العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 18-06-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

عن وحشية مافيا حاكمة .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 15/6/2017

كان النظام السوري يبدو شاذاً في التعامل مع الثورة، بالقياس إلى النظامين السابقين في تونس ومصر، وحتى اليمن (لم يُتح لنظام معمر القذافي في ليبيا ممارسة الأمر ذاته)، فقد مارس الوحشية منذ البدء، وقرَّر أن يسحق الثورة من دون تردد. ربما كان مصير رئيسي تونس ومصر المخلوعين هو ما جعل النظام المذكور يقرِّر الحسم العنيف، لكي لا يكون مصيره مشابهاً. لكنه كان السبّاق إلى ممارسة العنف العاري، مستغلاً تماسك النظام، والخشية الإقليمية والعالمية من توسّع الثورات العربية أكثر.

لكننا نلمس الآن أن النظم العربية، خصوصاً التي حدثت فيها ثورات، تميل إلى أن تمارس ما مارسه النظام السوري، بعد أن لمست أن كل سياسات المناورة التي قامت بها لم تُفلح في كبح ثورية الشعب، فقد ناورت الطبقة المسيطرة و"الدولة" من خلال إبعاد الرئيس، انطلاقاً من أنه هو السلطة، لكي تنهي تمرُّد الشعب، وتجعله يعتقد أنه انتصر، لكن الشعب الجائع الذي قبل هذه المناورة، معتقداً أن "النظام الجديد" سوف يحقق مطالبه، لمس أن تغيير الرئيس لم يغيّر وضعه، وأنه ما زال فقيراً وجائعاً وبلا عمل. لهذا عاد إلى الحركة، إلى الاحتجاج، وقام بثورة أخرى في مصر. لهذا، بات خطاب النظم يعتمد على التخويف من مصيرٍ مشابه لسورية وليبيا، ولقد عمل بعضها (مصر) على التشديد الأمني والهيمنة الشاملة على الإعلام، والاعتقال. وخلال ذلك كله، كان خطاب التخويف من الإرهاب هو الخطاب المركزي، مع عمليات قتلٍ هنا أو هناك من أجل تأكيد "جدية" الإرهاب. وهو الخطاب الذي كان يلاصق خطاب التخويف من وضع سورية وليبيا، لأن التمرّد مع وجود الإرهاب يعني سيطرة "داعش"، هذا الوحش الذي بات إله النظم، والحاجة الموضوعية من أجل استخدام العنف والسحق والاعتقال، والتخويف معاً.

بالتالي، يمكن تلخيص الأمر أن النظم ناورت أولاً، وحين فشلت المناورة استخدمت خطاب الإرهاب المرتبط بممارساتٍ إرهابية، ومن ثم بالتخويف من مصير سورية وليبيا. لكن ذلك كله لم يَفِدْ، لأن الشعوب لم تستكن، ولم تتراجع عن تمرّدها. فكيف لجائعٍ أن يقبل الموت هادئاً؟ وكيف لا "يُجنُّ"، وهو عاجز عن توفير لقمة خبز؟ ربما هذا ما لا تفهمه النظم، لهذا تميل إلى أن يقبل الشعب بالسكينة، على الرغم من الجوع، و"الموت جوعاً"، في تجاهلٍ كامل لوضع "بيولوجي" يدفع الجائع إلى التمرّد "رغماً عنه"، حيث لا خيار أمامه، فهو يقع بين الموت والموت. وهو خيار مثاليٌّ لحدوث التمرّد، حيث يكسر حاجز الخوف من الموت على يد النظام.

لذلك كله، بات خطاب النظم يقوم على التهديد، فانتقلنا من التخويف (والضغط الأمني) إلى التهديد. إلى التهديد بممارسة أقصى أنواع العنف. إلى استخدام الجيش، وإلى التهديد بالسحق، و"خسارة المستقبل". "كشَّرت النظم عن أنيابها" إذن، ولم يبق أمامها وهي تواجه ثورة الشعوب سوى خيار بشار الأسد. وهذا الأمر يعني أن الأزمة عميقة إلى الحدّ الذي يجعل الصراع حدّياً، ويعني أن أحد طرفيه يجب أن ينتصر أو يُسحق. لهذا، تهدد النظم بسحق الشعوب، وتُعلي من نبرتها التهديدية باستخدام أقصى الوحشية. بالتالي، ليس أمامها خيار سوى الوحشية. وهنا، يصبح بشار الأسد المثال، على الرغم من أنه تحوّل إلى كاريكاتور نظام بلا أرجل، سوى الاحتلال الخارجي. حيث لم تَفِدْ كل وحشيته في أن يظلّ قادراً على الحكم، إلا بدعم قوى خارجية، وبعد تدمير البلد. بالتالي، بات الأسد مثالاً على الرغم من فشله، وهذا ما يشير إلى ضيق ممكنات النظم للخروج منتصرة.

ربما تؤدي وحشية النظم إلى قتل أعلى، وتدمير أكبر، لكنها لن تستطيع الانتصار. وإذا كانت مسارعة النظام السوري إلى استخدام الوحشية هي التي جعلته يصمد بعض الوقت، قبل أن يحتاج "داعمين"، فإن النظم الأخرى لن تستطيع ذلك. بالضبط لأن الصراع الطبقي اخترق الدولة ذاتها، والأزمة طاولت بنيتها. لهذا، سيكون ميل النظام إلى الوحشية هو القرار الذي يفضي إلى تفكّك الدولة ذاتها أمام جبروت الشعب.

========================

الرقة ما بعد داعش .. حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الخميس 15/6/2017

تقترب معركة الرقة في سورية من نهايتها، بغض النظر عن التفصيلات العسكرية التي ترافق العمليات العسكرية، فالمدينة، بالمعنى العسكري، لا الزمني، ساقطة تماما. وأهميتها تكمن في اليوم التالي لتحريرها من تنظيم الدولة الإسلامية، حيث بدأت ملامح الصراع السياسي على المحافظة تتمظهر شيئا فشيئا، وذلك مع استبعاد "لواء ثوار الرقة" التابع للجيش الحر من المشاركة في العملية العسكرية، في وقت سُمح لـ 17 فصيلا عربيا المشاركة في تحرير المدينة، لكن هذه القوى العربية تنتمي، في معظمها، إلى الأقليات الدينية والإثنية، وليس لها وزن عسكري يعتد به، حتى القوى السنية معظمها من أبناء القبائل الرحل، وليس من العشائر ذات المكانة والمستقرة تاريخيا في المحافظة، والفصيلان السنيان الأبرزان (قوات النخبة التابعة للرئيس الأسبق للائتلاف الوطني أحمد الجربا، مجلس دير الزور العسكري المشكل في 19 مارس/ آذار الماضي من أبناء عشيرة الشعيطات)، لا ينتميان إلى محافظة الرقة.

أما "لواء صقور الرقة"، المكون من بعثيين وموالين للنظام، فلا يعدو أن يكون مجرد حضور رمزي، وهكذا تمارس الوحدات الكردية تكتيكا عبر توسيع مروحة القوى العربية، المؤيدة للثورة والمؤيدة للنظام، لدفع تهمة الهيمنة الكردية عنها. لكن هذه القوى العربية لا تمتلك أي قرار، وما جرى مع "قوات النخبة" و"قوات صناديد شمّر" التابعة لحميدي الجربا، حينما طوقتهما الوحدات الكردية منذ شهرين، وما جرى مع "لواء صقور الرقة"، حين قصفه التحالف، يؤكد ذلك، فالوحدات الكردية لن تسمح لأي فصيل بالتفكير والعمل خارج الإطار العسكري الذي وضعته مسبقا.

هنا تبرز المخاوف التركية، ومع أن الولايات المتحدة نجحت في احتواء الأتراك وإبعادهم عن

"سيكون اليوم التالي لتحرير مدينة الرقة الاختبار الأهم والأصعب بين أنقرة وواشنطن" معركة الرقة، وتطمينهم، مراتٍ بأن تحالفهم مع الوحدات الكردية لأغراضٍ تقتصر على محاربة التنظيم، وأن الإدارة الأميركية لن تسمح بهيمنة كردية مطلقة على المحافظة، إلا أن الأتراك يراقبون بدقة ما يجري، على المستويين، العسكري والسياسي، مع محاولات "الاتحاد الديمقراطي الكردي" فرض مجالس محلية كردية، ذات تلوينات عربية.

سيكون اليوم التالي لتحرير مدينة الرقة الاختبار الأهم والأصعب بين أنقرة وواشنطن، وفي حين تبدو الولايات المتحدة عاجزةً عن تقديم خيار واضح ومحدّد، تبدو تركيا عاجزة أيضا عن بلورة خطواتٍ على الأرض، تحول دون هيمنة الإدارة الكردية الذاتية على مجمل المحافظة. ويزداد المشهد تعقيدا مع دخول قوات النظام إلى الجنوب الغربي من المحافظة، في خطوةٍ تبدو ظاهريا منع "داعش" من الهروب نحو البادية، لكنها تحمل أبعادا أعمق، فالنظام لا يريد أن يستحيل مصير الرقة بين الثلاثي الأميركي ـ الكردي ـ التركي.

المسألة الآن أن مرحلة ما قبل التنظيم تختلف عن مرحلة ما بعده، وإذا كانت الأولى تتطلب تحييد تركيا وإبعاد النظام لصالح الوحدات الكردية، فإن الثانية تتطلب حوارا وتفاهما مع تركيا، وربما تفاهماتٍ غير مباشرة مع النظام، إضافة إلى التفاهم مع الوحدات الكردية التي تشكل ورقة مهمة بيد الولايات المتحدة.

 

ثمّة ثلاثة احتمالات لمصير الرقة: إبقاء الولايات المتحدة على الهيمنة الكردية المطلقة في المحافظة، لكنه احتمال بعيد، لأن هذا الوضع سيؤدي إلى انفجارات محلية تضاف إلى البعد التركي. والأكراد أنفسهم يدركون مخاطر ذلك، ويدركون حقيقة قوتهم في هذه المحافظة التي تختلف عن وضع الحسكة، وقد أعلنوا، مراتٍ، أنهم لن يضمّوا الرقة إلى الحكم الذاتي. انسحاب الوحدات الكردية من المحافظة، وهذا مستبعد، بسبب تأثيراته السلبية على محاولاتهم الحثيثة السيطرة على وادي الفرات في محافظتي حلب والرقة، فضلا عن أن الرقة تشكل الجسر الجغرافي الضروري للتواصل بين أذرع الإدارة الذاتية في الشرق والغرب. توسيع مروحة المشاركة في عملية الحكم، لتضم مختلف الأطراف مع غلبة المكون العربي على الحكم، ممن ليسوا على علاقةٍ مباشرة مع الأتراك، ولا على علاقة مباشرة مع النظام، ولا مانع من إشراك جزئي لمن يتبعون أنقرة ومن يتبعون دمشق، وهذا الطرح تقبل به الأطراف المحلية والإقليمية والدولية.

ومع أن الاحتمال الأخير أقرب إلى التطبيق، إلا أن اختلاف أهداف الفرقاء، وطبيعة التحالفات

"اختلاف أهداف الفرقاء، وطبيعة التحالفات المعقدة في الشمال السوري، قد تدفع الأمور إلى مسارب أخرى" المعقدة في الشمال السوري، قد تدفع الأمور إلى مسارب أخرى، فالوحدات الكردية التي وجدت نفسها، خلال السنوات الماضية، أقرب إلى النظام، قد تجد نفسها في المرحلة المقبلة بعيدةً عنه، في ظل اقتناع "الاتحاد الديمقراطي الكردي" أن النظام لن يقبل أية محاولات للحكم الذاتي. ولا تثق الوحدات الكردية كثيرا بالولايات المتحدة، وهم يعلمون أن الاختيار الأميركي لهم جاء بعيد فشل واشنطن في استحصال حلف مع القوى العربية، مثلما حصل مع "جبهة ثوار سوريا" و"حركة حزم" و"الفرقة 30". وينطبق الأمر على تركيا التي قد تقبل وجودا للنظام في مدينة الرقة، وفي عموم المحافظة، على حساب الوحدات الكردية، متقاطعة في ذلك مع دمشق وطهران في مخاوفهما من تضخم القومية الكردية.

قد يدفع هذا الواقع المعقد الوحدات الكردية إلى إمساك العصا من النصف، عبر تسليم مدينة الرقة إلى النظام الذي طالب بعض نوابه بذلك، ومن شأن هذه العملية أن تمتّن أواصر التحالف بين الجانبين، وتسمح لهما بتحقيق نصر مهم، فبالنسبة للنظام، هو أصبح في قلب وادي الفرات، وبالنسبة للوحدات ستبقى الرقة بأيدي الحلفاء، وممرا اقتصاديا آمنا، فضلاٍ عن أن هذه الخطوة ستجعل النظام يغضّ الطرف أكثر عن نيات الإدارة الذاتية الكردية، على الأقل في المرحلة المقبلة.

========================

وديعة الأسد لدى إسرائيل من الأب إلى الابن .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 15/6/2017

بين ما كشفته إسرائيل من وثائق أرشيف الدولة، بعدما رفعت عنها السرية بسبب مرور خمسين عاماً، محاضر جلسات لجنة الخارجية والأمن في الكنيست خلال حرب العام 1967 أن وزير الأمن حينذاك موشي دايان كان معارضاً لفتح جبهة ثانية ضد سوريا. ولكن لم تمض إلا ساعات قليلة حتى غير رأيه بعدما وصلت صور جوية تكشف إخلاء المنطقة من القنيطرة حتى مسعدة من أي وجود عسكري سوري، فصدرت الأوامر بالهجوم.

كان ذلك في اليوم الرابع على بداية الحرب، أي في التاسع من شهر حزيران/يونيو. ولم تبادر القوات السورية ـ قبل انسحابها ـ إلى الهجوم كما كان النظام البعثي قد اتفق على ذلك مع المصريين، وحين كان هؤلاء قد بلغوا نقطة الموافقة على وقف إطلاق النار، أمر وزير الدفاع حافظ الأسد بانسحاب القوات السورية من مواقعها الأمامية بدون قتال. بل أكثر من ذلك هناك روايات تتحدث عن توريط نظام دمشق لجمال عبد الناصر بتلك الحرب المشؤومة بوقائعها ونتائجها.

كان هذا معروفاً بصورة عامة، ولم نكن بحاجة إلى الكشف عن أرشيف الدولة الإسرائيلية لمعرفته. لكن الجديد في هذا الكشف هو أن إسرائيل نفسها لم تكن متحمسة لشن حرب على الجبهة الشمالية واحتلال هضبة الجولان وتدمير القنيطرة، لولا إغراء الأسد لها بذلك. إنه فعلاً قرار محيّر اتخذه رجل واحد، من وراء ظهر الحكومة التي هو وزير الدفاع فيها. ليرتسم السؤال الكبير: لماذا؟

سيأتي الجواب بعد ثلاث سنوات، في انقلاب عسكري قام به وزير الدفاع هذا على السلطة البعثية التي دفعت بذلك ثمن هزيمة عسكرية صنعها قائد الانقلاب عن سابق وعي وتصميم. وبذلك كافأ الرجل نفسه على تسليمه الأرض السورية لإسرائيل، بأن حصل على الملكية الحصرية لسوريا كلها بموافقة الدول العظمى التي يهمها أمن إسرائيل قبل أي اعتبار آخر فيما خص سياساتها في هذه المنطقة من العالم. في كتاب باتريك سيل عن حافظ الأسد (الأسد والصراع على الشرق الأوسط) معلومة كانت السبب في منع تداوله في سوريا، على رغم تعاطف المؤلف الشديد مع نظام الأسد وقربه منه شخصياً.

تتعلق هذه المعلومة بزيارة الأسد الغامضة للعاصمة البريطانية، في أيلول/سبتمبر 1970، قبيل انقلابه العسكري بفترة قصيرة، وما يحتمل أن يكون قد قام باتصالات مع مراكز القرار في الدول الغربية، وحصوله على موافقتها على استيلائه على الحكم. الأمر الذي سنرى أنه سيتكرر مرة أخرى حين قرر توريث الحكم لابنه بشار الذي أوفده إلى باريس ولندن، في الأشهر القليلة السابقة على وفاته، مع أنه لم يكن يشغل أي منصب رسمي. وسيستقبل في قصر الإيليزيه من قبل الرئيس الفرنسي جاك شيراك بالذات استقبال رجل دولة.

بتأمل مسار الأحداث منذ تلك الحرب ـ الفضيحة، يمكننا القول إن حرب الأيام الستة – كما يسميها الإسرائيليون ـ لم تؤد فقط إلى خسارتنا هضبة الجولان، بل سوريا كلها التي استولى عليها بطل الهزيمة مكافأة له على فعلته، تماماً كما ستؤدي الحرب التالية في العام 1973 إلى بداية التطبيع العربي مع إسرائيل، بعد سنوات قليلة، وارتهان مصر النهائي لمعاهدة السلام التي أبّدَت حكم السادات ـ مبارك.

كانت هضبة الجولان، من هذا المنظور، «وديعة الأسد» لدى إسرائيل التي سيستثمرها طوال فترة حكمه المديدة في خطابه «المقاوم» ثم «الممانع» بوصفه مصدراً لشرعية يفتقدها بجميع المعاني. وفي العام 2000، قبيل وفاته بثلاثة أشهر، سيرفض حافظ عرض بيل كلينتون الذي تضمن إعادة إسرائيل كامل الجولان المحتل مقابل السلام، ليترك لوريثه بشار الأسد تلك الوديعة الثمينة ليستمر في الاستثمار فيها من بعده. ليس هذا تحليلاً مغالياً يقدمه معارض للنظام، إذا تذكرنا ردة فعل النظام على القرار الإسرائيلي الأحادي بالانسحاب من جنوب لبنان في أواخر مايو/أيار عام 2000. فقد فقدَ النظام رشده تماماً أمام قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك، فوصفه بأنه مؤامرة إسرائيلية خبيثة! نعم، هي مؤامرة خبيثة فعلاً خلطت جميع أوراق الأسد، فانتزعت منه ورقة المقاومة والممانعة، أو توهمت أنها فعلت. أقول توهمت لأن النظام وحزب الله الإيراني في لبنان سرعان ما أخرجا من جعبتهما جوكر جديدا باسم مزارع شبعا التي لا تعرف تبعيتها فيما إذا كانت سورية أم لبنانية. هذا يشبه جوكر حافظ الأسد في قمة جنيف التي جمعته، في شهر مارس/آذار 2000، مع الرئيس الأمريكي بيل كلينتون: فحين عرض عليه كلينتون استعادة الجولان، قال له الأسد إنه يريد أن يسبح في بحيرة طبريا! لن نبالغ إذا افترضنا أنه لو قررت إسرائيل الانسحاب من الجولان من طرف واحد، أي بدون أي ترتيبات مع النظام، لجن جنون هذا الأخير واعتبرها مؤامرة إسرائيلية أكثر خبثاً من انسحابها من جنوب لبنان.

لطالما تاجر النظام بما أسماه «وديعة رابين» التي من المفترض أنها نصت على انسحاب إسرائيلي كامل من الجولان المحتل مقابل سلام كامل مع سوريا. وحين آن أوان استحقاق الوديعة المفترضة هذه، رفضها الأسد مفضلاً الحفاظ على وديعته لدى إسرائيل.

القصد أن مقتل الأسديين وأشباههم، كإيران وحزب الله، هو انتزاع ورقة المقاومة والممانعة من أيديهم. ألم يصرح بشار الأسد، في فبراير/شباط 2011 في مقابلته الشهيرة مع صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية أن الشعب السوري لن يتمرد عليه كحال تونس ومصر، لأنه على خط الممانعة نفسه مع نظامه؟

لقد استحق حافظ الأسد بجدارة لقب بائع الجولان الذي وصفه به خصومه، وتفوق عليه ابنه بشار حين دمر سوريا، وقتل نصف مليون من السوريين، وشرد نصف السكان، وباعها للإيرانيين والروس ولكل الدول الطامعة.

 

٭ كاتب سوري

========================

الصحة سلاحاً.. الحرب على المرافق والعاملين الصحيين في سورية .. ياسين الحاج صالح

الحياة

الاربعاء 14/6/2017

صدر في آذار (مارس) الماضي تقرير بالغ الأهمية عن استخدام العناية الصحية كسلاح في سورية. التقرير الذي صدر عن لجنة اللانسيت- الجامعة الأميركية في بيروت حول سورية لم يحظ بما يستحق من اهتمام في الصحافة ووسائل الإعلام العربية، والواقع أنه كتب بالانكليزية ولم يترجم إلى العربية بعد. اللانسيت مجلة طبية عالمية مرموقة، معنية بـ «تطبيق المعرفة العلمية من أجل تحسن الصحة وحفز التقدم الإنساني»، والتقرير الذي بين أيدينا نتاج عمل مشترك لباحثين من مشارب مختلفة ودول متعددة، ومنهم سوريون ولبنانيون وأميركيون وبريطانيون، وهو أول ما صدر عن اللجنة

 http://thelancet.com/journals/lancet/article/PIIS0140-6736(17)30741-9/fulltext

يظهر التقرير كم أن الصحة قضية سياسية، وكم أنه جرى التعامل مع المرافق الصحية والعاملين الصحيين كأهداف حربية. «استخدام العناية الصحية كسلاح، أي استراتيجية استخدام حاجات الناس الصحية كسلاح ضدهم وحرمانهم منها بالعنف، أفضت إلى مقتل مئات العاملين الصحيين، وإلى اعتقال مئات أيضاً وتعذيبهم، وإلى الهجوم المتعمد والمنهجي على مئات المرافق الصحية». وبفعل ذلك صارت سورية «أخطر مكان على وجه الأرض على مقدمي الخدمات الصحية».

استخدام الصحة كسلاح استراتيجية «متعددة الأبعاد» وفق التقرير، لا تقتصر على «الهجوم على المرافق الصحية» و «استهداف العاملين الصحيين»، وإنما تشمل أيضاً «تقويض الحياد الطبي وفرض الحصار الدوائي». كثير من الممارسات هي جرائم حرب واستخدامها المتكرر من قبل النظام دعا التقرير لإطلاق تسمية «استراتيجية جرائم الحرب» على سياسة النظام.

«منذ وقت مبكر جداً، كان الأطباء الممارسون في مناطق تشهد احتجاجات على النظام السوري يعالجون المُحتجين الجرحى سراً خوفاً من تعرضهم للاعتقال». ومثلما هو معلوم، كان وقوع جرحى، وقتلى، من الوقائع الواسمة للاحتجاجات السورية منذ طورها السلمي الباكر. وفي تموز (يوليو) 2012 أصدرت الحكومة السورية «قانون مكافحة الإرهاب»، وهو «يُجرِّم تقديم العناية الطبية لأي شخص أصيب من قبل القوات الموالية للحكومة في تظاهرات الاحتجاج ضد الحكومة». وبينما يُذكِّر التقرير بأن صربيا كانت سنت قانوناً مماثلاً أثناء حرب كوسوفو في عامي 1998 و1999، فإنه يُبرز حقيقة أن قانون الإرهاب السوري يبرر اعتقال وحجز وتعذيب وإعدام العاملين الصحيين، وأن هذه ممارسات متكررة الحدوث، على رغم أن القانون الدولي الإنساني الساري واضح في وجوب حماية العاملين الصحيين من العقاب على تقديم العناية الصحية للجرحي والمرضى، أيّاً كانوا، على ما تقتضي الأخلاقيات الطبية في أوضاع النزاعات الدولية وغير الدولية.

ويستدل التقرير من «نسق هجمات الحكومة على المناطق المدنية أنها (الحكومة) تعتبر كل المدنيين في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، بمن فيهم العاملون في الحقل الصحي، مرتبطين بالإرهاب، وبالتالي أهدافاً عسكرية مشروعة».

بين بداية الثورة السورية في آذار 2011 وأيلول (سبتمبر) 2016 قتل 782 من العاملين في الحقل الصحي، 723 منهم على يد النظام وحلفائه، أي نحو 92 في المئة من الحالات (الباقون قتلوا على يد أطراف متنوعة، بما فيها «داعش»). وكان الأطباء المجموعة الأكثر تعرضاً للاستهداف حيث قتل منهم 247، أي ما يقترب من ثلث مجموع العاملين الصحيين المستهدفين.

ومع الزمن صار استهداف المرافق الصحية الملمح الأبرز لمعاملة العناية الصحية كسلاح، وازاداد تواتره واتساع نطاقه، ما أدى حتى بمجلس الأمن (العاطل كلياً في ما يخص سورية) إلى أن يدين الهجمات على العاملين والمرافق الصحية في القرار 2286 الصادر في أيار (مايو) 2016. وبفعل التصعيد الحاد للهجمات بدءاً من التدخل الروسي في أيلول 2015 كان عام 2016 هو الأسوأ على هذا الصعيد، إذ سجلت 194 هجمة، بارتفاع 89 في المئة عن 2015. الشبكة السورية لحقوق الإنسان أفادت بوقوع 289 هجوماً، استهدفت مرافق طبية وسيارات إسعاف ومواقع للهلال الأحمر السوري، قامت بـ96 في المئة منها قوات النظام والقوات الروسية.

نسق الهجمات على المرافق الصحية يوحي باستهداف متعمد، وهو ما يعتبر جريمة حرب. ووفق أفضل المعلومات المتاحة، يقول التقرير، فإن «تواتر ومدى استهداف العناية الصحية في سورية لم يحدث ما يشبهه في أي حرب سابقة».

ويكشف تفحص الهجمات على المرافق الصحية منذ 2012 عن نسق مميز من معاملتها كسلاح. فقد تكرر استهداف مناطق تسيطر عليها المعارضة في حلب وحماة وإدلب والغوطة الشرقية وحمص، بما يثبت نية الحيلولة دون حصول السكان على عناية صحية، سواء بغرض إعاقة قوات المعارضة أو بغرض إجبار المدنيين على النزوح. لقد استهدفت نقطة طبية تحت الأرض في حلب 19 مرة خلال ثلاث سنوات، منها 13 مرة بين تموز وتشرين الأول (أكتوبر) 2016، حيث تعطلت نهائياً. وتعرض كهف كان يستخدم كمستشفى في كفر زيتا في حماة للقصف 33 مرة منذ 2014، منها 6 مرات في 2017 (التقرير صدر في آذار). كما هوجمت مستشفيات أوريَنت في إدلب عشرين مرة منذ 2013، ما أدى إلى إغلاقها كلها تقريباً في 2016. والمستشفيات الحكومية في مدينة إدلب نفسها التي كانت تحت سيطرة النظام حتى 28 آذار 2015، استهدفت عشرات المرات منذ خروجها من سيطرة النظام، منها 15 مرة عام 2016. وهوجم مستشفى الرستن في محافظة حمص 25 مرة منذ 2012، ومثلها هجمات متزايدة على مستشفيات وسيارات إسعاف في دوما في الغوطة الشرقية المحاصرة منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2012.

بفعل هذا النسق المتكرر، غادر البلد 15 ألف طبيب، وفق منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان، من أصل 29927 عدد الأطباء السوريين الكلي عام 2009. غير أن موظفاً بارزاً في الأمم المتحدة (هو سوري، كان من الكادر الاقتصادي التخطيطي للنظام) أفاد بأن 27 ألف طبيب غادروا البلد من أصل 42 ألفاً. ومن تأذوا على نحو خاص هم سكان المناطق الخارجة عن سيطرة النظام. ففي حلب الشرقية كان هناك طبيب واحد لكل 7000 من السكان في 2015، بينما كان هناك طبيب لكل 800 عام 2010. وتقطع التعليم الطبي لكثيرين، واضطر طلاب الطب إلى القيام بدور أطباء في مناطق محاصرة تتعرض للقصف اليومي، وهو ما يعني تواضع الخدمة الطبية بطبيعة الحال.

وتعرضت وحدات الدفاع المدني السوري، المعروفة منذ 2014 بالخوذ البيض، لـ149 «هجوماً مزدوجاً» عام 2016: حيث تتلو ضربة ثانية الضربة الأولى، وتستهدف المسعفين والمنقذين الذين هرعوا لإنقاذ المصابين بعد الضربة الأولى. وهو ما تسبب بمقتل 154 من الدفاع المدني- الخوذ البيض بين 2013 و2016. ويذكر التقرير أنه يعمل في الخوذ البيض 2900 متطوع، وأنها ساهمت في إنقاذ 80 ألف شخص تعرضوا للقصف في منازلهم أو أعمالهم.

ويرى معدو التقرير أن انتهاكات القانون الدولي الإنساني، وبخاصة الهجمات المنهجية على المرافق الصحية والعاملين الصحيين بقصد تعطيل العمل الصحي والسيطرة على السكان، هو سابقة خطيرة، ويحض على محاسبة المسؤولين عنها وتوفير الحماية للعاملين الصحيين.

*******

تقدم القول إن التقرير يظهر كم أن الصحة قضية سياسية. لكن يمكن الاستناد إليه أيضاً لصوغ تصور واضح حول أن السياسة قضية صحية. يمكن السياسة أن تهتم بمعالجة الأجساد ومحاربة الأمراض وتسهيل الحصول على خدمات صحية تتحسن لقطاعات تتسع من السكان، ويمكن لها، في المقابل، أن تعتبر الصحة سلاحاً، وتعمل على تجريد السكان منه واحتكاره لنفسها، مثلما عملت دوماً على احتكار وسائل العنف وتجريد السكان منها. استهداف أجساد السكان في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام يظهر كما أنها تعتبر أسلحة خطرة، يجب أن تمرض وتتعطل، إن تعذر إفناؤها.

بعد استقلال بلدنا كانت مكافحة الجهل والفقر والمرض هي الثالوث الذي يُعرِّف الوطنيين من سياسيين ومثقفين ومتعلمين. كانت الوطنية هي الفكرة والممارسة التي تعرف أولئك العاملين من أجل «نهوض» بلدهم و»تقدمــه»، ليكون مزدهراً قوياً محترماً. الصحة كانت ميداناً أساسياً للالتزام الوطني، واقترن الطب بالاحترام، حتى أن حافظ الأسد جعل ابنه بشار يدرس الطب، وإن ليس قبل توجيه ابنه الأكبر باسل نحو العسكرية. وبقدر ما اجتذب الطب أنبه الأذهان، فقد اشتغل كثير من الأطباء بالشأن العام، السياسي والثقافي. كان الاعتناء بصحة الأفراد وتقليل وفيات الأطفال والأمهات حديثات الولادة ومحاربة الأوبئة، كلها موجهة نحو عمر طويل منتج، يلبي التطلع العام إلى التقدم والتعافي والقوة. وكانت الأداة التي لا منافس لها للسير على درب تحقق هذه التطلعات هي، بطبيعة الحال، الدولة (التي صارت مثل كل دول العالم محتكرة للعنف، وتحوز سلطات لا نظير لها). في وقت لاحق في سورية، صارت الدولة ملكية خاصة مع بقائها محتكرة للعنف، فصارت الدولة تعتقل وتعذب وتحطم الأجساد وتقتل المعترضين على الملكية الخاصة للدولة، وتهين وتذل وتفقر وتعمم الفساد. وبعد وفاة أخيه العسكري، انقلب بشار الذي لم يكمل دراسة الطب إلى عسكري، ومات أبوه قبل أن يصير عسكرياً بجد، فورث حكم سورية وهو طبيب ناقص وعسكري ناقص.

وبعد محاربة الفقر والجهل والمرض، صار المشروع العام الوحيد هو حماية الملكية الخاصة للدولة، أي كارتل العنف المسمى «سورية الأسد»، وانقلب هذا إلى عامل إمراض عام، ومصدراً للفقر والجهل والتعصب.

يتصور المرء أنه كان يمكن للكارتل أن يحمي نفسه من دون الهجوم المنهجي على المستشفيات واستهداف سيارات الإسعاف وقتل الأطباء والممرضين، واستخدام الغارات السامة ضد المحكومين المتمردين. ما الذي يجعل «سورية الأسد» تفعل ذلك؟ يقتضي الأمر تقصّياً في العمق، لكن له صلة على الأرجح بالنظر إلى الأجساد كأسلحة خطرة، والتخلص منها كواجب.

عمليات التغيير السكاني يمكن أن تفهم ضمن هذا النهج التطهيري كقتل بديل.

========================

درعا.. نهاية بلد .. غازي دحمان

العربي الجديد

الاربعاء 14/6/2017

لن تكون درعا هانوي ولا بطرسبورغ، فلا حلفاء يعتبرون صمودها قضية وجود، ولا نظام سورية، بات يتحكم بجميع مفاصله أطراف خارجية، يعنيه أن تستمر درعا على قيد الحياة، ما دام أن أهليها ليسوا أحبابه.

لكن، مهلاً، أين تلاشت فجأة الخطوط الحمر؟ ولماذا ابتلعت إسرائيل تهديداتها من اقتراب مليشيات إيران من حدودها؟ وماذا عن الجيوش البريطانية والأميركية التي قيل إنها تقف على أبواب درعا، وتتأهب لإخراج جنوب سورية كله من سيطرة نظام الأسد؟ وماذا عن احترام روسيا تعهداتٍ قيل إنها أعطتها لدول إقليمية، تتضمن تحييد درعا وإخراجها من دائرة استهداف طائراتها؟

قبل فترة بسيطة، زاد الحديث عن اجتماعات بعيدة عن الأضواء، جرت في عمّان، بين خبراء أميركيين وروس، جرى التركيز الأساسي فيها على إنشاء منطقةٍ آمنةٍ في جنوب سورية تشمل درعا والقنيطرة والسويداء، "ولا ندري لماذا تم استدخال السويداء ضمن هذه المناطق!"، وقبلها كانت روسيا وإيران وتركيا قد توصلت إلى اتفاق "مناطق خفض التوتر" الذي يصنف درعا منطقةً أساسيةً ضمن هذا الاتفاق، لكن المفارقة أن نتائج تلك الاتفاقات جاءت عكس ما تم ترويجه، وكأن ما يجري في الكواليس أصدق إنباءً من الأخبار التي يتم إلهاء الآخرين بها!.

ما لا يمكن إخراجه من خانة المعطيات الثابتة أن درعا بالفعل منطقةٌ تقيم على تماسّ حدود 

"اجتماعات الغرف المغلقة في عمّان أنتجت تسوية أميركية - روسية على تقاسم مناطق النفوذ في سورية" أمن أكثر من دولة إقليمية، الأردن وإسرائيل، وأنها تندمج ضمن مصالحهما الأمنية في ظل تهديد المشروع الإيراني لكليهما، ما يجعل هامش التعاطي مع وضع درعا لا يحتمل مساحة مناورةٍ كبيرة، كما أنه لا يمكن المغامرة باللجوء إلى التكتيكات العسكرية والسياسية، لاختبار مدى صدق هذه المعطيات، فضلاً عن أن سنوات الحرب الست رسّخت معادلاتٍ وتوازناتٍ للقوى في درعا بات محرّماً المساس بها، ما دام الوضع السوري برمته لم يتغير، أو لم يدخل في طور التوافق بين الفاعلين المختلفين والتفاهم على حلول نهائية للأزمة، والدليل على ذلك أن الأطراف الحليفة للمعارضة أنشأت "غرفة الموك" للإشراف على إدارة المعارك في درعا، وكثيراً ما تدخلت في سير هذه المعارك، وتحديداً عبر منعها فصائل المعارضة، وهي في عز قوتها وذروة ضعف نظام الأسد، من التقدّم صوب دمشق، بانتظار نضوج التسوية بين اللاعبين الدوليين؟

فما الذي حصل حتى تنقلب المعادلة على هذه الشاكلة، بما يجعل الأطراف المختلفة تتنازل عن خطوطها الحمر، وتتراخى تجاه التغيرات الحاصلة على حدودها؟ أم هل نضجت الظروف بما يكفي لحسم الأزمة، وبما يلغي جميع الترتيبات التي تم اتخاذها سابقاً؟ أم أن ظروف ومصالح جديدة نشأت دفعت الأطراف إلى قبول الواقع الجديد والسماح بظهور التطورات الحاصلة؟

التفسير الأقرب إلى المنطق، ومن خلال المعطيات الجديدة، أن اجتماعات الغرف المغلقة في عمّان أنتجت تسوية أميركية - روسية على تقاسم مناطق النفوذ في سورية، بحيث تسيطر روسيا على كامل منطقة غرب سورية، من حلب إلى درعا، على أن يكون شرق سورية تحت سيطرة الولايات المتحدة الأميركية. وفي إطار هذا الاتفاق يضمن كل فريق مصالح الأطراف الإقليمية الحليفة له، كما يتحمل المسؤولية عن تصرفاتهم داخل المناطق التي يسيطر عليها.

"مع السيطرة على درعا، تنتهي الثورة السورية التي انطلقت سنة 2011 بمطالب وطنية"

نمط من التوافق شبيهٌ بما حصل في حلب بين تركيا وروسيا، وقد نرى قريباً ذهاب فصائل الجبهة الجنوبية إلى شرق سورية لقتال "داعش" تحت مسمى "فصائل درع الصحراء"، إلى جانب الأميركيين، نظراً للحاجة إليهم في تغطية مساحات شاسعة من الصحراء، وربما تم الاتفاق على استخدام هذه القوة لمواجهة مطامح إيران في إنشاء طريق لها من العراق إلى لبنان، فكما أن درعا ليست مهمةً واستراتيجية بالنسبة لأميركا، فإن الطريق الإيراني ليس حيوياً ومهماً لروسيا في حال تم خنق الفصائل المعارضة وإخراجها من خانة الفعالية.

ماذا يعني ذلك، وما هي انعكاساته المحتملة؟ التوصل إلى قرار دولي، أو على الأقل بين أميركا وروسيا، يقضي بإنهاء الثورة السورية وشطبها فاعلاً إقليمياً، وإنهاء الاستقطاب الدولي والإقليمي حولها، والسيطرة على مفرزاتها، ثم الانتقال إلى مرحلةٍ أخرى، عنوانها تقاسم النفوذ بين اللاعبين الدوليين، وذلك فيما يبدو أنه مؤشر على نهاية الأدوار الإقليمية التي تضخمت على هامش الحدث السوري، نتيجة اعتقاد اللاعبين الكبار أن جميع الأطراف الإقليمية أنهكت، ووصلت إلى مرحلة اللاجدوى، أو إمكانية إحداث تغييرات مهمة في مستويات الصراع، بما يستوجب احتواءهم ضمن استراتيجيات اللاعبين الأساسيين.

مع السيطرة على درعا، تنتهي الثورة السورية التي انطلقت سنة 2011 بمطالب وطنية، تهدف إلى تغيير أداء النظام السياسي، ووضع الواقع السوري على سكة تغييراتٍ تتناسب وطموحات شرائح سورية كثيرة. لكن، مع انتهاء هذه الثورة، تنتهي سورية القديمة على يد ثورة مضادة قادتها أطرافٌ كثيرة، وتشكل روسيا وأميركا أحد مكوناتها، إذ طالما بشّرتنا موسكو وواشنطن أن سورية القديمة يصعب أن تعود، وأن سورية القادمة يجب أن تكون على مقاسات التغيرات الكثيرة التي أحدثتها تطورات السنين السابقة.

========================

ما الذي تبقى لنظام الأسد في سورية؟ .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الثلاثاء 13/6/2017

مع انتهاء "قوات سورية الديمقراطية" من معركتها الفاصلة مع "داعش" في مدينة الرّقة، تكون خريطة النفوذ في سورية قد تم إعادة ترتيبها من جديد، أميركياً هذه المرّة، في ظل القبول الروسي، والصمت التركي، وانحسار الدور الإيراني الذي يتوافق مع انحسار وضعية النظام في المنطقة الشرقية تماماً. كما تفيد هذه المعركة بأن حسابات الدول الضامنة لجولات أستانة التفاوضية لم تكن تأخذ في الحسبان أن أطرافاً أخرى لم تنضو في توافقاتها، ستكون حاضرة، وستقضم من حصصها، سواء ما تعلق بمهمة "الحرب على الإرهاب"، أو المسعى إلى تقاسم النفوذ على المناطق التي يتم تحريرها من قوى التطرّف والإرهاب، مثل "داعش" وغيرها، ما يعني أن هذه القوى، أو الأطراف، سيكون لها دورها المقرّر في تشكيل مستقبل سورية.

وبهذه المعركة، تكون "قوات سورية الديمقراطية"، المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية، قد سيطرت على مساحة واسعة من الأراضي السورية، ربما تتجاوز التي يسيطر فيها النظام مع داعميْه إيران وروسيا، ما يضع هذه القوات أمام مسؤولية الإعلان عن نفسها وخطتها في التعاطي مع المناطق المحرّرة من "داعش". السؤال الآن: هل يعتبر أهالي هذه المناطق أنفسهم محرّرين من حكمي "داعش" والنظام؟ أو هل تدخل هذه الأراضي المناطق ضمن نطاق الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة السورية؟ وهل سنشهد، هذه المرة، نموذجا جديدا لحكم محلي، بعيدا عن الإقصاء والاستبداد، وعن التجارب السلبية السابقة، لكي تصبح هذه المناطق ورقة قوة إضافية للثورة السورية؟

"اتفاق المناطق منخفضة التصعيد الذي وقعته إيران وروسيا وتركيا مجرد لعبة جديدة، أو مجرد تورية، يُراد منها إعادة تعويم النظام، وقضم المناطق الخارجة عن سيطرته"

أيضاً، سيطرح هذا الوضع الجديد مجدّدا، وبإلحاح، ملف العلاقة بين المكوّنات الكردية، وخاصة حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، أو قوات سورية الديمقراطية، وبين المعارضة السورية، بمكوناتها السياسية والعسكرية، وهو الملف الذي جرى تأجيله أو تجاهله، لأسباب مختلفة، الأمر الذي أثار الشكوك بين الطرفين، ما تسبّب بأضرار بالغةٍ بالثورة السورية، وبوحدة السوريين. دليل ذلك، مثلا، التخبّط في تصريحات قياداتٍ في المعارضة، إذ صرّح رئيس وفد التفاوض في جنيف، نصر الحريري، قبل أيام، إن "قوات سورية الديمقراطية إرهابية من وجهة نظرنا، لا تختلف أبداً عن داعش"، فعلى الرغم من الملاحظات على سلوك هذه القوات خلال مسيرة معاركها، وإدارتها مناطق نفوذها واعتقالاتها شخصيات كردية، إلا أن تشبيهها بـ"داعش" ليس موفقاً، فكلامٌ كهذا يعطل إمكان إيجاد توافقاتٍ، حتى وإن لم تكن موجودة أصلاً، مع المكونات الكردية الفاعلة، ويؤزّم العلاقة بين السوريين، كرداً وعرباً. وتاليا، فإن وضعاً على هذا النحو يفيد النظام، الأمر الذي ينبغي على المعارضة تداركه، خصوصا أنها معنيةٌ بإعادة صياغة علاقاتها مع القوى الفاعلة ضد النظام، وتقوية ارتباطها بأهداف الثورة في إقامة دولة المواطنين الديمقراطية، التي تستوعب كل المكونات السورية على أسس عادلة، أفراداً وقوميات.

على الجهة المقابلة، يخوض النظام السوري مع حليفه الإيراني معركة شرسة في درعا، لتوسيع رقعة سيطرته في المنطقة الجنوبية، على حساب "الجيش الحر"، ليتمكّن من جديد من الجلوس إلى طاولة مفاوضات أستانة، كقوة فاعلة ولو شكلياً على الأراضي السورية، جنباً إلى جنب مع المليشيات الإيرانية التي تتزعمها مليشيا حزب الله. علماً أن هذه المعركة بالذات تؤكد أن اتفاق المناطق منخفضة التصعيد الذي وقعته إيران وروسيا وتركيا مجرد لعبة جديدة، أو مجرد تورية، يُراد منها إعادة تعويم النظام، وقضم المناطق الخارجة عن سيطرته، وهذا ما حدث، أيضاً، في غوطة دمشق الشرقية، وفي ريف حلب.

وستبين النتائج التي ستتمخض عنها معركة درعا خريطة تموضع الأطراف المتصارعة في الجنوب، أو بمعنى آخر ستوضح ما إذا كان من المسموح للنظام وحلفائه أخذ المنطقة الجنوبية، أو تمسّك الولايات المتحدة بموقفها بخصوص تحجيم إيران في الصراع السوري، وتقليص نفوذها في سورية، ولا سيما على الحدود السورية مع الأردن ومع العراق، أي من الجنوب إلى الشرق.

على ذلك، ستحسم الأيام المقبلة في مصيري منطقتين استراتيجيتين في سورية، أي المنطقتين الشرقية في الحدود مع العراق التي ستحجم نفوذ إيران ومليشياتها في سورية، وتردع قوات الحشد الشعبي العراقية، وقوات النظام، والجنوبية، حيث تحاول المليشيات الإيرانية فرض وجودها لخلط الأوراق، وفرض وجودها لاعباً رئيساً، من خلال وجودها على مقربةٍ من الحدود مع إسرائيل. وفي الغضون، ستوضح هاتان المعركتان مكانة قوات سوريا الديمقراطية، وخريطة القوى العسكرية في الشمال والشمال الشرقي، كما ستوضح حجم الوجود أو الدعم الأميركي المباشر، لقوات المعارضة (وقوات قسد) ما يكشف عن توجهات الإدارة الأميركية الجديدة في خصوص الصراع السوري. وإن غدا لناظره قريب.

========================

تقدير موقف : خيارات الثورة والمعارضة السورية حيال تعارض المصالح بينها وبين داعميها .. زهير سالم

ست سنوات من التطورات على الساحة السورية ، مقترنة بمثيلاتها من التطورات الإقليمية والدولية ، بعيدة المدى ؛ أوجدت بلا شك حالات ، وليس حالة واحدة ، من المتغيرات ، في المواقف الإقليمية من الشعب السوري ، وثورته . في تقدير الموقف السياسي الساذج فقط هو الذي يبني على قلوب الناس وعواطفهم ، في تقدير الموقف السياسي يبني العقلاء موقفهم على موقف من جنسه ، في كل الميادين . لقد أفرزت المتغيرات الدولية والإقليمية مستجدات عميقة ، سواء بفعل التدخلات الخارجية ، أو بفعل التحالفات الجديدة والمجدية ، أو بفعل القوى النامية المتغلبة ، أو تلك المتنحية المتوارية ، وما زالت هذه المتغيرات تنعكس بأكبر الضرر على الشعب السوري وثورته ومستقبله .

ما يزال الكثيرون يكابرون أو يجاحدون في الإقرار بهذه المتغيرات ، من منطلقات عاطفية تارة ، ومن منطلق وقوعهم كلٌ في أسر الدول التي يلتصقون بها ، ويبنون خياراتهم على خياراتها ، فيقدمون مصالحها على مصالحهم ، وأولوياتها على أولوياتهم الثورية والوطنية ، وهم لا يملكون أي قدرة ، على رفع رؤوسهم للنظر في عيون من يعتبرونهم أولياء ...

بالأمس فقط كان منظر استراتيجي يرى ، في قيام (كردستان الكبرى ) على الأرض ( العراقية - التركية - السورية – الإيرانية ) جبلَ النار الذي تمناه عمر بن الخطاب بين فارس والعرب ، كما يزعم المؤرخون .

إن دولا قامت استراتيجيتها على أنها لا تريد أن تحارب ، وتريد دائما أن تجد من يدافع عنها ، لن يهمها كثيرا ما يجري في العراق أو من يحكم في الشام ، أو أي صداع يصيب الأتراك .. لقد كان المستعصم من قبل يحلم ألا يبخل عليه التتار بما وراء سور بغداد فقط ...

وعلى النقيض من تلك الرؤية التي ترى في كردستان الكبرى ملجأ ومنجاة سنجد في الإقليم دولا مستعدة أن تذهب في أي طريق ، ومع أي خيار ، مقابل أن تدفع عن نفسها شر الحزام الكردستاني ألذي يعوّل عليه الآخرون ..

وبين خيار وخيار – وهذه أنموذج فقط – أين للثورة السورية ومعارضتها أن تكون ؟!

يهمنا أولا يهمنا في هذا السياق موقف هذه الدولة أو تلك ، فلكل دولة أولوياتها ومصالحها ؛ السؤال الأهم الذي نطرحه على أنفسنا بكل الجدية والمصداقية : كيف يمكن للمعارضة السورية الأسيرة هنا وهناك وهنالك ، أن تحتفظ بحقها بالتمسك بأولوياتها الثورية ، وثوابتها الوطنية ، والدفاع عن مصالحها ، ليس على مستوى إصدار بيان أو إطلاق تصريح يصدر عن هذه الجهة او تلك ، وإنما على صعيد مواقف وسياسات عملية ، يعتقد صاحب اليد العليا على كل جبهة أنها تضر بمصالحه ، وتقطع عليه طريق أولوياته ... ؟!

سؤال مشروع ومطروح بجدية ومصداقية ..

 وما زال السوريون يدفعون ثمن غياب الجواب من أعراضهم ودمائهم وآلامهم ، بل وسيدفعون ثمنه من مستقبل وطنهم وأجيالهم ...

الأمر جد ، وليس بالهزل ، ولا يصلح فيه التلكؤ ، ولا التمكمك لمن يريد أن يؤدي الأمانة التي أؤتمن عليها ...

..." إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا "

18 / رمضان / 1438

 13 / 6 / 2017

*مدير مركز الشرق العربي

========================

القوى "المتقاتلة" في سورية لتدمير الثورة .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الاثنين 12/6/2017

يصوّر الصراع الجاري في سورية "حربا ضد الإرهاب"، وكذلك "حرباً أهلية"، أو حتى صراع النظام "العلماني" ضد قوى أصولية وسلفية. ويوصّف بأنه "مؤامرة" إمبريالية ضد "النظام الوطني"، وعديد من التوصيفات الأخرى. بالأساس، يجري الهروب من القول بحدوث ثورة في سورية، وأن الشعب تظاهر أشهراً طويلة من أجل "إسقاط النظام".

هذه الثورة هي التي كانت التعبير عن تفجّر الصراع بين الشعب والنظام، نتيجة الوضعية التي بات يعيشها الشعب على إثر اللبرلة التي اجتاحت سورية، بعد تسعينيات القرن العشرين، وخصوصاً بعد استلام بشار الأسد السلطة. وإذا كان النظام يعتمد على قوة أجهزته الأمنية المتعددة، وعلى "البنية الصلبة" في الجيش (الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري ووحدات خاصة)، وكان يعتقد نفسه قادراً على هزم الثورة بها، وبمجمل السياسات التي اتبعها، ظهر (على الرغم من كل مساعدات إيران التقنية واللوجستية، وكذلك مساعدات روسيا) أنه، مع نهاية سنة 2012، لم يعد قادراً على الصمود في وجه الثورة التي بدأت سلميةً، وتسلحت بعد أكثر من ستة أشهر، لكن القوى المسلحة كانت قليلة وبسلاح بسيط. توسعت الثورة خلال سنة، لكي تشمل معظم أرجاء سورية، وبقيت فئات جرى تخويفها من "السلفية والإرهاب" ومن "الطائفية"، وحيث ساعد خطاب أطرافٍ في المعارضة بذلك. كذلك ظلت الرأسمالية السورية، وبعض الفئات الوسطى، ملتصقةً بالنظام. ووصل التوتر إلى الجيش الذي بات النظام عاجزاً عن استخدامه ضد الشعب، وأخذ يعاني من حالات انشقاق وفرار من الجندية. لهذا، أفضى توسّع الثورة وتسلحها، و"تحييد" الجيش، إلى أن تُنهك "البنية الصلبة"، وتخسر جزءاً مهماً من عدادها.

هذه اللحظة هي التي فرضت استجلاب "قوى العالم" إلى سورية. لم يكن الشعب السوري يحتاج "دعماً خارجياً"، حيث أظهر أنه قادر على إسقاط النظام، لكن النظام بالتحديد هو الذي احتاج دعماً خارجياً. ولهذا، فإن كل من دخل سورية، بعدئذ، دخل لكي يساعد النظام، بغض النظر عمّا طرح، أو أين جرى تصنيفه، أو الأوهام التي ألقيت عليه.

"الثورة السورية كانت التعبير عن تفجّر الصراع بين الشعب والنظام، نتيجة الوضعية التي بات يعيشها الشعب على إثر اللبرلة التي اجتاحت سورية، بعد تسعينيات القرن العشرين، وخصوصاً بعد استلام بشار الأسد السلطة"

هنا لا أودّ التحليل، بل أودّ التوصيف أكثر، لكي أوضّح طبيعة الصراع الذي يقوم من أجل خنق الثورة وتدميرها. ولأوضّح أنه فوق الثورة تراكب صراع قوىً وهمي، كان غرضه سحق الثورة بالأساس. وبالتالي، لم يكن صراعاً حقيقياً كما يظهر في الخطاب الرائج. وهو ما حاولت التأشير عليه منذ البدء، حيث بدأ الخطاب بالإشارة إلى "الحرب الأهلية"، ومال إلى التلميح إلى "حربٍ طائفية"، وصولاً إلى التركيز على "الحرب ضد الإرهاب"، حيث إن كل الحشد الذي تجمّع في سورية هو من أجل الحرب ضد الإرهاب! هذا الإرهاب الذي تجمّع كذلك في سورية. لماذا في سورية التي تشهد ثورة تجمّع الإرهاب؟ وبالتالي، أي إرهابٍ يحارب كل هؤلاء الذين تجمعوا في سورية كذلك؟ ربما المصادفة وحدها هي التي جمعتهم.

إذا كانت جبهة النصرة قد أُعلنت بداية صيف سنة 2012، فقد ظلت بلا فاعليةٍ إلى نهاية ذلك العام. ولم ينشأ تنظيم داعش، إلا في إبريل/ نيسان سنة 2013. ثم ضعف النظام نهاية سنة 2012، وأخذت تتوافد قوى جديدة، لكي تقاتل الثورة. تدخّل أولاً حزب الله (بعد أن كانت إيران تخطط، وترسل أدوات القمع، والقنّاصة، والطيارين فيما بعد)، لكن توسّع التدخل لكي يشمل قوى طائفية عراقية (لواء أبو الفضل العباس، وحزب الله العراقي، وعصائب أهل الحق، وفيلق بدر). وتحت هذا المسار، شارك الحوثيون قبل أن يعملوا على الاستيلاء على السلطة. لكن، يمكن اليوم أن نحدِّد مشاركةً كبيرة من لبنان (حزب الله، وبعض القوميين)، والعراق (كل تلك المليشيات، وأيضاً النجباء، وغيرها)، ومن أفغانستان وباكستان (الزينبيون). وكل ما يجمعها هو الانتماء للطائفة الشيعية، وحيث الارتباط بإيران، الدولة التي أرسلت كذلك الآلاف من الحرس الثوري، ومن الباسيج، وحتى من جيشها. بالتالي، بات في سورية عشرات الآلاف، وربما فاقوا المائة ألف، مرسلين ومسلحين وممولين من إيران، وباتوا هم "حُماة" النظام منذ تدخلهم. وأصبح قادة إيرانيون هم الذين يقودون المعارك، ويعيّنون الضباط القادة.

نحن هنا أمام مئات الآلاف ممن ينتمون إلى الطائفة الشيعية، يجري توظيفهم لحماية النظام ومنع سقوطه (مع بضعة مئات من القومجيين العرب من لبنان وتونس خصوصاً). وهؤلاء هم مَنْ منع إسقاط الشعب السوري النظامَ في المرحلة الأولى من الثورة، على الرغم من أنهم لم يستطيعوا ذلك بعد عامين من تدخلهم.

في الفترة ذاتها، أي بعد نهاية سنة 2012، جرى تشكيل جبهة النصرة ثم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وبدأت عملية ضخّ "جهاديين" من كل أصقاع الأرض، من السعودية والكويت ودول الخليج، إلى مصر وتونس وليبيا ولبنان إلى الشيشان والأغور، والتركمان والأتراك، والأوزبك، ومن مسلمي أوروبا. وحتى من أميركا وإنكلترا. وهؤلاء يمثلون مجموعاتٍ أصوليةٍ سلفيةٍ مغرقةٍ في تعصبها. وهي التي تُعتبر الممثل "الحصري" للإرهاب في سورية. والتي تتدخل كل الأطراف الدولية من أجل مواجهتها. هذه القوى أتت، كما تُعلن، من أجل إقامة "دولة الخلافة"، ولقد تمركزت في المناطق التي كان النظام قد انسحب منها، بعد إبريل/ نيسان سنة 2012، والتي باتت تُعتبر مناطق "محرّرة"، أو مناطق خارجة عن سيطرة النظام. وعملت على تصفية كل الناشطين والكتائب المسلحة التي تقاتل النظام، والإعلاميين والذين نشطوا لمساعدة المهجّرين. وكذلك فرض "الشرع"، وتحويل الناس إلى قطيع. لقد فرضوا سلطة استبداديةً مغرقة في الجهل والوحشية.

كانت المعارك الأوسع لكل هؤلاء مع الكتائب المسلحة التي تقاتل النظام، ومع الناشطين السياسيين والإعلاميين والإغاثيين، وكل المجموعات التي تظاهرت ضد النظام وقاتلته. وظهر واضحاً أن "داعش" خصوصاً، ولكن كذلك جبهة النصرة، كانا يعملان بجهدٍ حثيثٍ لقضم قوى الثورة، وإنهائها. بمعنى أنها عملت على تكملة ما كان يقوم به النظام، ليظهر أن هدف الطرفين إنهاك الثورة وتصفيتها. لهذا كان تركيزهما على قوى الثورة. وبهذا سيطر "داعش" على جزء كبير من شمال سورية وشرقها، وامتد جنوباً، وكذلك نحو القلمون. وعملت جبهة النصرة على السيطرة في المناطق التي انحصرت فيها الكتائب التي تقاتل النظام، وقامت بتصفية كثير من تلك الكتائب، ومن قتل أو اعتقال كادراتٍ كثيرة.

"في مقابل حشد إيران "الشيعي"، جرى حشد "سني"، لكي يتقاتلا على جثة الثورة. هذا من حيث الشكل، أو من حيث الخطاب الإعلامي، لكنهما أتيا لكي يقتلا الثورة"

"الإرهاب" الذي بات يعني وجود آلاف الأجانب المنخرطين في "تنظيم جهادي"، وجرى تسهيل وصولهم من دول عديدة إقليمية ودولية، ومن النظام ذاته، أي الذي جرى حشده، هذا الإرهاب هو الذي بات يبرّر كل الحشود الأخرى، على الرغم من أنه حشد من الدول نفسها التي حشدت وتحشد لمواجهته. فالمعركة يجب أن تكون في البلد الذي يشهد ثورةً، لكي يفضي الصراع إلى تدمير "الأخضر واليابس". بالتالي، في مقابل حشد إيران "الشيعي"، جرى حشد "سني"، لكي يتقاتلا على جثة الثورة. هذا من حيث الشكل، أو من حيث الخطاب الإعلامي، لكنهما أتيا لكي يقتلا الثورة.

ثم تحت مسمى قوات سورية الديمقراطية، نجد أن أكراداً أتراكاً وعراقيين يشاركون فيها، هم من حزب العمال الكردستاني، وأتى "يساريون" من بلدانٍ عديدة لمشاركة "الحزب الماركسي اللينيني" نضاله الثوري. ولقد مثّل ذلك دخول قوى جديدة في الصراع، بعد أن اتخذ حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) طريقاً "مستقلاً" في مسارٍ يهدف إلى تحقيق "كيان كردي" (فيدرالية روجافا). ولقد تعاون مع النظام، ومع أميركا وروسيا في سبيل الوصول إلى ذلك، وهو يقاتل تحت إشراف وتدريب وسلاح أميركي.

وهنا ننتقل إلى مستوى آخر من التدخل العسكري، حيث تتدخل أميركا بقواتها الجوية (ثم الآن البرية) بالتحالف مع حزب الاتحاد الديمقراطي (بي يي دي) (تحت مسمى قوات سورية الديمقراطية) لمحاربة "داعش". والطائرات الأميركية تقصف كذلك جبهة النصرة (باتت جبهة فتح الشام، ثم هيئة تحرير الشام). ولا شك في أن تركيزها ينصبّ على هذه الجبهة. وروسيا أرسلت طيرانها وقواتها التي تدعم النظام. وظهر كذلك أن هناك شركات أمنية خاصة روسية ترسل المقاتلين والخبراء الروس إلى سورية لدعم النظام. وكذلك بات هناك قوات برية روسية وشرطة عسكرية روسية على الأرض. وكل دولة منهما تدعم طرفاً، لكن ليسا الطرفين المتصارعين، فإذا كانت روسيا تدعم النظام، وقد منعت سقوطه بعد هزيمة قوات إيران، وتعمل بجدية كاملة لسحق الثورة، حيث تركّز حربها ضد الكتائب التي تقاتل النظام (الإسلامية وغير الإسلامية)، وتعمل على قضم المناطق واحدة بعد أخرى، وتمارس الوحشية ضد الشعب، نجد أن أميركا تمركز دعمها لقوات سورية الديمقراطية في الشمال، وبعض الكتائب التي جرى تدريبها في الأردن في الجنوب، وتركّز قصفها في مناطق "داعش"، وعلى مقار جبهة النصرة. وترفض تسليح الكتائب التي تقاتل النظام، بل تريد أن تحوّلها "حرباً ضد داعش"، وهذا شرطها لدعم "المعارضة المسلحة".

إذن، هناك "مقاتلون" من "كل العالم" في سورية، ويركّز الإعلام (الغربي، والعربي)، وتركز أطراف الصراع على أنه صراع بين النظام وحلفائه من طرف، والمجموعات الأصولية التي تمثّل الإرهاب من طرف آخر. حيث إن كل تلك القوى التي أتت لكي تدعم النظام أتت لمحاربة الإرهاب. ولهذا، على العالم أن يقف مع النظام لهزيمة الإرهاب. لكن، هل يتقاتل هؤلاء الذين يدعمون النظام وأولئك الإرهابيون كما توضّح الصورة في الإعلام والخطاب؟

الخطاب الرائج، والمقصود ترويجه، ينطلق من هذه الثنائية، حيث يقاتل النظام و"حلفاؤه" المجموعات الإرهابية تلك. هذه هي الصورة المتداولة. لكن، أين موقع الثورة من ذلك كله؟ ليس هناك ثورة كما يُراد أن يقال، وكما جرى الاشتغال عليه منذ البدء. بالتالي، هي حرب عالمية ضد الإرهاب على الأرض السورية (والعراقية) وليس غير ذلك. حيث يظهر أن النظام وإيران، بقواتها متعددة الأشكال، وأميركا والحشد الشعبي في العراق، كلها تقاتل "داعش" وجبهة النصرة. لهذا، يصبح السؤال: هل تتقاتل هذه القوى فعلياً؟ هل تقاتل أميركا الإرهاب؟ يبدو ذلك، لكن الإرهاب صناعتها، ولهذا يصبح السؤال عن قتالها هذا الإرهاب الذي صنعته. هنا نلمس سعيها إلى العودة إلى السيطرة على العراق، وإبعاد إيران عنها، وإعادة تموضع قوات لها في العراق، كما قرّرت منذ بدء احتلال البلد. وفي سورية تمكين أكراد متعاونين معها، أي "قوات سورية الديمقراطية"، في إطار التفاهم مع روسيا، حيث كان واضحاً "اعتراف" أميركا بأحقية روسيا في سورية منذ سنة 2012.

"ليس هناك ثورة كما يُراد أن يقال، وكما جرى الاشتغال عليه منذ البدء. بالتالي، هي حرب عالمية ضد الإرهاب على الأرض السورية (والعراقية) وليس غير ذلك"

لكن، ماذا تفعل كل تلك القوى التي "تتقاتل" في سورية؟ هناك جبهة النظام ضد الثورة، وتشمل قوات حزب الله والمليشيا الطائفية العراقية والحرس الثوري الإيراني، والأفغان وغيرهم، وكذلك القوات الجوية الروسية، وقوات برية أيضاً. وقد تركزت معاركها ضد الكتائب المسلحة التي نتجت عن التظاهرات، وبعض المجموعات الأصولية (أحرار الشام وجيش الإسلام ومجموعات أخرى). وهناك جبهة داعش و"النصرة" التي قاتلت كتائب الثورة ونشطاءها، ولعبت دور المعتقل والقاتل لكثير من كادراتها، وأيضاً فرضت سلطةً أصولية قروسطية على مناطق سيطرتها. وبينما ظهر أن جبهة النصرة تقاتل النظام كان "داعش" بعيداً عن ذلك. حيث يظهر أن معظم معاركه هي مع قوى الثورة، وخاض "معارك" مع قوات النظام، كان يبدو أنها مرتبةٌ سلفاً لأسباب متعددة. في كل الأحوال، فإن أغلب عملياته تركزت على مواجهة الكتائب المسلحة التي تقاتل النظام. ولعبت جبهة النصرة دور "المخرِّب" من داخل مناطق الثورة، سواء بقتل النشطاء أو بتوريط الكتائب الأخرى في معارك خاسرة، أو قضم تلك الكتائب. وكان واضحاً أنها قوى "مزروعة" لخدمة تدمير الثورة. أما حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) فقد عمل على السيطرة على مناطق الجزيرة السورية، وكان يريد التمدّد إلى شمال غرب سورية (عفرين)، لكي يكون كل شمال سورية وشمال شرقها فيدرالية روجافا. وهو لذلك كان يتعاون مع من يخدم هذه الفكرة، على الرغم من أن اعتماده الأساسي كان وما زال على أميركا، لكنه تعاون مع الروس ومع النظام في مناطق عديدة. بينما تركزت عمليات حلفاء النظام على مواجهة الكتائب المسلحة، وكان الهدف تصفيتها، واسترجاع المناطق التي تسيطر عليها.

يظهر واضحا في كل هذه الصورة أن كل المعارك كانت تهدف إلى تدمير قوى الثورة، والفصائل الأصولية (أحرار الشام وجيش الإسلام ومجموعات أخرى) التي تقاتل النظام بالتحديد. ولم يكن من قتال بينها، لا بين أميركا و"داعش"، ولا النظام وحلفائه مع "داعش" وجبهة النصرة. وظهرت هذه الفصائل الأصولية أنها خاضعة لسياسات دول إقليمية، وتلتزم بالسياسات التي تقرّرها. وأن قتالها النظام أو فيما بينها هو نتيجة حسابات تلك الدول.

إذن، أين الثورة، وأين الشعب؟ هو الذي ينسحق بصراعات كل هؤلاء، لكنه مصمم على استمرار الثورة.

========================

ماذا تبقَّى من أوراق بيد الشعب السوري .. عبد الله كدو

 كلنا شركاء

الاثنين 12/6/2017

تبينَ للقاصي والدّاني، خلال مرحلة الحرب الباردة التي بدأت بُعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية، بأن الأنظمة الحاكمة في معظم دول العالم الثالث، ومنها الأنظمة التوتاليتارية في المنطقة العربية قد تغولت بما لم تترك لشعوبها من إمكانات و وسائل لممارسة أي نشاط معارض، و بأي أسلوب بما فيه ” اللّاعنف ” للدفاع عن حقوقها المسلوبة من قبل حكوماتها التي صادرت السلطة والثروة، ذلك بعد أن أتت على ما تبقى من إرث مدني، مؤسساتي عن حقبة ” الأنظمة الاستعمارية ” التي حكمت هذه البلدان باسم الوصاية أو الانتداب أو .. ، حيث تحولت إلى دول أمنية صرفة، بعد أن ذوّبت السلطتين التشريعية و القضائية في السلطة التنفيذية التي تمت إدارتها بقبضة حديدية مخابراتية خفية من وراء الستار، و كذلك بعد حظر الأحزاب المعارضة و إفراغ الأحزاب السياسية الموالية ، بما فيها تلك الحاكمة من أي محتوى، و تجريدها من أي صلاحيات إدارية أو سياسية، ، لتظل صورية شاهدة زور على قمع عارٍ بحق، ليس من يعارضها و حسب إنما، من لا يصفق لها مبتسماً.

عندما قامت الولايات المتحدة الأمريكية بضرب عراق صدام حسين ، ضمن قوات التحالف الدولي في عام 2003 ، كان لسان حال شعوب المنطقة تقول جهاراً نهاراً، دون أي حرج ، إننا في انتظار جيوش جورج بوش الإبن، حيث كان الكل يشبِّه الشعب العراقي بالطائر المُدجَّن الذي قصَّ صاحبه ريش جناحيه لمنعه، لا من الطيران فقط إنما، من القفز أيضاً، و لاقى سقوط عراق صدام الاستحسان من قبل الشعب العراقي و الشعوب المجاورة، باستثناء حفنة من القومويين و الإسلامويين و اليساريين ذوي العقول المتكلسة، ممن يطلبون من الشعوب أن تحني رقابها لإيديولوجياتهم الجامدة، وكأنهم أمام نصوص دينية.

و الآن ماذا عن الشعب السوري الذي تمّ تدجينه بالترهيب والترغيب، حتى صار يكرر طلاب سوريا و جيشها كل صباح شعار” قائدنا إلى الأبد الأمين حافظ الأسد” في تحدّ سافر للأصوات المطالبة بالديمقراطية و المشاركة في حكم سوريا، وبعد استلام  الأسد الابن مقاليد الحكم، قطع الحاكم الجديد الشك باليقين، ليظهر على أن سوريا ليست جمهورية عملياً ، وهي ليست ملكية نظرياً، و عليه أصبح تحديد نوع نظام الحكم في سوريا مجالاً للتندر، و سُمي النظام الجديد    بالنظام ” الجملوكي” في إشارة ساخرة إلى تمازج صفات الجمهوري المنتخب رسمياً و الملكي الوراثي .

أما على الصعيد الخارجي ، الكل يتذكر كيف أن النظام السوري ظل موالياً لإيران الخمينية في خلال حرب الخليج الأولى حيث أن عملية الصراع الطائفي كان يتم نسج خيوطها بعناية، و بعد أن انطلق ربيع الثورات العربية تبين أن لسوريا خصوصيتها من حيث تشابك ارتباطاتها مع دول الإقليمية، إضافة إلى مصير حالة المهادنة و ضبط الحدود السورية الإسرائيلية منذ ما بعد حرب تشرين لغاية تاريخ انطلاقة الثورة السورية القائمة.

لقد بدا جلياً أن عامة الشعب السوري لم يتمكن من فك رموز المعادلة السياسية السورية إلا بعد انطلاقة ثورته، حيث تبين جلياً بأنه ثمة تدخل خارجي كبير يقف وراء استمرار احتكار السلطة والثروة في البلاد، وما على السوريين الآن إلا الكف عن السياسة التي اعتمدوها سابقا، و التي أثبتت فشلها على مدى ستين عام ،حيث كانت من منظور إسلاموي أو قوموي أو يساري عروبي، و لم تنتج سوى الشقاق بين مختلف مكونات الشعب السوري ، وعلى العكس، عليه الالتفات إلى الواقع الموضوعي الذي يستوجب القيام بصياغة عقد اجتماعي جديد، يتوافق عليه السوريين، ليعيدهم إلى أجواء الثقة والأمل التي سادت في مرحلة بداية الاستقلال الوطني، الاستقلال الذي شارك فيه جميع المكونات الوطنية في البلاد، واعتماد نهج ديمقراطي علماني يحترم حالة التعددية القومية و الدينية والسياسية و الثقافية، و يقبل إشراك المرأة في الحياة السياسية و الثقافية و غيرها، ما يطمئن دول الجوار وغيرها من الدول ذات الشأن أيضا، كمقدمة لتقديم البديل السياسي الذي يثق به مختلف الأطراف المعنية ، و تبدأ إيقاف المحرقة القائمة في سوريا منذ أكثر من ست سنوات، ليستأنف الشعب السوري مسيرته التنموية المتوقفة، و الحد من احتمالات استخدام سوريا ساحة مقايضة للقوى المتربصة بها، و احترام الامتدادات القومية والدينية والاجتماعية لمختلف المكونات الوطنية السورية خارج البلاد، و اعتماد سياسة خارجية قائمة على صيانة السلم و حسن الجوار.

========================

تطييف لا طوائف ولا طائفية .. ياسين الحاج صالح

 القدس العربي

الاثنين 12/6/2017

يتحدى كتاب «تطييف: رسم خرائط السياسات الجديدة في الشرق الأوسط»، أطروحات سائدة في فهم الصراعات الجارية في منطقتنا، تردها إلى صراع سني شيعي ينبع من واقعة وجود السنة والشيعة، أو بصورة أوسع إلى صراعات طائفية، تنبثق من تكوين مجتمعات الإقليم. الكتاب الذي حرره نادر هاشمي وداني بوستل من مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة دنفر الأمريكية، يتألف من مقدمة للمحررين، ومن 14 بحثاً، توزعت على قسمين. يعتني القسم الأول بالتطييف من منظور تاريخي وجيوسياسي ونظري، تتصدره مقالة مهمة لأسامة مقدسي عن بدايات ظهور الطائفية الحديثة في القرن التاسع عشر العثماني، فيما تختبر تسعة أبحاث في القسم الثاني أطرحة التطييف في بلدان مثل باكستان والعراق وسوريا والسعوية وإيران واليمن والبحرين ولبنان والكويت، وتهتم خاتمة الكتاب ببناء السلام في صراعات مطيفة.

هذا العرض التعريفي الوجيز يقتصر على تناول مقدمة المحرريْن، وعلى البحث المخصص لسوريا في المتن.

عنوان الكتاب «Sectarianization» أي تطييف، يكثف بكلمة واحدة أطروحة المحررين: يجري تطييف صراعات اجتماعية وسياسية راهنة، بمبادرة من نخب نافذة، خاصة نخب السلطة في بلدان المنطقة، وليست تلك الصراعات نتاجاً طبيعياً لوجود طوائف على ما يفضل الاعتقاد أمثال باراك أوباما الذي تكلم غير مرة على «اختلافات طائفية قديمة» أو على «انقسامات قديمة» كتفسير للصراع السوري، وأعاد جذور هذه الصراعات إلى «ألوف السنين»؛ أو مثل السناتور تِد كروز الذي رأى أن «السنة والشيعة منخرطون في صراع أهلي طائفي منذ العام  632» (يعني منذ لحظة وفاة الرسول)؛ وتفوق عليهما معاً المعلق التلفزيوني الأمريكي بيل أورايلي الذي يبدو متيقناً مما يقول: «السنة والشيعة يريدون قتل بعضهم. يريدون تفجير بعضهم. يريد الواحد منهم تعذيب الآخر. يستمتعون بذلك… هذا ما قال لهم الله أن يفعلوا، وهذا ما يفعلون»؛ الله حاضر أيضا فيما اقترحته سارة بالين، حاكمة ألاسكا، على السياسة الأمريكية من وجوب «ترك تصريف هذا الشأن لله».

لكن خلافاً لنظرية المؤسسة الأمريكية هذه، الطوائف أقرب إلى نتاج للصراع منها إلى ذواتها المستنفرة دوماً للانقضاض على أعناق بعضها. «التطييف» يقول هاشمي وبوستل، هو «عملية يرتبها فاعلون سياسيون يعملون في سياقات محددة، بغرض تحقيق أهداف سياسية تقتضي تعبئة شعبية حول سمات هوياتية معينة، دينية تحديداً». وللتسلطية السياسية موقع مركزي في أطروحة التطييف. التسلطية، وليس اللاهوت، هي العامل الحاسم الذي يشكل عملية التطييف. وقد «تعمدت النظم التسلطية في الشرق الأوسط استغلال الهويات الطائفية بصور متنوعة كاستراتيجية لحرف مطالب التغيير السياسي بعيداً عنها ولإدامة سلطتها». وبعبارة أخرى، فإن «الصراع الطائفي في الشرق الأوسط اليوم هو استمرار لنظم الحكم القائمة، وذلك عن طريق التعبئة الهوياتية».

 ويميز المحرران بين ثلاث مدارس عرفتها العلوم الاجتماعية فيما يخص التعبئة القومية الإثنية، أو الدينية الإثنية: المدرسة الدائمية التي ترى أن «حس الهوية عضوي» عند الجماعات، وأنه «مترسخ بعمق في العلاقات الاجتماعية وفي السيكولوجية البشرية». وتنزع هذه المدرسة التي صدر عنها الاستشراق في عمومه وعمل على ترسيخها إلى ترويج تفسيرات من صنف ما سبق ذكره على ألسنة مسؤولين وإعلاميين أمريكيين، أي اشتقاق الصراعات الإثنية والدينية من تكوينات قديمة ودائمة للجماعات. وفي فصل نظري تاريخي كتبه أسامة مقدسي في بداية القسم الأول من الكتاب، يذكر اسمي كل من المستشرق الأمريكي برنارد لويس والشاعر السوري أدونيس كمثالين على هذه المقاربة. المدرسة الثانية هي الأداتية، وهي تقترح أن الروابط الدينية الإثنية «مطواعة»، وميسرة لـ»التلاعب» بها في العمليات السياسية. «التعبئة الدينية الإثنية هي أداة في خدمة الفاعلين القادرين على تقديم مصالحهم السياسية والاقتصادية من خلال القيام بدور رواد مشاريع سياسية». وعليه، تعتبر المدرسة الأداتية الطوائف أدوات في الصراع السياسي تستخدمها النخب لمصالحها. المدرسة الثالثة هي البنائية، و»يرى مناصرو هذه النظرية أن الهوية الدينية أو الإثنية ليست ثابتة، وإنما هي بناء سياسي قائم على شبكة كثيفة من العلاقات الاجتماعية المشكلة لسياق الحداثة». ولا يؤمن البنائيون بأن النزاع متأصل في الإثنية أو الدين، بل هو ينبع من «نظم اجتماعية مريضة» ومن «بنى للفرص السياسية» مولدة للنزاع عبر «تشققات اجتماعية متعددة تتجاوز قدرة الأفراد على التحكم».

أطروحة الكتاب، التطييف، تنحاز إلى هذه المدرسة الثالثة، لتكون الطوائف بناءات اجتماعية تتشكل في الصراع، وليكون المدخل إلى فهم الصراعات الطائفية ليس وجود «طائفة» سنية وأخرى شيعية مثلاً، أو وجود مسلمين ومسيحيين، بل الصراعات السياسية على السلطة والموارد. وكمثال داعم لأطروحتهما، يذكر المحرران أنه بعد حرب 2006 الإسرائيلية على لبنان أظهر «سبر للرأي العام أن حسن نصرالله (الشيعي) هو القائد الأكثر شعبية في المنطقة (ذات الأكثرية السنية)، وهي واقعة تظهر الهوة بين الدولة والمجتمع في العالم العربي، وكيف أن مناهضة الامبريالية تتغلب على الهوية الطائفية على المستوى الشعبي حينذاك».

أطروحة الكتاب مناسبة جداً لإضاءة الصراع السوري، لكن البحث المخصص لسوريا: الأمة المحطمة: تطييف الصراع السوري، وقد كتبه باولو غابرييل حلو (أو هلو) بنتو، أضاع الأطروحة في تناول تقليدي يحاول أن يكون عادلاً دون معرفة، وعارفاً دون عدالة، فيضيع ويُضيِّع، ولا يكاد يضيف شيئا عما يمكن أن يقوله أي باحث غربي قرأ مقالات وكتباً (ليست كثيرة) عن سوريا. يقرر الرجل منذ البداية تقريباً أنه «مما لا جدال فيه أن المحتجين السوريين استنفروا إحالات دينية منذ بداية الانتفاضة». بل هناك كثير من الجدال في ذلك وكثير من الحاجة للتدقيق والاستدراك. يتكلم بنتو على «وطنية دينية» سورية يقول إن النظام رعاها لنيل الدعم من المسلمين الورعين وقت كان الضغط الدولي يشتد على سوريا إثر اغتيال الحريري. يبدو لي هذا كلاماً «أجنبياً» وانطباعياً إلى أقصى حد، مبنياً على مشاهدات سطحية، تخلط بين عناصر إعلامية ورمزية يجري توظيفها سياسياً وبين البنى السياسية والمؤسسية التي ظلت كما كانت متمركزة حول النظام وشخص الرئيس. الكلام على وطنية دينية سورية بعد عام 2005 في «سوريا الأسد»، وهو فكرة رئيسية في بحث بنتو، يبيح لنا التساؤل عما إذا لم يكن بنتو ضحية تلاعب إيديولوجي لم ينطل على أحد من السوريين. كنا نحتاج إلى من يزيل حجب التضليل في التفكير في الشأن السوري، لا لمن يكتب جاداً أن بشار الأسد ونظامه عملا من أجل «وطنية دينية سورية»، إسلامية فيما يبدو.

ويعطي الكاتب انطباعاً بأن المظاهرات السورية خرجت من الجوامع لأنها لم تستطع الإشغال الدائم لفضاءات عامة مدينية. هذا خلط انطباعي بدوره: خرجت مظاهرات من جوامع فعلاً، لكن مظاهرات كثيرة لم تخرج من جوامع، ومنها خاصة تلك التي حاولت احتلال ساحات رئيسية. ويخطئ بنتو أو ربما تعرض لتضليل من مصادر معلوماته حين يقول «إن جغرافيا الاحتجاجات تتراكب جزئيا مع المناطق التي تحوز السلفية فيها حضورا أقوى، مثل حوران ووادي الفرات وإدلب وظواهر المدن الكبرى». الرجل لا يحيل إلى أي مصدر لدعم ما يقول، ولا يحيل إلى سوريين، ويكشف عن جهل مؤسف حين يعتقد أن منطقة حوض الفرات (نتكلم على ما قد يقترب من ثلث مساحة البلد) أو حوران، أو حتى إدلب، كان فيها حضور سلفي قوي قبل الثورة. الواقع أن كل ما كتبه بنتو يظهر قلة معرفة الرجل بسوريا ومجتمعها، واعتماده إما على مصادر تعرف القليل بدورها، أو على مقالات في الصحف. يأسف المرء أن مادة عن التطييف في سوريا لم يكتبها سوري، أو أقله باحث غربي معروف بمعرفته بسوريا (ترد على البال أسماء كثيرة). إحدى مشكلات تناول الشرق الأوسط في العلوم الاجتماعية في الغرب أن المعنيين ليسوا هم من يكتبون عن بلدانهم. هذا هو مصدر الانطباعية الشائعة، وهو في رأيي يتوافق مع المدرسة الدائمية التي يتكلم عليها هاشمي وبوستل في مقدمة الكتاب. بنتو لا يبدو أنه يقرأ العربية، وهو لا يحيل إلى مصدر سوري واحد تناول قضية الطائفية أو أي جانب من جوانب الثورة السورية، أو الحياة السياسية السورية عموماً. مصادره كتابات غربية، ومقابلات بشار الأسد ووسائل إعلامه بالانكليزية. لا أقول إنه يجب كف يد غربيين عن الكتابة عن سوريا مثلاً، لكن سيكون أمراُ طيباً أن يكتب سوريون أكثر.

ليس بحث بنتو خاليا من القيمة على كل حال. يتكلم محقاً على «التوزيع الطائفي للعنف» بغرض «تعميق الشروخ الطائفية بين المحتجين وتقسيمهم وعزلهم». لكن في افتقار تام إلى الحس السياسي والتاريخي، يعود بعد ذلك إلى الكلام على «طرفين» (النظام وطرف آخر غير محدد، لكنه يبدو متجانساً) يوزعان الهويات الدينية على الأراضي التي يسيطران عليها بهدف إنتاج مناطق متجانسة، ويضيف شيئاً عن «منطق العنف والانتقام الذي يمزق النسيج الاجتماعي» الذي تزعم كل «الأطراف» الحرض عليه! أسلوباً ومضموناً، هذا كلام يفتقر إلى حس الزمن، إلى حس التفاصيل، إلى حس الموقع، إلى كل شيء تقريباً.

على أن الكتاب بالغ الأهمية رغم ذلك، ليس في أطروحته الرئيسية فقط، ولكن في أكثر أبحاثه. إنوّه بخاصة ببحث والي نصر عن باكستان: السياسات الدولية، الإلزامات المحلية، والتعبئة الهوياتية: الطائفية في باكستان 1979-1998؛ وبحث ستيسي فلبريك ناداف عن البحرين: التطييف والأمننة: سياسة الهوية والثورة المضادة في البحرين؛ وبحث إسكندر صادقي بروجردي عن إيران: العمق الاستراتيجي، مكافحة التمرد ومنطق التطييف: العقيدة الأمنية لجمهورية إيران الإسلامية وتضميناتها الإقليمية.

========================

نحن السوريين الذين صبغنا البغل .. خطيب بدلة

العربي الجديد

الاحد 11/6/2017

الشعب السوري طيّب وحبّاب، لا شك، هذا هو الغالب الأعم، ولكن هناك استثناءات ووجود الاستثناءات طبيعي، وضروري لصناعة الأخبار، فالأخبار لا يصنعها الطيّبون الحبّابون الذين يذهبون إلى عملهم في الصباح، ويرجعون إلى بيوتهم في المساء، ويُصَلُّون العشاء وينامون، لكي يستيقظوا باكراً في اليوم التالي، ويذهبوا إلى العمل. وإنما يصنعها الشطار والشواذّ، وكذلك المجرمون.  خطرت لي، قبل مدة، فكرة برنامج تلفزيوني كارتون (Animation) بعنوان "أقوال مأسورة"، فيه حلقة تبدأ من القول إنه إذا كان "كل الناس خيرا وبركة" فمن هم الذين يستغلون، ويسرقون، ويُزَوِّرُون، ويَغْسلون الأموال، ويُشَلِّحون الناس على الحواجز، ويسرقون الإغاثة، ويتاجرون بالنازحين، ويغتصبون النساء في المعتقلات، ويميتون الشبان تحت التعذيب، ويلقون البراميل المتفجرّة والأسلحة الكيماوية على المدنيين العُزَّل؟

ذات مرة، حينما كنت أعمل في السياسة، وقف أحد السادة المحترمين مدافعاً عن جبهة النصرة، فقال ما معناه إن معظم عناصر "داعش" مهاجرون لا تُعْرَفُ قَرْعَاتُ آبائهم من أين، بينما عناصرُ جبهة النصرة، وهنا رقّ صوته وعَذُبَ، سوريون، أبناء بلدنا. تذكّرت، لحظتئذ، الممثل سلوم حداد، حينما استهل حديثه، في إحدى مقابلاته التلفزيونية، قائلاً إنه، وبينما هو داخلٌ من الباب الخارجي للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، وقع بصرُه على العسكري (السوري) الذي يحرس المبنى، فلاحظ أن وجهه كله رقة، وحنية، وشهامة، ورجولة، وبطولة، و.. انفلت سلوم بالبكاء، فأضحكني ذلك، ليقيني أن العسكري المذكور "عايف رد السلام" من البرد، وقلة الراتب، وندرة الدسم في الطعام، ولؤم رئيسه المباشر، والخوف من أن يرتكب خطأ غير مقصود يؤدي به إلى السجن، ثم الموت تحت التعذيب تحت أيدي مخابرات "سورية الأسد".

قلت لزميلنا صاحب النظرية القائلة إن "النصرة" غير "داعش" لأن أفرادها سوريون: يا سيدي، حافظ، ورفعت، وماهر، وفواز، وبشار الأسد سوريون، وكذلك رامي مخلوف وعمران الزعبي وسهيل الحسن وبثينة شعبان وربى الحجلي، والطيار الذي ألقى الكيماوي على الغوطة وخان شيخون سوريون.

في قديم الزمان، بحسب ما يروي لنا كبارُنا، اشترى أحد السوريين، واسمه دَرْوَشَان بغلاً أحمرَ فتياً، ومضى به إلى البيت، مؤملاً أن يعينه (البغلُ) على تكاليف الحياة، فينقل معه الماء، والحطب، والأمتعة المنزلية، ويركب هو عليه حينما يكون متعباً. ولكن البغل، بعدما أطعمه دروشان وجبة تبنٍ وشعير لذيذة، شرع يثبت قائمتيه الأماميتين، ويرفس مَنْ يقترب منه رفسةً مزدوجةً تجعلُ أسنانَه الأماميةَ تطير. وفي ذلك النهار، استقبل طبيبُ الأسنان الوحيد الموجود في القرية أشخاصاً ممن فتح لهم بغلُ دروشان نوافذ مختلفة الأشكال في واجهاتهم، لأنهم اقتربوا منه، معتقدين أنه بغلٌ عاقلٌ وحبّاب.. حزن الأخ السوري دروشان، لوقوعه ضحية غشٍّ حقيرة، دبرها ابن بلده الذي باعه البغل، وقرّر أن يردّ له الصاع صاعين، وما كان منه إلا أن صبغ البغل باللون الأصفر، وسقاه كميةً لا يستهان بها من الحشيش، ونزل به إلى البازار، وباعه لأحدهم على أنه بغلٌ طيبٌ وحبّابٌ (مثل سهيل الحسن). وكان البغل، لحظتئذ، مسطولاً بفعل الحشيش، حتى إذا أخذه صاحبُه الجديد إلى البيت، صحا، وبدأ يفتح لمن يقترب منه نوافذ صغيرة في واجهاتهم، ويرسلهم معزّزين مكرّمين إلى طبيب الأسنان.

مضى علينا نيفٌ وست سنوات، والثورة مستمرة، مع ما رافقها من قتلٍ وتخريبٍ وتهجير، وما زال السوريون المؤيدون للنظام يَسحبون من الأسواق الأشياءَ والظواهر التي يتأفّف منها الشعب في مناطقهم، ثم يعيدونها إليهم مسطولةً ومصبوغة، وعاقلة، ومحتشمة، وكذلك الحال في المناطق التي يُفترض أنه أصبح يديرها أبناء الشعب، فعلى الرغم من أن كثيرين ينطبق عليهم القول المأثور، خير وبركة، إلا أن بعضَ تجار الحروب والنّصابين يصرّون على جعل البغال "تكيف"، وتظهر أمام الشعب عاقلة وحبّابة.

========================

لكنْ ما الذي تبقى من حزب «البعث» وهويته القومية؟ .. أكرم البني

الحياة

الاحد 11/6/2017

الغريب أن ثمة بقايا روح عند حزب البعث كي يعقد مؤتمره القومي في دمشق بعد عقود من التأخير، وبحضور من سمّوا قيادات بعثية قطرية من عدة دول عربية. والأغرب هو المشاحنات العنيفة التي شهدها المؤتمر وخروجه بقرار حل القيادة القومية للحزب بشكل نهائي، والاستعاضة عنها بمكتب قومي استشاري. والأكثر غرابة ما ذكرته وسائل الإعلام الرسمية عن سبب الحل، وهو غياب دور القيادة القومية وعدم قدرتها على ضبط الأمور الأمنية في البلاد!

منطقياً، كان الأجدى اتخاذ قرار بحل الحزب، ليس فقط لأنه خان الشعارات التي رفعها، وتحول إلى أداة قهر وإفساد بيد النظام الحاكم، أو لأنه فقد مشروعيته القومية بعد هزيمة حزيران (يونيو) 1967، والتي تمر ذكراها الخمسون، هذه الأيام، وإنما الأهم لأن رياح الربيع العربي، أكملت الإجهاز عليه، معلنة نهاية مرحلة طويلة تصدرت فيها الشعارات القومية المشهد، أو معلنة، ربما، بداية تبلور إرهاصات لفكر قومي جديد غني بعمقه الحضاري وبقيم الديموقراطية وحقوق الإنسان.

لم تكن صدفة أن تتصدر قضايا الحرية والكرامة والعدالة، شعارات الثورة وخطاباتها، كنتيجة طبيعية لانحسار الفكر القومي لدى السوريين، وتراجع إيمانهم بدوره كحافز نضالي وتغييري، وهم الذين كابدوا كثيراً من ما آلت إليه أوضاعهم ومن النتائج المريرة التي حصدتها سنوات طويلة من تغليب النضال القومي على كل شي، ما يفسر ليس فقط شدة رفضهم لسلطة الاستبداد القائمة وإنما أيضاً للمسوغات الأيديولوجية التي تسوغ استمرارها في الحكم.

وتالياً لم تكن مصادفة أن تتقدم مشهد الثورة، التيارات الليبرالية بداية، ثم الإسلامية فيما بعد، وأن تكون قوى المعارضة، التي لا تزال تتعاطى وفق المنظور القومي وشعاراته، هي الطرف الأضعف حضوراً وتأثيراً في الحراك الثوري، وأن تتكشف صورة لمجتمع لا تعضده آمال قومية وهوية وطنية دأبت السلطة على التغني بهما، بل تنهشه اصطفافات عصبية مريضة ومتخلفة، جراء توسل النظام الشمولي الشعارات القومية والوطنية، لتسويغ القمع والتنكيل وحماية مراتع الفساد والامتيازات الفئوية.

هو حزب البعث الذي احتلت الألوف المؤلفة من قواعده، خصوصاً من أبناء الفلاحين والعمال وصغار الكسبة، الصفوف الأولى في الاحتجاجات والتظاهرات ضد فساد السلطة وعنفها المفرط وقدموا أثمن التضحيات، ليصح القول إن الحركات الإسلامية ما كان لها أن تحوز موقعاً وازناً لولا أنها كسبت فئات شعبية واسعة فقدت ثقتها بحزب البعث والفكر القومي وانسلخت بصورة جماعية عنهما، معتقدة أن الخيار الديني يشكل بديلاً سياسياً وملاذاً روحياً يعينها على مواجهة واقع القهر والاستبداد وأوضاع تنموية ومعيشية مذرية.

هو حزب البعث الذي استسهل أهله التخلي دستورياً عن دوره كحزب قائد للدولة والمجتمع، ولم يعد يسمع لهيئاته وكوادره أي صوت مؤثر في الصراع الدائر، وهو الحزب القومي الذي بادرت سلطته لفتح النار على المبادرات العربية الساعية لمحاصرة تفاقم المحنة السورية واحتوائها، واستجرت لمواجهة شعبها ما حلا لها من الأطراف الإقليمية والدولية، لتمكن الأجنبي المعادي للعرب وطموحاتهم، كإيران وتركيا وروسيا، من تقرير مصير البلاد والمنطقة، وأيضاً هو الحزب الذي دأبت قيادته على تأجيج العصبيات القومية والمذهبية عبر ممارسات مغرقة بالشوفينية واضطهاد الآخر المختلف، ثم توظيف عنفها المفرط واستفزازاتها الطائفية لتنفير البشر من وطنهم ودفعهم للهروب بحثاً عن حياة آمنة وكريمة.

واستدراكاً، هو الحزب الذي قادت سلطته أعنف ثورة مضادة لتحطيم آمال الشعب السوري في التغيير والحرية، واستباحت أشنع وسائل الفتك وأشدها عنفاً وتدميراً للدفاع عن سطوتها وامتيازاتها حتى لو كان الخراب والطوفان، ليغدو أحد وجوه الوفاء لما قدم من تضحيات، هو المسارعة لإطلاق رصاصة الرحمة على حزب البعث وفكره القومي الشوفيني في لحظات احتضارهما، رفضاً لإدمانهما اللاعقلانية وتغليب الغرائز والانفعالات على الواقع الملموس والتحليل الموضوعي، ورفضاً للأوهام والمنفخات الفارغة والجذور المريضة الفكرية والبنيوية التي حاولا أن يستمدا منها حضورهما، والأهم رفضاً لاستمرار دوريهما كأداة قهر وإذلال لمصلحة نظام ازدرى الشرعية الديموقراطية، وكرس سلطانه بشرعية ديماغوجية لا تهتم بالتأسيس لدولة المواطنة والمؤسسات واحترام حقوق الإنسان، بل تتوسل شعارات تدعي الممانعة وتحرير فلسطين وردع المطامع الإمبريالية والصهيونية كي توطد دعائم الاستبداد وتلغي الحريات العامة والتعددية السياسية وتداول السلطة.

وفي المقابل، ربما يكمن أحد وجوه التفاؤل بالرهان على تقدم مصلحة غالبية السوريين، مع تفاقم معاناتهم وضيق خياراتهم، في لجوئهم للتمسك بهويتهم ووحدتهم وتعدديتهم على طريق خلاصهم من الاستبداد والاستباحة الخارجية وخيار الإسلاموية السياسية، وربما يكمن أحد وجوه الأمل، في أن تتبلور في سورية التي اعتبرت، في ما مضى، أهم قلاع القومية العربية، وأنجبت أبرز منظري الفكر القومي وأكثرهم شهرة، ولم تتأخر في التخلي عن هويتها وخصوصيتها لتلبية نداء أول وحدة عربية عرفها التاريخ الحديث، أن تتبلور أفكار واجتهادات نقدية للفكر القومي تحرره من جملة التباسات أحاطت به، ومن اندفاعات شوفينية بالغة الخطورة ارتكبت باسمه، وأساساً لتؤكد حقيقة الدور الرئيس للاستبداد في تشويه الفكر القومي وتحويله إلى إيديولوجية مغلقة ومفرغة من أي بعد إنساني أو حضاري.

هو أمر لافت ومثير، انتماء غالبية أنظمة البلدان التي ناهضتها الشعوب وشهدت ثورات، كمصر وسورية واليمن وليبيا، إلى الفكر القومي، وهي حقيقة ساطعة، وجود أبعاد وروابط قومية كامنة لمستقبل التغيير العربي، اتضحت ليس فقط في قوة وعمق المشتركات وتشابه أوجه المعاناة، وإنما في التواتر الزمني لنهوض الثورات العربية والتأثيرات المتبادلة بينها، والأهم في تماثل الشعارات والمطالب وتشابه الأعداء والمآلات، ما يوفر شرطاً موضوعياً لتعاضد من طراز جديد بين الشعوب العربية، عنوانه نصرة الديموقراطية واحترام التعددية وحقوق الإنسان كطريق لا غنى عنها لحماية الخيار القومي وتمكينه في الأرض.

========================

حيث لا دولة ولا نظام .. عمر قدور

الحياة

الاحد 11/6/2017

في سعينا إلى الاختزال، نستخدم غالباً كلمة النظام على سبيل الهجاء. فالنظام، وفق هذه الدلالة الشائعة، طغمة حاكمة عن طريق القسر، لا تملك شرعية شعبية أو اجتماعية كاملة، بخلاف الدولة التي يُفترض أنها تحظى بهما. مع ذلك، يبقى مفهوم الدولة غائماً، خصوصاً مع التطورات التي طرأت على مفهوم الدولة-الأمة. المفهوم الذي بدأ تداوله مع دولة الصَهْر القومي، ثم أصبح يتضمن على نحو مجازي الدولة متعددة القوميات أو الدولة اللامركزية على اختلاف تنويعاتها.

مشكلتنا مع مفهوم الدولة تبدأ من اختزاله بمفهوم آخر هو السيادة، فحيث تتحقق الأخيرة يصبح إطلاق وصف الدولة بديهياً يشبه وصفها عندما تنضوي في مؤسسات دولية سياسية وتنال فيها العضوية الكاملة. أي أن الدولة في عمق هذا التصور هي ما يعترف به العالم ككيان سياسي وحقوقي مستقل، بصرف النظر عن تحقق الدولة داخلياً. الاعتراف الخارجي لا يميز أساساً بين الدولة أو الأنظمة، أو دول التنظيمات. سيكون طريفا حقاً أن يستخدم داعش، بالمصادفة ليس إلا، اسماً مطابقاً هو «تنظيم الدولة الإسلامية».

تجاور كلمتي تنظيم ودولة في الاسم، على ما فيهما من تفارق ونفي، يمثلان حال التنظيم ودولته، لكنهما يغريان في الوقت ذاته بالتفكير في المزيد من حالات التفارق والنفي المتبادل.

في سورية لم يعد نادراً وصف «النظام» بـ «تنظيم الدولة الأسدية»، هذا القياس على داعش يتوخى قياس الأسوأ على الأسوأ بالمعنى المباشر، ويتضمن بالطبع تنزيل مرتبة ما يدرج وصفه بالنظام إلى مجرد تنظيم. المشابهة المتوخاة تأتي أيضاً من المقارنة المباشرة بين إرهابين، والوصل بين ضفتيهما يأتي من اعتبارهما خارجين عن التمثيل الاجتماعي الذي يتضمنه مفهوم الدولة، أي أننا أمام تنظيم يغتصب مفهوم الدولة، وتنظيم آخر يغتصب دولة بكل ما فيها، حتى إذا اقتضى ذلك التضحية بسيادتها.

ثمة اعتـــــراف في هذا السياق بأن النظام انحدر إلى تنظــــيم، فهو كان محمولاً من قبل على أيديولوجيا شمـــــولية (البعث)، وكان محمولاً على وجود معسكر اشتــــراكي ملهِم وصديق، ولو كانت هذه البنية ستاراً لتحول تدريجي في مشروع الدولة والنظام معاً. كان لحدث مثل الثورة أن يكشف ذلك التحول، فما كان نظاماً انكشف عن تنظيم دموي لا يقيم أدنى اعتبار لمتطلبات المجتمع. الاستثمار الطائفي الفظ، وإن لم يأتِ من فراغ، هو توسل التنظيم مشروعية اجتماعية ضيقة، إثر انكشافه على النطاق الأوسع.

إذا قلنا بأن الدولة-الأمة، من دون تلبيس الأمة مفهــــومـــاً قومياً، هي في الأصل كيان مطابق لمجتمعه، فالنظام (بالمقارنة) ينزاح دلالياً ليأخذ صفة قسر ما للمجتمع، والنظام أكثر ما ينطبق دلالياً على الأنظمة التوتاليتارية. هكذا على الأقل هو المفهوم السلبي السائد لتعبير النظام غربياً، والركن المفتقد فيه هو عدم مجيئه جرّاء مجموع الإرادات الحرة كما استقر الحال في الدول. غياب الديموقراطية، بوصفها شرطاً من شروط الدولة الحديثة، يُستعاض عنه غالباً بمشاريع للهندسة الاجتماعية تحت أيديولوجيات تنقض مطابقة الدولة للمجتمع. العداء هنا ليس طارئاً، السلوك الميليشياوي الحالي تحصيل حاصل، فنظام البعث مثلاً تأسس على العداء لسورية كدولة بتصغيرها إلى قُطر من الوطن الكبير، وتكفّل بنفي الجماعات الإثنية المخالفة حيث لم تعد هناك دولة مطابقة للاختلاف.

نظرياً، قد نستطيع نسب الكيانات المعاصرة الموجودة إلى ثلاث أرومات رئيسة، الدول والأنظمة ودول التنظيمات. الأولى منها هي التي حققت استقراراً مديداً بوجودها المستند على عقد اجتماعي حر، أما الأنظمة فهي «ظاهراً على الأقل» مشروعُ تمثّلٍ لعهد أسبق كانت فيه الدولة تمتلك ميزات أكثر قسرية، إلى هذه الأنظمة تنتمي ديكتاتوريات غربية آفلة، والبعض من ديكتاتوريات أميركا اللاتينية والآسيوية الذي سار في طريق الديموقراطية بلا عودة حتى الآن.

التمييز سيصبح ضرورياً إذا تحدثنا اليوم مثلاً عن نظام بوتين، أو عن النظام الصيني، مقارنة بـ «نظام الأسد» وما يشابهه، وأيضاً إذا قارنا بين النظامين ودول الديموقراطيات العريقة. وإذا كانت هذه المقارنة تستدعي تصنيفاً قديماً معروفاً بين العوالم الأول والثاني والثالث فهي ذات مضمون مختلف، لأن بعض أنظمة العالم الثاني اتجه ليكون دولاً ديموقراطية، وكذلك فعل بعض أنظمة العالم الثالث، وكما سلف هناك أنظمة انحدرت لتكون تنظيمات.

في دول الثورات العربية خصوصاً ثبـــــت بالدلـــيل «الـفاجر» أننا لم نكن إزاء أنظمة، كما ظننا أو توقعـــــنا. هناك تنظيمات دول على قياس التسمية الداعشية، حيث توافرت بكثافة النية الجرمية لدى هذه التنظيمات كي تدمر مجتمعاتها، في دلالة مناقـــضة كلياً لمفهوم الدولة. وربما يكون أحد أسباب الثــــورات ذلك الانحدار المريع من مشروع النظام إلى التنظيم حيث تحتكر عصبة، بالمعنى المبتذل لا بمعنــــى الطبقة السياسية، كافة الفضاءات السياسية والمجتمعية والاقتصادية. من هذا الاحتكار لا يبقى لزوم للنظام، فالأخير في جانب منه أيضاً هو توليف بين العديد من المصالح الواسعة ولو لم يخلُ من القسر. لم تكن مصادفة بالطبع أن تكف التنظيمات عن ادّعائها الأيديولوجي، الذي كان لها عندما كانت مشروع أنظمة، فالسلطة بعدّها مشروعاً قائماً بذاته واحد من مظاهر التحول والتحلل.

لقد طرحت الثورات حلم الدولة، وكان ممكناً لو سمحت بنية التنظيمات المسيطرة على الحكم الوصول إلى تسوية يُستعاد من خلالها النظام كمرحلة انتقالية، إلا أن ما وصلت إليه تنظيمات الدول من رثاثة على الصعيد الوطني ونأي مطلق عن الدولة جعلا من التسوية أو التصالح مع المجتمع أمرين مستحيلين. لأسباب مختلفة، هذه هي أيضاً التسوية التي يسعى إليها العديد من القوى الدولية، إنقاذ بقايا النظام من التنظيم أو العصابة التي أجهزت عليه.

قد تذكّر التسوية المطروحة بالثورات التي أعقبتها ديكتاتوريات، لكن الرهان على تحول طغيان العصبة المشرقي إلى نظام ديكتاتوري قد لا يملك حظاً من النجاح يفوق الفرصة التي امتلكتها الثورات في النجاح. هذا الفشل المزدوج هو ما ستظهر نتائجه تباعاً بعد مضي موجة الانتشاء بطي صفحة الانتفاضات، ولن تمتلك تنظيمات الدول إجابة عليه سوى ما اعتادت على تقديمه من أسباب الدمار المقبل، ولا يُستبعد أن يصبح هذا حال من فقدوا حلم الدولة.

========================

أيها العرب لا تكرروا سيناريو الغزو العراقي للكويت! .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 10/6/2017

ليس هناك أدنى شك بأن كل شعوب المنطقة العربية كانت ومازالت محقة في المطالبة بإصلاح أنظمتها السياسية وحتى تغييرها كي تواكب البلدان التي سبقتها بأشواط على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وبالتالي فإن الثورات العربية كانت مشروعة مئة بالمئة من الناحية النظرية والعملية، فهناك مئات الأسباب التي تدعو الشعوب للثورة أو على الأقل للتململ من أجل الإصلاح إن لم نقل التغيير الشامل. لكن الذي تحقق ليس الذي تمنته وأرادته الشعوب من أجل أوطانها ومستقبلها، بل للأسف الشديد حصل الذي أرادته القوى المتربصة بأوطاننا في الداخل والخارج.

لا ريب أن من حق البعض أن يشكك بالدوافع التي وقفت وراء الأحداث التي تجتاح المنطقة منذ أكثر من سبع سنوات، لكن ليس بوسع أحد أن يتجاهل أن الثورات طال انتظارها، ولم تأت فجأة تلبية لمخططات خارجية كما يجادل الوالغون في نظرية المؤامرة، وخاصة القوميين وأنصار ما يسمى حلف الممانعة والمقاومة. لكن تطور الأحداث يجعلنا نتفق مع المشككين بأن النتيجة كانت كارثية وفي صالح أعداء الشعوب ودول المنطقة أكثر بكثير مما هي في صالح المنطقة وشعوبها. لقد كان البون شاسعاً جداً بين تطلعات الشعوب، وبين أهداف ضباع العالم الذين أوصلوا المنطقة إلى هنا لاستنزافها ونهب ثرواتها بالدرجة الأولى. ويجادل الكاتب اللبناني سامي كليب في هذا السياق: «إن لم يكتب المثقفون والإعلاميون العرب عن حقيقة وأسرار وأسباب تدمير دولنا العربية.. فهم جزء من مؤامرة رُسمت خيوطها بدقة …تبا لهؤلاء المثقفين والإعلاميين الذين يكررون ما يقال لهم كالببغاء أو الأبواق ….إن من قتل العقيد معمر القذافي هي الصفقات والمال وليس أي رغبة بحرية وديمقراطية….ومن دمر العراق هي شركات النفط . ومن يدمر اليمن هي الرغبة في استخدامه مطية لمصالح سياسية ضيقة، ومن يدمر سوريا يريد كل شيء إلا الحرية والديمقراطية …..ومن قسم السودان أراد نهب ثروات جنوبه لمصالح غربية ……ومن يدفع العرب لفتح علاقة مع إسرائيل بذريعة محاربة إيران يريد نهب ما بقي من مال عربي وجعل إسرائيل دولة لا تقهر وإنهاء ما بقي من فلسطين …صحيح أن الأنظمة عندنا فشلت وقمعت وأفقرت….لكن هذه آخر الأسباب التي لأجلها أرسلوا لنا كذبة الربيع العربي. …..لماذا من صار يوصف بالدكتاتور هو نفسه من كانت تفتح له الأبواب……ألم يفرض القذافي نصب خيمته في قلب الأليزيه؟ ألم يقبل يده رئيس وزراء إيطاليا؟»

قد نختلف مع السيد كليب والذين يشاركونه الرأي في أن الثورات كانت مشروعة تماماً، لكننا لا نستطيع أن نختلف معه بأن القوى الطامعة بالمنطقة وثرواتها كانت أهدافها معاكسة مائة بالمائة لتطلعات الشعوب وأهدافها. ما الذي يهم القوى التي اجتاحت المنطقة بعد الثورات في سوريا والعراق وليبيا واليمن وتونس ومصر؟ بالتأكيد ليس الديمقراطية ولا التغيير ولا الإصلاح، بل فقط ثروات المنطقة تحديداً، فالأمريكان سيطروا على شرق سوريا للهيمنة على حقول النفط والغاز. والروس عقدوا مع النظام صفقات للسيطرة على ثروات الساحل السوري الغازية والنفطية لربع قرن قادم. ولا شك أن عيون إسرائيل على غاز البحر المتوسط وخاصة في لبنان وسوريا. وكلنا يعرف أن من أهم أسباب الغزو الأمريكي للعراق السيطرة على ثاني مخزون نفطي في العالم. وقبل ذلك غزت أمريكا أفغانستان ليس للقضاء على الإرهاب، بل للسيطرة على ممرات النفط إلى مخزون بحر قزوين الهائل من النفط. ولعلنا نتذكر أن الأحرف الثلاثة الأولى للحملة الأمريكية على العراق كانت OIL ، أي «عملية تحرير العراق»، لكن الأحرف الأولى تعني بالانكليزية «النفط». أين ذهبت مليارات ليبيا بعد الثورة؟ وأين يذهب نفطها الآن؟ بالطبع تبخرت الميليارات في البنوك الغربية، أما النفط فقد تقاسمه ضباع العالم الذين تظاهروا بتحرير ليبيا من الطغيان. رفعوا شعار الحرية، بينما كان هدفهم نهب ثروات ليبيا وغيرها.

لقد عمدت أمريكا منذ عقود على دفع العرب كي يأكلوا بعضهم بعضاً، والهدف طبعاً إفساح المجال لها لنهب ثروات المنطقة لاحقاً بحجة التدخل من أجل حل الصراعات وإحلال الأمن والاستقرار. لقد ورطت صدام حسين في غزو العراق، فكانت النتيجة أن الكويت خسرت المليارات من صناديقها، وكذلك خسر العراق ثرواته، وأصبح نفطه تحت سيطرة أمريكا. لقد استغلت أمريكا ثروات الضحية الكويتي والجلاد العراقي من خلال لعبة الغزو الذي رتبته أمريكا عبر سفيرتها الشهيرة أيبرل غلاسبي مع صدام حسين الذي انطلت عليه اللعبة.

والآن يبدو أن العرب مستعدون أن يكرروا أخطاء التاريخ القاتلة دون أن يستفيدوا من أخطاء صدام حسين وغيره. فلو تجرأت أي دولة عربية، لا سمح الله، على غزو دولة عربية أخرى، فسيحصل ما حصل من قبل في العراق، وستكون الثروات العربية الضحية الأولى، وسيكون المتضرر الجاني والمجني عليه من العرب. تحاول أمريكا الآن أن تدفع بالعرب لمهاجمة بعضهم البعض. ومن يقع في هذا المحظور يجب أن يعلم أنه سيكون الضحية الأمريكية اللاحقة، وسيتحول بين ليلة وضحاها من جانٍ إلى مجنٍ عليه. فهل يصحو العرب قبل فوات الأوان؟

كاتب واعلامي سوري

========================

سورية مزرعة الأسد - تأليف: د. عبد الله الدهامشة - عرض: يحيى حاج يحيى

حاول المؤلف من خلال هذا الكتاب أن ينقل إلى أبناء الجيل صورة عن الفترة السوداء لحكم أسد وحزبه وأبنائه وأسرته، الذي اتخذ من سورية مزرعة، وقد شاهد هو وأمثاله مدى التخريب الذي لحق بها خلال أربعة عقود أو أكثر؟

ففي الفصل الأول (من كتب التاريخ) ابتدأ المؤلف باستعراض تاريخ سورية منذ الحرب العالمية الأولى مروراً بالاستعمار الفرنسي لها ثم العهد الوطني والوحدة مع #مصر إلى عهد الانفصال.

وفي الفصل الثاني: النظام الأسدي يحكم #سوريا تبدأ من التحرك البعثي الغامض في زمن الوحدة وانقلاب البعثيين على الوحدة وتشكيلهم لمجموعة عسكرية للوثب على الحكم وتمزيق الوحدة التي طالما رفعوا شعارها لينتقل إلى انقلاب الثامن من آذار وانقلاب البعثيين على الوحدويين من ضباط وسياسيين وتسريح الكفاءات العسكرية ثم محاولة جاسم علوان لاسترداد دور الوحدويين وفشل حركته والمذبحة التي أقامها البعثيون جهاراً نهاراً لمن كان شريكاً لهم في الانقلاب.

وينتقل المؤلف في الفصل ذاته إلى بدايات المواجهة بين الإسلاميين وبين الفئة التي تترست بحزب البعث الذي أصبح الحاكم الوحيد للبلاد، فوقف عند حركة مروان حديد في حماة واعتصامه في مسجد السلطان وأحداث الجامع الأموي في دمشق والقسوة التي واجه الحكم بها جموع المحتجين السلميين، ثم استئثارهم بالحكم وظهور فضيحة الجاسوس الإسرائيلي (كوهين) الذي اخترق رجالات الحكم والجيش ونقل المعلومات التي مهدت لنكبة 1967 ثم الاختلاف بين الانقلابيين وإقصاء أمين الحافظ والصراع بين القيادتين القومية والقطرية ووقوع حرب 1967 والموقف المخزي لوزير الدفاع آنذاك (حافظ أسد) وضباط النظام الذين كانت أجسامهم في الجبهة وقلوبهم وعيونهم على الحكم في دمشق ولعل كتاب سقوط الجولان للضابط السوري خليل مصطفى بريز فضح العصابة البعثية بالوثائق والحقائق وقد حشد المؤلف الدهامشة روايات متعددة إضافة إلى كتاب سقوط #الجولان، توثيقاً للأحداث وكشفاً للمؤامرة.

وفي الفصل الثالث (ماذا تعرف عن حافظ #أسد) استعرض المؤلف حياة هذا الضابط المغامرة وتقلبه في حزب البعث وتحريضه لرفاقه ليصفي بعضهم بعضاً ودوره في انقلاب الثامن من آذار 1963 وانضمامه للطرف الغالب بين المتصارعين ثم تخلصه من منافسه صلاح جديد، واستثماره لأحداث نكبة 1967 ليصل بعدها إلى رئاسة الجمهورية 1970 وعلاقاته المريبة بالدوائر الغربية منذ أن كان ضابطاً في مجموعة تسعى لتسلم الحكم، ويقف المؤلف طويلاً عند دخول حافظ أسد إلى لبنان ودوره المشبوه ضد المقاومة الوطنية والفلسطينية ووقوفه عند الخط الأحمر الذي رسمته أمريكا وإسرائيل، ثم يستعرض الكاتب المواجهة الثانية بين حافظ أسد والإسلاميين ثم الصراع بين الأخوين حافظ ورفعت الذي انتهى بخروج رفعت من البلاد والابتعاد عن المزرعة (سورية) ليستثمر أمواله وجهوده في الخارج ويتوقف المؤلف في الفصل الرابع عند المواجهة بين الإخوان المسلمين ونظام أسد والصراع الدامي وزج النظام بإمكانيات الدولة كلها في التخلص منهم والقضاء عليهم ويستمر الحديث عن هذا الصراع في الفصل الخامس أيضاً.

وأما الفصل السادس فقد خصه المؤلف للحديث عن رفعت أسد (ماذا تعرف عن رفعت أسد) مستعرضاً حياته في أسرته وانتقاله من ضابط صف (عريف) ليصبح ضابطاً عاملاً بعد الثامن من آذار واستهتاره بحياة الناس واستئثاره بالأموال والتهريب، ودوره في ذبح المعارضة الإسلامية (مذبحة تدمر وحماة) ومحاولته للانقلاب على أخيه 1984 ووصوله إلى مرتبة نائب رئيس الجمهورية في المزرعة سورية، ثم إخراجه من البلاد؟!

وكان الفصل السابع أطول فصول الكتاب لأنه يستعرض أهم إنجازات آل الأسد وهي المذابح التي أقاموها للشعب السوري وقد حمل الفصل عنوان (بعض مجازر النظام الأسدي) إذ استقدم الخبراء السوفييت بالعقلية الستالنية، وأنشأ العديد من الأجهزة الإضافية لقمع الشعب السوري إضافة إلى الميليشيات المسلحة وأشباه المرتزقة وركز المؤلف في هذا الفصل على أكبر المذابح (حماة – سجن تدمر – المشارقة – جسر الشغور – قرى وبلدات جبل الزاوية – اللاذقية وريفها موثقة بالوقائع والتواريخ والأرقام، وحق هذه المجازر أن تكون في كتب مستقلة وهذا ما وجدناه في كتاب (حماة مأساة العصر – تدمر المجزرة المستمرة – جرائم النظام السوري في الداخل – تقارير منظمة العفو الدولية).

ويعود المؤلف إلى مجزرة حماة في الفصل الثامن عودة إلى مأساة حماة فيتحدث عن الجو العام قبل المأساة وعن مجرى الأحداث وعن الأساليب التي ابتدعها النظام وخبراء التعذيب الذين استقدمهم وعن بطولات أهل حماة وتضحياتهم.

وفي الفصل التاسع الذي حمل عنوان (التعذيب في سجون أسد) أبرز صوراً للتعذيب مستنداً إلى ما كتبه الذين اكتووا بنار السجون والمعتقلات كما جاء في كتاب في القاع لخالد فاضل وكتاب شاهد ومشهود لمحمد سليم حماد، وتسع سنوات لهبة الدباغ، وأورد فنوناً من التعذيب تفوق بها نظام الأسرة الأسدية على كل ما عرفته البشرية في ليل تخلفها وهمجيتها.

ويختتم الكتاب في الفصل الثامن (بعد محنة 1982م) وكان أبرز ما فيه أن انفرد النظام بمدينة وبفصيل معارض ومن خلال انتفاضات قام بها الشعب السوري في 1965 – 1973 – 1980 – 1982 كانا من الأسباب التي مكنت النظام ووسعت في انتشار مجازره، كما أن الانقسامات والطرفية تزيد في مأساة الشعب السوري ولعله تحذير إلى المعارضة الشعبية في ثورتها الحالية المباركة لأن تتجاوز السلبيات وتتوحد في تحديد الهدف والوسيلة.

صدر الكتاب في طبعته الأولى عن دار النواعير – بيروت 2011 وفي 325 صفحة من القطع الكبير.

وتأتي أهميته في أنه يقدم معاناة الشعب السوري إلى الجيل الجديد من خلال أربعة عقود من القهر والدكتاتورية انصبت على سورية التي جعل منها حافظ أسد مزرعة له ولأسرته.

================================

آذار وبحار الدم (الحلقة 11) - محمد فاروق الإمام

الصراعات القومية والقطرية داخل حزب البعث

بعد نجاح حركة 8 آذار بوقت قليل، جرت الانتخابات الحزبية في سورية، وانتخب على أثرها قيادة قطرية للحزب، مرتبطة رسمياً بالقيادة القومية، وكانت تتألف من خمسة أعضاء مدنيين: (حمودي الشوفي- أمين سر القيادة القطرية - ومحمود نوفل وخالد الحكيم ومحمد بصل ونور الدين الأتاسي، إضافة إلى أربعة أعضاء عسكريين: حافظ الأسد ومحمد رباح الطويل وحمد عبيد وأحمد أبو صالح). وهذه القيادة ممثلة في المجلس الوطني لقيادة الثورة بشخص واحد هو أمين سر قيادة القطر حمودي الشوفي. وهذه هي المرة الأولى التي يحتل فيها الضباط البعثيون مراكز قيادية في الحزب.

ومع وقوع القطيعة بين حكم البعث في دمشق ونظام عبد الناصر، عادت ودخلت إلى الحزب أعداد كبيرة من أعضاء وكادرات التيار البعثي السابق لرياض المالكي أو حتى لأكرم الحوراني. ويوصف هؤلاء بالقطريين ويحملون لواء خط متطرف ومعاد لعبد الناصر.

لقد تبنى بعض أعضاء القيادة القطرية الجديدة، وفي مقدمتهم حمودي الشوفي اتجاهاً سياسياً يسارياً أو متطرفاً. وأخذوا يظهرون معارضتهم لبعض القادة البعثيين وفي مقدمتهم عفلق والبيطار.. ويرفضون سلطتهم الأبوية عليهم. كما أقاموا علاقات وثيقة الصلة بالتيار البعثي اليساري في العراق، الذي يقوده علي صالح السعدي. ومن جهة ثانية، أخذوا يتقربون في نفس الوقت من بعض أعضاء اللجنة العسكرية الذين عرفوا بمواقفهم السياسية المتطرفة.

اللجنة العسكرية

كان معظم أعضاء اللجنة العسكرية ليسوا مع القيادة القومية، ولا مع القيادة القطرية. وهذا يعني في الحقيقة بأنهم لم يكونوا لا من اليمين ولا من اليسار. وهم في الواقع ليسوا سوى عسكريين، وما يسعون إليه ويبحثون عنه هو السلطة، أولاً في الجيش ومن ثم في الدولة والحزب. فكل الوسائل جيدة لديهم إذا كانت توصل إلى الهدف. وتكتيكهم يتلخص في إبعاد خصومهم وحلفاء الطريق مجموعة بعد أخرى، وعدم الدخول في معارك على جبهات متعددة في نفس الوقت. حتى يبقوا ويستمروا (سادة الموقف)، فقد حددوا هدفهم منذ البداية بصورة واضحة: أبغض الناس إليهم والذي يجب إسقاطه، كان وسيبقى جمال عبد الناصر. وعليه فإن أعضاء اللجنة العسكرية في الحقيقة هم حجر عثرة في طريق كل تقارب بين البعث السوري وعبد الناصر. واعتبروا أن كل وحدة مع مصر الناصرية هي طعنة توجه لمبادئ الحزب الوحدوية.

وتجدر الإشارة في هذا السياق أيضاً إلى أن أي عضو من أعضاء اللجنة العسكرية لم يشترك في المباحثات الثلاثية المصرية-السورية-العراقية في القاهرة. بل اقتصر عملهم في هذه الناحية على إرسال عسكريين غير بعثيين أمثال: اللواء لؤي الأتاسي واللواء زياد الحريري واللواء فهد الشاعر. أما فيما يخصهم هم، فإنهم حذرون إلى ابعد حدود الحذر، فقد بقوا قابعين في دمشق، يراقبون أو يقمعون أية حركة معارضة.. عسكرية كانت أو شعبية.

وهم في حربهم لعبد الناصر، قد استعملوا نفس أسلوبه وتكتيكه. وفي هذا المجال فإنهم كانوا تلامذته الأذكياء. فهم يدركون تمام الإدراك أن من يملك الجيش، يملك في نفس الوقت القوة والسلطة.

منذ نجاح حركة 8 آذار وخلال خمسة أشهر، نجح البعثيون في تصفية وإبعاد خطر كل السياسيين، المدنيين والعسكريين الذين كانت توجه إليهم تهمة الانفصال.. ومن ثم الناصريين.. وأخيراً حلفاؤهم من الضباط المستقلين: لؤي الأتاسي وزياد الحريري.

على أثر اندلاع الصراع مع القوى الناصرية وانسحاب ممثليهم في شهر أيار من الحكم، أخذ زياد الحريري يدافع عن الرأي الذي يقول بأن العهد الجديد يجب أن يمد يده إلى زعيم حماة أكرم الحوراني.. أو على الأقل إلى أنصاره ومؤيديه للاستفادة من القاعدة الشعبية التي تحيط بالحوراني، خاصة بين فئات الفلاحين. ويظهر أن الحريري كان يُشجع في هذا الاتجاه من قبل اللواء أمين الحافظ وزير الداخلية، فقد كان معروفاً لدى الجميع بتعاطفه مع أكرم الحوراني.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن الحريري، كان يبدي معارضته لأية فكرة وحدوية، خاصة عسكرية مع حكم البعث العراقي. وهكذا جُرّد حليف الأمس - بعد أن صار بالنسبة للبعث السوري مزعجاً - من جميع مسؤولياته وابعد عن الحكم في شهر تموز 1964م في أثناء رحلته إلى الجزائر، أيضاً صفي أنصاره في الجيش.

أما اللواء لؤي الأتاسي، فقد اعترض على تنفيذ أحكام الإعدام الكيفية وعمليات القمع الدموية الواسعة التي استهدفت الناصريين. وعليه فقد أقيل من منصبه كقائد للجيش وكرئيس للمجلس الوطني لقيادة الثورة. وحلَّ محلّه اللواء أمين الحافظ، الرجل القوي آنذاك - كما صوره أعضاء اللجنة العسكرية - ليلعب دوراً مرسوماً له بدقة وإتقان سواءً أعرف أم لم يعرف.

يتبع

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com