العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 17-05-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

صمود بطعم السرطان: النظام السوري نموذجاً .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 9-5-2015

لم تتغير العقلية السورية البعثية القومجية المقاومجية الممانعجية الحاكمة قيد أنملة رغم كل هزائمها وكوراثها منذ منتصف القرن الماضي. ليس هناك مكان لكلمة «هزيمة» في قاموس النظام السوري وأمثاله، حتى لو خرج من المعركة بعين واحدة، ويد واحدة، ورجل واحدة، ووجه مشوه تماماً بلا ملامح وأضلاع مكسرة لا يمكن تجبيرها. المهم بالنسبة له أنه صمد. لا يهم أن يخسر ثلاثة أرباع جيشه، ويدمر ثلاثة أرباع البلد، ويقوم بتهجير نصف الشعب أو اكثر. لا يهم إن خسر ساحات شاسعة من الأرض للأعداء. المهم أن النظام ما زال يتنفس. هذا هو المهم.

بعد خسارة الجولان في حرب سبعة وستين مع إسرائيل، خرج أحد رموز النظام، بلا أدنى خجل، ليقول للسوريين: «ليس المهم أننا خسرنا المعركة، أو أن إسرائيل احتلت المزيد من أرضنا، المهم أن النظام لم يسقط. والباقي تفاصيل». هذه العقلية الكوميدية لم تفارق النظام البعثي القومجي صاحب شعارات «الصمود والتصدي» «والتوازن الاستراتيجي» حتى هذه اللحظة.

لا شك أنه من حق القوى المتصارعة أن تمارس المقاومة الإعلامية في وجه خصومها، وأن لا تبدو مهزومة، حتى وإن كانت خاسرة، فهذا من أصول الحرب النفسية في المعارك والحروب. لكن هناك حدودا لهذه الاستراتيجية الإعلامية، وإلا انقلبت إلى مهزلة، كما هو الحال مع النظام السوري وحلفائه، الذين تحولوا إلى نماذج تاريخية للسخرية والتهكم.

لو نظرتم إلى الخطاب الإعلامي «الانتصاري» للنظام السوري وكل من يقف في صفه، لوجدته أنه، بالرغم من كل ما حصل في البلاد من كوارث وصفتها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ في العالم، إلا أنه يتظاهر بأن لا شيء يهمه، ولا يعنيه. والأنكى من ذلك أن أبواقه مازالت تتصرف وكأنه المنتصر، وأن كل من وقف في وجهه في عداد المهزومين. لا يسعك إلا أن تضحك كثيراً عندما ترى أبواق النظام وهي تشمت بسقوط الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي في الانتخابات الفرنسية الأخيرة بفعل «صمود المقاومة والممانعة».

ههههه. ولا يسعك أيضاً إلا أن تقلب على ظهرك من الضحك عندما تسمع أراجوزات بشار الأسد وهم يقولون إن كل الذين وقفوا في وجه قائدنا من سياسيين وحكام ومسؤولين عرب وأجانب طاروا من مناصبهم، بينما مازال أسدنا صامداً.

أي عبث وكوميديا هذه؟ ليس لدى هؤلاء أي شعور أو حس بالمسؤولية، فهم كرئيسهم، يتعاملون مع سوريا كما لو كانت مجرد مزرعة من الحيوانات يتصرفون بها كما يشاؤون دون أدنى حس أخلاقي. لا قيمة للضحايا في قاموسهم أبداً، فملايين المشردين والجماجم التي خلفوها ليست أكثر من رافعات بالنسبة لهم يقفون فوقها ليعلنوا «صمودهم».

لم يشهد التاريخ طاغية يتباهى بصموده على محنة حوالي خمسة عشر مليون سوري بين لاجئ ونازح تلتهمه الحيتان والأسماك في عرض البحار والمحيطات. الحاكم المحترم يتنازل عن السلطة إذا اهتز اقتصاد بلاده، فما بالك أن ينتهي إلى غير رجعة كما حدث للاقتصاد السوري. لم يشهد التاريخ مثيلاً لطاغية يتغاضى تماماً عن تدمير عشرات المدن والقرى عن بكرة أبيها، عن وطن كان اسمه سوريا، فأصبح الآن مثالاً لكل ما هو فاشل بفضل قيادته «الحكيمة».

قد تتشدقون بالقول إنكم لستم مسؤولين عن خراب سوريا، بل المسؤول هو الإرهابيون والعصابات التكفيرية. فحتى لو كانت تلك الجماعات، جدلاً، هي المسؤولة، فهذا لا يعفيكم من المسؤولية. لماذا لا تعترفون بأنكم فشلتم في حماية سوريا من الجماعات المزعومة؟ لماذا سمحتم لها بأن تشرد الملايين، وتدمر المدن والقرى، وتقضي على سوريا، بينما أنتم تتفاخرون بالصمود والانتصار؟ هل يحق لكم أن تتشدقوا بالصمود إذا كانت تلك الجماعات، كما تزعمون، دمرت البلاد وشردت العباد، ودمرت الاقتصاد؟

لكن بقدر ما تشمئز من الخطاب الانتصاري الكوميدي الممجوج للنظام السوري وحلفائه، بقدر ما تحزن عليهم، فهم يعرفون في أعماقهم أنهم يعانون الأّمرّين، وبأن عنتريات الانتصار ما هي إلا مخدرات لهم ولبعض القطعان المؤيدة لهم. لا شيء يُضحكني ويُحزنني أكثر من مؤيدي بشار الأسد عندما يتشدقون بأنهم صامدون منذ أربع سنوات، وأن النظام لم يسقط، وأن كل من توعد بإسقاط النظام قد فشل. صدقوني لو سقط النظام في السنة الأولى كان ذلك أفضل لكم بعشرات المرات. حالكم الآن كحال مريض السرطان الذي يموت يومياً ألف ميتة، والذي يتمنى لو أنه فارق الحياة بعد اكتشاف المرض فوراً. قارنوا وضعكم قبل أربع سنوات، يا من تطبلون وتزمرون لصمود بشار الأسد، بوضعكم الآن. ألم يكن من الأفضل لكم لو أن قائدكم لم يصمد، ولو أنه اختفى في السنة الأولى؟

هل تعلمون أنه كلما صمد بشار، دفعتم المزيد من أرواح شبابكم ثمناً لصموده المزعوم؟ هل يستحق «صموده» أرواح أكثر من مائة ألف علوي فقط من طائفته، ناهيك عن بقية السوريين، ناهيك عن العذاب الذي تكبدتموه، وستتكبدونه في قادم الأيام أضعافاً مضاعفة، لأنكم أخطأتم في المراهنة؟ لقد متّم عشرات الميتات، وأنتم تزعمون الصمود أنتم وقائدكم، وصدقوني ستموتون مئات الميتات لاحقاً. ولا شك أنكم الآن ترددون ما يردده المصابون بأمراض مستعصية، فهم يتمنون الموت يومياً، لكنهم لا يحصلون عليه.

قال صمود قال.

صمود بطعم الفالج والسرطان.

٭ كاتب وإعلامي سوري

=====================

جنبلاط والنظام السوري: العود واللحاء .. صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 9-5-2015

لعلّ شهادة النائب اللبناني وليد جنبلاط، رئيس «جبهة النضال الوطني»، أمام غرفة الدرجة الأولى في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان؛ هي الأبرز، حتى الساعة، ضمن سلسلة الشهادات حول اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.

وإذا كان من الإنصاف، للسجلّ التاريخي على الأقلّ، ملاحظة خلوّ الشهادة من أيّ عنصر جديد، مثير أو حاسم أو دامغ، أو مختلف عن جملة المعطيات، الفعلية أو الافتراضية، التي اقترنت بالملفّ؛ فإنّ من الصحيح، على قدم المساواة، أنّ لا جديد كذلك في سمة طاغية طبعت شخصية جنبلاط على الدوام: التقلّب، الذي يعدّه البعض مكراً سياسياً، ويذمّه البعض الآخر تحت مسميات سلوكية شتى، ويراه فريق ثالث محض تنويعات على غاية كبرى هي حفظ البقاء.

وبمعزل عن ملفات لبنان الداخلية الصرفة، إذا جاز فصلها هكذا أساساً، فإنّ جوهر تقلبات جنبلاط يتصل بالشأن السوري، عموماً؛ وبتاريخ العلاقات، المضطربة والقلقة، بين نظام «الحركة التصحيحية»، أي البيت الأسدي كما يمثّله اليوم بشار بعد أبيه حافظ الأسد، والبيت الجنبلاطي كما يمثّله وليد بعد الأب كمال جنبلاط. وأرشيف الماضي، القريب أو البعيد، الذي سجّل التحوّلات السياسية الدراماتيكة التي انتهجها جنبلاط الابن، خاصة بعد اغتيال أبيه في آذار (مارس) 1976، لا يعني البتة أنه اليوم ليس نزيهاً في تأييد الانتفاضة السورية، وليس راغباً في سقوط نظام آل الأسد، وليس مستعداً للانضواء في أية جبهة داخلية لبنانية مناهضة لما تبقى للنظام السوري من نفوذ في لبنان؛ بما في ذلك الموقف من «حزب الله» عموماً، وقتال الحزب إلى جانب الأسد في سوريا خصوصاً.

ومع ذلك… تلك تقلبات تظلّ بمثابة خيارات يداولها التاريخ، بين حال وحال، كما في وسع المرء أن يفترض؛ إذْ مَن كان سيصدّق «فعل الندامة» الذي مارسه جنبلاط (ونقصد الابن دائماً، ما لم تُعقد التسمية للأب تحديداً)، حين زار دمشق، قبل خمس سنوات، في آذار أيضاً، ذكرى اغتيال أبيه؟ ومَنْ كان سيصدّق أنّ حسن نصر الله، الأمين العام ل»حزب الله»، هو الذي أعلن، يومذاك، استعداد الأسد (الابن دائماً، هنا أيضاً) لاستقبال جنبلاط، «في وقت قريب جداً» حسب تعبير السيد؟ وأخيراً، كيف حدث أنّ نبيه برّي، رئيس مجلس النواب اللبناني وحليف النظام السوري، هو الذي استبق الجميع، فأعلن أنّ «ما سيقوله جنبلاط اليوم في مقابلته مع قناة الجزيرة مهم جداً»، بما أوحى أنّ برّي علم بفحوى فعل الندامة حتى قبل أن يظهر جنبلاط على القناة؟ الأهمّ من هذه التفاصيل الشكلية كان مغزى مجيء الضوء الأخضر من نصر الله، بما يفيد بأنّ «حزب الله» هو الجهة الأولى المعنية بقرار استقبال جنبلاط، وليس أياً من الأطراف السياسية اللبنانية، سواء في تحالف 8 شباط أم تحالف 16 آذار.

على أصعدة أخرى، أضعف دلالة، كان مفهوماً أنّ أمثال وئام وهاب وعاصم قانصوه، من رجالات النظام السوري المتخندقين المتجندين، ظلوا بمنأى عن الفريق الذي طبخ زيارة جنبلاط إلى دمشق؛ بالرغم من أنّ وهاب كان أوّل المتطوّعين لاستبصار فعل الندامة واحتمال الزيارة، حين صرّح منذ الصيف الماضي بأنّ «الطريق إلى دمشق مفتوحة بوجه النائب جنبلاط». كان جلياً، كذلك، السبب في أنّ صحيفة «الوطن» السورية  المقرّبة من دوائر النظام، والتي يملكها رامي مخلوف، تمساح الأعمال الأشرس وابن خال الرئاسة  هي التي اعتمدت تعبير «فعل الندامة»، ولم تكن بعيدة عن الصواب في واقع الأمر؛ قبل أن تنتقل إلى الغمز من قناة جنبلاط لأنه لم يعتذر بوضوح، و»فضّل التأرجح» بين قوى 14 آذار المناهضة لسورية وقوى 8 آذار المؤيدة لها، ولم يكن صريحاً في مواقفه، ولا يقرّ بأنّ القرار 1559 كان «مؤامرة على سوريا ولبنان معاً وعلى المقاومة خاصة».

في المقابل، سجّل التاريخ أنّ جنبلاط، في أواخر العام 2000، تجاسر على كسر محرّم خطير، حين طرح إعادة انتشار قوّات النظام السوري على الأراضي اللبنانية، على نحو كان يمسّ ضمناً شرعية وجودها في الأصل. صحيح أنه عفّ عن استخدام مفردة «الانسحاب العسكري»، واتكأ على اتفاق الطائف لعام 1989، لكنّ مجيء المطالبة من رأس آل جنبلاط (الذين تقول الحكمة الشائعة أنهم أمهر من يقسم لبنان، وأمهر من يوحّده أيضاً) كان لا ينتهك المحرّم، فحسب؛ بل يحرج الرئاسات اللبنانية الثلاث؛ ويربك معظم أنصار النظام السوري، بمَن فيهم أولئك الذين سيصبحون في صفّ خصومه لاحقاً: من إميل لحود رئيس الجمهورية، إلى رفيق الحريري رئيس الوزارة، إلى نبيه برّي رئيس المجلس النيابي، إلى البعثيّ عاصم قانصو الذي هدّد جنبلاط بالقتل على يد «المقاومة اللبنانية!

ثمّ… بعد اضطرار النظام السوري إلى الانسحاب عسكرياً من لبنان، صنع جنبلاط مفاجأة غير مسبوقة حين استقبل، في المختارة، صيف 2006، وفداً قيادياً من جماعة «الإخوان المسلمين» السورية، ضمّ عدنان سعد الدين المراقب العام الأسبق، ومحمد فاروق طيفور نائب المراقب العام ورئيس المكتب السياسي، وعبد القادر زهران مستشار العلاقات الخارجية. ذلك كان تجاوزاُ لخطّ أحمر في عرف النظام السوري، وكان عبوراً إلى ما يقع وراء المحرّمات الأمنية  السياسية الكبرى، وحنث بالالتزام الضمني الذي تعهد به جنبلاط مراراً، حول «عدم تحويل لبنان إلى ساحة للمساس بأمن النظام السوري». لكنّ الخطوة كانت، في بُعدها الآخر، مثار استياء المعارضة السورية الديمقراطية والعلمانية، لأنّ جنبلاط بدا كمَن يعطي استبطاناً خاطئاً حول قوى التغيير المستقبلي في سوريا: هل التقى بهم، أوّلاً وحصراً وقبل أيّ فريق سوري معارض آخر، لأنه أيقن بأنّ الجماعة هي الكتلة الأهمّ في وجه آل الأسد، ومن الحكمة التفاعل معهم فوراً، أو مسبقاً، منذ الآن؟ أم اعتبرهم  على غرار رأي رهط واسع من المراقبين في الغرب  العنصر الأبرز في صفّ، أو صفوف، المعارضة السورية؟ أم كان يستجيب، خفية، لرغبة عبد الحليم خدّام في تبييض صفحة الجماعة، بما يساعد على تنشيط «جبهة الخلاص» الخدّامية  الإخوانية الكسيحة؟

والحال أنه يسهل على المستمع إلى شهادة جنبلاط، أمام الحكمة الدولية الخاصة بلبنان، أن يحجب عنه فضيلة العودة إلى الحصيلة الإجمالية التي صنعتها سلسلة المواقف السابقة، إنْ لجهة الانقلاب على بعضها، أو إعادة إنتاج بعضها الآخر؛ بما يردّ الرجل إلى سوية ليست جديدة عليه تماماً، ولكنها كانت في سبات متعمّد ربما: أنه جنبلاط الابن، الذي لا ينسى، أوّلاً، ما للبيت الجنبلاطي من ديّة دم في ذمّة النظام السوري؛ وأنّ اغتيال أبيه لم يقتصر على تصفية زعيم درزي كبير، بل استهدف أيضاً تفكيك ما كان يُعرف آنذاك باسم «الحركة الوطنية اللبنانية»؛ وأنّ انتصار الانتفاضة السورية، وإسقاط نظام «الحركة التصحيحية»، هو معادلة لبنانية  لبنانية أيضاً.

وهذه سويّة ليس في وسع جنبلاط أن يعيد خلط عناصرها، مجدداً، والتقلّب فيها، وعليها؛ خاصة وقد تلازمت عناصرها اللبنانية  السورية على نحو وثيق مترابط، فلم تعد تقبل المزيد من ألعاب التكتيك أو حفظ البقاء، بعيداً عن التلازم الحقّ لمسارات الشعبين اللبناني والسوري. ههنا يبقى العود ما بقي اللحاء، كما يذكّرنا أبو تمام الطائي.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

==================

موقفنا : آلون دافيد وإيال زيسر : يكتبان ( بعد انكسار خطوط دفاع إسرائيل الأولى ، بشار وحزب الله،عليها أن تباشر الحرب ضد الشعب السوري بنفسها!! ) .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 13/5/2015

طلاسم كثيرة فرضتها الثورة السورية على ( الدول والمجتمعات ) عجز الكثيرون عن أن يجدوا لها تفسيرا أو حلا . ومع أن الحقائق كانت تلوح أمام أعين السوريين ، الذين دفن بينهم صاحب نظرية الإشراق المعرفي ، نقية واضحة ؛ إلا أن الكثيرين من محترفي التحليل والتأويل السياسي ما زالوا في ريبهم مما تابعوا من سيرورة الأحداث والمواقف من الثورة السورية يترددون ...

يوما بعد يوم ... سيكتشف الإنسان العالمي بالدليل الحسي السر وراء إمعان الإعلام الدولي في حملاته المغرضة لتشويه الثورة السورية منذ أيامها الأولى واتهام ثوارها ، وإدانة أطفالها ونسائها وشيوخها بله مقاتليها وشبابها . وسيكتشف الإنسان العالمي في كل مكان سر انخراط مؤسسات إعلامية دولية ضخمة ، كان يومى إليها بالبنان بالتزامها بالتبشير الحداثي بقيم الحرية والكرامة وحقوق الإنسان ، سر انخراط هذه المؤسسات في عمليات ( تشبيح ) سافل ، دفاعا عن مرتكب جرائم الإبادة بأشنع أنواع الأسلحة وعلى مدى أكثر من أربعة أعوام ...

وسيكتشف الإنسان العالمي أيضا أسرار التخاذل الدولي ، ليس عن نصرة الثورة السورية فالثورة السورية لم تطلب نصرة من أحد ، وإنما عن تطبيق القانون الدولي في حماية المدنيين ، وكف يد المجرم الأثيم عن الاستغراق في ارتكاب جرائم إبادته على مدى خمسة أعوام ..

ويوما بعد يوم سيكتشف الإنسان العالمي السر الدفين وراء السماح بتضخيم دور الجماعات المتطرفة والنفخ فيها من قبل القاتل الأسدي والعراق الأمريكي – الصفوي وجعلها ذريعة لطمس شعب حر برجاله ونسائه وأطفاله وحضارته ومحوه من الوجود ..

وسيكتشف الإنسان العالمي سر التواطؤ الدولي ولو بالصمت المعبر عن الرضا عن تدخل أدوات ( عميلة ) من أكثر من سبع دول للقتال ضد إرادة الشعب السوري ، قتلة مرتزقة مدربون وموجهون ومجهزون ينحدرون من روسية وإيران وأفغانستان وباكستان وأوزبكستان والعراق ولبنان... فرق وألوية لم يشملها قرار مجلس الأمن عن ( المقاتلين الأجانب ) الذي جرّم أفرادا جذبهم أوار الحريق المستعر من هنا وهناك وأعفى فرقا وجيوشا منظمة تحتل بلاد وتبيد أهلها العزل الآمنين ..

أسرار كثيرة ستكشفها مقبلات الأيام ، وقد بدأ دم الشهادة يزهر روحا وريحانا لأقوام وزقوما وغسلين لآخرين ..

بالأمس فقط أعلنت السي ان ان الأمريكية على لسان مسئولين سياسيين وأمنيين وعسكريين أمريكيين ، منهم رئيس الأركان الأمريكية المشتركة مارتن ديمبسي ، أن ( الولايات المتحدة قلقة من التقدم الذي يحرزه الثوار السوريون على الأرض ) وأن أداتها لمواجهة هذا التقدم هو ( حزب الله ) بأمينه العام صاحب العمامة السوداء واللحية الكثة ، فهل هناك أصرح وأوضح واقطع من هذا الكلام ..

وبالأمس فقط أكدت الأندبندت البريطانية أن ( الدول الغربية ، يعني ما تعودنا أن نسميه العالم الحر ، قلقة أيضا من انتصارات الثورة السورية ، ومن انكسار نظام بشار الأسد يعني النظام الذي قتل نصف مليون إنسان ، يخافون عليه ويقلقون من انكساره . قلقون من انكسار القاتل الذي يزعمونه فاقدا للشرعية منذ سنين ؛ فأي طلسم عجيب هذا يستعصي على عقول العاقلين ..؟!

ما زلنا في أول الطريق لمواجهة بعض الحقيقة التي كنا نعرف منذ أول يوم انطلقت فيه ثورتنا وسمعنا تعليقا على قتل الفتى حمزة الخطيب الخوار والخنين .

الحقيقة التي تتمثل في إدراك الدور الوظيفي للنظام الطائفي الغارق في الخيانة والإثم لحماية الكيان الصهيوني . والدور الوظيفي لإيران الصفوية ليس في تمزيق الأمة الإسلامية وضرب أبنائها بعضهم ببعض ، بل في تشكيل الثقب الأسود الذي يحول أنظار الأمة عن عدوها الحقيقي ، ويستقطب وقتها وجهدها ، ويصادر تطلعات أبنائها إلى العيش الكريم لمصلحة السيادة السوداء للعدو الكريه ، وكيف تحت عنوان : الموت لإسرائيل ..

الحقيقة التي شج العالم بها منذ يومين معلق الشؤون العسكرية في الجيش الإسرائيلي ( ألون بن دافيد ) ؛ والذي قال ما لم تقله الأندبندت والسي ان ان بعد أن شعر أن السكين بالنسبة إلى إسرائيل قد وصلت إلى الودج ..

ففي مقال نشرته صحيفة معاريف الإسرائيلية كتب ألون بن دافيد : إن حزب الله الذي يتولى مهمة الدفاع عن إسرائيل في سورية (يعني ضد الثورة السورية ) قد مني بخسائر كبيرة ، وأكد ألون أن حرص حسن نصر الله على الظهور بمظهر الواثق من نفسه مبالغ فيه ..

وأنه أمام انكسارات بشار الأسد أيضا ، وتواصل حركة نزوح العلويين إلى الساحل ، وهجرة عائلة مخلوف التي تنتمي إليها والدة بشار من البلاد فإن الرأي السائد في إسرائيل أن قدرات ( خطوط الدفاع عن إسرائيل المتمثلة في بشار وإيران وحزب الله ) تؤول إلى الصفر ، وأن على إسرائيل أن تستعد لتدافع عن نفسها ضد الشعب السوري بنفسها. ووضح ألون وأنه وبناء على هذه المعطيات فإن قيادة الجيش الإسرائيلي استعانت بقوى الاستطلاع المخابراتية للإعداد لبنك أهداف ستقوم بقصفها مباشرة في حال خسر حلفاؤها في سورية الحرب وسقط الأسد ...

فهل بعض هذا الوضوح من وضوح ، وهل بعد هذه الحقيقة من حقيقة يمكن أن تقال ؟!

ومن جهة أخرى أكد ( إيال زيسر ) الإسرائيلي الألماني الخبير في الشؤون السورية والأكثر قربا من نتنياهو ومن بشار الأسد ، ومؤلف كتاب ( باسم الأب ) ، الذي أرخ فيه بدراسة دعائية تجميلية ترويجية للسنوات الخمس الأولى من حكم بشار الأسد ، أكد أن ( معجزة فقط يمكن أن تحول دون سقوط نظام الأسد في ظل التراجع الكبيرالذي طرأ على أداء قواته ...) وفي مقال له نشرته الأحد الماضي صحيفة ( يسرائيل هيوم ) المقربة أيضا من ( نتنياهو ) شرح ( إيال زيسر ) كيف أن استراتيجية الثوار السوريين ، واتساع رقعة الثورة من الجنوب إلى الشمال ؛ قد أنهكت قوات الأسد . وأضاف ( زيسر ) أن معنويات الطائفة العلوية قد تقلصت غلى حد كبير ، أمام رفض من تبقى من أبنائها التطوع للقتال دفاعا عن الأسد ...

وعلى هامش كل هذه الحقائق ؛ تشكلت ميليشيا فلسطينية جديدة تحت عنوان ( قوات الجليل ) بقيادة المدعو ( أبو الفداء ) لتقاتل إلى جانب بشار الأسد !! علينا أن ننتظر بضعة أشهر لنعلم أي فروع الاستخبارات الصهيونية يمولها ويمول من ورائها قتلة المجاهد ياسر عرفات المتحالفين مع وريث منفذ مجزرة تل الزعتر والكرنتينا ومشرد المقاومة الفلسطينية من لبنان ، والمتفرج على مجزرة صبرا وشاتيلا

إسرائيل ستضطر أخيرا للدفاع عن نفسها بنفسها ، وستنتهي حربكم مع الأدوات أيها السوريون الأبطال ، لتكون الحرب على المكشوف ..وليت قومي يعلمون

لندن :24 / رجب / 1436

13 / 5 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

أميركا تغيّر أولوياتها .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 10-5-2015

تقف أميركا على مشارف تغيير يطاول أولوياتها السياسية والعسكرية تجاه العراق وسورية، بعد قرابة عام من حربها ضد "داعش".

عندما قرر أوباما شن الحرب على "تنظيم الدولة"، أعلن أن استراتيجيته ستعطي الأولوية بعد انهيار جيش العراق واحتلال الموصل للوضع العراقي، حيث يمكن لسيطرة "دولة داعش " على مساحات كبيرة من الأراضي العراقية أن يهدد، في ظل انهيار الجيش والسلطة، بتقويض الوضع الذي أقامته واشنطن هناك، ومعه توازنات داخلية وإقليمية دولية الأبعاد، يزج تقويضه بها في صراعات عسكرية مع إيران التي تسعى للوصول إلى تفاهم استراتيجي واسع معها، يضم صفقات متنوعة الموضوعات والأهداف.

في تلك الفترة، قال أوباما إن على سورية أن تنتظر ريثما تقهر "داعش" في العراق، وتتم إعادة ترتيب حال حكمه المتداعي، ويدرب جيش يستطيع مواجهة الإرهاب في العراق. أما اليوم، فيقول الساسة الأميركيون إن هزيمة "داعش" في العراق ترتبط برحيل بشار الأسد من سورية، في تبدل للأولويات، يوقفها على قدميها، بعد أن كانت واقفة على رأسها، بسبب عزوف أوباما عن العمل لحل المسألة السورية. اكتشفت أميركا هشاشة الوضع العراقي، وهشاشة خياراتها هناك، والنتائج الوخيمة التي يمكن أن تواجهها بسببه، سواء فيما يتعلق بقدرة إيران الكبيرة على اختراق جارتها الغربية، أم بتركيب حكمه الطائفي، أم ببنية جيشه التي تخضعه لاعتبارات وتوازنات، تغلب طائفة بعينها على بقية الشعب، أم بمحدودية قدرة ما اختارته واشنطن من وسائل حربية لتحقيق أهدافها. وأخيراً، بقدرة تنظيم الدولة على المبادرة، على الرغم مما نزل به من خسائر، تمكن من احتواء آثارها، عبر هجمات معاكسة، كشفت وعززت عجز مكونات العراق العسكرية عن حسم الصراع لصالحها، ما أرغم واشنطن على انتهاج سياسات انتقائية في الحرب، فهي تقصف هنا وتمتنع عن القصف هناك، حيث تشارك المليشيات الشيعية في معارك تنتهي، دوماً، بمجازر تدفع أ

هل السنة إلى الالتحاق ب "داعش"، أو منحها تأييدها، أو الوقوف جانباً، بينما ترفض الحكومة تزويدهم بالسلاح، وتحول بينهم وبين الدفاع عن أنفسهم ضد مخاطر تأتيهم بصورة رئيسة من نظام تنتقم سياساته منهم، تبعدهم عن السلطة والجيش، وتعرضهم للقتل والتهجير والتهميش.

لم يضمن الاقتصار على الحرب الجوية ما أرادته أميركا من انغماس محدود في الحرب العراقية، ومن إمساك بمساراتها العسكرية والسياسية. لذلك، بدلت أولوياتها أو عدلتها، بحيث تربط هزيمة "داعش" برحيل بشار الأسد، بعد أن كان رحيله مؤجلاً إلى ما بعد الانتصار عليها.

تتعثر معركة أميركا ضد "داعش" في العراق، بينما هزمها "الجيش السوري الحر"، بقواه الذاتية، وأخرجها من مناطق واسعة تقع بين الساحل والرقة، الأمد الذي يحدث فارقاً، كما يبدو، في نظرة الأميركيين إلى المؤسستين العسكريتين، العراقية والثورية السورية، ويشجع واشنطن على جعل رحيل الأسد شرط تحقيق انتصار على "داعش" السورية وإضعاف "داعش" العراق وكسر شوكتها هناك، لا سيما أن "الجيش الحر" يحقق انتصارات استراتيجية الطابع على جيش الأسد، تعزز الاعتقاد بقدرته على إلحاق الهزيمة ب "داعش" السورية، وتحسين ظروف الحرب ضد "داعش" العراقية.

توشك المسألة السورية على الانتقال إلى طور جديد، طال انتظاره؟ هذا ما يؤكده التغيير البادئ في أولويات أميركا، وما سينجم عن انتقال مركز الجهد الأميركي من العراق وسورية، وسيترتب عليه من نتائج مهمة، يمكن لمن يعرف كيف يفيد منها أن يجعلها نتائج حاسمة

=====================

عودوا إلى ثورتكم .. خليل المقداد

العربي  الجديد

الاحد 10-5-2015

دلّوني على فصيل سوري مسلّح واحد لم يذكر أن سبب تشكيله خدمة الثورة والدفاع عن الشعب المظلوم ضد عصابة الأسد، ودلوني على كيان سياسي، أو مؤسسة أو منظمة أو هيئة او اتحاد سوري، لم يعلن أن سبب نشأته وتشكيله خدمة الشعب السوري، وثورته المباركة.  لن تجدوا، فجميع بيانات التشكيل كانت تطلب لنفسها شرعيةً، لا يمكن لها أن تمارس عملها إلا من خلالها، عشرات وربما مئات من الفصائل المسلحة على الأرض السورية، كانت تؤكد على أن هدفها حماية الشعب والوطن والدفاع عن الدم والمال والعرض.

مسكين شعبنا ومظلوم، تكالب عليه الجميع، فجعلوه مثل يتيم على مأدبة لئيم، لكنه كريم مسامح ومحب للحياة، وثق بالجميع، منحهم التفويض تلو التفويض، هتف ورفع لهم الرايات، فخذلوه مرات ومرات، وساموه سوء العذاب، فصبر وعضّ على الجرح ونادى: الله أكبر الله أكبر على من بغى وتجبّر.

نصف قرن، خمس عشرات من السنين، وحزب البعث جاثم فوق الصدور، جاءوا على حين غرّة، فهم من كل حدبٍ ينسلون، كأنهم حُمُرٌ مستنفرة فرّت من قسورة، فجاسوا خلال الديار، بسرايا دفاع وأخرى للصراع، يقودها وحوش تَسَمَّوا أسوداً، فشكلوا للأمن فروعاً، أهلكوا الحرث والنسل، استعبدوا الناس، أهانوا الكريم وأكرموا اللئيم. فهذا حافظ وذاك رفعت ولهم أخ يقال له جميل وأبناء عم وأخوال وأبناء وأحفاد ولكلٍ وردهُ المورود.

لم يكن للظلم أن يستمر، وحاشى لله أن يدوم، فثار الشعب رغم القيود، وهاتفاً الله أكبر زلزلت عرش الطغاة، فبهتوا ولم يصدقوا ما يرون، ثارت ثائرتهم فجنّدوا أجنادهم وأعملوا آلة الإجرام في جسدي الشعب والوطن، قتلوا، عذّبوا، انتهكوا الحرمات والمحرمات، هجّروا، خربوا ودمروا، لم يتركوا نوعاً من أنواع الموبقات إلا مارسوه بحقنا، ولا طريقة أو وسيلة من وسائل القتل إلا جربوها، ظنوا أنها أيام، ويعود القطيع إلى الحظيرة. لكن، هذا لم يكن، فقطيعهم كان البشر وخيرة خلق الله من أمم.

تهاوت العصابة، على الرغم من المدد العابر للحدود، وعلى الرغم من كتائب الموت والقتل باسم علي والحسين، وزينب وفاطمة الزهراء، وكل ما أشركوا به من بشر، وعلى الرغم من الدعم وتمائم الشيطان وأعوانه من جن أو بشر. فبربكم، أبعد الصبر ذلٌ أو كدَرْ، حاشى وكلا أن يكون، هو شعبكم يا من تناديتم له، أفٍ لكم ولكل خوّانٍ كفور.

ثار الشعب، كي تكون كرامة، فبذل الغالي والنفيس، فبأي حق يُهان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، أيقال إننا ثرنا لنستبدل شيطاناً بشيطان أو مستبداً بآخر؟ أم إنها النفوس تربّت على الباطل، فلم تنتج إلا الباطل، فهذا أمير وذاك شيخ مجاهد ومنهم حاكم بأمره رمز وقائد لا نرى إلا ما يرى، ولا نهتدي إلا إن هدانا؟ أم أننا قوم قُصّر، ولا بد لنا من وكيل أو كفيل؟

=====================

مهمات سوريا في جنيف .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 10-5-2015

تشهد مدينة جنيف في هذه الأيام أكبر حشد من شخصيات المعارضة السورية ومن ممثلي نظام الأسد في إطار مبادرة، يقوم المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا في ثاني جهد يقوم به في إطار مهمته السورية بعد مبادرته الفاشلة في وقف القتال بحلب. ويمثل المشاركون في جنيف أطيافًا سورية، لم يقيض لها أن اجتمعت من قبل، وبينهم قيادات في المعارضة السياسية، منهم أعضاء في الائتلاف الوطني وفي هيئة التنسيق الوطنية، وقيادات في تشكيلات مسلحة معارضة، وأعضاء في منظمات المجتمع المدني، ينتمون إلى منظمات حقوقية ونسائية، ورجال أعمال ومثقفون وشخصيات اجتماعية ودينية، تم اختيارهم من جانب المبعوث الدولي وفريقه على أساس شخصي.

الهدف الأساسي من لقاءات جنيف، وفق أجندة المبعوث الدولي، البحث في واقع القضية السورية وآفاق حلها من خلال استطلاع آراء المشاركين في اللقاءات حول الأوضاع القائمة في سوريا، بغية الخروج بخلاصات حولها، وإطلاقها في الإطار الدولي من أجل الوصول إلى استراتيجية، وربما خطوات عملية، تؤدي إلى معالجة القضية السورية.

ووفق أجندة المبعوث الدولي في مسار اللقاءات، فإن كل واحد من المشاركين سوف يقدم رؤيته للوضع السوري وآفاق حله، وهذه هي الحالة السائدة بالنسبة للشخصيات المستقلة، لكن من المؤكد أن مشاركين من قادة قوى في المعارضة السياسية والعسكرية، وفي التنظيمات المدنية، سوف يقدمون آراء جماعاتهم على نحو ما سيفعل رئيس الائتلاف الوطني، خالد خوجة، والمنسق العام لهيئة التنسيق، حسن عبد العظيم، التزامًا منهما بما قررته قيادتا الائتلاف الوطني وهيئة التنسيق، كما سيفعل ذلك قادة الأحزاب والجماعات السياسية والعسكرية بما فيهم قادة الأحزاب والقوى القريبة من النظام مثل جبهة التغيير والتحرير، التي يقودها قدري جميل المقرب من نظام الأسد.

وبصورة عامة، لن يكون هناك جديد فيما سيعرض على دي ميستورا من وجهات نظر في القضية السورية، وقد اطلع على أغلبها في جولات لقاءاته التي عقدها في إطار مبادرته السابقة حول وقف القتال في حلب في الأشهر الثلاثة الماضية، لكنه في هذه المرة، سيسمع آراء وتفاصيل أكثر من المرة السابقة وفي مكان واحد وفي وقت متقارب، وهذه هي المزية الرئيسية لاجتماع جنيف في علاقته مع دي ميستورا.

غير أنه وخارج إطار هدف دي ميستورا من لقاءات جنيف، فإن هذه اللقاءات، يمكن أن تكون ذات مردود كبير للمشاركين السوريين خارج إطار السياحة السياسية. مردود اللقاءات الكبير مستمد من فكرة اجتماعهم للمرة الأولى في مكان واحد بعددهم الكبير، وتنوع تخصصاتهم، وتعدد آرائهم واهتماماتهم، وأماكن إقاماتهم، وأشياء أخرى. وإذا كانت الفرصة تتيح لهذا العدد الكبير والمتنوع من السوريين أن يلتقوا، فهذا أمر مهم، ومهم أيضًا أن يتناقشوا، ويتحاوروا حول قضية بلدهم وشعبهم، ومن المهم أن يصلوا إلى تقاربات في الرؤى والمواقف حول ما جرى ويجري في سوريا، والأفق الذي تسير إليه الأحوال ومسارات الحل الممكن.

غير أن الوصول إلى ما سبق أو أغلبه من جانب المشاركين في جنيف، لن يكون أمرًا سهلاً وممكنًا، دون التحلي بروح المسؤولية الوطنية، وتوفير إرادة حقيقية وفاعلة للوصول إلى توافقات أو تقاربات سياسية وإجرائية، مما يتطلب الابتعاد عن الذاتية والمصلحة الشخصية والحزبية، وتجاوز التاريخ الصراعي بمعانيه غير الوطنية، والتركيز على المشتركات والقضايا، التي توحد أغلبية المشاركين، والتي تبدو في مجموعة نقاط، لعل الأبرز فيها، تأكيد موقفهم الموحد في مواجهة الإرهاب والتطرف سواء كان إرهاب النظام، أو إرهاب جماعات التطرف مقرونًا بفكرة تغيير النظام القائم، واستبدال نظام ديمقراطي جديد به، يوفر الحرية والعدالة والمساواة لكل السوريين، وأن يكون التغيير عبر حل سياسي، يوقف قتل السوريين ودمار ما تبقى من بلدهم، ويقوم على أساس الشرعية الدولية، كما رسمها بيان جنيف 1 لعام 2012، ووفق الأسس، التي انعقد على أساسها جنيف 2 في عام 2014، التي توفر انتقالاً آمنًا في فترة انتقالية من خلال هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات بما في ذلك سلطتها على المؤسستين العسكرية والأمنية، لتأخذ سوريا إلى نظام جديد.

ومما لا شك فيه، أن اشتغال السوريين الحاضرين في جنيف اليوم على النقاط السابقة، سوف يعزز العلاقات والتوافقات فيما بينهم، وسوف يظهرهم بوضع جديد أمام النظام أولاً، وأمام دي ميستورا والمجتمع الدولي الذي طالما حمل انقسامهم وخلافاتهم المسؤولية في استمرار الكارثة السورية وتداعياتها عليهم وعلى بلدهم والعالم من حولهم.

فرصة جنيف الحالية، قد لا تتكرر، وعلى السوريين أن يستغلوها إلى أبعد مدى، وربما هذا هو المبرر الوحيد لحضورهم لقاءات جنيف، التي قال دي ميستورا عنها: «إن مشاورات جنيف ليست مؤتمرًا، ولا هي جنيف ثلاثة». وأضاف: «لن تعقد طاولة مستديرة، ولا يتوقع مشاركة شخصيات كبيرة، كما أنها ليست محادثات سلام»؛ أي أنها لا تقدم شيئًا مباشرًا للسوريين، لكنهم يمكن أن يجعلوها شيئًا له قيمة كبرى، إذا أرادوا وعملوا.

=====================

هل آن أوانُ (الزمن العربي)؟ .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 10-5-2015

هل آن أوانُ (الزمن العربي)؟ «لم أرَ على مدى عقدين من الزمن قضيتهُما في واشنطن هذه الدرجة من الاستنفار. يصدقُ الأمر على الحكومة [الأمريكية] بسلطتيها التنفيذية والتشريعية، ومعها أجهزة الأمن والاستخبارات ، مروراً بمراكز الأبحاث والدراسات في العاصمة، وانتهاءً بالسلك الدبلوماسي فيها».

بهذه الكلمات عبَّرَ دبلوماسيٌ عربيٌ رفيع المستوى في العاصمة الأمريكية عن أجواء هذه المدينة خلال الأسابيع الماضية، وتحديداً، منذ اليوم الأول لاستلام الملك سلمان بن عبد العزيز مقاليد الحكم .

ثمة (انقلابٌ) هائل تشعرُ الأوساط المذكورة أعلاه أن المنطقة العربية تعيشهُ منذ القرارات الملكية التي صدرت بعد ساعات من تلك اللحظة التاريخية . مايرمي إليه الدبلوماسي أن كل الجهات ذات العلاقة بشؤون الشرق الأوسط في واشنطن، تبذل جهداً غير مسبوق في ملاحقة المتغيرات الواسعة التي تنتج عن تلك القرارات ..

«لقد بتنا نترقب مساء كل يوم احتمال أن نسمع قرارات جديدة» قال مسؤولٌ في الخارجية الأمريكية تعليقاً على كلام الدبلوماسي العربي، ثم تابع: «هذا أمرٌ جديدٌ تماماً في تلك المنطقة من العالم. لسنا هنا معتادين أبداً على هذه الديناميكية السياسية. ومن اتصالاتنا بكثيرين في المنطقة، يبدو أنها [أي الديناميكية الجديدة] تصيب البعض بالحيرة.. لكن الواضح في النهاية أن الجميع يستوعبون تدريجياً ماجرى ويجري، ولايبدو ثمة خيارٌ آخر سوى السيرُ في نفس الاتجاه.. قد يكون الأمر مبكراً، لكن البعض يتحدث هنا عن نمطٍ مختلف من القيادة في المنطقة ربما ينتج عنه زمنٌ عربيٌ جديد». لايكفي مقالٌ لاستعراض التحليلات والآراء والتوقعات التي تنتشر بشكلٍ كثيف في العاصمة الأمريكية بخصوص التغييرات المتسارعة التي تجري في الشرق العربي وجواره، وإذ تتباين تلك التحليلات والآراء، إلا أن هناك شبه إجماع على ثلاث قضايا:

فأولاً، لايُنكرُ المراقبون أن الملك سلمان كان الرجل الذي ألقى حجراً كبيراً في المياه الراكدة، حين يتعلق الأمر بممارسة السياسة، الخارجية والداخلية، بمفهومها العربي. ثم إن هؤلاء يؤكدون على المفارقة التي تتمثل في أن (الانقلاب العربي) حصل، وبسرعةٍ قياسية، في وقتٍ يُمثل قمة النشوة الإيرانية الناتجة عن وَهمِ الإيرانيين بإتمام سيطرتهم على المنطقة، وهذا ما أصابهم بصدمةٍ سياسية لاتزال آثارها واضحةً . وهو مايدفع الأمريكان أيضاً لمراجعة تحليلاتهم السابقة.. أخيراً، لايستغرب المراقبون، إذا استمرت مسيرة القيادة على ماهي عليه، حصول تغييراتٍ شاملة في المنطقة يمكن أن تصب في صالح العرب، وبتوازنات جديدة خلاقة يمكن أن تستوعب كل الفوضى السائدة في هذه المرحلة.

وإذ يتصاعد الحديث، والتحضير، للقمة الخليجية الأمريكية القادمة، يترددُ في واشنطن أن المعنيين فيها أخذوا علماً بجدية التحضير الذي يقوم به الخليجيون بقيادةٍ سعودية. ولفتَ الانتباهَ حديثُ الخليجيين بصوتٍ موحد، وحضور الرئيس الفرنسي.. والقرارات الختامية الصارمة، خاصةً فيما يتعلق بالقضايا الخلافية مع الولايات المتحدة.

هنا، تحديداً، كان القرار الجماعي المُعلن للقمة بعقد مؤتمر للمعارضة السورية في الرياض للتحضير لترتيبات مابعد رحيل الأسد، وقبلَها كلام الملك سلمان الصريح والواضح بأن الأسد ليس له مكانٌ حتى في المرحلة الانتقالية، نقطة حسمٍ استراتيجية للموضوع السوري الذي تُشكلُ مآلاته مدخلاً رئيساً للتعامل مع الموضوع الإيراني الأكثر حساسيةً في الحوار القادم مع أوباما. لهذا، تبدو الحاجة مُلحةً لأن تفهم المعارضة السورية، بأي طريقة.. الأبعاد الاستراتيجية للوضع الراهن.. علَّها تتصرفُ بطريقةٍ تليقُ بِجِّدية الحدث.. تُعجب الثقافة الأمريكية، بمعاني القوة والحزم، وتَحترم أصحابها. وهذا يظهرُ بوضوح في الحوارات الدائرة في العاصمة عن الوضع العربي. وإذا كان أوباماً رجل (الواقعية) الأكبر الذي يأخذ المُعطيات على الأرض في حسابه، فإن تَعامُلَ الخليجيين معه في القمة القادمة بناءً على الأمرين السابقين يُرشِّحانِها لتكون، فعلاً، بداية زمنٍ عربي جديد، وصناعة تاريخ يكتب سطوره سلمان بن عبد العزيز.

=====================

لقاء العدوّين على العرب .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاثنين 11-5-2015

ما الذي سيكون عليه مصير المنطقة العربية، إذا ما تحالف ضدها عدواها التقليديان، إيران من الشرق وإسرائيل من الغرب؟ ربما كان هناك من يعتقد باستحالة قيام تحالف بين دولتين، تبدوان مختلفتين في كل شيء، متفقتين على عدائهما العرب، لكنه عاقل من يستبق الأخطار، ويحسب حساباً للوقائع التي يقلب التراكم في شروط تحققها الاحتمالات إلى ممكنات. هل هناك ما يشير، اليوم، إلى وقائع، يعني تحققها انتقال التحالف بين إيران وإسرائيل من احتمال إلى واقع، تغذيه استراتيجيات الدولتين، القائمة على العداء للعرب والعمل للسيطرة عليهم، بإبقائهم متفرقين ومتخلفين، في مرحلة ما قبل أموية، لا يراكمون ما يكفي من تقدم للخروج من مأزق تاريخي يعيشونه منذ عشرة قرون؟

تقول الوقائع إن وضع العرب كان قبل ثورة إيران المسماة إسلامية أحسن بكثير منه اليوم، وهذه لعبت دورا خطيراً في إخراجهم من مشروع قومي، أسهمت في تعثره، إلى زمن مذهبي/ طائفي تشتيتي ومدمر، مكّن طهران من اختراق مجتمعاتهم، والتسلل إلى بلدانهم، لغزوها من الداخل والسيطرة عليها بقوة السلاح، كما حدث، أمس، في لبنان والعراق وسورية، ويحدث اليوم في اليمن.

وكان قيام إسرائيل قد سرّع تخلق الزمن القومي، وأقنع العرب بضرورة أن يكون لهم مشروع عابر لدولهم المحلية، المتخلفة والضعيفة التي كانت تمر في أطوار انتقالية، تمسك بمعظم مفاتيحها قوى خارجية معادية للنهوض العربي، لما كان سيترتب على نهوضهم وتوحدهم من تحولات في النظام الدولي، ومن مخاطر على شطره الرأسمالي. منذ قيامها، كانت إسرائيل تشعر بالعجز عن ترويض جوارها العربي، والسيطرة عليهم، ولم تفض انتصاراتها المتكررة عليه إلى جعل وجودها في القلب منه أمراً نهائياً ومسلماً به، في حين ركبها ذعر دائم من قدرة العرب على تحمل هزائمهم التي بدا، لوهلةٍ، أنها تشحذ روح التحدي لديهم، مع ما تحمله من مخاطر عليها.

يلتقي الطرفان، الإيراني والصهيوني، على موقف من العرب، يعتبرانه مصلحة وجودية ومشتركة تتخطى السياسة، ويلتقي الطرفان على استراتيجيات تبقي الجوار العربي ممزقاً متخلفاً، وأسير فوضى تشل طاقاته، وتحول بينه وبين الانتقال من التخلف إلى الحداثة، بما سيمثله من تغيير جذري في علاقات القوى بينه وبينهما، وسيفرضه من إعادة نظر في حساباتهما التي ستقوم على انزواء إيران داخل حدودها، وقبول إسرائيل بالحقوق الوطنية والتاريخية المشروعة لشعب فلسطين الذي لم تنجح في إخراجه من المعركة المستمرة منذ قرن وربع القرن.

التقى الطرفان، الإيراني والإسرائيلي، على العداء للعرب. ومع أن إيران بررت سياساتها تجاههم بعدائها إسرائيل، ورغبتها في تحرير فلسطين، فقد دفع ثمن هذه السياسات العرب وحدهم، نتيجة تحول معركة طهران ضدهم إلى جوهر سياساتها واستراتيجياتها، وإلى غزو يهدد استقلال دولهم ووحدة بلدانهم، لا مكان فيه لأي معركة ضد الصهيونية، الجهة التي ضربت قوى النهضة العربية في حرب يونيو/حزيران 1967، بتواطؤ مكشوف مع النظام السوري، وضغطت عليها بالاحتلال، إلى أن ركعت أمام أميركا، ومكّنت حليفتها اللاحقة، إيران، من المراهنة على ضعفهم وتخلف أوضاعهم وعجز حكوماتهم، لتعلن نفسها وصية على قضاياهم بصورة عامة، وقضية فلسطين بصورة خاصة، وتطرح عليهم مشكلات تتصل بهويتهم ومعتقداتهم، استخدمت خلالها المذهبية سلاحاً يفتك بهم، مع أنهم حملة الإسلام ومادته، كما قال سيدنا عمر بن الخطاب (ر)، ويجهز على أي دور قومي قد يمارسونه.

"تواصل أميركا غاراتها على القاعدة في اليمن و"داعش" في العراق، وتتجاهل إرهابيي إيران وقتال مرتزقتها في حزب الله وعصابات بدر وتنظيم أنصار الله الحوثي إلى جانب بشار الأسد"

واليوم، وقد تحقق قسم مهم من الخطط الإيرانية/ الإسرائيلية المتكاملة، ونجحت إيران وإسرائيل في إخراج مصر من المعادلات العربية، وفي تدمير العراق وسورية واحتلال لبنان، يأتي الدور على الخليج الذي بدأ إسقاطه باحتلال صنعاء من الحوثيين، الأمر الذي بادرت بالرد عليه "عاصفة الحزم" و"عاصفة الأمل"، بينما تواصل أميركا غاراتها على القاعدة في اليمن و"داعش" في العراق، وتتجاهل إرهابيي إيران وقتال مرتزقتها في حزب الله وعصابات بدر وتنظيم أنصار الله الحوثي إلى جانب بشار الأسد الذي فتح لهم معسكر تدريب قرب مدينة أذرع في حوران، ويقاتلون هناك.

هل تتناقض مصالح إيران وإسرائيل العربية في هذه الحقبة المفصلية من تاريخ العرب؟ أعتقد جازما أنها لا تتناقض، لأن بقاء العرب موضوعاً للتاريخ، وإدارة أزمتهم ودفعها إلى مزيد من الاستفحال، يحتم تعاونهما وتكامل دوريهما، والحد من تناقضاتهما، لأنها تضعف قدرتهما على التحكم بعدوهما المشترك، وإبقائه تحت السيطرة، علماً أن عراب تفاهمهما، أميركا، هو الذي سيشرف على تنسيق خططهما وأداء مؤسساتهما الأمنية والسياسية، وسيوجه جهودهما نحو المزيد فالمزيد من تخريب العالم العربي، وإدامة وتعميق انقساماته وتمزقه بتقاسم أدوار وظيفية بينهما، يكفل هيمنة كل منهما على قسم من الوطن العربي، والمشرق والخليج خصوصاً، بإيقاع قدر من التدمير فيهما، يقتلع مجتمعاتهما من جذورها، ويرميها خارج أوطانها أو يشردها داخلها، لتفقد مقومات وجودها المادية وأواصرها المعنوية، في ظل عمليات قتل منظمة، تطاول جميع بناتها وأبنائها، لكي لا يطالب عربي، بعد الآن، بالحرية، أو يثور على الظلم والاستبداد، ويتوهم أن لديه القدرة على تغيير أقداره، وفرض إرادته في وطنه.

يقترب عدوا العرب من إقامة تحالف أمر واقع يضمهما برعاية أميركا. ماذا نحن فاعلون، وأي خيار يبقى لنا غير الدفاع عن أنفسنا ومقاتلة الطاغوت وأتباعه، دفاعا عن الوجود العربي أيضا؟ وماذا ينتظر العرب، إن هزم الشعب السوري، غير مصير أشد هولا من أي شيء قد يتصوره خيالهم؟

=====================

اجتماع جنيف بلا لون ولا طعم ولا رائحة .. ميسرة بكور

القدس العربي

الاثنين 11-5-2015

لازال المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا يصرعلى إنقاذ نظام دمشق الحاكم بأي شكل من الاشكال.

كلما اشتد الخناق حول عنق نظام الأسد، نجد السيد دي مستورا مهرولأ باحثاً عن أي فسحة أمل يمكن الولوج خلالها لإنقاذه النظام، الذي بدأ يترنح أمام ضربات فصائل المعارضة. الأمرالذي دفع الكثير من المشككين والمتشككين، لإبداء امتعاضهم من نوايا وأفكارالمبعوث الأممي، التي لا تصب في مصلحة الشعب السوري ولا تخدم ثورته، ويعتبرون أن مهمته أصبحت إنقاذ نظام الأسد، ومنهم من ذهب إلى حد وصفهما بأنهما حليفين. وما مساعيه إلا لإبقاء مشعل الامم المتحدة متقداً، من دون فعل ملموس على الأرض.

دعا المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا، عشرات الشخصيات والأحزاب والهيئات، ممن يدعون التمثيل الثوري، واشخاصا من طرف السلطة المفترض انهم يمثلون نظام الأسد.

«الجميع يعلم أنه لا يمثل الأسد إلا الأسد نفسه»، كذلك تمت دعوة الهيئات المدنية والعسكرية والسياسية، لمدة ستة أسابيع تمهيدا للقاء ثالث تحت عنوان «جنيف ثلاثة». وخلال المؤتمر الصحافي الذي عقده، إيذاناً بافتتاح جلسات التشاور المغلقة، قال دي مستورا باختصارمكثف، «إن اجتماع جنيف التشاوري المنعقد حالياً «ليس له طعم ولا لون ولا رائحة ولا جدول زمني ولا جدول اعمال».

تأتي دعوة دي مستورا، في ظل المتغيرات والتطورات السريعة والدراماتيكية في سورية والمنطقة التي يمكن تلخيصها في ما يلي

- دعوة مجلس التعاون الخليجي لعقد مؤتمر للمعارضة السورية في الرياض، التي أعلن عنها يوم الثلاثاء خلال البيان الختامي لقمة مجلس التعاون الخليجي، وما تضمنه من شطب أي دور للأسد في مستقبل سورية، وحضورالرئيس الفرنسي للقمة الخليجية، مما أعطى بيانها الختامي قوة فاعلة.

- تعقد جلسات المؤتمر التشاوري قبل ايام من اجتماع قادة مجلس التعاون الخليجي مع الرئيس الامريكي اوباما، في منتجع كامب ديفيد الرئاسي، وعلى جدول اعمالهم الملف السوري ومستقبل الأسد، المرفوض من قبل معظم دول الخليج.

- اصداء تحالف «عاصفة الحزم» ومن ثم «إعادة الأمل «وما حققته من كسر ذراع ايران في المنطقة حتى الآن وليس قطعها بشكل نهائي، وانعكاساتها على ملفات المنطقه والتمدد الإيراني.

- تصريحات اوباما الأخيرة حول امكانية دعم عمل عسكري في سورية على غرار «عاصفة الحزم»، والحديث عن منطقة آمنة في سورية.

- تراجع الدعم الايراني»المالي» لنظام الأسد، ووضع شروط وضمانات من اجل استمرار الدعم، اضعف موقف الأسد، وكانت قد ظهرت من ايران مقترحات غير رسمية تتحدث عن نقل العاصمة السورية من «دمشق» الى طرطوس. الأمر الذي يشير بوضوح الى أن نظام الأسد لم يعد قادراً على حماية عاصمته، وخشية السقوط المفاجئ للعاصمة وبالتالي النظام.

- فشل المؤتمر التشاوري «الثاني» الذي دعت إليه موسكو بين مجموعات معارضة وممثلين عن النظام.

- الخريطة العسكرية على الأرض تشير الى أن نظام الأسد قد وصل الى عنق الزجاجة. فالمعارضة السورية يوماً بعد يوم تضيق الخناق عليه، وقواته تتقهقر في جنوب البلاد وشمالها حتى وصل الثوار، الى ما يطلق عليه البعض خزان نظام الأسد البشري، واقرب نقطة من مسقط رأس الأسد الأب، ليس هذا فحسب بل بتحد واضح قام جيش الإسلام المتمركز في غوطة دمشق بإجراء عرض عسكري، لا يبعد عن معقل بشارالأسد في دمشق إلا عدة كيلومترات، وكل يوم نسمع عن اندماج جديد بين الفصائل المسلحة تحت عنوان «جيش الفتح» مستفيدة مما لاقاه هذا الجيش من ترحيب بعد انتصاراته في محافظة ادلب، في هذا السياق نقول إن استنساخ الأسم او التجربة لا يعني بالضرورة أن يكتب له النجاح دوماً، فلكل منطقة ظروفها، رغم ان الفصائل المنضوية تحتها تقريبا هي عينها التي شكلت جيش الفتح الأول في «محافظة ادلب».

نعود الى موضوعنا الأساس دي مستورا، ومهمته المستحيلة، المتابع لمسيرته منذ أن تم تعيينه خلفاً للسيد الأخضر الابراهيمي مبعوثاً اممياً الى سورية، اقصى ما قام به هو فكرة تجميد القتال في حلب ومن ثم تنازل عن حلب الى احياء في حلب، ثم عاد ليقول حلب وحمص. الفكرة التي لم تلق قبولاً لدى الثوار أو المعارضة السياسية، لأنها كانت تعني لهم تجميد القتال في حلب وتعويم الأسد في دمشق.

لا يفوتنا ان ننبه الى أن دي مستورا بذل جهداً حثيثاً من اجل الإيحاء، بأن ما يحدث في سورية هو نزاع مسلح غير دولي «حرب اهلية «، وفي قوله هذا إنما يطعن الثورة السورية بمقتل، بعبارة اخرى نفي الصفة الثورية عن الأحداث الجارية، واعتبار أن هناك مجموعات متفرقة متقاتلة في ما بينها، مقابل نظام مركزي يُمسك بزمام الأمور، لابد من التعامل معه، في ظل تنامي ما يسمونها المنظمات «المتطرفة»، ومن أجل الحفاظ على مؤسسات الدولة، والخوف من إغراق البلاد بالفوضى على غرار ما حدث في ليبيا.

هنا مربط الفرس وخبث مساعي دي مستورا التي حاول ان يخفيها، ثم فضحها حين قال بأن بشار الأسد جزء من الحل.

وقد سبق لدي مستورا، أن مارس الخبث السياسي، اثناء الاجتماعات التي عقدها مع الفصائل المسلحة الموجودة في تركيا منذ اشهر، حيث حاول أن يجتمع مع قادة الفصائل المسلحة كلا على حِدَة. الخبث هنا كان يتمثل في شق صفوف فصائل المعارضة، وهوأسلوب اتبعته إسرائيل في مفاوضات السلام في تسعينيات القرن الماضي. إن اخطر ما يفعله دي مستورا ومن خلفه الروس والايرانيون، هو استنبات معارضةٍ مُفصَّلةٍ على مقاس النظام وشروطه، تقبل بحل سياسي تشاركي تحت سقف الأسد. والسعي إلى إلغاء ما تم الاتفاق عليه في جنيف «واحد» تشكيل هيئة حكم كاملة الصلاحيات، أو على الأقل تبني القراءة الروسية لهذا الاتفاق، مبرراً ذلك بأنه طفت على السطح معطيات جديدة ما بين جنيف «واحد واثنين، وجنيف ثلاثة » المؤجل الى زمن غيرمعلوم، ألا وهو موضوع الإرهاب ومكافحته «تنظيم الدولة» وضرورة تكاتف كل الاطراف السورية «معارضة ونظاما» للوقوف في وجه الغول الذي سيفترس الجميع المتمثل ب«تنظيم الدولة»، بالتعاون مع التحالف الدولي في المرحلة الأولية، وترحيل موضوع الانتقال السياسي الى مرحلة مستقبلية. بهذه الفكرة الخبيثة يكون منح بشار الأسد فرصة التقاط الأنفاس وتسويقه على أنه شريك في مكافحة الإرهاب، بذلك تفتر همم المطالبين بالتحول السياسي في سورية، بعد أن أعيتهم سنوات الحرب بكل عبثيتها ونيرانها، ويبدأون رحلة البحث عن متطالبات حياتهم اليومية ومستقبل لأبنائهم. بذا، يكون دي مستورا قد وأد الثورة السورية، بعد كل ما بذل الشعب السوري من تضحيات لأجلها. لكن هذا المسعى يصطدم بوعي الثوار السوريين، ومن خلفهم بعض دول الخليج العربي التي قد لا تكون معنية كثيراً بموضوع نجاح الثورة السورية، بقدر ما هي معنية بزوال نظام الأسد الذي طالما أهانهم.

٭ كاتب وباحث سياسي سوري

=====================

رياح التغيير... ربيع عربي وثورات .. أكرم البني

الحياة

الاثنين 11-5-2015

«ليس ربيعاً عربياً بل خريف دموي ومحرقة نشرت الدمار والدماء»... «ليست ثورات بل أزمات سوداء حولت مجتمعاتنا إلى أشلاء تفيض بالحقد والعنف والكراهية عوضاً عن الحرية والتعايش والكرامة»...، هي عبارات صار استخدامها شائعاً اليوم للطعن برياح التغيير وبمشروعية انطلاق التحركات الشعبية في غير بلد عربي.

والمفارقة، أن تعبير ربيع براغ لم يسحب من التداول لوصف أحداث تشيكلوسوفاكيا 1968 لمجرد أن القوة العسكرية أهرقت الدماء وتمكنت من سحق حراك الناس المطالبين بالحرية، مثلما لم يلغ وصف بعض الانتفاضات الشعبية بالثورات لمجرد أنها فشلت أو تشوهت وانحرفت أو انزلقت إلى حروب أهلية. فأسباب الحدث ودوافعه الموضوعية هي التي تحدد ماهيته بغض النظر عن النتائج والمآلات التي قد يصل إليها، والتي غالباً ما ترتهن لمصالح وتوازنات داخلية وخارجية، تؤثر فيه وتقسره على مسار ربما يتعارض مع أهدافه الحقيقية وما كان يرنو إليه بداية.

والسؤال، ألم تتصدر حراك الربيع العربي شعارات الحرية والعدالة والكرامة؟! أولم ينتفض البشر ضد واقع يفيض بالقهر والفساد والتمييز والإذلال؟! وهل من خيار بعد استبداد مزمن وما يخلفه من بؤس وتردٍ سوى فتح الأبواب لرياح التغيير؟! وهل كان التاريخ ليعرف الثورات أصلاً لو استمر خنوع الناس بسبب خشيتهم من الفشل ومن التكلفة والتضحيات؟! أولم يكتب لكثير من الثورات الهزيمة تلاها مرحلة انتقام دموية قبل أن تبدأ من جديد وتثمر؟!

لا أحد يستطيع أن يقدم ضمانات حول مصير الثورات أو يقدر مسبقاً مآلاتها، فالثورة كنهوض شعبي عفوي عارم يسعى للتغيير لا تصل إلى غايتها لأنها ترفع أهدافاً نبيلة وتستند إلى قوى مقهورة ومضطهدة، فثمة ما يعرف بقوى الثورة المضادة التي تسعى أبداً للحفاظ على الوضع القائم وعلى تسلطها وامتيازاتها، ولا تتردد في استخدام كل وسائل الفتك والتنكيل وتفعيل النزاعات المستندة إلى محمولات متخلفة لتقويض هدف التغير وإفراغه من محتواها، وما يزيد الطين بلة حضور قوى أنانية متنوعة تحسب على الحراك الشعبي لا يهمها سوى طبع الثورة بطابعها وبما ينسجم مع ما تمليه أجندتها الإيديولوجية بعيداً عن شعارات الناس ومصالحهم الحقيقة، والقصد أن الثورات الديموقراطية عملية تاريخية شاقة وتحتاج لشروط موضوعية وذاتية كي تصل إلى غايتها، وطريقها ليس مخططاً ذهنياً جاهزاً للتنفيذ لا تعترضه صعوبات أو مشكلات، بل غالباً ما يشهد ردود أفعال مفرطة في القمع والعنف ثم تشوهات وانحرافات وفي بعض المحطات إرباكات وصراعات على السلطة وإصرار قوى معينة على تخريبه والارتداد عنه.

ونظرة موضوعية لما حدث في بلدان الربيع العربي تكشف أن ما يسمى الخريف الدموي الطائفي ليس سوى ثورة مضادة تقوم بها قوى لا تنتمي إلى شعارات الحرية والكرامة، ولا بد من أن تصل إلى مستنقع الفشل والإخفاق طالما تقف ضد الأسباب الحقيقية لحراك الناس وحقوقهم، وتكشف تالياً أن ما نجم من دمار وخراب وضحايا ومهجرين وتأجيج للصراعات المتخلفة والمذهبية، ليس نتاج الثورة السلمية المطالبة بالتغيير الديموقراطي والعدالة ومكافحة الفساد، بل نتاج العنف والقمع وما خلفه من عنف مضاد، وجراء إهمال الأنظمة لأسباب التغيير واستهتارها بالحلول السياسية ورفض تقديم أية تنازلات تلتقي مع مطالب البشر، بدليل أن غالبية الحراك الشعبي تمنت منذ البداية أن تبادر هذه الأنظمة بإجراء إصلاحات حقيقية تعالج أزمات المجتمع وتحافظ على وحدته وصراعاته السلمية.

والحال، بعيداً من مديح الربيع العربي وتنزيه الثورات مما حل ببعض المجتمعات من مآسٍ ومحن، فإن النتائج الواقعية تقول إن هناك أنظمة استبدادية سخرت كل إمكاناتها لضرب الثورات والإساءة لصورتها، تلقت دعماً مباشراً أو غير مباشر من أطراف إقليمية وعالمية لها مصلحة في وأد الربيع العربي وتشويهه، وتتخوف من تأثير نجاح التغيير الديموقراطي على نفوذها وسلطانها، زاد الطين بلة الدور السلبي الذي لعبته تيارات من الإسلام السياسي والجماعات الجهادية المتطرفة حين استثمرت الفوضى والعنف المذهبي المستعر، لتفرض حضورها وتعمم خطاباً إيديولوجياً أعمى يسوغ كل عنف ويناقض معاني الحرية والتعددية.

وفي العودة إلى تجربة ربيع براغ 1968 لا يخطئ من يعتقد بأن رسوخ البناء الديموقراطي الذي شهدته تشيكلوسوفاكيا عموماً والطلاق السلمي السلس بين تشيخيا وسلوفاكيا هو ثمرة من ثمرات ذاك الربيع، مثلما لا يجانب الصواب من يربط استقرار التحولات الديموقراطية في بلدان أميركا اللاتينية بما كابدته ثوراتها من هزائم ومحن وبفداحة ما قدمته من آلام وتضحيات.

ربما هو صحيح أن الربيع العربي في لحظته الراهنة، لا يسمح باستخلاص نتائج ودروس نهائية، لكن الصحيح أيضاً أن ثمة جديداً تكرس على الأرض وهناك تغيرات نوعية حصلت تركت علامات سياسية ونفسية عميقة في وعي الناس ووجدانهم وطرائق تفكيرها لا يمكن أن تمحى أو تزول.

لا يكاد التاريخ ينتهي في نقطة إلا ويبدأ مجدداً من نقطة أخرى تفتح الباب على صيرورة جديدة تستند إلى ما تراكم من دروس مستقاة من الانتكاسات الحاصلة ومن تنامي قدرة البشر على إدراك خصوصية العقبات التي تعيق دورهم في تقرير مصيرهم وصياغة مستقبلهم، وقد كرس الربيع العربي على رغم إخفاقاته دروساً لا تنسى، أولها حفز دور الإنسان المواطن وجعله أكثر إدراكاً لحقوقه وأكثر جرأة في التعبير عن رفضه للظلم الاجتماعي والقهر السياسي، وأهمها التأكيد على أن طريق العنف مهما بلغ في عنجهيته هو طريق قاصر ومكلف ولا أفق له سوى مراكمة المزيد من الضحايا والخراب، وأن الخيار الأمضى لخلاص الشعوب العربية ونهوضها يبدأ بتغليب الصراعات السياسية السلمية ونفض الرؤوس من أوهام تحقيق الغلبة بتوسل منطق العنف ولغة القوة.

* كاتب سوري

=====================
جنيف.. لماذا وإلى متى؟! .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 12-5-2015

جاءت الدعوة للمعارضة أو للمعارضات السورية كما للنظام السوري، للمشاركة في لقاء يتم في جنيف، بهدف الوصول إلى توافق محتمل حول الأزمة العظمى المستشرية في سوريا، وللعلم، فإن ذلك يتم بعد انقضاء أربعة أعوام وثلث العام.

وللحقيقة، فإن تطاول الأزمة إنما هو تعبير عن عدم الرغبة الجادة في تقديم اقتراحات واقعية وبناءة حقاً وفعلاً ومفتوحة دونما تلكؤ، والمثير القائم على تفاقم مزيد من المشكلات والإشكالات ووضعها في وجه الحلول الواقعية المحتملة، أن دعوة إلى تحقيق هدنة أو أخرى لم تجد أبداً أفقاً قابلاً للحل، سواء تحدّر هذا المطلب من أطراف محايدة أو أخرى. وظل الثمن حتى الآن مفتوحاً على التصاعد والتعقيد والتصعيد، بحيث أصبح الباحث والمراقب الإعلامي عاجزين عن اكتشاف مَلْمس أو آخر يوحي ويشي بنهاية لِما اعتبره سياسيون ومستشرقون وباحثون حدثاً فاجعاً ووحشياً في سوريا، لم يشهد التاريخ له مثيلاً، أو ما يقترب منه في خصوصيته: احتراب وحْشي حتى الثمالة بين أطراف داخلية، وعلى مرأى من جموع أخرى يقهقهون سعادة لما يرونه من إحراق للبلد بكل الوسائل المتاحة والمحرّمة دولياً، وعلى رأسها استخدام غاز الكلور والسارين وما يدخل في الحرب الكيماوية.

لم تكن المسألة حين نشأت في سوريا عام 2011 أكثر من إشارات إلى المخزون الوطني السوري من الأمنيات والرغبات في إحداث نشاط تحديثي في البلد، يلبي حاجات الشعب في حقول متعددة، من الاقتصاد وتطوير حقول العمل عبر إصلاحها بإقصاء المفسدين والفاسدين، وباستئصال مظاهر الاستئثار بالثروة وبالسلطة وبالإعلام وبالحراك المجتمعي، بعد أن أصبح النشاط على أساس المجتمع المدني موضع تهمة واستهجان ومدعاة للتشكيك في انتمائه للوطن.

لقد دفعت سوريا ثمناً باهظاً هائلاً وربما غير مسبوق، بسبب تنكر السلطة لأهمية التحديث ولضرورته ضرورة وجودية، جاء «المؤتمر التشاوري» في مرحلة الأحداث الأولى الباكرة، ليعلن أن الثوب الذي ارتدته سوريا على مدى أكثر من نصف قرن، قد أتت عليه الأيام، وأنه لم يعد مهترئاً اهتراءً كالحاً فحسب، بل أصبح مُعيقاً للتغيير الوطني الديمقراطي، ناهيك عن أنه صار دريئة حرب ضد القوى المجتمعية الناهضة. وكانت المطالب التي طرحتها هذه القوى قد تمثلت في ضرورة تأسيس مؤتمر وطني يجري فيه تداول شؤون البلد بلغة العلوم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وكذلك بمشاركة ديمقراطية، من قبل الجميع. وخرج الناس إلى الشارع في تظاهرات سلمية، عمل النظام على إلحاق السلاح بها، كي يعلن أنه إذ يلاحق تلك التظاهرات، فإنه يفعل ذلك دفاعاً عن النفس.

أما المؤتمر الوطني الذي طولب بالدعوة لإقامته، فقد كان عليه أن يجيب عن مسائل البلد الكبرى: التأسيس لنظام جمهوري ديمقراطي، وإخراج السجناء السياسيين عبر محاكم وطنية، والبدء بالانخراط في التأسيس لمجتمع مدني، مع نظام حكم يقوم على ثلاث سلطات مستقلة، وقد كان ذلك مشروطاً بإسقاط «قانون الطوارئ» ذي السمعة السيئة.

لم يتحقق شيء من ذلك. وبعد ستة أشهر من التظاهرات السلمية، جاء الرد عليها عاصفاً كاسحاً! لمَ ذلك؟ إن الدعوة لمؤتمر جنيف جديد إنما هي عار على السوريين، إذ يحيلون كارثتهم العظمى إلى الآخرين، كي يحلوا لهم حيثياتها المشؤومة البشعة، ألم يكن من دواعي الأسى والعار أن يحيلوا كارثتهم هذه لأولئك، بدلاً من أن يتنادوا إلى كلمة سواء فيما بينهم!

لا ندري ما إذا كانت الدعوة إلى جنيف طريقاً لإذابة الثلوج، أم ستكون تكريساً لها؟ ويبقى الأمر منوطاً بالإصرار على عقد مثل ذلك المؤتمر الوطني بين السوريين، مع تحويل الدعوة إلى جنيف إلى أداة جامعة لكل السوريين، مع إبعاد الطريق التي تؤدي إلى الموت عبر النوايا الحسنة.

=====================
جنبلاط و"العقدة الأصلية
" .. سعد كيوان

العربي الجديد

الثلاثاء 12-5-2015

فعلها وليد جنبلاط. كعادته فاجأ رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي اللبنانيين، مخالفاً التوقعات التي تريده متقلباً ومهادناً. وراح، ببرودة أعصاب وتصميم لافتين، يكشف الحقائق، ويسمي الأمور بأسمائها، في إدلائه بشهادته في لاهاي أمام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، حول جريمة اغتيال رئيس حكومة لبنان الأسبق، رفيق الحريري.

جنبلاط ملم بوقائع ومعطيات كثيرة، وعليم بخفايا الأمور التي أحاطت بتلك المرحلة التي حملت بشار الأسد إلى السلطة في سورية خلفا لوالده حافظ الأسد، وتحديدا بين سنتي 2000 و2005، والتي كان خلالها جنبلاط على تقارب وتنسيق تام مع الحريري. وكان أيضا الشريك، لا بل المبادر منذ عام 2000 إلى خوض معركة التصدي لنظام الهيمنة السورية على لبنان، بالتنسيق مع "لقاء قرنة شهوان" المسيحي، وبمباركة ضمنية من الحريري نفسه، مطالبين بخروج الجيش السوري من لبنان بعد وصاية، قال عنها جنبلاط بالأمس مصححاً إنها كانت احتلالا، ودامت نحو ثلاثين سنة.

إلى لاهاي، رافق جنبلاط نجله تيمور الذي بدأ يحضّره لوراثته السياسية، وزوجته نورا، واثنان من أركانه، هما الوزير الحالي والمقرب جدا منه، وائل أبو فاعور، والوزير السابق، غازي العريضي. على مدى أربعة أيام، تكلم جنبلاط ورد على أسئلة المدعي العام بأجوبة واضحة ومباشرة ومختصرة، متحاشيا الدخول في أفخاخ التفاصيل. بدا كأنه أعد شهادته بإتقان، مستفيداً، على الأرجح، من المناخ السياسي الملائم، والناتج عن مجموعة عوامل وتطورات إقليمية، بدءاً من "عاصمة الحزم" في اليمن، وانتهاء بسورية التي مني جيشها بأكثر من هزيمة، وخسر أكثر من محافظة أخيراً.

وكان من المفترض أن يتوجه جنبلاط إلى الإدلاء بشهادته، قبل نحو شهرين، بالتزامن مع شهادة رئيس الحكومة السابق ورفيق درب الحريري، فؤاد السنيورة، إلا أنه طلب تأجيلها الى الأسبوع الماضي. وكان تصويبه واضحاً ومباشراً على النظام السوري، وبشار الأسد تحديداً، الذي اتهمه صراحة، وحمّله جريمة قتل الحريري. فقد بدأ من بعيد، من جريمة اغتيال والده كمال جنبلاط، التي حصلت في 16 مارس/آذار 1977، قبل 38 سنة، أي بعد أقل من سنة على التدخل العسكري لجيش حافظ الأسد في لبنان، فقد استرجع جنبلاط اللقاء العاصف والأخير الذي جمع والده برئيس النظام السوري، قبل ثلاثة أشهر من اغتياله، وما قاله والده للأسد الأب في ذلك اللقاء من أنه يرفض أن "يدخل السجن الكبير". وهو لقاء يشبه إلى حد بعيد اللقاء الأخير الذي جمع الحريري بالأسد، في 26 أغسطس/آب 2004.

أكد الزعيم الدرزي أن النظام السوري هو من ارتكب الجريمة، مقدماً وقائع وشواهد ومعلومات عن التحقيق وعن المنفذين الذي التجأوا يومها إلى سورية. وقد مُنع القاضي المكلف بملف الجريمة إصدار مطالعته وحكمه. وتكلم جنبلاط عن اغتيال شخصيات لبنانية أخرى طوال سنوات الوصاية السورية، مؤكدا أن القاتل واحد، من جنبلاط الأب الى الحريري.

وكانت المواجهة الأصعب مع محامي الدفاع الذين أظهر بعضهم صلافة غير معهودة، في طريقة طرح الأسئلة، والسعي إلى تركيب نوع من "معادلة حسابية"، تجعل من خطابات جنبلاط محرضاً على القتل، إلا أن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي لم ينجر إلى هكذا استفزاز، وحافظ على برودة أعصابه، متسلحاً ب "الاتهام السياسي" الذي هو حصيلة إمساك النظام السوري بمفاصل القرار السياسي والأمني، عبر أجهزة المخابرات السورية واللبنانية، والتعبئة والتحريض الذي كان يمارسه رأس هذا النظام وأدواته، ضد الحريري وعدد من السياسيين اللبنانيين.

لا يملك جنبلاط، بطبيعة الحال، تقديم حيثيات ووقائع عن الجريمة، وليست لديه معرفة بهوية المنفذين. لذلك، كان يكرر تأكيده أن اغتيال الحريري جريمة سياسية، كما صنفتها المحكمة الدولية نفسها. وقد استعان، أيضاً، للإجابة على أسئلة الدفاع بمسلسل "الوفيات الغامضة والمفاجئة" التي طاولت مجموعة من الضباط السوريين الكبار، كان آخرهم اللواء رستم غزالي الذي كان حاكم لبنان الفعلي في السنوات الأخيرة، وعشية اغتيال الحريري حتى انسحاب الجيش السوري في 26 إبريل/نيسان 2005. وأكد جنبلاط أنها "تصفيات سياسية"، استهدفت تحديدا الضباط الذين خدموا في لبنان، أو كانوا على علاقة بالملف اللبناني، والذين يتلقون أوامرهم من بشار الأسد، من أجل طمس معالم الجريمة وأدواتها والمتورطين فيها.

"حافظ جنبلاط على برودة أعصابه، متسلحاً ب "الاتهام السياسي" الذي هو حصيلة إمساك النظام السوري بمفاصل القرار السياسي والأمني"

اختار جنبلاط تحويل شهادته إلى محاكمة للنظام السوري، ساعياً إلى تحييد، ما أمكن، الحليف اللبناني للنظام المذكور، حزب الله، المتهم خمسة من كوادره بتنفيذ جريمة الاغتيال. وهذا ما دأب عليه منذ 7 مايو/أيار 2008، وبعد مغادرته تحالف قوى 14 آذار في صيف 2009، إلا أنه لم يخف حنينه إلى انتفاضة 14 آذار 2005، وإلى ما تبعها من محطات، لم يتردد في وصفها أكثر من مرة، ردا على أسئلة أحد محامي الدفاع، ب "الأوقات الجميلة".

وصف جنبلاط الأسد مرات بأنه "السخيف" و"المستشرق"، راوياً أنه راح يسأله في أول لقاء جمعهما عن الدروز وأماكن وجودهم، وعن وضع المسيحيين... كما أن سهامه المتكررة باتجاه الرئيس الأسبق، إميل لحود، ما هي إلا تأكيد على إحكام قبضة النظام السوري من خلاله على الشؤون اللبنانية الداخلية.

وإذا كان جنبلاط يعتبر أنه كان مضطراً للتعاون مع النظام السوري، وخصوصاً في عهد الأسد الأب، فلا شك في أن هذا النظام الذي وصفه بالشمولي، والأكثر ديكتاتورية في المنطقة، قد شكل عنده نوعاً من "عقدة أصلية" لازمته منذ دخوله شاباً (27 سنة) المعترك السياسي، يوم اضطر عام 1977 أن يرتدي عباءة زعامة والده السياسية والدرزية. فهو يتعايش مع هذه "العقدة" منذ 38 سنة، ويتعاطى طوال الفترة نفسها مع من يعرف أنه أمر بقتل والده. وقد توترت العلاقة مع مجيء بشار إلى السلطة. وهذه "العقدة" هي التي جعلت منه، على الأرجح، "حيواناً سياسياً" بامتياز، وهذا ما دفعه، أخيراً، إلى القول إنه "يجلس على ضفاف النهر بانتظار أن تعبر جثة عدوه".

فهل بات مقتنعاً بأن عبورها أصبح قريبا؟

=====================

خيارات روسيا وإيران المربكة .. غازي دحمان

العربي الجديد

الثلاثاء 12-5-2015

أدت التطورات المتلاحقة في سورية إلى نشوء تحولات جديدة في ديناميكية الصراع، ناتجة عن تغير المعادلات الميدانية بشكل واضح، وهو ما أوجد واقعا جديدا للموضوع السوري، بالنسبة لأطراف الصراع والقوى الداعمة لها، وخصوصاً تلك التي استثمرت فيه بكثافة على مدار سنوات الأزمة، وصاغت رهاناتها عليه، ملفاً أساسياً لتعزيز مواقعها الإقليمية والدولية.

روسيا وإيران، شركاء نظام الأسد الأساسيان في إدارة الصراع في سورية وعليها، هما الآن في وضع مربك. الأوضاع الجديدة لا تتناسب مع تصوراتهما لمآلات الأزمة، حيث تشكل التطورات الحاصلة هناك خسارة وازنة في صراع يعتبر بالنسبة لهما صفرياً، ولا يملكان هامش مناورة واسعاً حياله، لارتباطه بدرجة كبيرة بمشاريعهما الإستراتيجية في المنطقة، ونظرتهما له على أنه صراع جيوإستراتيجي في المقام الأول.

دقة الموقف وحساسيته تتمثل، بدرجة كبيرة، ليس بعدم قدرتهما على تقديم الدعم اللازم لعكس الهجوم على حليفهما، وتغيير المعادلة لصالحه، فعلى الرغم من ظروف البلدين الاقتصادية الصعبة، إلا أن إنفاقهما في سورية طالما جرى اعتباره إنفاق ضرورة واستثماراً استراتيجياً. وبالتالي، خروجه من منطق حسابات الربح والخسارة. تأتي المشكلة في جانب آخر، هو تحطم البنية التي يمكنها أن تستوعب المساعدات، وتوطنها في الجسد المتهرئ، إما بسبب دمار الجزء الأكبر من البنية التحتية للدفاع والأمن أو لانحسار المدى الجغرافي الذي باتت تسيطر عليه قوات الأسد، وهذا الواقع يحوّلها إلى قوة دفاعية صرفة، ضمن نطاقات معينة، وخصوصاً مع تزايد خساراتها المزايا الإستراتيجية المتمثلة في السيطرة على التلال وطرق الإمداد اللوجستي والمعابر الحدودية، وما يستتبع ذلك من حاجتها لأنماط معينة من الأسلحة والدعم، وعدم حاجتها لأنواع أخرى، لعدم فعاليتها مع الأوضاع والتموضعات المستجدة، ولعلّ ما يزيد من حدة هذه الإشكالية حالة الصراع التي بدأت تظهر بوضوح بين مكونات النظام، وفي مستوياته المختلفة، الأمر الذي ينذر بحصول تصدعات في جسمه، ويقلص بدرجة كبيرة النواة الصلبة، ويحصرها ضمن أجهزة وشخصيات محددة.

"لدى روسيا ما تدعيه من حقوق استثمارية واتفاقات دولية تضمن لها امتيازات في الساحل السوري"

غير أن هذا الواقع، في حال تكرسه، يبقى مفتوحا على احتمالات تراجع المنظومة القتالية للأسد، أكثر من إمكانية استعادتها خسائرها. وبالتالي، يلغي أي احتمالية مستقبلية، لإمكانية عودتها قوة مسيطرة على سورية، الأمر الذي يؤهلها للتحدث كسلطة شرعية، ويجعلها بمقاس طموحات إيران وروسيا اللتين استثمرتا بحجم مشاريع كبيرة، وليس بمقاس مليشيا طائفية محصورة في مناطق محددة.

أمام هذا التغيير في ديناميكية الصراع، ولمحاولة تعطيل الديناميات المتولدة، ستجد دوائر القرار في موسكو وطهران نفسها محصورة ضمن مساحة ضئيلة من الخيارات المربكة:

الأول: أن تعيد الدولتان تقديراتهما وحساباتهما، وتقتنعا بأن سورية ساحة صراع ونفوذ لأطراف عديدة، بحكم موقعها الجغرافي وتداخلاتها الإثنية والدينية. وبالتالي، من العقلانية تشجيع مبادرات السلام والدعوة إلى إجراء حوار وطني، يحفظ حقوق جميع المكونات والأطراف، وتقتنعا أيضاً بأنه ليس بالإمكان أكثر مما كان، غير أن هذا الخيار تقف دونه معوقات كثيرة، منها أنه ليس لدى نظام الأسد تصور واضح للانخراط في عملية سلمية، كما أنه وإن كان يضمن تماسكا نسبيا في حالة الحرب التي أصبحت مصلحة لأطراف كثيرة فيها، فإنه قد يتعرض للتصدع في حال تحوّله إلى السلم، من جهة أخرى فإن إيران أكثر الأطراف تأثيرا في النظام، لا يبدو أنها في وارد التراجع في الساحة السورية في ظل انخراطها في صراع إقليمي علني وبعد الضربة التي تلقتها في اليمن وعدم ضمانها لبديل يضمن مصالحها في سورية التي لم تعد تقتصر على الموقع الاستراتيجي بل تعدته إلى استثمارات تجارية في العقارات والأملاك العامة، ثم إن روسيا أيضا لديها ما تدعيه من حقوق استثمارية واتفاقات دولية تضمن لها امتيازات في الساحل السوري.

"بالنسبة لروسيا، يمكن أن تعمل على تعزيز دفاعاتها في مناطق النظام بشكل أكبر، بذريعة مسؤوليتها في حماية الأقليات"

الخيار الثاني: النزول، بشكل مباشر، إلى أرض الميدان، ليس لوقف حجم الخسائر على الأرض وحسب، وإنما من أجل إنقاذ النظام، وضبط الصراعات المتفلتة داخله، وإدارة المعركة بما يضمن عدم الخسارة الكلية بالحد الأدنى، وعلى الرغم من أن هذا النمط من الانخراط الكلي سيكون مكلفاً، إن بحساباته الميدانية المباشرة، لاضطرار إيران وروسيا إلى خوض حرب غير متماثلة، لا تتناسب وحروب الجيوش الكلاسيكية، أو لجهة الاعتبارات السياسية، كون الأمر سيتحول إلى حالة احتلال رسمي ومعلن، وإلغاء شرعية نظام الحكم نهائياً، وتدمير المؤسسات الوطنية، بما يجعل الخسائر الناتجة عن هذا الخيار أكبر بكثير من الأرباح المتوقعة.

الخيار الثالث: التكيف مع المستجدات الحاصلة، ومحاولة إعادة بناء ما أمكن من قوة النظام، وتدعيم مفاصله الفاعلة، وإبقاء حالة الاستنزاف وقتاً أطول، بالمراهنة على عامل الزمن، بانتظار حدوث متغيرات جديدة. وتقع ضمن هذا الخيار محاولة حزب الله إشعال معركة في القلمون، من أجل تعويض بعض الخسائر وتقوية العزائم ورفع المعنويات المنهارة. ويقع ضمنها أيضا إعادة جزء من الكتائب العراقية التي غادرت سورية لقتال داعش، وترك مهمتها في العراق لقوات التحالف. وبالنسبة لروسيا، يمكن أن تعمل على تعزيز دفاعاتها في مناطق النظام بشكل أكبر، بذريعة مسؤوليتها في حماية الأقليات. وفي الوقت نفسه، دعم النظام بأنماط معينة من الأسلحة التي من شأنها إحداث تدمير أكبر في بيئة المعارضة، بما يؤدي إلى زيادة إنهاكها على المدى الطويل.

تشكل التغيرات الجديدة في سورية عكساً لحالة الهجوم الروسي الإيراني، المستمر منذ فترة، وتضعهما أول مرّة أمام خيارات صعبة، سيكون لها تداعياتها، ما يزيد من تعقيدات إدارتهما الصراع في الفترة المقبلة، والأهم أنه سيشكل إرباكاً إضافياً لحركتهما في البيئة الدولية المتعثرة أصلاً.

=====================

المعارك السورية ميدانياً.. الجيوبولتيك و"الاقتراب غير المباشر" .. أنيس الوهيبي

العربي الجديد

الثلاثاء 12-5-2015

من نافلة القول إن النظام السوري يخوض الصراع وعينه على الماضي، لا المستقبل. كل ما يعني بشار الأسد وأنصاره هو إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الثورة (الماضي) وتأبيده. وعلى خلافه، يهتم السوريون وأشقاؤهم العرب بمستقبل سورية ما بعد الأزمة. وبينما يفسر علم الجيوبولتيك المناورات الأممية والدولية والإقليمية الجارية من حول الأزمة السورية، تمكن استراتيجية "الاقتراب غير المباشر" السوريين من تحسّس واقع الأزمة الراهن، وفهم معاركه المستعرة.

وإذ يقوم التحليل الجيوبولتيكي، في العموم، على تجاهل الحدود لصالح التركيز على حقائق الجغرافيا الأزلية، فإن الحاجة إلى تجاهل الحدود في الحالة السورية تزداد، بسبب التعسفية التي تم بها رسم حدود الكيان الوليد في مطالع العقد الثالث من القرن الماضي.

تمثل سورية القلب الجيوسياسي لمنطقة الهلال الخصيب؛ فهي تتوسط الطرق بين المراكز الجيوسياسية الكبرى في الشرق الأوسط. هذه المراكز، هي: هضبتا فارس والأناضول، صحراء نجد، بلاد ما بين النهرين، ووادي النيل. تاريخياً، شكلت بلاد الشام (بما فيها سورية ولبنان وفلسطين والأردن) مسرحاً لصراعات القوى التي سيطرت على تلك المراكز. ولا يختلف اليوم عن الأمس كثيراً. فإيران وتركيا والسعودية، مدعومةً بغالبية دول الخليج العربي، وفي مقدمتها قطر ومصر، هي الأطراف الإقليمية المؤثرة في الأزمة السورية، ولو بدرجات متفاوتة. ونظراً لتحولها إلى ساحة صراع داخلي وإقليمي، عقب انهيار نظام صدام حسين، فإن دولة العراق غدت متفرجةً على الأزمة في جارتها الغربية، محط أطماعها التقليدي منذ فجر التاريخ، بل إن هذه الدولة (العراق) باتت ممراً لإسقاط قوة أحد المراكز الجيوسياسية في المنطقة (إيران) إلى بلاد الشام.

وباستثناء مصر، المعزولة خلف الجدار الإسرائيلي الاصطناعي، لجميع هذه القوى اتصال بري مباشر، أو غير مباشر، مع الجغرافية السورية. ونتيجة هيمنتها على السياسات العراقية واللبنانية، فإن إيران قادرة على استعراض قوة هضبة فارس عبر الهلال الخصيب، وخصوصاً في سورية، أما تركيا فتتموضع في الهضبة الأناضولية المركزية المتماسة مع بلاد الشام. وتنفرد السعودية بين القوى الإقليمية الفاعلة في سورية بميزة امتلاك مضاد صدمات (العازل الأردني)، يقيها من تداعيات الأزمة السورية، ويوفر لها (السعودية)، في الوقت نفسه، نافذة تأثير على الأزمة.

في سورية، عدد من المحاور الجيوبولتيكية الأساسية، أهمها الواصل بين دمشق وحلب. هذا المحور بمثابة القلب الداخلي لبلاد الشام كلها، وليس فقط سورية. ينفتح هذا المحور بشكل كبير على المؤثرات الإقليمية عبر محورين جيوبولتيكيين أساسيين آخرين، هما الهضبة الحلبية والجسر الحوراني. تشكل الهضبة التي تتوسطها مدينة حلب، وتتوضع في القسم الشمالي من البلاد، حصناً طبيعياً، وهي امتداد لهضبة الأناضول في آسيا الصغرى. أما سهل حوران في القسم السوري الجنوبي، فهو أشبه بجسر يربط دمشق وما وراءها حتى حمص بالمنطقة الشمالية للأردن، وما وراءها حتى العقبة، وبدايات شبه الجزيرة العربية.

تفصل مدينتي دمشق وحلب، اللتين تشكلان ميناءين بريين وسط الصحراء، عن البحر سلسلة جبال واقعة إلى الغرب منهما (القلمون بالنسبة للأولى، والأمانوس واللاذقية بالنسبة للثانية). تخترق هذه الجبال معابر (جرود القلمون بالنسبة لدمشق ومحافظة إدلب بالنسبة لحلب) تربط المدينتين بالبحر. تشكل كلّ من هذه الجبال والمعابر محاور جيوبولتيكية ثانوية، باعتبارها طرق التفاف غير مباشرة للوصول إلى قلب المدينتين. ولأن مدنية حمص تتوسط محور حلب – دمشق، فإنها تتمتع بميزة جيوبولتيكية رئيسية. تحتمي حمص، كما دمشق وحلب، من البحر خلف سلاسل لبنان الشرقية. واثنتان من هذه المدن الثلاث سهل (حمص ودمشق)، وتنفرد حلب بكونها متوضعة على هضبة.

تلعب طبوغرافية مدينة دمشق دوراً رئيسياً في تحديد مستقبلها. هذه المدنية الواقعة في سهل بردى تنبسط بين جبل قاسيون والغوطة باتجاه دوما. يستحكم النظام في جبل قاسيون (للحرس الجمهوري والفرقة الرابعة مقرات أساسية على امتداد الجبل) وتوابعه في جبل الرز وحي المزة 86 وعش الورور، ويغذيه طريقا دمشق - بيروت ودمشق - اللاذقية عبر حمص. في المقابل، تستحكم المعارضة في الغوطة وامتداداتها، الطوق الخارجي لدمشق. وتحتل دوما بأحراشها، وانفتاحها على سهل حوران باتجاه الأردن (عبر العتيبة)، وعلى القلمون الشرقي باتجاه الصحراء الشامية، موقع الثقل البشري والتنظيمي لهذا الطوق.

"لوجود قوات إيرانية في إدلب أبعاد شديدة الخطورة على الاستقرار الداخلي في تركيا، لأن هذه المحافظة تحاذي ولاية هاتاي (لواء الاسكندرون)، حيث تقطن غالبية من العلويين العرب القريبين من النظام"

فالصراع الحقيقي على دمشق، هو الصراع بين قاسيون والغوطة على السيطرة على المدينة. يتفعل الثقل الجغرافي لجبل قاسيون نتيجة صلاته مع جبال اللاذقية، ومع شرقي لبنان عبر أوتستراد دمشق بيروت. وعلى الرغم من الحصار المفروض عليها، وقطع اتصالاتها الطبيعية مع الأردن وحمص، استطاعت الغوطة المقاومة ثلاث سنوات، وهي ستتحقق الكمون الكامل لموقعها الجيوسياسي، إذا ما تمكنت من المحافظة على روابطها مع البادية عبر الضمير، واستعادت صلاتها مع الأردن عبر العتيبة، ومنعت حزب الله من السيطرة على جبال القلمون. وعندها تحاصر الغوطة من يحاصرها (النظام المستحكم في قاسيون).

تهدف المعارك المستعرة في جرود القلمون حالياً إلى إحكام الحصار المفروض على الغوطة، وتمكين إيران وحزب الله من الانتشار في المحور الجيوسياسي الالتفافي إلى دمشق، الأمر الذي يعزز موقعهما في أي مفاوضات، ليس حول مستقبل سورية فقط، بل ومستقبل وترتيبات لبنان أيضاً.

وبالنسبة لحوران، ليست الغوطة سوى نتوء متقدم للسهل، متماس مع العاصمة. لذلك، تحمل معارك القلمون ببساطة صفة إقليمية. وربما يكون أفضل دفاع عن عرعر السعودية هو بتأمين جرود القلمون من السيطرة الإيرانية. فإذا ما أحكم حزب الله سيطرته على الجرود، فإنه سيكون في وضع أفضل، لشن حملة على الغوطة الشرقية في يونيو/حزيران أو يوليو/تموز المقبلين. وهذا سينعكس على المعارك المستعرة في حوران ومثلث دمشق درعا القنيطرة.

يسعى حزب الله إلى تكرار سيناريو القصير، عبر معارك جرود القلمون. ومثلت معارك مدينة القصير في مايو/أيار من العام 2013 أكبر نكسة تعرضت لها الثورة السورية، لأنها سمحت لحزب الله وإيران بالتمركز على المحور الجيوسياسي الالتفافي إلى حمص، عبر سلاسل لبنان الشرقية. وكانت النتيجة إحكام الحصار على الثوار في حمص، وأخيراً، اتفاق حمص الشهير، الذي عزز مواصلات النظام في المحور الجيوبولتيكي لسورية.

وتتمحور استراتيجية حزب الله العسكرية في سورية حول نظرية في التكتيك العسكري، استخلصها المؤرخ الحربي البريطاني، ليدل هارت، تؤكد على الحسم من خلال "الاقتراب غير المباشر" من الهدف وضربه من طرق التفافية.

وتحتل حلب موقعاً سامياً في الخارطة الجيوساسية للدولة السورية، فهي قلب الشمال السوري من دون منازع. هذه المدينة المحمية نتيجة تموضعها على هضبة هي أغنى المدن السورية قاطبة، وأشدها ديناميكية وانفتاحاً على المراكز الجيوسياسية الكبرى للمنطقة. فعبر الفرات، تنفتح حلب على الجزيرة الشامية وما وراءها في بلاد ما بين النهرين، وعبر غازي عينتاب على الهضبة الأناضولية، وعبر ميناء اللاذقية على البحر المتوسط. وتاريخياً، كانت حلب المحطة النهائية لطريق الحرير القادم من الصين والهند عبر خراسان وفارس.

وتمسك حلب بنبض التوازنات التاريخية لشمال سورية، خصوصاً وبقية البلاد عموماً. وتفيد دلائل تاريخية بأن صراعات شهدتها مناطق الجزيرة أو اللاذقية أو دمشق، حسمتها مدينة حلب التي تملك القدرة على التأثير في مصير مسائل الأقليات في سورية (الأكراد والعلويين)، والتي لا تترك تداعياتها على الأوضاع الداخلية في العراق وتركيا فحسب، بل وعلى مجمل السياسات الخارجية لهاتين الدولتين، وربما على النظام الإقليمي في المشرق العربي.

هددت استراتيجية النظام وإيران في "الاقتراب غير المباشر" من حلب عبر شمالها، بقطع خطوط اتصال الثوار مع تركيا. وبينما كانت محدلة القوات النظامية الإيرانية الشيعية المتحالفة تتقدم في شمال حلب، كان المبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا، يروج خطة التجميد في مدينة حلب، والتي ستنتهي بتسليم الثوار سلاحهم للنظام.

"من نافلة القول إن استكمال الثوار سيطرتهم على حلب، إذا ما حصلت بالفعل، ستكون أهم تغيير قد تسجله الحرب السورية منذ بداياتها، فالمدينة حصن طبيعي يصعب على النظام استعادته إذا ما خسره"

جاء رد الثوار على محاولة النظام تطويقهم في حلب، بإتباع تكتيك "الاقتراب غير المباشر" في جسر الشغور، عندما التفوا على حلب واللاذقية من إدلب. لذلك، فإن مصير حلب واللاذقية بل وحماة أيضاً، معلق بمجريات المعارك المستعرة في محافظة إدلب التي تمثل، وبحق، قفل القنطرة عسكرياً وسياسياً ونفسياً للأزمة السورية.

وتؤكد مشاركة إيران بجيشها ومليشياتها (حزب الله اللبناني - لواء الفاطميين الأفغاني - أبو الفضل العباس العراقي)، في معارك سهل الغاب باتجاه جسر الشغور، استشعار طهران القلق على مستقبل سيطرة النظام على محور سورية الأساسي حلب - دمشق.

بمشاركتها هذه، برهنت القيادة الإيرانية أنها جاهزة لرفع الرهان؛ فإذا ما انهارت قوات الثوار في إدلب، واستحكمت القوات الإيرانية هناك، فإن إيران ستكون قد احتلت مكمناً سيمكنها من تحديد مصير معركة حلب، بل وتهديد هضبة الأناضول نفسها، بسهولة. ولوجود قوات إيرانية في إدلب أبعاد شديدة الخطورة على الاستقرار الداخلي في تركيا، لأن هذه المحافظة تحاذي ولاية هاتاي (لواء الاسكندرون)، حيث تقطن غالبية من العلويين العرب القريبين من النظام.

وبينما تريد إيران سد الثغرة التي نجح الثوار في فتحها من جسر الشغور باتجاه سهل الغاب، فتح الثوار معارك في الحولة (شمال غرب حمص)، مع تحضيرهم لمعارك جديدة في حلب، من أجل إنهاء هجوم النظام على المدينة. ومن نافلة القول إن استكمال الثوار سيطرتهم على حلب، إذا ما حصلت بالفعل، ستكون أهم تغيير قد تسجله الحرب السورية منذ بداياتها، فالمدينة حصن طبيعي يصعب على النظام استعادته إذا ما خسره.

هكذا تخاض على الأرض السورية معارك "اقتراب غير مباشر" عبر محاور جيوسياسية التفافية، ستقرر مصير المحاور الجيوسياسية الرئيسية في البلاد وأدوار المراكز الجيوسياسية في المنطقة.

=====================

حمص وساعة الحرية .. نجاتي طيّارة

العربي الجديد

الاربعاء 13-5-2015

أعاد النظام السوري، قبل أيام، في الذكرى الأولى لفك حصار حمص، وخروج المقاتلين منها، ساعة حمص الشهيرة إلى العمل، في احتفال ومهرجان يراد لهما تأكيد انتصاره، وبسط سيطرته على المدينة التي هدم قلبها القديم وبعض أطرافها، فجعل صورتها أفظع من صور خرائب المدن الألمانية، في نهاية الحرب العالمية الثانية.

الاحتفال بتشغيل الساعة المذكورة، وجعلها محور الذكرى، بما رافقه من الإخراج التلفزيوني لمشهد تغطية الساعة كلية بعلم النظام، ثم كشفه عنها مع عودة دقاتها للعمل، يُراد له، أيضاً، أن يحل صورة مشهدية قوية ولافتة، لكي تمحو مشهد يوم الاعتصام الشهير والدامي وصورة هذه الساعة التي صارت من رموز الثورة السورية وأيقوناتها. ذلك أن مدينة حمص كانت قد قامت، يوم الجمعة في الخامس والعشرين من مارس/آذار 2011، بعد تدريب أولي في يوم الجمعة السابق، لم تتجاوز فيه أول طريق حماه، فنزل جمع غفير من شبابها إلى الساحة الرئيسة وسط المدينة، وأحاطوا بالساعة الكبيرة ذات النصب الرخامي الأبيض والأسود، والتي كانت قد تبرعت بها، قبل عشرات السنين، المغتربة الكريمة كرجية حداد. ضجّت الساحة يومها بشعارات إسقاط المحافظ وإسقاط الطوارئ، وحُملت صبيةً على الأكتاف من بين من حملوا، لتشارك الهتاف والمتظاهرين، لكن النظام واجههم بكل ما عرف عنه من تصلب وانغلاق، وبدأ مسيرة الحرب والتدمير الشامل ضدهم، ولا يزال.

الساحة، والساعة، والمدينة، صارت أكبر وأكبر، فقد تعلّم ناس حمص الكثير في الأيام والأشهر اللاحقة. هكذا، خرجوا من سباتهم الطويل، لم يعودوا رعية، لا يعرفون سوى نعم، لم يعودوا فقط أصحاب فكاهة وخفة دم، و"نكتة الحمصي" التي كانت وحدها وراء ضحكات السوريين في ظل سنوات الخوف الطويلة، بل أصبحوا، أيضاً، مواطنين مشاركين ورافعي الرأس، يقولون لا بقوة ومن دون خوف.

صارت الساحة مقصد مظاهراتهم واجتماعهم، عندما يتحدرون من مختلف الأحياء والجهات، حتى تحولت أكبر الجنازات التي شيّعوا فيها ثلة من شهدائهم، يوم الاثنين في 18 أبريل/نيسان إلى اعتصام مفتوح ملأ الساحة، والتف حول الساعة التي صارت مقر اجتماع ومنبر خطابة أيضاً.

ومن يومها، لم تعد الساحة ساحة جمال عبدالناصر باسمها الرسمي، ولا ساحة التحرير باسمها الشعبي، بل صارت ساحة الساعة. ولم تعد مجرد ساحة لنصب معماري، أو ساعة توقيت، لا أحد ينتبه إلى توقيتها، صحيحاً أو معطلاً كما في أغلب الأوقات، بل قلب مدينة طالما افتقدت قلبها. وصارت أخبار الصدامات وتعبيرات التظاهر حولها الشغل الشاغل لأهل المدينة وناشطيها، لا يختلف في ذلك صغارهم عن كبارهم، فالجميع يتناقل أحداثها سواء بتفصيلات وقصص، أو بهمس واختصار، كما لو أنهم يتناقلون شريطاً عاجلاً شوهد على محطات فضائية.

وعندما مُنع الشباب من الوصول إلى الساحة فيما بعد، إذ نصّبت السلطة العاتية كل حواجزها وأرتال قواتها، فقطّعت أوصال المدينة، وأغلقت مداخل الوصول إلى وسطها وساحتها، كرر الشباب محاولات الوصول إليها، في البدء أيام الجمع، ثم في كل الأيام بمظاهراتهم الطيارة متحدين أحياناً، وأخيراً، مكرسين ساحات أحيائهم ساحات بديلة لممارسة احتفالهم بالخروج من الصمت والعبودية.

وما لبثوا أن صنعوا نموذجاً شبيها للساعة التي منعوا من الوصول إليها، ولسان حالهم يقول: ما دمتم تحرموننا منها، فسنجلبها إلينا.

هكذا، صارت بدائل الساعة تصاحب مهرجانات الثوار ومظاهراتهم. بدأ ذلك في ساحة الزاوية قلب حي باب هود، ثم في جنينة علو قلب حي الخالدية، حيث تكاملت مع منصة الخطابة ومحطة البث المباشر، إلى أن أصبحت رمزاً للمظاهرات السورية وأنصارها في أرجاء الوطن والعالم.

وحول تلك الساعة البديلة، ارتفعت أجمل هتافات الثورة، وغنى عبد الباسط الساروت. ومنها أذيعت أجمل أغانيه، وانتشرت بين جماهير المظاهرات السورية. وحولها، ارتفعت صور الشهداء والمعتقلين، واللافتات المطالبة بشعارات الثورة السلمية، وأولها: إسقاط النظام، وواحد واحد الشعب السوري واحد، ثم، صارت كل إشارة إلى الساعة إشارة إلى الثورة عموماً، وإلى الثورة في حمص خصوصاً.

"تبقى حمص مضيئة مثل جمر متوقد أبداً، ولن تنطفئ، حتى الاحتفال بها وبانتصارها، طال الزمن أم قصر"

ولم تلبث مدينة حمص التي لم تكن، يوماً، عاصمة، أن أصبحت عاصمة للثورة، وعاصمة للقلب، تعصم مواطني حمص الذين لن يكفّوا عن رفع رؤوسهم، طالبين المساواة وإلغاء كل تمييز. فووجهوا بما لم تواجهه ثورة وشعب في التاريخ، وعندما فرض على ثوارها خيار الجوع أو الركوع، بعد عامين مشهودين من التدمير والعنف، تحقق لهم خيار الخروج من الحصار إلى ساحات أخرى. وها هي أخبارهم تقول، إن بعض كتائبهم تقاتل من جديد، وتشارك في تحرير إدلب وجسر الشغور، كما أن كتائب أخرى منهم تتوحد، وتشارك في معارك ريف حمص الشمالي. أما الساعة، فالمؤكد أن صورتها باقية، تنير وجدان كل منهم، وهم يتطلعون، بكل قوة، إلى لقائها في ساحتها الحقة.

اليوم، تستطيع السلطة العاتية أن تقيم احتفالاتها، وأن تسير مؤيديها وشبيحتها، كما فعلت طوال نصف قرن مضى. لكن، كما أنها لم تستطع منع ما حدث، لن تستطيع محوه، كما حاولت مع مجزرة حماة، عندما كان الصمت مطبقاً على سورية، فكيف إذا كانت صور ساعة حمص واعتصامها ومجزرته، مشهودة لا في ذاكرة الناس وحسب، بل ومسجلة بكل التقنيات المعاصرة. وستبقى صور خروج مواطني حمص حول ساعتهم، وتعبيرهم عن إرادتهم الحرة ماثلة في الوجدان السوري. وهي مضيئة مثل جمر متوقد أبداً، ولن تنطفئ، حتى الاحتفال بها وبانتصارها، طال الزمن أم قصر.

تلك هي ساعة الحرية وحمص التي ستقوم من جديد، من بابا عمر إلى الخالدية، ومن باب السباع إلى باب هود والغوطة، ومن باب تدمر إلى الحميدية، إلى الوعر، ومن البياضة إلى الدبلان، إلى كل الأحياء. ستقول لكل الطغاة، أنتم إلى زوال، وأنا الباقية، عدية، وعصيّة حتى الحرية.

=====================

موقفنا : رسالة لؤي حسين الأهم أو الأخطر.."إنقاذ سورية من كل القوى العسكرية على الأرض..وغيرها من الميليشيات!!" .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 12/5/2015

من حقنا أن نفكر بتفسيرات متعددة لخروج السيد لؤي حسين الموقوف أصلا على خلفية أمنية من سورية ، ووصوله ابتداء إلى مدريد . ومن حقنا أن نتساءل : كيف خرج ؟! ومن كان وراء خروجه ؟! وأن نفكر في الظرف العملياتي الذي سبق خروجه ؟! والحال الذي آل إليه وضع بشار ومحازبيه على الأرض السورية؟! وعن التقارب الزمني بين خروج لؤي حسين وما روي عن خروج أسرة مخلوف، وما هي دلالة بانفكاك السيد لؤي عن تياره في الداخل ، أو انفكاك رجال التيار في الداخل عنهم في الخارج ؟! ثم تقدم السيد لؤي حسين باتجاه الانخراط بشكل ما في معادلة المعارضة . من حق السيد أن يجيب عن كل تلك الأسئلة فنسمع ، ولكن ليس من الضروي أن يكون صمتنا حين نسمع إقرارا بما نسمع ، أو تعطيلا لملكة التفكير لدينا فيما وراء أكمة الرسول والرسالة وظروفها متعددة المتعلقات ...

من طرفنا ، نرحب بالخطوة التي أقدم عليها السيد لؤي حسين مهما يكن ظاهرها وباطنها . ونحن لم نفكر أبدا أن شركاءنا في الحياة الاجتماعية أو في الحياة السياسة يجب أن يكونوا على مقاسنا ، وأن يحلبوا في إناءنا . نقر أن الشراكة تعني التعدد وتعني المغايرة ، والمغايرة في الدرجة قد تصل إلى حد 180 ، والمغايرة في النوع قد تعني ما لايمكن الإفصاح عنه مما يمثله بشار الأسد ومحازبوه . والإقرار بالشراكة تعني أنك مستعد للاستماع ومستعد للحوار ومستعد بالتالي لبناء ما يمكن من توافقات .

ونحن وأقصد بالضبط ممثلي التيار الدعوي الإسلامي في سورية لم نضع فيتو في الحوار على أحد ؛ إلا على نظام أغرق في سفك الدماء وهتك الأعراض وتدمير العمران حتى غدا أي تفكير بالحوار معه أو مع من هو مثله ضربا من الاستهتار بالعقل العملي ، والقيم الإنسانية ، والانتماء الوطني . ولنكون أكثر وضوحا فإن رفضنا للحوار أو التفاوض مع زمرة النظام لم يبن أصلا على خلفية شخصية لا طائفية ولا حزبية ؛ وإنما بني على معطيات عقلية ومنظومة قيمية إنسانية ...

من حق كل مواطن سوري فردا كان أو مجموعة حين ينزع يده من وعاء الجريمة والمجرمين ، أن يجد مكانه في المنظومة الوطنية وفي الصف الوطني . ويتشكى البعض وهي شكوى خفقت راياتها فوق منابر العالمين ، بأن هؤلاء النازعين أيديهم من حبل النظام لا يجدون مكانهم المكافئ في صفوف المعارضة . وهي دعوى تعني بصياغة أخرى أن فريقا من السوريين ( ولدوا على فرس ) وأنهم يجب أن يظلوا لصيقين بصهوات أفراسهم أينما حلوا أو ارتحلوا . وهذا ما لا توفره الديمقراطيات الغربية للرؤساء الآفلين أو المتعثرين . بل من حقنا أن نقول ونحن نخوض حربا شرسة مع عدو مخابراتي شديد المكر، إن من واجبنا لحماية شعبنا وثورتنا ، أن نكون دائمي التيقظ ، شديدي الحرص ، دائمي الريبة من أن نجد في كل محفل من محافلنا ( ميشيل سماحة ) جديد ، يفجرها بما هو أشد خطرا من عبوات البارود ..

إن المهم في العمل السياسي أن يتعامل الإنسان مع كل مواطن سوري باحترام أهليته الإنسانية والمدنية على السواء ، واحترام حقه في الشراكة الوطنية في أطرها الفردية والجماعية ، وأن يصغي إلى محاوره جيدا ، وأن يتفهم أبعاد كلماته ، وما يدور بين سطورها. إن التأسيس للشراكات الوطنية المخادعة أو المغرورة تعني أن نكرر تجارب نصف قرن من الخداع الوطني . إن الطيبة والسذاجة والغرور ، مع المؤامرة والتدليس الخارجيين ، هي التي أوقعت سورية فيما أوقعتها فيه ،و لن نستجيز أبدا أن نكون مرة أخرى ضحايا من جديد . بل إن الإقرار بالهزيمة – لاسمح الله – هو الأسهل والأجدى من التسليم بها تحت عنوان نصر مزيف ...

وإن مطالبتنا الصادقة والملتزمة بدولة المواطنة ، الدولة المدنية الحديثة ، بكل تجلياتها وآلياتها ، لا يعني أن نفرط بأي أساس من أسس بناء هذه الدولة ، ولا بأي مفصل من مفاصل قوتها ، أو أي أداة من أدواتها .

إن الذي تابع المؤتمر الصحفي الذي عقد ظهر الاثنين : 11 / 5 / 2015 بين السيدين خالد خوجة والسيد لؤي حسين ، لم يستمع أبدا إلى حوار بين سوريين معارضين يتلمسان السبيل إلى بناء سورية الأفضل ؛ بل لقد مثّل السيد لؤي حسين بكل ما طرحه الصيغة الدبلوماسية المهذبة والملطفة لكل ما يطرحه بشار الأسد أو بشار الجعفري أو وليد المعلم ، من حق مسبق في الاستئثار وفرض القرار . مع ريشة إضافية هي أنه يعلن غضبا شخصيا ربما على زمرة اعتقلته وكانت مستمرئة لمحاكمته ..

نتفهم الإربكاك الذي سببه عدم الترتيب المسبق الذي واجهه السيد خالد خوجة . ونعتبر أن هذه الترتيبات لوحسمت قبل ربما لما انعقد المؤتمر أصلا . ولما رضي السيد خوجة أن يحضر مؤتمرا صحفيا يضع فيه نفسه وهو ممثل الثورة السورية موضع المنهزم ويعطي للسيد لؤي حسين فوق مكانة الندية الاعتبارية ، موقع المنتصر . ( الدركي على الفرس الذي ألهب ظهور السوريين بالسياط على مدى أربعين عاما وختمها بأربعة أعوام من القتل والانتهاك والتدمير.)

لم تكن الجناية الكبرى ، على فظاعتها ، رفض السيد لؤي حسين الاعتراف بعلم الثورة السورية . بدعوى أن العلم الأحمر هو علم الدولة السورية ، نعم هو علم الدولة السورية .. التي قام مغتصبوها تحت رايته بقتل نصف مليون سوري ، وتشريد نصف سكان سورية ، وتدمير ثلثي عمرانها . لا نعلم أي شعور يخالج السيد لؤي حسين تجاه هؤلاء السوريين الضحايا الذين ثاروا على قاتلهم وثاروا على كل من يمت إليه وهو يصر على فرض قراره بالاحتماء بعلم القتلة والمجرمين أو بعلم دولة القتلة والمجرمين..؟!

ولكن الأهم والأخطر في كلام السيد لؤي حسين ، والذي يكشف أنه لم يتزحزح من موقفه الأول في الانحياز إلى النظام ( كشكل على الأقل ) ورفض الثورة وإدانتها ؛ دعوته الصريحة والمكشوفة التي وردت في بيانه إلى ( إنقاذ سورية من كل القوى العسكرية على الأرض من النظام وداعش وغيرها من الميليشيات ) ..

في اعتقادنا أنه لن يتحول السيد لؤي حسين ولا الذين يمثلهم في ظرف تعبوي شديد الدلالة إلى معارض بالمعنى الحقيقي للكلمة ، ثم إلى شريك وطني بالمعنى المستقبلي ؛ ما لم يقطعوا علاقتهم بزمرة القتل والعدوان والاغتصاب ، وإعلان براءتهم التامة من حكم بيت الأسد من أول يوم قام فيه ، من الأشخاص والممارسات على السواء . وما لم يتوقفوا في إداناتهم المريبة عن المساواة بين الضحايا والجلادين . نقول الضحايا وهم الكثير الطيب من أبناء هذا الشعب المبتلى ونقول (الجلادين ) وهم القليل الخبيث الذي يجب بتره والتخلص منه كما يبتر الإنسان طرفه المصاب بالغرغرينا .

لن تكون هناك شراكة وطنية ما لم يعترف أي مظهر للانحياز إلى صف الوطن بالثورة ومشروعيتها وجمالها وبهاء شهدائها وقبح مقاوميها والمتصدين . حتى ردود الأفعال الشاذة والنادة التي يتعلق بها مرضى القلوب والنفوس والعقول تغفرها الظروف الدافعة التي خلقها المجرم الأول ومحازبوه وداعموه ...

كتبت من قبل في أكثر من مرة مدافعا عن السيد لؤي حسين يوم اعتقله المجرمون ومستعد أكثر للدفاع عن أي مواطن سوري يقع عليه الظلم والحيف من أي طرف كان ، ولكن لا بد من إسقاط عمود الظلم الأصلي أولا ثم الالتفاف لمعالجة ما خلفته عملية التصدي للظلم من مضاعفات ...

ورضي الله عن أبي حفص الفاروق عمر ابن الخطاب ( لست بالخب ولا الخب يخدعني ) فلا خبابة ولا خلابة يا عباد الله ...

لندن : 23 / رجب / 1436

12 / 5 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

========================

تركيا والتطورات الميدانية في شمال سوريا .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 14-5-2015

عشية القمة الخليجية  الأمريكية المزمع انعقادها في منتجع كامب ديفيد، كان ائتلاف «جيش الفتح» الذي حرر كلاً من إدلب وجسر الشغور، يواصل القتال بشراسة للسيطرة على مشفى جسر الشغور الوطني في مواجهة قوات النظام المستميتة لفك الحصار المضروب على المشفى وتحرير 250 من أتباعه المحاصرين في الطابق الأسفل فيه. وقد بلغ إصرار النظام على كسب معركة المشفى أن رأسه بشار الأسد وعد بذلك في آخر ظهور إعلامي له بمناسبة «عيد الشهداء». هذا الإصرار الذي دفع إلى تداول تكهنات كثيرة حول قيمة «الشيء» الموجود داخل المشفى، كالقول بوجود أسلحة كيماوية خبأها النظام عن مفتشي الوكالة الدولية، أو بوجود ضباط رفيعي المستوى وشخصيات مهمة للنظام.

بالمقابل، من المحتمل أن استماتة «جيش الفتح» في السيطرة على المشفى وكسب مزيد من المواقع والحواجز العسكرية للنظام قرب مدينة أريحا، يهدف إلى تحرير محافظة إدلب بالكامل من الجيوب المتبقية لقوات النظام، تمهيداً لحدث نوعي مرتقب يجري التحضير له في كواليس صانعي قرار اقليميين ودوليين.

هناك ما يشبه الإجماع اليوم حول ربط الأحداث الميدانية المتسارعة، على أكثر من جبهة، في الصراع السوري بالديناميات الجديدة التي أطلقتها «عاصفة الحزم» السعودية في اليمن. فمع التغيير الذي حدث في قمة الحكم في المملكة إثر وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز، وأدت إلى تغييرات واسعة في كامل النخبة الحاكمة بقيادة الملك سلمان، تغيرت المقاربات السياسية السعودية لمجمل ملفات الصراع العابر للدول في الإقليم. وشكلت «عاصفة الحزم» نقلة نوعية من السياسة التقليدية الانكفائية والصبورة للمملكة إلى سياسة مبادرة نشطة في مواجهة النفوذ الإيراني المخرِّب. وتطلبت هذه النقلة بناء أوسع تحالف ممكن من الدول المتضررة من التوسعية الإيرانية، الأمر الذي اقتضى من جهة أولى طي الخلافات السابقة مع المحور القطري  التركي، ومراجعة التقييم السعودي لحركة الإخوان المسلمين بوصفهم الخطر الأول على أمن المملكة، ليتصدر بدلاً منه الخطر الإيراني عبر الاقليم.

وهكذا أصبح الحديث يدور حول محور جديد سعودي  قطري  كويتي  تركي، أولويته مواجهة الخطر الإيراني. وينطوي هذا التقييم على تباين مع الأولويات الأمريكية المتمثلة في مواصلة التقارب مع إيران في إطار مفاوضات ملفها النووي، بالتوازي مع استمرار الحرب على «الدولة الإسلامية» في العراق وسوريا. ماذا عن المنظمات الجهادية الأخرى الناشطة على الساحة السورية كجبهة النصرة وأحرار الشام وجيش الإسلام وغيرها؟

تتحدث تقارير صحافية عن ضغوط تركية  قطرية على هذه المجموعات أدت إلى إنشاء غرفة عمليات جيش الفتح الذي تمكن، في فترة قصيرة، من تحرير إدلب وجسر الشغور ومناطق إضافية من ريف المحافظة. من المحتمل أن التحفظات الأمريكية التقليدية على تلك المنظمات ذات الهوى القاعدي، قد تراجعت أمام مطالب خليجية  تركية جعلت تحقيق الانتصارات الأخيرة ممكنة، بما في ذلك أيضاً انتصارات كبيرة على قوات النظام وحلفائه في جبهة الجنوب، وأخيراً في القلمون حيث يتلقى حزب الله اللبناني ضربات موجعة. كانت لافتةً اتهامات النظام السوري لتركيا بتدفق «آلاف المسلحين عبر حدودها» حسب تعبير وسائل إعلامه في معرض تبريره لخساراته الكبيرة في الشمال. فما الذي يدور في أروقة القرار التركي بصدد الديناميات الجديدة في الصراع السوري والدور التركي فيها؟

في السابع من شهر أيار/مايو الجاري خرج سكرتير حزب الشعب الجمهوري المعارض غورسل تكين الذي يحتفظ بعلاقات ودية مع النظام الكيماوي في دمشق، على وسائل الإعلام بتصريح عجيب قال فيه إن قوات من الجيش التركي ستتوغل داخل الأراضي السورية في غضون 48 ساعة! وأسند معلوماته إلى مصادر موثوقة لم يكشف عنها. بعد 48 ساعة تماماً، وبدلاً من التوغل التركي الافتراضي هذا، ظهر خبر حصول رئيس هيئة الأركان التركي نجدت أوزال على إجازة مرضية لإجراء عملية في البروستات! وحل محله في قيادة الأركان، بالوكالة، قائد القوات البرية الجنرال خلوصي آكار. وفي العاشر من الشهر نفسه، بعد يوم من بدء الإجازة المرضية لرئيس الأركان، اجتاز رئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو الحدود وزار الموقع الجديد لضريح سليمان شاه داخل الأراضي التي يسيطر عليها الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني بوحداته العسكرية المسماة «وحدات حماية الشعب».

اقتصر التكذيب الحكومي لتصريح سكرتير حزب الشعب الجمهوري بصدد التوغل التركي المفترض داخل الأراضي السورية، على تحدي داوود أوغلو له ب»الكشف عن مصادره» ولم يتجاوز ذلك إلى إعلان صريح بعدم وجود نيات لدى الحكومة بهذا التوغل. وهكذا شاعت التكهنات في الرأي العام التركي حول مغزى الإجازة المرضية لرئيس هيئة الأركان، وهل هي للتغطية على خلاف حاد بينه وبين الحكومة حول توغل محتمل فعلاً، أم ليتهرب من مرافقة داوود أوغلو في «توغله البروتوكولي» إلى ضريح جد مؤسس الدولة العثمانية؟ أم أن الأمر يتعلق بموقفي الطرفين (الأركان والحكومة) المتباين من محاربة الأخيرة لجماعة فتح الله غولن وامتداداتها المفترضة داخل القوات المسلحة؟

فقد شهد الأسبوعان الأخيران توقيف عدد من الضباط وصف الضباط من قوات الجندرمة (الدرك)، إضافة إلى مدعين عامين وقضاة، في إطار محاسبتهم على توقيف شاحنات كانت متجهة إلى سوريا، ربيع العام الماضي، بحماية جهاز الاستخبارات القومي الموالي للرئيس أردوغان، بدعوى أنها كانت محملة بالسلاح والعتاد. وهكذا نرى أن موضوع الخلاف هذا بدوره، السياسي الداخلي أساساً، يرتبط أيضاً بدور تركيا في الصراع الداخلي السوري.

ربما يعود هذا التكتم الشديد حول نوايا الحكومة التركية بصدد الشمال السوري خصوصاً، والمشكلة السورية عموماً، إلى هذه التجاذبات الداخلية في قمة القرار التركي بين الحكومة والجيش، وبينها وبين المعارضة. أو أنه يتعلق بعدم اليقين فيما خص موقف الإدارة الأمريكية من الدعم التركي  السعودي  القطري لمجموعات إسلامية حققت انتصارات جبهة الشمال في غضون الشهر الماضي.

على أي حال، ستكون قمة كامب ديفيد مناسبة لوضع الموضوع السوري، مجدداً، على الطاولة في الإطار العام لمواجهة النفوذ الإيراني، وسنشهد في الأسابيع القليلة القادمة ما إذا كانت الإدارة الأمريكية بصدد تلبية الطلب المتكرر لحلفائها التقليديين في الخليج وتركيا بصدد إقامة مناطق آمنة في الشمال بعد إتمام جيش الفتح تحريره آخر جيوب النظام في محافظة إدلب.

٭ كاتب سوري

=====================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com