العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 19-08-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

«التعفيش السياسي» السوري ... في لبنان

وليد شقير

الحياة

الجمعة 17/8/2018

يسعى المحور الإيراني- السوري إلى الإفادة المبكرة من قدرته على الصمود في وجه الضغوط عليه، انطلاقاً من النتيجة التي بلغتها الحرب في سورية وقضت بثبات نظام الرئيس بشار الأسد في الحكم، من أجل الإيحاء بأنه حقق الانتصار المؤكد في معركته مع المحور العربي- الغربي الآخر.

لكن أرباب هذا المحور ينسون أنهم منذ العام 2011 يدعون الآخرين إلى التسليم بانتصاره. هذه هي حال نظام دمشق وطهران و «حزب الله» على مر السنوات الأربع الماضية... في كل مرة يضربون موعداً لانتهاء الحرب في سورية، ولانتصار مشروع الحوثيين في اليمن، ثم لا يلبث الصراع أن يتجدد ويتصاعد سياسياً وعسكرياً.

ولعل الحاجة إلى رفع معنويات جمهور هذا المحور عبر دعوة الآخرين إلى التسليم بانتصاره هي أحد العوامل التي تتحكم بخطابه، فهذا الجمهور تعب من المعارك التي يفرض «حزب الله» عليه تحمل تبعاتها في الإقليم. وكلام الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله قبل 3 أيام واحد من الأدلة على تلك الحاجة في وجه «ما هو قائم وما هو آت»، قاصداً بذلك العقوبات الاقتصادية والضغوط المتصاعدة على إيران وسورية وعلى الحزب نفسه، إذ إن الأخير يدرك أن عقوبات جديدة آتية ضده في الخريف عبر مشروع قانون يبحثه الكونغرس الأميركي تحت عنوان «نزع سلاح حزب الله»، بالإضافة إلى المرحلة الثانية من العقوبات القاسية على طهران نفسها. جزء كبير من كلامه خاطب فيه جمهوره، حتى حين توجه إلى الخصوم البعيدين والقريبين بالتهديد. مرة أخرى يطلب نصر الله من جمهوره الصمود في وجه الضغوط، والصمود يستبطن القول إن المعركة لم تنته.

قبل أسبوعين كانت الحال السياسية والنفسية لقادة هذا المحور تتعاطى بليونة مع نتائج تفاهمات قمة هلسنكي، التي قضت بحفظ أمن إسرائيل مقابل تسليمها ببقاء الأسد في الحكم والتحضير للتواصل مع نظامه في إطار اتفاق فك الاشتباك في الجولان، والبحث عن طريقة للتكيف مع مطلب انسحاب إيران من سورية، عبر دعوة موسكو إلى الإفادة من ورقة الانسحاب الإيراني من أجل الضغط لانسحاب القوات الأميركية والتركية من بلاد الشام.

لكن قبل أيام قليلة عاد محور إيران وسورية و «حزب الله» يستفيد من سياسة دونالد ترامب وعقوباته على تركيا، ومن العقوبات الإضافية على روسيا، ما دفع أنقرة إلى الاقتراب أكثر من طهران، وموسكو إلى العودة لتأكيد تحالفها مع إيران، والتلويح بالتحلل من التزامات هلسنكي تجاهها. هذا ما بنى عليه نصر الله خطابه، مسقطاً اللحظة الإقليمية الدولية الشديدة التعقيد على الوضع اللبناني الداخلي وعلى تشكيل الحكومة الجديدة، ومطلقاً التهديدات للرئيس المكلف تأليفها سعد الحريري برفع سقف مطالبه، والقابلة للتغيير مثلما تغيرت أخيراً.

منذ أن بدأ تأليف الحكومة اللبنانية الجديدة قبل أسابيع، والتكهنات تروح وتجيء عن العقد التي تعترض ولادتها إذا كانت محلية أو خارجية، في ظل وضوح لونها الداخلي المتعلق بالحصص والأحجام وبحسابات الزعامة، خصوصاً عند المسيحيين.

كبار القادة والمسؤولين نفوا وجود الأسباب الخارجية للعرقلة، بمن فيهم الحريري. حتى نصر الله قال إن العقد داخلية على رغم أن قادة حزبه رددوا العكس. لكنه عاد فقال في كلامه الأخير: «الآن نحن محورنا هو الذي ينتصر في المنطقة»... وعلى ذلك برر نيته رفع السقف إذا ثبت أن غيره يراهن على متغيرات إقليمية، لكنه أثبت في الوقت ذاته أن فريقه يبني حساباته في مطالبه الحكومية على الوضع الإقليمي.

يدرك أرباب المحور الممانع على رغم التقدم الذي أحرزوه، لا سيما في سورية بمساعدة روسية، أن اضطرار الدول الأخرى للتعايش مع بقاء الأسد في السلطة لا يعني التسليم منها بشرعيته، على رغم اتصالات بعضها الأمنية معه، وعدم استجابتها لدعوة موسكو لتمويل عودة النازحين هو أحد الأدلة على ذلك. ويسعى هذا المحور إلى «استعارة» شرعيته السياسية من البوابة اللبنانية، بالمراهنة على أن يدفع نفوذ «حزب الله» على الدولة إلى التطبيع معه. ما زال عقل حكام دمشق يؤمن بأن ترسيخ سطوته فيها مرتبط بمقدار نفوذه في لبنان.

الحرب السورية اخترعت تعبيراً لعمليات السبي ومصادرة الأملاك ونهب منازل المواطنين على أيدي «القوات الرديفة» للنظام (الميليشيات) حين تظفر بطرد قوات المعارضة من إحدى المناطق، هو «التعفيش». وفي لبنان، يتم «التعفيش السياسي» على القوى الرافضة التطبيع مع النظام لانتزاع الاعتراف به منها بالضغط، بعدما كان الحريري تلقف المبادرة الروسية لإعادة النازحين لتجنب التطبيع مع النظام. كل فريق يسعى لاقتناص اللحظة، و «حزب الله» ودمشق يسعيان لاقتناص اللحظة الجديدة للحصول على التطبيع.

==========================

موقفنا : في الذكرى الخامسة لمجزرة السارين

زهير سالم

19/8/2018

مركز الشرق العربي

في ٢٠ / ٨ /٢٠١٣م استهدف بشار الكيماوي وعصابته في الداخل وداعموه الدوليون في الخارج غوطة دمشق الجميلة بإنسانها وحيوانها وأشجارها بغاز السارين ..

يومها قضى قريبا من ١٧٠٠ إنسان في ساعة واحدة أكثرهم من الأطفال الذين لم تحتمل صدورهم البريئة قسوة الوحش الصامت .

وفِي ٢٠ / ٨/ ٢٠١٣

انفضح كذب رئيس أعظم دولة في العالم الرئيس الذي منح بشار الأسد الرخصة في أن يقتل السوريين الأطفال منهم والنساء بكل سلاح واعتبر السارين السلاح الوحيد المحظور بالخط الأحمر ؛ ثم تماهى مع الجريمة حتى بعد أن كررها بشار الكيماوي مرة بعد مرة بعد مرة حتى السبعين مرة وما يزال مخاليع من بني البشر يتحدثون عن تحقيق وعن قضاء وعن حقوق إنسان وعن عدالة دولية ؛ يصنعها لهم اليوم بوتين وترامب وحليفهما الولي الفقيه ورابعهما نتنياهو " الجميل " .الذي كان الرابح الأكبر مما جرى في سورية وعلى السوريين ، : تخلص نتنياهو من أعدائه من السوريين وكرس عميله الكيماوي فيما يظن إلى أبد الآبدين.

اليوم في الذكرى الخامسة لهولكست السارين يعمل أطراف الجريمة الدولية في سورية على أكثر من محور وبنفس الروح العالية من التنسيق .

بشار الكيماوي هتلر سورية الطائفي العنصري يعمل على التخلص من أدوات الجريمة على طريقته ، وقد منحته أطراف الجريمة الدولية الفرصة ليقتل الشركاء والشهود ويعفّي آثار الجريمة كما يريد ...

الأخبار الواردة من الغوطة تؤكد أن بشار الكيماوي يأمر بتتبع قبور شهداء المجازر الكيماوية ونبشها لإخفاء أي أثر للجريمة ، ليعاد تقديمه على أنه دكتور جيكل الجميل.

شريك الجريمة الأول بوتين  أو " إيفان الرهيب " يطوف العالم يتحسس آلام الحكومات التي أثقلها ملف اللجوء واللاجئين مطالبا إياها بإعادة تسليم من نجا من السوريين لتتم تصفيتهم بالطريقة التي تجعل بوتين يبتسم حتى تبدو أنيابه وتبرز مخالبه.

وترامب يقلع كل حجر في جدار العالم بحثا عن دولار.

تصادف ذكرى الهولكست الأكثر فظاعة في تاريخ القرن الحادي والعشرين غدا يوم وقوف الحجيج في عرفة ...

 فيا أهل الموقف جميعا بلغوا عن أهل الشام أنهم لم يجدوا في أهل الأرض وليا ولا نصيرا

اللهم أنت ولينا من دونهم جميعا.

ما لنا غيرك يا الله..

___________

*مدير مركز الشرق العربي

============================

مأزق تركيا في إدلب وملف «النصرة»

سميرة المسالمة

الحياة

الجمعة 17/8/2018

أسست تركيا عبر ورقتها البيضاء للحل في إدلب (تموز / يوليو 2018) لتفاهمات غير مشروطة مع الجانب الروسي ، رغم النقاط التي تضمنتها، والتي توحي بمطالب تركيا في الحفاظ على هيمنتها المطلقة على منطقة خفض التصعيد الرابعة، والتي تضم أجزاء من أرياف حماه واللاذقية وحلب وإدلب المدينة وريفها، وتعهدت من خلال ورقتها أن تلزم جميع الفصائل- ومن بينهم جبهة «النصرة»- على تسليم أسلحتها الثقيلة والمتوسطة، ويتم من خلال تجميع عناصر الفصائل و «النصرة» الذين يقبلون بإذابتهم في تشكيل ما سمي «الجيش الوطني»، وتضمن تركيا مقابل الموافقة على مقترحاتها فتح طريق حلب– دمشق، إضافة إلى تقديم كامل الخدمات للمنطقة، ما يعني نزع أسباب العملية العسكرية للنظام في إدلب وفق ورقة بيضاء، قابلة للكتابة عليها من كل الأطراف المعنيين بما فيهم النظام السوري.

ومن خلال ذلك يمكن فهم زيارة وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف لتركيا الأسبوع الماضي، بالإضافة إلى مناقشة المتغيرات الدولية الحالية، والمتمثلة بالموقف الأميركي، واجتياحه إلى اقتصادات كل من البلدين إضافة إلى إيران، على أنها جلسة عمل في مقدمة جدول أعمالها «إعادة صياغة الورقة البيضاء التركية»، لتصبح ملونة بالحبر الروسي، الذي يرفض المساومة على ادماج «النصرة» كطرف في أي تسوية قادمة، حيث يتناقض ذلك مع بنود اتفاقات أستانة، التي تسمح للنظام السوري بشن هجماته على أي تواجد إرهابي في سورية. ما يعني أن بياض ورقة تركيا، لم يجعل من رغبتها في تمييع قضية انهاء النصرة تمر على متلقيها الفاعلين في الملف السوري، ما احتاج إلى أن تطلب روسيا وضوحاً أكبر من تركيا في ما يتعلق بملف «النصرة» ووضعها على قائمة الإرهاب علناً وبالتسمية الصريحة، والذي يفترض أن أنقرة تجاوزت المهلة الممنوحة لها حول ذلك، ما استدعى أن تحاصر قوات النظام إدلب بقصف متعمد، ومدروس، يدفع السوريون ثمنه ضحايا وأمناً، ويسبق زيارة لافروف إلى تركيا، ويمكّنه من إجراء حوار ملزم لتركيا، لإعلان موقف يعد هو الأول من نوعه، تجاه ما سماه الوزير التركي (مولود جاويش أوغلو) الثلاثاء الماضي إرهابيين في إدلب يصعب ضمان أمنها في ظل وجودهم.

فتركيا التي تجنبت خلال السنوات الماضية إعلان موقف معاد لجبهة «النصرة»، أو تصنيفها بالإرهابية، وكذلك فعلت كيانات المعارضة السورية السياسية والعسكرية، التي ترعاها تركيا بدءا من المجلس الوطني إلى الائتلاف ودائرته الإعلامية والمتحدثين باسمه، مروراً بفصائل الشمال السوري، وأخيراً الشخصيات المحسوبة على تركيا في هيئة التفاوض، حيث في كل مرة يكون الحديث فيها عن جبهة «النصرة» يذهب المتحدثون عن هذه الكيانات إلى مرادفة «القاعدة» كقوة متطرفة من دون الإشارة إلى النصرة، وتسميتها اللاحقة «هيئة تحرير الشام».

إلا أن إعلان المجلس الإسلامي عبر بيان مفاجئ بداية عام (2017) موقفه من الجبهة ، هيأ المناخ المناسب للائتلاف لاستصدار بيان هو الأول أيضاً يسمي «النصرة» كفصيل متطرف تيمناً ببيان المجلس الإسلامي، الذي هو أحد مصادر مرجعية القرار غير المنظور داخل «الائتلاف»، وتحت الضغط الدولي عليه لقبوله بين كيانات المعارضة المشكلة لوفد التفاوض مع النظام، ولم يبادر الائتلاف إلى اصدار أي موقف واضح من النصرة، على رغم موجة انسحاب أعضاء منه بداية عام 2017 بعد خسارة حلب غير المبررة، والتي كانت بسبب تعنت الكتلة الداعمة لبقاء الموقف غائماً من «النصرة»، ورفضها استصدار موقف واضح من الأعمال الإرهابية لها في سورية، ما يعني بوضوح أن مرجعية الائتلاف لم تكن يوماً هي مجموع إرادات أعضائه، الذين طالبوا بأكثرية واضحة في اجتماعات الهيئة العامة المتتالية خلال عام 2016 بفصل العمل المسلح لمقاتلي فصائل المعارضة عن جبهة «النصرة»، والذي نتج عنه خسارات متلاحقة كان أوضحها تسليم حلب للنظام السوري.

تأكيد لافروف لجزئية حق النظام السوري بشن الحرب على جبهة «النصرة» خلال مؤتمره الصحفي مع نظيره أوغلو في أنقرة، يعني أن التفاهمات النهائية حول إدلب لا تزال مؤجلة، وهي تفهم على أنها لغة تهديد، كما يمكن ان تفهم على أنها مجرد غطاء، لـتعطيل أي حلول حالية تتفرد بها الولايات المتحدة الأميركية، في ظل انشغالات الدول بتدهور اقتصاداتها، وكل ذلك مرتبط بشكل مباشر في قدرة تركيا على استمرار ربط قرار جميع الفصائل المسلحة في الشمال بالإرادة التركية المطلقة، لتوفير الجهد على روسيا في التعامل مع عشرات الفصائل، وذلك لعقد التسويات الخاصة بالقبول بمسار «سوتشي» بديلا من جنيف ضمنياً، وبذلك تتمكن روسيا من السيطرة على الوضع الميداني والتفاوضي، بمواجهة الرغبة الغربية التي تساندها الولايات المتحدة الأميركية.

وهكذا تبقى إدلب ملفاً مشتركا(روسياً- تركياً) قابلاً للانفجار في حال استمرت الإدارة الأميركية بالضغط على موسكو للوساطة مع النظام بحل قضية الأكراد التي تخشى تركيا أن تكون على حسابها وتصفها بأنها تمس الأمن القومي، ومخاوف تركيا من دستور سوري جديد يضمن لهم حكماً ذاتياً يهدد مناطقها الحدودية، ويستخدمها النظام كسلاح ضدها، ما يجعل التفاهم مع روسيا في شأن القضاء على إرهاب «النصرة» ضمن حدود الحل المشترك مقابل ضمان ماتريده حول أكراد سورية، الأسلم للطرفين، والأكثر ضماناً لبقاء طرف الخيط ممسوكا بيد روسيا من جهة، وتركيا من جهة مقابلة.

ويستخدم كل من النظام وروسيا وكذلك تركيا ملف اللاجئين كمبرر ومسوغ للعمليات العسكرية والتفاوضية باتجاهين: أولهما، داخلي لبسط سيطرة النظام على كامل مناطق سورية، تحت شعار تأمين الخدمات اللازمة لإعادة اللاجئين السوريين إليها، من الدول الأكثر تضرراً في محيط سورية (لبنان، الأردن، تركيا)، وثانيهما، خارجي يبدد مخاوف الغرب من موجات جديدة من اللاجئين، التي يمكن أن تكون معركة إدلب سبباً مباشراً فيها، بسبب الكثافة البشرية، وتوجسات الغرب من الوضع الايديولوجي لبعض السكان الذين وقعوا تحت حكم جبهة «النصرة»، ودرسوا مناهجها التعليمية، وهو ما يمكنه أن يفسر الاجتماع الرباعي المقبل لكل من تركيا وروسيا وألمانيا وفرنسا حول إعادة الإعمار لعودة اللاجئين.

إن قبول تركيا الترويج لفكرة عدم ضمان أمن إدلب لوجود إرهابيين من دون تحديد من تقصد، بل والمطالبة «بتحديد الإرهابيين ومحاربتهم» كفئة معزولة، لا يعني استمرار دفاعها عن «النصرة» وتحديدها كجهة مقصودة بالحرب، بل توسيع دائرة الشك، لتشمل كل من تسوغ له نفسه الخروج عن بيت الطاعة التركي في أي ملف تسوية ترتأيه ضماناً لمصالحها، حتى ولو كان على حساب تسليم كامل منطقة خفض التصعيد الرابعة بكل مساحتها للنظام من دون أي عملية عسكرية.

==========================

بين زيمبابوي وسورية

رضوان زيادة

العربي الجديد

السبت 18/8/2018

تنتظر زيمبابوي، خلال أيام، الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات الرئاسية التي أجريت في الشهر الماضي (يوليو/ تموز)، وهي أول انتخابات حرّة تجرى بعد الانتهاء من حكم الدكتاتور روبرت موغابي الذي استمر 37 عاماً.

منذ حصولها على استقلالها عن بريطانيا في عام 1980، تمكّن بطل الاستقلال موغابي، من حكمها، حتى عام 2017 عندما تمكّن الحزب الحاكم والجيش من إطاحته في انقلاب أبيض، حينها فوجئ ليس العالم فقط، وإنما المواطنون الزيمبابويون أيضاً، فتشبث موغابي بالسلطة، وهو الذي تجاوزت شهرته أحد أهم دكتاتوريي أفريقيا في القرن الواحد والعشرين الآفاق، حيث كلفت الكثير من الأرواح والأموال.

تسلم موغابي السلطة في عام 1980 في البداية رئيسا للحكومة، ثم رئيساً، حيث كان قيادياً من أجل النضال لاستقلال زيمبابوي عن بريطانيا ضمن حزب الاتحاد الوطني الأفريقي الزيمبابوي في زيمبابوي (ZANU) ، وبدعم نشط من القوى الشيوعية في تلك الفترة ودول أفريقية مجاورة، وتراوح النشاط بين العمل السياسي السلمي والعسكري، حيث بدأ الحزب بالقيام بعمليات حرب العصابات ضد حكومة روديسيا (الاسم السابق لزيمبابوي قبل الاستقلال) ذات الأغلبية البيضاء.

استند موغابي إلى تاريخه في النضال ضد الاستعمار مبرّرا للاستبداد بالسلطة المطلقة، وحصر السلطة والثروة بيده، ومع تزايد الاحتجاجات ضده، التي كان يقمعها بقوة، وكانت الأوضاع 

"نجحت زيمبابوي في تأمين انتقال سلمي للسلطة، وعبر انتخابات نزيهة" الاقتصادية والصحية تتدهور بشكلٍ لا مثيل له، حتى بالمقارنة مع دول الجوار الأفريقية الأخرى، فبحلول عام 1997 كان ما يقدر بنحو 25٪ من السكان قد أصيبوا بفيروس نقص المناعة البشرية في وباءٍ كان يؤثّر على معظم جنوب أفريقيا.

وكي يحول الانتباه عن فشل سياسته الاقتصادية، لجأ إلى السياسات الشعبوية في قضية إعادة توزيع الأراضي التي جعلها قضية رئيسية عام 1997، حيث تملك الأقلية البيضاء الذي لا يتجاوز عددها 0.6٪ أكثر من 70٪ من الأراضي الزراعية الخصبة. وفي العام 2000، أقرّ قانون الإصلاح الزراعي، وتم تطبيقه بالقوة، وقد أدت مصادرة الأراضي الزراعية، وعدم تمكّن الملاكين السود الجدد من زراعتها من انتشار الجفاف وانخفاضٍ خطير في التمويل الخارجي، وغيره من أشكال الدعم، وهو ما أدّى إلى انخفاض حاد في الصادرات الزراعية التي كانت تقليديا القطاع الرائد في التصدير. ووجد الرئيس موغابي وقيادة حزب زانو- بي إف أنفسهم محاصرين بمجموعة كبيرة من العقوبات الدولية، رداً على مصادرة الأراضي في عام 2002، حيث تم تعليق عضوية زيمبابوي في كومنولث الأمم بسبب هذا القانون وتزوير الانتخابات. وفي أواخر عام 2008 ، وصلت المشكلات في زيمبابوي إلى مستويات الأزمة الإنسانية الكبرى في مجالات مستويات المعيشة والصحة العامة (مع تفشّي الكوليرا في هذا العام) وارتفاع التضخم إلى مستويات قياسية، وهو ما يسميه الخبراء "التضخم الصارخ"، حيث لم يعد للقيمة المحلية أي قيمة حقيقية، أو قدرة على الشراء، إلى درجة أن هناك ورقة من العملة المحلية من فئة مائة مليار، لكنها لم تكن تعادل في تلك الفترة أكثر من عشرة دولارات. وفي سبتمبر/ أيلول 2008، وتحت الضغوط الدولية، تم التوصل إلى اتفاق لتقاسم السلطة بين تسفانغيراي المعارض الرئيسي، والذي ترشح في انتخابات عام 2008 ضد الرئيس موغابي، ما سمح للأول بتولي منصب رئيس الوزراء، وبسبب الخلافات الوزارية لم يتم تنفيذ الاتفاقية بالكامل حتى 13 فبراير/ شباط 2009.

أعيد انتخاب موغابي رئيسًا في الانتخابات العامة في يوليو/ تموز 2013، والتي وصفها المراقبون الدوليون أنها غير ذات صدقية، وتضمّنت كثيرا من التلاعب والغشّ والتزوير. وأعاد موغابي فرض حكم الحزب الواحد، فبدأت الاحتجاجات على مستوى البلاد بخصوص الانهيار الاقتصادي في البلاد، واعترف وزير المالية في ذلك الوقت "لا نملك أي شيء بالمعنى الحرفي للكلمة". وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، قاد الجيش انقلابًا عقب إقالة نائب الرئيس إيمرسون منانغاغوا، ووضع موغابي قيد الإقامة الجبرية. نفى الجيش أن يكون ما قام به يعد انقلاباً وأجبر موغابي على الاستقالة، بعد أن قاد البلاد 37 عامًا. وذكرت حينها مجلة الإيكونومست أن حكومة موغابي تسبّبت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في وفاة ثلاثة ملايين زيمبابوي على الأقل خلال 37 عامًا.

قال المراقبون الدوليون الذين حضروا لمراقبة الانتخابات إنها اتصفت بالنزاهة والشفافية، حيث كان السباق بين حزب زانو- بي إف من مانغاغوا وحزب حركة التغيير الديمقراطي في تشاميزا، والفرق بين المرشحيْن كان ضيقاً للغاية. وعلى الرغم من اتهامات المعارضة الحزب الحاكم، وهو حزب موغابي، حزب زانو- بي إف الحاكم، بأنه يحاول التلاعب بالأصوات للسماح للرئيس إيمرسون مانغاغوا بالفوز، فذلك لا يلغي تنافسية هذه الانتخابات، ودورها المهم في تحديد مصير زيمبابوي للسنوات المقبلة.

تعد زيمبابوي أكثر الدول فقراً على الإطلاق، وفق بيانات البنك الدولي، حيث يعيش كثيرون

"نجحت زيمبابوي في تأمين انتقال سلمي للسلطة، وعبر انتخابات نزيهة، خضعت للمراقبة الدولية" من سكانها بأقل من دولار في اليوم، وهي الدولة ألأولى التي تشهد ما يسمّى التضخم الصارخ، (دخلته فنزويلا أخيرا). وعلى الرغم من ذلك كله، نجحت في تأمين انتقال سلمي للسلطة، وعبر انتخابات نزيهة، خضعت للمراقبة الدولية، لكي تنهي 37 عاماً من حكم الدكتاتور موغابي، وذلك في الوقت الذي لدى سورية طبقة وسطى أوسع بكثير، وطبقة رجال أعمال لديها علاقاتها التجارية الكبرى مع دول الجوار وأوروبا، كما أن سورية دولة ذات حضارة عمرها أكثر من عشرة آلاف عام، فحلب أقدم مدينة مأهولة، تليها دمشق، بينما لا تتجاوز حضارة زيمبابوي ما بعد القبلية الخمسين عاماً، ويعود الفضل فيها إلى الاستعمار البريطاني.. السؤال المحيّر: كيف نجحت زيمبابوي، بمثل هذه المؤشرات، وفشلت سورية كلياً في تحقيق مثل هذا الانتقال، بل دخلت في أسوأ مرحلة من تاريخها في عمليات القتل والإبادة الجماعية، تحت أعين العالم، وبرعاية بشار الأسد.

تفشل النظرية التي تربط التحول الديمقراطي بنمو الطبقة الوسطى في إعطائنا تفسيراً مقنعاً هنا، والأكثر إقناعاً أن الحضارة والثقافة والاقتصاد كلها لن تنفعك، إذا كانت القيادة، كقيادة الأسد وأعوانه، مسكونة بهاجس الطائفية، ووجودها وتدفع بلداً بأكمله إلى التدمير من أجل بقائها في السلطة، وهو ما يلخص ما نقل على لسان مدير المخابرات الجوية، جميل الحسن، أن أكثر من ثلاثة ملايين ملف لمطلوبين سوريين داخليا وخارجيا جاهزة، مضيفا أن "العدد الهائل للمطلوبين لن يشكل صعوبةً في إتمام الخطة؛ فسورية بـعشرة ملايين صادق مطيع للقيادة أفضل من سورية بـ 30 مليون مخرّب"، حسب وصفه.

==========================

إشكالية إدلب

رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 18/8/2018

ثمة شعور عميق بالمظلومية عند سكان محافظة إدلب، فقد حرمت هذه المحافظة التي تزيد مساحتها على 6 آلاف كم مربع، من التنمية على مدى القرن العشرين، وهي البوابة الكبرى في الشمال إلى تركيا وأوروبا، ورغم انصراف السكان فيها إلى الزراعة واشتهارها بشجرة الزيتون المباركة فإن أجيال الشباب المتدفقة التي انصرفت إلى الجامعات، وشكلت ثروة من الكوادر البشرية لم تجد مستقبلاً رغداً في بلدها، ولم تستطع الحكومات المتلاحقة منذ الستينيات أن تنجز مشاريع تواكب حراك الشباب، وتستوعب طاقاتهم، وكثير منهم أشاح بوجهه عن الحزب الحاكم، كما أن الشعب في إدلب عامة لم يتفاعل مع عهود «البعث» مما جعل قادة النظام يكنون كراهية غير معلنة لإدلب التي بقيت مهمشة، وقد تمكن عقلاؤها من تجنيبها اقتحام النظام لها في مأساة الثمانينيات، لكن النظام اقتحم جسر الشغور وارتكب فيها مجزرة مشهودة.

ومن المحتمل أن يصر النظام اليوم على استرداد جسر الشغور بالقوة، لأن هذه المدينة العريقة مجاورة لجبال اللاذقية التي تعتبر معقل قادة النظام، وتسيطر عليها (هيئة تحرير الشام - النصرة ) وربما تتمكن تركيا عبر تنسيق مع روسيا من أن تجد حلاً غير دموي لإخراج الفصائل الموسومة بالإرهاب من محافظة إدلب كلها، وأن تشكل حالة إدارية مؤقتة ريثما ينضج حل سياسي نهائي للقضية السورية.

وعلى الرغم من الاستنكار الشعبي الواسع في صفوف المعارضة والرفض الثوري الشعبي للحلول السياسية المؤقتة التي تم التوصل إليها في حوران، فإنها جنبت الجنوب دماراً مريعاً كان لا مهرب منه، ولو أن النظام التزم بالعهود لكانت منطقة الجنوب أكثر أمناً الآن، إلا أن النظام خرق الاتفاق في كثير من مناطق حوران، واعتبر المصالحات غنيمة له، فجاءت الاعتقالات المتلاحقة للناشطين المسالمين المصالحين عبر المبادرة الروسية لتفقد الناس أملهم بالأمن والاستقرار، كما أنها أجهضت أمل اللاجئين بالعودة.

وإذا كانت تقارير الأمم المتحدة تشير إلى احتمال أن يصل عدد الهاربين من الجحيم المرتقب في إدلب إلى سبعمئة ألف إنسان، فإن المتوقع حقاً أن يصل عدد النازحين إلى الحدود التركية باتجاه أوروبا إلى أكثر من مليوني إنسان باحثين عن ملجأ وأمان من حرب وحشية يستعد لها النظام ويهدد الشعب بها، ولاسيما أنه حشد أعداءه المهجرين قسرياً في إدلب منذ سنوات، ليكونوا وليمته الأخيرة.

ولقد كان من سوء حظ إدلب أن الذين ادعوا تحريرها قدموا أسوأ تجربة لحلم الناس بالحرية والكرامة، وجعلوا الشعب يحن للنباش الأول (كما يقول أهل إدلب) فانتشرت في عهد من ادعوا الإسلام حالة من الفوضى المريعة، وارتكبت جرائم فظيعة وساد فساد كبير، وصارت جرائم السرقة والخطف والقتل العشوائي مرعبة لأهل محافظة إدلب، الذين يعيشون اليوم بين نارين، فهم يخشون عودة النظام إلى حكمهم، ويدركون أنه قادم لينتقم شر انتقام ممن خرجوا ثائرين ضد ظلم أجهزة الأمن التي استبدت بهم، واعتقلت الآلاف من أبنائهم، وقتلت الآلاف منهم، ولا أمل عند أحد منهم بأن النظام قادر على تغيير سلوكه، فهو يمضي بروح العصبية الطائفية الهائجة، وليس بعقل الدولة الرصينة الباحثة عن الأمن والاستقرار، وإطفاء النار، وهم في الوقت ذاته يكرهون أولئك الغرباء الذين تدفقوا بالآلاف أيضاً حاملين شعارات القاعدة، يرتدون عباءة الإسلام وهو منهم براء، وكانت مهمتهم الوحيدة إبادة الجيش الحر، وخطف شعارات الثورة، وتقديم خطاب ديني متطرف لا يقبله العقل، فهم لم يهتموا بقيم الإسلام العظيمة في الحرية والكرامة الإنسانية، وفي بناء مجتمع السلم والتسامح، وإن انصب اهتمامهم على إطالة اللحية وارتداء عباءة أفغانية، وفرض النقاب على النساء، وصاروا أمراء حروب. وخلال هذا العام 2018 قتلوا أعداداً من الأطباء في إدلب وسرقوا البيوت وخطفوا الرجال مطالبين بالفدية، وكل ذلك يجعل أهل إدلب ينتظرون اليوم الذي تخرج فيه هذه العصابات من محافظتهم، وهم يدركون أن غالبية قادتها هم مافيات دولية، تنفذ مهمة القضاء على ثورة الشعب باسم مذاهب أهل السُنة، وتقودها إيران بشكل مفضوح، وكثير من الشباب المحليين الذين انتموا إليها بدوافع الحاجة المادية القاسية، أو بفهم بريء ساذج للدين، سينفضون عنها حين يجدون الملاذ الآمن.

ويبدو مؤلماً ألا نجد جهداً عربياً رسمياً تقوده الجامعة العربية في الحلول المقترحة لتجنيب إدلب كارثة مرتقبة، بحيث تخرج الفصائل الإرهابية منها، وتسترد كل دولة عناصرها، ويبقى «الجيش الحر» والفصائل الوطنية السورية ضامنة للأمن مع شرطة عسكرية روسية وتركية وعربية، للحفاظ على دماء ثلاثة ملايين إنسان.

==========================

عندما تعاني العلاقات الدولية من الاندفاعات اليومية

رضوان السيد

الشرق الاوسط

الجمعة 17/8/2018

جاء لافروف إلى أنقرة للتحدث مع الأتراك بشأن سوريا، وبشأن تأزم علاقات الطرفين بالولايات المتحدة. لكن الحصيلة ما كانت لصالح تركيا. ولا للتحالف المنتظر بين الأطراف الثلاثة: روسيا وإيران وتركيا. ففي شأن اتفاقية خفض التصعيد اعتبر الروس أن المهلة التي أعطوها لتركيا لحل مشكلة «النُصرة» استنفدت وقتها وفاعليتها. فصحيح أن لتركيا الآن اثني عشر موقعاً بداخل محافظة إدلب، لكنها مواقع في مواطن تسيطر عليها تنظيمات عسكرية أخرى، لا يشملها قرار مكافحة الإرهاب الذي يشمل «النُصرة». فتبقى «النُصرة» أو «هيئة تحرير الشام» مسيطرةً في أكثر النواحي. فمن الذي سيقرع الجرس؟ من الذي سيُزيل «النصرة» باعتبارها تهديداً إرهابياً؟ بل ومن الذي سينزع سلاح الآخرين، كما حصل فيما كان يسمى مناطق خفض التصعيد الثلاث الأخرى؟ تركيا في موقع ضعيف، لأن الأميركان اتفقوا مع الروس على الخروج بعد قليل من سوريا، وقبلوا أن يفاوض أحبابهم الأكراد النظام السوري. ولهذا فإن الأكراد والنظام السوري معاً يستطيعون شن حرب على مناطق الشمال والشمال الشرقي على جبهتين؛ الأكراد بحجة «تحرير عفرين»، والنظام وميليشياته بحجة تحرير إدلب من الإرهاب. وقد جادل الأتراك الروس والإيرانيين أن أهل إدلب هم سوريون مثل الأكراد، فلماذا لا يجوز لهم انتظار الحل السياسي أو التفاوض على الحل مع النظام مثل الأكراد وسلاحهم معهم؟ وبخاصة أن الهجمة على إدلب ستقتل الآلاف من المدنيين وبينهم الأطفال والنساء. وأُجيبوا بأن «النُصرة» موجودة في معظم المساحة، وأطراف الثورة الآخرون موجودون في المفاوضات بآستانة وأكثر بجنيف. وليست لدى تركيا غير نقطة قوةٍ وحيدة: الخوف من القتل والتهجير من جديد، بحسب المنظمات الدولية والاتحاد الأوروبي، وأن تركيا ما عادت تستطيع استقبال لاجئين سوريين فعندها ثلاثة ملايين ونصف. وتركيا حاولت أمراً آخر: أن تجمع بأنقرة الروس والإيرانيين والفرنسيين والبريطانيين وممثلين عن الاتحاد الأوروبي. ويبدو أن بريطانيا انسحبت، ولا ندري إن كان الروس بعد زيارة لافروف سيظلون موافقين على الاجتماع. إردوغان يريد إشراك الأوروبيين في إعادة اللاجئين، وهم يرحبون بذلك ومستعدون للإسهام مادياً ولوجيستياً مع الأمم المتحدة، بشرط أن يكونَ ذلك جزءاً من الحل السياسي وليس كما يريد الروس في مشروعهم «الخيالي»، المقصود به الحصول على مساعدات للنظام إن أمكن، وإعادة الذين يريدون باعتبارهم شبه متهمين، ولا ضمانات لهم غير رحمة الروس الذين لم يفوا بتعهداتهم من قبل. ولذلك فإن لافروف أعلن عن انزعاجه من الأوروبيين بعد اجتماعه بوزير الخارجية التركي.

ويزيد زمن إردوغان صعوبةً تحول الولايات المتحدة ضده في عدة أمور، دون أن تكون عنده نقطة قوةٍ واحدةٍ في خصامه معهم: من القس الأميركي المحتَجَز، وإلى رجل البنوك التركي المسجون لمخالفته للعقوبات المالية الأميركية القديمة على إيران، فإلى العقوبات التي فُرضت على وزيري الداخلية والعدل، وأخيراً الضرائب المرتفعة على صادرات الحديد والصلب وبعض النتاجات الصناعية التركية الأخرى. ووسط هذه الأزمة قد يجد الأتراك وأنصارهم أنفسهم يقاتلون على جبهتين ضد الأكراد والنظام، في الوقت الذي يزعمون فيه أنهم يريدون إعادة أكثر من نصف مليون نازح سوري، صنعوا لهم بأنفسهم ملاذات آمنة بالمناطق التي سيطروا عليها في الشمال السوري.

الروس يستعجلون الكسب المعنوي والمادي، ويراهنون على أن ترمب لا يريد مخاصمتهم، رغم موافقته على قرار الكونغرس تشديد العقوبات الأميركية على إيران. لكن أحداً لا يجرؤ على تحدي أميركا بمن فيهم الروس. وحتى الصينيون يمشون مع الأميركان على طريقة شكسبير: دقة بدقة. والهند الصديقة للطرفين تُعلن عن تخفيض استيرادها للنفط الإيراني بنسبة 50 في المائة خوفاً من العقوبات الآتية في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني). وهذه الحروب التجارية والسياسية المستعرة يأمل الجميع أن تكونَ مؤقتة. فحتى الألمان الذين عمل إردوغان كل ما بوسعه لمعاداتهم بسبب شدة ذكائه وحسابه للعواقب (!)، قالوا إنه لا مصلحة لأحد في تدمير الليرة والاقتصاد التركي!

الإيرانيون حمقى، لكن حماقاتهم قديمة. ولأنهم كانوا يصمدون أو يفوزون في كل معاندة؛ فإنهم يأملون أن يفوزوا هذه المرة أيضاً إن صمدوا وصبروا ولو حتى نهاية عهد ترمب. بينما يشك خبراء إيرانيون وأتراك في القدرة على الصمود لسنتين قادمتين. ومع أن الأوروبيين أكثر قدرةً على الصمود بعد الاتفاق الغامض بين ترمب ومفوض السوق الأوروبية؛ فإنه وفيما عدا الاقتصاد الألماني الضعيف النمو، ليس هناك اقتصاد أوروبي آخر نامٍ، وترمب لا يريد الاتحاد الأوروبي، ولا حلف الأطلسي. نعم، هذه المرة الرئيس الأميركي هو الذي يصارع الناتو والاتحاد الأوروبي وليس الروس! والرئيس الروسي متضايق جداً من الوضع الاقتصادي في بلاده، وقد كف عن الشماتة بالأوروبيين، لكن أحداً حتى الآن - بما في ذلك الصين - لا يريد إقامة تحالف ضد الولايات المتحدة؛ لأن مصالح العالم الاقتصادية بنسبة 40 في المائة هي مع الولايات المتحدة، وبخاصة في أوروبا والصين والهند والعالم الإسلامي!

بعد الحرب العالمية الثانية، كانت لدى المؤسسات والرئاسة الأميركية ثلاث أولويات ودعوى رابعة: الزعامة السياسية، والزعامة العسكرية الاستراتيجية، والزعامة الاقتصادية. والدعوى هي: المسؤولية عن الحريات والديمقراطيات والاستقرار. وبسبب الاقتناع على أميركا، لا في العسكر ولا في الاقتصاد؛ فقد تطورت ثقافةٌ للتفاوض يقودها الأميركيون أيضاً، ويوزعون الأدوار والأفضليات في توازناتٍ صارت مقولةً عندما أَدْمنَ العالم أميركا وأسلوب حياتها... وحتى سياساتها وعساكرها. بيد أن هذه الثوابت النسبية طرأ عليها الاختلال بعد انتهاء الحرب الباردة لسببين؛ تعاظُم الهيمنة الأميركية من جهة عندما اختفت القوة التوازنية والاقتراحية الروسية، وسيطرة المحافظين الجدد على إدارة الرئيس بوش الابن بعد هجمات سبتمبر (أيلول)، وكان هؤلاء يرون أن أمن أميركا وأمن العالم لا تحفظهما غير القوة العسكرية الأميركية. وكان الرئيس أوباما، وهو الرئيس الأميركي الأسود الوحيد، آخِر مَنْ حاول العودة إلى ثوابت السياسة الأميركية في زمن ما قبل الهيمنة. وعندما قرأ كتاب فريد زكريا: «ما بعد العصر الأميركي» (2009) ضحك وعلق: «نحن الذين بيدنا إخراج العالم من الإدمان الأميركي، والذي أخشاه ألا يستطيع العالَم الكف عن ذلك!»

ومع أن رئاسة ترمب ما كانت متوقعةً باعتباره ما كان شعبياً لدى النُخَب؛ فإنها تميزت منذ دعايته الانتخابية بأمرين؛ مخاطبة غرائز شعبوية لدى العامة والناخبين البيض والريفيين، واعتقاد أن العالم يحتاج إلى أميركا ويستغلَها وأميركا لا تحتاج إلى أحد! ولولا وجود مؤسسات دستورية وقانونية راسخة بالبلاد، ولولا عقدة ترمب السرية في علاقته بروسيا، ولولا الإدمان العالمي للعلاقة مع أميركا، لنجح الرئيس الأميركي في إحداث اضطراب هائل بالداخل ومع العالم! ورغم حروبه الهوجاء على علاقات أميركا بالعالم، وإثارته حروباً تجاريةً وسياسيةً هوجاء أيضاً؛ فإن الاقتصاد الأميركي لا يزال في حالةٍ جيدة، رغم كثرة تشكيكات المفكرين الاقتصاديين. أما الذين ليسوا في حالةٍ جيدة فهم أصدقاء الولايات المتحدة السابقون: أوروبا واليابان وكندا وتركيا. وكذلك الشراكات الاستراتيجية والاقتصادية مع روسيا والصين والهند.

مشكلات العالم كبيرة وكثيرة. وهو محتاجٌ إلى قيادة فردية أو جماعية من خلال المؤسسات الدولية. والرئيس ترمب لا يريد قيادة العالم، كما أنه لا يميل إلى المشاركة في المسؤوليات الجماعية، فإلى أين يذهب العالم؟!

==========================

إدلب في ميزان العلاقة الروسية التركية

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الجمعة 17/8/2018

تبدو الصورة في محافظة إدلب (في سورية) ومحيطها معقدة للغاية، سواء على مستوى العلاقة التي تحكم فصائل المعارضة السورية "والحركات المصنفة بالإرهابية" والنظام من جهة أو على مستوى العلاقة الإقليمية الدولية التي تحكم الثلاثي التركي ـ الإيراني ـ الروسي من جهة ثانية.

من الناحية الاستراتيجية، اتُّخذ القرار الدولي، أو على الأقل الروسي، بحسم مصير المحافظة لصالح النظام السوري، لكن عملية التنفيذ ليست بالأمر اليسير، على خلاف الجنوب السوري، بسبب وجود أنقرة، الشريك الإقليمي المهم جدا لموسكو في هذه المرحلة، وفي المرحلة المقبلة، لاعتباراتٍ بعضها مرتبط بالملف السوري، وبعضها الآخر مرتبط بالواقع الدولي والعلاقة بين الشرق والغرب.

من هنا تعمل روسيا على إدارة أزمة إدلب وتمرير الحل العسكري / السياسي في آن واحد، لاجمةً الاندفاعة العسكرية لإيران والنظام السوري لإطلاق عملية عسكرية واسعة في إدلب، مع السماح لهما بممارسة ضغوط عسكرية، والاستيلاء على بعض المناطق، بما يدفع الأتراك إلى الإسراع في حل أزمة المحافظة.

 

لا تريد موسكو عملية عسكرية موسعة، تشكل ضغطا على تركيا، وتدفع مئات الآلاف من النازحين نحو أراضيها، في وقت تشهد الليرة التركية تراجعا حادّا واقتصادا لا يسمح بفتح باب اللجوء مجدّدا، فضلا عن أن هذا الأمر يتعارض مع السياسة الروسية الجديدة حيال اللاجئين.

 

يبدو صنّاع القرار في الكرملين حريصين على العلاقة مع تركيا، من أجل تحديد مستقبل عموم الشمال الغربي لسورية، ومن أجل الملفات الإنسانية والسياسية التي تعمل موسكو على ترتيبها 

"تعمل روسيا على إدارة أزمة إدلب وتمرير الحل العسكري / السياسي في آن واحد" برويّة خلال الفترة المقبلة. في المقابل، لن يسمح النظام السوري، ولا روسيا، بإبقاء الوضع على ما هو عليه في محافظة إدلب ومحيطها في اللاذقية وحلب وحماة، ولا بد من إنهاء سيطرة الفصائل الوطنية و"هيئة تحرير الشام" على كامل المحافظة أو على الجزء الأكبر منها.

وإذا كان المبعوث الرئاسي الروسي ألكسندر لافرينييف قد أعلن عدم وجود عملية شاملة قي إدلب في الوقت الحاضر، فإن وزارة الدفاع أشارت إلى ضرورة تطهير منطقة إدلب ومحيطها من الإرهابيين. ووفقا لموسكو، فإن فصائل المعارضة وتركيا حصلتا على حصةٍ جغرافية وازنة (درع الفرات وعفرين)، وهما منطقتان يجب أن تكونا بمثابة المكان الوحيد لفصائل المعارضة، بحسب التفاهمات المضمرة بين أنقرة وموسكو.

المشكلة التي تواجه إدلب تكمن في داخلها، أي في طبيعة العلاقة التي تربط فصائل المعارضة مع "هيئة تحرير الشام"، ففي حين تأمل المعارضة أن تفكّك الهيئة نفسها وتدمج جزءها السوري مع باقي الفصائل، ترفض الهيئة إلى الآن هذا الخيار، لأسباب عقائدية استراتيجية أو لأسباب تكتيكية قابلة للتغيير. كما أنها تدخل بعلاقات متوترة مع قوى أخرى مثل "حراس الدين" الذين يعملون على توفير شروط المعركة مع النظام، من خلال شن هجمات على مواقع تابعة له.

ولا يعرف إلى الآن في أي اتجاه تسير العلاقة بين القوى داخل المحافظة، لكن الأكيد من تطورات الأمور أن ثمّة عملية عسكرية للنظام السوري، ستكون محصورة بأطر جغرافية محدّدة، بحيث تشمل ما تبقى من جبل التركمان في ريف اللاذقية الشمالي، وبعض المناطق في ريف حماة الشمالي، والمنطقة الجنوبية من محافظة إدلب.

ولا تشكل هذه المنطقة تهديدا إستراتيجيا لتركيا، ولا يمكن أن تؤدي إلى أزمة لاجئين، ولذلك فإنها ستكون هدف النظام في هذه المرحلة. ومن شأن السيطرة على هذه المناطق أن تمنح النظام والروس عمقا استراتيجيا لمناطق سيطرتهما في اللاذقية وحماة، كما أنها تضيّق الخناق على فصائل المعارضة وعلى "هيئة تحرير الشام"، وبالتالي على تركيا التي ستجد نفسها مضطرّة إلى التحرّك.

السيطرة على المنطقة الجنوبية من إدلب ستضع النظام في وضعٍ مريح، بما يسمح له الانتظار، والاستجابة للمطالب الروسية بتمرير الوقت لتركيا من أجل إيجاد حل للمحافظة، في وقتٍ لا يوجد أي تحرك تركي على الأرض، باستثناء توحيد فصائل المعارضة ضمن تشكيل موحد، أطلق عليه اسم "الجبهة الوطنية للتحرير"، وليس معروفا إلى الآن ما إذا كان هدف الجبهة مواجهة النظام أم محاربة الحركات الإرهابية.

==========================

عن إعمار سورية

سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 16/8/2018

دمار كبير أصاب سورية خلال السنوات الخمس الأخيرة نتيجة وحشية الحرب. الآن، وبعد أن اعتبر الروس أن الحرب تحطّ أوزارها، بات همّهم "إعادة الإعمار"، بعد أن تحصلوا من النظام على الحق الكامل بها. مَنْ يدقق في الأمر يلاحظ أن الشّره الذي يظهره هؤلاء يوازي الوحشية التي مارسوها وهم يقومون بتدمير الأسواق والمدارس والمشافي والمؤسسات وغيرها. لكن مَنْ سيموّل إعادة الإعمار؟

تطرح روسيا مسألة إعادة اللاجئين بشكل مستعجل، وملحّ، وكأنها غير التي قتلت ودمّرت. فـ "الحرص" كبير على هؤلاء اللاجئين، والاهتمام بهم يفوق التصوّر من دولةٍ على مستوىً عالٍ من "الإنسانية". ولا شكّ في أن طرح مسألة عودة اللاجئين وثيقة الصلة بإعادة الإعمار، حيث إنه لكي تتحقّق العودة لا بدّ من إعادة بناء البنية التحتية والبيوت والمؤسسات والمشافي. وهنا تُطرح مسألة التمويل: من عليه أن يموّل إعادة إعمار قدّرت اللجنة الاقتصادية لغرب آسيا (الإسكوا) أنها تكلف 400 مليار دولار؟ على الرغم من أن هذا المبلغ يمكن أن يكون "سخيفاً" أمام هول التدمير الذي أصاب سورية.

ما تسعى إليه روسيا هو دفع "الدول الغربية" ودول الخليج إلى تمويل إعادة الإعمار هذه. وتبذل دبلوماسيتها مجهوداتٍ كبيرةً لترتيب الأمور مع أوروبا وأميركا ودول الخليج. وهي تعتقد أن نجاح إعادة الإعمار يعتمد على موافقة هذه الدول التي يساوم بعضها، مثل أميركا وأوروبا، على الأمر بحيث يكون جزءاً من الحلّ النهائي لـ "الأزمة السورية". والنقطة الوحيدة المطروحة "عدم بقاء بشار الأسد في السلطة". في هذه المسألة، نحن إزاء جملة إشكاليات، حيث تحاول روسيا، من خلال القبض على إعادة الإعمار، ودفع الدول الغربية والخليج كلفته، أن تعيد توزيع الثروة عالمياً بما يحقق لها حصةً أكبر، وهي تجهد من أجل ذلك، لكي تحسّن موقعها الاقتصادي العالمي. لكن ليست "الدول الغربية" بهذا الغباء الذي يجعلها تدفع لكي تعزّز من القوة الاقتصادية لروسيا. لهذا، هي تضع الشرط الذي يُربك العملية كلها. وهي بالأساس، كما دول الخليج، لم تعد قادرةً على "تبذير" الأموال بلا مقابل كبير. ومن ثم هي أصلاً ليست معنيةً بإعادة الإعمار، بل هي معنيةٌ بالنهب، وروسيا هي التي استولت على مفتاح إعادة الإعمار. لقد طرحت الأمر في العراق، ولا يزال العراق بلا إعادة إعمار، على الرغم من نهب مئات مليارات الدولارات. وسورية أضعف في هذا المجال، لأنها ليست بلداً نفطياً، بالتالي لتتورّط روسيا التي لن تستطيع تقديم نتائج لتدخلها واحتلالها سورية، من دون أن يتحوّل ذلك إلى سيولة نقدية بيد الشركات الروسية. وفي الواقع، الشعب السوري غير قادر على دفع أي ثمن، بعد كل المآسي التي عاشها.

ولا شك في أن صراعاً يدور بين كل من إيران وروسيا بشأن الاستفادة من إعادة الإعمار، على الرغم من أن روسيا حسمت الأمر بسيطرتها التامة عليها. وكذلك، فإن مافيا النظام تنتظر حصّتها، ولقد دفعت لتدمير مناطق، لكي تسيطر عليها، وتقيم مشاريعها عليها. لكن ما يمكن قوله إن كل هذا الشره بلا أساس، نتيجة غياب الممول. بالتالي، سوف تنهب روسيا الثروة الموجودة في سورية (النفط والغاز والفوسفات، والقمح والقطن، وغيرها) من دون أن تتقدم في إعادة الإعمار. .. لكن، يبقى السؤال: مَنْ سيموّل إعادة الإعمار؟

ما يجب أن يكون واضحاً أن كلا من إيران وروسيا، ودولا خليجية، هي التي يجب أن تموّل، نتيجة أنها التي دمّرت أو أسهمت في التدمير. قام النظام بتدميرٍ محدودٍ إلى نهاية سنة 2012، لكن دخول حزب الله وإيران، وكل المليشيات التابعة لها، وسّع من آليات تدمير النظام، بعد أن منعت هي سقوطه (وهذا ما صرّح به أكثر من مسؤول إيراني). وبات التدمير بالتالي تتحمّل كلفته إيران. ثم جاء دور الروس الذين أسهموا في التدمير المباشر من أحدث الأسلحة، وبالتالي يجب أن تدفع روسيا كلفة إعادة الإعمار. طبعاً إضافة إلى مافيات النظام التي يجب أن تجرّد من كل أموالها. ولا شك في أن كلفة تدمير الرّقة، وبعض مناطق الجزيرة السورية يجب أن تتحملها أميركا (مع قوات سورية الديمقراطية)، فهي التي قامت بعملية تدمير ممنهجة.

يجب أن يسجّل الشعب السوري مدينا، لكي يسعى إلى أن يفرض على هذه الدول السداد.

==========================

سورية.. "القيادة الحكيمة" وتعدّد القطبية

يحيى العريضي

العربي الجديد

الخميس 16/8/2018

لا يُنكر عاقل أهمية سورية "الجيو- سياسية"، فالصراع على سورية يكاد يسبق التاريخ والتأريخ؛ ومن يسيطر عليها يمتلك قولاً فصلاً في قضايا الشرق الأوسط، باتجاه الأفضل أو الأسوأ. ولكن أن تدّعي أبواقٌ إعلاميةٌ وسياسية في نظام الأسد أن "القيادة السياسية" الحالية تلعب دوراً مفتاحياً في العلاقات الدولية، فهذا ما يتجاوز حدود المنطق والتصديق.

يصف أحد أبواق النظام تلك القيادة بأنها مساهم أساسي في القضاء على أحادية قطبية في عالمنا. يدّعي ذلك الجهبذ أنه لولا قيادة الأسد، لكان عالمنا وحيد القطبية، ولكانت الولايات المتحدة تتحكّم في العالم بالطريقة التي تشاء؛ فالمسلك "الحكيم" لقيادة الأسد كان وراء إعطاء روسيا، والرئيس بوتين تحديداً، الفرصة للتصدّي لأحادية القطبية الأميركية والوقوف في وجه غطرستها، أكان ذلك في ليبيا أو تونس أو مصر. برأي تلك الأبواق، أعطى نظام الأسد الفرصة لروسيا أن تقول للعالم: ها نحن هنا، والعالم لم يعد وحيد القطبية، وليس بإمكانكم أن تتحكّموا في مصيره.

لا يعتبر هؤلاء ما حدث في تونس وليبيا ومصر أكثر من منصّةٍ استخدمها الغرب ومؤامرته للقفز إلى سورية، والانقضاض عليها. لا يمنح هؤلاء المصريين والليبيين والتونسيين شرف نشدان الحرية، والسعي إلى التخلص من دكتاتورية أنظمتهم القمعية، تماماً كما ينظرون إلى الحالة السورية، معتبرين أن ما يحدث في سورية ليس أكثر من مؤامرة بأبعاد عالمية.

في أذهانهم ما يؤكّد هذه الحقيقة المتخيّلة عن نظامهم "العظيم" أنه جذب قوى عظمى، كروسيا والصين، إضافة إلى إيران؛ وأنه لو لم يكن هذا النظام صاحياً ومجتهداً لسادت الأحادية في العالم؛ ولما كانت تعدّدية القطبية التي يتمنّون؛ ولكانت لأميركا اليد العليا في كل ما يحدث. من جانب آخر، يتصوّر هؤلاء أن أصدقاء أميركا من جانب آخر يتعثرون، وينفضّون عنها، ويُحَيّدون. ويعود ذلك كله، برأيهم، إلى تأثير نظام الأسد وقوته.

ما تغفل عنه تلك الأبواق الإعلامية والسياسية أنه لو لم تكن الولايات المتحدة الأميركية راغبة في أن تقوم روسيا الفيدرالية بالأعمال القذرة عالمياً، لما تجرأ بوتين أن يحرّك أو ينبس ببنت 

"لسورية أهمية جيو- سياسية حقيقية، ولكنها فقدتها بالممارسات الإجرامية لعصابات الأسد" شفة، ولمّا كان لقوة في العالم أن تمكّنه من فعل ذلك، ولما سُلم بفضلهم الملف السوري الدموي، برعاية نظام القتل في دمشق وفعله. ينسى هؤلاء، من جانب آخر، أنه ما كان في قدرة روسيا أن تفعل ما فعلت من دون تنسيقٍ مطلقٍ مع إسرائيل، صديقة أميركا وحامية النظام، لأن لها مصلحة كبرى في الإبقاء على نظامٍ أراحها عقودا. الأمر الثالث الذي يفوت تلك الأبواق أنه، بعد أن فعل جورج دبليو بوش ما فعل في المنطقة، وكلّف أميركا تلك التكلفة الباهظة، في وقت كان بوتين صامتاً من دون حراك، بعد ذلك وجد أوباما المثالب والفجوات في تلك المنهجية، فأحدث تعديلاً طفيفاً يكون فيه بوتين متعهداً الأعمال القذرة؛ حيث إن هاجس بوتين الأساس أن يُنظرَ إليه بوصفه إنسانا مهما؛ ما يمكّنه من تقديم أوراق اعتماده للغرب؛ وللشعب الروسي قيصرا جديدا يحكمه أبدياً. حتى مع دونالد ترامب، استطاعت المؤسّسة الإمبريالية الأميركية وحيدة القطب أن تعطي زخماً جديداً لأداة القيام بأعمالها القذرة وتدفعها باتجاه الاستمرار في استخدام حق النقض (الفيتو) لحماية الإجرام، من دون أن تكلف نفسها عناء تنظيف قاذورات العالم كمنظومة الاستبداد.

فوق ذلك كله، يبرز السؤال: من قال لتلك الأبواق إن أميركا تريد أساساً تغيير ذلك النظام الذي يستقتلون في الدفاع عنه، وإظهار أهميته؛ خصوصا أن هاجس أميركا وإسرائيل، طوال الوقت، الحفاظ على نظامٍ كهذا أراح إسرائيل عقودا؟ لا أدري إن خطر لتلك الأبواق أن "الإنجاز الوطني" الأهم لذلك النظام هو تدمير سورية وأهلها من أجل كرسي الدم.

إذا كانت منظومة الاستبداد هذه قد حرّكت تعدّدية القطبية، فقد حرّكتها باتجاه احتلال سورية،

"هاجس بوتين الأساس أن يُنظرَ إليه بوصفه إنسانا مهما؛ ما يمكّنه من تقديم أوراق اعتماده للغرب"  على الرغم من أن القطب العائد (روسيا) لا تعترف، أو ربما لا تتجرّأ على الاعتراف بأنها تحتل سورية.

صحيحٌ أن لسورية أهمية جيو- سياسية حقيقية، ولكنها فقدتها بوجود نظامٍ كهذا، وبالممارسات الإجرامية لعصابات الأسد، بعد ارتكاب نظام الأسد كل تلك الجرائم التي هزّت ضمير الإنسانية، وبعد أن جلبت الاحتلال إلى سورية. ليعلم هؤلاء أن هذا العالم، للأسف، لا يزال وحيد القطبية؛ وسورية يمكن أن تستعيد أهميتها الجيوسياسية حال الخلاص من نظامٍ كهذا وأبواقٍ كهذه. أما بوتين، الحامي الحالي لنظام العصابة، فقد يتم تكليفه بمهمة جديدة، ولن يكون في عداد القوى، لأنه يشبه كثيراً نظام الأسد في الاستئجار والدور الوظيفي. وروسيا، من دون بوتين، يمكن أن تساهم في تعدّد القطبية.

==========================

التوتر الدبلوماسي الأمريكي ـ التركي إلى أين؟

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 16/8/2018

تراجع سعر صرف الدولار أمام الليرة التركية، نسبياً، يوم الأربعاء، فوصل إلى حدود 6 ليرات للدولار الواحد، بعدما كان قد اقترب من 7 ليرات يوم الجمعة الماضي. وذلك على الرغم من تصاعد النبرة في تصريحات مسؤولي البلدين بشأن قضية القس برونسون، وعلى رغم إعلان تركيا عن عقوبات تجارية على السلع الأميركية، من باب المعاملة بالمثل.

فقد دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مقاطعة السلع الألكترونية الأمريكية، بما في ذلك أجهزة آيفون، وأعلنت الحكومة رفع معدل الرسوم الجمركية على قائمة طويلة من السلع الأمريكية، مقابل رفع الولايات المتحدة معدل الرسوم الجمركية على سلع تركية أساسية كالفولاذ والألمنيوم. وقد رأى بعض المراقبين، في الدعوة إلى مقاطعة السلع الألكترونية الأمريكية، عقاباً لتركيا وليس للولايات المتحدة، بالنظر إلى عدم قدرة السوق التركية على الاستغناء عن تلك السلع. كما من شأن رفع معدل الرسوم على بعض السلع الأمريكية الحيوية أن تزيد من كلفتها على المستهلك التركي، من غير أن تؤثر على إجمالي الصادرات الأمريكية تأثيراً ذا شأن.

مختصر القول أن الحرب التجارية، المحدودة إلى الآن، التي بدأتها واشنطن، للتو، مع تركيا، ليست حرباً بين طرفين متكافئين، والمعاملة بالمثل ستؤثر على الطرف الأضعف أكثر مما على الطرف القوي. وللرد التركي قيمة معنوية سياسية، أكثر من قيمتها التجارية. فالرئيس التركي لا يريد أن يبدو أمام جمهوره أنه ينحني للريح العاتية القادمة من واشنطن في صورة تهديدات وإجراءات عقابية.

ما الذي أدى إلى تراجع حريق سوق العملة الذي كاد أن يجهز على الليرة التركية؟ إنه لقاء جرى بين السفير التركي في واشنطن ومستشار الرئيس ترامب لشؤون الأمن القومي جون بولتون، ولم يتسرب شيء عن فحواه، وإن كان موضوع المباحثات المحتمل بين الرجلين معروفاً للقاصي والداني: إطلاق سراح القس برونسون، وعدد من الأمريكيين الآخرين، بدون قيد أو شرط. في حين يحاول الطرف التركي التخفيف من وطأة الصيغة الإملائية هذه من خلال الحصول على بعض الوعود الأمريكية بخصوص المطالب التركية المقابلة.

أشيع، بعد اللقاء المذكور، جو من التفاؤل باحتمال حلحلة عقدة برونسون تمهيداً لخطوات أخرى متقابلة باتجاه تطبيع العلاقات بين البلدين، فانعكس هذا التفاؤل على سوق النقد في تركيا بصورة إيجابية مع شيء من الحذر.

وتقدم محامي برونسون إلى المحكمة، يوم الثلاثاء، بطلب جديد لإخلاء سبيل موكله وإزالة منع السفر عنه، الأمر الذي بدا وكأنه مخرج قضائي مريح للحكومة، في حال استجابت المحكمة للطلب، بحيث يتم حفظ ماء وجه المستوى السياسي من شبهة الخضوع أمام التهديدات الأمريكية. فكان لتوقع إطلاق سراح القس برونسون بقرار قضائي «مستقل» أثره الإيجابي أيضاً على قيمة العملة التركية أمام العملات الصعبة. لكن المفاجأة الكبرى ظهرت يوم الأربعاء، حين ردت المحكمة على طلب المحامي بالرفض! وهو ما سيفسر أن الحكومة لا تريد اغتنام هذه الفرصة لإخراج الموضوع بطريقة أقل إحراجاً لها أمام الرأي العام المحلي. ومن المحتمل أن يؤثر هذا القرار سلباً على قيمة الليرة في الساعات القادمة. ولكن ما الذي يسعى إليه أردوغان من وراء مقابلة التصعيد الأمريكي بتصعيد مماثل، بدلاً من العمل على التهدئة وإيجاد مخارج معقولة للعقد الدبلوماسية التي سممت الأجواء بين البلدين الحليفين؟

لا يمكن الحديث هنا عن سياسة حافة الهاوية، أو عض الأصابع، حين يتعلق الأمر بخصم كترامب الذي تطغى لديه النزوات الشخصية على الإحساس بالمسؤولية الذي من المفترض أن يتحلى به رجل الدولة، وبخاصة رئيس الدولة العظمى الوحيدة في زماننا. ففي سياسة من هذا النوع، النتيجة محسومة سلفاً للطرف الأقوى، وسينتهي الأمر بخضوع تركي للشروط الأمريكية. وهو ما لا يناسب بروفايل الزعيم الشعبي ذي الكاريزما القوية الذي يتمتع به أردوغان لدى جمهوره الكبير داخل تركيا وخارجها.

في مقالته المنشورة، الأسبوع الماضي، في نيويورك تايمز، هدد أردوغان صراحةً بالبحث عن شركاء استراتيجيين جدد لتركيا بعيداً عن الغرب الأطلسي. فهل هذا ما يسعى إليه حقاً؟ أم أنه يحاول ابتزاز ترامب والغرب بقيمة الموقع الاستراتيجي لتركيا؟ هل يشعر بأن الغرب بحاجة لتركيا أكثر من حاجة تركيا للغرب؟

الواقع أن التفكير بإعادة تموضع استراتجية لتركيا، ليس جديداً. بل طرح في أعقاب نهاية الحرب الباردة، حين دخل في التداول موضوع انتفاء الحاجة الأطلسية إلى تركيا باعتبارها الجبهة المتقدمة للغرب في مواجهة الاتحاد السوفييتي. ومن هذا المنطلق ظهرت أفكار أحمد داوود أوغلو حول «العمق الاستراتيجي» و«تصفير المشكلات مع دول الجوار»، فكانت تلك الاستدارة التركية نحو «حديقتها الخلفية العثمانية» السابقة، أي العالم الإسلامي، بوصفها مجال نفوذ جديد بالقوة الناعمة، أي بواسطة أدوات كالاقتصاد والثقافة والإعلام. غير أن موجة ثورات الربيع العربي قلبت الأمور رأساً على عقب، فاستخدمت تركيا القوة الخشنة بهدف المساهمة في إسقاط النظام السوري. وهنا تضاربت الأجندة التركية مع تلك الأمريكية في عهد باراك أوباما، وبدلاً من الهدف الطموح بإسقاط النظام، عادت تركيا إلى «إعدادات المصنع» الأصلية المحفورة في جينات الجمهورية التركية: منع قيام كيان كردي في جوارها. من المحتمل أن الرئيس التركي لا يريد حل عقدة برونسون لأنه يدرك أن الخلاف الأساسي مع واشنطن إنما يتعلق بموضوع دعم واشنطن لوحدات حماية الشعب (الكردية) في سوريا. ولم يصدر عن إدارة ترامب أي مؤشر على احتمال تغيير هذه السياسة. ولا يملك أردوغان أي ورقة يضغط بها على واشنطن غير ورقة برونسون. ولكن ألا يدرك أيضاً أنها ورقة ضده، لا لمصلحته؟ هذا هو السؤال المحير حقيقة. ذهب أحد الكتاب المعارضين، في تفسير الأمر، إلى أن أردوغان استخدم ورقة برونسون، وهو يدرك عواقب ذلك. كيف؟ قال إن الرئيس هو أكثر من كان يعرف أن البلاد مقبلة على أزمة اقتصادية كبيرة. وهذا ما دفعه إلى تقديم الانتخابات العامة والرئاسية نحو سنة ونصف، لكي يضمن النجاح قبل اندلاع العاصفة التي يمكن أن تطيح به إذا تركت الانتخابات إلى موعدها المقرر سابقاً، في خريف 2019. وتوفر أزمة برونسون، وتداعياتها المحتملة، ذريعة مثالية لتوجيه الحنق الاجتماعي نحو عدو خارجي. الأمر الذي نجح إلى حد كبير إلى الآن. لقد بلغ الأمر بدعاة «وحدة الصف في مواجهة العدو الخارجي» حداً ارتفعت فيه مطالبات بإغلاق قاعدة إنجرلك الجوية وطرد القوات الأمريكية منها، في حين اقترحت إحدى ممثلات التلفزيون أن تطبع الدولة دولارات لحل مشكلة هبوط قيمة الليرة!

حين تكون المناطحة بين شخصين كترامب وأردوغان، تجمع بينهما صفات كثيرة، يصعب توقع أي شيء.

 

٭ كاتب سوري

==========================

المعارضة السورية وصناعة الفرعون

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 15/8/2018

لا يمكن نكران دور القادة السياسيين والاجتماعيين وقادة الرأي في حياة الشعوب، فالقادة والقيادة ضرورة اجتماعية تستدعيها طبيعة الاجتماع البشري، وسبل إدارته، وتسيير شؤونه، من هنا أهميتها وخطورتها، من جهة، وصعوبة التمسّك بخاصيتها الرئيسة: الموضوعية، من جهة ثانية، وهذا يجعلها في تعارضٍ جذري مع الذاتية، مهما كان حجم هذه الذاتية أو نسبتها، فالذاتية مقتل القيادة، ووصفة لتدمير الدور المنوط بها اجتماعيا وسياسيا، والمحافظة على الموضوعية صراطها المستقيم ومطهرها الدائم.

صحيحٌ أن قيادة موضوعية خالصة حالة نادرة؛ وأن وجود نسبةٍ ما من الذاتية وارد باستمرار، بسبب غريزة البشر وميلهم إلى السيطرة والقيادة، من جهة، وللخضوع والانقياد، من جهة ثانية، ما يستدعي العمل على ترجيح الموضوعية ومقاومة الذاتية، بتسييج عمل القيادة بحدود وقيود وضوابط، وتكريس قيم المساواة والنّدّية والنقد والنقد الذاتي، لضبط ميل البشر إلى السيطرة والخضوع والتسليم للقادة، بسبب الكسل والتواكل والإحساس بالعجز أو الرهبة أو تحوّل الانتماء السياسي إلى عقيدة، والحزب السياسي إلى طائفة دينية، فـالحقيقة بنظر العضو السياسي النمطي "هي فقط تلك التي تعزّز، وتؤيد، وتطري على القائد الموقر"، وفق إيريك دريستر(الترامبية: الخطر الحقيقي ليس دونالد ترامب - كاونتربنتش:2/8/2018، ترجمة: علاء الدين أبو زينة، صحيفة الغد الأردنية: 9/8/2018).

شهدت التجربة البشرية حالات كثيرة من الانتقال من تقدير الميزات الشخصية والنضالية للقادة إلى التسليم بأقوالهم وأفعالهم، وإطلاق يدهم بالتصرف في اتخاذ القرارات وإعلان المواقف، من دون مشاورة أو مراجعة أو محاسبة؛ وإحاطتهم بهالة من التبجيل، تصل إلى حد تحويلهم، في 

"يستطيع المراقب تلمس انتشار ظواهر "السيطرة" و"الخضوع" في التجربة السياسية السورية" أحيانٍ كثيرة، إلى مقدّس يحرّم تقويم مواقفهم وأفعالهم ونقدها. حصل ذلك وما زال يحصل في التجارب الإنسانية، على الرغم من ظهور وتلّمس انعكاسه السلبي والخطير على بنية العلاقة السياسية والتنظيمية في الدولة والمجتمع؛ في الحزب والمنظمات السياسية والاجتماعية، والخيرية والرياضية كذلك؛ وخصوصا في آلية اتخاذ القرارات والمواقف، على خلفية ارتهان الحركة السياسية للقدرات الشخصية لفردٍ أو عدد محدود من الأفراد، حاشية القائد وخلصائه، وتحول موقف القائد إلى محدّد سياسي واجتماعي، ليس للدولة والحزب والمنظمة فقط، بل وللمجتمع كذلك.

إذا كانت غزيرتا "السيطرة" و"الخضوع" هي علة عبادة الفرد والخضوع له، فإن للخضوع في الحالة العربية سببا إضافيا، يتمثل في عشق "البطولة" أو "الرجولة"، والتي تجسّدها نظرة قطاعات واسعة من الشعوب العربية بتقدير الرئيس العراقي الراحل، وتبجيله وتعظيمه، فقط لأنه تحدّى أميركا، وأطلق صواريخ على "إسرائيل"؛ وتجاهل سياساته الداخلية والخارجية ونتائجها المدمرة.

يستطيع المراقب بسهولة تلمس انتشار ظواهر "السيطرة" و"الخضوع" في التجربة السياسية السورية، ليس بين الحركات الإسلامية التي تتبنّى، بشكل علني وصريح، مبدأ الطاعة والخضوع للقيادة، وعدم مراجعة قراراتها أو مواقفها وأفعالها، أو اليسارية التي نمطتها واستنزفتها التبعية للتجارب الخارجية الكثيرة والمتعارضة، فقط، بل وبين التجمعات الديمقراطية والليبرالية والمدنية التي ظهرت في مطلع الألفية الثالثة.

هنا عيناتٌ من ممارسات ومواقف لقيادات يسارية وإسلامية وديمقراطية ذات دلالة على ضعف، إن لم يكن غياب ثقافة موضوعية مهمة القادة والقيادة، وحالات نافرة من السعي إلى السيطرة، من جهة، واستمراء الخضوع، من جهة أخرى، يمكن تلمس تجلياتها في ممارسة المعارضة، خلال ثورة الحرية والكرامة والمحصلة السلبية والهزيلة التي ترتبت على هذه الممارسة.

عيّنة 1: عندما انفجر الخلاف في قيادة الحزب الشيوعي السوري عام 1972 بدأ التسابق المحموم بين الجناحين المتصارعين (خالد بكداش – رياض الترك) على استقطاب كوادر الحزب. كانت سردية جناح بكداش تستند إلى معادلة بسيطة ومرعبة في آن، أساسها طرح سؤال على الكوادر والقواعد: من يفهم أكثر سوسلوف (ميخائيل سوسلوف منظر الحزب الشيوعي السوفياتي 1964 - 1982) أم رياض الترك؟ فيأتي الجواب الذي ترتّب على نمط التربية داخل صفوف الحزب: سوسلوف، فيرد السائل: سوسلوف معانا.

عيّنة 2: كان للأحزاب اليسارية والقومية المتحالفة في "التجمع الوطني الديمقراطي" (حزب الاتحاد الاشتراكي العربي، الحزب الشيوعي- المكتب السياسي، حركة الاشتراكيين العرب، حزب البعث/ 23 شباط، حزب العمال العربي الثوري) أيقوناتها الثابتة؛ فكلما تحدّثوا عن مراجعهم ورموزهم الفكرية والسياسية ذكروا ثلاثة أسماء: ياسين الحافظ، إلياس مرقص، جمال الأتاسي، ويضيف بعضهم عبد الكريم زهور، مع أنهم جميعا انتقلوا إلى رحمة الله من سنين طويلة، آخرهم توفي قبل عقدين تقريبا، وأفكارهم ومواقفهم غدت ماضيا بفعل التغيرات المتسارعة التي عرفتها سورية والمنطقة والعالم.

عيّنة 3: في حديث مع قيادي من جماعة الإخوان المسلمين، جمعتني به مصادفة عند صديق عام 1975، كنت وقتها أدرس الفلسفة في كلية الآداب جامعة دمشق، عرضت معلوماتي عن المذاهب الفلسفية، مع توجيه ملاحظات نقدية لبعضها. أثرت إعجاب الرجل؛ وهذا دفعه إلى اختباري على أمل استقطابي لصفوف الجماعة بقوله: إنه يرى أن جماعة الإخوان المسلمين الخيار الأفضل بين الأحزاب القائمة. فلما قلت: الموضوع بحاجة إلى إثبات، رد: أفي الله شك؟.

عيّنة 4: في جلسة للمكتب الإعلامي للجان إحياء المجتمع المدني عام 2002، بدأ جدال بين اثنين من مثقفي اليسار الماركسي الكبار، كانا تحولا منذ بعض الوقت إلى الليبرالية؛ خلفيته المنافسة والنجومية؛ تصاعد إلى مشادّة كلامية؛ احتدّت الكلمات، وتحولت إلى سباب وتهديد ودعوة للخروج من المنزل للعراك، وفعلا خرجا إلى الطريق العام، وسط ذهول بقية أعضاء المكتب الذين تحوّلوا إلى قوة فصل وتهدئة، استمرت طويلا قبل انفضاض العركة، وانسحاب الجميع إلى منازلهم.

عيّنة 5: سألني قائد بارز في حزب شيوعي عن رفيق له من أبناء مدينتي، وعند انتهاء إجابتي قال لي: سلم عليه، ولو أنه وقف ضدي. تتبعت الموضوع فعرفت أنه يتعلق بخلاف في الرأي، حصل داخل السجن قبل خمسة وعشرين عاما.

عيّنة 6: قال أمين عام تنظيم ناصري في حديث مع صحافي: أنا كزعيم للمعارضة، ولمّا استوضحه الصحافي: كيف أصبحت زعيما للمعارضة، هل جرى اختيارك؟ رد: ما في حديث، شيل مسجلتك ومع السلامة.

عيّنة 7: قيادي بارز لم يرشّح نفسه لموقع قيادي، وذلك تحت ضغط أعضاء المؤتمر، لكن

" إن وجود قيادة موضوعية خالصة حالة نادرة؛ وأن وجود نسبةٍ ما من الذاتية وارد باستمرار" محازبيه حوّروا الموقف بالادّعاء أنه تخلى عن الترشّح، كي يفتح الطريق لضخ دماء جديدة في مواقع القيادة، وحوّلوا الموقف إلى مأثرة شخصية، وقد كرّروا إشادتهم بتخليه عن القيادة، مع أنه بقي يتدخل في إدارة الحزب، ويتحكم بكل ممارساته الصغيرة والكبيرة.

عيّنة 8: رئيس للمجلس الوطني السوري يعتبر نفسه مطلق فكرة الديمقراطية في المعارضة السورية، إن لم يكن في سورية كلها، اتخذ قراراتٍ، وأعلن مواقف من دون علم المكتب التنفيذي، فلما اعترض عضو في هذا المكتب، أجابه "الرئيس" العتيد: نفذ ثم اعترض.

عيّنة 9: قيادي كبير في حزب يساري وديمقراطي، هاجسه الرئيس رصد تصرفات أعضاء حزبه وبقية أحزاب المعارضة، وعدّ سكناتهم عليهم، وتصنيف تصرفاتهم ومواقفهم وتقويمها، بجعل تصوّراته ومواقفه مقياسا لذلك.

عيّنة 10: قيادي ديمقراطي هاجسه الارتياب بالآخرين، ورصد تصرّفاتهم ومواقفهم وقراءتها وتأويلها على هذه الخلفية، وأخذ مواقف منهم على هذا الأساس.

عيّنة 11: مثقف ديمقراطي كبير لا يقبل النقد أو رفض رأي له، وكل نقد أو رفض رأي له يحول قائله إلى خصم يقاطعه، ويبدأ بشن حملة تشنيع ضده، بتسريب كل ما يعرفه عنه للآخرين.

عيّنة 12: قابلت بعد خروجي من السجن في شهر يونيو/ حزيران 2011 صديقا عزيزا وزميلا في المكتب الإعلامي للجان إحياء المجتمع المدني، كانت الخلافات بين أحزاب وشخصيات المعارضة بشأن الموقف من الثورة والدور المطلوب فيها قد بدأت بالظهور. وبعد حديث شخصي، دخلنا في حديث عن الثورة والتقديرات والاحتمالات؛ تباينت فيه مواقفنا وظهرت أقرب إلى موقف إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي، فرد بانفعال: بتخالف موقف رفقاتك، يقصد أعضاء لجان إحياء المجتمع المدني.

==========================


مهمة موسكو المستحيلة في سورية

برهان غليون

العربي الجديد

الاربعاء 15/8/2018

يحدث أن يزور سوريون أو أجانب دمشق، فيرون أمامهم سيارات تسير، ومارّة يتحادثون ويضحكون، ومحلات عامرة بالخضار أو الفواكه، فيعودون إلى بلدانهم، ويقولون إن الأمور على ما يرام، وقد انتهت الحرب وحل السلام. هذا ما يحاول الوزير الروسي، سيرغي لافروف، أن يقنع به أيضا الدول الصناعية، المستودع الأكبر للأموال والرساميل الباحثة عن استثمارات وعقود وصفقات، حتى تنخرط معه في عملية إعادة الإعمار التي يطمح من خلالها إلى الحصول على الموارد اللازمة، لتسيير نظام الأسد المنهار، وتغطية تكاليف الاحتلال الروسي، وإرضاء الحلفاء الإيرانيين الذين يعيشون أكبر ضائقة مالية، بعد فرض العقوبات الأميركية الجديدة، وانهيار سعر صرف العملة، وانفجار الغضب الشعبي على سياسات الولي الفقيه، ورفع شعارات إسقاط الديكتاتور في المسيرات الاحتجاجية الشعبية المستمرة من دون توقف منذ أسابيع.

صحيحٌ أن النظام نجح، بمساعدة الروس والإيرانيين، لا ينبغي أن ننسى ذلك أبدا، أي ليس بقواه الذاتية وقدرته على التنظيم وتوفير الموارد الضرورية، في حسم المرحلة الأولى من الحرب لصالحه، لكن الحرب لم تنته بعد، ولن تنتهي، كما يدلّ على ذلك سلوك النظام نفسه، ليس في المناطق التي لم يضمن بعد إلحاقها الكامل بمناطق سيطرته، ولكن في مناطق حكمه التي تتعرّض باستمرار لتفجيرات ومنازعات وحروب محلية بين أنصاره والمليشيات التي يستند إليها للاستمرار بالبقاء. بل أكثر من ذلك، بسبب استمراره في تطبيق سياسة فرّق تسد وزرع الفتنة بين أطياف الشعب وطوائفه، حتى يضمن لنفسه تحييد فئات المجتمع وجماعاته، واحدتها بالأخرى، ويخفّف من أعباء قمعه المباشر، ويعوّض عن نقص الجنود والمادة البشرية التي يحتاجها لترميم قواته التي ذابت في نار المعارك التي أطلقها، متأملا أن يقطف ثمار النزاعات الاهلية مناشداتٍ لبقائه في السلطة من الناس ذاتهم الذين عانوا من قهره وتنكيله. هذا هو 

"لن ينجح الروس، ولا غيرهم، مهما فعلوا، في إنقاذ نظامٍ لا يصلح، وغير قابل للإصلاح" الوضع تماما في مدينة السويداء جنوب سورية التي نصب لها "الرئيس" فخا لا تزال تبحث عن المخرج منه، بعد أن نزع من سكانها أسلحتهم الشخصية، ونقل الدواعش من حوض اليرموك في دمشق إلى البادية القريبة منهم، وغطّى هجومهم على المدينة، قبل أن يرمي التهمة على العشائر البدوية المحيطة بها، لإعادة مناخ الحرب التقليدية بين الجماعتين، والتدخل باسم الأمن والتهدئة، ووضع اليد على المدينة، وإجبار شبابها على الالتحاق بقواته، بعد قرار شيوخها وقادتها المحليين برفض مشاركتهم في معارك ضد إخوانهم السوريين في الجبهات الأخرى، والاقتصار على حماية مدينتهم من الاعتداءات الخارجية، وردّا أيضا على رفض سكان المدينة شراء منتجات التعفيش، أي منهوبات المليشيات الأسدية من درعا ومحافظتها، كما جرت العادة بقرار من النظام نفسه.

ومع ذلك، لا يتعلق رفض الدول الأوروبية تلبية الطلب الروسي بشكّهم في مقدرة النظام على حسم المعركة في أغلب المناطق السورية، بما في ذلك في مناطق الشمال والشمالين الشرقي والغربي، ضد ما تبقى من مناطق المعارضة، وتلك التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، القائد لقوات سورية الديمقراطية (قسد)، فليس لدى الروس أي حرصٍ على تجنّب الكارثة في إدلب ونواحيها، ولا لدى الأميركيين التزام بحماية سلطة "قسد" الكردية، أو بتحويل منطقة سيطرتها إلى قاعدةٍ ثابتة لنفوذهم. كما لا يتعلق بعدم ثقة الدول الغربية في إمكانية حل مشكلة اللاجئين، في إطار إعادة تأهيل النظام القائم، ومن دون التّقدّم في عملية انتقال سياسي، لا يزالون مصرّين عليها لضمان الحد الأدنى من الشروط السياسية والأمنية الضرورية للاستثمار والإعمار، والبدء بمعالجة أوضاع ملايين النازحين والمشرّدين داخل سورية نفسها، ومعرفة مصير ملايين المساكن المدمرة المهدّدة بالاستملاك من الدولة وأنصارها بالقانون رقم 10 الذي صدر هذا العام، وأوضاع المدن المزروعة بالألغام التي يصعب على المدنيين العودة إليها. المشكلة أكبر من ذلك وأعمق، وأكثر إشكالا بكثير، وهي تفسخ النظام القائم ذاته وانحلاله، حتى داخل المناطق التي تقع تحت سيطرته، وتضم الجزء الأكبر من السكان، وحلول نظام آخر مكانه، هو ذاك النظام الذي أقامته المليشيات المحلية، والذي تسهر عليه، وتخضع من خلاله المجتمعات المحلية لسلطتها ومصالحها وأهوائها. وهذا ما يطرح تحدياتٍ لا أحد يدري كيف يمكن مواجهتها، لا أصحاب "النظام" الرسمي، ولا حماتهم من الروس والإيرانيين، ولا المتعاطفون معهم من الدول الغربية والعربية.

أول هذه التحدّيات التي تكاد تصبح مستحيلة الحل دمار الآلة لإنتاجية، الصناعية والزراعية والتجارية معا، وما يعنيه ذلك من فقدان آلاف فرص العمل، واستحالة إحداث الجديد منها، وذوبان الأجور والموارد، حتى لم يبق في الاقتصاد قطاع مزدهر سوى اقتصاد االغزو القائم على التعفيش، وفرض الخوات وسرقة موارد الدولة، وتفكيك البنى التحتية ونهبها من قادة النظام ومليشيات دفاعه وحماته أنفسهم.

والثاني زوال المجتمع من حيث هو عضوية حية ومتفاعلة، وانقسامه إلى قطائع، داخل المدينة الواحدة، بين موالين ومعارضين، لا يجمع بينهم سوى الحقد والكراهية، وإرادة الانتقام، مع اعتقاد الموالين، أو القسم الأكبر منهم، أن كل ما يملكه خصومهم أو معارضوهم هو غنيمة شرعية لهم، وتعويض محدود عن التضحيات التي قدّموها لبقاء الأسد والنظام، ولا يتردّدون عندما تسنح الفرصة في تجريد الناس من أملاكهم ومواردهم. كما أن تأجيج الانقسامات الطائفية والمذهبية، وتأليب الطوائف المختلفة، أو القوميات المتعايشة بعضها على بعض، أدّى إلى تكوين مجتمعات محلية منطوية على نفسها، تعيش خائفة بعضها من بعض، وإلى إجبار الأفراد على الالتحاق بطوائفهم وعصبياتهم الأهلية، بحثا عن الحدّ الأدنى من الحماية والتضامن الإنساني.

والثالث الغياب الكامل لحكم القانون، مع تسليم الأمن في الأحياء والمدن والقرى لمليشيات الدفاع الخاصة، أي اللاوطنية التي تستخدم كل وسائل التشبيح والتهديد والابتزاز، لتعظيم مواردها، وتتصارع فيما بينها على اقتسام مناطق النفوذ، ومصادر العيش الضيئلة التي بقيت لدى السكان والمجتمعات المحلية.

أما التحدّي الرابع، فهو انهيار النظام الأمني وتفكّكه إلى درجةٍ لم يعد للنظام نفسه قدرة على ضمان أي اتفاق أو التزام، ولا حتى مع المساعدة الكبيرة لحلفائه الروس. ولم يبق في أيدي جماعة النظام لترويع السكان وفرض الإذعان عليهم سوى وضعهم تحت خطر التفجيرات وعمليات الاغتيال والاعتقال الدائمة، بينما تكاد تخلى القرى والمدن من الرجال في سن حمل السلاح.

هكذا، باستثناء القلة الضعيفة من أثرياء الحرب ومفترسي العباد والاقتصاد، ما يميز حياة السوريين اليوم في مناطق النظام هو الجمع بين حياة الفقر والبؤس والبطالة وغياب الأمن والخضوع لسلطة المليشيات التشبيحية وقانونها، والخوف المتبادل لدى السكان، بعضهم من بعض، ومن النظام وحلفائه، وانعدام أي ثقةٍ في المستقبل، أو في عودة الهدوء والأمن. يعزّز من هذا المناخ السياسي والاجتماعي المأساوي استمرار الصراع الإقليمي والدولي، وتمسّك كل طرف من الدول المنخرطة في النزاع بمشاريعها الخاصة، في شمال البلاد وجنوبها وشرقها وغربها.

لا يملك الروس، ولا الإيرانيون، القدرة والإمكانات والموارد، لمساعدة النظام على مواجهة هذه الأوضاع التي سيزداد الشعور بكارثيتها مع انقشاع دخان الحرب والعودة النسبية إلى ما يشبه 

"يعرف الروس أنهم يضحكون على أنفسهم، وعلى العالم، عندما يتحدّثون عن إعادة الإعمار" الحالة الطبيعية، كما هو الحال في قسم من الأراضي الخاضعة لسلطة الأسد. ولن يستطيع الروس، من دون قوة عسكرية كبيرة، لا يريدون المغامرة بإرسالها، السيطرة على المناطق وإخراجها من تحت سيطرة المليشيات التي تتصرّف على أنها ربحت الحرب، وأنها هي بالتالي صاحبة الحق بالتصرّف في أملاك الشعب المهزوم وأرزاقه، والبتّ في تقرير مصيره على مستواها المحلي. أما الرهان لمواجهة هذا الوضع على المليشيات المموّلة من إيران، كما هو الحال اليوم، فهو يعني معالجة الداء بالداء نفسه، وتعميق المشكلة بدل حلها. وإذا لم ينجح سيرغي لافروف في تأمين الدعم الغربي لإعادة الإعمار، أي لتمويل ما تبقى من الحرب وإدارة الاحتلال، ولن ينجح، لن تزيد مكاسب النظام العسكرية سوى في تعميق أزمته السياسية، وإظهار الجوهر الوحشي والمأساوي لخياراته الاستراتيجية، وتضييق الخناق عليه، ومحاصرته بالقضايا الأساسية التي أعلن على شعبه الحرب من أجل التغطية عليها.

يعرف الروس أنهم يضحكون على أنفسهم، وعلى العالم، عندما يتحدّثون عن إعادة الإعمار. لكنهم يعتقدون أن بإمكانهم خداع الغرب، للحصول على الموارد الضرورية لإنقاذ النظام المتهاوي الذي قدّم لهم سورية على طبق من ذهب. والحال لن ينجح الروس، ولا غيرهم، مهما فعلوا، في إنقاذ نظامٍ لا يصلح، وغير قابل للإصلاح، فشلت دول عديدة قبلهم في مساعدته، لأنه قائم على منطق الغزو، والنهب والسلب والاستيلاء، ولا يقبل أي تقاسم أو شراكة مع السكان والمحكومين، ويرفض أي مساومةٍ على حقه في الاحتكار الكامل للسلطة والثروة والنفوذ، ولا يعرف التعامل بغير منطق القوة والعنف الذي يسقيه يوميا لمحكوميه من دون حساب، حتى وهو يعاني سكرات الموت.

لا ينبغي للسوريين انتظار الحل من أحد. وليس في مصلحة الروس، ولا الإيرانيين، إنهاء النظام الذي انتنزع جيل الثورة الأول، ببطولاته وتضحياته اللامحدودة روحه الخبيثة، وحوله جثة هامدة، تفوح رائحة تفسّخها اليوم كل الأنحاء وتتآكلها الديدان. لكن في الوقت نفسه، لن يدخل الركام المتفسخ من تلقاء نفسه في حفرته الأخيرة. هذه وظيفة المعارضة، والمهمّة التاريخية التي تنتظرها.

==========================

من قتل 8 آلاف معتقل في المسالخ السورية؟!

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاحد 12/8/2018

بينما كانت روسيا عرّابة وأد الثورة السورية، تتحدث عن إعادة اللاجئين السوريين غصباً إلى المسالخ الطائفية، تماماً كما تم تشريدهم وتهجيرهم غصباً عن إرادتهم، كان النظام السوري يرسل رسائله التي أتقنها على مدى نصف قرن معمّدة بالدم والتعذيب والإذلال، فكشف عن وفاة 8 آلاف معتقل في مسالخه بحسب توصيف منظمات حقوقية دولية، لتكون بذلك رسالة إلى كل السوريين أن مصيركم هو المصير ذاته، ولم يدع مدير المخابرات الجوية اللواء جميل الحسن -مجرم الحرب الحقيقية- الباب موارباً، فكشف عن طبيعة تفكيره الذي لم يحِد عنه لعقود، وهو الذي تباهى منذ اليوم الأول للثورة، بأنه على استعداد لقتل مليون سوري، ليذهب بعدها إلى محكمة الجنايات الدولية متحملاً مسؤولية قتلهم لوحده، واليوم يزيد عليهم 20 ضعفاً، فيقول إن 10 ملايين مطيع للقيادة أفضل من 30 مليون مخرّب.

لم يكن نظام الأسد ولا سدنته المحتلون وحدهم، هم من قتل هؤلاء، ولا من قتل أصحاب الصور التي سرّبها القيصر، والتي تضمنت 55 ألف صورة لـ 11 ألف معتقل فُقئت عيونهم، وجُدعت أنوفهم، وقُطعت آذانهم وبيعت أعضاؤهم، إن من قتل هؤلاء هو من صمت منذ اليوم الأول على أمثال جميل الحسن، بل هو من صمت على مجازر المقبور حافظ الأسد في الثمانينيات، إنه العالم الذي ظل يتعامل معه على أنه نظام شرعي، ويتعامل مع الشعب السوري على أنه عبد آبق من سيده، بل وظل العالم المجرم يدعمه في كل المحافل، ولا يزال حتى اليوم يقف في وجه إرادة شعب، ذنبه الذي اقترفه أنه طالب بالحرية وبانتخابات حرة، أسوة بالعالم المتمدن الحر.

رحل عنا مليون شهيد، واليوم يرحل عنا معتقلونا الذين يقارب عددهم الربع مليون معتقل، لكن لا يحق لأهلهم أن يعرفوا أحوالهم، وهم بالأصل وبالعرف القانوني مختطفون، كونهم لم يُعتقلوا بموجب أوامر قضائية غائبة عن جمهورية العبيد، منذ وصول العصابة الطائفية إلى السلطة قبل نصف قرن تقريباً، رُحلوا على الطريقة الطائفية، لم يتسلم أهلهم جثثهم، ولم يتعرفوا على قبورهم، ولم يحق لنا توديعهم بما يليق بهم، ولا الصلاة عليهم، إنهم يخافونهم أمواتاً كما خافوهم أحياء، لا يريدون أن يبقى لهم أثر للأجيال المقبلة، وهي السُّنة الطائفية التي سنّها المقبور حافظ، الذي لم يكن يسلّم جثث الشهداء لأهلهم، فرحل 30 ألف شهيد معتقل في سجن تدمر على مدى 3 عقود دون أن يُعلم قبرٌ لأحدهم، لكن إلهامهم ليس بحجارة قبورهم، وإنما بذكراهم وبصمودهم الذي سترويه الأجيال للأجيال، والأجداد للأحفاد، ليكبر حقد الأجيال على قاتلها وجلادها.

رحلوا، لكن ظل هاتف صوتهم يصمّ آذاننا وسيظل، بألا تصالح، ألا تفاوض القتلة، ألا تمنحهم الشرعية، فأي تفاوض أو تصالح هو بمثابة اعتذار من الضحية للقاتل، وهو منح لشرعية قتل مؤجّلة وربما معجّلة، هو تجريم للشهيد وتبرئة لقاتله، فهذا النظام استمرأ القتل، والأكسجين الذي يتنفسه منذ نصف قرن هو القتل والتعذيب، وخنقه وقتله يكون بتوقفه عن القتل والتعذيب.

«لا تصالح» هو شعار المرحلة وكل المراحل حتى ترحل هذه العصابة الطائفية، فكيف بمن يدعو إلى العودة إلى المسلخ الطائفي، ونحن نرى هتك العصابة الطائفية وسدنتها المحتلين لكل الاتفاقيات التي أبرموها مع ضفادع الثورة، إن كان في الغوطة وحمص ودرعا أم غيرها، فلم يتوقف القتل ولا المداهمات والاعتقالات حتى مع من تصالح مع العصابة الطائفية.

من قتلنا على مدى سنوات لم يكن بشاراً ولا زمرته وسدنته المحتلين، من قتلنا هو ما يُسمى بالعالم الحر، الذي شارك وتواطأ وصمت على ذلك ولا يزال، بل ويدفعنا إلى العودة للعبودية الأسدية، لكن هذا كله مستحيل تحقيقه، فمن يدعو إلى ذلك لا يعلم مسيرة التاريخ .;

==========================


في الدفاع عن المعارضات السورية

سلام الكواكبي

العربي الجديد

الاحد 12/8/2018

التصدّي في هذا الزمن الصعب للدفاع عن المعارضات السورية يشبه القفز في حقل ألغام فكرية ونفسية وكيدية. وما الجدل العنيف الذي رافق خروج عميد المعارضة السورية، رياض الترك، من البلاد ولجوئه إلى حيث تقيم عائلته في فرنسا إلا دليل فاقع على مستوى الاحتقان لدى جمع غفير من الشارع السوري المعارض.

وبمعزل عن جهل جزءِ لا بأس به من السوريين عموما، والمعارضين منهم خصوصا، بهذا الاسم وتاريخه وسنوات اعتقاله وظروف سجنه وطبيعة مواقفه، إلا أن الجدل "الافتراضي" الذي أحاط بعملية خروجه يُنبِئ بمرحلة قريبة ستتحطم خلالها جُلُّ الرموز في أجسام المعارضات السورية. وستطفو على سطح النقاشات المفيدة والمهاترات المتوترة التي ستنهمر في الأسابيع والأشهر المقبلة، لغةٌ متطوّرة في حمولتها المباشرة والرمزية، والتي ستمتلئ برمي أثقال الأخطاء، والعثرات التي حفلت بها مسارات العمل السياسي للمعارضات السورية على شخوصٍ بعينها أو تياراتٍ محدّدة بطريقة تبادلية، لن ينجو منها أحد البتة، ولن تستثني أياً من التيارات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. ومن المتوقع ألا يسعى السوريون إلى مراجعة نقدية بنّاءة للمرحلة السابقة، وسيكتفون، على الأقل في المدى المتوسط، بمحاولة إلقاء اللوم، وتحميل المسؤولية على هذا وذاك، متقاذفين المسألة ككرة من نارٍ ترميها الأيدي بين بعضها بعضا.

معارضات منتهكة الحقوق والوجود منذ خمسينيات القرن الماضي، في إطار انتهاكٍ أشمل

"معارضات منتهكة الحقوق والوجود منذ خمسينيات القرن الماضي" لجموع الناس، استناداً إلى فشل العقد الاجتماعي، إن وجد جنينيّاً، والذي تلا الاستقلال، كما الفشل في بناء الدولة الوطنية الحاضنة كل مكوناتها الطبقية والإثنية والدينية. يُضاف إلى ذلك كله تعاقب الديكتاتوريات العسكرية "السوفت"، قبل الولوج في الديكتاتوريات الأمنوقراطية الأكثر تشبثاً بالعنف المُعمّم والمجاني. وبالتالي، من الترف أن نطالبها بأن تكون على سوّية المعارضات السياسية التي عرفت نسبياً جواً أقلّ سديميةً، وأكثر إشراقاً في ممارسة العمل السياسي، والتعبير بحرية نسبية عن مكنوناتها، وعن مشاريعها. كما يمكن في هذا الإطار وضع المصطلح، بحد ذاته، في خانة الشك، بعيداً عن اليقين، والتي تُفضي إلى تساؤل مشروع يُحيل إلى التعرّف على طبيعة الجسم السياسي الذي تُعارضه هذه المعارضة، فمنطقيا، تُعارض قوى سياسية حكومةً قائمةً ذات شرعية ما، ولا يمكن أن تُعرّف قوى سياسية في بلاد سلطاتها تفتقد جزئياً أو كلياً الشرعية والسيادة، بأنها معارضة.

وبعيداً عن لغة المظلومية التي تُحيلنا، وإنْ عن حق، إلى سنوات التصحير السياسي، ومنع العمل المدني، وخنق التعبير وتأميم المشهد العام، وحلّ الأحزاب السياسية، وإخضاع الإعلام والقمع المستفرس، والجندية المنظمة، وإلى آخره من الحقائق التي يلمسها كل سويّ، فإن متطلبات عملية "إدارة الهزيمة" للخروج من قعر الزجاجة تدفع إلى أن محاولة إيجاد عناصر أخرى للجواب، تتعلق أساساً بما أُتيح لهذه المعارضات من أن تتمتّع به من الاستقلالية، ومن الدعم، ومن الاعتراف.

وباستبعاد التشبث شبه التلقائي بنظرية المؤامرة، وتلاعب الآخرين، إقليمياً ودولياً، بأعصاب المعارضات السورية ومصائرها، فإنه من الضروري، وشبه الحتمي، الاعتراف بأن شكل الدعم الذي حظيت به المعارضات السورية، ووسائله وطرائقه، كذباً أو صدقاً أو ما بين بين، يُشكّل عنصراً أساسياً في بناء عملية الفهم الحقيقي لما جرى منذ سنوات، ويستمر في الجريان، من دون أية وقفة حسابية أو مراجعة نقدية أو مساءلة ذاتية.

وكما يقول المثل الفرنسي، فإن رقصة التانغو تحتاج إلى شخصين، فكذلك لا يُمكن أن تتحمّل

"الوقوف على الأطلال والندم على ما فات أو التندّم بما هو آت، لا يمكن أن يبني رؤى ومشاريع للخروج من "الهزيمة" الجهات الداعمة/ المُخرّبة للعمل السياسي المعارض كامل المسؤولية بوجود من شاركها "الرقص" على حلبةٍ داميةٍ امتلأت دماراً.

ضحالة الدعم، أو بالأحرى كذبه الموصوف، والذي انهمر خطابياً على المعارضات السورية في بداية الاحتجاجات، سرعان ما حوّلت هذا الدعم إلى أن يُصبح موجّهاً ومحدوداً. ومن دون التّطرق إلى كل دولةٍ بعينها، لاحتياج التفصيل إلى بحث واسع، فلم يكن أحد "صديقاً" لسورية بالمعنى الإنساني من أصدقائها الذين اجتمعوا مراراً تحت هذا العنوان. وليست المفاجأة في هذه الحقيقة، لأنها إن كانت فعلاً مفاجئة لبعضهم، فهذا يُشير إلى طفوليةٍ سياسيةٍ متميّزة لديهم، لكن الصدمة هي في ألا تستغلّ المعارضات التباينات والتجاذبات والاختلافات في التوجهات الإقليمية والدولية لصالحها. وهنا المؤشّر الأكثر دقةً إلى عجز بنيوي تراكمي، ساهمت الموروثات السياسية والمرجعيات العقائدية في رصّ بنيانه.

الوقوف على الأطلال والندم على ما فات أو التندّم بما هو آت، لا يمكن أن يبني رؤى ومشاريع للخروج من "الهزيمة"، وباختلاف المرحلة، من المستحسن اختلاف القائمين عليها والمولجين باجتيازها، فالرموز أدت واجبها وربما أكثر، وصار لها أن ترتاح وتُريح وتُفسح المجال لجيلٍ جديدٍ، تم تعميد وعيه السياسي بالنار والدمار. جيلٌ ليس عمرياً فحسب، بل أيضاً يُفسح مجال النشاط للمرأة التي كانت الضحية الأكبر في السنوات الأخيرة، لأسباب متعدّدة ومتشابكة، والتي صار لها كامل الحق في أن تأخذ دورها في المشهد العام، بعيداً عن أية محاصصة رقمية، بل استناداً إلى فهمٍ حقيقيٍّ للنقص التراكمي.

==========================

موسكو: الأسد إلى الأبد

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 11/8/2018

ترد في تصريحٍ لبطريرك روسيا الأرثوذكسي معلوماتٌ مفاجئةٌ، تلقي أضواء على أحد مسوّغات الحرب التي شنتها روسيا ضد شعب سورية، تحت شعارٍ لطالما اعتقدنا أنه من ابتداع المخابرات السورية، وها هو البطريرك يخبرنا أن جيش روسيا اعتمده مع شيءٍ من التصحيح، فلم يعد "الأسد أو نحرق البلد"، بل "الأسد ونحرق البلد".

يقول البطريرك إن علاقات الكنيسة الروسية مع آل الأسد قديمة، وإنهم كانوا حلفاء للبيزنطيين وقفوا إلى جانبهم في الصراع على المشرق وسورية. يضيف البطريرك إنه هو من أنقذ بشار الأسد وليس بوتين، وهو من أقنع الرئيس الروسي بالتدخل عسكريا في سورية، ولذلك أصدرعام 2015 بيانا أيّد شن غارات جوية في سورية، واعتبرها جزءا من "معركة مقدّسة".

بصراحة، كنت أستخفّ شخصيا بترّهات البطريرك، وأرى فيه شخصا يعيش في الحقبة السابقة للعصر الوسيط، وأن مواقفه تفسّر بغربته المرضية عن العالم، وتخلفه الذهني الذي تمليه في العادة معتقداته الدينية المتطرّفة، والتي تحدّد مواقفه السياسية بما تسبّبه من كوارث "مقدّسة" بين البشر، لكنني أميل اليوم إلى قراءة تصريحاته باعتبارها جزءا تكوينيا من خيارات روسيا الرسمية التي يخالطها ضربٌ من هوس ديني، يجعل الأسد مركز "معركة مقدسة "في سورية، وقضية كنسية روسية تتجسّد فيه شخصيا، يضمن وحده، من دون بقية خلق الله، بقاء سورية "بؤرة جيوسياسية روسية"، حسب قول أحد كبار قادة الجيش الروسي: الجنرال فيدوروف الذي تحدّث عن وضع خاص، يجب أن تأخذه روسيا بالاعتبار، يرتبط باختيار الرئيس السوري من "المجلس العلوي الأعلى في الساحل".

تلتقي الكنيسة الروسية وعسكريتاريا موسكو على بشار الأسد، الأولى بسبب دور أسرته في التعاون مع بيزنطة ضد المسلمين، والثانية بحجة أنه شخصيا مصلحة جيوسياسية روسية، تختارها الجهة التي يذكّر البطريرك بدورها التاريخي إلى جانب بيزنطة، ويجدّد قتالها اليوم ضد "الإرهاب الإسلامي" دورها التاريخي حليفا تلتقي عنده تشابكاتٌ تاريخيةٌ واستراتيجيةٌ ودينيةٌ دفعت روسيا إلى احتلال سورية لإنقاذه هو وجماعته، وفاءً لعلاقة قامت قبل أكثر من نيّف وألف عام مع بيزنطة، اخترقت خلالها العالم الإسلامي، وها هي موسكو ترد لهما الجميل، وتحتل سورية لفرضهما بالقوة على شعبها الذي يرفضهما، وللمحافظة على مؤسّساتهما الطائفية من جيشٍ ومخابرات، والتي بنتها روسيا، وتحارب اليوم معها في إطار علاقة تتبنّى الكنيسة والدولة الروسية فيها موقفا موحد المنطلقات، يندمج مجلس الساحل الأعلى فيه عبر شخص بشار الذي لا بديل ولا مثيل له، ويلتقي في شخصه عفن التاريخ الكنسي مع التطلّع الاستعماري المستعاد، والتخلف الطائفي الذي قتل السوريين، ودمر دولتهم ومجتمعهم، تحت إمرة روسيا.

تقول تصريحات البطريرك والجنرال الروسيين إنه لا علاقة لخلفيات الموقف الروسي بظاهره، بل تستأنف صراعا كنا نعتقد أنه عفا عليه الزمن، يتبنّاه عندنا قتلة باسم الدين، تقول تصريحات الروس إن الحال هناك ليس أقلّ جهاديةً من الحال هنا، وأن روسيا تعتبر بشار الأسد جزءا من الحرب المقدّسة ضد السوريين، لن تتخلى عنه، لأن وجوده مصلحة روسية فوق سياسية، تفسّر خلفياتها هذه تصريح لافروف بشأن رفض إقامة حكومة سنية في دمشق، وحديث البطريرك عن حرب روسيا المقدّسة في سورية.

إذا كان هذا التشابك الذي أفصحت عنه التصريحات يفسّر ما خفي من سياسات روسيا تجاه وطننا، لماذا فاتنا المغزى العميق لحديث بطريرك روسيا عام 2015 عن حرب روسيا المقدّسة في سورية، وحديث لافروف عن منع قيام الدولة السّنية.

==========================

موقفنا : ويظل يسأل عن الحل البديل

زهير سالم

١٤ /٨/٢٠١٨

مركز الشرق العربي

كلما تم تحليل وتشخيص عملي لواقع الثورة السورية ، وما يتخبط فيه الآخذون بزمامها من خطايا ومطبات، فرض سؤال نفسه : وما البديل ؟

وقبل أن نتحدث عن البديل يجب أن نعترف أن البديل ممكن وقريب صعب وليس بالمستحيل؛ كما يسوق الكثيرون .

وأول الطريق إلى البديل أن تجد هذه الثورة التي ولدت عفوية من ضمير هذه الشعب قائدها . الذي بقول : في وسط الظلمة والربح : أنا لها ... أنا لها ..

لن نتحدث عن قائد إجماعي ولا جماهيري بعد الهرج الذي عاشه الناس ، وإنما يجب أن نتحدث عن القائد الواثق الجاد المبصر يتحرك على الجادة ولو بالقليل من الناس . هذا القائد ليس ملكا ينزل من السماء ولا يشترط أن يكون فردا بل ... والقصة في وصفه وتحميله المسئولية تطول ؛ ولا يزال محور الشر العالمي يعرفه ويعرف عنوانه و يخافه ويخوف منه في كل مكان .

وأول أعمال هذا القائد أن يستقبل من أمر هذه الثورة ما استدبر الناس فيعود إلى رأس الزاوية فيصلح الخطأ الذي كان هناك .

ثم أن يعيد رسم استراتيجية هذه الثورة على ضوء ما علم من مواقف الأعداء ، وأولويات الأصدقاء .

مطلوب من قائد علم ضعف إمكاناته أن يكثفها على إنجاز واحد يكفيه كل الإنجازات فيتوقف فورا عن كل الأعمال التكميلية التي استنزفت جهود الكثير من الناس .

المطلوب من القائد البديل أن لا يكون مستعجلا وان لا يكون يائسا وان يعيد الثورة إلى سقفها الوطني وإلى سقفها في ظل القانون الدولي وإلى سقفها في ظل منظومة حقوق الإنسان .

وينبغي له أن يكون صاحب مشروع ينتهي برد الأمانة إلى صاحبها مكتفيا بشرف التضحية من أجل قومه وشعبه .

النصر يكمن في إنجاز الهدف الصغير الكبير الذي يختصر المعاناة ويقطع الطريق على المؤامرات والمتآمرين.

رجال مثل هؤلاء هم رواحل الشعوب، وبدور الليالي الحالكة.

كانوا يسمونهم رجال اللحظة الذين يستجيبون بعد أن يمسهم وشعبهم القرح.

واستمد عمرو بن العاص أيام فتحه لمصر عمر بن الخطاب بأربعة آلاف رجل فأمده بأربعة رجال ، وكتب إليه : لقد آثرتك بهم على نفسي.

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

==============================
لماذا الاستماتة الإسرائيلية في الإبقاء على الأسد؟

صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 11/8/2018

تولى رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ثمّ وزير دفاعه أفيغدور ليبرمان، تذكير الغافلين (ومعظمهم لا يتغافل إلا عن سابق قصد) بأنّ العلاقات مع النظام السوري، أو آل الأسد على وجه التحديد، كانت وتظل على ما يرام: «لم تكن لدينا مشكلة مع نظام عائلة الأسد، فطوال 40 عاماً لم تطلق رصاصة في هضبة الجولان. والأمر المهم هو الحفاظ على حريتنا في العمل ضد أية جهة تعمل ضدنا»، قال نتنياهو، أواسط تموز (يوليو) الماضي، في اختتام زيارة حافلة إلى موسكو. ليبرمان، من جانبه، لم يغلق الباب أمام علاقات مستقبلية مع النظام، كمَنْ يتمنى لآل الأسد عمراً مديداً؛ مشدداً على أنّ «الجبهة السورية ستكون هادئة» مع استعادة الأسد «للحكم الكامل» في سوريا.

كان أمثال نتنياهو وليبرمان (أو الإعلامي والأكاديمي إيدي كوهين، الذي أعلن أنه «لا توجد أي دولة تريد إسقاط الأسد، حتى إسرائيل لن تسمح بإسقاطه لأنه يحمي حدودنا منذ 1967 ولن نجد أفضل منه في كل سوريا. سقوطه يهدد أمن إسرائيل القومي»؛ أو الصحافي الإسرائيلي المعروف زفي برعيل، الذي سار عنوان مقالته هكذا، ببساطة بليغة: «كيف أصبح الأسد حليف إسرائيل»)؛ يعيدون التشديد على حقيقة ظلت مرئية منذ 51 سنة في الواقع، وليس 40 سنة كما احتسب نتنياهو: أنّ الناظم لعلاقات القوّة بين سوريا حزب البعث، بعد 1967، ودولة الاحتلال، كان حالة العداء في اللفظ والجعجعة فقط، مقابل والاستسلام الفعلي على الأرض؛ ولم يكن حالة اللاسلم واللاحرب كما شاع، بل حالة سلم الأمر الواقع؛ الذي حالت أسباب مركبة، داخلية وتخصّ نظام «الحركة التصحيحية»، دون التعاقد عليه في اتفاقيات علنية.

هنا وقائع التاريخ التي تشهد على تلك الحال:

ـ في 1967 أعلن الفريق حافظ الأسد، وزير الدفاع، سقوط مدينة القنيطرة، وعدد من أبرز مرتفعات الجولان، حتى قبل أن تطأها قدم جندي إسرائيلي محتل.

ـ 1973، وافق النظام على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 338، وكان بذلك يعترف عملياً وحقوقياً بأنّ دولة الاحتلال جزء لا يتجزأ من تكوين المنطقة ومن نظام الشرق الأوسط السياسي والجغرافي.

ـ 1974، في أعقاب توقيع «اتفاقية سعسع» وإدخال النظام الأممي حول الفصل بين القوات، لم تُطلق في هضبة الجولان طلقة واحدة تهدد صيغة «السلام التعاقدي» المبرمة تحت الخيمة الشهيرة.

ـ بعد 1976 أيّد النظام قرار مجلس الأمن الدولي الذي يدعو إلى «ضمانات حول سيادة، ووحدة أراضي، واستقلال جميع الدول في المنطقة»، و«الاعتراف بحقّ هذه الدول في العيش بسلام داخل حدود آمنة معترف بها».

ـ 1982، وافق النظام على مبادرة الملك فهد وخطّة الجامعة العربية التي اعترفت عملياً بحقّ إسرائيل في الوجود (مع الإشارة إلى أنّ ذلك الاعتراف لم يرضِ دولة الاحتلال آنذاك).

ـ 1991 أرسل النظام مندوباً إلى مؤتمر مدريد.

ـ 1994، أقامت واشنطن «قناة السفراء» بين سفير النظام وليد المعلم، والسفير الإسرائيلي إيتمار رابينوفتش. في السنة ذاتها عُقدت اجتماعات بين رئيس أركان جيش النظام، حكمت الشهابي؛ ورئيس أركان جيش الاحتلال، إيهود باراك. في ما بعد سوف يقوم الدبلوماسيان الأمريكيان دنيس روس ومارتن إنديك بجولات مكوكية بين دمشق والقدس المحتلة، لمتابعة تفاهمات واشنطن.

ـ 1999، مفاوضات شبردزتاون، بين وزير خارجية النظام فاروق الشرع ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك، برعاية أمريكية؛ في غمرة تركيز من النظام على ما سُمّي بـ«وديعة رابين».

ـ آذار (مارس) 2000، قبيل وفاته بنحو ثلاثة أشهر، اجتماع الأسد الأب مع الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون في جنيف.

ـ 2004، تقارير عن مفاوضات سرية، غير مباشرة، يتولاها الدبلوماسي الأمريكي جيفري أهرونسون ورجل الأعمال السوري إبراهيم سليمان.

ـ 2008، سلسلة من جولات التفاوض السرية، برعاية تركية.

لماذا، والحال هذه، فشل الطرفان في التوصل إلى اتفاقية سلام؟

بعض الإجابة يرتد إلى سبب جوهري حكم تفكير الأسد الأب منذ مقتل باسل، ابنه والوريث المفضّل غير المتوّج، واضطراره إلى تعديل برنامج التوريث ونقله إلى بشار، وسط سباق محموم مع الزمن انطوى على عامل الصراع ضد سلسلة أمراض فتاكة لم تكن تمهل الأسد الأب وقتاً كافياً للطبخ على نيران هادئة. وهكذا توجّب الحسم حول واحد من خيارين، كلاهما حمّال مجازفات ومخاطر: 1) عقد اتفاقية سلام مستعجلة مع دولة الاحتلال، في حياة الأسد الأب، لن تجلب للنظام ما يحتاجه من مكاسب وضمانات لقاء هكذا خيار ستراتيجي؛ و2) التفرّغ، بدل ذلك، للمهمة الأكثر إلحاحاً وضرورة، أي ترتيب البيت الداخلي على أفضل وجه ممكن يتيح وراثة سلسة أمام فتى غير مجرّب، وسط غابة من ذئاب النظام وضباعه.

في الإطار الأعرض، الذي اتضح أكثر في ناظر الأسد الأب بعد لقاء جنيف مع كلنتون، بدا أنّ «وديعة رابين» ليست سوى رسالة غير مكتوبة حملها وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر، غير مُلزمة للجانب الإسرائيلي؛ ولكنّ الأسد الأب تلكأ في اغتنام تلك الفرصة، ثمّ عاد إلى التشبث بها بعد أن حمّلها أكثر مما تحتمل من أثر في أقنية التفاوض. كذلك لوّح الإسرائيليون بنفض الغبار عن خرائط ما قبل عام 1949، للمساجلة بأنّ القوّات السورية احتلت بالقوّة أجزاء واسعة من الأراضي الفلسطينية، واحتفظت بها حتى العام 1967 حين «حرّرتها» القوّات الإسرائيلية. وإذا كانت سوريا تزعم شرعية سيادتها على هذه الأراضي لأنها احتفظت بها طيلة 18 عاماً، فلماذا لا يحقّ لدولة الاحتلال أن تزعم شرعية السيادة على الأراضي ذاتها التي احتفظـــت بها طيلة 32 سنة، أي منذ عام 1967؟

وفي خلاصة القول، ما الذي يجبر دولة الاحتلال على عقد أية اتفاقية سلام مع آل الأسد، والنظام في وضعه الراهن محض تابعية متشرذمة بين موسكو وطهران، وسلاح الجوّ الإسرائيلي يسرح ويمرح متى شاء وحيثما شاء في عمق الأراضي السورية، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين بات الضامن شخصياً لأمن الاحتلال الإسرائيلي في الجولان، وعناصر الجيش الروسي شاركت في إعادة إحياء اتفاقية فصل القوات في الجولان بالرغم من وضوح بنود الاتفاقية التي تحظر على جيوش الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن المشاركة في أية مهامّ هناك…؟ لا شيء، بالطبع، بل لعلّ من الحماقة الطوعية أن يفكر أيّ مسؤول إسرائيلي في إقامة أيّ تعاقد مع هكذا نظام، ما دام تعاقد الأمر الواقع هو السيد والفاعل.

هذا إذا وضع المرء جانباً حقائق علاقة الإدارات الأمريكية المتعاقبة مع نظام «الحركة التصحيحية»، في سياقات عربية عريضة أولاً (مثل انضمام جيش النظام إلى تحالف «عاصفة الصحراء»، أو تطويع الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية)؛ أو في سياق الموقف من دولة الاحتلال والحقوق الفلسطينية. وبهذا المعنى فإنّ لجوء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى قرص أذني الأسد، أو حتى وصفه بـ«الحيوان»، ليس سوى سمة السطح في تراث طويل من الرضا الأمريكي عن النظام، والتصديق على خيار آخر ثمين لدى إدارات البيت الأبيض هو الرضا الإسرائيلي عن النظام.

فأيّ عجب في أن تستميت دولة الاحتلال دفاعاً عن آل الأسد، وأن تجد في نظامهم الراهن الحارس الأشدّ يقظة على مصالحها في الجولان المحتل، وفي… سائر سوريا؟

 

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

==========================

هل انتهى الإسلام الجهادي والسياسي إلى غير رجعة؟

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 11/8/2018

لا نجانب الصواب إذا قلنا إن الإسلام الحركي بشقيه الجهادي والسياسي كان أكبر ضحايا الربيع العربي على الصعيد الإيديولوجي، فقد أصبح الجهاد لأول مرة ربما في تاريخ الإسلام الحديث مرادفاً للإرهاب على نطاق واسع، ليس فقط في الخطاب الإسلاموفوبي المعادي للإسلام، بل أيضاً لدى عامة المسلمين والعرب الذين باتوا يعتبرون الجهاديين متطرفين إرهابيين مندسين بامتياز لم يسيئوا فقط للثورات، بل أضرّوا كثيراً بصورة الدين الإسلامي نفسه إلى حد كبير، وجعلوه مرادفاً للإرهاب في الخطاب الإعلامي العالمي. أنت مسلم إذاً أنت إرهابي، ناهيك، والأهم، تكريس الانطباع الأبشع وهو وضع هذا التيار بتصرف وخدمة مصلحة الكبار، ودوره في تدمير وإنهاك أكثر من بلد عربي. واكتشفنا أخيراً أنه في اللحظة التي ظهرت فيها فصائل جهادية تحمل أسماء إسلامية ودخلت على خط الثورات، أيقنا أنها جاءت لإفشال الثوارت، وتلميع الطغاة وإعادة الشعوب إلى زريبة الطاعة.

فكيف ينظر السواد الأعظم من العرب والمسلمين لداعش وأخواتها كجبهة النصرة (جبهة تحرير الشام) وغيرها من الفصائل التي تتخذ لنفسها أسماء إسلامية تاريخية؟ كم عدد المؤيدين لتلك الحركات بعد أن ذاب الثلج وبان المرج؟ ألم يفقد الجهاديون أي شعبية كانوا يتمتعون بها لدى بعض المغفلين؟ لقد بات الكثيرون الآن يربطون الحركات الإسلامية المقاتلة بأجهزة المخابرات العربية والدولية. وإذا جاءك جهادي وقال لك إنه يجاهد في سبيل الله، فلا بد أن تسأله فوراً: «إلى أي فرع استخبارات تنتمي يا رعاك الله؟» صار الجميع يضع ألف إشارة استفهام على أي جماعة تحمل اسماً إسلامياً كتلك التي ظهرت في سوريا والعراق. لقد سقط القناع تماماً عن الإسلام الجهادي، وبات العرب والمسلمون المشككون بالحركات الجهادية أكثر من الغربيين المعادين للظاهرة الإسلامية عموماً. ولو سألت الكثيرين الآن عن الدور الذي لعبته الجماعات الإسلامية في الثورات العربية لقالوا لك: «إنها أفسدت الثورات وخربتها وألـّبت العالم عليها وجعلتها تبدو في عيون الغالبية العظمى على أنها حركات إرهابية متطرفة أكثر منها حركات شعبية مطلبية.

لا شك أن هناك أقلية مازالت تعتبر تلك الجماعات الرد الطبيعي المناسب على أنظمة الظلم والطغيان العربية التابعة للغرب، لكن هؤلاء باتوا قلة قليلة ولم يعودوا قادرين أن يقنعوا أحداً بهذا الطرح السخيف في مواقع التواصل الاجتماعي. وقد ذهب البعض أبعد من ذلك ليعتبر الجماعات الجهادية جماعات مرتزقة تعمل لصالح دول وأجهزة مقابل المال. وفي استفتاء طرحناه على «تويتر» عن رأي الشارع بالجهاديين، اعتبر حوالي خمسة وخمسين بالمائة من المصوتين أن الجهاديين الحقيقيين مجرد مغفلين ملعوب بعقولهم، بينما يعمل قادتهم كعملاء لصالح دول وأجهزة استخبارات إقليمية وعالمية، بينما اعتبر أكثر من سبعة عشر بالمائة أن الجهاديين المزعومين مجرد أدوات يستخدمونها لتحقيق أهداف قذرة ثم يرمونها في مزبلة التاريخ. باختصار، لا يمكن الحديث أصلاً عن حركات إسلامية، لأن تلك الحركات، وخاصة الجهادية، كما أثبتت السنوات الماضية، هي صناعة مخابراتية أصلاً أو بالأحرى خازوق مخابراتي لكل من طالب بالتغيير في منطقتنا المنكوبة، ولا علاقة لها بالإسلام مطلقاً. وربما كان هذا التصنيع المخابراتي للجماعات الإسلامية ضربة استباقية لأية محاولة صادقة لتشكيل جماعات إسلامية وطنية حقيقية فيما لو انطلقت لاحقاً.

وقد أدى فشل الحركات الإسلامية المقاتلة في إطار الثورات العربية وانهيارها وهزيمتها العسكرية المرة، وهو الأخطر تنظيمياً ووجودياً ربما، إذ يبدو بالمحصلة كتآكل إيديولوجي مرير وخفوت لوهج الفكر وأصوله الأسطورية وقيمته التراثية وما لذلك من أثر على شرعية ومستقبل جهادها ونضالها من الأساس، إلى الإساءة كثيراً لمفهوم الإسلام السياسي بشكل عام، فقد انعكست وحشية وقذارة وانحطاط وعمالة تلك الحركات الجهادية على الحركات الإسلامية السياسية المعتدلة، بحيث بات كثيرون لا يفرّقون بين الدواعش وأي حركة إسلامية أخرى. لم يعد الإسلام هو الحل حتى بالنسبة للذين كانوا يصفقون للإسلام السياسي وضرورة انخراط الإسلاميين في الحياة السياسية، بل صار الإسلام السياسي مشكلة بحد ذاته تسيء للعمل السياسي وتلوثه، حسبما يرى خصوم الإسلاميين.

صحيح أن الأحزاب التي تحكم زوراً وبهتاناً باسم العلمانية في العالم العربي هي أحزاب شبه عسكرية وميليشياوية قذرة يديرها ويشرف عليها «شوية» شراذم من برابرة وعصابات وزعران ومافيات وجنرالات فاشيست وأجهزة أمن قمعية منحطة باطشة وخارجة عن القانون، ليست البديل الأفضل للحركات الإسلامية، لكنها تبقى الخيار المفضل لضباع العالم وكلابه ولجزء لا يستهان به من المجتمعات العربية التي كفرت بالمتاجرين بالدين. لكن هذا لا يعني أن تقبل الشعوب بحكم الجنرالات نكاية بالإسلاميين، فهل بات مكتوباً علينا كعرب أن نبقى بين سندان الخليفة ومطرقة الجنرال؟ أليس هناك بديل مدني حضاري كما هو الوضع في معظم بلاد العالم بعيداً عن عمامة الإمام وبسطار الماريشال؟

استطراداً، وفي الخلاصة هل كان الربيع العربي مصيدة وفخاً للإسلاميين بآن واحد، وضربت به القوى الكبرى التي وظفتهم وجندتهم، عصفورين بحجر واحد، الأولى تدميرهم والتخلص منهم وتدمير صورتهم، والثانية نشر الفوضى الهلاكة وتدمير الأنظمة المستهدفة في عملية بناء ورسم خريطة الشرق الأوسط الجديد؟

وماذا لو حاولت اليوم بعض الجماعات والتيارات المتأسلمة إطلاق شرارة حراك وثورة، ومطالب تغيير، بعد هذا العراك والمخاض العسير، وتبني قضايا وطنية كالديمقراطية، كم ستجد من المؤيدين والأتباع؟ وكيف ستقنع الشارع بشرعيتها وأحقيتها بعد سلسلة الانهيارات والهزائم المزلزلة والمجلجلة وانهيار مصداقيتها وانكشاف تبعيتها وارتهانها لدوائر ومؤسسات ومرجعيات هنا وهناك باتت في عهدتها، وباتت في خدمتها وخدمة استراتيجياتها أكثر من خدمتها ونضالها من أجل الشارع المنكوب المحتاج، وحتى أكثر من وفائها وولائها لدينها وعقيدتها، المتمثلة بدين الإسلام؟

٭ كاتب واعلامي سوري

==========================

سورية: تطويع الحلول وصولاً إلى المحميّات

مرح البقاعي

الحياة

السبت 11/8/2018

إثر تهاوي المقاومة وتنكيس سلاح المعارضة في آخر معقل من معاقلها ومهد ثورتها: درعا، وفِي غفلة من التاريخ، ودهشة من دم الشهداء وصرخات الثكالى وتوجّع المعتقلين، يتقدم الدب الروسي متنكّراً بقبعة شرطته العسكرية ليجثم بقوة على آخر نقطة من جنوب اليابسة التي تصله بالمياه الدافئة المتوسطية، وكان قد حارب طويلاً للوصول إليها، وها هي تقدم إليه على طبق من «أسد».

لم يكن ذاك الانهيار المدوّي في الجبهة الجنوبية، موضع القلب من حراك الثورة العسكري والمدني والشعبي، انهياراً عادياً البتة. فالجنوب السوري تحكمه معادلات جيوسياسية شتى يكاد يكون الجوار الإسرائيلي - بالمفهوم الأمني الخالص- أكثرها تأثيراً وتأثراً، وما القوات الأميركية التي رابطت في قاعدة التنف إلا الحارس الأمين لهذه المعادلة.

والقوات الأميركية مرابطة أيضاً في شرق الفرات ولن تنسحب منه في المستقبل القريب، ليس لتمكين تأثيرها ونفوذها في سورية وحسب، بل في العراق أيضاً في منطقة حدودية إستراتيجية بين البلدين. فأميركا تريد انسحاباً كاملاً لإيران من سورية من دون مقايضات لأن وضعها الداخلي المضطرب، والدولي المعزول، لا يسمحان لها الآن بأية مناورات أو مساومات. الاحتمال الأقرب للواقع كان انسحاب الولايات المتحدة من قاعدة التنف إثر تفاهمات روسية إسرائيلية أميركية على الخارطة الجيوسياسية المقبولة للأطراف المعنية صاحبة القول على الأرض، والتي تنتهي بإقامة منطقة عازلة على الحدود مع إسرائيل على أقل تقدير، وإعادة تطبيق المعاهدات والشروط المرعية في 1974.

أما إدلب فهي تنتظر مصيرها بوجل وتحفّز، ذاك الذي تم رسمه في مؤتمر آستانة الأخير، وقد أرادت له روسيا أن يحمل رسالة خاصة من خلال انعقاده في مدينة سوتشي، مسرح أول حشد شعبوي قادم من عباءة النظام للانغماس في العملية التفاوضية من خلال ما سميّ في حينه «المؤتمر السوري للحوار الوطني»، وقد اتّسم ذاك المؤتمر بشتى أشكال الفوضى السياسية والتنظيمية والإدارية في آن.

فماذا تبقى في يد المعارضة حتى تتمكن بمعونة من تبقّى لها من أصدقاء - على ندرتهم – من القيام بمحاولاتها الأخيرة في البحث عن العلاج الإسعافي للجسم السوري العليل؟ لا بد لنا في هذا المنعطف السياسي والأمني الخطير من سبر الأسباب وتحديد الأعراض والتناذرات. وبالنظر إلى الحالة السياسية الداخلية نستطيع أن نختصر مشهد النظام السوري في العلامات التالية:

-نظام أمني بوليسي متمسك بالمركزية المفرطة بينما تنهار حوله كل الثوابت المتعلقة باستقلال القرار والسيادة ووحدة الجغرافيا.

-مشهد من انتشار السلاح والفوضى الفصائلية من جهة المعارضة، تقابله فوضى ميليشياوية من جهة النظام وحليفه الإيراني.

-نفوذ سياسي معزَّز بانتشار عسكري على مختلف المستويات لقوات متعددة الجنسية لروسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة.

-هشاشة أمنية مرافقة مع انتشار السلاح الفردي غالباً، والثقيل ونصف الثقيل في مناطق محدودة حالياً، وذلك إثر المضي في تنفيذ خارطة المناطق المنخفضة التوتر.

-أجندات سياسية متضاربة وخارطات للنفوذ بنيت على أساس تغيير ديموغرافي جرى عن طريق التهجير القسري الممنهج.

-تخلٍّ أميركي عن المعارضة ماعدا حليفتها الكردية في الشمال الشرقي، وتسليم الدفة لروسيا التي بدأت تطبق إجراءات مناطقية، وكذا الاستفراد بالحل عن طريق تجزيء المجزّأ.

أما على المستوى الإنساني فالحال ليس بأفضل على الإطلاق ويتمثل في المعضلات التالية:

-أزمة لجوء ونزوح غير مسبوقة في التاريخ الحديث وكل ما ترتب عليها من غياب شروط الحياة الإنسانية في حدها الأدنى، ولا أقول الطبيعي.

-أزمة تغييب قسري واعتقال عشوائي ممنهج من جهة النظام والميليشيات الطائفية العابرة للحدود المتعاونة معه، ومن طرف الجماعات المتطرفة في آن.

-أزمة خدمات صحية وتعليمية وحاجات يومية أساسية دفع ثمنها على الأغلب الجزء الأضعف في المجتمع السوري وهو المرأة والطفل السوريان (ما يزيد على نصف المجتمع السوري).

-أزمة ثقة بين أطراف الشعب السوري من جهة، وبينه وبين أطراف المعارضة من أخرى، وبينه وبين القوى الدولية والأممية التي تخلت عنه في أحلك الظروف وعن حماية مدنييه.

-انهيار النقد السوري وما ترتب عليه من تضخم وغلاء السلع والحاجات اليومية بحدها الأدنى للفرد المحدود الدخل.

في ظل ما تقدّم سيكون تأجيل الحل السياسي مجرد إتاحة الزمن اللازم لاقتسام سورية بين الدول النافذة، والجيران الأقوياء، بحيث تتحول إلى محميات تعيش هدنة دائمة برعاية الأمم المتحدة في المناطق المنخفضة التوتر التي ستتحوّل تدريجياً إلى جزر أمنية تحت الانتداب الإسرائيلي في الجنوب، والأميركي في الشمال الشرقي، والتركي في عموم الشمال، والروسي في المركز الدمشقي والساحل. أما إيران فسينحسر دورها العسكري والسياسي ليعود ويتموضع على شكل استثمارات كبرى بواسطة من رجال الأعمال والوسطاء من الذين لا تلاحقهم العقوبات الأميركية.

* كاتبة سورية

==========================


التلاعب الروسي وعودة اللاجئين السوريين

أنور البني

العربي الجديد

السبت 11/8/2018

ما الغرض من اللعبة الروسية بإثارة موضوع عودة اللاجئين السوريين الآن ووضعه أولوية في برنامجها؟ وهل حقا تقصد أن يعودوا إلى سورية؟ الهدف الأول، رسالة داخلية إلى الروس أن زمن الحرب والخسائر قد انتهى، ولا داعي للقلق من تزايد الخسائر البشرية والمادية الروسية بعد الآن، وأن زمن الحصاد قريب. الثاني، إعلان الانتصار والحسم، وأن الأمور بدأت بوضع الإطار السياسي لإعادة تأهيل النظام لإعادة إدارة سورية مجدّدا. الثالث، استثمار حالة القلق من دول اللجوء، وخصوصا دول الجوار من وضع اللاجئين، والضغط الكبير التي تشكله على مجتمعاتهم واقتصادهم، ودفعهم إلى التعامل بشكل مباشر مع النظام السوري. أي رسالة مباشرة لهم أن يعيدوا اللاجئين، وروسيا والنظام وإيران ستتكفل بقتلهم وإبادتهم في سورية، وإراحتكم منهم نهائيا. الرابع، استخدام موضوع عودة اللاجئين السوريين مدخلا مع أوروبا التي تؤرقها مسألة اللاجئين، ودفعها إلى استثمار أموالها في إعادة البناء، واستفادة الشركات الروسية التي سبق أن وقعت عقودا مع النظام، من أجل إعادة الإعمار، وبالتالي البدء باسترداد ما صرفته من أموال في سورية. وأخيرا صرف النظر نهائيا عن أي عملية مفاوضات أو تسوية أو أي تغيير ببنية النظام، أي عمليا تجاهل عملية جنيف، بل إسقاطها نهائيا، وإسقاط القرارات الدولية التي صدرت سابقا، باعتبار أن الوضع قد تم حله وانتهى. وطبعا لن يكون لمحادثات أستانة معنى، خصوصا وأنها صناعة روسية، والنتائج الهزيلة جدا التي صدرت عن آخر اجتماع فيها تبين أنها بلا معنى ولا قيمة.

هل التلاعب الروسي قابل للتحقق؟ هو مستحيل ومجرّد وهم يجتاح عقل مريض مهووس. وقد تجاهلت اللعبة القوانين الدولية التي تمنع إعادة اللاجئين قسريا إلى بلدانهم. ومع أن منظومة 

"لن يعود اللاجئون بضمانة قاتل آخر ومجرم ساهم بقتل أبنائهم وبتدمير بيوتهم" القوانين الدولية انهارت نهائيا، وتم تجاهلها كليا في الوضع السوري، إلا أن إهمال هذا القانون سيجعل من البلدان التي تتخذ هذه الخطوة شريكة رسمية، بجريمة إبادة جماعية، سيحملون وزرها، ويمكن ملاحقتهم قضائيا، كما تجاهلت رغبة النظام الذي لن يسمح بعودة اللاجئين إلى المناطق الخاضعة لسيطرته، حتى لا يواجه مشكلات أمنية أو اقتصادية.

كان موقف النظام واضحا من مسألة عودة اللاجئين من لبنان، رفض عودة كثيرين ممن أرادوا العودة، وفرض أن يوافق مسبقا على قوائم أسماء اللاجئين الراغبين بالعودة. تجاهل اللاعب الروسي إلى أين سيعود اللاجئون، إذ ما زالت مساحات واسعة من سورية خارج سيطرته، وهي المناطق التي شهدت موجات نزوح كبيرة، مثل ريف حلب والرقة ودير الزور والحسكة وغيرها، كما تجاهل أين سيعيش اللاجئون العائدون، إذا كانت بيوتهم مدمرة، ولا توجد خدمات أبدا، لا ماء ولا كهرباء ولا اقتصاد أساسا يستطيع استيعابهم، وخصوصا في المناطق المدمرة نهائيا، مثل ريف دمشق وحمص وحلب، حتى اللاجئون الموجودون في خيم في لبنان أو الأردن أعتقد أن معظمهم لن يفضل العودة ليعيش في خيمة مكان بيته المدمر وعرضة للاعتقال، ومن دون خدمات أو مساعدات، بينما في لبنان أو الأردن وتركيا على الأقل يتلقى مساعدات إنسانية سيحرم منها عند عودته، كما يتمتع بنوع من الحرية، على الأقل للتعبير عن رأيه، أو السفر إلى بلدان أخرى لطلب اللجوء، وتنتفي هذه الإمكانية في حال عودته.

تتجاهل اللعبة الروسية المسألة الأساسية، وهي أمان اللاجئين، فكيف يقبل اللاجئون العودة والعيش بأمان، وما زالت المنظومة الأمنية هي التي تتحكّم بكل مفاصل الحياة في سورية. وما زالت قوانين حماية عناصر الأمن والجيش والشرطة من المحاكمة عن الجرائم التي يرتكبونها ساريةً، وتسمح لهم بارتكاب ما شاءوا من جرائم بحق السوريين من دون رادع، وما زال عشرات ألوف المعتقلين مجهولي المصير، بل تباهى النظام أخيرا بقتلهم في المعتقلات، بإصدار وثائق وفاة لهم، أو تبليغ أهلهم بذلك. ومن سيضمن أمان السوريين العائدين، وعدم التنكيل بهم، وهناك أمام الجميع نماذج واضحة بمصير من وقع المصالحات مع النظام في ريف دمشق ودرعا، وكيف تم التنكيل بهم واعتقالهم وقتلهم بعد ذلك، من دون رادع مع وجود الروسي "الضامن" على الأرض.

اللعبة الروسية مكشوفة تماما. وللأسف هناك ممن يسمّون أنفسهم معارضة، وبعض الدول،

"لا عودة للاجئين

من دون

عملية انتقال سياسي كاملة" ينجرّون إليها، على الرغم من أن روسيا نفسها، كما كل العالم، متأكّدة من أنه لا عودة للاجئين من دون عملية انتقال سياسي كاملة، يزال فيها النظام الاستبدادي المجرم، ويحاسب المسؤولون عن الجرائم التي ارتكبت، وتتغير الآلية القانونية التي تجعل الأمن المتحكّم الوحيد، وتعطي الحصانة للمجرمين. ولا عودة للاجئين من دون شعورهم بالأمان، فلن يعودوا ليعيشوا تحت أمرة من قتل أولادهم في السجون أو بالبراميل المتفجرة أو قصف الطيران أو بالسلاح الكيميائي، ولا ليتعايشوا معه. كما أنهم لن يعودوا بضمانة قاتل آخر، ومجرم ساهم بقتل أبنائهم، وبتدمير بيوتهم بقصف طائراته.

ولن يعود اللاجئون تحت وطأة مليشيات طائفية، تفرض أيديولوجيتها، سنية أو شيعية. ولن يعودوا تحت سيطرة مشروع أيديولوجي شيعي، يحاول السيطرة على المنطقة، وربط إيران بالبحر المتوسط. بل لا يمكن للاجئين أن يعودوا إلا ليقاوموا هذه المشاريع وهذا الاحتلال، إذا كانت هناك المساحة والإمكانية لذلك. وهذا ما هو متأكد منه النظام المجرم، وشريكاه الأكثر إجراما، روسيا وإيران. لذلك هما الأكثر قدرة على معرفة أن لعبتهم لن تجدي، وأن عودة اللاجئين كما يروّجون ستكون لإشعال شرارة مقاومة جديدة ضدهم، ولطردهم ومحاسبتهم.

==========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com