العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 18-03-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

جهنم الغوطة الشرقية .. رضوان زيادة

الحياة

الخميس 8/3/2018

تصف منظمة اليونيسكو دمشق بأقدم عاصمة مأهولة في التاريخ، وأحد أهم معالم جمال دمشق وروعتها على مدى التاريخ هو أنها تسكن بين غوطتين، الغوطة الغربية والشرقية، فالغوطة وفق معجم معاني اللغة العربية تعني رياض الجنة، ويضيف المعجم بأن غوطة دمشق «هي أَحد مَنَازِهِ الدُّنيا السبعة لكثرة ما فيها من الرياض، وما فيها من فاكهة ورياحين».

ما بين صورة الجنة وخيالها كما في معاجم اللغة العربية وما بين الصور القادمة من الغوطة اليوم حيث الدمار في كل مكان، وصور القتلى الممددين على الأرض لا يجدون أحداً يدفنهم أو مكاناً يُدفنون فيه، وصور القنابل والحرائق التي تلتهم البيوت من دون أي تمييز بين ساكنيها، نكون أمام صورتين متباينتين تماماً لسورية وغوطتها.

وُلدتُ وعشتُ كل طفولتي في مدينة داريا، التي تعتبر عاصمة الغوطة الغربية والتي عانت من الحصار على مدى أربع سنوات كاملة قبل أن يجبر نظام الأسد ساكنيها على الرحيل إلى الشمال السوري في أكبر عملية تهجير قسري جرت في تاريخ سورية الحديث، والآن أتى الدور على الغوطة الشرقية التي تعتبر دوما وحرستا وعربين أهم مدنها، استهدف نظام الأسد الغوطة الشرقية بحصار قاسٍ على مدى خمس سنوات جعل الحياة داخل «الجنة» جحيماً وحوّل من بقي داخلها إلى مجرد أحياء بيولوجيين ينتظرون دورهم القادم من الموت سواء عبر السماء أو القصف العشوائي أو التجويع أو القنابل المحرمة دولياً كالنابالم والقنابل العنقودية أو الأسلحة الكيماوية وغيرها من أنواع الأسلحة المختلفة التي تباهت روسيا أخيراً بأنها استخدمت أكثر من 200 نوع سلاح جديد في سورية.

أهم ما ميز الحرب الأهلية في يوغسلافيا السابقة كان حصار سراييفو الذي استمر من نيسان (أبريل) 1992 إلى شباط (فبراير) 1996 أي ما يقرب من (1452 يوماً) والذي اعتبر حينها أطول حصار لعاصمة في تاريخ الحرب الحديثة، فقد استمر هذا الحصار ثلاث مرات أطول من معركة ستالينغراد تلك المعركة الشهيرة الخالدة في التاريخ خلال الحرب العالمية الثانية.

لكن حصار الغوطة الشرقية الآن يعتبر الأطول في التاريخ على الإطلاق بعد مرور ما يقارب الخمس سنوات بدءاً من أيار(مايو) 2013 وحتى يومنا هذا، علماً أن مساحة الغوطة الشرقية لا تزيد على مئة كيلومتر مربع ويقبع فيها اليوم بحسب إحصاءات الأمم المتحدة أكثر من 400 ألف شخص، ووفقاً لتقرير صادر عن الأمم المتحدة في عام 2014، «اعتباراً من آذار (مارس) 2013، بدأت القوات الحكومية تشديد الحصار حول الغوطة وتكثيف القصف الجوي في المنطقة المكتظة بالسكان. ومنذ ذلك الحين، أفيد بأن القوات الحكومية منعت المدنيين والقوافل الإنسانية من العبور إلى المناطق المحاصرة. وتضررت أو دمرت المستشفيات الميدانية والنقاط الطبية ومولدات الطاقة وخزانات المياه في ريف دمشق، بما في ذلك في مناطق دوما وزملكا وكفرباتنة وعربين وداريا والمعضمية نتيجة القصف الحكومي».

كما أن لجنة التحقيق الدولية المستقلة التي تقدم تقاريرها إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف تحدثت عن ممارسات الحكومة السورية في منطقة الغوطة في تقريرها الصادر في آب (أغسطس) 2014 «ارتكبت القوات الحكومية انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وجرائم حرب وأخذ الرهائن والتعذيب والاغتصاب والعنف الجنسي وتجنيد الأطفال واستخدامهم في الأعمال العدائية واستهداف المدنيين. وقد أدى القصف الجوي العشوائي وغير المتناسب إلى وقوع خسائر في صفوف المدنيين مع انتشار الرعب والهلع بينهم، واستخدمت القوات الحكومية غاز الكلور، وهو سلاح غير شرعي».

وقد كشف تحليل صور للأقمار الاصطناعية أجراه خبراء الأمم المتحدة في كانون الأول (ديسمبر) 2017 ما يقرب من 3853 منزلاً مدمراً و5141 منزلاً مصاباً بأضرار جسيمة 5423 مبنى متضرراً في شكل معتدل في الأجزاء الغربية الأكثر كثافة سكانية في الجيب. أما في حي عين ترما، حيث يعتقد أن ما بين سبعة عشر ألف وعشرين ألف مدني يعيشون، فإن 71 في المئة من المباني تضرر أو دمر، وفقاً للتحليل. أما في جوبر المجاورة فتبلغ هذه النسبة أكثر من 91 في المئة.

ويجب ألا ننسى أن الغوطة الشرقية نفسها كانت عرضة لأكبر هجوم بالسلاح الكيماوي في آب 2013 ما أدى إلى مقتل أكثر من 1400 شخص أكثر من 400 منهم من الأطفال، وعلى رغم ذلك بقيت المنطقة بأكملها تحت الحصار ومنع عنها وصول الإمدادات الغذائية والدوائية والطبية حتى بعد صدور قرارات مجلس الأمن الدولي تباعاً في شأنها، بخاصة في ما يتعلق بالكشف عن استخدام الأسلحة الكيماوية، ومن ثم القرارات الخاصة بالمناطق تحت الحصار، وبخاصة القرار 2268 الذي أدخل كلاً من الغوطة الغربية والشرقية كمناطق تحت الحصار وأقر بالإجماع في 26 شباط 2016، والآن بعد عامين كاملين ما زالت الغوطة الشرقية ترزح تحت الحصار.

لذلك، على العالم اليوم أن يتذكر أن مأساة الغوطة لم تبدأ اليوم وأن قرارات مجلس الأمن التي صدرت بحقها وآخرها القرار 2401 والذي لم يجد طريقه للتنفيذ كما القرارات التي سبقته، على المجتمع الدولي اليوم أن يفكر أبعد من تحويل مجلس الأمن إلى منبر للخطابة وتدبيج العبارات التي تصف ألم السوريين في الغوطة ومعاناتهم، وتستخدم وسائل أخرى بما فيها العسكرية من أجل حماية المدنيين والحفاظ على أرواحهم وضمان تحقيق انتقال سياسي يعيد الغوطة إلى روضة للجنة بدل أن تكون مرادفاً لجهنم على الأرض بحسب تعبير الأمين العام للأمم المتحدة.

*كاتب سوري

==========================

ما الذي بقي من «ثورة روج آفا»؟ .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 8/3/2018

بين كرد تركيا، وبخاصة لدى الحاضنة الاجتماعية ـ الثقافية لحزب العمال الكردستاني، كانت هناك حماسة جارفة لما أسموه بـ«ثورة روج آفا» تذكِّر بحماسة اليسار العالمي للثورة الكوبية أو المقاومة الفيتنامية. والمقصود بها هو سلطة الأمر الواقع لحزب الاتحاد الديمقراطي وجناحيه العسكريين «وحدات حماية الشعب» و«وحدات حماية المرأة»، التي أقيمت، في المناطق ذات الغالبية الكردية شمال سوريا وشمالها الشرقي، في أعقاب انسحاب النظام الطوعي من عفرين وكوباني، وبقائه في جيوب أمنية محدودة في القامشلي ومدن أخرى في منطقة الجزيرة.

سادت تلك الأجواء الرومانسية، أيام حصار كوباني (خريف 2015) من قبل مقاتلي تنظيم داعش، والمقاومة الطويلة التي أدت إلى تحرير البلدة منهم، بعدما أحالها القصف إلى خرابة. يمكن القول، بلا مبالغة، إن الإدارة الذاتية التي أقامها الفرع السوري للكردستاني، في مناطق سيطرته الميدانية، ومقاومة كوباني، شكلتا محور الدعاوة الإيديولوجية لحزب العمال الكردستاني وواجهته السياسية، حزب الشعوب الديمقراطي، في البيئة الاجتماعية الكردية في تركيا. فأطلقت الأغاني وأقيمت المهرجانات الشعبية في أجواء احتفالية.

فكما شكلت الإدارة الذاتية في «روج آفا» النموذج العملي «الناجح» للفكرة التي اقترحها عبد الله أوجالان، نظرياً، من أجل المناطق الكردية في تركيا، ألهمت مقاومة كوباني الشبان الكرد الغاضبين، في جنوب شرق الأناضول، الذين حفروا الخنادق وأقاموا نقاط تفتيش متحركة، في مواجهة القوات الحكومية التي هاجمت المدن الكردية ودمرتها، في الحرب الداخلية التي استمرت عاماً كاملاً. بل إن بعض البلديات المحسوبة على الحزب الكردي قد أعلنت عن إقامة إدارتها الذاتية. وهي خطوات دفع كرد تركيا ثمنها غالياً، قتلى ونازحين واعتقالات طاولت نوابهم في البرلمان.

لا يغير من هذا الواقع أن الحكم التركي الذي اتخذ من تلك الخطوات «الانفصالية» ذريعة لشن حرب تأديبية على أهالي المنطقة الكرد، كان قد عقد العزم، منذ أشهر، على قلب الطاولة على شريكه المفترض في الحل السلمي، حزب الشعوب الديمقراطي، وقلبها فعلاً في أعقاب انخفاض نسبة التصويت للحزب الحاكم في انتخابات حزيران 2015، ودخول الحزب السياسي الكردي البرلمان، للمرة الأولى، بنحو 80 نائباً باتوا كالشوكة في حلق الحكومة.

بعد تلك التطورات المأسوية تراجعت الحماسة الكردية لـ«ثورة روج آفا» في تركيا، وحل محلها شعور بالإحباط، عبر عن نفسه في تململ متصاعد من تركيز الاهتمام السابق على كوباني وروج آفا على حساب المشكلات الداخلية لكرد تركيا في مواجهة الحكومة التي ازدادت تشدداً وشوفينية باطراد، وتحالفت مع الحزب القومي المتشدد لتطبق أجندته.

وهكذا تفاقمت هذه الديناميات وصولاً إلى عملية غزو عفرين ـ درة تاج «ثورة روج آفا» ـ من قبل الجيش التركي وحلفائه من الفصائل الإسلامية السورية التي تشكلت في الأصل لتقويض نظام الأسد، ثم تحولت إلى محاربة الكرد، تاركة مواقعها على جبهات القتال في إدلب وريف حلب الشمالي لتلتحق بالجيش التركي في غزوته العفرينية.

الواقع أن الدعوات الرومانسية الصاخبة بشأن ثورة مزعومة قوامها وأساسها انسحاب طوعي للنظام الكيماوي من المناطق الكردية، ليتفرغ لتدمير المناطق الخارجة عن سيطرته، لم تنطل على كرد سوريا في يوم من الأيام، بل تعاملوا مع الحزب ووحداته العسكرية كسلطة أمر واقع فرضت عليهم من غير أخذ رأيهم. لا يقلل من ذلك أن الحزب يتمتع بنفوذ شعبي واسع، ويتم الالتفاف حوله حين تتعرض المناطق الكردية لهجوم من خارجها، بوصفه القوة الوحيدة المؤهلة لحمايتها. ففي وجه آخر لهذا النفوذ نرى الخدمات التمييزية التي يقدمها الحزب لمن يناصرونه، حباً أو نفاقاً، على منهج حزب الله مع قاعدته الاجتماعية الشيعية في لبنان، في وقت تسود فيه الندرة في السلع والخدمات في كل المناطق السورية، وتحتكر سلطة الأمر الواقع النفاذ إلى الموارد الحيوية كالحبوب والمشتقات النفطية وغيرها. ولا يمكن، بأي حال، تصور رضى الأهالي عن تجنيد أبنائهم إجبارياً في صفوف وحدات الحماية لزجهم في حروب لا تعنيهم ولم يستشاروا بشأنها، أو مصادرة أملاكهم إذا غادروا المنطقة اضطراراً، أو فرض الرسوم والأتاوات على الأهالي، دع عنك معاناة الأحزاب الكردية غير الموالية لسلطة الأمر الواقع التي تعرضت لاضطهاد هذه الأخيرة طوال السنوات السابقة، وفرضت عليها سلطة الأمر الواقع الحصول على تراخيص لمزاولة أنشطتها.

في غضون ذلك اغتر الاتحاد الديمقراطي بتحالفه مع الأمريكيين وعلاقاته الطيبة مع الروس، القوتين الدوليتين الأبرز في السيطرة على أشلاء سوريا السابقة، فتمادى في تقدير قوته الذاتية، ووسع مناطق سيطرته لتشمل قرى ومدنا ذات غالبية عربية، أو عربية بالكامل كحال تل رفعت مثلاً في ريف حلب الشمالي، وطرد سكان بعضها ووضع سكان بعضها الآخر تحت سلطة احتلال بلغت به الوقاحة أن فرض اللغة الكردية على مدارسها، كأنه يريد الثأر لفرض اللغة العربية على السكان الكرد طوال تاريخ سوريا الحديث. فاستعدى العرب على الكرد، وخلق شرخاً يصعب ترميمه بين الجيران. إلى درجة أن بيئات عربية كاملة شمتت بالغزو التركي لعفرين وهللت لما يسمى بالجيش الحر الملتحق بالجيش التركي، في سابقة تؤسس لأحقاد اجتماعية جديدة.

على رغم المقاومة التي واجهت الغزو التركي، في الفترة الأولى، يبدو أن الكفة بدأت تميل، ميدانياً، لمصلحة الغازي التركي. صحيح أن التوازنات الدولية الهشة في سوريا، والتجاذب الأمريكي ـ الروسي، قد لا يسمح بابتلاع تركيا لمنطقة عفرين، على المدى البعيد، لكن أنقرة ستخرج على الأقل بشريط حدودي لمصلحة «أمنها القومي» المزعوم، وستتفهم حليفتاها واشنطن وموسكو ـ «هواجسها الأمنية».

وذهبت أدراج الرياح محاولة «الاتحاد الديمقراطي» استدراج النظام الكيماوي لنجدتها في عفرين، بوضع قواته في مواجهة الجيش التركي. فقد فضل النظام، وبدفع من إيران، إرسال ميليشيات شيعية لم تتردد أنقرة في قصفها. لتصبح المناطحة إيرانية ـ تركية بلا توسطات.

ما زالت معركة عفرين مستمرة، ولا يمكن التكهن بمآلاتها. لكن حلم كرد تركيا المتمثل في «ثورة روج آفا» انتهى قبل الأوان. أما كرد سوريا فلا صديق لهم غير الجبال، على ما تقول مأثوراتهم القديمة.

٭ كاتب سوري

==========================

موت السوريين بين الممنوع والمسموح دولياً .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الخميس 8/3/2018

لا يسمح هذا العالم "المتحضر" باستخدام السلاح الكيماوي لقتل السوريين، أما غير ذلك فهو متاح، على ما يبدو، على الرغم من أن قتل المدنيين، وفي أي سلاح، هو جريمة حرب في الأعراف والقوانين الدولية، فالكيماوي أسرع أنواع الأسلحة في حصد الضحايا، وتوسيع غنائم القاتل من أرواح المواطنين، وفيه تصبح المشاهد أقل دموية، لكن أكثر فاعلية في القتل مما تعوّد عليه المجتمع الدولي. هكذا، فعندما يتم الحديث عن المأساة السورية، ثمّة في هذا الموت الكيماوي الصامت مجرد مشاهد لجثث متراكمة، فلا أطفال مكللة بالدماء، ولا أطراف مبتورة، ولا أعناق تحت الركام، ولا أمهات تصرخ، أو آباء بوجوه مفجوعة وصرخات غاضبة، كما يحدث عندما يموت السوريون بالقنابل، والبراميل المتفجرة، وبقذائف الدبابات وبالصواريخ المطوّرة، حيث يسمح بهذا الموت "فقط" للسوريين.

نعم، الموت الصاخب، الذي يستفز مشاعر الإنسانية، مسموح به، ويمكن مناقشته على المنابر الدولية بين مؤيد له ومعارض، لكن لا يمكن لجمه دولياً ومنعه ومحاسبة مستخدمه. أما الموت بالسلاح الكيماوي فممنوع، لأنه سلاح محظور، يحرج الصامتين من الدول عن استخدامه ومستخدميه، على الرغم من أن ضحايا كلا "الموتين"، المسموح والممنوع دولياً، مجرد أرقام في منظمات حقوق الإنسان، واجتماعات مجلس الأمن القلقة من نوع هذا الموت.

حرب الإبادة التي مارستها قوى حليفة للنظام (روسيا، إيران) بالشراكة معه، تجاه أهالي

"ما الذي يجعل الأمم المتحدة ترى الحلول من روسيا وسيلتها لحل عادل ينهي المأساة السورية؟" الغوطة، ما لم تكن بسلاح كيماوي، تغدو بمثابة خلافٍ في وجهات النظر بين قادة العالم، يمكن التباحث حولها، وإطلاق البيانات الصوتية ضدها، لكن لا يمكن إدانتها، على الرغم من أنها جرائم حرب، فهي تتم بسلاح تقليدي، استخدامه مسموح في ردع الشعوب الطامحة إلى حرياتها، وادعاءات محاربة الإرهاب جاهزة. أما السلاح الكيماوي فذاك شأن "أخلاقي"، يخجل هؤلاء الملتئمون في اجتماعات مجلس الأمن بمحاولتهم تبريره أمام شعوبهم، متجاوزين كل ما يتعلق بالضحايا وأهاليهم. لذلك يبحثون في تعليل وتعطيل إثبات الإدانات الدامغة، تهرّباً من مسؤولية الصمت العلني عليها، على الرغم من أنهم يمارسون هذا الصمت بكامل ضجيجه القبيح، منذ نحو خمسة أعوام، مع بدء تسرب صور مجازر السلاح الكيماوي التي راح ضحيتها 1466، بينهم أطفال ونساء كثيرون في الغوطة (أغسطس/آب 2013)، والاكتفاء بتدمير ذاك السلاح عقابا له، وليس لمستخدمه، في فاجعةٍ جديدة تصيب الإنسانية جميعها.

على ذلك، التصريحات الصاخبة المتعاقبة لرؤساء الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وألمانيا وزعمائها، عن "ضرورة عقاب مستخدمي السلاح الكيماوي في سورية، إذا ثبت ذلك"، تضعنا أمام مفترقات طرق جديدة، لكنها سرعان ما تتحول إلى سراب، مع اقتران تلك التهديدات بـ "إذا" الشرطية، حيث تصبح مهمتها تمييع الفعل، وتفريغ مضمون التهديد الصوتي، ما يفيد بأن ما يحدث للسوريين ليس مرهوناً برغبة النظام ومن يسانده فقط، إنما هو صمت يرقى إلى مستوى الشراكة العالمية ربما في الرغبة بتدمير سورية، وتغيير وجهها الديمغرافي والجغرافي، في خطوةٍ تسبق استعادة تمركز كل القوى المتصارعة في منطقة الشرق الأوسط من بوابة سورية الضعيفة، وخلافاتها الإثنية والطائفية والمذهبية.

ولعل تكرير المسؤولين في الأمم المتحدة أن سيناريو حلب هو المرشح ليكون واقع الغوطة الشرقية، مع عدم اتخاذ التدابير اللازمة لمنع حدوثه، يضع الأمم المتحدة أمام جملةٍ من التساؤلات هي أشبه بالاتهامات عن دورها وآلية عملها، ومدى ارتهانها لقوى التدمير التي تجتاح سورية، بديلاً عن دورها في حفظ السلام والأمن الدوليين:

من ضمن تلك التساؤلات ما الذي يجعل الأمم المتحدة ترى في الحلول المقدمة من روسيا، وهي شريك في قتل السوريين، وسيلتها لحل عادل، ينهي المأساة السورية المستمرة منذ سبع سنين؟ ولماذا يحاول المبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا، أن يصور أن ما قدّمه مؤتمر سوتشي من مقترح بشأن تشكيل لجنة دستورية هو محور العملية السياسية، في الوقت الذي تبيد فيه روسيا منطقة الغوطة الشرقية، ويستبيح طيرانها مواقع في إدلب، ويتم التغاضي عن اقتحام إيران الغوطة براً، لمساندة النظام في استعادة سيطرته على مناطق حيوية تحيط بالعاصمة، وتجبر سكانها على الخروج منها في تنفيذ مخطط لعملية تغيير ديمغرافي، تدرك الأمم المتحدة ووسيطها، دي ميستورا، مخاطرها ومحاذيرها في مستقبل سورية؟ أيضاً هل يرى دي ميستورا أن انطلاق المباحثات السياسية على أساس مؤتمر سوتشي الذي قاطعته المعارضة، ودفعت إدلب والغوطة ثمناً باهظاً لفشل روسيا من خلاله في صناعة حل سياسي على مقاسها، يشبه الحل العسكري الذي صاغته في أستانة، حيث روّضت فيه الفصائل المشاركة فيه، لتكون شرطيا لها في مناطق نفوذها، بعد أن كانت مهمتها أن تكون عامل قوة للمعارضة في مفاوضاتها السياسية، ما جعل روسيا تثق بأنها حيّدت سلاح المعارضة الذي ارتهن للدول الضامنة في أستانة (روسيا، إيران، تركيا)، ووجهته إلى صدر العملية السياسية التي تدور في جنيف بين طرفين غير متكافئين ميدانياً ودبلوماسياً؟

أخيراً، وماذا عن فشل الأمم المتحدة في تنفيذ كامل قراراتها الـ 17 التي أشار إليها القرار

"مارست الأمم المتحدة صمتا على جريمة الغوطة الشرقية" الجديد 2401 منذ عام 2012، ومنها 2042 و2043 و2118 و2139 و2165 و2175 و2191 و2209 و2235 و2254 و2286 و2332 و2336 و2393، والبيانات الرئاسية، وصولا إلى قرار الشهر الماضي، وفي مضمونها ما يلبي احتياجات إنهاء الصراع في سورية، وتوفير عوامل الأمان للمواطنين السوريين، وانهاء الاقتتال وإطلاق سراح المعتقلين، وفك الحصار عن المدن والمدنيين، وإعادة الأسلحة الثقيلة إلى قطعاتها العسكرية، وتوفير المأوى للمهجرين، للبدء في عمليةٍ سياسيةٍ تؤدي إلى صياغة جديدة لسورية ما بعد 2011؟ ولماذا تريد الأمم المتحدة الهروب من مسؤوليتها، في تنفيذ قراراتها، للاختباء وراء ما أنتجه مؤتمر "هزيل" في تمثيله السوريين، شكلاً ومضموناً، وعلى اختلاف مواقعهم من مؤيدين أو معارضين؟

مارست الأمم المتحدة صمتا على جريمة الغوطة الشرقية، وهي تعلم علم اليقين، أنها ستقع على بعد أيام من اجتماعها، وقرارها 2401 القاضي بوقف إطلاق النار، مدة محددة بثلاثين يوماً، وانتهاك هذا القرار من دولةٍ وافقت عليه داخل الجلسة (روسيا)، وفجرته على رأس صواريخها وقنابلها التي انهالت، بعد إقراره بساعات، فقط على الغوطة الشرقية، متابعة بذلك مخططها بالشراكة مع إيران والنظام السوري في تهجير الأهالي، عبر ما سمي الممر الإنساني الذي صنعته موسكو، بمبادرةٍ منها لنسف القرار الأممي، مضموناً وتنفيذاً، وهو في حقيقته ممر لكشف عار الإنسانية، وعجز مجلس الأمن عن أداء مهمته في حفظ السلام والأمن الدوليين، واتخاذ ما يلزم بحق مرتكبي جرائم الحرب الذين يجلسون على أحد مقاعدها الدائمين.

تمثل مشاهد الموت العابرة إلينا من الغوطة والصمت المقابل عليها وجه العالم الجديد، القائم على العودة إلى منطق ما قبل المدنية والحضارة، وحيث تبدد هذه الصور، شئنا أم أبينا، صورة سورية الواحدة شعباً، قبل أن تبدّد أحلامنا بسورية دولة المواطنين الآمنين الأحرار، ليصبح المشروع الوطني السوري الذي تنادي به الشرائح السورية المثقفة أثراً بعد عين.

==========================

كي لا تتكرر مأساة الموريسكيين بالشام .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاربعاء 7/3/2018

بينما كنت أقرأ الرواية الرائعة «الموريسكي» للمغربي حسن أوريد، وكأنه يكتب عما يجري في الشام اليوم، فقد وجدت تكتيكات القشتاليين التي مورست على أهلنا الموريسكيين، يتم استنساخها من قبل الطائفيين وسدنتهم في الشام، فما علينا إلا أن نضع بدلاً من أبي عبدالله الصغير، العبادلة الصغار من القادة الميدانيين أو بعض الزعماء العرب الذين تخلوا عن مسؤولياتهم تجاه الشام وأهلها، وراحوا يدعمون الصلح الكاذب والهدن وخفض التوتر الخادع، والذي سرعان ما ينقضها الروس قبل أن يجف حبرها، كما رأينا في قرار مجلس الأمن الدولي الأخير بفك الحصار عن الغوطة، وبينما كان يوقع أبو عبدالله الصغير على اتفاقيته مع الزعيم الصليبي القشتالي، تضمن لمسلمي الأندلس حقهم في الحياة والعبادة ونحوها، كانت محاكم التفتيش تُنصب لهم، وكان التنصير الإجباري والقتل والسحل والاغتصاب مصيرهم، يعلق على هذه المشاهد كاتب الرواية تعليقاً رائعاً يذكرنا بخروقات المحتلين للشام اليوم: «القوي لا يرى نفسه ملزماً باحترام التزاماته».

لعل مسلمي تلك المرحلة معذورون بعدم دعمهم ومساندتهم للموريسكيين، بسبب تأخر وصول أخبار إخوانهم الموريسكيين لهم، فقد تمكنت البحرية القشتالية الصليبية من جزّ رأس التاجر المسلم الذي نقل رسالتهم إلى الباب العالي باسطنبول على مقربة من المرية، وحين كنت أقرأ رسالة مسلمي الموريسكيين، رأيت كأن كاتبها محاصَرو القصير أو بابا عمرو أو حلب وربما الزبداني ومضايا واليوم الغوطة، تقول الرسالة المطولة: «... تعالوا إلى نجدتنا يا إخواننا في الدين، لقد تجاوزت مآسينا كل الحدود»، ثم تقول: «لقد صرنا كالأيتام في مأدبة اللئام»، وتتابع الرسالة تفاصيل ما جرى بالأمس وما يجري اليوم بالشام لتقول: «كانوا يدخلون بيوتنا بدون استئذان ويُلوِّثون شرفنا ويلحقون العار بنا، ورغم ذلك كانوا يرغموننا على عدم الجأر بالشكوى من الآلام التي يوقعونها فينا، كل هذا بعد أن أخذوا ممتلكاتنا وبعد أن سجنونا، وطردونا من قرانا .. صرنا فريسة لليأس فنحن بعيدون عن إخواننا وأصدقائنا، وقد تخلى عنا الجميع وليس لنا سوى رحمة الله، انظروا إلينا بعين الرحمة والشفقة، إننا إخوانكم في الدين، فلا تدعوا الفرقة تنال منكم، فتفرُّق كلمتكم أشد علينا وأمضى من المآسي التي نتكبدها».

لكننا حين نقرأ عن مآسي الموريسكيين لا نقرأ عن البطولات التي سطرتها المقاومة يومها، وهي تصمد وتقاتل وتقاوم لوحدها، دون أن يسمع صرخاتها مسلمو ذلك الزمان، كان أهالي حي البيازين من الموريسكيين يتحدثون عن بطولات المقاومة في جبال البشارات، وكيف يصمد الأبطال فيها، وكيف تقاتل النساء بالسكاكين، ويرفضن الاستسلام، إلى أن يُلقين بأنفسهن من الجبال، كي لا يقعن بأيدي القشتاليين الصليبيين.

لكن الأسوأ من ذلك كله أن يحل بالمقاومة ما حلّ من هزيمة لا لضعف أهلها، ولكن لتكالب أعداء كثر، وسط محاصرتها وتقاعس المسلمين عن دعمهم ومساندتهم، يومها كنت ترى المشهد المحزن الرهيب فمن كان يعيش في يسر ودعة، يتحول إلى الفقر المدقع، يتسول كسرة خبز لطفل جائع أو امرأة مرضعة، ويومها أُرغم الكل على مغادرة حي البيازين، ليُجبَروا لاحقاً على اعتناق المسيحية، واقع يذّكرني اليوم بما يجري من حملات التشييع في حلب ودمشق واللاذقية وغيرها. منذ أن أرغم أهالي بابا عمرو، ثم أهالي القصير وحمص وحلب والزبداني ومضايا وبعض من بلدات ريف دمشق على الاقتلاع من أرضهم، كانت الأرواح قد غادرت الأمكنة لتحل الأشباح محلها، لم يعد للمكان قيمة كبيرة مع رحيل ذكريات الأرواح والعائلات، مع رحيل الأصالة والعراقة، مع رحيل صمود قرون في هذه الأمكنة، يومها حلّ ماكدونالدز محل الطعام التقليدي الأصلي، لكن هل يمكن استنبات المانجو في سيبيريا؟؟!! فثورة الكرامة تأبى أن تتعايش مع استبداد واحتلال خارجي، لقد هاجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حاملاً معه العقيدة المقدَّمة على الأرض، ليحمي العقيدة ويعود إلى الأرض بعد سنوات فيستعيدها، فهل يعي النظام وأذنابه أنهم يحرثون البحر، ويسعون للقبض على الريح.;

==========================

تحدّيات إيران 2018 .. مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 7/3/2018

بعدما تركت وراءها موجة احتجاجات، خلفت ثلمًا في وجه النظام، وإن لم تهدّده، تبدو إيران على موعدٍ هذا العام مع تحديات داخلية وخارجية، قد تكون الأهم ربما منذ انتهاء الحرب مع العراق، ورحيل مؤسس الجمهورية آية الله الخميني عام 1989. داخليا، يتوقع الإيرانيون رحيل مرشدهم الأعلى هذا العام (الآجال بيد الله طبعًا)، ويستعدون لاحتدام الصراع بين طامحين لخلافته. فالمرشد البالغ 79 عامًا يعاني منذ سنوات من مرض عضال، ويرتب، منذ بعض الوقت، لخلافته التي تعد مسألة غير سهلة في بلد متعدّد التيارات والاتجاهات والقوميات كإيران، ولديه مشكلات مع أكثر الدول المحيطة والعالم. كذلك يبدو الأمر معقدًا في ضوء تجربة خامنئي نفسه، الذي واجه تحديات كبرى، عند تقلده منصب الولي الفقيه خلفا للخميني، وكان عمره لما يتجاوز 49 عاماً. حينها اعتبر كثيرون أن خامنئي غير جدير بالمنصب، لأن رتبته الدينية لم تكن تؤهله لشغله، إذ كان في ذلك الوقت في رتبة حجة الإسلام، ولم يكن من مراجع التقليد، وثار نقاش عما إذا كانت هذه من شروط الولاية. والمعروف أن المراتب الدينية الشيعية ست، تبدأ بطالب، ثم مُبلغ، فمجتهد، فحجة الإسلام، ثم آية الله، وأعلاها أية الله العظمى التي لا يجتمع من أصحابها أكثر من ستة في عصر واحد، بحسبهم. ولسنوات، ظل خامنئي يواجه، بسبب ذلك، تحديا لسلطته من بين الأكثر علماً والأرفع رتبة من المراجع، ولم يستتب له الأمر، إلا في أواخر التسعينات، عندما وضع خصمه القوي، آية الله حسين منتظري، قيد الإقامة الجبرية.

برزت تحديات أخرى، في السنوات الأخيرة لسلطة المرشد، وإنْ جاءت هذه المرة من خارج الحوزة، ممثلة بالرئيس السابق، محمود أحمدي نجاد، وتيار الأصوليين القوميين. ويتجه نجاد، خصوصا بعد أن اتضح حجم تأثيره في الاحتجاجات أخيرا، ليصبح، مع تياره، أحد أهم مراكز القوى في الساحة السياسية الإيرانية، والتحدي الأبرز لنظام الجمهورية في السنوات المقبلة. وإذا صدقت التوقعات، فإن حظوظ الرئيس حسن روحاني ترتفع خليفةً محتملا للمرشد، ويتوقع أن تزداد حدة الصراع في قمة النظام، أخذًا بالاعتبار العداء الشخصي بين روحاني ونجاد. فوق ذلك، يقترب نجاد من تبني أفكارٍ يمكن أن تعصف بنظام الجمهورية وولاية الفقيه في آن. وبخلاف أنه يدعو إلى ابتعاد رجال الدين عن السياسة (تقويض سلطة المرشد)، يعد نجاد اليوم رمزا للتيار القومي - الديني في إيران، أو ما تسمى المدرسة الإيرانية في الإسلام، بحسب منظّرها، صهره، اسفنديار رحيم مشائي، وهي المدرسة التي تحاول تخليص الإسلام من كل آثاره العربية، ما اعتبره المرشد معول هدم في صرح الجمهورية الإسلامية، أخذا بالاعتبار أن الائمة الاثني عشر جميعاً كانوا عرباً، وأمر بطرد مشائي من منصبه مستشارا لنجاد، عندما كان الأخير رئيسا.

يزداد هذا التيار القومي الشعبوي قوة في إيران، خصوصا مع احتدام الصراع الإقليمي، وتورّط إيران في ساحات عربية يرد منها قتلى إيرانيون يوميا. لذلك يتوقع أن تفتح خلافة المرشد صفحة من الصراع الداخلي، المرجح تفاقمه ليطاول أسس الجمهورية، أي ولاية الفقيه، وتركيبة النظام السياسي. وتذهب ترجيحاتٌ إلى أن خامنئي قد يكون المرشد الأخير الذي يموت في منصبه، وأن سلطة الحرس سوف تزداد قوةً من بعده، آخذا بالاعتبار أنه لن يكون في مقدور أي مرشد جديد السيطرة على الحرس، بل سيكون على الأرجح دمية بيده، (لتعود ثنائية الفقيه صاحب السلطة الرمزية والسلطان صاحب السلطة الفعلية).

التحدي الآخر الذي تواجهه إيران العام الجاري هو احتمال انسحاب إدارة الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي. والمعروف أن خامنئي وافق عام 2015 على الاتفاق، باعتباره جزءاً من ترتيبات خلافته، إذ رأى فيه أول اعتراف رسمي أميركي بنظام الجمهورية، وتخليا عن كل السياسات الرامية إلى زعزعة استقراره، وصولا إلى إطاحته. إلغاء الاتفاق، يعيد إيران إلى المربع الأول في العلاقة مع واشنطن، ويضع النظام بين سندان نجاد والتيار القومي في الداخل ومطرقة ترامب في الخارج. وفي كل الأحوال، تتجه إيران نحو تحولات عميقة، تبرز بعض آثارها العام الحالي، 2018.

==========================

هل يعود الكرد إلى حضن النظام في سورية؟ .. خورشيد دلي

العربي الجديد

الاربعاء 7/3/2018

يجري الحديث، منذ بداية الأزمة السورية، عن تعاون وتنسيق غير معلن بين النظام والكرد، وبشكل أدق بين النظام وحزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب. ويقول المسؤولون السوريون إن النظام هو من دعم وحدات حماية الشعب بالسلاح في البداية، سيما في معركة رأس العين عام 2012 عندما هاجمت كتائب من الجيش الحر المدينة، وبفضل ذلك نجح الكرد في إفشال الهجوم. والثابت أن النظام أراد تقديم الدعم للكرد في إطار رؤيته لمواجهة الدور التركي، فيما استفاد الكرد من هذا الدعم لحماية مناطقهم، لكن النقطة الفاصلة في هذا التعاون حصلت خلال معركة كوباني (عين العرب) عام 2015، عندما وجد الكرد أنفسهم وحيدين أمام ضخامة هجوم "داعش" عليهم، قبل أن تقدم الولايات المتحدة الدعم لهم، ويتحول هذا الدعم إلى تحالف بين الجانبين. ومنذ ذلك الوقت، أبدل الكرد التعاون مع النظام بترسيخ تحالفهم مع الولايات المتحدة، والانخراط في استراتيجيتها تجاه الأزمة السورية. وبفضل هذا التحالف، نجح الكرد في تحقيق انتصارات كبيرة، سواء في الميدان ضد "داعش" أو في السياسة، لجهة تشكيل مؤسساتهم الذاتية لإدارة مناطقهم وتنظيم أنفسهم، وتوسيع سيطرتهم في شمال شرق سورية، حتى باتت تركيا تنظر إليهم بعين الخطر على أمنها القومي. وعلى الرغم من أن الشك كان سيد الموقف في علاقتهم بالنظام السوري، إلا أن الكرد حرصوا، في علاقتهم معه، على نقطتين أساسيتين طوال الفترة الماضية: عدم الصدام العسكري مع النظام، وممارسة الضغط عليه لإخراج قواته العسكرية والأمنية من المناطق الكردية، تجنبا لتعرّض مناطقهم

"بات الكرد يشعرون بإمكانية تخلي الولايات المتحدة عنهم في إطار مصالحها الاستراتيجية" للقصف الجوي، وقد نجحوا بهذا الأسلوب في حماية مناطقهم أولا، وثانيا في بسط سيطرتهم التدريجية على مناطقهم وتوسيع مناطق سيطرتهم. النقطة الثانية: الحرص على التواصل مع الروس، لفتح قنوات الحوار والتواصل مع النظام، وقد تولى الروس هذا الجانب، ونظموا اجتماعاتٍ في حميميم بين الطرفين، بحثا عن التوصل إلى صيغة تفاهم، لكن هذه الجهود منيت بالفشل، بسبب رفض النظام المطالب التي قدمها الطرف الكردي. في المقابل، حرص النظام نفسه على عدم الصدام مع الكرد، لكنه، في الوقت نفسه، رفع الحماية والدعم عنهم، خصوصا وأنه بات ينظر إليهم بعين الخطر، بعد تحالفهم مع الولايات المتحدة، ورفعهم شعار الفيدرالية، وتوسيع نفوذهم، إلى درجة أن النظام وحلفاءه في المحور الروسي – الإيراني، وكذلك تركيا باتوا ينظرون إلى خطر تقسيم سورية من خلال الدعم الأميركي للكرد.

ولم يكن كل ما سبق بعيدا عن الميدان، إذ أفرزت التطورات الميدانية واقعا جديدا في العلاقات بين النظام والكرد على شكل افتراقٍ في الأهداف، وتضارب في الأولويات، فسيطرة النظام على حلب مكّنته لاحقا من التوجه نحو الحدود الأردنية والعراقية، بدعم روسي وإيراني وحزب الله. وعلى وقع هذا التقدم، بات يعتقد أن باستطاعته استعادة السيطرة على كل المناطق التي خسرها، بما في ذلك المناطق التي سيطر عليها الكرد. في المقابل، سيطرت قوات سورية الديمقراطية، وبدعم أميركي مباشر، على مناطق شمالية وشرقية عديدة، ونجحت في ربطها 

"النظام السوري غير بعيد عن التفاهمات الروسية – التركية، بغية إجبار الكرد على التخلي عن تحالفهم مع الولايات المتحدة" جغرافيا على شكل كيانٍ يتشكل خطوة خطوة، ما هيأ له الأرضية للسيطرة على الرقة التي كانت معقل "داعش" في سورية، ومن ثم إعلان معركة الريف الشرقي الجنوبي لمحافظة دير الزور. وجاء القرار الأميركي، تشكيل قوة حرس حدودية من 30 ألف عنصر، ليزيد مخاوف النظام والقوى الإقليمية من توجه الكرد، بدعم أميركي، إلى التقسيم، وهو ما دفع النظام السوري إلى السعي إلى استعادة المناطق التي سيطر عليها الكرد، ولعل ما حصل أخيرا في دير الزور من قصف أميركي لقوات في محوره كانت محاولة في هذا السياق. وعليه، مع صعوبة إمكانية الصدام بين الطرفين في المرحلة الراهنة، نظرا لأن هذا الأمر يخضع لقواعد التفاهم بين روسيا والولايات المتحدة، فإن مسار التفاهمات الروسية – التركية فتح المجال لتحرك تركي عسكري في شمال سورية، وتحديدا في مدينة عفرين، الواقعة تحت سيطرة قوات وحدات حماية الشعب الكردية. وكانت هذه العملية بمثابة تثبيت المخاوف الكردية من الدور السلبي للعامل الدولي، وانعكاسه على تحالفاتهم، وذلك من خلال التالي:

أولا، أمام تهرب الولايات المتحدة من التدخل لصالح الكرد في عفرين في مواجهة العملية التركية، بات الكرد يشعرون بإمكانية تخلي الولايات المتحدة عنهم، في إطار مصالحها الاستراتيجية وصراعها مع روسيا. ثانيا، يعتقد الكرد أن روسيا عقدت صفقة مع تركيا بخصوص عفرين، قد تشمل، لاحقا، المناطق الأخرى التي سيطر عليها الكرد، ووضعهم أمام العودة إلى حضن النظام أو مواجهة التدخل العسكري التركي حتى النهاية. ثالثا، يرى قسم من الكرد أن النظام السوري غير بعيد عن التفاهمات الروسية – التركية، بغية إجبار الكرد على التخلي عن تحالفهم مع الولايات المتحدة، وتسليم مناطقهم إليه من دون قتال. رابعا، إيران، وعلى الرغم من حساسيتها من الدور التركي، إلا أنها لا تبدو بصدد الخروج عن النقاط الاستراتيجية التي ترسمها روسيا، بما في ذلك التفاهمات الروسية – التركية المتعلقة بالشمال السوري. وفي ظل هذه المعطيات، ثمة من يرى خيارات الكرد صعبة، وربما لا يجدون أمامهم من خيارٍ سوى العودة إلى حضن النظام، إذ قد يشكل ما جرى في عفرين مؤشرا لتكراره في أماكن أخرى.

==========================

القتل الروسي باسم قرار مجلس الأمن .. عمار ديوب

العربي الجديد

الثلاثاء 6/3/2018

لم يشأ الروس تمرير قرار مجلس الأمن الدولي 2401، إلّا حينما أصبح تشريعاً لاستباحة كل مناطق سورية، التي دخلت ضمن مناطق خفض التصعيد، أو سواها. ترد في البند الثاني للقرار جملة "وجميع الجماعات الأخرى"، أي أن هذه الجماعات مع تنظيم داعش وجبهة النصرة ليست مشمولة ضمن إيقاف النار، ثم يقول وزير خارجية روسيا، سيرغي لافروف، إن جيش الإسلام وحركة أحرار الشام أيضاً منظمتان إرهابيتان، وهو بذلك يتفق مع رأي النظام والإيرانيين. وبالتالي، يصبح القرار لاغياً، في الغوطة خصوصاً، باعتبار القوى السابقة من أقوى الجماعات هناك. لم يهتم الروس لبيانات أصدرها جيش الإسلام وفيلق الرحمن، وترحب بالهدنة وبتصريحات صدرت عنهم، وتؤكد استعدادَهم لترحيل الأعضاء المئتين من حركة النصرة في الغوطة إلى خارجها.

عكس ذلك، وتخوفاً من ضغوط دولية لتطبيق الهدنة وإرسال مراقبين دوليين، باعتبار أن العالم أصبح يعرف أن لا جبهة نصرة ولا "داعش" في الغوطة، بل وقد تراجع وجود "النصرة" في كل سورية، وأخيراً تتم تصفيتها في إدلب! وبالتالي لا بد من تطبيق هدنة وإدخال المساعدات الإنسانية وفك الحصار عن مناطق واسعة، وتفعيل مناطق خفض التصعيد. بوتين ولافروف 

"الغوطة آخر المعاقل القوية للمحيطين، الإقليمي والدولي، أي ليست خاضعة للروس أو الأتراك، وهناك إمكانات عسكرية فيها تهدّد العاصمة" والقيادة الروسية، وانسياقاً من رؤيتهم للحل في سورية، بتهجير كل أهالي مناطق الثورة، حدّدوا خمس ساعات للهدنة و19 ساعة للقتل في الغوطة. تبدو الساعات الخمس هذه لإعادة تمركز الجيوش المقادة روسياً على حدود الغوطة، وليس لأمرٍ آخر، سيما أن هدنة الساعات هذه رفضتها كل فصائل الغوطة، ويتخوّف منها الأهالي، لأن تكون تهجيراً جديداً، رأوا نتائجه الكارثية في القصير وداريا والمليحة وحمص وحلب وسواها كثير.

المناشدات الدولية للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لتطبيق الهدنة، وهو من يشن طيرانه الحرب في كل سورية منذ 2015، لا تعني إلا تسليماً بتطبيق الحل الروسي على سورية، وباعتبار أن هذا الحل فشل، تصبح هذه المناشدات لاغية، وبالتالي لن يتوقف قصف الغوطة. الأميركان ليسوا معنيين بالقرار الدولي، ومناطق نفوذهم تحميها قواعدهم العسكرية فيها، حيث تُسحق أيّة قوات عسكرية تقترب منها كما حدث في دير الزور أخيراً.

حصار الغوطة الأخير بقيادة الروس هو ما فرض التحرّك الدولي، ولا يغير في الأمر شيئاً إن روسيا ذاتها طالبت به! ورافق ذلك تهديدٌ روسي لبقية مناطق الصراع بإنهاء مناطق خفض التصعيد، واستبدالها بمصالحات مع النظام، كما الحال مع ريف حمص والقلمون، وبالتالي يريد الروس السيطرة الكاملة على العاصمة وريفها، سيما أن الأميركان حددوا مناطقهم بدقة. يأتي تصريح بوتين بأنه يطالب بلجنة دولية لتقييم الوضع في الرقة قبالة القرار الأممي لفرض الهدنة، بمثابة إعلان إضافي لتحديد نفوذها، وأن العاصمة وغوطتها من حصة روسيا! وكذلك يمكن قراءة الصمت التركي عن حصار الغوطة بمثابة ضوء أخضر منهم قبالة استمرار عمليتهم في عفرين؛ هذا يعني أن القرار، وبدلاً من أن يُستخدم في إطار تهيئة الأجواء للحل السياسي، أصبح بمثابة تشريع للروس، لفرض سيطرتهم على الغوطة، وهو ما فعله بوتين بأمره لإيقاف النار من التاسعة صباحاً وإلى الثانية بعد الظهر لإخراج المدنيين، وبالتالي لتصفية الغوطة بشكل كامل.

يستخلص مما تقدّم أن هدنة القرار الدولي لاغية، وأن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بعد خمسة عشر يوماً الذي يُفترض أن يقدمه إلى مجلس الأمن الدولي، لن تختلف صيغته عما قاله هو بذاته عن الوضع في الغوطة، أن "الجحيم على الأرض". إذاً أفرغ الروس القرار من قيمته في الهدنة، وظلّت العمليات العسكرية للاحتلالات على سورية كما هي. وبالتالي، السؤال الجوهري الآن: لماذا يريد الروس تصفية الغوطة؟

تعد الغوطة الشرقية آخر المعاقل القوية للمحيطين، الإقليمي والدولي، أي ليست خاضعة للروس أو الأتراك، وهناك إمكانات عسكرية فيها تهدّد العاصمة والمشروع الروسي والإيراني في تأمين العاصمة. ليس المصريون والسعوديون في وارد الدفاع عنها، سيما أن جيش الإسلام مدعومٌ من السعودية، وكان المصريون ضامنين لخفض التصعيد فيها؛ فالدولتان تحكمهما أنظمة مأزومة. وبالتالي، وبغياب دورٍ دوليٍّ جاد لإنهاء الحرب على الأراضي السورية، فإن أهالي الغوطة يُتركون "عراة" في مواجهة الهمجية الروسية والدول الحليفة لها.

الدعوات السياسية إلى فتح كل الجبهات بسبب الغوطة، ليست خاطئةً؛ فإن استباحتْها روسيا لن يكون صعباً عليها استباحة ريف حمص الشمالي أو بقية المناطق. ربما ستظل درعا صامدةً نظراً إلى أن الأميركان ضامنون لها؛ تكاد الدعوات إلى فتح الجبهات تكون بلا معنى لها، باعتبار أغلبية جبهات سورية تمّت تصفيتها عبر خفض التوتر أو الهدن أو التهجير أو 

"العمل العسكري "المعارض" لم يعد هو الحاسم، بل العمل الثوري المدني مجدّداً، وهو ما يجب التركيز عليه" المصالحات. ففي إدلب، الأمر غير ممكن، وكذلك يبدو في درعا، إذاً هناك مصلحة لريف حمص بفتح بالتصعيد. ولكن هل سيُعيق ذلك العملية الروسية، ربما! أردت القول إن العمل العسكري "المعارض" لم يعد هو الحاسم، بل العمل الثوري المدني مجدّداً، وهو ما يجب التركيز عليه، سيما أن أغلبية المناطق "الثائرة" وفصائلها قد هُجِّرت. المهمة الراهنة للسوريين يجب أن تتناول غير العسكريين خصوصاً، وإعادة رسم المشروع الوطني السوري مجدداً؛ فهناك مدنيون في مناطق في حمص وإدلب ودرعا وأرياف حلب وأرياف الرقة ودير الزور وسواها، عدا عن الملايين في الخارج، والواقعين تحت سيطرة النظام.

حينما يصدر قرارٌ دوليٌّ، ولا تلتزم به دولة واحدة، ولا يتضمن أي ملحقات تنفيذية، يكون من أجل الاستهلاك المحلي العالمي. سبب القرار كما يبدو هو الهمجية الروسية على الغوطة، والتي قتلت أكثر من 550 شخصاً في الغوطة، ودمرت كل المشافي، وكان معظم القتلى من الأطفال والنساء، وقد لاقت تغطية دولية كبيرة؛ وبالتالي كان لا بد من إسكات الاحتجاج الدولي الواسع والرافض للهمجية. إذاً، ليس القرار الأممي لإيقاف الروس، بل لتشريع الهمجية الروسية والإيرانية والنظامية.

السوريون وأينما كانوا، وحدهم المعنيون بممارسة كل أنواع التصعيد، لإيقاف همجية الروس وحلفائهم، ولإظهار تفاهة القرارات الدولية، وأن سورية أصبحت محتلةً بالكامل، وأن تلك القرارات لا معنى لها، طالما لا تنتقل بالوضع السوري نحو الحل النهائي، وتمكين السوريين من مصيرهم وتطبيق مبادئ جنيف1.

==========================

الحرب على الغوطة: محطة مختلفة .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الثلاثاء 6/3/2018

لعله من الخطأ الفادح اعتبار الحرب على الغوطة فصلاً من فصول حرب نظام الأسد وحلفائه على السوريين ومحاولة إخضاعهم وإعادتهم إلى حظيرة النظام. والأساس في هذا الخطأ أن أصحابه لا يرون في الغوطة إلا واحدة من المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وخوض المعركة ضدها يتماثل مع معارك سوف تتم لاحقاً في مناطق أخرى، تفوق الغوطة مساحة وسكاناً وفيها قوات أكبر من المعارضة المسلحة، وكله يفرض على النظام فصولاً من الحرب تكون أهم من الحرب على الغوطة.

تنقسم المناطق الخارجة عن سيطرة النظام إلى أربع مناطق؛ أولاها منطقة الجنوب، وتشكل درعا مركزها، ورغم أن الغلبة في هذه المنطقة لفصائل مسلحة معتدلة، تملك روح الدفاع العسكرية والشعبية عن مواقعها في مواجهة أي عمليات عسكرية لنظام الأسد وحلفائه، فإن صلتها بالجوار الأردني – الإسرائيلي، تجعلها عرضة لتأثيراتهما سواء على صعيد العمليات العسكرية أو على صعيد نتائجها السياسية، مما سيجعل الحرب على الجنوب محكومة بنتائج التوافقات السياسية الإقليمية والدولية، والأمر نفسه ينطبق على منطقة الوسط وصولاً إلى الشمال السوري، والتي تعتبر إدلب مركزها الرئيسي، وتتوزع السيطرة في المنطقة ثنائية مسلحة قسم منها تنظيمات، ترفع راية الجيش الحر، وأخرى تنتمي إلى «القاعدة»، وتقودها هيئة تحرير الشام، وفي كل الأحوال، فإن الحضور التركي في المنطقة، يملك تأثيرات حاسمة سواء في الجانب السياسي أو العسكري، بل هو موجود بقواته مباشرة سواء في إطار ما هو معروف باسم قوات درع الفرات أو لاحقتها المعروفة باسم قوات غصن الزيتون، ولهذا السبب فإن مصير المنطقة، إذا جرت الحرب عليها سيكون مماثلاً لمنطقة الجنوب، ومحكوماً من الناحيتين السياسية والعسكرية بالتأثير التركي وعلاقاته شديدة التعقيد، خصوصاً بالطرفين الرئيسيين من المتدخلين الفاعلين في القضية السورية روسيا والولايات المتحدة. أما المنطقة الثالثة والأخيرة فهي منطقة شرق الفرات، التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية تحت قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (BYD) مع وجود عسكري أميركي مباشر، وهذه ستكون محكومة بالموقف الأميركي في المستويين السياسي والعسكري في إطار التسوية العامة للقضية السورية، أقل مما هي محكومة بجوارها العراقي - التركي.

وحدها المنطقة الرابعة في غوطة دمشق الشرقية لها خصوصية مختلفة عن المناطق الثلاث المفتوحة أو التي يمكن أن تُفتح على جوارها وعليها تأثيرات سياسية وعسكرية. إذن هي منطقة مغلقة واقعة تحت حصار من النظام وحلفائه منذ خمس سنوات، وفيها حشد سكاني كثيف يبلغ ما بين أربعمائة وخمسمائة ألف نسمة، وفيها تنظيمات مسلحة رغم طابعها الإسلامي، فإنها أقرب إلى التشكيلات المعتدلة، ولها تمثيل حاضر في جهات التفاوض السوري، ولديها خبرة ميدانية وحاضنة اجتماعية قوية، جعلتها رغم جوارها لقلب النظام وقوته، تقاوم هجمات النظام وحلفائه على مدار السنوات الماضية، وكرّست في ذلك رمزية سياسية وعسكرية على مقاومة النظام، وكلها عوامل جعلتها أبعد من المناطق الأخرى عن التأثيرات الخارجية لجهة تفاعلها مع التطورات السياسية والعسكرية للفاعلين الإقليميين والدوليين في القضية السورية، وكلها عوامل جعلت النظام وحلفاءه، يخففون الحرب على الجبهات الأخرى، ويركزون قوتهم للحسم في حرب الغوطة على نحو ما ظهر في الأسبوعين الأخيرين، والتي أظهرت نتيجتها صعوبة الحسم رغم الوحشية والدموية، التي تصرفت بهما القوات المهاجمة وطيران روسيا ونظام الأسد، وكان ذلك بين عوامل سهّلت تمرير قرار مجلس الأمن الدولي بإقرار هدنة الثلاثين يوماً.

وكما هو واضح من محتوى قرار الهدنة، وما أعقبه من تصريحات أطراف تحالف نظام الأسد مع الروس والإيرانيين، فإن الحرب مستمرة، بل إن قرار الهدنة أعطاها مستوى من مشروعية الاستمرار، وأعطى الروس فرصة القيام بتكتيكات سياسية منها فتح ممر لعدة ساعات لخروج المدنيين من الغوطة للمضيّ قدماً في الحرب حتى النهاية والسيطرة على الغوطة تحت فرضية الموت أو الاستسلام لكل من فيها، وفي هذا لا يملك أهالي الغوطة سوى خيار القتال حتى النهاية، لأنهم يدركون أن مَن لا تقتله الحرب سيُقتل تحت التعذيب في معتقلات وسجون نظام الأسد.

خلاصة القول في حرب نظام الأسد وحلفائه على الغوطة، أنها تتم وفقاً لتجربة الحرب على حلب الغربية، والتي أسفرت عن قتل كثير من سكانها، وترحيل من بقي حياً منهم، وهذا الخط الأخير غائب في الحرب على الغوطة، وحتى لو قيل إنه ممكن، فلا آليات لتطبيقه، ولا ضمانات، والأهم أن أهالي الغوطة قرروا، ألا يسيروا في طريقه أبداً، وكلها حقائق، يطرحها الواقع أمام الرأي العام والقوى المتدخلة في الصراع السوري لتجنب جريمة الإبادة الشاملة لسكان الغوطة تحت سمع وبصر العالم كله.

==========================

الحل بطرد إيران من سورية .. يحيى العريضي

العربي الجديد

الاحد 4/3/2018

خلال دراستي في الغرب في عقد الثمانينيات، كان لي جار إيراني اسمه طبطبائي؛ ناعم الملمس، حسن المسلك، حلو اللسان. تطورت العلاقات بيننا. وفي فترة بسيطة، اكتشفت استغلاليته وخبثه ونجاسة طويته. حافظت على نفسي من شرّه. عدت إلى البلاد. أوصيت قريباً لي، كان يعرفه، يسكن في الجوار؛ بقي في تلك البلاد؛ بأن ذلك المخلوق كتلة شر وفساد. لم ينتبه قريبي تماما. كان ساذجا. عامين متتاليين جعل طبطبائي حياة قريبي جحيما، كاد أن يخرب بيته وحياته، فاضطر قريبي للرحيل إلى ولاية ثانية.

على مدار عقدين، نمت بين سورية الأسد وإيران الملالي علاقة قلَّ نظيرها من التماهي والتوافق والتحالف. وازن حافظ الأسد علاقته بإيران بعلاقة مع دول الخليج التي لم تتوقف إيران عن التفكير في ابتلاعها عبر تخريبها. وقف مع إيران في وجه كل العرب، وخصوصا دول الخليج. ساعدته في خلق حزب الله، وخربت إسرائيل لبنان عن طريقه وطريق حزب الله مرتين.

عهَّد حافظ الأسد حزب الله لإيران صرفاً وعسكرةً وسياسةً؛ لكنه كان قويا إلى درجة عدم سماحه بالانفلاش الإيراني داخل سورية، محافظا على توازن العلاقة مع دولة الملالي، بحيث جعل تدخلها بالشأن السوري محدودا وغير مرئي تماما.

غاب حافظ الأسد عن المشهد السوري، فكان العيد الإيراني تجاه سورية، قويت العلاقة مع الوريث إلى درجة جعلت محمد ناصيف، رجل الاستخبارات الشهير (معاون نائب رئيس الجمهورية قبل وفاته) يرتعد من الهيمنة الإيرانية على الشأن السوري بـ "قيادة" الأسد الجديد؛ حيث كان ناصيف وصي الأسد الأب في الحفاظ على توازن العلاقة مع إيران؛ والذي كان حافظ قد رسمه خلال عشرين عاما.

قامت انتفاضة سورية؛ فكان العيد الإيراني الحقيقي، حيث أصبحت إيران المتحكم المطلق بالمصير السوري على مستوى "قيادة بشار الأسد". هي تخطط، وترسم، وتنفذ، أو توجّه بالتنفيذ. مخطئ من يعتقد أن "خلية إدارة الأزمة" لم تكن تفكر بغير عكس "الحل الأمني"، أو على الأقل ضبطه، وهو الحل الذي اختارته منظومة الأسد بتخطيط وتوجيه إيرانيين. ومن هنا، قالت مصادر إن إيران كانت وراء نهاية خلية الأزمة في يوليو/ تموز 2012.

دخل الحرس الثوري الإيراني، عبر حزب الله، مقاتلا، بل قاتلا، إلى الأراضي السورية. تخطط إيران في سورية وترسم وتقرّر، وقيادة الأسد تصرح؛ وتنفذ تلك الإرادة الإيرانية. اقتصاديا، وعسكريا، وبشريا؛ تغلغلت إيران في كل زاوية لا يزال الأسد "يسيطر" عليها.

فبركة الإرهاب و"داعش" وجبهة النصرة رسم وتخطيط إيراني بامتياز على الساحة السورية. إيران وراء اعتقال ما لا يقل عن ربع مليون سوري في سجون النظام، فهي تعرف أن ربع مليون معتقل يكسرون إرادة ملايين السوريين. إن لم تتدخل إيران لا يخرج معتقل. إيران هي من يعطل ملف المعتقلين التي حاولت مداولات أستانة فتحه.

ملالي إيران هم من جر الدب الروسي عام 2015 عسكريا إلى الساحة السورية؛ حيث بشار الأسد ليس حالة موثوقة بالنسبة للروس. كثيرة هي المرات التي عبر فيها مسؤولون روس عن احتقارهم له.

إيران هي التي تعطي زخما للروس في وقوفهم أمام الغرب. ومن هنا، رهان بعضهم على شرخ روسي - إيراني في سورية أمر يحتاج إعادة نظر.

إيران وراء مأساة حلب، وتنسيقها مع جبهة النصرة هو ما فتح الطريق أمام مليشياتها وبقايا فلول جيش الأسد كي تسقط حلب. الأمر نفسه في القلمون وفي تدمر بوساطة "داعش". إيران هي التي نقلت "داعش" من غرب سورية إلى شرقها. إيران وراء استخدام السلاح الكيماوي في سورية. إيران هي التي تحول دون بيع روسيا ورقة اسمها بشار الأسد. إيران هي التي ستغرق روسيا في مستنقعٍ يتجاوز مستنقع أفغانستان بمرات. إيران وراء مأساة الغوطة؛ والخطوة الأخيرة باعتقادها لتقسيم سورية، ووضع اليد على ما سُمِّيت "سورية المفيدة".

إيران هي السر الأساس للمأساة السورية. هي وراء التغيير الديموغرافي الذي ينهي من الوجود شيئاً اسمه سورية.

لحظة انكسار إيران في سورية هي نهاية المأساة السورية، هي لحظة الخلاص من منظومة الأسد، هي لحظة الخلاص من كل الاحتلالات التي استجلبتها مع صبيها كي تشرعن وجودها.

غادر قريبي الولاية كي يتخلص من شرور طبطبائي. كان عليه أن يمتلك من الصمود والشرور ما يكفي لكي يطرد طبطبائي. ليس أمام السوريين الآن إلا طرد الإيرانيين من بلدهم.

==========================

سورية: قصة موت معلن ولا من يهتم .. أكرم البني

الحياة

الاحد 4/3/2018

... والقصة، حين يغدو قتل السوريين وخراب بلادهم مجرد عناوين عابرة في نشرات الأخبار، وتصبح صور استباحة غوطة دمشق بالقنابل المدمرة ومشاهد الضحايا وهم يخرجون مشوهين من تحت الأنقاض، أو يستغيثون مذعورين لإنقاذ من التهمتهم الحمم من أهلهم وأطفالهم، صوراً ومشاهد روتينية يتابعها الملايين من دون اكتراث، ربما وهم يحتسون قهوة الصباح، كأن ما يجري لا علاقة له ببشر مثلهم، لهم حق الحياة ويشاركونهم العيش على سطح هذا الكوكب.

والقصة أيضاً، أن تستباح بلادنا ويتقاسمها الطامعون كأنها قطعة حلوى مستهترين، أيما استهتار، بوحدة أرضنا ومستقبل أجيالنا، ومتلاعبين بسادية بغيضة، بدمائنا وآلامنا، بتعدديتنا وإثنياتنا وطوائفنا، في حين يعجز مجلس الأمن عن فرض هدنة لمدة شهر واحد فقط لمساعدة المنكوبين على التقاط أنفاسهم، وتفشل الوساطات الدولية في إخراج «عشرات الجرحى» من ذوي الحالات الحرجة والخطيرة من مناطق الحصار! والأنكى أن يشكك زعماء سياسيون في صدقية الأرقام التي توردها منظمات حقوقية عن أعداد القتلى الذين سقطوا من المدنيين والأطفال، إن بسبب غارات النظام وحلفائه الهمجية والكثيفة على أرياف دمشق وإدلب، أو نتيجة الاجتياح التركي لمنطقة عفرين، بينما يتهرب زعماء آخرون من مسؤوليتهم الأخلاقية والإنسانية تجاه قصف عشوائي ومدمر أصبح خبز المحاصرين اليومي، عبر تكرار لازمتهم المريعة، بأن الحل السياسي هو السبيل الوحيد لوقف هذه المأساة الإنسانية، كذا!

ويزيد الطين بلة تقليل وزير خارجية أميركا من قيمة ما يثار عن استخدام غاز الكلور ضد المقاتلين الأكراد، ربما كي يبيح لأنقرة استخدام ما دون الكيماوي من وسائل فتك وتنكيل لاجتياح عفرين، كما أباحها ولا يزال للنظام السوري!.

فكيف الحال مع إعلان المنظمات الأممية أن ما يحصل في سورية هو من أكبر الأزمات الإنسانية التي واجهتها خلال تاريخها، وخلوصها إلى الاعتراف بأنها تقف عاجزة اليوم عن مساعدة أكثر من عشرة ملايين سوري تعرضوا لأضرار مختلفة... مئات الآلاف من الجرحى والمشوهين، ومثلهم من المفقودين والمعتقلين، وملايين باتوا اليوم بلا مأوى وفي حالة قهر وفقر شديدين وقد فقدوا كل ما يملكون أو يدخرون، منهم من نزحوا داخلياً إلى أماكن أقل عنفاً ويعانون الأمرين، ومنهم من لجأوا إلى بلدان الجوار ليعيشوا في معازل لا تليق بالبشر، وفي مخيمات لا تقيهم برد الشتاء ولا الانتهاكات الجسيمة وظواهر الإذلال التي يتعرضون لها، ناهيكم عن إخضاع حياتهم لمعونات أممية تتقلص تدريجاً وتعجز عن تلبية أبسط احتياجاتهم، وأسوأ النتائج فقدان أكثر من ثلاثة ملايين طفل سوري فرص التعليم والرعاية الصحية، ما سهل استغلالهم جسدياً، ليصبح وجعاً مألوفاً انتشار الزواج العرفي للقاصرات في مخيمات اللجوء، أو ازدياد عدد العاملات والخادمات السوريات اللواتي يغتصبن أو يجبرن على ممارسة الدعارة، أو انتشار الصبية والفتيات الصغيرات في شوارع مدن اللجوء لبيع مواد استهلاكية بسيطة كي يعيلوا أنفسهم وأسرهم!.

وكيف الحال مع انسحاق غالبية السوريين تحت وطأة الحاجة وتدهور شروط المعيشة وغياب فرص العمل، عاجزين عن تأمين الحد الأدنى من مستلزمات الحياة، ربطاً بانهيار القدرة الشرائية وتفشي غلاء فاحش وتصدع القطاعات الإنتاجية والخدمية، وربطاً بتشوهات وضغائن باتت تخنق حياتهم اليومية بسبب ما خلفه العنف المفرط والاستفزازات الطائفية من شروخ وانقسامات، ومن شحن للعصبيات وروح التنابذ والنزعات التحقيرية الإقصائية.

يصح القول إن التاريخ الحديث لم يشهد بؤرة صراع دموي أهملت من قبل العالم أجمع وعرفت هذا الاستهتار المخزي بالأرواح التي تزهق وباتت مرتعاً لصراعات النفوذ وتقاسم الحصص، كالبؤرة السورية، والأنكى حين ترعى هذه المأساة ثورة الاتصالات ولغة الصورة التي تصل إلى كل بيت وتكشف للبشرية ما يعجز اللسان عن كشفه وقوله، ليتكرر السؤال، لماذا تركت سورية تحديداً لهذا المصير المرعب؟! ولماذا كانت هي من دون سواها، محط حقد أو إهمال الجميع، ومسرحاً للفرجة على دوامة الفتك اليومي ونهر الدماء الجاري وأنات الضحايا والمعذبين؟!.

والجواب لا يقتصر فقط على المسؤولية الأساس لسلطة استبداد أنانية ازدرت السياسة ورفضت تقديم التنازلات لشعب طالب بأبسط حقوقه، ودأبت على تحويل الحراك السلمي إلى صراع مسلح مشحوناً بالغرائز والاستفزازات الطائفية، وتصرفت كأنها في معركة وجود أو لا وجود، وبأن ليس من رادع يردعها في استجرار ما هب ودب من قوى قمع خارجية وتوظيف ما تمتلكه من أدوات القهر والتنكيل، كي تحافظ على سطوتها وامتيازاتها، وإنما يتعلق أيضاً بمعارضة ضعيفة ومشتتة، فشلت في نيل ثقة الناس وقيادة ثورتهم، حكمت مواقفها الأوهام بانتصار سريع، ورهانات على دعم خارجي حاسم، ونزاعات على المناصب وتقاسم جلد الدب قبل اصطياده، ويتعلق تالياً باستحضار مريب لجماعات الجهاد الإسلاموي، ودعمها بمال سياسي لا تخفى شروطه وإملاءاته، وتشجيعها على تفريخ جيوب إسلاموية هنا وإمارات لداعش والقاعدة هناك، متوسلة ممارسات إرهابية وتصفوية تنضح بتعصب مذهبي بغيض يناقض ثقافتنا الدينية الجمعية واعتدالها، والأنكى ابتلاء السوريين بسياسات دولية وعربية سلبية، لم تكترث بحيواتهم وآلامهم ومعاناتهم، واكتفت من باب رفع العتب بتكرار «قلقها» على ما يحصل، وفي أحسن الحالات «بإدانات لاذعة» للعنف السلطوي ربما لامتصاص الضغط الأخلاقي الناجم عن صور مروعة للخراب والضحايا لا يحتملها عقل ولا ضمير.

هي قصة سنوات من القتل والاعتقال والتدمير، من دون أن يبالي أحد بنا أو يهتم، هي قصة رجاء وأمل ممن يئنون تحت وطأة الوجع والخراب، بأن يتوقف هذا العنف وتلك الاستبـــاحة وذاك الاستهــتار المخزي بأرواحنا، هي مناشدة أخلاقية للضمائر يحدوها سؤال مرير، أليس هناك ما يمكن فعله أو قوله، كي لا تؤرخ قصتنا كهزيمة للحياة والعقل والإنسان، كهزيمة لوطن حلم أبناؤه بالخلاص من القهر والتمييز والعيش كغيرهم، بحرية وكرامة!.

==========================

ما هذه الشرعية الدولية؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 3/3/2018

استعادت روسيا كامل قوتها الجوية في حميميم (في سورية)، وعزّزتها بطائرتين من الجيل الخامس، ما زالتا قيد التجربة، أعلن رسمياً أنهما أرسلتا إلى "حقل الرماية السوري" كي تختبرا، مثلما اختبرت قبلهما مئات الأسلحة والذخائر الجديدة على أجساد السوريين.

وكان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قد أعلن من حميميم أن بلاده هزمت "داعش". ثم، وفي آخر استدعاء لبشار الأسد إلى موسكو، قدم للأخير رهطاً من جنرالاته، وهو يقول: تعال أعرّفك على الذين هزموا "داعش"، فكان إعلانه هذا أول رد على إيران التي نسبت الانتصار على الإرهاب إلى قاسم سليماني، بشهادة حسن نصر الله الذي زعم أنه دخل سورية لمقاتلة التكفيريين، ومنعهم من الدخول إلى لبنان، لكنه أخرج فصيليهم الداعشي والقاعدي من عرسال بباصات مكيفة إلى حيث أرادا في سورية، وعندما أوقف الأميركيون قافلة دير الزور التي رفرفت أعلام حزب الله على باصاتها، أرسلت إيران مذكرة إلى الأمم المتحدة تستنكر الاعتداء على حقوق الدواعش المساكين.

أعلن بوتين الانتصار، لاعتقاده أن ما قاله وزير خارجيته، سيرغي لافروف، عن انفتاح باب الحل السياسي، صحيح، وأن الأوراق السورية والإقليمية صارت في يده، لكن لقاء سوتشي أيقظه من أوهامه، فقرّر التستر، بالتعاون مع الأمم المتحدة واستكمال الحسم العسكري، الذي اعتمده لإنقاذ الأسد. عندئذ، أعلنت خارجيته استئناف الحرب ضد الإرهاب في مناطق خفض التوتر، وخصوصاً منها غوطة دمشق: معقل الثورة الذي بسقوطه سينهار كل شيء، كما يعتقد جنرالات حميميم الذين شنوا حملات قصفٍ مرعبة، استهدفت سكانها، أعقبوها بهجماتٍ برية ضارية من جميع الجهات، قُتل وجُرح خلالها ثلاثة آلاف إنسان في ستة أيام.

... بعد جهود دولية استمرت أسبوعاً، تخلت روسيا عن التهديد باستخدام حق النقض، إذا قرّر مجلس الأمن وقف القتال، وبعد مداولاتٍ مضنيةٍ طوال ثلاثة أيام، اتخذ قرار وقف إطلاق النار، لكنه تحول من وقف فوري إلى وقف في أقرب وقت، وخلا من أية آليات وضمانات. عندئذٍ، وافق مندوبها على القرار الناقص، ثم أعلن، بعد التصويت عليه، إن التطبيق المباشر للقرار مستحيل، من دون اتفاق الطرفين المتحاربين على تنفيذه. بذلك، أعطت روسيا حق النقض (الفيتو) الذي تخلت عن استخدامه تحت الضغط الدولي إلى بشار، لتلغي بذلك القرار الذي كان مندوب الأسد في الأمم المتحدة، بشار الجعفري، يعلن رفضه، بعد إقراره بدقائق (!).

هذا النمط من الاحتيال الذي لا يليق بدولة تحترم نفسها. وهذا الخروج الفظ على الشرعية الدولية الذي يخضع تطبيق قرارٍ أصدرته لموافقة الجهة التي صدر ضدها، بشار الأسد، ما لبث أن أضيف اليه قرار اتخذه بوتين، بعد توسل فرنسي/ ألماني مذل استمر ثلاثة أيام، قلص هدنة الشهر التي يحظر القرار الدولي انتهاكها حظرا مطلقا، إلى هدنةٍ يوميةٍ مدتها خمس ساعات، جعل هدفها ليس إغاثة السكان وإنقاذهم، بل تهجيرهم من قراهم ومدنهم، فإن رفضوا الخروج، تم استئناف القصف والقتل، كأن مجلس الأمن لم يقرّر، بموافقة روسيا قبل ثلاثة أيام، هدنه تستمر شهرا، أو كأن روسيا ألغت موافقتها عليه بمفعول رجعي.

بعد تعطيلها الشرعية الدولية بالفيتو، تقوّضها روسيا اليوم وتعطل مؤسساتها عبر إعطاء حق الفيتو لمجرم، في رسالة إلى المجتمع الدولي: انس أنك تستطيع بعد اليوم إلزام أحد بقراراتك، لأننا نستطيع إلغاءها بعد اتخاذها، بموافقتنا، بمنع تنفيذها وربطها بموافقة ذلك المجرم الذي قتل وشرد ثلثي شعبه.

==========================

تعقيب على فتوى .. زهير سالم

6 / 3 / 2018

مركز الشرق العربي

ليست كل المعارك بين الحق والباطل تكون بين كفر وإيمان ..

كانت صفين معركة بين الحق والباطل . وكذا كانت ثورة ابن الأشعث ضد الحجاج وسمي جيش ابن الأشعث جيش ( القراء ) لكثرة من فيه من العلماء . وكان منهم سعيد بن جبير الشهيد . ومنهم الشعبي الملقب أمير المؤمنين في الحديث .

حتى ( كربلاء ) واحر قلباه من كربلاء ، لم تكن بين كفر وإيمان بل كانت ...وصفّوها يا علماء الإسلام ..

وعندما قال الله تعالى (( فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي )) ، وصفهم بالبغي ، ولم ينزع عنهم إيمانهم ولا إسلامهم .

إذا كنت لا تشك في توصيف أئمة الكفر ، فكيف بمن دونهم ، ممن ضُلل وخُدع أو خُيّل إليه ، أو ربما استـُكره كما استكره يوما سيدنا العباس عم رسول الله ..

مشروعية قتال فئة أو مجموعة لا تعني بالضرورة كفرها ولا تتطلب الفتوى تكفيرها. يقول المفتي بجواز القتال أو ندبه أو وجوبه ، ولا يحكم بالكفر . وهذا الذي التبس على الكثيرين ، فاندفعوا نحو التكفير ليسوّغوا القتال والقتل . قد يشرع القتل لغير الكفر ، فلا يجوز جعل التكفير عتبة لاستحلال القتال . دين المسلم أخطر من دمه مع أن أمر دمه عند الله عظيم .

" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ "

________________

* مدير مركز الشرق العربي

============================

شرق أوسط جديد بنكهة إيرانية .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 3/3/2018

من قضى على ثورة محمد مصدق في إيران في خمسينات القرن الماضي عندما حاول تأميم النفط ووضع ثروات إيران تحت سيطرة الإيرانيين، هو نفسه من قضى بعده على الشاه محمد رضا بهلوي بعد أن استنفد وظيفته الأمريكية، وهو نفسه من أتى بالخميني حاكماً لإيران لتنفيذ مشروع أمريكي جديد تظهر معالمه بوضوح صارخ في الدور الذي تقوم به إيران في العالم العربي.

لا ننسى أن الشرق الأوسط نفسه صناعة بريطانية، وحتى التسمية ذاتها هي من اختراع القائد البريطاني التاريخي ونستون تشرتشل. حتى هذه اللحظة مازال هذا الشرق الأوسط على حاله كما رسمه المستعمر الغربي. وكل ما يجري فيه مجرد تحسينات أو تعديلات أمريكية تناسب المستعمر الجديد بلاعبين جدد على رأسهم إيران. ولا ننسى أنه كما كان لبريطانيا وفرنسا سايكس وبيكو، فإن لأمريكا رالف بيترز الذي وضع أسس الشرق الأوسط الجديد على الطريقة الأمريكية في كتابه الشهير «حدود الدم». والبعض يرى أن مشروع بيترز سيرى النور تدريجياً بعد أن تكون اتفاقية سايكس -بيكو البريطانية الفرنسية الروسية قد أنهت قرنها الأول.

ولعل أبرز مظاهر الشرق الأوسط الأمريكي الجديد أن لإيران فيه دوراً بارزاً يتجلى في هيمنتها على أربع عواصم عربية حتى الآن بشهادة كبار ساستها. لا تستهينوا بدور إيران في الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية الجديدة في الشرق الأوسط الجديد. ولا تنخدعوا بالحروب الإعلامية الكاذبة بين الغرب وإيران، فليس المهم ما نسمعه وما نقرأه، بل المهم ما نراه على الأرض، فمن يخشى من إيران وتمددها وتغلغلها الرهيب في المنطقة لا يمكن أن يسمح لها بابتلاع العراق واليمن ولبنان، ويسمح لها بإرسال مئات الألوف من المقاتلين الشيعة إلى سوريا ليصلوا إلى حدود إسرائيل في الجولان السوري المحتل. كلنا يعلم أن إسرائيل تخشى من النسيم العليل على أمنها، وهي عادة تقوم بضربات استباقية قبل عشرات السنين لأي خطر يمكن أن يواجهها في المستقبل كما فعلت عندما دمرت مفاعل تموز العراقي وهو قيد البناء، بينما تركت إسرائيل والغرب إيران تطور قوتها النووية على مدى عقود دون أن تتعرض المواقع الإيرانية النووية لأي هجوم إسرائيلي يذكر.

كما أن إسرائيل ضرورة استراتيجية أمريكية في الشرق الأوسط، فإن إيران أيضاً باتت ضرورة كبرى في اللعبة الغربية في المنطقة، وما الأدوار الكبيرة التي تقوم بها إيران في أكثر من بلد عربي إلا دليل صارخ على ذلك. دعكم من مسرحيات استبدال السفارة الإسرائيلية بسفارة فلسطينية في طهران بعد رحيل الشاه وتسلم الخميني الحكم في إيران. دعكم من شعارات الشيطان الأكبر والتصدي الأجوف للإمبريالية والصهيونية، فقد كشفت الأيام أن الذين كانوا يرفعون أصواتهم عالياً ضد الإمبريالية والصهيونية تبين أنهم أكبر خدمها وعملائها. ولم يكن النظام السوري (الممانع) بين قوسين طبعاً أداة إسرائيلية لما بقي حتى الآن، وكلما دمر وقتل أكثر زادت فرص بقائه.

بدل أن تضيعوا في متاهات الشعارات الإيرانية الجوفاء، انظروا ماذا حققت إيران الخمينية للغرب منذ عام 1979. دخلت في حرب ساحقة ماحقة مع العراق لثماني سنوات، وعندما فشلت في احتلال العراق في المرة الأولى، عادت وتحالفت مع أمريكا في غزو العراق في المرة الثانية ونجحت بعد ذلك في السيطرة على العراق بمساعدة ومباركة أمريكية لا تخطئها عين.

كيف يمكن أن نصدق أن الخميني جاء لمحاربة الغرب إذا كان يسجل كل أشرطته التي كان يحرك بها الشعب الإيراني في الداخل من شقته في باريس بفرنسا تحت نظر وسمع المخابرات الأمريكية والغربية كلها؟ لو كان الخميني يشكل خطراً واحداً في المئة على المشاريع الغربية لما ترددوا في قتله في باريس خلال لحظات، لكنهم كانوا يحمونه ويدعمونه ويرسلون منشوراته إلى داخل إيران كي يحرض الشعب وكي يعود حاكماً بدل الشاه في يوم من الأيام. لم تكن الثورة الإيرانية أبداً ثورة شعبية، بل كانت كغيرها من الثورات الحديثة ثورة مخابراتية من تأليف وإخراج الاستخبارات الغربية.

هل يمكن تصنيع الشرق الأوسط الجديد الذي وعدت به كوندوليزا رايس من خلال مشروع الفوضى الخلاقة من دون الدور الإيراني النشط؟ هل يمكن إعادة رسم خرائط العراق واليمن وسوريا ولبنان وغيره من دون التدخل الإيراني؟ بالطبع لا. هل يمكن ضرب دول المنطقة ببعضها البعض وتشكيل أحلاف وخرائط جديدة من دون إيران؟ هل يمكن إشعال الصراع الشيعي السني بدون تغلغل إيران في المنطقة؟ ألا ترون العداء الإيراني الخليجي المتصاعد الذي تديره أمريكا من خلال مشروعها الشرق أوسطي الجديد؟ هل يمكن للغرب أن يبيع أسلحته سنوياً بمليارات الدولارات للعرب مند دون وجود الخطر الإيراني المرسوم أمريكياً؟

لا تصدقوا أن أمريكا يمكن أن تعمل على إضعاف إيران، لأن إيران هي الأوزة التي تبيض ذهباً لمصانع الأسلحة الأمريكية. ولولاها ولولا مشاريعها التوسعية المدعومة أمريكياً لما كان هناك شرق أوسط أمريكي جديد، ولما كانت المنطقة دائماً على كف عفريت تنفق ميزانياتها على السلاح بدل التنمية والنهوض ببلدانها وشعوبها.

لو كانت أمريكا وإسرائيل تخشيان من إيران لما غضتا الطرف عن ابتلاعها العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحبل على الجرار.

 

٭ كاتب واعلامي سوري

==========================

هذه البيئة الإكراهية للقرار 2401 .. غازي دحمان

العربي الجديد

الخميس 1/3/2018

اشتغلت ورشة لتدوير الزوايا في كواليس مجلس الأمن ثلاثة أيام، على مشروع القرار بشأن الغوطة الشرقية في ريف دمشق، والذي تقدمت به الكويت والسويد، من أجل ملاقاة الروس في منتصف الطريق، وإخراج القرار السبت رقم 2401. فقد تم انتزاع كل ما يشير إلى الإلزام بوقت محدد لوقف إطلاق النار، وإلى آليات تنفيذية وأطراف ضامنة، وكيفية الرد على خرق الاتفاق، فظهرت الصياغة واسعة وغير دقيقة، فجاء القرار مهلهلاً مليئا بالثقوب، خصوصا وأنه ترك الباب مفتوحاً لاستكمال هجمات النظام البرية، بسبب عدم تحديده وقت سريان الهدنة، كما ترك لروسيا ونظام الأسد إمكانية استهداف المناطق التي يتذرعون بوجود جبهة النصرة فيها.

لكن، على الرغم من كل ما سبق، يمكن القول إن صدور القرار عطّل عملية اجتياح كبرى جهزت لها روسيا والمليشيات، بعد تجهيز أعداد كبيرة من المقاتلين، عشرات الألوف من قوات نخبة النظام والمليشيات الإيرانية والعراقية وكتائب من حزب الله، مدعومة بأحدث أنواع الأسلحة الروسية التي لم يسبق استخدامها بعد في الحرب السورية، وقد تم التمهيد للعملية بطوفان ناري، شاهده العالم، ويفوق طاقة ال 90 كيلومترا (المساحة التي تحت سيطرة الفصائل في الغوطة) على الاحتمال.

أرادت روسيا وحلفاؤها تغيير المعطيات بشكل كبير في الحرب السورية، من خلال تأمين حزام العاصمة، وإبعاد خطر المعارضة نهائيا، وكشف وزير الخارجية الروسية، سيرغي لافروف، عن سقف ما تريده بلاده في الغوطة، عبر إعادة تجربة حلب التي أفضت إلى خروج 

"سيشكل القرار باباً لنزاع غربي – روسي جدي في سورية" المعارضة نهائياً، بناء على تقدير الكرملين أن الوقت قد حان لتنفيذ هذا الأمر. وبالفعل، وفّرت روسيا الموارد اللازمة لتطبيق ذلك، إلى درجة أن بعض الإعلام الغربي ذهب إلى اعتبار الغوطة ساقطة، ولم يعد مفيداً العمل على إنقاذها.

وفي مقدمة خلفيات قرار روسيا السيطرة على الغوطة إضعاف الموقف الغربي في المفاوضات بشأن سوربة، وفرض أمر واقع تجعله يعمل تحت سقف ما تريده روسيا. وقد تسرب، عبر تقارير دولية، أن روسيا أرادت لنظام الأسد السيطرة على حزام دمشق، لإعلان بدء مرحلة إعادة الإعمار وإيجاد حالة من التنافس بين الشركات الإقليمية والدولية، من أجل الحصول على حصة. وبالتالي، وضع الدول الغربية أمام خيارين، العزلة والابتعاد عن الموضوع السوري، أو الرضوخ لضغط شركاتها التي ستتسابق على كعكة الإعمار، على اعتبار أنها فرصة ثمينة، لا يجوز التفريط بها.

وفي المقابل، ثمّة عوامل أضعفت الموقف الروسي، أهمها فشل عملية اقتحام الغوطة في وقت سريع، حيث كان مقدراً للعملية أن تنتهي في أيام معدودة، بالنظر إلى الاستعدادات الهائلة والموارد الكبيرة التي تم توفيرها، وإذا تعثر الاختراق والسيطرة البرية الكاملة، على الأقل السيطرة على مواقع استراتيجية حاكمة تجعل منطقة الغوطة ساقطة عملياً، ويتم إجبار الفصائل على الاستسلام، وطلب الخروج مع عائلاتهم، وفق المخطط الروسي الذي أعلن عنه لافروف.

وعلى الرغم من الإسناد الناري الكثيف، لم تحقق القوات المهاجمة أدنى اختراق، حيث تكشّف أن الفصائل استعدت جيداً عبر تحصين المواقع، وبناء الأنساق الدفاعية جيدا. وعلى الرغم من احتمالية تحقيق القوات المهاجمة خروقا هنا أو هناك، ما زالت ممكنة حتى بعد صدور قرار مجلس الأمن، إلا أنها لم تعد كافية، لتغيير المعطيات بشكل كبير، وقد أدركت روسيا هذه الحقيقة، وأدركت معها أن تقييمها الوقت المطلوب لتحقيق أهدافها لم يكن دقيقاً. وثمة حاجة لوقت أطول بكثير، لم يكن ممكناً في ظل ضغوط دولية غير مسبوقة عليها.

وقد شكّل الضغط الدولي، وتحديداً، ضغوط أميركا وبريطانيا وفرنسا، عاملاً حاسما في الموافقة الروسية على وقف إطلاق النار، كما أنها شكّلت معطيات جديدة في الحرب السورية، دفعت روسيا إلى إعادة حساباتها، أقله بالنسبة للغوطة، وفي هذا التوقيت تحديدا.

وكانت دعوة بعض الإعلام الغربي إلى قصف مطارات نظام الأسد تشير إلى تبلور اتجاه 

"ثمّة عوامل أضعفت الموقف الروسي، أهمها فشل عملية اقتحام الغوطة في وقت سريع" محدّد، قد يتحول إلى توجه وسياسة، كما أن تحذيرات مندوبي الدول الغربية إلى احتمال تفعيل مبدأ مسؤلية الحماية الدولية الذي أقرّه مؤتمر القمة العالمي سنة 2005، ويقضي بحق السكان المدنيين في أي دولة بالحماية، إذا ما واجهوا تهديدا بالإبادة، حيث ينطبق هذا الوضع على سكان الغوطة بشكل كبير.

وبالطبع، قلل هذا التطوّر في الموقف الغربي الخيارات الروسية، وحصرها في التفاوض على تحسين شروط القرار، وليس إلغاءه، كما حصل في حلب سابقاً، وقد كانت واضحةً مخاوف المندوب الروسي من احتمال استغلال الدول الغربية هذا القرار واتخاذه وسيلة لضرب النظام، أو حتى إسقاطه، وقد عبر لافروف عن هذه المخاوف، حينما قيّم القرار، قبل تعديله، أن الدول الغربية ترغب من خلاله بإسقاط نظام الأسد.

من الواضح أن هذا القرار، وعلى الرغم من كل التحريفات التي أدخلتها روسيا عليه، سيشكل باباً لنزاع غربي – روسي جدي في سورية. وإذا كانت روسيا قد رضخت تحت ضغوط الدول الغربية والموافقة على تمريره، فالمؤكد أنها ستعمل بكل جهدها على تفريغه والالتفاف عليه، بذرائع كثيرة، وحتى ألعاب استخباراتية قذرة، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار قدرته على فرض وقف إطلاق النار في سورية، كما يضع المعارضة السورية أمام ضرورة اجتراح أفكار وأساليب خلاقة لتفنيد الذرائع الروسية، وكشفها أمام العالم.

==========================

فشل السياسة الروسية في سورية .. رضوان زيادة

العربي الجديد

الخميس 1/3/2018

لم يعد لروسيا في سورية سوى سياسة الأرض المحروقة، كما تتبعها في الغوطة الشرقية، كل محاولاتها في حل سياسي كانت مجرد تغطيةٍ على دورها العسكري في حماية (ودعم) مجرم يحكم بلداً اسمه سورية، ويستخدم كل مواردها ليس لحماية سكانها وشعبها، وإنما لقتلهم وتدميرهم وتهجيرهم.

فكما توقع خبراء ومراقبون كثيرون للحرب السورية، فإن مؤتمر سوتشي الذي أصرّت موسكو على عقده، في نهاية يناير/ كانون الثاني الماضي، انتهى بفشل ذريع، وعلى الفور أقال الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، نائب وزير الخارجية غينادي غاتيلوف الذي كان مسؤولاً عن الملف السوري وتنظيم مؤتمر سوتشي، من دون أن تعترف الخارجية الروسية بأن السبب المباشر كان وراء إقالته فشل المؤتمر، بسبب عدم التحضير الجيد والفجوة الكبيرة بين الأطراف المشاركة، وعدم محاولة إيجاد مناخ إقليمي ودولي، يساعد في تخفيف التوتر وإنجاح المؤتمر، بل على العكس رفضت الولايات المتحدة حضور المؤتمر، بينما شاركت الأمم المتحدة بعد ضغوط روسية على المبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا.

وكان أقصى ما تم التوصل إليه بعد المؤتمر هو الإعلان عن إنشاء لجنة دستورية تحت رعاية الأمم المتحدة، ووفقاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، كما أشار دي ميستورا، وتم وضع الأمر تحت إدارته الكلية، فهو المخول بتشكيل اللجنة من ممثلين للحكومة وممثلي المعارضة المشاركة في المفاوضات، وخبراء سوريين وممثلين للمجتمع المدني ومستقلين وقيادات قبلية ونساء، كما ستضم تمثيلا مناسبا للمكونات العرقية والدينية لسورية. وكأن المؤتمر كله كان أقرب للاستعراض الروسي بالمساهمة في الحل السوري، على الرغم من إدراك روسيا أن طريق الحل لا يبدأ في سوتشي، وإنما في ممارسة ضغوط سياسية حقيقية على النظام السوري للقبول بالانتقال السياسي.

وردا على هذا الفشل، قامت روسيا بتصعيد عسكري غير مسبوق في كل من إدلب والغوطة

"قامت روسيا بتصعيد عسكري غير مسبوق رداً على فشل مؤتمر سوتشي" الشرقية، مستهدفةً، بشكل رئيسي، المراكز الطبية والمستشفيات، مع تقارير موثقة عن استخدام غاز الكلور في سراقب. وكان نتيجة ذلك سقوط مئات من المدنيين الأبرياء، ما دفع المفوض السامي لحقوق الإنسان، الأمير زيد بن رعد، إلى اتهام روسيا بارتكاب جرائم حرب في قصفها الغوطة الشرقية وإدلب.

أرادت روسيا من هذا التصعيد العسكري بث رسائل واضحة إلى المعارضة السورية التي رفضت المشاركة في مؤتمر سوتشي أنها هي من تمتلك مفاتيح الحل في سورية، وعلى المعارضة الموافقة على الشروط الروسية، ورفض تمسكها بمسار جنيف للحل السياسي في سورية، كما أعلنت المعارضة مرات. وقد يتيح هذا التصعيد العسكري الفرصة لروسيا في حشر الولايات المتحدة في الرّقة، ومنعها من التفكير في التقدم غرباً، عبر "قوات سورية الديمقراطية" باتجاه دير الزور أو غيرها من المناطق حيث ما زال تنظيم داعش" يمتلك بؤراً أو خلايا كما حصل مع فوج من مقاتليه الذين عبروا إلى إدلب من مناطق يسيطر عليها النظام السوري، وتمكن الجيش الحر من قتل عديدين منهم وأسر البقية.

فروسيا إذا مصممة على دحر المعارضة العسكرية عسكريا، وكل سيناريوهات المحادثات في أستانة كانت تهدف إلى تخفيف الضغط الدولي على روسيا، كما أنها ما زالت توظف حضورها في مجلس الأمن، بامتلاكها حق النقض (الفيتو) من أجل منع تشكيل لجنة تحقق بالهجمات الكيميائية في سورية، عقب انتهاء مهمة اللجنة المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر استخدام الأسلحة الكيميائية، كما أنها مارست "الفيتو" لمنع إدانة النظام السوري الذي حملته تقارير الأمم المتحدة المسؤولية المباشرة عن استخدام السلاح الكيميائية في خان شيخون، وبالتالي حمايته من أي شكل من المحاسبة، بعد انتهاكه القرارات الدولية التي تجرّم استخدام هذا السلاح.

فيما يسود الغموض حقيقة العلاقة الروسية الأميركية، حيث لم يصدر عن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أو البيت الأبيض، أي بيان يدين فيه التصعيد العسكري الروسي ضد المدنيين 

"إقالة نائب وزير الخارجية غينادي غاتيلوف بسبب فشل سوتشي" في سورية، واكتفت الخارجية الأميركية بإصدار بيان مقتضب، تعبر فيه عن قلقها من سقوط المدنيين، من دون الإشارة إلى المسؤولية الروسية عن هذه الهجمات، ما زالت الاستراتيجية الأميركية في سورية غير واضحة، على الرغم من تقديم وزير الخارجية، ريكس تيلرسون، رؤيته لسياسة بلاده في سورية في جامعة ستانفورد، بناء على خمس قواعد أساسية، أهمها الحد من النفوذ الإيراني والقضاء على "داعش" ومنع استخدام الأسلحة الكيميائية وضمان تحقيق انتقال سياسي لن يكون الأسد جزءا منه، لكن على ما يبدو تتغير الخارطة الحقيقية للاعبين في سورية على الأرض بشكل سريع، وأهمها توسع النفوذ الروسي في مناطق المعارضة السورية، ومحاولة الضغط على المناطق التي تسيطر عليها "قوات سورية الديمقراطية" المدعومة من الولايات المتحدة في الرقة ودير الزور، بغرض السيطرة الكاملة على حقول النفط والغاز السورية واستثمارها. ولذلك وقعت وزارة النفط السورية التابعة لنظام الأسد مذكرة تعاون مع روسيا، من أجل استثمار حقوق النفط والغاز في المناطق الشرقية السورية التي تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية. ولذلك عندما تقدمت المليشيات التابعة لنظام الأسد باتجاه هذه الحقول، ردت قوات التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، باستهداف هذه المليشيات، ما أوقع أكثر من مائة قتيل، بحسب بيان التحالف الدولي. وعلى الفور، أصدرت الولايات المتحدة بيانا، أوضحت فيه أن مصالحها الرئيسية في سورية ما زالت تركز في القضاء على "داعش"، مع حقها في الدفاع عن نفسها أو حلفائها، إذا ما تعرّضت إلى أي هجوم من قوات النظام السوري. وبالتالي، بقيت هذه الضربة الأميركية الموجعة للنظام السوري معزولة، ولم تنبئ بتحول عسكري واستراتيجي، يقود إلى تحقيق الأهداف الخمسة التي كشف عنها تيلرسون في السياسة الأميركية تجاه سورية.

==========================

ما الذي يمنح اقتحام الغوطة كل هذه الأهمية؟ .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 1/3/2018

قد يبدو السؤال الوارد في العنوان ساذجاً، بالنظر إلى قرب المنطقة التي تتعرض لحرب إبادة من عاصمة النظام الكيماوي، ومن البديهي أن يسعى المذكور وحلفاؤه إلى استعادة السيطرة عليها. ولكن ألم تكن الحال كذلك طوال السنوات السابقة التي أمضاها السكان في حصار خانق وقصف دائم؟ لماذا صدر الآن فقط قرار الحسم بشأنها؟

للجواب على هذا السؤال لا بد من تركيز النظر على روسيا، لا على النظام. فالروسي الذي تصرف بانتشاء المنتصرين، بعد نجاحه في اجتياح حلب الشرقية، وأطلق مسار آستانة، بالاشتراك مع إيران وتركيا، ثم أعلن تحقيق النصر، على لسان الرئيس بوتين، من قاعدة حميميم قرب اللاذقية، تلقى، بعد ذلك، سلسلة من الصفعات أعادت إليه الرشد من سكرة النصر الزائف، فبات ينظر إلى الغوطة كلقمة سائغة يمكنه ابتلاعها بسهولة، على أمل أن يعود إلى إعلان النصر مرة أخرى.

فقبل كل شيء اتضح للعالم أن ما أعلنته روسيا، مع شريكيها السوري والإيراني، من مناطق خفض التصعيد، لم يكن سوى خدعة لمواصلة قضم المزيد من الأراضي الخارجة عن سيطرة النظام، وفقدت تلك «الخطة» كل ما رافق صدورها من تعويم إعلامي. أضف إلى ذلك أن تقسيم سوريا وتقطيع أوصالها بتلك الطريقة، قد شكل أرضية مناسبة لتعلن واشنطن أيضاً عن منطقة نفوذها شرقي نهر الفرات، بعد انتهاء الهدف الأصلي المعلن للانخراط العسكري الأمريكي في سوريا، أي محاربة تنظيم «الدولة» (داعش)، منطقة نفوذ محمية بالقوة الفظة، كلما اقتضت الحاجة، ولفترة غير محددة.

وبين إعلان النصر على لسان بوتين، قبل أشهر في حميميم، ومعركة تدمير الغوطة، أغارت طائرات بلا طيار «مجهولة المصدر» على قاعدتي حميميم وطرطوس الروسيتين، ثم أسقطت طائرة سوخوي متطورة جنوب إدلب بمضادات طيران حرارية محمولة على الكتف، وقتل أكثر من مئة مرتزق روسي بصواريخ أمريكية قرب مدينة دير الزور، إضافة إلى عدد غير معروف من مقاتلي ميليشيات الأممية الشيعية التابعة لإيران.

وكانت الترجمة السياسية لهذه الخسائر الميدانية في «مؤتمر الحوار الوطني» في سوتشي الذي انتهى بفشل مدوٍ أزال كل أوهام النصر السريع من رأس الثنائي بوتين ـ لافروف.

وهكذا اتضح أن «النصر» على حلب قد فقد كل بريقه وطواه النسيان أمام الانتكاسات الروسية المتتالية. وإذ فشلت الحملة العسكرية باتجاه دير الزور حين اصطدمت بتصميم الأمريكيين على الدفاع عن منطقة نفوذهم، لم يبق أمام بوتين سوى البحث عن نصر عسكري جديد يعيد الاعتبار إلى حصرية الإمساك الروسي بالملف السوري. فلم يكن أمامه سوى خيارين: الغوطة أو إدلب. وبما أن تعقيدات كثيرة تحيط بموضوع إدلب (تركيا، وغزوها لعفرين المجاورة، وإقامتها لنقاط مراقبة وصولاً إلى جنوب مدينة حلب، والصراع الدامي بين الفصائل..)، فضلاً عن توقف زخم تقدم قوات النظام هناك من الجنوب، فلم يبق إلا الغوطة الشرقية المحاصرة منذ أكثر من خمس سنوات، هدفاً «سهلاً» للعدوان الروسي.

أما مرد سهولته المفترضة فهو عدم اهتمام الولايات المتحدة، وحلفائها الغربيين، بتلك المنطقة المتروكة لمصيرها. العقل الإجرامي لبوتين المتشكل على مقاس الحرب على غروزني، لا يحسب حساباً، بطبيعة الحال، لا لسكان الغوطة المدنيين ولا للفصائل المسلحة المسيطرة عليها. هو يكتفي بمراقبة الدول المتدخلة، فيحدد، بناء على ذلك، مدى سهولة ابتلاع الهدف أو صعوبته. لذلك فهو، على الأرجح، لم يشاهد مظاهرات أهل الغوطة الذين هتفوا قائلين إنهم لن يرحلوا، وسخروا من باصات الترحيل الخضراء.

لم يرفع الروسي الفيتو، هذه المرة، في مجلس الأمن، عند التصويت على مشروع القرار رقم 2401 القاضي بهدنة فورية وشاملة على الأراضي السورية، لمدة 30 يوماً، لأن في نيته استخدام هذا القرار لتحقيق نصره على الغوطة باستسلام أهلها وترحيلهم. فباحتقار شديد لمجلس الأمن وقراره، واصل الطيران الروسي غاراته المدمرة على الغوطة، منذ لحظة إعلان قرار مجلس الأمن، ثم أعلن، في اليوم التالي، عن «هدنة يومية لمدة خمس ساعات» لإجلاء السكان المدنيين! كأنما ليقول: أنا مجلس الأمن، وأنا من يقرر تفاصيل الهدنة وتواتر القصف والهدوء! ملقياً قفاز تحديه في وجه الدول الأعضاء، وخاصةً الولايات المتحدة التي أذلته في الأشهر القليلة الماضية، واثقاً من أنها لن تكترث للمزيد من الضحايا المدنيين وأشلاء الأطفال الممزقة بالقنابل الروسية.

بنظرة إجمالية، يبدو «الدب الروسي» في سوريا، مثل الفيل الشهير، في المثل الإنكليزي، الذي دخل متجر الزجاجيات، يحطم كل شيء، بقصد أو برعونة خرقاء، ولكن بلا أي جدوى. ولن يستطيع، طبعاً، أن يعيد ترتيب المتجر ليصبح قابلاً للاستخدام من جديد.

إذا حدثت المعجزة وتمكن أهل الغوطة من كسر العدوان الروسي، سيكون بوسع الروس، الشهر المقبل، إعادة انتخاب رئيس تمرغ أنفه في الوحل والدم. فهنيئاً لهم به.

٭ كاتب سوري

==========================

التسلل الصفوي إلى ديار العرب والمسلمين !؟ .. يحيى حاج يحيى 

تسللوا في غفلة من أهل الزمن ،  وبتدبير من محتل الوطن ، وصاروا من أهل البلد نواباً وربما ... !؟  ، وحين حانت الفرصة كشفوا أوراقهم ، وحقيقة انتمائهم ، فإذا هم صفويون  قلباً وقالباً ، وانتماء ًوولا ءً !؟ أحدهم  نائب في مجلس الأمة ...  يدعو إيران علانية لتضرب المملكة العربية السعودية ، ويقف بصفاقة مع بشار ذيل الكلب في إبادة الشعب السوري !؟

فقام نواب أحرار من أبناء البلد بضربه ، وكنا نتمنى أن يكون تأديبه بغير ذلك ، وعسى أن يكون هذا في مرة أخرى

فغداً ستصفعُه الرجال ْ - بنعالهم ، لا بالعقال

دخل البلادٓ تسللا ً .... ! - وعليه ثوبُ الإحتيال !؟ 

لا تتركوه .......فإنه  - في الغدر فاق أبا رِغال ْ !!؟

===========================

الغوطة.. روح الثورة ومغناطيسها .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاربعاء 28/2/2018

شكلت الغوطة مغناطيس جذب للثورة الشامية منذ انطلاقتها المباركة عام 2011، فكانت المظاهرات الصاخبة، والأناشيد والهتافات الجميلة للحرية، عنواناً بارزاً للغوطة وللريف الدمشقي، نظراً لما تميزت به تلك المظاهرات الشعبية الرائعة، وعلى مدى سبع سنوات ظلت الغوطة على العهد الثوري، بالرغم من الهنّات التي طرأت عليها بسبب اقتتال داخلي فصائلي هنا أو هناك، لكن ظلت هذه الفصائل على العهد فيما بينها، تُدشم وتستعد ليوم النزال يحدوها في ذلك الأحاديث النبوية التي تحدثت عنها، ووصفتها بفسطاط المسلمين، بالإضافة إلى وقوع دمشق على مقربة حجر منها، وكونها بوابة الفتح الدمشقي تاريخياً، كما حصل أيام الصحابة، وهو ما يأمل به الثوار المحيطون بها اليوم أن يكرروه.

حافظت الغوطة وبلداتها على روح الثورة، فكان المقاتلون من أهلها فقط، وليس من الأغراب عن المنطقة، كما كان الحال في بعض الأماكن، وبالتالي عزز النسيج الاجتماعي بين الثوار اللحمة، وقوى معه الهدف العام، مما أبعد عنهم سيناريوهات محتملة قد تطرحها العصابة الطائفية وسدنتها من تكرار تجربة حلب وغيرها، خصوصاً أن أهالي الغوطة قد رأوا ما حل بجيرانهم من أهالي الزبداني ومضايا الذين هاجروا إلى إدلب، فانعكس ذلك على مواقفهم الأخيرة تشبثاً بالأرض، وإصراراً على المقاومة حتى النصر والتحرير.

ضاقت العصابات الطائفية، بصمود أهالي الغوطة الأسطوري، فضلاً عن تمدد هذا الصمود، ومواصلة إشعاعه إلى المناطق الثورية الأخرى، وبالتالي كانت الخشية كل الخشية من أن يلعب دوراً مهماً في توحيد القوى الثورية مستقبلاً، ويكون ككرة الثلج تكبر وتكبر لصالح الثورة والثوار، لا سيما مع عجز التدخل الروسي وغيره على مدى السنوات الماضية عن تفكيك فصائل الغوطة، سواء أكان من خلال التحريش بينهما، أو عبر إخضاعهما، من خلال المفاوضات والمساومات ونحوها.

تدرك روسيا وإيران العمق السكاني والديمغرافي للثورة في الغوطة، ويدرك معه أن دمشق العربية السنية قوية بغوطتها إن كان ديمغرافياً، أو من خلال العمق الزراعي والجغرافي والديمغرافي البعيد المدى، ولذا الدول المتدخلة تسعى إلى هندسة ديمغرافية تروق لها على غرار ما تم فعله في بغداد، وعلى رأس ذلك العمل على ضرب العمق السني الحقيقي في دمشق، ممثلاً بالغوطة، وهذا لا يتأتى إلا بتفريغ ديمغرافي، ثم تبديل جغرافي وسكاني وعمراني، ولذا فقد رأينا الإصرار العدواني الرهيب هذه الأيام على مواصلة المعارك، على الرغم من إقرار مجلس الأمن الدولي هدنة لمدة شهر، وكأن هذه الدول في عجلة من أمرها، من أجل مشروعها الديمغرافي في المنطقة، ولكن بإذن الله الخيبة والخسران مصيرها.

بقي أن نقول للثوار وأهالي الغوطة الأشداء: إنكم بيضة القبان، ليس على مستوى دمشق، ولكن على مستوى الثورة الشامية بشكل عام، وأن تحالف وانسجام الفصائل في قتالها الأخير بمواجهة العصابات الطائفية أثبت قدرة الفصائل على صدّ العدوان الدولي والإقليمي، وأخرج البلدان تماماً من كونهما ضامنين للأستانة، إلى كونهما شريكين في القتل والدمار، إلى جانب العصابة الطائفية، وأظهرهما على أنهما عدوان حقيقيان للثورة الشامية، لا فرق بين شمالها وجنوبها، وعليه فإن هذا الصمود ينبغي أن يمنح مزيداً من القوة لهذه الفصائل في تعزيز قوتها وتطوير تحالفها وانسجامها مع بعضها، لتكون نواة لتجمع الفصائل الشامية كلها، حادي الجميع فيها أن الغوطة فسطاط الثورة، وفسطاط المسلمين بإذن الله..;

==========================

آذار وبحار الدم - الحلقة (47) .. مداهمة السلطة لقاعدة احتياطية لقيادة الطليعة في حماة .. محمد فاروق الإمام

بتاريخ 17/1/1982 داهمت السلطة بأعداد كبيرة من الوحدات الخاصة وسرايا الدفاع والمخابرات العسكرية قاعدة مسلم الطمّاس ( مريوما ) في حيّ الشيخ عنبر، وكان ترتيب هذه القاعدة هو الثاني من حيث الأهمية حيث تضم بعض القادة في تنظيم الطليعة المقاتلة بعد أن انقسمت القيادة إلى قسمين خوفاً من حصول مكروه لأعضاء القيادة وهم في قاعدة واحدة، وبعد اشتباك عنيف مع قوّات الوحدات الخاصّة والمخابرات استمر لعدة ساعات قتل في القاعدة مجموعة من الطليعيين ونجى من الموت صاحب البيت وهو جريحاً جراح بالغة نتيجة إصابته بشظايا قذيفة R.B.G. .

مداهمة السلطة لقاعدة حي السخّانة في حماة

بتاريخ 22/1/1982 وبعد وصول مجموعة من طلاب جامعة حلب إلى حماة واستقرارهم في إحدى القواعد في حيّ السخّانة بحماة، انكشف أمر القاعدة وقامت السلطة بمحاصرتها بأعداد كبيرة من الوحدات الخاصّة وسرايا الدفاع والمخابرات العسكرية، ودارت اشتباكات عنيفة حول القاعدة استشهد على إثرها عدد من الأخوة وتمكن البعض الآخر من الإفلات من هذا الحصار المريع حول القاعدة، ومما رواه أحد الناجين من هذه القاعدة أنه لم يتمكن من متابعة الخروج من منطقة الحصار حول القاعدة بسلاحه الكامل، فرمى بندقيته واحتفظ بمسدسه وغادر المنطقة من بين الجنود المحاصرين والقتال حول القاعدة يكاد لم ينتهي بعد وهو يقرأ سورة ياسين، ونجى ووصل إلى مكان آمن حيث اتصل برفاقه الطليعيين ونقل لهم تفاصيل ما جرى.

ومع تمكن المحنة من الطليعة في حماة في مطلع عام 1982 انقطع الاتصال بين قيادة الطليعة في حماة وبين قيادة الطليعة الميدانية في دمشق والتي كان على رأسها أيمن شربجي، وذلك بسبب اعتقال المراسل بين حماة ودمشق في ظروف غامضة لم يعرف عنها شيء، والجدير بالذكر أن أيمن وقيادة الطليعة كانوا في أعلى درجات التنسيق فيما بينهم منذ مقتل يوسف عبيد قائد منطقة دمشق وتسلُّم أيمن شربجي زمام القيادة في دمشق، وقد نقل أيمن العمل العسكري في دمشق نقلة نوعية أرعبت السلطة وجعلتها تحسب له ألف حساب، خصوصاً بعد أن تمكن من توجيه ضربات نوعية إلى مبنى رئاسة الوزراء، والآمرية الجوية، ومقر الخبراء الروس، وغيرها من هذه العمليات التي أصبحت السلطة تفكر فقط أين ستكون الضربة القادمة؟

يتبع

================================

خيارات السوريين أمام حرب الإبادة وخوار العالم .. برهان غليون

العربي الجديد

الاربعاء 28/2/2018

منذ سنوات، والتراجع مستمر في وضع المعارضة السورية المسلحة، ولأسباب متعدّدة، منها التدخلات الكثيفة الخارجية، ومنها ما هو نابع من سياق تشكّلها، وبنياتها الداخلية، والعقلية السائدة بين قياداتها، والعقيدة التي تحرّك معظم نشطائها ومسؤوليها.

لم تظهر عيوب هذه البنيات ومخاطرها في المراحل الأولى، بسبب اتساع قاعدتها واحتواء الحواضن الشعبية الواسع لها، وكذلك بسبب الدعم متعدّد الأطراف الذي كانت تتلقاه من مصادر مختلفة ومتعدّدة، تضمن لكل واحدةٍ منها الحد الأدنى من استقلالها اللوجستي، حتى لو كان الأمر يختلف من الناحية السياسية. ولذلك لم تظهر نتائج هذه البنية في السابق بالخطورة التي نشهدها اليوم.

وبينما طوّر النظام استراتيجيات بديلة، وأعاد بناء استراتيجيته لاحتواء ضغط المعارضة والتصدي لها، بعد أن تكبّد هزيمة واسعة على يديها في السنة الأولى من القتال، بقيت هي على استراتيجياتها وخططها القديمة، ولم تتحرّك إلى الأمام أبدا، بل زاد تشبث قادتها بمناصبهم وتشكيلاتهم ومواردهم الخاصة، ولم يتطور أي نقد ذاتي، ولم يسفر أي نقاش عن إصلاحات، مهما كانت محدودة، داخل الفصائل التي قادها مسؤولوها، كما لو كانت ملكا لهم أو مليشيات خاصة تابعة لأشخاصهم.

بالتأكيد، لم يكن من المستحيل، لولا التدخل الواسع من الإيرانيين والروس، وعلى الرغم من الفوضى والانفلات وضعف التنظيم والتوجيه، وسوء استخدام القوى، والانقسام، أن تربح المعارضة الرهان وتفرض التغيير. لكن لا يعفي هذا الأمر من المسؤولية، ولا يقدم أي عزاء. كان من المفروض أن يدفع، بالعكس، وقد نبه إلى ذلك كثيرون وأكثر من مرة، خصوصا بعد التدخل الروسي، إلى مراجعة للخطط العسكرية وأسلوب الإدارة والقيادة السياسية. وهذا ما لم يحصل قط.

تغيّر الآن ميزان القوة بشكل كبير، وأصبحت معظم الفصائل محاصرةً تنتظر دورها في مخطط المذابح، كتلك التي تشهدها اليوم في الغوطة الشرقية، وشهدتها من قبل حلب وغيرها، والتي لا يخفي النظام وحلفاؤه تجهيزه لها على جبهات إدلب، وما تبقى من الجبهات في درعا وشمال حمص وحماة. فهو وحلفاؤه يبدون مستعجلين اليوم على حسم النزاع العسكري، وإملاء الحل السياسي القائم على فرض الأمر الواقع، قبل أن تتغير المعادلات الدولية والإقليمية، ويفسد الوضع وتضيع من يدهم الفرصة. وهذا ما جعل مصير قرار مجلس الأمن الجديد 2401، والذي أقر بهدنة مؤقتة في الغوطة الشرقية، لا يختلف عن مصير سابقيه، على الرغم من معالم التغيير في استراتيجيات الدول الغربية الرئيسية التي دفعت إلى تبنيه، لكنها لا تزال غير مستعدة للدفاع عن تنفيذه بأي شكل من أشكال القوة والإكراه.

 

(1)

في المقابل، لم يتغير الموقف الدولي الذي راهنّا طويلا على تغيره لصالح الضغط من أجل

"تغير ميزان القوة بشكل كبير، وأصبحت معظم الفصائل محاصرةً تنتظر دورها في مخطط المذابح" تسوية سياسية عادلة، والذي خذلنا منذ سبع سنوات، كثيرا، على الرغم من المظاهر. ولا يبدو، حتى الآن على الأقل، أنه في طريقه إلى التغير بشكل واضح لصالح رؤيةٍ أكثر توازنا تضمن الحد الأدنى من حقوق السوريين كشعب. ولا ينبغي أن نحلم، حتى لو وجهت ضربةً عقابية للنظام في يوم ما، بسبب استفزازاته المستمرة، واستخداماته الأسلحة المحرّمة، أن يأتي المجتمع الدولي لنجدتنا، وأن تقدم الدول لنا حبل خلاص. بعضها لأنه ببساطةٍ عدونا ويطمح إلى أن يجهز علينا كليا، ولا يبقي منا أثرا، لا كثورة ولا كسوريين ولا كمسلمين ولا كعرب.

وبعض ثانٍ ربما أشفق علينا، لكنه لا يجد مصلحة كبيرة في التورّط معنا في حربنا التي تكاد تكون بالنسبة إليه يائسة، ومن دون عوائد واضحة. حتى لو استمرت مقاومتنا سنوات عديدة مقبلة.

يعطف بعض ثالث علينا ويؤيدنا، وهو على استعداد لتقديم الدعم لنا، لكنه لا يعرف كيف يفعل ذلك، ومع من يمكنه أن يتعامل، وكيف يمكن أن يتعامل مع هذا الشتات الكبير من القوى والمنظمات والفصائل والتجمعات والأحزاب والشخصيات التي لا يبدو أنها قادرةٌ على التفاهم في ما بينها، ولا على تشكيل جسمٍ متماسك، بل على وضع حد أدنى من النظام والانضباط داخل صفوفها، ولا أتحدث عن منظمات المعارضة السياسية والعسكرية فحسب.

ورابعا، لأن فقداننا الوحدة الفكرية، وليس السياسية والعسكرية فقط، أصبح عامل إحباط لأي طرفٍ يريد ويعتقد أن من مصلحته مساعدتنا، لكنه لا يثق في احتمال نجاح المراهنة علينا. هل سيراهن على ثورة إسلامية أم علمانية أم وطنية أم عربية أم كردية. لذلك، تخلت كل الأطراف المنخرطة في معركة مصيرنا عن فكرة سورية الموحدة البديل، واختارت أن تتعامل مع "الجزء" السوري الذي يبدو لها أكثر استعدادا لخدمة مصالحها. وصرنا لذلك مطية للقوى الأجنبية، وشجعنا كبيرها وصغيرها على أن يراهن على تفكّكنا ليقتطع لنفسه جزءا من وطننا، ويستثمر فيه للمستقبل، بدل أن نقنع الجميع بفائدة الرهان على وحدتنا، والاستثمار في مشروع سورية ديمقراطية واحدة وواعدة، ونشجعهم على الاعتراف بمصالحنا الوطنية، والقبول بهامش أكبر لمبادرتنا السياسية.

لدينا كل الحق في أن ندين قبح العالم، ونعبّر عن قرفنا واشمئزازنا من سلوكه وكيله بمكيالين أو أكثر، وتغاضيه عن المذابح التي تجري في بلادنا، إلا أن هذا لا يغير شيئا من حرج موقفنا العسكري والسياسي. ولا يعفينا من مسؤولية طرح أكثر الأسئلة دراماتيكية، بعد أن سقط رهاننا على تغير قريب في الموقف السياسي الدولي، يعوّض الخلل في توازن القوى العسكري، ويسمح بتقدم مفاوضات الحل السياسي التي تراوح في مكانها منذ سنوات. وندرك أكثر فأكثر اليوم أن القرارات الدولية تنحو إلى أن تتحول إلى حبر على ورق، مع تراجع الضغط الدولي، وتزايد الميل إلى الاعتراف بعوائد القوة الغليظة وحدها. وأهم هذه الأسئلة يتعلق بمعرفة خياراتنا أمام هذا الوضع الحرج، أو بالأحرى ما إذا كان قد بقي لنا خيارات.

في هذا السياق، تجرأ بعض أصدقائنا المخلصين، ربما من باب الحرص على حقن دمائنا، على دعوتنا، صراحة، إلى الاستسلام والتسليم للنظام، أي الاعتراف بالهزيمة وتسليم السلاح والإذعان لإرادة المنتصر. يعتقد الكاتب اللبناني، حازم الأمين، أن هذا الموقف يكاد يكون الوحيد الذي يوفر علينا مزيدا من الضحايا والدمار، ويبقى أقل تكلفة وضررا من الاستمرار في حربٍ خاسرة، لن تنتج إلا المزيد من الموت والخراب.

في المقابل، قسم منا، ربما الأكثر إخلاصا لمبادئ الثورة وتمسكا بحقوق الشعب المنكوب،

"أصبح الصمود مستحيلا، مع الحفاظ على استراتيجية الفصائل الحالية التي تحكم على نفسها فيها بالجمود والتقوقع والتشتت" اختار الموت بشرف على التسليم لقتلةٍ يعرف أنهم لن يرحموا أحدا، لا من الأهالي، ولا من المقاتلين. هؤلاء هم الذين أعدوا أنفسهم لمعركةٍ قاسيةٍ، ليس فيها خيار آخر سوى الشهادة أو النصر. هل صحيح أن خيارات الثورة والمعارضة أصبحت لا تبرح أقصين: الاستسلام بذلّ أو الانتحار بشرف؟

 

(2)

ما من شك في أننا خسرنا الجولة الأولى والأساسية من الحرب، وأن من غير المحتمل أن ينقلب ميزان القوى العسكري في القريب وربما قط، على الرغم من أننا لا ينبغي أن نستبعد تحولاتٍ إيجابية في المستقبل، بسبب تقلب الموقف الاستراتيجي الدولي وسيولته. لكن، مهما كان الحال، الاعتقاد أن إنهاء أزمة سورية الكبرى التي تداخلت فيها رهانات وقوى محلية وإقليمية ودولية عديدة ومتصارعة، بانتصار عسكري، يعني عودة نظام الأسد إلى الحكم، وهم كبير. فهو لم يعد له وجود أصلا، وما حل محله، حتى في مناطق سيطرته، وبصرف النظر عن جيوش الاحتلال، هو منظومة متنافسة من المليشيات التابعة للدول والجماعات المتنازعة، وكلها تخضع لمنطق إدارة التوحش من دون حدود.

والقصد القول إن الخروج من الأزمة، من دون اتفاق سياسي سوري ودولي، يعني أنه لن تقوم بعد ذلك للدولة في سورية، عقودا طويلة، قائمة، لا من حيث هي مركز قرار سياسي سيادي، ولا من حيث هي هوية وطنية جامعة، ولا من حيث هي حكم قانون، ولا من حيث هي إدارة، ترعى شؤون الناس وتنظم علاقاتهم بالقانون، وتشرف على تحسين أوضاعهم. سوف يبرز هذا الخروج، ويعزّز ظاهرة تلاشى الدولة، فكرة وتنظيما، مع تلاشي جميع وظائفها الاجتماعية العمومية، وتحولها أداةً من أدوات النهب والسلب والتسلط، ويفاقم من تنازع المليشيات المتناحرة على السيطرة عليها. وبدل المافيا الأسدية الواحدة التي كانت حاكمة قبل الثورة، سيجد السوريون أنفسهم في مواجهة عددٍ لا يحصى من مافيات المال والسلاح، التي تتناسل من بعضها وتعمل في العلن، وتتصارع في ما بينها، من دون براقع ولا أقنعة، على اقتسام الغنائم، بمقدار ما تتوحد على إخضاع السوريين وتطويعهم واستعبادهم.

في نظري، منذ زمن طويل، لم تعد التسوية السياسية، وما سمي الانتقال السياسي، مسألة سياسية أولا أو بشكل رئيسي، تُعنى بتقاسم السلطة بين نظام ومعارضة، فلم تعد هناك سلطة أصلا، وإنما نظام احتلال ومعارضات منقسمة ومتنازعة، ولا مجال لأي تقاسم أو اقتسام. إنما هي ضرورية كي تؤسس لمنظومة سلطة جديدة، متفاهم عليها، وترسم قواعد انتقال يحد من مخاطر تعميم المواجهات وانفلات الوحشيات، وتعميم سياسات القتل والانتقام. بمعنى آخر، أصبحت التسوية أو الحل السياسي المتفاوض عليه، الوسيلة الوحيدة لمنع المليشيات العاملة باسم النظام من الاعتقاد بالانتصار، وبحقها، لقاء ذلك، في امتلاك البلاد والتصرف بها كملكية خاصة، وقتل كل من وقف في وجهها أو عارضها، أو شارك من قريب أو من بعيد في الاحتجاج على أعمالها وانتهاكاتها، كما حصل في العراق، ولا يزال يحصل، وفي سورية أيضا. إن التفاهم على عملية انتقال مدروس نحو نظام جديد، مهما كانت صفته، حتى لو لم يكن ديمقراطيا تماما، لكن نظام وقانون، هو اليوم الضمانة الوحيدة لعدم رمي الشعب السوري عاريا من دون دفاع ولا حماية، مهما كان نوعها، لنهش كلاب المليشيات المسعورة، المحلية منها والأجنبية، وهذا من باب الحفاظ على كرامة الإنسان، في ما وراء صراع المصالح الاقتصادية والاختلافات السياسية والعقائدية، وحتى الوطنية.

القبول بخروج دموي من الأزمة، وبحسم عسكري على يد القوة العسكرية لإيران وروسيا

"لم تعد هناك سلطة أصلا، وإنما نظام احتلال ومعارضات منقسمة ومتنازعة" لحساب النظام، ومن دون تسوية متفاهم عليها وتحت إشراف دولي، يعني المشاركة في دفع سورية وشعبها إلى كارثةٍ جديدةٍ أكبر من التي أنتجتها حرب السنوات السبع، وتعريض مئات آلاف السوريين، من الناشطين أو المقاتلين السابقين والشباب الذين حلموا بالحرية والكرامة، وملايين السوريين الذين دمرت شروط حياتهم وقتل أبناؤهم وهجروا من ديارهم، لعقوبات جماعية ودائمة أشنع من التي عرفوها بعد اندلاع الثورة، وإلى استئناف أعمال القتل والتعذيب والتنكيل والإبادة الجماعية التي لا يخفي النظام تمسكه بها، للرد على أي حركةٍ أو نقمة أو احتجاج، على أوسع نطاق. إنهاء النزاع من دون تفاهمات جدية ورعاية دولية يعني، ببساطةٍ، إطلاق يد نظام لم يتردّد في استخدام أي سلاح، بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل، في شعب جُرد سلفا من أي قدرة على المقاومة أو الاعتراض. ويعني، أخيرا، تخلي العالم عن أي ذرة مسؤوليةٍ، وترك الجرح السوري الملتهب بحجم دولةٍ مفتوحا وفاغرا، من دون أي علاج أو حتى مسكنات.

ليس هناك في نظري مخرج ممكن للمحنة السورية أسوأ من الاستسلام. ولن تكون نتيجة ذلك كارثيةً على الشعب السوري الذي سوف يدخل حتما في عصر عبوديةٍ لم يعرفها شعب من قبل على يد جلاوزة مهووسين بالقتل وسفك الدماء، لكنها ستمثل استسلاما للعالم المتمدن أمام منطق الجريمة المنظمة وحروب الإبادة الجماعية، وبداية عصر جديد من البربرية، وانهيارا في القيم والمؤسسات السياسية والفلسفية والأخلاقية التي قام عليها تقدم المدنية في العالم أجمع.

 

(3)

لكن سوء هذ الخيار لا يجعل من خيار المرابطة في المواقع المدنية الثابتة، وانتظار الهجمات المتكرّرة للنظام وحلفائه على المقاتلين، والسماح بتحويل المدن والبلدات إلى حقول تجارب للأسلحة وامتحان درجة فتكها وقاتليتها على المدنيين، ليس الخيار الأكثر رجاحةً وحظاً في النجاح. فهذا هو الخيار الذي قاد إلى التراجع المضطرد خلال السنوات الخمس الماضية لفصائل المعارضة، وزاد من تضييق الخناق كل يوم أكثر عليها، وأدى إلى محاصرتها، كما حوّل المدنيين، وهم أهالي المقاتلين أنفسهم، إلى أهداف سهلة للقصف الأعمى والقتل بالجملة، وجعل منهم رهائن وقتلى مع وقف التنفيذ. بهذا الخيار الاستراتيجي، تضع الفصائل نفسها وحاضنتها الشعبية بالفعل في موقف يائس، تحت رحمة مطرقة القصف المستمر من دون أفق للخروج، وأمل بإمكانية استئناف القتال من أجل التغيير، بانتظار المعونة الإلهية أو التغير المشكوك فيه في الموقف الدولي.

ليس للصمود العسكري في مواقع ثابتة قيمة عملية، طالما لم يعد للتضحيات المقدمة فيه، مهما أظهر فيه المقاتلون من استعداد للشهادة، وإرادة لا تتزعزع في النصر، عائد مباشر على عملية حسم المعركة العسكرية أو السياسية. ومهما أظهرت الفصائل المسلحة التي تكاد تكون جميعا اليوم في وضع الحصار، من البسالة ونكران الذات، لا يمكنها أن تستمر إلى ما لا نهاية في صد هجومات متكرّرة بقواتٍ أكثر منها عدةً وعددا بما لا يقاس، من دون أن تتعرّض، مع الوقت، للاستنزاف النفسي والعسكري، وتجبر، في مرحلةٍ لاحقة، وتحت ضغط السكان المكلومين، على إخلاء مواقعها، مع ما يعنيه ذلك أيضا من تكرار مآسي اصطياد المقاتلين، وتضخيم قوافل المهجرين والمشردين وخراب المدن والحواضر، وتفريغها من سكانها وتحويلها إلى مستوطنات للمليشيات الطائفية المحلية والأجنبية. النتيجة تضحيات باهظة وعوائد سياسية قليلة إن لم تكن معدومة.

ليست هناك قيمة للصمود وإطالة أمد الصراع إلا بمقدار ما يساعد على تقديم فرص إضافية، أو أكبر، لتغيير ميزان القوى، وشل قدرات الخصم، بتكبيده خسائر مستمرة، حتى لو كانت جزئية، لكنها تحرمه من الاستقرار وتضرب معنويات جنوده، وتزعزع حساباته، إلى أن يقتنع بأن القضاء على المعارضة مستحيل بمعركة عسكرية فاصلة أو أكثر، وأنه من غير الممكن إنهاء الحرب من دون القبول بمفاوضات، وبالتالي بتسوية سياسية. ولذلك ارتبط الصمود بتكوين مقاومةٍ تعتمد على قوى خفيفة ومتحركة، تصعب هزيمتها أو القضاء عليها، مهما كان حجم الإصابات الفردية التي يمكن أن تتكبدها، وأصبحت حرب المقاومة أو الغوار الاستراتيجية الوحيدة، لمواجهة قوة عسكرية كبرى منظمة بقوى شعبية بسيطة، لا تحلم بأن توازيها في العدة والعدد. هذا هو درس حروب التحرير الوطنية، كما حصل في الجزائر وفيتنام وغيرهما، وهو لا يزال حيا في أكثر من منطقة. فمن دون تهديد الإيرانيين والروس بحربٍ طويلة، تستنزفهم، أو ما نسميه مستنقع فيتنام، وأن تكلفتها سوف تكون أعلى مما يمكنهم تحمّله، سياسيا وإنسانيا وماديا، لن يتخلوا أبدا عن هدف سحق الثورة وتحقيق الانتصار الناجز والكامل.

والحال أن فصائل المعارضة فعلت العكس تماما. حاولت أن تقلد الجيوش النظامية بالعتاد والتنظيم، فسمّت نفسها كتائب وألوية وفرقا وحتى جيوشا، وجمدت قواها في مواقع ثابتة ودائمة، وتخلت عن الحركة لصالح النظام، وتركت نفسها تتحول إلى جيوب مفصولة عن بعضها، من دون قيادة واحدة، ولا استراتيجية طويلة النفس، وحكمت على نفسها بأن تصبح لقمة سائغة لخصومها. صمد هذا الوضع في المراحل الأولى، بسبب اتساع دائرة انتشار الفصائل وعجز النظام عن تغطيتها، لكن مع تقدم الوقت وتراجع الدعم للفصائل وإعادة تنظيم قوات النظام وحلفائه، ظهرت العيوب القاتلة لمثل هذه الاستراتيجية. ومما يزيد اليوم من تشبث الإيرانيين والروس بمبدأ الحسم العسكري، ورفض الدخول في أي مفاوضات للحل السياسي، هو اقتناعهم بأن القضاء على قوى المعارضة المحاصرة أصبح في متناول اليد، وأن المسألة مسألة وقت.

 

(4)

في الوقت الراهن، وأمام التحديات المتعددة والكبيرة التي تواجهها القضية السورية، لا أرى

"ليس هناك مخرج ممكن للمحنة السورية أسوأ من الاستسلام" خيارا سوى الصمود، حتى يمكن الخروج من المحنة عن طريق تسوية سياسية، تضمن الحد الأدنى من مصالح السوريين في الانتقال السياسي والمحاسبة العادلة واستعادة الأمن والسلام وحكم القانون. وعلى جميع الأحوال، سيبقى ثمن الاستسلام، بعكس ما يعتقد دعاته، أعلى بكثير من كلفة المقاومة والصمود.

لكن، في الوقت نفسه، أرى أن الصمود أصبح مستحيلا، مع الحفاظ على استراتيجية الفصائل الحالية التي تحكم على نفسها فيها بالجمود والتقوقع والتشتت، وتترك لخصومها حرية الحركة الكاملة، وتنتظر صابرة ومصابرة هجوماتها المتكررة عليها.

يحتاج تمديد أجل الصمود وبناء بنية سياسية وعسكرية جديدة لمقاومة وطنية موحدة، سواء ولدت من رحم قوى وفصائل قائمة أم من خارجها، والانتقال نحو دفاع متحرك يستخدم القوى المتوفرة بعقلانية أكثر، لتحقيق أهداف سياسية، تزيد من قوة موقف المعارضة وفرصها في فرض التسوية المطلوبة على الدول المحتلة، تغييرا جذريا في استراتيجية المعارضة، وتبني تكتيكاتٍ تتبع لمنطق حرب العصابات، لا المواجهات النظامية المباشرة، وقد بدأ بعضها يقوم بذلك، ولو على نطاق محدود. لكنه يحتاج بشكل أكبر إلى حل مشكلة القيادة السياسية والعسكرية، وبناء خلية عمل وطنية موحدة، تدرس ميزان القوى، ولديها القدرة على رسم خطة موحدة، أو مشتركة، للخروج من مواقع الدفاع الساكن التي تحاصر فيها الفصائل اليوم نفسها بنفسها، وإلى برنامج عمل واضح، يعيد تعبئة قطاعات أوسع من الرأي العام، ويدفعه إلى المشاركة في تحقيق أهداف الثورة في الداخل والخارج، كما يستدعي تغيير نمط علاقات التبعية والالتحاق التي عطلت التفاعل مع الدول والمجتمع الدولي، وجميع الأطراف الداعمة والمناوئة معا. وكذلك تغييرا عميقا في الممارسة السياسية التي بقيت، خلال السنوات الماضية، تابعة للإنجازات العسكرية وملحقة بها، وفاقدة أي مبادرة ذاتية. ولم تقدم أي قيمة إضافية حقيقية. ويستدعي كذلك تجديد خطاب المعارضة، وتحريره من الكليشيهات الثورجية التقليدية والقوالب الخشبية، والرهان على إمكانية التواصل من جديد مع قطاعات الرأي العام السوري، بجميع أطيافه وفئاته، لشرح تطورات (وتعقيدات) القضية السورية التي أصبحت قضية كل السوريين، لا قضية قوى الثورة والمعارضة فحسب، وتطمين جميع الفئات والجماعات على حقوقها ومصالحها، وإعادة الأمل لجمهور السوريين عامة، وإشراكهم في التفكير والقرار: جمهور الثورة الذي قدم أعظم التضحيات في سبيل تحقيق غاياتها، وكان الخاسر الأكبر حتى الآن فيها، والجمهور السوري الواسع الذي تعاطف معها عن بعد أو خاف من نتائجها، وكذلك الجمهور الذي وقف ضدها بداية، وهو يشهد اليوم سقوط رهاناته وأوهامه جميعا، بعد أن تحول النظام إلى مطيةٍ لقوى الاحتلال ومزرعة لمليشيات الحرب ومافيات المال، وعبثها بمصائر البلاد والدولة ومستقبل جميع السوريين.

لا ينبغي أن نأمل بدخول قوى الاحتلال، والأسد لم يعد اليوم سوى واجهة لحكمها، في أي مفاوضاتٍ جدية على الانتقال السياسي، ما لم نعمل على إنهاكها وإشعارها بأنها لن تتمكّن من الوصول إلى أهدافها بالقوة العسكرية. ولن تتراجع هذه القوى عن هدفها في القضاء على الثورة، ومن ورائها على وحدة الشعب السوري، وسورية نفسها إذا استدعى الأمر. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أيضا أن يدفعنا ضعفنا العسكري، واقتناعنا بعجزنا عن تحقيق حسم عسكري، إلى فقدان الأمل في قدرتنا بوسائل محدودة على دفع العدو إلى اليأس من نصر حاسم، وإجباره على القبول بالحل التفاوضي. بالعكس، أعتقد أنه لا تزال لدينا، إذا أحسنّا استخدامها، وعرفنا عناصر ضعف نظام الاحتلال وعناصر قوتنا الذاتية، وتوق شعبنا إلى وطن حر وسلام عادل، فرص قوية للتقدم وتحقيق التطلعات المحقة والمشروعة للسوريين.

ومهما كان الحال، لابد أن ندرك أن أحدا لن يبحث لنا عن حل، إن لم نبحث عنه بأنفسنا، لا في صف الدول التي تدّعي صداقتنا، ولا من باب أولى من بين الدول التي تعلن العداء صراحة لقضيتنا. لكل الأطراف مصلحة في غيابنا وتغييبنا، فهو شرط حضورها مكاننا والمشاركة في اقتسام عوائد هزيمتنا واندحارنا. ولن يكون هناك حل إلا ذاك الذي ننجح نحن في فرضه، بقوانا الذاتية، على جميع الأطراف.

هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجهنا اليوم، والذي يحتاج رده إلى عمل فكري وسياسي وتربوي جماعي، بالكاد بدأناه اليوم.

==========================

سورية... "الترانسفير" الأخير .. مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 28/2/2018

مع احتدام التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا، خصوصا في سورية، تتجه الأمور في المرحلة المقبلة إلى مزيد من التصعيد، فقد أدت العودة الأميركية إلى الساحة السورية، سواء ميدانيا، من خلال التمسك بمناطق شرق الفرات، عبر مليشيات قوات سورية الديمقراطية (قسد)، بعد اندحار تنظيم الدولة الإسلامية، أو سياسيا، عبر تشكيل لجنة خماسية، تضم إليها فرنسا وبريطانيا والسعودية والأردن، لمواجهة ثلاثي أنقرة- موسكو- طهران، أدت إلى إسقاط ما تسمى مناطق "خفض التصعيد". ويمكن القول إن مسار أستانة الذي انشأته موسكو، بالتعاون مع تركيا بعد سقوط شرق حلب في ديسمبر/ كانون الأول 2016، وانضمت إليه طهران لاحقا، قد انهار فعليا.

كانت الغاية من إنشاء مناطق خفض التصعيد تجميد القتال في المناطق الأربع الرئيسة التي تسيطر عليها المعارضة (الغوطة الشرقية، إدلب، شمال حمص، وجنوب سورية الغربي)، ريثما تتوصل الدول الثلاث إلى تفاهم ينهي الصراع بضمان مصالحها. استفادت روسيا لتمرير هذا المشروع من غياب واشنطن عن المشهد، نتيجة تركيزها على هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في المثلث المتصل بحدود تركيا والعراق إلى الشرق من نهر الفرات. وقد جعل عدم مبالاة واشنطن بما يجري غرب النهر (من صراعات وتفاهمات بين حلفاء النظام وحلفاء المعارضة) موسكو تتحكم، عبر شريكيها الإيراني والتركي، بمسار الصراع في سورية.

لكن انتهاء الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية رافقه تغير كبير في الاستراتيجية الأميركية، وبدل أن تنسحب واشنطن من المنطقة، كما توقعت موسكو، قرّرت البقاء. ليس هذا فحسب، بل ربطت انسحابها بالتوصل إلى حل في الصراع الدائر غرب النهر، وشرعت تحضر لوجود طويل، عبر بناء قواعد عسكرية، وإطلاق مشاريع لإعادة الإعمار، وتشكيل جيش محلي، قوامه وحدات حماية الشعب الكردية، رصدت له موازنةً كبيرة تصل إلى 550 مليون دولار.

استفزّت الخطوة الأميركية التي استأثرت لنفسها بثلث سورية الأغنى موسكو وطهران، كما أزعجت تركيا المتخوفة من التوجه الأميركي إلى بناء قوة كردية كبيرة على حدودها الجنوبية. وزاد الأمر سوءا بالنسبة إلى موسكو أن واشنطن بدأت تسعى إلى الانتقاص من "نصرها" في مناطق غرب النهر، في هجماتٍ طاولت قاعدتها الجوية في حميميم عشية السنة الجديدة، ثم إسقاط طائرة لها فوق إدلب، وأخيرا الضربة الموجعة التي وجهتها قوة أميركية إلى قوات المرتزقة الروس (جيش فاغنر) قرب دير الزور في السابع من فبراير/ شباط الجاري.

لكن كيف قاد هذا إلى انهيار مناطق خفض التصعيد؟ واقع الحال أن كل دولة من الدول المنخرطة في الصراع السوري بدأت تستعجل تأمين مناطق نفوذها، قبل أن تظهر تأثيرات العودة الأميركية على الساحة السورية على نطاق أوسع، فتغيرت الاستراتيجية من تجميد الصراع، ريثما يتم التوصل إلى اتفاق على تأمين مصالحها، إلى تأمين مناطق نفوذها تحسبًا من تغير المعادلات.

ليس ما يجري في الغوطة الشرقية، إذا، إلا محاولة "لتطهير" المنطقة من أي وجودٍ للمعارضة وحاضنتها، باعتبارها تقع ضمن مناطق النفوذ الروسية - الإيرانية. في الشمال الغربي تعمل تركيا على إخراج وحدات حماية الشعب الكردية إلى مناطق شرق الفرات، حيث حلفاؤهم الأميركيون. ويحتمل جداً لهذا السبب تحديدا، أن تشتعل بعد ذلك مناطق ريف حمص الشمالي، لاستكمال ترحيل فصائل المعارضة وحاضنتها إلى إدلب (منطقة النفوذ التركية). من غير الواضح ما إذا كان هذا سيشمل ترحيل البلدات والمليشيات الموالية لإيران الموجودة في إدلب (كفريا والفوعة) إلى مناطق النفوذ الإيرانية في الجنوب، وهو مقترحٌ إيراني في الأصل، تم طرحه في العام 2015 لتبادل السكان مع الزبداني قبل التدخل العسكري الروسي. ما يجري إذا هو عملية إزاحة (أو ترانسفير) لكتل سكانية كبيرة بين مناطق النفوذ التي تسيطر عليها القوى المتنافسة في سورية، بحيث تخلو من أي وجود معارض لها.

بقصدٍ أو من غير قصد، أسقطت واشنطن مناطق خفض التصعيد، من دون أن توفر، في المقابل، آلية بديلة لحماية المدنيين من وحوشٍ على هيئة بشر، ولا يبدو أنها مهتمة بتوفيرها، بدليل المسرحية التي تقودها في مجلس الأمن المندوبة الأميركية، نيكي هيلي، التي ترفع الصوت في وجه نظيرها الروسي، لكنها توافق، في نهاية المطاف، على سياسات بلاده، كما حصل في التعديلات على قرار مجلس الأمن 2401 والتي جعلت الهدنة عديمة الجدوى.

==========================

سقوط الأمم المتحدة في سورية .. بشير البكر

العربي الجديد

الاربعاء 28/2/2018

لم تنجح الأمم المتحدة في تقديم معالجة للمسألة السورية طوال سبعة أعوام، وبقيت طوال هذه الفترة تتأرجح بين الفشل والأكثر فشلا، وتحولت إلى ساحة للمرافعات الدبلوماسية واستعراض القوة، الأمر الذي انعكس في صورة كبيرة على سمعتها ورصيدها ودورها الذي قامت من أجله، وخصوصا تقديم المساعدة للمدنيين في ظروف الحرب.

لم تنته المأساة السورية بعد، حتى نجري عملية تقييم شاملة للآثار التي تركها غياب مؤسسات الأمم المتحدة خلال مجريات واحدةٍ من أعقد الأزمات، وأكثرها حدة في تاريخ المنظمة الدولية منذ الحرب العالمية الثانية، إلا أن الحصيلة حتى الآن تكفي للحكم على مصداقية الأمم المتحدة على نحو سلبي، ووضعها أمام حكم تاريخي قاس، لم يسبق لها أن وجدت نفسها حياله.

سبعة أعوام والأمم المتحدة في حالة تراجع دائم، كأنها قرّرت أن تتقدم نحو الوراء. وبدلا من أن تولي القضية اهتماما يرتقي إلى مستوى خطورتها، فإنها اكتفت بإدارة الأزمة وتصريفها. وقبل الخوض في أسباب هذه الوضعية المزرية التي قبلت أن تتعايش معها، وتتقنها حتى الرمق الأخير، يستدعي السياق سرد ملاحظتين مهمتين. الأولى أن الأمم المتحدة لم تكن في موقع المبادر طوال الأزمة السورية، وعلى الرغم من أنه صدر عنها قرارات وتوصيات كثيرة، إلا أنها لم تكن منطلقة من تقدير دقيق للموقف، والبناء عليه من أجل إيجاد مخرجٍ من الطريق الذي كان يضيق في كل يوم.

الملاحظة الثانية أن الأمم المتحدة انتدبت شخصياتٍ لا تتمتع بكفاءات قيادية، قادرة على تحمل المسؤولية حتى النهاية، فالأمين العام السابق، بان كي مون، كان شخصية ضعيفة جدا، وتصرّف كأنه موظف لدى الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، وكانت غاية طموحه إرضاء هذه الدول مجتمعة. وقد انسحب هذا الوضع المائع على أسلوب التعامل مع القضية السورية، وأسهم في تحديد نوعية الرجال الذين تولوا مهماتٍ ذات طابع مفصلي في فريق الأمين العام. وينطبق هذا الأمر على المبعوثين الدائمين إلى سورية، من كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي وحتى ستيفان دي ميستورا الذي يشكل نموذجا فاضحا عن هزال الأمم المتحدة ومحدودية دورها وحضورها، ويصلح هذا الرجل للعب دور تصفية نزاعات، وليس حل نزاعات، ويكفيه أنه استمر في موقعه منذ منتصف عام 2014، ولم ينجح حتى في إدخال شحنة حليب ودواء إلى منطقة محاصرة، ومع ذلك يستمر في تنظيم استعراضات بهلوانية مفتوحة، أدت إلى تمديد الوقت أمام عملية القتل.

تتحمل روسيا والولايات المتحدة المسؤولية الرئيسية في منع الأمم المتحدة من لعب دورها في معالجة الأزمة السورية، وبالتالي تدمير مصداقية المنظمة الدولية. وفي حين يتسم الموقف الروسي على مسرح الأمم المتحدة بأنه هجومي، فقد كان نظيره الأميركي انهزاميا في لحظات ذات طابع مفصلي، مثل الموقف من عملية قصف الغوطة بالسلاح الكيميائي في أغسطس/ آب 2013، حيث شكل التخاذل الأميركي عن محاسبة النظام السوري، بسبب ارتكابه جريمة ضد الإنسانية، مدخلا لإفلات هذا النظام من العقاب من منظور الأمم المتحدة، الأمر الذي أعطى روسيا سلاحا قويا تناور به، منذ ذلك الحين، إلى حد اختطافها مجلس الأمن الذي استخدمت فيه الفيتو 12 مرة لمنع إدانة النظام السوري، ووقف جرائمه.

لو كانت الأمم المتحدة جادّة لكانت أولت المسألة السورية اهتماما مختلفا، شبيها بأزماتٍ أخرى، مثل رواندا، وفي هذه الحالة فاتها أن تدرس جديا إرسال قوات دولية لوقف قتل المدنيين.

وهناك ملاحظة أخيرة، هي أن تهاون الأمم المتحدة في سورية شجع روسيا على الاستهتار بها، وتعطيل قراراتها في أماكن أخرى، ليس في أوكرانيا فحسب، بل حتى في اليمن وليبيا.

==========================

الحل الروسي والمعركة الفاصلة .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الثلاثاء 27/2/2018

ليس هناك ما هو أشد خطرا على العاملين في الشأن العام من الثقة بغيرهم. في السياسة، الثقة بالغير مصيدة يقع فيها الذين يجهلون قيمة المبادئ، باعتبارها مسائل تحتمل الشك، كما تحتمل اليقين، فإن رأينا فيها اليقين وحده سقطنا في بلاهة الغفلة، وافتقرنا إلى مناعة الشك التي يجب أن تعين حجم ثقتنا بالآخرين وجدواها، وخصوصا الذين نحبهم منهم، لأنهم بثقتنا بهم يكونون أقدر الناس على خداعنا وخيانتنا.

تنتقل القضية السورية اليوم من طورٍ تم فيه تجاهل القرارات الدولية، من خلال تفاهمات جرت في اجتماعات أستانة، وأنتجت اتفاقيات خفض التوتر بضمانات روسية/ إيرانية/ تركية، إلى طور جديد من تفاهمات جديدة، تبطل القرارات الدولية وعملية السلام نهائيا ومن أساسها، وتدور حول:

ـ تفاهم روسيا وإيران وتركيا: الدول المتخوفة من سياسة الانخراط الأميركية التي أعلنت عنها "لا ورقة تيلرسون"، وزير خارجية الولايات المتحدة، على حل نهائي، في صورة تقاسم وظيفي في سورية، يتم تحت إشراف روسي، بحيث تكون هناك منطقة تركية، تدار بالتفاهم مع الكرملين، ومنطقة روسية تدار عسكريا وسياسيا بالتفاهم مع إيران، بينما تترك منطقة شرق الفرات لأميركا التي يعتقد صغار العقول أنها تتوضع فيها من أجل ثرواتها، ولا يرون أنها بديل العراق الاستراتيجي الذي لن يتخلى عسكر واشنطن عنه في أمد قريب، بسبب موقعه المتحكّم بتركيا وإيران والخليج وشرق المتوسط الذي يتيح لهم الانتقال الفاعل إلى معركةٍ ضد إيران، في حال قرّروا خوضها، ويعطيهم القدرة على التلاعب بالأوضاع الداخلية لإيران وتركيا وسورية والعراق، بواسطة الورقة الكردية التي لا يعرف أحد إلى اليوم مآلها النهائي، وكيف ستستخدم، علما أن تمرير المخطط الروسي/ الإيراني/ التركي لن يزعج البيت الأبيض، إذا كان لن يأخذ صورة تحالفٍ يلزم الدولتين بالوقوف إلى جانب طهران، لمنع إخراجها من المشرق العربي.

"لم يعد لدينا اليوم من نعتمد عليه غير أنفسنا. هذا ما كان واضحا بعد أشهر الثورة الأولى، وما دفعنا ثمنا فادحا لتجاهله"

ـ فهم الروس درس المؤتمر السوري الذي عقدوه في سوتشي، وأيقنوا أن حلهم المنفرد مستحيل، لافتقارهم إلى أوراقه، وتعارضه مع القرارات الدولية، بما في ذلك قرار مجلس الأمن 2254: قراءتهم التي زوروا من خلالها وثيقة جنيف وقرار مجلس الأمن 2118، واستخدموه طوال العام الماضي، لقطع الصلة بين ما ينفذونه على الأرض والوثيقة والقرار اللذين يعترفان، بكل وضوح وصراحة، بحق الشعب السوري في التخلص من بشار الأسد ونظامه، والانتقال إلى النظام الديمقراطي. قررت موسكو تطبيق حل مضاد للقرارات الدولية، يتم تحت إشرافها، على أن تورّط تركيا فيه، وتتعاون مع طهران في بلورة دور جديد لها، يبقى على وظيفته العسكرية/ الأمنية بالقدر الذي ستحتاج موسكو إليه، يضع حرسها الثوري وجموع مرتزقتها تحت تصرفها، ويجنبها المصير الأفغاني عن طريق تقييد تكلفة حربها البشرية.

سيريح هذا الحل روسيا من حمل العبء الأكبر من المسألة السورية بمفردها، وسيقنع أقوى دولتين إقليميتين في الشرق الأوسط بالتحالف معها، والدفاع عن مصالحها ومواقفها، وسيضاعف التحدّي الذي ستواجهه واشنطن، في حال قرّرت إيجاد حل يطبق وثيقة جنيف وقراري مجلس الأمن 2118 و2254، وسيخيّرها بين متاعب الارتطام المكلف بالقوى الثلاث وتركها تنعم بشمس الجزيرة وموقعها الاستراتيجي الذي لن ينازعها عليه أحد، ما دام وجود عسكرها فيها يتكامل مع وجود عسكر روسيا في غيرها من مناطق سورية، ويجعل منها المنطقة الثالثة من مناطق التقاسم الوظيفي الذي ستخضع سورية له، بعد القضاء على الفصائل، عدا الموجودة في المنطقة التركية التي ستستخدم قوات رديفة لجيش أنقرة، ولم يعد دورها الرئيس القتال من أجل الثورة أو في إطارها. في هذا الوضع، سيكون الأسد جحش الفداء الذي سيقدّم ترضية للسوريين، وسيمكن التخلي عنه ورميه، بينما سيقبل ما سيبقى من نظامه هذا الحل، على الرغم من أنه سينقله من تحت إبط بوتين إلى تحت حذائه.

ـ سيضع الحل الروسي حدا للقرارات الدولية وللحقوق التي تكفلها للسوريين، وسينهي نهائيا الحاجة إلى مفاوضات سلام، كانت روسيا وإيران قد عطلتها ستة أعوام، غزت روسيا وإيران خلالها بلادنا، وفتكتا بشعبها أشد الفتك؛ ودمرتا عمرانها. هل ستقاوم واشنطن إلغاء القرارات الدولية، والحل الروسي/ الإيراني/ التركي؟ أعتقد أنها لن تفعل، في حال تعاونت موسكو، كما هو منتظر ومؤكد، في حماية أمن إسرائيل، وحصرت دورها في سورية بالعلاقات العادية التي تقوم عادة بين دول مستقلة، وأنهت دورها العسكري/ الأمني، في ما لا يحتاج الكرملين إليه منه، وآثرت البقاء على الحياد، حيال سياسات واشنطن من طهران. إلى هذا، لا يحول الحل الروسي دون تحسين العلاقات الأميركية/ التركية، إن أراد البيت الأبيض ذلك، ولا يحول دون استخدامه الورقة الكردية للضغط على أنقرة، ومن دون أن تضر ضغوطها بموقع موسكو في سورية، أو تثير مشكلة بينها وبين واشنطن، حتى في حال رغبت الأخيرة في تقليص علاقات الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان بنظيره الروسي فلاديمير بوتين، لأنها ستستهدف الأول، لا الأخير.

ـ تقف اليوم في مواجهة هذا الحل غوطة دمشق الشرقية، وجزء من ريف دمشق الجنوبي، وريف حمص الشمالي، ومحافظات الجنوب. هذه المناطق خاضعة جميعها لضمانات روسية/ إيرانية، وتاليا لغدر روسي/ إيراني، نراه في التحضيرات للهجوم الحاسم على الغوطة، والإنذار الذي وجهه ضباط روس كبار إلى ريف حمص الشمالي وحوران، ونصه باختصار: قبول استبدال اتفاقيات خفض التصعيد بمصالحات وطنية مع الأسد، أو الحرب الشاملة

"سيضع الحل الروسي حدا للقرارات الدولية وللحقوق التي تكفلها للسوريين، وسينهي نهائيا الحاجة إلى مفاوضات سلام، كانت روسيا وإيران قد عطلتها ستة أعوام" والإبادية. يعني هذا أن الهجوم على الغوطة جزء من حرب التصفية النهائية للفصائل خارج المنطقة التركية التي سيعيد القضاء عليها إلى السيطرة الروسية والإيرانية، بالشروط التي ذكرتها، أي أن معركة الغوطة لن تكون آخر المعارك، ومشاركة المناطق المهدّدة في الدفاع عنها هو، في العمق، دفاع عن نفسها وعن مواطنيها، والمحافظة على الغوطة الشرقية ستكون صعبة ومكلفة جدا، إلا أنها ستعني فشل المخطط الروسي، وبداية انتصار الثورة وخروج سورية من محنتها. بكلمات أخرى: لا مفر من فتح النار بأسلحة جميع مقاتلي المناطق التي تتفرج اليوم على ذبح الغوطة، وستذبح غدا بالسكين التي تستخدمها روسيا وإيران في الغوطة اليوم، فلا عذر لمن يقف جانبا، من أقصى شمال وطننا إلى أقصى جنوبه، ومن شرقه إلى مغربه، ولتهب جميع القوى إلى القيام بواجبها من دون تردّد أو إبطاء، ولتخض معركة إنقاذ الثورة اليوم، كي لا تخوض معارك هزيمتها غدا، بعد الغوطة، وليدرك أصحاب القرار في الفصائل أن فشل روسيا وإيران في كسر شوكة الغوطة لن يجنّبهم المصير الأسود الذي ينتظرهم، ما دام فشلهم أمام أبطال الغوطة سيدفعهم إلى تغطيته بانتصاراتٍ يحققونها خارجها، في الأمكنة التي ما تزال بيد الفصائل، فالغوطة لا تدافع عن نفسها اليوم، بل هي تستميت في الدفاع عنهم، وعن الشعب السوري في كل مكان داخل الوطن وخارجه. وليكن معلوما أن منع المعتدي الروسي من استهداف بقية مناطق الثورة وقواها سيتوقف على حجم الهزيمة التي ستنزلها به قوى الفصائل المقاتلة، بتآزرها في المعركة الفاصلة الدائرة اليوم في الغوطة، وبانتقالها من التبعثر والتشتت إلى وضعٍ جديد ونوعي، من الإجرام بمكان أن تنفك أو تتراخى عراها بعده، ما دمنا في معركةٍ سيتوقف مصير وطننا وشعبنا، ومصير كل فرد منا، عليها. ولا خيار لنا غير الانتصار فيها، إن كنا نريد ألّا نباد ونذل عقودا كثيرة مقبلة.

ـ لم يعد لدينا اليوم من نعتمد عليه غير أنفسنا. هذا ما كان واضحا بعد أشهر الثورة الأولى، وما دفعنا ثمنا فادحا لتجاهله، فهل نتصرّف، أخيرا، بوحي من هذه الحقيقة التي تفقأ العين، وكلفنا ابتعادنا عنها مئات آلاف الشهداء ودمار معظم وطننا، أم نواصل الرضوخ للغفلة التي قوّضت تماما ثقة قطاعات واسعة من شعبنا بعدالة مطالبه، ونتخلص من أي طرفٍ يغذي انقساماتنا أو يغدر بنا مثل "داعش" وجبهة النصرة: الاحتياطي الميداني للذين يهاجمون الغوطة اليوم، ويتجاهلون، في المقابل، دواعش الحجر الأسود والمخيم، ويقصفون ضاحية دمشق الجنوبية وحوران، لحمايتهم من الثوار، والإبقاء على شرورهم.

ـ يطالب وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الدول، وخصوصا منها تركيا، بإقامة علاقات وإجراء مفاوضات مع الأسد، ويتحدث وكأن قرار الكرملين بالحسم قد نفذ، أو كأن الثورة هزمت، وانتهى أمرها. يتحدث لافروف وكأننا دخلنا زمن ما بعد ثورة الحرية، ليكن جوابنا: بل إننا في الطريق إلى زمن ما بعد النظام والاحتلالين، الروسي والإيراني، زمن الشعب الذي قرّرتم إبادته، وقرّر مواصلة سيره إلى حريته وكرامته، على جثة أوهامكم.

==========================

في سورية : مفتي الأحلام الوردية !؟ .. يحيى حاج يحيى

نقلا ًعن مسيلمة القرداحة ( شريف شحادة ) أن صاحب الغبطة المفتن المفتون  أخبره أنه رأى في منامه الهالك حافظ وزوجته وابنه باسل على  نهر الكوثر يشربون ( المته ) !

وصاحب الغبطة مختص ( كما هو مسجل في بطاقته ) بالإ فتاء العصري  لجميع المناسبات ، وعضو  محلف في اختيار ملكات الجمال ، إضافة إلى تفسير الأحلام الوردية ، ورؤية المنامات الساقطة بعد كل خطبة نفاق ، وتمسح بالرفاق !؟ 

فلا تعجبوا إذا أفاق بعد زيارة المندوب السامي الروسي بدمشق ، وترحيبه بإنقاذ الروس للشعب السوري ، وأقسم إنه رأى بوتين مع الهالك وأسرته في الجنة يشرب الفودكا (وهي : الخمرة الروسية المفضلة ) !؟

==========================

الحقبة السورية .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الثلاثاء 27/2/2018

لعل ما حدث في مجلس الأمن في الأيام القليلة الماضية من نقاشات وتصويت حول حرب نظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين على غوطة دمشق، يشكل ملمحاً آخر من ملامح الحقبة السورية، التي باتت تظلل السياسة الدولية في عالمنا المعاصر، وتفرض عليه تبعاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ليصير للعالم هوية وسلوك مختلف عما كان عليه قبل الحقبة السورية.

ولا تستمد الحقبة السورية أهميتها فقط من بلد لا تزيد مساحته على مائة وخمسة وثمانين ألف كيلومتر مربع، وسكان يبلغ عددهم نحو 22 مليون نسمة. كما لا تستمد أهميتها مما شهدته سوريا من أحداث عنف وتدمير قام بها نظام الأسد وحلفاؤه، ولا سيما الروس والإيرانيين، رغم أهمية تلك الأحداث، التي يتفق كثيرون على أنها الأشد فجاعة مما شهده العالم لعشرات السنين من تاريخه الحديث والمعاصر، بل تستمد أهميتها خاصة من السياسات الدولية والإقليمية التي صاحبتها في السنوات السبع الماضية، التي بدأت بخروج السوريين مطالبين بالحرية والكرامة وتغيير حياتهم ومستقبل بلادهم وأولادهم، فردّ عليهم النظام بالقتل والاعتقال وتدمير قدراتهم المادية الفردية والاجتماعية، قبل أن ينضم لمسيرته الدموية المستمرة الإيرانيون والروس وشركاء آخرون في الخفاء.

إن الأبرز في ملامح الحقبة السورية، مجموعة نقاط؛ أولها وأهمها توافق ضمني على استمرار المذبحة السورية رغم الانقسام المعلَن في مستوى القمة الدولية حولها بظهور أطراف منخرطة في أتونها، كما هو حال روسيا وإيران مقابل إعلان آخرين في مقدمتهم الولايات المتحدة وأوروبا العداء لإجرام الحلف القاتل دون الذهاب إلى إجراءات عملية في مواجهته، إنما مسايرته وتوكيله في إتمام جريمته وصولاً إلى التفكير بقبول النظام وإعادة تأهيله تارة تحت مبرر الحرب على الإرهاب، وأخرى بحجة عدم وجود بدائل.

والنقطة الثانية ذهاب الفرقاء الرئيسيين لانخراط سياسي وعسكري وأمني في العمق السوري، ليصير لكل منهم مساحة في الجغرافيا السياسية والعسكرية واقتصاد الحرب وما بعدها بما يعنيه ذلك من وجود استراتيجي متعدد الأبعاد في سوريا، جعلهم يعلنون أن وجودهم؛ سواء العلني أو المستور، مستمر حتى لو تم التوصل إلى حل للقضية السورية، ويتشارك في هذا السلوك بصورة رئيسية روسيا وإيران إلى جانب الولايات المتحدة وتركيا.

والنقطة الثالثة توافق كل الأطراف على تهميش دور المؤسسات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وتعطيل قوانينها وأعرافها، والتلاعب على قراراتها والامتناع عن الذهاب، إلى ما ترسخ في السياسة الدولية من مخارج لانسدادات السياسة الدولية في معالجة القضايا والأزمات الخطرة، كما في مثال العمل خارج مجلس الأمن الدولي، الذي قامت به الولايات المتحدة في تشكيل تحالف دولي عشية الحرب على العراق في عام 2003.

النقطة الرابعة، تشارك الأطراف في النظر للقضية السورية من زاوية الحرب على الإرهاب، واستغلالها لتبرير السياسات والمواقف وتغطية الجرائم المرتَكَبة بما فيها التهجير والحصار وقتل المدنيين وفيهم أطفال ونساء، واستخدام الأسلحة الكيماوية وأسلحة الدمار الشامل المحرمة دولياً، وتناسي أن الأساس في القضية السورية هو سعي سلمي من أجل الحرية والتغيير الديمقراطي، قبل أن تتدخل تلك الأطراف لتدعم إرهاب نظام الأسد، وتُسهِم في خلق وتكريس جماعات متطرفة، وتقوم بحمايتها، وتحويلها إلى أدوات سياسية وميدانية.

النقطة الخامسة، تهميش مشترك لدور مختلف الأطراف السورية السياسية والعسكرية، وهو سلوك يجمع النظام والمعارضة في سلة واحدة، كما يجمع السياسيين والجماعات المسلحة بمختلف بناها الآيديولوجية والسياسية، وتحويلها إلى أدوات مهمتها تنفيذ ما يرغب الآخرون في تنفيذه من أجندات، الأمر الذي يكرس انقسامات حادة قومية ودينية ومناطقية، ويؤسس لحروب يمكن أن تستمر طويلاً.

لقد شكّل انطلاق ثورة السوريين على نظامهم في ربيع عام 2011، مقدمةً للحقبة السورية، لكن التكريس الحقيقي لهذه الحقبة جاء في بيان جنيف لعام 2012 للحل السوري بما احتواه من توافقات وتناقضات، كرّستها الأطراف الإقليمية والدولية المتدخّلة، وحوّلتها إلى إطار لتفاهماتها على نحو ما صارت إليه حالياً، المكرَّسة في صيغة قرار مجلس الأمن الدولي 2401 حول الهدنة المحدودة في سوريا، من خلال ما أحاط بصدوره من مجريات، وما احتواه من حيثيات ودلالات، من بينها عدم إلزامية ما هو مطلوب من الأطراف، بما يبقي وقف إطلاق النار عائماً وغير ملزم، إضافة إلى وَصْفه ما يجري بـ«الأعمال العدائية»، وليس بوصفه حرباً يشنها النظام وحلفاؤه على السوريين، خصوصاً في الغوطة المحاصَرَة، إلى جانب مساواته بين المعتدي والمعتدى عليه، والنص على عدم شموليته باستثنائه العمليات العسكرية ضد الإرهابيين الذين خصهم بوصف «(داعش) و(النصرة) و(القاعدة) وجميع الأفراد والكيانات المرتبطة بهم»، رغم أن الجميع يعرف أن حلف النظام يرى في كل معارض، حتى السلمي منهم، «إرهابيّاً» وحليفاً للإرهابيين، وبالتالي فإن الحرب عليهم في الغوطة وإدلب مستمرة، وهذا ما يفسر بداية الهجوم البري للنظام وحلفائه على الغوطة بعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي مباشرة، ومثل ذلك التصريحات الإيرانية بأن الحرب في الغوطة مستمرة، رغم صدور قرار مجلس الأمن الدولي.

إن التفاصيل السورية لا تتجاوز فكرة الدلالة على محتويات الحقبة السورية باعتبارها نهجاً جديداً في السياسة الدولية، وشكل تعاملها مع الأزمات والانفجارات وسط توافق على استمرارها دون حل، وتحقيق المصالح المشتركة لكل الأطراف باستثناء أصحابها المباشرين.

==========================

هل أسقطت الغوطة العيش السوري المشترك؟ .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 26/2/2018

واجه المجتمع الدولي أزمة سقوط قيمه الإنسانية في الأمم المتحدة خلال جلسة مجلس الأمن يوم الجمعة، 23 فبراير/ شباط الجاري، والتي أجل التصويت خلالها مرات عديدة على قرار بمنع القتل للمدنيين شهرا واحدا فقط، حيث قبل الأعضاء أن تتحول جلسة لمناقشة الواقع المأساوي في الغوطة، لتصبح جلسة مساومة وابتزاز روسية ليس فقط للسوريين، من أهالي مئات الضحايا الواقعين تحت القصف الروسي - الإيراني، المحاصرين غذائياً ودوائياً من النظام السوري، وإنما هي ابتزاز ومراهنة على ضعف موقف المجتمع الدولي الذي يتحدث بلغة لينة وممزوجة بالرجاء من قاتلٍ يشاهد العالم جريمته، عبر بث حي ومباشر من الغوطة الشرقية بكل مدنها وحاراتها.

ولا تقف الجريمة الروسية بحق السوريين عند ارتكاب المجازر وتوزيع المآسي على مساحة سورية، حيث يصل الطيران المحمل بأنواع الأسلحة الجديدة التي تختبر على أجساد السوريين الحية، بل أيضاً بالقفز إلى ما بعد هذه الوحشية العسكرية، وصولاً إلى تدمير ممنهج لأي تعايش مستقبلي بين السوريين، حيث يغذّي مندوب روسيا في الأمم المتحدة فكرة أن ما يحل بمناطق دمشق من سقوط لقذائف تستهدف المدنيين يتحمل ضحايا الغوطة المحاصرون مسؤوليتها، ما

"درس واضح، تريد موسكو أن تلقنه للجميع، دولاً ونظاماً ومعارضة، أن وباء التوحش قابل للتطوير بين جميع من هو حاضر في المقتلة السورية" يعني التأهيل للقبول بمخططات إيران في عملية التغيير الديمغرافي التي اتبعتها منذ بداية تدخلها في سورية في العام 2011، ومفاعيل واقعة المدن الأربع التي رعتها إيران وحزب الله مع جبهة النصرة لا تزال مستمرة، وقبلها ما حدث في حمص من تغيير ديمغرافي، تلا المجازر الوحشية التي قامت بها مليشيات إيرانية وحزب الله.

وإلى هنا، يبدو المشهد بكل ما فيه من ألم، لم يخرج عن المألوف، عند السوريين الذين عايشوا الحرب المعلنة عليهم منذ الأسابيع الأولى من انطلاقة صيحات الحرية، ومواجهتها بالرصاص الحي وكامل عتاد الجيش السوري، إلا أن ما يزيده استغرابا ووجعاً كان التمظهر الحقيقي لانقسام المجتمع السوري، وقدرة هذه السنوات السبع على إزاحة ستار الوحشية، عما يخالج المصطفين إلى جانب الآلة العسكرية الروسية والإيرانية، ومعهم النظام، التي تسحق أرواح أطفال الغوطة ونسائها وشيوخها، من دون تمييز بينهم وبين حاضنتهم الغوطة موقعا مكانيا لهم، أي أننا أمام حالة من انفصام إنساني تجعل من سوريٍّ يرى في جريمة قتل طفل إنقاذاً لحياته، ولا يرى في وجوه الضحايا ما يحفّزه على استنكار مدى الوحشية في أسلوب قتلها على أقل تقدير إنساني، ما يستوقفنا اليوم أمام فاجعات علينا مواجهتها والتفكير إنسانياً في سورية ما بعد المجازر، قبل التعاطي مع سورية دولة واحدة محتملة الاستمرار قانونياً.

ومن تلك الفواجع المؤسفة أننا أمام سؤال جاد، عن حقيقة مشاعرنا، نحن السوريين تجاه بعضنا بعضاً، وإمكانية أن نستمر في طلب العيش المشترك ضمن دولةٍ يسودها قانون واحد، وحكومة واحدة لا نعرف إلى أيٍّ من الانقسامات السورية تميل، وقد انقسمنا بين مؤيد ومعارض لجرائم ترتكب بحقنا، على اختلاف القتلة، و تنوع الضحايا بانتماءاتهم المذهبية والإيديولوجية والمناطقية والقومية؟

وهل يمكن التبرير للعنف السائد من النظام بأنه أزاح اللثام عن حجم المدفون سورياً، من مشاعر رفض للآخر، سواء كان هذا الآخر من جماعة تتحد في موقفها إيدولوجياً، أو مصلحياً، أو مذهبياً، في مواجهة آخر يرفض سلوكاً سلطوياً؟ وكيف يمكن الجمع بين متناقضات سلوكية وأخلاقية في الحاضنة الواحدة نفسها التي تقبل بقتل طفل "سنّي" من حاضنة الثورة، بينما ترفض قتل طفل آخر من حاضنة النظام، بمبرّر أن من يقتل السني في الغوطة وإدلب وحوران هو من قوى السلطة الحاكمة، بينما تلقى التهم جزافاً على كل المعارضة بأنها مسؤولة عن قذائف مجهولة الهوية، بينما واضح الهدف الذي يزيد عمق الشرخ المجتمعي؟

وعلى الجهة المقابلة وبالمواجهة الصريحة، لا بد من السؤال: كيف نفهم أن الحاضنة الشعبية للثورة يمكن أن تتفهم جرائم بحق أطفال من كرد سورية في عفرين، بينما تدين وتطالب بلجم إرهاب النظام وروسيا وإيران في الغوطة؟ هل تحول الانتماء السوري من انتماء إلى الوطن الذي يعني المواطنين الذين يتشكل منهم ذلك الوطن الذي يبدو جزءا من خيال حكايات الجدات ليس إلا، إلى الانتماء إلى القاتل ومذهبه وسياسته وداعميه، وحتى خياناته؟

في الغوطة، ثمّة درس واضح، تريد موسكو أن تلقنه للجميع، دولاً ونظاماً ومعارضة، أن وباء التوحش قابل للتطوير بين جميع من هو حاضر في المقتلة السورية، لأنها تستطيع تعويمه وتدويله والتأسيس لقبوله، ليس بالصمت الدولي فقط، ولكن أيضاً بالقرارات الدولية "المرنة" المعدة سابقاً لمصلحة التفسيرات المتناقضة بين المتوافقين عليها، وقد حدث ذلك منذ بيان جنيف1، وصولاً إلى كل القرارات الأممية من 2218 حتى 2254 والبيانات اللاحقة من عواصم مختلفة غربية وأميركية، وحتى عربية.

وفي اجتماعات مجلس الأمن، ثمّة دروس دولية للسوريين على ضفتي الصراع، أن هذا المصير القابل للتصعيد ليس خارجاً عن السيطرة، بل هو يسير ضمن سياقه المرسوم عبر

"المطلوب أكثر من العودة إلى حضن الاستبداد كرعية مهزومة، بل القبول والتسليم بأن القاتل هو الضحية، وأن الضحايا أعداد لم تكن إلا ضالة" إخضاع كل الأطراف لمعادلات دولية دقيقة الحسابات والتكلفة، ناتجها الأخير القبول بالتسليم وليس الاستلام، التسليم بأننا، نحن السوريين، أدوات مخطوفة بيد دول عدوة وصديقة، وأن حجم تعاطفنا مع قضايانا، ولو كلامياً، يمر من مصفاة تلك الدول الراعية للصراع واستمراريته، والتي ترى في قتل السوريين السنة في الغوطة وإدلب وحماة وحلب مكافحةً لإرهاب مستقبلي، يهدّد علمانية النظام الفئوي القائم، وفي الوقت نفسه، هناك من الضحايا من يبرّر قتلاً آخر على أساس قومي ومذهبي، وحتى نوعي!

وعلى ذلك، فإن الاستسلام للنظام بشكله الحالي ليس حلاً مطلوباً، حتى من النظام الحاكم، لأن ما هو مطلوب أكثر من العودة إلى حضن الاستبداد كرعية مهزومة، بل القبول والتسليم بأن القاتل هو الضحية، وأن الضحايا أعداد لم تكن إلا ضالة.

نعم، من تلك الفواجع أن وحشية القاتل التي يدافع عنها مندوب موسكو في جلسة مجلس الأمن ليست أكبر فواجعنا، وإنما بقبول أن يمارس بعض ضحايا الاستبداد من السوريين دور المتفرج والمتفاعل والمنفعل بهذه الجرائم، من الغوطة الشرقية حتى إدلب وعفرين، ليس إلى جانب الضحية الإنسان، وإنما إلى جانب القاتل، وقد تعددت تسمياته، وتنوعت جنسياته، ويتحول هؤلاء الضحايا من المؤيدين لأي قاتل في سورية، أيضاً، إلى جوقة من المصفقين، كلما ازداد صوتها ارتفاعاً عرفنا أن سورية الواحدة الموحدة شعباً التي نأملها، تنازع أمام خيار الحفاظ على حياة بعض طفولة مغدورة، فهل أسقطت الغوطة آخر ما تبقى من حديثٍ عن حياة مشتركة بين السوريين؟

==========================

الأزمة السورية والبديل السياسي .. فراس سعد

القدس العربي

الاثنين 26/2/2018

في لقاء مع مجموعة من المثقفين الألمان تناول شؤون وشجون الثورة والحرب في سوريا طرح بعضهم بقلق واضح مسألة البديل عن النظام في حال سقوطه أو تمت تنحيته! إنه سؤال أساسي إن لم نقل إنه السؤال الذي يهم الجميع

ولم يجد أحد إجابة عليه ترضي كل الشعب السوري وتقنع أطراف الحل والربط الدولية.

قلنا للأصدقاء الالمان، متفهمين خوفهم وقلقهم، إن الوضع الحالي في سوريا لا يتحكم به النظام ولا يؤثر فيه فعليا فهو فقد القرار والسيادة منذ سنوات، ولا يعدو وجوده أكثر من أن يكون أداة بيد الآخرين روسيا وإيران، فمن السهل استبدال النظام الحالي لو أراد الروس والإيرانيون ووافقهم الأمريكان والإسرائيليون بكيفية وتركيبة ترضي الجميع بمن فيهم الأتراك.

من ناحية أخرى قلنا لأصدقائنا إن ما حدث ويحدث في سوريا هو أسوأ مما كنا نتوقعه لو سقط النظام أو أجريت عملية جراحية له، فلم الخوف من سقوط النظام أو ازاحته إذن؟

لقد طالت الثورة السورية وتبعتها الحرب أو حرب الآخرين في سوريا وعليها، سبع سنوات، لأسباب شتى، أحدها أن الدول الداعمة للنظام وكذلك الدول الرافضة له لم تجد عنه بديلا !

وهذه حقيقة من الأسباب التي ترتقي لتكون من لامعقولات التراجيديا السورية، فمسألة عدم وجود البديل عن الرئيس الحالي عدا عن كونها غير منطقية فهي من حيث الشكل والطرح ليست السبب الجوهري في استمرار الحرب. المسألة الجوهرية هي أن روسيا لا تريد نظاما إسلاميا في سوريا، وتتناغم مع هذا الطرح كل الدول الفاعلة الداعمة والرافضة لنظام الأسد، فمن الطبيعي ألا يرضى أحد بنظام إسلامي في سوريا بما في ذلك إيران الإسلامية وتركيا الإسلامية العلمانية ولا السعودية الإسلامية الملكية. نظام إسلامي في سوريا يعني «نظام

غير علوي» أو «نظام سني» وهو ما يرفضه الروس وإيران على الأقل علنا، الأمر الذي عبر عنه وزير الخارجية الروسي أكثر من مرة.

هناك ثلاثة حلول في اعتقادنا لهذه المعضلة التي خلقها النظام وحلفاؤه الرسميين أو غير المباشرين المشاركين في الصراع السوري التراجيدي بدون استثناء بمن فيهم المحسوبون كأصدقاء للشعب السوري.

الحل الأول يتمثل بـ «اللابديل» أي أن يبقى الشعب السوري من دون رئيس جمهورية كما بقي الشعب اللبناني سنتين كاملتين من دون رئيس جمهورية في الفترة الممتدة بين شهر مايو/أيار سنة 2014 إلى منتصف سنة 2016 ويمكن لمجلس رئاسي مكون من ثلاث أو أربع شخصيات أن يحل محل الرئيس، يتم تعيينهم من الجامعة العربية وهيئة الأمم المتحدة بالتشاور مع الدول المعنية وهي روسيا وأمريكا وإيران وتركيا والاتحاد الأوروبي، على أن يكون من مهمات المجلس الرئاسي تسيير أمور البلاد وصولا إلى بداية الفترة الانتقالية. الحل الثاني أن يتم إسقاط فكرة البديل لرئيس الجمهورية وأن يلغى هذا المنصب نهائيا من الدستور ويحل بدلا عنه منصب رئيس الوزراء حائزا على أكثر صلاحيات الرئيس يساعده عدد من النواب المختصين. الحل الثالث هو أن تسحب الصلاحيات من منصب وشخص رئيس الجمهورية وتسلم للبرلمان المنتخب الذي ينتخب بدوره من بين أعضائه رئيسا بصلاحيات أو رئيسا اسميا من دون صلاحيات بحيث يبقى رئيس الوزراء هو المسؤول عن تسيير شؤون البلاد.

أما بالنسبة للشعب السوري فقد أثبتت السنوات الأخيرة أنه وحده الجدير بتسيير شؤونه الضرورية وتجربة المجالس المحلية المدنية ماتزال أمامنا في معظم المدن

خارج سيطرة النظام بحيث أن جمهور تلك المدن والبلدات السورية استطاع انتخاب مجالس محلية مسؤولة عن تسيير جميع شؤون المدن والبلدات وقد نجحت هذه التجربة بشكل مدهش لاسيما بعدما تجنبت الوقوع في حبائل البيروقراطية أو الفساد وهو ما لا يستطيع النظام الحالي ولا أي نظام بديل أن يتجنبه أو يضمن عدم التورط فيه.

كاتب سوري

==========================

التوازن الهشّ في سورية .. علي العبدالله

الحياة

الاثنين 26/2/2018

كشفت التطورات الميدانية الأخيرة على الساحة السورية رفضاً صريحاً للتوازن القائم ومحاولات حثيثة لتعديله. فالهجوم التركي على عفرين، والإيراني في إدلب، والإيراني الروسي في دير الزور، وإسقاط القاذفة الإسرائيلية وما تبعها من غارات إسرائيلية طاولت أهدافاً كثيرة، والقصف الوحشي على الغوطة الشرقية، ليست إلا تجليات لهذا الرفض.

أوضحت الولايات المتحدة من خلال وثيقة «إستراتيجية الدفاع الوطني»، التي أصدرها وزير الدفاع جيمس ماتيس، منطلقها في التعاطي مع الوضع الدولي باعتبار المنافسة الإستراتيجية بين الدول، وليس الإرهاب، هي الآن الشاغل الرئيسي للأمن القومي الأميركي. وقد جاءت خطواتها الميدانية بإعلان بقاء قواتها على الأرض السورية لفترة غير محددة، وربطه بالوصول إلى حل سياسي يلبي تطلعات الشعب السوري في اختيار قيادته في نظام ديموقراطي، بمثابة تحديد لملامح النظام الإقليمي وموقعها فيه: موقع مقرر من خلال المشاركة في تقرير مصير سورية والعراق.

لم ترد تركيا وروسيا وإيران، كل لحسابات خاصة به، بعملياتها العسكرية التعبير عن رفضها امواقف السياسية التي أعلنتها الولايات المتحدة الأميركية فقط بل وفرض وقائع ميدانية تعزز أوراقها التفاوضية في مواجهتها. لم تكتف روسيا بإبراز شرعية وجود قواتها على الأرض السورية (كان لافتاً تبرير الإعلام الروسي دور روسيا في قتل آلاف السوريين وتشريد وتهجير الملايين بربطه بشرعية الوجود: جاءت القوات بدعوة من الحكومة الشرعية) في مقابل عدم شرعية الوجود الأميركي، بل ودعت كل الدول التي دخلت الأرض السورية من دون دعوة من النظام إلى الحوار مع الأخير للحصول على موافقته، واتهمت واشنطن بـ «تقويض وحدة الأراضي السورية من خلال إقامة كيان كردي على جزء كبير من الأراضي السورية في الضفة الشرقية لنهر الفرات وحتى الحدود العراقية»، وفق تصريح وزير الخارجية سيرغي لافروف، فروسيا، التي أعلنت «انتصارها» ووزعت أوسمة على ضباطها، ساءها نجاح واشنطن في إفشال مؤتمر سوتشي، إن بإصرارها على مسار جنيف وطرحها تصوراً للحل في سورية (حديث وزير الخارجية ريكس تيلرسون في جامعة ستانفورد) يتعارض مع تصورها، أو بالعمل على إحياء العملية السياسية في جنيف بالاتفاق مع بريطانيا وفرنسا والسعودية والأردن وتقديم مقترح بهذا الخصوص إلى المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا أطلق عليه وصف اللاورقة، أي مقترحاً غير رسمي، فحركت، بمشاركة ميليشيا إيرانية، قوة من جيش فاغنر، قوات روسية غير نظامية أحضرتها إلى سورية للقتال إلى جانب النظام بعقد رسمي تحصل بموجبه على حصة من حقول النفط والغاز التي تسيطر عليها، لمهاجمة معمل غاز كونيكو في محافظة دير الزور، في تحد صريح للخط الأحمر الأميركي، لكنها تلقت رداً صارماً وقاسياً من القوات الأميركية، جاء بمثابة رصاصة الرحمة على إعلانها «النصر»، وعززت قدراتها العسكرية بطائرات سوخوي 57 وسفن وبوارج حربية في إعلان عملي عن استعدادها لدعم النظام حتى النهاية.

تركيا، التي قرأت في الإعلان الأميركي عن تشكيل قوة حرس حدود من 30 ألف عنصر، معظمهم من «وحدات حماية الشعب» الكردية، لنشرها على الحدود السورية التركية والسورية العراقية توجهاً أميركياً لإضعاف مكانتها ودورها في حلف الأطلسي(الناتو) بإقامة كيان كردي يحقق لها المزايا الإستراتيجية ذاتها، اختارت الهجوم على عفرين بعيداً من الوجود العسكري الأميركي في منبج وشمال شرق الفرات للضغط على واشنطن على أمل استدراج عرض أميركي في الملفات العالقة بينهما (تسليح «الوحدات» الكردية، منبج، تسليم فتح الله غولين).

لكن خطتها قادت إلى خسارة مزدوجة: تقديم تنازلات للنظام وحلفائه بغضها النظر عن هجومه مع الميليشيات الإيرانية على منطقة شرق سكة حديد الحجاز في محافظة إدلب والسيطرة على مساحات واسعة، بما في ذلك مطار أبو الضهور العسكري، وتقديم هدية مجانية للنظام بعودته إلى عفرين. وذلك من دون أن تحقق أي من أهدافها الأميركية بل على العكس زادت الهوة بينهما وقد تجلى ذلك في قرار البنتاغون رصد مبلغ 550 مليون دولار، لتشكيل قوة حرس الحدود 200 مليون ولإعادة إعمار شمال شرق الفرات 350 مليون، وإعلان الجنرال الأميركي بول فونك عن بقاء القوات الأميركية في مدينة منبج، التي تسيطر عليها «قوات سورية الديموقراطية»، لفترة طويلة، وأن بلاده سترد وستدافع عن قواتها في حال تعرضها لهجوم تركي. إيران، التي أدركت عبثية إعلانها تحقيق هدفها الربط بين طهران وبيروت مروراً في سورية والعراق في ضوء الوجود العسكري الأميركي بجوار هذا الممر، وسعي واشنطن إلى إقامة قواعد عسكرية قرب الحدود العراقية - الإيرانية، لوحت بتكرار تجربة العراق في مواجهة القوات الأميركية (طالب علي أكبر ولايتي، كبير مستشاري المرشد الأعلى الإيراني، من بغداد ما وصفه بـ «جبهة المقاومة» بمنع انتشار القوات الأميركية شرق الفرات، محذراً من مخططات واشنطن لتقسيم وبث الخلافات في المنطقة) ولتأكيد عزمها شاركت ميليشيا تابعة لها مع قوة من جيش فاغنر في الهجوم على معمل كونيكو في محافظة دير الزور. إسرائيل، التي تتوجس من التحركات الإيرانية على الأرض السورية إن لجهة إقامة قواعد وصناعة عسكرية أو لجهة نقل أسلحة متطورة إلى «حزب الله»، ردت على اختراق طائرة «الدرون» الإيرانية حدودها بقصف مطار التي فور، وعلى إسقاط القاذفة الـ «ف 16» بقصف دفاعات جوية وقواعد عسكرية في اثني عشر موقعاً للنظام وإيران.

==========================

أوجلان والأسد كتفاً إلى كتف؟ .. صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 25/2/2018

أصدر فرات خليل، القائد العام لـ«وحدات حماية الشعب» في حلب، بياناً إلى الرأي العام يشرح فيه السبب وراء دخول قوات النظام السوري إلى أحياء حلب الشرقية، خاصة الشيخ مقصود. وقال خليل: «لأنّ كل العالم التزم الصمت حيال الهجمات الإرهابية [ويقصد عملية «غصن الزيتون» التركية]، نحن كوحدات حماية الشعب والمرأة في حلب توجهنا إلى إقليم عفرين، لذلك وقعت الأحياء الشرقية من مدينة حلب تحت سيطرة النظام السوري».

هذا نموذج يوضح مقدار اختلاط الحسابات والأوراق لدى القوى الكردية، «حزب العمال الكردستاني» و«حزب الاتحاد الديمقراطي» و«وحدات حماية الشعب» و«قوات سوريا الديمقراطية» على حدّ سواء، في سلوكها العام إزاء مختلف الملفات التي تشكّل عصب حضور العامل الكردي ضمن المعادلة السورية العامة الراهنة: مناطق الجزيرة السورية، محيط دير الزور وشرق الفرات، أحياء حلب الشرقية، منبج، ثمّ عفرين.

هي شرق الفرات، في مثال أول، تواجه تحالف النظام السوري وميليشيات الجنرال الإيراني قاسم سليماني ومتعاقدي «فاغنر» الروس، وتقاتل هؤلاء بالتنسيق مع القوات الأمريكية التي لم تتردد في توجيه الضربة الأقسى لهذا التحالف منذ أن دخلت واشنطن طرفاً عسكرياً في نزاعات الأرض المعقدة على امتداد ريف دير الزور وشرق الفرات. لكنها، في مثال ثانٍ، تنسحب في الشيخ مقصود لصالح النظام السوري، مبررة ذلك بضرورات الدفاع عن عفرين؛ وفي الآن ذاته تسمح لميليشيات النظام/ سليماني بالدخول إلى المدينة. وهي، في مثال ثالث، تتلاقى مع جهود موسكو الساعية إلى إقامة حوار كردي مع النظام السوري، حول ترتيبات حكم ذاتي كردي ذي صيغة ملموسة تحت سقف النظام، ثم تفترق عنها فتفضّل البقاء تحت المظلة الأمريكية حتى إذا أسفر ذلك عن موافقة موسكو على «غصن الزيتون»…

ولعلّ الاتفاق الأخير مع النظام السوري، حول دخول قوات موالية إلى قلب مدينة عفرين، هو آخر تجليات هذا الاختلاط/ الاختلال في الحسابات. ذلك لأنّ بشار الأسد لم يرسل وحدات عسكرية نظامية، بل عشرات من عناصر ميليشيا تمّ تأسيسها خصيصاً لهذه المهمة. هذا في ضوء تفصيل أقرب إلى السرّ المفضوح، مفاده أنّ مخطط «غصن الزيتون» لم يكن أصلاً يستهدف احتلال عفرين ذاتها، بل تطويقها من جهات ثلاث، وترك خاصرتها الجنوبية مفتوحة على جيش النظام وحده؛ أيّ مقيدة ومحاصرة، من هذه الجهة الرابعة أيضاً!

الوقائع على الأرض تؤكد عواقب هذا الاختلاط/ الاختلال، إذْ أنّ رقعة الاحتلال التركي لمحيط عفرين آخذة في التوسع، بل باتت مؤخراً أسرع وتيرة حتى من أفضل تقديرات الخبراء العسكريين. وبعد قرابة شهر على التوغل التركي في محيط الإقليم، تشير التقارير إلى احتلال أكثر من 100 نقطة كانت تحت سيطرة القوى الكردية، بينها 72 قرية، و20 تلّة. هذا فضلاً عن نجاح أنقرة في انتزاع اعتراف رسمي من واشنطن، بلسان وزير الخارجية الأمريكي نفسه، يدرج «غصن الزيتون» من باب تفهّم مخاوف الأمن القومي التركي.

فأيّ تكتيك هذا الذي، بعد إعطاء قيادات قنديل سلطات مطلقة في إدارة عفرين بمنطق الاحتلال، يستنجد بالنظام السوري ويستقبل ميليشياته التي تمارس طرازاً ثانياً من الاحتلال، في أحياء حلب الجنوبية، وتل رفعت شمالها، ثمّ في عفرين المدينة؛ وفي الآن ذاته يواصل الانكسار أمام زحف مفارز الاحتلال التركية؟ وأيّ اتساق منطقي في القتال مع أمريكا شرق الفرات، وابتلاع مهانة سكوت واشنطن عن الغزو التركي في عفرين؟ وأخيراً، أيّ منطق سياسي، وعقائدي وأخلاقي، ذاك الذي يبرر أن تشهد عفرين، المعذبة الصابرة الضحية، رفع صورتَيْ عبد الله أوجلان (قائد حركة تحرر كردية يسارية)، وبشار الأسد (قاتل أطفال فاشي مرتهن)… كتفاً إلى كتف؟

========================

الغوطة مذبحة روسية بامتياز .. بشير البكر

العربي الجديد

السبت 24/2/2018

تتعرّض منطقة الغوطة في ريف دمشق لحرب إبادة بلغ ضحاياها في الأيام الأخيرة مئات القتلى من المدنيين، منهم نسبة كبيرة من النساء والأطفال، وسط صمت دولي وعربي على الجرائم التي ترتكبها روسيا والنظام السوري ضد قرابة 400 ألف محاصَر هناك منذ عام 2013.

باتت الغوطة الشرقية تنتظر مصيرا مشابها لما تعرّضت له حلب الشرقية في نهاية عام 2016، على يد الروس والمليشيات الإيرانية، حيث تم حرث المدينة بالطيران الحربي والقصف المدفعي، وجرى تهجير من بقي على قيد الحياة من المدنيين.

معركة إبادة الغوطة روسية بامتياز. القرار روسي والسلاح روسي، ويساعد في ذلك النظام والمليشيات الايرانية، وقد تم تصنيفها من روسيا والنظام ضمن المنطقة التي أطلقوا عليها اسم "سورية المفيدة" أو "النافعة". وحصل تنافس بين طهران وموسكو عليها، نظرا لأهميتها الاستراتيجية بالنسبة للعاصمة دمشق، ولغناها منطقةً زراعيةً خضراء، ورئةً تتنفس منها العاصمة التي اختنقت بالإسمنت منذ حوالي ثلاثة عقود، بسبب البناء العشوائي جرّاء النزوح من المدن الأخرى.

يعود تصميم روسيا على إسقاط الغوطة عسكريًا، وتفريغها من أهلها وطرد الفصائل المسلحة منها إلى عدة أسباب. أولها العودة الأميركية إلى الملف السوري. وكانت الشرارة من لحظة استقبال وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، وفد الهيئة العليا للمفاوضات برئاسة نصر الحريري في الرابع عشر من فبراير/ شباط الحالي في العاصمة الأردنية. وكان واضحا أن روسيا لم تتقبل الأمر، بعد أن فشلت في إقناع الهيئة بحضور مؤتمر سوتشي الذي انعقد في نهاية الشهر الماضي، وانتهى إلى فشل ذريع.

والسبب الثاني أن العودة الأميركية إلى الملف السوري باتت تترجم نفسها على الأرض، من خلال السيطرة على كامل منطقة الجزيرة السورية التي تشكل قرابة ثلث الجغرافيا السورية، وهي غنية بالنفط والغاز والقطن والحبوب، وقد تم ذلك من خلال التحالف مع الأكراد الذين شكلت لهم واشنطن "قوات سورية الديمقراطية"، وقامت في الآونة الأخيرة بزيادة عديد هذه القوات بمعدل 50 ألف مقاتل، ورصدت لها موازنة بمقدار 500 مليون دولار، وأسندت لها مهمة حماية الحدود السورية مع العراق وتركيا. وحينما حاولت روسيا إرسال مليشيات تابعة لها إلى حقل نفطي شرق دير الزور، وقضى عليها الطيران الأميركي كليا، وهناك معلومات متداولة عن مصرع 300 روسي.

أما السبب الثالث فهو يعود إلى عملية تقاسم نفوذ على الأرض السورية، بين كل من روسيا والولايات المتحدة وإيران وتركيا وإسرائيل. وفي الوقت الذي يبدو أن منطقة الجزيرة صارت من حصة أميركا، فإن بقية الأطراف لم تحدّد حدودها النهائية، وهناك صراعٌ حتى بين أقرب الحلفاء، كما هو الحال بين موسكو وطهران على الغوطة الشرقية. وحسب أوساط سورية، قد تضطر روسيا للتنازل عن الغوطة لإيران في مقابل تسليم الأخيرة لروسيا بقية المناطق، وخصوصا القواعد العسكرية في طرطوس واللاذقية، وثمنا لسكوت طهران عن التفاهمات الروسية الإسرائيلية في الجنوب.

صراع النفوذ يتم على حساب الدم السوري. السوريون ضحايا نزاعات الأطراف وخلافاتهم، ولا يبدو أن هناك بارقة أمل لتحرك دولي، من أجل تحييد المدنيين على الأقل، وإخراجهم من دوائر حروب المصالح الدولية على الأرض السورية، ولخص وزير خارجية فرنسا، جان إيف لودريان، الموقف بقوله "القادم في سورية أسوأ إذا لم نتحرّك".

يحتاج الأمر إلى تحرك دولي جاد لوقف روسيا التي ترتكب جرائم ضد الإنسانية في سورية، وإلا فإنها ماضية، ولن يردعها سقوط ضحايا مدنيين، فقد جرّبت ذلك في حلب، ولم تتعرّض للمساءلة، ويزيد تصميمها على ارتكاب الجرائم، مع اقتناعها بأن هذا الطريق سوف يقود إلى تركيع الشعب السوري، ليقبل ببشار الأسد رئيساً من جديد.

==========================

كفّوا البكاء .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 24/2/2018

بعد سبعة أعوام من تجاهل عالمي، ملحوظ ومتزايد، لما يرتكب في بلادنا (سورية) من جرائم روسية/ إيرانية/ أسدية ضد شعبنا، لم تخرج معظم ردود فعلنا إلى اليوم عن الميل إلى تحميل الآخرين المسؤولية عما يجري لنا، وغمرهم بالشتائم. لم تكن هذه السنوات السبع كافيةً لأن نفكر بأن علينا نحن أنفسنا مسؤولية ما عن الذي وصلنا إليه.

إذا كان العالم لا يريد مساعدتنا، أو تفهم قضيتنا العادلة، ألا نريد نحن مساعدة أنفسنا والانتصار لقضيتنا، أم أن دورنا يجب أن يقتصر على شتم الآخرين، والامتناع، في الوقت نفسه، عن القيام بواجبنا تجاه شعبنا، المرشح جديا للإبادة، فلا يكون موقفنا هو الوجه الآخر لموقف العالم منا، ونتوقف عن شتمه، لأنه لا ينصفنا، ونبدأ بما علينا فعله لإنقاذ أنفسنا من محنةٍ أصبح من المسلم به عموما أن ما اعتمدناه إلى اليوم من سياساتٍ ومواقف لن يخرجنا منها.

من المفهوم أن يتسلل اليأس إلى نفوسنا، بسبب موقف العالم منا، لكنه ليس مفهوما أن نسهم بتقصيرنا في تعميق يأسنا، وتحويله إلى إحباط يسبق عادة الهزيمة، وما يصحبها من تحول الصراع ضد النظام إلى صراعاتٍ تدميرية في صفوف شعبنا، تمعن في تمزيقه أكثر مما هو ممزق، وتغرقه في حالٍ من التخبط، لطالما قادت الثورات إلى الفشل.

بدل الشكوى الدائمة من ظلم العالم وانحيازه إلى موتنا، أليس من واجبنا أخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار في حساباتنا، لمواجهتها في إطار خطط مدروسة نبلورها ونطبقها أخيرا لترميم أوضاعنا وإصلاحها، ليس فقط بسبب دورها الذي لا يجوز أن نستهين به، بالنسبة لابتعاد العالم عنا، وإنما أيضا، وقبل كل شيء، لأن صمودنا اليوم وانتصارنا غدا رهنٌ بمبارحة واقعنا المريض، وإصلاح مواقف الدول منا، وإقناعها بأن مصالحها لن تكون محفوظةً عندنا، إلا بقدر ما تكون حقوقنا مصونةً عندها، وأننا طرفٌ مقرّر في الصراع، سيحدد أيضا من سيفوز أو سيهزم، ومن مصلحتها تبديل مواقفها من النظام، إذا كانت تريد حقا حصة من الفوز.

بعد ستة أعوام من إدانة مواقف العالم، حان الوقت كي ندير ظهرنا لهذا النهج العبثي، ونلتفت إلى ما أهملناه دوما: وضعنا نحن، وضع قوانا السياسية والعسكرية، ووضع شعبنا في الداخل والخارج، ونمط ما اتخذناه من مواقف، وبلورناه من رؤى وبرامج، لمواجهة ما مررنا ونمر به من تحديات، ووضع ممارساتنا والأساليب التي استخدمناها في معركتنا الشاقة، من أجل حريتنا، وما قمنا به من تدابير، كي لا يتقدم أعداؤنا علينا، ونجد أنفسنا محكومين بردود فعل تترك لهم المبادرة والخطوات الاستباقية، وتجبرنا على انتهاج سياساتٍ لا يمكن أن يحترمها أحد، قليلةٍ أو عديمة الترابط، لحاقية وجزئية، وتفتقر إلى الواقعية والانسجام، مثلما كانت سياساتنا خلال نيفٍ وستة أعوام، لم نتعلم خلالها الكثير.

إذا كانت الدول تتخذ موقفا ظالما منا، هل هذا سببٌ كافٍ لأن نتخذ، نحن أيضا، الموقف نفسه من أنفسنا وثورتنا، ونظل أسرى علاقات مركزها الآخر وليس نحن، على الرغم من أننا نحن أصحاب قضيتنا، وليس هو أو أي أحد سوانا.

منذ سبعة أعوام، ونحن نندب حظنا، وندين ظلم العالم وتجاهله لنا. أما حان الوقت، كي نخرج من هذا المرض الذي جعل منا ندّابين بكائين، لا خير فيهم لقضيتهم وشعبهم الذي يتعرّض على أيديهم لأفدح ظلمٍ وتجاهلٍ ينزل بهما.

==========================

تركيا وروسيا.. تقارب لا تحالف .. خورشيد دلي

العربي الجديد

السبت 24/2/2018

أنتج التقارب التركي - الروسي في الفترة الماضية سلسلة تفاهمات سياسية، تجلت أساسا في جوانب محددة من الأزمة السورية، فعلى وقع تفاهمات أستانة، أبدل كل من القيصر والسلطان لغة التهديدات بلغة براغماتية، تجلت في اللقاءات والاتصالات المتكرّرة بينهما، ولعل ثلاثة أسباب رئيسية وقفت وراء التفاهمات السابقة، وهي توتر علاقات تركيا مع الغرب، بشقيه الأميركي والأوروبي، حيث رأت أنقرة في سياسة واشنطن تجاه الأزمة السورية خيانةً لثوابت العلاقة بين البلدين، خصوصا بعد أن أصرت الإدارة الأميركية على دعم كرد سورية بالسلاح، فيما رأت روسيا في هذا التوتر فرصة لكسب تركيا إلى جانبها. وثانيا، البعد الاقتصادي الذي يشكل عاملا حيويا في العلاقة الروسية – التركية، حيث صفقات النفط والغاز والأسلحة. وثالثا، أن التدخل العسكري الروسي في سورية أنتج معادلة جديدة على الأرض، رأت تركيا أن من الأفضل التعامل معها، في ظل تغير موازين القوى والاصطفافات الإقليمية لصالح النظام السوري وحلفائه.

لعل من أهم نتائج هذه التفاهمات إطلاق تركيا عملية درع الفرات في 24 أغسطس/ آب عام 2016، ومن ثم العملية العسكرية التركية في إدلب، في إطار مناطق خفض التصعيد، وأخيرا عملية عفرين المستمرة، إذ بدا الموقف الروسي متفهما وموافقا على هذه العمليات، لتحقيق جملة من الأغراض، أهمها الحد من تصاعد دور التحالف الكردي – الأميركي، في إطار الصراع الروسي - الأميركي على أوراق القوة والنفوذ في الأزمة السورية، وكذلك جلب تركيا إلى المساهمة في القضاء، أو ترويض الجماعات المسلحة في الشمال السوري، حيث تقاطعت المصالح بين الطرفين، كل طرف لأسبابه الخاصة: تركيا في منع إقامة كيان كردي مرتبط بقنديل، حيث قيادة حزب العمال الكردستاني. وروسيا في إدارة المرحلة الراهنة تطلعا إلى حسم المعارك العسكرية لصالح محوره. وفي العمق، أراد كل طرف استخدام الآخر لتحقيق استراتيجيته تجاه الأزمة السورية.

أمام التطلعات التركية – الروسية هذه، بدا أن التفاهمات السابقة بين الجانبين محدودة، إذ

"لكل طرف استراتيجية مختلفة، إن لم تكن متناقضة تجاه مجموعة من القضايا" سرعان ما كشفت التطورات حدودها على شكل اختبار للعلاقات بين البلدين، إذ لكل طرف استراتيجية مختلفة، إن لم تكن متناقضة تجاه مجموعة من القضايا، لعل من أهمها:

أولا، تركيا، وعلى الرغم من قفزها فوق شعار إسقاط النظام في سورية، إلا أنها في العمق ترى أن التطورات العسكرية والميدانية لا بد أن تفضي إلى التخلص من النظام، فيما جوهر السياسة الروسية تقوم على إنتاج النظام وفق الظروف الجديدة، ولعل هذا هو الهدف الأساسي من أستانة، ومن ثم سوتشي.

ثانيا، حدود العملية العسكرية التركية في إدلب، إذ مع مواصلة تركيا هذه العملية، بدا وكأن كل طرفٍ يحاول تنفيذها وفقا لرؤيةٍ مختلفةٍ، تركيا في جعلها منطلقا لعملية أوسع، الهدف منها إخراج عفرين من سيطرة وحدات حماية الشعب الكردية، وروسيا في جعلها منطلقا لعملية ضد الفصائل المسلحة، لا سيما بعد إسقاط مقاتلة لها في ريف إدلب.

ثالثا، على الرغم من الموافقة الضمنية لروسيا على عملية عفرين، إلا أن ثمة اعتقادا بأن هذه الموافقة كانت أقرب إلى سياسة توريط تركيا في عمليةٍ غير مضمونة النتائج، فالعملية التي كان متوقعا أن تكون سريعة، أياما قليلة، باتت عملية طويلة محفوفة بالصعوبات. فيما يشي موقف حلفاء روسيا في سورية بالتحرك ضد العملية التركية، لا سيما بعد دعوة طهران تركيا إلى وقف عمليتها.

رابعا، تصريحات الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أخيرا إلى أوكرانيا، وحديثه عن تأييد بلاده وحدتها، في إشارة إلى أن أنقرة لا توافق على ضم روسيا جزيرة القرم، وهو ما استدعى ردا روسيا أن الموقف التركي لن يؤخر أو يقدم بالقضية في شيء.

تؤكد هذه القضايا الخلافية وغيرها من جهة محدودية التفاهم التركي – الروسي، ومن جهة ثانية حقيقة أن التقارب بين البلدين ليس في موقع التحالف الاستراتيجي، كما تحدث خبراء كثيرون في الفترة الماضية، وإنما هو أقرب إلى التكتيكي الذي فرضته جملة من الظروف المتعلقة بتطورات الأزمة السورية، وبتوتر العلاقات التركية مع الغرب، بشقيه الأميركي والأوروبي، بعدما رأت أنقرة أن سياسة واشنطن في سورية والعراق باتت تستهدفها مباشرة، وهو ما التقطته موسكو لحظة سياسية ذهبية، لإبعاد تركيا عن المنظومة الغربية أولا، ولأسباب اقتصادية حيوية للسياسة الروسية ثانيا.

==========================

وصايا روسيا للأسد .. غازي دحمان

العربي الجديد

الخميس 15/3/2018

استعمل ما شئت من أسلحة، وما ترغب به من طرق وأساليب عسكرية، كما يمكنك الاتكاء على ترسانتنا، قديمها وجديدها، ما تم تجريبه وما ينتظر، مئات من أنواع الأسلحة المخصصة لمجابهة أميركا وحلف الأطلسي، واطلب ما تريد من مليشيات وعناصر تأتيك من لبنان وإيران وباكستان، فضلا عن العراق، فلا شيء أهم من أن يتردد في هذا العالم صدى صوت الزعيم فلاديمير بوتين حين يقول انتصرنا.

لا تهتم كثيرا لاستراتيجيات المُقال، ريكس تيلرسون، فللاستراتيجيات الحقيقية طعم ولون لا يشبهان تلك التي ينفثها هذا الرجل، ولا تعطي أذنك لفذلكات نيكي هيلي، فهي ليست مادلين أولبرايت ولا حتى سوزان رايس، ولا تزعجك قفشات بوريس جونسون ومندوبه في مجلس الأمن، ولا تعطي التفاتة لعنتريات ماكرون الحماسية. دع جميع هؤلاء لسيرغي لافروف يساجلهم على المنابر، ويزوّده مركزنا في حميميم بمعطياتٍ، نحن نجهزها وعلى العالم تصديقنا، ما دمنا نقول إن المسلحين يرشقون دمشق بالهاون، فليس للغوطة من ينقذها من مخالبنا.

أما ملف الكيماوي الذي أصبح مثل لعبة حاوي الأرانب السمجة والمملة، فالغرب يعرف، قبل 

"إنها فرصتك لتقتل ثورة الشعب ومطالبه وفرصتنا لنجعل هذا الأمر مشروعاً" الجميع، أنها قضية منتهية الصلاحية منذ اليوم الذي وافق فيه باراك أوباما على إجراء تلك المقايضة المعلومة، وعلى أساسها تم شطب السجل الكيماوي من تاريخ الصراع في سورية، فعن أي كيماويٍّ يتحدثون؟ إذا كانت منظمة حظر الأسلحة الكيماوية لا تدرج غاز الكلور وغيره ضمن قوائمها!

هذه الحرب حربُنا، ونحن قوّة صاعدة يحق لها مجالٌ من الأرض، وقطاعات من البشر، نجرّب عليهم طرائق إداراتنا ونختبر أسلحتنا ونظهر للعالم كم نحن نستحق مثل هذه المكانة التي يجب أن نكون عليها، ثم هذا عرف دولي لم نخترعه نحن، كل القوى الدولية الفاعلة والمؤثرة تعلن عن نفسها من خلال مناسبات كهذه، ونحن، روسيا العظمى الصاعدة لسنا أقل من أحد.

لا تنتبه لهم، لو أرادوا مواجهتنا لما احتاجوا كل هذا الزعيق، ولا ذلك النحيب، كانت لديهم عشرات الكتائب والمليشيات، ولم يكن الأمر يحتاج سوى بعض الأسلحة. يومها لم تكن قواتنا قد تدخلت، وكانت تقديراتنا تذهب إلى أنهم سيفعلون، ولم تكن لنا الاستعدادات الكافية لمنعهم، لكن ماذا حصل؟

لقد فكّكوا تلك البنية التي كانت تشكّل الخطر الأكبر عليكم وعلينا، وراحوا يصنفون، هذا متشدد لا يمكن أن نمنحه أسلحة، وذاك متوسط يصعب أن نتعامل معه مباشرة، والأخر معتدل، لكنه قد يكون مخترقاً، لذا يمكن التعامل معه، من دون أن نسلمه أسلحة كاسرة للتوازن، على ذلك فقد قرّروا تأسيس لعبة طويلة الأمد لا أحد يقدر على فهم أهدافها ومآلاتها غير استراتيجييهم الكهلين.

لا تقلق، لدينا خبرة واسعة في إدارة الأزمات، نعرف كيف نقضم مواقف الآخرين بالتدريج ونميّعها، ونعرف كيف نُغرقهم بالهوامش والتفاصيل، ونبعدهم عن الجوهر، ونعرف أيضاً كيف نجعلهم ينسون ما بدأوا النقاش به، كما نعرف كل النخبة السياسة الحاكمة في الغرب، نعرف مفاتيحهم وأقفالهم وأسرارهم ونقاط ضعفهم.

اضرب، هذا العالم لا يحترم سوى القوي، ألم تر كيف تقاطرت الدول لشراء أسلحتنا التي عرفوها بفضل نتائجها الباهرة في سورية، طائراتنا الفاخرة، وصواريخنا الخارقة، باتت رمزاً للقوّة، فالسوخوي أصبحت صنواً للعاصفة، وقاذفات الصواريخ BM-30 أصبحت رمزاً للجحيم، حتى التي لم نستخدمها مرّة واحدة، منظومة الصواريخ إس 400، فإنتاجنا منها حتى عقود مقبلة مباع سلفاً.

انظر إليهم، يرسلون الرسائل إلينا لنضغط عليكم، ولكي نطالبكم بوقف إطلاق النار في الغوطة،

"وداعاً للثورات التي تجعل عامة الناس وحثالاتهم، باسم الحرية والديمقراطية، يتطاولون على سدنة الأنظمة!" وكأن ليس نحن من اشتغل على إنتاج قرار مكبل في مجلس الأمن يصلح لكل شيء عدا وقف إطلاق النار، وكأن ليس ضباطنا من يقودون المعارك؟ ويتوسلون إيران لتضغط عليكم، وكأن إيران المشغولة في ترتيب تفاصيل مشروعها الجيوسياسي ستكون على استعدادٍ لإطلاق الرصاص على أقدامها نزولاً عند توسلاتهم!

ما يجب أن تعرفه جيداً أنك محظوظ أكثر من اللزوم، لأنك تقوم بأعمالك، بزمن موت الضمير العالمي، وموت السياسة، وانبعاث منطق العصابة، انظر حولك ستجد السياسة، وقد تحولت، في جميع أنحاء العالم، إلى نمط من حكم العصابات والسباق على الثروات والمغانم، فلم يُسقط هذا العالم الأيديولوجيات فحسب، بل وكل المنظومة القيمية والأخلاقية، بذريعة أنها من بقايا الصراع الأيديولوجي، وأحل مكانها منطق السوق بذريعة أنها لغة العصر ومفاتيح الشطّار للحداثة.

إنها فرصتك لتقتل في وضح النهار ثورة الشعب ومطالبه، وفرصتنا لنجعل هذا الأمر مشروعاً، فوداعاً للثورات التي تجعل عامة الناس وحثالاتهم، باسم الحرية والديمقراطية، يتطاولون على سدنة الأنظمة، الذين لولاهم لم تكن هناك دول، ولا حياة منظمّة، ولا أجهزة تدير حياة البشر.

افعل كل ما تريد، أما نحن سنكون مرّة في خلفية المشهد، عندما نفاوض ونساجل ونتبجح بالقوانين وسيادة الدول، ومرّة في مقدمة المشهد، عندما نضرب بأسلحتنا الفتاكة، ونقود المعارك، ويستعرض زعيمنا على شاشات عملاقة أسلحتنا الفاخرة، مثل إعلان تجاري مبهر.

وغدا عندما ستسقط الغوطة، سيتصالحون مع أنفسهم ويخضغون للأمر الواقع، بل ربما سيتنفسون الصعداء، لأنهم ارتاحوا من هذا العذاب، لن يختلف الأمر عن حلب. في اليوم التالي لسقوطها، لم يعد أحد يأتي على ذكرها، فكلّما ابتعدت الأحداث وكلما تسرّبت من الذاكرة وأزاحتها الضمائر.. تقدّم.

==========================

فرّقتنا السياسة ، ووحّدتنا الطوابير !؟ .. يحيى حاج يحيى

لا أحد يصدق بأن الحدود بين الأمة الواحدة، والشعب الواحد يمكن أن تكون عامل توحيد!؟  فهي في واقعها والاجراءات التي تتطلبها تشعر القادمين والمغادرين بأنهم غرباء؟! ومع ذلك ومن واقع التجزئة التي تعيشه الأمة وتحرص عليه  ! فقد أحسست خلال عبوري بين قطرين شقيقين بشيء من التوحد مع أناس يتكلمون بلغتي، ويدينون بديني.

تصوّر معي أعداد كبيرة من المسافرين نزلت من الحافلات ومن السيارات الخاصة، واتجهت إلى مبنى يضيق بهم على سعته! هنا شباك للأجانب وبجواره شباك لأبناء البلد وقريب منه شباك للمواطنين العرب ...وَ ...وَ ....

في ممر طويل يحيط به إطار حديدي من الجانبين، يضم عرباً من المحيط إلى الخليج، أحسست، وأنا أدس نفسي بينهم أني أحقق ما لم تحققه هيئات عربية كبيرة؟!.

لم يكن أي من الواقفين يعرف الآخر من قبل، ومع ذلك بدأت الابتسامات والمجاملات والنصائح، ولفت النظر إلى الإجراءات التي على القادم أن يقوم بها قبل أن يحظى بالوقوف في هذا الطابور المبارك، وكانت مشاهد متعددة:

أحدهم يتذكر أن زوجته لم تذهب إلى غرفة المطابقة الشخصية وأن جوازها معه، وهو لا يستطيع الخروج لئلا يفوته الدور، ينظر فيجدها بين النساء، يشير لها بيده فلا تفهم ما يقصده؟! يخشى أن يناديها باسمها فيكون هناك اسم مشابه؟! وأخيراً تقترب فيفهمها ما يريد، فتذهب ثم تعود بعد أن تأكدوا أنها هي هي كما أنه هو هو ؟!

آخر يخطئ في الطابور المخصص لأهل البلد، فيشير إليه الموظف أن طابور العرب هناك، فيتعاطف معه أحد الفضلاء وبغمزة عين وإشارة خفيفة وتراجع للوراء قليلاً يتسلل صاحبنا، ويقف أمام نافذتنا المبجلة؟!

ثالث: يقترب من منتصف الطابور ليعطي أحد المقتربين من النافذة عدداً من الجوازات، فهو لم يعد يستطيع الانتظار؛ لأن أصحابه على وشك الرحيل.

تسمع هنا جميع اللهجات، وترى جميع الأزياء، وتحس برائحة كل الأقطار، ويأتيك الدفع والضغط من كل جانب؟! ويتمنى المرء على الرغم من معاناته، وهو محصور في هذا الجمع أن يطول به الوقوف، ليردد في نفسه: فرقتنا السياسة، ووحدتنا الطوابير !!

=====================

منطقة الجنوب السوري تحت النار من جديد .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 15/3/2018

في الوقت الذي ما زال النظام الكيميائي فيه يشن حربه الدموية على الغوطة الشرقية بغية القضاء على آخر معاقل الثورة المسلحة لصق العاصمة دمشق، وإفراغ مدنها وبلداتها من السكان، بدأ فجأةً سلسلة من الغارات الجوية والقصف المدفعي على مدن وبلدات محافظة درعا المشمولة في إطار منطقة "خفض تصعيد" بضمانة روسية ـ أمريكية ـ أردنية.

فما معنى ذلك؟

لا يمكن تفسير الأمر ببعض الدعوات التي أطلقت لتحريك الجبهة الجنوبية، لتخفيف الضغط عن الغوطة الشرقية. فعلى رغم النوايا الطيبة لهذه الدعوات، فهي تغفل أن تلك الجبهة هي الأكثر انضباطاً بما يملى عليها من غرفة العمليات المعروفة باسم "موك". وحتى بعد بداية غارات النظام على المنطقة، دعا الأمريكيون الفصائل هناك إلى "ضبط النفس"، بالتوازي مع الدعوة إلى اجتماع عاجل في عمان لدراسة الوضع المستجد.

إذن النظام بدأ حربه الجديدة في الجنوب بمحض اختياره، ولم يصدر عن ردة فعل على هجمات من الثوار، أو عن ضرورات عسكرية متعلقة بحربه على الغوطة. ومن وجهة نظر روسيا ـ صاحبة القرار العسكري الفعلي على الأراضي السورية ـ لم يكن الأمر نتيجة انتهاء صلاحية تفاهماتها مع واشنطن حول منطقة وقف التصعيد في الجنوب. بل من الواضح أن الأمريكيين فوجئوا بتسخين هذه الجبهة، فنصحوا الفصائل بضبط النفس، لتفويت الفرصة على روسيا على تخريب التفاهمات المذكورة.

يتعلق الأمر إذن بضغط روسي على واشنطن بحثاً عن صفقة شاملة تضع نهاية للصراع وفقاً للتصور الروسي. فقد طلب الأمريكيون من الروس التفاهم على تعميم النموذج "الناجح" لمنطقة خفض التصعيد في الجنوب على المناطق الأخرى في سوريا، أساساً لحل سياسي مستدام. في حين حاول الروس أن يغيروا موازين القوى القائمة بهجومهم الفاشل قرب دير الزور.

من ناحية أخرى، أطلقت موسكو يد تركيا في منطقة عفرين ضد وحدات حماية الشعب المتحالفة مع الأمريكيين، كنوع من الضغط المعنوي الإضافي على واشنطن، من خلال إظهارها بمظهر المتخلي عن حليفه الكردي، العاجز عن حمايته. وهو ما أربك الأمريكيين فعلاً، ووضعهم مجدداً أمام الاختيار الصعب بين تركيا والكرد، في حين أنهم لا يريدون التخلي عن علاقتهم مع أي منهما.

روسيا بوتين تملك، إذن، الكثير من الأوراق لإرباك غريمتها الأمريكية في سوريا، حتى بعدما أعلنت واشنطن، قبل أشهر، استراتيجيتها بشأن الصراع في سوريا، وفي القلب منها إعلانها عن تمديد بقاء قواتها شرقي نهر الفرات وفي الجنوب إلى أجل غير مسمى. وإذا كانت موسكو قد قبلت هذا الوضع على مضض، فهي تريد مقابل ذلك تسهيلاً أمريكياً لاستراتيجية خروج من الصراع السوري، ما زالت واشنطن تضن به عليها. وقد رأينا كيف تعاملت موسكو مع قرار مجلس الأمن 2401 بشأن هدنة إنسانية لمدة ثلاثين يوماً على كافة الأراضي السورية. فكما لم تلتزم هي نفسها ـ ومعها تابعها السوري ـ بمتطلبات هذا القرار، فزادت من كثافة نيرانها القاتلة على الغوطة الشرقية، ولم تسمح بإدخال المساعدات الطبية، وعطلت التنفيذ حين سمحت بعبور بعض الشاحنات، كذلك أعطت الضوء الأخضر لتركيا كي لا تعتبر نفسها معنية بالهدنة وفقاً لقرار مجلس الأمن المذكور، فتواصل شن هجماتها على منطقة عفرين وصولاً إلى تطويق المدينة وفرض حصار تام عليها.

كان بإمكان روسيا أن تستخدم، كعادتها، حق النقض في مجلس الأمن، لإفشال مشروع القرار. لكنها امتنعت عن ذلك، فسمحت بتمرير القرار، لتقوم بخرقه فتلقي بقفاز التحدي في وجه الأمريكيين والعالم بأسره. وها هي، بعد كل التحرشات المذكورة، تصعّد في الجنوب الذي يعتبره الأمريكيون إنجازاً لهم يطمحون إلى تعميم نموذجه.

لن يهدأ بوتين قبل إرغام واشنطن على العودة إلى تفاهمات، بشأن الصراع في سوريا، تشبه التفاهمات التي كانت قائمة في ظل إدارة أوباما. وهو ما يبدو أن إدارة ترامب التي يوجهها البنتاغون إلى حد كبير، لن توافق عليه.

في هذا الوقت جاءت إقالة وزير الخارجية تليرسون لتطلق تكهنات كثيرة بشأن أسبابها. لكن خليفته بومبيو، المدير السابق للاستخبارات المركزية الأمريكية، معروف بمواقفه المتشددة تجاه إيران. وينسجم تعيينه مع الاستراتيجية الأمريكية المعلنة بصدد مواجهة النفوذ الإقليمي لإيران.

لا يمكن التكهن بما يمكن للإدارة الأمريكية أن تطور من مفردات الرد على التحرشات والإرباكات الروسية، سواء في مجلس الأمن حيث قدمت مشروع قرار جديد بشأن الهدنة التي لم تحترمها روسيا وفقاً للقرار السابق، أو في عفرين حيث لجمت روسيا حليفها الكيميائي من التدخل، أو في المنطقة الجنوبية رداً على خرق موسكو لاتفاق خفض التصعيد. قد تشهد الأيام القادمة تطورات مفاجئة في الصراع الروسي ـ الأمريكي على سوريا، بعد كل هذه التحرشات الروسية، سواء باتجاه مزيد من التصعيد أو باتجاه تفاهمات موضعية تنتج عنها تهدئة مؤقتة في الجنوب على الأقل.

ما هو مؤكد بالنسبة لنا هو أن النزيف السوري مستمر، قتلاً وتهجيراً وتغييراً ديموغرافياً مطرداً.

 

٭ كاتب سوري

==========================

مستقبل "الجيش السوري الحر" .. رضوان زيادة

الحياة

الخميس 15/3/2018

يدور نقاش وجدل كبير اليوم في واشنطن حول السياسة التي يجب أن تتبعها إدارة الرئيس دونالد ترامب في التعامل مع الأحداث المتطورة بسرعة في سورية، وبخاصة بعد هزيمة تنظيم "داعش" بشكل شبه كلي في سورية، واستعادة القوات النظامية بالتعاون مع روسيا قدرتها في السيطرة على عدد من المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة على مدى سنوات خمس أو ست من مثل حلب وريف حمص، إضافة إلى العملية العسكرية التي يشنها النظام الآن بهدف استعادة الغوطة الشرقية مع ما يترافق مع ذلك سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين والأبرياء.

وما يعزز هذا النقاش اليوم هو إعلان إدارة ترامب وقف دعم الجيش السوري الحر العام الماضي ضمن برنامج تسليح وتمويل المعارضة السورية الذي رعته ونفذته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، فالموقف الأميركي اليوم ما زال على سياسته في التركيز على قتال داعش حيث الأولوية مع تجاهل المجازر التي يرتكبها نظام الأسد وروسيا بحق المدنيين في كل أرجاء سورية، لكن الموقف الأميركي في الوقت ذاته أعلن عن إبقاء قواته في سورية وزياد عددها بشكل محدود بهدف ضمان تحقيق الاستقرار في سورية، وتغيير اسم قوات الجيش السوري الحر والبرنامج الذي يدعمها إلى برنامج يعتبر هذه القوات كقوات حفظ سلام.

ولذلك تُعتبر مراقبة الموقف الروسي والاميركي من عملية غصن الزيتون هاماً للغاية، فروسيا تقريبا تسيطر على القرار العسكري والسياسي للنظام السوري، وبنفس الوقت دعمت ومولت سياسياً وعسكرياً وحدات الحماية الكردية وفتحت لها مكتباً في موسكو عام 2015 كما أنها في ما بعد استثمرت سياسياً وعسكرياً في ما تسميه إحلال السلام في سورية بطريقتها الخاصة التي تعني إعادة تأهيل نظام الرئيس السوري بشار الأسد والقضاء على المعارضة المسلحة التي يجب أن تخضع لشروطها.

لذلك عمدت تركيا في البداية إلى الحصول على الموافقة الروسية لعمليتها العسكرية في عفرين، وأعلنت تركيا مقابل ذلك أنها ستدعم جهود روسيا في عقد مؤتمر سوتشي الذي التأم في نهاية شهر كانون الثاني (يناير) 2018، وبالفعل كانت الاستجابة الروسية سريعة للغاية فسحبت كل قوات الشرطة العسكرية التي تتمركز في محيط المدينة واتهمت الولايات المتحدة أن سياستها في سورية قادت إلى العملية التركية في عفرين، ولذلك بدا البساط ممهداً للقوات التركية للدخول إلى المدينة، أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة فهي تدرك أن عفرين ليست ذات قيمة استراتيجية لها وليس لها وجود عسكري هناك كون "داعش" لم تستطع الوصول إلى هذه المدينة أو الدخول إليها وبقيت تحت سيطرة قوات الحماية الكردية منذ عام 2013 التي أعلنت "نظام الإدارة الذاتية" فيها وأصبحت جزءاً من الكانتونات الثلاثة التي تسيطر عليها في سورية إضافة إلى كوباني (عين العرب) والقامشلي قبل أن تضم لها كلاً من منبج والرقة في ما بعد وذلك بعد تحريرها من داعش.

ولذلك تمكنت تركيا من الحصول على الموافقتين الروسية والاميركية للعملية وهو ما يعكس تحول طبيعة الحرب في سورية ومراوحتها بين مستوى الصراع بين القوى الكبرى إلى الصراع بين الدول الإقليمية، وكل مدينة أو قرية في سورية تدور فيها رحى الحرب تكتب أهميتها من مدى اقترابها أو ابتعادها من صراع المحاور الدولية والإقليمية وهذا ما يحول الحرب في سورية إلى شكل من أشكال العبث اللانهائي، فتغيرات المصالح سوف يقود بالضرورة إلى اشتعال الحرب مرات ومرات في المدينة أو القرية ذاتها، وفق تغير هذه المصالح، فعلى سبيل المثال المدينة الحدودية أعزاز بين سورية وتركيا التي لا يزيد تعداد سكانها عن 70 ألفاً تغيرت السيطرة عليها بحسب تغير الخرائط الإقليمية والدولية، ما جعل الحياة فيها شبه مستحيلة، فقد كانت أول مدينة يتمكن الجيش السوري الحر من السيطرة عليها عسكرياً في عام 2012 ثم دخلتها القاعدة ممثلة في جبهة النصرة عام 2013 قبل أن تهددها وحدات الحماية الكردية عام 2015 وترغب في السيطرة عليها مدعومة من القوات الروسية بهدف ربط الكانتونات الثلاثة التي تسيطر عليها في الشمال السوري ما دفع القوات التركية للتدخل عام 2016 ومنع سيطرة قوات لحماية الكردية من الاستيلاء عليها.

ومع بداية عام 2016 شنت داعش هجمات عنيفة على المدينة بهدف الضغط على تركيا وتمكينها من تهديد حدودها الجنوبية، قبل أن تدعم تركيا قوات مكونة من الجيش الحر من دخول المدينة والسيطرة عليها كلياً وإدارتها من قبل الحكومة المؤقتة التي تتبع للمعارضة وتدير مكاتبها من غازي عنتاب المدينة الحدودية التركية.

قصة أعزاز تعكس بألم قصة الحرب السورية اليوم، وما دام الصراع الأميركي– الروسي على مستوى القوى العظمى مستمراً في سورية، والصراع الإقليمي على مستوى تركيا وإيران، وظهور الحركات الانفصالية والأيديولوجية المتطرفة من مثل قوات الحماية الكردية و "داعش" والقاعدة في سورية كل ذلك يجعل الحرب في سورية أشبه بالحرب العبثية التي يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.

وهو ما يفرض علينا التفكير مجدداً في مستقبل الجيش السوري الحر وكيف يمكن إعادة إحيائه أو بنائه من جديد، فمنذ تأسيس ما يسمى الجيش الحر في عام 2012 على يد مجموعة من الضباط المنشقين عن الجيش النظامي السوري لم تفلح كل عمليات هيكلته أو مأسسته، فالخلافات الشخصية داخل قياداته مع تصاعد الخلافات الإقليمية بين الدول الممولة والداعم له وفي الوقت ذاته التدخل الروسي العسكري في أيلول (سبتمبر) 2015 الذي جعل أحد أهدافه القضاء على المعارضة السورية "المعتدلة" عبر استهدافها جواً وعبر البحر بطاقة نيران، لا قبل للجيوش النظامية على مواجهتها، فما بالك بجيش ليس له من اسمه سوى "العلامة".

ما عدا ذلك ليس هناك أي قيادة عسكرية مركزية أو قيادة للأركان وليس هناك تسلسل هرمي أو رتبي يضمن الانضباط داخل هذه المؤسسة، وإنما كل ما في الأمر هو مجموعات مقاتلة ترغب في البداية في الدفاع عن مدنها وقراها من هجوم قوات الأمن السورية النظامية وهجمات الجيش النظامي التي ارتكبت مجازر مروعة في كل المدن التي دخلتها من حمص إلى داريا إلى مدن الريف الدمشقي وريف حلب وإدلب.

بعد ذلك، فشلت جهود المعارضة السياسية في توحيد بندقية الجيش الحر كما أثرت الخلافات الإقليمية بشكل كبير على هذه الجهود ومع بداية عام 2014 بدأت القاعدة وداعش عمليات ممنهجة تهدف إلى القضاء على وجود الجيش الحر ووجده في مناطق الشمال والجنوب السوري ومع مطلع عام 2016 وتصاعد الحملة العسكرية الروسية ضد الجيش الحر تشتت المجوعات العسكرية المختلفة، وبعضها اضمحل أو اختفى كلياً من الساحة، من مثل لواء التوحيد واتحاد ثوار سورية وغيرها الفصائل والمجموعات التي دعمتها الولايات المتحدة لكن ليس بشكل كاف مما أدى إلى اختفائها خلال قتالها ضد "داعش" أو القاعدة أو ضد التدخل الروسي كما حصل في حلب في نهاية عام 2016 .

كاتب سوري

==========================

من حقائق ثورة السوريين بعد سنوات سبع عجاف .. أكرم البني

الحياة

الخميس 15/3/2018

إذا تجاوزنا القراءة النقدية لمسار الثورة السورية وما كرسته من عبر ودروس، ثم التحسر على مأساة لم يشهد التاريخ الحديث لها مثيلاً من هول الخراب وأعداد الضحايا والمشردين، وتجاوزنا الاعتراف بالهزيمة وتحميل مسؤولية ما وصلنا إليه، إن لعنف النظام المفرط أو لعسكرة الثورة أو لأسلمتها أو لفقدانها قيادة سياسية قادرة أو لسلبية المجتمع الدولي وانهزاميته، ثمة حقائق يفيد التوقف عندها، أرستها السنوات السبع العجاف من ثورة السوريين.

أولاً، لمن لا يزال يبحث عن حل سياسي للمحنة السورية، فليس من حل مرتقب، والدليل ليس فقط الفشل المتكرر لمفاوضات جنيف الماراثونية أو عودة خيار العنف ليتصدر المشهد ويغدو الفيصل في تقرير مصير أرياف إدلب وحماة وحمص والغوطة الشرقية، أو لصعوبة تحقيق تسوية مستقرة ومتوازنة في ظل تعدد وتضارب مصالح الأطراف المؤثرة بالصراع السوري، بل بسبب جوهر نخبة حاكمة ديدنها الاستمرار في السلطة وتعي أن السياسة هي مقتلها أو كعب أخيل بالنسبة إليها، ما يعني أن أي رهان على تنازلات سياسية قد يقدم عليها النظام السوري، مهما اشتد ضعفه أو الضغوط التي تمارس عليه، هو رهان خاسر، ويعني تالياً أنه سوف يذهب بخيار العنف والسحق حتى آخر الشوط، مستخدماً أشنع وسائل الفتك والإفساد ومستجراً كل من يعادي مطالب الحرية والمساواة والكرامة ليعيث قتلاً وتدميراً باجتماع السوريين، من دون أن يكترث بآلام البشر وما يكابدونه، أو بتهتك وانهيار وطن طالما تغنى بتعدديته وتعايش مكوناته، ومن دون أن يأبه بأي رد فعل دولي أو عربي، ساخراً من التهديدات الخلبية لاستخدامه مجدداً غاز الكلور في الغوطة الشرقية!.

ثانياً، وجهت السنوات السبع العجاف صفعة موجعة وربما قاتلة لظاهرة الإسلام السياسي وتالياً لاندفاعات تصدرت المشهد العربي خلال العقود الماضية، عنوانها اللجوء إلى الدين وتوظيفه سياسياً لمعالجة مشكلات المجتمع وأزماته، والصفعة لا تتمثل فقط بالهزيمة المتوقعة لتنظيم داعش وانهيار "خلافة" أعلنت الحرب على العالم أجمع، وتوهمت أن تستعيد بإرهابها المقزز ماضياً إمبراطورياً إسلاموياً، أو بنبذ شعبي وإن تأخر، لقوى سلفية جهادية، اخترقت صفوف السوريين وأفقدت ثورتهم جوهرها الوطني ورسالتها السياسية في بناء دولة المواطنة والديموقراطية، أو لجماعات إسلاموية نجحت في تعبئة قطاعات مهمة من السوريين في مواجهة النظام، لكنها تنكرت لما رفعته من شعارات وطنية ما أن استقرت سلطتها بسطوة السلاح، يحدوها الفشل الذريع في إدارة مناطقها وممارسة قمع وتمييز وفساد يقارب ما كابده الناس من السلطة السورية، بل تتمثل، وهو الأهم، بتعرية النظامين الإسلاميين في إيران وتركيا، حيث فضح تدخلهما الدموي والسافر في سورية حقيقة الراية الإسلامية التي يرفعانها، وأنها ليست أكثر من وسيلة تستخدم لتمرير مصالحهما الوضعية وحساباتهما الرخيصة بعيداً من جوهر الإسلام الحقيقي الذي ينشد خير البشر وصلاحهم... تعرية لم تقف عند تنكيلهما بالشعب السوري، عرباً وأكراداً، واستباحة أرواحه وممتلكاته وأرضه، وإنما امتدت لتشمل فشل برامجهما السياسية والتنموية التي يدعيان أنها تستند إلى اجتهادات دينية في قيادة المجتمع ومعالجة مشكلاته.

والمشهد تسعير الحروب ومعارك النفوذ الخارجية، هروباً من أزمة اقتصادية مزمنة وأوضاع معيشية خانقة أطبقتا على أرواح الإيرانيين بعد عقود من الحكم الإسلامي وحضتا مراراً على التحرك والانتفاض، ثم التفافاً من حزب العدالة والتنمية التركي على تراجع شعبيته بدليل الانتخابات الأخيرة، ربطاً بانحسار موجة الانتعاش الاقتصادي التي مكنته من الوصول إلى الحكم، وبتسعيره المجنون ضد الأكراد أينما كانوا، وبتوسل محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة لتشديد قبضته القمعية والانتقامية، ثم سلوكه المذل لاستجداء مصالحة مع إسرائيل وروسيا وربط مصالحه الإقليمية بمصالح الأخيرة.

في ما مضى، أفضت هزيمة البرنامجين القومي والاشتراكي، واستمرار ظلم الناس وتردي حياتهم وتعرض المسلمين منهم للتمييز والحرمان كما لنزعات الاستفزاز والاستخفاف الطائفيين، إلى اتساع الفئات المهمشة والمحتقنة وتوفير تربة خصبة مدت جماعات الإسلام السياسي والجهادي بأسباب النمو والتجدد، لكن اليوم، يبدو أن التجربة المريرة لهذه الجماعات وما خلفته من تدمير وضحايا وظواهر استبداد وفساد وعجز عن الانتصار لحقوق الناس والمسلمين، قد قالت كلمتها وأكدت أن خلاص المسلمين لن يتأتى من الغرق في خصوصيتهم الدينية بل من التنطح لدورهم الرئيس في الدفاع عن مصالح الناس عامة، والتمسك بما رفعته ثورتهم من شعارات تضمن للجميع حقوقهم من دون تمييز.

ثالثاً، دشنت الثورة السورية مناخاً عالمياً جديداً يقارب مناخ الحرب الباردة، وشكلت فاتحة لاستعادة روسيا وزنها السياسي وهيبتها العسكرية، مع انكفاء الولايات المتحدة وانسحابها من موقعها كقطب وحيد سيطر عالمياً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وانفلات الأدوار الإقليمية لدول أقل أهمية مثل إيران وتركيا، ثم ما خلفه المشهد الدموي وتصاعد وتيرة هجرة السوريين وأذى الإرهاب الإسلاموي من شحن للروح العصبوية والشعبوية في بلدان الغرب، لنلمس عودة لسباق التسلح وتسويق أحدث الأسلحة الفتاكة، ونزاعات ديبلوماسية واقتصادية، بعض وجوهها، الاختراقات الإلكترونية والحد من حرية التجارة وتعزيز الحماية الجمركية، والأنكى حضور الصورة النمطية البغيضة لدول كبرى تستهتر بمصير البشرية وتتوسل منطق الغلبة والمكاسرة في المنازعة على الهيمنة والنفوذ من دون أن تقيم اعتباراً لمصالح الشعوب الضعيفة وحقوقها، وتالياً الصورة المخجلة لمؤسسات أممية ضعيفة وعاجزة عن تحقيق أي اختراق جدي لأداء واجبها بحفظ السلم والأمن وحماية المدنيين وحقوق الإنسان.

أخيراً ثمة حقيقة ذاتية أرستها السنوات السبع العجاف تتجاوز حزن السوريين وتحسرهم المشروعين على ما وصلت إليه ثورتهم، أو ندمهم على ما رافقها من اندفاعات وحسابات خاطئة، وتصل إلى الاعتراف الصريح بمسؤوليتهم عن دوام نظام الاستبداد والوصاية وبأن ثمن حريتهم الباهظ هو نتيجة لصمتهم وتأخرهم في النهوض ومقاومة كل أشكال القهر والتمييز.

==========================

ثم يأتي عام بعد ذلك .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاربعاء 14/3/2018

يطوي الشعب السوري هذه الأيام، صفحة السنة السابعة من ثورته المجيدة، ويفتح معها صفحة السنة الثامنة منها، وهنا أقول، لم أجد أقوى تشبيهاً وتمثيلاً للسنوات السبع التي مضت على السوريين من وصف سيدنا يوسف -عليه السلام- لسنوات من سُجن عندهم بالسبع العجاف، وما ينتظرهم بعدها بعام فيه يغاث فيه الناس وفيه يعصرون.

ما يجري في سوريا عموماً، وفي الغوطة خصوصاً، يعجز القلم عن وصفه، وباعتقادي سيرغم ما يجري العلوم الإنسانية على إعادة كتابة كثير من قوالبها المتكلسة، التي لم تعد تجدي في ظل هذا التواطؤ الأممي، وفي ظل هذه اللامبالاة العالمية، وهذه التمسحة الدولية الغريبة العجيبة، فبعد خمس سنوات على استخدام الكيماوي، لا يزال البعض ينتظر ثبوت استخدامه ليرد، بينما سارعوا إلى الانقضاض على العراق لمجرد أوهام ثبت بطلانها لاحقاً.

الأغرب من هذا، أن يسيطر بعض الجوار على جماعات مسلحة، فيدجنها ليمنعها من فك القيد عن أهلها وشعبها في الشام، بينما جرائم الإبادة تتواصل لاقتلاع الشام وأهلها في أكبر عملية تهجير واقتلاع في التاريخ، فإن كان ضحايا التشطير الهندي-الباكستاني الأشهر في التاريخ الحديث لم يتعدوا المليون إلى مليوني شهيد و15 مليون نازح على أبعد تقدير، فإن الواقع في الشام -قياساً على الفارق السكاني بينهما- قد تعدى الشهداء المليون والمشردين والنازحين 14 مليون مشرد، يحدث هذا بعد أن تقاعدت ما تسمى بجامعة الدول العربية عن دورها، بلْه وقفت مع روسيا، واحتجت على التركي وما يقوم به نصرة للشام وثورتها.

الشام التي تكفل الله بها بحسب الأحاديث النبوية، هي الشام التي حددها النبي -عليه السلام- كمكان للملاحم، ولذلك ليس مصادفة أن يكون المكانان اللذان تحدث عنهما النبي -عليه السلام- الغوطة والأعماق، هما المكانان اللذان تجري فيهما اليوم الملاحم، وذلك بين الاحتلال وأذنابه من جهة وبين الثورة وحاضنتها من جهة أخرى، والأعماق المقصود بها في الحديث النبوي الشريف، مرج دابق والسهول المحيطة بها، حلب وإدلب المحاذية للحدود مع تركيا، التي كانت مقراً لحروب تاريخية طاحنة أيام الإمبراطورية الرومانية، ثم أيام الحملة الصليبية، وانطلاقة الزنكيين والصلاحيين منها، وكذلك الصراع العثماني-المملوكي بعدها. الصمود الأسطوري الشامي على مدى سبع سنين في وجه غزاة إقليميين ودوليين، وصمت وتواطؤ دولي رهيب، سيظل سفراً مهماً وملحمة شامية ملهمة للأجيال، خصوصاً وأن التاريخ سيكتب أنها المرة الأولى التي تنهزم فيها أسلحة الدمار الشامل أمام إصرار الشعب وتحديه للعدوان والغزاة والخونة، فضلاً عن كون حصار الغوطة الذي بدأ منذ عام 2013، هو الحصار الأطول في تاريخ الشعوب الحديثة، فحصار ستالينجراد لم يطل أكثر من ثلاث سنوات، بينما حصار سراييفو لم يدم أكثر من أربع سنوات. لكن ما تتفطر له الأكباد هو الاقتتال الحاصل في الشمال السوري، وهو ما ينهك الثورة وينهك معها حاضنة الجماعات المتقاتلة، مع حرف البندقية عن هدفها الأساسي، فضلاً عن خسارة الثورة لأرواح ودماء زكية كان مكانها الطبيعي هو في مقاومة الاحتلال وأذنابه، لتقربنا بذلك إلى النصر ووضع حد لعذابات الشاميين، الذين تكالب عليهم كثيرون وخذلهم كثيرون، ومع هذا يظل الأمل في الشام وأهلها بإصرارهم على رفض التعامل مع طاغية الشام وأسياده، وإصرارهم على التشبث بالأرض، مع خروج جيل ثوري في خلال السنوات السبع الماضية سيفاجئ العالم كله، ولعل ما خطّته تلك الفتاة ذات السنوات الثماني قبل موتها شاهد على جيل الثورة الجديد: "آسفة أبي أمي إخواني أصدقائي أحبكم جميعاً .. ولكن أحب الله ورسوله أكثر منكم .. وسنلتقي يوم الحساب".;

========================

التفكير خارج الخنادق .. مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 14/3/2018

على وقع ما يجري في الغوطة الشرقية، ومع اقتراب الأزمة السورية من دخول عامها الثامن، غدت الحاجة ملحةً، أكثر من أي وقت مضى، لإجراء مراجعاتٍ ليس فقط للوقوف على الأسباب التي أدت بسورية إلى الكارثة الكبرى التي تعيشها اليوم، بل أيضاً للبحث في سبل الخروج منها. ولا تستوي أي عملية مراجعة إلا إذا بدأت بتحديد المسؤوليات، لكنها لن تصل قطعاً إلى نتيجة إلا إذا أوقفنا الكارثة أولاً حتى تبدأ المحاسبات؟ بدأ تحديد المسؤوليات منذ اليوم الأول للثورة، ويجب لأهميته أن يستمر، على الرغم من الاختلاف بشأنها. فإذا سألت سوريين، لا على التعيين (موالاة ومعارضة) عن رأيهم في الأسباب التي أدت إلى الأزمة، فسوف تحصل بالتأكيد على إجابات مختلفة، تتراوح بين تحميل النظام المسؤولية كاملة عن ضياع البلد، نتيجة افتقاره أدنى درجات الحكمة والرشاد التي تتطلبها إدارة مؤسسة صغيرة، فما بالك بإدارة شؤون دولةٍ، وحفظ حياة مجتمع، فاختار العنف الغاشم في التعاطي مع أشكال قابلة للاحتواء من الاحتجاج الاجتماعي، لاعتقاده أن استخدام درجاتٍ معتدلة من العنف يظهر السلطة بمظهر الضعف، ويشجع الاحتجاج على الاستمرار والتصعيد.

سوف تجد أيضاً من يُحمّل المعارضة (ات) مسؤولية كبيرة، لأنها غرّرت بالناس، وباعتهم الأوهام، عندما هيأت لهم أن إطاحة نظامٍ متمرّس في استراتيجيات البقاء ممكن في عصر الصورة الرقمية و"سيادة" القيم الإنسانية في الحسابات الدولية. سوف تجد أيضاً من يتحدّث عن تشرذم المعارضة وسوء أدائها على كل المستويات (سياسي- إعلامي- عسكري... إلخ) ومن يتحدث عن أسلمة الثورة، واللجوء إلى السلاح، ومن يقول بمسؤولية الأطراف الدولية والإقليمية، وتحول السوريين، نظاماً ومعارضة، إلى "أدوات" محلية في صراع إقليمي- دولي. وهناك من يختصر كل شيء بالحديث عن انحطاط النخب وانتهازيتها، وبراءتها من كل انتماء خلا مصالحها الضيقة، وهناك من يأخذ الأمور بالاتجاه المعاكس، ويقول بمسؤولية المجتمع، وعلله المتنوعة من طائفية وقبلية وجهوية... إلخ.

هذه النقاشات مهمة، وتساعد على الفهم والمراجعة والتقييم، فحل أي مشكلةٍ يبدأ بتحديد المسؤوليات التي لا يجوز، على الرغم من الاختلاف حولها، إعفاء النظام من تحمل القسط الأكبر منها، إن لم يكن لشيء، فلأنه كان يتولى إدارة البلد، فأوردها موارد الهلاك. لكن وحتى تنضج ظروف المحاسبة، في بيئةٍ إقليميةٍ ودولية غير مساعدة، وغير مكترثة بمصير السوريين، يجب أن يبدأ التفكير في جملةٍ من الأسئلة الجوهرية، أهمها: كيف نوقف عملية التدمير الذاتي المستمرة منذ سبع سنوات؟ كيف يمكن إيجاد حالة من التفكير الجماعي كسوريين (وليس كموالاة ومعارضة) وإحياء الروح الوطنية السورية، تمهيدا لإنتاج إجماع وطني، هدفه إنقاذ سورية أو ما تبقى منها؟ وكيف نسترد قرارنا الوطني، بعيدا عن أي إملاءات أو وصاية خارجية؟ وكيف نستعيد وحدة سورية الترابية والمجتمعية؟

قد يبدو هذا الطرح غير واقعي في الظروف الراهنة، فالنظام يشعر توّاً بسكرات النصر، وهو لم يعط شيئاً وهو مهزوم، فكيف به منتصراً؟ ليس إذا نظرنا إلى الأمور من زاوية مختلفة! فالنظام يبدو اليوم مهزوماً أكثر من أي وقت مضى (الأصح طبعاً أن نقول إننا، نحن السوريين، جميعاً مهزومون)، فهو من جهةٍ خسر أجزاء كبيرة من سورية (الأميركيون في الشمال والشرق، والأتراك في الشمال والغرب)، وهو في غير وارد استرجاعها من دون حل سياسي معقول. من جهة أخرى، غدا النظام في الجزء الذي يسيطر عليه رهينةً في يد القوى الأجنبية التي تدعمه. وظني أن النظام الذي طالما تباهى باستقلالية قراره، وفي كونه لاعباً إقليمياً مهماً يشكل حكومات ويسقطها في دول الجوار، لا بد أنه يطمح في استعادة قراره، بدلاً من الاستمرار في تلقي أوامر من ضابط روسي أو إيراني أو من عنصر من حزب الله. فقط التوصل إلى حل سياسي يعيد إلى سورية لُحمتها الترابية والمجتمعية، يتيح للنظام استعادة سيادته الكاملة على أراضيه واستقلالية قراره، خلاف ذلك، يعني استمرار حالة الصراع، استمرار الوجود الأجنبي (داعم أو معادٍ) واستمرار الارتهان له. بعض هذه الأفكار سيلقى قبولاً وبعضها سيلقى استنكاراً، لكن هذا ليس مهماً، المهم إيجاد حالة من النقاش، تساعد في الخروج من عنق الزجاجة، والتفكير خارج الخنادق والمعسكرات.

========================

لعبة روسيا في الغوطة وعفرين .. علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 14/3/2018

في الغوطة، كما في عفرين، دم سوري غزير يُهرق في حربٍ بالوكالة تخوضها، بوعي أو من دون وعي، أحزاب وجماعات وفصائل ودول إقليمية كبيرة، تلعب فيها دور قذيفة في مدفع روسيا، وهي (الحرب) جزء من خطة شاملة، هدفها تحدي انفراد الولايات المتحدة الأميركية في إدارة الملفات الإقليمية والدولية؛ وكسر احتكارها وسيطرتها على الدورة الاقتصادية العالمية؛ واستعادة دور روسيا زمن الاتحاد السوفييتي البائد، دور القوة المنافسة في عالم ثنائي القطبية.

جاءت ثورات الربيع العربي على الضد من هوى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، خصوصا انفجار الثورة السورية عام 2011، فزادت نسبة قلقه في ضوء خشيته فقدان روسيا آخر معاقلها في المتوسط، بعد أن فقدت ليبيا بإسقاط نظام معمر القذافي، فتبنّى موقفاً منحازاً للنظام السوري في سعيه إلى تحقيق هدفين: حماية مصالحها ووجودها في المتوسط (قاعدة طرطوس)، والانتقام من حرمانها من الكعكة الليبية. لكنه اكتفى بالتحرك السياسي والدبلوماسي، قبل أن تثير التظاهرات الأوكرانية الشعبية والبرلمانية؛ وهروب الرئيس الأوكراني، فيكتور يانوكوفيتش، حليف روسيا، مخاوفه (بوتين)، فرد باجتياح شبه جزيرة القرم، وضمّها بعد استفتاء مسيطرٍ عليه؛ وكرّر تجربته في جورجيا، بذريعة حماية الروس والناطقين بالروسية هناك، بسلخ مناطق من شرق أوكرانيا وإقامة جمهوريتين "شعبيتين"، لوهانسك ودونيتسك، تدوران في فلك روسيا؛ للضغط على كييف للعودة إلى الاتفاق الذي تم بين الرئيس يانوكوفيتش والمعارضة برعاية دول غربية؛ وإلغاء كل الخطوات التي أخذها قادة الانقلاب ضده؛ والضغط على الغرب، للتخلي عن مساعيه لضم أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي.

تحرّكت روسيا بزخم أكبر في الملف السوري، بعد أن دخلت في مأزقٍ مع التحالف الغربي في أوكرانيا، على خلفية جمود الموقف الميداني، وفرض عقوبات اقتصادية غربية شديدة، في 

"تريد روسيا دفع الولايات المتحدة إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات" لحظة انهيار أسعار النفط وتراجع عائدات الدولة التي تعتمد في موازنتها عليه، عبر إرسال شحنات أسلحةٍ وذخيرة؛ وإيفاد مستشارين عسكريين؛ وتقديم دعم مالي لسد حاجات النظام؛ وعرقلة مفاوضات جنيف؛ وشل مجلس الأمن باستخدام حق النقض (الفيتو) لحماية النظام السوري. وقد دفعها خطر انهيار النظام، بعد فشله، وإيران والمليشيات التابعة لها، في المواجهة مع فصائل المعارضة المسلحة، إلى الانخراط في المعركة مباشرةً بإرسال طائراتها وقواتها الخاصة إلى سورية في سبتمبر/ أيلول 2015.

جاء تصعيدها أخيرا، بعد تعرّضها لهزات ميدانية (هجمات بطائرات من دون طيار على قاعدتيها في حميميم وطرطوس؛ نجم عنها إعطاب سبع طائرات ومنصة صواريخ إس 400 وقتل تسعة جنود، وإسقاط طائرة سوخوي 25 في محافظة إدلب، وقصف قوات أميركية قوات النظام وحلفائه، بمن فيهم مرتزقة روس من قوة فاغنر الخاصة، في ريف دير الزور وقتل 137 عنصرا روسيا في استهدافٍ مباشر لوجودها في سورية.

لم تذهب روسيا إلى مواجهة مباشرة مع القوات الأميركية في سورية، خوفا من تبعات المواجهة في وقتٍ يستعد فيه الرئيس بوتين لخوض غمار انتخابات رئاسية؛ يريد منها تحقيق فوزٍ حاسمٍ يؤكد هيمنته وتفويضه في التصرف بالبلاد من دون قيود (لتعزيز حظوظه الانتخابية، ألقى في خطابه عن حالة البلاد قفاز التحدّي في وجه الولايات المتحدة؛ بالإعلان عن حزمة أسلحةٍ جديدة: صواريخ كروز وطوربيدات بحرية تعمل بالطاقة النووية، صواريخ عابرة للقارات، طائرات من الجيل الخامس، وأعلن عن الاستعداد للرد الفوري على أي عدوان نووي على روسيا أو على حلفائها)، بل ذهبت إلى حربٍ بالوكالة، بإدارة وتنسيق هجومي عفرين والغوطة الشرقية، بتحديد سقف التحرك الميداني لكل من تركيا وإيران (ومليشياتها) والنظام، من جهة، وشن حملة نقد وتشهير بالولايات المتحدة، بالتركيز على عدم شرعية وجود قواتها على الأرض السورية؛ واتهامها بالعمل على تقسيم سورية؛ والمطالبة بفتح تحقيقٍ بشأن قصفها العشوائي الموصل والرقة وتدميرهما، وقتل آلاف المدنيين الذين ما زالوا تحت الأنقاض، من جهة ثانية.

أرادت روسيا من الهجومين تحقيق هدفها المركزي: دفع الولايات المتحدة إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات، للاتفاق على أدوار وحصص ومناطق نفوذ كل منهما. بالسيطرة على مساحاتٍ إضافيةٍ من الأرض السورية، عبر هزيمة حلفائها والتضييق على حركة قواتها هناك. أعطت الضوء الأخضر لتركيا لمهاجمة عفرين، وإلحاق الهزيمة بـ "وحدات حماية الشعب"، الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، حليفة الولايات المتحدة الوحيدة في سورية، وأداتها في السيطرة على محافظات الحسكة والرقة ودير الزور، حيث قواعدها العسكرية، لتحقيق هدفين في آن: بذر الشقاق بين "الوحدات" والولايات المتحدة، التي لم تتحرّك لنجدتها في مواجهة العدوان التركي، لدفع الأولى إلى تغيير تحالفاتها، وتشجيع الثانية على تحدّي الولايات المتحدة بمد مطالبها إلى كل المناطق الحدودية السورية التركية التي تسيطر عليها "الوحدات"، لتعميق الخلاف التركي الأميركي، وعزل القوات الأميركية في جيوبٍ محاصرة؛ وتحويلها إلى مشكلة أميركية، من أجل دفعها إلى الانسحاب. وكي تنجح في سعيها، اعترضت على اتفاق النظام مع "الوحدات"، وحدّدت خطوط انتشار قوات تركيا والنظام في ريفي حلب وإدلب؛ وسمحت لتركيا بربط مناطق درع الفرات بمنطقة عفرين.

لا تختلف الصورة على جبهة الغوطة الشرقية إلا بالأسماء، هنا فصائل معارضة تدعمها السعودية، حليفة الولايات المتحدة الرئيسة في الإقليم، والتي تخوض صراعا سياسيا، وعسكريا بالوكالة، مع إيران، حليفة روسيا الرئيسة في الإقليم، يشمل سورية واليمن ولبنان وفلسطين وأفغانستان وباكستان وجمهوريات آسيا الوسطى، ما سيجعل هزيمة الفصائل والسيطرة على الغوطة الشرقية ضربة للولايات المتحدة، عبر هزيمة حلفاء حلفائها.

لا تكمن خطورة اللعبة الروسية في الغوطة الشرقية وعفرين في الدماء التي أهرقت وستهرق، بقتل آلاف المدنيين؛ والدمار الذي لحق وسيلحق بالمدن والبلدات والقرى، فيهما فقط، بل أيضا في مترتبات الصراع القريبة والبعيدة، حيث سيسمح الهجوم على الغوطة الشرقية بتغيير 

"اللعبة الروسية ستكرّس تبعية تركيا وإيران، اللتين تعتقدان أنهما صاحبتا قرار مستقل" الخريطة السكانية، وتعميق الانقسامات المجتمعية السورية في ضوء البعد المذهبي للمواجهة (مشاركة قوات إيرانية ومليشيات شيعية في الهجوم؛ واعتماد رواياتٍ مذهبيةٍ عن عودة المهدي، وقتاله ضد السفياني تغطية للهجوم الوحشي)، وسيقود الهجوم على عفرين، في ضوء مشاركة عرب من فصائل من الجيش السوري الحر في القتال إلى جانب القوات التركية، بتعميد الخلاف الكردي العربي، المحكوم إلى الآن بمعادلة استعادة الحقوق برد المظلومية من طرف الكرد، والخوف من خسارة جغرافية من طرف العرب، بالدم وتحويله إلى عداوةٍ صريحة. واللافت أن اللعبة الروسية ستكرّس تبعية تركيا وإيران، اللتين تعتقدان أنهما صاحبتا قرار مستقل؛ وأنهما تخوضان حربا لخدمة مصالحهما، لروسيا، بسماحها للأولى بضرب "الوحدات" والسيطرة على مساحةٍ معتبرة من الأرض السورية، وللثانية بالسيطرة على الغوطة الشرقية، وتهجير أهلها، وإحلال سكانٍ شيعةٍ عراقيين وأفغان وباكستانيين مكانهم، تنفيذا لتصورها حول العاصمة السورية ومحيطها، وأنها لم تنجح في تحقيق روسيا هدفها في دفع الولايات المتحدة إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات، فالأخيرة تجاهلت الرسائل، وتقبلت هزيمة حلفائها في عفرين، وحلفاء حلفائها في الغوطة الشرقية؛ باعتبارها خسائر تكتيكية، لا تستحق خسارة استراتيجية من حجم الموافقة على طلب روسيا، وعملت، في الوقت نفسه، على ترميم علاقاتها مع تركيا بالاتفاق على ترتيباتٍ توازن بين مطالبها ومطالب "الوحدات"، بالموافقة على سحب الأخيرة من منبج، والتمسّك باستمرار سيطرتها شمال نهر الفرات وشرقه، لحاجتها إلى القواعد التي أقامتها هناك، لتطويق الدورين، الروسي والإيراني، من جهة، وتوفير بديل جيوسياسي لتركيا، في ضوء ما تثيره سياسات تركيا من هواجس وقلق للتحالف الغربي، من جهة ثانية. ووظفت صور القتلى من الأطفال والنساء والشيوخ والدمار الذي لحق بالمدن والبلدات والقرى فيهما، في تعميق القطيعة النفسية بين العرب والمسلمين السنة وروسيا.

========================

الإرهاب كما يبدو في الغوطة .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الثلاثاء 13/3/2018

يعرف الإرهاب في أكثر تعريفاته شيوعاً، بأنه عمليات دموية مسلحة وعشوائية، تقوم به قوى منظمة، هدفها إجراء تغييرات وخلق حقائق جديدة على الأرض خارج إطار السياسة، لإجبار الآخرين بمن فيهم المدنيون على إجراء تغييرات في سياساتهم ومواقفهم. ولا يقتصر العمل الإرهابي على نشاط الأفراد والجماعات، بل يشمل ما تقوم به الدول في البعض من ممارساتها ضد الآخرين من أفراد أو جماعات ودول.

وتمثل غوطة دمشق الشرقية اليوم مسرحاً نموذجياً لواحدة من أكبر الأعمال الإرهابية، التي عرفها العالم في العقود الأخيرة من تاريخه. ففي هذه البقعة الصغيرة من محيط دمشق، هناك نحو أربعمائة ألف من السكان، أكثر من نصفهم أطفال، عاش غالبيتهم تحت القصف المستمر منذ سبع سنوات، وأغلب هؤلاء ولدوا في ظل حصار شامل مستمر منذ خمس سنوات، منع فيها دخول وخروج الاحتياجات الإنسانية بما فيها الغذاء والدواء والتجهيزات الضرورية لاستمرار الحياة.

الذنب الأساسي لسكان الغوطة أنهم خرجوا متظاهرين سلميين من أجل مستقبل وحياة أفضل لأولادهم وبلدهم مثل حال أغلبية السوريين الذين تظاهروا من أجل الحرية والكرامة في مارس (آذار) 2011، ثم ذهبوا إلى احتجاجات أوسع بعد أن أغلق النظام بوابات الحل السياسي، وأصر على حل عسكري أمني قائم على الإكراه والإجبار بالقوة، وهي جوهر الأعمال الإرهابية، التي شكلت نمطاً في سلوك نظام الأسد ضد السوريين منذ تولي الأسد الأب السلطة في عام 1970، وتعبيرها الأبرز مذبحة حماة 1982، التي قام بها حافظ الأسد وجهازه الأمني - العسكري تحت شعار محاربة المسلحين واستعادة سيطرة الدولة على المدينة بتدمير المدينة المحاصرة، وقتل عشرات الألوف من سكانها باستثناء من زج بهم في السجون، ومن شردهم في أنحاء مختلفة من العالم.

نموذج حماة في إرهاب الدولة، كرره نظام الأسد عشرات المرات ضد مدن وقرى وأحياء في السنوات السبع الماضية، سواء بواسطة قواته وأجهزته الأمنية أو من خلال ميليشياته، التي لا وظيفة لها سوى القتل والاعتقال والتدمير والتعفيش، قبل أن يطور استراتيجيته في إرهاب الدولة بإقامة تحالف إرهابي من دول وميليشيات لها تاريخ أسود، فخلق حلفاً من الروس والإيرانيين، وضم إليه ميليشيات لبنانية وعراقية وأفغانية وباكستانية، إضافة إلى شركات المرتزقة وأبرزها المرتزقة الروس.

فالروس لهم نموذجهم في غروزني بالشيشان، والإيرانيون يمارسون الإرهاب، سواء عبر ما قاموا به في إيران أو بدعمهم جماعات إرهابية معروفة ومصنفة عالمياً في قائمة الإرهاب مثل "حزب الله" اللبناني، وهو واحد من ميليشيات إيران، التي تمارس عملياتها في العديد من البلدان.

لقد حشد الحلف الثلاثي قوته في مواجهة غوطة دمشق، وبدأ عملية إبادة شاملة هناك منذ ثلاثة أسابيع، ما زالت متواصلة رغم اتخاذ مجلس الأمن الدولي المنوط به حماية الأمن والسلم الدوليين قراره رقم "2401" بإعلان الهدنة في الغوطة، دون أن تتوقف الحرب، ولا يبدو أنها ستتوقف، لأن سيناريو الحلف الثلاثي يقضي بتحويل الغوطة إلى مكان بلا سكان، ولا مصير لهم سوى واحد من خيارات: الموت، أو الاعتقال، أو الترحيل إلى الشمال باتجاه إدلب، التي لن يكون مصيرها وفق سيناريوهات الحلف الثلاثي مختلفاً عن سيناريو الغوطة إلا ببعض التفاصيل الناجمة عن تمايزات ليست لها أهمية تذكر.

إن المبرر الرئيسي لحرب إبادة الغوطة وسكانها، كما يطرحه الحلف الثلاثي، هو محاربة الإرهاب الذي يصفون به تشكيلات المعارضة المسلحة في الغوطة، وهي التشكيلات ذاتها التي انخرطت في العملية التفاوضية في جنيف وآستانة، وهي طرف في اتفاق خفض التصعيد بالغوطة الذي تم الوصول إليه بضمانة كل من روسيا وإيران وتركيا العام الماضي، وقد امتنعت روسيا وإيران عن مواجهة خروقات نظام الأسد للاتفاق، بل شاركتا فيها قبل أن تصطفا مع حليفهما في الحرب الراهنة على الغوطة، الأمر الذي يسقط بالمعنى السياسي وصف الإرهاب عن تشكيلات المعارضة المسلحة في الغوطة، ويجعل كل من يقف إلى جانب نظام الأسد، مثل إيران، توصف به.

والنقطة الثانية في دلالات انخراط الدول الثلاث في إرهاب الدولة، رفضها المضي في الحل السياسي للقضية السورية، وإغلاق آذانها عن الدعوات والمطالبات الدولية والإقليمية القاضية بوقف الحرب وإتاحة الفرصة أمام الجهود السياسية، وتحدي الإرادة الدولية المعبر عنها في قرار مجلس الأمن، والقول إن سيناريو الغوطة الذي يقارب سيناريو حلب أواخر عام 2016، سوف يتكرر لاحقاً في إدلب وكل منطقة خارجة عن سيطرة النظام في سوريا.

والنقطة الثالثة في حرب الحلف الثلاثي، يمثلها الاستخدام المفرط والكثيف للقوة في الغوطة، وتنوع الأسلحة المستخدمة. ففي الحرب، تتحشد وتتشارك غالبية القوة العسكرية لنظام الأسد وميليشياتها، وبعض القوات الإيرانية وميليشياتها، فيها يتشارك طيران الروس مع طيران النظام في القيام بالهجمات الجوية، وتتواصل العمليات الأرضية والجوية بكثافة ليل نهار، وسط عمليات رصد واستطلاع مرافقة، وإضافة إلى استخدام الأسلحة التقليدية من مدفعية ودبابات وراجمات صواريخ، فإنه يتم استخدام الأسلحة المحرمة دولياً من البراميل المتفجرة وقنابل النابالم والأسلحة الكيماوية ومنها غاز السارين، وتتحشد في سماء الغوطة الحوامات والقاذفات الروسية من كل الأنواع، إضافة إلى طائرة "سوخوي58" أحدث الطائرات الروسية، التي تستخدم لأول مرة في عمليات جوية.

لقد دمرت حرب الحلف الثلاثي وميليشياته المدن والقرى في غوطة دمشق في الأسابيع الثلاثة الماضية، وقتلت وجرحت آلافاً، وخلفت مفقودين تحت ركام المنازل وفي دور العبادة وفي المشافي البسيطة، وغالبيتهم من الأطفال والنساء الذين تحصن أغلبهم هرباً من الموت في ملاجئ لا تصلح للحياة، وبعضها تحول إلى مقابر للموجودين فيها.

وسط مقولة أطراف الحلف وأنصارهم أنهم يحاربون إرهاب جماعات التطرف، إنما يتجاهلون أن ما يقومون به هو الإرهاب الأشد وقعاً ونتائج، لأنه إرهاب مزدوج، يقوم على تشارك إرهاب الدولة مع إرهاب الميليشيات التابعة لها، وهذا لا يوقع أكثر الخسائر البشرية والمادية فقط، بل يعزز البيئة الحاضنة للإرهاب، ويولد جماعات أكثر تطرفاً وتشدداً.

==========================

هل أخطأ المثقفون فهم الشعوب الغارقة في الجهل والطائفية؟ .. برهان غليون

العربي الجديد

الاثنين 12/3/2018

"سيدي الكريم، لأني لا أحب الكتابة في التعليقات، والدخول في معمعة السب والنقاش مع الآخرين. أكتب إليك بشكل خاص. أقول لك إن أمثالك هم السبب في ما وصلنا إليه من دمار وقتل وتهجير. أمثالك أحيوا في كثير من فئات الشعب، في البداية، أملا وحلما بسورية متطوّرة، حديثة، علمانية، متقدمة. أمثالك ممن دخلوا قلوب الناس وعقولهم بشخصيتهم الراقية قد حفزتم الناس على رفض النظام الذي أراه، لو بقي كما كان، لكان الأفضل لنا جميعا. لم تحسنوا قراءة الشعب السوري الغارق في جهل الإسلام، والعصبية العمياء، والانتماء القبلي والطائفي، فأوديتم بالبلد والشعب إلى الهاوية. للأسف، ما حدث لم يكن ثورةً على الجهل والتخلف، بل كان حركة غوغاء، نتائجها كانت تدمير الإنسان قبل المكان. أصبح الموت والأموات من تفاهات الحياة اليومية في سيرتنا".

هذا نص رسالةٍ وصلت إلي على صفحتي الشخصية قبل أيام. وهي تُوجّه إلينا من دون مواربة وببساطة، أعني إلى المثقفين الذين ناصروا الثورة الشعبية، تهمة الجهل وسوء التقدير، إن لم يكن إغواء الجمهور وخداعه وتضليله. لا تقول الرسالة: إذا لم تكونوا واثقين من النصر، فلماذا ورّطتم الشعب في حركةٍ ستجرّ عليه الأهوال، كما هو شائعٌ في حالاتٍ مماثلة، ولكن، أبعد من ذلك، كيف دفعتم الشعب إلى الثورة، وأنتم تعلمون جهله وتعصبه وطائفيته؟

"الجذور العميقة للممارسات الطائفية وإحياء روح التعصب المذهب والقبلي والجهوي موجودة في أساسات نظام الأسد"

لسنا هنا أمام نقد للفكر والمفكرين التحرّريين فحسب، وإنما أمام إدانة جوهرية للشعب، تنطوي على يأسٍ من أي تحول أو تغيير ممكن، الآن وفي المستقبل. نحن إزاء نفي مطلق لشرعية الثورة نفسها في شروط مجتمعاتنا العربية.

يفترض كاتب الرسالة أنه كان للمثقفين الدور الأول في اندلاع ثورة السوريين، وأن خطابهم، وربما بعض ملامح شخصيتهم المدنية الراقية، كما يقول، قد خدعت الجمهور وشجّعته على الخروج على النظام القائم. ويتضمن هذا الافتراض ثانيا أن الشعب لا يملك الوعي ومنظومة القيم التي تسمح له بالقيام بثورة، وأنه إذا ثار فلن تكون ثورته سياسية، وإنما حركة غوغائية، نظرا لجهله وتعصبه وطائفية معظم فئاته، فهو يفتقر إلى أي مبادرة ذاتية. ويتضمن ثالثا أن ما حصل من خرابٍ ودمار وقتل وتشريد أصاب ملايين الناس لم يكن نتيجة الحرب التي شنها النظام لقمع ثورة، وإنما هو ثمرة الحركة الغوغائية التي أطلقها، والتي لا يمكن أن تقود بالتعريف، أي بسبب غوغائيتها، إلا إلى ما شهدناه من خرابٍ ودمار وقتل. وتتضمن رابعا أن سياسة النظام لقمع الثورة/ الحركة الغوغائية لم تكن خاليةً من العقلانية، إن لم تكن شرعية. وخامسا، المسؤولية الرئيسية في ما وصلت إليه الأمور تقع على كاهل المثقفين السوريين، وأنا في مقدمهم، لجهلهم بطبيعة شعبهم البدائية، أو لرغبتهم في تضليله، طمعا في السلطة أو تعلقا بحلم تحرّري، لا مجال لتحقيقه في سورية، وربما في العالم العربي والإسلامي بأكمله. وبطريقةٍ ارتجاعيةٍ، يمكن أن نستنتج أن نظام الأسد، أو ما يشابهه من الأنظمة المجاورة، هو النظام الأكثر ملاءمة للشعوب العربية الأمية، وأن أصل الداء في مجتمعاتنا ليست النظام، وإنما الشعوب البدائية، وكل من يتعاطف معها من المثقفين والسياسيين الحالمين، أو الذين يخدعون أنفسهم بتعلقهم بمبادئ وقيم لا يمكن تطبيقها في الواقع.

 

(2)

ليس هناك شك في أن المثقفين مسؤولون عن نشر الأفكار التي ألهمت الثورة بمقدار ما قدمت للمجموعات النشطة التي قامت بإشعالها أهدافا تضفي الشرعية على عملهم، وتسمو به فوق المصالح والمنافع الوقتية والمادية. وبالفعل، من دون أفكار ملهمة وموجهة ومقنعة، لا تقود الاحتجاجات بالضرورة إلى ثورةٍ طويلة المدى وشاملة. لكن المثقفين لم يكونوا مع ذلك، مهما كانت نوعية أفكارهم وشعاراتهم وسلامتها أو خطئها، المفجرين الحقيقيين لها. المسؤول الأول عن إيجاد شروط الثورة وتفجيرها هو النظام السياسي، وخياراته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية أو التربوية، البعيدة والقصيرة المدى معا، وهي الخيارات التي تعاملت مع الشعب باعتباره قاصرا أبديا، وقرّرت أن تحكمه بالقهر، وتفرض عليه الصمت، واعتمدت من أجل إخضاعه والحصول على طاعته وسائل الإرهاب والترهيب البدائية الأكثر عنفا.

هكذا لم يعد الأمن يعني ضمان الدولة حقوق الناس ومصالحهم وسلامتهم الشخصية، الجسدية والمعنوية، وإنما بالعكس تماما، الأجهزة التي تعمل على تعرية الأفراد من أي حماية قانونية أو أهلية أو أخلاقية، لتأمين طاعتهم المطلقة وانقيادهم، من دون تساؤل أو سؤال، باعتبار ذلك شرط ضمان أمن النظام. لم تقبل السلطة، في أي وقت، الاعتراف بوجود شعب، باعتبار هذا الشعب طرفا له حقوقه ومصالحه ورأيه في ما يمس حياته ومصيره، ولا أقول سيادته، كما ينص الدستور. وترفض رفضا دينيا فكرة الحوار معه، أو التفاوض مع أطرافه لأي هدفٍ كان. واعتقدت دائما أنها تستطيع أن تضمن إذعانه من دون تنازلات، مهما كانت، معتمدةً على

"لم يعد الأمن يعني ضمان الدولة حقوق الناس ومصالحهم وسلامتهم الشخصية، الجسدية والمعنوية، وإنما بالعكس تماما" تحكّمها بشروط حياته، ووضعه في حالة تبعية مطلقة لها، أفرادا وجماعات، واستخدام جميع وسائل العنف المادية والمعنوية، واحتكار وسائل الإعلام والتربية والثقافة، ووضع يدها على جميع موارد البلاد وتحكمها من خلال أجهزتها القمعية بكل فرص العمل ومنافذ الريح في قطاع المهن الحرة والوظيفة العمومية، وأخيرا ممارسة أسلوب العقاب الجماعي والمنفلت من أي رقابةٍ أو قيدٍ قانوني أو أخلاقي، بحيث لا يعرف الفرد الذي تبدو عليه علامات الامتعاض ما يمكن أن يواجهه من عقاب، ليس عما يقوله أو يفعله، وإنما عما لا يفعله، وما لا يعجب رجل الأمن في سلوكه، أو تصرفاته أو عشرته، وربما لون ملابسه أو نظراته أو طريقة سيره.

ولأن النظام كلما زاد تسلطا وأمنا زاد فسادا، وأصبح أكثر غيرة على مصيره، وهوسا في الدفاع عن أمنه، لم يجرؤ، في أي وقتٍ، على التخفيف من عنفه الشامل الذي شل بتعميمه المجتمع. وكلما زاد هذا المجتمع استسلاما له، زاد هذا النظام طموحه إلى أن يجعل من وجوده قدرا لا فكاك منه، حتى انتهى الأمر به إلى أن يجعل مركز نشاطه وبرنامج عمله الرئيس تنظيم الحرب الوقائية الرامية إلى التحييد الدائم والشامل للمجتمع، بما فيه من يواليه منه، وتعميم أعمال الترهيب الجماعي التي لا تهدف إلى عقاب أفعال أو أقوال اعتراضية، وإنما إلى تثبيت الخوف والرهبة في النفوس، والحيلولة دون ظهور أي بوادر احتجاجية من أي نوع كان.

أما في ما يتعلق بدور المثقفين، فليس ما يُؤخذ عليهم، أو ينبغي أن يؤخذ عليهم، نشرهم قيم الكرامة والحرية والعدالة والمساواة في المواطنة وحكم القانون، التي ضللت الشعب وحفّزته على الانتفاض، وهو غير أهل له، كما تقول الرسالة، ولا وقوفهم إلى جانب الجمهور، والسعي إلى توثيق العلاقة معه، وترشيد حركته، وتوجيه انتفاضته نحو أهدافٍ إيجابية، وتجنيبه الانحراف نحو المهاوي الطائفية والانتقامية التي كان يدفعه إليها النظام. ما ينبغي أن يُؤخذ عليهم، بالعكس تماما، هو تقصيرهم في القيام بدورهم هذا، ووقوف عديدين منهم، إن لم يكن أكثرهم، موقف التردد أو الحياد والهرب من المسؤولية. وترك الجمهور تقريبا من دون قيادةٍ سياسيةٍ وتوجيه فعليين.

وبالمثل، من الصحيح ما تذكره الرسالة إنه لا يمكن للشعب المقهور والمحكوم بالإعدام السياسي والعطالة المدنية، والموضوع في قفص الاتهام، وتحت الحراسة والمراقبة اليومية، أن يكون مستقلا وقادرا على أخذ المبادرة، ولا أن يتجرأ على الانتفاض وحده لولا تحفيز الآخرين. لكن الشعوب لا تعيش في معزلٍ عن بعضها بعضا، ولا في كرة مغلقة. إنها تتفاعل في ما بينها، وتحرّكها ديناميكيات عميقة باطنية، عابرة للحدود وأحيانا للقارات. ليس المثقفون من أشعل فتيل الثورة السورية، وأطلق ماردها من القمقم، وإنما ثورات الشعوب العربية المجاورة التي أظهرت للجمهور المخنوق بالملموس أن إسقاط صرح الطغيان ليس من المستحيلات، وأن الأمر لا يحتاج عبقرية فذّة، ولا وسائل واستراتيجيات بعيدة المنال. فكل الشعوب قادرةٌ على تسيير تظاهرات، والاحتشاد في الساحات العامة، وانتظار سقوط النظام. وكان من الصعب ألا تلتقط هذه الفكرة البسيطة مجموعاتٌ صغيرة من الشباب الذين لا مستقبل لهم، في نظام يسدّ عليهم كل أبواب الحياة، والذين لم يشهدوا أحداث الثمانينات من القرن الماضي، ويروا بأم أعينهم جثامين ضحايا مجازر حماة وجسر الشغور وتدمر وغيرها، ويستبطنوا الصدمة النفسية التي شلت إرادة آبائهم عقودا طويلة، وربما للأبد.

 

(3)

رمي مسؤولية ما حصل على الوعي المتخلف للشعب لا يسعف أحدا. صحيحٌ أن قطاعاتٍ من المجتمع السوري قد أظهرت، في بعض مراحل الثورة، وربما قبلها أيضا، بعض أعراض الجهل بالإسلام، أو التفسير الخاطئ للدين، ومشاعر الطائفية، والتعصب، والكراهية، كما هو الحال في مجتمعات أخرى عديدة. لكن هذه الأعراض لم تحدث، ولا يمكن أن تحدث ثورات. وليست هي التي تصنع الأحداث، وتتحكم بمجرى التاريخ والتحولات الكبرى. ولا تمثل ماهيةً ثابتة لأي شعب.

الجذور العميقة للممارسات الطائفية وإحياء روح التعصب المذهب والقبلي والجهوي موجودة في أساسات نظام الأسد، وهي التي تميزه وتعبر عن جوهره، باعتباره نظام التمييز الطائفي والمحسوبية والعنصرية الاجتماعية واللعب على الانقسامات الأفقية والعمودية وتزوير الحقائق بامتياز، وهذا ما يفسر أيضا ما بدر منه من مشاعر الحقد والانتقام والكراهية والتشفّي، وبرّر في عيون مليشياته عمليات القتل بالجملة للمعارضين والمدنيين من دون حساب. الوحشية والطائفية وروح الكراهية التي سيطرت على بعض قطاعات الرأي العام السوري هي رد الفعل المباشر والأعمى على الطابع الوحشي والطائفي الذي طبع أسلوب حكم الأسد ومعاملته محكوميه. والذي سعى من خلاله إلى بث الفتنة داخل صفوف الشعب للتحكّم به، وتضليله، ودفعه إلى الارتماء في أحضان رجال الدين، وفصله عن نخبه الثقافية والسياسية الواعية، حتى يحرمه من أي فرصةٍ لتنظيم مقاومة بناءة، وتقويض أي أملٍ له بالخلاص.

ومهما كان وزن الأفكار الثورية والتحرّرية وتأثيرها، ما كان من الممكن لها أن تقاوم استراتيجيات النظام المعزّزة بأجهزته وأجهزة حلفائه الأمنية والإعلامية الواسعة والمتعدّدة المتربصة بفصائل ومجموعات ثورية مفتقرة للقيادة السياسية الواحدة، واستغلال أخطائها لتبرير

"لم تكن مظاهر الجهل والتعصب والطائفية والقبلية التي انبعثت في سياق الثورة عفوية ولا بريئة. لقد تم تصنيعها في الصراع ومن أجله، وبإرادة النظام" عنفه، والتغطية على خياراته الإبادية. كان تفجير حرب طائفية موازية للثورة السياسية السلمية، لم يوفر نظام الأسد وسيلةً من أجل إشعالها، الوسيلة الوحيدة لاستبدال سردية الثورة بسردية الحرب الأهلية، وإجبار قسم من الشعب على الالتحاق باستراتيجيته، باسم الدفاع عن الأقليات، قبل أن ينتقل، في مرحلةٍ تاليةٍ، إلى تفجير حرب ضد الإرهاب الذي كان أول من أطلق سراح قادته ورجالاته.

لم تكن مظاهر الجهل والتعصب والطائفية والقبلية التي انبعثت في سياق الثورة عفوية ولا بريئة. لقد تم تصنيعها في الصراع ومن أجله، وبإرادة النظام، وبمساعدة أجهزته ذاتها، ولهدفٍ واضح وعلني، هو دفن المحتوى التحرّري والمطالب الديمقراطية للثورة تحت طبقةٍ سميكةٍ من غبار النزاعات الفكرية والطائفية، وإحياء العصبيات القبلية الدارسة.

ليست الثورة والحرب التي أعلنها النظام عليها، والتدخلات الأجنبية التي استدعاها لتعزيز قواته، والحروب الجانبية والموازية التي أطلقها، الأقوامية والطائفية والمذهبية ثم الإرهابية، والقتل والدمار الذي رافقها جميعا، ليس ذلك كله من صنع المثقفين. وهو ليس من صنع الشعب البسيط الذي كان يحلم، مثل جميع الشعوب، ببعض الكرامة والحرية والأمان والاعتبار. كان من مقتضيات الحرب البربرية التي أعلنها النظام وحلفاؤه على الشعب لسحق إرادته، وإجباره على قبول الأمر الواقع، والاستسلام للسلطة الجائرة والفاسدة التي تحكمه، وتتحكم بحياته وأرواح أبنائه منذ نصف قرن. بديل الثورة، التي كانت وستبقى أكبر حدثٍ مجيد في تاريخ سورية الحديثة، وأعمقها أثرا وتعبيرا عن إرادة التحرّر وروح البطولة والكفاح التي تسكن اجسام السوريين وقلوبهم، كان ولا يزال قبول الشعب بالعبودية كخيار وحيد وكمصير أبدي. لم يكن الصراع في أيٍّ من مراحل الثورة صراعا على الثقافة، ولا على المواقع الطبقية، ومن باب أولى على المحاصصات الطائفية والعشائرية. كان بوضوح الشمس على الوجود بين نظامٍ جعل شرط بقائه تغييب الشعب وإعدامه وشعبٍ لم يعد قادرا على البقاء من دون التخلص من قهر النظام وإسقاطه. بين العبودية والحرية لا يوجد نصف خيار.

==========================

الحاجة إلى عرض سوري شجاع .. حسام ميرو

الخليج

الاثنين 12/3/2018

منذ اندلاع ما يسمى "الربيع السوري" في مثل هذا الشهر من عام 2011، بدأت حالة انقسام في الرأي العام السوري، وبعيداً عن الخوض في أسبابها وتحليلها، إلا أنها كشفت عن مدى التباين بين مصالح السوريين، في ظل إرث كبير من غياب العمل السياسي، وتحكّم السلطة السياسية في المنابر الإعلامية الوطنية، فضلاً عن عموم الحياة العامة في سوريا، ونتيجة لتطورات الصراع، ودخول القوى الإقليمية والدولية على خطه، فقد وصل الوطن السوري إلى حالة تمزّق لم يعرفها في تاريخه المعاصر، ودفع السوريون تكلفة هائلة لانسداد الأفق التاريخي.

لقد أصبحت الكارثة السورية مكشوفة بالأرقام الدالة على الصعد كافة، كما أصبح واضحاً أن المجتمع الدولي لا يرى المسألة السورية بدلالة بُعدها الكارثي الإنساني، وإنما بدلالة مصالح القوى المتصارعة فيه، وقد أصبحت مناشدة المجتمع الدولي لوقف المأساة بلا معنى، وبالتالي فإن التعويل على حل دولي يفرض نفسه على القوى المتصارعة، هو من قبيل الأمنيات لا أكثر، فروسيا وأمريكا منخرطتان في هذا الصراع، ولهما مصالح استراتيجية فيه، بعيدة كل البعد عما يطمح إليه السوريون، ومن الواضح أن التوافق فيما بين موسكو وواشنطن ما يزال بعيداً.

ما لم يمنحه صنّاع القرار على ضفتي النظام والمعارضة، أي اهتمام، هو أن طول زمن الصراع جعلهما في حالة تبعية لقوى الخارج، فقد استنزف النظام نفسه عبر المعارك العسكرية، وأودى بسمعة مؤسسة الجيش، بوصفها ضمانة الوطن، وضامنة الاستقرار الداخلي والخارجي، ونتيجة لحالة الاستنزاف البشري فقد اضطر للاستعانة بقوات أجنبية من إيران وروسيا، إضافة إلى فصائل مسلحة خارجية، حتى وصل الحال إلى رهن قراره السيادي بموسكو وطهران، وأصبح الطرف الأضعف في تحالفاته.

المعارضة السورية رفعت بعد وقت قصير من الاحتجاجات السلمية شعار "إسقاط النظام"، من دون وجود حوامل محلية كافية لتحقيق هذا الشعار، معتمدة على تحليل سطحي لما جرى في تونس ومصر وليبيا، وراهنت على البعد الإقليمي والدولي كرافعة لتحقيق شعارها، من دون أية حسابات استراتيجية، أو وضع سيناريوهات عديدة لما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع في حالة المجابهة المباشرة مع النظام، واكتفت بتبنّي سيناريو وحيد، يقوم على وعي رغبوي باللحظة التاريخية، وقراءة قاصرة لممكنات المجتمع السوري.

ومنذ بيان جنيف 1 في 30 يونيو/حزيران 2012، أصبح واضحاً أن الصراع السوري هو صراع صفري، فالنظام لا يريد أن يقدم للمعارضة أي رؤية للحل، تمنحها مكتسبات سياسية حقيقية، بحيث تبدأ دورة جديدة في الحياة السياسية السورية تقوم على المشاركة، وفتح الآفاق نحو دمقرطة الحياة العامة، مع استعداده لتدويل الصراع، معتمداً على حليفه الروسي في مجلس الأمن الدولي، وكأن الحليف الروسي هو جمعية خيرية، لا مآرب اقتصادية وسياسية استراتيجية لها.

المعارضة السياسية تبنّت مقولة "الحكم الانتقالي" بشكل نهائي وحاسم، وهي من حيث النتيجة تعني أن يسلّم لها النظام مقاليد الحكم، ومن ثمّ تقوده صاغراً إلى محاكم وطنية أو دولية، من شأنها أن تزّج برموزه وراء القضبان إلى أبد الدهر، وتنم هذه الرؤية عن قصور في وعي المعارضة لماهية الصراع، وعدم معرفة دقيقة بالنظام، أو بطبيعة الصراع على سوريا، والأهمية الجيوسياسية للوطن السوري، أو بالتحولات التي شهدتها المنطقة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، وما نجم عنه من صراعات إقليمية وصعود للإرهاب بأشكاله كافة، كجزء لا يتجزأ من إدارة الصراع بين مختلف القوى، وقد ذاق السوريون خلال السنوات السابقة، مرارات الاستثمار الإقليمي والدولي في صناعة الإرهاب.

ما يحتاجه السوريون اليوم ليس مناشدة المجتمع الدولي، أو التعويل على القوى الخارجية، فهي لم تعد ترى في السوريين سوى أدوات لتحقيق مصالحها، بل إلى عرض سوري وطني شجاع .

==========================

شهود الزور .. سلام الكواكبي

العربي الجديد

الاحد 11/3/2018

قتلت المليشيات الصربية، في صيف 1995، ثمانية آلاف رجل بوسني في مدينة سيربرينيتسا التي لم يكن عدد سكانها يتجاوز 20 ألفاً. وكانت هذه المدينة تتمتع بحماية من قوات الأمم المتحدة من أصحاب القبعات الزرق، قادها في البداية الجنرال الفرنسي فيليب موريون الذي عُرف عالمياً بمشهد صعوده على ظهر دبابة، وخاطب الأهالي قائلاً: "لن نتخلى عنكم". ويُعتقد أن هذا التصريح المُطمئن قد أودى بصاحبه، فجرى استبداله بضابط هولندي سرعان ما صرّح إن قواته غير قادرة على حماية المدينة. وقامت القوات الصربية بترحيل النساء والأطفال، واستبقت الرجال في مناطق تجمّع تحت علم القوات الأممية ونظرها، كما تابعت العملية طائرات استطلاع الحلف الأطلسي (الناتو)، من دون أي تدخل، على الرغم من مطالبة عناصر القوة الأممية بدعم جوي ربما كان له في اعتقادهم أن يجعل الصرب يحجمون عن ارتكاب مجزرة. ونقلت القوات الصربية الرجال إلى الغابات المحيطة، حيث جرى إعدامهم ورمي جثثهم في مقابر جماعية. وحتى يومنا هذا، أي بعد 23 عاماً من المجزرة، تستخرج فرق بحثية متخصصة بقايا الجثث، وتتعرّف على أصحابها وتدفنهم. وتم فيما بعد إخلاء قوات الأمم المتحدة، والتي أُعطيت لها الأوامر بالصمت المطبق عمّا شاهدته أو عايشته خلال المجزرة من دون أن تتمكن من حماية المدنيين، كما تفرض عليها عُهدتها.

سال حبر كثير منذ ذاك الوقت عن عمل الأمم المتحدة، وعجزها وفساد بعض مؤسساتها. ومنذ ذاك اليوم، لم تنقطع الاقتراحات بإصلاح المنظومة الأممية من جوانب مختلفة. وبقي هذا الحبر على ورق النسيان، واستمرّت الأمم المتحدة، بمنظماتها المختلفة، شاهد زور على مجازر أو 

"التعاون الحثيث مع السلطات أكثر ما يُميّز عمليات المؤسسات التابعة للأمم المتحدة في الحالة السورية" على تدمير تراث أو على استيطان أراضي الغير، أو على فساد مستشرٍ في أروقتها ... وصار الحديث عنها حافلاً بالتندّر، وصارت عملياتها محلّ سخرية. وبالتأكيد، فعجز منظمة الأمم المتحدة لم يكن وليد الحالة البوسنية أو ما تلاها، إنما هو عجزٌ بنيوي، وكأنه أُريد له، منذ التأسيس، أن يترسّخ في النصوص الناظمة، وفي الممارسات الظالمة.

ويتوضّح هذا الأمر جليّاً في الحالتين، الفلسطينية والسورية. فطوال عقود، عجزت الأمم المتحدة عن إنهاء احتلال فلسطين، والحد من الاستيطان وتحرير المعتقلين وتعزيز المساعدات الإنسانية لمئات ألوف المدنيين ضحايا العنصرية  الاستيطانية الإسرائيلية. وجاءت المقتلة السورية، لتُظهر عجز الأمم المتحدة بأقبح صوره، من خلال تعاقب الوسطاء غير الفاعلين، ومن خلال العجز عن إيصال رغيف خبز إلى المحاصرين، ومن خلال فسادٍ أخلاقي، قبل أن يكون ماليا، تمثّل مثلاً في تعيين زوجة مسؤول سوري معنيٍّ مباشرة بالمقتلة، مديرة لبرنامج أممي لمعالجة آثار الحرب على الأطفال. كما تعاقبت فضائح إيصال المساعدات إلى طرف حكومي، من دون أي ضمان لإيصالها إلى الأطراف الأخرى. ومن خلال عمل استقصائي حثيث، قام به المجتمع المدني السوري تحديداً، ودعمٍ مهني من بعض الصحافة الغربية، تبيّن بجلاء أن التعاون الحثيث مع السلطات هو أكثر ما يُميّز عمليات مختلف المؤسسات التابعة للأمم المتحدة في الحالة السورية.

وإن جرى غضّ النظر مرحلياً عن كل هذه التجاوزات، وقبول حجج العاملين الأمميين في المجال الإغاثي من أصحاب الياقات البيض والرواتب المرتفعة، فمن الصعب تفهّم الممارسات السياسية لهذه المنظمة التي تترجمها تصريحات الأمين العام أنطونيو غوتيريس، أخيرا، إبّان مجزرة الغوطة قرب دمشق التي أودت بمئات الضحايا خلال أيام قليلة، وعبّر من خلال تصريحاته عن "قلقه"، ثم ذهب إلى النوم.

وللمبعوث الأممي في سورية، ستيفان دي ميستورا، السبق أن يحظى مستقبلاً بمجلداتٍ تكشف عجزه الإرادي وتلوّنه الحواري وتشتيته المفاوضات من خلال تمييع الأمر السياسي في سلال تقنية، ومن خلال محاولة الالتفاف على المجتمع المدني، بإيجاد مجتمعات مدنية موازية، ومن خلال النفاق المستشري، في تصريحاته، ومن خلال تقاريره غير المكتملة إرادياً، عن المسؤوليات المختلفة في الصراع، ومن خلال صمته المطبق عن المجازر التي كانت دائماً تلي زياراته وابتساماته العريضة لمسؤولي دمشق.

ربما يقول قائل إن هذا هو دوره، وعليه أن يُخاطب الجميع، وإنه ليس إلا وسيطاً محايداً في

"جاءت المقتلة السورية، لتُظهر عجز الأمم المتحدة بأقبح صوره"  صراع دموي حامي الوطيس. إذا، عليه أن يكتفي بذلك فعلاً، ولا يمارس التقية عند بيعه كلاماً معسولاً لهذا الطرف أو ذاك، ولا "يتشاطر" في اقتراحات سوريالية يسعى منها إلى استمرار دوره غير واضح المعالم.

هل استقال أحدٌ من أصحاب الرواتب العالية احتجاجاً على قصف قوافل المساعدات على أبواب حلب في نهاية 2016؟ وهل دفع القلق الذي شاب الأمين العام إلى إجراءات أخلاقية تتجاوزه بإعلان العجز والاستقالة؟

في مشهد ملحمي انتشر قبل أيام، ظهر ناشط مدني من الغوطة، مخاطبا بألم عميق موظفي الأمم المتحدة والصليب/ الهلال الأحمر، الذين دخلوا مع قليل من المساعدات الغذائية، بعد أن جرّدت قوات النظام شاحناتهم من المساعدات الطبية في ظل صمتهم المطبق. وفي شرحه أحوال المدنيين، بدا وكأنه يستصرخ ضمائر تماثيل الشمع التي أمامه. لكن وجوههم كانت تشبه وجوه الموتى، لا بل إن بعضهم كان يتحدث مع مجاوره، بانتظار أن ينتهي الموجوع من صراخه. ربما كان يسأله متى إجازته أو ماذا سيتغدى أو يروي نكتة. وقد ظهر على محيّا أحدهم امتعاضه من الصوت المرتفع للرجل المكلوم.

على جدارٍ في مدينة سربرينيتسا، كتب الأحياء العبارة المُحقّة التالية: UN, United Nothing

==========================

سيناريوهات الغوطة .. حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الاحد 11/3/2018

لم يمنع قرار مجلس الأمن الدولي الخاص بسورية، رقم 2401، والذي صدر في 24 فبراير/ شباط الماضي، في بنيته القانونية، شنّ عملية عسكرية في الغوطة الشرقية، فهو يتحدث صراحة عن استثناء الجماعات المصنفة إرهابية وفق عرف الأمم المتحدة من الهدنة. وعادة ما تكتب هذه التوصيفات، أو الاستثناءات، عن قصد بين الدول، وخصوصا بين روسيا والولايات المتحدة، من أجل ترك هوامش جانبية، لتحرك كل دولة وفق ما تراه ضرورة ملحّة.

هكذا تستفيد روسيا من القرار لشرعنة العمليات العسكرية في الغوطة الشرقية، وهكذا تستفيد منه تركيا في محاربة التنظيمات الإرهابية، أو تلك المتحالفة مع هذه التنظيمات في عفرين، وهكذا أيضا تستفيد الولايات المتحدة منه لشرعنة وجودها طويل الأمد في سورية. ومع ذلك، لا يسمح القرار 2401 باستمرار العمليات العسكرية إلى أجل غير مسمى، وهذه مسألةٌ في غاية الأهمية، ونقطة فارقة تميز حالة الغوطة الشرقية عن حالة حلب، ناهيك عن الخصوصية الجغرافية والسكانية للغوطة الشرقية.

يدرك المحور الروسي أن عليه إنجاز مهمة عسكرية ضمن وقت محدد، يسمح بتنفيذ الهدنة من دون إبطاء، وفق منطوق نص القرار 2401، وهذا ما يفسر سرعة مجريات العمليات العسكرية الهادفة إلى فكفكة الغوطة جغرافيا، بحيث تتحوّل إلى كانتونات، أو غيتواتٍ جغرافيةٍ منعزلة ومنفصلة عن بعضها بعضاً.

التقاء قوات النمر القادمة من النشابية والشفونية وأوتايا في الشرق، المدعومة من روسيا، مع

"الغوطة الشرقية أصبحت ساقطةً بالمعنى الاستراتيجي في معادلة الصراع"  قوات الحرس الجمهوري القادمة من محور مدينة حرستا في الغرب المدعومة من إيران، يسمح بشق الغوطة إلى قسمين، شمالي وجنوبي، على أن تعقبه خطوة مهمة، وهي عزل مدينة دوما، حيث يوجد "جيش الإسلام" عن مدينة حرستا، حيث توجد حركة أحرار الشام. ويسمح هذا المخطط للنظام بالتعامل مع الغوطة، ليس ككتلة جغرافية وازنة، وإنما ككتل منفردة ضعيفة، تسمح له بتحقيق أهدافه، إما بمعارك عسكرية تبدو سهلة، أو عبر تسويات منفردة. وبناء عليه، يسهل على النظام مهاجمة القسم الجنوبي، لإخراج "فيلق الرحمن" بالدرجة الأولى و"جبهة النصرة" بالدرجة الثانية. أما المحور الشمالي، فيبدو أنه سيخضع للهدنة بحسب اتفاقات أستانة، وليس معروفاً إلى الآن هل ستشمل الهدنة مدينتي دوما وحرستا أم مدينة دوما فقط؟

وتبين التفاهمات السياسية أخيرا أن دوما ستكون خاضعة للهدنة لاعتبارات محلية ودولية. ومحليا، تعتبر دوما الخزان البشري الحقيقي في الغوطة الشرقية، وهي مدينة محصنة في الداخل بالأنفاق والمتاريس، ويحتاج اجتياحها إلى أشهر، لا يسمح به قرار مجلس الأمن، وسيكون بثمن بشري باهظ، سيتكبده المحور الروسي، غير القادر على دفعه الآن في ظل التنافس الحاد مع الولايات المتحدة في الشمال والشمال الشرقي من البلاد.

دوليا، يبدو أن تضمين دوما في الهدنة ومناطق خفض التوتر ناجم عن رغبة روسية ـ مصرية مشتركة، فقد أجرى الروس في الأشهر الماضية تفاهمات مع السعودية حيال الملف السوري وملف النفط، وانعكس ذلك بوضوح في مخرجات "مؤتمر الرياض2"، وفي التفاهمات البينية بشأن مستوى إنتاج النفط، ومصر المتحاملة على الدور الإقليمي لقطر تسعى إلى دعم الحضور السعودي، وهذا ما يفسر دخولهم على خط المفاوضات قبل أيام.

ولعل انتشار قوات من الجيش والشرطة الروسية في أقصى شرق الغوطة مؤشر على رغبة

"تبين التفاهمات السياسية أخيرا أن دوما ستكون خاضعة للهدنة لاعتبارات محلية ودولية" ٍ روسيةٍ لتطبيق بند في اتفاق أستانة متعلق بنشر قوات شرطة روسية (شيشانية) في الغوطة، لفرض الحضور الروسي، من أجل قطع الطريق أمام إيران، للاستئثار بهذه المنطقة الحيوية المفتوحة على بادية حمص في الشمال الشرقي وبادية السويداء في الجنوب. وبهذا تكون الغوطة قد قسمت إلى أربع مناطق: منطقة تخضع لتفاهمات أستانة (دوما). منطقة ستكون ساحة المعركة المقبلة (جنوبي الغوطة). منطقة حرستا، وتخضع لثلاثة احتمالات: شن عملية عسكرية للسيطرة عليها، السيطرة على القسم الغربي من المدينة المطل على أوتوستراد دمشق ـ حمص، حيث أعلنت وسائل إعلام مقربة من النظام قبل أشهر أن المفاوضات جارية مع فصائل المعارضة لفتح الطريق الدولي، استكمال سياسة الحصار الخانق لفرض التسوية في نهاية المطاف. المنطقة المطلة على مدينة دمشق (جوبر، زملكا، عين ترما)، وليس معروفا إلى الآن مصيرها، خصوصا أن النظام يستغل خضوعها لسيطرة المعارضة، لكي يطلق قذائف باتجاه جرمانا وحي باب توما حيث الدروز والمسيحيون، من أجل استثمار ذلك إعلاميا، والظهور بمظهر المدافع عن الأقليات في مقابل المعارضة التي تهدد الأقليات. ولم يكن غريبا أن يركز المندوب الروسي في جلسات مجلس الأمن التي سبقت صدور القرار2401 على القذائف التي تسقط على دمشق، وتجاهل مئات الصواريخ والقذائف التي تسقط على مدنيي الغوطة.

في كل الأحوال، يمكن القول إن الغوطة الشرقية أصبحت ساقطةً بالمعنى الاستراتيجي في معادلة الصراع، وما سيجري لاحقا من عمليات عسكرية أو حصار خانق أو تسويات سيكون استكمالا للواقع العسكري الذي يقوم المحور الروسي بتثبيته الآن.

==========================

إنهم شعبنا، فليحذر المجرمون .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 10/3/2018

مثلما لم يكن من الجائز السكوت عما ارتكبته مليشيا حزب العمال الكردستاني (بي كا كا) من جرائم ضد العرب السوريين، لا يجوز السكوت عما يُرتكب من جرائم ضد الكرد  السوريين، حيثما كانوا. وكما أن الحرية لا تتجزأ، فاما أن نكون جميعنا أحرارا، أو أن لا يكون هناك حرية لأحد، كما أن الوطنية والإنسانية لا يتجزآن، فإما أن نكون جميعنا، عربا وكردا وتركمانا وسريانا وأرمن وشركسا وشيشانا وآشوريين/ كلدانا ... شركاء في الوطن بحقوق متساوية قانونيا، مصونة قضائيا، أو أنه لا يكون لنا وطن ولا نكون مواطنين. ليست الإنسانية بدورها لقوم دون آخر، إنها لا تقبل أن تكون كيفية، فإما هي حق لكل مواطن، أو أنها لا تستحق اسمها.

... عندنا في سورية قضية، وليس عندنا مشكلة كردية، وهي جزء من القضية الوطنية الديمقراطية العامة، التي ناضل الكرد دوما من أجل حل قضيتهم في إطارها، أساسه المواطنة المتساوية التي وعدتهم الثورة، أخيرا، بها. هذه القضية التي تجمعنا نحن السوريين، وتفتح أبوابنا بعضها على بعض، أخويا ووطنيا، لن تحل من دون حوار بين السوريين، يعتمد أسس النظام الوطني الديمقراطي وينطلق منها، لكونها مشتركة لدى جميع من يطالبون ويؤمنون بها. ولا يجوز لأي سبب تحويلها إلى مشكلةٍ لا تحل سلميا، وفي الإطار الذي يجمعنا، بل بالعنف، كما يحاول "العمال الكردستاني"، من خلال اللجوء إلى السلاح، للإيقاع بيننا وتقويض شراكتنا التاريخية في الوطن الواحد، واستبدالها بعداءٍ يشحن أطرافه بقدر من البغضاء والحقد، يثير لديهم الرغبة في الانفصال، لاستحالة التعايش بينهم، ولأنه لن يكون له من عائد غير اضطهاد العرب الكرد، بحكم طبعهم مستبدين يميلون إلى اضطهاد شركائهم في العيش المشترك، كما تقول دعاية "البي كا كا"، وانفكاك الكرد عنهم، بمجرد أن يستكملوا التحرّر من الروابط التي أبقتهم في وطن واحد معهم، وهو متاح الآن: بفضل سلاح "البي كا كا".

ارتكبت أطراف العمل الوطني غلطة كارثية، لأنها تجاهلت اقتراحاتٍ متكرّرة تقدّمنا بها حول إجراء حوار وطني، يضم جميع "منتسبي الجماعة الوطنية السورية"، بشأن نمط الدولة الذي يريدونه بعد النظام الأسدي، وبشأن التزاماتهم حيال إقامته، من خلال مشاركة الجميع في الثورة، لإسقاط الأسدية التي اضطهدتهم. لم تفت اليوم أيضا فرصة إجراء هذا الحوار، الذي تتراجع حظوظه، بسبب ما ارتكبه "البي كاكا" من جرائم ضد العرب، ويرتكب منها ضد الكرد السوريين بيد بعض الفصائل في عفرين، ويطاول أساسا مدنيين لا يشاركون في القتال. تأجج العداء بين الطرفين الشقيقين، انسجاما مع سياسات "البي كاكا"وبعض الترك، ورغبتهم في تحويل القضية الكردية من التزام وطني متبادل ساحته الحوار السلمي والندي إلى مشكلةٍ لا تحل بغير السلاح الذي سيكون اللجوء إليه أشنع جريمةٍ، ترتكب ضد شعبنا في تاريخه المشترك، ليس فقط لأنه لا مسوّغ إطلاقا للسلاح، وإنما أيضا لأن جريمة كهذه ستدمر نسيج التآخي والتعايش الجميل، الذي صهرنا وجعل منا شعبا واحدا يشبه زهورا في حديقةٍ تحتاج رعاية، غذّاها التاريخ بمشتركاته، وتحفظ ذاكرتنا الجمعية حلوها الذي سيعيننا على إخراج مرّها من حياتنا الجديدة.

أوقفوا ما يرتكب من جرائم ضد كرد سوريين، هم إخوة لنا في وطنٍ لنا ولهم. لا يحق لأي سبب ارتكاب جرائم ضد آمنين سوريين، مهما كان انتماؤهم، ثرنا على النظام، لنضع حدا لاضطهادهم، وها نحن نقتدي به، ونرتكب جرائم ضد بعضنا بعضا، هي في حقيقتها جرائم ضد كل سوري ناضل بالأمس، ويضحّي اليوم، لرفع سيف الإجرام عن عنق شعبه المظلوم، أفرادا وجماعات.

==========================

المجتمع الدولي وحرب الإبادة في الغوطة .. عمر كوش

العربي الجديد

السبت 10/3/2018

لا يعقل أن يقف المجتمع الدولي عاجزاً أمام هول ما يجري في غوطة  دمشق الشرقية من قتلٍ لمدنيين عزل، إلا إذا فسّر ذلك بوجود شبه إجماع دولي، غير معلن ربما، لكنه متفق عليه، أو على الأرجح مسكوت عنه، حيال عدم القيام بأي شيء جاد وحازم لإيقاف جرائم الحرب التي يخوضها حلف الأنظمة المستبدة الثلاثة، الأسدي والبوتيني والملالي الإيراني.

وفيما يكتفي زعماء دول غربية باتصالاتهم الدولية والإقليمية لمحاولة تطبيق قرار مجلس الأمن 2401، القاضي بوقف إطلاق النار وهدنة إنسانية مدة 30 يوماً، لإدخال المساعدات الإنسانية والطبية، يُمعن نظام الأسد والساسة الروس والإيرانيون في الدفاع عما تقوم به طائراتهم الحربية وأسلحة مليشياتهم من قصف وحشي وتدمير شامل وقتل ممنهج بحق سكان غوطة دمشق الشرقية المحاصرة، والمضي في سياسة الأرض المحروقة التي تلتهم الأخضر واليابس، ولا تفرّق بين البشر والحجر، سعياً منهم إلى إفراغ مناطق الغوطة من سكانها وتدميرها على رؤوسهم.

في المقابل، يكتفي المسؤولون الأمميون، بدءاً من الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو

"تطبيق قرارات مجلس الأمن مسؤولية جماعية للمجتمع الدولي، وعدم تطبيقها يستلزم إجراءات عقابية" غوتيريس، وانتهاء بمبعوثه الخاص ستيفان دي ميستورا، بتذكير العالم بأن الغوطة الشرقية ستلاقي مصيراً مشابهاً لمصير أحياء حلب الشرقية، ويسمونه "سيناريو حلب"، مخفين بذلك عجزهم وعجز المجتمع الدولي الذي لم يتمكن من إدخال قافلة مساعدات إنسانية واحدة إلى الغوطة. وحتى عندما دخلت قافلة بعد طول انتظار ومناشدات شتى، منعها النظام والروس من إفراغ كامل شحنتها الخالية من المواد الطبية، كي يستمروا في قصفهم الغوطة، فاختلطت دماء الضحايا بمواد المساعدات، من دون أن يحرّك المجتمع الدولي ساكناً.

المقلق في الأمر أن قادة الدول الغربية يظهرون اهتماماً لفظياً، فقط، حيال حرب الإبادة التي يشنها الحلف الثلاثي الإجرامي، ويشدّدون في اتصالاتهم الهاتفية على ضرورة أن يستخدم الساسة الروس نفوذهم لدى نظام الأسد، كي يوقف حرب الإبادة على الغوطة، بدلاً من مطالبة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بوقف هجمات طائراته الحربية التي تفتك يومياً بالمدنيين، وهو ما فعلته رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، في اتصالها مع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وكأن كل من ماي وترامب يحاولان تبرئة الساسة الروس من مسؤوليتهم في هذه الحرب الإجرامية. وفي السياق نفسه، اتفق كل من المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل والرئيس ترامب على ضرورة أن يمارس الساسة الروس الضغط على نظام الأسد، لكي يوقف هجماته.

وقادت دبلوماسية الاتصالات الهاتفية الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، كي يتصل بنظيره الإيراني، حسن روحاني، للتشديد على ضرورة أن يمارس نظام الملالي الإيراني "الضغوط الضرورية" على نظام الأسد، كي "يوقف الهجوم العشوائي" على المدنيين المحاصرين في الغوطة الشرقية، وإفساح المجال أمام إدخال مساعدات إنسانية، وذلك بدلاً من أن يطالب نظام الملالي بسحب مليشياته التي تحاول اجتياح الغوطة، وتحاصرها منذ أكثر من ثلاث سنوات، وتمنع عن أهلها المساعدات الإنسانية والطبية، وكأن ماكرون يريد من جانبه تبرئة نظام الملالي من مسؤولية ما يجري في الغوطة، والأنكى أنه أرسل وزير خارجيته، جان إيف لودريان، إلى طهران، الذي قابله روحاني بجفاء واعتبر أن السبيل الوحيد لحل الأزمة السورية هو دعم النظام الأسدي، أي الدفاع عن النظام المجرم والإمعان في قتل السوريين.

ويبدو أن الساسة الروس وساسة نظام الملالي مرتاحون لديبلوماسية الاتصالات التي يعتمدها

"المطلوب تحرّك دولي خارج مجلس الأمن، يضع حداً لحرب الإبادة في غوطة دمشق الشرقية وسواها" الساسة الغربيون، لأن أقصى ما تحمله دعوات ومطالبات و"اتهامات" لا توقف الحرب التي اتخذوا قرارها منذ مدة، وأبلغوه للجميع، بل إنهم دخلوا في لعبة تزوير الحقائق من خلال اتهامهم دول الغرب بـ"التقاعس"، و"انتهاك" قرار مجلس الأمن، القاضي بوقف الأعمال القتالية، لأنهم لم يمنعوا "مقاتلي المعارضة من شن هجمات يومية"، حسب افتراءات وزراة الدفاع الروسية في ردها على بيان البيت الأبيض الذي اعتبر أن "موسكو تجاهلت قرار مجلس الأمن"، وأكد أن روسيا قتلت "مدنيين أبرياء وسط ادعاءاتٍ زائفةٍ بتنفيذ عمليات مكافحة الإرهاب"، واكتفى بيان البيت الأبيض بالقول إنها "التركيبة ذاتها من الأكاذيب والقوة العشوائية التي استخدمها كل من روسيا والنظام السوري، لعزل حلب وتدميرها عام 2016، وقتل آلاف المدنيين فيها".

المفترض أن يقوم المجتمع الدولي، وخصوصاً الدول الغربية، بواجباته الإنسانية، ويتحمل مسؤوليته حيال جرائم الحرب التي يرتكبها الروس وملالي إيران ونظام الأسد في الغوطة الشرقية، وسواها من المناطق السورية، خصوصاً بعد صدور قرار مجلس الأمن 2401، القاضي بوقف إطلاق النار وهدنة إنسانية ثلاثين يوماً، ومضي أكثر من عشرة أيام على عدم تطبيقه، حيث لم يتلزم به لا النظام ولا الروس ولا ملالي إيران. وبالتالي، المطلوب تحرّك دولي خارج مجلس الأمن، يضع حداً لحرب الإبادة في غوطة دمشق الشرقية وسواها من المناطق السورية، لأن المفترض أن تطبيق قرارات مجلس الأمن مسؤولية جماعية للمجتمع الدولي، وعدم تطبيقها يستلزم إجراءات عقابية ورادعة، وهو ما لم يفعله المجتمع الدولي في سورية، على الرغم من الجرائم العديدة التي ارتكبها نظام الأسد وحلفاؤه بحق غالبية السوريين، منذ بدء حربهم الشاملة ضد ثورة الشعب السوري، الطامح للحرية والخلاص من استبداد نظام آل الأسد وظلمه.

==========================

هذا هو المقاول الذي دمر سوريا لصالح إسرائيل .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 10/3/2018

ليس هناك أدنى شك أن من مصلحة إسرائيل أن ترى كل الدول العربية المحيطة بها في أسوأ حالاتها كي تبقى هي الحديقة الغنّاء الوحيدة في المنطقة، وبجانبها أشباه دول متخلفة ومتقاتلة وفي حالة فوضى دائمة. لا يمكن لدولة تريد أن يكون جارها أقوى منها. وما ينطبق على الأفراد ينطبق أيضاً على الدول، فإذا كنت تملك بيتاً فخماً وجميلاً، فلا شك أنك ستنزعج كثيراً إذا قام جارك ببناء بيت أجمل وأفخم. وهكذا حال الدول التي تتنافس دائماً كي تكون الأفضل والأقوى. وهذا لا شك ينسحب على إسرائيل في علاقتها مع جيرانها العرب. ولا ننسى أنها تقدم نفسها دائماً على أنها الديمقراطية الوحيدة في محيط من الديكتاتوريات القذرة المتخلفة والمنحطة، مع العلم أن إسرائيل تصلّي آناء الليل وأطراف النهار كي يدوم حولها نظام الديكتاتوريات لاسيما الفاشيات العسكرية القومجية منها، لأنها لا تحميها فقط، بل تجعل جاراتها وشعوبها المحيطة في حال مستدام من التخلف والبؤس والتردي والانحطاط بسبب حكم العسكر الذي لم ينتج عبر التاريخ سوى الذل والفقر والقمع والدمار.

ولا يخامرنا، أو يساورنا أدنى شك أن الخراب والتخلف السياسي والاقتصادي في البلدان المجاورة لإسرائيل كسوريا مثلاً يخدم الإستراتيجية الإسرائيلية، ولا شك أن من مصلحة إسرائيل أيضاً أن لا يكون هناك جيوش عربية قوية على حدودها، حتى لو كانت تلك الجيوش مسالمة وتحمي إسرائيل، فالدول لا تفكر في الحاضر فقط، بل تنظر على المدى البعيد، فماذا يمكن أن يحصل لاحقاً يا ترى لو قررت الجيوش العربية القوية أن تحارب إسرائيل؟ لا شك أن إسرائيل ستكون في ورطة، لهذا لا عجب أن تكون سعيدة عندما تضعف تلك الجيوش وتفسد كي لا تكون قادرة على محاربتها في المستقبل. ولا شك أن إسرائيل ستكون سعيدة جداً أيضاً بتدمير الجيش العراقي والسوري والمصري كي لا يهددوها في قادم الأيام. كل ذلك مفهوم ولا يحتاج إلى توضيح أو نقاش. دعونا نتفق كي لا يحاول أحد أن يصطاد في الماء العكر، بأن تدمير سوريا والعراق وبقية الدول التي يمكن أن تهدد إسرائيل مصلحة إسرائيلية بامتياز. ولا ننكر أيضاً أن إسرائيل نفسها قصفت العديد من المواقع العسكرية السورية على مدى السنوات السبع الماضية.

لكن من الذي دمـّر سوريا و"جاب عاليها واطيها"؟ سأتفق معكم مرة أخرى أن إسرائيل يمكن أن تدعم أي جهة بشكل مباشر أو غير مباشر في إضعاف سوريا وحتى تدميرها، لكن تعالوا نفتش عن الجهة التي دمرت سوريا فعلياً، وشردت نصف شعبها، وجعلت إسرائيل تفرك يديها فرحاً على ما آلت إليه الأوضاع في سوريا. إن أكبر كذبة يرددها "بتوع المقاولة والمماتعة" المدافعون عن النظام السوري أن إسرائيل خططت للثورة السورية كي تدمر سوريا، وتقضي على الجيش السوري. ومتى يا ترى كانت آخر مرة ضرب الجيش السوري حجراً واحداً على إسرائيل منذ أربعين عاماً كي تريد إسرائيل القضاء عليه؟ ألم يكن هذا الجيش كلب حراسة وفياً بامتياز للحدود الإسرائيلية، وكان يمنع حتى الطيور من اختراق الحدود الإسرائيلية؟ كم من الضباط السوريين اختفوا خلف الشمس لأنهم طالبوا بتنفيذ عمليات عسكرية ضد إسرائيل؟ قد يقول البعض طبعاً ومن حقه أن إسرائيل تظل تخشى الجيش السوري حتى لو اضطر لمهادنتها بسبب الظروف والتوازنات. وهذا صحيح. لكن هل يا ترى إسرائيل هي من أمرت الجيش السوري باستخدام كل ترسانته العسكرية من دبابات وصواريخ ومدفعية وبحرية وطيران لمواجهة الشعب السوري والقضاء على كل من كتب كلمة ضد النظام على مواقع التواصل؟ من الذي أنزل الجيش السوري إلى الشوارع بعد أربعة أسابيع فقط على المظاهرات الشعبية؟ لماذا لم يفكر النظام بالاستجابة لمطالب الجماهير بدل تسليط جيشه الطائفي على الشعب السوري؟ من ينشر جيشه على مساحة سوريا، ويستخدم كل قطاعاته العسكرية في عموم سوريا ضد المتظاهرين يجب أن يتوقع أن الشعب سيلجأ للقتال دفاعاً عن نفسه، وأن هذا الجيش سيتضرر كثيراً من معاركه مع الشعب. وهذا ما حصل. لا نقول إن السوريين وحدهم من قاتل جيش الأسد، فقد دخلت مئات الجماعات عبر الحدود، وشاركت في القتال ضد الجيش الأسدي، لكن السؤال المطروح: من الذي بدأ العمليات العسكرية أولاً؟ أليس الجيش الأسدي؟ ألا يقولون البادئ أظلم؟ هل لو لم يلجأ الجيش إلى استخدام القوة ضد المتظاهرين، هل وصلنا إلى هنا؟ هل كان الجيش ليفقد ثلاث أرباع قوته؟ هل كان ليدفع بالجماعات الأجنبية إلى سوريا بحجة دعم السوريين؟ لماذا لم تخرب تونس ومصر بعد الثورة، لأن الجيشين التونسي والمصري لعبا دوراً وطنياً ولم يقبلا أن يكونا أداة بطش بحق المصريين والتونسيين. انظروا ماذا حصل في ليبيا لأن القذافي استخدم الجيش ضد الشعب. حصل في ليبيا ما حصل في سوريا وكذلك في اليمن. لماذا؟ لأن الجيش تورط ضد الشعب. لماذا يا ترى لم تنجح إسرائيل في جر الجيشين التونسي والمصري لاستخدام القوة ضد الشعب كما نجحت في سوريا، هذا إذا افترضنا جدلاً أنها ورطت الجيش السوري؟ لأن الجيشين المصري والتونسي جيشان وطنيان، وليسا كجيش الأسد الطائفي الذي لا يهمه تدمير سوريا وتشريد شعبها بشرط أن يحمي النظام الطائفي.

هل حدث في التاريخ أن بلداً استخدم سلاح الطيران على نطاق واسع داخل أراضيه كما استخدمه النظام السوري، لا بل استعان أيضاً بأقذر وأوحش سلاح طيران آخر وهو الطيران الروسي لقصف السوريين؟ حتى القذافي لم يفعلها. هل بقيت منطقة سورية واحدة لم يقصفها طيران الأسد؟ هل يا ترى إسرائيل هي من أوعزت للطيران السوري بقصف أي منطقة سورية ثارت على النظام، فإذا كان ذلك صحيحاً، فهذا ليس في صالح النظام أيضاً لأنه لو قال ذلك فسيؤكد أن إسرائيل تقف معه وليس ضده. هل إسرائيل من أوعزت للنظام باستخدام الصواريخ البالستية بعيدة المدى ضد الأحياء السكنية في حلب ودرعا؟ ألم تكن الصواريخ البالستية تنطلق من وسط سوريا وتقطع مئات الكيلومترات لتضرب المناطق الآهلة بالسكان شمال حلب؟ لقد كانت مدينة السويداء وحدها تخسر يومياً ملايين الليرات بسبب تكسر زجاج المنازل جراء أصوات الصواريخ التي كانت تنطلق منها لتضرب الأحياء السكنية في درعا. هل كان الإسرائيليون يا ترى يشرفون على إطلاق الصواريخ البالستية على حلب ودرعا؟

ليس هناك أدنى شك أن طيران التحالف الذي تقوده أمريكا دمـّر مناطق كثيرة في مدينة الرقة ومناطق أخرى لداعش، لكن المضحك أن الطيران الأمريكي كان يدمر المناطق التي تشكل خطراً على النظام السوري والتي تحتضن أعداءه المزعومين الدواعش. أما الذي دمـّر المدن الباقية فهو الطيران الأسدي أولاً والطيران الروسي لاحقاً. لو نظرتم إلى شكل الدمار الذي حلّ بسوريا ستجدون أن تسعين بالمائة من الأبنية تم تدميرها من فوق بفعل القصف الجوي، لأن الإستراتيجية السورية مشابهة للخطة الروسية في الشيشان: الأرض المحروقة وتدمير كل شيء.

من يملك الطائرات في سوريا يا ترى غير النظام وحلفائه الغزاة الروس؟

أخيراً نستطيع أن نؤكد أن إسرائيل سعيدة جداً بما فعلتموه أيها الأوباش بسوريا، فكله يصب في صالحها دون أن تخسر قرشاً واحداً. لقد انساق النظام، وانجر بغباء فاقع بعملية تدمير ذاتي خدمة للهدف الإسرائيلي بسبب ضيق أفقه وحرصه على السلطة التي تعمي بصره. لقد عمل هذا النظام عند إسرائيل بالمجان، ونفذ استراتيجياتها، وكما تريد، ثم، يا للهول، راح يشتكي من المؤامرة.

طبعاً لا يمكن استبعاد نظرية المؤامرة، فيما استجد وكشفت عنه تطورات لعبة الأمم في شقها السوري، ولكن ألا تبدو العملية كمقاولة سياسية وسيناريو تخريبي وُضع بإحكام مدروس من قبل جهات دولية فاعلة، خدمة لإسرائيل أو لغيرها، ولكن كان ينقصه "المقاول" أو المتعهد الغبي لتنفيذ المشروع؟ ومن أغبى من نظام المماتعة 0ليقوم بذلك على خير ما يرام؟ وهنا يبدو هذا النظام الغبي ليس كعميل تاريخي وأبدي، بل أيضاً كمتعهد بارع ومقاول ماهر وفي؟

==========================

لا داعي لأن يقلق مجلس الأمن بعد اليوم بشأن سوريا .. ميسرة بكور

القدس العربي

السبت 10/3/2018

كنا نظن أن قلق مجلس الأمن سينتهي مع رحيل سكرتيره السابق القلق دائماً"بان كي مون" كنا نظن وخاب ظننا، اليوم ومع التوحش الروسي ومشايعي إيران ومحازبيها في سوريا، لاداعي لأن يقلق مجلس الأمن لأن موسكو أخذت على عاتقها إزالة مصدر ما يدعون أنه يقلقهم أن تزيل المدن السورية من على خريطة العالم.

منظومة التوحش الدولي المتمثلة بالدول التي تسمى بالكبار يصلون بل يتوسلون كي ينهي بوتين مهمة حرق وإزالة منطقة غوطة دمشق الشرقية عن خريطة العالم بأسرع وقت ومازالوا يمنحونه الفرصة تلو الفرصة المرة بعد الأخرى تحت ساتر دخان كثيف، من البيانات الشاجبة والمنددة كذباً وبهتاناً، والمطالبة بالسماح لمنظمات الأمم المتحدة بإدخال قافلة غذائية شبه فارغة لا تثمن ولا تغني من جوع.

ولكي تبقى جذوة مشعل الأمم المتحدة متقدة، يتم الدعوة إلى عقد جلسة عاجلة للمجلس، بما يشبه التشويش الإعلامي على المراقبين للمحرقة البشرية التي ينفذها تحالف الشر الدولي روسيا بوتين وخامنئي إيران الشعوبي الحاقد على دمشق الأمويين.

ومازال البعض يردد تلك العبارات الخرقاء البلهاء التي مفادها أن منظومة المجتمع الدولي غير قادرة على وقف شلال الدماء في سوريا الوطن والانسان على يد بوتين وأشباه البشر الشعوبيين المدججين بعقيدة أن قتل أحفاد الأمويين يدخلك الجنة دون حساب أو سابق عذاب، بل تكون في الفردوس الأعلى من الجنة وربما يحملون صك غفران ممهورة بخاتم خامنئي الذي نصب نفسه وكيلا للقتل والإبادة الشاملة لعرب العراق والشام تحت عنوانين: محاربة الإرهاب المزعوم ، والثاني دعم الحكومة السورية المزعومة ايضاً، متجاهلين عمداً أن الإرهاب والتكفير كله يكمن في "ولاية الفقيه" والحقيقة الجلية أن تنظيم الأسد الذي وصل بإنقلاب عسكري في سبعينيات القرن وورث الحكم لبشار الأسد ، قد ثارعليه عرب الشام وكفروا به وبمن يدعمه ومن شايعه وحازبه.

لكن أوهام خامنئي ورغبته الجامحة في إبادة إرث الأمويين المتمثل في أهل الشام وانشاء امبراطورية شعوبية عنصرية لن تعود مهما انتفخت الأنا عند خامنئي وصمت العالم بتواطؤ على جرائمه ولا يريد أن يدرك أن أوهامه ستتحطم على صخرة الثورة السورية لأنها سنة الله في خلقه فلا يمكن للباطل أن يستمر مهما تجبر أنصاره وتوهم الورم شحماً.

لا أيها السادة المجتمع الدولي ليس عاجزا ولكنه لا يريد. يمكننا في هذا المضمار أن نسوق الكثير من الدلائل على ذلك، على سبيل المثال أمريكا التي تقود التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب في سوريا والعراق قامت باستهداف ميليشيا تنظيم الأسد وإيران في أكثر من مناسبة ، كما أنها قامت منذ أسابيع ليست ببعيدة بإستهداف مرتزقة وضباط روس بالقرب من دير الزور السورية ولم تستطع موسكو التي تقود حملة تثبيت كرسي تنظيم الأسد في دمشق على جبل من جماجم وأشلاء السوريين لم تستطع أن تنبس ببنت شفة ، ومثال آخر أن التحالف الدولي سخر كل امكاناته من أجل دعم ميليشيا سوريا الديمقراطية وحزب العمال الكردستاني الموضوع على قوائم الإرهاب الدولية في مدينة عفرين السورية لمنع تنظيم "الدولة" من السيطرة عليها ، وسبق هذا كله ان قامت طائرات التحالف بشن هجوم واسع في العراق دعماً لـ "الإيزيديين" في سنجار العراق وأسقطت عليهم الماء المثلج من الطائرات.

بينما يتهرب هذا التحالف من دعم غوطة دمشق ويرفض إنزال المساعدات الغذائية لهم عبر الطائرات كما فعلت مع الإيزيديين في العراق، فتوقفوا عن هذا السخف وتجرعوا الحقيقة المرة أن المجتمع الدولي لا يريد دعم ثورة سوريا، مهما كان عدد الضحايا القتلى .

على ماذا تراهن تلك الدول التي دعت لعقد جلسة مغلقة طارئة لمجلس القتل الدولي بعد صدور قرار للمجلس وبالإجماع الشهر الماضي فبراير/ شباط القرار رقم 2401 الذي يطلب من جميع أطراف النزاع السوري وقف فوري لإطلاق النار والتمسك بمراعاة الهدنة الإنسانية لمدة 30 يوما على كافة الأراضي السورية، وضمان الوصول الآمن للمساعدات الإنسانية وإجلاء المرضى والمصاب.

ألم يتابع أولئك الذين يهرولون إلى مجلس الأمن عجزه وفشله في تفعيل قراراته المتعلقة بسوريا، ألم يلاحظ أولئك أن تنظيم الأسد منع لجنة التحقيق الخاصة المكلفة بالتحري عن جرائم الحرب في سوريا من دخول سوريا وإتاحة الفرصة لها لإجراء تحقيقاتها بشكل مستقل .

إن لجوء المجتمع الدولي إلى مجلس الأمن بعد أن ثبت فشله ، هو تهرب من المسؤولية الحقيقية، في ظل المقدمات التي يملكها اولئك عن إستحالة إتخاذ أي اجراءات عملية تدين تنظيم الأسد وشركائه في الدم السوري، بسبب الفيتو الروسي الذي يقف حائلا أمام تنفيذ أي قرار لا تقبل به موسكو، أو خروجه منزوع الأنياب دون آليات تنفيذية.

إن خير شاهد على ما ندعي، قرار مجلس الأمن الأخير 4101 الذي طلب من جميع أطراف النزاع السوري وقف إطلاق النار فورا والتمسك بمراعاة الهدنة الإنسانية لمدة 30 يوما على الأقل في الأراضي السورية كلها، لضمان الوصول الآمن للمساعدات الإنسانية وإجلاء المرضى والمصابين لم ينفذ منه شيء. الذي صدر دون آليات تنفيذية وبعد أن خلعت روسيا أنيابه وجعلته عديم الجدوى ، ومع ذلك لم يتم الالتزام به، ولزيادة الاستهزاء بمجلس الأمن أعلنت موسكو بعد صدور القرار المذكور قرارا أحاديا يقضي بهدنة الساعات الخمس من أجل تهجير أهالي الغوطة الشرقية، وتركت تسع عشرة ساعة لنفسها وحلفائها من المرتزقة والميليشيات الإيرانية لتدمير الغوطة على رؤوس ساكنيها. ونطرح هنا تساؤلا مشروعا، لماذا يتم الهروب أو تأجيل التوجه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لاتخاذ قرار تحت عنوان الإتحاد من أجل السلام والتحرك الفعلي، والدعوة الفورية لإنعقاد جلسة "عامة" في الجمعية العامة للأمم المتحدة، بهدف طرد تنظيم الأسد من الأمم المتحدة بعد أن خرق تنظيم الأسد ميثاقها وأثبت عدم احترامه ، حسب المادة 6، التي نصت ،إذا أمعن عضو من أعضاء "الأمم المتحدة" في انتهاك مبادئ الميثاق جاز للجمعية العامة أن تفصله من الهيئة، هذا الميثاق الذي وقعت عليه الحكومة السورية وتعهدت باحترامه ولم تفعل كما هو واضح لكم في عدد من المناسبات ولم تحترم قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بالملف السوري.

المقدمات دليل كافٍ على شكل النتائج المحتملة، إن الهرولة إلى مجلس الأمن لا يشير إلى تحرك جدي ولا يتوقع منه شيء، وباتت جلساته مدعاة للسخرية والتندر، بسبب العلم المسبق بأن موسكو التي تمتلك حق النقض لن تسمح بتمرير أي قرار لا يروق لها أو يدين تنظيم الأسد الذي نصبت نفسها مدافعة عن وجوده، وهو محاولة يائسة لإبقاء مشعل الأمم المتحدة متقدا دون فعل شيء.

مجلس الأمن تحول إلى منصة للتراشق الإعلامي وتبادل الاتهامات بين الفرقاء الشركاء في عدم نصرة الشعب السوري من المحرقة التي تقودها موسكو بحقهم.

ألم يدرك المهرولون إلى مجلس الأمن خلال سبع سنين هي عمر الثورة السورية أنه لا فائدة ترجى منه ولم يتم تنفيذ قراراته.

لماذا يتم تجاهل الجمعية العامة للأمم المتحدة التي يمكنها الدعوة إلى تحويل الملف السوري إلى محكمة الجنايات الدولية ويمكنها طرد تنظيم الأسد من الأمم المتحدة. ويمكنها ايضاً اتخاذ تدابير فاعلة لوقف التوحش الروسي سواء في مجلس الأمن أو في المحرقة السورية التي تدير دفتها موسكو.

كاتب وباحث سوري

==========================

آذار وبحار الدم - الحلقة (48) .. وضع العمل العسكري للطليعة في المحافظات مع نهاية 1981 .. محمد فاروق الإمام

كان الخط البياني للثورة خلال السنوات القليلة الماضية في تصاعد مستمر حتى عام1980، فقد استقطبت الطليعة المقاتلة جماهير عريضة من الشعب، وكان تلاحم الشعب ووقوفه بكل فئاته وشرائحه السياسية في وجه النظام القمعي الطائفيّ واضحاً بتحرك النقابات المهنية وإضرابها الشهير في30/3/1980.

إلا أن الإجراءات القمعية والتعسفية التي مارستها السلطة بحق الشعب ومن ورائه حركة الإخوان المسلمين هو إعلان حرب إبادة وتصفية لخصومها، فقد أصدر حافظ الأسد المرسوم 49 بتاريخ 7/7/1980 والقاضي بإعدام كل من ينتسب للإخوان المسلمين وبأثر رجعي، كما وقامت السلطة أيضاً بحصار وتفتيش مدينتي حلب وحماة عشرات المرّات على وجه الخصوص وللمدن والقرى السورية الأخرى على وجه العموم (في عام 1980 اقتحم فجر أحد الأيام اللواء 21 التابع للفرقة الثالثة التي احتلت حلب بلدة عندان الواقعة شمالي مدينة حلب وكان عدد الآليات بين دبابة ومدرعة وناقلة جند تزيد على 120 آلية، تحمل أكثر من ثلاثة آلاف جندي وضابط عاثوا في المدينة فساداً ورعباً واعتقلوا العشرات ومارسوا بحقهم أقسى أنواع التعذيب والإهانة أمام أهليهم وذويهم، وحملوهم عند مغادرتهم للبلدة إلى مدينة حلب وأودعوهم سجن ثكنة هنانوا وساموهم هناك ألوان وألوان من التعذيب الذي خلف على ظهورهم وجنوبهم وأقدامهم الندبات والآثار العميقة للسع السياط، وكان أكثر من مورس بحقه هذا العذاب النخبة المثقفة من حملة الشهادات العالية)، وواجهت بالقمع والقتل والسحق والانتقام من الأبرياء كل أشكال المعارضة للضغط على المقاتلين عن طريق إيذاء أهاليهم وذويهم، ولم تأخذهم رأفة ولا شفقة بطفل ولا فتاة ولا امرأةٍ ولا شيخ ولا أم ولا أب ولا أخ ولا أخت، أصبح المهم عندهم هو ممارسة فنون التعذيب والإذلال على هؤلاء العزّل بعد أن عجزوا عن مواجهة المقاتلين.

وبدأ العد التنازلي لمكانة المقاتلين التي اكتسبوها من أعمالهم البطولية في مواجهة السلطة بسبب تراجعهم أمام ما يحصل للأهالي من ظلم وقمع وتعسف على يد السلطة الباغية، وذهبت كثير من الإمكانات أدراج الرياح، وانقلبت الأحوال وتبدلت الظروف والمعطيات.

تنظيم الطليعة في دمشق

كان تنظيم الطليعة قوياً جداً في بدايات تأسيسه في عهد الشيخ مروان حديد ومن بعده الدكتور عبد الستّار الزعيم، وقد تعرّض التنظيم لنكسة حقيقية باعتقال مجموعة من أنشط أعضائه وعلى رأسهم يوسف عبيد، وبعدما آلت قيادة التنظيم لأيمن شربجي تمكنت الطليعة في دمشق من تنفيذ عدة عمليات نوعيّة ضد السلطة كانت قمتها في عام 1981 عندما تم تنفيذ عمليات تفجير مبنى رئاسة مجلس الوزراء وقيادة القوى الجوية ومقر الخبراء الروس، إلا أن الوضع الأمني للطليعة تدهور نسبياً إذا ما تمت مقارنته في السابق، حيث وبالرغم مما حصل لعناصر الطليعة من مداهمات واعتقالات إلا أنهم بقوا يحتفظون بهامش من السريّة والقدرة على الحركة.

الطليعة في حلب

في الواقع حلب لم يكن بها أي نوع من أعمال المواجهة العسكرية مع السلطة نهائياً في ذلك الوقت، بل يمكن القول أنه كانت توجد بعض الإمكانات المبعثرة وبعض الشباب المتقطع الأوصال، ومن المعلوم أن تنظيم الطليعة المقاتلة في حلب والذي كان بقيادة عدنان عقلة قد سلك أسلوب التصعيد مباشرة بعد أحداث عملية مدرسة المدفعية، ولم يكن هذا التصعيد متناسقاً ومتناغماً مع المحافظات الأخرى ومع خطط الطليعة ككل للوصول إلى ساعة الحسم العسكري مع النظام، وقد تسبب هذا التصعيد في انفتاح المقاتلين على بعضهم وتشابك المجموعات تنظيمياً وحركياً وفقدان عامل الأمان الأساسي المتمثل باستقلالية كل مجموعة عن الأخرى، مما زاد من مخاطر كشف المقاتلين بعد انكشافهم على بعضهم البعض بواسطة القيام بعمليات عسكرية مشتركة تستلزم أعداداً كبيرة من المقاتلين أو بسبب تنقلاتهم بين القواعد بسبب انكشاف بعض القواعد واضطرار البعض للذهاب من واحدة إلى أخرى، وأسبابٍ كثيرة أخرى ساعدت على تهاوى العمل العسكري بحلب وكشف عناصره وقواعده بهذه الوتيرة المخيفة، حيث قدرت مصادر الطليعة المقاتلة عدد القتلى في حلب خلال الفترة من عام 1979 بعد أحداث مدرسة المدفعية وحتى أواخر عام 1980 بما يقارب من أكثر من 600 عنصر واعتقال المئات وتشريد الآلاف داخل سورية وخارجها، وكشف العشرات من قواعدها، بينما تقول نفس المصادر بأنّ عدد القتلى من مقاتلي الطليعة في حلب خلال الفترة السابقة فيما بين انطلاق العمل العسكري وحتى مدرسة المدفعية بحوالي 60 مقاتل.  

وبعد انهيار تنظيم الطليعة في حلب في أواخر عام1980 حاول بعض القادة من تنظيم الطليعة المقاتلة في حماة وغالبيتهم كانوا من طلاب جامعة حلب القيام بشيء ما في حلب لتخفيف الضغط عن حماة، إلا أن هذه الجهود كانت بسيطة وغير كافية والاتصالات بمن تبقّى من الحمويين في حلب من شباب التنظيم الذين تقطعت بهم السُبُل بعد أن انكشف أمرهم للسلطة لم تكن في معظم الأحوال سهلة ومأمونة، كما وكانت تنقص الحمويين الخبرة الميدانية في المدينة وكذلك الإمكانات الأخرى المتعددة، وبالرغم من ذلك كله قام هؤلاء بفعل شيء ما، إلا أنهم شكّلوا فيما بعد عبئاً جديداً على القيادة في حماة بعد انكشاف تنظيمهم في حلب، وسعت القيادة سعياً حثيثاً لتأمين طريقة لإيوائهم في حلب أو توصيلهم إلى حماة على أسوأ تقدير، وبالرغم من أن الأوضاع في حماة كانت سيئة للغاية في مطلع شهر كانون ثاني 1982 إلا أنها كانت أفضل من حلب، وبالتالي كان يمكن تدبير الأخوة في حماة بطريقةٍ أو بأخرى.

يتبع

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com