العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 19-02-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

جنيف 4.. أسئلة عن جدوى التفاوض .. ثائر الزعزوع

العرب اللندنية

الخميس 16/2/2017

أجرت إحدى القنوات التلفزيونية استطلاعا لآراء بعض المواطنين السوريين حول ما يعرف بالمناطق المحررة الخارجة عن سيطرة النظام، والخاضعة لسيطرة بعض الفصائل التي وضع أحدها على الأقل ضمن قوائم المنظمات الإرهابية. كان السؤال الوحيد في الاستطلاع هو، ماذا تتوقعون من مفاوضات السلام في جنيف أو ما يعرف بجنيف 4 والتي من المقرر انطلاقها بداية الأسبوع المقبل؟

لم تخل الإجابات من خيبة الأمل، لا من المجتمع الدولي فحسب، كما كان يحدث في مرات سابقة، ولكن أيضا من المعارضة السورية نفسها، التي يبدو أنها فقدت أي تأييد لها في الشارع السوري الثائر، وباتت تعيش في عالم آخر بعيدا كليا عمّا يعانيه السوريون وما يحلمون بالوصول إليه. بل يمكن القول إن المعارضة قد تحولت إلى عبء ثقيل على كاهل الثورة، ليس لأنها لم تستطع الوصول إلى حل فقط، ولكن لأنها أضاعت أكثر من فرصة كانت مواتية للضغط على النظام وتحقيق مكاسب تصب في مصلحة الثورة.

وهذا ما لم تفعله، ولا نظن أنها ستكون قادرة، وهي في حالتها التي نراها الآن من تفكك وعدم اتفاق بل وعدم وضوح رؤيتها وقراءتها الصحيحة للتطورات التي طرأت على المشهد بشكل عام، على تحقيق أي تبدّل في الحالة. وهي تنساق، شيئا فشيئا، وراء لعبة استطاع النظام وداعمو إدخالها فيها، وهي لعبة المماطلة والإغراق في التفاصيل، وصولا إلى كسب المزيد من الوقت يمكن النظام وحلفاءه المختلفين، من ميليشيات طائفية وقوات إيرانية وروسية وسواها، من تجفيف ما تبقى من منابع الثورة، وإعادة تماثيل والده الدكتاتور السابق إلى المدن التي أزيلت منها كما حدث مؤخرا في محافظة حماة.

وهو الحل السياسي الوحيد الذي يريد النظام الوصول إليه ولن يقبل أي حل آخر، فهو وكما أثبت خلال ست سنوات تقريبا من اندلاع الثورة ضده، لم يقل مرة واحدة إن أمر سوريا الدولة والشعب يعنيه في شيء، بل إن ما يهمه هو تلك السيادة الوطنية التي لا ينفك يتحدث عنها، وهذه يمكن تفسيرها بناء على ما فعله، خاصة بعد أن حول سوريا إلى مزرعة خلفية لمشروع إيران التوسعي الطائفي، بأنها تعني بقاءه جالسا على كرسي الرئاسة الذي ورثه عن أبيه، وربما أن يتمكن مستقبلا من وضع ابنه على ذلك الكرسي نفسه، كما حلمت بذلك زوجته في لقاء أجري معها منتصف العام 2014 حين أكدت أنها تحلم بأن يكمل ولدها مسيرة والده وجده.

أمام نظام كهذا لا يمكننا حقيقة أن نلوم المعارضة السياسية ونقول إنها أخفقت أو لم تستطع الانتصار عليه سياسيا، فقد بذلت سابقا قصارى جهدها وحملت مطالب الشارع كاملة غير منقوصة، وكانت مدعومة بقوة عسكرية لا يستهان بها على الأرض. وقد تمكنت الفصائل الثورية، التي صار يطلق عليها لاحقا بعد أن اختلط حابلها بنابلها، تسمية فصائل المعارضة، من التغلب على النظام عسكريا ودحره في مرات كثيرة، وبات في وقت من الأوقات، على مرمى حجر من الانهيار، وقد فقد ثلثي سوريا، ولم يعد مسيطرا إلا على ثلاث أو أربع محافظات، ولم يمنع سقوطه سوى التدخلين الإيراني والروسي، دون أن ننسى التواطؤ الأميركي إبان حكم الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.

في الوقت الذي يرفض فيه نظام دمشق، كما يدعي، ما يسميها الإملاءات الدولية التي تنتقص من سيادته، والتي تقود إلى تشكيل حكومة انتقالية وصولا إلى تبادل سلمي للسلطة يبقي على الرمق الأخير من سوريا قبل أن تضيع كاملة، فإنه وبكل بساطة ناقش وبتعمق دستورا أرادت حليفته موسكو فرضه على السوريين، وهو لن يمانع بكل تأكيد في اعتماد ذلك الدستور في حال ضمن له البقاء على كرسيه. وليضرب الشعب السوري، من مؤيدين له وثائرين على نظامه، رؤوسهم في الجدران، هذا إن تبقى في سوريا جدران أصلا، فقد قضت براميله المتفجرة وصواريخ حلفائه وأعدائه معا على نصف العمران الذي كان موجودا.

لا شك أن مؤتمر جنيف 4 لا يعني السوريين في الداخل وفي مخيمات نزوحهم وسط الظروف الكارثية التي يعانونها، ومن حقهم أن ينظروا إليه على أنه مجرد مؤتمر جديد يتحدث عنهم، لكنه لن يصل إلى حل لمشكلاتهم، فهم وإن سُئلوا عن رأيهم فإنهم يعلمون ألا أحد قد يسمع أصواتهم. فالشعب الذي طالب بالحرية منذ الأيام الأولى لثورته، يضيع في الزحام بين معارضة لا حول لها ولا قوة، وبين نظام استجلب الغزاة ليساعدوه على الإبادة الجماعية المنظمة، ولتكتب المنظمات الدولية تقاريرها في ما بعد، فمن يكترث، فليس سجن صيدنايا وحده مسلخا بشريا، بل إن سوريا كلها تحولت مع نظام الممانعة والمقاومة إلى مسلخ كبير، والعالم يراقب ويتأثر ويهز رأسه أسفا.

كاتب سوري

========================

سجن صيدنايا حلقة من حلقات جرائم السجون في سوريا .. رياض معسعس

القدس العربي

الخميس 16/2/2017

لم يفاجئني خبر منظمة العفو الدولية حول جريمة النظام السوري بتصفية 13000 معارض شنقا حتى الموت في سجن صيدنايا الرهيب. ذلك أن هذا السلوك الهمجي الذي لا يمت للإنسانية بصلة، هو سمة هذا النظام منذ بداياته منذ هزيمة ما سمي بالنكسة عام 1967.

فمعاملة المعارضين لم تكن يوما في ظل هذا النظام القمعي- البعثي العسكري ـ الطائفي معاملة حقوقية ترتكز على اتهام مقابل دفاع في محكمة عادلة، القضاة فيها مستقلون لا موظفين تابعين للسلطة التنفيذية ويقعون تحت سطوتها وأوامرها، وإفسادها، فالسجون السورية باتت بالنسبة للنظام أفضل مكان للقضاء على المعارضين دون ضجيج، أو دون اللجوء إلى الاغتيالات السياسية، التي لا بد أن تثير حوله الشبهات والتحقيقات لدى منظمات حقوق الإنسان، كما حصل في كل الاغتيالات السياسية التي قام بها في لبنان، بدءا من كمال جنبلاط، وانتهاء بالرئيس رفيق الحريري، مرورا بكل الصحافيين والسياسيين، الذين كانوا يقفون شوكة في حلقه كالصحافي سمير قصير أو جبران تويني.

هذا النظام المخابراتي الذي وضع حجر الأساس فيه حافظ الأسد عام 1970 كان قائما منذ البداية على فرز الشعب السوري إلى من مع الأسد ومن ليس مع الأسد، ومن كان ضد الأسد فهو متهم بالخيانة العظمى والعمالة لإسرائيل، أو لأي جهة خارجية أخرى يمكن أن يلفقها أي ضابط صغير في المخابرات، بتهمة أنه ضد نظام الصمود والتصدي والممانعة ضد العدو الإسرائيلي، الذي تبين في ما بعد أنه كان الأكثر حرصا على أمن اسرائيل، وهو ما صرح به رامي مخلوف ابن خالة الرئيس في بداية الثورة السورية، بأن أمن اسرائيل هو من أمن سوريا. وباتت عملية الاعتقالات التعسفية التي في معظم الأحيان تعتمد على تقارير ملفقة من قبل مخبرين صغار يحاول واحدهم أن يظهر مهارته في العمالة، أو يريد الانتقام الشخصي من فرد ما تربطه به عداوة شخصية. فكم من الأشخاص دخلوا غياهب السجون بسبب صورة مع أحد الأشخاص المشتبه فيهم أمنيا من النظام، أو بسبب كلمة قالها في مقهى لم تعجب النظام ونقلها أحد العملاء. أما ما تعلق بالأحزاب المحظورة كالاخوان المسلمين، أو الاتحاد الاشتراكي، أو حزب الشعب الديمقراطي السوري، حزب العمل الشيوعي ومعظم الأحزاب الكردية، فإن العديد من أعضائها تعفنت أعضاؤهم في السجون السورية التي نبتت كالفطر في جميع انحاء سوريا. سجن المزة، سجن تدمر، سجن عدرا، سجن صيدنايا.. وسجون أخرى في كل مدينة، حتى قلعة دمشق حولت إلى سجن، هذا إذا ما استثنيت كل معتقلات المخابرات في الأقبية المخفية التي ذوبت فيها أجساد بالأسيد، أو مات فيها السجناء جوعا، أو تحت التعذيب المريع، وهذا ما أثبته «القيصر» المصور الذي هرب 55 ألف صورة لأحد عشر ألف قتيل تحت التعذيب كدست جثثهم في العراء، وحولوا إلى أرقام، ولم يعر المجتمع الدولي أي اهتمام بها وتعامى عنها.

إن مجزرة سجن صيدنايا، أو ما اصطلح على تسميته بالسجن الأحمر (تم طلاء السجن باللون الأحمر للتذكير بدماء القتلى فيه) سبقتها مجزرة سجن تدمر، التي قام بها حافظ الأسد على يد أخيه رفعت الأسد قائد ما سمي بسرايا الدفاع حينها قبل أن ينهب مليارات الدولارات من أموال الشعب السوري ويلجأ إلى فرنسا (واليوم يقوم ابنه فراس بنشر مذكراته عن جرائم العائلة، ويهدده أخوه دريد بالقتل اذا ما استمر بنشر هذه المذكرات). وقد كتب عن هذه المجزرة البشعة عدة كتب وروايات تتحدث عن الواقع الرهيب الذي عاشه السجناء فيه، منها على سبيل المثال لا الحصر، «القوقعة» للكاتب مصطفى خليفة الذي أمضى اثنتي عشرة سنة في سجن تدمر، دون تهمة محددة، بعد ان اعتقل في المطار بعد عودته من باريس، أو ياسين الحاج صالح في بالخلاص يا شباب، وسواهما. اليوم أظهر تقرير منظمة العفو الدولية بالشهادات والأدلة الدامغة، سياسة النظام القمعية التي ليس لها نظير في التاريخ. المسؤولية تقع اليوم على كل منظمات حقوق الانسان العربية منها والدولية، وكذلك كل الأنظمة والدول التي تحترم حقوق الانسان لإدانة هذا العمل الإجرامي، في بلد تحول خلال نصف قرن من حكم هذا النظام، إلى بلد مدمر، هجر ربع شعبه خارج الحدود، وقتل منه أكثر من نصف مليون شخص، وتجري فيه سياسة الترحيل القسري والتغيير السكاني على مرأى ومسمع العالم أجمع، لكن لا من سمع، ولا من رأى.. بانتظار فضائح أخرى في سجون أخرى.

كاتب سوري

====================

هل تفعلها تركيا؟! .. محمد فاروق الإمام

لا ينكر اهتمام تركيا بالقضية السورية إلا جاحد، فمنذ ساعات انطلاقة الثورة الأولى وتركيا حكومة وشعباً تقف إلى جانب ثورة شعب سورية المظلوم على يد حكامه الساديين، ولم تتوانى تركيا لحظة واحدة في تقديم المساعدة ومد يد العون إلى الشعب السوري، وهو يعاني ما يعاني من قتل وتدمير وتهجير، فقد فتحت حدودها الممتدة لنحو ألف كيلو متر أمام الفارين من جحيم براميل الأسد المتفجرة، وصواريخ طائراته المدمرة، وسموم الموت التي ينشرها عبر ما يلقي من قنابل من الطائرات والمدفعية، فيما كانت قوافل الغذاء والمساعدات تعبر الحدود التركية إلى سورية بدون أي عراقيل أو موانع، مستقبلة الملايين بصدر رحب وحسن ضيافة وإكرام قل نظيره عند الأشقاء العرب.

تركيا التي يتربص بها الأعداء من كل حدب وصوب فوجئت بمحنة الشعب السوري وما يتعرض له من عذابات وآلام وجراحات، وهذه الحالة جعلت القائمين على الحكم في أنقرة في حيرة من أمرهم، وهم يرون ما يفعل نمرود الشام بالأطفال والشيوخ والنساء من قتل وتهجير وسوق إلى السجون والمعتقلات، وما يرتكبه من عمليات تدمير ممنهجة للأبنية والممتلكات والبنية التحتية، إلى درجة تغيير المعالم الحضارية لعدد كبير من المدن والبلدات والقرى، وبعضها عادت إلى عصور ما قبل التاريخ، بفعل ما ارتكب من أعمال وحشية لم يأت التاريخ على ذكر مثيل لها في أحلك صفحاته.

تركيا التي كانت تنافح عن نفسها على عدد من الجبهات الداخلية والخارجية لم تنس دورها تجاه الأشقاء السوريين، وقدمت أقصى ما تستطيع أن تقدمه لتخفف عن السوريين آلام محنتهم التي طالت واستطالت، والسوريون الذين كانوا ينتظرون من تركيا أن تخطو خطوة جريئة باتجاه التدخل العسكري للجم نمرود الشام ووقفه عند حده، وكان هذا ممكناً قبل أن تصبح سورية مرتعاً للمخابرات الدولية والجماعات الإرهابية، وحقلاً لتجارب الأسلحة الفتاكة للدول المارقة التي تتصارع على الهيمنة على بلاد الشام وبسط نفوذها على أراضيها.

السوريون اليوم يطمحون لتقوم تركيا بما لم تقم به من قبل، بعد أن حسنت علاقاتها مع روسيا وجاءت إدارة أمريكية جديدة تؤيدها في إيجاد مناطق آمنة للسوريين، والمعارضة السورية وفصائلها المسلحة قد نضجت واستفادت من دروس الماضي، وكل هذا يصب في امكانية أن تفعل تركيا الكثير للسوريين في تسريع حل قضيتهم دون أن يعرضها لأي مضايقة إقليمية أو دولية، ويتلخص ذلك في منح السوريين الجنسية التركية، ومن ثم تجنيد الشباب بحسب القوانين التركية ليكونوا نواة للجيش الوطني السوري، بصفتهم يحملون الجنسية السورية إضافة إلى الجنسية التركية، وهذا معمول به في معظم دول العالم ومنها (الدولة العبرية) التي تضم وحداتها العسكرية الأمريكي والأوروبي والكندي وغيرها من الجنسيات المتعددة.

هؤلاء الشباب الذين ندعو لتجنيدهم هم الآن يعيشون في حالة ضياع فكري وأخلاقي واجتماعي، وإن لم تضبط حياتهم فإنهم سيكونون قنبلة موقوتة ستنفجر في أي وقت، وشظايا انفجارها ستصيب الجميع أتراكاً وسوريين، لأنهم سيكونون أداة سهلة بيد أجهزة المخابرات المعادية لسورية ولتركياوهي منشرة في معظم الأراضي السورية والتركية، وسلعة سهلة الامتلاك بيد الجماعات الإرهابية التي تنموا يوماً بعد يوم رغم الحرب التي يشنها العالم عليها.

فهل تخطو تركيا – وبدون تأخير – هذه الخطوة الجريئة وتعد جيشاً وطنياً من السوريين يتحمل شرف الدفاع عن سورية وطرد المحتلين من أراضيه وتحرير الشام من العصابة السادية التي تتحكم به منذ نصف قرن؟!

========================

رجالات سورية : السياسي السوري الكبير خالد العظم .. محمد فاروق الإمام

346

خالد بن محمد فوزي العظم زعيماً وطنياً سورياً ولد في دمشق عام 1903م، ورئيسا للوزراء ست مرات، كما كان رئيسا بالنيابة (4 نيسان- 16 أيلول 1941م). كان عضوا في واحدة من أبرز العائلات السياسية في سوريا وهي عائلة العظم، وابناً للوزير العثماني للشؤون الدينية. وتخرج من جامعة دمشق عام 1923م في مجال القانون، وانضم إلى حكومة المدينة في عام 1925م. في هذا الوقت أدار أملاك عائلته في جميع أنحاء البلاد. وفي سنة 1930م، أصبح من المقربين إلى كبار أعضاء الكتلة الائتلافية المناهضة للفرنسيين، مثل الرئيس هاشم الأتاسي و شكري القوتلي. وقد بقي وقتاً طويلاً من المؤيدين لهاشم الأتاسي، ومتعارضا مع شكري القوتلي، الذي اتهمه بأنه سلطوي جداً. وقد عينه الانتداب الفرنسي في عام 1941م رئيساً للوزراء ورئيساً بالنيابة، بعد عدم نجاحها في العثور على مرشح رئاسي منذ استقالة الأتاسي في عام 1939م. وقد استبدل لاحقا بعد 5 أشهر بتاج الدين الحسني الموالي لفرنسا.

عمل خالد العظم مراراً في البرلمان ومجلس الوزراء في الفترة 1943-1947م. أصبح محوراً للمعارضة عندما استقال من الحكومة في عام 1945م وقاد الحملة المعارضة لتعديل شكري القوتلي للدستور كي يسمح لنفسه بفترة رئاسية ثانية. فاز القوتلي، ونافسه خالد العظم في عام 1947 وخسر. بيد أنه قبل منصب السفير في فرنسا، وعمل بهذه الصفة لمدة عام. ونجح في إبرام صفقة شراء الأسلحة من فرنسا وفي وقت لاحق من الاتحاد السوفياتي.

في أيار سنة 1948م وافق على تشكيل حكومة متعددة الأحزاب تحت حكم القوتلي الذي بقي حتى مارس 1949. تحالف مع فرنسا والولايات المتحدة محاولاً الحصول على قروض من أجل التنمية المحلية. سافر كثيراً لحضور اجتماعات الأمم المتحدة الخاصة بالقضية الفلسطينية. تصادم العظم مع أفراد من الجيش، ولاسيما رئيس هيئة الأركان حسني الزعيم.

قام حسني الزعيم بانقلاب في 29 آذار عام 1949م، وسجن كلاً من خالد العظم والرئيس شكري القوتلي. عندما أطيح بحسني الزعيم بعد خمسة أشهر، عاد خالد العظم إلى البرلمان كنائب عن دمشق، وأصبح وزير للمالية. كما انتخب في الجمعية التأسيسية التي صاغت دستور جديد لسورية.

أصبح رئيساً للوزراء من جديد تحت حكم هاشم الأتاسي الثاني، في حزيران عام 1950م. أغلق العظم الحدود في وجه السلع اللبنانية في محاولة لمنع سقوط الصناعة المحلية نتيجة لتفشي الواردات اللبنانية. كما تصادم مراراً مع الجيش لأنه رفض تعيين الضباط في أي من وزاراته، وحفظ دائما حقيبة الدفاع إلى نفسه. كما تصادم مع العناصر المؤيدة لنظام هاشم الأتاسي في الحياة السياسية السورية التي تدعو إلى الوحدة مع العراق.

انعدمت ثقة الاشتراكيين فيه بسبب خلفيته الأرستقراطية الغنية والعثمانية. ترك خالد العظم المجال السياسي في عام 1951 حتى عام 1954م احتجاجا على انقلاب أديب الشيشكلي الذي أطاح بحكم الأتاسي الديمقراطي.

بعد الإطاحة بالشيشكلي، خسر العظم مقابل شكري القوتلي في الانتخابات الرئاسية التي جرت في عام 1955م. تقاعد عندها لفترة وجيزة، ثم عاد مرة أخرى في تشرين الثاني عام 1956م ليدخل في التشكيلة الحكومية لصبري العسلي كوزير للدفاع. لعب العظم دوراً رئيسياً في تحقيق التحالف مع الاتحاد السوفييتي، وسافر مراراً وتكراراً لترتيب القروض والاتفاقات الاقتصادية وصفقات الأسلحة، مما أثار غضب الولايات المتحدة، حيث لقب بـ "المليونير الأحمر". وقد اعتمدت الصحافة السورية هذا اللقب خلال فترة الخمسينيات. ولأنه لم يكن اشتراكياً، ومعارض في واقع الأمر لدعوات الاشتراكية في العالم العربي، فقد عارض بدون جدوى الوحدة مع مصر في عام 1958م التي أدت إلى إعلان الجمهورية العربية المتحدة، مبيناً أن الوحدة مع عبد الناصر من شأنها أن تدمير النظام الديمقراطي واقتصاد السوق الحرة في سورية. اعتزل العظم الحياة السياسية خلال فترة الاتحاد وهاجر إلى لبنان (1958-1961م).

عندما حصل الانفصال، عاد إلى سورية، وساعد في صياغة وثيقة الانفصال بنفسه، وحاول خوض انتخابات الرئاسة ولكن الجيش رفض ترشيحه. انتخب ناظم القدسي، وعاد العظم إلى البرلمان كنائب عن دمشق. يوم 28 آذار عام 1962م، أطاح انقلاب آخر بالنظام، وسجن القدسي والعظم. وفي 2 نيسان من نفس العام أطلق انقلاب مضاد سراحهم، وأصبح العظم رئيساً للوزراء من جديد تحت حكم القدسي. تحالف الرجلان مع الرئيس السابق شكري القوتلي لتخليص الجيش من الناصريين، وعكس مشروع التأميم الذي وضعه جمال عبد الناصر عندما كان رئيساً للجمهورية العربية المتحدة. وقبل تحقيق ذلك، نفذ حزب البعث العربي الاشتراكي انقلاباً وأمسك بالسلطة في سورية في 8 آذار عام 1963م وهرب كل من العظم والقدسي إلى المنفى.

انتقل خالد العظم نهائياً إلى بيروت، حيث عاش في ظروف مادية صعبة، وقد وضع حزب البعث يده على أملاكه في سورية. وتوفي هناك ودفن يوم 18 تشرين الثاني 1965. نشرت مذكراته لاحقاً في عام 1973.

==========================

الكل يسرقنا!! .. محمد فاروق الإمام

هالني تصريح الرئيس الأمريكي الجديد ترمب القاضي بالاستيلاء على أموال السياسيين العراقيين في المصارف الأمريكية، مدعياً أن هذه الأموال هي حصة الشعب الأمريكي، وضريبة دماء الجنود الأمريكان التي أهرقت في العراق.

وهذا التصريح إن دل على شيء فإنما يدل على التأكيد أن الرئيس الأمريكي الجديد ترمب هو بلطجي ولص ويستحق مع السياسيين العراقيين اللصوص، لقب (علي بابا والأربعين حرامي)، وكان من الأفضل لترمب أن يرشح نفسه لمنصب أكبر قرصان في العالم وليس ليكون رئيساً لأكبر قوة اقتصادية وعسكرية في العالم.

هذا اللص الشاطر الذي يريد أن يسرق من لص وضيع، وأقصد به السياسي العراقي،الذي سرق أموال أبناء بلده وأفرغ جيوبهم وتركهم عرضة للجوع والفقر والتشريد، كان الأحرى به أن يصرح بأن ما نهبه الساسة العراقيون من أموال الشعب العراقي سنعيده إلى الشعب العراقي، ليتنعم به ويعيد إعمار بلده وتحسين أوضاع شعبه، ولو فعل ذلك لكنا رفعنا له القبعة وأطلقنا عليه لقب (روبن هود).

أما وأنه لم يفعل ذلك فهو في عرفنا لص كبير يريد أن يسرق من لصوص صغار لقمة الخبز وجرعة الحليب التي سرقوها من أفواه أبناء العراق، الذين ينهش الجوع أكبادهم ويلسع زمهرير الشتاء أجسادهم.

أما اللصوص العراقيون فحسابهم سيكون على يد شعبهم إن عاجلاً أو آجلاً، وستظل ذكراهم النتنة يتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل، مذكرة بما سرقوه من جيوبهم ومن خزائن دولتهم.

وفي جردة بسيطة لهذه الأموال التي نهبها هؤلاء الساسة من خزانة الدولة، والتي تعد بمئات المليارات، كان العراق بهذه الأموال استعاد عافيته وقوته ومكانته التي كان عليها قبل غزو التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة لأراضيه، ووفرت على العراقيين ملايين القتلى والجرحى والمعوقين والمهجرين.

ولو ألقينا نظرة عما جرى ويجري في دول الربيع العربي وما اكتشف من سرقات مهولة قام بها حكام هذه البلدان، لوجدنا أنها لا تقل خسة ونذالة عن تلك التي نهبها ساسة العراق، وراح بعض هؤلاء الحكام يستخدمون هذه الأموال في ذبح شعوبهم وتدمير بلدانهم كما يحدث عندنا في سورية وفي اليمن، ولم يكتف نمرود الشام بما سرق وسرق أباه وأعمامه من جيوب السوريين ثمن لقمة عيشهم، ومن خزينة الدولة ما حوت من عملة صعبة، وما جاء من بيع النفط والغاز من ملايين الدولارات، وما تحت الأرض من كنوز تزخر بها بلاد الشام كأقدم أرض عرفت الحضارات على مدار نصف قرن تقريباً، فقد أوغل نمرود الشام إلى أبعد من ذلك، فلم يكتف بسرقة السوريين وخزينة الدولة، وما يدره النفط والغاز من أموال، بل نجده قد اتخذ قراراً بسرقة سورية كاملة، فقد أتخذ شعاراً لمواجهة الثورة (الأسد أو نحرق البلد)، وبالفعل أحرق البلد وقتل الشعب ودمر المدن، وراح أبعد من ذلك، فقد باع سورية وثرواتها للإيرانيين والروس، وجعل منها مستعمرة لهما، وأعاد عقارب الساعة فيها إلى ما قبل التاريخ.

========================

الشعب والإعلام .. الدكتور عادل عامر

يعد الدور الأخطر للإعلام بوقت السلم، حيث أنه يمكن أن يرسم استراتيجيات وسياسات، ويعطى توجهات ويشكل أراء، لشعوب الدول المختلفة، وبخاصة الأقل قدرة في التعامل مع رسائل الإعلام الدولي، وفهم مضمونها وعدم الوقوع في فخاخها، وذلك من خلال ما تملكه الدولة من أدوات وبرامج إعلامية تكون بمثابة حائط صد يفند ويشرح ويقدم التصحيح الآني والدقيق لجميع الأخبار التي تنشر وتبث، وتستهدف شعب هذه الدولة.

وأيضا استخدام الدولة نفسها للإعلام للسيطرة على شعبها، أو استخدام رجال الأعمال من مالكي وسائل الإعلام للوسيلة الإعلامية لتوجيه الرأي العام وتشكيلة والسيطرة علية بما يخدم توجهاتهم وسياستهم سواء كانت مع أو ضد الدولة ذاتها، وهنا درجات السيطرة تختلف باختلاف درجة ثقافة ووعى شعب تلك الدولة.

إن الدولة رؤيتها غير واضحة فيما تريده من الإعلام؟، لأنه يوجد إشارات متضاربة، ففي بعض الأوقات يكون هناك توجيه من الدولة نحو إعلام الحشد والتعبئة، وفى أحيان أخرى توجيه نحو حرية الإعلام والإعلاميين, لكن لا توجد رؤية محددة لمسار النظام السياسي، وبالتالي لا توجد رؤية لوضعية الإعلام في مصر، بمعنى أنه لا توجد رؤية عامة للسياسات فلا توجد رؤية خاصة للإعلام في هذا الإطار، قائلا: "الدولة عاوزة الإعلام حتة صلصال في إيدها".

تبدي بعض الانتقادات الشعبية الموجهة لأسلوب تعاطي ونشاط وسائل الإعلام التي تنعكس في مواقع التواصل الاجتماعي، أن بعض وسائل الإعلام هذه لا تمثل رؤى ومطالب الناس، وتسعى وراء تحقيق غايات غير مصلحة الشعب.

إنها تصبح أحيانا أداة تبرير للقرارات والتخطيط الخاطئة للمسئولين؛ أغلاط وسوء تصرفات لا تتوافق ومطالبَ الشعب وعليه دفع تكلفتها. حتى أن وسائل الإعلام هذه تقوم أحيانا بحجب ورقابة الأخبار وتوجيهها حتى لا يطلع الناس على بعض الموضوعات. يجب أن يحتفظ الإعلام بموقعه ألانتقادي والمؤمن بأن النقد منصة لإرساء الإصلاح كل، ولا يُرجى تحسين حال مجتمع، ما لم يتم إقرار سيادة النقد فيه. يم مصلحة الناس؟ لمن صلاحية تحديد وتشخيص مصلحة الشعب؟

كيف يسمح هذا أو ذاك لنفسه بهذا التعيين والتشخيص؟ أمصالح الحكومة تختلف عن مصالح الناس فردا فردا وعن مصالح المجتمع، أم أنها متوافقة مؤتية معها؟ وفي حال تزاحمهما، لأي منهما الأفضلية في سلم الأولويات؟

واضح أن على الحكومة المسئولة الملبية لتطلعات الشعب إبلاء قصوى الأولويات لتوفير مصلحة ومطالب مواطنيها. في الحقيقة يجب أن لا تُضَيّع أبدا حقوق المواطنين بذريعة مصالح الحكومة والإيهام بأن هناك ما هو أسمى وأعلى من مطالب ومصلحة الشعب لكن الشعب غير عالم به، وأن لآخرين صلاحية تشخيصه ووضعه.

يستثمر أخيرا الاحتجاجات الشعبية على أسلوب تعاطي ونشاط وسائل الإعلام والمطالبات بتحسينه دون ريب وشك، ويجب أن لا يُسمح لوسائل الإعلام بأن توفر للمسئولين مفرا من القيام بمسؤولياتهم والاعتراف بأخطائهم وإصلاحها. أدى التقدم العلمي المتسارع، الذي شهدته الـ50 عاما الأخيرة، إلى توسيع الفجوة بين المعرفة العامة والمعرفة التي تمتلكها النخب الحاكمة، فبفضل علوم الأحياء والأعصاب وعلم النفس التطبيقي، تمكن “النظام ” من معرفة الكائن البشري جسديا ونفسيا، فالنظام يستطيع معرفة الشخص العادي بشكل أفضل مما يعرف هو نفسُه، وهذا يعني أن النظام، في أغلب الحالات، هو الذي يملك أكبرَ قدر من السيطرة والسلطة على الأفراد أكثر من الأفراد أنفسهم.

الحقيقة أن الإعلام “يستثمر” إمكانات موجودة داخل النفس الإنسانية ، لكنه “يجّيرها ” لجهة أخرى ، في داخل النفالساكن،ة هناك فعلا “الميل إلى التعاطف” مع الإنسان و هو ميل ايجابي و يمكن لو وضع في مسار آخر أن يسخر لصالح العمل على تغيير الواقع السيئ..لكن بدلا من ذلك يأتي الإعلام و يصرفه في اتجاه آخر تماما ، اتجاه لا يؤدي إلى شئ إطلاقا ، بل إلى طريق مسدود ، فبدلا من التعاطف مع المشردين و المسحوقين و الفقراء من أصحاب المشاكل الحقيقية ، هناك هذه المشاكل المفتعلة التي “سيضخ” الاهتمام بها من قبل وسائل الإعلام ، والتي لن تؤدي إلى شئ..مالذي سيحدثه مثلا الاهتمام بوزن المذيعة؟

مالذي سيحدثه التأثر لحادثة وفاة طبيعية ؟ لا شئ قطعاً غير صرف النظر عن المشاكل الحقيقية.. أما التأثر بمشاكل أولئك المسحوقين و المهشمين و الفقراء فأنه ربما يؤدي إلى الوعي ..و الوعي قد يؤدي إلى الرغبة في التغيير .. و الرغبة في التغيير قد تؤدي إلى ( ما لا يحمد عقباه) بالنسبة لملأ كل زمان و مكان..أي إلى الثورة…و هذا بالطبع ما يعمل الإعلام على “درئه” ليس فقط لأنه موظف عند الملأ الذي يهمه استمرار الوضع الساكن ، بل لأنه بطريقة ما صار جزءاً من هذا الوضع الساكن ككل..

و لأن ما يخطط و يحدث للمجتمع لا يمكن أن يحصر فقط بالطــبقة الأدنى و الأقل دخـلا ، و لو كان ذلك أكثر ظهوراالأمريكي،كن للمجتمع ككل فأن الأمر هنا يشبه عملية بتر لعضو من أعضائك تجري دون أن تنتبه لأن الإعلام هنا يقوم بعمليـة التخدير و الإلهاء عما يدور..و هذا هو في الحقيقة الاستعمال التاريخي للأفيون الذي كان يستخدم في العمليات الجراحية لغرض تخدير المريض و تخفيف آلامه..و هذه هو- بالضبط- الاستخدام الحالي للأعلام ، إنه أفيون الشعوب الذي يخدرها و يلهيها عما يدور و يفعل بها ، بل أكثر من ذلك يسهل تشكيل سقف وعيها و تحديد خيـاراتها ، و يقودها لتختار ما حدد سـلفا إنها ستختاره ، و ستتصور هذه الجماهير خلال ذلك إنها تفعل ما تفعل بكامل وعيها و إرادتها.

أنه أفيون الشعوب الذي قد يكون الشعب الأمريكي ضحيته الأولى بهذا الشكل المبرمج الحاذق و على هذا النحو الواسع..لكن لأن الأمور تتداخل في العالم بسرعة ، فان العالم كله صار يتعرض بالتدريج لما تعرض له الشعب الأمريكي ، و ها نحن نرى الأذرع الأخطبوطية للأعلام تمتد لأوطاننا و تحاول أن تفعل الشئ ذاته ، مرة بأسمائها الأصلية المباشرة و مرة بأسماء معربة هي في حقيقتها مجرد “استنساخ” عن الأفيون الأصلي هناك.. مهما تحدثنا عن تأثير الإعلام سلبا و إيجابا في بلداننا العربية فأن الأمر لا يمكن أن يقارن بتأثيره على الفرد الأمريكي ، و ربما لا يعود ذلك إلى استقلالية “مفترضة” للفرد العربي بل إلى ركاكة و بلادة أغلب وسائل الإعلام العربية خاصة الرسمية منها..مقابل الحذق و المهارة التي تمكنت من خلالها وسائل الإعلام في الغرب أن تكون أفيونا حقيقيا.. أن “أخطر شيء أن يخطو الإنسان خطوة ولا يعرف أين يضعها وهذا ما يحصل على كافة المستويات بما فيها الإعلام والسياسة التي تديره” “لا أستطيع أن ألوم أحداً مع تكرار الأخطاء وتكرار حالة الزعيق الموجودة وعدم وجود محاسبة على نشر الأخبار المغلوطة”.

كان من الممكن لقليل من الملايين المرصودة للثقافة والفنون أن توفّر علينا العشرات بل المئات من الملايين وأكثر؛ لكن خوف النظم من الثقافة والفنون الجادة أن تؤثر على ديمومة الحال، دفعها لإبراز وإشهار ما هو سطحي يستخدم الكوميديا الهابطة والجنس الرخيص، وتشجيع خفي على الإقبال على المخدرات المادية والمعنوية.

دكتور في الحقوق وخبير في القانون العام

======================

سجن صيدنايا حلقة من حلقات جرائم السجون في سوريا .. رياض معسعس

القدس العربي

الخميس 16/2/2017

لم يفاجئني خبر منظمة العفو الدولية حول جريمة النظام السوري بتصفية 13000 معارض شنقا حتى الموت في سجن صيدنايا الرهيب. ذلك أن هذا السلوك الهمجي الذي لا يمت للإنسانية بصلة، هو سمة هذا النظام منذ بداياته منذ هزيمة ما سمي بالنكسة عام 1967.

فمعاملة المعارضين لم تكن يوما في ظل هذا النظام القمعي- البعثي العسكري ـ الطائفي معاملة حقوقية ترتكز على اتهام مقابل دفاع في محكمة عادلة، القضاة فيها مستقلون لا موظفين تابعين للسلطة التنفيذية ويقعون تحت سطوتها وأوامرها، وإفسادها، فالسجون السورية باتت بالنسبة للنظام أفضل مكان للقضاء على المعارضين دون ضجيج، أو دون اللجوء إلى الاغتيالات السياسية، التي لا بد أن تثير حوله الشبهات والتحقيقات لدى منظمات حقوق الإنسان، كما حصل في كل الاغتيالات السياسية التي قام بها في لبنان، بدءا من كمال جنبلاط، وانتهاء بالرئيس رفيق الحريري، مرورا بكل الصحافيين والسياسيين، الذين كانوا يقفون شوكة في حلقه كالصحافي سمير قصير أو جبران تويني.

هذا النظام المخابراتي الذي وضع حجر الأساس فيه حافظ الأسد عام 1970 كان قائما منذ البداية على فرز الشعب السوري إلى من مع الأسد ومن ليس مع الأسد، ومن كان ضد الأسد فهو متهم بالخيانة العظمى والعمالة لإسرائيل، أو لأي جهة خارجية أخرى يمكن أن يلفقها أي ضابط صغير في المخابرات، بتهمة أنه ضد نظام الصمود والتصدي والممانعة ضد العدو الإسرائيلي، الذي تبين في ما بعد أنه كان الأكثر حرصا على أمن اسرائيل، وهو ما صرح به رامي مخلوف ابن خالة الرئيس في بداية الثورة السورية، بأن أمن اسرائيل هو من أمن سوريا. وباتت عملية الاعتقالات التعسفية التي في معظم الأحيان تعتمد على تقارير ملفقة من قبل مخبرين صغار يحاول واحدهم أن يظهر مهارته في العمالة، أو يريد الانتقام الشخصي من فرد ما تربطه به عداوة شخصية. فكم من الأشخاص دخلوا غياهب السجون بسبب صورة مع أحد الأشخاص المشتبه فيهم أمنيا من النظام، أو بسبب كلمة قالها في مقهى لم تعجب النظام ونقلها أحد العملاء. أما ما تعلق بالأحزاب المحظورة كالاخوان المسلمين، أو الاتحاد الاشتراكي، أو حزب الشعب الديمقراطي السوري، حزب العمل الشيوعي ومعظم الأحزاب الكردية، فإن العديد من أعضائها تعفنت أعضاؤهم في السجون السورية التي نبتت كالفطر في جميع انحاء سوريا. سجن المزة، سجن تدمر، سجن عدرا، سجن صيدنايا.. وسجون أخرى في كل مدينة، حتى قلعة دمشق حولت إلى سجن، هذا إذا ما استثنيت كل معتقلات المخابرات في الأقبية المخفية التي ذوبت فيها أجساد بالأسيد، أو مات فيها السجناء جوعا، أو تحت التعذيب المريع، وهذا ما أثبته «القيصر» المصور الذي هرب 55 ألف صورة لأحد عشر ألف قتيل تحت التعذيب كدست جثثهم في العراء، وحولوا إلى أرقام، ولم يعر المجتمع الدولي أي اهتمام بها وتعامى عنها.

إن مجزرة سجن صيدنايا، أو ما اصطلح على تسميته بالسجن الأحمر (تم طلاء السجن باللون الأحمر للتذكير بدماء القتلى فيه) سبقتها مجزرة سجن تدمر، التي قام بها حافظ الأسد على يد أخيه رفعت الأسد قائد ما سمي بسرايا الدفاع حينها قبل أن ينهب مليارات الدولارات من أموال الشعب السوري ويلجأ إلى فرنسا (واليوم يقوم ابنه فراس بنشر مذكراته عن جرائم العائلة، ويهدده أخوه دريد بالقتل اذا ما استمر بنشر هذه المذكرات). وقد كتب عن هذه المجزرة البشعة عدة كتب وروايات تتحدث عن الواقع الرهيب الذي عاشه السجناء فيه، منها على سبيل المثال لا الحصر، «القوقعة» للكاتب مصطفى خليفة الذي أمضى اثنتي عشرة سنة في سجن تدمر، دون تهمة محددة، بعد ان اعتقل في المطار بعد عودته من باريس، أو ياسين الحاج صالح في بالخلاص يا شباب، وسواهما. اليوم أظهر تقرير منظمة العفو الدولية بالشهادات والأدلة الدامغة، سياسة النظام القمعية التي ليس لها نظير في التاريخ. المسؤولية تقع اليوم على كل منظمات حقوق الانسان العربية منها والدولية، وكذلك كل الأنظمة والدول التي تحترم حقوق الانسان لإدانة هذا العمل الإجرامي، في بلد تحول خلال نصف قرن من حكم هذا النظام، إلى بلد مدمر، هجر ربع شعبه خارج الحدود، وقتل منه أكثر من نصف مليون شخص، وتجري فيه سياسة الترحيل القسري والتغيير السكاني على مرأى ومسمع العالم أجمع، لكن لا من سمع، ولا من رأى.. بانتظار فضائح أخرى في سجون أخرى.

كاتب سوري

========================

روسيا في سورية بميزان ترامب .. غازي دحمان

الحياة

الاربعاء 15/2/2017

لم تبد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أي استجابات أو ردود فعل واضحة على إجراءات روسيا في سورية، والتي تصل احياناً إلى حد الطعن في الخاصرة، وذلك في ما يبدو انه رغبة من روسيا في اختبار سياسات إدارة ترامب ومعرفة ماهيتها وحدودها.

منذ سنة 2008، تاريخ غزوه جورجيا، يختبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سياسة الإدارات الأميركية تجاه روسيا عبر مواقفها الصادرة حيال تحركاته التي تنطوي غالباً إما على رفض وإدانة تلك السياسات، كما حصل في أوكرانيا، أو القبول بها كما حصل في سورية، وكان على مقتضى هذه المواقف يرسم حدود تحركاته ويكيفها، تضييقاً كي لا تلامس الخطوط الحمر الموضوعة ضمناً في حالة الرفض، وتوسيعاً للاستفادة إلى أعلى درجة من الهامش المسموح.

غير انه مع إدارة ترامب يواجه نمطاً مختلفاً من التعاطي، فعلى رغم الحماسة والاندفاع اللذين يسمان شخصية ترامب إلا أنه في الموضوع السوري لم يكشف عن طبيعة السياسات التي سيتجه إلى إقرارها وإنفاذها في ملف يكاد يستهلك الجزء الأكبر من فعاليات السياسات الدولية في العقد الأخير.

صحيح أن ترامب أكد في عدد من المرات أنه يرغب في التعاون مع روسيا في محاربة الإرهاب، لكنه لم يوضح الكيفية ولا الآليات التي يراها بهذا الخصوص، وبالعكس من ذلك اتخذ قرارات صادمة للروس، مثل إعلانه الرغبة في إقامة مناطق آمنة، ولعل الأخطر من ذلك إعلانه الصريح نيته تقيض النفوذ الإيراني في المنطقة، وكل ما سبق مؤشرات ونذر سوء يفهمها الروس جيداً اكثر من سواهم.

في موضوع المناطق الأمنة يقلص ترامب النفوذ الروسي في سورية على مناطق صغيرة، ربما على طول الشريط المسمى «سورية المفيدة» ويلغي تالياً المظلة التي حاولت روسيا موضعتها على جزء من الشرق الأوسط، بما فيه أجزاء واسعة من تركيا، الجناح الجنوبي من حلف الناتو.

ويستكمل ترامب إجراءات تقليص النفوذ الروسي في مشروع محاربته للتمدّد الإيراني، ذلك ان إيران وأذرعها تشكل الأداة العسكرية لروسيا في سورية والتي من دونها لم يكن ممكناً تحقيق ما حققته، ومن دونها أيضاً ستكون روسيا امام خيارات قاسية، أسهلها العودة إلى الاحتماء وراء جدران حميميم وطرطوس.

حتى في موضوع بشار الأسد، لم يقل ترامب سوى انه لا مشكلة في بقائه، وهذه أيضاً يفهمها الروس جيداً، ذلك أن بقاء الأسد ولكن معزولاً يعني أن أميركا تطلب من روسيا تدبير شؤون الجزء الذي يسيطر عليه الأسد من سورية، بما فيه من إعادة الإعمار التي تتكلّف بحدود ترليون دولار، عدا عن تدبير شؤون الحياة المعيشية والإدارية في منطقة لا موارد فيها، لا قمح ولا نفظ وغاز، ولا يمكن الترويج فيها حتى للسياحة في بلاد صارت الخرائب تشكل معظم المشهد فيها.

وعلى عكس ما اشتهى وتمنى بوتين من أن إدارة ترامب ستتعامل معه بوصفه قوة ندية وذات مكانة دولية، لا يبدو أن سياسات ترامب تسير إلى هذا الأفق، وإلا لكانت احترمت إجراءات روسيا وترتيباتها وقامت بشرعنتها، في حين أن الحاصل هو أن إدارة ترامب تصنع خريطة تحركاتها وكأن روسيا لم تصنع شيئا منذ أيلول (سبتمبر) 2015، بل وكأن كل الجهد الذي قامت به في حلب من أجل تغيير موازين القوى وفرض سياسات أمر واقع على اميركا لم تكن سوى عملية لصوصية قامت بها موسكو وفي ظنها أنها تحصّلت على ما تريد، في حين أن إدارة ترامب تبلغها اليوم، وإن بطريقة غير مباشرة أن ذلك لم يكن سوى مباراة ودّية بهدف التسلية ولا تحمل أي طابع إستراتيجي كما أن نتائجها لا تؤخذ في الاعتبار ولا تؤثر في تراتبية اللاعبين.

هل يعني ذلك أن ترامب لا يعترف بأي إنجاز روسي في سورية ولا بأي مصالح لها في هذا البلد؟، بالطبع ليس هذا ما يريده ترامب تماماً، بقدر ما يريد القول ان سورية ليست حكراً على روسيا، فهناك أجزاء منها تشكل تماساً مباشراً مع مناطق للنفوذ الأميركي، في العراق والأردن وتركيا وإسرائيل، وهذه المناطق ليست مجرد شرائط حدودية بل لها عمق جغرافي يمتد داخل سورية، وبذلك، فإن ترامب يعترف لبوتين بحدوده الغربية في سورية، لكنه في الوقت ذاته يضع نفسه في موقع المقرّر في بقية الحدود.

ولا شك في ان هذا الأمر ينطوي على رسالة مهمة من ترامب لبوتين مفادها، أننا راقبنا استعراض قوتكم وتفحصنا أدواته ومكوناته، هو جيد إلى حد ما، لكنه لم يتجاوز مقدرات قوة إقليمية يمكن التعاون معها شريطة أن يصب ذلك التعاون في مصلحة إستراتيجيتنا الكبرى.

========================

حكايتنا مع مطلب المنطقة الآمنة .. أكرم البني

 الحياة

الاربعاء 15/2/2017

وجديد الحكاية إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، موافقته على إنشاء منطقة آمنة في سورية، بخلاف سياسة سلفه أوباما، الرافضة، وطيلة سنوات، تلك الفكرة. وقديم الحكاية، مطالبة مبكرة لأهم قوى المعارضة السورية بمنطقة آمنة، واكبتها دعوات متكررة لحكومة أنقرة تحض الغرب والمجتمع الدولي، على تبني هذا الخيار، وتلاها تصريحات أوروبية متأخرة داعمة له. والأمثلة، إنشاء منطقة آمنة شمال العراق عام 1991، ثم في البوسنة عام 1992، وبعدهما في ليبيا عام 2011 عبر حظر جوي سمح للحلف الأطلسي بمحاصرة قوات القذافي وشل حركتها.

وإذ تتوزع دوافع المهتمين بإقامة منطقة آمنة في سورية، بين الغايات السياسية أو الأهداف العسكرية والأمنية أو الحاجة الإنسانية، فالواضح أن الهاجس الأمني وكفّ شر اللاجئين السوريين عن بلاده، هما العاملان الأساسيان وراء موافقة دونالد ترامب على المنطقة الآمنة، ليشجع بحجتها السكان المدنيين على البقاء داخل أرضهم، ويخفف حركة اللجوء والهجرة نحو الغرب، والدليل تزامن موافقته على المنطقة الآمنة مع قراره التنفيذي بمنع دخول مواطني سبع دول، ومنها سورية، إلى الولايات المتحدة. فكيف الحال والكل بات يعرف عنصرية الرئيس الأميركي الجديد وشعاراته الشعبوية، وأنه لم يعر قضية السوريين ومعاناتهم المريرة أي اهتمام! بينما طالب الأوروبيون بالمنطقة الآمنة، ربما كموقف إنساني يقيهم ضغط الرأي العام نتيجة عجزهم عن حماية المدنيين السوريين أمام فظاعة ما يتعرضون له من فتك وتنكيل، والأهم التعويل على المنطقة الآمنة لاحتواء سيل الهاربين من أتون العنف وتخميد نزوعهم للهجرة نحو البلدان الأوروبية، وأيضاً لضمان إغلاق الحدود وتشديد الحصار بصورة محكمة في وجه حركة الجهاديين الإسلامويين.

أسباب عدة كانت تقف وراء مطلب أنقرة بالمنطقة الآمنة، تبدأ بوقف تدفق المزيد من اللاجئين السوريين الى أراضيها، مروراً بتوظيف تلك المنطقة كشريط عازل على طول الحدود لمواجهة تبلور وضع عسكري وميداني للأكراد السوريين يؤهلهم لإقامة كانتونهم القومي، مروراً بتحويل المنطقة الآمنة إلى ما يشبه القاعدة لتجميع فصائل المعارضة المقربين منها وتأهيلهم لمواجهة النظام، وانتهاءً بالرهان على إدارة هذه المنطقة لتفعيل نفوذ حكومة أنقرة وشرعنة حضورها السياسي والعسكري وفرص محاصصتها على المستقبل السوري.

«المنطقة العازلة مطلبنا» شعار رفعه المتظاهرون السوريون مطلع كانون الأول (ديسمبر) 2011، بدعم ومساندة أهم قوى المعارضة، لكن هذه المساندة، لم تنطلق فقط من دافع الحاجة الإنسانية وتخفيف معاناة السوريين، بقدر ما انطلقت من غايات سياسية وعسكرية، في رهان على أن يفضي القرار الأممي بفرض حظر جوي ومنطقة آمنة الى تدخل عسكري غربي يمكنه شل قدرات السلطة السورية، تشبهاً بما حصل في ليبيا، مع استثمار حمائية تلك المنطقة كمركز للتدريب والتعبئة وإدارة المعارك والهجمات ضد القوات النظامية.

لكنْ ثمة مياه كثيرة جرت، أفقدت المنطقة الآمنة جدواها السياسية وأغراضها العسكرية وغيرت الحسابات والمواقف، وأهمها التداعيات النوعية التي خلفتها معركة حلب في توازنات القوى، وتبدل بعض الاصطفافات والتحالفات الإقليمية والدولية، وأوضحها التفاهم المثير، عسكرياً وسياسياً، بين روسيا وتركيا حول الشأن السوري.

ويبقى الثابت إصرار النظام السوري وحليفيه روسيا وإيران على رفض فكرة المنطقة الآمنة، تحت ادعاء أنها تشرعن تقسيم البلاد! ولا يضعف هذا الإصرار رد موسكو المرن على تصريح ترامب وإبداء تفهمها لإنشاء منطقة آمنة شريطة موافقة دمشق عليها، بل يؤكده تاريخ من تصعيدهم العنف وتشديد الحصار لإثارة رعب المدنيين وإرهابهم وإجبارهم على الفرار أو تهجيرهم قسرياً، ومن رفضهم تحييد أية بقعة سورية يناهضها أهلها، ويمكنها استقبال النازحين وتجنيبهم شروط اللجوء القاسية في بلدان الجوار!

هو نوع من المبالغة وإحلال الرغبات مكان الوقائع، الاعتقاد بأن ثمة سياسة أميركية جديدة تجاه سورية بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض، واعتبار موافقته على المنطقة الآمنة محاولة لخلط الأوراق وتبديل قواعد اللعب، ودليلهم تصعيده الإعلامي ضد إيران والدعم المستجد لتقدم قوات سورية الديموقراطية نحو مدينة الرقة، أهم معاقل تنظيم «داعش»، لكن علينا أن لا ننسى أن ترامب هو الأقرب والأكثر تسليماً لدور موسكو في تقرير المصير السوري، وأن ثمة مهمة عميقة تشغله يصعب أن يفكر في غيرها، هي أولوية سحق الإرهاب الإسلاموي واستئصال «داعش». وإذا كان ثمة جديد فهو مطالبته بأن يقع على كاهل دول عربية وإقليمية جل الأعباء المادية لإنشاء المنطقة الآمنة، أسوة بدعوته لتحميل حكومة المكسيك التكلفة المادية لمشروع بناء السور العازل بين البلدين، والجديد أيضاً أن بعض الدول الأوروبية اتكأت على إعلان ترامب لتشديد مطالبتها بمنطقة آمنة، وتوسلته لتخفيف موجات اللجوء إلى أراضيها وتنشيط مساهمتها في معالجة الصراع السوري.

ويرجح أن تتعامل أنقرة بمواربة مع إعلان الرئيس الأميركي، فهي مكرهة على الترحيب به من حيث المبدأ انسجاماً مع دعواتها السابقة لإقامة منطقة آمنة، لكنها لن تغامر بالمضي قدماً في دعمه إن شعرت أنه يخلّ بتفاهمها واصطفافها مع موسكو، ويهدد ما حققته من نتائج على الأرض، بخاصة وأنها غير مطمئنة لسياسة واشنطن الداعمة بقوة لخصومها الأكراد، وتخشى أن تشمل المنطقة الآمنة أماكن خاضعة لقوات سورية الديموقراطية ما يشرعن الوجود الكردي ويعزز حضوره العسكري ودوره السياسي في المستقبل السوري.

والحال، هل تستطيع المعارضة التي طالما طالبت بمنطقة آمنة دفع موقفها إلى الأمام ودعم إعلان ترامب متجاوزة مصالح حلفائها الإقليميين وحساباتهم؟ وهل تسمح المستجدات اليوم بتبلور تفاهم أممي يفرض منطقة آمنة تكون حلقة داعمة لمسار التسوية السياسية، وفاتحة لتخفيف معاناة السوريين وما يكابدونه؟ أم سيبقى هذا المطلب سبباً لمزيد من التجاذبات الإقليمية والدولية وحافزاً لتسعير الصراع الدموي، والأسوأ لتعميق حالة الانقسام والتشظي وخطر تثبيت اللاجئين المنكوبين حيث هم لأمد طويل؟!

========================

"صيدنايا" ليست رواية من الخيال .. يمان دابقي

العربي الجديد

الاربعاء 15/2/2017

تريثتُ كثيراً قبل أن أنسجَ كلماتي لما صدر عن منظمة العفو الدولية لتوثيقاتٍ وشهاداتِ ثلاثة عشر ألف سوري من أبناء بلدي سورية الذين تمّ سلخُهم بشتّى أنواع الطرق المحدثة لوسائلِ تعذيب، ما كنا نسمع بها إلا في العصر القديم من بداية البشرية.

لم أجد في قواميس اللغة العربية مفرداتٍ مناسبة تعبّر عن هول الصور التي تَقشَعِرُ لها الأبدان، ويندى لها الجبين، فمن غير المنطقي أن يكون ما نتحدّث عنه ينطبق على مفهوم الإنسانية في العصر الحديث، فكيف يمكنُ فهمِ تطوّر نسق العلم والوصول إلى تصحيح مساره من نظريات تمّ إسقاطها، وأخرى تمّ التعديل عليها بأبحاث علمية وتجارب استطاع من خلالها الإنسان أن يسيطر على كامل مظاهر الطبيعة ويُخضعها لخدمة البشرية، لتحقّق له رغد العيش الكريم، كيف ذلك يحدث، وبالمسار الصاعد المتطوّر نفسه، يوازيه مسارٌ هابطٌ ينقاد إلى هلاك البشرية من طغاة الأرض القاتلة لكل مفاهيم الإنسانية والساعية إلى جرّ البشرية نحو عبودية محدثة.

توّقفت كثيراً عند الشهادات التي حصلت عليها منظمة العفو الدولية ممن كُتب لهم النجاة من المسلخ اللا إنساني، ذاك المكان الظلامي المخصّص للذبيحة التي يتم ترويضها قبل تحديد موعد إعداد الوليمة.

كنّا ننام فوق أناس يختنقون حتى الموت، هي إحدى الشهادات الموّثقة في تقرير "العفو الدولية"، وأخرى تتحدث عن صوت العظام، وهم مساقون فرادى وجماعات لمنصة الموت الحتمي، فلا فرق عندي بين الأسد المنقّض على فريسته وهذا المشهد والجلاد يتلذّذ بسماع الأصوات الصادرة عن تلك الأرواح المحرّرة من أسوار سجن جُهٍزَ بأجنحة ثلاثية، تَخيّلُ للناظر لها أنّها مقصات حادة، ما إن تدور بنقطة مركزها الوسطي، حتى تدور معها عجلةُ الموت، لتزهق كل من يعترض رياحها.

لا نتكلم، هنا، عن رواية خيالية مبتكرة لنيل جائرة أفضل روائي جسّد حكايته بفلم سينمائي قصير، ما إن عُرض على شاشات مستطيلة، حتى صفقت له الجماهير الحاضرة، لشدّة تأثرهم بالألم، فربما هنا تكون مقدار الجائزة بحجم ما استحوذ على الناظرين إليه شعور التلذّذ بالتعذيب والمعاناة والألم، وما أن ينتهي دور الجمهور ليأتي دور التقييم من لجنة متخصّصة وباحثة ومبتكرة للأساليب الحديثة لصناعة الموت، وربما تضع ملاحظاتها الإيجابية والسلبية عن الطُرق المستخدمة والمستنبطة لتوليد الألم والأدوات القاتلة التي تخلق شعور الألم داخل الأحشاء الأكثر استشعاراً للألم.

سورية محاطة بكلّ مدنها بشبكة مبرمجة من سجون موزعة بين المدن والأرياف، فسجن صيدنايا هو الأقل وطأة من باقي السجون المتأهبة دوماً لتنفيذ الاعتقالات، وكأنّهم كلابٌ مفترسة، أطلقوا لإشباعِ غرائزهم الحيوانية من حب القتل التعسفي والإبادة الجماعية، فمن كان يصدّق أننا، نحن الشعب السوري، نعيش وسط هذا الموت أربعة عقود ويزيد.

الشعوب الغربية، وإن اصطدمت اليوم بواقعنا المعاصر، إلا أنّنا نحن، أبناء القضية، سنبقى نعوّل على ضمائرهم ونوّجه خطابنا لهم حتى يدركوا أنّ نظامنا المجرم ما كان ليبقى يوما واحدا في سدّة الحكم، لولا رؤساء دولهم الذين يكذبون عليهم بأنّهم حمائم السلام ورعاة الديمقراطية، هذه الخدعة التي تمّ تخديرهم بها منأنظمتهم المستبدة الراعية للأسد الأب والابن في دمشق.

نقول لهم إن كنتم لا تعلمون ما يفعله نظام الأسد بحق أبناء شعبه من قتل وتعذيب، فإنّ الساسة عندكم يعلمون حتى دبيب النمل في بلدنا المدمر، بل ويدعموه ويحموه ويمدوه ويدفعوه لسفك مزيد من الدماء، وما صدر عن سجن صيدنايا غيض عن فيض.

هناك آلاف التقارير التي وثّقها أبناء الشعب السوري عن جرائم أفظع ارتكبها نظام الأسد، ليس تحت الأرض فقط، وإنما فوق الأرض على مدار ست سنوات، وتمّ نقلها بشكل مباشر عبر شاشات التلفاز.

سنبقى نوثق ونكتب، حتى يحق الحق ويزهق الباطل ويحاكم المجرمون الذين عاثوا في الأرض فساداً وخراباً وتدميراً، سنبقى نخاطب ضمائركم ونحن واثقون أنّكم ستصحون يوماً ما.

========================

وصاية على شباب الثورة السورية .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاربعاء 15/2/2017

بين الانتقادات التي يوجهها من يراجعون مسار الثورة السورية وأدوار الفاعلين فيها انتقاد يقول بضرورة رفض "الوصاية السياسية والفكرية" التي يمارسها بعض رموز المعارضة على الأجيال الشابة. وينطلق أصحاب هذا الرأي من واقعةٍ يعتقدون أن صحتها ليست بحاجة إلى دليل، هي أن أصحاب الرأي وصنّاعه في المعارضة السورية قد فشلوا، إلا في أمر وحيد، هو ممارسة قدر من الوصاية على أجيالها الشابة منعها من إظهار ما هي مؤهلة له من إبداع وقدرات، لو تحرّر من الوصاية لغيّر مسار الثورة، أو حال دون ارتهانها لما ظهر فيها من أخطاء وعيوب، انتجتها بالضبط وصاية هؤلاء عليها.

هل هذا ما حدث بالفعل، وأصاب الثورة بالكوارث التي حلت بها؟ هل "الكبار" هم من لاحقوا الأجيال الشابة التي أطلقت الثورة، واعتقلوها وقتلوا وسجنوا كتلتها الرئيسة ورموزها، وفصلوها عن حاملها الأهلي الذي استمروا في سحقه إلى أن تسلح وتطيّف وتمذهب، وابتعد عن قيادة حراك الحرية السلمية الشابة، ومشى وراء قيادةٍ معاديةٍ له ولمطالبه، وأسهم بتمذهبه وتعسكره في تهميشه وملاحقة (وتصفية) رموزه وممثليه الذين نجوا من قمع النظام الأسدي وتصفياته، علما أن موتهم حدث، هذه المرة، بأيدي إرهابيي "داعش" وجبهة النصرة؟ ثم، هل كانت الأجيال الشابة مؤهلةً حقا لقيادة الثورة التي سرعان ما فقد السوريون سيطرتهم عليها، بعد أشهر من انطلاقتها، وتحولوا بقوة صراعات وتناقضات دولية إلى أداة لتصفية حسابات بين قوى خارجية إقليمية ودولية متنوعة، تلاشت أهدافها تدريجياً أمام أهدافهم، حتى صار من الواقعي القول إن الخارجي غلب الداخلي السوري، والأجنبي الوطني، والدولي المحلي، والإقليمي العربي ... إلخ. لذلك اتضح بصورةٍ متزايدة أن مجرياتها لم تعد رهن إرادتهم التي غدت رهينة خياراتٍ وقراراتٍ أملاها غيرهم عليهم، من دون أن تكون في مصلحتهم، وأن يستطيعوا الحد من تبعيتهم لها. بعد عام من الثورة، ذهب قطاع كبير من شباب المجتمع الأهلي إلى سلاح تمذهب وتعسكر، وغاب قطاع آخر ربما من شباب المجتمع المدني في السجون أو قتل أو رحل عن الوطن، وفقد تماسّه المباشر مع مواطنيه. في هذا الفراغ، وما لازمه من

"من غير الجائز وطنياً انفصال المثقفين عن الحراك، ومن الضروري أن يستعيدوا دورهم" تمزيق للهيئة المجتمعية، بمختلف فئاتها وطبقاتها وأماكن انتشارها، أصاب الجميع عجز لم يعرفوا كيف يتجاوزونه، حال بينهم وبين تحويل تمرّدهم أو انتفاضتهم إلى ثورة، وأفشل شيئا فشيئا جهودهم لمواصلة حراكهم بوصفه تمرّدا سلمياً، مدني الهوية ديمقراطي المآل، هدفه الحرية لشعب سوري موحد.

بفقدان التمرّد هويته واستقلاليته وارتباطه مع معظم فئات الشعب، بدأ ينحدر، وبان عجزه عن التحوّل إلى ثورة. عندئذ، ظهر ما اتسمت به الأجيال الجديدة أولا، والأحزاب التقليدية ثانيا، وأخيرا النخب المثقفة المستقلة عن الأحزاب، من افتقار إلى ما كان مطلوبا وضروريا من فكر ثوري منهجي وخططي، ومن قدرة على بلورة برامج سياسية مترابطة وامتلاكها، موضوعها مجتمعنا بخصوصياته التاريخية والدينية والحضارية، وفقره الديمقراطي والمدني المديد، تستند إلى ثقافة عصرية مستقلة نسبيا، وقابلة للانغراس في المجتمع، حيث تتنامى وتنتشر في أجواء آمنة نسبيا، وتخترق قطاعات واسعة من النخب الثورية والشرائح الاجتماعية المتوسطة والعليا، ويمنحها تفعيلها القدرة على بلورة حلول ناجعة لما يواجه التمرّد من مصاعب وتحديات يعني تجاوزها والتغلب عليها تحوله إلى ثورة. صنع الشباب التمرد، وحين تطلب استمراره فترة أطول مما اعتقد الجميع، تبين أن التدخل الخارجي والانحراف المذهبي المتعسكر والعجز الذاتي عوامل ستكبح تطور حراك السوريات والسوريين إلى ثورة، وأن الانحراف الخطير الذي أصاب القطاع الأهلي أفقد التمرد جماهيره الواسعة وقوّض الحرية التي كانت حلما فغدت تحولاتها الكابوسية واقعا، لا يمكن الخروج منه، في ظل تدخلات الخارج التي أسهمت بدورها في دفع الحراك بعيدا عن الحرية والديمقراطية، بوصفهما مطلبين وإمكانيتين صارتا شيئا فشيئا افتراضيتين، ازدادتا بعدا عن مطالب الحراك، بقدر ما طال، وجافت مجرياته أحلام السوريات والسوريين.

لم تكن هناك وصاية، لأنه لم يكن هناك أوصياء من جهة، ومن يمكن فرض الوصاية عليهم من جهة أخرى. ولو كان هناك وصاية لأمكن تفادي أخطاء سياسية كثيرة حذّر "الأوصياء المزعومون" منها، لكن أحدا لم يستمع إليهم، بسبب سيطرة الشعبوية على الحراك في مرحلة مبكّرة، ولأن معظم الأوصياء كانوا من أنصار الحرية الذين رفض التمذهب والتعسكر دورهم بشدة، لأنه كان ضدهما. لقد عانى "الأوصياء" حال نبذ وعزلة، كالتي عانى منها شباب الحراك المدني، على الرغم من صلاتهما الواهية قبل الثورة، علما أن قوة الحراك وحجمه قطع صلاتهم القائمة، الضعيفة أصلا، وأخذ الشباب إلى مواقع جعلت من الصعب عليه تطوير علاقاته معهم، بينما كانوا يتعرّضون هم أنفسهم لحملات متعاقبة من العزل والتخوين: كعلمانيين يعادون ثورة أهل السنة والجماعة وعملاء للغرب الكافر والنظام الأسدي، الذي صار علمانيا مثلهم بدوره، بعد أن كان طوال عقود طائفيا/ نصيريا. في هذا الاحتجاز المزدوج الذي طاول الشباب والأوصياء على يد قوتين متكاملتين هما: النظام من جانب والتنظيمات المذهبية التي لا تقبل حلا غير عسكري، ونظاما غير مذهبي من جانب آخر، وترفض مشاركة أي خارج عنها في انتصارها الموهوم، كان من المحتم أن تتلاشى علاقة المثقفين بالحراك الذي كان يتلاشى بدوره، وأن يفشل التمرد في الحفاظ على مدنيّته وحيويته ووجوده، والمثقفون في استعادة موقعهم قبل التمرّد، وفاعليتهم باعتبارهم ممثلاً ضميرياً لمجتمعٍ فقد جميع أدوات الدفاع عن نفسه، ينكّل به نظام أكملت فظائعه ضدهم تنظيمات أخذت تمارس حيالهم سياساتٍ مطابقةً لسياساته التي لم تبزّها في القسوة والعنف والتعطش إلى القتل.

لا تكمن مأساة الثورة في وصاية ما فرضت على الأجيال الشابة، بل في ما تعرّض له هؤلاء 

"الانحراف الخطير الذي أصاب القطاع الأهلي أفقد التمرد جماهيره الواسعة" من سحق وتشتيت وتمزيق، وواجهوه من تمذهبٍ وتعسكر، أخرجهم مبكراً من صراعٍ كان يبدو أنهم طرفه الثاني، وأن ما ينشدونه سيكون بديله المؤكد، بيد أن تقويض حراكه بدّل هذه المعادلة وحساباتها من أساسها، واستبدلها بمعادلةٍ لم يعودوا هم حدّها الثاني، بل التنظيمات المعادية للحرية ولوحدة الشعب، والتي حولت الصراع ضد الاستبداد إلى صراع سني/ علوي. لا تكمن المأساة أيضا في وجود مثقفين أوصياء على غيرهم، بل في عدم وجود مثقفين كهؤلاء، لو وجدوا لما افتقر التمرّد إلى برامج وخطط واستراتيجية ثورية، ولامتلك القدرة على حماية نفسه وتطوير وتائره وطاقاته، ولما تحول، بسهولةٍ مفاجئة، إلى تمذهب وتعسكر، ولصمد في وجه الدفق الإرهابي الذي أطلقه الأسد من سجن صيدنايا قرب دمشق، ونوري المالكي من سجن أبو غريب قرب بغداد، وسرعان ما تحول إلى سيل جارف غطت تنظيماته المناطق التي أخرج النظام منها، وغيرت أسس الصراع ضد الأسدية، ودمرت علاقات الثورة الدولية وحسّنت مواقع الأسد، إلى أن عاش الشعب تحت قصف النظام من الجو، وإجرام التنظيمات على الأرض، وكفر مواطنو البلدات التي ابتليت بجماعاتها المسلحة بكل شيء، وعادوا تدريجيا إلى النظام.

واليوم، ونحن نشهد إفلاس التعسكر والتمذهب، خصوصا بعد كارثة حلب التي تسبب بها، تصبح الحاجة ملحة إلى وضع خبرات المثقفين المنتمين إلى الشعب ومعارفهم تحت تصرف الحراك المجتمعي والشبابي الذي بدأت علامات تجدّده تلوح في الأفق، وأخذ يستعيد هويته حراكاً من أجل الحرية للشعب السوري الموحد، لكي لا يتخبط في الارتجال والشعبوية، ويغيب مجتمع الحرية عن الحاضر والمستقبل، بعد كل ما قدمه من تضحياتٍ وعاناه من عذابات. في هذه اللحظة المفصلية، من غير الجائز وطنيا انفصال المثقفين عن الحراك، ومن الضروري أن يستعيدوا دورهم، وما يمليه عليهم ولاؤهم للشعب من أنشطةٍ يضعونها في خدمته، وأن لا يسمحوا لغربتهم عنه أن تحرفه عن مقاصده النبيلة، وتضعهم في موقع التقصير والتقاعس عن أداء الواجب

========================

صيدنايا… الكلمات تُحتضر والحروف تختنق .. ميسرة بكور

القدس العربي

الاربعاء 15/2/2017

الكلمات تُحتضر، الحروف تختنق، بعنق القلم.. مذابح تنظيم الأسد لا تختزل بمقصلة.

تقرير لا يمسح العار ويحاكي آلم. اهلاً بكم في سوريا تنظيم الأسد.

عبثاً ذهبت محاولاتي استجداء المعاني، عبثاً حاولت ويحاولون اختصار مأساة وطن وانسان جاءت التقارير مستفيضة تحدثك عن أخباره، وطارت بها الأخبار وتناقل الركبان تفاصيلها .

ولم تزل العدالة الأممية، تشيح بوجهها عن معتقلات نهاية الإنسانية، وبداية الخزي الدولية. المسالخ البشرية في سجن صيدنايا السورية.

يصر المجتمع الدولي ومحكمة جناياته على جعلنا مقتنعين أن عدالتهم ليست لنا وغير معنية بتعاستنا.

وأن آلامنا ليست آدمية وأشلاء أطفالنا المحرقة المختنقة بالغازات الكيمائية لا تنتمي للقوانين الدولية وشرعت حقوقهم الإنسانية.

من غياهب اليأس وظلمة العزلة والاعتزال المتبعة دولياً بحق المجزرة الموسومة بالأيادي الأسدية الإيرانية، تنبعث إشارات ربما فيها بعض أمل، كما فعلت وتفعل منظمة العفو الدولية وشقيقاتها المهتمة بالشؤون الإنسانية، تقارير وتنبيهات تحيي فينا أملاً ظننا أن ما عاد وجود له في مخيلتنا المثقلة بكم كبير من التقارير الحقوقية، وثائق تبعث في عروقنا بعض نبض يعد لنا أملنا المفتقد بعدلٍ تتقد جذوته كلما أشتد الظلام وحجبت الغيوم ضوء القمر .

لست أعلم على وجه الحقيقة والتحقيق هل سيكون لها أثر؟ هل يستيقظ ضمير الإنسانية من نومه، فإننا مازلنا على اعتقادنا وضلالنا القديم بأن الضمير قد يغفو ربما يستغرق في ثبات عميق لكنه لن يموت، حاله حال العدل الذي به تستقيم الحياة وتعتدل بسلطانه الأمور.

لا يمكننا برغم تجاهل دمائنا وأجسادنا المستباحة وتضحيات الإباء والأمهات، من قبل جماعة الأمم المتفرقة، المتحدة على متابعة شلال الدماء المهراقة من شرايين أطفال سوريا ونسائها، الأمم المتحدة على متابعة تفاصيل الكارثة الإنسانية من المدرجات وعلى استحياء تصدر تقارير شجب وهجاء.

لا يمكننا أن نستكين لقول القائلين او المتقولين ولن نلتفت لشك متشكك في حتمية أن العدالة مهما غابت لا بد أن تأتي لحظة يحصحص فيها الحق ويذعن الجميع لسلطانها السوي القويم.

لن تستطيعوا أن تجعلونا أو ترغمونا على الاعتقاد بالقول الخطيئة إن العدالة ليست لشعوبنا وإن طغماتنا الحاكمة بأمرها ببطشها بمشانقها ومحارقها وبراميلها السامة والمتفجرة، بأسلحتها وترسانتها المسموح بها والمسكوت عنها، فوق القانون وفق المحاسبة .

على الرغم ما احتواه تقرير منظمة العفو الدولية الموسوم بـ «المسلخ البشري في سجن صيدنايا»، الذي استفاضت فيه مدية المعدين بتشريح جسد إرهاب الدولة الذي تمارسه ميليشيا «تنظيم الأسد» بحق السوريين في معتقل صيدنايا .

حقيقةً ما جاء في التقرير الموثق بالأدلة والشهود العدول، لا يعدو أن يكون تكراراً على مسامع السوريين واللبنانيين والفلسطينيين والعراقيين ما يعلمونه بالضرورة وما ألفوه عن تنظيم الأسد على مدى عقود طوال ، فسجل إجرامه لا تتسع له سطور في مقال ولا تحمله جبال وتضيق به صدور الرجـال.

لا يخفى على متتبع لتاريخ تنظيم الأسد، أنه حول سوريا كلها لسجن ضيق على أهلها الأرض بما رحبت وطاردهم إلى غرف نومهم، سجون مثل صيدنايا وتدمر وفرع فلسطين واشقائه الجوية والعسكرية والمركزية، مجرد تفاصيل في الملحمة السورية ذات الأختام الأسدية.

مأساة سوريا الوطن والإنسان عبر عقود أربعة حكم خلالها «تنظيم الأسد» كل ايامها كانت مسالخ وكل بيت من بيوتاتها فيه معتقل مفقود او قتيل، منع على انسانها ان يحلم أو ان يفكر فهذه جريمة يعاقب عليها القانون الأسدي، هي بنظره أخطر على تنظيمه واستمراريته من الجماعات الإرهابية .

نعم أيها السادة في وطني سوريا كان ممنوع علينا أن نحلم أو نفكر أن نصرخ ونعبر.

لست أبالغ ولم يبالغ من كتب قبلي في هذا المضمار عن قمع الحلم ووأد الأفكار، فلم تزل منظمات الأسد البعثية تطعمنا وتسقينا منجزات حركتها التصحيحية.

لا داعي للتفكير ولا مبرر للتطوير نحن في نعم يحسدنا عليها شعوب الأرض القائد الملهم، الذي ما استحق منا يوم إلا التحقير.

المأساة السورية أكبر من ان تحتويها كلمات، وأكبر من أن تختصرها حروف في صدر بيان .

تستعصي وتتمرد على اللغة وتغرغر العيون والحناجر بدمع مزج بدم من صيدنايا إلى تدمر وسلام على أطفال الحولة بابا عمرو، والغوطتين.

قرأت تقرير منظمة العفو الدولية واستحضار تفاصيل المشهد المروع، جعل مداركي تتوقف ربما احتاج لإعادة إقلاع الجهاز أو تحديثه كما في حال الحاسب الآلي حين يتوقف عن الحوسبة ولا بأس في إعادة التحديث أو الإقلاع من جديد، من هول التقرير قد أختلط العقل بالمشاعر فضاق بها الصدر .ولم استطع أن الإيجاز او التعبير 

ربما استعملت كلمات مثل هول التقرير برغم هذا كله لم يفاجئني التقرير في تفاصيله ووقائعه، كل سوري علم أو يعلم بهذه الحقيقة المأساة المستدامة .

وهو تقرير آخر يضاف إلى سلسلة تقارير سبقته أعدتها منظمة العفو الدولية وشقيقاتها الإنسانية تحدثوا جميعاً عن إرهاب الدولة الذي تمارسه قوات تنظيم بشار الأسد بحق ملايين السوريين خاصة من كان في اقبية السجون او أوقعه سوء حظه وتعاسة بخته، بقبضة تلك الميليشيا التي يصر البعض على تسميتها بالجيش العربي السوري.

لم تذع سرا منظمة العفو الدولية في تقريرها « المسلخ البشري في سجن صيدنايا « كل ما قدمته مشكورة أنها اضافت مشهدا جديدا على سلسلة جرائم تنظيم الأسد بحق السوريين وربما جزء من فصل في تاريخ هذا التنظيم .

لكن لا يفوتنا التذكير والتنبيه لأهمية التوثيق والتأكيد على ضرورتها فلا بد من يوم نعود اليها ولابد أن تلتف صفحاتها على عنق المجرمين، وتظل هذه التقارير وثيقة هامة لحماية حقوق الأشخاص مستقبلاً وضرورية في الأهمية من أجل أي محاكمة دولية أوفي مرحلة إنتقالية .

كاتب وباحث سوري

========================

روسيا ومستقبل التحالفات .. فاطمة ياسين

العربي الجديد

الثلاثاء 14/2/2017

أكملتْ قوات درع الفرات، المسنودة، بشكل مباشر وفعلي، بعناصر الجيش التركي وآلياته، مهمتها التي بدأتها انطلاقاً من رأس جسر جرابلس غرباً نحو أعزاز، ووضعت تحرير مدينة الباب استراتيجيا قصيرة المدى، باعتبار الباب تطل على مدينة حلب، وتحتفظ بأواصر جغرافية قوية مع كل من جرابلس وأعزاز.

تقدّمت قوات درع الفرات ببطء، وعينها على قوات سورية الديمقراطية، وراقبتها وهي تقتحم مدينة منبج، وتقدّم مادة إعلامية لافتة، بإعلانها الحملة على الرقة. حافظت قوات الدرع على تقدمها البطيء نحو مدينة الباب، حتى أحكمت الحصار عليها. وخلال ذلك، تلقت هجومين، أحدهما من قوات النظام، والآخر كان ضربة جوية "غير مقصودة" من الطيران الروسي، فقدت خلالهما بعض العناصر العسكرية، وتم تجاوز الحادثتين بفضل التعاون الروسي التركي الكبير، والمنسَّق على مستوى الرؤساء، والذي رعى كل التحرّكات منذ بداية الدخول التركي إلى جرابلس.

يبدو التحالف التركي الروسي قوياً حتى الآن، وقد مرّ مقتل الجنود الأتراك الثلاثة وجرح زملائهم بقذيفة روسية، مرور الكرام، بعد أن سارع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، للاعتذار، وتحجج بقلة التنسيق الذي يحتاج إلى تفعيل أكبر ليمنع الاحتكاكات المميتة التي يمكن أن تحصل بين جيش النظام ومليشياته وبين الجيش المنضوي تحت راية "درع الفرات". وسيشكل، بحسب ما أعلن الجانب الروسي، أوتوستراد تادف حداً فاصلاً بين الجيشين، وهو أقصى خط يمكن أن تصل إليه مليشيات النظام، وقد وصلت بالفعل، فيما يبدو الجهد العسكري والدبلوماسي نشطاً للحفاظ على الهدوء في محيط الباب، على الرغم من أنها تعج بخليط مختلف من الأعداء الذين يتربص كل منهم بالآخر.

تعرف قوات النظام أنها ممنوعة من تجاوز تادف، وتعرف قوات سوريا الديمقراطية أنها غير قادرة على الاقتراب من الباب، وقد ردت على انتصارات قوات "درع الفرات" بمزيد من النشاط في محيط الرقة، والرقة معركة الجائزة الكبرى. وكان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قد هاتف الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الذي قال إن الحديث الهاتفي دار حول مكافحة الإرهاب في الباب والرقة. عند هذه النقطة، على الجانب الروسي أن يتوقف قليلاً، ليراجع حساباته التي بدأت بالتعقد، فهو مطالَبٌ بكبح جماح جيش النظام، ومن خلفه إيران التي ترغب بمزيد من التقدّم، ولا مانع لديها من الاحتكاك العسكري مع "درع الفرات"، وهو الأمر الذي حصل بالفعل، وجرى احتواؤه. وكان أردوغان قد التقى أيضاً رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، وبرئيس المخابرات الأميركية (سي آي إيه) الذي جاء بشكل خاص إلى أنقرة. وقد تنفخ هذه المتغيرات المتلاحقة الروح في التعاون الغربي التركي في سورية، ووجود الأعداء وجهاً لوجه وبشكل مباشر داخل مدينة الباب، وعلى تخومها قد يجعل تركيا تختار المواجهة، بعد أن حصلت عملياً على الخمسة آلاف كيلو متر المنشودة، وهي مثلث جرابلس أعزاز الباب، وحمايتها من الجو قد يتيحها الوجود الأميركي، وعندها قد تصبح روسيا بمأزق عليها الخروج منه، ولن تجد إلا مزيداً من التورّط العسكري سبيلاً لمعالجة الأمر.

نشأ الحلف الروسي التركي في غياب شبه كامل للعامل الأميركي، وحضور أوروبي في الشق الإنساني فقط، وبعد أزمة دبلوماسية حادة، وجد الطرفان نفسيهما في خندق واحد. الآن وقد حصلت تركيا على معظم ما ترغب به، ولم يبقَ إلا المعركة الكبرى في الرّقة، والتي ستصر على المشاركة فيها وبقوة، وهي معركة لن تغيب عنها أميركا بأي حال، يبقى العامل الروسي موضع شك، ونحن نشاهد اهتماماً روسياً لافتاً بالمناطق الساحلية، وإصراراً مغالياً في الجهود السلمية لتقريب المعارضة والنظام.. وسيتطلب الأمر جردة حساب دبلوماسية وعسكرية قبل الانتقال إلى معركة الرقة، فمن غير المعقول أن يبقى الجيش الحر وجيش النظام، ومن خلفه مليشات إيران وقوات سورية الديمقراطية في مكان واحد، وعلى جبهة واحدة بدون أن تُجبر روسيا وتركيا على إعادة النظر بالحلف الذي تأسّس في غفلةٍ من اللاعبين الكبار.

========================

أميركا في الساحة السورية .. عمار ديوب

العربي الجديد

الثلاثاء 14/2/2017

تختلف السياسة الأميركية عن سابقتها في الموقف من إيران بالتحديد، ولكنها تُكمّل السابقة في اجتثاث "داعش" ومحاصرة النظام السوري من دون إسقاطه. وتشكل هذه النقطة عنصر توافقٍ كبيرٍ بين الروس والأميركان. يضاف إليها التنسيق الروسي مع إسرائيل، بما يخص مصالحها في سورية، وكذلك المكانة الرفيعة لإسرائيل في السياسة الأميركية، واحتمال نقل سفارتها إلى القدس. تدفع التوافقات الجديدة هذه نحو تحجيم إيران في سورية، وفي كل المنطقة العربية، ويُلحظ في ذلك أن إيران نفسها بدأت تبحث عن حلول بخصوص اليمن والبحرين، وأيضاً لتساوم على مصالحها الكبرى في سورية والعراق ولبنان، حالما تُجبر على الخروج منها.

أصبحت الساحة السورية متاحةً لكل أشكال التدخل، وتُصاغ وفقاً للصراعات الإقليمية والدولية. وهنا يصبح الكلام عن مناطق آمنة في سورية، كما قال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، محط صراعٍ جديدٍ قد يُوقف التطورات التي حدثت على الساحة السورية، ابتداءً منذ اجتماعات أنقرة وسيطرة النظام على مدينة حلب، ولاحقاً انعقاد لقاء أستانة واحتمال عقد مفاوضات جنيف قريبا، وقد أعطى الروس للفصائل العسكرية دوراً سياسياً بدعوتها إلى أستانة، ووجود أفكار متداولة عن مجلسٍ عسكريٍّ تقوده روسيا، في إطار الانتقال السياسي، وهذا عكس الاتهامات التي كان يُكيلها الروس للفصائل، ومحاولتهم وضعها في إطار الفصائل الإرهابية.

كان الخلاف بين روسيا وأميركا لمسائلٍ عالميّة كثيرة، ولا يمكن اختزاله الآن في سورية أيضاً، ولهذا تُطرح قضيتا أوكرانيا وسورية معاً من جديد، وهناك مسائل أخرى بالتأكيد. وهذه يترتب عليها تغيّرات كبرى بخصوص التعارض بين سياسة ترامب والسياسة الأوروبية، وبالتالي هناك تغييرات كبيرة تطاول السياسة الأميركية عالمياً. ولا يتوقف الرئيس الأميركي الطموح عن اتخاذ قرارات جديدة، على الرغم من أنها تُواجَه برفضٍ أميركيٍّ وعالميٍّ. تعطيل بعض تلك القرارات بفعل القضاء الأميركي، كما القرار الخاص بمنع سكان سبع دول إسلامية من دخول أميركا لا يعني إيقافها بأي حالٍ.

التقليل من التغيرات الأميركية في منطقتنا أمرٌ خاطئ، فالسياسة الأميركية ترفض التمدّد الإيراني، وتعلن بوضوح شديد أن نفط العراق لأميركا، وأن التدخل الإيراني هناك يجب أن

"تساير البراغماتية الأميركية القوات الكردية للعودة مُجدّداً إلى سورية والعراق، ولتكون لاعباً أساسياً، ولتحقيق مصالحها في دول المنطقة، ولا سيما في العراق" يتوقف، وهذا سيستدعي بالضرورة إمكانية شن عدة حروب في الشرق الأوسط. يُفضل هنا رؤية صمت ترامب إزاء دول الخليج، الدول التي عانت تهميشاً أميركيا في زمن الرئيس السابق، باراك أوباما، وإعطاء الأخير إيران دورا أكبر على الساحة الإقليمية.

الآن، وبخصوص مواقف أميركا في سورية، فهناك دعم كبير لقوات صالح مسلم، واحتمال التقدم ضد "داعش" بدعم أميركي بالتحديد، وهذا سيقوي الأكراد ضد تركيا في سورية، وقد يدفع كرد تركيا للثورة مجدداً، وهو ما يعني عدم أخذ أميركا الاعتراضات التركية بالاعتبار. وسيكون لتعزيز القوات الكردية في سورية تأثير كبير على الوضع الكردي في تركيا، وبالتالي، ما زالت السياسة الأميركية إزاء تركيا غير واضحة، بينما هناك تقدم كبير في العلاقات التركية الروسية، وهذا لن يكون لصالح السيطرة الأميركية على المنطقة. وبالتالي، تشكل مسألة المناطق الآمنة والدعم الأميركي للأكراد مسائل جديدة، قد تزعزع ما ذكرناه من توافقات روسية تركية؛ والقصد هنا أنه لا معنى للكلام عن مناطق آمنة، وهناك حديث يخص الحل السياسي في سورية، وكذلك هناك منطقة أصبحت تحت السيطرة التركية، وستكون نتيجتها محاصرة "داعش" أكثر فأكثر، ومنع تشكيل أي إقليم كردي متواصل.

يتخوف محللون كثيرون من مسألة المناطق الآمنة، فهي ستتيح للدول المتدخلة أن تتحكّم بمناطق ومدن سورية معينة، وستخلق دويلات متعددة متقاتلة أو محتجزة ضد الأخرى، بفضل الدول المتدخلة، لكن السؤال هل يمكن لروسيا وأميركا وتركيا أن تغامر بقواتٍ من دولها لحماية تلك الدويلات، وهل يمكن أصلاً لدولٍ كهذه أن تعيش وتستمر. طبعاً تشكيل دويلة تحت السيطرة التركية، أو في الجنوب أو الشمال، مسائل شبه مستحيلة، نظراً للكلف الكبيرة التي تترتب عليها، ولضعف المردودية منها والفائدة كذلك؛ وعكس ذلك هناك عوامل تقارب بين روسيا وأميركا وإسرائيل، وربما دول الخليج ومصر لاحقاً، وهي ستكون الأساس في صياغة شكل الحكم على سورية، وفي المنطقة بأكملها.

تساير البراغماتية الأميركية القوات الكردية للعودة مُجدّداً إلى سورية والعراق، ولتكون لاعباً أساسياً، ولتحقيق مصالحها في دول المنطقة، ولا سيما في العراق، وبالتالي، وبعد أن استخدمت إيران حجة محاربة "داعش" في العراق وسورية، فها هي تواجهه فيها. حجة محاربة "داعش" وفق السياسة الأميركية حالياً يُراد منها تحجيم إيران وإعادة الدور الأميركي للمنطقة، وإيقاف التقدم الكبير في التنسيق التركي الروسي الإسرائيلي، من دون فوائد تذكر لصالح أميركا. طبعاً هذا لا يتناقض مع الإستراتيجية الأميركية الأساسية المحدّدة بمواجهة الصين، وبالتالي، لخدمة هذه القضية تتغيّر السياسات الأميركية في منطقتنا والعالم.

خلطت التغييرات الأميركية الأوراق إزاء إيران والمناطق الآمنة؛ وهذا ما أصاب الروس والأتراك والإيرانيين بارتباكٍ شديدٍ. لم تعد المواقف الأميركية تحذيرات فقط، فهناك قرارات ضد كيانات وشخصيات تم إقرارها. إبعاد النظام السوري عن إيران هو السياسة التي تَعمل أميركا عليها، وهو ما تفعله روسيا بالتدريج. ويشعر النظام بدوره بالخطر الكبير من جرّاء تحوله إلى لعبةٍ كاملة بيد الدول العظمى، ومعرفته أن إيران مُجبرة على المساومة عليه، للحفاظ على بعض أذرعها الإقليمية، كحزب الله مثلاً.

ستسهم سياسات أميركية المتصاعدة إزاء منطقتنا بالتأكيد في تشكيل حلف جديد، كما ذكرنا، وستكون إيران أكبر الخاسرين بسببه، لكن تركيا وسورية قد تكونان أمام دويلات كردية، ستؤجج الحروب الداخلية فيهما. ولهذا، لن تنتهي الحروب بسهولة، وقد تعاني تركيا من الحرب القومية مجدّداً.

========================

مفترق طرق أمام السوريين .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 14/2/2017

دخلت القضية السورية حالة من القلق والاضطراب إلى درجة بات معها السؤال المطروح: إلى أين يسير الأمر، هل يشير الوضع الراهن إلى مرحلة من «اقتسام النفوذ في سوريا» أم «إلى تقسيم لها»؟ والحق أن رباطاً يجمع بين السؤالين المذكورين، إضافة إلى أسئلة أخرى قد تكون دخلت في نطاق المرحلة السورية الراهنة، وأخذت تنثر الأسئلة حول المصير السوري، أي الذي يتصل بالمسألة الوطنية ديموغرافياً، وبالأحرى المرتبطة بالمسألة القومية. وبضبط أكثر اقتراباً، يبدو الأمر متصلاً بالسؤال حول ما إذا كانت مسألتا الوطنية والقومية، وذلك عبر المساءلة فيما إذا ظل تعريف سوريا بكونها الكيان الذي يضم السوريين أرضاً وشعباً أولاً، وعبر المساءلة الأخرى عما إذا كان تحديد القومية العربية بمثابتها الانتماء القومي التاريخي لسوريا.. أما السؤال الآخر فعما إن كانت الطائفية الدينية تعبيراً وجودياً عن كلتا البنيتين الوطنية والقومية.

إن تعاظم الخطاب الطائفي في هذه الأثناء لدى أوساط ثقافية وسياسية متعددة، تعبيراً عن كون الأمر لم يعد متصلاً بالأصلين الوطني والقومي اللذين برزا في الفكر العربي منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر وإلى مرحلتنا هذه المعيشة، بل يمكن ملاحظة أن أحد أوجه ذلك الخطاب كان موجوداً قبل نشأة الهويتين الوطنية والقومية على مستوى التنظير المعرفي والأيديولوجي.

في مواجهة ذلك كله سيكون من الخطأ اللجوء إلى السلوك العشوائي اللاتاريخي، الذي يلجأ إليه دعاة الطائفية، من موقع أن الطائفية مقترنة بما يعتبرونه أساس الحركة التاريخية أي «الطائفة العرقية» و«العقيدة الدينية». وبالمقارنة التاريخية يمكن أن يتضح أن «العرق» لا يوجد وحيداً دون إطار اجتماعي تاريخي، وأن الدين لا يلخص الوجود الإنساني المركب والمعقد بما يختزنه من عناصر وعوامل تتحدر من المجتمع البشري فقط، وإنما يدخل في صلب ذلك «المجتمع المدني».

هكذا نتمكن من تفكيك الطائفيين الدينيين بمثابتهم دعاة طائفة دينية متحجرة ضمن رؤية لاتاريخية.

والحال أن الهوية الوطنية والانتماء التاريخي القومي لا يمكن أن يُطاح بهما عبر تفسير مضطرب لمفهومي الطائفة الدينية والانتماء القومي، فإذا مشينا على هذه الطريق الوعرة وغير المؤصلة بتدقيق، واجهنا أمامنا معطيات أخرى تقود إلى ما هو مغاير للانتماء القومي وللهوية السورية. وحيثما نلجأ إلى هذا الأسلوب الملفق نجد أنفسنا أمام ما قد يرغب في الوصول إليه المتحدثون عن «اقتسام النفوذ في سوريا» و«تقسيم سوريا»، فبغض النظر عن كون القولين المذكورين إن هما إلا صيغة ملتسبة، فإن حداً من التحليل اللغوي يظهر أن اقتسام النفوذ في سوريا إن هو إلا اقتسام لسوريا على نحو يضمن النفوذ العسكري والسياسي.. إلخ، للقوى التي مشت حتى الآن على هذا الطريق، على الرغم من خلافات تظهر هنا أو هناك لتظهر أن استراتيجيات متعددة تعمل على امتلاك سوريا أرضاً وشعباً، وإن بطرق أخرى ملتوية تقتضيها السياسات الملتوية.

حقاً، إنه مفترق معقد يعيشه السوريون أمام عملية ابتلاع أيقونة الكون، سوريا، أي التي قدمت للبشرية ما تفخر به من إنجازات وحضارات! والمفارقة الخطيرة أن الوطن العربي برمته يعيش ما يكفيه من أنواع الصراعات والاضطرابات والمشكلات العصية، ويجد نفسه وجهاً لوجه أمام مصائب كبرى مغرقة في التشاؤم، على المحورين المحلي القُطري والقومي. ويحدث ذلك دون اهتمام كافٍ من إخوة منتمين لهذا الوطن بالمصائر التي قد يجد نفسه أمامها خالي الوفاض من طاقات الدفاع والبناء! هذا ناهيك عن السعي لتفكيك العالم العربي من أي جهة أتيته.

إن مفترق الطرق الحاسم الذي يقف السوريون أمامه مرشح لمزيد من الاضطراب والبؤس، عدا القتل والتدمير والتفكيك في أقطار عربية أخرى أو مناطق مهمة أخرى. ومن ثم فإن ما يواجه الأحداث السورية يمثل مشروعاً للتفكيك المفتوح والمستمر، ولذا فإن التنبه إلى سوريا الجريحة هو أحد المداخل الحاسمة إلى حماية الوطن العربي كله.

========================

سوريا ما بين مشانق صيدنايا ومماحكات جنيف .. د. وليد البني

 كلنا شركاء

الثلاثاء 14/2/2017

انشغل السوريون ومعظم المهتمون بالمأساة السورية وتطوراتها في الاسبوعين الماضيين بتقرير منظمة العفو الدولية حول جرائم نظام مافيا الاسد في سجن صيدنايا والمجازرالجماعية والمشانق اليومية التي راح ضحيتها 13 الف شاب سوري, وطرق التعذيب القرووسطية التي يستخدمها ضد معتقلي الرأي من ابناء سوريا , كما انشغل ايضا بتطورات ومماحكات انعقاد مؤتمر جنيف الرابع بين مؤسسات المعارضة السورية وديمستورا وروسيا  وبمهازل الخلافات بين فصائل ومنصات  المعارضات السورية حول تشكيل الوفد المفاوض وحجم تمثيل مختلف منصاتها وفصائلها وائتلافها وهيئة تفاوضها فيه .

طبعا جرائم سجن صيدنايا على بشاعتها وشناعتها لم تكن الاولى في تاريخ حكم مافيا الاسد سواء الاب او الابن , فتدمير حماة وإعدام سكانها أمام منازلهم وجرائم سجن تدمر ايام الطاغية الاب والتي أصبحت معروفة وموثقة من خلال آلاف الشهود, ومشاهد قنص المتظاهرين السلميين اثناء شهور الثورة السلمية الاولى موثقة بالصوت والصورة , وفيها يظهر وجه واسم القاتل والشهيد معا, ولا تحتاج الكثير من العناء لاثباتها, كما ان اساليب التعذيب الوحشية التي تعرض لها مئات الاف الشباب والشابات السوريين من إعتداءات جسدية وجنسبة واغتصاب وقتل تحت التعذيب والتي تعتبر جرائم موصوفة ضد الانسانية أيضا يعرفها القاصي والداني ولن يكون من الصعب اثباتها في حال اراد المجتمع الدولي  ذلك , وهناك عشرات الآلاف من السوريين القادرين على تسمية عناصر امن النظام الذين قاموا بتعذيبهم وقتل زملائهم أمام أعينهم.

 ما أريد قوله أن تقرير منظمة العفو الدولية الأخير على أهميته وبشاعة الجرائم التي يوصفها,  مع الاسف لن يغير الكثير لدى صناع القرار في العالم ولن يدفعهم  باتجاه اتخاذ خطوات جدية لمحاسبة الاسد وعائلته ونظامه على كل تلك الجرائم , فالمجتمع الدولي الذي صمت على جرائم الاسد الاب وأعاد له الاعتبار واقام العلاقات الودية معه بعد كل الجرائم التي ارتكبها في حماة وسجن تدمر خوفا من وقوع سوريا بأهميتها الاستراتيجية بأيدي الاسلام المتطرف الذي استطاع الطاغية الأب ان يقنع العالم انه بديله الوحيد , لم يغير رأيه ولا مواقفه  في زمن الطاغية الابن, وخاصة أن البديل المتوفر اليوم والذي عمل النظام وحلفاءه  على اظهاره وتقويته في بداية الثورة  ليكون الوحيد على الارض تقريبا , هو بنظر المجتمع الدولي  اشد تطرفا من ذاك الذي كان في زمن الاب.

مهما حاولنا اقناع الرأي العام الدولي الذي يعاني اليوم من اسلاموفوبيا غير مسبوقة, اوحتى  الكثير من السوريين من غير الاسلاميين  بأن جيش الاسلام واحرار الشام الاسلامية وجيش المجاهدين وفيلق الشام التي اعلنت مرار عن رفضها للدولة العصرية والدستور الحيادي عن الاديان والطوائف, وعدم قناعتها بصندوق الاقتراع كوسيلة لإختيار الدستور والحكومة , وهي نفس الفصائل التي تفاوض عمليا من اجل حل سياسي ينهي الكارثة التي تتعرض لها سوريا . أقول مهما حاولنا تسويق فكرة أن هذه الفصائل معتدلة وممكن ان تكون بديلا حضاريا  مقبولا لنظام الاسد فلن ننجح, وسنبقى ندور في حلقة مفرغة لأن الغرب وامريكا ومعظم دول العالم ستفضل بقاء طاغية يقتصر اذاه على شعبه , على امكانية تحول سوريا الى ساحة لصراع تيارات اسلامية فيما بينها أولاً ثم مع بقية السوريين غير القابلين بها والتي ستحولها الى دولة فاشلة ممكن ان تشكل ملجأً للارهاب الدولي حسب نظرتهم المتأثرة كثيرا بالاسلاموفوبيا.

إن الحل السياسي القادر على انقاذ سوريا و انهاء الحرب فيها ووضعها على طريق اعادة الاعمار والاستقرار,  لن يأتي من جنيف بالتأكيد .  إن الدعوات الى جولات جديدة من المفاوضات في جنيف وكل المماحكات حول وفد المعارضة وتشكيلته وتركيبته ماهي إلا انعكاس لفشل الدول الفاعلة على المستوى الدولي والإقليمي الداعمة لاطراف الصراع في التوصل الى حلول تنهي الحرب بالوكالة القائمة فيما بينها على الأرض السورية, وهي في نفس الوقت لعبة روسيا والنظام وايران لتقزيم المعارضة السورية و إظهارمدى تشتتها وتنافسها رغم مآسي شعبها, وفضح حقيقة عدم امتلاكها مشروعا واضحا لدولة عصرية بديلة تحترم حقوق جميع السوريين دون تمييز .

الحل السياسي الواقعي و القابل للتنفيذ في سوريا لن يكون إلا بتوافق أمريكي روسي يضع حدا للنزاعات و للأطماع الاقليمية على ارضها, اتفاقا مَرضي عنه اوربيا وعربيا مع خطط واضحة ومفصلة لتسهيل  إعادة اللاجئين وضمان أمنهم وحريتهم بعيدا عن التهديد بسجون الاسد ومشانقه وادوات تعذيبه,  وأيضا بعيدا عن الرجم والجلد وقطع الرؤوس والجزية والتكفير التي تتبناها الكثير من الفصائل الاسلامية المسلحة المعارضة لنظام الاسد.

هكذا اتفاق يتوقف حصوله على السياسة التي ستَتّبعها الإدارة الأمريكية تجاه سوريا والمنطقة بشكل عام , والتوافقات التي ستجري بينها وبين حلفاءها في المنطقة حول كيفية كبح جماح الاطماع الايرانية , وأيضا يتأثر كثيرا بطبيعة العلاقة الروسية الأمريكية الجديدة التي لا تشكل سوريا موضوعها الوحيد بل تتخطاها الى مواضيع كثيرة عالقة بين الولايات المتحدة واوربا والغرب من جهة وروسيا بوتين من جهة أخرى.

========================

لماذا استانة 2 قبل جنيف! .. فايز سارة

المدن

الثلاثاء 14/2/2017

دعت وزارة الخارجية الكازخستانية في خطوة محسوبة نظام الأسد والمعارضة السورية الى عقد جولة جديدة من المفاوضات في استانة يومي 15-16 شباط الحالي تحت رعاية كل من روسيا وتركيا وايران لاجتماعات، يحضرها الأردن والموفد الدولي الى سوريا ستيفان ديميستورا من اجل “إيجاد تسوية للوضع في سوريا”، كما قال بيان الخارجية الكازخستانية.

وبغض النظر عن الهدف المعلن لاجتماعات استانة 2 والذي يبدو فضفاضاً، فان المهمة الأساسية للاجتماعات، لن تتجاوز التدقيق في محصلة الجهود التي بذلتها روسيا وتركيا في الفترة الأخيرة لمسار حل القضية السورية، ومدى توافق تلك الجهود مع موقف كل من ايران ونظام الأسد اللذين ابديا اعتراضات على ماجرى، وسعي الأردن الذي انضم مؤخراً الى فريق استانة للتدقيق في ما يجري باعتباره احد الأطراف المؤثرة في القضية السورية ولاسيما في جنوب سوريا، كما يمكن ان تكون التمايزات التركية – الروسية في الموقف من القضية السورية موضع تدقيق ايضاً، لان بين الطرفين خلافات واختلافات، مازالت قائمة رغم مساعيهما للعمل المشترك، وتوافقاتهما الظاهرة في الموضوع السوري.

حذر ايران ونظام الأسد من الجهود الروسية – التركية، هو مما يمكن ان تؤدي اليه من حل سياسي يتعارض مع رؤيتهما، وينال من طبيعة النظام وموقع ايران ومليشياتها في سوريا وخاصة ما يتعلق بمصير رأس النظام بشار الأسد ولو على المدى البعيد..بينما الحل بالنسبة اليهما لا يقوم الا على ترسيخ النظام والحفاظ على رأسه في السلطة، وإعادة تأهيله في السياسة الإقليمية والدولية من بوابة “الحرب على الإرهاب”، ويحفظ لإيران ومليشياتها وجودهم ودورهم السوري.

الأردن الذي حضر اجتماعات استانة السابقة، يؤكد رغبته في الانخراط أكثر في الحل السوري من خلال نقطتين، الأولى دفعه تشكيلات المعارضة المسلحة في الجنوب للمشاركة في وفد التشكيلات المسلحة، والثانية شروعه في نشاط عسكري مستقل في الحرب على “داعش” في الجنوب من خارج التحالف الدولي للحرب على الإرهاب في سوريا، لتأكيد مكانته ودوره في الحل الذي تنسجه الجهود الروسية – التركية قبل الذهاب الى جنيف المقبل.

اما النقطة الثالثة، والأكثر حساسية، التي سيجري التدقيق فيها في استانة، فهي التمايزات الروسية – التركية، ومنها ان روسيا اقرب الى حل يتوافق مع مطالب نظام الأسد وايران، فيما تركيا اقرب الى حل يلبي طموحات المعارضة ويتوافق مع مصلحة السعودية وقطر حلفاء تركيا الإقليميين، ومنها ايضا رغبة روسيا في ضم اصدقائها من “المعارضة” وبينهم منصة حميميم وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي(BYD)، فيما ترى تركيا، ان الأخير امتداد لمنظمة إرهابية، تهدد امنها القومي، ولاينبغي ان يكون له دور، ولا حتى وجود في سوريا، وهي ترغب في ان يضم الوفد التفاوضي الهيئة العليا للمفاوضات، وتفضل ان تكون الهيئة على رأس الوفد وان تقوم بتشكيله بخلاف الموقف الروسي الراغب في استبعاد الهيئة وتهميش دورها.

واذا كانت اجتماعات الهيئة العليا للمفاوضات، قد بحثت موضوع وفد المعارضة الى جنيف في الرياض في اليوميين الماضيين، ورسمت ملامح الوفد، فان هذه الملامح ستظل معرضة للتدقيق والتعديل لسببين أولهما، توفير اعلى درجات التوافق بين اطراف المعارضة باتجاهاتها المختلفة، والثاني ضمان اعلى تفاعل إقليمي ودولي مع مشروع الحل السياسي للقضية السورية، وكلاهما عنصر ضروري للمضي على هذا الطريق.

غير ان الأهم مما سبق، توفر إرادة واستعداد للعمل من قبل الأطراف جميعاً للمضي باتجاه حل، يضع حداً لمعاناة السوريين، ووقف تداعيات الوضع إقليميا ودولياً ولاسيما في موضوعات ابرزها الإرهاب والتطرف والهجرة واللجوء، وهذه جميعاً لايمكن ان تتحقق دون تثبيت وقف اطلاق النار عام، ورفع الحصار عن المناطق المحاصرة والسماح بتدفق المساعدات الإنساني دون قيد او شرط، والبدء في اطلاق المعتقلين والمحتجزين، بالتزامن مع البحث في أوضاع المفقودين، إضافة الى وضع سوريا على قاعدة تغيير عميق في النظام السياسي، يقود الى نظام ديمقراطي، يوفر الحرية والعدالة والمساواة لكل السوريين.

ان استانة2 الذي سيعقد في خلال الأيام القادمة مستبقاً مؤتمر جنيف في جولته الرابعة يوم العشرين من شباط(فبراير) سوف يرسم بصورة أساسية، ملامح جنيف المقبل، ويوضح النتائج المرتقبة للمؤتمر، وحجم كل واحد من الأطراف المشاركة فيها والمهتمة بنتائجه.

========================

الورقة الكردية السورية بين اللاعبين الروسي والأميركي .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاثنين 13/2/2017

الورقة الكردية في الشمال الشامي غدت بندقية للإيجار تماماً كما لم تكن من قبل، لا علاقة لها بطموحات الأكراد العاديين الذين سحقتهم العصابة الطائفية لعقود وهم يتشوّفون لفجر حرية جديد كإخوانهم الشاميين الآخرين الذين اكتووا بظلم وإجرام هذه العصابة، ولكن وكأن قادة غلاة الكرد اكتشفوا من جديد أن عداءهم وحقدهم ليس ضد من ظلمهم من الطائفيين، وإنما ضد من كانوا شركاءهم بالظلم الذي عانوه وقاسوه لعقود، إنهم أهل الشام من المتطلعين لحرية سواء، وبالتالي فقد وقفوا مع العصابة الطائفية جلادهم بالأمس ليحبطوا أمل الشاميين بانتصار حريتهم وثورتهم.

الورقة الكردية أو الكرة الكردية تتقاذفها اليوم قوى دولية وإقليمية وعصابة طائفية، وقادة غلاة الكرد مستعدون لبيع أنفسهم في خانة نخاسة هؤلاء كلهم، لكنهم يقاتلون بأظافرهم وأسنانهم ثورة الشعب الشامي التي تسعى للتخلص من عصابة طائفية حرمتهم من أبسط حقوقهم طوال عقود، فنراهم في حلب أيام احتلالها وهم يوقعون الاتفاقيات ويتبادلون الأدوار والأحياء والأعلام مع العصابة الطائفية والمحتلين الروس، ونراهم بالأمس وهم ينتقلون من الخندق الأميركي الداعم له بالأسلحة المتطورة التي أقضت مضاجع الأتراك إلى الخندق الروسي، الذي لعب دور الوسيط في تقريبهم إلى العصابة الطائفية فتنازلوا لها عن مدينة تل رفعت ومطار منج المحتلين من قبلهم، في حين كان الضحية الثوار الذين حرروا من قبل بدمائهم وأشلائهم هذه المناطق، والضحية الثانية الأتراك الذين لم يعودوا يعرفون من يتهمون بدعم الأكراد الأميركان حلفاء الأمس أم الروس حلفاء اليوم، لكن ثبت أنه لا حلفاء لهم، وكلاهما أقصد الروس والأميركيين يفضلون غلاة الكرد على الأتراك.

تزامن القصف الروسي على موقع تركي في شمال حلب، فقتل ثلاثة من الجنود الأتراك وجرح عدد آخر منهم خلال عمليات تقودها تركيا مع فصائل شامية «درع الفرات»، مستهدفة مدينة الباب التي يسيطر عليها تنظيم الدولة، تزامن مع وصول مدير المخابرات المركزية الأميركية إلى تركيا، وهو أمر أقلق الروس، وخشوا أن يكون ذلك استدارة تركية جديدة صوب أميركا بعد أن تمكنوا من إبعادها عنها، ويأملون أن يتطور ذلك إلى إبعادها عن النيتو ثم تفكيكه وضرب أكبر تجمع عسكري معاد للروس في الغرب يتكون من 28 دولة، خصوصاً وأن روسيا وفّرت الغطاء الجوي في بعض الحالات للقوات التركية بعملية درع الفرات وهو الأمر الذي لم يفعله حلفاؤها من النيتو أو أميركا التي ظلت تتقارب مع عدو تركيا اللدود وهم غلاة الكرد.

المنطقة تمور بأحلاف أشبه ما تكون بأحلاف الكثبان الرملية القابلة للتغير والتشكل في أية لحظة، والمنطقة رقعة شطرنج كبيرة لكن ملوكها كثر، ولم يتحدد بعد من هو الملك الحقيقي لهذه الرقعة، غير أن حقيقة ناصعة واضحة ثبتت لست سنوات من عمر الثورة الشامية، أن الشام جوزة كبيرة ولا يقوى كل من اجتمع على بلعها، وأثبت الشاميون أنها الرقم الصعب فيها فهم أهل التاريخ والجغرافيا وفوق هذا يملكون إرادة فولاذية على مواصلة ثورتهم رغم كل التحديات والمؤامرات، والتعويل على قيادات شامية تقود هذا الشعب العظيم بإذن الله إلى شاطئ النصر شاء من شاء وأبى من أبى.;

========================

وفد جنيف ليس نهاية المطاف! .. فايز سارة

 الشرق الأوسط

الاثنين 13/2/2017

ينشغل كثير من المهتمين بالقضية السورية بموضوع وفد المعارضة السورية إلى مؤتمر جنيف المقرر عقده في العشرين من فبراير (شباط) الحالي. وباستثناء النقاش المحتدم حول أحقية تشكيل الوفد الذي ترى الهيئة العليا للمفاوضات أنها المعنية بتشكيله، فإن صراعات وخلافات متواصلة حول من سيكون في عداد الوفد من المنصات أو من المنضوين في تلك المنصات. وباستثناء العوامل الداخلية والتجاذبات بين الأطراف السورية على تعددها وتنوعها، ثمة تدخلات إقليمية ودولية متعددة وعميقة، يسعى من خلالها كل طرف ليكون الوفد أقرب إلى تصوراته ومصالحه.

وسط الاحتدام المحيط بتشكيل وفد المعارضة السورية إلى جنيف، فإن الحيثيات الأخرى المتعلقة بالمفاوضات، تكاد تختفي. وهي غائبة بالنسبة للبعض وخاصة للمهتمين بشكل المفاوضات ووجودهم فيها بغض النظر عن محتواها ونهاياتها، فيما هو إخفاء متعمد من قبل الآخرين، هدفه تحويل الأنظار عن الجوهري في مفاوضات مؤتمر جنيف، وإشغال الآخرين بشكلياته، والتفرغ من جهة أخرى لرسم مضامينه ونتائجه بما يتوافق مع مصالحهم ومصالح الفريق الذي ينتمون إليه. وبصورة عامة، فإن الروس أقرب إلى الموقف الأخير، فيما جماعات المعارضة غارقة في الموقف الأول، خاصة في ظل ما يتردد عن مواجهات وصراعات وخلافات في أوساطها وشخصياتها عمن سيذهب إلى جنيف.

وإذا تجاوزنا مسألة الوفد، واتفقنا أنه سيتشكل في النهاية وفق صيغة ما وبأشخاص هم محصلة الاحتدامات القائمة. فإن النقطة التالية تتعلق بموضوعات جنيف ومحتوياته، وما يمكن أن يترتب عليه من نتائج، مما يطرح أسئلة كثيرة منها ما الذي سيتم بحثه في جنيف، ومن سيحضر المؤتمر، وما هو دور الحاضرين، هل هم مجرد شهود أم سيكونون ضامنين، لما يتمخض عنه من نتائج، وهل سيتم وضعها في إطار برنامج تنفيذي له جدول زمني، ملزم لكل الأطراف المباشرة وغير المباشرة.

إن الإجابة عن هذه الأسئلة، ينبغي أن تكون الشغل الشاغل لجماعات المعارضة، وينبغي أن يتم التوافق حولها في المستويين الداخلي والخارجي، الأمر الذي سيعطي جنيف طابعًا مختلفًا، ليس فقط في أنه مختلف عن مؤتمرات جنيف السابقة، إنما باعتباره يمثل مرحلة جديدة في التعامل مع القضية السورية، وجهود معالجتها بصورة أكثر جدية وعملية، وكلاهما أمر كان غائبًا في الجهود السابقة.

غير أن تحقيق ما تقدم من جانب المعارضة وعبر تفاعل إيجابي مع الأطراف الإقليمية والدولية، لن يكون أمرًا سهلاً وميسرًا، إلا إذا خطت المعارضة نحو التوافق والتقارب في نقطتين، الأولى تقديم تنازلات متبادلة فيما بينها لتشكيل وفد المعارضة بواقع ممثل أو اثنين لكل منصة، بحيث نضمن حضور ممثلين عن الجميع أو أكثرهم إذا استحال حضور الجميع، وترك مجال لمشاركة شخصيات سورية من خارج المنصات المعروفة، لإعطاء الوفد طابع التمثيل الوطني، بدل أن يكون ممثلاً فقط لجماعات المعارضة وتنظيماتها السياسية والمسلحة، والثانية، التوافق على خطة لمؤتمر جنيف، تتضمن برنامج المؤتمر وموضوعاته، وخطة تنفيذية موضوعية وزمنية لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، والتأكيد على ضمانات ملزمة من الأمم المتحدة والدول الراعية.

إن ظروف انعقاد مؤتمر جنيف بالنسبة للمعارضة ولكل السوريين، ليست ظروفًا مثالية للحل السياسي في علاقتها مع مطالب السوريين، لكنها ليست الأسوأ. ففيها عوامل إيجابية كتوافق أغلبية السوريين وجماعاتهم على الحل السياسي، وهي تترافق أيضا بزخم إقليمي ودولي للسير باتجاه الحل، ومحاطة بتوافق عام لمحاربة الإرهاب الذي وإن كان يركز على محاربة جماعات التطرف من «داعش» و«النصرة» ومن يماثلهم، فإنه سيحد من إرهاب نظام الأسد وإيران وميليشياتها في سوريا، وسوف يضعهم إذا تواصلت سياساتهم وممارساتهم على نحو ما كرسته السنوات الماضية في دائرة الحرب على الإرهاب الذي لا يعني تنظيمات فقط، وإنما يعني الحرب على آيديولوجية التطرف ونهج القوة المتوحشة طريقًا لفرضياتها وأهدافها.

لقد بات كل السوريين أمام تحدي تجاوز أخطاء الماضي، وفتح بوابة تفكير وأداء مختلفين في المرحلة الراهنة وباتجاه المستقبل، يفترض أن ينعكسا بصورة إيجابية في مسارين أولهما مسار العلاقات البينية في انفتاح وتوافق سياسي وتنظيمي وبناء فريق متناغم ومتماسك وملتزم في أهدافه وأدائه، يضع المصلحة الوطنية أمامه. والثاني انفتاح واسع ومتفاعل على الأطراف الإقليمية والدولية وأطروحاتها حول الحل السياسي لاستخلاص كل ما يساعد منها في محاربة الإرهاب واستعادة السلام السوري المفقود، وعودة المهجرين والنازحين ومعالجة أوضاعهم الإنسانية والمعيشية وطرح قضية المفقودين على بساط البحث، وإطلاق المعتقلين ووضع سوريا على قاعدة الانتقال نحو نظام ديمقراطي، يوفر الحرية والعدالة والمساواة لكل السوريين.

========================

قتلة تجب معاقبتهم .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 12/2/2017

لم يترك النظام الأسدي وسيلة ضغط وإفساد إلا وجرّبها من أجل إرغام مسيحيي سورية على حمل السلاح ضد شعبهم. تواصل ضباط مخابرات الأسد مع بعض رجال الدين المسيحي العملاء لهم، ليكلفوهم بتجنيد شبّان مسيحيين عاطلين من العمل مقابل رواتب مغرية، ويقنعوا الكنيسة بوجود تهديد إرهابي لها، يمكن أن يصل في أي وقت إلى بيوت رعاياها. ولجعل جهدهم مقنعا، وضعت المخابرات ملصقاتٍ مرعبة على جدران الكنائس والأحياء التي يغلب عليها الطابع المسيحي تسمي "الجهات الإرهابية" التي ستستهدفها، وأسماء من سينسفون الكنائس، وأرسلت حرّاسا مسلحين، ليقفوا قرب أبوابها، ويثيروا قدرا من الذعر يدفع المسيحيين إلى الالتحاق بمليشيات السلطة، ثم أعلنوا أنهم لن يتمكّنوا من القيام بحماية المسيحيين، إن بقي شبانهم رافضين للسلاح. وأخيرا، تواصل المخابراتيون مع أحزابٍ ينضوي فيها مسيحيون، كالحزب القومي السوري الاجتماعي، وتواصلوا مع أتباعها وضغطوا عليهم، وأغروهم بحمل السلاح بذريعة حماية مناطقهم وأهليهم، وعندما وجدوا أن رد فعلهم ليس إيجابيا بما يكفي، انتقلوا إلى وضعهم أمام الأمر الواقع، فاغتالوا مسيحيين أو أخفوهم وعزوا مقتلهم واختفاءهم إلى المسلمين، أو فبركوا أكاذيب عن فتياتٍ اغتصبهن مسلمو الأحياء المجاورة لهم، أو اختطفوا سيدات مسنات وكبار سن يحظون باهتمام اجتماعي خاص، وألقوا أخيرا السلاح بصور عشوائية في شوارع الأحياء المسيحية، أو طرقوا أبواب منازلها، وهدّدوا شبانها بسوقهم إلى الجيش، إذا لم يقبلوا الدفاع عن أحيائهم. وبعد حين، وجد من قبلوا التطوع أنفسهم في دير الزور أو حلب أو القلمون أو الساحل... إلخ مرتزقة يقتلون الأبرياء، كغيرهم من مرتزقة لبنان والعراق وأفغانستان وبنغلادش... إلخ. لئن كان القسم الأكبر من الشباب المسيحي ما زال خارج مليشيات النظام، فإن بعض مرتزقتهم ارتكبوا جرائم كلفهم بارتكابها النظام، بغرض توريط المسيحيين، ووضعهم أمام خيار الانخراط الإكراهي في تنظيماته، عبر إغلاق جميع دروب النجاة في وجوههم، وترك خيار وحيد أمامهم، هو حمل السلاح، بحجة أنه لم يبق لديهم غيره لرد ما يُحدق بهم من أخطار داهمة.  وسط هذه السياسات الإجرامية، المنظمة على أعلى مستوى وإلى أبعد حد، والنابعة من تصورٍ أرسى السلطة على تكويناتٍ ما قبل مجتمعية/ ما دون وطنية هي الطوائف، التي عمل دوما لإقامة تحالف يجمعها ضد المجتمع عموما، وأغلبيته خصوصا التي يشك في قدرته على كسب ولائها، واختار مواجهتها سياسة وحيدة تجاهها. ومع أن النظام ترجم سياساته منذ أعوام إلى وضعٍ استهدف إلحاق الطوائف الأخرى به، فإن تصميمه على تحويل ثورة الحرية إلى حرب طائفية جعله يمارس ضغوطا يومية على الطوائف عامة، والمسيحيين خاصة، لاعتقاده أن انخراطهم في الحرب سيفضي إلى ردود أفعالٍ إسلامية عنيفة ضدهم، إن لم تحدث قام هو بها، ستستفز الرأي العام المسيحي في دول الغرب، وستدفع به إلى معاداة الثورة، وتصديق أكاذيب الأسدية حول الحدث السوري، باعتباره إرهابا، وليس ثورة حرية ضد استبداده وظلمه، مع ما سيترتب على ذلك من عائد داخلي وخارجي إيجابي عليه. في سياق هذه الخطة، فتك النظام بمسيحيي مناطق عديدة، واستغل قتلهم علي يديْ أجهزته لإقناع الغرب بأنه "حامي الأقليات" عامة، و"أتباعه" المسيحيين منها بصورة خاصة.

واليوم، بلغ الإجرام ببعض مسيحيي سورية والعراق حدا جعل أحدهم ينذر مواطنيه المسلمين، الذين طردتهم مليشيا الحشد الشيعي من بيوتهم، فلجأوا مكرهين إلى منازل قرى مسيحية مهجورة، بضرورة مغادرتها خلال ثلاثة أيام، وإلا أخرجتهم مليشياه التابعة للحشد الشيعي منها بالقوة. ومع أن جهات كنسية عراقية دانت سلوكه، واعتبرته فرديا لا يمثل غير صاحبه، فإن وجود مسيحيي المشرق يحتم إدانتهم القتل على الهوية، وبرفض السلاح والاشتراك في القتل، وفتح بيوتهم للمشرّدين والمهجرين من مواطناتهم ومواطنيهم، وتقاسم رغيف الخبز وجرعة الماء معهم، اقتناعا منهم بأن مصير المسيحيين ليس غير جزءٍ من بقية مواطنيهم، وأن مأساتهم فرع من مأساة المسلمين، إخوتهم في الوطن والحضارة والثقافة واللغة والتاريخ والآمال. وعلى الكنائس السورية والعراقية إدانة أي خروج على موقفها هذا، ومطالبة المسلحين من المسيحيين برد السلاح إلى النظامين الطائفيين، وإلا طالبت رعاياها بفرض حجر اجتماعي وديني عليهم.

بلغ السيل الزبى، وصار من المحتم أخذ موقف يقطع مع سياستي النظامين ضد شعبيهما، لأن من الخير للمسيحيين أن يضحوا، مع غيرهم، من أجل حرية مواطنيهم ووطنهم، بدل الغرق مع هذين النظامين في مستنقعات الوحشية المذهبية والاختناق إنسانيا ووطنيا بيد الإجرام!

========================

الحرب وبيع سورية هل ينقذان الأسد؟ .. غازي دحمان

العربي الجديد

السبت 12/2/2017

يوزّع بشار الأسد سورية على شكل حصص لروسيا وإيران، وحتى على المليشيات الحليفة، كل الأصول الإستراتيجية والاقتصادية، من غاز ونفط وفوسفات وشركات خليوي وعقارات، ومن موانئ وقمم جبال ومواقع إستراتيجية وأراض زراعية، صارت موزّعة باتفاقيات وعقود بيع وتأجير رسمية.

وإن استقرت الأمور على هذه الشاكلة، فهذا يعني أن السوريين، موالاة ومعارضة، لن يكونوا أكثر من عمال مياومين في المصالح والاستثمارات الإيرانية والروسية، وربما يتحوّل المحظوظون منهم إلى موظفين أمنيين (سيكورتي) وحراس لتلك المنشآت، مع ملاحظة أن بعض تلك الاتفاقيات اشترطت عدم اقتراب السوريين من المواقع والمنشآت التي تديرها روسيا، بعيداً عن شكل انتماءاتهم السياسية.

بالطبع، يدرك نظام الأسد هذا الأمر جيداً، لكنه يستثمره باتجاه آخر، حيث يُعتقد أنه كلما ورّط إيران وروسيا بمشاريع لهم في سورية ضمن استمرار بقائهم في الجغرافيا السورية، وضمن أيضاً دوام حمايتهم له من أي مطالبةٍ دوليةٍ محتملة، بإحالته إلى المحاكم الدولية، نتيجة أعمال الإبادة الوحشية، والتي لن تستطيع أي دولة ونظام، عدا إيران وروسيا، وربما بعض الأنظمة القمعية، إعادة تأهيله والتعاطي معه بسبب تلك الجرائم.

يندرج كل سلوك نظام الأسد وتصرفاته وأفعاله تحت خانة الهروب من اللحظة التي يصحو فيها العالم من صدمة الحرب، ويحصي نتائجها المهولة، مئات آلاف القتلى والمخفيين، وملايين

"روسيا وإيران لن تتمكّنا من الاستفادة من مشاريعهما في ظل استمرار الأسد" الجرحى والمعوقين والمضطربين نفسياً. ولا شك أنه لحظة توقّف صوت المدافع، لن يكون هناك سوى صوت المنظمات الدولية التي ستكشف عن آلاف المجازر والمقابر الجماعية، وتستقصي خرائط المذبحة التي يخفي نظام الأسد الجزء الكبير منها.

تشكل عملية توزيع سورية حصصا بين إيران وروسيا أحد بدائل الأسد للنجاة من مصير المحاكم الدولية، غير أن ثمة بديلا آخر، طالما سعى إلى اللعب عليه، وهو استمرار الحرب أطول فترة زمنية ممكنة. وعلى الرغم من أهمية هدف إخضاع الخصوم نهائياً، يراهن الأسد على هذا الخيار (دوام الحرب) باعتباره مخرجاً له من المصائر المحتومة. وبرأيه أن تحقيق هذا الامر ممكن، فالحرب استمرت في كولومبيا أكثر من ثلاثين عاماً، وصراع تركيا مع حزب العمال الكردستاني دام عقوداً، وفي الحالتين لم تتوقف عجلة الحياة في البلدين، كما استمتع رؤساء البلدين بعلاقات دولية جيدة وحياة شخصية لائقة.

مع استمرار الحرب أيضاً، وبذريعة استعادة كامل سورية، ربما لإعادة حصحصتها من جديد، سيضمن الأسد سكوت أنصاره وولاءهم، فهذه الفئة، بلا شك، أصيبت بجراح منهكة وقاتلة طوال سنوات الحرب، لكن سخونة الدماء منعتها من السقوط، ويخاف نظام الأسد أن يؤدي توقّف الحرب إلى برود جرحها واكتشافها كم هو عميق وقاتل.

لا أحد سمع من بشار الأسد قوله إنه انتصر في الحرب، على العكس، وفي كل تصريحاته، ما زال يتحدث بنبرةٍ تشي وكأن الحدث ما زال في أوله، بعكس حلفائه من الإيرانيين، وبخلاف حتى مؤيديه الذين احتفلوا بسقوط حلب، ولا يعكس هذا الأمر تواضعاً لم يتصف به، ولا واقعيةً ليست معهودة في الشخص الذي وصفه كل من التقاه في الأعوام السابقة بالمفصول عن الواقع، والهاذي بترّهات أغرب من الخيال.

الأدهى من ذلك كله أن الأسد لا يهادن، ولا يتعامل بأسلوب تهدئة الجبهات وتقليل الأعداء،

"تشكل عملية توزيع سورية حصصا بين إيران وروسيا أحد بدائل الأسد للنجاة من مصير المحاكم الدولية" فعلى الرغم من هجوع حدة الانتقادات الإقليمية والدولية ضد سياساته، إلا أنه لا ينفك يهاجم أوروبا وقيمها ومواقفها (تصريحاته للإعلام البلجيكي)، ولا يتعب من التطاول على تركيا ودول الخليج، وكأنه يرفض مناخات الهدوء، ويعتبرها خطراً حقيقياً عليه. لذا، يفضل دائماً ضخ مزيد من التوتر في شرايين الأزمة لتحافظ على منسوب اشتعالها.

لكن، إلى متى يستطيع بشار الأسد الاعتماد على هذه اللعبة في إدامة حكمه وإفلاته من المساءلة عن حرب الإبادة ضد السوريين؟ في الواقع، في الوقت الذي يعتقد فيه الأسد أنه يؤسس منظومة حماية كامله تقيه شر الأيام المقبلة، فإنه، ومن دون أن يدري، يقوم بتخصيب بذرة فنائه بيده، ذلك أن روسيا وإيران لن تتمكّنا من الاستفادة من مشاريعهما السورية، في ظل استمرار الأسد، وإنهما سيكونان مضطرين من أجل اعتراف الآخرين بمصالحهما واستثماراتهما في سورية إلى استبدال الأسد وإزاحته من المشهد، صحيح أنهم لن يأتوا بأحد الثائرين عليه مكانه، لكن بالنسبة للأسد كل بديل عنه هو عدو حقيقي، حتى لو كان شقيقه ماهر الأسد، وصراع والده حافظ الأسد وعمه رفعت على السلطة خير دليل على هذه الحقيقة.

من جهة أخرى، كان على بشار الأسد أن يدرك أن مفاعيل توزيع سورية آنية، ونوع من سداد الحساب بالنسبة لإيران وروسيا، وليست استثمارات مستقبلية وأبدية، تلك لها حساباتها المختلفة، وطالما أن المفاوضات قد بدأت وصار هو نفسه موضوعاً للتفاوض، فإنها إن لم تبدأ به ستنتهي به حتماً، بوصفه من عناوين الأزمة التي سيجري تفكيكها. ولن يطول الأمر كثيراً في ظل الزخم والحماسة الروسية، للوصول إلى تسوياتٍ غايتها الأساسية الاعتراف بالدور الروسي العالمي، وما عدا ذلك هامشيٌّ وقابل للتفاوض.

========================

هل يستمر التوافق الروسي ـ التركي في سورية؟ .. حسين عبد العزيز

العربي الجديد

السبت 12/2/2017

كان تقارب روسيا وتركيا، أخيرا، في سورية ضرورة استراتيجية لكلا الطرفين، بعدما اكتشفا، خلال فترة القطيعة السياسية التي استمرت ثمانية أشهر عقب إسقاط الطائرة الروسية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، أنهما بحاجة إلى بعضهما، وأنه من دون تفاهم مشترك لن تستطيعا تحقيق أهدافهما في سورية.

تعرّضت أنقرة، في العامين الماضيين خصوصا، إلى تصدّع جيوسياسي، نتيجة انهيار ميزان القوى المحيط بها في سورية، بفعل الانكفاء الأميركي والهجوم الروسي. وترتب على ذلك ليس تراجع حضورها في الملف السوري فحسب، بل أصبح هذا الملف بعد تضخم الحالة الكردية السورية عبئا كبيرا يثقل الحكومة التركية، ويهدد أراضيها في الداخل. في المقابل، توصلت موسكو إلى قناعةٍ خلال فترة القطيعة نفسها، وهي في عز صولاتها وجولاتها العسكرية في سورية، إلى أنه من دون تفاهم مع أنقرة، فإن الجهود الروسية قد لا تتحقق، أو تحتاج على الأقل إلى فترات زمنية طويلة، لن تكون في مصلحة الكرملين.

كشفت القطيعة السياسية هذه حاجة الدولتين بعضهما إلى بعض، في ظل توتر شديد يجمعهما تجاه الغرب، وخصوصا الولايات المتحدة. ومن هنا، بدأ التلاقي بين البلدين في يونيو/ حزيران الماضي، إلى أن توّج في لقاء سان بطرسبورغ بين الرئيسين، فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان، في أغسطس/ آب. ولم يكن ذلك اللقاء عنوانا لعودة العلاقات السياسية فقط، بل كان بمثابة القمة الملحة التي أسست لتفاهماتٍ استراتيجية بينهما في سورية، عبرت عن نفسها أولا بدخول تركيا إلى الشمال السوري، في الرابع والعشرين من الشهر نفسه، تحت عنوان عملية "درع الفرات"، بعدما منعت أنقرة، طوال الأزمة السورية، من الدخول إلى الشمال السوري، وثانيا مع ابتعاد تركيا عن ملف حلب، وثالثا مع "إعلان موسكو" حول الهدنة العسكرية، ورابعا اجتماع أستانة.

تطلب ذلك نزول الطرفين من على شجرتهما العالية: وافقت تركيا على خفض سقف خطابها

"ستحاول تركيا استخدام سياسة تقرّبها من واشنطن ولا تبعدها عن موسكو" السياسي تجاه الأسد، ووافقت على هدنةٍ عسكرية، ثم وافقت على مشروع عزل جبهة فتح الشام، وغيرها من الفصائل المدرجة تحت لائحة الإرهاب، ووافقت، أخيرا، على إدخال فرقاء سياسيين جدد في وفد المعارضة للمفاوضات.

في المقابل، وافقت موسكو على الاعتراف بفصائل الجيش الحر والفصائل الإسلامية المدعومة من دول إقليمية، لا سيما "أحرار الشام" و "جيش الإسلام" اللذين كانا في قائمة اللوحة السوداء لروسيا، كما أكدت موسكو أن حل الأزمة السورية لا يكون إلا عبر المسار السياسي والمرجعيات التي تم التوافق عليها دوليا، ووافقت موسكو ضمنيا على ضرورة التخفيف من حدة الدور الإيراني في سورية.

شكل وقف إطلاق النار واجتماع أستانة ذروة التعاون الروسي ـ التركي. لكن، سرعان ما طفت الخلافات بين الجانبين سريعا مع الانتقال من المستوى العسكري إلى المستوى السياسي.

وقد حاول الروس، مستفيدين من الاندفاعة التركية، إضعاف المعارضة السياسية، عبر إدخال قوى أخرى، هي أقرب إلى النظام منه إلى المعارضة، في خطوةٍ تهدف إلى كسر احتكار الهيئة العليا للمفاوضات المرجعية السياسية للمفاوضات. لكن أنقرة وجدت أن المضي في المسار الروسي سيضعف حضورها السياسي في الملف السوري بشكل عام، على الرغم من حصولها على مكاسب عسكرية ذات أهمية كبيرة في حماية أمنها القومي.

هنا بدأ التباين الروسي ـ التركي، خصوصا في ما يتعلق بتوسيع وفد المفاوضات التابع للهيئة العليا للمعارضة، وأدركت تركيا أن الروس يحاولون ضعضعة الهيئة العليا للمفاوضات، عبر تقوية الفريق العسكري على حساب الفريق السياسي، أي بعبارة أخرى منح فريق أستانة العسكري قوةً تُجاري فريق الرياض، وربما تفوقه أولا، وعبر إدخال منصاتٍ سياسيةٍ أخرى ثانيا.

ومن هنا، كانت اجتماعات الهيئة العليا للمفاوضات مع الائتلاف الوطني من جهة، واجتماع الرياض من جهة أخرى، محاولة تركية ـ سعودية للتخفيف من الاندفاعة الروسية، وتلطيف مطالبها من دون المواجهة معها، أو رفض كل مطالبها. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يتعداه إلى مسألة المرجعية السياسية للمفاوضات، وإذا كانت تركيا قد وافقت على إعلان أستانة الذي استبعد بيان جنيف كاملا، فإنها تحاول عرقلته بطرقٍ غير مباشرة، تاركة هذا الملف للمعارضة والرياض.

ومما ينبئ بارتفاع حدة التباينات بين الجانبين، وصول الرئيس دونالد ترامب إلى سدة البيت

"المشكلة التي تواجه صناع القرار في أنقرة أن السياسة الأميركية تجاه سورية لا تزال غامضة" الأبيض في الولايات المتحدة، ومحاولته الانفتاح على تركيا، بعد جمود سياسي استحكم العلاقات التركية ـ الأميركية خلال السنوات الأخيرة من حكم باراك أوباما، وبدأ التغير الأميركي ملحوظا تجاه تركيا مع ارتفاع مستوى الدعم الجوي للتحالف الدولي عملية "درع الفرات" في مدينة الباب في الأيام الماضية. ثم جاء التنسيق بين الجانبين لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية في الرقة دليلا على أهمية تركيا بالنسبة للولايات المتحدة، ليس فقط في محاربة الإرهاب، وإنما أيضا في عموم المشهد العسكري في الشمال السوري، وخصوصا فيما يتعلق بالمنطقة الآمنة التي طالما دعت إليها تركيا خلال السنوات الماضية.

قد تشكل المنطقة الآمنة بداية الافتراق الروسي ـ التركي، حيث ترفض موسكو إقامة مناطق آمنة، قبيل اكتمال المشهد العسكري في عموم سورية، وهو المشهد الذي عملت بجد على رسمه وتحديده، ولا تقبل أن تتشكل هذه المناطق في الشمال السوري، خصوصا من البوابة التركية. وقد جاء الرد من موسكو سريعا على إعلان تركيا موافقتها تحويل منطقة "درع الفرات" إلى منطقةٍ آمنة، حين أعلن مدير القسم الأوروبي الرابع في وزارة الخارجية الروسية "أن موسكو ترى أنه من غير الصحيح اعتبار أنه لا توجد لدى تركيا أهدافها الخاصة في سورية إلى جانب محاربة داعش".

المشكلة التي تواجه صناع القرار في أنقرة أن السياسة الأميركية تجاه سورية لا تزال غامضة، ولن تخاطر تركيا برمي الثمار التي حققتها من البوابة الروسية سريعا، لكنها في المقابل لن تتخلى عن إقامة المنطقة الآمنة، لأسباب كثيرة بعضها مرتبط بالشأن التركي الداخلي، وبعضها مرتبط بالشأن السوري. وستحاول تركيا تحقيق أهدافها باستخدام سياسة ناعمة ومرنة، تقرّبها من واشنطن، ولا تبعدها عن موسكو في الوقت نفسه، وهي سياسة صعبة في ظل العودة الأميركية إلى الواقع السوري، وما هو واضح إلى الآن أن التعاون التركي الروسي بلغ ذروته، وستكشف المرحلة المقبلة مدى صلابة هذا التعاون، والحدود التي قد يصل إليها.

========================

واشنطن وطهران: منظومة الرأس على العقب .. صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 12/2/2017

منطق الأخذ والعطاء الذي يحكم عادة «السياسات الواقعية» للقوى العظمى، أو بالأحرى هذا المنطق كما يتّبعه الرئيسان الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين؛ قد يشير إلى خلاصة كهذه مثلاً: يمكن لواشنطن أن تطلق يد موسكو في سوريا (الأمر الذي لا يبتعد كثيراً، وعملياً، عن منطق البيت الأبيض في عهد الرئيس السابق باراك أوباما)؛ وفي المقابل يتوجب على موسكو أن تخرج من إيران، أو بالأحرى أن تمتنع عن الذهاب أبعد مما هي عليه اليوم.

المؤشرات تتعاقب بالفعل، في الساحتين السورية والإيرانية، بصدد ما يديره الكرملين من مخططات حرب وسلام في سوريا، وما يشرع فيه البيت الأبيض من إجراءات عقاب جديدة وتهديد بإعادة النظر في الاتفاق النووي مع طهران. ولا يلوح أنّ الوقت سوف يطول حين تبدأ الإدارة الأمريكية الجديدة في إطلاق منظومة تسخين (أو على نحو أدقّ: إعادة تبريد) العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية. وإذا اكتمل هذا التطور، فإنّ ما اتخذ صفة «الربيع» في هذه العلاقات، خلال الأشهر الأخيرة من عهد أوباما؛ لن يكون قصيراً وعابراً فحسب، بل منقلباً إلى الضدّ!

أياً كان أفق الأيام والأسابيع المقبلة في مستقبل هذه العلاقات، فإنّ حالها أخذ ينأى تدريجياً، ولكن بانتظام، عن ذلك الطور الانفتاحي الذي دشّنه أوباما في مطلع رئاسته الأولى، سنة 2009. يومذاك بعث الرئيس الأمريكي برسالة تهنئة إلى الشعب الإيراني، في مناسبة السنة الفارسية الجديدة؛ اعتبرها البعض «دراماتيكية» من حيث الشكل أولاً: اختيار الصيغة المتلفزة، والترجمة المتزامنة إلى اللغة الفارسية أسفل الصورة، والبثّ عبر إذاعة صوت أمريكا. أمّا في المضمون، فقد مثّلت الرسالة انعطافة فارقة عن خطّ الإدارة السابقة، بعيداً عن خطاب المحافظين الجدد بصدد إيران إجمالاً، ونظرية «محور الشرّ» التي اعتمدها الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن بصفة خاصة.

قبل انعطافة أوباما، كانت مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية في إدارة بيل كلنتون، قد دعت إلى رسم «خريطة طريق» للعلاقات الأمريكية ـ الإيرانية؛ واعدة بالخير إذا أحسن الإيرانيون قراءة ما حمّلته عليها الإدارة من تفاصيل طبوغرافية (بحار وأنهار، تلال ووديان، دروب مستقيمة وأخرى متعرّجة… كما للمرء أن يتخيّل). وفي كلمة ألقتها أثناء اجتماع نظّمته الجمعية الآسيوية، وليس في مؤتمر صحافي أو اجتماع سياسي رسمي، قالت أولبرايت: «واضح أنّ عقدَين من انعدام الثقة لا يمكن محوهما في ليلة وضحاها. الهوّة بيننا ما تزال واسعة. ولكنّ الوقت قد حان لاختبار إمكانيات جسر الهوّة».

العقدان صارا ثلاثة، ثمّ اقتربا من الأربعة، وانطوى الزمن على «ربيع عربي» شغلت فيه طهران أكثر من وظيفة وتولّت أكثر من دور، في لبنان والعراق وسوريا واليمن؛ كما انطوى، أيضاً، على اتفاقية فارقة مع الغرب، بصدد البرنامج النووي الإيراني… ومع ذلك، بدل أن تنجسر الهوّة، فإنها ازدادت اتساعاً، والخريطة التي يمكن أن تُرسم اليوم تحتوي على سلسلة عناصر متفجرة، لعلّ مكوناتها الراهنة هي ذاتها التي أوحت بالتفاؤل في حينه!

وفي العودة إلى منطق الأخذ والعطاء، ليس من المؤكد أن تسير رياح السياسة الخارجية كما يشتهي المخططون لها في واشنطن وموسكو، على حدّ سواء؛ لأنّ المنطق، إياه ـ وبحكم التجربة التاريخية للقرن السالف وقرابة عقدين من القرن الحالي ـ يفترض انبثاق منظومة التناقض من قلب منظومة التطابق، ذاتها في الواقع. في قبضة طهران مجموعة متكاملة من أوراق التفاوض، هي معادلات قوّة قادرة في الآن ذاته على الإخلال بالتوازن؛ ولم توقّع الاتفاق النووي إلا ضمن «سلّة» إقليمية متكاملة بدورها، لا تكتفي باستثمار «الهلال الشيعي» العتيق وحده، بل قد تذهب أبعد… إلى حيث يمكن أن يسيل اللعاب الروسي، فينقلب منطق تفاهمات واشنطن وموسكو، رأساً على عقب!

========================

صناعة الموت في سورية .. برهان غليون

العربي الجديد

السبت 11/2/2017

تقرير منظمة العفو الدولية الذي وثّق 13 ألف حالة إعدام في سجن صيدنايا، خلال السنوات الخمس الماضية وحدها، مع ما رافق ذلك من أعمال التعذيب والتنكيل وكل أشكال الحط بالكرامة الإنسانية، أثار رد فعل واسعا في الأوساط الدبلوماسية والإعلامية الدولية. وبعد أن وصفت المنظمة السجن بالمسلخ البشري، ونقلت صورا من الهمجية غير المسبوقة فيه عن تدمير المعتقلين نفسيا وجسديا، قال وزير الخارجية البريطاني، بوريس جونسون، إن تقارير "العفو الدولية" عن الإعدام في سورية أصابته بالغثيان. وصرح وزير الخارجية الفرنسي، جان مارك إيرو، بأن هذه الوحشية لا يمكن أن تكون مستقبل سورية. وصرّح السفير الأميركي السابق لشؤون جرائم الحرب، ستيفن راب، في مقابلة مع "سي إن إن" بأن هذه الإعدامات ليست سوى جزء من قائمة تضم أكثر من 50 ألف سوري عذبوا وقتلوا على يد حكومتهم بتوجيهاتٍ من أعلى المستويات، وهي جرائم ترتكب بإشراف المؤسسة العسكرية السورية، ومؤسسات أخرى، تحت إمرة الرئيس السوري، "والأدلة التي بحوزتنا ضخمة يمكنها أن تقود إلى محاكمة واضحة وصريحة على المستوى الدولي". أما رئيس لجنة الأمم المتحدة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في سورية، باولو بينيرو، فقد صرح لـ"رويترز" "لدينا معلومات مستفيضة بشأن التفاصيل الممنهجة للمراسم المنتظمة التي يقيمونها لعمليات الإعدام الجماعي أمام حضور من المسؤولين الحكوميين".

والواقع أن هذه الإعدامات الجماعية ليست إلا فصلا من كتاب الموت الذي أصبحت صناعته البرنامج الوحيد لنظام الأسد منذ عقود، والذي رفض العالم من قبل قراءته أو حتى تصفحه، مفضلا إمعان النظر في كرافات بشار الأسد وثياب زوجته المختارة من أكبر بيوت الأزياء العالمية، بل إن الإعدامات في هذا الفصل أقلّ وحشيةً، على الرغم من هولها مما يسبقها والطريق الذي يوصل إليها، حتى أن المتظاهرين كانوا يقولون لنا إن ما يخشونه ليس الموت برصاص الجنود، وإنما الاعتقال من قوات الأمن".

لا يمكن لهذه الإعدامات المشينة إلا ان تذكّرنا، وينبغي أن تذكّرنا، بفصول الكتاب الأخرى التي لا تقل شناعةً عنها، وفي مقدمها استخدام حصار التجويع "واحداً من تكتيكات الحرب، وذلك

"الإعدامات الجماعية ليست إلا فصلا من كتاب الموت الذي أصبحت صناعته البرنامج الوحيد لنظام الأسد منذ عقود" لإجبار أهالي المدن والبلدات على الاستسلام بعد تجويعهم"، كما جاء في تصريح سابق لباولو بينييرو نفسه، والذي يتسبّب في إبادة مدن وأحياء كاملة وموت جزء من سكانها وتشريد من بقي حيا منهم، أو عن القتل الجماعي بالقصف الأعمى بجميع الأسلحة الثقيلة، وبالبراميل المتفجرة التي تتساقط على المدن السورية يوميا منذ ست سنوات، لا على التعيين، أو الهجومات بالأسلحة الكيميائية والقنابل الحارقة والغازات السامة، أو عن اصطياد الشباب من الطرقات وإجبارهم على القتال كدروع بشرية، حتى لم يعد يرى المرء في شوارع المدن السورية سوى النساء والشيوخ والاطفال، إلى جانب مرتزقة الحشود الطائفية الأجنبية.

أمام هذا الكم الهائل من الانتهاكات التي حوّلت المجزرة البشرية إلى حدثٍ يومي عادي، تركّزت الأسئلة، عن حق، على سكوت المجتمع الدولي وشلله، على الرغم مما تقدمه منظماته الإنسانية نفسها من براهين دامغة على كارثةٍ، لا يبدو أن دولاً كبرى كثيرة تشعر بالقدرة على مواجهتها أو بالمسؤولية عن إيقافها. والحقيقة أن موقف الحكومة الروسية شكل عاملا حاسما في تعطيل قرارات الأمم المتحدة، أو تفريغها من محتواها، لأسباب جيوسياسية واستراتيجية، لم يعد أحد يجهلها، وهي وضع المصالح الكبرى للدولة الروسية، وتحسين موقعها على خريطة النفوذ الدولي، وتأكيد حقها في أن تكون طرفا مرهوب الجانب، ومسموع الكلمة من أندادها من الدول الكبرى، وأن تحترم مصالحها، حتى التوسعية منها. لكن، ما كان لهذا الموقف الروسي أن يتجلى بهذه الصورة، ولا أن يستمر في تحديه جميع المواثيق والأعراف الدولية والاعتبارات الإنسانية، لو لم يصادف في مواجهته سقوطا أخلاقيا عالميا شاملا نابعا من التخلي عن قيم التضامن الإنسانية، والتواطؤ المشترك، وغير المعلن، ضد القانون والعرف الدوليين، والانكفاء على الذات، والقبول بدفع أي ثمن، بما في ذلك السير على جثث الشعوب والجماعات، ودوس روادع الدين والثقافة والبداهة العقلية، للحفاظ على مصالح خاصة قومية أو فئوية، تبدو مهدّدة أكثر فأكثر. وربما كان هذا من مظاهر الأزمة التي تمر بها المنظومة الدولية، وفي صلبها مأزق الهيمنة الدولية والرأسمالية المعولمة وتخبط سياساتها. كل الدول تشعر في هذه الأزمة بالهشاشة، ومخاطر الخسارة والتراجع، وربما فقدان السيطرة، بما في ذلك الدولة الأعظم، وكل طرفٍ يحاول أن ينقذ نفسه بأي ثمن. العالم كله، وقد تحوّل إلى جسم واحد، هو اليوم في مأزق إعادة ترتيب شؤونه وضبط علاقاته وفتح نوافذ أمل صغيرة، لطمأنة مجتمعاته.

لكن السؤال الأهم والأصعب يتعلق بنا نحن. كيف أمكن لنظام حكمٍ، أقام شرعيته على رفع

"نسأل لماذا تخلى العالم عنا، لكن مهم، بالمقدار ذاته، أن نعرف أيضا كيف تحول "نظام حكم" إلى جزّار، وحول البلاد إلى مسالخ مفتوحة في كل مكان؟" شعارات الدفاع عن حقوق الشعب، وتبنى أيديولوجيات شعبوية اشتراكية وإنسانية ضد الرأسمالية والاستغلال والإقطاعية، وبرّر انقلابه على الدستور، وتخليد ديكتاتورية أبوية بالدفاع عن حقوق سورية القومية ومقاومة التوسعية الإسرائيلية، وجعل من موضوع السيادة الوطنية مسألة هوية، أن ينزلق إلى ما انزلق إليه، ويتحوّل إلى آلة قتل منهجي ومنظم لشعبه، ويحول سورية بأكملها إلى مسلخٍ تسيل فيه الدماء في كل زاويةٍ وبيت، ويفقد فيه الإنسان روحه وعقله وإنسانيته كل يوم ألف مرة. كيف فقد النظام عقله، أو هل كان يتمتع بالفعل بحدٍّ أدنى من العقلانية والعقل، أعني هنا من السياسة، أم كان منذ بدايته نظام حرب؟

سجن صيدنايا والسجون السورية جميعا ليست وحدها المسالخ البشرية في سورية. والسلخ فيها لا يقتصر على سنوات الثورة الست، فكل دائرة عسكرية أو أمنية، وكل فرقة وكتيبة أو فرع أمن، وكل مدرسة ومصنع، وكل حي أو شارع، هو مركز لسلخ الإنسان عن ذاته وكرامته وحريته وأهله وحقوقه، عن قيمه، ومحطة لتحطيمه وإعطابه، روحيا وجسديا، بكل وسيلةٍ ممكنة، وفي كل وقت. سلخه عن جلده بالمعنى الحرفي للكلمة هو التجسيد النهائي لعملية نزع الإنسانية التي أقام عليها نظام الأسد حكمه، منذ أكثر من أربعة عقود، والتي أراد من خلالها أن يحول الانسان إلى حيوان، بالمعنى البيولوجي للكلمة، ويفرغ سورية من شعب/ها، أي من ذاتها، كما يفعل تماما الآن بالعنف الشامل، حتى تكون ملكا خالصا له، بدولتها وأرضها ومن عليها. لم ير النظام في السوريين في أي لحظةٍ شيئا آخر، بشرا يجدر التعامل معهم، وإنما زوائد وحثالات وقوارض، ينبغي التخلص منهم، أو تحييدهم بأي ثمن، وفي أحسن الحالات، تكبيلهم بالقيود والأصفاد، لاستخدامهم في أعمال السخرة والخدمة المجانية.

مهم أن نسأل لماذا تخلى العالم عنا، لكن مهم، بالمقدار ذاته، أن نعرف أيضا كيف تحول "نظام حكم" إلى جزّار، وحول البلاد إلى مسالخ مفتوحة في كل مكان؟ ما هو أصل الهولوكوست الأسدي؟ كيف أصبحت الإبادة سياسةً، وصار نزع الإنسانية عقيدة ومذهبا. هذا هو السؤال الذي سأحاول الإجابة عنه في مقال لاحق.

========================

بلاط المسلخ البارد .. رشا عمران

العربي الجديد

السبت 11/2/2017

ما الذي سيغيّره تقرير منظمة العفو الدولية (أمنستي) الجديد المسمى "سورية مسلخ بشري"، والذي يتحدث عن ثلاثة عشر ألف معتقل تم إعدامهم بأشد الطرق وحشيةً وإجراماً في سجن صيدنايا الشهير في سورية خلال الأعوام القليلة الماضية؟ ما الذي سيغيره تقرير كهذا في الوضع السوري ومآلاته؟ ثلاثة عشر ألف معتقل في سجن واحد فقط، وفي سورية عشرات المعتقلات بين سجون عادية وبين أقبية فروع الأمن والغرف السرية في الفرق العسكرية، حيث لا أحد يعرف ما يحدث هناك، غير من كان محظوظا، وكتبت له الحياة عمرا جديدا، فخرج ليروي بعضا مما شاهده، وإنْ كانت مدة إقامته في أحد تلك المعتقلات طويلةً، خرج من دون أن يجرؤ على الكلام، من دون أن يتمكّن من ذلك، سيحتاج وقتا طويلا ليشفى من هول ما رأى وما سمع، وما عاناه هو شخصيا.

سورية مسلخ بشري! هل كنا، نحن السوريين، نحتاج تقريرا كهذا لنتأكّد من أن المكان الذي ننتمي له ليس وطنا، وليس بلدا، ولا يمكن أن يكون هوية؟ هو ليس أكثر من مسلخ، محظوظٌ من تمكّن من النجاة منه، والمسلخ ليس أكثر من دمغةٍ زرقاء توضع على طرف الذبيحة، تؤكد أن قتلها تم حلالا. الدمغة هي هوية الموت، هوية السوري، من بقي هناك داخل أسوار المسلخ، ومن خرج منه. ما الذي سيغيّره تقرير "أمنستي"، وثمّة عشرات آلاف التقارير والصور تم تسريبها وعرضها واستعراضها وبثها عبر كل وسائل الميديا عن المسلخ نفسه، وعن مئات آلاف الذبائح البشرية اليومية التي دمغت بالأزرق خلال الخمس سنوات الماضية، من دون أن تهتز شعرة واحدة في الرأس المنتصب للمجتمع الدولي، الرأس المنتصب فخرا بمحاربته اليومية للإرهاب، وبالتعامل من الهاربين من المسلخ بوصفهم إرهابيين!

ما الذي سيغيره تقرير "أمنستي"؟ هل سيغير من رأي الموالين، إخوتنا في المسلخ نفسه، بما يحدث؟ لا أظن. بالنسبة لهؤلاء، من هم في المعتقلات ليسوا أكثر من إرهابيين، وذبحهم بهذه الطريقة أو تلك هو أقل ما يستحقونه، متناسين أن ساطور المسلخ لن يتوقف، قبل أن يطال رقاب الجميع، وأن الدمغة الزرقاء منقوشةٌ على أجسادهم أيضا، هم فقط من يرفضون رؤيتها! ما الذي سيغيّره تقرير "أمنستي" أخيراً؟ نشرت، مثل كثيرين غيري، من السوريين التقرير على صفحتي على "فيسبوك"، مثلما نشرت سابقا تقارير مشابهة، وتضم صفحتي مثقفين عرباً كثيرين، أزعم أنهم مرّوا على التقرير على صفحتي، كما مروا عليه على صفحات الأصدقاء، وربما فتحوا الرابط وقرأوا ما كتب فيه، فتعزّزت رؤيتهم لنا خونة لبلادنا العظيمة، وربما وصفونا، نحن من نشرنا التقرير، حاقدين كاذبين قابضين ثمن خيانتنا وحقدنا من أجهزة المخابرات العربية والغربية التي تدمر سورية وسمعتها، ثم يعودون إلى صفحاتهم يشتمون المجتمع الدولي على صمته عن تردّي الحالة الصحية لمعتقل فلسطيني في سجون الاحتلال أعلن إضراباً عن الطعام، احتجاجا على سجنه الطويل.

ما الذي سيغيّره تقرير "أمنستي"؟ لا شيء إطلاقا، نحن السوريين فقط سوف نقرأ التقرير، ثم سنشعر بالطعم القاتل في أحشائنا، وببرد نصل الساطور على رقابنا، إذ لا يوجد منا من ليس لديه أخ أو ابن أو أب أو قريب أو جار أو صديق داخل أسوار المسلخ، وربما داخل التقرير ذاته. نحن فقط من سنقرأ التقرير، ونتخيل ما يحدث لأولادنا المنسيين هناك، فتملأ الجروح أرواحنا، ونحاول أن نوقف نزف الجروح بالملح. نحن فقط من سنقرأ التقرير مرة ومرتين وثلاثاً، كي نصدّق أن من يفعلون ذلك ولدتهم أمهاتهم في البلد نفسه الذي ولدتنا فيه أمهاتنا، وشربوا من الماء نفسه الذي شربنا منه، واستنشقوا الهواء الذي استنشقناه، نحن فقط من سنقرأ هذا التقرير والتقارير السابقة واللاحقة، ونحاول النوم بعد ابتلاع أقراص المهدئات ونحضن مخداتنا، فإذا سقطنا في الكوابيس، حمت المخدات رؤوسنا من الارتطام ببلاط المسلخ البارد.

========================

"العفو الدولية" ونظام آل الأسد: لقد أسمعتْ لو نادتْ حياً! .. صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 11/2/2017

تقرير منظمة «العفو الدولية»، الذي صدر مؤخراً بعنوان «المسلخ البشري: عمليات الشنق الجماعية والإبادة الممنهجة في سجن صيدنايا بسوريا»، أثار ردود أفعال واسعة، بالنظر إلى ما يوثقه من الأهوال والفظائع داخل سجن واحد. وكان جديراً بالانتباه أنّ الاهتمام بهذه الوثيقة اقتصر، عملياً، على وسائل الإعلام المختلفة، ووسائط التواصل الاجتماعي، وبعض التعليقات الدولية غير الرسمية (كان في عدادها موقف نوّاب في الدوما الروسية، أشبعوا التقرير ذمّاً وطعناً في مصداقية المنظمة!). أمّا على أصعدة الحكومات، شرقاً وغرباً في الواقع، فإنّ وقائع «المسلخ البشري» الرهيبة قوبلت بصمت مطبق، أو يكاد؛ ولم يكن العكس ـ أي الشجب والإدانة، في الحدود الدنيا ـ منتظَراً، في كلّ حال.

ذلك لأنّ هذا التقرير ليس الأوّل من نوعه، رغم أنه هذه المرّة يأتي على تفاصيل أشدّ وحشية؛ إذْ سبق للمنظمة ذاتها أن أصدرت تقارير حول سجون النظام السوري ومعتقلاته، طيلة عقود «الحركة التصحيحية»، كما وثّقت تقنيات التعذيب، وسجّلت شهادات شخصية لمعتقلين سابقين، ورسمت خرائط مفصّلة لمواقع التعذيب وأسماء الفروع الأمنية؛ بل ورصدت أسماء بعض الضباط الذين أشرفوا على ارتكاب جرائم حرب موصوفة، أو مارسوها بأنفسهم أيضاً. كذلك أصدرت عشرات البيانات التضامنية مع معتقلي الرأي والضمير، وأطلقت حملات عديدة تميط اللثام عن، وتفضح، أعمال عنف محددة، وتصفيات جسدية، ومجازر جماعية.

منظمة أخرى بارزة، هي «هيومان رايتس ووتش»، أصدرت في سنة 2015 تقريرها الشهير «لو تكلم الموتى: الوفيات الجماعية والتعذيب في المعتقلات السورية»؛ والذي تابع مقتل الآلاف في معتقلات الفروع الأمنية 215، 227، 216، 235، 248، 220، أقبية المخابرات الجوية، وسجن صيدنايا العسكري. كما حلل التقرير مصائر 28707، من أصل 50 ألف صورة قتيل، سرّبها المصوّر المنشق الذي عُرف باسم «قيصر»؛ واستخلص النتيجة التالية: هذه الصور «لا تمثل سجلاً شاملاً للوفيات في المعتقلات في منطقة دمشق في الفترة الزمنية التي التقطت أو جُمعت فيها هذه الصور». ذلك لأنها «ليست عينة عشوائية، لكن تمثل الصور التي توصل إليها قيصر واحتفظ بنسخ منها، حين شعر أنه يستطيع أن يفعل ذلك، بقدر من الأمان النسبي. لذا، فإن عدد الجثث في مراكز الاعتقال، كما ظهر في صور قيصر، لا يمثل إلا جزءاً من عدد من توفوا في مراكز الاعتقال في دمشق، أو حتى في هذه المنشآت بعينها، خلال فترة الـ 27 شهراً التي التقطت فيها الشرطة العسكرية والطب الشرعي هذه الصور».

وما دام سجن صيدنايا هو موضوع تقرير «العفو الدولية» الأخير، فمن المفيد العودة إلى تقرير آخر عن المعتقل ذاته، أصدرته «اللجنة السورية لحقوق الإنسان»، حول المجزرة التي شهدها السجن صباح 5 تموز (يوليو) سنة 2005: وصلت قوة تعزيز إضافية من الشرطة العسكرية تقدر بين 300 إلى 400 شرطي، وبدأت حملة تفتيش بطريقة استفزازية، تخللتها مشادات كلامية مع المعتقلين السياسيين، ثم إلقاء نسخ من القرآن على الأرض والدوس عليها، مما أثار احتجاج المعتقلين الإسلاميين الذين تدافعوا نحو الشرطة، فأطلق هؤلاء النار وقُتل تسعة من المعتقلين على الفور (زكريا عفاش، محمد محاريش، محمود أبو راشد، عبد الباقي خطاب، أحمد شلق، خلاد بلال، مؤيد العلي، مهند العمر، خضر علوش). إثر ذلك عمت الفوضى في السجن، وظنّ المعتقلون أنهم على أعتاب مجزرة تدمر جديدة، فبدأوا بخلع الأبواب لمواجهة الشرطة العسكرية، التي فتحت عليهم النار مجدداً، مما أوصل عدد القتلى إلى نحو 25 قتيلاً.

الجديد الذي اكتنف هذه المجزرة، من نظام عوّد الشعب السوري على ارتكاب المجازر، أنّ رأس النظام، بشار الأسد، اسنُقبل في باريس، عاصمة «إعلان حقوق الإنسان والمواطن»! لكنّ نيكولا ساركوزي، الرئيس الفرنسي يومذاك، لم يكن أوّل مَنْ يراقص طغاة الشرق الأوسط، سواء في العقود الأخيرة من عمر الجمهورية الخامسة في فرنسا، أم في عقودها الوسطى (أوّل زيارة للأسد الأب تمّت في عهد فاليري جيسكار ـ ديستان، 1976، بعد أشهر قليلة على دخول القوّات السورية إلى لبنان)؛ هذا إذا اعتبر المرء الأنشطة الدبلوماسية في العقود الأولى بمثابة تمرينات مبكّرة واستطلاعية على ما ستطلق عليه التنظيرات الديغولية صفة «السياسة العربية لفرنسا». وفي وجهة أخرى لنقاش الواقعة تلك، لعلّ المرء لا يبالغ إذا اعتبر خيار ساركوزي في الانفتاح على النظام السوري أقرب إلى السلوك الطبيعي، المنتظَر، غير المستغرب البتة، من ذلك الرجل بالذات.

فمن جانب أوّل، كلّ ما كان ساركوزي يعرفه (كما صرّح، بنبرته المعتادة في السخرية الرواقية الغثة) أنّ سوريا بلد متوسطي، وليس ثمة سبب واحد يبرّر عدم دعوتها إلى القمة المتوسطية؛ غير المكرّسة (في حدود علمه كما قال، وعلم الجميع كما نقول) لمناقشة احترام أو انتهاك حقوق الإنسان على ضفاف المتوسط. وهذا منطق صوري سليم تماماً، وكان استبعاد سوريا من هذه القمة هو الذي سيكون القرار الشاذّ غير الطبيعي. ومن جانب ثانٍ، مَنْ الذي يعيب على ساركوزي دعوة الأسد إلى منصّة الاحتفال بالثورة الفرنسية، يوم العيد الوطني لفرنسا، إذا كان الحابل سوف يختلط بالنابل على تلك المنصة: ديمقراطيات غربية، ودكتاتوريات شرقية أو أفريقية، جنباً إلى جنب مع إسرائيل… «واحة الديمقراطية» في الشرق الأوسط؟

وضمن المنطق الصوري إياه، كيف يستقيم أن يُدعى زعيم من هؤلاء، ويُستثنى آخر؟ لهذا، وبصرف النظر عن قيمته الأخلاقية العالية، فإنّ النداء الذي وجهته إلى ساركوزي ثماني منظمات حقوق إنسان دولية (بينها «العفو الدولية»، و»هيومان رايتس ووتش»، والاتحاد الدولي لروابط حقوق الإنسان، والشبكة الأورو ـ متوسطية، والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب…)؛ ظلّ، كما ينبغي له أن يظلّ، حبراً على ورق في ما يخصّ مطلب الفقرة الأولى: «تناشدكم منظمات حقوق الإنسان الموقعة على هذه الرسالة إيلاء اهتمام لوضع حقوق الإنسان في ذلك البلد».

قبل ساركوزي كان ديغولي آخر هو الرئيس الأسبق جاك شيرك، الأعرق ممارسة للسياسة من ربيبه ساركوزي، قد استقبل الأسد الابن، في خريف 1999، بصفته الوحيدة المتوفرة آنذاك (نجل حافظ الأسد)؛ وذلك تلبية لرغبة رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري (الذي كان، في حينه، بين أخلص رجالات حاكم دمشق، الأسد الأب)، على سبيل تدريب الفتى الابن في ما ينتظره من مهامّ رئاسية. غير أنّ الدعوة، بمعزل عن إرضاء الحريري، كانت تعكس المزاج الحقّ للرئيس الفرنسي في ما يخصّ نظام آل الأسد؛ إذْ، للتذكير، كان شيراك هو الرئيس الغربي الوحيد الذي شارك في جنازة الأسد، وكان قبلها قد كسر عزلة الأخير الدولية حين دعاه إلى زيارة باريس رسمياً في صيف 1998، كما كان أوّل من أسبغ شرعية سياسية وأمنية على وجود القوّات السورية في لبنان خلال خطبة افتتاح القمّة الفرنكفونية في بيروت 2002.

ولا تُقتبس باريس هنا، في هذه الأسطر، إلا لأنها تُعرّف عادة بمصطلح حقوق الإنسان؛ غير أنّ في وسع المرء اقتباس الغالبية الساحقة من العواصم الغربية، والشرقية أيضاً: من واشنطن وموسكو، إلى لندن وبرلين وروما. كلهم فضّلوا التعامل مع «الشيطان الذي يعرفونه»، خادم مصالحهم الأمين، الطيّع التابع الخنوع؛ ولتذهب، إلى الجحيم، تقارير منظمات حقوق الإنسان، وحشرجات سجناء الرأي. لقد أسمعتْ لو أنها نادت الأحياء من قادة الديمقراطيات، رافعي ألوية حقوق الإنسان!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com