العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 17-04-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

المعارضة السوريّة والبحث عن كاريزما .. براء موسى

الحياة

الخميس 14/4/2016

تفترض إحدى الروايات أنّ ملاكاً كان مسؤولاً عن قبض الأرواح ثمّ إعادة منحها للمواليد الجدد، وقد تعرّض هذا الملاك لمأزقٍ ذات مرّة، إذ بينما خلت من الذين سيحصد أرواحهم، كان لديه العديد من المواليد في حاجة إلى روح، فلجأ إلى أحد المُحتضرين ممّن كانت أرواحهم ستُقبض بعد وقت قصير، ليستعطفه بأن يَقبض روحه قبيل ساعات من أجَله. لكن ذاك المُحتضر اشترط الاطلاع على مصير ذاك الذي ستؤول إليه روحه، فعرض الملاك عليه العديد من مصائر مواليده توّاً، من دون أن ينال إعجاب محدّثه بأيٍّ منهم، فأغراه الملاك بأن يضع روحه في مولود سيصير زعيماً، ما أثار حماسة الميت بعد وقت قصير، فقال: بالتأكيد هذا المولود ستحيط به هالة من نور، والزعامة منقوشة على جبينه، وستظهر ملامح عبقريته وهو طفل. لكن الملاك نفى ذلك، وتحدث عن طفل تعتريه بضع علامات من البلاهة، فقال الرجل المُحتضر:

- إذاً، فإنّ النباهة ستبدو عليه في مراحل الدراسة في ما بعد.

- بالعكس تماماً، فهو لطالما تأخّر في دراسته، ورسب في بعض صفوفها، بل وَسمه أصدقاؤه أحياناً بالغباء.

- إذاً، ستبدو عليه علامات الزعامة حين بلوغه ودخوله المرحلة الجامعية، فيغدو قائداً طلابيّاً شجاعاً ومُلهماً، يُلهب الرفاق حماسة.

- أبداً، فكثيراً ما سيحتقره زملاؤه لفرط جُبنه ووضاعته.

- لا بدّ أن عبقريته ستنبثق في الحياة العامة بعد الدراسة، فتتفتّق شهامته ونبله وشجاعته، وكلّ الصفات العظيمة التي تليق بزعيم.

- لا شيء مما تذكره إطلاقاً، والكثير من عكس ذلك هو الصحيح.

فيستشيط الرجل اندهاشاً وحيرة، ويقول: إذاً بالله عليك، كيف سيصير هذا الفاشل الكريه زعيماً؟!

فيُجيب الملاك ببرود: بعد أن يصير زعيماً، سيكون كلّ ما ذكرتَه من هذه الصفات الفريدة صحيحاً، بل أكثر.

المعارضة السياسية السورية طوال سنوات خمس من عمر الثورة، فشلت في تقديم قبطان واحد جدير بإمساك تلك الدفّة المستعصية، وذلك يأتي في إطار استعصائها العام، حيث لا يُمكن أيّ قبطان مهما كان بارعاً إدارة تلك الدفّة في سفينة مليئة بالثقوب والهشاشة. وهي كذلك تعجّ بعدد غير قليل من القراصنة الذين لا يهمّهم الوصول إلى البرّ طالما أنّ «رزقتهم» في ذلك التيه من البحر.

المشكلة أعصى من وطنيّة كثر من الأفراد، المشكلة هي بالضبط: أن هذه المعارضة لا تجيد العمل الجماعي كفريق، بل لم تحاول كسب الوقت في محاولة تعلّم العمل كفريق، وبدل أن يكون لهذا «الفريق الذي يلعب كأمرٍ واقع» قائد يقف في الواجهة لتحمّل المسؤولية الجسيمة كما يتطلّب هذا الشكل، حرصت هذه المعارضة كلّ الحرص على إفشال أيّ بادرة لإنجاح رئيس واحد ممن أنتجتهم.

في المجلس الوطني السوري «الأوّل»، سُنّ تشريعٌ حصَر مدّة «القبطنة» في ثلاثة أشهر، والتجديد لمرّة واحدة، مُزاودين بذلك على أعتى الديموقراطيات المُستقرة، وإذا كان النازع في ذاك الطرح نابعاً من تلك العقدة السورية في احتكار المنصب، فإنّ قِصَر النظر في امتداد الثورة، كما حصل بالفعل، هو النازع الثاني. لكنّ الأمر لم ينحصر في هذين السببين الساذجين لمعارضة ناشئة وجدت نفسها فجأة في موقع لا تكاد تعرف عنه شيئاً، وإنّما الأدهى كان في انكشاف النوازع التكالبيّة على مداورة المنصب بالتواتر، وكذلك متلازمة الحسد الدفين من نجاح «الآخر».

ثمّ استمرت تلك السذاجة في الائتلاف الوطني للأسباب ذاتها وبالأدوات ذاتها سوى بتعديل صغير في مدّة «الولاية»، حيث أصبحت ستة شهور، واستمرّ المنهج «الطفولي» نفسه في شكل عام.

إذا كانت صناعة الزعماء، كما النجوم في هوليوود وغيرها، سِمَة العصر، فإننا بشهادة العالم، وبإرادة كاملة من قِواه الدولية، خارج هذا العصر، وعلينا فقط أن ندع الرجل المناسب يمرّ... يَمُرّ فحسب.

هل هذا كثير، أيّها السادة، على ثورتنا؟!.

 * كاتب سوري

======================

موقفنا : إلى النائمين في العسل .. ( غير المضحوك عليهم ولا المخدوعين !!) .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 17-4-2016

اسوأ جريمة ارتكبتها قوى المعارضة السياسية في سورية متضامنة مع المجتمع الدولي بحق الدولة والمجتمع في سورية هو سكوتها عن بقاء ( ختم الدولة السورية ) بيد قاتل مستبد فاسد لم يتمتع يوما بشرعية حقيقية لا هو ولا ابوه من قبله ، ولا نظام الحزب الانقلابي الذي اغتصب السلطة في سورية ذات ليل ..

ويوازي هذه الجريمة في السوء وفي الرزء ان يضع بعض الناس (ختمهم) في جيب آخرين ، يبصمون عنهم وباسمهم ، فيجعلونهم في مقام الحضور وهم الغيّب ، لا كلمة ، ولا رأي ، ولا مشاركة فهم طورا في مسلاخ ( تيم ) جلت تيم عن قول القائل ...

ويُقضى الأمر حين تغيب تيم ... ولا يستشارون وهم حضور

أو في مسلاخ من عناهم الأخطل :

مخلفون ويقضي الناس امرهم ... وهم بغيب وفي عمياء ما شعروا

لا أحد يدري ما الذي يدفع قوما إلى تحمل (وزر مشهد ) ليسوا بشاهديه ، وإثم قول لم يكن لهم رأي لا في نظمه ولا في نثره . ؟! وربما باستطاعة من يدري أن يفيض عليّ فيعلمني مما علمه الله .

إن خلاصة المشهد على الساحة السورية اليوم تذكرنا بما كان يجري في مدريد سنة 1991 يوم كان حيدر عبد الشافي وحنان العشراوي يبرمون ويحكمون ويبدئون ويعيدون ليخرج علينا وفد أوسلو بما زالت قضيتنا الفلسطينية تعاني منه منذ ربع قرن .

 ما كان لعاقل ليقبل أن يكون (حيدر عبد الشافي ) نفسه لو أعطي مكانه ، فكيف يقبلون أن يكونوا ورقة في جيب هذا الزوج المخدوع الذي هو في حقيقة الأمر آخر من يعلم وآخر من يقول .

لا نستطيع أن نجد سببا واحدا يدفع قوما إلى أن يكونوا في منظومة المخدوعين أو المضحوك عليهم كما كانت مجموعة حيدر عبد الشافي يوما !!

 يقولون في مدينتنا حلب ( الطبل بحرستا والعرس بالدانا ) وهذه الراوية أبلغ من رواية أهلنا في دمشق ( الطبل بحرستا والعرس بدوما ) لأن الدانا التي كانت يوم أطلق هذا المثل من أعمال حلب هي أبلغ بالبعد عن حرستا الدمشقية ...

وهكذا هو الحال اليوم فبينما يلاعب السيد ديمستورا مفاوضيه ويدغدغهم ، ويصعد وينزل بهم ويؤنثهم ويؤانسهم ، فإن الممسكين بتلابيب المشهد السوري حسب المصادر يمضون في طريق (أوسلو سوري ) جديد حيث يعقد مبعوثون للرئيسين باراك أوباما وفلادميير بوتين محادثات في جنيف للاتفاق على مبادئ دستورية للحل السياسي في سورية يفرض بقوة القصف الجوي الروسي والبراميل المتفجرة الأسدية ، والوطأة الصفوية الغاشمة . مبادئ دستورية تحدد دور بشار الأسد وسلطات الهيئة الانتقالية المزعومة وليس تفتح الأفق أمام مشهد سورية جديدة ..

وتؤكد المصادر المطلعة أن من بين المسئولين الأمريكيين المنخرطين في المفاوضات الجادة مسؤول الشرق الأوسط في البيت الأبيض ( روبرت مالي ) ومن بين المسؤولين الروس ، مبعوث الرئيس الروسي إلى سورية ( الكسندر لابرنتييف ) وأن المفاوضات الحقيقية تجري في هذا اللقاء ليس على مصير بشار الأسد ، ولا على أي مفهوم من مفاهيم العدل أو الحرية ، بل على دور بشار الأسد في سورية الجديدة ، ودور المجموعة المعارضة التي ستضيف لونا أزرق إلى خرزات عقد سلطته ..

تجري المفاوضات الحقيقية – كما جرت أوسلو – بعيدا عن الإعلام حيث يعاد النظر في مسودة مبادئ دستورية كان الروس قد كتبوها من قبل وسلموا نسخة منها لكيري خلال زيارته لسورية في 24 / 3 أي الشهر الماضي ..

وتركز المفاوضات على نقاط محددة جدا ، ويدور الخلاف حول ( رغبة واشنطن بتوسيع صلاحيات الهيئة الانتقالية وتقليص دور الرئيس وحرص موسكو على إبقاء صلاحيات الرئيس كاملة ولاسيما فيما يتعلق بالجيش والأمن . الروس متمسكون بعرض بشار الأسد الأول حكومة موسعة بصلاحيات تنفيذية مع بعض السلطات التشريعية والقضائية ..)

أنصح بقراءة ما بين القوسين فهو منقول من مصادرهم ، وأتساءل هل ختمكم يصلح لهذه المظبطة . ..؟!

إن الاسترسال في اللعبة حتى حافة الهاوية إنما يلعبها مغامرو السياسة ولا تصلح لأم حقيقية مهمتها أن تستشعر الخطر وتستشرفه وتسعى مبكرة لقطع الطريق عليه ..

هذه الحقائق تخاطبكم بلسان وما يجري على الأرض منذ اليوم الأول يشرح كل ما تقول ...

ويسألونني عن البديل وأنشد :

وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ...وفيها لمن رام القلى متحول

نعوذ بالله أن نكون من المضحوك عليهم كما نعوذ به أن نكون من المغرورين والمخدوعين ..

ويقولون لي : ملتزمون بوثيقة المبادئ الخمسة ونراقب ...

ونعم الالتزام ...

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

==============================

حول الهجمات على المدنيين في الحروب السورية .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 14/4/2016

يكمن وراء الإدانات الواسعة للهجمات على المدنيين التي تقوم بها قوات من المعارضة المسلحة، إقرار ضمني بنزاهة تلك القوات ووطنيتها وإنسانيتها، إلى آخر ما هنالك من أوصاف إيجابية، بمقابل وحشية مسلم بها ومتفق عليها لقوات النظام وميليشياته الطائفية المنفلتة. وكأن خروج النظام الذي قتل، إلى اليوم، نصف مليون سوري ـ غالبيتهم الساحقة من المدنيين العزل- على كل القوانين والأعراف و»أخلاقيات الحروب» ومبادئ الوطنية، أمر بديهي لا يستحق النقاش، ولا حتى مجرد التنويه، لأنه «من طبيعة الأمور».

هذا خطير، وخطير جداً. فالنظام الكيماوي هو الذي يمسك ببقايا الدولة، بما في ذلك ترسانة ضخمة من الأسلحة المعدة لحروب مع جيوش دول أخرى، وهو يستخدمها جميعاً في ضرب المناطق الآهلة بالسكان، وكانت حصيلتها، إلى الآن، تدمير ثلاثة أرباع العمران في سوريا، الأمر الذي يفسر تهجير أكثر من نصف السكان خارج موطنهم، غير نصف المليون من القتلى وأضعافهم من الجرحى والمعطوبين.

وبموازاة ترسانة الأسلحة، ما زال النظام يتمتع بالشرعية الدولية بوصفه «الحكومة السورية» وعبره تمر المساعدات المقدمة من الأمم المتحدة والمفترض أن تصل إلى أولئك المنكوبين الذين يستحقونها، ويعرف العالم أنها لا تصل إليهم، بل تسطو عليها عصابات الشبيحة وتبيعها، أو تصل إلى بيئات موالية آمنة من البراميل المتفجرة والقصف الجوي.

فإذا أراد المرء توزيع المسؤوليات عن قصف المدنيين على مختلف أطراف الصراع في سوريا، توجب تحميل النظام المسؤولية الأولى، بل الحصرية، لأنه الجهة الوحيدة المفترض أن تتحمل المسؤولية عن حماية السكان، ناهيكم عن عدم استهدافهم بصورة منهجية. بكلمات أخرى: لا يمكن محاسبة مجموعات مسلحة ما دون الدولة، مثل محاسبة الدولة. بل أكثر من ذلك: حتى الانتهاكات التي تقوم بها أي مجموعات مسلحة، تؤول مسؤوليتها إلى الدولة التي فشلت في حماية السكان منها. أليس الفشل الأمني في مواجهة عمليات إرهابية تقصيراً يدفع قادة الأجهزة الأمنية أو وزراء الداخلية إلى الاستقالة وتقديم الحساب، في الدول «الطبيعية» التي تعرف معنى الدولة ومتطلبات السلطة عليها؟

واقع الحال معكوس تماماً في سوريا. فالجميع يتعامل مع نظام البراميل والكيماوي بوصفه «قبضاي الحارة» الذي لا يطاله القانون ولا يخضع لأي أعراف أو أخلاقيات، ويضرب من يشاء ويسطو على ما يشاء، بلا أي ضوابط. مع أن نمط قبضاي الحارة الشرقي التقليدي نفسه يستند إلى شرعية من السكان المحليين الذين يقدمون الخضوع والأتاوة للقبضاي مقابل حمايتهم من أي مخاطر على أمنهم. وحين يكف عن حمايتهم، يسحبون تفويضهم له ويسقطونه. أي أن نمط القبضاي يحيل أيضاً إلى نموذج بدائي ومحلي لـ»الدولة» وإن كانت استبدادية واعتباطية وقائمة على علاقة قهرية. وهكذا نرى أن النظام الكيماوي في دمشق يرسب حتى في المقارنة مع قبضاي الحارة المعروف بالشهامة والنخوة وغيرها من الصفات المحمودة، على الأقل في صورته في المخيلة الجمعية لسكان منطقتنا، بصرف النظر عن مدى مطابقة هذه الصورة للحقيقة التاريخية.

بالمقابل، هناك محاسبة صارمة، من قبل الرأي العام، لكل انتهاك يصدر عن فصائل المعارضة المسلحة المسماة تجاوزاً بالجيش الحر. وهذه المحاسبة، وأهمها إدانة استهداف المدنيين في مناطق سيطرة النظام أو مناطق سيطرة وحدات حماية الشعب ـ الذراع العسكري لحزب الاتحاد الديموقراطي، تحسب لصالح «الجيش الحر» لأنها تعتبره طرفاً مسؤولاً قابلاً للمساءلة وفقاً لمبادئ مجردة (الوطنية أو الثورية). وقد أثار استهداف حي الشيخ مقصود في حلب ذي الغالبية الكردية، وتسيطر عليه «وحدات الحماية»، مؤخراً، موجة إدانات واسعة في الرأي العام المعارض لنظام البراميل.

اللافت للنظر، حين تستهدف مناطق آهلة بالسكان من قبل المعارضة المسلحة، أن ردود الفعل، بغالبيتها، تكون فئوية واستنسابية. أي أن الانقسامات العمودية في المجتمع التي عمقتها سنوات الحرب، تبرز بقوة في ردود الفعل هذه وتحول دون تشكيل رأي عام موحد له معايير أخلاقية مجردة وعامة.

الحديث، في هذا الإطار، عن داعش وفصائل جهادية أخرى فرضت سيطرتها على مناطق واسعة، يختلف عن طريقة تناولنا لفصائل المعارضة المسلحة أو الجيش الحر. فبالنسبة لداعش هناك رأي عام موحد ضدها بصفتها «الشر المطلق» الذي تقاس عليه الشرور. فلا يعترف أحد بأنها «دولة» كما ترى هي نفسها، ولا تنجيها صفة «الشر المطلق البديهي» من الإدانة الحادة كحال نظام الكيماوي. أي أن داعش يشبه نظام بشار كثيراً بممارساته الوحشية، لكنه يفتقر إلى الدلال الذي يتمتع به الأخير وينجيه من العقاب. فهو يستقبل في وكره نواباً انتخبهم الشعب الفرنسي، في حين توحدت كل دول العالم لمحاربة شقيقه في الإجرام «داعش».

أما جبهة النصرة التي يبدو أن التنافس على «الشرعية الجهادية» بينها وبين داعش، في إطار «أخوة المنهج» دفعتها لارتكابات بحق السكان أدت، في مدينة المعرة، إلى ثورة شعبية عليه، فينطبق عليها ما قيل عن شقيقتها اللدود. وبالعودة إلى القصف العشوائي للمدنيين في «مناطق سيطرة العدو» فلا داعش ولا النصرة أو غيرها من المنظمات الجهادية، تتمتع بأي حصانة من النقد والإدانة في مختلف انقسامات الرأي العام. أخيراً لدينا سلطة أمر واقع «وحدات حماية الشعب» التي خصصت منظمة العفو الدولية تقريراً بانتهاكاتها في مناطق تل أبيض والجزيرة. وفي حين تلقى هذه الانتهاكات ردود فعل واسعة وحادة من الرأي العام المعارض، فردود الفعل هذه ليست بريئة من «التسييس» إذا صح هذا الوصف. أعني أن الموقف السياسي المسبق من حزب الاتحاد الديمقراطي القائم على مخاوف من «النزعة الانفصالية الكردية» تلعب دوراً كبيراً في حدة ردات الفعل ـ المحقة بذاتها ـ على الانتهاكات. والحال أن هذا الرأي العام لا يكترث كثيراً بانتهاكات الحزب الأوجالاني ضد السكان الكرد أنفسهم، بمقابل ارتفاع صوته (المحق، مرة أخرى) حين يتعلق الأمر بانتهاكاته ضد سكان من غير الكرد.

استهداف المدنيين، بالقصف العشوائي أو بأي نوع من الانتهاكات، أمر مدان دائماً وفي كل مكان، ومن أي جهة جاء، ومهما كانت البيئة المستهدفة. ولا يجوز تبرير انتهاك بانتهاك مقابل. ويحسب لقوات المعارضة أنها الأقل استهدافاً للمدنيين، بالمقارنة مع قوات النظام وميليشياته. كما يحسب لها أنها تحاسب بقسوة من قبل الرأي العام بصفتها جهة مسؤولة، ويحملها هذا عبء رسالة الثورة ومبادئها.

٭ كاتب سوري

======================

حسين العودات.. آخر الرجال المحترمين .. حازم نهار

العربي الجديد

الاربعاء 13-4-2016

فارقنا، قبل أيام قليلة، حسين العودات، أبو خلدون، الذي كان وسيظل اسماً ناصع البياض على امتداد الخارطة العربية في مجال الإعلام والصحافة والثقافة والنضال السياسي والانتصار لقيم الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان. لكن، فوق هذا كله، كنت أشعر دائماً بأن أهم وصف يليق بحسين العودات، قبل أي حديث آخر، هو: آخر الرجال المحترمين، على الرغم من معرفتي بالطبع بوجود آخرين يستحقون الاحترام والثناء.

حسين العودات من المثقفين والسياسيين القلائل الذين تحرّكهم بوصلة وطنية سورية بحت، ويترفعون عن الذات وأمراضها، ولا أبالغ، عندما أقول إنه من المثقفين والسياسيين أسوياء العقل والروح والنفس القلائل. إنه، بتكثيفٍ أشد، من فئة المثقفين والسياسيين النبلاء.

تعرفت إليه منذ نحو عشرين عاماً، وكنت أراه دائماً رجلاً عاقلاً وحكيماً، لا يفتنه مال أو جاه أو موقع، يُتقن جهاد النفس الأمّارة بالسوء، يدير ظهره للمعارك الصغيرة، يضع نفسه دائماً خلف الجميع، وفي آخر الصفوف، عندما يتعلق الأمر بالمغانم والمكاسب.

آمن أبو خلدون، منذ اللحظة الأولى لثورة السوريين، أنها لم تكن ضد السلطة الاستبدادية القائمة فحسب، بل ضد مرحلةٍ بأكملها، بما اختزنته من قوى وشخصيات وأيديولوجيات. لذلك، رأى أن عماد الثورة هم الأجيال الشابة، على النقيض من تلك الديناصورات التي أرادت أن تأكل زمن غيرها، بعد أن أكلها زمنُها ولفظها. أليس غريباً أن يتحول كثيرون من أهل الثقافة والسياسة، خلال سنوات الثورة، إلى مجرد لاهثين وراء الإعلام أو اللقاءات مع سفراء الدول ومندوبيها؟!. لا عجب في ذلك، فالصغار والفارغون هذا سعيهم واهتمامهم، فيما الكبار والممتلئون يحسبون خطواتهم باتزان. ولا عجب إذاً أن نقول: هم راحلون وحسين العودات باقٍ.

يختلف حسين العودات عن أبناء جيله في أنه يتجاوز نفسه باستمرار، فيما هم تخثّروا عند مرحلةٍ معينةٍ، وأكلت عقولهم الأيديولوجيات والأوهام. إنه يتقن الاعتذار، عندما يعتقد أنه أخطأ في أمرٍ أو تقديرٍ ما، وكثيراً ما يسمعه المرء، يقول "كنت أهبل في لحظةٍ من اللحظات". مثل هذه العبارة لا يقولها إلا كل ممتلئ وحقيقي.

كان مجتهداً ومواظباً على العمل والكتابة، حتى في لحظات الموت. أنهكته عيناه في السنوات الأخيرة، لكنهما لم تمنعا عقله وروحه من متابعة كل شيء، تحرّكه روح وثّابة، ويسنده عناد عجيب. قلائل هم من يستطيعون الاستمرار في الكتابة، وهم يعرفون أنهم سيفارقون الحياة قريباً. هذه من سمات الأنبياء فحسب، أولئك الذين يؤمنون بالأجيال الجديدة، ويشعرون بواجبهم تجاهها. إنه كالفارس النبيل الذي يظل يقاتل حتى اللحظة الأخيرة، فارس لا يدفعه اقتراب الموت نحو الضرب في المناطق الممنوعة.

قبل التوافق والاختلاف معه في الفكر والسياسة، هناك حسين العودات الإنسان الذي يجعلك تحبّه، وتشعر بدفئه وصدقه في كل لحظة. لا أملك إلا أن أضحك كلما تحدثنا، يمزج النكتة بالمأساة وبالفكرة العميقة. وفي خلفية الحديث، تجد روحاً صادقةً، لا يمكن إلا أن تقدِّرها مهما اختلفت معه. نادراً ما أحفظ النكات، لكن نكات حسين العودات لا تُنسى.

 

ينزع بعضهم صفة الثورية عن حسين العودات، بالاعتماد على مقاييسهم التي تشوبها ألف شائبة. ليس أبو خلدون ثورياً عندما يكون المقصود بالثورة الصراخ والجعجعة والشتائم، فهو يبني علاقةً سوية بين الثورة والسياسة، جذريٌّ في مواقفه، لا تنقصه الجرأة والوقاحة، عندما تكون هناك حاجة إليهما، لكنه يؤمن، وهو محق، أن الأداء السياسي الصائب، والمستند إلى المعرفة، هو الذي يخدم ثورة السوريين.

بعد وفاته، كتبت عنه قوى وهيئاتٌ وشخصياتٌ سورية عديدة، جاء أكثره في إطار الواجب،

"ينزع بعضهم صفة الثورية عن حسين العودات بالاعتماد على مقاييسهم التي تشوبها ألف شائبة" خصوصاً أنني أعرف أنه لا يودّهم في الحقيقة، بل كثيراً ما عبّر عن انزعاجه من بعضهم، بسبب "هبلهم" أو "انتهازيتهم" أو "قلة عقلهم"، على حد تعبيره، خصوصاً أن من هؤلاء من أرادوه، بشكل أو آخر، شاهد زور على انحطاطهم ومواقفهم وممارساتهم البائسة.

كلنا يعلم، اليوم، أن وجود المرء في أي هيئة سياسية "معارضة" لا يعني أنها تستنفده، أو تعبِّر عنه كلياً بالضرورة، فشخصيات كثيرة عملت تحت عنوان "لعل وعسى" أملاً في تقليل الخسائر والأضرار، وليس قناعةً بما هو موجود. لامني أبو خلدون كثيراً، في بدايات الثورة، على ابتعادي من أجواء المعارضة التقليدية والهيئات والمجالس والائتلافات التي تشكلت، ثم شدّ على يدي بقوة: "حسناً فعلت". وهكذا فعل فيما بعد.

مع حسين العودات، يكون المرء في حضرة جلالة التاريخ، فضلاً عن كونه ممتلئاً بقصص البسطاء من الناس، يذكرها بشغف، ويعتمدها كثيراً في قراءة الواقع. متواضع بلا تصنّع، بعيدا من التواضع المرضي الذي يختصّ به "اليسار العربي" عموماً الذي انفجر تواضعُه احتقاراً للبشر في لحظة الثورة. مع أبي خلدون، يعشق المرء العروبة. عروبة حضارية وثقافية بلا أوهام عن الذات والآخر، وبلا استبداد وإقصاء، وبلا ادعاءات وخطابات رنانة.

اعتقلنا معاً في مايو/ أيار 2005 ثمانية أيام، إثر تخطيطنا المشترك، إضافة إلى الصديق علي العبدلله، لندوة حول الإصلاح السياسي في سورية آنذاك. لا أحد يستطيع أن يعتقل روح حسين العودات، فقد أمضى تلك الفترة يقصّ علينا الحكايات التي تجعل المرء ينفجر ضاحكاً.

أذكر أيضاً كيف ضحك من قلبه في أثناء اعتصامنا أمام القصر العدلي في دمشق في مارس/ آذار 2005، عندما هجم عليه أحد شباب المدارس الثانوية الذين جلبتهم أجهزة الأمن لتفريق الاعتصام. خاطبه ذلك الشاب، قائلاً: أنت عميل للإمبريالية، فكاد أبو خلدون يختنق من كثرة الضحك، فيما دُهش الشاب من جوابه بلهجةٍ حورانيةٍ تزيد إجابته الصادمة متعة: "أنا لو طالع بيدي أصير عميل للإمبريالية ما قصّرت، إنت مفكر بيقبلوا أي واحد يصير عميل عندهم، شو بدهم بواحد مثلي".

اعتدت سماع صوته، كلما غادر دمشق، فقد كان يتصل بي، ويستفيض في بثّ آلامه وشجونه. كان متألماً جداً تجاه أحوال أصدقائه، وكيف أصبحوا خلال السنوات الأخيرة والمحطات التي وصلوا إليها. لم يتردّد أبداً في سنوات ما قبل الثورة في مساعدة أصدقائه، خصوصاً عندما يُلقى بهم في المعتقلات.

عرفت، أخيراً، أن حالته الصحية تدهورت سريعاً، اتصلت بابنه باسل، وحاولت الاتصال به مرات عدة، لكن الشبكة "الحكيمة" في دمشق لم تسعفني. كثيراً ما جالت في خاطري عودة سهرتنا الشهرية المعتادة في منزلي مع بقية الأصدقاء.

رجال يرحلون فتبكيهم أسرهم، ورجال يرحلون فيبكيهم الأصدقاء، ورجال يرحلون فيبكيهم الوطن... سورية اليوم تبكي أحد رجالها المحترمين. سلام عليك حاضراً وغائباً، يا أبا خلدون، فقد كنت كبيراً في حياتك، وستشمخ كثيراً بعد الغياب.

======================

عن آفة الصورة النمطية إسلامياً وغربياً .. عبدالباسط سيدا

الحياة

الثلاثاء 12-4-2016

الأحكام العامة المسبقة، أو الصورة النمطية التي تجسّد تصور جماعة ما حول جماعة أخرى، وتتحدد من خلالها مواقف مختلف الجماعات بعضها من بعض، لا تُعدّ ظاهرة معاصرة. فهي كانت موجودة منذ ظهور المدنيات الأولى، وتطوّر وسائل التواصل في ما بينها قياساً إلى واقع تلك الأيام. وقد أثبتت التجارب الحديثة والمعاصرة باستمرار أن الأحكام العامة لا تصلح مقياساً لتصنيف المجتمعات استناداً إلى المعايير الدينية، أو الاستعداد لتقبّل قيم الحضارة العصرية، أو قابلية العمل الجاد المنظّم، أو درجة تفشي الفساد المالي مثلاً. فالمجتمعات الإنسانية لم تكن في يوم من الأيام متجانسة بصورة مطلقة، ولن تكون كذلك أبداً، وإنما كان التباين والتنوع على الدوام من الخصائص المحورية التي تتمركز حولها كل المجتمعات.

كما أن تحديد سلوكية الأفراد لا يمكن أن يكون الحصيلة المستنبطة من تلك الأحكام العامة، لأن كل استدلال لا يُشتق من مقدّمات صحيحة يتم التحقّق منها بفعل استقراء علمي معرفي محكم، ولا يراعي التسلسل المنطقي بين المقدّمات الأساسية وتلك الفرعية، تكون نتيجته استدلالاً فاسداً بالمعنى المنطقي، عقيماً على المستوى الواقعي.

ولكن الأمر اللافت الذي نواجهه الآن أن الأحكام العامة، أو الصور النمطية، باتت هي المحدّد الرئيس للتوجهات والمواقف على المستويين الإعلامي والشعبي، وحتى الرسمي والنخبوي في الكثير من الأحيان.

فعقلية «نحن وهم» هي المهيمنة راهناً على مختلف مكوّناتنا المجتمعية، وهي التي تمثل المحور الذي تتمفصل حوله الولاءات ما قبل الوطنية، أو تلك العابرة للحدود. ومن هذه العقلية تُستلهم الأحكام العامة، والصور النمطية. فالشيعة في المنظور السني كتلة متجانسة لها خصائص تحدد ماهيتها، وكل خروج عن إطار روحية هذه الكتلة لا يمثّل سوى عناصر شاردة مارقة، لا مكان لها في المنظومة البنيوية الخاصة بالطائفة، وهي لا تمتلك نتيجة ذلك أي دورٍ فاعل، أو وظيفة يعتد بها ويبنى عليها.

والأمر كذلك بالنسبة إلى السنة في المنظور الشيعي، أو إلى العرب في المنظور الكردي أو الكرد في المنظور العربي، أو العرب في المنظور الفارسي، أو الفرس في المنظور العربي، وهكذا...

وقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي بخاصة الفايسبوك، والقنوات الفضائية الموجهة، في ترسيخ هذه الصورة النمطية بفعل هيمنة النزعة الشعبوية عليها، وتراجع النخب التي كان من المفروض أن تمتلك جرأة أكبر، وتواجه حالة الهيستيريا الطائفية والقوموية، والأصولية المتشددة بعقلية نقدية تفكيكية.

كما عملت الجهات المستفيدة من تفجير العلاقات بين مكوّنات نسيجنا المجتمعي من خلال عملائها الالكترونيين عبر تسويق التزييف والتحريف والتشويه، واستخدام لغة سوقية مبتذلة لم نعتقد في يوم من الأيام أنها ستسخدم للتعبير عن الآراء والمواقف في بلاد الأبجدية الأولى، والحضارات العريقة، والديانات السماوية. وهي لغة دفعت بالكثيرين إلى أحضان غريزة القطيع، وسلّمتهم إلى هواجس لا عقلانية عصابية، تُلزم صاحبها بسلوكية التواكل والانقياد.

ومما يدعو إلى التمعّن والتأمل أن ظاهرة الصورة النمطية لا تقتصر على مجتمعاتنا وحدها، بل باتت طاغية في المجتمعات الغربية أيضاً، وذلك في ما يخص العلاقة بين سكّان البلاد الأصليين والوافدين الجدد، بخاصة العرب والمسلمين منهم. فالآخر الوافد المختلف، المجهول «المُهدّد» يدخل ككتلة ضمن مجموعة الـ «هم»، فيما الأفراد «المتميّزون النوعيون» هم الذين يشكلون عناصر مجموعة الـ «نحن» التي تجسّد كل القيم الحضارية والإنسانية، وتمثّل التقدم في مواجهة تخلّف وبدائية وهمجية مجموعة الـ «هم».

وتختلف الصورة النمطية في أوروبا بشقيها الغربي والشرقي تبعاً للجهة التي توظّفها وتبني عليها. فهي في أوروبا الشرقية تمثّل المسلمين الذين يشكّلون «خطراً» على المجتمعات المسيحية وقيمها وعقيدتها. في حين أنها في أوروبا الغربية تركّز على الممارسات المستندة إلى التعاليم الإسلامية، وذلك لجهة كونها تُعدّ «تهديداً» لقيم الحضارة الغربية التي تسوّقها القوى اليمينية على أنها تمثل قيم المتفوقين بالمعنى العنصري، فيما «الرتوش» المسيحي يظل في الخلفية، يمارس التأثير، ولكنه تأثير أقل حدة بكثير من ذاك الذي شهدناه في مجتمعات أوروبا الشرقية، بخاصة أثناء التعامل مع موجات اللاجئين السوريين وغيرهم في رحلاتهم السريالية الاضطرارية نحو الغرب الأوروبي بحثاً عن الملاذ والمستقبل المفقود.

أما الصورة النمطية التي نجدها في أوساط الجاليات العربية – الإسلامية حول الغرب والإسلام فهي من جانبها ترى في المجتمعات الغربية مجتمعات عنصرية، بهذه الصورة أو تلك. فهناك العنصرية المكشوفة أو العلنية، إلى جانب العنصرية المقنّعة التي تكشف عن ذاتها في الأزمات والمواجهات الحادة، كالتفجيرات الإرهابية التي شهدتها باريس وبروكسيل مثلاً.

وهناك صورة نمطية أخرى في أوساط المتشددين ضمن الجاليات المعنية، وهي صورة الغرب «الكافر» التي تسمح لمعتنقيها باستخدام كل الوسائل، بما في ذلك العنيفة الإرهابية لإلحاق أكبر الأذى بالآخر»العدو»، وذلك انتظاراً «للفتح الإسلامي المنتظر».

وقد عززت هذا الاتجاه عوامل التمييز، والعزلة، والانعزال، والجهل، وعدم التواصل، والتجييش الإعلامي، بخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى تزايد مستوى العنف، واتساع نطاقه في المجتمعات العربية- الإسلامية، وتباعد الهوّة بين المكوّنات المجتمعية لا سيما المذهبية منها. كل هذه العوامل تشابكت وتفاعلت في عملية تكوين وضع معقّد مثقل بالتحويرات، والأضاليل، وعدم وضوح الرؤية، وزئبقية المواقف. وكل ذلك دفع بالإنسان الغربي العادي نحو حالة اضطراب، ماهيتها تداخل الحيرة مع التوتر والقلق والتوجّس من الآتي غير المرغوب.

وفي أجواء كهذه، يخضع السياسيون في الغرب لمنطق المصالح والحسابات الانتخابية، فيغازلون النزعات الشعبوية، وحتى العنصرية المتطرّفة، ويغضّون النظر عن المواقف الحدّية تحت ذريعة احترام حرية التعبير، وتفتقر وقفاتهم إلى الجرأة المطلوبة لمواجهة التهديدات التي تنذر بمستقبل سوداوي، إذا ما استمرت مختلف النزعات في مداراتها الراهنة.

وما يضفي قتامة استثنائية على الموقف برمته هو تراجع النخب، والتزامها بالصمت، أو انشغالها بقضايا اختصاصية ثانوية قياساً إلى التحديات المطروحة، وكل ذلك ينذر بأيام صعبة، نتمنّى أن تتضافر كل الجهود من أجل المصادرة على كارثية ما قد تسفر عنه.

======================

حسين العودات الذي صمد في دمشق .. نجاتي طيّارة

العربي الجديد

الاحد 10/4/2016

بعد أن غالب الأمراض طويلاً، رحل حسين العودات أخيراً، وفي دمشق التي صمد فيها، على الرغم من مغادرة الكثيرين. هو أبو خلدون الدرعاوي جميل الهيئة واللهجة، صاحب الرأس اليابس والوجه الصبوح، البعثي السابق الذي تسلم مناصب تربوية وإعلامية، ثم فضل العمل مستقلاً في مجال النشر صاحب دار الأهالي ومديرها. ولم يتوقف عن الكتابة والتأليف والنشاط. وتشهد عناوين كتبة وأعماله على سعة ذلك النشاط وعمقه: الموت في الديانات الشرقية، وثائق فلسطين، الإشراف العام على موسوعة المدن الفلسطينية، موسوعة الصحافة، موسوعة الصحافة في بلاد المغترب، العرب النصارى، المرأة العربية في الدين والمجتمع، دراسات إعلامية، الآخر في الثقافة العربية.

كان واحداً من كبارنا، بكل المعاني، في حراك ربيع دمشق، وكم تمكّن بلطفه وحكمته من إدارة معظم لقاءات لجان المجتمع المدني ومشاريع إحيائه، عندما كان نظام الوريث متردّداً في احتوائنا. وعندما حاولت الجماعة السورية استشراف آفاق مستقبل آخر، خارج أطر العقائدية التقدمية المفلسة، ووسط توتر الأجهزة وخوفها من رياح التغيير، حيث وصل بها التردّد إلى أن تستبدل استدعاءاتها الأمنية بدعوات الضيافة الشهيرة باسم فنجان القهوة. لكن، في مكاتب الفروع الأمنية التي لا ينتهي تعدادها.

وخلال ذلك كله، كان المرحوم يستقبل لقاءاتنا في مكتبه المتواضع، على الرغم من تنقله بين المزة والبرامكة، إلى أن منعه من ذلك مرضه من جهة، والانفلات الأمني بعد بدء المظاهرات من جهة أخرى، فصار يستقبلنا في بيته بالفيلات الغربية، وكم كانت ضيافة البيت العائلي، ورعاية زوجته الكريمة، تضفي الدفء على جلساتنا في تلك الظروف المتوترة.

ذلك كله في كفةٍ، كما يقال، وموقف أبو خلدون السياسي في كفة أخرى، فهو الذي رافق نشاط

"حاول العودات الوقوف طويلاً ضد مسار الانهيار الحاصل، بعد أن عمل دوماً من أجل بناء الدولة الوطنية، وتعزيز مجتمعها المدني في سورية" حزب البعث في شبابه، وتنسم آماله فيه، وسرعان ما تركه في أوائل السبعينات، وابتعد متفرغاً لنشاطه الفكري. ثم ما لبث، حين لمح إمكانات التغيير، بعد رحيل الأسد الأب، أن شارك في جميع بيانات ربيع دمشق، مثل بيان الـ 99 الداعي إلى إطلاق الحريات الديمقراطية، وبيان الألف الداعي إلى إطلاق حراك المجتمع المدني، ثم في تأسيس لجان إحياء المجتمع المدني الوليدة، وبموازاتها في إدارة منتدى الأتاسي الذي استمرت جلسات حواراته الشهرية حوالي خمس سنوات، وكان مختبراً سورياً جامعاً أفكار ذلك الربيع وتياراته، كما كان مرصداً لمراقبي الأجهزة، ومكمنا لاعتقالاتها أيضاً، حتى وصل الأمر إلى منع جلسات المنتدى، واعتقال كامل مجلس إدارته، ومنهم أبو خلدون، إثر إدارته الجلسة الأخيرة للمنتدى، والتي مثلت الأفق الديمقراطي المفتوح الذي طالما دعا إليه، وألقيت فيها مداخلاتٌ جمعت مختلف الجماعات والمنظمات والأحزاب السورية المستقلة والمعارضة، بما فيها كلمة الجمعية السورية لحقوق الإنسان التي ألقاها كاتب هذه السطور، ورسالة من المراقب العام للإخوان المسلمين، صدر الدين البيانوني، وقرأها الناشط والكاتب علي عبد الله، وكلمات الأحزاب الكردية المتعددة. فسجل ذلك الاعتقال الذي لم يتجاوز الأسبوع علامة أخرى على ضيق صدر السلطة الجديدة، بعد اعتقالات ربيع دمشق الشهيرة. وبعد إغلاق المنتدى، لم يتوقف سعي الراحل إلى فتح آفاق اللقاء الوطني بين الديمقراطيين والإسلاميين، فما لبث أن شارك في وضع المسودة الأولى لإطلاق التحالف الوطني الذي عرف لاحقاً باسم إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي.

وإثر انطلاق حركة المظاهرات في سورية، كان من أبرز مناصري الحراك السلمي للثورة، بالكتابة الصحافية والرأي، كما انضم إلى صفوف المعارضة السورية في إطار هيئة التنسيق، وما لبث أن ابتعد عنها بعد تعثر مواقفها، ليتابع الكتابة دفاعاً عن مطالب الثورة، وفي نقد حركتها. وشارك في تأسيس رابطة الكتاب السوريين المستقلة والمعارضة، وحضر مؤتمرها الأول في القاهرة صيف عام 2012. وتميز فوق ذلك كله برفضه مغادرة سورية، على الرغم من شدة الحرب التي شنتها السلطة على رموز المعارضة، ثم على المجتمع، فبقي في دمشق منهكاً بأمراض الشيخوخة، ومقهوراً على ما وصل إليه خراب البلد.

وكان آخر انتقاداته تغوّل السلطة السورية وأجهزتها في ما كتبه، قبل أسابيع، محتجاً على إيقاف راتبه التقاعدي من اتحاد الكتاب العرب، عقاباً له على موقفه السياسي، وكأنه يفضح من جديد المنظمة المعروفة بتبعيتها العمياء لنظام الطاغية، ويطلب منها أن تكون محض نقابية وحامية لأعضائها وحافظة لحقوقهم، في مرحلةٍ انهار فيها كل مشروع الدولة الوطنية ومؤسساتها في سورية، واستباحها التدخل الروسي والإيراني، ولم يعد اتحاد الكتاب وغيره من المنظمات أكثر من استطالةٍ أخرى لشبيحته وأجهزته الأمنية. ولعل في ذلك خير بيانٍ للأزمة التي عاناها الراحل أخيراً، فضلا عن أمراضه. وهو الذي حاول الوقوف طويلاً ضد مسار الانهيار الحاصل، بعد أن عمل دوماً من أجل بناء الدولة الوطنية، وتعزيز مجتمعها المدني في سورية.

======================

عن حسين العودات .. معن البياري

العربي الجديد

الاحد 10/4/2016

أجمعت كتاباتٌ نعت، في اليومين الماضيين، الكاتب السوري، حسين العودات، على "ميزةٍ" حازها، من بين كثيرين من أترابه المثقفين من بني جلدته، هي بقاؤه في سورية في أثناء محنتها الراهنة، محافظاً، في الوقت نفسه، على انحيازه ضد التسلط والاستبداد والفساد، وعلى قناعته بوجوب حلّ سلمي للأزمة الحادثة في وطنه، وعلى إيمانه المؤكد بأهداف الثورة السورية التي انطلقت من مدينته، درعا، قبل خمس سنوات. بدا أن التنويه بمرابطة حسين العودات في دمشق، في استعراض سيرته، وفي الإضاءة على مؤلفاته وتجربته الثقافية والسياسية، مع وفاته يوم الجمعة الماضي، ينطوي على إعجابٍ مضاعفٍ بالرجل، وعلى سؤالٍ مضمر عن أسباب من غادروا بلدهم، وكان في وسعهم البقاء فيه، أو ربما كان لازماً أن يبقوا فيه. وأتذكّر، هنا، عدم استحسان الروائي السوري، خالد خليفة، السؤال الذي كثيراً ما يُطرح عليه، في غير بلدٍ عربي، عن سبب بقائه، إلى الآن، في سورية. وفي الوسع أن يُقال إن حسين العودات لم يكن يرى في "صموده" في دمشق أفضليةً لديه على غيره من زملائه المثقفين السوريين، الوطنيين ذوي الخيار التحرّري الديمقراطي، والذين ما "نفوا" أنفسهم خارج بلدهم إلا لشعورهم بأن أدواراً في وسعهم النهوض بها، لخدمة القضية السورية، بشكل أكثر جدوى ونفعاً مما لو ظلوا تحت الحصار المعلوم، وفي أجواء التضييق المعروفة، وفي ظل سقوف السلطة، ولعبتها السخيفة في التمييز بين "معارضة وطنيةٍ" و"معارضة غير وطنية".

من شمائل غير قليلة في الراحل النظيف، حسين العودات، أنه كان مطبوعاً بمقادير غزيرة من البساطة والروح السمحة التي تكاد بلا حدود، وربما الوداعةُ التي كانت باديةً في شخصه هي التي جعلته غير جذريٍّ في ثوريّته، وغاندياً في معارضته السلطة في بلده، ربما يراها بعضنا، من زاويةٍ راديكاليةٍ، مشوبةً ببعض المحافَظة. وفي الوقت نفسه، حظي بإجماعٍ تام (بلا مبالغة؟) من كل تلوينات المعارضات السورية الوفيرة، على مناقبيّته الوطنية، وأخلاقيّته الرفيعة في تمسّكه المؤكد بوجوب تخلص السوريين من الدولة الأمنية، ومن حكم النظام الشمولي. عمل موظفاً رفيعاً في الدولة السورية، سنواتٍ طويلة، وكان في وسعه أن يصير وزيراً لو جال في خاطره أمرٌ كهذا، غير أنك، في غضون وظائفه الحكومية، قبل عهد حافظ الأسد وفي أثنائه، لا تعثر على ما يخدش الحيّز الذي أراده لنفسه، مثقفاً صاحب خيار آخر غير الذي تُريده السلطة، أي الالتحاق الذيلي بها من النوع إيّاه. وفي الوسع أن يُقال، هنا، إنها ليست مصادفةً أن يكون آخر كتب الراحل هو "المثقف العربي والحاكم" (دار الساقي، 2012). وقد جاء فيه على محاولات الحاكم العربي فرضه على المثقف "الطاعة في مقابل امتيازاتٍ يقدّمها له". كأنه ودّ أن يودّع الحياة (عن 79 عاماً) وقد قال كلمته في هذا الشأن الشائك، وفي سورية خصوصاً التي تقيم منذ أزيد من خمسين عاماً تحت سلطةٍ لم تر للمثقف غير دور الطاعة.

تابع حسين العودات نشاطه مثقفاً مدنياً، صاحب موقف، في مقالاته التي واصل نشرها، في صحيفتين عربيتين، من دمشق نفسها، عن الاستبداد والتوحش، عن راهن سورية وتشابك المصالح والمناورات والمعارك حولها. وفي كل ما كتب، بقي، رحمه الله، على مبدئيته في تأكيد حق السوريين بدولةٍ حديثة، تقوم على مرجعية المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية. وهذه كلها، وغيرها، ثوابتُ في التشكيلات المدنية التي كان الراحل من مؤسسيها وفاعليها النشطين، منتدى الأتاسي وإعلان دمشق للتغيير الديمقراطي وغيرهما، قبل أكثر من عشرة أعوام. وقد توازى حضور هذه المرجعيات في مؤلفات حسين العودات (منها "النهضة والحداثة بين الارتباك والإخفاق"، دار الساقي، 2011) وحضوره الفكري والثقافي في بلده مع شغفٍ بثقافة الجمال والإبداع، دلّت عليه إطلالة له على "السينما والقضية الفلسطينية"، في كتاب أنجزه بهذا العنوان (للتذكير فقط)، وكان من إصدارات دار الأهالي للنشر التي أسّسها، وطالعنا منها غير القليل الذي أحببنا وأمتعنا..

======================

العقدة الخفية في إخفاق الحلول السياسية والعسكرية في سورية .. برهان غليون

العربي الجديد

الاحد 10/4/2016

العقدة الخفية في إخفاق الحلول السياسية والعسكرية في سورية

ليس صحيحاً أن الحسم العسكري في سورية لم يكن ممكناً في السابق، كما أنه ليس من الصحيح اليوم أن الحل السياسي مستعص على الوجود. كما أنه ليس من الصحيح أن السوريين تركوا وحدهم حتى يحسموا صراعهم حرباً أو سلماً. الصحيح أن الدول النافذة في المجتمع الدولي، وفي مقدمها روسيا والولايات المتحدة، رفضت الحسم العسكري، وعملت كل ما تستطيع لمنعه، وهي تتلكأ اليوم في الحل السياسي، ولا تقوم بأي جهد جدّي للدفع به. وقد بدأ التدخل في الشأن السوري منذ اليوم الأول لانطلاق الصراع السوري الداخلي، ودشّن بموازاته حروباً إقليمية ودولية، ما لبثت حتى تحولت إلى البؤر الرئيسية للحرب. ولا يزال التدخل الأجنبي العامل الرئيس اليوم في استمرار جميع الحروب الدائرة على الأرض السورية فحسب، وتعيين أهدافها ورهاناتها، وبالتالي، تحديد المخرج منها.

لا ينبغي أن ننكر أن لجميع الأطراف المنخرطة في الصراع السوري مصالح خاصة بها، تجعلها تقف مع التغيير أو ضده. وأن التوصل إلى اتفاقٍ شاملٍ في ما بينها على تقاسم الكعكة السورية من مصالح ومواقع استراتيجية وموارد ومناطق النفوذ لم يزل صعب المنال. لكن هذا لا يفسر وحده استمرار الحرب، ولا بقاء النظام، على الإطلاق. فمن جهةٍ، لا تملك الأطراف المتصارعة الدرجة نفسها من الاستقلال، في سعيها إلى إرضاء رغباتها ومطامعها، وليس لدى أغلبها القدرة على التحكم بمصير الحرب، حتى لو كان بإمكانه أن يقاوم هنا وهناك، ويعرقل فترةً من الوقت الحل السياسي. ومن جهةٍ ثانيةٍ، يدرك هؤلاء معظم الفاعلين أن النظام تحطم نهائياً، ولم يعد بالإمكان إعادة إحيائه، وأنه لا مخرج لهم سوى التفاهم على موقعهم في النظام القادم. وبالتالي، السعي نحو مشاركة جدية في التفاوض عليه. ودور الوساطة الدولية هو بالضبط أن تعزّز فرص دخول الأطراف في مثل هذه المفاوضات، بالسر أو بالعلن.

ما عمل على تأجيل أمد الحل، ولا يزال، عسكرياً كان أم سياسياً، ليس تعدّد أبعاد النزاع، ولا

"لا يوجد هناك ما يمكن أن يبرّر هذا الضلوع في المحافظة على نظام الأسد، لا تعقيد الوضع، ولا صعوبة الحسم العسكري، ولا الخوف من التكاليف والخسائر، ولا الحفاظ على مؤسسات الدولة" عجز الدول عن لي ذراع الأسد، ودفعه إلى الرحيل، بل حتى جموح طهران الاستراتيجي والروح الانتقامية التي طبعت سياسة روسيا بوتين. كانت أي واحدةٍ من الجرائم والانتهاكات، من الاستخدام المتكرّر للأسلحة الكيميائية إلى قذف البراميل المتفجرة على السكان الآمنين، وفرض حصار التجويع على المدن والقرى من دون تمييز، وقتل الآلاف تحت التعذيب في سجون العار، وعمليات الترويع والتهجير القسري والجماعي للسكان، مما لم تكف تقارير المنظمات الدولية الإنسانية والقانونية، منذ سنوات، عن وصفه بجرائم حرب موصوفة وجرائم ضد الإنسانية، أقول أي من هذه الجرائم الشنيعة كانت كافية وحدها لتثير عاصفةً مدويةً من الاحتجاج الدولي، وإطاحة نظامٍ أصبح صنواً للرعب والإرهاب. لكن، بدل ذلك، اختارت الدول الغربية، وليست روسيا فحسب، مكافأته، أولاً برفض نزع الشرعية عنه، والحفاظ على موقعه في المنظومة الدولية خلال السنوات الماضية. وثانياً، بالتمسك بوجوده شريكاً في أي حكومة أو هيئة انتقالية، وصرف النظر عن أي عدالة أو محاسبة أو مساءلة على ما ارتكبه من فظائع بحق السوريين والمنطقة بأكملها.

لا يوجد هناك ما يمكن أن يبرّر هذا الضلوع في المحافظة على نظام الأسد، لا تعقيد الوضع كما كان يقال، ولا صعوبة الحسم العسكري، ولا الخوف من التكاليف والخسائر، ولا الحفاظ على مؤسسات الدولة، ولا حماية الأقليات. تكمن العقبة الخفية الحقيقية أمام تقدم مفاوضات التسوية السياسية منذ مبادرة جامعة الدول العربية في خوف الدول الكبرى، الروس والأميركيين والأوروبيين والصينين وغيرهم، كل لأسبابه ورهاناته الخاصة، من التسليم بنقل السلطة في سورية للشعب، والقبول بالاحتكام بالفعل لصندوق الاقتراع، أي بحكم الأغلبية السياسية والعددية، في الوقت نفسه.

الخوف من الإسلام مبرراً لإعادة تأهيل الديكتاتورية

لا ينبغي أن ننسى أن الولايات المتحدة، والغرب عموماً، هما اللذان دعما، في العقود الطويلة الماضية، الديكتاتورية في إفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط وآسيا. وكان الاعتقاد أن ذلك حصل لمقاومة الشيوعية. والحال أن ذلك حصل، لأن الشيوعية كانت تمثل الوعاء الأيديولوجي والفكري الذي انصبت فيه إرادة الاحتجاج العميقة ضد النظام المحلي، ومن ورائه العالمي، وانتزعت قطاعاً كبيراً من الجمهرة الشعبية. ولم يكن الهدف من محاربة الشيوعية رفض العقيدة والفلسفة نفسيهما، وإنما استلام الشعوب زمام أمورها بيدها، وما يستبطنه ذلك من تغيير موازين القوى الجيوسياسية العالمية. وهذا ما يحصل اليوم بالضبط إزاء الإسلام الذي حل، على مختلف تنوعاته، محل الشيوعية في تجسيد عقيدة المقاومة والمعارضة والاحتجاج الشعبية والشعبوية، والذي تتعامل معه الدول الكبرى المهيمنة، تماماً كما تعاملت مع الشيوعية، وفي النهاية، الحفاظ على النظام العالمي لتوزيع القوة والثروة نفسه.

يشكل العالم العربي جزءاً رئيسياً من العالم المتأزم الذي خسر رهان الاندماج في نظام العولمة

"ما فعله الأسد في الشعب السوري لم يكن بموافقة الدول الكبرى، وإنما ليس ضد مصالحها، بل هو تلبية مسبقة لمطالبها في إجهاض موجات التحرّر العربية، أو ضبطها وإعادة السيطرة عليها" الاقتصادي والتقني والسياسي معا، وهو مهيأ، أكثر من أي منطقة أخرى، لإطلاق موجات احتجاج وثوراتٍ لن تتوقف قبل فترة طويلة من المخاض، وقبل أن تعيد الدول المتقدمة النظر في سياساتها الكبرى وخياراتها الإقليمية التي دفعت مجتمعاتٍ كثيرة إلى الإخفاق في مسيرتها التحرّرية، وحرمتها من التفاهم والاتحاد لبناء بنيتها الإقليمية الفاعلة، وفرضت عليها ديكتاتوريات وحشيةً لضبطها وتحييدها، وأغلقت أمامها سبل التقدم التقني والعلمي والاقتصادي.

ما فعله الأسد في الشعب السوري لم يكن بموافقة الدول الكبرى، وإنما ليس ضد مصالحها، بل هو تلبية مسبقة لمطالبها في إجهاض موجات التحرّر العربية، أو ضبطها وإعادة السيطرة عليها. وهو جزء من خطة حرمان الشعوب من انتزاع حقها الكامل في تقرير مصيرها، وإجبارها على القبول بسيادةٍ منقوصةٍ تحت إشراف الدول. لم يأت وقوف هذه الدول متفرجةً أمام الجرائم الكبرى التي ارتكبها الأسد وحلفاؤه من باب التمسك بالأسد، أو تقرباً من حلفائه في طهران وغيرها، ولا من باب العجز عن التدخل لحسم النزاع، ولا تكاليفه، وإنما من باب الخوف من بديله الشعبي أو الشعبوي، وفي سبيل كسب مزيدٍ من الوقت لتهيئة الظروف المناسبة لإيجاد نخبةٍ حاكمةٍ مرتبطةٍ بها، والتفاهم على نظام سياسي قادر على القيام بالوظائف نفسها التي دعم لأجلها نظام الأسد المنهار ما يقارب من نصف قرن. وما تهدف إليه مفاوضات جنيف الانفجارية، وصيغة الحكومة الموحدة الانتقالية، هو وضع السوريين أمام تناقضاتهم، ودفعهم إلى تعرية أنفسهم، وتعميق الشروخ القائمة في ما بينهم، في سبيل استنزافهم جميعاً، ودفعهم إلى القبول بنظام هجينٍ جديدٍ، يفتقر لأي إرادة جماعية فعلية، وعاجز عن توليد أي قيادة وطنية فاعلة وذات صدقية، وعن بلورة أي برنامج عمل طويل المدى، يعيد للسوريين حرياتهم، وللدولة السورية سيادتها واستقلالها.

في هذا السياق، ينبغي فهم صيغة إكراه القتيل على تقبيل القاتل، وتجاهل المعاناة وصرف النظر عن مبدأ القانون والعدالة. وفيه أيضا ينبغي فهم الطريقة التي أثيرت فيها، منذ البداية، مسألة الأقليات وحماية الأقليات التي لم يكن تهديدها مطروحاً أصلا في أي شعار من شعارات الثورة الشعبية، ولا كان هناك وارد لأي تأزم في العلاقات بين الجماعات المذهبية أو القومية في ما وراء مسألة تغيير نظام السلطة السياسية.

وبالمثل، ليس الهدف من تشجيع مسار انتقالي يجمع بين التناقضات، ويعمق التوترات، ويعطل أي فرصةٍ لبناء دولة وحكومة وسلطةٍ تعكس بالفعل إرادة الناس، وتمثلهم، وترد على تطلعاتهم، استهداف المسلمين السنّة كسنّة، كما يعتقد بعضهم، لكن وضع الجماعات الدينية في مواجهة بعضها، وكسر التوازنات الاجتماعية والديمغرافية والدينية الداخلية. وفي ما وراء ذلك، القضاء على فكرة الوطنية السورية نفسها التي لا يمكن أن تستقيم بإخراج (أو إقصاء) أي جماعة منها، خصوصاً إذا كانت تمثل أكثريةً عددية، ولا أمل لها في العودة إلى الحياة بتطييف السنّة، وإكراههم على العودة إلى منطق العصبية الطائفية.

وبالمثل، ليس الهدف من هذه السياسات التقسيمية حماية حقوق الجماعات، وضمان مساواتها،

"لا ينبغي أن ننكر أن لجميع الأطراف المنخرطة في الصراع السوري مصالح خاصة بها، تجعلها تقف مع التغيير أو ضده" كما يعتقد بعضهم، ودعاة الحلول الفيدرالية المطروحة من الخارج، وإنما بالعكس، تحويل السوريين من أمة، أو من مشروع أمة تقوم على مبادئ وغايات إنسانية كونية، هي أساس الاندماج والتفاعل مع التاريخ الراهن، والاندراج في مدنية العصر، إلى موزاييك من جماعات وأقليات ومذاهب وقوميات، مهووسة بالدفاع عن هوياتها المغلقة، وخصوصياتها، ومعبأة جميعاً ودائماً للتنازع في ما بينها على تقاسم موارد طبيعية، تتضاءل كل يوم بشكل أكبر، جماعات لا يربطها رابط سياسي أو قانوني أو أخلاقي، ولا يمكن أن تعيش وتتعايش، من دون وصايةٍ وحماياتٍ خارجيةٍ وتدخلاتٍ وتفاهماتٍ دولية. وهذا هو الهدف، أيضاً، من تركيز العداء على أكثريةٍ سنيةٍ مسالمة، وتصويرها طائفة مهددة للأقليات، لمجرد كونها أكثرية عددية، واقتناص أخطاء بعض متطرفيها، وربما تجنيدهم في منظماتٍ إرهابيةٍ، تستهدفها قبل غيرها، في سبيل تغذية الخوف منها، وتعزيز الانتماءات المحلية القومية والمذهبية، وتعبئة الجميع ضد الجميع، في صراعاتٍ داخليةٍ، لا تنتهي ولا يمكن حلها، من أجل إقناع السوريين باستحالة التعايش والعيش المشترك، وقطع الطريق على إعادة بناء سورية دولة مواطنة، تجاري الدول السياسية الحقيقية في المبادئ التي تقوم عليها، والغايات التي توجه أبناءها، والتطلعات الإنسانية التي تحرّك مواطنيها، وإكراهها على أن تكون دولة محاسيب وموالٍ، يعملون في خدمة أمراء الحرب الصغار، وزعامات الطوائف الثابتين والمؤبدين والمتناحرين بشكل دائم، وعلى استعدادٍ، في الوقت نفسه، لتجنيد أنفسهم كفرق مرتزقة في خدمة مشاريع الدول التي تحميهم، وتوظف ولاءهم، كما تفعل طهران مع الموالي العراقيين واللبنانيين والباكستانيين وغيرهم. والنتيجة تحطيم سورية نفسها دولةً ومجتمعاً وشعباً، ودفنها تحت أنقاض نزاعات الهويات المتناحرة والفقيرة معاً، وتحييدها، لحرمانها من لعب أي دور مؤثر في محيطها، بعد أن حرمت الديكتاتورية، خلال أكثر من نصف قرن مضى، شعبها من التأثير، وحكمت عليه بالبقاء بعيدا عن دائرة التقدم والنمو والابداع والتأثير.

هذه هي للأسف الغاية من التسعير المتزايد اليوم للخلافات الدينية والقومية والمذهبية في سورية، والمنطقة عموماً، وتحويلها إلى حدود ثابتة ومتضاربة، أو متنافية، أعني دفن مشروع الدولة الأمة الواعدة والرائدة معا، الذي يقرّب العرب من تاريخ الإنسانية الراهنة، ويحرّرهم من مخاوفهم ومعوقاتهم، وليس، كما يزعم أمراء الطوائف والحروب الصغيرة، الدفاع عن هذه القومية وحماية تلك الطائفة، أو الانتقام لهذه أو تلك.

======================

كلمة حق يراد بها باطل .. د. يحيى العريضي

كلنا شركاء

الاحد 10/4/2016

“قوة الشعب من قوة الله” هي العبارة الأكثر رواجاً في عالم السياسة والأكثر إنتهاكاً وتعهيراً من قبل حكام يعرفون هذه الحقيقة، ولكنهم لا يألون جهداَ على سحق هذه القوة بكل ما أوتوا من عزم وتصميم.

الحالة السورية ليست استنثناءاً، بل كانت الحالة التي كان فيها هم وهاجس الطغاة إكثار الحديث عن الشعب وإكثار السحق حتى لو استلزم الأمر ضربه بالسلاح الكيماوي.

لم يكن شعار “التدمير” في (نحكمها أو ندمرها ) و (الأسد أو نحرق البلد ) يقصد تدمير الحجر بل يتعداه إلى تدمير البشر والنسيج الإجتماعي لهذا الشعب الذي طالما تغنى به النظام في قصائد مطولة.

اليوم، أكثر المتحدثين عن الشعب السوري هي “الصديقة” روسيا، الكلام الروسي المتجدد يتراوح بين تحديد مصير الأسد إلى تحديد مستقبل سوريا.

عندما يسمع المرء تصريحات مسؤولي روسيا يستبشر خيراً، يظن المرء أن هناك من يحترم إرادة الجماهير ويقر بحقها في تحديد مصيرها ومستقبل بلدها.

إن كانت روسيا عهدت بهذه الصلاحية للسوريين بصدق ونية صافية فهذا موقف عظيم يستحق التقدير، وإن كانت تريد أن تمكنهم من حمل هذه العهدة لأنها تعرف أنهم مغلوبون على أمرهم فهذا موقف أعظم، أما إن كانت تستخدم هذا الكلام وهي تعلم بحالهم وضعف حيلتهم وخوفهم من إرهاب وإرعاب نظام القتل فهذا موقف نذل مخادع لا يستحق إلا الخزي والعار.

لو كانت روسيا تحترم إرادة السوريين كما تزعم، فلما استهدفتهم بطائراتها حماية لنظام مجرم قتل منهم من قتل وجرح منهم من جرح؟

لو كانت روسيا تؤمن بإرادة الشعوب لما فعلت بالشيشان مافعلته من خراب وتدمير وتهجير لأهله.

تدرك روسيا جيداً أن نظام الأسد الذي مارس الإرهاب والقمع الوحشيين ما زال قادراً على الفتك بالمدنيين ولذلك قد يكون هناك من السوريين ممن يسكنون في المناطق الخاضعة لقوات المعارضة من ما زال يخشى من التصويت ضد النظام خوفاَ من عودة النظام وإقتصاصه ممن لم يصوتوا له.

لو كانت روسيا تحترم إرادة الشعوب لما سمحت للنظام الذي تحميه بتشكيل قوائم من (سيمثلون هذا الشعب فيما يسمى مجلس الشعب) ولكانت أقنعت النظام على الأقل بتأجيل ما يسمى “انتخابات مجلس الشعب” لكي لاتؤثر على مسار عملية السلام التي هي شريك أساسي فيها.

تعلم روسيا أنها تستخدم عبارة “السوريون يقررون مستقبل بلدهم ومصير الأسد ” بطريقة المثل القائل ( حق يراد به باطل ) لأن حرص روسيا المزعوم على الدولة السورية التي يفترض بالسوريين تقرير مصيرها وهوية من سيرأسها لا يبدو جدياً ومدروساً حيث تدرك الحكومة الروسية أن الانتخابات لا يمكن أن تجري في أجواء مشحونة سياسياً واجتماعياً قد خرجت للتو من أتون حرب مدمرة وأن الأستقرار الاجتماعي ضروري لقيام أي نشاط سياسي كما أن الأنتخابات ليست الشكل الوحيد للتعبير عن إرادة الجماهير وخصوصاً عندما تجري مثل هذه الانتخابات في بلد يفتقر إلى تقاليد ديمقراطية وإنتخابية، فتأسيس مثل هذه التقاليد يحتاج إلى زمن وإلى ممارسة اجتماعية لقيم الديمقراطية في المجتمع بكافة مستوياته.

إن استسهال الكلام عن إرادة السوريين المعول عليها تقرير مصير بلادهم وتحديد من سيرأسهم ينبع من تزوير منهجي لفكرة إرادة الشعب الذي طاولته يد التخريب الممنهج منذ نصف قرن على أيدي آل الأسد وأجهزة رعبهم وآلة إنتاجهم للخوف والكذب سوياً.

إرادة الشعب ليست مفهوماً جوهرياً أو أقنوماً مقدساً بل هي مجموع رغبات وإرادات تتغير و تتبدل وتتصارع لتعبر عن نفسها من خلال آليات مختلفة، فالمظاهرات والاجتماعات والأنشطة النقابية والمجتمعية تعبر عن أوجه من إرادة هذا الشعب التي لا يمكن قياسها بآليات محددة رغم كون الإنتخابات شكلاً شائعاً من أشكال التعبير عن إرادة شعبية.

إن احترام إرادة شعب ضحى بالآلاف من ابناءه في سبيل الحرية يقتضي أولاً نزع أدوات الرعب والوحشية التي يمتلكها الأسد وتحويله من “رئيس ” إلى “مرشح ” في حال استطاع أن يثبت أمام محكمة سورية مختصة عدم تورطه بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية فهذان شرطان ضروريان لا بد لكل سوري أن يثبت عدم إرتكابه لأي من هذه الجرائم حتى يحق له الترشح لأي منصب.

تريد روسيا أن تسمح للسوريين بفرض إراداتهم، المعادلة بسيطة: ” انزعوا سلاح كل القتلة وميليشاتهم وأجهزة رعبهم، دعوا السوريين يتخلصوا من كوابيس الأسد،وسترون حينها مصير الأسد وقد صار في مكانه الطبيعي الذي سيقرره سوريين تحرروا من الخوف.

======================

ماذا بعد الجولة الثانية من مفاوضات جنيف3 ؟! (3) .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 10/4/2016

ماذا بعد الجولة الثانية من مفاوضات جنيف3 ؟! (3) بعد مرحلةٍ طغت عليها أجواء إيجابية بالنسبة للمعارضة السورية في الأسابيع السابقة، تواجه الآن جملة مناورات مكثفة لإلغاء مكتسباتها، وإعادة خلط الأوراق وصولًا لمحاصرتها في زاويةٍ تدفعها لتقديم التنازلات.

أول عناصر هذه الخطة يتمثل فيما سمّاه إعلاميون ونشطاء سوريون بعملية «إغراق وفد المعارضة». بدأت التحرك بتصريحات (بريئة) قال فيها المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا ما معناه «إن السوريين هم الذين يُقرِّرون مستقبلهم»، وهو مصطلحٌ يُكرره الروس والنظام كثيرًا.

هذه المقدمة السياسية/ النفسية ضرورية لما سيليها من عناصر في خطة محاصرة المعارضة عبر إغراقها. وهنا يأتي الدور الحقيقي لكل تلك الوفود التي كان المبعوث الدولي يحرص على رعايتها ووجودها في جنيف، مع تطوير أدوارها بشكلٍ مدروس ومتدرج بدءا من تأكيده (البرىء أيضًا) في بداية عملية جنيف3 بأنها مجرد وفود استشارية له شخصيًا. فبعد التصريحات الجديدة المتكررة عن ضرورة قيام (السوريين) بتقرير مستقبلهم يتم الانتقال الآن إلى التنفيذ العملي لمخطط الحصار عبر الإغراق، مع عودة الزخم المفاجىء والمتصاعد لتصريحات المسؤولين الروس وفي مقدمتهم نائب وزير الخارجية بوغدانوف الذي وجه، كما نقل الزميل إبراهيم حميدي في (الحياة)، «انتقادات حادة لـ(الهيئة) (العليا للمفاوضات)، باعتبارها تضم إسلاميين أو شخصيات محسوبة على دول إقليمية أو شخصيات منشقة عن النظام، والتنويه ببقية المعارضين بما في ذلك الشخصيات التي زارت القاعدة العسكرية الروسية في اللاذقية غرب سورية». مع ما في هذا المنطق من استغباءٍ، أو غباء، سياسي، بكل المقاييس. علمًا أن هذا يُناقض بشكلٍ واضح تصريحات ووقائع سابقة للروس وغيرهم أظهرت أن تمثيل المعارضة أصبح محسومًا، ومحصورًا رسميًا في الهيئة العليا للمفاوضات.

في نفس الإطار ذكر الزميل أحمد كامل، في حوارٍ جانبي، أن «دي ميستورا دعا ما يقرب من 100 سوري إلى جنيف لتقرير مصير سوريا. من بين الـ100 شخصية، نحو 20 فقط متمسكون بإسقاط النظام، و80 إما يُمثِّلون نظام الإبادة الأسدي وإما مُهادنون له». ثم فصَّلَ في الأمر أكثر فيما يتعلق بالوفود وأحجامها قائلًا: «وفد المعارضة 17 شخصًا، وفد الجعفري 15،وفد المستشارات النسائية لدي ميستورا 12، وفد (قاعدة) حميميم (المُسيطر عليها روسيًا) 18، وفد موسكو والقاهرة والأستانة 11/ ، وعدد غير محدد ممّن يُسمّون ممثلي المجتمع المدني». أخيرًا، علقَ الزميل بما استخلصه من تلك الحسبة بقوله: قريبًا ستكون هناك تسوية سياسية تُكبِّل غالبية الشعب السوري لسنين طويلة مقبلة، وما زالت مسألة تمثيل الشعب السوري لا تحظى بالوعي اللازم، ولا بالحزم اللازم.

وفي تأكيدٍ عملي لسير الأمور في الاتجاه المرسوم، لاحظ الزميل حميدي في مقاله المذكور أعلاه «حصول تغيير في نص الدعوة إلى ممثلي (إعلان القاهرة) الذين كانوا حصلوا على ثمانية مقاعد في وفد مشترك من 15 عضوًا مع (مجموعة موسكو) برئاسة قدري جميل. ووفق الدعوة التي بعثها المبعوث الدولي، فإن أعضاء (إعلان القاهرة) مدعوون إلى «الانضمام في جنيف في مسار المفاوضات التي تشمل مشاورات حول كيفية إنهاء النزاع ووضع أسس لتسوية مستدامة، بموجب بياني فيينا».

إذا أضفنا لهذا تحركات بوغدانوف الجديدة مع أطراف محسوبة على المعارضة، وتصريحات الأمريكان، ومعهم دي ميستورا، أنهم استلموا من الروس مقترحات بنّاءة فيما يتعلق بالدستور، والتلاعب المستمر في الحديث عن (المرحلة الانتقالية) وعن (رحيل الأسد)، يبدو واضحًا أن العملية بأسرها تهدف إلى تشويش المعارضة، وشَغلها عن التفكير في جدول أولويات سياسي محترف يمكنها من تسلم المبادرة مجددًا. وهو أمرٌ لا يمكن أن يحصل في معزلٍ عن التركيز المكثف على جملة عناصر أساسية تُشكل مجال تأثيرها الفعلي.

باختصار يأتي تفصيله لاحقًا. تتمثل العناصر المذكورة فيما يلي: 1- حسمُ القول باستحالة وضع دستور في هذه المرحلة والإصرار على (إعلان دستوري مؤقت)، قدم مثاله المحترف الحقوقي السوري أنور البني.

2- الرفض الحاسم لعملية إغراق المعارضة، مع التحضير لعمليةٍ مقابلة تتمثل في تحضير وفود، متعددة الاختصاصات والتمثيل، تدعم وفد الهيئة الرئيس عند الدخول في عملية (عد الأصوات.

3- عدم الفصل بين المسارين السياسي والإنساني بشكلٍ كامل. 4- ترسيخ وتوسيع آليات وممارسات المؤسسية والشفافية في عملية اتخاذ القرارات داخل الهيئة، لأن هذا ما يضمن ضبط أولوياتها فعليًا، ويحافظ على شرعيتها الشعبية الضرورية في مواجهة ما تتعرض له الآن من ضغوط.

======================

الثورة السورية أمام خطر وجودي .. غازي دحمان

العربي الجديد

السبت 9/4/2016

بينما تتلهّى الإدارة الأميركية في تسريب رواياتٍ عن رحيل بشار الأسد وترحيله ودائرته الضيقة، ومن وراء ذلك، تجري تلهية عالم غاضب يتشكّل من أوروبا والخليج والأكثرية السورية، تبدو الأمور تسير في منحىً غير مشابهٍ لهذه الروايات، ولا تتناسق معها، وهذه المقدمات تتناقض تماماً مع الإجراءات والترتيبات الحاصلة على الأرض. والعكس تماماً، فإن السياق الموازي الذي تصنعه روسيا وحلفاؤها، ميدانياً وسياسياً، يلح بشكل وقح وفج على استكمال تغيير المعادلات لصالحه.

لا شيء يدعو إلى التفاؤل على جبهات الثورة السورية، ثمّة إدارة للمرحلة، تتم عبر استراتيجية تدرجية، تسعى إلى شطب الثورة من ساحة الفعل السوري، وتحويلها إلى تمرد سابق، وحالة عدم استقرار جرى تجاوزها، ويجري الأمر عبر تقنية تعطيل الأدوات التشغيلية للثورة، وقتل دينامياتها، وصناعة أمر واقع جديد من خلاله تتحوّل الثورة وأدواتها إلى جهة فاقدة المبادرة العسكرية والسياسية، فيما الطرف المقابل هو صانع التحوّلات والإطار القابل للفعل وللاستمرارية.

دع عنك كل ما يقال عن تفاهم استراتيجي أميركي – روسي على إدارة المرحلة وتوازنات القوى. الواقع أن هذا التفاهم ليس فيه طرف يراعي الثورة السورية بقدر ما أنه يتعاطى مع الوضع بحرفيةٍ تقنيةٍ وحساباتٍ دقيقةٍ، تتعلق بعمليات تموضع استراتيجي، وإدارة للأزمة، وتتعاطى مع الحالة السورية بوصفها جغرافيا وديمغرافيا، يمكن التعامل معها كمقلب، وليس تفاصيل. هكذا هي في الجانب الأميركي، لذا تترك قيادة الأمور لروسيا التي تتصرّف بالتفاصيل، وتنتجها على هواها، والتي إن استمرت بتكتيكاتها ومناوراتها ستؤول إلى نهاية الثورة إلى الأبد.

شكّلت الهدنة التي فرضتها روسيا نقطة انطلاقٍ صوب هدف وأد الثورة السورية، وإنهاء مفاعيلها، من خلال جملةٍ من الترتيبات التي باتت تشكّل البرنامج اليومي العملي والوحيد على الأرض السورية، والذي تتمظهر مخرجاته عبر طيفٍ واسعٍ من الأهداف، تمكن ملاحظتها على الشكل التالي:

- إبعاد الأضواء عن الثورة السورية وعزلها عن دائرة الاهتمام الإعلامي الإقليمي والعالمي، ويبدو أن روسيا بدأت تحقق بداياتٍ ناجحةً في هذا الصدد، شيئاً فشيئاً يجري تهميش الحدث السوري واحتلاله مكانة متأخرة وهامشية في تغطيات الإعلام، وهو أمر يحصل أول مرّة، منذ بدأت الثورة السورية.

 

- محاصرة مناطق الثوار وقضمها الواحدة تلو الأخرى، فقد سمحت الهدنة لروسيا وحلفائها بإلاستفراد بكل منطقة على حدة، وتصفيتها تباعاً وتحويلها إلى جزر منعزلة ومفصولة عن بقية المناطق، وسمح هذا الأمر بنقل قوات الطرف الآخر من جبهة إلى أخرى، حسب مقتضيات العمل العسكري ومصالحه وأولوياته.

- تثبيط الإجراءات الإقليمية، وتعطيل قدرة شعوب المنطقة وأنظمتها على التأثير بمجريات الأحداث، جميع أدوار الأطراف الإقليمية صارت محاصرة ومعزولة، وبدون أي فعالية، فيما يبدو أنه تمهيد لإخراج أوزانها التفاوضية من العملية السياسية.

- تشريع الاحتلال الشيعي والتفريغ الديمغرافي، كل منطقة تخرج منها داعش أو يجري قضمها

"لا وجود لضماناتٍ برحيل الأسد، وإخراج النفوذ الإيراني، وتفكيك منظومة المليشيات" تحت ستار الهدنة، يتم تطهيرها من السكان، وتصبح حقاً للمنظمات الشيعية، أو جزءاً من المشروع الإيراني، على غرار تحرير تدمر التي تحولت إلى عملية صيانة طريق إيران من العراق إلى سورية ولبنان، فيما يقتضي المنطق تفكيك الوجود الشيعي المسلح، أما تركه يعمل براحته يرسم مناطق النفوذ، ويمارس عمليات تفريغ ديمغرافي براحته، كما هو حاصل في القلمون وأرياف دمشق، فهذا يعني أنه مرضي عنه.

- تعويد العالم على هذا النمط، ودفعه إلى الاستسلام النفسي الجمعي لمقولة أن الأسد أضحى واقعاً يتوجب التعود عليه ضمن المعادلات الجديدة، والأكثر الذهاب إلى دمجه ضمن جبهة الحرب على الإرهاب، وتحويله شريكاً أساسياً، كما تطالب روسيا علناً.

- استثمار أعمال العنف في أوروبا، وانتظار ما تجود به داعش، كل عملية لداعش تخصم من رصيد نضال الشعب السوري، وتزيد أسهم بشار الأسد في البقاء، وتراهن روسيا في ذلك على علاقتها مع الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا، من أجل تعويم الأسد وإعادة تأهيله من خلال زيارات وفود هذه الأحزاب إلى سورية، والإطلالات الإعلامية الكثيفة عبر وسائل الإعلام الأوروبية.

تعتمد روسيا للتغطية على هذه العملية سياسة التفاهم على بعض القضايا، ثم التراجع عنها، كلّما حصلت تطورات ميدانية، وتحاول فرض هذا الأمر واقعاً سياسياً لا يمكن تجاوزه، وكأن القضية ليست ثورة ومصير شعب، بل صراع عسكري، يفرض المنتصر فيه شروطه. وبذريعة الواقعية واعتماد مبدأ التدرجية، يجري حرف مطالب الثورة بما لا يمس هيكل سلطة نظام الأسد، وحصر مطالبات الثورة في قضايا إخراج المعتقلين، وفك الحصار على المناطق المحاصرة. وهذا يعني أن الثورة تدفع ثمن إنهاء الأزمة من كيسها ورصيدها هي. ولتحقيق ذلك كله، تعمد روسيا إلى تعقيد البيئة التفاوضية عبر استنزاف المفاوضين، وتشتيت انتباه العالم بما يضمن إضعاف القضية المركزية المتمثلة في الثورة على نظام مستبدٍّ، وتحويلها إلى قضايا متشعبة، مثل حقوق الأقليات وشكل الدولة السورية في المرحلة المقبلة، بالإضافة إلى ربط القضية السورية بملفات أخرى.

الثورة السورية في خطر وجودي، يكفي أنه، حتى اللحظة، لا وجود لضماناتٍ برحيل الأسد، وإخراج النفوذ الإيراني، وتفكيك منظومة المليشيات الشيعية، وكل ما يجري ليس سوى عملية استنزافية لقدرات الثورة، وقضم لمجالها الجغرافي والسياسي، وكلام أميركي مرسل عن نهاياتٍ سعيدةٍ، لا مؤشرات واقعية عن إمكانية حصولها.

======================

هل يوقف الاتفاق التركي الأوروبي الهجرة غير الشرعية؟ .. عمر كوش

العربي الجديد

السبت 9/4/2016

أثار الاتفاق الأوروبي التركي الهادف إلى إنهاء "الهجرة غير الشرعية" جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والقانونية، تناول تداعيات الاتفاق وأثره على حقوق الإنسان، وخصوصاً حق اللجوء، وامتدّ ليطاول شرعية الاتفاق الذي توصل إليه الطرفان، في السابع من مارس/ آذار الجاري، وبدأ تنفيذه في الرابع من إبريل/ نيسان الجاري.

ويمكن القول إن الاتفاق يشكل وصمة عار على جبين أوروبا، على المستويين، القانوني والحقوقي، ويشكل خطوة معيبة أخلاقياً وقانونياً، حسبما وصفته الأمم المتحدة ومنظمة العقو الدولية وعدد من الجمعيات الحقوقية، لأنه انتهاك واضح لمعاهدة جنيف للاجئين عام 1951 الضامنة حق اللجوء الإنساني، وفق المبدأ الأساسي إنه "لا يجوز إرغام أي لاجئين أو أشخاص مشرّدين على العودة إلى بلدهم الأصلي"، إضافة إلى أنه يعرّض حياة مزيد من اللاجئين إلى الغرق في البحار، لكن الاتحاد الأوروبي ضرب بذلك كله مقابل تشديد حدود دوله، والعمل على ترحيل الأزمات إلى تركيا ودول أخرى سيتكدس فيها اللاجئون والمهاجرون، الأمر الذي سيزيد من أزمات منطقة الشرق الأوسط، فضلاً عن عودة متوقعة إلى مزيد من الفواجع والمآسي الإنسانية من غرق واختناق جماعي وسوى ذلك.

ومع بدء تنفيذ الاتفاق الذي يقضي بقبول تركيا استعادة اللاجئين "غير الشرعيين" من أوروبا إلى أراضيها، مقابل محفزات مالية واقتصادية وسياسية تعهد بها القادة الأوروبيون لأنقرة، فإن دول الاتحاد ستسمح فقط بدخول لاجئ سوري مباشرة من تركيا مقابل كل سوري تستعيده تركيا من اليونان، وإعادة من يحاولون اجتياز البحر إلى تركيا مجدداً، على ألا يوقف ذلك طلب اللاجئين السوريين حق اللجوء إلى أوروبا بشكل قانوني، الذي بات يخضع لاعتبارات ومعايير أوروبية مشددة.

ويلزم الاتفاق الطرفين بجملةٍ من الإجراءات، يتقدمها التزام تركيا بضبط حدودها المائية والبرية ضد موجات تهريب البشر، واستعادة جميع المهاجرين غير النظاميين، بمن فيهم السوريون، إلى جانب منعها فتح مسارات هجرةٍ جديدةٍ نحو أوروبا عبر إيطاليا وبلغاريا، فيما سيستقبل الطرف الأوروبي لاجئاً سورياً، في مقابل كل لاجئ يرحّل إلى تركيا، شريطة ألا يكون قد حاول العبور إلى أوروبا بطريقة غير شرعية، على أن لا يتجاوز العدد 72 ألف لاجئ. وفي حال وفاء تركيا بالتزاماتها، سيسرع الاتحاد الأوروبي منحها ثلاثة مليارات يورو، من أجل تمويل مشاريع، مخصصة لتلبية الحاجات الإنسانية الأساسية للاجئين السوريين على الأراضي التركية، على أن تتم جدولة ثلاثة مليارات أخرى، ستُمنح إلى تركيا حتى نهاية 2018.

 

ولم يتمكن الجانب التركي من تحقيق مطلبه بتسريع مفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي، بفتح خمسة فصول جديدة، محظورة منذ سنوات بفعل "فيتو" من قبرص اليونانية، حيث وافق الاتحاد على فتح فصل آخر، لم يكن محظوراً، هو الفصل رقم 33 حول الموازنة، مع وعد بفتح مزيد من الفصول من دون المساس بـ"مواقف الدول الأعضاء". كما ربط الجانب الأوروبي التزام تركيا ببنود الاتفاق، من أجل إلغاء تأشيرة "شينغن" للمواطنين الأتراك مع نهاية يونيو/ حزيران المقبل، وجرى السكوت عن الطلب التركي بدعم مساعي إقامة منطقة آمنة في الشمال السوري.

ولا شك في أن الهدف الأوروبي من الاتفاق هو إيقاف الهجرة غير النظامية باتجاه اليونان، عبر تحويل تركيا إلى سد مانع أمام تدفق اللاجئين السوريين، خصوصاً في ظل استمرار الحرب التي يشنها النظام السوري والروس والإيرانيون، ومعهم مليشيات حزب الله اللبناني وسائر اليليشيات المذهبية، ضد غالبية السوريين.

ويدافع المسؤولون الأوروبيون عن الاتفاق، ويصوّرونه الحل المناسب لأزمة اللاجئين، وأنهم

"الاتفاق وصمة عار على جبين أوروبا، على المستويين، القانوني والحقوقي" سعوا إلى جعله متوافقاً مع حقوق الإنسان والتزامات أوروبا التاريخية بالقيم الإنسانية، من خلال مراجعة ملفات اللاجئين بصورة فردية، قبل إرجاعهم، تجنباً لعمليات الترحيل الجماعي المجرّمة دولياً، لكن تعامل اليونان ومقدونيا وصربيا وسواها مع طالبي اللجوء يشير إلى عكس ذلك. كما أن الاتفاق يمنح الحق للدول الأوروبية في إعادة اللاجئين، وإرجاعهم إلى البلد الذي أتوا منه، في مخالفةٍ واضحةٍ لاتفاقية جنيف للاجئين، إضافة إلى أنه يعطيها الحق في تصنيف اللاجئين إلى "شرعيين" و"غير شرعيين"، حسب المعايير الأوروبية غير المحدّدة التي تفضي إلى التمييز غير الأخلاقي وغير الإنساني، حيث إن معايير بعض الدول الأوروبية تميل إلى استقبال لاجئين من أديان أو مذاهب معينة، محدّدة، أو أحياناً تستقبل أقليات دينية أو عرقية، أو فقط المضطهدين جنسياً.

ولعل غموضاً كبيراً يعتري تفاصيل الاتفاق، خصوصاً في عدم توفير الآليات والضمانات اللازمة لإنجاحه، وتحقيق مبتغاه في وقف الهجرة غير النظامية، حيث إنه لن يوقف نزيف الأرواح على أبواب القارة الأوروبية، لأن اللاجئ المعاد لن يكون أفضل حالاً من رصيفه الذي مات غرقاً، أو من ذلك الذي يُحتجز في أمكان تجمع المهاجرين غير الشرعيين، حيث تشهد أماكن الاحتجاز نفسها لعبة الإقصاء نفسها التي مارسها النظام الأسدي ضدهم عقوداً طويلة، إضافة إلى أنه، مع استمرار أعمال القتل التي يمارسها النظام وحلفاؤه الروس والإيرانيون، ستظهر سفن موت أخرى في عرض المتوسط وطوله، مليئة بالبائسين، تتقاذفها الأمواج، وتترصدها حيتان البحر المتوسط، ورصاص القراصنة، وعصابات التهريب.

وهناك شكوك كثيرة في إمكانية نجاح الاتفاق في حل أزمة اللاجئين، وإيقاف الهجرة غير الشرعية باتجاه أوروبا، إذ على الرغم من توظيف الاتحاد الأوروبي جهوداً سياسية كبيرة لحل الأزمة، إلا أنه لم يتحرك لحل أصل مشكلة اللجوء، وهي استمرار النظام السوري وحلفائه الروس والإيرانيين في قتل الشعب، فإذا كان التحرك الدولي مطلوباً ومحموداً لإيجاد حل لقضية اللاجئين، إلا أن الأجدى هو أن يترجم الساسة الأوروبيون ما يقولونه، على الدوام، حول ضرورة إيجاد حلّ سياسي للأزمة السورية إلى أفعال، لأن ذلك الحل المأمول ينهي المشكلة من أساسها، وهو أمر يتطلب إرادةً دوليةً وأوروبية، تجبر الأسد وحلفاءه على التوقف عن قتل غالبية السوريين، بما ينهي المشكلة من أساسها، المتمثلة بالخلاص من نظامٍ اعتاد على قتل غالبية السوريين، منذ أكثر من خمس سنوات، والعالم يتفرّج.

======================

موقفنا : شأن أمريكي ...ولكن .. حول تحليق طائرة روسية فوق بارجة أمريكية !! .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

16-4-2016

قد نعلم أن الأمر ، أمر تحليق طائرة حربية روسية فوق بارجة أمريكية ، في بحر البلطيق في أعالي البحار ، هو شأن أمريكي بحت ، لا علاقة لنا كسوريين به ..

وقد نعلم أن الصحافيين الأمريكيين الأحرار ، سيعرفون كيف يأخذون رئيسهم المضجع وليس المتكئ ، وأعضاء إدارته الموقرين ، المستقوين على المستضعفين من خلق الله في فلسطين وسورية والعراق ، بالنواصي والأقدام ..

قد نعلم كل ذلك ونعيه ونقدره ، ولكن الكلام في هذا الموقف موجه لهذه المجموعة من المحللين والطفيليين الملتحفين بالدفاع عن الرئيس الأمريكي وسياسته ، الذين ما فتئوا ولا انفكوا يقرؤون سياسات الرئيس الأمريكي الذي يصفونه ( بالذكي ) وبأنه ببراعته ولباقته وظف الروس ورئيسهم بوتين كأداة من أدواته ، واستخدمه كمطية ، كما اتخذ من إيران سبية ، وأن الولايات المتحدة لم يعد لها إرْب لا في الشرق الأوسط ، ولا في البحر المتوسط ومن باب أولى لا في سورية ولا في العراق ، ومن هنا فإن سياسة الاستسلام الفاضح هي استراتيجية ذكية وليست تخاذلا ولا استخذاء ...

أنتظر من السادة هؤلاء الذين يذوبون عشقا في أوباما وسياساته أن يقدموا لنا تحليلا مقبولا ، وقد داس بوتن جهارا نهار الفراش ، وانتهك العرض ، جهارا نهارا وعلى رؤوس الأشهاد في واقعة لو صدرت عن فتية ، أو مجموعة صبيان من جيل التطرف الصبياني لأرغى الهزبر الأمريكي وأرعد ، ودعا بالويل والثبور وعظائم الأمور ، ولدعا إلى تشكيل الأحلاف ، وتحريك الأسراب والأساطيل ..!!

وأكثر ما يروعك وأنت تتابع وكالة السي . ان . ان الأمريكية أن السؤال قد وجه من قبل الصحفيين الأمريكيين أنفسهم إلى السيد المحترم وزير الخارجية ، وليس إلى وزير الدفاع ؟! فما علاقة وزير الخارجية في التعامل مع عدوان العسكري وقع على بارجة أمريكية في أعالي البحار...؟!

أمام الصحفيين وقف السيد وزير الخارجية الأمريكي جون كيري يعلن : أنه يدين بأشد العبارات هذا النوع من السلوك المتهور والاستفزازي ، وأن الولايات المتحدة لن تخضع للتهديد ، وتأمل أن هذا السلوك لن يتكرر

 ثم يقول لقد كان من حقنا إسقاط الطائرة حسب قواعد الاشتباك ، وكنا نستطيع ذلك ؛ ولكن صاحب القرار الأمريكي لم يمتلك الشجاعة التي امتلكها أردوغان يوم قرر الإجابة على التحدي الروسي بمثله . فقد توارت شمس الرؤساء الأمريكيين ...

تستوقفك بلا شك في تصريح الوزير الأمريكي : أن الولايات المتحدة لن تخضع للتهديد ؟! لتتسائل هل بلغت الجرأة ببوتين أن يهدد الولايات المتحدة ؟ ! ثم تجيب نفسك ولم لا ؟! ،مادام رئيسها أوباما ن ووزير خارجيتها يتولى ملفات وزير دفاعها المشغول بقتال صبيان التطرف المستضعفين المقهورين حول العالم ؟!

ثم تعيد على السيد كيري السؤال : وما هو موضوع التهديد ؟! أي لماذا تهدد روسيا الولايات المتحدة ، وفي أي ملف تريدها أن تنصاع ؟! والولايات المتحدة قد خلعت على مسرح العالم كل ما كان عليها من لباس في أوكرانيا وفي العراق وسورية واليمن أيضا ؟

يتجرأ الصحفي الذي يجري المقابلة مع كيري : ولكن لماذا ؟ يعني ( لماذا يهددكم بوتين أيها البؤساء المستضعفون ) ؟!

يجيب كيري : لا أريد التكهن ...

هل حقا هناك نعجة لا تعلم ماذا يريد منها الذئب ؟!

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

تدمر واستثمار الهدنة .. هديل عويس

القدس العربي

السبت 9/4/2016

لا يمكن لأي سوري ديمقراطي مناوئ لـ «داعش» والأسد، أن يتعامل مع المعركة الجارية في تدمر على أنها حاصلة في كوالالمبور أو كوستاريكا أي دون أن يعنيه ذلك بشكل مباشر. فتدمر وإرثها الإنساني وما ألحقته «داعش» فيها مِن خراب، زاد على أهميتها الإنسانية والحضارية أهمية أخرى في وجدان السوريين وغير السوريين.

النظام، بكل تأكيد، ليس حريصاً على تدمر بالمعنى التراثي، كما لم يكن حريصاً على كل الآثار المدمَّرة والمسروقة في سوريا، والتي كان له الباع الأكبر في تدميرها. كذلك الأمر بالنسبة لـ «داعش»، فهي ليست غير حريصة وحسب، بل تعمل وبشكل ناشط على تدمير الآثار لما تمثله من معالم «جاهلية» وفقاً للعقيدة «الداعشية».

بناء على ذلك، قد يقع البعض في خطأ تبجيل فعل «استعادة تدمر»، كون الجهة التي أقدمت على ذلك جهة غير «داعشية» لا تعادي الآثار أيديولوجياً كما «داعش»، أي أن التبجيل ينطلق من جزئية الحفاظ على الآثار.

إلا أن فعل «الاستعادة» يحمل الكثير من الجزئيات الأخرى التي علينا إدراكها. فغياب المعارضة الديمقراطية عن هذه المعركة هو خسارة لمعسكر الاعتدال في سوريا. إن النظام، وبكل تأكيد، لم يتمكن من استعادتها لولا وجود المقاتلين الأجانب من لبنان والعراق، إضافة إلى الدعم الروسي الجوي. ناهيك عن دخول ما يعرف بـ «الشبيتس ناز» الروسي، أي القوات الخاصة الروسية لأول مرة في هذه المعركة. ولم يكن دخول «الشبيتس ناز» كما نظريتها الأميركية، أي في الصفوف الخلفية لتقديم الدعم الاستشاري للمعارضة، فجريدة «الواشنطن بوست» في عددها الصادر يوم الاثنين التاسع والعشرين من الجاري، كشفت عن وجود القوات الخاصة الروسية في مقدمة المقاتلين، أي في الصفوف الأمامية.

ما كان للنظام أن يستعيد المدينة التاريخية لولا كل هذه العوامل؛ فهو الذي خسر تدمر أمام «داعش» في بداية الأمر، هذا غير خسائره المتعددة في كل محاولاته استعادتها.

النظام اليوم يستغل الهدنة لتحقيق انتصارات على قوة غير مشمولة بالهدنة مثل «داعش»، حيث إن لاستعادة تدمر أثراً إعلامياً كبيراً يستغله النظام، فهو اليوم يظهر نفسه كحافظ للتراث الإنساني إذا ما قورن بغزاة تدمر «الداعشيين» الذين دمروا المتاحف والآثار على مرأى مِن العالم أجمع. هذه الصورة الأقل سواداً من «داعش»، ستسهل على النظام تكرار ذات السيناريو في مناطق أخرى يسيطر عليها التنظيم.

ورغم أنّ الرقة اليوم هي عاصمة «داعش»، فإن النظام لا يولي اهتماماً بها كما بدير الزور، والتي لا تبعد قواته كثيراً عن حقول نفطها. النظام اليوم، يعمل ضمن خطة إعلامية مدروسة هدفها رفع العقوبات عنه لإنقاذ اقتصاده المنهار، ولاستعادة بعض مصادر الثروة في سوريا. صحيح أنّ النظام فقد شرعيته، لكن أي هزيمة يلحقها بـ «داعش» تزيد مِن شرعيته ومصداقيته عالمياً، حيث لا يمكن للدول الغربية وشعوبها إلا مباركة أي هزيمة أو أذيً يلحقهما بـ «داعش».

تبدو المعارضة السورية اليوم غافلة تماماً عن هذه المرحلة المفصلية. صحيح أن الروس أِشد إخلاصاً لحليفهم الأسد إذا ما قارنّا ذلك بإخلاص حلفاء المعارضة لها، وهذه مسلمة بات الجميع يدركها، لكن عليها الكف عن اللطم والبكاء وتوجيه اللوم إلى الآخرين. كسوريين ديمقراطيين، تمثلهم الهيئة العليا للمفاوضات، عليهم العمل على طرح أنفسهم كبديل عن الأسد و»داعش» في آن. لو تمكن النظام من السيطرة على دير الزور فلن تعود حينها عقارب الساعة إلى ما قبل عام 2011، بل إلى عام 1980. «داعش» منهكة هذه الأيام جرّاء ما لحق بها مِن ضربات…، فهيا إذن إلى دير الزور، ولتنتقل المعارضة من العمل وفقاً لردات الفعل إلى الفعل المخطّط والمدروس.

كاتبة سورية

======================

أردوغان ديكتاتور… وبشار الأسد ديمقراطي عظيم .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 9/4/2016

كل من يراهن على العدالة الأمريكية إما مغفل أو ابن ستين ألف مغفل، فقد قالها الكثير من الاستراتيجيين الأمريكيين، وعلى رأسهم، جورج كنان في الخمسينات عندما سخر من كل الذين يؤمنون بالعدالة الأمريكية. وقد قال ما معناه إن كل من يعتقد أننا نحترم حقوق الإنسان، أو نشجع على العدالة والديمقراطية يجب أن يزور أقرب طبيب نفسي. هذا هو النهج الأمريكي منذ أن ظهرت أمريكا كقوة عظمى على المسرح العالمي. وبالتالي، لا تتفاجأوا أبداً إذا كانت أمريكا تتحالف مع الشياطين من أجل مصالحها القذرة، وتدوس كل القيم والأخلاق والديمقراطيات عندما تتعارض مع مصالحها. لا تتفاجأوا أبداً إذا رأيتم أمريكا تدعم أحقر وأقذر الطواغيت على وجه الأرض، بينما تعادي كل من يحاول أن ينهض بوطنه وشعبه. بعبارة أخرى، فإن الأمريكيين لا يتحالفون مع الأخيار، بل مع الأشرار، لأنهم يحققون المصالح الأمريكية أكثر بكثير من الأخيار الذين غالباً ما يحققون مصالح شعوبهم وبلادهم. وكل من يحاول أن يحقق مصالح شعبه، فسيكون بالنتيجة عرضة للاستهداف الأمريكي.

لقد درج الأمريكيون تاريخياً على احتضان أبشع الطواغيت والجنرالات، وخاصة في أمريكا اللاتينية حديقتهم الخلفية. وذات يوم سأل صحافي أمريكي الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون: «يا سيادة الرئيس أنتم ترفعون شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنكم في الوقت نفسه تدعمون ذاك الطاغية الحقير الذي يحكم شعبه بالحديد والنار. هل يعقل أنكم يا سيادة الرئيس تدعمون حاكماً ابن زنا»، فرد نيكسون ببرود شديد قائلاً: « صحيح أننا ندعم هذا الطاغية النغل (ابن الزنا)، لكنه ابن الزنا بتاعنا». لقد لخص نيكسون السياسة الخارجية الأمريكية ببلاغة عز نظيرها.

ولو أردنا أن نحلل السياسة الأمريكية الآن تجاه بشار الأسد وأردوغان مثلاً، فما علينا إلا أن نسترجع كلمات نيكسون، فالأمريكيون يحتضنون، ويدعمون فقط من يحقق مصالحهم، وليس من يحقق مصالح بلاده. لاحظوا بربكم كيف أن أمريكا تركت طاغية كبشار الأسد يقتل أكثر من مليون من شعبه، ويشرد حوالي خمسة عشر مليوناً، ويحول بلداً عظيماً إلى ركام على مدى خمس سنوات، دون أن يرمش لها جفن. وكل ما فعلته على مدى الأعوام الماضية إطلاق تصريحات سخيفة لم تعد تقنع أطفال المدارس مثل تصريح أن بشار الأسد فقد شرعيته. ليس لدى أمريكا للضحك على ذقون السوريين والعرب سوى ذلك التصريح البائس. وقد أعلن ضابط كبير من وكالة الاستخبارات الأمريكية قبل أيام أن الوكالة قدمت للرئيس باراك أوباما أكثر من خمسين خطة للإطاحة بالنظام السوري، لكن الرئيس أوباما رفضها جميعها. ويقول أحد الساخرين إن الرئيس الروسي بوتين المفترض أنه حليف بشار الأسد الأقوى استخدم حق النقض الفيتو مرتين فقط في مجلس الأمن لحماية بشار الأسد من السقوط، بينما الرئيس الأمريكي المفترض أنه ليس حليفاً لبشار الأسد رفض أكثر من خمسين خطة لإسقاط بشار. وبالتالي، يمكن القول ببساطة إن الصمت الأمريكي على ما يفعله الرئيس السوري في سوريا والمنطقة منذ خمس سنوات هو بمثابة شهادة حسن سلوك أمريكية لبشار الأسد، على اعتبار أن الصمت علامة الرضا، فلو لم تكن أمريكا سعيدة بما يفعله الأسد، ولو لم يحقق لها ما تريد، لما تركته يعيث خراباً ودماراً وتشريداً منذ خمس سنوات. صحيح أن أمريكا تتخلص بلحظة ما من عملائها وخدمها، لكنها تدعمهم دعماً هائلاً أثناء تأدية واجبهم لصالحها كما تفعل الآن مع النظام السوري.

وبينما نرى أمريكا ترفض المساس بأبشع طاغية في العصر الحديث، نسمع كبار المسؤولين الأمريكيين وهم يؤيدون علناً أي انقلاب يطيح بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي حقق لبلاده المعجزات على الصعيد الاقتصادي والديمقراطي والنهضوي. وقد قال السيناتور الأمريكي ميشيل روبين قبل أيام فقط إن جهات سياسية أمريكية مستعدة بالاعتراف بأي انقلاب يستطيع الإطاحة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، رغم أن أردوغان وصل إلى السلطة بانتخابات شعبية ديمقراطية مائة بالمائة، بينما بشار الأسد وصل إلى السلطة زوراً وبهتاناً، وغيروا له الدستور بدقائق كي يناسب عمره الصبياني آنذاك. واستمر في السلطة عبر استفتاءات مفبركة النتائج في أقبية المخابرات. مع ذلك بدأت أمريكا الآن تقول إن مصير الأسد بيد الشعب السوري. حتى أنها سحبت تصريحاتها السخيفة السابقة التي كانت تقول إن الأسد فقد شرعيته. وعندما نسمع أمريكا وروسيا تقولان الآن إن مصير الاسد يجب أن يقرره الشعب السوري، فهذا يعني حرفياً أن واشنطن وموسكو تدعمان بقاء الأسد أو فرضه على السوريين زوراً في انتخابات مزيفة محسومة النتائج مسبقاً. متى استطاع السوريون ان يختاروا رئيسهم بحرية أصلاً بوجود أجهزة أمن تزوّر حتى درجات الحرارة؟

لم أر منافقين أكثر من الأمريكان أبداً، فعندما زار الرئيس التركي أمريكا قبل أيام، راحوا يهاجمونه هناك بشدة بحجة اعتقال صحافي تركي. بالنسبة للإدارة الأمريكية: أردوغان ديكتاتور، لأن حكومته حققت مع صحافي، أما بشار الأسد الذي قتل أكثر من مليون سوري، واعتقل أكثر من نصف مليون، ودمر ثلاثة أرباع سوريا، وقام بتشريد نصف السوريين، فأمره، بالنسبة لجوقة الكذب والنفاق في واشنطن، متروك للشعب السوري كي يقرره ديمقراطياً. يا للهول! يعني أردوغان الذي انتقل بتركيا إلى العالم المتقدم ديمقراطياً واقتصادياً ديكتاتور صغير كما وصفه أوباما، ويجب تقليم أظافره. أما بشار الأسد الذي انتقل بسوريا إلى العصر الحجري فأمره متروك للسوريين حسب المتحدث باسم الخارجية الأمريكية. لاحظوا كيف يشيطن الإعلام الغربي «الديموخراطي» أردوغان، ويمجد نيرون العصر وهولاكو الشام بشار الأسد.

«إذا رضيت عنك أمريكا، فاتهم نفسك». مقولة تنطبق حرفياً على النظام السوري. كن طاغية كبشار الأسد يرضى عنك الأمريكان. كن زعيماً وطنياً كأردوغان يتآمر عليك الأمريكان.

٭ كاتب وإعلامي سوري

======================

الحدث السوري والنموذج التركي .. أكرم البني

الحياة

السبت 9/4/2016

ثلاث انتكاسات أصابت ما درج على تسميته بالنموذج التركي للعمارة الإسلامية الديموقراطية، والذي اقترن بوصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في 2002، وهي انتكاسات مريرة ما كان لها أن تظهر وتتعمق لولا تفاقم الصراع السوري وطابع السياسات التي اتبعتها حكومة أنقرة لاستثماره ومواجهة تداعياته.

أولاً، انزلاق السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية من خيار «صفر مشاكل»، يحدوها الانفتاح الايجابي على الفضاءين السوري والعربي، إلى انغماس متصاعد في الصراع السوري، لم يقف عند دعم مختلف تشكيلات المعارضة السياسية، وتشجيع عسكرة الثورة، وتسهيل عبور آلاف المتطوعين الاسلامويين لنصرة دولة الخلافة، وإنما وصل إلى تمويل ودعم جماعات عسكرية تعادي الخيار الديموقراطي وتمكينها من مد نفوذها، بما في ذلك تأليب قوى جهادية لافتعال صدامات على أساس عرقي لتطويق الأكراد في المناطق الحدودية.

وإذ يبرر البعض هذا الانزلاق بدوافع أمنية ويحيلونه إلى حسابات استراتيجية تتعلق بدرء الأخطار التي يمكن أن يسببها الوضع المتفجر في سورية على الداخل التركي، فلا يخفى ارتباطه بحنين للماضي الإمبراطوري العثماني وتوق حكومة أنقرة لتوظيف الأحداث السورية في سياق تحسين نفوذها الإقليمي، كمدخل لتعزيز سلطتها الداخلية ومصالحها القومية ولما تعتقده دورها الريادي في قيادة المسلمين السنّة ضد النفوذ الإيراني في المنطقة. وما أغراها وغذى هذا الحنين وجعله سياسة مثابرة، الوزن الذي منحه الربيع العربي لحلفائها في حركات الإسلام السياسي باعتبارهم القوة الأكثر تنظيماً وشعبية وتأهلاً لاستلام السلطة، في ظل ميل غربي لفكرة إعطاء الإسلام المعتدل فرصة الوصول إلى الحكم بغاية احتواء الحركات الاسلاموية المتطرفة ومحاصرتها.

لكن اليوم تبدو تركيا أكبر الخاسرين من إتباع خيار السعي لتعزيز تمددها ونفوذها الإقليميين، جراء فشل الإسلام السياسي في إدارة دفة الحكم في غير بلد، وما آلت إليه تطورات الصراع السوري، إن لجهة الوزن الكبير الذي باتت تحتله التنظيمات الجهادية، وإن لجهة ما حققه التدخل العسكري الروسي من نتائج لم تكن بأي حال لمصلحة الحسابات التركية، والأهم لجهة تنامي دور الأكراد السوريين وقدرتهم العسكرية ربطاً بتوجه أميركي لدعمهم ضد الإرهاب الإسلاموي، ما أفضى إلى تفارق بين واشنطن وحكومة أنقرة، وإلى ما يشبه عزلة هذه الأخيرة، مع رفضها الانضمام للتحالف الدولي ضد داعش، وتوتر علاقاتها مع موسكو، وامتعاض الأوروبيين من استخدامها المريب لقضية اللاجئين السوريين للضغط عليهم وابتزازهم.

والحال، بدل أن يشكل الصراع السوري جسراً لتعزيز نفوذ تركيا ومصالحها الاستراتيجية في المنطقة، تحول الى بؤرة تهدد أمنها الداخلي وتنذر بإجهاض طموحاتها الإقليمية، من دون أن تنفعها محاولة نقل المعركة إلى الجبهة الكردية في العراق وسورية، أو الاستقواء بما يجري في نارغوني كاراباخ للنيل من دور روسيا وهيبتها.

ثانياً، انتكاسة في الأوضاع الداخلية، مرة بما خلفه الانغماس في الأحداث السورية من إزكاء لنار الانقسامات الطائفية والسياسية ومن تصاعد للاضطرابات الأمنية، ومرة ثانية بانقلاب حزب العدالة والتنمية على مناخ المصالحة الوطنية مع حزب العمال الكردستاني وتنصله من التزاماته السلمية لحل القضية الكردية، تحسباً من الدور المتنامي لأكراد سورية، ومرة ثالثة، بتوسل التخويف من الفوضى السورية لتسويغ الأساليب التسلطية والاستبدادية ولإخماد أي صوت داخلي معارض، لنشهد تواتر قمع الحركات الشعبية والشبابية، وكم أفواه النقاد، وسجن صحافيين ومثقفين، وإغلاق قنوات تلفزيونية وبعض مواقع التواصل الاجتماعي، من دون أن ننسى الإزاحات الواسعة لمعارضين في سلك القضاء والشرطة، والاستهزاء بقرارات بعض الهيئات الدستورية، لنقف أمام مفارقة مؤلمة، بأن حكومة أنقرة التي نجحت نسبياً في سعيها الى نزع وصاية الجيش على الحياة السياسية، نجحت أيضاً ليس في تكريس الحياة الديموقراطية وحكم المؤسسات والقانون، بل دولة أمنية، إن صحت العبارة، تلبي مطامع الفئة الحاكمة وتحمي امتيازاتها وظواهر فسادها.

ثالثاً، الانتكاسة الأهم، وربطاً بما سبق، تتعلق بانحسار الرهان على تجربة أنقرة في إرساء روح المصالحة بين الدين والحداثة، الفكرة التي لا تزال المدخل والعنوان لأي تقدم حقيقي نحو الديموقراطية والحضارة في البلدان الاسلامية، والقصد أن حكومة حزب العدالة والتنمية بانغماسها في الصراع السوري وحسابات النفوذ الإقليمي، ربما أهدرت الفرصة التاريخية بأن تكون النموذج المحتذى في تجسيد ممارسة سياسية من منظور إسلامي تقوم على أساس الجمع بين معطيات الحضارة التي تفرزها التطورات العالمية والخصوصية الثقافية الإسلامية، بما في ذلك المساهمة في التأسيس لخطاب موضوعي ومتوازن حول مجموعة من القضايا الشائكة، كعلاقة الدين بالدولة، وعلاقة الإسلام بالديمقراطية وبالحداثة علمياً وتقنياً.

صحيح أن التعويل كان كبيراً على النموذج التركي الذي استفاد من انتكاسات الإسلام السياسي وهزائمه في العقدين المنصرمين، واجتهد بجدية ليخلص إلى ضرورة التصالح مع الديموقراطية وفكرة التشارك واحترام التعددية وحقوق الإنسان على أنها قيم لا تتعارض مع جوهر الإسلام، وصحيح أن هذا النموذج قد راكم حضوراً وسمعة طيبين في أوساط الرأي العام وكان مرشداً لغالبية الإسلاميين السوريين كمثال للدين المعتدل المناهض للإرهاب، وكمنهج لا يغذي فقط توجهات المسلمين في حقلي الدين والتدين، وإنما أيضاً في حقول مناهضة الاستبداد والفساد وضمان حاجات البشر وحقوقهم، ولكن الصحيح أيضاً أن الكثيرين باتوا اليوم في حالة شك وقلق حقيقيين على هذا النموذج بعد انكشاف مطامعه الإقليمية وفساده واستبداده.

فهل أضاع إغراء التدخل في الصراع السوري فرصة تاريخية بدت متاحة لحزب العدالة والتنمية لإثبات قدرة القيم الإسلامية على المساهمة في بناء دولة المواطنة وحماية الاجتماع الديموقراطي؟! أولم يؤكد بممارساته ومواقفه، عدم وفاء جماعات الإسلام السياسي بوعودها، وبأن ما ترفعه من شعارات عن الحرية وحقوق الإنسان ليس غايتها سوى التمكن للوصول إلى الحكم وتنفيذ أجندتها الإيديولوجية؟!

======================

أيها العالم السادي! .. ليس السوريون مازوشيين!؟ .. يحيى حاج يحيى

yahyahaj@hotmail.com

السادية والمازوشية صورتان من صور الاضطراب النفسي !؟

ففي السادية يتجسد التلذذ بتعذيب الآخرين !؟

وفي المازوشية يكون التلذذ بالألم الواقع على الشخص نفسه ، وبالاضطهاد عامة !؟

أما العالم الذي يتفرج على عذابات السوريين منذ أكثر من أربع سنوات ، فهو سادي بامتياز ! بل ويساعد في إيقاع الألم عليهم !؟ بل وفي أبناء جلدتنا من تكمن السادية في أعماقه ! وهو وإن كان لم تظهر عليه من قبل ؛ فلأنه لم ير أحداً يمارسها عليه ، ولكن لما هُجّر السوريون من بلادهم ، وصاروا كالأيتام على مأدبة اللئام وجد ضالته فيهم ( وظُلم ذوي القربى أشدّ مضاضةً - على النفس مِن وقْع الحسام المهنّد ِ)

وأما السوريون فما كانوا ، ولن يكونوا مازوشيين ، ولا رضوا يوماً بالاضطهاد لا لأنفسهم ، ولا لغيرهم !؟ وهم يقرؤون في كتاب ربهم : ولله العزّةُ ولرسوله وللمؤمنين ! وفي تحذير نبيهم صلى الله عليه وسلم ، بأن من أعطى الذلة من نفسه فليس منه ! وفي كلام الخليفة الراشد ابن الخطاب رضي الله عنه : إني ليعجبني في الرجل إذا سيم خُطّة خسف أن يقول بملء فيه : لا !؟

أيها الساديون من الباطنين الطائفيين المجرمين ، ويا أبناء جلدتنا ممن قدّر الله أن يضطر أهلنا للجوء إلى بلادهم ، ويا أيها العالم الأعمى الأصم الأبكم ! إنّ ما يلاقيه السوريون من الآلام والعذابات !؟ لن يجعلهم ساديين في المستقبل ، ولن يرضوا لأحد أن يكون مازوشياً ، وهم قادرون على تحريره من اضطرابه !؟

لأن ما في نفوسهم من إيمان ، ومافي ذاكرتهم من إرث حضاري ، وما في الرسالة التي يحملونها للعالمين ! يمنعهم من ذلك !؟ ويتناقض مع دعوة نبيهم : الراحمون يرحمهم الرحمن ! ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء !!

========================

لماذا يستهدفون أولادنا ؟! .. محمد فاروق الإمام

صباح هذا اليوم (12/4/2016) ونحو الساعة العاشرة دوى صوت قذيفة حسبناها فوق رؤوسنا لشدة قوتها، وبعد ان استعدنا توازننا من جراء صدمتها العنيفة عرفنا أن الهدف هو مدرسة (أكرم جاتين) التي ـتؤوي أطفالنا وفلذات أكبادنا، هرعت مسرعاً إلى المدرسة بلباس البيت دون وعي مني، وهذا حال العشرات من الأمهات والآباء الذين هزتهم الصدمة فخرجوا على عجل يريدون تفقد أولادهم.

سألني أحدهم: هل لك أولاد في المدرسة قلت له: نعم كل الذين تضمهم أسوار المدرسة وصفوفها هم أولادي، والحمد لله كلهم بألف خير وسلامة، ورحت أكفكف دموع الأطفال وأهدئ من روعهم، وأشجعهم على الكف عن البكاء فالسوريون لا يبكون.. ينزفون ولا يبكون.. يستشهد أبناؤهم وآباؤهم ولا يبكون بل يزغردون.

هذا قدر السوريين منذ تسلقت عصابة البعث جدران القصر الجمهوري في دمشق فجر الثامن من آذار 1963، ولثلاثة وخمسين عاما والشعب السوري يسام ألوان العذاب والقهر والاستبداد إلى أن حلت الطامة الكبرى في 16 تشرين الثاني عام 1970 وتسلم الطاغية حافظ الأسد الحكم بعد أن غدر برفاقه البعثيين وأودعهم السجون أو دفنهم في المقابر أو لاحقهم حيثما تمكن من الوصول إليهمليغتالهم حتى لا يبقى منهم شاهد يهزه ضميره ويكشف الأسرار.

وكان من أفظع ما ارتكبه الطاغية المجازر التي تقشعر لهولها الأجسام (مجزرة المشارقة-حلب) (مجزرة سجن تدمر) (مجزرة جسر الشغور) (مجزرة سرمدا) (مجزرة المدينة الصناعية-حمص) وتوج جرائمه بمأساة العصر (مجزرة حماة) التي قتل فيها ما يزيد على أربعين ألفاً من أهلها.

وقد أصدر قبل ذلك قانون العار رقم (49/1980) الذي يحكم على كل منتم لجماعة الإخوان المسلمين بالإعدام بأثر رجعي، ويحرّم على أقرباء المتهم حتى الدرجة الرابعة من حقهم في أي وظيفة في الدولة.

وكان من نصيبي ونصيب الآلاف الفرار من سورية خوفا من مقصلة هذا القانون السادي، وكانت هجرتنا الأولى، ولا يعلم إلا الله حجم المعاناة التي عشناها في بلاد النفي والغربة.

وما أن انطلقت ثورة شعبنا المباركة حتى حزمت حقيبتي وعدت إلى الوطن بعد مفارقة دامت 33 سنة ونيف لأكون بين أولادي وأهلي وعشيرتي، أقدم لهم ما استطعت من خبرة وتجربة في مجالي الإعلامي والسياسي، وبالفعل وصلت إليهم وعشت معهم لنحو أربعة أشهر (اضطررت أن أسكن في بيت لأحد أقربائي لأن البيت الذي بنيته بتعبي وجهدي قد أحرقته عناصر المخابرات ونهبت ما فيه من أساس ومتاع) هذه الأشهر القليلة كانت من أمتع أيام حياتي وأروعها، رغم المعيشة القاسية والقذائف التي كانت تنهال علينا آناء الليل وأطراف النهار، وتحملنا كل ذلك كحال كل من في مدينتنا، وتأقلمنا معه إلى أن صب ذنب الكلب بشار حمم براميله المتفجرة علينا مما اضطرنا لمغادرة البلد بنصيحة من أولادي، فكانت هجرتنا الثانية إلى مدينة كيليس في تركيا، حيث باتت مناطق الحدود التركية-السورية ليست آمنة، فهذه داعش صنيعة بشار والحزب الديمقراطي الكردي عميله، يلاحقون أطفال السوريين في مدارسهم ومراتع لعبهم.

إنها سادية المجرم الذي يتلذذ في قتل الأطفال ليخيف الكبار ليفروا بهم إلى خارج البلاد، ليخلو له الجو في إسكان من استقدمهم من مرتزقة الشيعة من الضاحية الجنوبية، ومن إيران، ومن باكستان، ومن أفغانستان، تقليدا لما فعله الأمريكيون بالهنود الحمر، وما فعله الصفويون بعرب الأهواز، وما فعلته روسيا بالقوقاز والشيشان، وما فعله الصهاينة اليهود بالفلسطينيين، وما يفعله الصينيون بالمسلمين الأنكوش، وما فعله الصرب بأهل البوسنة وكوسفو، وما يفعله البورميون بمسلمي أراكان.

هذه طبيعة الساديين في كل زمان ومكان ومنهم سادي سورية المجرم بشار الأسد الذي يخطط للتغيير الديمغرافي لسورية، بعد أن يئس من هزيمة الأحرار والثوار على مدى خمس سنوات، قتل خلالها ما يزيد على نصف مليون، وأودع في سجونه مثلهم، وغيب تحت التعذيب نحو مئتي ألف، وهجّر أكثر من سبعة ملايين، وأجبر أكثر من ثمانية ملايين على النزوح من مدنهم وبلداتهم وقراهم، ودمر مدنا بأكملها أو أجزاء منها في طول البلاد وعرضها.

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com