العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 19-06-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

قنبلة فردان ورسالة أردوغان إلى بوتين .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 16/6/2016

لا أحد من اللاعبين الدوليين والإقليميين المنخرطين في الحروب السورية، مرتاح في سوريا، وإن تفاوتت ضائقاتهم تفاوتاً نسبياً. ربما كان أبرز هؤلاء تركيا وإيران. وفي الأمس، عبَّرَ كل من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ومرشد الثورة الإسلامية علي خامنئي عن غضبهما ووجعهما، كلٌ على طريقته. فقال الأول إن تركيا لن تسمح بإقامة كيان (كردي) على طول الحدود في شمال سوريا وستفعل كل ما يتطلبه الأمر لمنع إقامته، في حين قال الثاني إن إيران «ستحرق» الاتفاق النووي مع الدول الغربية إذا تنصل من استحقاقاته الرئيسُ الأمريكي المقبل.

مدهش استخدام المرشد لكلمة «الحرق» بدلاً من «التمزيق» الأكثر ملاءمةً للموضوع. ربما كانت الغاية من هذا الاستخدام هي التعبير، بعنف لفظي عالي النبرة، عن الغضب الإيراني من ضائقتها المركَّبة، الاقتصادية  السياسية  العسكرية، وربما أراد الإحالة المبطنة إلى القنبلة التي تم تفجيرها قرب مصرف لبنان والمهجر، مساء الأحد الماضي، في بيروت، وتكاد تُجمع الشكوك حول مسؤولية حزب الله عنها، بالنظر إلى تهديدات سابقة من بيئة الحزب، بل حتى من الإعلام الإيراني، للقطاع المصرفي في لبنان.

فقوات الحزب، ومعها قوات إيرانية وعراقية وأفغانية، تتكبد خسائر كبيرة في ريف حلب الجنوبي، بعدما تم طردها من جنوب سوريا بقرار إسرائيلي  روسي، وربما كان هذا الموضوع أحد بنود اجتماع طهران الثلاثي، قبل أيام، بين وزراء دفاع كل من إيران وروسيا والأسد. وفي المستوى السياسي، ذهب التفاهم الأمريكي  الروسي، حول التسوية السياسية للصراع السوري، بعيداً، وظلت طهران خارج اللعبة، مثلها مثل الدول الأوروبية في أحسن التقديرات. وبلغ الضغط على طهران أقصاه من خلال استمرار العقوبات الأمريكية عليها، وخاصةً لجهة تعطيل الصفقات الاقتصادية مع العالم، والمعاملات المالية والمصرفية الدولية. وإذا كانت ذراعه اللبنانية (حزب الله) قد نالت نصيبها من العقوبات من خلال التزام النظام المصرفي اللبناني بالعقوبات الأمريكية، فالتنسيق الروسي  الإسرائيلي في سوريا، ضيق على الحزب أمنياً، ودفع بقواته إلى الشمال السوري، بعيداً عن المناطق الحيوية التي كان يطمح لتفعيل نشاطه فيها حول دمشق وجنوبها. هذا إذا لم نشر إلى تكهنات شائعة حول علاقة مفترضة للروس باغتيال القيادي الأمني الأبرز في حزب الله مصطفى بدر الدين، قبل أسابيع، في دمشق، سواء بشكل مباشر، أو بتسهيل مهمة الإسرائيليين في اقتناصه.

أما تركيا أردوغان التي خذلتها الإدارة الأمريكية في سوريا، بتحالف هذه الأخيرة مع الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، وبدأت تدفع فاتورة جيرتها لداعش على بعض حدودها الجنوبية، صواريخ تطلق على بلدات تركية حدودية، وهجمات انتحارية في شوارع مدنها الكبرى، واغتيالات في مدنها الجنوبية لنشطاء سوريين في وضح النهار، وفرضت عليها موسكو حظر طيران غير معلن في شمال سوريا، إضافة إلى مقاطعة الروس لقطاعها السياحي وإجراءات اقتصادية أخرى، فلديها كل الأسباب للغضب الذي لا تعرف كيف تنفس عنه سوى بالاستقواء على «أعداء الداخل» الكثر، من الكرد إلى جماعة فتح الله غولن إلى المعارضة الرسمية في البرلمان إلى قطاعات معارضة من المجتمع المدني.

وبعدما طوى أردوغان حقبة رئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو، وجاء برجل أكثر انسجاماً مع طموحاته الرئاسية، وسياساته الداخلية والخارجية، إلى منصب رئيس الحكومة، ويجري العمل على طرد نواب حزب الشعوب الديمقراطي من البرلمان، بدأ يرسل إشارات إيجابية إلى موسكو، أملاً في إنهاء التوتر المتصاعد بين البلدين، منذ إسقاط الطيران التركي لطائرة السوخوي الروسية قرب الحدود مع سوريا، في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي. فقد أرسل أردوغان رسالة تهنئة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمناسبة العيد الوطني لروسيا، فيما أرسل رئيس الوزراء بنالي يلدرم رسالة مماثلة إلى نظيره الروسي مدفيديف. يأمل أردوغان بفتح ثغرة في الجدار الدولي المطبق على تركيا من كل الجهات. فعلاقات تركيا مع الإدارة الأمريكية تمر بأصعب أحوالها، ومع الاتحاد الأوروبي ليست على ما يرام. وعلى حدودها الجنوبية باتت أمام خيارين كارثيين، من وجهة نظرها، هما «الدولة الإسلامية» أو حزب الاتحاد الديمقراطي، في حين بات حلفاؤها من الفصائل الإسلامية المعارضة في أضعف أحوالهم.

اللافت للنظر هو اختلاف رد الفعل على الضائقة الشديدة، بين تركيا وإيران. ففي حين يبحث الأتراك عن وسائل لتخفيف الخناق عبر إرسال رسائل إيجابية إلى الخصم الروسي، يتحدث المرشد الإيراني بلغة الحرق، وتنفجر قنبلة  رسالة في القطاع المصرفي للبنان الذي يشكو حزب الله من إجراءاته. وإن كانت القيادتان الإيرانية والتركية، على السواء، تتصرفان وفقاً للمثل الشعبي القائل إن العاجز عن ضرب الحمار، ينفس عن غضبه في البردعة. وهكذا يواصل الجيش التركي حربه على مدن وبلدات جنوب شرق الأناضول، حيث القاعدة الشعبية لحزب العمال الكردستاني، ويعود حزب الله الإيراني في لبنان إلى محاصرة الزبداني، إضافة إلى «القنبلة المصرفية» التي يخشى اللبنانيون ألا تكون سوى البداية لما هو أشد خطورة.

٭ كاتب سوري

======================

دفاعاً عن تركية الركيزة والدور .. ثلاث خطايا استراتيجية في السياسة التركية .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

15/6/2016

وقبل أن يقفز في وجهي أصحاب العقول العاطفية ، التي ترى أن من حق المحب على المحبوب ، أن يدغدغه ويتلمقه ويتغزل بمحاسنه ومفاتنه ويعدد سجاياه ومناقبه ويذكر أياديه ونعمائه ؛ أشهر في وجوه هؤلاء جميعا بطاقتي الخضراء بأنني أحب تركية ، ماضيها وحاضرها ، قيادتها وشعبها ، برها وبحرها أكثر مما تحبون ، وأبعد مما تتصورون ؛ ولكن يبقى فرق سجله الحكماء والعلماء والمفكرون بين المحب الناصح والمحب المتملق وقد قال مولانا في كتابه العزيز (( .. وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ )) ...

وقبل أن أغرق في ذكر الخطايا أو الخطيئات لا بد أن أقرر ما قرر الشاعر العربي من قبل : ( كفى المرء نبلا أن تعد معايبه ) فما يذكر من خطايا ارتكبتها القيادة التركية على خطورتها وأهميتها ، لا تلغي التقدمات العظيمة التي قدمها الشعب التركي والقيادة والحكومة التركية للشعب السوري وللسوريين وغير السوريين من أياد بيضاء على كل المستويات وأخص بالذكر المستوى الإنساني ، ستظل هذه التقدمات دينا في أعناق السوريين على مدى الدهر ...

وما سأشير إليه في سياق التحليل والتقرير ينطلق اليوم من واقع ما آل إليه الواقع التركي ، وما يحيط به من مهددات ، نتيجة التغير الجيوسياسي الذي يضرب المنطقة في الجوارين الشرقي والجنوبي في كل من العراق وسورية على السواء . ليس قائدا محنكا من يعامل الحريق في بيت جاره ، على أنه حريق في بيت جاره وليس في بيته . والقيادة التركية التي ما تزال تتعامل مع ما يجري على أرض جيرانها على أنه شأن خارجي يراقبها كل العالم اليوم ، وهي تتلجلج في شباك واقع جديد استهدافه لتركية : أرضها ، وشعبها ، وسيادتها ، وقيادتها ، وتجربتها الحضارية ، ومشروعها التنموي ، ليس أقل خطرا منه على سورية والعراق وكل دول الإقليم ..

الدولة التركية بالتعبير الاستراتيجي هي الدولة الأقرب إلى الفضاء السوري والعراقي جغرافيا، وبشريا ، وثقافيا ، وتاريخيا ، فقبل أقل من مائة عام فقط كانت هذه الدول ، أو هذه الجغرافيا والديمغرافيا ، جزء أساسيا من الدولة الجامعة التي قادها الأتراك العثمانيون ، والتي كانت تحكم هذه الأرض وتحمي وتصون وتدافع عن هذه الشعوب .

وإليكم اليوم المفارقة العجيبة التي صنعتها سياسة الأحباب من القادة الأتراك : وبينما يتحرك على الأرض السورية اليوم قوى تابعة لما يقرب من عشر دول هي إيران لدود الأتراك التاريخي ، وروسيا الدولة التي كان لها الدور الأكبر في تقويض دولتهم الكبرى ، ولبنان بزعنفته الصغيرة التي ما كان لها أن ترفع رأسها أمام أهل القصير أو القلمون لو دافع الأتراك عن مصالحهم ، ثم الولايات المتحدة التي يعترف رئيسها أن قواته تتحرك وتدرب وتقاتل على الأرض السورية ، ثم كندا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا ؛ نقول بينما تزج هذه الدول جميعا قوى حية ، وجنودا مجندة على الأرض السورية ، تدعيما لكيان أسدي أعلن زعيمه أنه سيطحن الزعيم التركي أردوغان في حلب ، وتأسيسا لكيان جديد يهدد تركية في وحدة أرضها وشعبها ، ما يزال الأتراك يلطمون على طريقة الأرامل كل يوم بتصريح مثير للرثاء جديد .

 لنستمع السيد يلدرم رئيس الوزراء التركي الجديد مع الاحترام يتحدث بلغة الشعوب المستضعفة ( سنقاوم بكل ما أوتينا من قوة ..) هذه اللغة التي يتحدث بها ثائر مستضعف في سورية والعراق وفلسطين بينما المنتظر من القائد السياسي في مثل هذا المقام أن يقول : ( لن نقبل وسنسقط كل محاولة للنيل من وحدة أرضنا وشعبنا مهما تكن التكلفة والتضحيات ...) ليبقى سؤالنا المفتوح : فما الذي أوصل الوضع السياسي في تركية إلى ما هو عليه بحيث تحول الأمل إلى ألم ، وتحول عبد المعين إلى موضع الشفقة المستحق للعون ...

كانت الخطيئة التركية الأولى : ضعف روح المبادرة عند القيادة التركية...

خطيئة عايناها وعايشنها وعشنها ودفع السوريون والعراقيون ثمنها واليوم وصل الدور للأتراك ليدفعوا الثمن نفسه . وإليكم برهان ما أقول ، وأعلم أنكم ستسبقوني بالقول : هل تريد من تركية أن تدخل الحرب عن السوريين ، وتدمر مشروعها من أجل سورية والسوريين ؟! وسيجيبكم الإيراني نفسه على هذا الاعتراض : إن إيران تدافع عن وجودها بالقتال في سورية !! وحزب الله وحسن نصر الله ( نحن ندافع عن لبنان بالقتال في سورية ) ، تركية وحدها هي التي لم تدافع عن وجودها بالقتال في سورية ، ولذا وجب عليها اليوم أن تقاتل على الأرض التركية فقد وصلت النار إلى عقر الدار وقعرها.

بمبادرة جادة حقيقية منذ بين العامين 2011 – 2012 كان بإمكان القيادة التركية أن تغير المشهد في المنطقة وتداعياته . كان بإمكانها أن تحقن الكثير من الدماء وأن تلجم الكثير من النوازع ، وأن تضع حدا لكل هذه التدخلات والتماديات ، ولكن القيادة التركية فقدت روح المبادرة ، وفي المبادرة دائما حظ غير قليل من المغامرة ، رفضت القيادة التركية مع الأسف تحمل تبعاتها ، كما فعل الإيرانيون وحزب الله بل حتى الروس والأمريكيون ..

وكانت الخطيئة الثانية للقيادة التركية :

ثقة هذه القيادة الزائدة بالولايات المتحدة ، وبالناتو ، وقرارها المسبق البقاء تحت السقف الأممي والسقف الأمريكي بشكل خاص ، وعجزها عن استشراف النوايا الأمريكية المبيتة للتآمر على المنطقة ، بما فيه التآمر على تركية نفسها . واليوم وإذ تتكشف تركية أن الإدارة الأمريكية والناتو يستهدفونها صراحة كما يستهدفون شعب سورية وشعب العراق وكل شعوب المنطقة ، تدرك أنها وقعت في الفخ الذي وقع فيه من قبل الثور الأحمر ولات ساعة مندم .

تعقد الولايات المتحدة والناتو اليوم حلفا محليا مع أعداء تركية ( البي كيه كيه ) و( البي يه ده ) أوثق من حلفهم مع الحكومة التركية صاحبة القوة العسكرية الثانية في الناتو .

الولايات المتحدة اليوم وحلفاؤها السبعة يقاتلون متحالفين مع أعداء تركية ( الإرهابيين ) الذين يفجرون ، كل يوم في تركية ويسفكون دماء الشعب التركي . الولايات المتحدة وحلفاؤها يسلحون هؤلاء الإرهابيين ويدربونهم ويخططون لهم ، ويقودون تحركاتهم . لا أحد من أهل السياسة يشك أن ( حزب العمال الكردستاني ) بقيادة أوجلان بفرعيه التركي والسوري هو اليوم حليف أول ووحيد للولايات المتحدة على الأرضين السورية والتركية إذا استثنيا بالطبع حليفها الإيراني صاحب الامتياز الموازي لحليفها الصهيوني .

هذا التحالف الجديد والخطير هو ثمرة مباشرة للسياسات التركية على مدى السنوات الخمس الماضية ، السياسات التي نامت في الحضن الأمريكي طويلا ، أو بعبارة أكثر دقة التي لم تقاوم هذه السياسات بالطريقة الأمثل ، ولم تتمرد عليها في الوقت والأنسب .

والخطيئة الثالثة ...

ومع أن الولايات المتحدة ، وروسية ، استطاعتا خلال السنوات الخمس أن تصطفي ذراعا عسكريا بشريا تقاتل من خلاله من ورائه تحت عنوان ( قوات سورية الديمقراطية ) ، وهي في حقيقتها قوات عنصرية طائفية شيفونية معادية للأتراك وللسوريين على السواء ؛ نقول مع أن روسية والولايات المتحدة استطاعت أن تستنبت قوى وأن توجد شركاء وحلفاء ؛ عجزت القيادة التركية مع قرب الدار ، ووحدة المشرب ، وحميا العواطف ، وتقارب القلوب أن تصطفي قوة بشرية ، تتبناها وتغذيها وتنميها . الأمريكيون نجحوا والروس نجحوا وقاسم سليماني نجح ؛ ولكن القيادة التركية مع الأسف لم تنجح ....

ليس هناك فصيل سوري واحد يمكن أن يقال إنه فصيل معتمد من قبل تركية . الاستراتيجية التركية التي اعتمدت سياسة التعامل مع الكل خسرت عمليا الكل ، وكانت هذه إحدى الخطايا الكبرى...

نحن لا ننكر أن الحراك الشعبي العفوي في سورية ينقصه الكثير ، ليكون كفؤا لتحالف سياسي مع دولة في حجم تركية . ولكن كان بإمكان القيادة التركية أن تساعد قوى حقيقية ، وتعيد جمع قواها ، وتنظيم صفوفها وتوحيد قيادتها ، وتدريبها كما دربت الولايات المتحدة ، وتبنيها كما تبنت الولايات المتحدة ، وتقديم مستشار عسكري لها ، وتضع غرفة عمليات تقنية في خدمتها ، مثلما قدمت روسية و إيران للحكومة العراقية قاسم سليماني مستشارا وللحكومة السورية الشمخاني مستشار ...

بشار الأسد يزعم أن أردوغان يدعم جماعة الإخوان المسلمين في سورية وفي حلب بالذات وأنه سيخرجهم ويخرجه منها ...

وحين يسمع الإخوان المسلمون مثل هذا الكلام ينادون مع إخوانهم السوريين : ما لنا غيرك يا الله ...

قدر تركية بشعبها وقيادتها أن تكون ركيزة الأمة في هذه المرحلة التاريخية من تاريخ الأمة حيث تكالبت كل الأمم على دين هذه الأمة وشعوبها وهديتنا للقيادة التركية قول أبي الطيب المتنبي :

لولا المشقة ساد الناس كلهم ...الجود يفقر والإقدام قتال

وفي كل يوم نسمع عن مقتل جنرال إيراني على الأرض السورية ..لا نظنه جاء ليقرأ الفاتحة على المراقد المقدسة

حمى الله تركية من أعدائها وأيد قيادتها ، ووفقها للخير وسدد على طريق الحق خطاها ..

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

عندما تصبح واشنطن الخصم والحكم .. برهان غليون

العربي الجديد

الخميس 16/6/2016

بعد مرور أكثر من خمس سنوات على الثورة السورية والحرب الإقليمية والدولية التي اندلعت على هامشها، لم يعد هناك مهربٌ من أن تقوم المعارضة السورية بمراجعةٍ، أو بالأحرى بإعادة تقييم سياسات الدول الصديقة والعدوة. وهي مراجعةٌ لا بد منها، من أجل إعادة بلورة استراتيجية بديلة، تستجيب لما طرأ على سياسات الدول وخياراتها من تحولات. وتصبح المسألة أكثر أهميةً عندما يتعلق الأمر بتحولاتٍ تمس سياسة الولايات المتحدة الأميركية، وهي لا تزال الدولة الأكثر نفوذاً في المنطقة الشرق أوسطية. فجميع الدلائل تشير، منذ سنتين على الأقل، إلى أن واشنطن انتقلت من موقع الحليف والداعم للمعارضة السورية إلى موقف الطرف المتحفظ الذي لا يرى خياراً صائباً، لا في الحفاظ على النظام، ولا في دعم المعارضة. وبعد أن كانت تصر على رفض التدخل لقلب الحكم القائم في دمشق، أصبحت تجاهر بأنها لن تتدخل، حتى من أجل فرض حل سياسي أيضا.

وفي هذا السياق، عطلت جميع مشاريع تدريب (وتسليح) الفصائل السورية التي وعدت، منذ سنتين، بتشكيلها، وأظهرت حرصاً استثنائياً على العمل يداً بيد مع موسكو، بصرف النظر عن استمرار روسيا في الدفاع عن بقاء النظام السوري، وتقديم الدعم العسكري القوي له، كما صرفت النظر عن تدخلات المليشيات الإيرانية المتزايدة، ورفضت اتخاذ أي إجراءٍ يجبر الأسد على وقف القصف العشوائي للمدنيين، ومتابعة سياسات التهجير القسري، وتفجير أكبر أزمة إنسانية، شهدها القرن، مع استمرار عمليات القتل بالجملة، وتشريد الملايين، وتقويض مستقبل أجيال كاملة.

تتصرف واشنطن بوضوح، كما لو أن مصير سورية، ولا أقول مصير المعارضة والثورة، لا يعنيها كثيراً، وأن الأجندة الوحيدة التي تملكها اليوم في هذه البلاد هي أجندة الحرب على الإرهاب. لكن، من الواضح أيضاً، من مستوى مشاركتها الضعيفة في هذه الحرب، وتحالفها الوحيد مع قوات الحماية الكردية على الأرض، وتجنبها زج القوى العربية، أو مشاركتها فيها، أن هدفها من إعلان هذه الحرب ليس القضاء على الإرهاب، بمقدار ما هو التغطية على تخليها عن المشاركة في مواجهة تعقيدات المسألة السورية، ورفض الانخراط الجدّي في العمل على الحل الذي مازالت تعد به السوريين منذ سنوات، بعد أن عطلت رسمياً، بحرمانها المقاتلين من وسائل الحسم، أيَّ حل عسكري.

الترجمة العملية لهذا الموقف هي أن واشنطن، في ما عدا المشاركة في الحرب ضد داعش، والاستمرار في دعم قوات الحماية الكردية التي تطبق أجندتها في الحرب على الإرهاب، والعمل على تعزيز نفوذها الأمني والعسكري على الأرض السورية، لم تعد تتمسّك بأي التزاماتٍ أخرى، ولا تريد أن تضحّي من أجل الحفاظ على أي تحالفاتٍ سابقة، لا مع المعارضة السورية المعتدلة، كما كانت تسميها في مرحلةٍ سابقة، ولا مع الدول التي كانت تعتبرها حليفاً استراتيجياً لها، في الخليج وتركيا. منذ الآن، على كل طرفٍ أن يقلع شوكه بيده، الخليج تجاه إيران، وتركيا تجاه الأكراد، والفلسطينيون والعرب تجاه إسرائيل. أما ملف الصراع السوري السوري، ومن ورائه مصير الجيش الحر المرتبط به، فلم تعد معنيةً كثيراً به، وربما تنظر إليه على أنه من رواسب الصراعات الإقليمية والدولية في المنطقة، ولا يمكن البت فيه من دون التوصل إلى تفاهمٍ إقليمي لا يزال بعيد المنال.

 

مهما كان السبب وراء هذا الموقف، سواء أكان اعتقاد واشنطن بأنه لا توجد هناك إمكانية لحلٍّ

"تريد واشنطن قصر نشاطها على الدفاع عن مصالحها القومية الواضحة والمباشرة" سريع للصراع الذي أصبح متعدّد الأبعاد والرهانات، أم أن العمل على هذا الحل لا يخدم، في الظروف الراهنة، مصالحها القومية الأمنية والاستراتيجية، فالنتيجة واحدة. وهي أن واشنطن انتقلت من قائمة الدول التي تدعم المعارضة السورية العاملة على تغيير النظام السوري، في المدى المنظور، ووضع حدٍّ للمحرقة السورية، إلى قائمة الدول التي لا يعنيها مصير سورية والسوريين كثيراً اليوم، وتفضّل أن تنتظر تطورات الأحداث واتجاهاتها، قبل أن تتخذ الموقف النهائي من مسألة تقرير مصير سورية ونظامها، وأن تعيد رسم سياستها الإقليمية، وتحديد خياراتها في جميع القضايا المطروحة على بساط الحرب: قضية نظام الأسد والنظام البديل، بشكلٍ خاص، قضية الصراع الإقليمي الإيراني السعودي، قضية الصراع التركي الكردي، قضية الصراع العربي الإسرائيلي. وفي انتظار ذلك، ليس على السوريين سوى الانتظار تحت قصف البراميل المتفجرة وفجائع تجريب المعدات العسكرية الروسية الجديدة.

لا يعني هذا الموقف أن واشنطن انسحبت، أو أنها تسلم سورية لروسيا وايران، كما يعتقد بعضهم، ولا أنها تريد تجميد الأوضاع، كما هي لتكريس التقسيم، ولا التمديد في أجل القتال، وإنما تريد قصر نشاطها على الدفاع عن مصالحها القومية الواضحة والمباشرة، وتجنب القيام بأي مبادراتٍ خاصة، ما لم يتهدّد موقعها المتميز الذي يجعل منها، على الرغم من المظاهر، اللاعب الأول في إدارة الأزمة السورية متعدّدة الأبعاد، سواء من خلال تحكمها بإدارة غرفتي العمليات الشمالية والجنوبية التي تنظم تسليح قوات المعارضة المقاتلة وتمويلها، أو تفاهمها مع موسكو لتحييد الدول الأوروبية ودول الخليج، ومنع هؤلاء جميعاً من التشويش عليها على صعيد السياسة الدولية. ويدرك الأوروبيون والعرب أنه لا يمكن تغيير شيء في المعادلة القائمة، من دون موافقة واشنطن، وليس بإمكان أي منهم القيام بأي مبادرةٍ خارج ملف تخفيف المعاناة الإنسانية عن السوريين. كما يدرك الروس، أيضاً، أن تدخلهم في سورية لم يأت تحدّياً للولايات المتحدة، وإنما بالعكس انسجاماً مع الخيارات الأميركية، وفي إطارها، وهو يشكل جزءاً لا يتجزأ من هذه المعادلة التي عملت واشنطن على فرضها.

خيارات الرئيس الأميركي أوباما المعروفة في رفض التدخل في أي حربٍ أو مواجهةٍ خارج الولايات المتحدة، لعبت من دون شك دوراً رئيسياً في توجيه الأمور هذا الاتجاه. لكن، ساعد على تعزيزها والتمسك بها بشكل أكبر اكتشاف واشنطن، مع الوقت، عمق التناقضات التي تهز المنطقة وتقسم الأطراف المتنازعة السورية والإقليمية، وبالتالي، استحالة التوصل، في الظروف الراهنة، إلى تسوياتٍ سريعةٍ ومقبولة، لا في الصراع بين الأسد والمعارضة، ولا على جبهة الصراع بين المملكة العربية السعودية وإيران، وبين تركيا والمنظمات الكردية، وبين الفلسطينيين وإسرائيل.

ليس مهماً إن كان الوصول إلى هذا الموقف الذي يدخل المنطقة في نفقٍ أسود، هو النتيجة الطبيعية لخياراتٍ استراتيجية واعيةٍ، أم أنه ثمرة التحولات التي شهدتها الحرب السورية الطويلة وتعقيداتها، أو بسبب إدراك واشنطن لإخفاق سياساتها، بعد تردّد قادتها في دعم المعارضة، ورهانها على "العقلانية" الإيرانية المفترضة، بعد التوقيع على الاتفاقية المتعلقة بالملف النووي. المهم أن واشنطن تبدو غير مستعدة إطلاقاً لأن تبذل جهوداً من أجل إيجاد حل للنزاع الإيراني العربي، ولا للنزاع الشيعي السني المتفرع عنه، ولا التركي الكردي الذي انجرّ منه، ولا العربي الإسرائيلي، ولا الروسي الأوروبي الذي غذّته سياستها الأطلسية. وهي تسلم بالأمر الواقع، وتستسلم له، ولا ترى أي فائدةٍ في أي مبادرةٍ أميركية للتقريب بين وجهات نظر أطرافٍ تنكر بعضها بعضاً، وترفض الاعتراف بمصالحها المتباينة، بمقدار ما تراهن على قدرة الاستنزاف المتبادل في حربٍ مفتوحةٍ على دفع جميع القوى المتنازعة إلى اكتشاف حدود إمكاناتها بنفسها، والدخول برضاها في مفاوضاتٍ جديةٍ تفضي إلى تسوياتٍ مقبولةٍ ودائمة.

ومن الآن حتى يتحقق ذلك، تواجه المعارضة وحلفاؤها تحديات معضلة انخفاض الوزن، في مواجهة عواصف عاتية. وهذا يطرح عليها سؤالاً كبيراً يتعلق بماهية خياراتها والخيارات العربية والتركية البديلة أمام انسحاب واشنطن من التزاماتها حليفاً وداعماً رئيسياً. فكيف يمكن التحرّر من قبضة واشنطن التي تتحكم بمصير المعارضة المسلحة التي تشكل حصان الرهان الوحيد في مواجهة تغوّل القوى الإقليمية والدولية على البلاد وزعزعتها، وتحرم الجميع من منافستها على أخذ المبادرة السياسية، الإقليمية والدولية، التي تصر على الاحتفاظ بها كاملةً في يدها؟ ما الرد الممكن على المنع الرسمي للحسم العسكري والامتناع العملي للحل السياسي؟ وما الحل عندما تتخلى الولايات المتحدة عن حلفائها، وترفض، في الوقت نفسه، أن تقوم بمسؤولياتها الدولية في الحفاظ على السلام والأمن الدوليين، وفرض احترام القانون والحد الأدنى من العدالة، وهي القوة الأعظم في المنظومة الدولية؟ هذا هو التحدّي الأكبر والأخطر للثورة السورية وللمعارضة وحلفائها معاً.

======================

باسيل وترامب والأسد .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 16/6/2016

لم يخف تكتل الضابط السابق ميشال عون «للإصلاح والتغيير» امتعاضه الشديد من تدفق اللاجئين السوريين (السنّة) إلى لبنان ورأى فيهم «تهديداً لوجوده»، وحذر بشكل متكرر ومبالغ فيه من احتمال «توطينهم». واعتبر البعض ذلك وجهة نظر طرف سياسي لبناني، على رغم الخلفيات العنصرية والطائفية التي تشوبه. أما أن يقوم وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، صهر زعيم التكتل نفسه وممثله الرئيسي في الحكومة، بتحذير دولة أوروبية من الخطر الذي يشكله النازحون السوريون والعراقيون على «ثقافتها وصورتها»، فأمر يدخل في باب النفاق السياسي والأخلاقي.

تحذير باسيل خلال زيارته الحالية إلى هلسنكي من أن تؤدي الهجرة الجماعية إلى «زعزعة الأسس التي بني عليها الاتحاد الأوروبي كمجموعة من القيم وجماعة من الشعوب»، وأن «تهدد التنوع» في القارة العجوز و»تفتح الباب أمام الإرهابيين»، انعكس تعليقات ساخرة في الصحافة الفنلندية، علماً أن نظيره الوزير الفنلندي تيمو سويني الذي ينتمي إلى حزب معاد لأوروبا، كان أقل حماسة من باسيل بكثير في استعراض المخاطر على بلاده، وهو عضو في حكومة عرض رئيسها تقديم منزله الخاص لاستضافة لاجئين من الشرق الأوسط.

وتحت عنوان «وزير خارجية لبنان قلق على صورة فنلندا»، قالت صحيفة «فنلند توداي» أنه «على رغم المسافة الشاسعة التي تصل إلى 3200 كيلومتر بين البلدين، إلا أن وزيري خارجية لبنان وفنلندا لا يتقاسمان فقط المعتقدات الدينية (كلاهما كاثوليكي، وهذا تفصيل مهم في فنلندا التي ينتمي 78 في المئة من سكانها إلى الكنيسة اللوثرية)، بل توافقا أيضاً على الحاجة إلى وقف الهجرة الجماعية»، مضيفة أن باسيل «تساءل عما إذا كانت فنلندا ستستطيع الحفاظ على ثقافتها وصورتها التاريخية» بعد استقبالها نحو 35 ألف لاجئ، مع أن مساحتها تبلغ عشرات أضعاف مساحة لبنان، واقتصادها بين الأكثر ازدهاراً في أوروبا.

وكأن الوزير اللبناني، مع الفوارق الكبيرة والكثيرة، يستعير أفكار وتعابير المرشح الجمهوري الأخرق للرئاسة الأميركية دونالد ترامب الذي يرى في استقبال بضعة آلاف من اللاجئين السوريين تهديداً «إرهابياً» للولايات المتحدة، ويدعو إلى منع المسلمين من دخول بلاده وإلى بناء سور على الحدود مع المكسيك بسبب مخاطر الهجرة على «القيم الأميركية».

ولو دقق الفنلنديون قليلاً في المعلومات عن باسيل لوجدوا أن حماه (والد زوجته) عون، مؤسس الحركة التي ينتمي إليها، كان لاجئاً في فرنسا طوال 15 عاماً، وأن الذي هجّره إليها هو والد الرجل الذي يهجّر اليوم ملايين السوريين داخل بلدهم وإلى خارجه، بسبب خيار «الحل العسكري» الذي يتبناه ويؤيده فيه باسيل عندما يصرح بأن «الإرهاب» هو سبب موجة النزوح الهائلة من الشرق الأوسط وليس النظام المستبد في دمشق وحلفاؤه الروس والإيرانيين وتوابعهم.

تبدو تصريحات باسيل عن اللاجئين، سواء في لبنان أو الخارج، مفتعلة تتقصد النيل من ثورة الشعب السوري ومعاناته، وتحريفاً مقصوداً لحقيقة أن السوريين لم يكن لهم خيار في اضطرارهم إلى ترك بيوتهم وقراهم ومدنهم، والهرب من العنف والقتل الجمعي في بلدهم بسبب حاكم يرفض التغيير ويعتبر المطالبة به «خيانة وإرهاباً». ولا تخرج مواقف الوزير «البرتقالي» عن كونها مجرد تغطية بائسة لاستمرار بشار الأسد في تهجير المزيد من مواطنيه، بعد توعده الأخير ب «تحرير سورية كلها».

======================

خراب دورة الحياة السورية .. رستم محمود

الحياة

الخميس 16/6/2016

صحيح أن الكثير من الطائفية المُستترة عرفته الحياة العامة السورية، خصوصاً في السياسة ومؤسسات الدولة وعالم الأعمال، حيث كانت أهم أدوات الأسدية لحُكم البِلاد لعقود، ولإدارة أشكالٍ من التوازنات المعقولة بين الجماعات الأهلية.

لكن أيضاً كان ثمة ما هو مخالف تماماً لذلك في الحياة اليومية المُجتمعية السورية، مما تنامى بفضل ديناميات تنموية واجتماعية واقتصادية وتعليمية حدثت بكثافة خلال العقود الخمسة الأخيرة. فقد كانت سورية زاخرة بالكثير من أشكال «الاختلاط الديموغرافي» والتعايش والسلام الاجتماعي المعقول، وباتت جميع البيئات السورية ملونة بنسبٍ متفاوتة من السُكان والحساسيات. لقد بدأت تتبلور ثقافة اجتماعية مليئة بالشيفرات والرموز الثقافية واللغوية السورية الخاصة، لم يكن أقل منها تبلور طبقة سورية وسطى ما، وإن كانت مُنهكة اقتصادياً، لكن مئات الآلاف من السوريين الأعلى تعليماً كانوا يعتبرون أنفسهم سوريين مدنيين أولاً، عابرين للهويات المذهبية والدينية الجهوية.

لم يكن من خارج هذا الواقع تضخم الكثير من المُدن المركزية وتنوعها، فدمشق وحلب وحُمص واللاذقية غدت إلى حدٍ معقول «مُدنا متروبولية» بتشكيلاتها الاجتماعية. مثلاً، كان ثمة في مدينة حلب وحدها قُرابة نصف مليون كُردي سوري، وما يقارب مليون كُردي في دمشق، كانوا محملين بنزعة قومية كُردية، لكنهم لم يكونوا يستبطنون نزعات من الكراهية والعدوانية تجاه محيطهم الاجتماعي، وكانت مستويات التفاعل بينهم وبين المُحيط بالغة الثراء، وكذلك كان ثمة عشرات الآلاف من الكُرد السوريين في حُمص والساحل.

الأمر نفسهُ كان ينطبق على العلويين السوريين، الذين بفضل ديناميات الاقتصاد والامتيازات في مؤسسات الأمن والدولة، تركوا بيئتهم الجغرافية في الساحل واستقروا في جميع الجغرافيات السورية. فعشرات آلاف العائلات العلوية استقرت في مُدنٍ قصية من سورية، حيث بقيت لأكثر من أربعة عقود، حتى أصبح الكثير مُنهم بحُكم الواقع أجزاء من تلك البيئات. وهو أيضاً ما ينطبق على باقي الجماعات الأهلية.

كانت ديناميتا التعليم والاقتصاد الفردي قد ساعدتا على نمو الكيمياء الاجتماعية السورية وحيويتها. فالجامعات المركزية الحُكومية الخمس ضمت مئات آلاف الطلبة السوريين القادمين من كُل الأطراف، حيث سمح تطور المواصلات بتنقلهم السلس حتى بوتيرة أسبوعية، ما بين مناطقهم وهذه المُدن. وبسبب تمركز التنمية في تلك المُدن الخمس حيث الجامعات الحكومية، فالغالبية العُظمى من هؤلاء الطلبة الجامعيين استقروا في مناطق دراستهم، وغدت علاقتهم بأريافهم ومُدنهم الصغيرة أقل حيوية، وبالتالي أقل ولاء.

هذه الطبقة السورية من المُتعلمين نفسها، كانت قد فرزت الطبقة الوسطى السورية بكل تشوهاتها ومُشكلاتها الاقتصادية، كما فرزت مئات الآلاف من الشُبان السوريين المُنخرطين في شبكة الاقتصاد السوري المُعولم والاحتكاري، كشركات النفط والاتصالات والسيارات الخ... ولأسباب مُختلفة مُتعلقة بالولاء لنمط الحياة وشبكة العلاقات وضرورات العيش المُشترك في المُدن، كانوا الأقل طائفية وقومية، بل الأقل مُبالاة بالسياسة والأيديولوجيات عموماً.

شيء رديف لذلك تأسس بسبب طبيعة الاقتصاد. فسورية لم تكن دولة ريعية بالمعنى النفطي. فالريعية كانت فقط شكلاً من التضخم البيروقراطي والاستيعاب الوظيفي من قِبل السُلطة، أي شكلاً من البطالة المُقننة ليس إلا. لكن السوريين في عمومهم كانوا، في دورة الحياة الاقتصادية الحقيقية، يحيون في نمط من «اقتصاد الظل» والخدمات والتي تجاوزت نسبتها ثلاثة أرباع القيمة الكُلية للاقتصاد السوري. فشبكات التهريب والعمل في العُمران والنقل وتصدير العمالة الرخيصة إلى دول الجوار والعمل في بسطات البيع المُفرق والصناعات البسيطة والمتوسطة والصناعة لمصلحة الشركات العالمية، كانت جوهر الاقتصاد السوري. وهذا عنى أن سورية لم تعد دولة زراعية بالمعنى التقليدي، ولا حتى دولة ذات اقتصاد مركزي مُنقاد من الدولة، بل على العكس تماماً، رتّب السوريون حياتهم الاقتصادية وكأن الدولة غير موجودة تماماً، ولا تتكفل بأي شيء، بل مُجرد ثقل اقتصادي.

لقد تطلبت تلك الحياة الاقتصادية كثافة في الكيمياء الاجتماعية اليومية وتجاوز الكثير من خطابات الهوية. لكنها أيضاً كانت دافعاً لتبلور واستبطان الغُبن من قِبل ملايين السوريين، وأن هذه الكيمياء في دورة حياتهم اليومية يجب أن تدفهم إلى المزيد من الانتظام السياسي والثقافي والطبقي المُستقل عن السُلطة وهيمنتها على المُجتمع السوري. وهذا ما كان النِظام السوري يمنعه بكُل شكل، فيحطمه ويخلق ديناميات ومؤسسات لقمع أي مصدر له، وهو الشيء الجوهري الذي تسبب باندلاع الثورة ورسم الملامح الجوهرية للسياق الذي حكم تطورها.

فشيء مما كان قد قاله ماركس عن الرأسمالية التي تحمل خرابها في داخلها كان ينطبق على سورية ومجتمعها الحيوي. ذاك أن تلك الحيوية من دون حريات عامة أو اعتبار لمكانة البشر، تغدو لا شيئاً، بل عتبة على درب الخراب.

======================

محنة الشعب السوري .. د.خالص جلبي

الاتحاد

الاربعاء 15/6/2016

مع رمضان 2016 دخلت فرنسا على الخط في سوريا بإرسال قوات برية، ومن قبل سبقتها بريطانيا، أما الخبراء من إيران وروسيا فموجودون بطلب من الحكومة الرسمية المنتخبة من الشعب! فهل هي مؤشرات تفكك الدولة السورية وتوزيع الغنيمة؟ أم هي المخاض العسير للخروج من نفق الاستبداد إلى فضاء الحرية؟

اطلعت على دراسة تقول إن الثورات السلمية تنتهي في حدود سنتين ونصف، أما المسلحة فتستمر حوالي تسع سنين وبكلفة باهظة، كي تنتصر إرادة الشعوب في النهاية، لكن مع مخلفات قاسية بسبب وجود مَن اعتادوا على حمل السلاح، وحل مشاكلهم بالسلاح، مما يأخذ علاجه عدة سنوات لاحقة، فتلك هي ضريبة التسلح واعتماد القوة في تغيير الأوضاع.

رؤية بوتين وهو يستقبل نتنياهو في رمضان 1437ه بترحيب بالغ، تذكرني بالحديث النبوي: توشك الأمم أن تتداعى عليكم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها. قالوا يا رسول الله أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: لا، بل أنتم يومئذ كثير لكنكم غثاء كغثاء السيل؟ ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن. قالوا: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت.

المحنة ليست فقط في سوريا، بل هو تسونامي يتدفق في كل مفاصل العالم العربي، والكثير يحاول لجمه بدون فائدة، وفي سوريا سلط بشار الأسد كل آلته الحربية على المعارضة وظن أنه سحق الثورة، لكن الشدائد تفعل عكس ما يريد صاحبها، فشجرة الثورة كلما قلموها، ازدادت نماءً، وتطاولت أغصانها واخضرت أوراقها. سنة الله في خلقه وهلك المبطلون.

علينا رؤية الرصيد ليس في اقتتال الفصائل وتناحر القوى، بل القوة الروحية التي تتدفق في شرايين الأمة جراء ما يحدث، وسيخبرنا التاريخ بالحقيقة؛ فالكون لم يجر تركيبه عبثاً، ولم يخلق بالباطل، والزبد يذهب جفاء، وما ينفع الناس يمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال.

اعتبر المؤرخ البريطاني «توينبي» أن للمشقة فضائل، وأن الحضارات تنبعث ليس من ظروف الراحة والدعة؛ بل وسط التحدي، ورأى الفيلسوف الفرنسي «باسكال» أن الأفكار المبدعة تولد من رحم المعاناة، وقد توصل إلى اكتشاف المنحنى الهندسي في إحدى ليالي الألم والمرض الممض، وحاول البعض إراحة الدودة وهي تصارع سجف الشرنقة للخروج، فصعق عندما رآها تخرج مرتاحة بيسر وسهولة، لكنها فراشة لا تقوى على الطيران؛ فالتحدي والمعاناة هي التي تشكل عندها أجنحة تمنحها قدرة التحليق، وفي لحظات الانقلاب الجنيني وانهيار توازن الرحم الكامل لاستقبال الحياة، يولد الإنسان في كبد، عبر تقلصات الرحم وألم الأم.

وقد اعتبر عالم النفس البريطاني «هادفيلد» أن المحرض الرئيسي للإرادة هو «المثل الأعلى»، فهو يستنفر الطاقة لمستوى أعلى من حضورها العادي، واعتبر القرآن أن الابتلاء سنة لا محيص عنها لعباده الصالحين، كأداة صقل وتنظيف أخلاقي، واستنفار للطاقة، وصهر للجماعة في نار المحنة، وبذلك ستخرج سوريا من محنة «الربيع العربي» أصلب عوداً وستنتصر ثورتها من رحم المعاناة والدموع.

إن المحنة تشكل ضرورة في الحياة؛ فحتى يبقى السائق يقظاً لابد له من خضة بين الحين والآخر، ويصبح الفشل للجراح في بعض العمليات الجراحية درساً قاسياً لمراجعة الذات، وتدفع بعض الهزائم العسكرية لقائد محنك إلى إعادة حساباته دوماً في إدارة دفة الصراع، وتصبح الهزات الخطيرة أداة ممتازة لتنقية وتطهير الجماعة: «ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم».

المحنة ضرورية أحياناً، للفرد والجماعة؛ فالإنسان خلق في «كَبَد»، فهو لا ينضج ولا يتطهر دون دروس المعاناة.

======================

سورية بين الاستعصاء وإعادة تأهيل النظام .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاربعاء 15/6/2016

الوضع في سورية في حالة استعصاء، وهذا بات معروفاً، فلا النظام يستطيع القضاء على الثورة، على الرغم من كل ترسانة الأسلحة التي يمتلكها، والإسناد العسكري اللامحدود له (فوق السياسي والمالي) من روسيا وإيران والمليشيات التابعة لها. في المقابل، أيضاً، ما زالت الثورة لا تستطيع إسقاط النظام، على الرغم من كل معاناة السوريين وتضحياتهم وبطولاتهم.

وصلنا إلى هذا الوضع المؤسف، أولاً، بسبب بطش النظام، وانتهاجه سياسة الأرض المحروقة في مواجهة البيئات التي يعتبرها حاضنةً للثورة، ما نجم عنه إضعاف طابعها الشعبي، بعد تشريد الملايين، أو وضعهم تحت الحصار والقصف العشوائي الوحشي والمجنون، والتحول تالياً إلى الصراع المسلح مع كل ما يتبع ذلك من مخاطر وتبعات وارتهانات.

ثانياً، ضعف البيئة العربية المؤيدة، لاسيما بعد انتكاس الثورة المصرية، وتضارب إرادات الدول المؤيدة للثورة، والمداخلات المضرّة في شؤونها.

ثالثاً، عدم حسم المعسكر الدولي موقفه من ثورة السوريين، ووقوفه موقف المتفرّج إزاء حالة القتل المستمر التي ينتهجها النظام، ومعه، فيما بعد، القوات الحليفة له المشاركة في قصف السوريين.

لكن هذا القول، أي الحديث عن الظروف الموضوعية الصعبة، لا يعفي المعارضة من مسؤولياتها، فهي على الرغم من كل ما قامت به، وما تنوي أن تفعله لتطوير أوضاعها، مازالت بحاجة إلى توسيع إطاراتها لتشمل أوسع قطاع من السوريين المؤيدين للثورة، كما أنها بحاجة إلى تطوير أحوالها، وهيئاتها، ومد الجسور بينها وبين مجتمعات السوريين في الداخل، وفي الشتات، كما أنها بحاجة إلى استعادة خطابها الأول المتعلق بإسقاط النظام الاستبدادي، وإقامة دولة مدنية ديمقراطية، تكفل لجميع الأفراد من مواطنيها العيش بحريةٍ ومساواة، في نصوصٍ يتم تأكيدها في الدستور، وتكفل استعادة سورية دولة تعدّدية متنوعة.

 

بيد أن مشكلة السوريين لا تتحدّد بواقع المعارضة فقط، على أهميته، إذ باتت، منذ زمن تتحدّد بناء على المعطيات المحيطة، أو بناءً على صراعات القوى الدولية والإقليمية في سورية، وعلى سورية، وهذا يعني أن الوضع خرج من كونه صراعاً محلياً على السلطة، وأن القرار بشأن سورية بات بأيدي الخارج، أي لا النظام ولا المعارضة. وفي نقاشنا الوضع الدولي، أو البيئة الدولية، المحيطة بالوضع والثورة السوريين، يجدر لفت الانتباه إلى الجوانب الآتية:

 

1  ليس لدى القوى الدولية، ولاسيما الإدارة الأميركية، قرار الحسم بخصوص سورية، وهذا يفيد بأنها ستحافظ على "الستاتيكو" القائم، وفق صيغة لا غالب ولا مغلوب، لا المعارضة ولا النظام. وهذا يعني، أيضاً، أن الصراع سيدوم إلى حين وصول القوى الدولية إلى قرارٍ بشأن مستقبل سورية.

 

2  لا ينبغي أن نستنتج مما ذكرناه أن القوى الدولية (خصوصاً الولايات المتحدة) تشتغل على

"الحديث عن الظروف الموضوعية الصعبة لا يعفي المعارضة من مسؤولياتها" إعادة تأهيل النظام، فهذا غير صحيح، ولا ينبغي الوقوع في فخ هذه المقولة التي يروجها النظام وحلفاؤه، فما يجري لا علاقة له بذلك، بقدر ما له علاقة بترتيب الأوضاع في سورية، بما يتناسب مع القوى الدولية الفاعلة. ونحن نتحدّث، هنا، عن الولايات المتحدة بشكل خاص وبعدها روسيا.

3  واضح أن الولايات المتحدة، في إدارتها الوضع السوري، اشتغلت على توريط كل الأطراف من روسيا وإيران وتركيا والسعودية في هذا الصراع. في حين تقف هي في موقع الحكم والمتفرج، أي أنها بحكم قدرتها، تقف في مكان موزّع التناقضات، وموزع الغنائم، من موقعها في إدارة الوضع ومكانتها قوة مقرّرة، مع ملاحظتنا أنها تفعل ذلك بأقل أثمان ممكنة.

4  على هذا الأساس، يبدو أن المصلحة الأميركية في الوضع السوري تتمثل بالحفاظ على بيئة استراتيجية آمنة لإسرائيل، عقوداً، وهذا يشمل عدم قيام وضعٍ يمكن أن يهدّدها للمستقبل، من العراق إلى سورية، ما يفسر السكوت الأميركي أو اللامبالاة إزاء ما يجري في سورية والعراق منذ سنوات، وضمنه تفكك عرى الدولة والمجتمع في هذين البلدين الأساسيين في المشرق العربي.

أخلص من ذلك كله إلى القول إن هذا الوضع يفترض أن يأخذنا إلى اتجاهين. أولهما، إعادة بناء أوضاعنا الذاتية، بما في ذلك توسيع إطار الائتلاف (فلنفعل ذلك بأنفسنا، قبل أن يفرضه أحد علينا، أي لننفتح على الأطراف الأخرى والشخصيات ذات المصداقية التي تقف مع موقفنا السياسي، بما يتعلق بإنهاء النظام الاستبدادي الحالي وبناء نظام جديد). كما يفترض ذلك منا تطوير خطابنا السياسي، بالتأكيد على مقاصد ثورتنا الأساسية، وهي تغيير النظام، وإقامة دولة ديمقراطية مدنية، دولة مواطنين متساوين وأحرار، من دون أن ندخل في جدالاتٍ عقيمةٍ مع هذه الجهة أو تلك، فهذه هي هوية ثورتنا السورية العظيمة والنبيلة. أما ثاني الاتجاهين، فيتمثل بضرورة الانفتاح على مجتمعات السوريين في الداخل والخارج، وإقامة هيئاتٍ تمثيليةٍ تنبثق من مؤتمراتٍ عامة، وهذا وضع ينبغي الاشتغال عليه، على أسسٍ وطنية، وليس على أسسٍ حزبية، ولتكن هذه تجربتنا الديمقراطية لسورية المستقبل، بعيداً عن العصبيات والأنانيات الحزبية والمناطقية.

======================

مخرز الدم السوري.. وعين إسرائيل .. د. يحيى العريضي

كلنا شركاء

الاربعاء 15/6/2016

     كَتَبْتُ يوماً؛ واستغرَبَ ذلك كثيرون، إن الولايات المتحدة الأمريكية كانت ستضطر محرَجةً لاستخدام الفيتو لحماية “نظام الأسد” لو لم تقم روسيا بوتين بفعل ذلك؛ وأزيد اليوم أن أمريكا – لو لم يتدخل بوتين عسكرياً في أيلول 2015 لإنقاذ “النظام” من الاندحار والانهيار – لكانت تدخلت من أجل هذا الغرض بالذات؛ فبشار الأسد كما قِيل- على ذمة الناقل- لم يغب عن أنظار الأمريكان أكثر من ساعة؛ حيث قال مَن نقل إنه غاب مرة ربع ساعة فتسبب ذلك باستنفارات في مكان ما. قيل أيضاً إن اسرائيل لا يمكنها أن تتدخل مباشرة للقيام بعملية الانقاذ إياها ، فلا هي تمتلك حق النقض في مجلس الأمن ، ولأن تدخلها عسكرياً أمر خارج ما تسمح به قواعد اللعبة.

       عاش هذا النظام لعقود تحت يافطة “مقاومة وممانعة اسرائيل”. لقد جرَّ حزب حسن نصر الله بالمعية ونمّاه بتبعية إيران تحت اليافطة إياها.

بعد زيارة نتنياهو الأخيرة إلى موسكو وبعد تجلي تلك العلاقات الحميمة مع بوتين ، مقاومة وممانعة نظام الأسد وحسن نصر الله باتت في وضع غاية في الحرج. إن هم عادوا إلى دفاتر الزيف التي عاشوا على سطورها لعقود في “مقاومة وممانعة” إسرائيل، فإنهم يخاطرون بخسارة حامي الحمى ، بوتين ، وإن سلمّوا بهذه العلاقة بين من يقاوموه ومن يحميهم ، فهذا سقوط لآخر ورقة توت تخفي عورتهم التاريخية. ثم يأتي إهداء بوتين لنتنياهو تلك الدبابة التي غنمتها سورية في معركة السلطان يعقوب مع إسرائيل عام ثمانين صفعةً في وجه من احترفوا الكذب والتزوير. 

في زيارته القادمة لموسكو لا بد للسيد نتنياهو من هدية أخرى ، وفي تلك المرة ، لا بد أن تكون الهدية رفاة الجاسوس كوهين. الرفاة التي لن يتجرأ حتى الاسرائيليون على المطالبة بها ترقد في القرداحة ، تلك الرفاة التي لا تزال تحكم سورية من قبرها. وربما تكون أكثر رمزية من رفاة كوهين ذاتها. ومع مرور الزمن ستتكشف أكثر فأكثر أهمية تلك الرفاة القرداحية.

      إن أهم ما فعلته ثورة أهل سورية هو نسف أكاذيب عمرها عقود. ومؤخراً، غياب أي ذكر لفلسطين. وعدم التطرق للجولان وإسرائيل ، في خطاب رأس النظام أمام مجلس المهرجين المصفقين يعني شيئاً واحداً وهو النأي بالنفس عن أرضٍ سوريةٍ احتلتها إسرائيل عام 1967، ويعني أنها كانت ثمناً لاستمرار النظام ومن ثم توريثه؛ وما كان يوماً بوارد استرجاعها؛ والآن لا يريد تطويبها علنياً لإسرائيل، خصوصاً بعد أن عقد نتنياهو جلسةً لمجلس وزرائه على أرضها ، وخصوصاً بعد انكشاف عمق العلاقة الروسية الإسرائيلية ، وخصوصاً بعد هدية بوتن لنتنياهو. كل ذلك جعل الأسد يتصور أنه وقع صك تنازل غير معلن عن الجولان مقابل استمراره في السلطة.

       عندما يكون تدمير سورية مطمحاً إسرائيلياً- إن انتهى هذا النظام الذي حمى حدودها الشمالية لعقود- ألا يمكن للمرء أن يقرأ لماذا دمر هذا النظام سورية. لقد اعتقد هذا النظام أن تدميره لسورية هو بوليصة التأمين على بقائه بحكم أن هذا الهدف إسرائيلي ، وبرضاها عن فعلته يمكنها أن تبقيه على قيد الحياة ، وهذا ما كان له ، ومن هنا امتداد المأساة السورية.

       يبقى هذا الأمر منافياً لكل ما هو طبيعي. الطبيعي بقاء الشعب لا السلطة المتحكمة بأمره؛ وهنا تكمن ليس مأساة هذا النظام، بل مأساة إسرائيل ذاتها ، فهي إن جنت الكثير على المدى القريب إلا أنها ستحصد نتائج إجرامه وإجرامها في آن معاً ، ويَرجعُ الفضل في كشف ذلك وإثباته ، للدم السوري الطاهر.

أرضُ سورية ، كل سورية ، شرفُ وطن ، لا يحق لفرد كائناً من كان ، أن يتنازل عنه ، وعلى عكس ما يعتقد بشار الأسد ، إن خطوةً كهذه ستسرع برحيله عبر انكشاف وقح ونذل ولا وطني غير مسبوق ، ومن يعش ، يرى.

======================

هل الشمال السوري برسم الإبادة؟ .. محمود عثمان

 ترك برس

الاربعاء 15/6/2016

قوات مشتركة من نظام الأسد وقوات الاحتلال الروسي ارتكبت مجزرة جديدة في مدينة إدلب وريفها، يوم الأحد الماضي، حيث قضى أكثر من أربعين شخصا، بينهم أسرٌ بأكملها، جراء غارات شنها الطيران الحربي الروسي – الأسدي على مدينتي إدلب ومعرّة النعمان، استهدفت إحداها سوقا شعبية مكتظة بالمتسوقين في شهر رمضان المبارك. وفي هذا السياق، أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن ضربات جوية نفذتها طائرات حربية روسية أسفرت عن مقتل أكثر من 34 شخصًا في مدينة إدلب، مضيفًا أن بين المناطق التي أصيبت سوقًا شعبية، وأن 5 أطفال على الأقل سقطوا بين القتلى.

من المفارقات العجيبة – وما أكثرها في سورية – أن الغارات على إدلب جاءت بعد ساعات من إعلان تمديد “هدنة القرى الأربع” بين فصيل مقاتل معارض وبين الإيرانيين، شملت مناطق في ريف إدلب والزبداني، ما طرح تساؤلات عن حقيقة التنسيق أو الاختلاف بين موسكو وطهران!.

بعد البراميل المتفجرة والقنابل العنقودية، والألغام البحرية، استخدم النظام في حلب لأول مرة منذ بدء الثورة السورية “الخراطيم المتفجرة”، وهو سلاح جديد تفتقت عنه عقلية الروس، فأنتجت سلاحا أكثر فتكًا بالمدنيين، وأقل كلفة، وأوسع دمارًا، ليضيفوا إلى سجلاتهم الحافلة براءة اختراع لآلة قتل جديدة، وتحوي تلك الخراطيم شديدة الاتفجار والتي يبلغ طول كل واحد منها حوالي 100 متر، مواد متفجرة كالسيفور وTNT، إضافة إلى صواعق وخرداوات تتحول إلى شظايا قاتلة عند الانفجار.

وقد ورد في تقرير المرصد السوري لحقوق الإنسان “لا يزال القصف المكثف والهستيري متواصلًا على أحياء مدينة حلب لليوم الثاني والخمسين، ما تسبب بدمار كبير في ممتلكات مواطنين ومرافق عامة ومشافي، وإصابة أكثر من 2800 شخص بجروح، فيما ارتفع إلى 577 مدنيًا بينهم 122 طفلًا دون سن ال18، و86 مواطنة عدد الشهداء الذين تمكن المرصد من توثيقهم “.

وأوضح المرصد أن بين القتلى “264 شهيدًا بينهم 38 طفلًا و26 مواطنة استشهدوا جراء مئات الضربات الجوية التي نفذتها الطائرات الحربية على جميع مناطق وأحياء حلب الحرة و«244 مدنيًا بينهم 55 طفلاً جراء سقوط مئات القذائف محلية الصنع والقذائف الصاروخية وأسطوانات الغاز المتفجرة على أماكن سيطرة قوات النظام و13 مواطنًا بينهم 6 أطفال جراء قصف للفصائل الإسلامية والمقاتلة على مناطق في حي الشيخ مقصود ذي الغالبية الكردية والذي تسيطر عليه وحدات حماية الشعب الكردي بمدينة حلب.

من ناحية أخرى هناك واقع مرير يعيشه النازحون في المخيمات داخل سورية، خاصة في شمالها، في ظل تدفق عشرات الآلاف منهم في الأشهر الأخيرة، وتكدسهم عند المعابر الحدودية مع تركيا ومخيماتها.

حملتا نزوح رئيسيتان شهدهما ريف حلب الشمالي منذ مطلع العام الحالي، تزامنت الأولى مع هجوم قوات “سوريا الديمقراطية”، مدعومةً بغطاء جوي روسي، على بلدات وقرى ريف حلب الشمالي، سيطرت خلالها على عدة قرى منها منغ، عين الدقنة، كفرنايا، ثم تل رفعت في 15 شباط/ فبراير الماضي، ما تسبب بحركة نزوح كبيرة لأهالي هذه البلدات.

ورافق هجوم “سوريا الديمقراطية” هجومٌ مماثلٌ لقوات الأسد على الريف الشمالي، مطلع شباط الماضي، دعمه قصف روسي مكثف جدًا، أسفر عن نزوح مئات العائلات من بلدات عندان، وحريتان، وبيانون، ومعرستة الخان، وحردتنين، وحيان، كما تعرض الريف الشمالي لهجوم من قبل تنظيم داعش، في نيسان/ أبريل الماضي، أدى إلى سيطرة التنظيم على قرى حور كلس وبريغدة ومخيمات إكدة والحرمين وغيرها، في 14 نيسان الماضي، وقام التنظيم بإشعال الحرائق في المخيمات، قبل أن تستعيد فصائل الجيش الحر السيطرة عليها مجددًا.

هذا الهجوم تسبب بنزوح عشرات الآلاف من سكان المخيمات والقرى باتجاه المخيمات المجاورة لباب السلامة والأراضي الزراعية.

الحكومة التركية أغلقت شريطها الحدودي أمام الراغبين بدخول أراضيها، مما دعا منظمة العفو الدولية ومؤسسات حقوقية للمطالبة بفتح الحدود أمام الهاربين من المعارك.

“ما في بيت” حملة أطلقها المكتب الإعلامي لقوى الثورة السورية، بهدف تسليط الضوء على النازحين في الداخل السوري، وجذب الانتباه العربي والدولي لمعاناة السوريين، الذين تركوا منازلهم بسبب القصف المتواصل، وانتقلوا للعيش في مخيمات تفتقر لأبسط مقومات الحياة.

ووفقًا لأسامة حدبة، عضو المكتب الإعلامي لقوى الثورة السورية، فإن اختيار اسم “ما في بيت”، جاء “تجسيدًا لأوضاع السوريين، الذين أصبحوا بلا وطن ولا مأوى، بسبب الأسد وحلفائه، وداعش، وروسيا وإيران”، لافتًا إلى تفاعل العديد من القنوات الفضائية والشبكات الإعلامية الثورية مع الحملة.

وأشار حدبة إلى أن عدد النازحين في جميع أنحاء الداخل السوري بلغ ستة ملايين و600 ألف نازح، فيما بلغ عدد نازحي ريف حلب الشمالي في الأشهر الأخيرة 148.216 ألف نازح، بحسب إحصائيات الحملة.

ويصف نزار نجار، نائب مدير مخيم باب السلامة، حال المخيمات الرئيسية في الريف الشمالي، بالمتردي ولا سيما أوضاع الكهرباء والمياه والصرف الصحي، مشيرًا إلى أن بعضها يتألف من “كارفانات” كمخيم سجو والريان، في حين ما يزال البعض الآخر يقتصر على الخيام فقط.

ويضيف “أسوأ المخيمات الرئيسية هو باب السلامة لقِدمه، فعمره ثلاث سنوات، وخيامه أتلفت بفعل تبدلات الطقس، ولم تعد تقي من الحر والبرد، ما اضطر الناس لجلب العوازل والحرامات وتعليقها لتأمين الوقاية”.

يضم الشريط الشمالي الحدودي مع تركيا تسعة مخيمات رئيسية، منها مخيم باب السلامة، وسجو، والريان، والشهداء، وإكدة، والمقاومة، وغيرها، ويبلغ عدد النازحين فيها قرابة 80 ألف نازح، وفقًا لنزار نجار، نائب مدير مخيم باب السلامة.

أما المخيمات العشوائية، فهي تمتد على أراضٍ زراعية من جبل برصايا المطل على عفرين والجانب التركي، وباتجاه مخيم باب السلامة، بعمق حوالي كيلومترين بين المخيم واعزاز، وصولًا إلى مخيم إكدة.

تمكنت فصائل “الجيش الحرط من فك الحصار عن مدينة مارع في الثامن من حزيران/ يونيو الجاري، بعد استعادة السيطرة على عدة قرى في الريف الشمالي، إثر انسحاب تنظيم داعش منها.

التطور الأخير وإن بعث الأمل بعودة النازحين من مدينة مارع وما حولها إلى بيوتهم، لكن لا أحد يتوقع عودة آنية للنازحين، بسبب المفخخات والألغام التي تركها هذا التنظيم الإرهابي.

ومع تصاعد الهجمات الجوية المتكررة على مدينة إدلب، بدأ قاطنوها بالنزوح إلى القرى المجاورة، بعدما أضحت المدينة حقل تجارب للطائرات الروسية، كباقي أجزاء سورية.

في نفس اليوم الذي اتجهت فيه الأنظار نحو مجزرة إدلب، ارتكبت المقاتلات الحربية الروسية، فجر الأحد، مجزرة في قرية قباسين بريف حلب الشرقي، راح ضحيتها ثمانية مدنيين، جراء قصف الطيران الحربي بالصواريخ الفراغية سوقًا شعبيًا وسط القرية.

كما قصف الطيران الروسي بالقنابل العنقودية الأحياء السكنية في مدينة الباب بريف حلب الشرقي، مما تسبب بمقتل وجرح عدد من المدنيين، بينهم أطفال.

في الوقت الذي دخلت فيه عملية التفاوض بين النظام والمعارضة برعاية أمريكية وروسية نفقا مظلمًا، تحاول قوات العدوان الثلاثي: الروسي الأسدي الإيراني، السيطرة على حلب بأكملها، بهدف القضاء على أي أمل في انجاح الجهود الدبلوماسية الرامية لوقف إطلاق النار.

وبينما بلغ النزاع السوري عامه السادس، لا يزال الوضع الإنساني في سورية يعتبر وفق اللجنة الدولية للصليب الاحمر، الأزمة الإنسانية الأشد خطرًا وتعقيدًا في العالم.

======================

خطوط أردوغان الحمراء .. ميسرة بكور

القدس العربي

الثلاثاء 14/6/2016

الطيب أردوغان، ما لنا نرى خطوطك الحمراء تتبعثر وتتبدد على خريطة الجغرافية السورية، وتُداس بأقدام ميليشيا الأسد تارة وجماعات صالح مسلم تارة أخرى، وتتحول إلى كلام في الهواء أوسحابة صيف قد تظلل لكنها دوما لا تمطر.

الطيب أردوغان، الشعب التركي العظيم. لا يغفلها إلا ناكر جَاحِد لِلْمَعْرُوفِ مواقفكم الطيبة ومشاعركم الجياشة تجاه الشعب السوري وثورته العظيمة التي ستغير مسار المنطقة بعد انتصارها إن شاء الله، نقول لكم شُكراً لا انقضاءَ له على استضافة ملايين السوريين من أشقائكم المستضعفين في الأرض.

منذ بدء الثورة السورية المباركة كانت للحكومة التركية بزعامة الطيب أردوغان مواقف متميزة ومتقدمة لجهة دعم نضال الشعب السوري وتطلعاته إلى الانعتاق من نير عبودية الرئيس الملهم خليفة القائد الخالد ومنظومته التي أحرقت الحرث وأهلكت النسل وما زالت متمسكة بكرسي الحكم كما يتمسك المخرج السوري بسام الملا بسلسلته الموسوعية «باب الحارة» رغم أنه اصبح باهتاً ومدعاة للسخرية في تفاصيل فصوله الثمانية.

وعلى الرغم من هذه المواقف الطيبة لحكومة رئيس الوزراء أردوغان التي استمرت في عهد خليفته السيد داوود أوغلوفي ظلال رئاسة الطيب أردوغان للجمهورية التركية، إلا أن هذا الدعم تحول لظاهرة صوتية تتناقلها وسائل الإعلام يومًا أوبعض يوم ثم لا تلبث أن تختفي، ولم يرتقِ هذا الدعم لطموحات الشعب السوري في «الحزم «، ولم يزل هذا الدعم الإعلامي والإغاثي مستمر، ترتفع وتيرته الخطابية السياسية دون إجراءات على أرض الواقع تدعم الأقوال الأفعال.

السيد أردوغان، إن الخطب العصماء على المنابر وفي أروقة المنتديات لا تعيد الحق المغتصبَ، ولوكان الشعر والصراخ بصوت عالٍ ينفع أحداً لكان نفع «المتنبي» الذي باتت كلماته أمثال تتناقلها الأجيال، إلا أن لم تسعفه بلاغته ولا سحر بيانه، طول حياته بأن يكون حاكماً لقرية صغيرة في منطقة نائية.

أتفهم ويتفهم الجميع حقيقة الضغوطات وحجم المؤامرات التي يحيكها الحائكون، ومن حالفهم من فقاعات الشعوبيين الانفصاليين، ضد الجمهورية التركية، الهادفة لكبح جماح حكومة العدالة والتنمية ويقعدون لها على كل صعيد ويناهضونها في كل مستوى، خاصة في مجال المشاريع العملاقة والتنمية المستدامة، وعرقلة خطواتكم الرامية لأن تصبح تركيا واحدة من أكبر عشرة اقتصادات العالم.

إلا أن الوقت يمضي مسرعاً ويتسرب من بين يدي حكومتكم العتيدة، كما تسرّب الغرابيلُ الماءَ، والسبب تردد حكومتكم وعدم قيامها باتخاذ قرار حازم رداً على تلكؤ المجتمع الدولي في نصرة الشعب السوري، ووضع حداً لشلال الدماء المهرقة بمئات الآلاف في طول سوريا وعرضها، وعدم تمسككم الصلب بخطوطكم الحمراء الكثيرة المتراكمة دون فعل جدي ومصالح تركيا القومية مهددة اليوم كما مهدد الشعب السوري وسوريا كلها وتركيا لن تكون بمنأى عما يحدث في سوريا شئنا أم أبينا، وفي كثير من الأمور العالقة التي تحتاج سرعة التحرك وفرض سياسة الأمر الواقع، وعدم انتظار أفعال الآخرين ليكون للترك ردة فعل لحظية لا تثمن ولا تغني من جوع، حتى تطاول على تركيا من لا يستطع الدفع عن نفسه «حماية الشعب الكردي».

يطرح المراقب للمشهد التركي المختلط بشلال دماء السوريين المهراقة جنوب تركيا، فإلى متى هذا التردود، فهل تراهنون على انتهاء ولاية أوباما؟، لا تمعن التفكير وتطيل النظر فلا تراهن على ذلك ياعزيزي كلهم شركاء، والوقت يسير لصالح العصابات الكُردية، المدعومة أمريكياً وغربياً ومن كل قوى الشر العالمية والمحلية لتكون خنجراً مسموماً في خاصرتكم وخاصرتنا السورية، هاهي ميليشيا الشعوبيين الانفصاليين ممن ينتسبون للكُرد. تدوس آخر خطوطكم الحمراء غير عابئةُ بضجيج تصعيدكم الخطابي الذي تحول لصراخ في غرفة مغلقة.

أتفهم ويتفهم الجميع أن يكون شخص في موقع القيادة وأن يكون مصير ومستقبل شعب متوقف على قرار قد يغير مسيرته وربما مستقبله، ونتفهم بعمق كل الضغوطات والاعتبارات المترتبة على تدخلكم المباشر في سوريا، ولكن ما لا أستطيع تفهمه ولا أتمكن من هضمه أنكم مازلتم تثقون بوعد الأمريكي ومن خلفه الغرب الأوروبي الذين خذلوكم في كل موقع وتخلوا عنكم في كل نزال ومنذ ثلاثين عاما يلعبون معكم لعبة العصا والجزرة.

ورغم ما قدمتموه لهم من قرابين الوعود الديمقراطية وحقوق الإنسان مازالوا يرفضون تقبلكم في الاتحاد الأوروبي، ولن يقبلوكم مهما قدمتم من تنازلات، ولن يقبلوا باضافة أكثر من ستين مليون مشرقي مسلم إلى أوروبا، وتحملتم عنهم بكل صبر سيل اللاجئين الجامح الذي كاد يطيح بالاتحاد الأوروبي، ولم يفوا لكم بأي عهد للحكومة التركية العتيدة.

هل سيأتي يوم تضربون به كفا على كف وتبكون الفرص الضائعة التي كان من شأنها تخفيض الخسائر على أقل تقدير، ولا نقول حفظ الدماء لأننا نؤمن بأن الأعمار بيد الله.

نحن هنا ومن خلال سطور هذا المقال، لا ندعوكم لخوض حرب بالنيابة عن الشعب السوري، ولا ندعوكم للاصطدام مع الروس، وما يعني ذلك من خراب ودمار يحل بكم لا قدر الله.

لكن اللا سلم واللا حرب هذه ليست في صالح الجمهورية التركية، ولا تصب في صالح دعم الشعب السوري وثورته الماجدة، أعتقد وبكل حزم أنه آن الأوان كي تعملوا بالمثل المصري القائل «اقطع عرق وسيح دم»، ويكفي استنزاف الطاقات وهدر الوقت في أحاديث السياسة التي لن تقدم شيئًا.

هاهي جماعة صالح مسلم «حماية الشعب « تشق طريقها نحودولتها «المزعومة» لا تلفت لكل ما تقولونه أوتدلون به من تصريحات ويفرضون سياسة الأمر الواقع، وعبروا الفرات وأعينهم ترقب وصل الحسكة ب»عفرين» ما بعد غرب الفرات وقلوبهم تنشد إلى الساحل السوري، وبالتالي فإن تحقيق ما تم تسريبه عن مخطط أمريكي لنقل نفط شمال العراق وربما إيران عبر الاقليم «الكُردي» المزعوم الأمر الذي من شأنه ضرب مصالحكم الاستراتيجية وفصل بلاد الترك عن العرب وليصبح هذا الأقليم «إسرائيل «جديدة لكن ليس في فلسطين من أرض الشام، بل جنوب تركيا ليتنامى معه الشعور القومي الخافت عند بعض الأخوة الكًرد الذين مازلوا يحتفظون في ذاكرتهم ووجدانهم بشيء من الانتماء لأوطانهم الحالية.

دوما هناك وسائل سرية يمكنكم استخدامها لتقديم ما نحتاجه لايقاف المقتلة السورية وحماية سوريا وتركيا من مستقبل لا نحسد عليه بل سيكون دمارا شاملا لنا جميعا.

لتبقى نظرية «ابوتمام» حقيقة. لمن كان له قلب يبصر به الحقائق.

السيف أصدق أنباءً من الكتب

في حده الحد بين الجد واللعب

بيض الصفائح لا سود الصحائف في

متونهن جلاء الشك والريب

سطور هذا المقال لا تعني بحال من الأحوال الانتقاص من قدر أحد، ولا جلدا للذات أوبكاء على اللبن المسكوب، بل الحديث بصوت مرتفع بما يتداوله الكثير من الناس في مجالسهم ومنتدياتهم.

======================

عودة الجغرافيا في الصراع السوري .. غازي دحمان

العربي الجديد

الثلاثاء 14/6/2016

يتبلور الصراع في سورية، يوماً بعد آخر، صراعاً جغرافياً خالصاً، وتكاد الأبعاد الأخرى تتحوّل إلى مجرد أدواتٍ تخدم البعد الجغرافي، فعلى الرغم من كل ادعاءات أطرافٍ كثيرة عن وحدة سورية الإقليمية، أو الحفاظ عليها موحّدةً ضمن نسقٍ سياسيٍّ، إقليمي ودولي، فإن ذلك لا يعدو أن يكون أداةً تفاوضية تكتيكية، من أجل تعزيز المواقف الهادفة أصلاً إلى كسب مزيدٍ من الجغرافية المفيدة والنافعة.

وتكتشف أطراف الصراع، وخصوصاً نظام الأسد والأطراف الداعمة له، وعبر التجربة العملية، أن ما كانت تعتبره سورية المفيدة لا يمكن أن تكتمل فائدته إلا إذا أضيفت إليه الأقاليم الأخرى، ذلك أن كل إقليم يتمتع بمزايا اقتصادية وطبيعة استراتيجية تجعل السيطرة عليه أمراً لازماً، تهون أمامه التكاليف البشرية والمادية، بالإضافة إلى الحاجة الأمنية التي تفرضها طبيعة التداخل الجغرافي، وقرب المناطق من بعضها، وصعوبة الفصل بينها.

ينطبق الأمر نفسه على أطراف الصراع الإقليمية والدولية التي تنخرط في الصراع السوري، حيث تشكّل الجغرافية عنصراً مقرّراً وشارطاً لبلورة النفوذ وتظهيره في الحيز السوري والغلاف الإقليمي المحيط به، بل أكثر من ذلك، تصبح الجغرافيا العامل الذي يرسم حدود السيطرة وحجم النفوذ، ومن دونه تبقى تلك المسائل معلّقة وضبابية، وذات قابلية للتأويل والتفسير.

 

يتّضح مدى أهمية السيطرة الجغرافية من خلال التكتيكات التي تمارسها أطراف الصراع في توظيف المفاوضات عنصراً مساعداً على كسب المساحة الأكبر من الإقليم، ويتبدّى ذلك الأمر جلياً من خلال إصرار روسيا وإيران على شرعية نظام الأسد ومؤسساته، بما يمنحها حق الولاية القانونية على كامل الجغرافية السورية، وبما يحوّل الوضع الجغرافي والسياسي للأطراف الأخرى إلى وضعٍ مؤقتٍ وشاذ، ويتوجب تسويته ضمن المفاوضات، وليس ترسيخه وضعاً نهائياً، أو خطوط تماس دائمة لأطراف متصارعة.

"في ظل احتدام الصراع الجيوسياسي العالمي، من بحر الصين إلى أوروبا الشرقية، حيث تتحوّل سورية إلى مختبر لقوة الأطراف وإنعكاس لمدى إراداتها السياسية في الصراع"

تجسّد حلب، اليوم، هذا النمط الصراعي، وإذ تشكل أولويةً في الصراع بالنسبة للمحور الذي تقوده روسيا، فلأنها تعتبر المساحة الجغرافية التي تتداخل مع التأثير الإقليمي التركي، بما له من ارتباطاتٍ مع مجال التأثير لحلف الناتو، واحتمال وقوع هذه المنطقة ضمن فعالياته، وخصوصاً في حال اضطرار الحلف إلى تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الحلف الأساسي الذي يمنح حق المساعدة للأعضاء، في حال تعرّضها للمخاطر، ويحصل ذلك في وقت جرى تسكين جبهة الجنوب، عبر تسوياتٍ إقليمية ودولية، انخرط فيها الروس مع الطرف الأردني، وبالتفاهم مع الجانب الإسرائيلي وموافقة نظام الأسد وداعميه، إيران وحزب الله، وعلى الرغم من حساسية هذه الجبهة القريبة من العاصمة دمشق، إلا أن الصياغة التي اعتمدتها روسيا للتسويات، وراعت من خلالها الحساسيات السياسية والتوازنات بين الأطراف كافة، كانت قادرةً على ضبط الصراع وإدارته بطريقة مختلفة، كان من نتيجتها تأجيل البت في وضعية هذه المناطق، إلى حين الانتهاء من ترتيباتٍ أخرى.

لا شك أن استخدام المعيار الإستراتيجي في تقييم المناطق الجغرافية حوّل الجبهات الداخلية، غوطة دمشق وأرياف حمص وحماة، إلى صراعاتٍ محليةٍ، لا تبذل الأطراف الإقليمية والدولية كامل طاقتها في الصراع فيها، وجعل أمر تشغيلها مرتبطاً، بدرجة كبيرة، بمدى تأثيرها في الصراع الإستراتيجي، المتمثل بمجال صدام القوى الدولية والإقليمية، حيث تتحوّل تلك الجبهات إلى روافد للضغط والتأثير في مجرى الصراع الكلي، ذلك أن جملة المكاسب التكتيكية على تلك الجبهات يُصار إلى توظيفها في السياق العام للصراع، لكنها ليست كافيةً لحسم الصراع، أو تغيير موازين القوى، و ما يعزّز هذا التحليل حقيقة أن أطراف الصراع زجّت بقوات نخبتها، والجزء الكبير من دعمها المناطق المعتبرة استراتيجية وحاسمة، وخصوصاً جبهة حلب.

في ظل هذا الاحتدام، ثمّة سؤال يطرح نفسه حول موقع أميركا في خريطة الاشتباك، خصوصاً أن جميع أطراف الصراع، المحور الذي تقوده روسيا، والمحور المؤيد للثورة السورية، توجّه أصابع الإتهام لإدارة الرئيس باراك أوباما، إما بسبب ما تراه من لبس وغموض في مواقفها، أو لما يعتبره بعضهم تراجعاً لمصلحة موسكو وطهران في سورية، لكن تفحّص سلوك واشنطن العملياتي يوضح، بدرجةٍ كبيرة، إنخراطها في لعبة الصراع الجغرافي، وهو ما تكشفه بيانات دعمها بالأسلحة لما تعتبره أدواتها على الأرض (قوات سورية الديمقراطية، وبعض فصائل المعارضة السورية)، وكذا زيادة أعداد مستشاريها وخبرائها العسكريين، وفوق ذلك فرضها خطوطاً حمر، وخصوصاً في حلب، على أساسها جرى ضبط التحرك الروسي، ومنعه من الذهاب بعيداً إلى الحد الذي يغيّر موازين القوى نهائياً، وهو ما تحاول إيران ونظام الأسد التملص منه، لكن ضعف قوتهما يمنعانهما من ترجمة هذه الرغبة عملياً.

على ذلك، تعيد الجغرافيا صياغة الصراع السوري من جديد، وتمنحه المحفّزات الكافية لتجديد طاقة محركاته، بعد أن سقطت السياسة، بوصفها المحرّك الأساس له. صحيح أن البعد الجيوسياسي شكّل، في السنوات السابقة، أهم عناصر الصراع في سورية وعليها، لكنه، في لحظاتٍ كثيرة، بدا متخفّفاً من حمولة الجغرافية، وبدا أن ميل بعض الأطراف يتجه إلى الاكتفاء والانكفاء بمقادير جغرافية محدّدة، تناسب طاقاتها، وتوفر عليها مزيداً من الجهد والتكاليف. وعلى هذا الأساس، أعلن بشار الأسد تخليه عن بعض المساحات الجغرافية للدفاع عن مساحاتٍ أخرى، وكانت إيران قد روّجت سورية المفيدة، فيما طرحت روسيا فكرة الفيدرالية. والواقع أن ذلك كله تغيّر في ظل احتدام الصراع الجيوسياسي العالمي، من بحر الصين إلى أوروبا الشرقية، حيث تتحوّل سورية إلى مختبر لقوة الأطراف وإنعكاس لمدى إراداتها السياسية في الصراع.

======================

كفى رقصا على جثث السوريين .. بشار عمر الجوباسي

القدس العربي

الاثنين 13/6/2016

بعد كل مجزرة يرتكبها نظام الأسد الإرهابي أو حليفه الإرهابي الروسي يصبح لدى الفضائيات مادة جديدة إضافية.

قناتا «فرانس 24» و«بي بي سي» ذكرتا هذه المرة أن الطائرات الروسية هي من قامت بمجزرة إدلب الأخيرة ولكن لم تستطيعا إلا أن تبررا إجرامها و إرهابها ذاك بحديثهما عن أن المدينة تقع تحت سيطرة جيش الفتح الذي يضم جبهة النصرة و كأن ذلك يبرر قصف وقتل الأطفال والمدنيين.

ربما هناك من يقول أن الفضائيات تنقل معاناة السوريين وتسعى الى ايصالها، وكنت لفترة أتفق مع هذا الرأي ولكن لمن تنقل هذه المعاناة؟ هل تنقلها إلى السوريين في المخيمات أو بلدان اللجوء ممن يمزقهم البحث عن لقمة العيش أم الى العرب أم إلى المسلمين على اختلاف ظروفهم ومعاناتهم وحتى تخاذلهم أيضا أم إلى عالم جرب سابقا بالكثير مما يماثل ما يحدث في سوريا فوقف مع الجاني ضد الضحية كما يحدث الآن في سوريا، لا يهم أن أشاهد والملايين من أمثالي المجازر اليومية التي يقترفها نظام الأسد وحلفاؤه بدم بارد بحق السوريين إذا كنا لا نملك أن نفعل لها شيئا.

رفع اردوغان شعار رابعه خلال احتفاله بذكرى فتح القسطنطينية هذا أكثر ما تم تداوله على شبكات التواصل الاجتماعي، مع كل التضامن والتقدير لثوار ومعتقلي وشهداء مصر لكن احذروا فقد تعهد نفس الرجل في بدايات الثورة السورية بعدم السماح بتكرار مجازر حماة وحمص التي اقترفها الهالك حافظ الأسد لكن للأسف لم يستطع أن يفعل شيئا تجاه المجازر اليومية التي يقترفها الابن الذي لم يكن سر أبيه بل فاقه إجراما وإرهابا، حتى إدانة تركيا لمجزرة إدلب الأخيرة ومطالبتها المجتمع الدولي لأخذ موقف تجاه روسيا كانت متزامنة مع طلب تركي بإعادة العلاقات التركية الروسية إلى ما كانت عليه قبل إسقاط تركيا للطائرة الروسية التي ربما ندموا كثيرا على اسقاطها؛ يبرهن على ذلك اعتقال تركيا لمواطنها الذي قتل الإرهابي الروسي قائد تلك الطائرة.

لا أحد يملك أن ينكر على أي دولة أن تسعى وراء مصالحها ولكن ينبغي أن لا يكون ذلك على حساب استمرار المحرقة في سوريا التي تعجز الكلمات عن وصفها فمن أجل أهداف اقتصادية أو حتى في سبيل حماية مناصب بعض زعماء المنطقة وإبقاء الحرب بعيدا عن مضاربهم يضحى بشعب بأكمله.

ما أبلغ وصف كلمات مارتن لوثر كينغ لما يشابه هذا التخاذل بقوله: لست محاسبا على ما تقول أنت أيضا محاسب على ما لم تقل حين كان لابد أن تقول.

أكلت حين أكل الثور الأبيض عبارة لا شك أن السياسيين يعرفونها جيدا ولكن لم يستفيدوا منها ويصرون على عدم الاستفادة منها ربما حتى يلقوا مصير ذلك الثور نفسه. إخراج صدام من الكويت وضع حكام الخليج أمام مصيرهم الحالي وكان نذير شؤم بإطلاق يد إيران في المنطقة كما هي الآن ولكن إلى الآن لما يتعظ أحد فما يقترف في سوريا لم يكن ليتخيله أكثر السوداويين تشاؤما ولكنه لم يحدث فقط بل ويزداد الأمر سوءا.

وهذا ما ليست أية دولة في المنطقة ببعيدة عنه، بل لا ريب أنه سيتكرر في كل دول المنطقة ولو بعد حين وهذا الحين ليس بالبعيد.

أمام الأمريكيين حوالي العقدين ستكون أسعار النفط فيها رخيصة نسبيا كما الآن؛ يسعون خلالها لإعادة تقسيم منطقة الشرق والخليج العربي وترتيب المنطقة حيث سيتبقى القسم الأكبر من إحتياطي النفط العالمي سهل الإستخراج ومنخفض التكاليف بعد أن ينفد خلال هذه الفترة النفط في الكثير من الدول وكذلك سينتهي النفط الصخري الأمريكي ذو العمر القصير جدا، ترغب الولايات المتحدة بإعادة ترتيب المنطقة على نحو جديد يتوافق مع مصالحها وهذا ما تستغل في سبيله السكين الطائفية إضافة لورقة الدولة الكردية وهي القومية الوحيدة التي لم تمنحها سايكس بيكو دولة، حيث يشكل غلاة الاكراد والإيرانيون رأس حربة المشروع الأمريكي لتقسيم المنطقة من جديد.

ففي سوريا يسعى النظام لكسب الوقت ويهجر ويحاصر عددا من المناطق ويفرغها يوما بعد يوم من سكانها السنة، كما تدور الحرب في مناطق السنة لتبقى مناطق العلويين خارج دائرة الدمار ولكن هل كان سيستمر نظام الأسد إلى الآن لو نقلت الحرب إلى مناطق العلويين؛ الجميع يعي أنه لن يسقط إلا في مناطق أنصاره لكن أقصى ما يفعله من يدعي مناصرة الثورة السورية هو التنديد بارهاب نظام الأسد وقد أصبح ذلك التنديد ترفا لا يحظى به الشهداء السوريون عقب كل مجزرة.

أين هي الخطة الأمريكية «ب» في حال فشل مفاوضات جنيف وقد فشلت. و أين هي الطائرات والقوات السعودية التي تقاطرت إلى تركيا بالتزامن مع بدء أولى جولات تلك المفاوضات؟ يستطيع أي أحد إضرام النار ولكنه قد لا يتمكن من إطفائها وقد تحرقه، فحريق بحجم هذا الذي يستعر في سوريا والعراق وما يخفي الرماد المصري من نيران لا يغيب عن أحد تزايد إضطرامها يوما بعد يوم ينبئ بمستقبل غير سار لأعداء الأمة، تحتم قدومه حركة التاريخ لا محالة و الله غالب على أمره لكن أكثر الناس لا يعلمون.

٭ كاتب سوري

======================

خونة الثورة.. بنادق للإيجار بالأمس للأميركيين واليوم للروس .. د. أحمد موفق زيدان

ترك برس

الاثنين 13/6/2016

العنوان العريض للثورة السورية اليوم هو الاحتلال الروسي والإيراني، وتحت هذا العنوان العريض المهم ينبغي فهم ديناميكيات الداخل والخارج، وتحته ينبغي أن تُقيم المواقف الداخلية والخارجية، وتحته أيضاً ينبغي محاكمة التاريخ والمستقبل، فالحقيقة الواضحة الجلية الآن التي يسعى البعض إلى التعمية عليها هي أن سوريا محتلة ومسلوبة القرار، وإدراك ذلك وترجمته عمليًا على الأرض سيُوحد الشعب السوري ويُمتّن جبهته الداخلية، كون العدو المحتل واضحًا ولا يتناطح في كبشين ولا يتناقش فيه إثنان، فلا يمكن لغاز ومحتل يرتكب أبشع الجرائم بحق البشرية في سوريا من خلال التعدي على السيادة وقتل الأطفال وتدمير البنى التحتية بشكل يومي، لا يمكن أن يكون صانع سلام، يتسابق إليه البعض لخطب وده والتعاون معه، وتقديمه كضامن وراع لمفاوضات وصفت بالسلام كذبا وزورا وبهتانًا.

التاريخ لن يرحم والشعب السوري يدرك أن من حمل بندقية إيجار للدفاع عن الأميركيين، سيحملها لحماية مصالح الروس أيضًا، فالأجير همه في آخر اليوم من يدفع له مالًا، والعبد لا يهمه من يكون سيده، شرقيًا كان أو غربيًا، وللأسف بعض الشخصيات والجهات لم تر حتى الآن ما حل بالثورة السورية يوم تعاونت ونسقت مع الموك في الجبهة الجنوبية فكان حصادها جموداً كاملا وقتلا لثورة حوران، أملًا منهم في قتل الثورة السورية بشكل عام، وبإذن الله لن تتحقق أحلامهم الخبيثة.

اليوم نسمع عن وسطاء وسماسرة مأجورين يقومون بشراء ذمم وولاءات قادة وتنظيمات قدمت نفسها على أنها ثورية في البداية فكشف الله حقيقتها وجوهرها، وتناقلت الأخبار والتقارير حتى الغربية منها عن الوسيط السمسار لؤي حسين العلوي وهو يقوم بدور السمسار بين الروس وبين فصائل غدت  بنادق للإيجار، ولكن الشعب السوري الذي أحبط كل المؤامرات الأسدية والصفوية والغربية لقادر بإذن الله على إحباط هذه المؤامرة، وستدفعه أيضًا إلى الالتفاف أكثر فأكثر حول الثوار الحقيقيين الذين يضحون ولا يزالون بدمهم، ويسطرون أروع الأمثلة في الفداء والإباء والرجولة والإقدام، إن كان في ريف حلب الجنوبي، أو في داريا والساحل وحمص وغيرهم.

وبموازاة تحرك روسيا المحتلة لشراء ذمم فصائل عسكرية رخيصة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة والذي قوبل بالرفض الواضح من قبل السواد الأعظم من الثوار، تحركت روسيا باتجاه عبيد الساسة السورية، ممن لفظهم حتى العصابة الأسدية المجرمة، فلم يتبق لهم فيها مقعدا، فاشترتهم في قاعدة حميميم لتقدمهم كمعارضة مزيفة ومزورة.

وتهدف روسيا المحتلة من وراء هذه التحركات إلى جمع هذه الفصائل المجرمة التي باعت دينها ودنياها من أجل قتال الدواعش وجبهة النصرة، وبالتالي ستوفر على العصابة الطائفية قتال جبهة النصرة التي فتكت بها في كل منطقة وكل واقعة، ولعل هذا ما دفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مخاطبة الغرب بالقول إذا لم يكن لديكم مشكلة مع الاتحاد الديمقراطي الكردي في قتاله لداعش فتحالفتم معه فلم لا تتعاملون مع جبهة النصرة التي تقاتل داعش بأصلب منه.

لكن الأهم من ذلك كله هو الدور التركي الغائب في توحيد الفصائل الشامية، والدور الغائب في لجم كل من تسول له  نفسه العبث بالأمن السوري أو التركي من هذه الفصائل التي غدت فصائل للإيجار تبيع كل شيء من أجل مصالحها الفردية والشخصية، وعلى تركيا أن تضع لهم حدًا، فليس من المنطق والعقل أن يعيشوا على أرض تركيا ويتآمروا عليها، بينما يُحرم أحباب تركيا من السوريين في الخارج  من تأشيرات دخولها لرؤية أحبابهم وأقاربهم.

======================

تفاقم أوجاع السوريين في شهر رمضان .. أكرم البني

الحياة

الاحد 12-6-2016

...والبداية، تنامي توجس السوريين ومخاوفهم من تصاعد العنف في هذا الشهر الفضيل، وهم الذين خبروا أن شهر رمضان لم يمر عادياً في مسار الصراع السوري، بل حمل في كل عام مزيداً من الفتك والتنكيل، ويدركون أنهم من سيدفع ثمن تجميد مفاوضات جنيف وانهيار هدنة وقف الأعمال العدائية.

«هي صرخة في واد، فمن يسمع ومن يستجيب؟!»، كلمات تطلق بأشكال مختلفة من بعض السوريين كتعليق على دعوة الائتلاف المعارض ومن ثم الأمين العام للأمم المتحدة، إلى وقف العنف طيلة شهر رمضان، ويضيف هؤلاء أن هذه الدعوات تكررت قبل كل رمضان ولم تجد آذاناً صاغية، ليس فقط لأن أصحابها لا يملكون قوة مؤثرة على الأرض ويفتقدون الدعم والمساندة الدوليين، وإنما أساساً لأن الأطراف المعنية بتنفيذها لا تزال تتغنى بمنطق المكاسرة والغلبة ولا يرضيها، مهما حصل من خراب أو أريق من الدماء، سوى الحسم العسكري وسحق الآخر.

وفي مقابل دأب الجماعات الجهادية والمعارضة الإسلامية المسلحة على استثمار شعائر شهر رمضان وطقوسه الجمعية كي تعزز الحشد والتعبئة وتصعد هجماتها، ثابر النظام على توسيع عملياته الأمنية والعسكرية وتشديدها في الشهر الفضيل، كمحاولة استباقية، لقطع الطريق على مرامي تلك الجماعات! فمن ينسى الحملة الواسعة التي تعرضت لها مدينة حماة في رمضان 2011 ودمرت صورة لا تنسى للجموع المحتشدة سلمياً في ساحة العاصي، ثم التصعيد المتبادل للصراع الدموي في درعا وحمص والأرياف الدمشقية في شهور رمضان خلال السنوات المنصرمة؟! أولا يصح إدراج ما نشهده اليوم من تتابع العمليات الحربية في أرياف حلب وإدلب والرقة في الخانة ذاتها، وقراءته كمحاولة من جانب السلطة وحلفائها لاستعادة بعض النقاط المفصلية التي تؤهلهم للتعاطي من موقع القوة مع المبادرات السياسية، وإظهار عجز المعارضة عن إحداث تبدل نوعي في موازين القوى؟!.

عن أي رمضان نتحدث؟! سؤال يعترضك من أحدهم ساخراً من التذكير بطقوس وتقاليد هذا الشهر المبارك. ويستدرك قائلاً، شهر رمضان الذي نعرفه انتهى، لم يعد من مكان لرمضان الاحتفالات والمباهج، أمام رمضان يكتظ بالضحايا والدمار والتشرد والعوز الشديد! ويسأل آخر، كيف يحتفى برمضان وقلوب مئات ألوف السوريين يعتصرهم ألم ممض على ضحاياهم وقد غيبتها الأنقاض، ومثلهم من لا يزالون يبحثون عن أبنائهم المعتقلين أو المفقودين، وقد خاب أملهم من تحريك هذا الملف الإنساني؟! وكيف نعيش رمضان حين يتصاعد العنف من كل حدب وصوب، والبلاد تستباح وتغدو ميداناً لتصفية الحسابات الإقليمة والدولية، أو حين ترتفع الرايات السود، منذرة بتسعير حروب طائفية طاحنة لا أفق لها، وتتنامى المعارك الدموية بين الكتائب الإسلاموية في سعي كل منها إلى السيطرة على مناطق الأخرى، من دون اعتبار لمصالح الناس وحيواتهم؟! وكيف يبتهج برمضان والحصار لا يترك لقمة لجائع كي يسد رمقه، بينما بات نصف السوريين بلا أمل ولا مأوى، إما في مخيمات اللجوء، وإما يعانون الآمرين في بلاد الغربة، وإما هاربين نزوحاً داخلياً إلى أماكن أقل عنفاً ويكابدون حالة قهر وفقر شديدين بعد أن فقدوا كل ما يملكون أو يدخرون؟!.

وما يزيد المشهد قتامة وقهراً ظواهر مقصودة تصطنع الفرح وتبالغ في إظهار سعادتها بحلول الشهر المبارك، بالموائد الرمضانية العامرة بالأطباق والحلوى الشهية، من دون اكتراث بما وصلت إليه أوضاعنا، أو بالحالة المعيشية والإنسانية المريعة لأخوة لهم في الوطن، يفترشون زوايا الطرقات لحظة الإفطار لتتقاسم ما استجدوه من طعام، يكابدون الحصار والجوع وغياب الحد الأدنى من الحاجات المعيشية، من القصف اليومي والعشوائي وما يخلفه من ضحايا ودمار، ومن استبداد إسلاموي لا يردعه رادع في إرهاب البشر وإرغامهم على اتباع نمطه في الحياة.

ويفاقم الصورة المأساوية تزايد خشية المواطنين مع حلول الشهر الكريم من تفشي غلاء فاحش لا ضابط له، من ازدياد جشع التجار، من ارتفاع أسعار السلع الأساسية وصعوبة حصولهم عليهم، من تراجع شديد في قدرتهم الشرائية، ربطاً بالتدهور المتواتر وغير المسبوق لليرة السورية أمام الدولار وغيره من العملات الأجنبية، الأمر الذي لا يفقد المواطنين الفقراء القدرة على اقتناء الحد الأدنى من متطلبات الإفطار الرمضاني، وإنما طاول فئات متوسطة بدأت مدخراتها تنفد، وأيضاً صغار التجار، وقد باتت رؤوس أموالهم البسيطة تتآكل، نتيجة بيع سلعهم بسعر لا يمكّنهم، مع الاستمرار في تراجع قيمة الليرة، من إعادة اقتنائها.

يعيش السوريون رمضان هذا العام وهم يزدادون تحسراً على ما حل بحيواتهم، والأمر لا يتعلق فقط بفظاعة الفتك والتدمير والتردي المريع في الأمن وشروط الحياة، أو بالتشوهات والانقسامات التي تفعل فعلها في المجتمع، فتذكي العصبيات المذهبية والطائفية، وتشجع روح التنابذ والنزاع والانشطار إلى هويات ممزقة وإلى صراعات من طبيعة إقصائية تترك أثاراً خطيرة في وحدة البلاد والدولة والشعب، وإنما أساساً ببقاء جرحهم مفتوحاً من دون اهتمام جدي بأحوالهم وما يكابدونه. ففي الوقت الذي تعترف به الأمم المتحدة بأن ما يحصل في سورية هو من أكبر الكوارث التي واجهتها خلال تاريخها، يبدو المجتمع الدولي عاجزاً حتى اللحظة عن وقف العنف وحقن الدماء، فكيف بفرض حل سياسي عادل ينصف السوريين ويلبي حقوقهم!.

«كفى، أما آن لهذه المأساة أن تنتهي»، هو رجاء البشر في هذا الشهر الفضيل، هي صرخة اعتراض الموجوعين على استمرار العنف المفرط أياً تكن الدوافع والمسوغات، وعلى هذا الاستهتار البغيض بأرواحهم وممتلكاتهم ومستقبلهم، هي صرخة استغاثة لتخفيف أوجاعهم الإنسانية، والأهم لكسر عناد الأطراف المتصارعة وأنانيتها، كي ترضخ أخيراً وتقتنع بأن طريق العنف عبثية ومسدودة وأنها باتت عنواناً فقط، لمزيد من التفكك والألم والضحايا والخراب.

======================

بين الاستنزاف والاستهداف والتآمر .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 12-6-2016

إنّ الذي يراقب المشهد في سوريا والعراق ولبنان واليمن، تفجؤه ثلاث وقائع: الاستنزاف الذي يفرضه المتطرفون على الناس والسلطات. والاستهداف الذي يقوم به الإيرانيون للعرب والمسلمين، ثم التدبير العجيب الذي يرتفع أحياناً لدرجة التآمر من جانب القوى الدولية، وبخاصة روسيا والولايات المتحدة.

أما المتطرفون فيفرضون حالة من النزيف الديني والسياسي منذ أكثر من عقد. فقد أحدثوا انشقاقات في الدين، بالتكفير والقتل والاضطهاد، كما أحدثوا انشقاقات وفوضى في الدول بالميليشيات المسلحة القاتلة. وهم لهم اختراقات وعلاقات بالعاملين على استهدافنا من الإيرانيين والمتأيرنين. فعندما هاجم الأميركيون أفغانستان لطرد «القاعدة» وإسقاط «طالبان»، هربت نصف قيادات «القاعدة» إلى إيران، وما تزال هناك. ولديهم وصية من بن لادن بعدم التعرض لإيران. ولا يختلف الأمر لدى «داعش» وإن يكن شأنه أكثر غموضاً، وذلك بين النظام السوري وإيران وتركيا. والذي يراقب مجريات الأسابيع الأخيرة فقط في شمال سوريا يشهد العجب العجاب، بين انسحاب أمام النظام والأكراد، وشراسة في مواجهة المتمردين الآخرين!

بيد أن الحديث عن الاختراقات ووجوه التبعية، لا ينبغي لكل ذلك أن يُلهينا عن الداء الأصلي، وهو أنّ هؤلاء «الجهاديين» إنما يقتلون الإنسان ويدمّرون العمران، ولا يمكن الوصول معهم إلى أي تنازل، لأن في ذلك إخلالاً بالدين واستغناءً عن الدولة ووظائفها. ويتبين ذلك في العراق وسوريا وليبيا، إذ ماذا يفعل هؤلاء في سِرتَ وغيرها؟! ولماذا أعمال التخريب على المواطنين والتسبُّب في طردهم من ديارهم؟

ويأتي الاستهداف الإيراني واضحاً وضوح الشمس، للعرب السنة بالتحديد. وهؤلاء لا يخفون ذلك، بل ويقولون إنهم جندوا مائتي ألف من أهالي البلدان الأصليين الأبرياء، ليشتغلوا على تدمير الدول والمجتمعات. أما الحكمة من وراء ذلك فلا شيء غير الكراهية للعرب، وإشاعة الخراب داخل المجتمعات عن طريق وعي التفرقة بين الشيعي والسني. وما يحصل الآن في سوريا والعراق لا يُدحَضُ على ذلك. فالميليشيات الإيرانية والمتأيرنة تقتل وتُهجّر في سوريا والعراق واليمن ولبنان. وقد قالوا عندما تدخلوا في سوريا إنهم ذاهبون لحماية قبور آل البيت من التكفيريين، وها هم يقولون الآن إنهم يحمون بشار الأسد بسبب انتمائه لمحور المقاومة الذي ترعاه إيران. أما في العراق فهم يُشيدون بالحشد الشعبي ويقودونه في عمليات القتل والتهجير. والعجيب الغريب أيضاً أنّ هذا هو كل تدبيرهم لحماية مصالحهم بالعراق، وقد كان بوسعهم المساعدة في إقامة دولة قوية وعادلة وإنسانية، فيكون ذلك شهادةً لهم أمام العالم، بدلاً من نهب ثروات العراق، وتكريه الناس بهم جميعاً.

والعجيب الغريب أنّ الدول الكبرى، مثل روسيا والولايات المتحدة، تستخدم إيران مخلب قط في الأماكن التي لا تريد تكثيف وجودها على الأرض فيها، وهذا ظاهر في سوريا، وإلى حد ما في العراق. وإلى جانب التنسيق مع إيران، فإن الطرفين الأميركي والروسي يتوددان للأكراد بحجة استخدامهم ضد «داعش»، وبذلك ينقسم كل بلد إلى ثلاثة أو أربعة كيانات. أما لبنان فينوء تحت عبء ووطأة الآلة العسكرية ل«حزب الله»، وما فُرض على نظامه من فساد واستئثار.

وإلى جانب إيران (وإلى حد ما تركيا)، يقف الأميركيون والروس يتأملون وقائع هذا المشهد المُخزي، ويضيفون لمسة «فنية» هنا أو مشهداً مؤثراً هناك! فلا أحد يدري لماذا هذه المذابح في سوريا حتى ولو كان يراد معاقبة المتطرفين أو إبقاء الأسد(؟)، وأين يذهب هؤلاء الذين ما تزال القوات السورية والكردية والإيرانية تطاردهم من مكانٍ إلى آخر، تلفظهم المخيمات ثم تلفظهم البحار. ولا يفعل الدوليون شيئاً لنجدتهم.

لقد اجتمعت على العرب ثلاث قوى، الأولى ناجمة عن صعود التيار الأصولي في عصر الضعف والاستضعاف العربي، ثم جاءت إيران لتستفيد من الضعف والشرذمة، وجاء الدوليون ليتشاركوا مع الإيرانيين والإسرائيليين والأتراك في محاصرة واستنزاف العرب.

والذي يحاوله الخليجيون لصَون ما يمكن صَونه من تغول هذه القوى الثلاث هو الأمل الباقي، بعد نفاد الثورة والثوار.

======================

استعادة النظام العربي .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 12-6-2016

من غير المعقول أن نتحدّث اليوم عن وجود شيء اسمه "النظام العربي"، بينما يقتل منذ أكثر من خمسة أعوام شعبٌ لا شك في عروبة أغلبية من ينتمون إليه، من دون أن تفعل جامعة الدول العربية شيئاً لوقف المجازر التي يتعرّض لها، أو تبذل الدول العربية أيَّ جهدٍ مستقل ومباشر لإنقاذه، ليس من باب الحرص عليه، بل لتأكيد صحة ما يدّعيه بعضها، ولا يصدّقه حتى بسطاء العرب، حول وجود نظام عربي يغطي المجال الذي كان يسمى ذات يوم "قومياً"، وينظم علاقات حكوماته ببعضها ومع شعوبها. هل يصح القول بوجود نظام عربي، إذا كان الشعب السوري يُباد بيد حكومته، ودولتين أجنبيتين (روسيا وإيران) من دون أي رد فعلٍ يتناسب وما يحدث، وكانت إحدى هاتين الدولتين، عنيت دولة ملالي طهران، تؤكد تصميمها على تقويض وجود العرب السياسي برمته، بالعمل على إلحاق بلدانهم بها، وإخضاعها لمصالحها وخياراتها، بينما غزت روسيا بوتين سورية في ظل صمت "قومي" مريب، واحتلتها بالتنسيق مع إسرائيل، بحجة إنقاذ الأسد ونظامه الذي دأب على إطلاق تهديداتٍ خطيرة ضد النظام العربي، وأعلن مراتٍ عديدة تصميمه على إزالته من الوجود.

بدأ انهيار النظام العربي في يونيو/ حزيران من عام 1967، عندما احتلت إسرائيل أراضي أربع دول عربية، مصر وسورية والأردن وفلسطين، ونجحت في إفراغ العالم العربي من أي قطب مركزيٍّ يمكن أن يتمحور حوله، ودفع قيادتي مصر وسورية إلى تبديل علاقاتها بصورة جذرية مع تل أبيب وواشنطن، صاحبتا مخطط ضرب القوة العربية، وأي جهةٍ لديها من القدرات الذاتية ما يتيح لها الإمساك بمنطقتها: قلب العالم الاستراتيجي الذي بقي احتلاله مطمح القوى الإمبراطورية على مر التاريخ .

واليوم، يتظاهر انهيار النظام العربي، عبر تدمير ركني المشرق العربي، العراق وسورية، الذي بدأ باحتلال بغداد عام 2003، واكتمل خلال الأعوام الخمسة الماضية بقوة قرار اتّخذه نظام الأسد بتدمير سورية، لاعتقاده أن تحقيق هذه الأمنية الإسرائيلية سيحميه أميركياً من السقوط. لا عجب أن نتائج الانهيار كانت كارثيةً على الوجود السياسي والأمني العربي عموماً، ولا غرابة في انتقال مخاطره إلى بلدان الخليج من البوابة اليمنية، حيث تنخرط إيران في صراعٍ تريده مصيرياً بالنسبة لدوله التي تجد نفسها، منذ نيّفٍ وعام، أمام تدخلٍ عسكري محكم، يتخطى أمنها إلى وجودها، لا يترك لها من خيارٍ غير تنظيم ردٍّ من طبيعة استراتيجية على ما يتعرّض له العرب من عدوان الملالي، أو القبول بما يفعله هؤلاء ضد مشرقٍ، لم يكن يوماً مكاناً برّانياً بالنسبة لوجودها وأمنها، وضد اليمن أيضاً: الدولة التي تستخدم لاختراق الخليج واستنزاف قدراته، وتوازي أحداثها، في أهميتها، أهمية أية أحداث محض داخلية، تجري في دولها، المهدّدة بمخططٍ بعيد المدى، بدأ بإغراق مصر في هاويةٍ، يبدو أنها لن تخرج قريباً منها، وها هو يدمر المشرق في أيامنا، ويعمل لاجتياح بقية الجسد العربي، بتصعيد معركة اليمن، وإعطائها طابعاً خليجياً عاماً، تبدو الآن علاماته جليةً في كل موقعٍ منه.

هل يستطيع العرب مواجهة تحدّياتٍ مصيرية، ينتجها انهيار نظامٍ غدت استعادته مساويةً لقدرتهم على الحياة والفعل؟. يقول صمود الشعب السوري الأسطوري، طوال نيّفٍ وخمسة أعوام أنهم يستطيعون، وتقول "عاصفة الحزم" إنهم قادرون، وتقول الضرورة التاريخية إن السبيل الوحيد إلى خروجهم من مأزقهم المصيري الحالي الذي يدفعون، حكاماً ومحكومين، ثمناً فادحاً لتقصيرهم في مواجهته، أو لإحجامهم عنها، يكمن في خيارٍ تتكامل بفضله قرارات قيادة مقتدرة، تعي مخاطر غياب نظام أمن عربي جامع، وتضحيات المجتمعات العربية التي تؤكد، عبر تجربتها السورية، أهليتها للدفاع عن نفسها وقدرتها على مقارعة أعدائها وقهر خصومها، وإقامة الحاضنة الضرورية للانتصار على الضعف والخوف والحسابات الصغيرة.

إلى متى سنفتقر إلى تكامل استراتيجي كهذا، يستطيع وحده بناء نظام عربي جديدٍ، يواجه الأخطار والتحديات، ويخشى أعداؤه مواجهته؟

======================

مصير السنية العربية في مواجهة سياسة (حافة الهاوية) .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 12-6-2016

مصير السنية العربية في مواجهة سياسة (حافة الهاوية) في مقال له الأسبوع الفائت، كتب الزميل حازم صاغية، في الزميلة (الحياة)، مقالاً بعنوان: (إذلال السنية العربية!). وحين تصل الحال لأن يكتب مُثقَّفٌ وإعلامي عربي مثله عن موضوع السنية العربية، وعن مشروعٍ لإذلالها، ويبدأ تساؤلاته حول الموضوع من عنوانه الذي أنهاهُ بإشارة تعجُّب، فإن هذا يعني وجود حالٍ لم يعد بالإمكان التعاملُ معها بالهروب والمداورة.

من أول فقرةٍ في مقاله، يضع الزميل أصبعه على الجرح بكل وضوح قائلاً: «في ظل معركة الفلوجة في العراق، ومعركة منبج، وربما غداً الرقة، في سورية، لا يستطيع المتأمل أن يطرد المعطى الماثل أمام العينين بقوة تفقأ العينين. فما بين قاسم سليماني و(الحشد) الذي يجري تمويهه بألف طريقة وطريقة في الفلوجة، والحضور المركزي للأكراد في منبج، تتعرض السنية العربية، حضوراً ولوناً، لمذبحة كبرى، مذبحة ربما رسمت ممراً إلى ما يُوصف بالخرائط الجديدة، أو النظام الإقليمي الجديد. ويتبدى، والحال هذه، كأن هذه السنية مطالبة بدفع كُلفتين في آنٍ معاً، كلفة الواقع المديد في المنطقة، الذي شرع يتداعى قبل سنوات خمس، وكلفة الثورات التي هبّت في وجه هذا الواقع وانتهى بها الأمر إلى الفشل والاحتراب الأهلي. فالسنة العرب، بالتالي، يُحاكَمون بوصفهم الحكام، كما يُحاكَمون بوصفهم المحكومين. وما القوى الإيرانية والشيعية والكردية التي تتصدَّى لتأديبهم سوى تذكير حاد بهذه القسوة الخارجية في إنزال العقوبة الجماعية».

لا يعني هذا بأن المقال المذكور هو الذي (اكتشف) ما يبدو جوهرَ وحقيقةَ المشهد الذي يجري تشكيله بإشراف مخرجِين أمريكان وروس، وصمتِ آخرين وتجاهلهم، لكنه قد يكون وخزة صحوةٍ قوية لكُتَّاب ومُثقَّفين عرب، سنة وغير سنة، يتعاملون مع الموضوع حتى الآن بمثاليةٍ مُفرطة، مُتصنَّعة أو حقيقية. فإذ أمكن لهواة التصنيفات وضعُ صاغية في خانات محددة كالمسيحي الأرثوذوكسي، واليساري السابق، والليبرالي والعلماني والحداثي، إلا أن ما يستحيلُ في هذا المقام هو ربطهُ بالسنية العربية، مع ما توحي به الكلمة من مرجعيةٍ دينية وطائفية، لا علاقة للرجل بها من قريب أو بعيد.

السنة العرب يُحاكمون إذاً، وثمة سيناريو لإنزال عقوبةٍ جماعيةٍ بهم، إن كان الإذلال أولَ مراحلها، فإن ما هو قادمٌ منها قد يتعلق بأصل الوجود، وعلى شكل مذابح باتت مألوفةً ومعروفة. ليس الكاتب هو مَن يقول هذا، وإنما الواقع بتفاصيله الكثيرة والواضحة والصريحة بحيث لا تحتاج إلى تحليلٍ، تُعفينا من الحاجة إليه أصلاً تصريحاتٌ وممارسات باتت تتكبَّر على التخفِّي وضروراته.

لا مهرب من التفكير بهذه الطريقة، يقولُ الواقعُ لأهل السنية العربية، بكُتَّابهم ومُثقَّفيهم الذين يُحاولون (التعالي) على منطق الطائفية والمذهبية، وبحكامهم، الذين لازالوا يأملون في عودة بقيةٍ من عقلٍ وتوازن للسياسة العالمية في المنطقة.

(رب ضارةٍ نافعة) كما يقولون في العربية. فقد جاءت تجربة نشر الأمم المتحدة لاسم (التحالف العربي) في قائمةٍ سوداء تُصدرها سنوياً لانتهاكات حقوق الأطفال في العالم، الأسبوع الماضي، مثالاً على ممارسات بهلوانية وقحة، تتغطَّى بالسياسة وباسم أكبر منظمة دولية، لكنها تدخل في إطار استفزاز السنية العربية تحديداً بأي طريقة. ولتحاصر أهلها أخلاقياً ودبلوماسياً، إكمالاً للحصار العسكري والسياسي المتزايد حول عنقها.

والذي ينظر إلى الحيثيات التي أخذتها الأمم المتحدة بالاعتبار يدرك حجم الافتراء والتغابي الكامنة وراء مثل هذه القرارات والممارسات. فالقرار يقول مثلاً إن التحالف العربي في اليمن مسؤول عن 60% من حصيلة وفيات وإصابات الأطفال العام الماضي! لا توجد طبعاً مكاتب للأمم المتحدة في اليمن ولا مراقبون لها في أي منطقة من مناطق النزاع فيه، فكيف للأمم المتحدة أن تكون دقيقةً بهذا الشكل؟! هل يُصبح مُستغرباً أن يؤكد هذا استهداف السنية العربية؟ خاصةً حين لا نسمع أرقاماً دقيقة، بالمقابل، حول المذابح والانتهاكات التي تقوم بها القوات الإيرانية والشيعية في سوريا والعراق تجاه أطفال السنة العرب.

ولكي تكتمل المهزلة، يجري ترشيح إسرائيل، بعد إصدار لائحة انتهاك الأطفال بأيام، لرئاسة اللجنة السادسة التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة والمعنية بمكافحة الإرهاب وقضايا القانون الدولي، بما في ذلك البروتوكولات الملحقة باتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين في زمن الحرب والانتهاكات التي ترتكبها الدول! هل يمكن أن يكون لمثل هذا الدرك من الممارسات تفسير غير وضع السنة العرب أمام سياسة حافة الهاوية، ودفعهم في اتجاهها بكل طريقة وفي كل محفل؟.

ماذا يفعل هؤلاء في مواجهة هذا السيناريو؟ بشيءٍ من الدبلوماسية الفعالة، والحازمة، تم حذفُ اسم التحالف بعد بضعة أيام من القائمة المذكورة.. هذا النوع من الحزم في الإرادة السياسية، مقروناً بفعلٍ عملي على أرض الواقع، وفي ساحات المواجهة الأكثر حساسيةً مثل سوريا، وبأيدي السوريين الجاهزين لأداء المهمة كونَهم يعانون أكثر من غيرهم، هذا وحده ما يبدو مدخلاً لإنقاذ مصير السنية العربية هذه الأيام.

======================

محور بوتين  نتنياهو: رميم «الممانعة» وغرام «المبادرة» .. صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 11/6/2016

إذا كانت دبابة، فقدتها إسرائيل خلال اجتياح لبنان سنة 1982، هي هدية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المادية إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بمناسبة زيارته إلى موسكو مؤخراً؛ فإنّ هدية الأخير إلى بوتين معنوية، ثمّ سياسية بامتياز: إدخال الكرملين على خطّ التسويات الإسرائيلية  الفلسطينية، والإسرائيلية  العربية عموماً، في موازاة السلّة التي كان البيت الأبيض يحتكرها، وفيها يضع العرب كلّ البيض. ليس دون مقابل إضافي (إذْ أنّ الدبابة الهدية ليست كافية في حدّ ذاتها!)، يتمثل في سعي بوتين إلى إدخال تل أبيب على خطّ التنسيق العسكري الأمريكي  الروسي في سوريا؛ كما سرّبت وسائل إعلام إسرائيلية على صلة وثيقة بصنّاع القرار في إسرائيل.

وتلك خطوة تستوجب، من موسكو دائماً، استدراج الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وضمان بعض الرضا  أو، على الأقلّ، الصمت  من الجانب السعودي. وفي أوّل برهان عملي على انخراط موسكو في تجريب الفكرة، قررت موسكو تخفيض مشاركتها في المؤتمر الوزاري الذي شهدته باريس مطلع الشهر، حول التسوية العربية  الإسرائيلية، فاكتفت بإرسال ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية سيرغي لافروف. ليس هذا فحسب، بل حرص بوغدانوف على تقديم اقتراح بصدد المستوطنات الإسرائيلية، أقرب إلى صورة طبق الأصل من مقترح أفيغادور ليبرمان القديم: منح السلطة الفلسطينية أراض «إسرائيلية» ذات أغلبية سكانية عربية، مقابل تخلّي السلطة عن أراض داخل الضفة الغربية تتكدس عليها المستوطنات.

ولكي يتخذ مشروع هذا المحور الروسي  الإسرائيلي الجديد صيغة تطبيقية ميدانية، لها أيضاً صفة اختبار النوايا والجاهزيات، فقد شاء نتنياهو منح بوتين امتياز تنظيم مؤتمر دولي، فلسطيني  إسرائيلي في الجوهر، لا يسحب البساط من تحت المبادرة الفرنسية، والشريك الأمريكي فيها، فحسب؛ بل يفرغها من محتواها أيضاً، ضمن تكتيك إسرائيلي مزدوج: رفض ما يُعرف باسم «المبادرة العربية»، في قمة باريس؛ وقبولها، ولكن ضمن إعادة تصنيع روسية، في مؤتمر موسكو الذي يُخطط له. لهذا كان لافروف هو الذي تولى قصب السبق في إعلان موافقة نتنياهو على المبادرة، مؤكداً أنه لم يسمع من رئيس الوزراء الإسرائيلي أي شرط مسبق، أو تعديل، لها؛ الأمر الذي «يجعل من الممكن النظر في تفاصيل الخطوات التالية لتطوير تسويات سلمية إسرائيلية  فلسطينية وإسرائيلية  عربية». في السياق ذاته، ولكن من باريس هذه المرّة، أكد وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، أنّ المبادرة العربية تضم «جميع العناصر التي تتيح التوصل إلى السلام»؛ نافياً أي تعديل لأيّ من بنودها، ومؤكداً أنّ المملكة تعتبرها «الفرصة الأفضل»، وآملاً أن «تسود الحكمة في إسرائيل وأن يوافق عليها الإسرائيليون».

والمرء، بادىء ذي بدء، يحقّ له أن يتساءل عن معنى إعادة تفعيل مبادرة أُقرّت في قمّة بيروت سنة 2002، وعُرفت باسم آخر أوضح مغزى في الواقع، أي «مبادرة الأمير عبد الله» وليّ العهد السعودي يومذاك: أهذا نبش من باطن الأرض، لما بات من عاديات الزمن، بعد 14 سنة حفلت بعواصف هوجاء وهزّات عاتية؟ وبأيّ رميم عظام سوف يُبنى كيان تلك المبادرة، ومَن سيفعّل ماذا، مع مَن؟ وما رُفض في الماضي، من جانب إسرائيل أولاً، ومحور «الممانعة» تالياً؛ كيف يُقبل اليوم من إسرائيل، ولماذا؟ وهل يكون رميم تلك «الممانعة»، المشغولة بقتال الشعب السوري، جنباً إلى جنب مع نظام الاستبداد وجرائم الحرب والإبادة، هو الملاط وحجر الأساس؟

للمرء، مع ذلك، أن يستذكر تفصيلاً طريفاً وذا دلالة في آن معاً: أنّ «المبادرة» اتخذت، في الأصل، شكل مقترح تبسيطي، تكشّف في سياق دردشة (غير بريئة على الأرجح) بين الأمير عبد الله والصحافي الأمريكي الشهير توماس فريدمان؛ قبل أن ينقلب المقترح سريعاً إلى «مبادرة سلام» هلّلت لها الأمم شرقاً وغرباً. الجديد الخطير لم يكن يكمن في صدور المقترح عن المملكة العربية السعودية (بما كان يعنيه ذلك من شحنة سياسية ورمزية دالّة)، وعن الأمير عبد الله بالذات، وليّ العهد والحاكم الفعلي والرجل الذي عُرف عنه التشدّد في القضية الفلسطينية ومسألة القدس (الأمر الذي كان لا يستبعد غياب الإجماع حول المقترح في صفوف الأمراء السديريين، أو عدم اتضاح أيّ نوع من التوافق بين آل سعود والمشايخ الوهابيين، في أمر يمسّ ثوابت المملكة وجوهر موقعها السياسي والديني في المحيط العربي والعالم الإسلامي).

الجديد الخطير كان يكمن في تلك المقايضة، الجديدة بالفعل على الأجندة الرسمية العربية: الأرض مقابل التطبيع، والتطبيع الشامل كما لاح آنذاك (وكما توجّب أن نفهم من كلام فريدمان، وليس من التعليقات السعودية)؛ من النوع الذي تريده الدولة العبرية، وكانت وما زالت تسعى إليه. التطبيع الذي يُدخلها في عَقْد الشرق الأوسط كدولة مشارِكة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وكعامل «منشّط» و»محرّض» وضامن لولادة «الشرق الأوسط الجديد». هذا ما حلم به الصهاينة الأوائل، وهذا  وليس «السلام» التعاقدي، أيّاً كان محتواه ومفرداته  هو ما يسعى إليه الصهيوني  السياسي، والصهيوني  العسكري، والصهيوني  رجل الأعمال، والصهيوني  المبشّر الثقافي…

والحال أنّ قرارات الأمم المتحدة ذاتها، و242 بصفة خاصة، لا تشترط كلّ هذا «الغرام» بين الدول العربية وإسرائيل، مقابل الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة عام 1967. كذلك فإنّ مبدأ «الأرض مقابل السلام»، الذي استند إليه مؤتمر مدريد وبات حجر الأساس في إطلاق «العملية السلمية» العربية  الإسرائيلية؛ لا يقول بما قالت به المبادرة، أي: التطبيع التامّ بين إسرائيل والدول العربية كافّة. وفي هذا تكون «دردشة» الأمير عبد الله قد ذهبت أبعد ممّا ذهبت إليه مبادرات وجهود ومؤتمرات أخرى حول السلام في الشرق الأوسط، من مشروع الملك فهد في العام 1981 (الذي عُرف بعدئذ باسم «خطة فهد») إلى مفاوضات كامب دافيد بين الفلسطينيين والإسرائيليين برعاية الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، مروراً بمؤتمر مدريد دون سواه.

وفي الأساس، ما الذي كانت الرياض تريده من طرح المبادرة؟ بل ما الذي أراده الأمير عبد الله بالذات، استطراداً؟ لماذا  إذا صدّقنا رواية فريدمان، كما نقلها عنه ناحوم برنياع في «يديعوت أحرونوت» آنذاك  كان مكتب الأمير عبد الله متلهفاً على نشر مقال فريدمان حول المبادرة، أكثر بكثير من لهفة الصحافي الأمريكي نفسه؟ ولعلّ أولى مفاتيح الإجابة على هذه الأسئلة كانت تلك الريبة الغريزية التي تقود إلى القول بأنّ المبادرة موجهة إلى البيت الأبيض أكثر من أرييل شارون، رئيس وزراء إسرائيل في حينه؛ وأنّ حاجة المملكة إلى ترميم علاقاتها مع الإدارة الأمريكية، وتحسين صورتها أمام الرأي العام الأمريكي بعد هجمات 11/9، كانت أشدّ إلحاحاً من رغبة الأمير عبد الله في إطلاق مبادرة سلام لا يمكن أن تحظى بشعبية داخلية، في أوساط مشايخ الوهابية بصفة خاصة.

وفي الخلاصة فإنّ ما يقترحه محور بوتين  نتنياهو، اليوم، لا يتجاوز ذرّ الرماد في العيون واللعب في الوقت الضائع، ومن الإنصاف الترجيح بأنّ رميم «الممانعة» العربية، الذي يخلّفه أمثال خامنئي وحسن نصر الله وبشار الأسد، مروراً بأمثال قاسم سليماني وهادي العامري وقيس الخزعلي؛ هو مادة الترميم الأولى، التي لن تزيد العظام إلا تسوّساً ونخراً.

 

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

======================

الوعي المتأخر للمعارضة السورية .. عمار ديوب

العربي الجديد

السبت 11/6/2016

تكاد اللقاءات المتتالية عن الحل السياسي السوري، بين الدول العظمى، بما فيها لقاءات جنيف، والتي ما زالت محادثاتٍ تتم عبر الوسيط الأممي، ستيفان دي ميستورا، أن تقول إن هذا الحل لم يوضع على طاولة البحث الجدّي، وإنها تُشبه القرارات المتعلقة بخصوص فلسطين واتفاق أوسلو، وإن الحل إن أتى لن يكون لصالح أهداف الثورة السورية، وسيُركّع المعارضة، وستكوّن لها حصصاً في سلطة مُكونة وفق التوافق الأميركي الروسي. دفع هذا الاستنتاج المؤلم، أخيراً، الائتلاف الوطني للقول إنه لا بد من تغييرٍ في نهج المعارضة، والانفتاح على رؤية جديدة وسوريين آخرين! ترافق ذلك مع ضغطٍ على وفد التفاوض في الرياض، للقبول بشخصيات من معارضات موسكو والقاهرة وقاعدة حميميم.

ليس الوعي المتأخر للمعارضة حقيقياً، بل هو الشعور بالحشر، فما قيل يوماً عن دول داعمة للمعارضة، أو عن الدعم الأميركي أو الإقليمي، تبيّن أنّه وهمٌ كبير، فقد تُرك أهل الثورة، أعواماً متتالية، للقتل والتهجير والاعتقال والدمار، وهُمّشت المعارضة، واستبدلت هي وفصائلها العسكرية بقوىً سلفية أو جهادية. وحينما حدث التدخل، جاء لمحاربة الإرهاب، ولم توجه أية رصاصات لصدر النظام. وبعد ذلك كله، يقال للمعارضة: غير مسموح لك برفض لقاءات جنيف، والنظام باقٍ وأنت عليك الانخراط في عملية سياسية، هي حصيلة التوافق الأميركي الروسي والإقليمي؛ إذاً المعارضة تشعر بالخفة التي لا تحتمل، وهي محقّة بذلك.

الوعي الحقيقي للمعارضة، والذي يطابق مقولة أن تأتي متأخراً خيرٌ من ألا تأتي أبداً، يتمثل في رفض كل تأسيسٍ للحكم القادم على الأساس الطائفي، وكل تفسير للصراع السوري على هذا الأساس، واتخاذ موقفٍ نهائيٍّ من الإسلام السياسي، وأنّه لا بد أن يتصالح مع المواطنة وحقوق الإنسان، وأنّ كل المذاهب الدينية في سورية ستكون مُمثِلة لجماعاتها، وستعامل بإنصافٍ في الدستور المقبل، وفي كل مؤسسات الدولة، واعتبار الحرب في سورية ضد كل السوريين، والتخلص من فكرة أنها (المعارضة) ممثلةُ لجزءٍ من الشعب والجزء الثاني موالٍ، وأن تمثل كل السوريين، وبهذا الإطار أن ترفض كل تبعية للعالم، وتكون علاقاتها نديةً معه، وللوصول إلى حقوق كل السوريين في حياةٍ أفضل. وفي هذا، يتم توجيه النقد لكل أعمال القتل خارج المعارك أو للأسرى المستسلمين، وبالتالي، رفض كل المجازر وأعمال القتل الفوضوية والعشوائية، وعلى أساس طائفي، وأن المحاسبة لممارسيها في المستقبل، ومن الأطراف كافة؛ فليس من معارضةٍ عاقلةٍ، وتتخلى عن تمثيل كل السوريين، والتفكير بأن هناك شعب موال وآخر معارض، ووجود ثورة في مناطق معينة، يجب أن يفترض ضرورة توسيعها إلى بقية سورية، ومهما كانت المعيقات المانعة لهذه التوسع، وكثير منها نتاج الخطأ في الرؤية السياسية.

"أصبحت تعقيدات الوضع السوري تقول بحلٍّ سياسي في غاية التعقيد، ولن يكون، بالتأكيد، حلاً سورياً، بل نتاج التوافق الأميركي الروسي، وهذا أهم سببٍ ليكون حلاً غير وطني، وبالتالي، من واجبات أية معارضة، ومهما كانت، رفضه بالتأكيد"

 

أخطأت المعارضة (المجلس الوطني والائتلاف الوطني خصوصاً) في توهّمها أن التدخل الخارجي قادم، وأن الثورة ستنتصر خلال أشهر، وأخطأت حينما لم تضع رؤية وطنية لكل أعمالها السياسية والعسكرية والمالية والخدمية، والموقف من مجموعات الثورة المضادّة، كالجهاديين والسلفيين، بل و"الإخوان المسلمين" أيضاً. لو وجدت رؤية وطنية لممارساتها، لحوصرت معارضاتٌ كثيرة، وربما لانتصرت الثورة باكراً، وقد شارفت، أكثر من مرة، على ذلك، وبدءاً ب 2012. الآن المعارضة في وضع سيئ للغاية، فالداخل أصبح خارج يدها عملياً، والسيطرة للسلفية أو الجهادية أو الاحتلال الأميركي والروسي و"البايادي" (قوات الاتحاد الديمقراطي الكردي)، وهي بالكاد تجد فصائل عسكرية تدعم وفد تفاوضها، أو الهدن التي تُفرض عليها، وتأتي عبر التوافق الأميركي الروسي.

واجبات المعارضة، إضافة إلى ما ذكرنا أعلاه، التمسّك بموضوع الحل السياسي، بدءاً ببيان جنيف 2012، وكل القرارات الدولية التي تخدم هذه الرؤية، وتشكيل هيئة انتقالية للحكم، وبيدها كامل الصلاحيات. وهذا لا يتناقض مع الوضع المعقد الذي أصبحت عليه سورية، وأنها رهينة الصراعات الإقليمية والدولية وتوسع الجهادية، وأن هناك توافقاً أميركياً روسياً على حكومة موسعة، أو تطعيم وفد الرياض بعناصر من بقية الوفود، فهذا التطعيم لن يثمر، فالقضية المركزية بسورية هي قضية الشعب الذي تعرّض لكل أشكال الظلم والهوان، وكل حلٍّ لا ينطلق من هذه الحيثية، لا يمكنه أن يصمد، وكذلك ليست أميركا ولا روسيا مستعجلة لحل سريع في سورية؛ فأميركا تبيع الأسلحة، ومعركتها الحقيقية ضد الصين، وتعمل لإدخال منطقتنا في صراعاتٍ دينية وقومية، وهذا يساهم في إدارة أزماتها الاقتصادية. وفي هذا، علينا قراءة تخليها عن دول الخليج، وتفضيلها إيران، ودعم الوجود الروسي في سورية، والصمت عن قضم إسرائيل القدس وعدم طرح أي حلولٍ من أجل إنصاف الفلسطينيين. وبخصوص روسيا، رؤيتها للسيطرة على سورية مرتبطة بإعادة دورها العالمي، وبأوهام تتعلق بملء الفراغ الحاصل من جرّاء نقل أميركا لاستراتيجيتها إلى المحيط الهادئ ومواجهة الصين.

ما نقصده، هنا، أن لا حل سياسيّاً متوافقاً مع أهداف الثورة، والحل السياسي الممكن سيفشل سريعاً، وستكون أية حكومة مُشكّلة وفقه حكومةً لخدمة الهدف الأميركي الروسي، والمتمثل في الحرب على الإرهاب، ووفقاً للمكونات الطائفية، أو أمراء حربٍ معينين، وضد أمراء حرب آخرين، لنتمعّن في الدرسين، الأفغاني والعراقي. يمكن ملاحظة هذا الوضع من خلال الضغط الأميركي المستمر على الفصائل المحلية ومعركة حلب، ومحاولة استعادة الرقة ومنبج ومحاصرة داعش، وكذلك من خلال إعلان روسيا الحرب على جبهة النصرة، والتضييق على جيش الإسلام وأحرار الشام.

المعارضة السورية بالكاد يؤخذ برأيها، والآن تفرض عليها شخصيات "نظامية" من معارضات القاهرة وموسكو، والخوف أن يكون رأي المعارضة ووفد الرياض أن الإمكانية الوحيدة للانفتاح الآن هي المشار إليها هنا، والانفتاح الذي قالوا به أن يكون لجهة استيعاب هذه المعارضات ووفد عن "البايادي"، وبالتالي، تكون المعارضة انتهت كلياً، وتكون الثورة المقبلة ضد حكومةٍ المعارضة ممثلة فيها.

في كل الأحوال، أصبحت تعقيدات الوضع السوري تقول بحلٍّ سياسي في غاية التعقيد، ولن يكون، بالتأكيد، حلاً سورياً، بل نتاج التوافق الأميركي الروسي، وهذا أهم سببٍ ليكون حلاً غير وطني، وبالتالي، من واجبات أية معارضة، ومهما كانت، رفضه بالتأكيد.

======================

موقفنا : المشهد السوري في رمضان ... الصمت ليس من مناسك رمضان ولا ركنا من أركان الصيام .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

13-6-2016

ثمانية أيام في رمضان ، ثمانية أيام صعبة راعفة بدماء المستضعفين من الرجال والنساء والأطفال . ومع طوفان الدم الذكي الطهور تشريد وخوف وجوع وعطش وحرمان وصمت ولامبالاة ...!!

وتحالف الشر العالمي أمريكا ومن تجرهم في عربتها وروسيا ومن تأخذ بنواصيهم كلهم يعيشون حالة من سعار القتل ، والمقتول دائما هم مستضعفو سورية رجالها ونساؤها وأطفالها ..

أوباما الذي يقود من البيت الأبيض الحملة الانتخابية لحزبه يريد أن يحرز انتصارات يوطئ بها المنبر لخليفته الديمقراطية ودماء السوريين هي الكفاء ...

روسية – وإيران وعميلهم بشار يشعرون أنه قد حان الوقت لحسم المعركة، التي تهرب من تبعاتها الكثيرون من الذين أوقدوا نارها وشبوا أوارها ؛ فأمعنوا قتلا وتدميرا على محاور أربع : غوطة دمشق الشرقية بمن فيها من أحرار أباة . ومراكز المتاريس السكانية في حمص الأبية  ( الوعر – والحولة ) وما يلوذ بهما ، في عملية تغيير أو استئصال ديمغرافي مستقبلي ، لتكون حمص واسطة عقد سورية بها يحلمون . ثم محور الشمال أو القطاع الشمالي للثغر السوري تاريخيا منذ الدولة الحمدانية : حلب ومنبجها وإدلب والساحل الشمالي حيث تدور الملحمة الحقيقية هذه الأيام . دون أن ينسى أي متابع للمشهد الملحمة المتعددة الأبعاد التي تدور في الجزيرة السورية : دير الزور – الرقة – وفضاؤهما حيث مسلسل القتل اليومي تنفذه كل القوى وكل الأدوات ، وحيث المجزرة الديمغرافية تأخذ بعدها على نحو ما يجري في حمص وفضائها .

إذا حاولنا رصد المشهد سريع الوقع والوتيرة وتوقفنا عند أحداث 24 / ساعة فقط ، لا بد أن تصعق أي سوري أخبار الغارات الوحشية على غوطة دمشق ، ومدينة دوما وداريا بشكل خاص ، لتقفز العدسة إلى مائة غارة جوية على حلب ، وإلى القصف الوحشي على إدلب ، ثم إلى المجزرة الأكثر توحشا في معرة النعمان ، لنضيف إلى المشهد الحديث عن الخراطيم المتفجرة منضمة إلى البراميل المتفجرة . وعلى رأس هذا وذاك اعتراف الحكومة العراقية بقاسم سليماني مستشارا عسكريا لها في حربها على المسلمين في العراق . واعتراف وزير الدفاع السوري الفريج بالشمخاني وزير الدفاع الإيراني مستشار عسكريا لعصابات الأسد في حربها على المسلمين في سورية ؛ في الغوطة وفي حلب وفي إدلب وشمال الساحل وفي الرقة ودير الزور ...

وفي الوقت الذي أجاد هؤلاء المستشارون غناء ترنيمة النوم على بعض مراكز الديمغرافيا السورية فأخرجوا مراكز فاعلة مهمة من فضاء الثورة، ونصحوا مراكز أخرى أنهم قد أدوا ما عليهم من قبل ، وأنه ما فاز إلا النوم ؛ انفردت قوى الشر العالمي بمراكز محددة وسط خذلان مخمس الأبعاد : دولي ، وإسلامي ، وعربي ، مع خذلان القوى السياسية ، والمراكز الحيوية الوطنية ...

أعلن بشار الأسد في خطابه أنه سيواجه ( أردوغان ) في حلب . ولكن أردوغان لا يستجيب لتحدي بشار ، بل يدير ظهره ليسارع للمشاركة في جنازة محمد علي كلاي . في فقه المسلم الجديد الوفاء للميت أهم من الوفاء للحي !! وحلب وأخواتها هنا هي ثغر الثورة وآخيّتها ، زعموا أنه عليها توقفت البداية ، فلماذا لا يصدقون أن عليها ستتوقف النهاية .

 ووسط صوم ( مريمي ) يلف الناس فلم تعد تسمع إلا صوت من ينادي أعطني دينارك أعطني درهمك لأطعم لك جائعا لأفطر لك صائما ، وكأن الجائعين والصائمين الذين لا يجدون البلغة والجرعة لم يسدوا أفق السوريين في كل مكان ...!!!

كل عاقل يقدر أن الثورة السورية تمر في ساعة عسرة . ومع أننا نجزم أن المقدمات التي انتهجها المتصدرون بغير حق هي التي قادت إلى هذه النتائج ؛ إلا أننا نقدر أن التقدير الحقيقي للموقف يؤكد أن بأيدي السوريين، والمتصدرون منهم للمشهد هم المقصودون ، أكثر من الكثير ليصنعوه ، وليقدموه ، ولينتقلوا به بالمشهد من حال إلى حال .نعم ما زال بأيدي الثورة والثوار بحمد الله وفضله الكثير . ومن قال هلك الناس فهو أهلكَهم وهو أهلكُهم على الروايتين . واليأس كفر وأول مطلبنا أن ينزاح عن طريق هذه الثورة اليائسون والعاجزون ...

وأهم رسالة يجب أن نؤكدها في هذا المقام أن الصمت ولاسيما عن كلمة الحق ليست منسكا من نسك رمضان ولا هو ركن من أركان الصيام .

ألا رجلا أو جماعة تجعل من نفسها للناس مثابة وأمنا فيثوب القائمون عليها : إلينا ...إلينا أيها الناس.

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

تسليم سوريا للنفوذ الإيراني والروسي .. فايز سارة

الشرق الاوسط

السبت 11/6/2016

أمس٬ العاشر من يونيو (حزيران) ٬2016 مرت الذكرى السادسة عشرة لموت حافظ الأسد وتولي ابنه بشار مقاليد السلطة في سوريا. ورغم الفوارق بين الأب والابن٬ فإن حكم الابن هو امتداد طبيعي لحكم الأب٬ حيث السياسات ذاتها٬ والبنى نفسها٬ والأشخاص موجودون ممن لم تأكلهم الأيام٬ أو تأخذهم مسارات الموت٬ وكل ما يحصل ثمرة عيش الابن في حضن الديكتاتور٬ والتعلم في مدرسته على يد المقربين وضباط المؤسسة الأمنية العسكرية٬ التي بناها الأب لتكون أداة نظامه وقوته.

ففي سنوات حكم الأب الثلاثين مضت الحياة السورية تحت الحد الأدنى. نظام استبدادي ديكتاتوري فاسد مقوى بالجيش وأجهزة المخابرات٬ تحت يافطة حزب البعث العربي الاشتراكي٬ أضيفت على هامشه أحزاب خانعة منضوية في إطار الجبهة الوطنية التقدمية٬ أعطيت حصة متواضعة في مؤسسات السلطة من الوزارة إلى مجلس الشعب إلى مجالس الإدارة المحلية٬ وفي معظم النقابات والاتحادات للمساهمة في أكبر عملية ضبط مجتمعي لصالح طغمة طائفية على رأسها طاغية٬ جعل من سوريا مزرعة له٬ ومن السوريين عبيًدا وسدنة٬ يعيشون في كنفه وتحت رعايته.

وسط السنوات الثلاثين لعهد الأسد الأب٬ تمرد السوريون في مناطقهم وجماعاتهم السياسية٬ وعبر تنظيمات مسلحة٬ أقاموها لمواجهة سياسة النظام٬ وقابلهم الأب بالقمع الدموي٬ كما حدث في حماه وحلب ودمشق وغيرها في الثمانينات٬ وارتكبت قواته العسكرية والأمنية مجازر كثيرة ضد السوريين٬ ومات كثيرون في أقبية المخابرات وفي سجون مثل تدمر والمزة وصيدنايا٬ وأمضى عشرات آلاف السجناء المعارضين مدًدا٬ قاربت ربع قرن موقوفين أو سجناء.

وسط تلك اللوحة السوداء من عهد الأب٬ كانت بطانته تستبيح مفاصل الحياة السورية٬ وخصوًصا أخويه رفعت وجميل٬ وأولهما بدأ حياته رقيًبا متطوًعا في الجيش٬ ثم تحول ضابًطا٬ وتسلم مع صعود أخيه إلى سدة الرئاسة قيادة تنظيم عسكري أشبه بالميليشيا والمعروف باسم سرايا الدفاع٬ التي نفذت مجزرة تدمر٬ وتدخل رفعت في كل صغيرة وكبيرة في الشؤون السورية٬ وكان من ثمار تدخلاته٬ أن كون ثروة تبلغ مليارات الدولارات٬ يستثمرها اليوم في المنفى.

وثاني الإخوة جميل٬ وكان موظًفا صغيًرا في «الريجي» باللاذقية٬ قبل أن يغرق في الوساطات والسمسرة والتهريب٬ وصار عضًوا في مجلس الشعب عام ٬1973 ونظم جيًشا من المساعدين الذين صاروا أول تنظيمات الشبيحة٬ ثم أسس عام 1981 جمعية الإمام المرتضى بواجهة اجتماعية ومهمات طائفية بالتزامن مع مساعيه إلى تعزيز مكانته في سلم التشييع٬ فانتزع لنفسه صفة الإمام آية الله جميل الأسد٬ قبل أن يموت مخلًفا مئات ملايين الدولارات ومئات العقارات٬ وكميات كبيرة من المصوغات الذهبية.

ومثال الأخوين في «مملكة الأسد»٬ تعبير فج عما قام به المقربون والضباط من ارتكابات في سنوات حكمه الطويل٬ وبين هؤلاء أبناء الإخوة ومنهم منذر وفواز ابنا جميل٬ وأبناء العمة من آل شاليش وبينهم ذو الهمة ورياض٬ وأبناء شقيقة زوجته فاطمة مخلوف وأبرزهم عاطف نجيب الذي فجر سلوكه الإجرامي ثورة السوريين في درعا.

لقد أحاط الأسد الأب أسرته الصغيرة بالتستر٬ فمنع تسريب أية معلومات عنها٬ وسط إشاعات بتربية أفرادها بطريقة مثالية بعيًدا عن الفساد والنفوذ. غير أن الصورة تبدلت مع دخول الأبناء بوابة الحياة العامة مع سنوات الدراسة٬ وأول تعبيراتها حظوة الأبناء في التعليم٬ إذ اجتازوا مراحل الدراسة بامتياز بمن فيهم المريض مجد الذي تخرج في كلية الحقوق٬ فيما اجتاز الآخرون امتحانات الصيدلة بالنسبة لبشرى والهندسة بالنسبة لباسل والطب بالنسبة لبشار والهندسة الميكانيكية لماهر٬ وانخرط الثلاثة في الجيش٬ وحصلوا على ترفيعات استثنائية رفيعة ومواقع قيادية لم تتوفر لأقرانهم.

وبخلاف ما كان شائًعا من أن الأسد وأولاده غير مهتمين بالمال٬ فقد كشف مقتل باسل الأسد عام 1994 عن فضيحة حساب له بالمليارات في سويسرا٬ تم جمعها عبر صفقات وسمسرات ناجمة عن نفوذه ومكانته٬ وقد سار بشار وماهر على طريق مماثل٬ وتتجاوز ثروة العائلة٬ حالًيا الأربعين مليار دولار.

ولم تكن بشرى٬ الابنة الوحيدة للأب٬ خارج منظومة الفساد٬ التي تعيشها العائلة وخصوًصا لجهة استغلال علاقتها بأبيها٬ فكانت مفتاح كثيرين في الوصول إلى مناصب ومواقع في النظام٬ وتحقيق مصالح مادية أو مهنية٬ كما في موضوع دورها في ترقية ضباط في الجيش وفي جهاز الأمن على نحو ما صار إليه حال آصف شوكت الذي تزوجته ونقلته من ضابط مغمور إلى الصف الأول في الجيش والمخابرات العسكرية.

وزوجة الأب أنيسة مخلوف٬ لم تكن خارج قوس ما يجري٬ رغم أنها أمضت عمرها خارج الأضواء٬ فقامت بإقناع الأسد بتوريث السلطة لابنه باسل٬ وساندت صعود بشار إلى الرئاسة٬ وشجعته على المضي في الحل العسكري الأمني لمواجهة ثورة السوريين٬ وعملت على دعم أقاربها وصعود أبنائهم في السلطة.

ومما لا شك فيه٬ أن بشار فاق الجميع؛ فبعد عشر سنوات قارب فيها نهج والده الاستبدادي في السلطة٬ وزاد عليها بعًضا من خصوصياته بالانخراط في مسلسل نهب سوريا٬

انتقل في السنوات الأخيرة إلى ممارسة الإرهاب والقتل والتهجير لملايين السوريين٬ وتدمير قدرات بلدهم٬ التي سلمها للنفوذ الإيراني والروسي.

======================

التنافر بين أنقرة وواشنطن لم يعد وراء الكواليس .. محمد فاروق الإمام

لم يعد التنافر بين تركيا وحليفتها واشنطن يجري خلف أبواب مغلقة بل أخذ منحىً علنياً وعلى أعلى المستويات تجاه ما يجري في سورية، وقد ضربت واشنطن بعرض الحائط مصالح حليفتها تركيا، وراحت بعيداً في دعم الدّ أعدائها "وحدات حماية الشعب الكردية" الانفصالية، الجناح السوري لمنظمة “بي كي كي” الكردية - التركية المصنفة إرهابية،بما تشكله من خطر على أمنها وسلامة حدودها، معلنة أن منظمة "بي كي كي" ليست إرهابية، وقد مكنتها واشنطن بدعمها لها إلى الاقتراب كثيراً من حدود تركيا، بعد احتلالها لمدينة تل رفعت وتطويقها لمدينة منبج تحت غطاء جوي أمريكي، وهذا ما جعل تركيا تعلن المنطقة من ولاية كليس حتى قرقاش وبعمق خمسة عشر كيلو متر منطقة عسكرية، وحشدت فيها عتادها الثقيل ومنظومتها الدفاعية الجوية تحسباً لكل طارئ.

واشنطن التي سبق وعقدت اتفاقية مع تركيا لاستخدام قاعدتها الجوية في أنجيرلك، وانطلاق طائرات التحالف منها لضرب تنظيم داعش، قررت على ما يبدو تجميد طلعاتها الجوية من هذه القاعدة، بعد أن وصلت حاملات طائراتها إلى البحر المتوسط، وراحت تشن غاراتها على تنظيم الدولة انطلاقاً من هذه الحاملات، في إشارة واضحة عن استغنائها عن قاعدة أنجيرلك، وبالتالي تحللها من الاتفاقية التي عقدتها مع أنقرة بشأن استخدام قاعدة أنجيرلك.

هذا الموقف المستجد من واشنطن لم يكن ليمر دون تفاهم بينها وبين موسكو التي تملك السيطرة الكاملة على الأجواء السورية، من خلال قواعدها البحرية والجوية والبرية، ومنظومة الدفاع الجوي المتقدمة التي تغطي كامل الأراضي السورية، وهذا يجعلنا بالتالي نعتقد أنه لابد من وجود خط ساخن بين واشنطن ونظام الأسد، لإخطاره بتحليق الطائرات الأمريكية في الأجواء السورية.

الخطوة الأمريكية هذه تؤكد على تأزم الوضع بين أنقرة وواشنطن، وتدفعنا إلى الاعتقاد أن مستقبل العلاقات بين أنقرة وواشنطن وحلف الناتو باتت مهزوزة، إلى درجة الشك في أن واشنطن وحلف الناتو قد يتخليان عن أنقرة، وبالتالي تركها وحيدة أمام الحلف الروسي الإيراني السوري، وقد عقدت هذه الدول لقاء لوزراء دفاعها في طهران للتنسيق بينها ولتوزيع الأدوار في سورية، بقصد القضاء على الثورة الشعبية التي ما تزال عصية على تحالف هذه الدول لأكثر من خمس سنوات.

تركيا التي تأخرت كثيراً في اتخاذ قرار جريء ضد النظام السوري عندما كان وحيداً، معتمدة على الوعود الأمريكية والأوروبية التي لم تكن إلا سراباً وجعجعة، ولم تستفد من تهالك النظام السوري وتراجعه أمام الثوار، وقد تقلصت رقعة الأراضي السورية الخاضعة له إلى 20%، وبالتالي فإن تركيا ستجد اليوم أمامها فاتورة باهظة من التكاليف، لحماية أراضيها من التمدد الكردي على حدودها، والمدعوم من حليفتها أمريكا والناتو، لدرجة المشاركة البرية مع وحدات ما يسمى "قوات سورية الديمقراطية" تقاتل إلى جانبها في مواجهة تنظيم الدولة.

وحدات الحماية الكردية لا يقتصر نشاطها في محاربة تنظيم الدولة فقط، بل ذهبت بعيداً في حربها لفصائل المعارضة المسلحة، والتي تقاتل منذ وقت طويل تنظيم الدولة، حيث تمكنت وحدات الحماية الكردية بدعم من روسيا وأمريكا من السيطرة على معظم الريف الشمالي لمدينة حلب، التي أنهكتها الغارات الروسية والنظام، وقطّعت أوصالها ودمرت معظم أحيائها وشردت وهجرت سكانها، وتعمل على حصارها لتركيع الثوار، الذين لا يزالون يقاومون بشراسة وبطولة قل نظيرها، والذين رغم قلة ما بأيديهم من عتاد وسلاح يلحقون بالنظام وحلفائه الخسائر الفادحة والهزائم المفجعة، ويغنمون من سلاحه وعتاده الشيء الكثير، بما في ذلك الدبابات الحديثة التي كان آخرها دبابة ت90 أحدث الدبابات الروسية.

أنقرة تنظر بحذر إلى الدعم غير المحدود الذي تقدمه واشنطن لقوات سورية الديمقراطية التي تقاتل الفصائل الثورية في مارع وتنظيم الدولة في منبج، وكل هذا قريباً من حدودها، وتعتبره تهديداً لأمنها القومي لا يمكن لها السكوت عنه، أو القبول به لأنه يدعم المشروع الانفصالي الكردي الذي تقاومه وتمنع وقوعه لأنه يهدد تركيا أرضاً وشعباً.

الكرة اليوم في ملعب أنقرة وعليها حزم أمرها في مواجهة الأحلاف المعادية التي تريد قهرها وإذلالها وفرض أجندتها عليها، ولم يعد لها من حليف إلا الفصائل الثورية السورية، التي وحدها يمكن أن تفشل كل هذه المخططات التي تريد تقسيم المنطقة وتقاسم كعكتها، وبالتالي فإن على تركيا تزويد هذه الفصائل بالأسلحة النوعية التي أحجمت عن إدخالها إلى سورية لأكثر من خمس سنوات، وأن تضع يدها بيد السعودية وقطر اللتين تعلنان دائماً عن استعدادهما لتحمل المسؤولية تجاه سورية، والتحصن بالحلف الإسلامي في مواجهة الحلف الروسي الإيراني السوري.

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com