العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 18-02-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

إيران في سورية: الأمر لي .. سعد كيوان

العربي الجديد

الخميس 15/2/2018

أعلنت إيران، ومعها حزب الله، بعد إسقاط الطائرة الإسرائيلية أميركية الصنع "أف -16" السبت الماضي، بكثير من الثقة والزهو بالنفس أن "قواعد اللعبة تغيرت" في المنطقة، وأن "ما كان قائما قبل الطائرة لم يعد قائما بعدها"، بحسب ما جاء على لسان الشيخ نبيل قاووق، أحد القياديين التعبويين في حزب الله. ولكن ما هي تلك "القواعد التي تغيرت" وأين كانت سائدة؟ المفترض في سورية ومحيطها، طالما أن الطائرة الإسرائيلية أصيبت فوق الأجواء السورية، وسقطت داخل الأراضي الفلسطينية. وما الذي كان سائدا؟ ثورة السوريين الذين انتفضوا قبل سبع سنوات ضد نظام مستبد كان يتحكم برقابهم منذ أكثر من أربعين سنة، وانحياز السلطة في إيران إلى جانب النظام وضد الشعب السوري، وكذلك فعل حزب الله بطبيعة الحال. ومع ذلك، لم يتمكن ثلاثي "محور الممانعة" من قهر إرادة السوريين، وإبقاء بشار الأسد واقفا على رجليه. فاضطروا للاستعانة بالحليف الروسي الذي كان يحاول استعادة دور دولي ما يعيد إليه أمجاد الماضي السوفياتي الغابر. فكان أن دمرت سورية وشرّد الملايين وقتل مئات الألوف من شعبها، وتحولت إلى مستنقع وساحة مبارزة بين الجيوش الروسية والتركية والأميركية والإيرانية، وعشرات المليشيات الملحقة بالحرس الثوري الإيراني. فيما كانت إسرائيل تراقب عن بعد وتمارس، من وقت إلى آخر، دور الشرطي بغاراتها الجوية ضد "محور الممانعة"، مستفيدةً من الضمانات التي قدمها لها "القيصر الروسي". فكانت تجري، من وقت إلى آخر، مناوشاتٍ على جبهة الجولان تارة مع قوات النظام، وتارة أخرى مع مقاتلين من فصائل المعارضة. وباتت سورية عمليا بحكم المقسمة، بعد أن تحولت ما اصطلح على تسميتها "مناطق خفض التوتر" الى بؤر توتر وقتال، كما هو حاصل حاليا في الشمال على يد الجيش التركي، وفي الغوطة الشرقية قرب دمشق على أيدي كتائب النظام، وفي جنوب الغرب من قوات أميركية وأردنية.

بعد نحو أربعين سنة من الحرب الكلامية والهدنة الواقعية بين سورية وإسرائيل، تم إسقاط

"تريد إيران وضع "إنجازاتها" في العراق وسورية ولبنان في الميزان الإقليمي" المقاتلة الإسرائيلية، وسارعت إيران والممانعون إلى الإعلان أن "قواعد اللعبة تغيرت"! فما هو البديل المطروح؟ إعلان الحرب على إسرائيل زحفا نحو القدس؟ أم الهرب من الحرب السورية الداخلية التي باتت تشكل وزرا كبيرا على أصحابها إلى الحرب الخارجية مع العدو الإسرائيلي؟ في المناسبة، وعلى سبيل التذكير، يحتفل "محور الممانعة" اليوم ويهلل لإسقاط طائرة، وكأنه هزم إسرائيل، أو على الأقل ربح معركة ضدها. علما أنها الطائرة الأولى التي يتم إسقاطها منذ 32 سنة، عندما أسقطت طائرة "الفانتوم" الإسرائيلية عام 1986 فوق الأراضي اللبنانية، وتم أسر الطيار رون أراد الذي لا يزال مصيره مجهولا.

ما تريده إيران هو محاولة خلط الأوراق والعودة إلى ناصية القرار في سورية. وهي ترى بدهائها أن الوقت الآن هو الظرف المناسب لذلك، بعدما وصلت الأمور إلى طريق مسدود. فإذا كان قد تحقق هدفها، وهدف روسيا، بإبقاء الأسد في السلطة، فهذا بحد ذاته لا يشكل ضمانةً، ولا يمكن الركون إلى من برح يردّد منذ أكثر من عقد أن الرد على الضربات الإسرائيلية "سيكون في الزمان والمكان المناسبين".. كما أنه على الرغم من بقاء الأسد في السلطة، فهو لا يسيطر فعليا إلا على جزء بسيط من سورية، ولم يعد واردا أن يستعيد السيطرة على كامل الأراضي السورية. وهذا أمر لا يحقق رغبات طهران ومطامعها في الإمساك بزمام الأمور، والتمركز على ضفاف المتوسط، بعد كل الجهود التي بذلتها في السنوات الماضية للتمدّد من طهران إلى بغداد، ثم إلى دمشق وبيروت، بالإضافة إلى محاولتها احتواء القرار الفلسطيني. كما أن بقاء الأسد جالسا على الكرسي في دمشق لا يشكل، في المقابل، أكثر من ورقة للتفاوض بالنسبة لموسكو التي تسعى إلى فرض نفوذها، وضمان مصالحها عبر تسوية سياسيةٍ تعرف أنها لا تتحقق من دون التنسيق مع الولايات المتحدة وموافقتها. فالنصر العسكري الذي حققته موسكو في الميدان، وفرضت من خلاله هيمنتها على القرار ومعادلاتها العسكرية على الأرض، وأعادت إيقاف بشار الأسد على رجليه، لن يمكنها من فرض حل للأزمة كما تريدها هي.

وهنا المفارقة. المعنيون والمؤثرون في الحرب الدائرة في سورية، والمنخرطون بالنزاع عليها كثيرون، ولا يمكن فرض أي تسويةٍ من دون إشراكهم جميعا أو معظمهم. بدءا بالولايات 

"بقاء الأسد جالسا على الكرسي في دمشق لا يشكل، في المقابل، أكثر من ورقة للتفاوض بالنسبة لموسكو" المتحدة، مرورا بتركيا ثم إيران، وبعض الدول العربية مثل السعودية ومصر، وليس انتهاء بدولٍ غربيةٍ سيقع على عاتقها تمويل إعادة الإعمار. فمن يصنع النصر العسكري يبدو بالتالي غير قادر على فرض الحل السياسي. هنا المأزق الروسي. ومن هنا، تحاول إيران الدخول بقوة والإمساك باللعبة من أجل "تغيير قواعدها"، كما تعلن مستفيدة من هذا المأزق. فهي بإعادة تسليطها أولا الضوء على إسرائيل، وتوجيه المعركة نحوها، تكون قد أمسكت بأحد خيوط اللعبة، ورصت صفوف "محور الممانعة والممانعين"، وأحرجت بعض العرب المطبعين أو اللامبالين. فهي تريد القول إن القرار لها في سورية.

وثانيا، تحاول رفع الصوت في وجه أميركا دونالد ترامب الذي يهدد بإلغاء الاتفاق النووي الموقع معها، والذي يعتبرها "راعية الإرهاب الدولي" في المنطقة. كما تسعى إلى وضع العصي في دواليب المهمة الأولى لوزير خارجيته، ريكس تيلرسون، في المنطقة، ملوحة بالمواجهة مع إسرائيل، وبإشعال "مثلث الممانعة العراقي- السوري - اللبناني" في وجه واشنطن. ويصبح واضحا في هذا السياق توقيت إسقاط الطائرة، عشية زيارة تيلرسون التي تشمل مصر والكويت والأردن ولبنان وتركيا.

وثالثا، لا تغيب طهران من حساباتها إحراج الحليف، الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الذي باركت تدخله العسكري في سورية، لكنها تبدي امتعاضا من خططه وتكتيكاته التي تجنح ضمنا باتجاه ملاقاة رغبات واشنطن بتحجيم طهران ودورها في أي تسوية، أو على الأقل تغض الطرف عن المحاولات الأميركية في هذا الاتجاه. كما أنها لا تنظر كثيرا بعين الرضا إلى انصياع الأسد لتعليمات موسكو.

وهكذا، تحاول القيادة الإيرانية إرسال رسائلها في كل الاتجاهات، فهي تريد وضع "إنجازاتها" في العراق وسورية ولبنان في الميزان الإقليمي، وتؤكد للزائر الأميركي إمساكها بناصية القرار في حكومات هذه البلدان. فيما تسعى إسرائيل إلى توظيف ترامب وعداوته إيران في تحقيق رغباتها.. فهل المنطقة ذاهبة إلى مواجهة؟

إذا كانت إيران غير قادرة على فرض ما تريد، فإن في وسعها أن تمنع، أو تعرقل على الأقل، حصول ما لا تريد.

==========================

سوريا بين الصفعة الإيرانية والصفعة العثمانية .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 15/2/2018

بإسقاط الإيرانيين طائرة F16 الإسرائيلية (أمريكية الصنع)، باستخدام وسائل الدفاع الجوي السورية (روسية الصنع) دخل الصراع الإقليمي الدولي على الأراضي السورية منعطفاً شديد السخونة. ذلك أن الروسي المهيمن على الأجواء السورية قد سمح لإيران، أو غض النظر عن إطلاقهم الطائرة بدون طيار التي اخترقت الحدود الجوية للمحتل الإسرائيلي، وهي الحادثة التي ستطلق ردود الفعل التي تلتها. وذلك على رغم التنسيق المعلن بين تل أبيب وموسكو في كل الضربات الإسرائيلية السابقة للمواقع الإيرانية داخل الأراضي السورية. وغالباً ما كانت هذه الضربات تحدث بعد الزيارات الروتينية لبنيامين نتنياهو لموسكو، بما يعني الإعلام المسبق أو الحصول على إذن مسبق.

هذه الجولة الجديدة من الاشتباك الإسرائيلي ـ الإيراني، سبقتها أيضاً زيارة مماثلة إلى موسكو، قبلها بنحو أسبوع. فهل يعني ذلك أن روسيا قررت وضع حد للعربدة الإسرائيلية فوق الأجواء السورية، بضربها للمواقع الإيرانية متى شاءت؟ ولكن هل كان على نتانياهو العائد لتوه من زيارة الكرملين أن يعلم بتغيير قواعد الاشتباك على هذا النحو ميدانياً، بدلاً من إبلاغه بذلك أثناء الزيارة، ما من شأنه تجنيب إسرائيل هذه «الصفعة الإيرانية» المدوية؟

لا أعرف ما إذا كان هناك تعبير إيراني بهذا الاسم، لكن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استخرج، بالمقابل، من جعبة التاريخ التركي تعبير «الصفعة العثمانية» ليهدد بها الولايات المتحدة الأمريكية، لا أقل! وكان ذلك في سياق الجدل الدائر حول الرغبة التركية في التوسع، في عملية غصن الزيتون، لتشمل مدينة منبج التي تسيطر عليها وحدات الحماية الكردية تحت مظلة القوات الأمريكية. فمن المعروف أن تركيا طالبت الولايات المتحدة، منذ استيلاء وحدات الحماية على منبج، بعد دحرها لقوات داعش منها، صيف العام 2016، بإخراج وحدات الحماية من هناك، بما أن البلدة تقع غربي نهر الفرات، أي خارج منطقة عمليات التحالف الدولي لمحاربة داعش، وقد اعتبرت تركيا ذلك أساساً لترسيم منطقة نفوذها الخاصة (غربي نهر الفرات) وطالبت الأمريكيين بإبعاد الوحدات الكردية إلى شرق النهر. وتقول الحكومة التركية إن إدارة أوباما قد وعدتها بالاستجابة لهذا الطلب بعد تحرير منبج من مقاتلي داعش، الأمر الذي لم يحدث، على رغم انقضاء نحو سنتين، ودخول القوات التركية إلى المناطق المجاورة في إطار عملية «درع الفرات»، وصولاً إلى مدينة الباب التي تقع على أطراف حلب. ولم يتغير الموقف الأمريكي من موضوع منبج، بعد مجيء طاقم الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.

بل تفاقم الوضع أكثر، من زاوية نظر الهواجس التركية المعلنة. فقد أعلنت الإدارة الأمريكية عن بدء العمل في إنشاء جيش لحراسة حدود منطقة نفوذها، قوامه 30 ألف مقاتل، يتكونون أساساً من «قوات سوريا الديمقراطية» التي تشكل وحدات الحماية الكردية عمودها الفقري. كما أن الضغوط الأمريكية على أنقرة من أجل إنهاء عمليتها العسكرية في منطقة عفرين بأسرع وقت ممكن، غير خافية على أحد. ويبدو أن حدود «تفهم» واشنطن المعلن لهواجس الأمن القومي التركي، بمناسبة الحرب التركية على عفرين، أضيق من أن تحقق أحلام أردوغان الذي صور له سماح الأمريكيين والروس لقواته بدخول منطقة عفرين، مناسبةً ليطالب بالمزيد في منبج. وإذ جاءه الجواب الأمريكي صريحاً في رفضه أي اقتراب من منبج، مع التلويح بأن ذلك قد يؤدي إلى صدام عسكري مباشر بين القوات التركية والأمريكية هناك، رد أردوغان بالتهديد بالصفعة العثمانية.

وخلاصة الأسطورة التركية حول هذه الصفعة هي أن قادة الجند في الجيش العثماني كانوا يلجؤون إلى هذه «التكتيك الحربي» للفوز بالمعركة قبل وقوعها. فقد كان القائد العسكري العثماني يواجه قائد الجيش المقابل ويصفعه صفعة مدوية على وجهه، بحيث يسمع صوتها على نطاق واسع. وغالباً ما كانت تلك الصفعة تؤدي إلى كسر إرادة الخصم واستسلامه قبل بدء المعركة.

لا جدوى، طبعاً، من التساؤل حول مدى واقعية تلك المروية العثمانية، بل المهم هنا هو مدى استهتار أردوغان بالأمريكيين. فهل اعتمد، في إطلاق هذا التهديد، على قوة تركيا الذاتية، أم إلى جملة الشروط المعقدة التي تجري فيها صراعات القوة فوق الساحة السورية؟

من المرجح أن الجواب الثاني هو أقرب إلى واقع الحال. فإذا كانت تركيا لم تستطع تنفيذ تهديداتها المعلنة منذ سنوات بدخول عفرين إلا بعد الحصول على موافقتين روسية وأمريكية، فكيف لها أن تغامر بالاقتراب من منبج التي فيها تواجد مباشر لقوات برية أمريكية؟ وكيف لها أن تطلق تحدٍ صريح ومهين ضد الولايات المتحدة كالتهديد بالصفعة العثمانية؟

في المسالك التركية استثمار لصراع لي الذراع الجاري بين واشنطن وموسكو، كما بين واشنطن وإيران. فالقطبان الدوليان يتنافسان، منذ بعض الوقت، على استمالة تركيا لأهمية موقعها الجغرافي، وبخاصة إزاء سوريا، كما بسبب بقايا نفوذها على فصائل عسكرية إسلامية ما زالت تتمتع ببعض الوزن والفاعلية على الأرض في شمال سوريا. وتبدو واشنطن هي الأكثر هشاشة في عجزها عن إيجاد توازن مستحيل بين حليفيها الكردي والتركي، في حين تمكنت موسكو من استمالة تركيا إلى مسارات آستانة وسوتشي، ووفرت لها مناطق نفوذ في شمال حلب وفي محافظة إدلب، إضافة إلى عفرين.

في حين أن واشنطن ما زالت بحاجة إلى تركيا لاحتواء النفوذ الإيراني في سوريا. هذا النفوذ الذي بلغ درجة من الخطورة، من زاوية النظر الأمريكية، بلغت المجازفة بإسقاط طائرة إسرائيلية، ووضع حد للطيران غير المقيد لإسرائيل في ضرب المنشآت والمواقع الإيرانية في سوريا.

الخلاصة أن الصراع الدولي متعدد الأطراف على الأرض السورية، يزداد سخونة كل يوم. الأمريكيون يضربون ميليشيات موالية للنظام الكيماوي وإيران قرب دير الزور، والإيرانيين يسقطون الطائرة أمريكية الصنع، والسلاح الأمريكي يسقط طائرة السوخوي الروسية فوق إدلب، وطائرات درون تضرب القواعد الروسية على الشاطئ السوري. ووحدات الحماية المسلحة من أمريكا تسقط طائرة هليكوبتر تركية في عفرين..

إنه مشهد مفجع حقاً: كأنها أرض بلا سكان تحولت إلى حلبة صراعات عسكرية مدمرة. أين السوريون؟

٭ كاتب سوري

==========================

بوتين وشركاؤه الثلاثة .. مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 14/2/2018

بغض النظر عن الكيفية التي أسقطت بها الطائرة الإسرائيلية السبت الماضي، وعمّا إذا كان وراءها قرار روسي، بغرض رسم خطوط حمراء جديدة لإسرائيل، فيما يجوز وما لا يجوز لها ضربه في سورية، أو أن الأمر كان محاولة استدراج إيرانية لفرض قواعد جديدة للاشتباك، مع تزايد وتيرة الضربات الإسرائيلية، واتساع نطاقها، وهي الرامية إلى تحجيم وجود إيران العسكري في سورية، أو أن الأمر بدأ وانتهى نتيجة سوء تقديرات.. بغض النظر عن ذلك كله، فقد بتنا أمام وقائع جديدة فرضتها نتائج هذا الاشتباك الذي شهدته الأجواء السورية وأجواء فلسطين المحتلة. أولها محاولة إسرائيل التحول من مجرد "مقتنص فرص" أو "صائد طرائد" في الحرب السورية إلى لاعبٍ رئيس فيها، يحاول فرض أجندته وشروطه على ترتيبات ما بعد الحرب، ومخرجات التسوية السياسية المحتملة. وثانيها أن هذا التطور يخدم مصالح روسيا، بمقدار ما يعقد قدرتها على إدارة الصراع في سورية، إذ بات عليها الآن بذل جهد أكبر في إدارة التناقضات بين شركائها الثلاثة (تركيا وإيران وإسرائيل) الذين يتنافسون في الجزء الذي تستأثر بالسيطرة عليه من سورية، باعتبار أن الحصة الأميركية، الواقعة شرق الفرات، لا يملك أحد الاقتراب منها، كما تبين من الرد الحازم على محاولة استهداف مليشيا سورية الديمقراطية قرب دير الزور في وقت سابق من الشهر الحالي.

خلال العام الماضي، وبعد انتهاء معركة حلب، تمكّنت روسيا من إنشاء علاقة توازن بين القوتين الإقليميتين الرئيستين المتنافستين في سورية (تركيا وإيران) عبر تحويلهما إلى شركاء في مسار أستانة الذي أرادت من خلاله فرض رؤيتها للحل في سورية. وقد نجحت روسيا، إلى حد كبير، في اللعب على تناقض المصالح بين هذين الشريكين، واستغلت حاجتهما الكبيرة إلى التفاهم معها، وموازنة سياسات أميركا نحوهما من خلالها. فعندما كانت الأجندة الروسية تتطلب إضعاف المعارضة ميدانيا لإجبارها على قبول شروط الحل، كانت روسيا تطلق اللجام لإيران للإجهاز عليها. وعندما كانت الأمور تذهب باتجاه التسوية، كانت إيران تُلجم، فيما يتعزّز الدور التركي الذي يتولى تسويق الحل لدى المعارضة.

أخيرا، تجاهلت روسيا اعتراضات إيران، وسمحت لتركيا بإطلاق عملية "غصن الزيتون" في عفرين، في مقابل تعهد تركي بجلب المعارضة السورية إلى مؤتمر سوتشي، من بين أشياء أخرى. لكن الفشل في فرض الحل في سوتشي، وإسقاط الطائرة الروسية فوق إدلب، رفعا أسهم إيران من جديد. وبالطريقة نفسها تقريباً، أدار بوتين التناقض الإيراني - الإسرائيلي في سورية، إذ كان يسمح لإسرائيل بضرب قوافل أو مخازن أسلحة استراتيجية تابعة لإيران وحزب الله، تعدّها إسرائيل تهديدا لها، لكنه كان يمنع عليها ضرب قدرات إيران وحلفائها المخصصة لدعم النظام السوري ضد المعارضة. بمعنى أن روسيا تقبل الوجود الإيراني في سورية فقط، إذا كان هدفه دعم النظام، وتسمح بضربه إذا خرج عن هذه المهمة.

مع تعثر خطته للتسوية، واتجاه الولايات المتحدة إلى الاحتفاظ بوجود عسكري طويل شرق الفرات، ما زال بوتين بحاجة إلى وجود إيران العسكري في سورية، لا بل يتوقع أن تتعاظم حاجته إليه خلال الفترة المقبلة، مع تزايد التوتر مع الولايات المتحدة، وتنامي القلق من احتمال تزويد المعارضة السورية بأسلحة أميركية تهدّد السيطرة الجوية الروسية في سورية، وميل بوتين إلى المقاربة الإيرانية الداعية إلى حسم معركة إدلب، ومنع تركيا من السيطرة عليها. لهذه الأسباب، لا يريد بوتين ضربات إسرائيلية تؤثر في قدرات إيران الميدانية في هذه المرحلة. لكن إذا تمكنت إسرائيل من مساعدته في تخفيف التوتر مع واشنطن، والتقارب معها بما لها من نفوذ لديها، فإن الأمور قد تختلف، وتقل الحاجة إلى وجود إيران العسكري في سورية.

إلى أن يحصل ذلك، على بوتين أن يدير بقدر كبير من الدقة الصراع الدائر بين شركائه الثلاثة في سورية، حيث تقف إيران ضد وجود تركيا (في الشمال)، وتقف إسرائيل ضد وجود إيران (في الجنوب)، وتعارض تركيا وإيران الطموحات الكردية التي تدعمها إسرائيل (في الشرق). لعبة خطرة لا يبدو أن بوتين يفتقد طرفا عربيا فيها.

==========================

الشرق الأوسط، نعيش جميعاً أو نموت .. غازي دحمان

العربي الجديد

الاربعاء 14/2/2018

مرت فترة قصيرة، راح يتشكّل خلالها حزام صدأ حول منطقة الشرق الأوسط، كل محرّكات الصراعات بدأت تنطفئ، وكل شيء على الجبهات بدا هادئاً، من أفغانستان إلى فلسطين، وما بينهما العراق ولبنان صارت الأحداث تتحرّك برتابة، حصار غزة أصبح خارج سياقات الاهتمام العالمي، الحدود بين لبنان و"إسرائيل" صارت ملعبا لقوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) واختفى المتصارعون، حتى جبال قنديل انطفأت نيرانها وانتقلت الفعالية إلى حوارات عبدالله أوجلان مع الأتراك في سجن إيمرلي.

ارتسم في هذه الأثناء سياق بديل، انخرطت المنطقة كلها في تعاريجه، الالتحاق بالعولمة، بفرصها واستثماراتها ومكاسبها، حتى صارت الهدف الأسمى للأنظمة والنخب، ما دامت هذه العولمة لا تشترط على المنضمين إليها إجراء تغييرات هيكلية في أنظمتهم السياسية، بل مجرد هيكليات مالية ولصالحهم، من أجل تعظيم استثماراتهم وأرباحهم، وقد أوجدت العولمة ملاجئ يستطيع هؤلاء إخفاء إمبراطورياتهم المالية عن عيون الحساد والمتربصين، في بنما ولختنشتاين وحتى سويسرا، وقد سموها الجنات الضريبية.

على وقع هذه التطورات، صارت السلطة جنة حقيقية، صار الحاكم يمتلك المجد من كل

"إذا كانت الثورات ممنوعةً، فالدفاع عن الحياة لا يمكن لأي قوّة أن تمنعه" أطرافه، الثروة والسلطة والرفاهية، وصار الحكم لعبة المرفهين. وشهدت هذه اللحظة بالذات تحوّل الحكام إلى آلهة، بكل معنى الكلمة، إذ تحوّل بشار الأسد، هو وزوجته أسماء، إلى نجوم يجود إعلام الغرب بطرح الألقاب عليهم، وكان حسني مبارك قد زهد الحكم، بعد أن سلّم مقاليد السلطة لأولاده، جمال وعلاء، يديرانها عبر توزيع المهام وإدارة التوازنات بالمحاصصة وغيرها. أما معمر القذافي الذي سلّم البلاد والعباد لأولاده الخمسة فقد أصابه ملل فظيع من زخرف الحياة، ولجأ إلى الصحراء يتأمل فيها، في حين ينشغل مكتب القائد في سرت بتنظيم برنامج لتعديل مزاج القائد، عبر تنظيم زيارات فنانين من مصر وسورية، وإحضار مشاهير يسلون القائد في عزلته.

بالطبع، لم يكن الأمر مقتصرا على هذه البلدان الثلاثة، فقد انخرطت جميع أنظمة الحكم ونخب المنطقة في سياق العولمة، واقتناص مكاسبها، بعد أن عملت على تشريع كل شيء، من بيع ثروات البلاد إلى المحاصصة مع المستثمرين الخارجيين والشراكة مع أثرياء البلاد. وبرزت في هذه البلدان ظاهرة صناعة الواجهات، بحيث يظهر على الساحة الاقتصادية، وبشكل مفاجئ، شخصية مجهولة تصبح، بين يوم وليلة، حديث البلد، كما برزت، في هذه المرحلة، اللجان الاقتصادية والمالية في قصور الرئاسات والملوك العربية، وأصبحت مهمتها مراقبة الحركة الاقتصادية في البلاد، لا لشيء وإنما لضمان حصة الحاكم وعائلته. باختصار، أصبح عنوان المرحلة الشرق أوسطية، تنافس العائلات الحاكمة حول من ستكون ثروته أكبر، ونجوميته أكثر لمعاناً.

في هذه المرحلة، اطمأنت أميركا، وهي القوة الأكثر تأثيرا وفعاليةً في المنطقة على مدى أكثر من نصف قرن، إلى استقرار الأمور في المنطقة، وسلوكها مساراتٍ إيجابية وفقا لتقديراتها، وما دامت خطوط نقل النفط سالكةً، والأسواق مستقرّة، وجميع مخارج المنطقة ومناطقها بيد واشنطن، وأصبحت أنظمة المنطقة ونخبها داخل المدار الأميركي، فإن واشنطن تستأذن الرحيل إلى شرق آسيا.

مرحلة موت الشعوب، هي هذه المرحلة، أو قل عدم رؤيتها والاستهتار بكينونتها، من الأنظمة والنخب. وعلى الرغم من بهرج العولمة، بتقنياتها وتصميماتها المدهشة، مدن من بلور وسيارات فارهة وفضائيات لا تحصى، إلا أن الشرق الأوسط بدا موحشاً، وهو يبدل جلده بسرعة، وبما يتناسب مع مصالح نخب العولمة وذوقها، ولم تعد تسمع في بطاح الشرق الأوسط غير أنين الفقر والتكاليف الباهظة، وغير الشكوى من هبوط الذوق العام في كل المجالات، من الطعام إلى الموسيقى إلى المحتوى التلفزيوني والسينمائي، وكان ذلك مؤشراً على مدى فظاعة عملية التحوّل القسرية المفروضة على الشعوب من جهة، والاستهتار بذوقها وقيمها وتفضيلاتها عموماً.

ليس سراً أن حالات الموت كانت تتكاثر بطريقة ملفتة، وتحصد الشباب ومتوسطي العمر،

"ما دامت الأنظمة تصر على عدم التغيير، والاستمرار بأساليبها السابقة، فليس للشعوب إلا العمل"  وخصوصا بالجلطات والسكتات وأنواع السرطانات المختلفة، وهي حالة ليس لها نظير تاريخي، سوى مرحلة دخول شركات النهب الأوروبية إلى أفريقيا وإجبارها شعوب القارة على ممارسة أعمال غريبة عنهم، وإطعامهم أنواعا من المأكولات لم يألفوها سابقا، حيث جرى انتزاعهم من سياق حياتهم إلى أنماط حياة مختلفة، وهو الأمر الذي صوّره جوزف كونراد في روايته "قلب الظلام" ببراعة وشفافية، إذ يؤكد أن الجثث كانت تملأ الطرقات، وخصوصا بالقرب من مراكز الشركات الأوروبية ونطاق عملها.

لقد أسست هذه المرحلة، بجدارة، للربيع العربي، فخرجت الشعوب عن بكرة أبيها، لأن الخطر كان كبيرا، ولم تنتظر حتى ترتب نخب الثقافة والسياسة أوضاعها، الأمر لا يحتمل انتظار المزيد. بات الجميع في دائرة الخطر، والتعجيل في الثورة محاولة مستعجلة للخروج من دائرة الموت الجوال، وكانت التكنولوجيا والتمدن السريع قد حطّمتا الريف، وصادرتا منه استقلاليته واكتفاءه الذاتي، ليتحوّل إلى متطفل على المدينة في ضواحيها الصفيحية.

ربما فشلت تلك المحاولة لأسباب كثيرة، لكن الأمور لن تعود إلى ما كانت عليه سابقا، وإذا كانت ثورات الشعوب ممنوعةً، فالتمرّد الفردي لا يمكن ضبطه. لذا لا يمر يوم واحد في غالبية بلدان الشرق الأوسط من دون حصول جرائم سطو واحتيال وقتل. يسمي بعضهم هذه الظاهرة بصدمة العولمة، حيث وجد الفرد نفسه ضعيفا معزولاً ومهمشاً في مواجهة إمبراطوريات المال، وقد يكون ذلك صحيحاً، غير أن المؤكد أن توحّش النخب لعب دوراً مهماً في تحريك قيعان المجتمعات، وتثوير غرائزها ومخاوفها.

أدى ذلك إلى نكوص المجتمعات إلى مكوناتها الأولى، العائلة والعشيرة والطائفة والإثنية والمناطقية، وسيلة دفاع، بعد أن سقطت دولة النخب اللصوصية في أداء هذه المهمة. وإذا كانت الثورات ممنوعةً، فالدفاع عن الحياة لا يمكن لأي قوّة أن تمنعه، وثمة وسائل عديدة لتحقيقه، عبر التفكّك والتمرّد المناطقي، والاستقلال الطائفي والعرقي. وما دامت الأنظمة تصر على عدم التغيير، والاستمرار بأساليبها السابقة، فليس للشعوب إلا العمل وفق قاعدة إما أن نحيا جميعا أو نموت معاً.

==========================

واشنطن لموسكو: كش ملك .. علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 14/2/2018

أسرعت روسيا إلى استثمار دور قواتها المسلحة في حماية النظام السوري، وقبضت الثمن بعقد اتفاقيتين مع الأخير، قبل بموجبهما بقاء القوات الروسية على الأرض السورية، في قاعدتين، جوية في حميميم وبحرية في طرطوس، مدة كل منهما 49 سنة قابلة للتمديد آليا، فترة إضافية مدتها 25 سنة. جاءت الاتفاقيتان تنفيذا لرؤية الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الاستراتيجية بالوجود العسكري في نقاط قريبة من الخاصرة الرخوة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في حوض البحر الأبيض المتوسط، للرد على التهديدات الغربية، واحتواء مخاطر زحف الحلف المذكور باتجاه حدود روسيا الغربية، ونشر الدرع الصاروخية الأميركية في بولندا ورومانيا وتركيا. وقد بوشر بتحويل القاعدتين إلى مجمّعين كبيرين للقوات (البحرية غدت جاهزة لاستقبال وخدمة صنوف السفن والمدمرات والفرقاطات والغواصات والطرادات النووية. والجوية لصنوف الطائرات، قاذفات ومقاتلات ومروحيات. وعززا بالدفاعات الجوية الحديثة من طراز إس 300 وإس 400 والدبابات والمدرعات والأسلحة والذخائر، بالإضافة إلى طواقمها من الجنود وصف الضباط والضباط الذين تجاوز عددهم 4500 فردا لتشغيلها وحمايتهما)، وإلى نقطتي ارتكاز متقدمتين في مسرح عمليات فائق الأهمية.

لم تكتفِ روسيا بالقاعدتين على الأرض السورية، بل تحركت لاستعادة نفوذ الاتحاد السوفييتي في مصر والجزائر والسودان، وتواصلت مع الجنرال خليفة حفتر في ليبيا للغرض نفسه، من أجل تكثيف الضغط على التحالف الغربي، ودفعه إلى الإقرار بها قوة عظمى، والتسليم بدورها ومصالحها والاتفاق معها على مخارج للملفات العالقة بينهما (رفع العقوبات الاقتصادية عنها، 

"القيادة الروسية عصبية ومتوترة وتصريحاتها حادة ضد الوجود الأميركي على الأرض السورية" القبول بضم جزيرة القرم، وقف نشر الدرع الصاروخية الأميركية قرب حدودها، وقف زحف حلف الناتو نحو حدودها)، وعلى مناطق النفوذ وحل المشكلات الإقليمية والدولية الساخنة.

جاء التدخل العسكري الروسي في سورية في سبتمبر/ أيلول 2015، بعد فشل محاولات وقف زحف "الناتو" ونشر الدرع الصاروخية الأميركية في الهجوم على جورجيا عام 2008، واقتطاع أراض منها وإقامة كيانين سياسيين تابعين (أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية) والهجوم على أوكرانيا عام 2014، وضم جزيرة القرم وتشكيل جمهوريتين "شعبيتين" مواليتين في شرقي البلاد (جمهوريتي دونيتسك ولوهانسك)، وما ترتب عليه من فرض عقوباتٍ اقتصاديةٍ عليها، انعكست سلبا على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، التي تعاني من مصاعب أصلا بسبب انهيار أسعار النفط، وانهيار سعر صرف العملة الوطنية: الروبل.

لم تستجب الولايات المتحدة للرسائل والإشارات الروسية، بل تركتها تغوص في الصراع  السوري، من أجل استنزافها وتدفيعها أثمانا باهظة، وتحميلها مسؤوليات سياسية وأخلاقية عن القتل والتدمير الممنهج للمدن والبلدات والقرى السورية الذي انخرطت فيه، إلى جانب قوات النظام وحلفائه الإيرانيين ومليشياتهم الطائفية، ووضعها في مواجهة العالم الإسلامي السنّي، على خلفية هذا الاصطفاف المذهبي، لابتزازها ودفعها للخروج من أوكرانيا وإعادة جزيرة القرم إليها.

ردّت الولايات المتحدة على رؤية بوتين الاستراتيجية، ونشره قوات روسية في سورية، بعقده الاتفاقيتين المذكورتين، بخطوة من النوع نفسه: إقامة قواعد عسكرية على الأرض السورية (5 قواعد عسكرية شمال شرق الفرات جُهز بعضها لاستقبال طائرات ثقيلة واستيعاب معدات وعتاد متطور، خصوصا قاعدة تل حجر في منطقة رميلان التي زودت بتقنيات دقيقة، وفق مصادر مطلعة أشارت إلى الحراسة المشددة حول القاعدة المكونة من طوقين، خارجي تقوم به "وحدات حماية الشعب" الكردية، وداخلي تقوم به قوات خاصة أميركية ويمنع اجتيازه لغير الأميركيين، بالإضافة إلى نقل المعدات من كردستان العراق عبر معبر سيمالكا بشاحنات مغلقة كي لا يتم التعرف إلى طبيعة المعدات ونوعيتها)، والإعلان عن بقائها (القوات الأميركية) فترة مفتوحة. وهذا مع قاعدة التنف، ذات الموقع الاستراتيجي الحساس (على مشارف الحدود مع العراق والأردن والجولان السوري المحتل)، والمزوّدة بأسلحةٍ حديثةٍ ومتطورة، راجمات صواريخ مداها 350 كم قادرة على شل القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس، والأسلحة التي خزّنتها ونشرتها في إسرائيل، يعكس التوازن العسكري بينهما شرق المتوسط. تتضح الصورة أكثر، إذا ربطنا هذه المعطيات بالاستراتيجية الأميركية الجديدة التي أعلن عنها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في خطابه عن حالة الاتحاد، واعتباره روسيا تهديدا للأمن القومي الأميركي، وبرنامجه لتطوير القوة النووية الأميركية (التركيز على تصنيع قنابل نووية صغيرة لتكون قابلة للاستخدام).

يمكن اعتبار الخطوة الأميركية، إقامة هذه القواعد وتجهيزها بالتقنيات والمعدات المتطورة والعتاد الثقيل، تطويقا للقاعدتين الروسيتين، وامتصاص أثرهما واحتواء دورهما في معادلة الصراع الغربي الروسي. وهذا يفسر إلى حد كبير عصبية القيادة الروسية وتوترها والتصريحات الحادة ضد الوجود الأميركي على الأرض السورية (عدم شرعيته، زوال مبرّره، هدفه تقسيم سورية، المطالبة بانسحابه) التي أطلقها كل من وزير الخارجية، سيرغي لافروف، وزير الدفاع سيرغي شويغو، الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الممثل الخاص للرئيس الروسي في سورية، ألكسندر لافرنتييف، الناطقة باسم الخارجية، ماريا زخاروفا، السفير الروسي في لبنان، ألكسندر زاسيبكين، السفير الروسي في دمشق، ألكسندر كينشاك، رئيس لجنة الدفاع في مجلس الدوما، فلاديمير شامانوف، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الدوما، قسطنطين كوساتشيف، بالإضافة إلى الحملات الإعلامية التي شنتها وسائل الإعلام الروسية المرئية والمسموعة والمقروءة على الدور الأميركي في سورية.

لم تتوقف الحملة الروسية على الوجود العسكري الأميركي في سورية، وخصوصا في شمال شرق نهر الفرات، عند الحملات الدبلوماسية والإعلامية، بل سعت إلى تحفيز ضغط ميداني 

"لم تستجب الولايات المتحدة للرسائل والإشارات الروسية" مباشر من خلال مباركة الموقف الإيراني الذي أعلنه مستشار المرشد الأعلى، علي أكبر ولايتي، والذي لوح بطرد القوات الأميركية من شمال شرق الفرات، واختبار مدى جدية الموقف الأميركي في الدفاع عن المناطق التي تسيطر عليها "قوات سورية الديمقراطية" بمهاجمة مواقع تلك القوات في ناحيتي ذيبان والبصيرة (قرى خشام، جديد عقيدات، جديد بقارة) في محافظة دير الزور بقوات من الفيلق الخامس، الذي شكلته منذ نحو عام، تساندها قوات موالية لإيران (لواء الباقر). والدفع نحو صدام أميركي تركي، من خلال تشجيع تركيا على تحدي الموقف الأميركي من بقاء "قوات سورية الديمقراطية" في منبج، والتصعيد عسكريا ضد فصائل المعارضة لإحراج واشنطن التي شجعتها على مقاطعة مؤتمر سوتشي، وربط استكمال العملية السياسية باستعادة النظام السوري لكل الأراضي السورية. وهذا استدعى ردا أميركيا تمثل في هجمات بطائرات درون (طائرات من دون طيار) على قاعدتيها في حميميم وطرطوس (نجم عنها إعطاب سبع طائرات ومنصة صواريخ إس 400)، وإسقاط طائرة سوخوي 25 في محافظة إدلب، وقصف قوات النظام وحلفائه في ريف دير الزور (قتل 137 عنصرا منهم) في استهداف مباشر للوجود الروسي في سورية.

تنطوي الخطة الأميركية على نتيجتين مباشرتين بالنسبة للملف السوري: بقاء الملف مفتوحا فترة غير محدّدة، وما سينجم عن ذلك من قتل ودمار وتهجير، واستمرار حاجة واشنطن لقوات "وحدات حماية الشعب" الكردية، الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي، في الحروب بالوكالة الدائرة على الأرض السورية، ما سيدفعها إلى الضغط من أجل إشراك الحزب المذكور في المفاوضات، مع احتمال تبني مشروعه الفيدرالي في سورية.

==========================

الأسد كـ «مبتدأ» للحل في سورية .. غازي دحمان

الحياة

الاربعاء 14/2/2018

جميع الأفكار التي باتت تطرح لمقاربة الأزمة السورية تنطلق من اعتبار بشار الأسد مبتدأ لسورية وثابت من ثوابتها، بل إن بعضها يذهب إلى حد التراخي عن الثوابت السورية، فذلك ليس له سوى أحد المعنيين، إما أن المعايير الدولية التي تُبنى على أساسها تلك المقاربات صارت مفارقة إلى حد بعيد للعرف السياسي الدولي، وإما أن الإدراك السياسي أصبح قاصراً لدرجة الارتباك في توصيف الحقائق وتقييم الوقائع.

طرحت ورقة الدول الخمس تصوراً، لحل الأزمة السورية، ضمن إطار دستوري، يمكن وصفه بالطرح المتقدم والمتماسك، والأهم من كل ذلك، يملك القابلية للتحقّق، على اعتبار أنه من سلالة الحلول التي جرى تطبيقها في أزمات قريبة من الأزمة السورية، على الأقل وفق تعريف العالم إياها بأنها حرب أهلية، وهو حل تدرجي، أو بعبارة أصح تفكيكي، لاعتماده أسلوب التعاطي مع التعقيدات البسيطة والتي ستنتج بذاتها حلولاً لمستويات التعقيد الأعلى من الأزمة.

غير أن هذا الطرح تراكبت فيه أخطاء استراتيجية وتكتيكية، ومنهجية وتقنية في آن، تضرب المزايا الإيجابية التي انطوى عليها، ولعل أول تلك الأخطاء، اعتبار بشار الأسد معطى نهائياً، بل قدرياً، وبالتالي حصر التغيير في إمكان تخفيف وزن هذا المعطى وتأثيراته المستقبلية على سورية.

على هذه الحال، يصح وضع هذا الطرح في خانة مبادرات التسوية، أكثر من وصفه بالإطار الدستوري، رغم اجتهاده التفصيلي، للفرق الكبير بين التكتيكي والآني الذي يتعاطى مع مبادرة لحل الأزمة، وبالتالي ينصب جل اهتمامه على محاولة الحصول على قبول الأطراف المختلفة والمتعارضة، وفتح ثغرة في جدار الأزمة، وبين الإستراتيجي، الذي يهدف إلى معالجة أسباب الأزمة واجتثاثها من جذورها.

ليست مشكلة سورية في النظام الرئاسي، الذي صرفت الورقة الخماسية جل طاقتها عليه، كما أن النظام الرئاسي ليس، بحد ذاته، مشكلة ينتج عنها توالد الأزمات، وفرنسا، التي خرجت الورقة الخماسية من عاصمتها باريس، يحكمها نظام رئاسي، وإذا كان المقصود من هذه العملية الذهاب إلى محاصصة طائفية فلماذا هذا الغموض والدوران، لماذا لا يجري الذهاب مباشرة من دون المرور عبر هذه المعارج التي لا تضمن في النهاية الوصول إلى نتيجة ناجعة؟ ثم ما المشكلة في تأكيد الحل الانتقالي الذي يمنح السوريين فرصة لتقرير مستقبل نظامهم السياسي؟

الخطأ الثاني يمكن وصفه بالخطأ التقني، ذلك أن الطرح بدأ بسقف منخفض، وهو السقف الذي وضعه الروس، ومحتواه أن بشار الأسد هو السقف والتفاوض يجري على ما دونه، فالملاحظ هنا أن التفاوض يتم على منصب رئيس الجمهورية، وبشار الأسد خارج هذا التفاوض، والمقصود هنا بشار الأسد المسؤول عن كامل تفاصيل الكارثة السورية، بل أنه وفقاً لذلك فإن الطرح يجترح مكانة جديدة للأسد أعلى من منصب الرئيس في سورية، وهو تحويله إلى رمز للأمة السورية وصانع لرئاساتها المستقبلية، وبالتالي محدّد لتوجهاتها، وليس من الصعب هنا اكتشاف درجة العجز الدولي عن التأشير إلى جذر الأزمة وحلها، وبدل ذلك الاضطرار إلى القيام بعملية طويلة ومعقدة تبدأ بتخفيض صلاحيات الأسد، ثم تجريب قدرة الأطر الجديدة على ملء المساحات التي سيتم انتزاعها من الأسد، ثم بعد ذلك يكون الرأي العام، افتراضياً، قد تحرر من سلطة الأجهزة السورية وتصبح لديه الجرأة على استبدال الأسد.ولعل من بديهيات التفاوض أن يطرح كل طرف أعلى سقف ممكن، على اعتبار أن التفاوض مثل سلعة قابلة للمساومة بين البائع والمشتري، وليس هناك تفاوض في التاريخ خلا من المساومة، حتى في حالات التفاوض بين المنتصر والمهزوم في الحروب الكبرى، وبالتالي فإن تراخي الورقة الخماسية في شأن مصير الأسد يضعف حوامل الطرح الأخرى ويجعل مرتكزاته هشة وغير قادرة على إنتاج حل مستدام.

يمكن تفسير تلك الأخطاء الواردة في المقاربة الخماسية، من كون تلك المقاربة تحاول التعبير عن ولادة تحالف جديد في مواجهة التحالف القائم في سورية بين روسيا وإيران وتركيا، ويطرح هذا التحالف تصوراته الأولية، وليست المبدئية، لحل الأزمة السورية.

من جهة ثانية، ليس خافياً أن الطرح لم يستطع التمييز بين التمرد والثورة، لذلك كان حريصاً، عبر التفافه على مصير الأسد، على إعطاء الواقع الميداني وزناً أكبر من قيمته الحقيقية، ليس بسبب انتزاع ذلك الواقع من السياق الكارثي الذي نتج عنه دمار أكثر من نصف سورية وقتل مئات الآلاف وتهجير الملايين، وليس لأن ذلك الواقع تحقق أصلاً عبر قوى خارجية، بل لأن الثورة تنهي شرعية الحاكم، أو على الأقل تضعه على السوية ذاتها مع معارضيه، هذا إذا افترضنا أن شرعيته أصيلة.

لا ينفي ما سبق أن الورقة الخماسية تعتبر طرحاً متقدماً، بالمقارنة مع جميع ما تم طرحه خلال المرحلة الماضية، مشكلتها بالإضافة لما سبق، أنها تلتقي مع الطرح الغالب والذي يضع بشار الأسد مبتدأ لسورية، ما يعني عدم احتمال إخراج خبر سورية من الاحتمالات السيئة أبداً.

==========================

ماذا تمتلك المعارضة السورية لتفرض شروطها؟ .. ماجد كيالي

الحياة

الثلاثاء 13/2/2018

اعتادت بعض الأوساط النافذة في المعارضة السورية إبداء مواقف متصلّبة في قضايا الصراع الدائر بما لا يتناسب مع ضعف امكاناتها ومكانتها، ولا مع هشاشة أوضاعها واضطراب مواقفها، ولا مع ارتهاناتها الدولية والإقليمية، حتى ولو كانت تلك المواقف محقّة ومشروعة وعادلة، وطبعاً ليس القصد هنا تلك المواقف التي تطرح للسجال السياسي أو التفاوضي.

مثلاً، فإن تلك الأوساط كانت شكّكت بمؤتمر «سوتشي»، قبل وبعد انعقاده، لكن بعضاً منها شارك فيه، أو نظّر للمشاركة فيه، كما حصل في معارضتها مسار آستانة التفاوضي ثم قبولها به أو سكوتها عنه، عملياً، رغم أن هذا المسار تهيمن عليه روسيا، وتعد إيران شريكة النظام طرفاً أساسياً فيه، ورغم أن فرض هذا المسار جاء للالتفاف على المسار التفاوضي الأممي في جنيف، ما يعني أن موقف تركيا هو العامل المؤثّر في الحالتين. أيضاً، ومعلوم أن هذه الأوساط كانت ترفض أية عملية تفاوض، إذ أنها رفضت بيان جنيف1 (2012)، في حينه، وترددت في خوض الجولة الثانية من مفاوضات جنيف عام 2014، لاعتبارها أن إسقاط النظام لا يكون إلا بالعمل المسلح، إلا إنها انخرطت في اتفاقيات «خفض التصعيد» (في العام الماضي)، كما في بعض الهدن المحلية (كفريا والفوعة مقابل الزبداني ومضايا مثلاً،)، وكذلك فهي رضيت بسحب جزء كبير من الفصائل العسكرية من حلب (أواخر العام 2016)، ما أدى إلى سقوط مواقعها فيها، لصالح عملية «درع الفرات»، ليس نتيجة لتولد قناعة ذاتية عندها، أو بحكم رؤيتها لأولوياتها أو لواقعها، وإنما استجابة لتأثيرات خارجية. ويأتي في ذات السياق تأييد هذه الأوساط لجبهة النصرة حيناً، وحيناً آخر إظهار العداء لها. وهذه الأوساط غالباً ما تجدها تتحدث عن أن لا حل للصراع الدائر في سورية إلا بسقوط نظام الأسد، إلا أنها قبلت بإقامة حكومة مشتركة مع النظام ومجلس عسكري مشترك (باستثناء الأسد ومن تلطّخت أيديهم بالدماء)، كما ظهر في رؤيتها لحل الصراع السوري في وثيقة «الإطار التنفيذي للحل السياسي» التي قدمتها الهيئة العليا للمفاوضات برئاسة رياض حجاب إلى اجتماع دول «أصدقاء سورية» في لندن (أيلول/سبتمبر 2016).

طبعاً ثمة أمثلة كثيرة تؤكد افتقاد المعارضة لرؤية أو لإجماعات سياسية متماسكة ومتوازنة، الأمر الذي يفاقم منه ضعف كياناتها السياسية والعسكرية، واعتمادها على الخارج، وغياب الروح المؤسسية والديموقراطية فيها، كما يفاقم منه إخراج الشعب من دائرة الصراع، الذي بات محصوراً بالفصائل العسكرية، ومحكوماً بصراعات القوى الدولية.

لا نقصد هنا جلد الذات وإنما لفت الانتباه إلى واقع المعارضة، والتحديات التي تواجهها، أو التي تحدّ من دورها، أدركت ذلك أو لم تدركه، ما ينعكس سلباً باضطراب رؤيتها لكيفية إدارة صراعها مع النظام، وكيفية صوغ علاقاتها مع الأطراف الدولية والإقليمية المنخرطة فيه، كما افتقادها لإجماعات سياسية بشأن المستقبل، أي طبيعة نظام الحكم، والعلاقة بين مكوناتها المجتمعية، وحقوق المواطنة، وكيفية تداول السلطة والفصل بين السلطات.

ويمكن هنا ذكر ثلاثة مسائل تدل على ذلك، أولاها، أن المعارضة، منذ البداية، اشتغلت وفق حتمية واحدة تقول بإمكانية إسقاط النظام دفعة واحدة، حتى أن البعض تحدث مراراً عن «ساعة صفر»، في حين أن هذه المعارضة كانت مشتتة وضعيفة وتفتقد لرؤية سياسية واضحة حتى عندما كانت تبدو قوية، والحديث عن كيانات أساسية تحكمت بمسار الثورة أو تصدرت مشهدها، وليس عن أفراد. وبديهي أن هذه النظرة كانت تصدر عن سذاجة سياسية، تبالغ باحتمالات التدخل الخارجي، ولا تأخذ في اعتبارها حجم التشابك بين النظام وتوجهات أطراف عربية وإقليمية ودولية، كما كانت تصدر عن مبالغة غير عادية بالقوة الذاتية، ناهيك عن اعتقادها بأن الثورات يمكن أن تنجح في خبطة واحدة، أو من المرة الأولى، ولعل هذا الاعتقاد هو الذي أخذ الثورة نحو الحد الأقصى، سواء في أشكال الصراع مع النظام، أو في الرؤية السياسية التي تتعلق بإسقاطه، بدلاً من الحديث عن إسقاط الأسد، مع التقدير أن ثمة تشابك بين الاثنين، لكن الدلالة السياسية للثانية أصوب من الأولى، من دون أن ننسى أن المعارضة وصلت إلى هذا الاستنتاج لكن متأخّرة، في الوثيقة التي قدمتها الهيئة العليا للمفاوضات باسم المعارضة. وفي الغضون، فإنه لمن المؤسف حقاً أن المعارضة، في طرحها هذا، لم تنتبه في الوقت المناسب إلى مخاطر الذهاب نحو الحد الأقصى في الصراع المسلح، لأن ذلك الوضع هو الذي سهل على النظام استخدام ترسانته العسكرية بشكل متوحش، وفتح البلد على مصراعيه للتدخل الإيراني والروسي، كما أن هذا الوضع هو الذي سهل له البطش بما اعتبر «مناطق محررة»، في حين أن أغلبيتها كانت مناطق محاصرة، سيما أن المعارضة العسكرية لم تستطع بسيطرتها عليها أن تقدم نموذجاً لسلطة أفضل من النظام، ناهيك بأن هذا الوضع سهّل وسرّع تشريد ملايين السوريين، وأفقد الثورة بُعدها الشعبي، ما شكل واحدة من أهم نقاط ضعف ثورة السوريين.

ثانياً، تطرح الأوساط ذاتها أن أي حل للصراع السوري ينبغي أن يتأسس على إسقاط النظام، وهذا أمر مشروع وعادل، بيد أن السؤال هنا للمعارضة عن كيفية إسقاط النظام، ومثلاً، فإذا كانت تمتلك القوى، في المدى المنظور لإسقاطه، فماذا تنتظر إذا؟ أما إذا كانت تعوّل على الحتمية التاريخية، فهي حمالة أوجه، وقد تمتد لعقد أو لعقدين، مثلاً. أما غير ذلك، في حقيقة الأمر، فإن المعارضة تبدو هنا كمن يطلب ذلك من القوى الخارجية، الدولية والإقليمية، التي تعوّل عليها، علما أن هكذا طرح ثبت عقمه منذ بداية الثورة، ولا يوجد ما يشير إلى تغير معطياته، أي إنه يبقى طرحاً شعاراتياً، أو إرادوياً. وبديهي أن هذا الطرح يتطابق أو يتلازم مع الطرح الأول المتعلق بإسقاط النظام من الثورة الأولى، أو من التجربة الأولى، بغض النظر عن إمكانيات ذلك، وهو الذي أدى إلى توتير جهد ثورة السوريين إلى أقصاه، واستنزاف قواهم مرة واحدة، وضمنه تحميلهم أكثر من قدرتهم. وفي الواقع، وكما حصل في التجارب التاريخية، فإن الثورات يمكن أن تحقّق مراميها بطريقة تدرّجية، مباشرة حيناً، وغير مباشرة حيناً أخر. وبشكل أكثر تحديداً أن المهم هنا السير على السكّة التي تؤدي إلى إسقاط النظام بأقل أثمان ممكنة، وهذا حصل في الأشهر الأولى للثورة، أو في عامها الأول، بانكسار الخوف في قلوب السوريين، ومع صيحة الحرية الأولى: «الشعب يريد إسقاط النظام»، وهذه اللحظة كان يمكن انتظار الظروف والمعطيات المناسبة للاستثمار بها والبناء عليها، وتطويرها، بالاستغناء عن كل ما حصل في ما بعد، وأودى إلى كل هذه الأهوال والمآسي التي عاشها السوريون. والمعنى أن أي أن ثورة سورية بوتائر صراعية أقل، وبتطورات كفاحية متدرجة، مع بقاء السوريين في أرضهم، وحرمانهم النظام من استخدام أقصى قوته كان أفضل بكثير مما حصل، لأنه بالتجربة أدى إلى كارثة على السوريين، وعلى ثورتهم. ولا أقصد من هذا الكلام أنه كان بالإمكان هندسة أو تخطيط الثورة، بطريقة تنظيرية، ووفقاً لتنميطات معينة، ولكن أقصد التمييز بين التطورات العادية الطبيعية لهذه الثورة، وبين المداخلات والتأثيرات الخارجية التي حكمتها وسيطرت على مساراتها واضرّت بها.

ثالثاً، في الآونة الأخيرة، ومع صدور نوع من «خريطة طريق» دولية، تعبّر عن تحول الولايات المتحدة نحو الانخراط المباشر، السياسي والدبلوماسي والعسكري في الصراع السوري، بالتوافق مع فرنسا وبريطانيا وألمانيا والسعودية والأردن، من منطلق تغيير المعادلة التفاوضية، ومن منطلق صوغ دستور جديد، وإجراء عملية انتخابية بضمانات ومعايير دولية، إذا بهذه المعارضة بالذات تعلن رفضها أو اشتراطاتها على هذه الخطة، وطلبها البقاء عند مفاوضات جنيف، التي سبق أن رفضتها سابقاً، لتوهّمها بقدرتها على إسقاط النظام في غضون أشهر. وفي الواقع يصعب فهم هذا الموقف، فهل هو ناتج عن اقتناع لدى المعارضة بإمكانية إسقاط النظام بقدراتها الخاصة؟ أو إمكانية قبوله في مفاوضات ظل يرفضها طوال ثماني جولات في ستة أعوام؟ أم أن هذه المعارضة ما زالت تشتغل وكأن المجتمع الدولي مطالب بتقديم السلطة لها على طبق من فضة؟ والفكرة هنا أن المعارضة معنيّة بالبناء على هذه الخطة وتطويرها، وإيجاد التقاطعات معها، التي تخدم مصالح الشعب السوري في التغيير السياسي، بدلاً من مجرد الرفض الذي ليس له معنى، وبدلاً من المطالبة باستمرار دوامة المفاوضات العبثية، التي لم ينتج عنها شيئاً. ومعلوم أن «خطة الطريق» تلك تتضمن تغيير النظام، من منطلق صوغ دستور جديد، يتأسس على تقليص صلاحيات الرئيس وتبني النظام البرلماني والفصل بين السلطات وتداول السلطة، واللامركزية وإجراء انتخابات بضمانات ومعايير دولية، واحترام حقوق المواطنة، مع التذكير بأن هذه الخطة أفضل من تلك التي طرحتها المعارضة في وثيقتها المذكورة، والتي تتأسس على المشاركة في حكومة مع النظام، في وضع يبدو فيه النظام أكثر سيطرة على وضعه من المعارضة. وحقاً غير مفهوم سرّ إصرار بعض أوساط المعارضة على تشكيل هيئة الحكم الانتقالية قبل صوغ الدستور، فلا أوضاعها أحسن من أوضاع النظام، ولا قدرتها على السيطرة تؤهلها لاستثمار تلك المرحلة أكثر منه.

==========================

نفثة شامية !! .. يحيى حاج يحيى

أنا لا أصدق أنكم تتألمون !

وبأنكم رغم العيون الذارفات أسىً علينا تأرقون !؟

 فدماؤنا تجري وأنتم صامتون

 ونساؤنا ... أطفالنا قرب التخوم مشردون !؟

والبردُ يلسعُهم ، وأنتم تنظرون !؟

إني أشكُّ بأنكم عربٌ ، وفيكم مسلمون !؟

أنا لاأصدق أنكم تتألمون !؟

قد قالها طفلٌ بريءٌ

حين داهمه المنون

وهوت على الطين الملوث خيمة وكأنها أمٌّ حنون !

والقصفُ جُنّ جنونُه !

لم ينجُ منه الهائمون !؟

لكنكم لا تسمعون !؟

إني أشكُّ كما يشكُّ الآخرون

إني أشك بأنكم عرب !؟ وفيكم مسلمون 

-------

كتبتها منذ أيام ، وترددت في نشرها ، وقلت لعلهم يحتجون على ذبح أهلنا ، أو يقفون موقفاً يعفيهم من المسؤولية أمام الله !؟ ولكن لا حياة لمن تنادي !

منِ المقصود ؟ المقصود هو كل من يحس أنها تعنيه من قريب أو بعيد !؟

 لن نسامحكم ! أقصد الشياطين الخُرس !؟ ولن نغفر لكم !؟ أقصد المتآمرين ، وقد بدأت خفايا تآمرهم تزكم الأنوف !؟

==========================

خيار لا بد منه .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الثلاثاء 13/2/2018

تتراجع الثورة السورية ميدانيا. هذه واقعة صار ضروريا قولها بالفم الملآن، ليس لمجرد الجهر بها، وإنما كذلك لإيجاد ردود فاعلة على ما يترتب عليها من فشل، وما تثيره في نفوس السوريين من يأس ومرارة.

وعلى الرغم من أننا مللنا من لفت أنظار الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية إلى الأخطار قبل وقوعها، ولم نترك مناسبةً إلا وصرخنا فيها محذّرين من التهاون في مواجهتها، فإنه لا يظهر أي ميل إلى التعامل مع تعقيدات الصراع ومستجدّاته، ولا يهتم بما يقال عنها، مهما كان استباقيا وصادقا، مع أن المبادرة إلى مواجهته كانت متاحةً دوما، وإحباطه بنجاح لم يكن يوما أمرا مستحيلا أو متعذّرا.

يتبجّح النظام بانتصاراته الميدانية، كأن من يحققها هو "جيشه العربي السوري" الذي أثبت، بأدلة قاطعة، طوال سبعة أعوام، أنه ليس جيشا أو عربيا أو سوريا، وأن دوره يقتصر على إصدار بياناتٍ يسرق بواسطتها ما يحققه الروس ومرتزقة إيران من مكاسب أرضية هنا أو هناك. وقد سأل، أخيرا، احد أشد رموز الأسدية صفاقة، بشار الجعفري، في حديثٍ عن ضرورة تخطّي جنيف: على ماذا سنفاوض المعارضة، وهل بقي لديها ما تفاوض عليه؟ ومع أن هذا الادعاء كاذب جملة وتفصيلا، لأنه ما زال بحاجة إلى قتال كثير، كي يخمد نار الثورة في مكانها الحقيقي: قلوب السوريين وعقولهم، فإن قوله يؤكد جهله بأن الثورات لم تنتصر بما احتلته من جغرافيا، بل بالإرادة الجمعية التي دفعت الشعوب إلى التصدّي للنظم الظالمة التي تحكمها. وقد انفجرت الثورة السورية، بدورها، حين بلغ العسف والقهر حدا كان لا بد أن

"ثمّة حاجة إلى مراجعةٍ تتم في اللحظة الحاسمة التي تمر الثورة بها، للبحث في احتواء تراجع الثورة العسكري سياسيا" يتمرّد الشعب السوري عليه، بينما عجزت الأسدية عن الاستمرار في إخضاعه بما اعتمدته من سياسات خلال نصف قرن. انفصل معظم السوريين في أثنائه عن النظام، واكتسبت فكرة الثورة حتميةً متزايدةً في نفوسهم. وعندما قاموا بالثورة لم يكونوا قد حرّروا بعد أي شبر من وطنهم. ولو كان الجعفري كائنا عاقلا لكفاه كي يخجل من قول السخافة التي ذكرها أن يلقي نظره على صمود الشعب طوال سبع سنوات ضد عنف محلي وإقليمي ودولي، ليستنتج أن نظامه انتهى، وأن الثورة ما زالت تمتلك فرصا عديدة لتصحيح أوضاعها ومسارها، والوقوف على قدميها، بتبني نهج يعوّضها بالسياسة عمّا تخسره من أرض، ويضع بين يديها خياراتٍ سياسية مطابقة لحاجاتها، ومعبرة في الوقت نفسه عنها، تحتوي بواسطتها خساراتها الأرضية، وتبني موازين وعلاقات قوى توقف خسائرها الميدانية، وتعيدها إلى ما فقدته منها.

تواجه الفصائل اليوم مصاعب ترجع إلى بنيتها الذاتية، وما تتعرّض له من عجزٍ عن وقف تراجعها الميداني في مناطق عديدة. بسبب هذا التراجع الذي يستمر منذ نيفٍ وعام، أي منذ سقوط حلب، تمسي حاجة الثورة إلى بدائل تتخطى المجال العسكري، تنشط ما بين يديها من روافع سياسية تمكّنها من التعويض عن الخسائر العسكرية سياسيا، سواء بتوسيع رقعة العمل الثوري، وجعله شاملا وغير مرتبط بالجهد العسكري وحده، أم بنقل مركز ثقل المعركة ضد النظام من القتال بالسلاح إلى القتال بسياساتٍ من نمط مغاير لما اعتمد منها خلال الأعوام الماضية، هدفها تجديد شباب الثورة من كل جوانبها وطنيا، وصيانتها من السقوط بسبب فشل الفصائل المتمذهبة الذي كان متوقعا منذ وقت طويل، في مواجهة روسيا وإيران ومرتزقتهما.

ربما كان أحد أعظم أخطاء المعارضة تعايشها مع غلبة الجانب العسكري على طابع الثورة السياسي. واليوم، وتحسبا لعدم ربط مصيرها بتراجع العمل العسكري، من الضروري أن توسع الثورة حراكها عبر انتهاج خط سياسي مرن وعقلاني، يتمسك بأهداف ثورة الحرية، استنادا إلى أوسع مشاركة شعبية داخلية في القرار، ويبني ساحة خارجية للثورة بقدرات سوريي المهاجر وعربها، تتصاعد أنشطتها بالقدر المطلوب لإبقاء شعلة الثورة وهّاجة، والإسهام في تعميق النهوض الوطني الملحوظ في الآونة الأخيرة، ردا على مؤتمر سوتشي الذي يجب أن يستفاد منه لتجديد شباب ثورة شعب سورية الوطنية الديمقراطية، وتزويدها بقيادةٍ ثوريةٍ، سيكون

"هل سيقبل السوريون بعد اليوم أيضا تضييع فرص ثمنها دماؤهم وضياع ثورتهم ووطنهم؟" دورها حاسما في بلورة خطط وبرامج واستراتيجيات الصمود، وصد النظام وإيران وروسيا، وصولا إلى الانتصار، باعتماد مبادرات استباقية، تنهي ما تمارسه مؤسسات المعارضة الحالية من ردود أفعال لحاقية، متقطعة وجزئية، عائدها الوحيد العجز الملحوظ والتردّي المتزايد في كل قضية وموقف.

ثمّة حاجة إلى مراجعةٍ تتم في اللحظة الحاسمة التي تمر الثورة بها، للبحث في احتواء تراجع الثورة العسكري سياسيا، وبلورة الخط الثوري/ الشعبي في مضامينه، الضروري لذلك الذي يجب أن يكون متجدّدا، ومبادرا في أساليبه، يتفاعل السوريون معه بالدعم لوقف التراجع. وفي النهاية الفشل الفصائلي، بعد أن صار واضحا أن سياسات مؤسسات المعارضة السياسية والعسكرية وأساليبها لا تكفي لوقفهما.

هل ستنجح المعارضة، الرسمية والمجتمعية، في احتواء تراجع الفصائل العسكرية سياسيا، باستثمار حال النهوض الوطني التي نعيشها لأول مرة منذ خمسة أعوام ، وتذكّرنا ببدايات الثورة وحراكها المجتمعي السلمي الهائل؟ وهل سيقبل السوريون بعد اليوم أيضا تضييع فرص ثمنها دماؤهم وضياع ثورتهم ووطنهم؟.

==========================

ما بعد حرب الفناء في سوريا .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 12/2/2018

تمثل الفترة الأخيرة من الحرب في سوريا مرحلة هي الأكثر دموية والأشد إيلاماً في السنوات السبع الماضية. فمن النادر أن مرّ أحد أيامها السوداء دون سقوط مئات من القتلى والجرحى، جلّهم من المدنيين العزل ومن النساء والأطفال الذين تلاحقهم هجمات حلف نظام الأسد مع الروس والإيرانيين وميليشياتهم، وتهاجم مخيماتهم ومنازلهم ومدارسهم والأسواق، وصولاً إلى المشافي القليلة والحقول والبراري، التي ينتشرون فيها هرباً من هجمات البراميل المتفجرة والصواريخ، وأسلحة الدمار الشامل المحرّمة دولياً من أسلحة كيماوية إلى قنابل النابالم.

ويزيد بشاعة الحرب الجارية في سوريا تفاصيل أخرى بينها، أن الحرب تتواصل على مناطق محاصرة وشبه مغلقة، مثالها الأكثر وضوحاً غوطة دمشق الشرقية المحاصرة بصورة شبه محكمة منذ أكثر من أربع سنوات، منع فيها الدخول والخروج، بما فيه دخول الغذاء والدواء وحليب الأطفال واللوازم والتجهيزات الطبية، وانعدمت فيها خدمات التعليم والصحة، وهي حالة تقارب ما صارت إليه محافظة إدلب وجوارها في أرياف حلب وأرياف حماة، التي إضافة إلى سكانها، تضم مئات آلاف النازحين والمهجرين من مناطق أخرى كثير منهم، تم إيصالهم إلى هناك نتيجة اتفاقيات هدن من محيط دمشق وريفها ومن حمص ومناطق أخرى، كانت حتى الأمس القريب خارج سيطرة نظام الأسد.

وثمة نقطة تضاف في مجريات الحرب. إذ تتواصل لا في سياق استعادة سيطرة النظام وحلفائه على تلك المناطق فقط، وإنما بالتوازي مع هدف آخر ربما هو الأهم، وهو الانتقام من سكان تلك المناطق وتقتيلهم، ورغم هذا يواجهون الهجمات ويصدّون محاولات قوات الأسد وحلفائها لاقتحام الغوطة من جهة، ورداً على عملية إسقاط طائرة روسية، تمت مؤخراً في إدلب – وهو ما أكدته تصريحات صدرت رسمياً عن مسؤولين روس - استتبعت جلب طائرات حديثة للمشاركة في الحرب الجارية.

بشاعة هذه الحرب، لا تتصل فقط بمجرياتها وبنتائجها من قتل وجرح وتدمير وتهجير، إنما أيضاً بطبيعتها من حيث استهداف شبه حصري للمدنيين ومن استخدامها أشد الأسلحة فتكاً، وتحويل المناطق المستهدفة إلى ساحة لاستعراض واختبار أحدث الأسلحة والذخائر الروسية، وسط تشارك القوات الروسية والإيرانية مع قوات النظام والميليشيات الخاضعة لغرف عمليات مشتركة.

ومما لا شك فيه، أن البيئة المحيطة بحرب الفناء، تعطي لها خصوصية، تضاف إلى ما سبق. إذ تتواصل بعد جلب وإخضاع أغلب جماعات المعارضة المسلحة، ودفعهم للانخراط في مسار آستانة المتوافق عليه بين روسيا وإيران وتركيا، والضغط المتواصل على المعارضة السياسية وتهميشها سواء في تحالفها التفاوضي ممثلاً بالهيئة العليا للمفاوضات، التي أنتجها مؤتمر الرياض2، أو القوى المنخرطة فيها، ولا سيما الائتلاف الوطني السوري بعد أن رفضت جميعاً حضور مؤتمر سوتشي، وخطته في تدويل المساعي الروسية لحل يتوافق مع مصلحة تحالف نظام الأسد وإيران وروسيا، وتثبيته في مسار جنيف ليغدو الإطار الدولي للحل في سوريا.

وسط تلك المعطيات، يطرح سؤال عما يمكن أن تتركه حرب الفناء في سوريا على السوريين من نتائج راهنة ومستقبلية؟

إن الأبرز في النتائج، هو إشاعة اليأس والإحباط لدى غالبية السوريين، إن لم نقل كلهم؛ لأن الموجودين في مناطق سيطرة النظام، ليسوا بأفضل حالاً من أقرانهم في المناطق الخارجة عن سيطرته، واليأس ليس فقط بسبب القتل والإعاقات والتهجير والتدمير، إنما بسبب انعدام شروط الحد الأدنى للحياة الإنسانية والحرمان من خدمات التعليم والصحة، وإشاعة الاقتتال بين مكونات الجماعة الوطنية القومية والدينية والطائفية والمناطقية، واستخدامها أدوات في صراعات الدول المتدخلة في القضية السورية، والإهمال الشائع من المجتمع الدولي والقوى الفاعلة فيه لمعاناة السوريين الكارثية، وبخاصة لجهة قتلهم الرخيص والواسع بالأسلحة المحرمة دولياً، والإبقاء على قضيتهم دون حل، ودون أفق لحل منتظر.

ومن البديهي، أن يسبب ما سبق نمواً وتوسعاً في اتجاهات التشدد والتطرف في أوساط لا تعاني فقط، وإنما هي محرومة من فرص التعليم والعمل، التي ستخلق جيلاً من الهامشيين ومحدودي الفهم والقدرة على معالجة المشكلات القائمة بطرق عقلانية وموضوعية وعملية؛ مما يجعل أكثرية السوريين بيئة قابلة لسيطرة المتطرفين والإرهابيين الذين سيمدون نشاطهم نحو بلدان الجوار والأبعد منها، ولدينا اليوم أمثلة ملموسة سواء في نموذج «داعش» الذي جاء من العراق و«النصرة» الموصوفة بفرع القاعدة، وحزب الاتحاد الديمقراطي السوري الموصوف بفرع حزب العمال الكردستاني في تركيا (بي كي كي).

وسيكون الأمر أسوأ مع التهميش والتدمير القائم للمعارضة السياسية والمسلحة الحالية (رغم مساوئ الاثنتين ومشاكلهما الراهنة)، وهو سلوك مقترن على نحو عام مع تهميش النخبة السورية في سوريا وخارجها؛ الأمر الذي يعني ترك السوريين في أيدي الغوغائيين والجهلة وعديمي الإمكانات والقدرات، ولعل أكثرية الوفد الذي أرسله النظام وحلفاؤه الروس والإيرانيون لحضور مؤتمر سوتشي مؤشر على النموذج الممكن من القيادات السورية المقبلة، التي تخلقها حرب الفناء والقائمون بها. إنها باختصار حرب تتجاوز في نتائجها وآثارها كل ما يظهر للعين من حيثيات وتفاصيل.

==========================

لا لقصف الآمنين .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 10/2/2018

لست ممّن يعرّفون البشر بأديانهم، بل من الذين يعرّفونهم بأوطانهم. لذلك، يحزنني استشهاد أي سوري بقذيفة تدمر بيته، تطلقها طائرة نظامٍ مجرمٍ تستهدف الآمنين في أي مكان من سواحل سورية وجبالها، سهولها وبيدها، أو بقذيفة هاون يطلقها مقاوم دفاعا عنهم. وعلى الرغم من اختلاف الموتين، بين الأول المتعمد والثاني الذي ليس غالبا كذلك، فإن الموت يبقى موتا، والقتلى يظلون سوريين، ثاروا لاستعادة حريتهم وحقوقهم، وصيانة حياتهم، والخروج من جحيم الاستبداد. لذلك يعتبر رحيلهم عنا خسارة وطنية فادحة، في نظر ثورةٍ هم وأمنهم رهانها الأكبر.

يتكامل موت الآمنين في الغوطة ودمشق: موت من تقتله الطائرات مع موت من تقتله قذائف تضل سبيلها، أو تستهدف أحياء المدينة لاعتقاد مطلقيها أنهم ينتقمون بذلك من نظامٍ مجرم، يقتل من يدّعي رئيسه مسؤوليته عنهم، وولاءهم له، ويزعم كذبا أنه يحميهم من الإرهاب، لكنه يحصدهم بالمئات يوميا بجميع أنواع الفتك والتدمير، لأهدافٍ أهمها التخلص منهم، ودفع المقاومين إلى الرد عليه بقصف سكان المناطق الخاضعين لسيطرته، لأن ذلك يبعدهم عن الثورة، ويساعده على تسويغ جرائمه دوليا، بالزعم أنه لا يهاجم غير "إرهابيي" الغوطة الذين يقصفون منازل الآمنين في دمشق.

وسع النظام، في الأسابيع الأخيرة، دائرة إجرامه، حتى طاولت أهالي قرى الغوطة وبلداتها ومدنها بلا استثناء. حدث هذا بسبب عجزه عن فك الحصار عن "إدارة المركبات"، على الرغم مما استجلبه إلى حرستا وعربين ودوما من وحدات عسكرية ومرتزقة، دفعه فشلها المتكرّر إلى استهداف المدنيين، ثأرا من صمودهم ولحفظ ماء وجهه، والتغطية على تهافت جيشه إلى الحد الذي انكشف معه الحضيض الذي بلغه كعصابات تعفيش وتشبيح، عجزت عن صد هجوم شنّه، قبل نيف وشهرين، بضع مئات من بواسل الجيش الحر، اقتحموا في ساعات قليلة حصنا حصينا أقامه الأسد في الغوطة، بيد أنه تهاوى مثل بيت من ورق، وانهارت مقاومته بعد ساعات قليلة من الهجوم عليه، وفشلت حشود كثيفة الإعداد والعدد عن إخراج المحاصرين فيه، بعد أسابيع من قتال تلاحميٍّ، لم يبق لديها سلاح إلا ورمت به إلى المعركة، وطائرة روسية إلا وشاركتها القتال. وحين فشلت جميع محاولاتها، شرعت تهاجم مواطني الغوطة، وتدك بيوتهم على رؤوسهم، في جريمةٍ لا يرتكب ما يماثلها أي جيش غير جيشها الذي دأب سبعة أعوام على قتل الشعب السوري، من دون أن يرفّ لضباطه جفن.

يقصف الأسد الآمنين، انتقاما لهزيمته، فلماذا يقصف المقاومون أحياء دمشق، علما أن انتصارهم هو لشعب سورية بأكمله؟ هل يخدم قصف دمشق هذا الانتصار، أو يرضي مواطني الغوطة الذين يدركون أنهم يقتلون بيد عدو، وأن غير المقبول أن يقتل إخوتهم في عاصمتهم، بيد أخ خرج بالثورة، ليحميهم من الموت المجاني أربعين عاما بيد الأسدية وأجهزة دولتها العميقة الطائفية!

لا لقتل أي سوري آمن بيد المقاومة الوطنية، أو لقصف مدرسته وبيته وحانوته. ولا لمحو الفارق بين ثورة الحرية ونظام الإجرام والقتل، وللتخلي عن قيمها الذي فيه هزيمتها وهلاكها! ولا لعبثيةٍ مقاومةٍ تجعلها دوافع ثأرية تقصف أبرياء هم جزء من شعبٍ، لطالما ضحّى رجالها بحياتهم من أجل حياة أبنائه إناثا وذكورا. ولا لهدر حياة بريء وأمنه، مهما كان موقفه من الثورة.

معركة حرستا انتصار يدعو إلى الزهو، وقصف دمشق هزيمة مخجلة. ... أيها الثوار، أوقفوا قصف دمشق، فهي معكم وأنتم لها.

========================

عقدة الحل في سوريا .. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 10/2/2018

يدرك السوريون أن ثورتهم من أجل الحرية والكرامة أصبحت حدثاً هامشياً، فقد تطور الصراع من تظاهرات عفوية ضد سطوة أجهزة أمن النظام إلى تصفيات دولية بين القوى الكبرى في العالم. وتحول السوريون في المشهد الدولي الراهن إلى ضحايا، دورهم في المسرحية التراجيدية أن يموتوا، بينما يتنافس الكبار على لعب دور البطولة في قيادة العالم. ولا أحد يصدق أن روسيا دخلت إلى سوريا بكامل قواها العسكرية من أجل الدفاع عن الأسد أو نظامه، فهي في الحقيقة تصارع الغرب كله، وتتقن شروط اللعبة، بأن يكون الضحايا من الكومبارس السوري الذي يشكل الأغلبية السكانية على الضفتين. وأما إيران فهي تنفرد وحدها بمشروع توسعي بين الدول المتصارعة وتقضم الأمة العربية ضمن خطة منهجية محكمة، فبعد أن استولت على العراق ولبنان، وجدت في انهيار الأمة فرصة سانحة لقضم سوريا واليمن معاً، وهي تتابع مشروعها غير عابئة بالتهديدات الأميركية التي لم تتوقف.

أما الولايات المتحدة التي تبدو مترددة في رسم توجهاتها، فهي الغائبة الحاضرة في القضية السورية، وقد بدا غيابها نوعاً من التخلي عن مبادئ كبرى مثل حقوق الإنسان التي بات الإنسان السوري يطلب أقل من أدناها، فقد علق بعض السوريين إثر تركيزها الإعلامي على التهديد بخطورة تكرار استخدام الأسلحة الكيماوية، بقول ساخر «ليس بالكيماوي وحده يموت السوريون» وكانت الاتفاقية التي وقعت في فيتنام بين الرئيسين ترامب وبوتين اهتمت بالتنسيق بين طائرات البلدين في سماء سوريا، واختصرت حل القضية السورية في الدستور والانتخابات، وهذا ما فعله الروس في سوتشي، وما ركزت عليه ورقة اللاورقة التي قدمتها الدول الخمس في باريس، وكلا الحلين المقترحين (شوتشي واللاورقة) يتجاهلان العقدة الرئيسة للحل النهائي في سوريا وهي موضوع بقاء الأسد أو رحيله.

ويدرك أكثرية السوريين أن قادة العالم يعرفون جيداً أن بقاء الأسد يعني بقاء الصراع واستمراره لعقود طويلة، فليس بوسع الأسد أن يستعيد سلطته إن لم يستخدم مزيداً من العنف والقمع، وهذا لا يوفر أمناً واستقراراً مهما بلغ حد العنف. كما أن الشعب الذي أسقط جدار الخوف وضحى بمليون شهيد، وتعرض لهجرة غير مسبوقة في تاريخه، لن يرضخ لحكم طائفي لا يستطع الأسد التخلي عنه، فهو العضد الذي يشد أزر النظام منذ خمسين سنة، وليس بوسع النظام أن يغير شيئاً من سلوكه، وبنيته عصية على التغيير. وهذا سر تمسك الأسد بمنظومة حكمه، فهو يخشى أي تغيير في قوائم طاولة الحكم خشية أن يزحزح ثباتها الوهمي. كما يخشى أيضاً من أي تنازل يمكن أن يؤدي إلى رفع سقف المطالب الشعبية أو إلى مزيد من التنازلات، وهذا سر كونه لم يقدم أية مبادرة للحل منذ سبع سنوات، وهو مصر على الحسم العسكري بيد الإيراني والروسي، حتى لو فقد سيادته وبقي تحت سطوة الأجنبي، فهو يخشى أن تخرج بنية نظامه (العصبية) من التاريخ فلا تعود إليه قروناً. ولن يغامر السوريون مرة أخرى بمنح الولاء والتفويض لأية طائفة تتفرد بالحكم في سوريا، وهذا سر إصرارنا على الوصول إلى حكم غير طائفي، يتشارك فيه السوريون جميعاً في إطار ديموقراطي، وينتهي فيه التمايز الإثني، فقد أثبتت السنوات الخمسون الماضية أن تحكُّمَ طائفة واحدة في السلطة المطلقة وتفردها بها، مفسدة مطلقة، وقد أوصلت البلاد إلى الدمار الشامل، ولم يسعفها وجود ممثلين عن السُّنة، أو الأقليات الأخرى، في واجهات الحكم، لأن طبيعة النظام كانت عضداً يقوم على (العصبية ) كما وصفها ابن خلدون.

ومع انهيار مؤتمر سوتشي الذي استغل النظام فيه جهل روسيا بالأبعاد والرموز الاجتماعية السورية، فأرسل إليه وفداً كرنفالياً تعبيراً عن عدم اهتمامه بالمؤتمر، جعل الروس يخسرون فرصة تبييض الوجه الدامي بعد أن أعلن بوتين انتصاره في حميميم! لقد قادهم النظام بعد سوتشي إلى مزيد من التدمير في الغوطة وإدلب، وأسقط عنهم قناع رعاية السلام، فلم يعد بوسع روسيا أن تلعب دور راعي المفاوضات في آستانة أو في جنيف بعد أن غرقت سوريا في الدماء تحت شعار السلام والمصالحة في سوتشي.

ويبدو أن الجولة العاشرة القادمة من المفاوضات ستواجه ذات الطريق المسدود، إن هي لم تقتحم عُقد الحل، فأي حديث عن دستور وانتخابات برعاية الأسد مضيعة للوقت وهدر لمزيد من الدماء.

========================

استقطاب دولي وانفراد أميركي في سوريا .. رضوان السيد

الشرق الاوسط

السبت 10/2/2018

تكثفت الهجمات الروسية - الأسدية على الغوطة الشرقية وعلى إدلب. ويعمل الإيرانيون عن كثب مع الطرفين على الأرض في المنطقتين. ولا يزال الأتراك غارقين في حرب عفرين، كما لا يزالون مصرّين على التقدم نحو منبج بعد عفرين. بل ويتحدثون أيضاً عن الذهاب بعد منبج إلى الحدود السورية - العراقية؛ وخلال ذلك يستمرون في الحملة على الولايات المتحدة وسياساتها في الملف السوري، أو بالأحرى في دعم أكراد سوريا. ويُلمّح الأتراك إلى أن الأميركيين لا يملكون قواتٍ في منبج، ولذلك فلا مانع من دخولها. ويبدو أن ذلك صحيح، ولذلك فإن الأميركيين ومع بدء الانسحاب من العراق، سيرسلون معظم القوات المنسحبة إلى أفغانستان، لكنهم لن ينسوا إرسال بضع مئات إلى منبج لحرمان الأتراك من التقدم باتجاهها أو يشتبكون معهم إن أصرّوا.

في الأصل؛ وبحسب «آستانة» ومقرراتها؛ فإن مناطق خفض التصعيد الأربع تشمل إدلب كما تشمل الغوطة الشرقية. إنما منذ أكثر من شهرين؛ فإنّ النظام والروس، ومن ورائهما إيران، مصرّون على الاستيلاء على الغوطة الشرقية، كما أنهم مصرّون على الدخول إلى إدلب. وفي منطقة الغوطة، التي قالت الأمم المتحدة؛ إنه، وبخلاف الاتفاقيات؛ منذ ثلاثة أشهر ما أمكن إدخال المساعدات الإنسانية، ولا توقّف القصف العنيف عليها. ويتحجّج النظام بأنّ حملته على الغوطة سببها القصف الذي يصل منها إلى دمشق وجوارها القريب، بينما يقول الثوار إنهم لا يقصفون دمشق إلا بعد الغارات النظامية والروسية على الغوطة ومدنها وقراها. وهم يتابعون أن النظام عاد لاستخدام غاز الكلور في الغوطة للإضرار بالمدنيين بالذات. أمّا في إدلب وجوارها (قرى من حماة ومن غرب حلب) فإنّ الروس والنظام والإيرانيين يذهبون إلى أنهم إنما يقاتلون الإرهاب (جبهة النصرة)، ويضاف إلى ذلك الآن إسقاطهم طائرة السوخوي الروسية. ويتابعون أنه كان من ضمن اتفاقية آستانة بخصوص إدلب، أن تتولى تركيا عمليات الانتشار بالمنطقة، واستيعاب «جبهة النصرة» وحلفائها، وهي لم تقم بذلك. والأتراك يقولون إنهم انتشروا عبر ثلاثة مراكز، وسيتابعون الانتشار؛ دونما تحديد زمن لذلك!

هناك تحالُفٌ عملي الآن بين روسيا وإيران وتركيا في سوريا. ويبدو أنه في مقابل هذا التحالف، ومن ضمنه التقدم في الغوطة وإدلب؛ فإن تركيا مسموحٌ لها بالتقدم إلى عفرين، خصوصاً أن ذلك يزعج الولايات المتحدة. وهو انزعاجٌ قد يصل إلى حدود الاشتباك إذا تقدمت تركيا إلى منبج.

لماذا بدت السياسة الأميركية في سوريا مختلفة، في الشهور الأخيرة؟

العامل الأول في التغيير النسبي يعود إلى زيادة التنافُر مع موسكو. فقد اعتبر الروس أنّ سوريا صارت لهم في مقابل التنسيق مع أميركا وإسرائيل في جنوب سوريا، من الحدود الأردنية وإلى الجولان، خصوصاً أنه في مقابل ذلك الانسحاب الأميركي من سوريا، ومنذ أيام أوباما، كان ينبغي أن يتقدم الحلُّ السياسي في جنيف، وهو ما لم يحصُل. ولذلك، فإن أميركا وقفت مع المعارضة السورية في موقفها من مؤتمر سوتشي. فالولايات المتحدة أياً تكن انسحابيتها من الملف السوري، لا تستطيع الاستمرار في ذلك، ما دامت لا تستطيع تحمل الإخلال بالتوازن الاستراتيجي، ولو في ساحة جانبية مثل سوريا.

العامل الثاني: الموقف من الأكراد؛ فقد حصل إخلال بهيبة الولايات المتحدة عندما تخلّت عن بارزاني في العراق، وقد أفاد من ذلك الإيرانيون والأتراك، خصوصاً أن واشنطن بذلت جهوداً في العراق، أكبر بكثيرٍ من جهودها في سوريا. ولذلك، فقد أرادت واشنطن إظهار صلابة وصمود مع أكراد سوريا، لكي لا تزداد سمعتُها سوءاً. ثم إن أكراد سوريا حققوا تحت لواء الولايات المتحدة إنجازاتٍ كبرى، وذروتها استعادة الرقة من «داعش». وفي وسع واشنطن، وقد صارت منطقة شمال وشرق سوريا بنفطها ومياهها رهينة لديها، أن تستخدم ذلك في مساوماتها مع موسكو.

والعامل الثالث: إقبال الولايات المتحدة في عهد ترمب على محاصرة النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان... في لبنان لجهات التمويل والإدارة. وفي سوريا لجهة الإبقاء على المعارضة في وجه بشار الأسد والإيرانيين، بحيث تكون الانسحابات متبادلة إذا تقدمت ورقة الحلّ السياسي.

العامل الرابع: استحداث توازُن من نوعٍ ما على الساحة السورية من طريق دعم المعارضة السياسية والأُخرى المسلحة، وطمأنة الأكراد، وطمأنة إسرائيل. وهذا الأمر يطمئن «الحلفاء» المفترضين، بدلاً من أن يضيع هؤلاء مثلما أضاعت أميركا تركيا، ومثلما ستضطر إسرائيل إلى الاعتماد على بوتين، ويضطر الأكراد السوريون للتعاون مع الروس والنظام قبل أن يؤونَ الأوان.

ولذلك كلّه، وكما سبق القول، تبدو الولايات المتحدة مصممة على أن يكون لها دورٌ في الحل السوري أو تستمر الحرب، بدلاً من حدوث خسارة كاملة في العوامل والنقاط التي ذكرناها. ثم إن قواتها في سوريا (أكثر من ألفين) ستزيد ولن تنقص. وهناك نوعٌ من التحدي لروسيا ولتركيا في تسليح الأكراد وتسليح المعارضة (إسقاط الطائرة الروسية، وتدمير الدبابات التركية)، والإصرار على «جنيف» والتقليل من شأن «سوتشي». وزيادة الحملة على الروس وعلى النظام في القصف العنيف على إدلب وعلى الغوطة، وفي الاتهام بالكيماوي، وفي التشهير بتركيا، وفي تهديد إيران بسوء العواقب.

لماذا قلنا في العنوان إن هناك انفراداً أميركياً؟ لأن روسيا لديها تحالف مع إيران وتركيا في سوريا؛ بينما تُطل أميركا برأسها وحدها، لأن الأوروبيين لا يدينون الحملة التركية على عفرين بقوة، ولا يشهّرون بالقصف العنيف على إدلب والغوطة باستثناء فرنسا. وإنما يكتفون بالتركيز على الملف الإنساني والملف الكيماوي. إنما من جهة أخرى؛ فإن روسيا تبدو في موقع الدفاع في مجلس الأمن منذ أكثر من عامين. فحلفاء الولايات المتحدة هم الذين يتقدمون بمشروعات القرارات، وروسيا هي التي تستعمل «الفيتو». وما انخذلت الولايات المتحدة في مجلس الأمن أخيراً إلا في ملف القدس. وسيزداد انخذالُها بعد أن تتبين معالم «صفقة القرن» التي يُعِدُّ لها ترمب، وقد لا يملك الفلسطينيون إلا رفْضها رغم نصيحة الأوروبيين لهم بالتريث!

إن هناك اليوم شعبين عربيين يعانيان أشد المعاناة: الشعب الفلسطيني، الذي تقف الولايات المتحدة في مواجهته مع الصهاينة، والشعب السوري، الذي يقف في مواجهته الإيرانيون وميليشياتهم بالقتل والتهجير والاستيلاء والدعم الروسي. هل يشكّل ذلك تعادُلاً؟ بالطبع لا. وذلك لأن الطرفين الكبيرين في الصراعين الهائلين، إنما يخرجان على القرارات الدولية، وعلى الحسّ الإنساني السليم، وكلٌّ لمصلحة استراتيجية، لا علاقة للشعبين ولمصالحهما بها. وبذلك؛ فروسيا ليست مع الفلسطينيين، وأميركا ليست مع السوريين... «واللهُ غالبٌ على أمْرِه ولكنّ أكثرَ الناسِ لا يَعلَمون».

========================

رهانات المعارضة السورية بين «بيان سوتشي» و «اللاورقة» .. سميرة المسالمة

الحياة

السبت 10/2/2018

يبدّد القصف الروسي الهمجي على إدلب وريفها ومناطق سورية أخرى، أي مراهنات على دور روسيا، كشريك وكضامن في العملية التفاوضية السياسية، الذي بدا أن وفد «الهيئة العليا للتفاوض» يراهن عليه، إبان زيارته إلى موسكو قبيل انعقاد الاجتماع الخاص في فيينا برعاية الأمم المتحدة في 22 و23 من الشهر الماضي، ولاحقاً خلال تعامله الإيجابي مع مخرجات مؤتمر «سوتشي»، الذي رعته موسكو أخيراً، وقادت إليه مئات من السوريين تحت عنوان الحوار الوطني السوري- السوري، بمشاركة بعض قوى المعارضة، ومنها منصّة موسكو أحدى تكوينات تلك الهيئة، على رغم اتخاذ قرار رسمي داخل هذا الإطار بعدم المشاركة.

هذا الواقع يضعنا أمام ملاحظات مهمة وتساؤلات جادة، قبيل انعقاد اجتماع الهيئة في العاشر من هذا الشهر، لمراجعة الأداء ودراسة المعطيات الجديدة للواقع السياسي الدولي، في ظل التصعيد العسكري من جهة النظام وروسيا في إدلب وريف دمشق، والمعركة التي تقودها تركيا بمشاركة فصائل سورية محسوبة على المعارضة في عفرين. ومثلاً، فهل تم التعامل مع معطى توحيد وفد المعارضة بمنظور شكلي، أي لا يرقى إلى مستوى العمل المشترك بين أطياف هذا الوفد، مما يجعل الافتراق عند القضايا المفصلية أمراً محتملاً ومسموحاً به، وفق بيان الهيئة الذي أجاز التعامل مع الدعوات إلى حضور «سوتشي» يتم بطريقة فردية غير مؤسساتية؟ وهل كان من المجدي مقاطعة المؤتمر، بينما هناك تنسيق- تحت الطاولة- في عملية إعداده وتحضير منتجاته، كما تم التنويه عن ذلك من جانب أعضاء في الوفد التفاوضي؟

أيضاً، هل ينقذ «سوتشي» المحاولة الواهية للتعامل مع النقاط 12 التي طرحها المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا، وكان تجاهلها، أو اعترض على الرد عليها، وفد النظام، في حين أن المعارضة تعاملت معها بكل جدية، وأخذت عليها بعض الملاحظات التي لا ترقى إلى حيّز الاعتراض على أي من نقاطها؟ فإذا كان ورود هذه النقاط التي يسوّقها دي ميستورا كمشتركات، يمكن العمل عليها في صناعة مستقبل سورية، فإن ما تم التعاطي معه في «سوتشي» لا يرقى إلى ذلك، حيث تجاهل البيان الختامي الصادر عن ذلك المؤتمر فكرة تداول السلطة، والتعاطي مع الصراع الحاصل على أنه صراع بين من هم- دون النظام- من حيث البنية، مع جملة من النصوص الدستورية والقانونية، كأن الخلاف ليس بين الشعب السوري، الذي قدم مئات آلاف الضحايا، وبين النظام الحاكم، ما يعني أنه خلاف على أولوية الإصلاحات، وليس على شرعية بقاء النظام الحاكم، مما يمنح كامل رموز النظام صك براءة من المشاركين في المؤتمر، ومنهم شركاء في وفد المعارضة!

إن القبول بما نتج من «سوتشي»، ولو كاحتمال ضعيف، كأساس للحوار بين المعارضة والنظام، يتضمن القبول لاحقاً بخطف كل بند تفاوضي من طاولة المباحثات في جنيف إلى حيث يريد أحد الضامنين للصراع المسلح في سورية، ومنهم تركيا وإيران وروسيا، وهو ما تم سابقاً في «آستانة»، وأصبح مرجعية في التفاوض، على رغم انتهاك ما تم الاتفاق عليه في مناطق خفض التصعيد التي باركتها الأمم المتحدة، وتتعامل اليوم مع انتهاكاتها بصمت مريب، يرقى إلى درجة الشراكة بقبول المذابح التي يتعرض لها الشعب السوري، في أكثر من مكان، وعلى يد الضامنين لخفض التصعيد المأمول، من مسار آستانة الدخيل أصلاً على مسار المفاوضات الأممية في جنيف.

في الغضون، وفي ظل المقتلة التي تتعرض لها سورية، في مناطق إدلب وحماه وحلب، تتبادل الدول الضامنة لخفض التصعيد مباركاتها بعضها بالصمت على ما ترتكبه كل قوة منها في سورية، وسط حراك ديبلوماسي لفرنسا والولايات المتحدة، ومعهما بريطانيا والسعودية والأردن، حيث تبنّت من خلاله هذه الدول ما سمي «اللاورقة»، التي تعاطت مع الحل السوري وفق معطى جديد لا يستثني أي مكون، وهو أخذ في الاعتبار أن العودة إلى سورية الدولة الرئاسية شديدة المركزية التي كانت ما قبل 2011، أمر شبه مستحيل من حيث البنية الدولتية والبنية السلطوية، وعلى رغم ما يمكن اعتباره أنه تجاوز على التعاطي البنيوي لبيان جنيف1 والقرار 2254، من حيث ترتيب الأبجديات المنوطة بالعملية السياسية التفاوضية، وباعتبار أن تلك «اللاورقة» قابلة للتطوير، بما يسمح بضم مزيد من الشركاء لتبنيها، كألمانيا وتركيا وحتى روسيا، على رغم المحاولة الثلاثية من موسكو وأنقرة وطهران بتعطيلها، وتغييبها من خلال تضمين بيان مؤتمر سوتشي بعض ما اعتبرته روسيا تنازلات، تتوافق إلى حد ما، ومطالب الأمم المتحدة في صياغة الحل السوري، من دون أن تتعامل مع الهدف الأساسي لهذه النقاط الـ12 التي تعني إنهاء نظام الحكم القائم واستبداله بنظام ديموقراطي تعددي، يقوم على الفصل بين السلطات واحترام حقوق المواطنة وتداول السلطة.

على ما تقدم، فإن الهيئة خلال اجتماعها القريب عليها أن تناقش الأمور صراحة، بما يتضمن مناقشة مواقف الدول الضامنة لآستانة، وانشغالات قوات هذه الدول (روسيا وتركيا وإيران) في حروب متعددة داخل الأراضي السورية، حيث تنقسم الهيئة في تأييد هذه الحروب، تبعاً لمجاراتها تركيا أو روسيا أو حتى لاعتبار بعض المعارضة أن الوجود الإيراني في سورية لديه مقومات الشرعية في وجوده، نظراً الى موافقة النظام على ذلك، ما يعني أن المعارضة داخل الوفد وخارجه منقسمة في أهم القضايا السورية، التي تتعلق بأمان السوريين وحياتهم، والحروب التي تشنّ عليهم من أطراف داعمة إياهم من جهة، وفي توافق مع النظام في حربه على السوريين من جهة أخرى.

من المفيد التذكير بأن رفض ما نتج من سوتشي لا يعني عدم التعامل مع النقاط الـ12، بكل ما يبنى عليها، من وحدة سورية أرضاً وشعباً، واحترام سيادتها، وحق تقرير الشعب مستقبله، والمحافظة على مؤسسات الدولة وإقامة جيش وطني، واحترام حقوق الإنسان وتنوع المجتمع السوري ومكافحة الفقر ومحاربة الإرهاب، إذ إن كل ذلك لم تبتعد منه «اللاورقة» ولكن بصياغة بعيدة من الإنشاء، وعبر صوغ وسيلة تفاوضية مستمرة ومباشرة، تضع حداً للتلاعب بمسارات وجولات العملية التفاوضية، على ما حصل في تجربة الجولات الثماني السابقة. ولعل هذه هي الفرصة المناسبة لجمع الأطراف المعنية بالصراع السوري حول رؤية تؤسس لسورية جديدة، بعيدة من قبضة إيران وقادرة على التخفف سريعاً من وجود الاحتلالات العديدة على الأرض السورية، وإنهاء المأساة السورية، ووقف نزف الدم الذي يشارك في إراقته الأعداء والأصدقاء.

كاتبة سورية

============================

إلى من تبقى من ضباط وأفراد في الجيش السوري !! .. يحيى حاج يحيى

إن مهمة القوات المسلحة في كل دول العالم هي فقط الدفاع عن الدولة ضد أي عدوان خارجي !

وليس الدفاع عن الحكومة ضد الشعب الذي يقتطع من قوته ليعزز ويعيل ويسلح ويجهز هذا الجيش !؟

( مفكر واقتصاري مصري معاصر )

*** فأين أنتم يامن تذبحون أهلكم ، وتدمرون بلدكم ، وتُهجرون  شعبكم ، وترضون باستقدام المرتزقة يسوقونكم إلى آجالكم غير مأسوف عليكم !؟

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com