العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 18-10-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

سيّد واحد للكرملين إنّما بسياستين مسيحيّة وإسلاميّة .. حسان القالش

الحياة

الخميس 15/10/2015

باحتلال روسيا سورية تتأكّد عودة "المسألة الشرقية" مجدّداً. فبينما تعزّز إيران وجودها العسكري هناك حماية لمشروعها المذهبي، تصرّ تركيا على أخذ ما تعتبره الحدّ الأدنى من حصّتها الكامنة في عمق الشّمال السّوري كخطوة باتّجاه طموحها لإحياء عثمانيّة جديدة تستعيد زعامة الإسلام السنيّ.

أما المشروع الروسيّ فيبدو أكثر تعقيداً، إذ يحاول بوتين ومُنظّروه المزجَ بين سياستين متناقضتين اعتمدتهما روسيا قبل الثورة البلشفيّة وبعدها، تقوم إحداهما على تعزيز الشعور القوميّ وشدّ العصَب الأورثوذكسي المترافق مع العداء للإسلام، بينما تميل الثانية إلى استيعاب نسبيّ للإسلام.

هكذا، يتوجّه الرّوس إلى المشرق، بسياسة ذات وجهَين، ساعين إلى تحقيق غايتين رئيسيّتين تتفرّع عنهما مكاسب كثيرة، تتمثّل أولاهما باستعادة الكنيسة المشرقيّة، ما يشكّل انتصاراً معنويّاً وقوميّاً. وهذا ما يفسّر تديين التدخّل في سورية، وحملة البروباغندا المرافقة له، فضلاً عن دعوات التطوّع للقتال هناك التي ظهرت في مواقع الإنترنت الروسيّة والهادفة إلى تشكيل ميليشيات سيكون طابعها الدينيّ أوضح ممّا كانته في شرق أوكرانيا، وستبدو أشبه بالميليشيات الشيعية العراقية واللبنانية. بينما تتمثّل الثانية في تعميم نموذج العلاقة الروسية - الشيشانيّة الراهنة في ما يتعلّق بضبط الإسلام واستخدامه في ما يخدم مصالحها فقط، وهنا تحديداً تكمن ملامح سياسة بوتين الإسلاميّة.

وبعيداً من استحالة تطبيق هذه السياسة، لا شكّ في أنّها ستصطدم بالمشروعَين الآخرَين. فإذا صحّ أنّ روسيا ستعمّق حلفها مع إيران، ما يسمح بتوسيع عملياتها العسكريّة لتشمل العراق، فهذا ما لا يمكن أن تقبل به غالبية مسلمي روسيا والقوقاز التي ستعتبر الأمر نوعاً من الاستفزاز والتهديد لهويّتها الدينيّة. ذاك أنّ الإسلام السنّي، الصّوفي تحديداً، يشكّل منذ أواسط القرن التاسع عشر ملمَحاً أساسيّاً من ملامح الانتماء الوطني لمسلمي القوقاز، فضلاً عن الحجم الكبير الذي بات يحتله الإسلام السلفي منذ الحرب الشيشانية الأولى في 1994، وهذا عدا ارتباطه الروحي بالمشرق.

ومن جهة أخرى، سيكون الاصطدام مع الأتراك أكثر تعقيداً نظراً إلى تعقيد العلاقة نفسها. ذاك أنّ تركيا الحالية، التي استبدلت طموحها الأوروبيّ بحلمها العثماني، لن ترضى بأن تفرض روسيا رؤيتها الإسلاميّة على منطقة تعتبرها إرثها التاريخي ومجالها الحيويّ الواعد المرشّح للتوسّع في هذه الحالة، ما يعني تفعيل تركيا علاقاتها التاريخيّة بمسلمي القوقاز والبلقان، وقدرتها على كسبهم، بخاصّة أنّ روسيا لم تقدّر تهاون تركيا في مسألة ضمّها إلى شبه جزيرة القرم كنوع من تسوية تاريخيّة وسياسيّة غير معلنة ترسم حدود طموح كل منهما.

بهذا، ستغرق سورية أكثر في دماء المشرق وتضيع بين أرجُل المتصارعين على تركة "الرجل المريض".

* كاتب وصحافي سوري

======================

موقفنا : منظمة العفو الدولية : قوات كردية تشارك في حرب إبادة وتهجير ضد السكان المحليين .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 15-10-2015

نضطر في كل موقف نتحدث فيه عن فرق ( الإرهاب ) و( الجريمة ) في ثنايا أبناء شعبنا السوري العظيم ، أن نميز الإرهابيين المجرمين الحقيقيين عن عموم أبناء شعبنا الطيب العظيم . وكما نكرر دائما أن شيفونية نظام ( الأسد ) لا علاقة لها بالعرب ولا بالعروبة . وأنها يوم كانت تمارس الاستبداد والفساد والقتل والاعتقال والتشريد ضد كل الشعب السوري ومن ضمنهم أشقاؤنا الكرد ، فإنها كانت تفعل ذلك باسم الشيفوني القاتل المستبد حبيب الفناء عدو الحياة ، ولم تكن تفعله لا باسم العرب ولا باسم العروبة ولا باسم الوطن ولا باسم الوطنية .

وكذلك يجب علينا اليوم أن نميز بين ( الإرهابيين الجدد ) بمختلف عناوينهم ومسمياتهم ، ومنهم أولئك الذين سموا أنفسهم (وحدات حماية الشعب الكردي ) وبين أشقائنا الكرد الأحرار الأبطال شركاء العقيدة والحضارة والتاريخ . ليبقى أشقاؤنا الكرد ، رغم أنف كل الشيفونيين ، شركاء اليوم والغد ، شراكة مفتوحة على الوعد الحق والأمل الجميل.

فروق كبيرة تميز بين قوى الثورة وقوى الإرهاب . قوى البناء وقوى التدمير ، وحدات الحماية ووحدات التهديد ، الفرق كبير بين وحدات يلوذ بها المستضعفون مهما كان دينهم أو مذهبهم أو عنصرهم وبين وحدات يخاف من شرها النساء والأطفال والمعمرون . فرق كبير بين الثائر المدافع عن حق والمطالب به وبين الإرهابي مدع الحقوق أو مغتصبها.

إن الذاكرة السورية حية ، والذاكرة السورية لم تنس بعد ، وأشقاؤنا الأكراد الشرفاء أنفسهم كما كل السوريين والسوريات الأحرار لم ينسوا بعد ( عنوان الجريمة ) العنوان المصنوع في أقبية الرجس ( وحدات الدفاع عن الوطن وحماية الثورة ) ، والتي كان يعبر عنها شعبنا اختصار بالوحدات ، وحدات الرعب والفحش والإثم والقتل والاغتصاب ... وحدات رفعت الأسد نفسه ، التي تظهر اليوم من جديد بالاسم نفسه ولكن في مسلاخ جديد. ليبقى عنوان ( الدفاع ) و( الحماية ) هو جسر عبور القتلة والإرهابيين ، جسرهم التاريخي والتقليدي للقتل والاغتصاب والتهجير . وحين تصرخ الحقائق يبقى المنكرون من أنفسهم يسخرون ، ويظنون أن الحقيقة تهذي كما يهذون ...

ومع المعذرة والحب والتقدير لكل مواطن كردي حر وشريف ، يبقى الصدع بالحق واجب كل الأحرار الشرفاء . وتبقى كلمة الحق ضد مشروع قتل أبناء شعب سُلت عليه في منحنى تاريخي ضنك كل السكاكين واجب الشرفاء وميثاق الله على المتقين ( لتبيننه للناس ولا تكتمونه ).

 ...وبعد فهذه هي الحقائق صارخة نازفة تضج إلى الله من إثم الآثمين من الأمريكيين والروس من الإيرانيين والأسديين ومن أدواتهم الرخيصة التي تظن أنها تبني وهي تهدم ليس الحاضر فقط وإنما المستقبل أيضا وهو الذي عليه يجب أن نخاف أجمعين ..هذه هي الحقائق تلقي بها منظمة العفو الدولية على أعين الناس وأسماعهم لعلهم يشهدون ..

في الغد لن تكون بالضرورة أمريكا ، ولن تكون بالضرورة روسيا ، ولن تكون بالضرورة إيران ، ولن يكون أبدا بشار وعملاؤه وشركاؤه وأدواته وسيكون بالضرورة أولاد وأحفاد هؤلاء السوريين جميعا ثم سيكون ملتقى الخلق بين يدي الخالق أجمعين ...

أنتم يا من بالطيران الأمريكي والروسي والإيراني والأسدي تفرحون وتعتزون وتهددون و تكبرون وتبطرون وبحبل هؤلاء المجرمين الإرهابيين تقتلون وتدمرون وتشردون اعلموا : إن الله من ورائكم محيط. أنتم يا قتلة الأطفال ، ومروعي النساء ، ومهجري الآمنين ، ومدمري الديار.. إلى جبار السموات والأرض نشكوكم فاستهينوا به واستعينوا عليه اليوم بمن تشاؤون وما يعلم جنود ربنا إلا هو ...

أنتم يا من ذهبت بعقولكم نشوة اللحظة ، وغركم عقد الأجرة فما عدتم تميزون عدوا من صديق ، وخطأ من صواب ، ومفسدة من مصلحة ؛ فخضتم مع الخائضين ، وانحدرتم مع المنحدرين .. اعلموا إن لقرني الوعل العظيم صخرة ينتهيان إليها ويتحطمان عليها ؛ فكيف بمن كانت قرونه من عجين ، ومخالبه من طين ...؟!

ومنظمة العفو الدولية – حتى لا تسبقونا بالقول - هي منظمة العفو الدولية نفسها التي كانت تجأر بالشكوى يوم استهدفت (كوباني ) التي تعرفون ، والتي ضجت بالصراخ يوم علا صوت المرأة ( اليزيدية ) في برلمان المالكي فتحركت لضجيجها أسراب الطائرات ؛ نذكر بذلك فقط حتى لا تقولوا ( منظمة العفو الدولية ) منظمة إرهابية داعشية منظمة العفو الدولية التي طالما شهدت لكم فاعتززت بشهادتها ها هي اليوم تشهد عليكم فماذا أنتم قائلون ..

منذ أيام قليلة فقط أصدرت منظمة العفو الدولية نفسها تقريرها تستغيث وتدين لما يجري من قتل وتدمير وتطهير عرقي شيفوني في مناطق سيطرة وحدات حماية الشعب الكردية ، وكل ما سنضعه بين قوسين هو منقول موثق عن المنظمة نفسها

تقول المنظمة إن ( القوات الكردية تقوم بتهجير السكان قسرا من قراهم شمال وشرق سورية . وتدمر منازلهم ، وتهددهم بجلب قصف التحالف الدولي ضدهم باتهامهم بأنهم من تنظيم الدولة )

وتطالب منظمة العفو الدولية في تقريرها على لسان مسؤولتها ( لمى الفقيه ) بأنه يجب أن تتوقف الإدارة الذاتية – الكردية - عن تدمير منازل المواطنين ، وأن تقدم تعويضات للذين دمرت منازلهم بشكل غير قانوي.

وتنقل منظمة العفو الدولية عن أحد سكان قرية الحسينية – شمال شرق –قوله ( أخرجونا – مقاتلو الوحدات – من منازلنا وأحرقوها ، واستقدموا جرافات ودمروا المنازل واحدا بعد الآخر حتى قضوا على القرية ..) أسلوب من هذا تذكروا أيها الأعزاء ...

وتوثق المنظمة ، منظمة العفو الدولية عينها، ومسؤولتها لمى الفقيه أنه بحسب صور بالأقمار الصناعية فحصتها المنظمة فإن قرية الحسينية دمرت بنسبة 94 % بين حزيران 2014 وحزيران 2015 .

وشهد سكان آخرون حسب تقرير منظمة العفو الدولية أن عناصر (الوحدات ) كانوا يهددون سكان القرية ( بأنهم سيطلبون من الائتلاف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بشن غارات على المنطقة ما لم يغادروها ) ويقول ( صفوان ) وهو أحد سكان المنطقة قالوا لنا : ( إن علينا الرحيل وإلا سيقولون للائتلاف الدولي بأننا إرهابيون وأن المقاتلات الأمريكية ستقصفنا مع عائلاتنا ) . وتلفت منظمة العفو الدولية ( أن العديد من المناطق التي شهدت تهديدا لم تكن قرى في مناطق الاشتباك )

وقد وثقت منظمة العفو الدولية في تقريرها أربع عشرة مدينة وقرية تسيطر عليها الوحدات ( الأمريكية – الأسدية – ثم الكردية ) تم فيها التهجير القسري وتدمير المنازل الجرائم التي تعتبر جرائم حرب ارتكبتها من تسمى الإدارة الذاتية التابعة للوحدات نفسها ...

وتؤكد التقارير الرديفة بما فيها شهادة نائب رئيس الوزراء التركي ( بولنت أريننج أن ما يجري في سورية في مناطق سيطرة الوحدات يعد تطهيرا عرقيا يستهدف العرب والتركمان بشكل خاص . أكرر يستهدف العرب والتركمان بشكل خاص بهدف توحيد كانتونات كردية متباعدة ومتفرقة .

هذه الحقائق منصوبة أمام العالم ، وأمام القوى الوطنية والثورية ، وأمام شعبنا السوري بمن فيهم أهلنا الكرد الأحرار الشرفاء وأمام من تولى أمرنا ثم غفل عنا بل نام حتى عن نفسه ..

باختصار شديد : إن هذه المدخلات ليست جيدة لصناعة المستقبل الذي نريده جميعا . وعلى من يستسهلها حربا أن يعلم أن إشعال الحروب وكسب العداوات هو فعل الحمقى فقط

وأن الزمن طويل طويل أكثر مما يظن المغامرون والمقامرون بشار الأسد وأدواته الرخيصة في كل واد يهيمون ...

(( وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ))

(( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ..))

اللهم اجعل امرنا من أمرك وعدونا عدوك يا رب العالمين . اللهم أطفئ نار العداوة بيننا وبين من تحب (( عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ))

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

أخطار الحرب العالمية الثالثة بسبب الأزمة السورية .. رغيد الصلح

الحياة

الخميس 15/10/2015

تذكّر الأجواء المتوترة التي تخيم على سورية وشرق المتوسط راهناً بالأجواء التي سيطرت على أوروبا يوم المباشرة بحصار برلين في ربيع 1948، وبالأجواء التي سيطرت على العالم إبان أزمة الصواريخ النووية الروسية في كوبا ابتداء من 16 تشرين الأول (أكتوبر) 1962، وبلحظات الرعب التي أعقبت الاستنفارات النووية المتبادلة بين موسكو وواشنطن إبان حرب أكتوبر بين العرب وإسرائيل عام 1973. التصاعد المتزامن في سعة التدخل الروسي - الأميركي وعمقه في سورية، إضافة إلى مقدماته وتداعياته المحتملة، أطلق سلسلة من الذكريات والمناقشات والتكهنات حول احتمال دخول العالم حرباً عالمية ثالثة عبر البوابة السورية.

فقبل أيام قليلة، نشر عدد من المواقع الإلكترونية توقعات لجيم ريكاردز، المستشار في البنتاغون وفي وكالة الاستخبارات الأميركية المركزية (سي آي أي) يقول فيها: "انسوا أخطار أوكرانيا وإيران، وراقبوا ما يجري في سورية. إنها ستكون بؤرة الحرب العالمية الثالثة". وأضاف ريكاردز أن "الحال أخطر مما يتصور البعض، إذ إن الحديث لا يتعلق بالنوايا فحسب، بل بإجراءات عملية، إذ يقوم حالياً 16 جهازاً من أجهزة الاستخبارات الأميركية بوضع الخطط لدخول الولايات المتحدة والعالم هذه الحرب"! وفي آخر عدد من أعداد دورية "ذي ناشيونال إنترست" (المصلحة القومية) الأميركية المتعاطفة مع إسرائيل، توقعت دراسة حول الحرب العالمية الثالثة المحتمل أن تبدأ من واحدة من خمس مناطق من بينها سورية بصورة خاصة.

وقبل أشهر قليلة، أجرت صحيفة "دايلي تلغراف"، أوسع الصحف البريطانية الرئيسية انتشاراً والمقربة من حزب المحافظين الحاكم، سلسلة مقابلات مع خبراء في العلاقات الدولية والحروب حول الخطر الأكبر الذي يواجه العالم اليوم. وأجاب بعض هؤلاء بالمقارنة بين مسارات السياسة الدولية الراهنة ومساراتها قبل الحرب العالمية الأولى، إذ شبهوا روسيا والصين اليوم بألمانيا في مطلع القرن العشرين عندما كانت تتجه إلى التوسع. وفي حين توقع البعض أن يكون حوض المحيط الهادئ منطلقاً لحرب كونية جديدة، فإن منطقة الشرق الأوسط ظلت المسرح المفضل لدخول الإنسانية المصير المظلم.

إلى جانب هذه التكهنات والتوقعات، انتشر كمّ واسع من التنبؤات الدينية الطابع حول النهاية القريبة التي يتجه إليها العالم، من البوابة السورية تحديداً. وفي هذا التحديد ما يضفي على التنبؤات الدينية مشروعية تاريخية، حيث إن مسرح الصراع المستعر دولياً وإقليمياً في سورية كان ممراً ومسكناً للأديان السماوية وما تفرع عنها من فرق وطوائف وجماعات دينية.

اكتسبت هذه التوقعات زخماً كبيراً بعد التدخل الروسي الواسع النطاق في سورية، خصوصاً أنه رافق هذا الحدث تصعيد في التدخل الأميركي في الأراضي السورية. ففضلاً عن الإمكانات العسكرية الكبرى التي يملكها البلدان، وفضلاً عن الأجواء المتوترة التي تطبع العلاقات بينهما بسبب الصراع على أوكرانيا، فإن مجرد وجود قوتين عسكريتين أجنبيتين في بلد يعاني انهيارات على الأصعدة العسكرية والسياسية والاقتصادية كفيل بإثارة التعقيدات بينهما حتى لو كانا حليفين. ففي هذه الحالات كثيراً ما تتعرض قوات أحد الطرفين إلى "النيران الصديقة والحليفة" بحيث تتحول هي ذاتها إلى مصدر للتوتر بين الحليفين. وحتى الآن لم يشكُ أي من الفريقين من "النيران الصديقة"، ولكن هناك شكاوى مستمرة متبادلة حول الأهداف المتضاربة التي يتوخاها كل من الطرفين من عملياته العسكرية. فالقوات الروسية تسدد ضرباتها إلى أطراف تعتبرها "إرهابية"، بينما هي في الحسابات الأميركية جماعات "معتدلة"، والعكس بالعكس. ولقد استفحلت هذه الظاهرة خلال الأيام المنصرمة بحيث بات من المعتاد تسمية العمليات العسكرية التي تقوم بها قوات الدولتين في الأراضي السورية "حرباً بالوكالة".

يعتقد البعض أن الحرب بالوكالة قابلة للتحول إلى حرب حقيقية في بعض الحالات، بخاصة في أجواء التوتر بين أطراف الصراع "الأصلية"، هذا فضلاً عن كثرة الأطراف والجهات التي دخلت الساحة السورية وباتت تتخذ منها مقراً دولياً وإقليمياً لها. ولا ينسى البعض المشاكل الكثيرة، "غير المقصودة" التي قد تطرأ حتى على العلاقة بين القوات التابعة لدولة واحدة. وهذا يعني أن تلافي مثل هذه المجابهات والتوترات التي قد تتحول إلى حروب شاملة يتطلب مستوى من التنسيق والاستعداد غير متوافر على أي مستوى من مستويات العلاقة بين الأطراف المتعددة التي تعمل في سورية.

لقد ذكر بعد القمة التي جمعت بين الرئيسين الأميركي والروسي في نيويورك، أن التنسيق بين القوات الأميركية والروسية في سورية مستمر، وأن الرئيسين يعتزمان توطيده، لكن الأيام اللاحقة لهذه التسريبات الإعلامية أظهرت أن طابع العلاقة بين الجهتين لم يتبدل بصورة ملحوظة. هذه الواقعة كانت موضع نقد في واشنطن وفي أروقة الحكم والسياسة والرأي في الولايات المتحدة. فجيمس ستافريديس قائد القوات الحليفة السابق في الحلف الأطلسي، وعميد كلية الحقوق والديبلوماسية في جامعة تافتس الأميركية، يؤكد غياب التنسيق وتبادل الآراء والمعلومات بين واشنطن وموسكو بصدد الأوضاع في سورية ويعتبره أمراً مثيراً للقلق. يزيد ستافريديس على ملاحظته قوله أنه حتى خلال الحرب الباردة كان مستوى التنسيق التفصيلي بين البلدين أفضل من مستواه الراهن. وتجنباً للأخطار الكبيرة التي يمكن أن تنجم عن انقطاع التعاون بين روسيا والولايات المتحدة، يدعو ستافريديس موسكو للانضمام إلى التحالف الدولي ضد "داعش" الذي تقوده الولايات المتحدة.

واعتبر فيتالي تشوركين، سفير روسيا في الأمم المتحدة، مثل هذه الدعوات "إهانة للأمم المتحدة" باعتبار أن من المفروض أن تمر عملية بناء التحالفات الدولية لصيانة الأمن والسلم العالميين عبر المنظمة الدولية، وردّ البعض على انتقاد السفير الروسي المبادرة الأميركية بالإشارة إلى أن روسيا هي الأخرى عملت على تكوين تحالف دولي - إقليمي يعمل ضد "داعش".

تجنباً لمثل هذه الثغرات في المواقف الدولية تجاه المسألة السورية، يقترح غوردون براون أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأميركية، وستيفن والت أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفرد ("نيويورك تايمز" الدولية في 14/10/2015) أن تعمل واشنطن بالتعاون مع موسكو على بناء تحالف إقليمي لمواجهة "داعش" ولإعادة السلام إلى الأراضي السورية. من هذا المنظار، يرى براون ووالت أن رفع مستوى التدخل الروسي في سورية قد يوفر، خلافاً لرأي الناقدين، فرصة مناسبة للبدء بهذه العملية التي تساهم فيها قوى دولية وإقليمية معاً.

على أهمية هذا الاقتراح، فإن ما ينقصه هو تحديد طابع العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا من جهة، والقوى الإقليمية من جهة أخرى. إن ترك هذه القضية معلقة سيثير إشكالات لاحقة لا مسوغ لها. من أجل تلافي هذه الإشكالات، وخلق مناخات أفضل لإيجاد حل للمسألة السورية، فإن من الممكن السير على محورين رئيسيين:

الأول، هو محور تفعيل لجنة رؤساء الأركان التابعة لمجلس الأمن، حيث يتم التنسيق بصورة مباشرة وفي إطار الشرعية الدولية بين واشنطن وموسكو. إن هذه اللجنة ستعمل كأداة للتنسيق بين الدولتين والدول الأخرى ذات العلاقة، ولإطفاء أية توترات قد تنشأ نتيجة أخطاء غير محسوبة وغير مقصودة بين هذه الدول. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الفترات القصيرة التي عملت خلالها اللجنة تميزت بنشاط مثمر وذي فائدة. كذلك، فإن من الضروري التشديد هنا على أن تفعيل اللجنة سيعتبر مكسباً كبيراً للتعاون بين الأمم والحكومات من أجل إيجاد حلول لقضايا معقدة مثل القضية السورية.

الثاني، محور مجلس الدفاع العربي المشترك، فالمجلس يضم دول المنطقة التي تملك قدرة على توفير الحلول لمعضلاتها الكبرى. فإذا كان المقصود بالتدخل في سورية الحد من أخطار الإرهاب، فإن للدول العربية القدرة على المساهمة في هذه الحرب عبر قواتها البرية أي القوات التي تتجنب الدول الأجنبية إرسالها إلى المنطقة العربية. ثم إن مجلس الدفاع عمل في فترات وحقق خلالها نجاحات يمكن تكرارها. وبمقدار ما أعطي هذا المجلس من الصلاحيات ومن الوقت والدعم، فلقد حقق، على سبيل المثل، نجاحاً خلال الإعداد لحرب تشرين. وإذا أعطي المجلس الصلاحيات الكافية فإنه يستطيع أن يضطلع بدور مهم في تخليص المنطقة والعالم من شرور الإرهاب.

======================

"رشوة" أميركية للمعارضة السورية .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 15/10/2015

من المتوقع ان ينجز خبراء عسكريون من الولايات المتحدة وروسيا قريباً جداً تفاصيل اتفاق يتيح تلافي الصدام في الأجواء السورية، في تسليم أميركي واضح بأن الحملة الجوية المدمرة التي تشنها موسكو في سورية ستستمر وفي طريقها إلى التوسع، وأن من الأفضل تجنب أي احتكاك يورط واشنطن في ما لا تريد ولا تسعى إليه. وفي المقابل تلقي طائرات أميركية بعض الذخائر إلى المعارضة، في ما يصح اعتباره "رشوة" سخيفة لتغطية التخلي الأميركي الإرادي عن نجدة الثورة السورية.

وكانت الولايات المتحدة ألغت قبل أيام برنامجاً لتدريب معارضين أخضعوا لفحص "سي آي إي" لكشف "الاعتدال"، بعدما مني بفشل ذريع، وأرفقت ذلك بالحديث عن وصول دفعات جديدة من صواريخ "تاو" المضادة للدروع الى مناهضي نظام بشار الأسد لموازنة التدخل الروسي. لكن على عكس ما تشيعه، فإن هذه الصواريخ تسلمها المعارضون في جبهتي إدلب وحلب بشكل خاص، من جهات خليجية قبل سنة تقريباً، وظهر تأثيرها الواضح في التقدم الذي أحرزه الثوار منتصف العام الحالي على رغم غارات الطيران السوري، وهددوا عبره دمشق واللاذقية، ما دفع الجيش النظامي إلى حافة الانهيار وسرّع التدخل الروسي.

وبكلام آخر، فإن دخول صواريخ "تاو" المعركة سابق على انخراط موسكو المباشر فيها، والمعارضة السورية باتت الآن بحاجة إلى أكثر من ذلك، أي إلى صواريخ مضادة للطائرات للحد من التأثير المستجد للطيران الروسي. ذلك أن استمرار موجات القصف الجوي والصاروخي الروسي العنيف، وتأمينه التغطية لعمليات برية وشيكة تشنها قوات من "الحرس الثوري" الإيراني وميليشيا "حزب الله" اللبناني، سيضطر المعارضة في النهاية إلى إعادة الانتشار والتخلي عن مناطق خاضت معارك طويلة ومضنية لانتزاعها.

غير أن القرار الأميركي بهذا الخصوص لا يمكن أن يكون سهلاً، وقد لا يتخذ أبداً. فهو يتعلق بأمن الولايات المتحدة نفسها، لكنه يتعلق أيضاً، وربما بدرجة أكبر من الأهمية بالنسبة الى واشنطن، بأمن إسرائيل. إذ يكرر الأميركيون المخاوف من أنه لو تسرب صاروخ واحد من هذا النوع إلى أيدي مجموعة متطرفة، وهناك منها الكثير في سورية حالياً، لاستخدمته على الفور ضد الطائرات الأميركية والحليفة التي تغير على مواقع "داعش"، أو ضد الطائرات الحربية الإسرائيلية، أو أي طائرة مدنية تقع في مجاله. ولهذا يتشدد الأميركيون في شروط بيع هذا النوع من الصواريخ الى دول حليفة ويحظرون عليها تسليمه الى طرف ثالث من دون موافقتهم المسبقة.

ويعرف بوتين هذه الحقيقة القائمة منذ بداية الانتفاضة السورية، ولهذا اطمأن إلى أن طائراته لن تواجه أي مقاومة مثلما حصل في أفغانستان قبل عقود، بسبب وجود إسرائيل التي نسق عملياته معها تحاشياً لأي صدام عرضي.

لكن المعارضة السورية المعتدلة التي تلح على منحها وسائل التصدي للطيران الروسي ومروحيات البراميل المتفجرة التي يرسلها بشار الأسد، تعتبر هذه الحجة التفافاً أميركياً على طلبها وتهرباً معداً سلفاً من التعاون الفعلي معها، حتى في مستويات أخرى لا تتحفظ واشنطن عنها، وتؤكد أن هدف الأميركيين الحقيقي ليس فقط عدم الصدام مع الروس، بل خصوصاً الاستجابة لرغبة إسرائيل في إنقاذ النظام السوري.

فاستمرار الرفض الأميركي لتزويد المعارضة بما يتيح لها موازنة التدخل الروسي سيؤدي عملياً الى "تعويم" نظام الأسد وفرضه مفاوضاً أساسياً، ليس فقط في المرحلة الانتقالية، بل في ما بعدها، في حال نضجت ظروف التسوية السياسية، وستكون موسكو حققت هدفها بالحفاظ على حليفها وصانت نفوذها في شرق المتوسط، وتكون واشنطن حققت هدف إسرائيل بالحفاظ على حليفها غير المعلن نفسه، وأنجزت خروجها من المنطقة بما يتوافق مع خطة أوباما المعلنة بإنهاء عهده من دون تدخلات أميركية في الخارج.

======================

منطق القوة الروسي .. د.خالص جلبي

الاتحاد

الاربعاء 14/10/2015

"بولينا شيري بزوفا" لاجئة الآن في فنلندا مع زوجها في مكان مجهول، لكنها منحت مراسل مجلة "در شبيجل" الألمانية في أكتوبر المنصرم مقابلة أطلعته خلالها على كتابها الذي تعدهللنشر، والذي تتطرق فيه لحرب الشيشان التي كانت بداية صعود نجم الرئيس بوتين.

"بولينا" كانت طفلة تؤرخ للأحداث يومها، ويعتبر كتابها "يوميات بولينا"، الأشد إثارة وكشفاً لأبعاد الحرب المذكورة، بعد كتاب "يوميات آن فرانك" اليهودية في ظل النظام النازي.

وتؤرخ "يوميات بولينا" لحرب هي الأعنف منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، كما أرخت الطفلة الهولندية "آن فرانك" لظلمات العصر النازي. والتشابه بين مذكرات المرأتين هو مقدار الدمار الذي تعرض له الإنسان في الحربين، مما يستدعي تسمية بولينا "آن فرانك الشيشانية".

وحتى نفهم ما يحدث في سوريا خريف 2015، ينبغي أن نفهم ما حدث في تسعينيات القرن المنصرم حين بدأ بوريس يلتسين حربه الأولى على الشيشان، لتنتهي بهزيمة ساحقة لقواته، ثم يأتي بوتين ويشن حرباً جديدة من نوع مختلف، تعود ذكرياتها إلى الأذهان حالياً بمناسبة تدخله في سوريا.

وحسب "بولينا"، قامت خطة بوتين في الشيشان على سياسة الأرض المحروقة، وتقسيم المناطق إلى مربعات يتم هدمها بالكامل، ثم دخول قوات خاصة تمشط وتقضي على كل شيء حي.

كانت روسيا إلى حين تعمل خلف الستار، والآن جاءت علناً لإنقاذ "نيرون الشام". في لقاء مع إحدى قنوات التلفزيون مؤخراً قال الخبير الروسي: "نحن لا نخالف أي قانون ولا نعبأ بأي قانون حين نقرر استخدام أية قنابل".

قانون التاريخ، كما كان غاندي يكرر، أنه للحق وليس للطغيان، وإلا كان التاريخ عبثاً والكون فوضى. قال قوم عاد لنبي الله هود: "من أشد منا قوة؟". لكن خبراء الاستراتيجيات يعلمون اليوم أن عهد القوة والتسلح والمغامرات العسكرية قد ولى، وأن التجارب على الفئران السورية سيكون ثمنها غالياً.

نهاية الإمبراطورية البريطانية كانت في أفغانستان، والاتحاد السوفييتي لم ينهزم فقط، بل انفلق وتشظى وأصبح في ذمة التاريخ، وكان لديه طائرات سوخوي 34 المتطورة جداً وأسلحة كثيرة كافية لتدمير العالم كله.

يقول هربرت جورج ويلز، المؤرخ البريطاني إن من يمسك الشعوب بيد من حديد يحول تلك الشعوب إلى حديد. وقد استفدت من الفيلسوف البريطاني هربرت سبنسر‏ في نقله قوانين البيولوجياوالفيزياء إلى علم النفس والمجتمع والتاريخ. النموذج على ذلك كان التجربة العثمانية في اللقاح، والتي نقلها عنهم البريطانيون في القرن السابع عشر (تجارب ليستر)، حين كانوا يأخذون جدري البقر فيخدشون به أذرعة الأطفال فينجون من الجدري. طريقة اللقاح هذه تقوم على فكرة بسيطة لكنها عبقرية، وهي تعريف الجسم على الجرثوم أو الفيروس الغازي فيهاجمه ويقضي عليه. هذا المفهوم يمكن نقله بين سوريا وقاذفات القنابل الروسية.

منطق القوة في سوريا قد يكون تعويضاً عن ليبيا القذافي، أو كما كان مسيلمة الكذاب يكرر: نصف الأرض لنا ونصفها لقريش لكن قريشاً قوم يعتدون. أما سوريا فنصفها لأميركا ونصفهالروسيا. وهو أمر مضحك وقد أضحك رسول الرحمة فأجاب مسيلمة بقول الله تعالى: "إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين".

وخلاصة القول، كما أوضحت بولينا، أن القوة والحرب والأذى لم تزد المشكلة إلا تعقيداً واستعصاءً على الحل. وهنا يحضرني التعبير القرآني الجميل: "وهم ينهون عنه وينأون عنه".

======================

تركيا: من سيارة "إطفاء" إلى سيارة "مفخّخة" .. هوشنك أوسي

الحياة

الثلاثاء 13/10/2015

كي يُبعد المسؤوليّة أو الشبهة عن حكومته وحزبه حيال التورّط في المذبحة التي شهدتها العاصمة التركيّة أنقرة، صبيحة 10/10/2015، كان على رئيس الوزراء التركي و"زعيم" حزب "العدالة والتنمية" أحمد داود أوغلو، إضافة جماعة "بوكو حرام" النيجيرية و"الجيش الجمهوري" الإرلندي ومنظمات "فارك" الكولومبيّة و"لشكر طيبا" الباكستانيّة و"إيتا" الإسبانيّة و"حركة شباب المجاهدين" الصوماليّة...، إلى لائحة المنظمات الثلاث التي اتهمها بتدبير التفجير، وهي: "داعش" و"الكردستاني" و"جبهة التحرير الشعبي الثوريّة في تركيا"!. فالخيال البوليسي الخصب لأوغلو يمكّنه من وضع الضحيّة والجاني معاً في قفص الاتهام!.

التفجير الدموي والإرهابي الذي استهدف تظاهرة سلميّة مطالبة بالسلام، نظّمها "حزب الشعوب الديموقراطي" (الموالي للعمال الكردستاني) وحلفاؤه من التنظيمات اليساريّة التركيّة، تسبّب بمقتل ما يزيد عن 125 مواطناً تركياً، وأتى بالتزامن مع إعلان "الكردستاني" تعليق العمل المسلّح، استجابةً للنداءات المحليّة والدوليّة. وقد جاء في بيانه الصادر في اليوم نفسه: "لأن حزب العدالة والتنمية يمارس الكذب وتضليل الرأي العام، عبر اتهامنا بأننا نهدد أمن العمليّة الانتخابيّة وسلامتها، واستجابة للنداءات المحليّة والدوليّة، وفي حال عدم استهداف شعبنا وقوّاتنا، قررنا تعليق العمل المسلّح، كي لا تصاب العمليّة الانتخابيّة بأي أذى أو ضرر، وتمرّ في شكل سلس وعادل". ومع ذلك، فإعلام الحزب الحاكم، وقادته، من داود أوغلو حتّى أصغر عنصر، لا يتوانون عن اتهام "الكردستاني" بارتكاب مذبحة أنقرة! وفي حق من؟ في حقّ الموالين له؟!

بعد حدوث المجزرة، أصدر "الكردستاني" بياناً آخر، ذكر فيه: "لا يمكن إبطال هذه الذهنيّة والسياسات التي أنتجت هذه المذبحة وأوصلت الحرب إلى هذا المستوى، إلاّ بالنضال السلمي الديموقراطي"، مطالباً القوى الديموقراطيّة التركيّة بالقيام بتظاهرات سلميّة احتجاجيّة ضد مرتكبي المجزرة. ولم يذكر "الكردستاني" أنه سيرد بالعنف على هذه المجزرة، ما يعني أنه سيبقى ملتزماً بالهدنة التي أعلنها، حتى انتهاء العمليّة الانتخابيّة، المزمعة مطلع الشهر المقبل.

والحق أن البيانين الصادرين عن "الكردستاني" كانا أقوى صفعتين للحكومات التركيّة المتعاقبة، منذ اعتقال أوجلان سنة 1999. وغالب الظن أن المجزرة والبيانين المذكورين، ومواقف الحكومة التركيّة وسياساتها الراعية والداعمة للإرهاب، سترفع شعبيّة "الكردستاني" وأسهمه محليّاً ودوليّاً!

الأوقح من تصريحات قادة "العدالة والتنمية" وإعلامه في خصوص مذبحة أنقرة، انسياق بعض المعارضين السوريين إلى ترديد اتهامات داود أوغلو وإعلامه، ببغائياً، ورفض أيّة شبهة تحوم حول مسؤوليّة "العدالة والتنمية"! ذلك أن "داعش" الذي يُفترض أن تركيا أعلنت "الحرب" على إرهابه، لا يستهدف إلاّ التجمّعات والتظاهرات الجماهيريّة المواليّة ل "الكردستاني" وحلفائه اليساريين المعارضين لأردوغان! بينما كل التجمعات الجماهيريّة التابعة للحزب الإسلامي الحاكم، تبقى في منأى عن هجمات "داعش" الإرهابيّة!؟ لذا، فإعلان داود أوغلو الحداد على ضحايا المجزرة أشبه بمن "يقتل القتيل ويمشي في جنازته".

أيّاً يكن الأمر، ومهما بلغت درجة الاختلاف مع "الكردستاني" لعلاقته بنظام الأسد، ينبغي ألا يكون ذلك منصّة للمعارضة السوريّة للإدلاء بشهادة زور لصالح حكومة "العدالة والتنمية"، وممارسة التضليل والبهتان في حق الكرد و "الكردستاني" داخل تركيا.

"حزب العدالة والتنمية" الحاكم كان، قبل اندلاع الثورة السوريّة منتصف آذار (مارس) 2011، يتحرّك كسيارة إطفاء في المنطقة، محاولاً إخماد الحرائق والصراعات، سواء عبر احتضان المفاوضات بين نظام الأسد وإسرائيل، والسعي الى إنهاء الخلاف بين "فتح" و"حماس" أو حل الخلافات بين الفرقاء السياسيين في لبنان والعراق. لكنه حوّل تركيا إلى سيارة مفخخة، عبر احتضانه التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وتأمين التغطية والدعم لكل التنظيمات الإسلاميّة الإرهابيّة ك "داعش" و"النصرة". أما الانتخابات المقبلة، فإمّا أن تفتح الطريق أمام تفكيك هذه السيارة المفخخة، أو أن السيارة ستنفجر، تماماً كما نظام "الإخوان المسلمين" في مصر، ونظام الأسد في سورية، عملاً بمقولة: "عليَّ وعلى أعدائي".

 

* كاتب كردي سوري

======================

سورية على فوهة بركان الصراعات الدولية .. برهان غليون

العربي الجديد

الاثنين 12/10/2015

تنفذ موسكو مخططاً واضحاً في سورية، يستهدف سحق المعارضة المسلحة وتحييد المليشيات الإيرانية واستعادة سيطرة الدولة تحت سلطة الأسد، قبل الانتقال إلى مرحلة مفاوضات تفرض فيها رؤيتها للحل، وتكرس مركزها المتفوق في المشرق العربي، في مواجهة النفوذ الأميركي الأوروبي. وهي تستفيد في تنفيذ هذا المخطط من دعم دول عربية أصبحت تتبنى موقف نظام الأسد في وسم جميع قوى المعارضة بالإسلامية، وتطمح أن تتمكن روسيا من القضاء عليها جميعاً، وتطهير المنطقة منها، كما تستفيد من دعم أطراف من المعارضة السورية، وقفت باستمرار ضد التيار الغالب في المعارضة، ورفضت الاعتراف بالقوى المسلحة التي تشكلت للدفاع عن النفس، وكرد فعل على الهمجية والأساليب الوحشية التي اعتمدتها أجهزة الأسد ومليشيات النظام في قمع المتظاهرين السلميين، ثم في المواجهة المسلحة المكشوفة لكل مظاهر الثورة والاحتجاج.

 

حدود المواجهة الروسية الأطلسية في سورية

على الرغم من أن المخطط الروسي، الرامي إلى تصفية المعارضة وإجبار السوريين والعالم على الاختيار بين داعش ونظام الأسد، يهدف إلى تقويض استراتيجية الدول الغربية التي تراهن على وجود شريك من خارجهما، لتبرير الانتقال السياسي، إلا أن من غير المحتمل أن يستثير هذا العمل رد فعل قوي من هؤلاء. وصحيح أن الروس، بقضائهم على المعارضة "المعتدلة"، يضعون الغربيين أمام تحدي الدفاع عن حلفائهم، ويظهرون تخاذلهم، ولا صدقية التزاماتهم في سورية والمشرق، والعالم عموما، لكنهم لا يمسّون لهم مصالح استراتيجية ملموسة، وربما ساعدهم الهجوم الروسي في حرف الأنظار عن المحنة الإنسانية التي يعيشها السوريون، منذ أكثر من أربع سنوات، بسبب سوء إدارتهم الأزمة، ويقدم لهم ذريعة جديدة لتبرير تقاعسهم وشماعة روسية يعلقون عليها فشل سياستهم وخططهم السورية، ويشكل بالنسبة لهم فرصة جديدة للتملص من التزاماتهم التي أعلنوها مراراً تجاه الشعب السوري، تماماً كما قدم لهم الفيتو الروسي من قبل الذريعة، للتحلل من مسؤولياتهم تجاه حماية المدنيين السوريين، ومساعدة الثوار على تحقيق أهدافهم التي أجمعوا على مشروعيتها.

"سورية ليست بالنسبة لروسيا سوى فرصة للاقتصاص من الغرب، ومسرحاً لاستعراض القوة وتصفية الحسابات، وتقويض الصدقية الاستراتيجية للولايات المتحدة"

لا يعني هذا أن الانفراد الروسي بعمل يقلب ميزان القوى في سورية، ويقوّض سمعة الغرب لن يستدعي أي رد، فهو سيدفع، لا محالة، إلى انخراطٍ أكبر للولايات المتحدة في دعم الثوار، أو إلى مرونة أكبر في التعامل مع تسليحهم بأسلحةٍ كفيلة بإفشال موسكو، ودفعها إلى التخبط في حربٍ لا أفق لها. لكن، ما لم تحصل تطورات غير محسوبة، من المستبعد أن تؤدي أزمة العلاقات الروسية الغربية الراهنة إلى مجابهة مباشرة حول سورية. وسوف يستمر الروس، من دون خوف من أي رد فعل قوي، في تحقيق ما يعتقدون أنه يخدم مصالحهم، ويرد على استثماراتهم في النظام السوري، ومن بعد، في التدخل لحمايته ومنعه من السقوط. وعلى الأغلب، سيراهن الغربيون على غرق الحملة الروسية في الوحول السورية، وينتظرون عودة الروس إلى منطق التعاون، لحل الأزمات الدولية، من دون الاضطرار إلى تقديم تنازلات استراتيجية كبرى لهم، أو الاعتراف بهم شريكاً في صوغ أجندة السياسة العالمية.

أما موسكو، فهي ليست معنية، ولم تكن في أي فترة سابقة، معنية بمصير سورية والسوريين. فسورية ليست بالنسبة لروسيا سوى فرصة للاقتصاص من الغرب، ومسرحاً لاستعراض القوة وتصفية الحسابات، وتقويض الصدقية الاستراتيجية للولايات المتحدة وهيبتها الدولية، على أمل فرض نفسها على المجتمع الدولي بمثابة دولة عظمى، من وزن الولايات المتحدة والصين، وإجبار الغرب على التراجع في مسائل العقوبات الاقتصادية وأوكرانيا، وتوسع دائرة الحلف الأطلسي في اتجاه أوروبا الشرقية.

يستخدم بوتين الأسد، مثل ما يستخدم سورية نفسها، وحياة الملايين من أبنائها، ورقة للضغط والمساومة، ولا يعنيه وجوده من عدمه في شيء. ما يهمه مصالح روسيا، وهذه اليوم في نظر بوتين فرض إرادته زعيماً عالمياً والاعتراف بمركزيته، ولا علاقة لذلك، لا بتحقيق السلام في سورية، ولا بإنقاذ اللاجئين والمشردين السوريين.

ولأن سورية لا تعني له شيئاً، فهو لا يهتم بتقديم أي عرض لحل الأزمة التي تمزقها، بل لا يعترف حتى بوجود أزمة، ولا أقول ثورة، ويقترح تحالفاً من الجيش الحر وجيش الأسد لمواجهة داعش، ويرفض الالتزام بأي رؤية للخروج من الأزمة، ويردد أسطوانة واحدة، منذ البداية إلى النهاية، هي معارضة التدخلات الأجنبية، وترك الشعب يقرر مصيره، أي ترك الأسد يقرر مصير سورية والشعب السوري معاً، ما دام الروس يعرفون أن السوريين ليسوا في وضع وظروف تسمح لهم بتقرير مصيرهم بحرية في ظل نظام خارج على القانون، يشن عليهم حرباً تدميرية.

وقد لفتني أن بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسية ومستشار بوتين لشؤون الشرق الأوسط قلل، في لقاءاته أخيراً، مع معارضين سوريين، من رهانات التدخل العسكري إلى درجة مضحكة، مؤكدا أن كل ما تهدف إليه بلاده من إرسالها قواتها الجوية هو القضاء على المتطوعين الروس في المنظمات الإرهابية، قبل أن يعودوا إلى روسيا. وفي اعتقادي، إن إشاعة هذا التفسير الهزلي لهدف التدخل يعني أن الروس يبقون رهاناتهم مفتوحة، ولا يريدون تقييد تدخلهم بأي التزامات، ولا تحمل أي مسؤوليات في الأزمة السورية، ولا تقديم أي عرض، ولا إعطاء أي وعود.

ترجمة هذا الموقف على الأرض تعني أن سورية، وخصوصاً في الشمال الغربي وسهل الغاب وريف حمص ومحيطها، مقبلة على تصعيد عسكري من نوع جديد، وأن القتل والدمار سوف يصلان إلى مستويات غير مسبوقة. ولن يتردد الروس في اللجوء إلى أقصى درجات العنف، لتحقيق أهدافهم. ولن تكون هناك معايير واضحة لمعنى الربح والخسارة في العملية الروسية. ما يهم الروس هو تكبيد المعارضة أكثر ما يمكن من الخسائر، وتحقيق أوسع تدمير ممكن في البنية التحتية للبلاد. وهذه أيضا كانت، ولا تزال، حسابات الأسد. فهو يعتبر نفسه رابحاً، حتى الآن، لأنه نجح في تدمير المناطق التي لا تخضع لسلطته، أو التي خرجت عنها، كما نجح في قتل أكثر ما كان في وسعه أن يقتله من المعارضين والمحتجين والرافضين لحكمه من المدنيين. وهذه أيضا كانت سياسة بوتين في الشيشان.

 

الرد على التدخل الروسي

لا يطرح هذا الموقف تحديات كبيرة على الدول الأطلسية التي تنتظر فشل الحملة الروسية في سورية، من دون أن تغامر بشيء، أو يلحق بمصالحها الأساسية أي أذى، لكنه يطرح تحديات كبيرة على الدول الخليجية وتركيا، لأنه يقوّض استراتيجيتهم العسكرية والسياسية التي تراهن على تنحية الأسد، مقدمة للإعداد لمرحلة انتقال سياسي، يغير من نمط السلطة والحكم في سورية، ويحبط الأطماع الإيرانية في تحويل سورية إلى منصة للحشد والتجييش ضد بلدان الخليج وبقية البلدان العربية وتركيا. وليس أمام هذه الدول سوى الارتقاء بمستوى التنسيق والتعاون في ما بينها، وزيادة دعمها المعارضة السورية المسلحة، حتى تتمكن من مجابهة العاصفة الروسية والبقاء رقماً أساسياً في المعادلة السورية والإقليمية.

أما التحدي الأكبر فهو موجه للمعارضة السورية التي تجد نفسها أمام تهديداتٍ خطيرةٍ، لا سابق لها. فما يستهدفه التدخل الروسي هو رأس المعارضة نفسه، ووجودها، طالما أنه يعتبرها تمرداً على الحكومة الشرعية، ولا يتردّد في إعلان تغطيته الجوية هجومات النظام البرية على الفصائل المسلحة جميعا. وبمقدار ما يسعى إلى فرض الأمر الواقع بالقوة، يقوّض هذا التدخل كل الجهود الدولية، للبحث عن حل سياسي ومرجعية جنيف التي قام عليها، كما يدفع إلى إطالة أمد الحرب، ويهدّد بتحويل سورية إلى أفغانستان جديدة، مع ما يعنيه ذلك من تفاقم موجات النزوح وتفريغ البلاد من سكانها، وتنامي مخاطر تقسيم البلاد وتعميق القطيعة بين جماعاتها المختلفة. وبدل أن يقضي على الإرهاب، كما تقول بياناته، سوف يزيد التدخل الروسي من جاذبية المنظمات المتطرفة التي تجعل من الحرب ضد روسيا قضية وطنية ودينية في الوقت نفسه. وفي موازاة ذلك، سوف تعزز الحرب الدولية بالوكالة من تبعية السوريين، في الحكم والمعارضة، للدول الأجنبية الداعمة، ويقوّض أمل السوريين في التفاهم والتقارب والعودة إلى الوطنية الجامعة.

"التحدي الأكبر فهو موجه للمعارضة السورية التي تجد نفسها أمام تهديداتٍ خطيرةٍ، لا سابق لها. فما يستهدفه التدخل الروسي هو رأس المعارضة نفسه، ووجودها"

لن ينجح الروس، مهما فعلوا في فرض إرادتهم على شعب يدافع عن حقوقه على أرضه، وقدم حتى الآن أكثر من 300 ألف ضحية، لكنهم يستطيعون إسالة مزيد من الدماء، وتعميم الدمار الذي أوغل فيه من قبل بشار الأسد، صنيعتهم الدائمة، وتأخير أجل الخلاص وزيادة معاناة السوريين ومحنتهم، وتسعير النزاعات الطائفية والمذهبية، وتوتير العلاقات الإقليمية والدولية أكثر مما هي عليه الآن. وقد خسرت موسكو منذ الآن رهاناتها السياسية، بمقدار ما أججت روح العداء عند الفصائل المستهدفة، ودفعت المقاتلين إلى التقارب والالتفاف حول الأكثر راديكالية، وضاعفت من جاذبية الأيديولوجيات المتطرفة، ومن مكانة ودور القوى الأكثر تعصباً وتشدداً فيها. وما كان لحديث البطريرك كيريل عن الحرب المقدسة إلا أن يزيد في شحن العواطف الدينية، وتفاقم التوترات المذهبية المتفاقمة أصلاً.

لكن فشل التدخل الروسي ليس عزاءً كافياً للسوريين، ولا يمكن أن يشكل هدفاً لكفاحهم التاريخي. وليس المطلوب منهم، اليوم، تكرار أسطورة أفغانستان أو ملحمة فيتنام المأساويتين. ينبغي أن يكون هدف المعارضة وقف الكارثة، وإنهاء الحرب، وإنقاذ ما تبقى من سورية وشعبها من احتمال الانخراط في حربٍ قاتلة ومدمرة طويلة. ولا يمكن تحقيق ذلك من دون مواجهة المسألة الأبرز، ومكمن العطب الرئيس الذي لا نزال نهرب من مواجهته، والذي كان السبب الأول في خسارتنا تعاطف الدول والرأي العام العالمي، على الرغم من التضحيات الأسطورية للشعب السوري ومأساته، أعني مسألة الانقسام والتشتت والنزاع الداخلي التي جعلت الثورة تبدو، ثم بعد ذلك المعارضة، كتلة هلامية متعددة الرؤوس والأطراف، لا يمكن التعامل معها، ولا الثقة بمشاريعها وخططها والرهان عليها لإعادة بناء سورية دولةً ومجتمعاً وشعباً متفاهماً ومتضامناً. ولا يقتصر هذا التحدي على تجميع الفصائل في كتلة واحدة، أو تحت قيادة عسكرية مشتركة. ولكن، في تحويلها إلى قوة سياسية واعية، وتزويدها بمشروع وطني واضح ومتفق عليه ومقبول من الجميع، واختيارها قيادة قوية ودائمة تمثلها، منبثقة من الأرض ومرتبطة بها، وقادرة على اتخاذ القرارات الكبرى التي تعكس إرادة القوى التي تمثلها، تنال ثقة المجتمع الدولي والعالم، لأنها تحظى بثقة القوى المقاتلة على الأرض، وتستجيب لمطالبها، وتضمن مصالحها، وتدافع عن أمنها وسلامتها. من دون حل هذه المسألة الحيوية، لن نستطيع أن نتقدم، بعد الآن، خطوة واحدة في تقصير أجل الحرب وإيقافها والدخول في عصر السلام وإعادة البناء، لأننا لن نستطيع، من دونه، أن نكسب ثقة العالم الذي نحتاج مساعدته في تحقيق التغيير السياسي والاجتماعي الذي نأمله، ومواجهة الأوضاع المأساوية التي هي أوضاعنا.

ثم إن تفاقم عواقب الأزمة ومضاعفاتها والتدهور السريع في شروط الحياة في سورية ومحيطها، سوف يدفع الدول إلى ممارسة مزيد من الضغوط، من أجل إيجاد حل يوقف عملية الموت والانتحار الجماعي، ويضع حداً لعملية التدمير المنهجي الذي لا يعوّض. وفي غياب ممثل حقيقي للشعب، مسموع ومقبول، يحظى بثقة السوريين، والمقاتلين في طليعتهم، وكذلك بالضرورة بثقة العالم، سوف تأتي جميع الحلول المقترحة على حساب الشعب وضده. وفي حال استمرار الانقسام الراهن، والافتقار لقيادة معتمدة تدافع عن حقوق الشعب ورؤية المعارضة وخياراتها ومصالحها، سوف تزداد الضغوط من أجل القبول بأي حلٍ يوقف سيل الدماء الجاري، من دون أي اعتبار لميزان الحق والعدالة. وغداً لن تكون روسيا الوحيدة التي ترى المخرج في تحييد المعارضة المسلحة، واستبعادها من كل الحسابات، وفي فرض التسوية التي تراعي مصالح القوى الأخرى المحلية والدولية، ولكن سيصف إلى جانبها مزيد من الدول المحبطة واليائسة من ارتقاء المعارضة السورية إلى مستوى المسؤولية التاريخية.

لن نستطيع أن نتغلب على الموقف الروسي، وهو وضع العالم أمام الخيار الصعب بين الاستسلام لداعش أو التسليم لنظام العنف الوحشي، إلا بجعل الخيار الثالث جدياً وذا مصداقية، وأعني به خيار المعارضة، بما تشمله من جيش حر ومنظمات سياسية ومدنية مؤيدة لقيم الثورة، ونابعة منها. وهذا يتطلب ارتقاء المعارضة في وعيها وممارستها وتعاملها مع الوضع السياسي والعسكري إلى مستوى التحديات المعقدة التي يطرحها مخاض التحول والانتقال، بدءاً من كسب خيار الحل السياسي والتفاوض، ووقف الحرب، وانتهاءً بإعادة بناء الدولة، مروراً بتوحيد الشعب، وتطمين مختلف الجماعات وتنظيم شؤون المناطق والمحليات. هذا هو الخيار الذي أنكره زعيم الدبلوماسية الروسية، عندما تساءل في ما إذا كان هناك وجود لجيش حر، وهو الخيار الذي يحلم بالقضاء عليه كل من يرفض خيار التغيير والانتقال السياسي، ويسعى إلى وضع السوريين والعالم أمام الاختيار المستحيل بين نظام إرهاب الدولة وتنظيم دولة الإرهاب.

(أكاديمي وأول رئيس للمجلس الوطني السوري)

======================

نعم ل (تكرار) هزيمة الروس في أفغانستان؟ ولكن .. د. وائل مرزا

الشرق القطرية

الاحد 11/10/2015

مَن قال إن السوريين لا يريدون تكرار التجربة الروسية المريرة في أفغانستان، هذه المرة في سوريا؟

ما من سوريٍ، يَحكمُ على ما فعله الأسد بشعبه، بعين الإنصاف والموضوعية، يرفضُ ذلك دون جدال. بل إن هناك (محايدين)! باتوا أقرب لهذا الموقف، بعد إذ رفعَ الروس ورقة التوت، كما يُقال، نهائياً عن عورتهم. وتَنَاسوا، في عملية (استغباء) تتنافسُ في وصفها الوقاحةُ مع النفاق، المفارقة بين عدد مرات (الفيتو) التي استخدموها في مجلس الأمن ضد أي (تدخلٍ أجنبي)، في حين تنتشر بوارجهم وطائراتهم ودباباتهم اليوم على أرض سوريا، وفي سمائها وسواحلها!

ثمة رغبةٌ طاغيةٌ بين السوريين في أن يحصلَ ذلك. والأمرُ لايتوقفُ عند الرغبة بالتأكيد، بل إن فيهم رجالاً مستعدين، عملياً، لأن تكون هذه (الملحمة) السورية مع الروس درساً يجعلهم يندمونَ على قرارهم كما لم يحصل من قبل، وتنتهي معهُ أحلامهم بمجرد التفكير في الاقتراب من (المياه الدافئة) إلى الأبد..

لكننا نطرح السؤال في معرض تحرير القول فيه من زاويتين.

فالبعضُ، من ناحية، ينوحُ ويتباكى، وينذر بالويل والثبور، تحت عنوان (الخوف) الشديد مما يُسمى (أفغنة) سوريا. في هذا الإطار، يبدو الأمر، في حقيقته، ممارسةً لترفٍ ثقافي نخبويٍ مُتعالٍ على تضحيات السوريين، لايبالى بآلامهم وآمالهم، عملياً، تحت دعاوى وعناوين (ثقافوية) تنظيرية باردة. دعاوى تقف عند نقطةٍ مثالية مؤداها الفعلي يتمثل، في نهاية المطاف، بضرورة تجنب (الاصطدام) مع الروس في سوريا عسكرياً.. و(الإصرار) بدل ذلك على (تَفُّهُم) الموقف الروسي! وإقناع النفس بأنه جاء ليساعد في محاربة (الإرهاب)، والتواصل معهم، بناءً على ذلك. وبكل هذا التفكير (الرغائبي)، كيلا نصفه بال (غبي) أو (التوريطي)، عسى ولعل أن يُمكن التوصل إلى تفاهماتٍ معينة معهم. والمهم في النهاية ألا تحصل (الأفغنة).

لكن المهم في استخدام المصطلح، هنا، لا يتعلق بدراسة وتجنب العناصر والأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى حصول السلبيات التي ظهرت في أفغانستان بعد هزيمة السوفيات / الروس.. فالغاية فقط استعمالُ الرواية أعلاه للحيلولة دون حصول تلك الهزيمة.. هذه ممارسةﱡ تقوم بها شرائح كبيرة، إعلاميين وكُتاب وساسة، من مؤيدي النظام بالتأكيد، لأن بإمكان تلك الرواية، الآن، أن تكون العنصر الرئيس في إستراتيجيةٍ كبرى تدخل في إطار الحرب المعنوية الحساسة الآن، عنوانُها (التخويف).

رغم هذا، يقوم بنفس الممارسة إعلاميون وكُتاب وساسة آخرون، بعضهم (رمادي).. بينما يُسمي بعضهم الآخر أنفسهم مؤيدين للثورة السورية، بل وغيورين عليها..

لاتضعُ هذه الطريقة في التفكير، وأصحابُها، الأمور في نصابها الحضاري والثقافي والسياسي الكبير، ولا يحاول أهلُها التفكير بإمكانية استفادة الشعوب من تجارب التاريخ، كما سنحاول أن نفعل فيما يلي.

ومدخلُ الكلام هنا، في الحقيقة، موجهٌ للشعب السعودي والقطري والإماراتي وشعوب الخليج بأسرها. فبعيداً عن أي مديحٍ مُبتذل لايليق بالمقام، ولا بمن ينتسب لثورة سوريا وقِيمِها، ما من شعوب، في بلاد العرب والمسلمين قاطبةً، تُبدي مقادير من الشهامة والمروءة والغيرة والإحساس، وتعيش همﱠ السوريين بصدقٍ نادر، وتحاول تقديم كل عونٍ ممكن، كما هو حال أهلنا في الخليج.

هذا وصفٌ تُثبته الوقائع والأرقام والمعلومات بطريقةٍ لاتقبل الجدل والتشكيك، خاصةً لمن هم أقربُ لكل ماله علاقةٌ بالمشاريع الفردية والجماعية والشعبية والرسمية، المُعبِّرة عملياً عن المشاعر التي نتكلم عنها.. وثمة جميلٌ في عُنق الشعب السوري، إنسانيٌ وروحي وثقافي، بعيداً عن السياسة وحساباتها، سيتعبُ السوريون في محاولتهم ردﱠ شيءٍ منه في المستقبل.

ومرةً أخرى، ظهر ما نتحدثُ عنه خلال الأيام الماضية، على شكل خطب ومقالات وتصريحات وبيانات فردية وجماعية، تصب بقوةٍ في إطار الحث على تقديم كل أنواع الدعم للسوريين، مرتبطاً هذه المرة بالغزو الروسي لسوريا.

لكننا نريد سوياً، كسوريين وخليجيين، أن نعمل بكل ما أوتينا من حكمة الآن، لنُحقق الهدف المذكور أعلاه: أن تُهزم روسيا في سوريا، بشكلٍ، ليس كثيراً على الله والتاريخ، أن يكون سبباً في سقوط بوتين ونظامه، تماماً كما كانت الهزيمة في أفغانستان من أهم أسباب سقوط الاتحاد السوفياتي بأسره.

غير أن هذا يجب أن يحصل بدراسةٍ وتخطيط وتوازنات تليقُ، من ناحية، بشعوب تعرف كيف تتعلم من دروسها على طريق تحقيق (مقاصدها) الكبرى حضارياً وشرعياً.. وتَحفظُ، من ناحيةٍ أخرى، ليس فقط استقرار سوريا بعد تحريرها، بل، واستقرار دول الخليج، وتحفظ أمنها في جميع المجالات.

بصراحة ووضوح، يجب في هذا المقام تحديد ما تحتاج إليه سوريا لتحقيق ذلك الهدف، وما لا تحتاجُ إليه.. وأن يحصلَ هذا بحسابات لاتُزعزع، في نفس الوقت، لاحاضراً ولامُستقبلاً، السلم الأهلي والأمن والاستقرار، في مجتمعات الخليج.

في هذا الإطار، أولاً وقبل كل شيء، لاتحتاج سوريا إلى مقاتلين.. وقد أثبت رجالهُا أن باستطاعتهم، بشيءٍ من الدعم، قهر النظام ثم ميليشيات مايُسمى (حزب الله) ثم الإيرانيين! والاضطرارُ إلى قدوم الروس، في الحقيقة، يُصدﱢقُ هذه الحقيقة بحسابات إستراتيجية، بعيداً عن التفكير البسيط في هذا الموضوع.

لاحاجة لسوريا أيضاً بأن تُعرض قضيتها، لا على الخليجيين ولا على العرب والمسلمين، بمدخل (الملاحم والفتن) ونهاية الدنيا.. فهذا يمكن أن يُحدِث، ولو عن غير قصد، خلطٌاً ليس في مصلحة الشعب السوري وثورته.. ويمكن أن يكون فيه تعسفٌ، وأحياناً، تناقضٌ بين الروايات والواقع، بطريقةٍ لاتنسجم ابتداءً مع منهجٍ إسلاميٍ أصيل، يتحرى الدقة والأمانة و(الوسطية) في التعامل مع مثل هذه القضايا المتعلقة بحاضر الشعوب ومستقبلها.

نَفهم تماماً، ونُقدر، التفاعل الذي نشعر، كسوريين، بحرارة صدقه مع الثورة السورية، ونُؤمن بأنها ستكون تمهيداً لتغييرٍ حضاري كبير.. لكن ثمة طريقةً في (استعجال) الملاحم والفتن ونهاية الدنيا لاتصلح مدخلاً للتعامل مع الموضوع السوري.. فهي، حين تكون مُلتبسةً بالتعسف والتناقضات، لن تترك فسحةً للعقل والفهم والتخطيط، والتعامل مع التعقيد الكبير المحيط بالثورة السورية.. بل ستنقلبُ سبباً لذبحها بالفوضى والخلاف والاستعجال.. ناهيك عن أن تترك مجالاً لإعمار الأرض والحكم الرشيد فيها بغض النظر عن التسميات.

كيف تُدعمُ الثورة السورية إذاً؟ حسناً.. بوضوح وشفافية، ثمة ساحةٌ أساسية تتعلق بالعمل العسكري ومتطلباته، يجري العمل عليها على مستوى الدول والحكومات. نذكر هذا لئلا نتهرب من أي موضوع.

لكن ثمة ألف طريقة وطريقة أخرى، تتطلب دعم شعوب الخليج، يعمل من خلالها سوريون في مشاريع حساسة بلغة العصر، توحيداً لصفوفهم.. وحشداً إعلامياً ودبلوماسياً عالمياً ضد الغزو الروسي، من مخاطبة الروس في عقر دارهم، إلى خلق زخمٍ إعلامي وحقوقي عالميٍ ضد غزوهم الواضح.. وهذا أمرٌ لم يكن ممكناً، لهذه الدرجة، قبل الغزو، في التقاليد العالمية.. إلى غيرها من مشاريع عديدة.

خلاصة الموضوع تتمثل في أن نتعلم دروس التجارب الماضية ونتجنب سلبياتها، على سوريا وشقيقاتها.. وأن نعمل، من جانبٍ آخر، بطرق خلاقة ومُبتكرةٍ للمساهمة في تحقيق الهدف المُشترك، وهذا نشاطٌ يحصل الآن بكثافة، ولن يعدم المُهتمون أساليب الوصول إليه وإلى أصحابه للمساهمة فيه.

======================

حكايتنا : كشف ربيع الشعوب خريفَ الأحزاب والجماعات .. جماعات الإعجاب بالمعجبين والتصفيق للمصفقين !! .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 16-10-2015

وكشف ربيع الشعوب العربية عن خواء ما تحت العناوين الكبيرة الضخمة التي غرت طويلا حتى الصادقين من حملة راياتها . كانت مية ذي الرمة ، كما بثينة جميل ، وعزة كثّير، ولبنى أو ليلى قيس وتوبة ، ونوار لبيد جميلات ملهمات كلهن حتى طلع الصباح فانطفأت جميع القناديل ، وكانت الفضيحة الكبرى فيما تنازع الناس القول في ( مية ) هل هي مية ذي الرمة نفسها التي هام بعشقها الهائمون .. أو هي مية غيرها تلك التي قيل فيها :

على وجه ميّ مسحة من ملاحة ... وتحت الثياب العُر لو كان باديا

ينسبه البعض إلى ذي الرمة وحاشاه وحاشا ( ميّاه ) وذو الرمة الفنان الوصاف المطبوع لم يهج أحدا قط ولم يغير ذوقه ولا لسانه كثرة أكل الكامخ في حوانيت البغداديين كما زعم بحقه الزاعمون ولكنها الفتنة التي تجعل الحليم حيران والتي تحول ظلمة الليل إلى نهار ..

كشف الربيع العربي في ثنايا الأحزاب والجماعات والمنظومات سكونا بل مواتا هو تعبير عن انسلال من مسئوليات الحياة ، وتعلق بمراكب الصغار . إن سكون الحراك الداخلي في أي حزب أو جماعة أو مجتمع هو لغة مخملية أنيقة مباشرة لنعي الذات . وحين لا يبالي الفرد في المنظومة المجتمعية (المختارة) بمن قام فيها أو قعد ، وبمن قال منها أو عنها أو صمت ، و حين لا يبالي الراكب أنعطف المركب بأصحابه يمنة أو يسرة ، أو تنكب أو تنكس ، حين يكون هذا الحال هو الحال ويتغنى المغني :

إذا حملت بزّتي على عدس ... على التي بين الحمار والفرس

فلا أبالي من عدا ومن جلس

فقد تودع من الطالب والمطلوب على السواء ( إذا هابت أمتي أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم ) ومثله أن تكون للمقصر مقصر ، وللمتخاذل متخاذل ، وللمسرف يا مسرف .

وأعجب ما ربابين سفن هذا الزمان ، زمن التغرير بالركاب المهاجرين والمهجرين من البشر أن هؤلاء الربابين يقفون على رؤوس الناس في عرض البحر ويقولون : هذه هي سياستنا وهذه هو وجهتنا والذي لا نعجبه يتفضل ينزل ...

يؤسس المنظومات المجتمعية الدعوية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي ينتمي إليها الناس عن رغبة واختيار وقناعة والتزام المفكرون من أولي العزيمة والعزم الأبطال . فعندما – على سبيل المثال احتلت فلسطين مثلا سنة 1948 وهي الإقليم الجنوبي - الغربي من بلاد الشام لبس الكثير من القادة المؤسسين الأبطال لأمتهم وعرفوا وعرّفوا بمكانتهم فأحبهم الناس ووثقوا بهم ومحضوهم مع الحب جميل الولاء ؛ واليوم وسورية كلها تحتل ، وألسنة الناس تكل هي تبحث عن رملة أو تلقي السمع إصغاء لوسواس خلخالها فلا هم يرون ولا هم يسمعون:

تجول خلاخيل النساء ولا أرى ... لرملة خلخالا يجول ولا قُلبا

 ونعود ... ،يؤسس المنظومات المجتمعية التي ذكرنا المفكرون من أصحاب العزيمة والعزم المؤمنون بمشروعها المستعدون للتضحية من أجله ثم تؤول بعد تطاول الزمان ، وتقاصر الهمم ، وتخاذل الإنسان إلى البَطَلة من المعجَبين ، مجرد معجبين ، فقط معجبين ( والبَطَلة بفتحتين جمع بطّال . أو هم حسب الحديث الشريف السحرة الذين يسترهبون الناس ويسحرون أعينهم بالتمويه ) ...

بأبسط الصور والتصورات يدرك الفرد الضعيف الفرق بين دور بطل على حلبة ، أو جهد لاعب يعدو خلف الكرة في ملعب ، وبين دور وجهد مشجع مصفق يراوح بين شفتيه الزعيق والمكاء وبين كفيه ورجليه التصفيق والتخبيط!!

الأعجب من كل عجيب أن نعيش في هذا الزمان العجيب عصر (الإعجاب بالمعجبين ) ، و ( التشجيع للمشجعين ) و ( التصفيق للمصفقين ) ..

وضاعت الكرة وفقد الناس المرمى . و

تاه الدليل فلا تعجب إذا تاهوا ... وضيّع الركب أشباح وأشباه

(( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ))

( إنا لله وإنا إليه راجعون )

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

المأزق السوري ودروس التاريخ .. د.خالص جلبي

الاتحاد

السبت 10/10/2015

في عام 1280‏ مكان قوبلاي خان ملك المغول قد مد حدود إمبراطوريته من بحر الصين حتى الأدرياتيكي. وقبل هذا، وفي عام 1258م، كانت بغداد وخوارزم وأصفهان مع حواضر الشرق قدأصبحت أنقاضاً على أيدي الغزاة المغول.

وانفتحت شهية الغازي المغولي باتجاه الشرق: الجزر اليابانية، فأمر الخان بإنهاء التحضيرات للغزو في فترة لا تزيد عن عام؟

تم تجنيد المهرة من كل الصين، لتحضير سفن تحمل 140‏ ألف جندي، يقودهم "آراكان" القائد المغولي الدموي (بالمناسبة المجرم الصربي آراكان يحمل نفس الاسم وانتهى قتلاً في الحربالبوسنية) وعلى ظهر السفن ضبحت الخيل، وسُنت الحراب والفوؤس والسيوف، بل وحتى قنابل يدوية من نوع بدائي؟

هذا ما كشفه عالم ياباني من ساحل جزيرة يابانية، مع ختم مغولي يرجع إلى قائد 100 من جند الغزو، ولكن مع تنقيبات عالم البحار الياباني في الشاطئ كشف عن مراسي سفن هائلة وبقايا من أسلحة وجماجم لقوم ولوا الأدبار؟

ولكن كيف حدث هذا؟ وكيف تم قهر الغزاة من ذئاب آسيا وسهول قراقورم؟ لقد كان أولئك الغزاة قوماً لا يقهرون، انساحوا في البلاد مثل سيل منهمر.

كان بيدهم سلاح السرعة والصدم، كما في دبابات "غودريان" النازي في الحرب العالمية الثانية. كانوا رواداً في التجسس والمناورة والاختراق، لم يقف سور الصين في وجههم ولا قلاع بغداد، وكان مجرد ظهورهم في الأفق يعني ناراً وسيفاً يتقلب، مع تلال من الجثث، وأبراج من الجماجم‏! كانوا رواداً في التدمير.

لقد قال المؤرخ البريطاني "توينبي" والأميركي "ديورانت" إن كل فاتح يخلد فتوحاته على نمط معين، فتيمورلنك فيذكر بغِيلان السهوب، وقدر من الفظاعات تتذكرها الأجيال وترويها لمن بعدها، نموذجاً في قسوة هذا الكائن المسمى الإنسان، أما "ديوران" فرأى أنه ليس من حضارة نالت من التدمير ما وقع لحضارة بغداد على يد الذئاب المغولية (ابن كثير ذهب في تقدير الضحايا إلى ألفي ألف إنسان= المليون لم يكون معروفاً)!

حاول فرسان ومقاتلو "آراكان" بناء رأس جسر في الجزيرة اليابانية، ولكن حمَلة السيوف من "الساموراي" صدوهم إلى حين، ثم وبسر لم يعرفه أحد اختفى أسطول قوبلاي خان من عرض البحر!

وبعد حملة قوبلاي خان بستة قرون كان نابليون عام 1815‏ يهزم في "واترلو"، كما هزم قوبلاي خان في بحر اليابان بقوة غيبية اسمها التايفون !فلم يرجع منهم مخبر؟ (إعصار بحري موسميبموجات من ارتفاع عشرات الأمتار معروفة في بحر اليابان)

خطورة ما يجري أن الشعب السوري سيمنح الفرصة للمستضعفين في الأرض، بأمل التخلص من طغاتهم مثل كوريا الشمالية، وسيخرج بوتين دون أية مكاسب من الوحل السوري، إن كان محظوظاً، وستتقوض إمبراطورية الفرس كما حصل مع حملة كزركسيس في القرن الخامس قبل الميلاد، حين عبر ممر الهليسبونت "الدردنيل". وسيغير النظام العالمي برمته من قبب الكرملين حتى شوارع "وول ستريت"، وهذا هو السر في تكالب قوى الطغيان في العالم على الثورة السورية، فلم تجتمع أمم الأرض ومقاتلو العالم كما يحدث الآن في المحرقة الشامية من كرد وعرب وأفارقة وشيشان وألمان من ذكور وإناث.

ويقينا سيكون مصير سوريا في خط التاريخ، فيهزم الجمع ويولون الدبر، وكما انتهت الإمبراطورية البريطانية في الهند على حدود جبل الهندوكش حينما هاجمت الفقراء الأفغان، وكما تفكك الاتحاد السوفييتي وتشظى بعد الهجوم على أفغانستان، وانتهى نجيب وبابراك كمال على حبل المشنقة، ستكون نهاية بشار البراميلي، وستكون نهايته دموية جداً. وأخيراً: أين ستحط سفينة سوريا، وعلى أي شاطئ سترسو؟ الجواب: هي حكمة التاريخ.

======================

هل فقدت أمريكا هيبتها أم فقط غيرت استراتيجيتها؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 10/10/2015

يرى البعض، وخاصة، منذ اندلاع الثورة السورية، أن أمريكا فقدت هيبتها. لكن السخيف في هذا الرأي، ان أصحابه ربطوا هيبة أمريكا وجبروتها كله بترددها في التدخل في الأزمة السورية. وبناء على ذلك راحوا يتحدثون عن أن العم سام قد فقد أسنانه، خاصة بعد التدخل الروسي العسكري السافر في سوريا.

كم هم مغفلون وساذجون أولئك الذين يصفون سياسة الرئيس الأمريكي باراك أوباما تجاه سوريا خاصة والشرق الأوسط عامة بأنها "مرتبكة" و"باردة" و"متخبطة"’ و"غير مبالية" و"مترددة". ألا يعلمون أن "اللامبالاة" في السياسة سياسة، وأن التردد ليس تردداً، بل هو مقصود بذاته؟ مشكلة الكثيرين أنهم لا يتابعون التصريحات الأمريكية، ولا البرامج الرئاسية التي يطرحها هذا الرئيس أو ذاك عندما يصل إلى البيت الأبيض.

الأمريكيون في الغالب صريحون، بوقاحة، عندما يتعلق الأمر باستراتيجياتهم وسياساتهم الخارجية، فهم لا يراوغون كثيراً، بل يطرحون مشروعهم للإعلام "على بلاطة"، لكن المشكلة في العرب الذين لا يقرأون إلا بعد أن يقع الفأس في الرأس.

لقد قالتها إدارة أوباما مرات ومرات  ليس في الفترة الرئاسية الأخيرة  بل في بداية الفترة الرئاسية الأولى، عندما أعلن أوباما عن خط سياسي مختلف تماماً عن خط سلفه جورج بوش الابن. لقد جاء أوباما أصلاً ببرنامج يناقض فيه سياسات بوش، الذي كلف أمريكا الكثير الكثير عسكرياً واقتصادياً وسياسياً. أعلنها أوباما صراحة أنه يريد أن يلعب بهدوء بعيداً عن الغوغائية السياسية التي ميزت عهد سلفه.

بعبارة أخرى، لقد ضرب أوباما عرض الحائط بصورة "الكاوبوي" السياسي التي سادت الإدارات الأمريكية السابقة. فلم يعد الرئيس الأمريكي يتحسس مسدسه، كلما لاحت أمامه ذبابة، بل بدأ يفكر بطريقة أكثر خبثاً وهدوءاً في متابعة الأهداف والاستراتيجيات وتحقيقها. قد يقول البعض، وربما يكونون على حق، إن عقلية "الكاوبوي" جلبت للأمريكيين الكثير من المصائب والكره، وخاصة في مغامراتهم الخارجية الاخيرة في العراق وأفغانستان، وباتوا يخشون من سياسة "التعنتر" الكارثية. وهذا صحيح، لكنهم قادرون أيضاً على تحقيق المطلوب بعيداً عن التصرفات "البوشية" الهوجاء. لقد أعلن أوباما على رؤوس الأشهاد منذ الأيام الأولى لولايته بأنه سيعتمد من الآن فصاعداً على "الحروب الاستخباراتية"، بدل الحروب العسكرية، فهي أكثر نجاعة وأقل تكلفة بكثير. وقد لاحظنا ذلك في الأزمة السورية، فقد كان الأمريكيون يعطون الانطباع منذ بداية الثورة بأنهم غير مبالين أو مرتبكون أو متخبطون حيال الوضع السوري، مع العلم أن وكالة الاستخبارات الأمريكية كانت تدير الكثير من العمليات داخل الأراضي السورية من مواقعها على الحدود التركية.

في الوقت الذي كانت فيه أمريكا تراقب كيف تمزق القوى المختلفة نفسها على الأرض السورية تماماً كما ترغب أمريكا، كنا نسمع الكثير الكثير في وسائل الإعلام عن ابتعاد الأمريكيين عن الأزمة السورية. لقد اعتمد الأمريكيون منذ مجيء أوباما إلى سدة الرئاسة على مبدأ "القيادة من الخلف" تاركين السائقين في المقاعد الأمامية يسوقون حسب التوجيهات والإرشادات والتعليمات الأمريكية، دون ضجة أو جلبة.

لم يعد الأمريكيون مستعدين للتورط مباشرة في أي نزاع، وهذا ما أشاره ثعلب الدبلوماسية الأمريكية الشهير هنري كيسنجر في أكثر من مقال له في الصحف الأمريكية على إدارة أوباما. لا بل راح كيسنجر في بعض مقالاته يدعو الإدارة الأمريكية إلى احترام معاهدة "وستفاليا" المبرمة عام 1648التي تنص على احترام سيادة الدول. وهو طبعاً حق يراد به باطل، فبحجة احترام سيادة الدول كانت الدبلوماسية الكيسنجرية الجديدة تحقق كل ما تريده بعيداً عن التدخل السافر في شؤون الآخرين، كما كانت تفعل في الماضي. ومن اللافت أنه حتى الغارات الجوية الأمريكية على مناطق تنظيم "القاعدة" في اليمن وباكستان والصومال كانت تتم عن طريق طائرات بدون طيار، تجنباً لإزهاق أرواح الطيارين الأمريكيين.

هل خسر الأمريكيون جندياً واحداً في ليبيا؟ مخطئ من يعتقد أن أمريكا كانت ضعيفة عندما فاوضت إيران. لا أبداً، فالقوة الأمريكية يمكن أن تدمر العالم مائة مرة. لكن السياسة الأمريكية الأوبامية جاءت أيضاً لإعادة التوازن للاقتصاد الأمريكي. وبالتالي، فالإدارة الأمريكية الحالية لا تريد الغوص في مغامرات جديدة مكلفة طالما أنها قادرة على تحقيق المطلوب ب"القوة الناعمة"، لهذا رأت أن التفاوض مع إيران وعصا العقوبات أجدى لها من الحروب.

إن الذين يصفون سياسة إدارة أوباما الحالية تجاه الشرق الأوسط خاصة "بالغباء لا يعرفون من السياسة شيئاً، ولا يعرفون ثعالبها، فالسياسة الأمريكية، التي يصفها البعض ب"الغبية" جردت سوريا من السلاح الكيماوي الاستراتيجي ما لم تستطع تحقيقه كل حروب المنطقة، وهي ساعية لما بعد الكيماوي. والأهم من ذلك، أنها كبحت مشروع إيران النووي، دون أن تخسر دولاراً أو جندياً واحداً. قارنوا المبالغ التي أنفقتها أمريكا على مغامراتها في العراق وأفغانستان، وهي ترليونات الدولارات، مع ما أنفقته على الوضعين السوري والإيراني؟!

لقد حققت لنفسها ولإسرائيل كل ما تريدان فقط من خلال العمل بالمبدأ النابليوني الشهير "إذا رأيت عدوك يدمر نفسه، فلا تقاطعه". لقد دفعت أمريكا المليارات لإعادة العراق إلى العصر الحجري، كما توعد وزير الدفاع وقتها دونالد رامسفيلد، لكنها حصلت في سورية على كل ما حصلت عليه في العراق "ببلاش"، فقط بدماء وأشلاء السوريين وثرواتهم وثروات الآخرين. فإذا كانت سياسة "التخبط والغباء واللامبالاة" الأمريكية هذه قد حققت كل هذه النتائج، فكيف لو كانت سياسة ذكاء ودهاء مثلاً؟ لقد أنجزت إدارة أوباما لأمريكا ما لم تنجزه على مدى عشرين سنة فائتة، في ما يخص ملفات الشرق الأوسط في سوريا وإيران، وعلى صعيد ضمان أمن إسرائيل. كيف؟ فقط بتعب اللسان.. وبرود الأعصاب.. والتردد.. واللامبالاة المدروسة؟

لقد أكد المعلق الأمريكي الشهير توماس فريدمان في صحيفة النيو يورك تايمز بعد التدخل الروسي في سوريا قائلاً: "برافو أوباما. ابق بعيداً. ودعهم يتورطون". وقد قال من قبله مدير موظفي البيت الأبيض إن الوضع في سوريا مثالي بالنسبة لنا، حيث يحرق "الأشرار بعضهم بعضاً".

صدق ما قال إن أمريكا تبدو وكأنها تنحني، لكنها تنحني لتنتصر.

 

٭ كاتب وإعلامي سوري

======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com