذي سيرد عليهما.

كذلك، وقف النار تحتاج اليه كل الأطراف لتنفيس الاحتقان. لكن هل يستمر وقف النار؟ هناك شكوك حول ذلك، والأطراف كافة تدرك صعوبة استمراريته.

الدول الداعمة للمعارضة الحقيقية، لن تقبل بهزيمة المعارضة، وهي تدرك أهمية ذلك على طاولة التفاوض. وهي أيضاً تفضل دعم المعارضة بصواريخ أرض جو، فهل تكمل هذا الدعم بالمساعدة مع التدخّل المباشر، أم من دونه؟ التطورات هي التي تفرض القرار المناسب. هناك أوساط ديبلوماسية تقول إن التدخّل الخليجي المباشر كان أسهل قبل وقف النار، إنما بعده وفي حال ثبت، يصعب الأمر، لكن مصادر أخرى تقول إن التدخّل المباشر يبقى رهن التطورات. والخليج الآن يختلف عن الخليج قبل زمن، ومثلما أن إيران تقوم بتدخلاتها في الدول العربية، وعرض طاقاتها، فإن الدول الخليجية لن تتوانى عن إرسال الرسائل اللازمة في مواجهة الأمر. ومن المؤكد أن المناورات الخليجية كانت مهمة، لا سيما في مواجهة الضغط الشيعي من العراق، والضغط الحوثي من اليمن أي من الجنوب، فضلاً عن الضغوط التي خلقتها للأقليات الشيعية في الدول العربية.

======================

دي ميستورا ناشطاً سورياً .. علا عباس

العربي الجديد

الاحد 13-3-2016

كرّر المبعوث الأممي إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، سيرة الشباب السوريين، وآل به المآل ليصل إلى خاتمتهم، فبعد أن بذل أقصى جهوده وجهود المنظمة الدولية التي يمثلها، لتحقيق أهدافٍ أخذت تتضاءل، يوماً بعد يوم، من دون نتيجة، ها هو يتحول، ومن دمشق، ناشطاً إغاثياً.

هذه هي مسيرة الشبان السوريين الذين خرجوا قبل خمس سنوات، يريدون تغيير المستقبل، حملوا الشعارات النبيلة، وساروا في ظلها، أرادوا وطناً حراً عادلاً، تعرّضوا لأشد أنواع التنكيل، وعانوا الرصاص ثم القذائف ثم الصواريخ ثم الأسلحة الكيماوية، تعرّضوا للاعتقال والتعذيب، للحصار والتهجير، تكالبت عليهم قوى الأرض، وركب على ثورتهم من هبّ ودبّ.

استشهد مئات الآلاف تحت التعذيب وتحت القصف وفي البحر، وهاجر ملايين، ويئس ملايين الملايين، بعض هؤلاء الشباب الذين عبروا كل هذه الطرق والمسارات، وخاضوا كل هذه التجارب القاسية والمرّة، لم يستسلموا، وحاولوا أن يستمروا في العمل، وإنْ بالحد الأدنى، وهم محاصرون بين النظام وحلفائه، وبين داعش والنصرة، وتحت أقسى الظروف الإنسانية، وعبّروا عن موقفهم هذا بالتحول إلى العمل الإنساني والإغاثي والإعلامي.

عملوا في الداخل في المدن السورية، أسّسوا مبادرات وجمعيات، عملوا مع منظماتٍ دولية، عملوا بشكل فردي، جمعوا مبالغ صغيرة من أصدقائهم، واشتروا بها طعاماً أو دواءً لأسرة محتاجة، وكانوا دائماً يعملون في أقسى الظروف، وتحت ضغط وتوتر أمني، إنْ في مناطق النظام، أو في بعض مناطق المعارضة، إنْ لم نقل معظمها، كانوا ينقلون الدواء كأنهم ينقلون أسلحة كيماوية، ويوصلون وجبة غذائية إلى أسرة محتاجة، وكأنهم يهرّبون سجيناً. ولكن، كانوا دائماً يشعرون بأنهم يواصلون ثورتهم التي قامت لأجل الناس، وبالتالي، هي مستمرة بالعمل لأجل الناس. لم يخلُ الأمر من أخطاء، ومن تصرف بعضهم بطريقة عير أخلاقية، لكن السمة الغالبة ليست هكذا، والشباب السوريون الذين خرجوا إلى الساحات في 2011، حملوا على أكتافهم جزءاً مهماً من احتياجات السوريين في سورية ولبنان والأردن وتركيا، وحتى بدأ بعضهم بمساعدة السوريين القادمين حديثاً إلى أوروبا وكندا.

تحولوا شيئاً فشيئاً ناشطي إغاثة، على اعتبار أنه أضعف الإيمان، لم يستطيعوا صنع المستقبل الذي حلموا به، ودفعوا من أجله ثمناً كبيراً، لم يستطيعوا أن يمنعوا قوى الظلام من الركوب على ثورتهم، لم يستطيعوا أن يحققوا أهدافاً أقل فأقل، فاختاروا أضعف الإيمان.

بدأ دي ميستورا مهمته في يوليو/ تموز 2014 بطموحات كبيرة، ملخصها وقف الحرب في سورية، والوصول بوقت واحد إلى دولة ديموقراطية تعددية خالية من الإرهاب ومن الديكتاتورية، يحكمها دستور عصري، يشارك كل أبنائها في صنع مستقبلها، ويبدأون معاً إعادة بناء بلدهم المدمر، بعيداً عن التدخلات الخارجية، وهذه هي طموحات الشباب السوريين، وهذه هي الشعارات التي خرجوا لأجلها.

دعا دي ميستورا إلى عشرات الاجتماعات وإلى ثلاثة مؤتمرات، وتنقل بين عدة عواصم عشرات المرات، وساهم في ترتيب لقاءات بين ممثلي دول وحكومات، ثم وجد واقعياً أنه يمكن أن ينجح إذا ما صغّر الحجر، فصار يعمل وفريقه على هدن ومصالحاتٍ محليةٍ في بعض المناطق، ثم على ترتيب لقاءات أصغر فأصغر. وصل، الآن، إلى النتيجة نفسها التي وصل إليها الشبان السوريون قبله، وأعلن من دمشق تحوله إلى ناشط إغاثي، لم يبحث أي مواضيع تتعلق بالتفاوض أو بالوصول إلى حل سياسي، أو بوقف الحرب، أو بانتقال السلطة. غلبه الواقع، فأعلن من دمشق: "من واجب الحكومة السورية أن توصل المساعدات الإنسانية إلى كل السوريين، أينما كانوا، والسماح للأمم المتحدة بتقديم المساعدات الإنسانية، وغداً نختبر الأمر". والطريف أن ردة فعل النظام السوري اتجاه هذا التصريح تشبه تماماً ردة فعله اتجاه الشبان الذين تحولوا ناشطين، فأولئك اعتقلهم وضيق عليهم وحاصرهم، ودي ميستورا ردوا عليه بأن: "لسنا بانتظار أحد أن يذكّرنا بواجباتنا تجاه شعبنا، وأما ما صرح ويصرح به دي ميستورا حول اختبار جدية الدولة السورية، فلا علاقة له بالدقة أو الموضوعية، ولا يمكن وضعه إلا في سياق إرضاء جهات أخرى".

هنيئاً لك، سيد دي ميستورا، وأهلاً بك بيننا ناشطاً إغاثياً سورياً.

======================

المعارضة السورية في حساب الربح والخسارة .. سلام الكواكبي

العربي الجديد

الاحد 13-3-2016

تبدأ خلال ساعات في مدينة جنيف السويسرية المداولات "السورية" التفاوضية التي ترعاها كل من روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الأميركية عبر ممثلتهما، الأمم المتحدة. ويشارك في هذه الجولة الجديدة التي تنطلق، بعد نجاحٍ نسبيٍّ لهدنةٍ فُرضَت أيضاً من رعاة الحقل السياسي الدولي الجديد، وفدا المعارضة السورية والنظام السوري إلى جانب وفود متنوعة أخرى لزوم المشهد. ويصل إلى المدينة السويسرية تباعاً أعضاء وفد المعارضة السورية، بانتظار أن يصبح وفوداً بمساعٍ حميدة من الروس، وبغض نظرٍ من الأميركيين، وبعجزٍ أصبح مرادفاً للسياسة الخارجية الأوروبية، وبموقف أممي انتظاري لا "يهشّ ولا ينشّ".

كما تصل مجموعات مدنية سورية تضافرت الجهود الحميدة، والأقل حمداً، لتشريكها في المباحثات، بصفة استشارية و/أو رقابية. وتعكس هذه المشاركة حالة انبثاقٍ جديدٍ لمجتمع مدني سوري، تم تغييبه عن العمل العام أكثر من أربعة عقود. وهي مشاركة تسلّط الضوء في الآن نفسه، على إشكاليةٍ تؤسس لاختلافٍ جوهريٍ في تعريف موقف هذا الجسم المدني الجديد والمتنوع والمتكاثر بغزارة. فمن جهة بعض الساعين إلى حصد إيجابيات الظهور والتخلي عن أوجاع المواقف، يجري لدى بعضهم ترويج مفهوم "حيادية" المجتمع المدني السوري إزاء أطراف المقتلة. ومن جهة أخرى، وهي الغالبة، لدى الواعين بأدوارهم وبضرورة التزامهم بالقيم الأساسية التي على أي عمل عام أن يستند إليها، وهي الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة، على الأقل، الذين يتشبثون باستقلاليتهم بعيداً عن هلامية تعريف الحيادية الذي يتناسب نظرياً مع مجتمعات متطورة أو مجتمعاتٍ تعاني من تصارع قوى متوازية القوة، وفي مواقع مواجهة مصيرية.

يحضر وفد النظام السوري مزوّداً بالتوجيهات الأميرية من مرسليه، كما من رعاته الروس، كما من داعميه الإيرانيين. موقف رسمي سوري متشعب الولاءات، سيعكس في تصريحاته وفي مناوراته الارتياح النسبي الذي استفادت منه قواته في أثناء الهدنة والتقدم النسبي أيضاً الذي لم تكن لتحققه على الأرض من دون القصف الجوي الروسي المستمر، على الرغم من الهدنة. كما سيكون الارتياح النسبي مرافقاً للوفد الرسمي نتيجة لهلامية الموقف الدولي وخضوعه شبه الكامل للفاعل الروسي الذي يستعيد موقعه قطباً أساسياً عالمياً متمرّداً بحنكة وتنظيم.

بعد أن فقدت المعارضة، نتيجة عوامل متشابكة، أية قدرة على التقدم عسكرياً، وبعد أن

"يبدو أنه صار لزاماً على المفاوضين التحلي بالمرونة الضرورية للحصول على أقل الخسائر" أصبحت أيضاً محرومة من أي إسنادٍ حقيقي من داعمين وهميين، وبعد أن وقعت في مطب محاباة بعض الظلاميين الذين يجتمعون مع النظام، على أن عدوتهم الأولى هي الحرية، وبعد أن تشتتت قواها في صراعاتٍ داخليةٍ، ساهم العامل الخارجي في تأجيجها، من خلال الاستقطابات والعطاءات، وساهم ضعف الشعور بالمسؤولية الوطنية في توطينها في القول وفي الممارسة، بعد هذا كله وسواه، تجد هذه المعارضة نفسها في موقع المُفاوض الذي تخلى عنه كل "أشقائه وأصدقائه"، إلا كلامياً.

الحقل السياسي مفتوح لكل الاحتمالات السيئة والأقل سوءاً، لكنه بالتأكيد لم يعد مفتوحاً للاحتمالات الجيدة لعموم السوريين. وفي ظل التخلي الدولي والإقليمي والعربي عما تم الادّعاء يوماً بدعمه، يبدو أنه صار لزاماً على المفاوضين التحلي بالمرونة الضرورية للحصول على أقل الخسائر، حتى لا نتحدث عن مكتسبات. وعليهم أن لا "يتشاطروا" في رفض بعض الصيغ، ليعودوا و"يلحسوا" رفضهم، بعد تدخل الفاعلين المؤثرين بشحطة قلم أو بمكالمة صاخبة.

صار من الضروري التمكّن من مسارات عملية التفاوض وعدم انتظار المعجزات التي لا تحصل إلا في الأفلام. وما خروج آلاف السوريين إلى شوارع التظاهر السلمي مجدداً إلا محفّز قوي، إن أُحسنت قراءة حمولته الرمزية، على الاستناد إلى مجتمعٍ حي وواعٍ.

لا ينتظرن المفاوضون والمفاوضات أن يخرج المتظاهرون بلافتات "الهيئة تمثلني"، كما كانوا يأملون عندما كتبوا "المجلس الوطني يمثلني" أو "الائتلاف الوطني يمثلني"، لأن الثائر لا يُلدغ من جحرٍ مرتين. يمثل المفاوضون حقوقاً يجب تحصيل ما استطاعوا إليه منها سبيلاً دونما الاستئثار أو الادعاء. صار الأجدر بهم أن يملكوا ناصية "فن" التفاوض، بعد أن انشغلت هيئاتهم طويلاً في فن المماحكات والشطارات. عليهم أن لا يلتفتوا كثيراً إلى بروز بعض الهلاميات الطفيلية على سطح مستنقع الموقف الدولي الراكد، من أمثال شخصياتٍ أُريد لها أن تُشارك، كمعارضة "وطنية" مستباحة الموقف.

إن مجتمعاً مدنياً سورياً منبثقاً من تحت الرماد المادي والأمني كطائر العنقاء يدعم قضية شعبه باستقلالية ملتزمة، من دون حيادية، وشعباً ما زال ثائراً على الاستبداد بكل تلاوينه السياسية والدينية، مجدداً مطالباته التي خرج بها منذ خمس سنوات سلمياً في ساحات البلاد، وجيلاً شاباً يتأمل خيراً في نهاية نفق الموت والدمار، هم يقفون كلهم مع الحرية والسلام، ومع من يسعى في مناكبهما، معتمداً على "الحقوق الشرعية" للشعب السوري "المحتل" من قوى السوء، مهما اختلفت تعريفاتها.

على الرغم من الخسائر المحسوسة للمعارضة السورية ميدانياً وسياسياً، إلا أنها ما زالت، إن اجتمعت لديها مقومات الإرادة، قادرة على الاعتماد على زخم شعبي ملموس ومتجدد، يحلم بغدٍ أكثر حرية وانعتاقاً من وجهي عملة الاستبداد، السياسي والديني.

======================

أسئلة لا بد منها .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 13-3-2016

لا أحد يذهب إلى مفاوضات خاسرة. ولا أحد يرفض التفاوض، وفي نيته الامتناع عن تحقيق حل، لأن هناك من لا يخدم الحل مصالحه، وليس لأن مصالحه تقتضي أن لا يكون هناك حل، أو لأن ظروف الحل وشروطه غير متوفرة. ولا أحد يختار من ينتدبهم للبحث عن الحلول من غير القادرين على التفاوض، أو غير المؤمنين به، والمؤهلين له.

لا يخدم ميزان القوى القائم اليوم في سورية فرص الحل السياسي. وتقود التشابكات والرهانات الدولية والإقليمية والعربية في اتجاهاتٍ متناقضةٍ، تجعل الحل قليل الحظوظ، إن لم يكن عديمها، وتفرض استمرار الصراع حتميةً لا شك فيها، يصعب معها تحديد موعدٍ تتوقف فيه معاناة السوريين، ويوضع حد لقتلهم بيد نظامهم وحلفائه المحليين والإقليميين والدوليين. وكيف يكون هناك حل، والطرف الآخر يتدفق عليه طوفان سلاحٍ يأتيه من كل حدب وصوب، ويلتحق به المرتزقة من كل فج عميق، بينما الجيش الحر يفتقر إلى كل ما يمكّنه من وقف خساراته، والمحافظة على المناطق التي لم يهاجمها حلف المرتزقة/ الإيرانيين/ الروس بعد، ناهيك عن تغيير موازين القوى لصالحه، مع أن تغييرها شرط لازم لجعل الحل متوازناً، وفي متناول المقاومة العسكرية والمعارضة السياسية.

هل يمكن تحقيق انتصار جزئي، أو محلي، في ظل هذه الأوضاع التي تجعل من الصعب جداً الصمود أمام التحالف الثلاثي السابق ذكره؟ وهل الهدنة هي البديل الأفضل الذي وقع الاختيار عليه، لقرار عربي/ إقليمي حاسم بالمحافظة على الثورة السورية من جهة، وتوفير الأمن للعرب من جهة أخرى؟ وما العمل إذا قرّر الطرف الآخر استغلالها لقضم المناطق المحرّرة، واحدة بعد أخرى؟ هل سينجو السوريون من خلال انتظار غياب باراك أوباما عن كرسي الرئاسة في أميركا، والتمسك بوهم غبي يخال أن بديله في البيت الأبيض سيبدّل سياساته، ليس لأنها لا تحقق لأميركا ما أرادته من إمساكها بمفاتيح الصراع في سورية والإقليم، بل لأنها لا تعجب هذا العربي أو ذاك، وتضحّي بالسوريين؟

تمسّ حاجتنا حاجة السوريين إلى إصلاح أحوال وفدهم المفاوض الذي تمت تسميته، في ظروفٍ وحساباتٍ لم تؤد الغرض منها، وتمس حاجتهم إلى تغيير حسابات داعميهم الذين يستطيعون ما لا يستطيعونه هم: المحافظة على وضعهم الراهن، في مواجهة تحالف المرتزقة/ الإيرانيين/ الروس الذي انتزع مناطق مهمة من الجيش الحر، وبدّل علاقات القوى تبديلاً جدياً لغير صالحه، ويستغل اليوم الهدنة لتفكيكه وبعثرة قدراته، وإدخال اليأس إلى نفوس شعب سورية، بينما يمكن للجيش الحر والمعارضة إفشال أعدائهما، بفضل تمسك السوريين بالثورة ورهاناتها الأصلية، وبإسقاط الأسد الذي عبّروا عنه في كل مكان عبر مظاهرات أيام الهدنة، وما جدّدوه من تصميمٍ على مقاومة أي عدو وكسره، إذا ما توفر لهم ما يدافعون به عن أنفسهم... وعن غيرهم، وما يحتوون بواسطته قوة أعدائهم، تمهيداً لفرض حل يموتون من أجله، ليس رفض مبدأ الحل ولن يكون بديله، خصوصاً إنْ أدخلهم في معارك غير متوازنة، يفرض السلبية فيها على العرب والإقليم حجم الردع الذي يوفره الروس في سورية، ويلقي الرعب في قلوب جميع دولها.

هل يمكن لطرف يقاتل وحيداً، ويتعرّض لخسائر يومية، أن يبني حساباته الوطنية انطلاقاً من مصالح أطراف أخرى وحساباتها؟ هناك إجابتان على هذا السؤال: واحدة علنية، لا يناقشها السوريون، لاعتقادهم خطأ أن مناقشتها تضر بمكانة وفدهم المفاوض وفرص الحل. وثانية تلمح من بعيد، وبأدب جم، إلى ما يواجهه السوريون اليوم من مشكلاتٍ تتصل بأخطاء على علاقة مع وفدهم المفاوض وموقفه من الحل، ومع ما يخشون أن يترتب عليها من نتائج، حاول هذا النص ملامستها: بأدب جم هذه المرة!

======================

أيها السوريون: أبشروا بديمقراطية على طريقة الثنائي المرح بوتين ـ مدفيديف .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 12-3-2016

أفضل مثل ينطبق على روسا المثل الشعبي الشهير: «طبيب يداوي الناس وهو عليل»، ففي أحسن الأحوال، لن تقدم روسيا العليلة ديمقراطياً للسوريين أكثر من نموذجها «الديمو خراطي» الكوميدي الذي أصبح مثاراً للسخرية والتهكم عالمياً. فربما يغيب عن أذهان الكثيرين أن كل ثورات أوروبا الشرقية نجحت، واستطاعت بعدها الشعوب أن تنتقل فعلياً من حقبة الطغيان الشيوعي إلى حقبة الديمقراطية الرأسمالية. لكن روسيا كانت الاستثناء الوحيد الذي عارض حركة التاريخ. صحيح أن رومانيا تأخرت قليلاً عن ركب جاراتها في الانتقال الديمقراطي، حيث ظل شبح تشاوسيسكو جاثماً على البلاد حوالي عشر سنوات بعد نفوق الطاغية، لكن رومانيا نجحت في ما بعد في التخلص من تركة تشاوسيسكو ونائبه الذي استمر في الحكم بعد الثورة لعقد من الزمان. وبعد أن أيقنت أوروبا الغربية أن شقيقاتها الشرقية قد تخلصت فعلاً من الإرث الشيوعي الطغياني استقبلتها في الاتحاد الأوربي لتصبح أعضاء كاملة الأوصاف. لكن وكر الشيوعية الأصلي الذي كان يتمثل بالاتحاد السوفياتي لم يفارق عهد الطغيان إلا شكلياً.

على عكس كل الدول الأوربية الشرقية، التي كانت تدور في الفلك الروسي، انتقلت روسيا بعد ثورتها، أو لنقل بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، من الديكتاتورية الشيوعية إلى عصر المافيا، حيث حكمت المافيا هناك لفترة من الزمن ريثما يتشكل نظام جديد يحكم البلاد بعد سقوط النظام الشيوعي. وبعد طول انتظار، لم يحظ الشعب الروسي بحكم ديمقراطي على غرار بقية دول أوروبا الشرقية التي انتقلت فعلياً إلى النظام الديمقراطي الحقيقي. لا شك أن النظام الروسي الجديد راح ينافس الرأسمالية المتوحشة اقتصادياً، حيث تحولت موسكو إلى واحدة من أغلى العواصم في العالم، لكن النظام السياسي الجديد ظل نظاماً سوفياتياً بواجهة ديمقراطية زائفة. صحيح أن الدولة الروسية الجديدة تظاهرت باتباع النظام الديمقراطي والانتخابات والتعددية الحزبية وغيرها من مظاهر الديمقراطية، إلا أنها في الواقع كانت وما زالت بعيدة عن الديمقراطية الحقيقية بعد الأرض عن الشمس.

انظروا فقط إلى لعبة التداول على السلطة المزعومة في روسيا منذ سنوات طوال. لقد تحولت روسيا إلى لعبة في أيدي الثنائي الشهير ميدفيديف – بوتين. مرة يكون ميدفيديف رئيساً للجمهورية وبوتين رئيساً للوزراء، ومرة يكون العكس، مع الانتباه طبعاً إلى أن الحاكم الحقيقي الوحيد في روسيا هو بوتين، بينما يلعب مدفيديف دور الكومبارس الديمقراطي. ولسنا بحاجة أبداً لأي برهان كي نرى كيف أصبحت روسيا العظمى كلها مرتبطة باسم بوتين، بينما ينظر حتى الروس أنفسهم إلى ميدفيديف، شريك بوتين في السلطة، على أنه مجرد ديكور ديمقراطي، بينما السلطة الحقيقية للقيصر بوتين، وهو الاسم الذي تطلقه عليه وسائل الإعلام الغربية، لأنه الحاكم بأمره بقوة الجيش وأجهزة الأمن الروسية الشهيرة التي ورثت أساليب الكي جي بي من ألفها إلى يائها.

وبما أن روسيا أصبحت صاحبة الكلمة العليا في سوريا بعد احتلالها المباشر للبلاد بغطاء شرعي زائف اسمه بشار الأسد، فهي لا شك ستنقل للسوريين تجربتها «الديموخراطية» الكوميدية، بحيث ستعمل على إجراء انتخابات يفوز فيها عميلها في دمشق سواء كان بشار أم عميل آخر من نفس الطينة. ويجب أن ننوه هنا إلى أن روسيا تغلغلت عميقاً داخل المؤسستين العسكرية والأمنية السورية، وتعرف أيضاً كيف تتلاعب بأتباعها داخل المؤسستين. وبالتالي، فيما لو حصل تغيير في سوريا، فلا شك أنه سيكون على الطريقة الروسية، بحيث سيبقى الأمن والعسكر مسيطرين على البلاد بنفس الطريقة التي يدير بها بوتين روسيا «الجديدة». بعبارة أخرى، فإن الثورة السورية ستفرز واقعاً مشابهاً للواقع الذي أفرزته الثورة الروسية المسكينة التي انتقلت ظاهرياً من العهد السوفييتي الشيوعي إلى العهد الديمقراطي الزائف، بينما ظلت اليد العليا فيها عملياً للجيش والاستخبارات. ولا ننسى طبعاً أن الرئيس الروسي بوتين نفسه هو أحد رجالات المخابرات الروسية «الأشاوس». وهذا يؤكد أن روسيا شذت عن باقي ثورات أوروبا الشرقية.

وفي أحسن الأحوال، إذا ظلت روسيا ممسكة، بزمام الأمور في سوريا، فلن يحصل السوريون إلا على نسخة مشوهة من «الديموخراطية» الروسية، بحيث سيكون لدينا رئيس من فصيلة المخابرات والعسكر حاكم بأمره يتناوب على السلطة مع شخصية أخرى من وزن «الطرطور»، كي يقنع العالم بأن سوريا تغيرت وأصبحت ديمقراطية، بينما هي في الواقع انتقلت من سيء إلى أسوأ. ولا شك أن «الديموخراطية» السورية ذات النكهة الروسية ستكون مناسبة جداً لإسرائيل، لأنها تطمئنها بأن الشعب السوري سيبقى تحت ربقة العسكر والمخابرات الذين حموا إسرائيل من الشعب السوري على مدى نصف قرن من الزمان. فهل سيقبل السوريون بأن تذهب تضحياتهم الهائلة أدراج الرياح مقابل الحصول على نظام عسكري مخابراتي برداء ديموخراطي زائف من طراز بوتين- ميدفيديف، أو مديفيديف ـ بوتين؟

٭ كاتب وإعلامي سوري

======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com