العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 16-11-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

تعويم الأسد .. حسان حيدر

الحياة - الخميس 13-11-2014

يقول موفد الأمم المتحدة الى سورية دي ميستورا ان خطته لتحقيق وقف اطلاق نار جزئي في حلب تهدف الى تحويل كل الجهود نحو المعركة ضد «داعش»، لكن من الواضح انه يتجاهل عمداً حقيقة ان الجيش النظامي السوري لم يخض أي معركة فعلية مع التنظيم المتطرف، وأن كل المواجهات بينهما كانت عبارة عن «تسلم وتسليم» لمواقع نظامية، وخصوصاً حقول النفط والغاز التي باتت توفر التمويل والوقود لقوات البغدادي.

وفي هذا السياق، قد يتساءل البعض كيف ينفذ الطيران الاميركي والحليف ضرباته في سورية من دون ان يصطدم ولو عرضاً بطائرات النظام التي تواصل غاراتها اليومية على مختلف المناطق السورية، ولماذا ترفض الولايات المتحدة بشدة فرض منطقة حظر جوي فوق بعض المناطق السورية لحماية المدنيين؟

الواقع ان طيران النظام لا يتقاطع اطلاقاً مع طيران التحالف، لأنه لا يستهدف مناطق انتشار «داعش» بل المدن والقرى الخاضعة لسيطرة «الجيش السوري الحر»، على رغم تلاصقهما، في تنسيق مسبق غير معلن لاقتسام الأجواء السورية وفق مبدأ «لكل عدوه»، فيما تشكو المعارضة السورية من تجاهل الاميركيين لها تماماً، مؤكدة ان معرفة رجالها بالمعطيات على الارض يمكن ان تشكل عاملاً ايجابياً وتساعد طيران التحالف في تحقيق اهدافه بدقة اكبر، على رغم اقتناعها بأن الغارات الجوية وحدها لا تكفي.

اما الاميركيون فلا يريدون ان يغضب اي حظر جوي الايرانيين الذين لم يعد امامهم سوى الطائرات لنقل الاسلحة والذخائر الى قوات حليفهم حاكم دمشق، بعدما انعدم الخيار البري نتيجة المعارك في شمال العراق، وتقلصت كثيراً فرص الخيار البحري بسبب انتشار السفن الحربية الكثيف قبالة السواحل اللبنانية والسورية.

والسبب في حرص واشنطن المتزايد على عدم تعكير مزاج طهران، ليس ناجماً فقط عن رغبتها في الخروج باتفاق ينقذ ماء وجه باراك اوباما وسياسته الخارجية في العامين الاخيرين من ولايته، بل لأن الاميركيين وقعوا مجدداً في الفخ الايراني في العراق. فبعد خروج الجيش الاميركي من بلاد الرافدين أزالت الولايات المتحدة عن كاهلها عبئاً كان يجعل من جنودها رهائن لدى الايرانيين، وأحست بأنها باتت قادرة على التعامل مع الملف النووي الايراني بحرية اكبر، وان بإمكانها الابقاء على نظام العقوبات الاقتصادية الى حين قبول خامنئي بشروطها.

فجأة خرج «داعش» من تحت عباءة نظام بشار الاسد ودخل العراق الذي اختفى جيشه من أمامه، وبدأ في قطع رؤوس الرهائن الغربيين وتهديد الاميركيين والعالم بعمليات إرهابية في عقر دارهم. ووجد أوباما الخاضع لضغوط داخلية (زادت الآن بعد خسارته مجلسي الكونغرس)، والمتعرض لانتقادات مستمرة لانسحابه المتسرع من العراق، فرصة لاستعادة بعض شعبيته المنهارة امام الجمهوريين، فعاد الى العراق ولو بقوات أصغر يؤكد ان مهمتها استشارية. لكن تحقيق اي انجاز هناك يحتاجه بشدة، يتطلب تعاون ايران التي استعادت بذلك قوتها في المفاوضات على ملفها النووي، وعاودت تعنتها فيه، مثلما أظهرت جلسات مسقط قبل يومين، وجددت شروطها التي تشمل الإقرار بنفوذها الإقليمي، وفي مقدمها تعويم نظام الاسد وحمايته من السقوط.

وسيتضح في الاسابيع المقبلة ان اقتراح دي ميستورا يصب، قصداً او من غير قصد، في الاتجاه نفسه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مع هؤلاء الأصدقاء سورية تستغني عن الأعداء .. برهان غليون

العربي الجديد - الخميس 13-11-2014

لا يترك الرئيس الأميركي، باراك أوباما، فرصة للتعبير عن عدم رغبته في التورط في القضية السورية، إلا واستغلها. وفي آخر مقابلة له مع محطة "سي بي إن" الأميركية، لم يخطئ المسار، فأكد ما كان قد ردده، في الشهر الماضي، ست أو سبع مرات على الأقل، أن التزامه في الشرق الأوسط اليوم يتعلق بالحرب ضد الإرهاب، وليس له علاقة بنظام الأسد، وأن حل الأزمة السورية لا يمكن أن يكون عسكرياً، وإنما من خلال تسوية سياسية. مضيفاً، هذه المرة، جملة معبّرة، ومثيرة للقلق في الوقت نفسه، هي: أن هذه المسألة "بعيدة المدى"، ما يعني أننا لا ينبغي أن نتوقع حتى ممارسته الضغط للتوصل إلى مثل هذه التسوية، وما على السوريين إلا التحلي بالهدوء والصبر، وتحمّل البراميل المتفجرة.

يريد أوباما من هذه التصريحات أن يبرهن على أنه صادق مع نفسه، ولا يقبل أن يغشّ السوريين، أو يعطيهم وعوداً كاذبة لا يمكنه الوفاء بها. والحال أن الولايات المتحدة لم تكفّ عن الإخلال بوعودها والتزاماتها في السنوات الثلاث والنصف الماضية من عمر الثورة السورية، تجاه المعارضة وتجاه الشعب السوري وتجاه العالم وتجاه الضمير الإنساني، فقد كانت قد التزمت، قبل مؤتمر جنيف وبعده، تجاه المعارضة، بتغيير موازين القوى العسكرية على الأرض، لدفع الأسد إلى قبول التفاوض الجدي على تطبيق بيان جنيف، ولم تقدم شيئاً يذكر في هذا المجال. وها هي تقبل أن تستقيل نهائياً من الموضوع، وتترك الأمر للمبعوث الدولي، دي ميستورا، ليرتب مسائل الهُدن المحلية التي تكمل ما قامت به ميليشيات الدفاع الوطني السورية، لتفكيك المقاومة، وتقسيم صفوفها وعزلها عن بعض.

وأخلّت الولايات المتحدة بالتزاماتها تجاه الشعب السوري، عندما تركته فريسة للقنابل والصواريخ والمدفعية الثقيلة، على عكس ما كانت تفرضه عليها العهود الدولية التي وقّعت عليها من التزام بحماية الشعوب المعرّضة للمجازر، أو جرائم الإبادة الجماعية، وهو ما يحصل أمام أعين العالم أجمع في سورية، منذ أكثر من ثلاث سنوات.

وأخلّت بالتزاماتها تجاه العالم، عندما لحست الخط الأحمر الذي رسمته لاستخدام السلاح الكيماوي، في حملات قمع سياسية، وسجلت سابقة في تاريخ البشر السياسي، تتعلق بتطبيع استخدام السلاح الكيماوي، للقضاء على الاحتجاجات السياسية. وهي تخون، كل يوم، تعهداتها الدولية القانونية والسياسية، عندما تقبل الوقوف مكتوفة الأيدي إزاء مذبحة يوميةٍ، تنقل صورها وسائل الإعلام والقنوات الفضائية، من دون أن تحرك ساكناً، أو تتحرك لوقفها، بذرائع واهية لا تقوم على برهان. وهي تتحدى المنطق والضمير الإنساني، عندما يردد قادتها، كل يوم وفي كل مناسبة، أنه لا حل للمذابح الشنيعة التي يرتكبها الأسد وميليشياته إلا بقبول الضحية بتقبيل أيدي جلاديها، والجلوس معهم على طاولة مفاوضاتٍ، ليس هدفها تغيير النظام القاتل، وإنما مشاركته الحكم.

في كل خطاباته وتصريحاته، حرص الرئيس الأميركي، في السنوات الثلاث والنصف الدموية الماضية، على تطمين الأسد وترطيب خواطره، والتأكيد له بأنه لن يكون هناك أي تدخل أميركي أو دولي، كما لو كان هدفه إطلاق يديه، وتشجيعه على الخروج عن كل قيد أو معيار أخلاقي، أو سياسي، في الفتك بشعبه وتدمير بلده. وحتى بعد تكرار الأسد استخدام السلاح الكيماوي، على الرغم من افتراض تدميره، تعامت الإدارة الأميركية عن كل الخروق، واكتفت بالتذكير بها في المناسبات. وتذرّعت بالخوف من سقوط الأسلحة في يد الإرهاب، لكي ترفض تقديم السلاح إلى المعارضة الديمقراطية، فكان لها الدور الأكبر في نمو القوى المتطرفة، وتحويل الإرهاب إلى القوة الرئيسية في سورية والمشرق كله. وأصرّت على أنه لا حل إلا سياسياً للحفاظ على الدولة ومؤسساتها، فكانت النتيجة دعم خيار الأسد في الحسم العسكري، وتمديد أجل الصراع، وترك الأسد يحقق حلمه في الانتقام وتدمير البلاد، كما لم يحصل لبلد من قبل. وبدل الحفاظ على الدولة ومؤسساتها، تم تقويضها من الداخل، قبل أن تحتلها الميليشيات الممولة والمسلحة والموجهة من طهران، كما تم تحويل جيشها نفسه إلى ميليشيات متنافسة ومتنازعة على نهب الأفراد والجماعات. ومع ذلك، وبعد كل ذلك، لا يكفّ الرئيس أوباما، بمناسبة ومن دون مناسبة، عن تذكيرنا بأنه لن يتدخل، ولا يقبل التدخل، ولا يؤمن بالتدخل، لثني الأسد عن جرائمه، أو ممارسة أي ضغط عسكري، أو سياسي، على مَن يقف وراءه، ويدعمه بالمال والسلاح والرجال. كان دائماً يضعه على المستوى نفسه من المسؤولية عن الحرب والدمار مع خصومه، وربما أصبح اليوم يفضّله عليهم.

  لا يمكن أن يكون كل هذا التهاون مع الأسد نتيجة خطأ في الحسابات أو التقديرات، أو بسبب مخاوف مشروعة من التورط في حروب خارجية، قررت الإدارة الأميركية الخروج منها، أو ثمرة الخوف من الالتزام تجاه الشعب السوري وقضيته المعقدة، كما يقال. بالعكس، يبدو مع مرور الزمن أكثر فأكثر، أنه نتيجة التزام عميق، لكن ليس بدعم الشعب السوري، وإنما بعدم التعرّض للأسد مهما كان الحال. والسؤال يتعلق فقط بالجهة التي اتخذ الرئيس الأميركي تجاهها هذا الالتزام: هل هي إسرائيل أم إيران، أم كلاهما معاً؟ يقول المتنبي: وَمِن نَكَدِ الدُّنيا عَلى الحُرِّ أَن يَرى عَدُواً لَهُ ما مِن صَداقَتِهِ بُدُّ.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الحل السوري .. سلامة كيلة

العربي الجديد - الخميس 13-11-2014

يتكرر الحديث، أخيراً، عن حوارات ومشاريع للتوصل إلى حل في سورية، وعادت موسكو لكي تمسك الملف، بعد أن فلت منها. حيث زار وفد معارض موسكو، وتوافق جون كيري ولافروف على العودة إلى مسار جنيف، كما أن الحوار الأميركي الإيراني يتناول الحل في سورية. وكان التسريب يمرر حلولاً متناقضة، من توافق على استمرار الأسد في المرحلة الانتقالية، حتى قبول إيران وروسيا إزاحته. لكن، أيضاً، تتعزَّز الأوهام لدى السلطة بأنها قادرة على الحسم، ولا تحتاج، بالتالي، إلى حل. وتلعب إيران بالورقة السورية في سياق الحوار الذي يجري بينها وبين أميركا، بعد أن باتت هي الممسك بالقرار في سورية، وتفعل ذلك لتحقيق مصالحها على ضوء الضغط الأميركي عليها بالعقوبات التي طالت البنك المركزي، وجعلتها لا تستطيع الحصول على أموال النفط، وبالتالي، أن تعيش في أزمةٍ، تدفعها إلى الوصول إلى حل، على رغم أنها لا زالت لا تقبل أي حل، بل تريد أن يجري الاعتراف بدورها الإقليمي، وبتأثيرها في العراق على الأقل، وفي سورية إنْ استطاعت.

لا شك في أن نقل أميركا للصراع "ضد داعش" إلى سورية لا يرتبط بداعش بذاتها، بل يرتبط بالتأثير في الورقة السورية خلال الحوار مع إيران، وهذا ما يطرح ما قد تقرره هي، هل هو الموافقة على السيطرة الإيرانية على النظام السوري، أو الوصول إلى توافق مشابه لما حدث في العراق، أي بتقاسم التأثير في السلطة، أو القبول بعودة التأثير الروسي ضمن ترتيب العلاقة الأميركية الروسية بعد أن تصدعت، بعد أزمة أوكرانيا.

وفي المعارضة، يبدو أن حسم أن الائتلاف الوطني ممثل للثورة تراجع أميركياً، وأن السياق يسير نحو إشراك أطراف معارضة أخرى، أو إشراك هذه بالتشارك مع الائتلاف، بما في ذلك أطراف كانت أقرب إلى السلطة، مثل جبهة التحرير والتغيير. وبالتالي، نشهد سيولة في أدوار المعارضة، وتفاعلاً مع مجموعات متعددة، من دون التفاعل الجدي مع الائتلاف.

هل يمكن أن يتحقق حلٌّ باستمرار وجود الأسد؟ هذا ما لعبت وتلعب عليه روسيا وإيران، وقد تقبل به أطرف في المعارضة مخرجاً من الوضع المرعب الذي باتت تعيشه سورية. لكن، ربما يكون ذلك ممكناً في الشهر الأول من الثورة، لكنه لم يعد ممكناً بعد ذلك، خصوصاً بعد جرائم السلطة ووحشيتها، والقتل والتدمير والنهب والسلطة الذي قامت به. ربما حتى "الموالاة" لم تعد تشعر بأنها قادرة على قبول استمرار الأسد، بعد الفظاعة التي طالتها من الشبيحة، وبعد خسائرها البشرية. وفي وضعٍ يشهد تعدد الكتائب المسلحة، ووجود قوى سلفية بشعة، ليس من الممكن أن يقبل المسلحون الذين يقاتلون السلطة حلاً لا يحقق إنهاء سلطة بشار الأسد. كذلك، يمكن أن يقول الأمر نفسه لاجئون كثيرون فقدوا أبناءهم.

بالتالي، يجب أن يكون واضحاً أن الحل يقوم فقط على إنهاء سلطة بشار الأسد و"الحاشية" التي بشّعت ونهبت، وقررت، منذ البدء، "القتال إلى النهاية". وهذا يفترض تقدّم أطراف أخرى في السلطة لكي تفكّ هذه العقدة، أو أن تقوم بذلك، بالتوافق مع قوى إقليمية مؤثرة، أي لإيران وروسيا. فهذا هو المدخل لحلّ ممكن، يمكن أن يقود إلى إنهاء الصراع الدموي، ومحاصرة القوى "الجهادية"، وتهميش القوى الأصولية التي لا يمكن أن يكون لها دور في سورية المستقبل. وهذا المستقبل يمكن أن يصير أمراً واقعاً، فقط بإنهاء سلطة بشار الأسد، وتشكيل هيئة انتقالية من قوى في السلطة والمعارضة. على الرغم من أن هذا الحل ليس الأخير، فالصراع سيستمر، وإنْ بشكل آخر من أجل بديل حقيقي، يفرضه الشعب الذي تآمرت كل القوى الإمبريالية والإقليمية والمعارضة، من أجل تدمير طموحه للتحرر والتطور.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : اعتقال المعارض السوري لؤي حسين .. أيُّ رسالة ... أي حل .. أي شراكة !؟ .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 15/11/2014

منذ انطلاقة الثورة السورية وتقلبها في أطوارها المختلفة يتمسك الرئيس الأمريكي بموقف ساذج جامد يصر فيه على مايسميه ( الحل السياسي ) في سورية . الحل السياسي الذي يقوم على نوع من الشراكة بين قوى الثورة السورية الوطنية وبين نظام ( بشار الأسد ) بتركيبته العسكرية والأمنية ، المنفذة العملية لكل هذا الإثم والمرتكبة لكل هذه الجرائم والفظائع .

ومع أن أكثر القوى الراشدة في المعارضة السورية وتشكيلاتها لا ترفض الحل السياسي ، بل هي جميعا تتبناه وتدعو إليه ولكن بين جميع ( المكونات الأهلية والمدنية ) السورية بلا نبذ ولا إقصاء ؛ إلا أن ذلك لم يغير شيئا من موقف ما يسمى ( المجتمع الدولي ) وعلى رأسه الولايات المتحدة التي أطلقت العنان لبشار الأسد وطاقمه على مدى ما يقرب من أربع سنوات يقتل السوريين بكل وسائل القتل المتاحة له ، بما فيها الوسائل المحرمة دوليا ،لتطويعهم لمشروع الشراكة الذي يقترحه عليهم من يسمون أنفسهم أصدقاء الشعب السوري .

ومع تقدم المبعوث الدولي السيد دي ميستورا بمبادرته المريبىة ( لبشار الأسد ) يقدم هذا وطاقمه على اعتقال المعارض السوري السيد لؤي حسين ، رئيس تيار بناء الدولة ، ويتم تقديمه للمحكمة بتهم أكثر هشاشة من مبادرة دي ميسترا نفسها إضعاف الشعور القومي وتوهين نفسية الأمة ....

أعلم أنني حين أصف السيد لؤي حسين وتياره (بالمعارض ) سأثير الكثير من الانتقاد واللوم من سواد الشعب السوري الذي قدم حتى الآن قريبا من ربع مليون شهيد على طريق تحرره ودفاعه عن وجوده . فالكثير من هؤلاء لا يرون في السيد لؤي حسين وتيار بنا الدولة إلا امتدادا طيفيا لهذا النظام بتلافيفه ومناهجه ورفضه لثوابت الحياة المجتمعية السورية ..

وحين لا يجد السيد لؤي حسين بخلفيته الأهلية والإيديولوجية ، ومنطلقاته الفكرية ، وبمواقفه وطروحاته السياسية التي هي في نظر الكثيرين مشتق مباشر لرؤية النظام ؛ له مكانا في ظل هذه الزمرة ،التي يصر المجتمع الدولي على فرضها شريكا أو وصيا على الشعب السوري فمن عساه يجد لنفسه مثل هذا المكان ؟!

لؤي حسين ( العلوي واليساري والعلماني والحداثي ) والتوصيف يقتضيه المقام لا مكان له على سلم ( وطني ) يحتكره بشار الأسد لنفسه ولأتباعه المباشرين فكيف سيجد بقية الشعب السوري والأكثر نأيا له مكانا له على هذا السلم ؟!

منذ سنوات طوال ما زال المجتمع الدولي يمتحن الثوار والمعارضين السوريين على قبولهم للتعددية العرقية والدينية والمذهبية ... ولكنه لم يفعل ذلك مرة واحدة مع ( معتمَده ) الأول بشار الأسد حول قبوله أي فرق في الدرجة لنوع من التعددية السياسية .

من مركز القوة التي يمتلكها القائمون على المجتمع الدولي يحاول هؤلاء أن يفرضوا على الشعب السوري شراكة مستحيلة مع فئة أدمنت الفساد والاستبداد والقتل ولاغتصاب والانتهاك والسرقة وجاهرت به .

جدير بنا في هذا المقام أن نذكر أن القوة التي تشكل مركز ثقل السياسات الدولية لا يمكنها وإن تمادت أن تصنع بغير العدل وغير العقل استقرارا حقيقيا يقنع الناس وينفي عن حياتهم الرفض وينبذ التطرف والإرهاب ..

نختلف مع السيد لؤي حسين وتياره ولكننا نؤمن إيمانا راسخا بحقه الأصلي والأصيل على خارطة الوجود الإنساني والسياسي والوطني في سورية المستقبل التي نريد ...

ويوجب علينا هذا الإيمان أن نجهر باستنكار اعتقاله ، ورفض مسرحية محاكمته والمطالبة بإطلاق سراحه وسراح جميع المعتقلين السوريين . وذلك قبل تقديم أي مبادرة دولية أو محلية تريد أن يكون لها الحد الأدنى من الجدية والمصداقية .

مرة أخرى ومع اعتقال السيد لؤي حسين نعيد السؤال على عقلاء العالم ومفكريه ومنظريه : عن أي حل ... وعن أي شراكة .. وعن أي مبادرة تتحدثون ؟!

لندن : 22 محرم / 1436

15 / 11 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الجيش السوري الحر أكبر خاسر من اتفاقات وقف النار .. لينا الخطيب

الحياة - الاربعاء 12-11-2014

تطوّران أخيران في سياق النزاع السوري لهما مضاعفات جسيمة على «الجيش السوري الحر»: الأول، حجم ومدى الغارات الجوية التي ينفّذها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» والمجموعات الجهادية الأخرى في سورية والعراق، والثاني، الاقتراح الخاص باستخدام اتفاقات وقف إطلاق النار المحلية بين النظام السوري والمعارضة المسلحة كمدخل ووسيلة لإنهاء النزاع.

فرغم المكاسب التكتيكية للغارات الجوية، إلا أنها قد تعطي عكس النتائج المرجوة وتصبّ لغير صالح «الجيش الحر». وفي موازاة ذلك، اقترح المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سورية ستيفان دي ميستورا تنفيذ اتفاقات وقف إطلاق نار محلية، لتمهيد الطريق أمام حلّ سياسي للنزاع. ويهدف هذا الاقتراح إلى تمكين نظام الأسد والمعارضة السورية من التقاط الأنفاس والتركيز على مقارعة «الدولة الإسلامية»، التي يعتبرها دي ميستورا تهديداً أكثر إلحاحاً للاستقرار في الشرق الأوسط.

لكن في السياقات الراهنة، لا الغارات الجوية ولا اتفاقات وقف إطلاق النار ستكون وسائل كافية لإنهاء النزاع السوري والقضاء على «الدولة الإسلامية». ما يُحتمل أن يحدث على الأرجح هو تصعيد المجابهات بين «الدولة الإسلامية» وبين منافستها الرئيسية «جبهة النصرة». إذ أن هذين التنظيمين، كما هو معروف، غرقا منذ أشهر في لجج معارك وجودية عاتية كانت اليد العليا فيها، حتى الآن، لـ «الدولة الإسلامية». وهذه المجابهة قد تتفاقم الآن، لأن كلاً من هاتين المجموعتين المتنافستين ستجد نفسها مدفوعة لإثبات قدرتها على الصمود والتصدّي رغم الغارات الجوية. ومثل هكذا تصعيد قد يُسفِر بدوره عن جعل «الجيش الحر» أكثر ضعفاً وانكشافاً.

ثمة تقارير عن أن غارة جوية جديدة للتحالف الدولي أدّت إلى إصابة زعيم «الدولة الإسلامية» أبو بكر البغدادي بجروح خطيرة. بيد أن انقضاء أجل هذا الرجل، سواء كان وشيكاً أم لا، لن يسفر عن الانهيار الفوري للتنظيم، كما دلّت على ذلك تجارب سابقة مع أسامة بن لادن وأنور العولقي وقادة جهاديين آخرين جرى اغتيالهم خلال العقد الماضي. ثم، صحيح أن موت البغدادي قد يضعف التنظيم نسبياً، إلا أن ذلك قد يوفِّر أيضاً لمنافسته «جبهة النصرة» الفرصة لإعادة تأكيد نفسها ونفوذها.

وقد سبق لـ «النصرة» أن دشّنت بالفعل هذا المسعى. فهي إذ عجزت عن التغلّب على «الدولة الإسلامية» الأقوى منها، عمدت إلى استهداف المعارضة السورية في الشمال والغرب كي تثبت سطوتها، فشنّت منذ أسبوعين هجوماً قويّاً على «جبهة ثوار سورية»، وهي كانت أحد أقوى ألوية المعارضة التي تقاتل كلاً من نظام الأسد و»الدولة الإسلامية» في الشمال. أسفر الهجوم عن انشقاق 3500 من أعضاء «جبهة ثوار سورية» وانضمامهم إلى «النصرة» وإلى حل هذه الجبهة برمتها، ولا سيما عقب تقارير غير مؤكّدة عن اعتقال «النصرة» قائد «جبهة ثوار سورية» جمال معروف. وفي 5 تشرين الثاني (نوفمبر)، قصف التحالف بقيادة الولايات المتحدة مقرّ «أحرار الشام» في إدلب، وهو الهجوم الأول من نوعه على هذه المجموعة الإسلامية التي تربطها صلات غير رسمية بـ «جبهة النصرة». وفُسِّر هجوم التحالف على «أحرار الشام» على أنه كان يستهدف مقاتلي «النصرة» الذين كانوا يستخدمون مبنى تابعاً لهذا التنظيم.

بيد أن لهذا الهجوم فوائد محدودة. فقبل هجوم «النصرة» على «جبهة ثوار سورية»، كان قد أصبح جلياً أنه رغم القوة التي تمتّعت بها الجبهة، كانت تخضع، إلى جانب «الجيش السوري الحر» عموماً، إلى تهديدٍ متنامٍ من «النصرة». وكان جمال معروف قد سعى إلى التواصل مع «النصرة» لإقناع قادتها بالموافقة على شكلٍ من أشكال التسوية، بغية تجنّب مواجهة قاتلة مع المجموعة. في غضون ذلك، كان «الجيش السوري الحر» يتعرّض لهجمات «النصرة» في الجنوب أيضاً، حيث اغتالت هذه الأخيرة سبعةً من كبار قادة «الجيش السوري الحر» حتى الآن. ونتيجة لهذا الضغط، أوضح «الجيش الحر» للولايات المتحدة أنه يحتاج إلى دعمٍ كبيرٍ لا ليحمي نفسه من التهديد الثلاثي الذي يفرضه نظام الأسد و»جبهة النصرة» و»الدولة الإسلامية» وحسب، بل أيضاً ليتمكّن من التفوّق على أعدائه لاحقاً. غير أن الولايات المتحدة تأخّرت جداً في الردّ، وعندما فعلت، لم يكن ردّها شاملاً. فعوض أن تقدّم لـ «الجيش السوري الحر» دعماً استباقياً ودفاعياً، لم تهاجم مقرّ «أحرار الشام» إلا بعد أن تمكّنت «النصرة» من إلحاق أضرار فادحة بـ «جبهة ثوار سورية». ولم يهاجم التحالف، إلا بعد ذلك، موكب «الدولة الإسلامية» الذي من الممكن أنه كان ينقل البغدادي. ردُّ التحالف المتأخّر هذا أدّى إلى ترك حلفائه مكشوفين. ورغم الانتكاسة التي مُنيَت بها «النصرة» عقب مقتل بعض مقاتليها في الهجوم الذي شُنّ على «أحرار الشام»، دلّ استهداف موكب قيادة «الدولة الإسلامية» أيضاً على أن «النصرة» تستطيع الإفادة من هذا الهجوم، في حين تواجه «الدولة الإسلامية» نفسها الآن التحدي الأكبر المتمثّل بإثبات قدرتها على البقاء، سواء مع البغدادي أو من دونه.

كل هذه التحديات تدفع «الدولة الإسلامية» و»جبهة النصرة» إلى بذل جهود حثيثة لإثبات قدرتهما على الصمود، في حين تواصل المجموعات الجهادية الأصغر، وآخرها «أنصار بيت المقدس» في مصر، الانضمام إلى التنظيمَين. ومن المتوقّع أن تتواصل هذه العملية. ففي سياق الحرب، غالباً ما تُترجم رغبة اللاعبين الصغار في حماية الذات وفي السلطة، بطريقة براغماتية. هذا يعني، رغم الخسائر التي تكبّدتها «الدولة الإسلامية» و»النصرة» نتيجة الغارات، أنه كلّما اتّسع نطاق الضربات، يرجّح أن يزيد التنظيمان أنشطتهما لإثبات قدرتهما على الصمود، وبالتالي، يبدأ عدد متزايد من المجموعات الجهادية الأخرى بالنظر إلى «الدولة الإسلامية» و»النصرة» على أنهما ملاذان محتملان. وهذا في آخر المطاف يؤدي بسورية إلى انقسام مناطقها الشرقية والشمالية والغربية كما الوسط بين سيطرة «الدولة الاسلامية» و»النصرة» والنظام، فيما تنحصر المعارضة في الجنوب. يمكن وقف ردّ الفعل التسلسلي هذا حين يصبح «الجيش السوري الحر» منافساً قويّاً على الأرض، وقادراً على إلحاق الهزيمة بالتنظيمين وبالنظام السوري أيضاً. وهنا ستكون عمليات وقف إطلاق النار في الوضع الراهن في غير مصلحة «الجيش السوري الحر».

طيلة فترة الصراع، ثبُت أن عمليات وقف إطلاق النار المحلية لا تفيد المعارضة السورية، بل نظام الأسد وحسب: فبعد كل وقفٍ لإطلاق النار، كان النظام قادراً على استعادة المناطق التي خسرها أمام المعارضة في مناطق وقف القتال. حمص خير مثال على ذلك. قد ينجح وقف إطلاق النار في سياقٍ تكون فيه الجهات المتحاربة متكافئة نسبيّاً على المستوى العسكري. لكن بما أن نظام الأسد أقوى من «الجيش السوري الحر» في الوضع الراهن، فان من شأن وقف إطلاق النار أن يمكّن نظام الأسد ضد «الجيش السوري الحر» و»الدولة الإسلامية»، وليس ضد الأخيرة وحسب.

في حال تم تنفيذ عمليات وقف إطلاق النار المحلية خلال استمرار التحالف بمهاجمة «الدولة الإسلامية» و»جبهة النصرة» من دون تمكين «الجيش السوري الحر»، سيكون هذا الأخير الخاسر الأكيد في السيناريو المقبل، خصوصاً أن أيّاً من «الدولة الإسلامية» أو «جبهة النصرة» لن يوافق على وقف إطلاق النار. وفي حين أجّجت ضربات التحالف نار المواجهة بين التنظيمَين اللذين يصعّدان أنشطتهما العسكرية في إطار سعيهما إلى إثبات نفسيهما، سيصبح «الجيش السوري الحر» الهدف الأسهل. وفيما يطول أمد الصراع السوري وتزداد حدّته، لا يحتاج «الجيش السوري الحر» لمواجهة هذه العاصفة إلى إجراءات انتقامية على يد التحالف، ولا إلى وقفٍ لإطلاق النار من شأنه تمكين أعدائه، بل هو بحاجةٍ إلى دعم دفاعي في المدى القصير، وإلى تعزيز قدراته الهجومية في المدى الطويل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

واشنطن وطهران وساعة الحقيقة .. علي العبدالله

الحياة - الاربعاء 12-11-2014

ساعات قليلة ويُطلق الدخان الأسود أو الأبيض في سماء مسقط، ساعات وتنكشف الحقيقة، وتتضح أولوية واشنطن وطهران بعد لي اذرع وعض اصابع داما طويلاً.

فهل ينطلق الدخان الأسود أم الأبيض؟.

قيل تبريراً لعقد لقاء مسقط بين جون كيري وكاترين اشتون وجواد ظريف انه محاولة لتقريب وجهات النظر قبل اجتماع فيينا يوم 18 الجاري، وحُدد الخلاف بنقطتين: نسبة التخصيب والجدول الزمني لرفع العقوبات وفق ما قاله ظريف. فموقف الغرب ان لا يزيد التخصيب عن نسبة 3.5 في المئة وان ترفع العقوبات على مراحل وفي ضوء تنفيذ ايران لبنود الاتفاق (تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية سّجل عدم التزام ايران بمقتضيات الاتفاق المرحلي بتخصيبها كمية كبيرة من اليورانيوم بنسبة 8 في المئة)، ايران تريد نسبة 20 في المئة ورفع العقوبات الاميركية والاوروبية، التي كان تأثيرها مدمراً على الاقتصاد الايراني، دفعة واحدة.

واقع الحال ان الخلافات حول نقاط أخرى ما زالت عالقة ولم تحسم بعد من عدد أجهزة الطرد المركزي المسموح لإيران بامتلاكها، حيث يرى الغرب ان تكون بالمئات بينما ترى ايران ان تكون بالآلاف، الى مصير مفاعل آراك، بين استمرار عمله بالماء الثقيل وتحويله للعمل بالماء الخفيف، كما يطالب الغرب وتتمسك ايران بإبقائه يعمل بالماء الثقيل، فعمله بالماء الثقيل يتيح انتاج مادة البلوتونيوم التي تدخل في صناعة القنابل الذرية، ناهيك عن برنامج الصواريخ الايراني الذي يربط الغرب بينه وبين التسلح النووي حيث سيحتاج الرأس النووي لوسيلة ايصال لضرب الهدف. فامتلاك ايران رأساً نووياً لن يكون مجدياً ما لم تمتلك وسيلة ايصاله، صاروخاً كان أم طائرة، والصاروخ افضل لسرعته وصعوبة التصدي له.

تشير تقديرات الخبراء ان فرصة الاتفاق ضعيفة في ضوء تمسك كل من الطرفين بسقف لا يتناسب مع سقف الطرف الآخر. فالغرب يربط موقفه من البرنامج النووي الايراني بأمن اسرائيل، وبالاستقرار في منطقة حساسة وحيوية للعالم، ويتخوف من سباق تسلح نووي في الاقليم في حال سمح لإيران بامتلاك قدرة على انتاج سلاح نووي. كانت وسائل اعلام قد نقلت نبأ عن اتفاق سعودي - باكستاني يقضي مقابل تمويل السعودية للبرنامج النووي الباكستاني بتزويدها عند الطلب بصواريخ تحمل رؤوساً نووية، وهذا ان تم سيمنح السعودية قوة رادعة ويمنح باكستان فرصة نقل صواريخها البعيدة المدى الى السعودية بحيث توازن قدرتها الردعية مع الهند، التي تتفوق عليها بالعمق الذي توفره الجغرافيا الهندية في مقابل ضيق اراضيها وانكشافها للصواريخ النووية الهندية قصيرة المدى وفقدانها فرصة توجيه الضربة الثانية. وهذا ما يؤدي حصوله الى قيام الهند بتوسيع نطاق استراتيجيتها النووية لتشمل الخليج فتختل التوازنات والمعادلات الامنية في معظم آسيا.

فالغرب لن يقبل باتفاق يتيح لإيران امتلاك قدرات تقنية تمكنها، في ظرف ما، من انتاج سلاح نووي في فترة زمنية قصيرة. ايران، التي سجلت مكسباً بإقرار الدول الست بحقها في امتلاك برنامج نووي سلمي، لن تقبل بتقييد قدراتها التقنية وتمكّنها من الاكتفاء الذاتي من اليورانيوم اللازم لتشغيل مفاعلاتها النووية لإنتاج الكهرباء والبحوث، كما لن تقبل المساومة على صواريخها.

واذا كان الرئيس الاميركي باراك أوباما يتوق الى عقد اتفاق مع ايران ينهي عقداً من المفاوضات، ويتيح التفرغ لبحث ملفات اخرى تتعلق بالوضع في الاقليم ودور ايران فيه، فإنه لا يستطيع القبول بطلبات ايران والتكيف مع توجهاتها السياسية والعسكرية، وقد عبّر عن ذلك بقوله: «ان عدم الاتفاق افضل من اتفاق سيء»، لانعكاس ذلك على مصالح الولايات المتحدة وحلفائها وعلى الاستقرار الاقليمي والدولي، وبخاصة في ضوء نتائج الانتخابات النصفية لمجلسي الكونغرس وفوز الجمهوريين، الذين يعارضون الاتفاق مع ايران، وتحّوله الى بطة عرجاء.

صحيح ان للرئيس صلاحيات واسعة في السياسة الخارجية لكنه لن يغامر في استفزاز اعضاء الكونغرس لحاجته للتفاهم معهم حول السياسة الداخلية ولعل ذلك يفسر قوله عشية اجتماع مسقط «ان الفجوة ما زالت كبيرة بين الطرفين».

ستكون ايران خاسرة في حال فشل الطرفان في الاتفاق على حل الخلاف واللجوء القسري الى تمديد المفاوضات. فهي في حاجة ماسة الى رفع العقوبات كي تستعيد توازنها المالي والاقتصادي وتلبي طلبات المواطنين المعيشية والخدمية في ضوء الفقر (صرح وزير العمل والرفاه الاجتماعي الايراني بوجود سبعة ملايين مواطن تحت خط الفقر) وارتفاع الاسعار وازدياد نسبة البطالة والتضخم وتراجع اسعار النفط، وتخوفها من فرض عقوبات جديدة بعد أن فاز الجمهوريون في الانتخابات النصفية وسيطروا على مجلسي الكونغرس، وهم دعاة تشّدد مع ايران، كانوا قد اعدوا رزمة عقوبات جديدة كادوا يعلنونها لولا تدخل الرئيس الاميركي واقناعهم بتأجيلها كي لا يؤثروا سلباً في المفاوضات، وبينهم عتاة المؤيدين لإسرائيل التي لا تقبل بأقل من تفكيك البرنامج النووي الايراني، إضافة الى خروج السيدة كاترين اشتون من منصبها وتسّلم المسؤولة الجديدة التي تتبنى موقفاً أكثر حزماً مع ايران. وهذا يفسر التصريحات الايرانية المتناقضة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مركزية الحلّ السوري في تفكيك أزمات المنطقة .. رشا الجندي

العربي الجديد - الاربعاء 12-11-2014

صرّح الرئيس الأميركي، باراك أوباما، في مؤتمره الصحافي الأخير، أنّ هدف الولايات المتحدة من التحالف الدولي ضدّ داعش هو طرد تنظيم الدولة من العراق ومحاولة إعادة الاستقرار فيها باعتبارها مسؤولية أميركية منذ 2003، في إشارة منه إلى أنّ كل ما يتم القيام به من ضربات في سورية لداعش هو مجرّد مشهد جانبي لا يمتّ بصلة لنوايا الإدارة الأميركية الأساسية، وتعرّض الرئيس الأميركي للانتقاد من قبل عدة أطرف في الولايات المتحدة بسبب هذا التصريح، وقد كانت له موجبات واضحة وهي الوضع الميداني السيء في سورية والعراق، فالدولة الإسلامية تقوم بمجازر ضدّ العشائر السنّية مثل البو نمر والجبور، لتقديم أمثولة لأي عشيرة تحاول المشاركة في القتال ضد داعش، سواءً في العراق أو في سورية. وفي ظلّ التوضيح السيء الذي قام به أوباما فإنه يدفع فصائل الجيش الحرّ والفصائل المقاتلة الأخرى للامتناع عن محاربة داعش وذلك بسبب رفع الحماية عنهم في سورية، فلماذا يقاتل السوريون تنظيم الدولة الإسلامية لهدف هو في العراق بالأصل وليس في سورية، ثم يتركون لمصيرهم بين نظام الأسد وتنظيم الدولة الإسلامية بعد وصول أوباما لهدفه في تحقيق الاستقرار في العراق بينما يتم التراجع عن تسليحهم المرة تلو الأخرى!

وما الذي يُبعد ثلاثين قرية كردية سورية عن اليأس، ومن ثمّ مبايعة أبو بكر البغدادي، في ظلّ تخلّي واضح من المجتمع الدولي عنهم؟ وما الذي يدفع فصائل من أحرار الشام على سبيل المثال لعدم الانضمام إلى داعش وهم يرون الإدارة الأميركية تقف متفرّجة أمام تلاشي حركة حزم وبقية الفصائل المعتدلة الأخرى؟ هذا بالإضافة للتعاون الواضح بين الاستخبارات الأميركية والسورية والإيرانية في سورية والعراق، وإلا فكيف يمكن تفسير الضربة التي تم توجيهها لعشرين من قيادات داعش أثناء عقدهم اجتماعاً سرّياً في مدينة القائم الحدودية قرب الموصل، ثم القيام بالترويج أن أبا بكر البغدادي كان موجوداً وأنه يمكن الوصول إليه واستهدافه، في محاولة لإعطاء الانطباع أنّ التحالف يعمل، وأنه مؤثر في الاستراتيجية التي يتّبعها.

يقف المجتمع الدولي أيضاً متفرّجاً أمام المجازر الواحدة تلو الأخرى، بدون أدنى نيّة لتحييد الطيران السوري على أقل تقدير، ومن هذا المنطلق بالذات سيطر الجيش الحرّ على مدينة نوى على حساب قوات الأسد، ومن ضمنها كتيبة الربحة وكتيبة الدبابات وحقل الرمي وسرية الكونكورس وقيادة اللواء 122. وتلعب هذه الانتصارات بالترافق مع سياسة النأي بالنفس التي يتبعها باراك أوباما دوراً محورياً بالنسبة للوضع السوري، وذلك في تكوينها لعامل مضاف لابتعاد السوريين عن مقاومة تنظيم الدولة القويّ، بينما يرفع ذلك من وتيرة التململ لدى العشائر التي تلقت ضربات موجعة من داعش بسبب قيامها بمحاربتها، ومن ثم تم التخلي عنها تحت ضربات السكاكين.

لا يبدو نهائياً أنّ الرئيس باراك أوباما وإدارته، وهم في منتصف الولاية الثانية، قادرون على فهم تعقيدات الشرق الأوسط وتلازم الحلول فيه، وقد يكون تصريح رئيس أركان الجيش البريطاني، نيك هوتون، هو الأكثر منطقية، فالضربة الموجهة لتنظيم الدولة الإسلامية، حتى وإن حققت نصراً باغتيال البغدادي زعيم التنظيم، إلا أنه من المتوقع امتلاكه القدرة على إعادة لملمة صفوفه، وكل ما تقوم به قوات التحالف الدولي هو فقط من باب كسب الوقت للتوصل إلى حلٍّ سياسيّ، لكن أي حلّ سياسي في ظلّ الإستراتيجية الأميركية المخفقة المرّة تلو الأخرى في سورية، والتي تُسهم في إضعاف القوى المعتدلة السورية والعراقية على السواء، يبدو أنّ المنطقة تنتظر تدهوراً أكثر سوءاً في المشهد الأمني قد يصل إلى دول كان المعتقد أنها محميّة من كل تلك الأحداث، المفتاح كان ولا يزال هو التعامل مع التطورات  العراقية والسورية واللبنانية باعتبارها ملفاً واحداً، وليس تفكيكها والتعاطي مع أحدها بشكل سيء ومع الآخر بشكل أكثر سوءاً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سياسات قوضت الاعتدال .. ميشيل كيلو

البيان - الثلاثاء 11-11-2014

بدأت الثورة السورية بحراك سلمي ومعتدل، ولم تطلب شيئاً غير إصلاح يقوده أهل السلطة عموماً وبشار الأسد شخصياً، لاعتقاد السوريين أنه إصلاحي كبحه الفاسدون من أهل السلطة، وأن ثورتهم ضد هؤلاء ستحرره وتجلبه إلى صفهم.

وقد كان واضحا منذ بداية الثورة، أن بلوغ الحرية يرتبط بالمدى الزمني للأحداث، وأن استمرار الثورة لفترة طويلة يخدم التطرف الذي ترعاه السلطة، وسينمو حتما كرد فعل على عنفها، الذي سيجبرهم على التخلي عن نزعتهم السلمية واللجوء إلى السلاح دفاعا عن وجودهم.

بما أن سياسة النظام قامت على استخدام قدر مفرط جدا من العنف، يحول ثورة سلمية هدفها الحرية إلى اقتتال مذهبي وطائفي، فإن نجاحها ارتبط بإحلال قيادة متطرفة وعنيفة محل قيادة الحراك السلمي والمدني، المعتدلة.

ثمة عامل خارجي لعب دورا مهما في تحول الثورة، هو طريقة أميركا في إدارة الأزمة السورية، وإطالتها لفترة تكفي لتصفية حساباتها الدولية والإقليمية بدماء السوريين، الذين انطمرت ثورتهم تحت ركام صراعات خارجية معقدة.

وتراجع فيها الاعتدال لمصلحة التطرف، خاصة عقب تحديد خطوط حمراء أميركية منعت أي طرف منخرط في الصراع من تخطيها أو الخروج عليها، لإطالة الصراع والحيلولة دون حسمه لصالح النظام أو المعارضة، مع ما تطلبته هذه الخطوط من تحكم دقيق في تزويد الجيش الحر بحاجته من العتاد والذخائر والتمويل.

ومن مصادرة للقرار الوطني السوري المستقل، وترك أبواب البلاد مفتوحة أمام المتطرفين الذين ظل السلاح يصلهم بوفرة، خاصة بعد شروعهم في مقاتلة الجيش الحر، ومساعدة النظام على استعادة توازنه بعد سلسلة هزائم تعرض لها طيلة خمسة أشهر بين نهاية 2012 ومطلع 2013، ظهر بعدها تنظيم "داعش"

وشرع يحتل المناطق الحرة ويقضي على فصائل الجيش الحر واحدا بعد آخر، إلى أن أفرغ شمال سوريا من معظمها وحصر هذا الجيش بين فكي كماشة كونتها قواته وجيش النظام، الذي رمم معنوياته المنهارة وأعاد تنظيم صفوفه بمساعدة إقليمية ودولية، وبدأ سلسلة هجمات منسقة ضد وسط سوريا عامة، ومناطق القلمون ومدينة حمص وضواحيها خاصة.

ورغم اختلال موازين وعلاقات القوى لصالح النظام والمتطرفين، أصرت واشنطن على متابعة سياستها، مع أنها لعبت دورا مهما في مساعدة النظام على إطالة الصراع وتحويل ثورة الحرية إلى اقتتال مذهبي، وتراجع وتهميش يومي لقوى الاعتدال، بالقتل العمد أو بانضمام أعداد متزايدة منها إلى التطرف تحت وطأة الجوع ونقص السلاح والذخيرة.

ورغبة مقاتليها في مقاتلة النظام إلى جانب التنظيمات التي كانت تحاربه بفاعلية، على عكس الجيش الحر، "جيش المعتدلين"، الذي أخذ يفتقر أكثر فأكثر للسلاح والطعام والتمويل.

ويعجز عن تأمين مستلزمات مقاتليه، ويتفرج على قواه البشرية وهي تتعرض لغواية تكفيريين استغلوا تدني السوية السياسية المدنية للمقاتلين، وأقنعوهم باستحالة الانتصار على النظام إن بقي الصراع ضده مقتصرا على نيل الحرية.

كانت واشنطن تضعف المعتدلين، وتستغل إضعافهم للامتناع عن تسليحهم، وجعلهم عرضة لمزيد من الضعف.

واليوم، بعد أن لعبت سياساتها دورا خطيرا ضد هؤلاء، أخذت تدعي أنها تبحث عنهم فلا تجدهم، وقررت رفض التعامل مع من يوجدون منهم داخل سوريا، لكونهم غير موثوقين (رغم أنهم بمئات الآلاف)، والبحث عن مقاتلين بين شبان المخيمات الذين ليست لديهم ارتباطات سياسية أو دينية! ترى، أين ستجد هؤلاء في شعب مؤمن يخوض ثورة سياسية منذ قرابة أربعة أعوام؟!

بعد تهميش المعتدلين، الذين انفردوا بالساحة فترة طويلة بعد الثورة، وما زال حضورهم قويا داخل سوريا وخارجها، تنتقل واشنطن اليوم إلى طور يتخطى الثورة السورية، هو طور محاربة الإرهاب.

وبما أنها تبحث عن قوات برية تقاتل بدلا عن جنودها، فقد أخذت تقصر الاعتدال على شبان المخيمات، ليصيروا وقود حرب ليست حربهم ولا مصلحة لشعبهم فيها، بينما تطيل تشردهم وتكثف موت من بقي من أحبائهم حيا بالبراميل المتفجرة والغازات السامة.

تتباكى واشنطن على المعتدلين وتسوغ سياستها السورية بخلو الساحة منهم، كأنها بريئة مما تعرضوا له من تهميش منظم يرقى إلى مستوى التآمر، وتبحث عن ذريعة لمواقفها حيال حق الشعب السوري في الحياة.. أيها الاعتدال، كم من جرائم ارتكبت باسمك ضد الحرية وطالبيها!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الخوري".. فارس كبير ضد الطائفية .. د. طيب تيزيني

الاتحاد - الثلاثاء 11-11-2014

الآن، وقد تحولت سوريا إلى حُطام تخترقه أحلام يسعى أصحابها إلى تحويلها إلى كيان وجودي فقد وجوده، نقول إن التاريخ السوري يزخر بأسماء يعتبر أصحابها رموزاً كبيرة للنضال من أجل سوريا في مرحلة الاستعمار الفرنسي لها، وكان ذلك النضال قد وُجه ضد المشاريع الاستعمارية، وفي مقدمتها – حينذاك – المشروع الفرنسي من أجل تكريس الطائفية المذهبية الدينية، وقد اكتسب هذا المشروع جدواه اعتقاداً بأن هذا الأخير سيحقق انتصاراً في المجتمع السوري، الذي يعيش فيه عدد من الطوائف الدينية المذهبية، تأسياً لاختراق ولفتح احتمالات الاشتعال فيما بينها. ظهر ذلك – في حينه – ضمن الخطط العسكرية والمجتمعية، التي اتبعها الفرنسيون ضد الشعب السوري.

من طرف آخر، اتضح للمستعمرين الفرنسيين أن وحدة الشعب السوري أكبر من أن تسمح لهؤلاء باختراقها، وظل هؤلاء يراهنون على إحداث الوقيعة بين الطوائف السورية، بحيث أنهم بنوا جزءاً مهماً من مشروعهم الاستعماري على الرهان الطائفي، في المدن والريف السوري، وتاريخ تلك المرحلة السورية حافل بمحاولات الفرنسيين تحقيق أهدافهم، منذ دخولهم سوريا بعد الانتصار على البطل الشهيد يوسف العظمة في معركة ميسلون قرب دمشق العاصمة. ويُذكر أنهم حاولوا المستحيل مع رموز وطنية ها هنا لاستمالتهم إلى صفوف الطائفية المذهبية، وكان من هؤلاء رجال كبار اشتروا الموت في معارك عسكرية وسياسية استراتيجية ضد المحتلين الفرنسيين، في عصر كان مُفعماً بالحضور الاستعماري عالمياً.

لقد برز رموز مناضلة من الرجال ضمن الطوائف المذهبية السورية وفي سياق معارك الاستقلال السوري، ظهر مثلاً إضافة إلى يوسف العظمة في الجيش السوري مع آخرين، وصالح العلي ضمن طائفة العلويين والذي قدم له الفرنسيون فكرة اقتطاع دولة علوية فرفضها، وكذلك سلطان باشا الأطرش ضمن طائفة الدروز، فعل معه الفرنسيون ما فعلوه مع العلي، وفارس الخوري المسيحي، وإبراهيم هنانو الكردي، وسعد الله الجابري، وهاشم الأتاسي، وشكري القوتلي، وغيرهم كثير، كل هؤلاء سطروا تاريخاً وطنياً في سوريا، وظلوا حتى النهاية ينادون بسوريا الموحدة.

ولقد ظل السوريون يدافعون عن شعارهم الكبير، الذي يلتزم بفكرة الدفاع عن الوطن الموحد، إلى أن أُرغم الفرنسيون الغزاة المحتلون على الخروج من سوريا، التي نالت انتصارها الوطني عام 1946، حيث خرج أولئك منكسرين. ولكن المسألة لم تنته، بل استمرت أو حاول الاستعماريون الخاسئون أن يُلحقوا بها أبواباً جديدة، يستطيعون عبرها أن يرجعوا إلى سوريا، دون احتلال عسكري، بل عن طريق راح يطرح نفسه في مرحلة جديدة، هي مرحلة الاستعمار الجديد، لقد بدأوا اللعب على الداخل السوري، وهم الذين اعتقدوا أنهم أصبحوا خبراء بشؤون العودة إلى البلد العتيد الجميل، دون سلاح، لكن عبْر من اعتقدت أنهم – وهم من السوريين – ظلوا يحلمون بعودة عتاة الاستعمار في فرنسا، الثورة التاريخية الكبيرة، فكان ما كان: أرسل الجنرال الفرنسي غورو من فرنسا رسالة إلى رئيس المجلس النيابي السوري آنئذ فارس الخوري - المسيحي، يدعوه فيها إلى التعويل الكلي على حماية فرنسا للسوريين المسيحيين، نعم المسيحيين، أولاً باسم «الأخوة» المسيحية، وثانياً في سبيل تحقيق مطالبهم في الحرية الدينية وفي الاستحواذ على حقوقهم الدينية والسياسية وغيرها، جاء ردّ العظيم فارس الخوري من على سدة البرلمان السوري.أيها الجنرال، أخطأت الطريق، إنني أنا المسيحي، أحتمي بكل مسلم وغير مسلم سوري، فهم أهلي وأخوتي، بقدر ما يحتمي المسلمون وغير المسلمين السوريين بعضهم ببعض.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل نحن داعش؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد - الاثنين 10-11-2014

عرضت محطات التلفاز وشبكات التواصل الاجتماعي شريطاً مصوراً لشاب لبناني يحمل سكيناً، يهدد به أطفالاً يرتجفون هلعاً، وهو يسألهم بالتتابع، والسكين تقترب من حنجرة كل منهم: هل أنت داعش؟ ومن تريد أن يكون أول من يذبح؟ فيما بعد، علمنا أن أم الأطفال تركتهم في عهدة الشاب، ريثما تعود من السوق، وأن كل طفل رد على سؤال حامل السكين، متوسلاً أن لا يكون أول المذبوحين.

هل نحن "داعش"؟ هل السوريون جميعهم "داعش"؟ ألسنا متهمين بـ"داعش"، مع أنها لم تنشأ عندنا، ودخلت بلادنا عنوة واقتداراً، ومن دون إذن منا، وكنا أكثر ضحاياها عدداً، ولم تقاتل أحداً كما قاتلتنا، ولم تقدم لنا أية خدمة غير إخراج الجيش السوري الحر والمقاومة من مناطق كانا قد طردا النظام منها، لكننا، وعلى الرغم من ذلك، متهمون بأننا "دواعش"، لمجرد أننا سوريون!

لماذا يعتقد لبنانيون كثر أننا "دواعش"، بدءاً بالشاب، الذي زعم أنه كان يمازح الصغار، وصولاً إلى حزب الله، الذي لا يمازحنا أبداً، وقطاع كبير من لبنان الشعبي والرسمي كان قد استقبل لاجئينا بالتعاطف عند قدومهم إلى لبنان، ثم بدأت الشكوك تساوره حول ما إذا كانوا إرهابيين أو مشاريع إرهابيين، قبل أن تتحول تهمتهم إرهابيين إلى واقعة مثبتة، جعلت شاباً غير مسيس، لا يجد وسيلة لـ"ممازحة" سوريين صغار غير تهديدهم بالذبح، لأنهم ليسوا فقط من "داعش"، بل هم "داعش" نفسها؟ وهل اعتقد هذا الغرّ أن ذبح أطفال سوريين يعني ذبح "داعش"؟ ألهذا الحد، صار السوري يتماهى مع الإرهاب والإرهابيين، حتى وهو طفل صغير؟

لا أعرف إن كان في الأمر تضخيم للأمور، لكنني أعلم أن صورتنا، كسوريين، تعرضت لتشويه خطيرٍ، لأسبابٍ بينها سرعة تحول ثورة قمنا بها، طلباً للحرية، إلى اقتتال متعسكر/ مطيف وممذهب، والسهولة التي تم بها هذا التحول، الذي لم يلق ما كان يستحقه من مقاومة شعبية ووطنية، وعلى يد هيئات وجهات ومجالس وائتلافات وأحزاب وشخصيات غير أصولية، لطالما ادعت تمثيل الثورة ومعاداة الإرهاب، واعتقدت أن كل من ليس أسدياً  وحمل بندقية هو مع الشعب وحريته، حتى إن تبنّى أيديولوجية مذهبية ورؤى تكفيرية، وأعلن عداءه الصارخ للحرية والديمقراطية ولدولة ومجتمع سورية. بدل أن يصارع "ممثلو" الشعب هؤلاء، وخصوصاً منهم رجال الدين الإسلامي، التيار التكفيري/ الأصولي عقائدياً وإعلامياً، وينبهوا إلى تعارض خياراته مع الإسلام ورهانات الثورة، ويشرحوا للشعب تناقض ما يدعو إليه مع  عقيدة الحرية عميقة الجذور في روح المؤمن، وما ينبثق عنها من قيم ومعايير، مغايرة جذرياً لقيم الأصولية ومعاييرها، لفلفوا القصة، وقفزوا عن الخيارات المتناقضة، التي يفضي التياران إليها، والأوضاع المتعارضة التي ستترتب عليهما، بحجة الحرص على وحدة من يقاتلون الأسد، والخوف من إضعاف "الثورة"، مع أن المذهبيين كانوا يعلنون رفضهم إياها في كل كلمة يقولونها، ويلاحقون أتباعها، ويجتثون حاضنتها المجتمعية في جميع المناطق التي سيطروا عليها.

بسبب تقصير الهيئات الدينية الرسمية والشعبية، وجمهور السياسيين والمثقفين، ودفاع بعض قادة المعارضة عن الأصولية، ورفضهم طرح قضيتها على بساط النقد، ترسخ الانطباع بأن الثورة لم تكن غير ما قاله بشار الأسد: مجرد غطاء لأصولية استغلت شعارات الربيع العربي، كالحرية والعدالة والمساواة، كي تفقس في حاضنة مجتمعية واسعة، قبل أن تسفر عن هويتها الحقيقية، وتأكل غطاءها، وتقتل أو ترعب أنصار الحرية الحقيقيين. بسبب هذا التطور، صار من المشروع أن نطرح سؤالاً مليئاً بالدلالات المفزعة: "ألسنا حقا داعش"؟

يقول بعض متابعي الشأن العام إن قرابة ثلث السوريين يؤيدون "داعش"، ويسوغون فظائعها. ويقول تحليل دولي معتمد في أميركا والغرب وقطاعات واسعة من العالم الإسلامي إن "داعش" هي التعبير السياسي والعسكري عن رفض أهل السنة إقصاءهم عن الحكم والسلطة، والرد على التنكيل، الذي تعرضوا له في نصف قرن، وخصوصاً في العراق وسورية، حيث ظهرت ونمَتْ بسرعة. ويضيف التحليل إن "داعشيتنا" ليست فقط مشكلة محلية، بل دولية أيضاً. لذا، كان من الضروري أن يأتي ردنا واضحاً وقاطعاً عليها، كي لا نجد أنفسنا، ذات يوم، متهمين دولياً بما هو أكثر من قبولنا إياها بصمت، ومعاقبين على ما ليس منا، ولسنا منه، خصوصاً وأن قصة "داعش" تكتسب أبعاداً نرى بدايتها، ولا نعرف نهاياتها.

إذا كنا لا نريد حقاً أن نكون "داعش"، لا يكفي من بدء الحرب ضدها فصاعداً أن ننكر انتسابنا إليها ومعارضتنا إياها. ولا بد من أن نبادر إلى القيام بخطواتٍ، تتجاوز مجال علاقاتنا المباشرة معها أو ضدها، وأن نطور رؤية واستراتيجية تقنعان العالم بأننا نعمل ما علينا لتحصين أوضاعنا، ووضعه ضد الإرهاب، ونعمل لدحره في مكامنه المجتمعية ومنابعه الايديولوجية: المذهبية القديمة المرتبطة بالحراك الأصولي، والحديثة المرتبطة بنظم "تقدمية" و"ممانعة" و"ثورية" و"علمانية" تقتل الناس بالجملة، ولا تقل إرهابا بأية حال عن أية اصولية إرهابية، إن لم تكن أكثر إجراماً منها بكثير، أبرزها وأخطرها النظام السوري.

هل نحن، كقوى سياسية وعسكرية، وكائتلاف ومجلس وطني ومعارضة، في وارد عمل كهذا؟ هل نحن، إذا لم نكن كذلك، إذن، "دواعش"، وسنظل ننتج الداعشية، التي ما سكتنا عليها، وتعاطف كثيرون منا معها، إلا لأنها تعبر عنا وعنهم، مهما حاولنا نفي ذلك وإنكاره!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بين "أسلمة سوريا" و"الثورة في إسلامها".. ملاحظاتٌ منهجية (2) .. د. وائل مرزا

الشرق القطرية - الاحد 9-11-2014

ثمة شبهاتٌ تُطرح مراراً وتكراراً في معرض رفض الحديث عن المراجعات بشكلٍ عام، فسواء تعلق الأمر بالإسلاميين، جماعاتٍ أو منظمات أو رجال دين، أو(الإسلام) نفسه، تُطرح جملةٌ من القضايا التي يُقال إنها تفرض عدم فتح ملف المراجعات.

أولى هذه "المقولات / الشبهات" يتجلى في مقولة (الخوف على الإسلام). إذ يبدو هذا الخوف، إلى درجة الهوس أحياناً، مُحرِّكاً لكثيرٍ من المواقف الصادرة عن كثيرٍ من الإسلاميين، ومن المسلمين أيضاً، خاصةً في ظروف الأزمات. وفي حين يبدو واضحاً من ممارسات البعض أن المقولة إنما (تُوظف) في نهاية المطاف للحفاظ على مكتسبات شخصية أو حزبية، تَصدﱡراً للمشهد "الاجتماعي و/ أو السياسي"، وبحثاً عن الأتباع والمريدين، وحفاظاً على مصادر النفوذ والقوة، إلا أن شرائح أخرى تبدو صادقةً مع نفسها في (خوفها) المذكور.

المشكلة في الموضوع أن خوف هؤلاء، بسبب صدقهم فيه تحديداً، يبدو بنظرةٍ عميقة، أكثر خطورةً على الإسلام نفسه من خوف الشريحة الأولى. ففي حين تكشف الوقائع والأحداث حقيقة دوافع أصحاب المصالح، كما يحصل دائماً في نهاية المطاف، يتضارب هذا النوع (الصادق) من (الخوف)، وبهذه الطريقة، مع منهج القرآن نفسه بأكثر من طريقة.

فمن ناحية، يتضاربُ الموضوع بقوة مع هذا المنهج الذي يحرص دائماً على أن يُطلق أجواء ثقةٍ كبيرة بالنفس وبالرؤية، حتى في مجال التعامل مع ما قد يكونُ حقيقةً تهجماً وتشكيكاً، كما هو الحالُ مثلاً في تعامل القرآن مع الصفات التي أطلقها مُشركو قريش لوصف الرسول: معلَّمٌ مجنون، ساحر، كذاب، مسكونٌ بالجنّ. هذه بعضُ الأوصاف التي أطلقها على رسول الإسلام أولئك الذين لم يؤمنوا برسالته قبل أكثر من أربعة عشر قرناً. وكان يمكن بسهولةٍ وبَساطة أن يطوي التاريخ هذه الأوصاف ويسكتَ عن الموقف، وأن تموت معهُ تلك الاتهامات. خاصة أن (المُتَّهم) انتصر على خصومه المذكورين بطريقةٍ أو بأخرى. ونحن نعرف أن التاريخ يكتبه المنتصرون كما يحلو لهم في أغلب الأحيان.. لكن القرآن تعامل بطريقةٍ أخرى تماماً مع الموضوع. إذ ضمن لتلك (الاتهامات) الحفظ الدائم في ثوبٍ من أناقته البلاغية. وتَركَ المجال مفتوحاً لقراءتها واستعراضها ومعرفة خلفياتها وأبعادها ودلالاتها. بل يمكن القول بأنه اعتبرها بِلُغة هذا العصر (رأياً آخر) يستحق أن يبقى وأن يَسمعه الناس في كل زمانٍ ومكان. وقد كتبنا في هذا بالتفصيل في مقامٍ آخر.

ومن ناحيةٍ أخرى، يتناقض الخوفُ ذاك مع قضايا أساسية وجوهرية، يؤمن بها المسلمون جميعاً، ومنهم (الخائفون) المذكورون. فهم إذ يؤمنون بأن الإسلام مصدرهُ إلهٌ خالقٌ وقادر، وبأنه تَكفَّل بحفظ (الذكر)، ويؤمنون بخلود الإسلام، و(صلاحيته لكل زمانٍ ومكان)، وكل ما يتعلق بهذه المواضيع فلسفياً ومعرفياً وعملياً، فإن خوفهم عليه بطريقة رفض المراجعات، أو بأي طريقة، يُزعزع، منطقياً، التصديق بقوة إيمانهم. نقولها بصراحةٍ وشفافية، بعيداً عن الاتهام الذي لا محل له في معرض الكلام وتسلسل الأفكار.

أكثر من هذا، يتناقضُ الخوف على الإسلام مع دعوة الإسلام نفسه إلى المراجعة الدائمة. يتجلي هذا في منهج الأنبياء المذكورة قصصهم فيه، لا على وجه الحكاية والتسلية، وإنما على سبيل طرح إشاراتٍ منهجية كبرى تتعلق بكيفية الحفاظ على الدين وقيمه من خلال العودة المباشرة إلى مقولة {ربﱢ إني ظلمتُ نفسي}، مدخلاً للنظر إلى الخطأ في الفهم أو الخطأ في التنزيل، أو في كلاهما. ومدخلاً، بالتالي، إلى التصحيح المستمر.

بالمقابل، تُظهر ممارساتُ (الخوف على الإسلام) بشكلها السائد إنساناً يعيش في هذه الدنيا بنفسية المذعور فيها ومنها، بدلاً من أن تُظهر إنساناً كبيراً قوياً واثقاً بنفسه ورؤيته الحضارية، يبهرُ الواقع بممارساته ومواقفه، من خلال إيمانه الحقيقي بـ(عزة الإسلام)، بعيداً عن الشعارات الكلامية من جهة، وبعيداً، من جهةٍ أخرى، عن بعض مظاهر العنف والقوة الاستعراضية الفارغة نهايةَ المطاف.

كما أن الخوف الذي نتحدث عنه كثيراً ما يختلط بالتماهي بين حامله وبين الإسلام نفسه. ولا ينتبه هؤلاء أنهم ربما يجعلون الإسلام الكبير صغيراً، حين يُضفُوا عليه، دون أن يدروا، كل ما فيهم هُم من ضعفٍ ومَحدودية وقصور.

وربما وجبَ على هؤلاء التفكير، بهدوءٍ وتجرد، أنهم قد يكونون، كما قلنا سابقاً، ممن "يُقزﱢمُ الإسلام ويظلمه كثيراً، وأنهم يظلمون معه المسلمين والعالم بأسره. وأنهم يظلمونه أكثر من أي جهةٍ أخرى يعتقدون أنها تُعادي الإسلام وتُشكلُ خطراً عليه.

فالواقع الراهن مليءٌ بالتحديات والأسئلة الصعبة التي تحتاج إلى مواجهتها بشكلٍ واضحٍ وشجاع، وبكل شفافيةٍ وجرأة، بعيداً عن خوفٍ على الدين يخنق في نهاية المطاف روحه الأصيلة، ويُحاصر كمونه الهائل. وهو كمونٌ لا تُحفظُ في غيابهِ أمةٌ ولا هوية".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أخطار الجهاديات والطائفيات .. د. رضوان السيد

الاتحاد - الاحد 9-11-2014

كانت ردة فعل السلطات السعودية على جريمة الأحساء في عاشوراء أكثر من ممتازة. فبينما لاحقت القوى الأمنيةُ المجرمين الهاربين، أصدرت هيئة كبار العلماء بياناً واضحاً في استنكار الجريمة، واعتبرت الفاعلين خارجين عن الدين والدولة. أما وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية؛ فاعتبرت العمل إجرامياً وجباناً واعتداءً على أديان المواطنين وأرواحهم وحرياتهم واستقرارهم.

وما اعتدى الشيعة السعوديون بالفعل على مشاعر المواطنين الآخرين الدينية، ولا احتلوا الشوارع وسدُّوا الطرقات. بل كانوا عندما هوجموا خارجين من إحدى الحسينيات بعد أن أدّوا شعائر «التعزية» الحسينية المعروفة في مذهبهم، والتي ازدهرت ازدهاراً عظيماً بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران، ثم بعد غزو العراق عام 2003.

إن ما أعنيه بالازدهار بل وتغير الدلالات، ظهر في العراق وسوريا ولبنان والكويت والبحرين واليمن. وكان الجديد هذا العام «شعائر» عاشوراء بأحياء دمشق الداخلية، وأحياء صنعاء الداخلية أيضاً. ففي دمشق تجمع عشرات الأُلوف بأحياء دمشق القديمة، وليس بين هؤلاء سوري واحد. لأن بدمشق حياً شيعياً فقط هو حي السيدة زينب. أما الذين تجمعوا واحتفلوا بجوار الجامع الأُموي والمواقع القديمة الأُخرى فمن العراق وإيران ولبنان، ومن الميليشيات الشيعية الأفغانية التي تقاتل مع الرئيس الأسد. وما جرى بصنعاء يحدث أيضاً لأول مرة بعد احتلال الحوثيين لها قبل شهرين. وهذا الاحتفال العاشورائي ليس غريباً على صنعاء فقط؛ بل وعلى الزيدية أيضاً. فقبل أقلّ من عشر سنوات بدأ «الشباب المؤمن» من أنصار الحوثي يحتفلون بعاشوراء في صعدة وضحيان. ووقتها أنكر عليهم كبار شيوخ الزيدية، لأنه ليس في تقاليدهم ذلك. أما اليوم فمن يجرؤ على الإنكار والاستنكار؟ فهؤلاء ما عادوا يجتمعون للنواح على الحسين، والتذكير بمظالمهم من خلال الظلم الذي نزل بالإمام الحسين، بل هم يتجمعون في أحياءٍ سنية ومُدُن سنية، ويرفعون شعارات مختلطة يسري فيها جميعاً الإحساس بالانتصار: من غدير خُمّ (استخلف علي وإدانة أبي بكر وعمر وعائشة)، إلى وجوب الثأر للحسين (ممن؟)، وأخيراً رفع شعارات: الموت لأميركا، والموت لإسرائيل! وقد تلقيتُ على هاتفي دعوة من «مجمع آل البيت» للعمل على الثأر للإمام الحسين، وانتظار حفيده المهدي عليه السلام!

أما خطاب حسن نصرالله في ختام شعائر ومشاعر عاشوراء فانقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول في تهديد إسرائيل، وأنها لا تجرؤ على شنّ الحرب، أما إنْ فعلت فلن تبقى منها باقية. والثاني في شرح المظالم التي نزلت بآل البيت؛ وأن الزمان يؤْذِنُ بانتصار الدم على السيف. أما القسم الثالث (وكأنما هو متابعةٌ للقسم الثاني) فعن الانتصار الذي تحقق الآن في سوريا على التكفيريين وقاطعي الرؤوس بالتكافل والتضامن بين ميليشيات إيران الأُخرى وكتائب الرئيس الأسد!

ولنلتفت للجهة الأُخرى من المشهد. الدواعش والقاعديون متطرفون أيضاً وقتّالون. وقد احتلوا مناطق في سوريا والعراق، وما يزالون يمارسون المذابح ضد السكّان من أهل السنة. وإذا سألتهم: لماذا يفعلون ذلك؟ يقولون: لأنهم لم يبايعو التنظيم، ولأنهم يتحالفون سراً مع العدو الأميركي والرافضي والنُصيري!

وهكذا فأنت أيها المواطن العادي في سوريا والعراق بين نارين: أن تبايع «داعش» إن وقعتَ تحت سيطرتها، أو تشتغل بالثأر من نفسك ودينك وتاريخك إن وقعتَ تحت سيطرة ميليشيات نصرالله! وإذا أبيتَ هذا وذاك، لأن المناطق يمكن أن تتبدل من فريقٍ لفريق، كما يحصل في العراق الآن، فما عليك إلا الهجرة: إن كنت في العراق للمنطقة الكردية، وإن كنت في سوريا فلتركيا ولبنان والأردن!

إن التطرف بلاء هائل، وهو ينال من الأديان والإنسان والعمران والأَوطان. لكن التطرف ذو وجهين: إيراني ناشر للميليشيات القاتلة- أو من «داعش» و«النصرة» و«أنصار بيت المقدس».. و«أنصار الشريعة».. إلخ، وهؤلاء يستولون أيضاً على مناطق سنية يقتلون الناسَ فيها أو يتسببون في تهجيرهم، مثلما فعل بشار الأسد والمالكي والإيرانيون ويفعلون في الجهة الأُخرى!

إنها المحنة القاسية في خمسة أو ستة بلدان عربية. فالمجتمعات تتشرذم بين سني وشيعي. والدول تتهدد أو تنهار. ويهرب الإنسان من الدواعش، فيقع في أيدي الصارخين: يا لثارات الحسين! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الهزليون السوريون والاعتدال الأميركي .. خطيب بدلة

العربي الجديد - الاحد 9-11-2014

مسؤولو الولايات المتحدة الأميركية، ابتداءً بأبي حسين أوباما، مروراً بجون كيري وكونداليزا رايس، وصولاً إلى أصغر بَوَّاب في البيت الأبيض، والبنتاغون، والكونغرس، صَرَّحوا، أكثر من ستمئة مرة، أن أميركا تنوي تسليح المعارضة السورية (المعتدلة) من أجل مكافحة الإرهاب، وإجبار بشار الأسد على القبول بالحل السلمي.

ونتيجة لهذه التصريحات، وبحسب ما أفتى أحدُ العارفين، لم يُكْتَبْ أيُّ نوع من الثواب، أو الحسنات، في صحيفة الولايات المتحدة عند الله تعالى؛ مع أنها (نَوَتْ) أن تسلح المعتدلين بالفعل، لكنَّ الأعمال لا تكون (بالنيات)، إلا إذا كانت صادقة، وخَيِّرة، وخالية من الرجرجة، والذبذبة، والطَعْوَجة. ويجب، كذلك، أن تكون المفاهيم واضحة؛ فتجيبنا أميركا عن السؤال ‏التالي: ما هو الاعتدال؟‏

الهزليون السوريون، بعدما فهموا لعبة التصريحات الأميركية التي تتفاوت في الصعود والهبوط، وتتناوب مع التصريحات الفرنسية والبريطانية والكندية والأسترالية والإسرائيلية، ذهبوا، من توّهم، إلى مجلة "كش ملك" الإلكترونية الهزلية، وفتحوا برنامج البحث عن مفهوم (الاعتدال).

وبعد مداولات عديدة، ومماحكات، وأخذ ورد، و(قُلْ لي أَقُلْ لك)، وجدوا ضالتهم في الأفلام السينمائية المصرية القديمة التي كان منتجوها يضعون ثقلهم المادي والمعنوي والفكري كُلَّهُ لأجل إثبات فكرتين، تتمتعان بقدر كبير من الأهمية، أولاهما أن الزواج "قسمة ونصيب"، وثانيتهما أن "المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين".

من هنا، استنتجَ أحدُ هؤلاء الهزليين أن الاعتدال يعني الزواج، والشخص المعتدل، برأيه، ليس المتزوج، بل المرأة المتزوجة (المعتدلة)، بدليل أن البنت التي تتأخر في الزواج كانت والدتُها تندب حظها قائلة لها: يا ميلة بختك يا بنتي، دا نصيبك تأخر أوي يا روح أمك.

فإذا انفتحت لها، فجأةً، أبوابُ السعد، يكون بختها المائل قد (اعتدل)، ولذلك، سموا عش الزوجية: بيتَ (العَدَل)

والأب المصري، إن كنتم تذكرون، ينصح ابنه قائلاً: امشِ (عدِلْ) يا بني يحتار عدوك فيك.

وإذا ضاقت الأحوال بأحدهم يقول: لا بد ما (يعدلها) ربك. وإذا احتدم الجدل والشجار في بيت العَدَل حول المفهوم ذاته، تضع المرأة يديها على خصرها، وتقول لبعلها: شوف بقى يا دا لْعَدي، الله الله عَ الاعتدال، والاعتدال الله الله عليه.

وتَدَخَّلَ هزليٌّ آخر، قائلاً إن الاعتدال شأن سوري خالص، فأهل الشام يصفون الشاب القبضاي بأنه زكرتي و(معدَّل)، وحينما يمعنون في شرح التعديلات التي طرأت عليه، يقولون إنه لا يحب المايلة ولا الزاحلة. ويضيفون صفة تتناقضُ مع صفاته الحسنة، وتدلّ على قلّة تفكيره وسخف سلوكه، فيقولون: وضَرْبَتُه قبل كلمته.

وقبل ربع قرن، تلقّف المخرج بسام الملا مفهوم (الاعتدال)، وقدم سلسلة طويلة من الأعمال التلفزيونية، عن الرجل الشامي (المعدل) الذي يضع خنجره في مقدمة جسمه، ويمشي بطريقة (خصلة وعنقود)، ولا يشتري مفردات الحياة اليومية المدنية بمتليك عثماني، فهو رجل يرتبط من لسانه، ومَسْكَتُهُ على شواربه أقوى بكثير ممّا هو مدون في السجلات العقارية التي تعرف باسم: الطابو.

وهَبَّ عشراتُ الكتّاب والمخرجين والفنانين لتقليد بسام الملا، بنسخ تايوانية، حتى صار الشعب السوري يبغض (الاعتدال)، ويتشهّى على قليل من التطرف.

وتحت ظل استبداد نظام حافظ الأسد ووريثه بشار، وعلى الرغم من غياب (العدالة)، فقد دَبَّجَ المحامي، هايل اليوسفي، ‏مئات الحلقات من برنامج إذاعي شهير اسمه "حكم العدالة"، الغايةُ منه التأكيد على وجود (العدالة).

وقالت الصديقة الهزلية فاطمة إنها شعرت، فجأة، بشيء من الاعتدال، لذا، قررت أن تجري أشعة ‏وتحاليل وإيكو ورنيناً مغناطيسياً!

وفي خاتمة المطاف قدم أحد كبار الهزليين هذا الموال:

يللي هويت الاعتدال سيبك من التَّطَرُّفْ

وإن كنت عاوز تقول بَعِّدْ عن التَّفَلسُفْ

دا لا الاعتدال بينفع، ولا بينفَع تَطَرُّفْ

عالأصل دَوَّر.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية تحت الاحتلال .. برهان غليون

العربي الجديد - الاحد 9-11-2014

اجتازت طهران عتبة جديدة في سياستها السورية، فانتقلت، بمناسبة مرور ذكرى استشهاد الحسين في عاشوراء، من التدخل الشامل للحفاظ على نظام الأسد العميل لها، إلى سياسة الاحتلال الطويل لبلدٍ لا يزال شعبه يقاتل، منذ أربع سنوات، للتحرر من الارتهان لطغمة عسكرية فاشية، مستعدة لاستخدام أكثر الأساليب وحشية، وبيع البلاد إلى مَن يشاء، في سبيل الحفاظ على الحكم والاستمرار.

فما نقلته وكالات الأنباء عن مصادر متقاطعة عن مشروع توحيد الميليشيات الشيعية، العراقية والأفغانية والإيرانية، التي تستخدمها طهران للقضاء على مقاومة الشعب السوري وإخضاع السوريين لإرادتها، في جيش جديد، يعمل، جنباً إلى جنب، مع قوات حزب الله التابعة لها وما تبقى من ميليشيات الأسد وقواته المتفككة ـ التي يحاول أن يعيد ترميمها، من خلال حملة اختطاف الشباب وتجنيدهم بالقوة ـ يعني أننا أمام فرضية الاستيطان في الحرب، وتحويل سورية إلى مسرحٍ لصراع مديد قد يتجاوز عشرين عاماً، ويجمع بين الحرب الجيوسياسية والدينية والقومية والثقافية معاً، ويهدد بفصل المنطقة، بأكملها، عن دورة الحضارة والمدنية.

استعراض القوة في عاشوراء

بدل تراجعها خطوة أو خطوتين، كما كان التحالف الغربي يأمل، للمساعدة في الحرب ضد الإرهاب الداعشي التي تصب في مصلحة إيران، قررت طهران الهجوم بقوة أكبر، ورمي كل ثقلها وراء مشروع سيطرتها الإقليمية، والمراهنة، أكثر من أي فترة سابقة، على الحرب الدينية والمذهبية التي تعتقد عن حق أنها تملك فيها ميّزات تفاضلية أعظم، بعدما نجحت في تجييش المشاعر الطائفية عند الجماعات الشيعية التي كانت قد خضعت، خلال قرون، لهيمنة الإسلام السني، وتعلمت التعايش مع وضعها كأقليات.

وما حصل من استعراض للقوة والسطوة المذهبية، بمناسبة عاشوراء في المدن السورية، وفي مساجد المسلمين السنّة، وأسواقهم التقليدية، يدل على أن طهران بدأت تعتقد أن حملة التشييع الخفية، التي مارستها في الثلاثين عاماً الماضية، وحققت فيها بعض النتائج، لم تعد ضرورية، ولا منتجة، وأن بإمكانها، منذ الآن، أن تسفر عن وجهها، لتثبت مكاسبها، وتعمل على تعظيمها، وتأكيد حضورها العلني القوي في مدن سورية وأحيائها، وأن تبرز هدفها في تغيير البنية المذهبية والسكانية للبلاد، لتزرع العداء والانقسام بين أبناء الشعب الواحد، وتجعل القطيعة غير قابلة للتراجع، وتتصيّد في ماء الفتنة الطائفية العكر.

وهي، منذ الآن، تعدّ الشبان الشيعة الذين تدعوهم للقتال في سورية من كل البلاد، بمرتبات عاليةٍ لم يحلموا بمثلها من قبل، وتعدهم بالقدوم مع عائلاتهم لاحتلال منازل السوريين المهجرين، والحصول على الجنسية السورية، ليصبحوا جزءاً من المجتمع الشيعي الجديد الذي تنوي إقامته في سورية، كقاعدة دائمة لاحتلالها ونفوذها. وهي تنحو، في ذلك، نحو المنظمة الصهيونية التي غيّرت، بالفعل، من خلال الحرب والقتال الطويل وبث الذعر والفوضى في المجتمعات المحلية المشتتة الطبيعة السكانية والحضارية لفلسطين، وجعلت من المجتمع اليهودي في فلسطين أمراً واقعاً، لا يمكن الرجوع عنه، هو الذي تحول إلى دولة اسمها إسرائيل.

مَن يغذّي جنون العظمة الإيراني

يغذي هذا الطموح لانتزاع سورية بعد العراق ولبنان من العالم العربي وإلحاقها بإيران، واعتبارها بمثابة المحافظة 35 من محافظاتها، عوامل عديدة مترابطة:

الأول سكوت المجتمع الدولي وخنوعه، سواء على مستوى الأمم المتحدة التي يفترض أن تكون وصية على سيادة الدول واستقلال الشعوب وحريتها ضد العدوان الأجنبي، أو على مستوى الدول الكبرى العضو في مجلس الأمن التي يتوجب عليها، حسب مواثيق المجلس، حفظ الأمن والسلام الدوليين، ووقف عمليات الاحتلال والإبادة الجماعية والقتل المنهجي والمنظّم على أساس التمييز الطائفي أو القومي أو الجنسي. ولا أحد يعرف بالضبط ما إذا كان موقف المجتمع الدولي، الصامت والمكتوف اليدين، أمام جرائم ضد الإنسانية ترتكب منذ أكثر من ثلاثة أعوام في سورية، بتوجيه وتنظيم وتخطيط من حكومة طهران، وبأدواتها وأذرعها المسلحة، نابعاً من التواطؤ والضلوع في الجريمة والموافقة على الأهداف، أم من البلادة والخوف والغباء السياسي، أم من عدم المبالاة والاستقالة السياسية والأخلاقية.

والعامل الثاني الذي يشجع طهران على أن تحلم بتحويل سورية إلى "إسرائيل" ثانية عن طريق التهجير والتدمير وإحلال شعب محل شعب، نجاح النخبة التيوقراطية الحاكمة في إيران، وعلى رأسها السيد علي خامنئي، في تجييش الجماعات الشيعية، المنتشرة في أكثر من بلد ومكان، للدفاع عن نظامها، ودعمه في تحقيق مشروع هيمنتها الإقليمية التي لا تكف عن التذكير بحقها فيها، ورهانها على قوة المشاعر الطائفية، لمواجهة المقاومة العربية، بعدما فشلت في فرض إرادتها على المنطقة، من خلال قيادة ثورة إسلامية عابرة للطوائف، تعيد تكتيل المشرق والعالم العربي من حولها.

وما شهدته شوارع دمشق ومساجدها من الاستعراض الكثيف والصادم للحضور الشيعي الأجنبي، الإيراني والأفغاني والعراقي وغيره، يهدف، بالضبط، إلى تعبئة المشاعر العدائية عند ميليشياتها، والتلويح لها بالانتصارات والمكاسب الهائلة التي ستجنيها من وضع اليد على المدن المفتوحة، ودفعها إلى المواجهة والقتال بشراسة، باسم الحسين وراية حب أهل البيت، ضد أصحاب البلاد الأصليين. أكثر فأكثر، تتطابق استراتيجية التعبئة الدينية الإيرانية مع التعبئة الدينية التي استخدمها الكهنوت الكاثوليكي في القرون الوسطى، ليحرف نظر المسيحيين عن طغيان الكنيسة ورجالها، وليوجه عدوانيتهم نحو اليهود بوصفهم قَتَلَة المسيح، وفي مرحلة لاحقة ضد المسلمين الذين احتلوا الأراضي المقدسة المسيحية، والتي قدمت التبرير الديني للحروب الصليبية. وأكثر فأكثر، تستخدم شهادة الإمام الحسين من الكهنوت الإيراني، في سبيل توجيه التهمة الجماعية للسنّة، وتبرير قتالهم بوصفهم قتلة الحسين، كما يستخدم شعار لبّيك يا حسين صرخة حرب للمتشيعين الفرس، في مواجهة شعار الله أكبر الذي يستخدمه المقاتلون السنّة.

 والعامل الثالث هو انحناء العالم العربي أمام الهجمات الأجنبية المتقاطعة، بل انمحاؤه، وفقدانه توازنه، وانهيار استراتيجيته ودفاعاته التي تمحورت، منذ عقود، خلف حلم التكتل العربي والفكرة القومية التي تحولت على يد طغم حاكمة مافيوزية إلى وسيلة للتغطية على السياسات اللاوطنية، وتجريد الشعوب من حقوقها الفردية والجماعية، والحيلولة دون أي تفاهم، أو تعاون، إقليمي، باسم الحفاظ على السيادة والاستقلال، في وقت فتحت فيه الأبواب على مصاريعها، لإدخال القوى الإقليمية والدولية التي تتقاسم معها المصالح والمنافع الناجمة عن دحر الشعوب، وتهميشها وإخراجها من دائرة الفعل والسياسة والقرار. وفي السياق نفسه، ينبغي النظر، أيضاً، إلى القطيعة التي كرستها نُظُم الطغيان والفساد بين الشعوب العربية، وبينها وبين الدول الإقليمية الديمقراطية التي تمثل الثقل النوعي الوحيد الذي يمكن أن يحد من الاختلال الخطير في التوازنات الإقليمية.

وفي هذا السياق، أيضاً، تكمن بذور الفتنة التي شجعت عليها أوساطٌ أصابها الهلع من فقدان السيطرة ودق إسفين العداء داخل المجتمعات العربية بين قوى إسلامية وقوى علمانية، في وقت تحتاج فيه هذه المجتمعات، أكثر من أي فترة سابقة، إلى التفاهم والاتحاد.

العامل الرابع، خلط الأوراق الذي نجم عن ظهور داعش، والذي كانت طهران والنظام السوري المستفيدين الرئيسيين من وجوده وتوسعه، سواء قبل تشكيل التحالف، عندما كان يواجه الجيش الحر، ويحتل المناطق التي حررها من نظام الأسد، أو بعده، عندما أصبحت الحرب على الإرهاب الأجندة الوحيدة للمجتمع الدولي، بعد أن تصدر الصراع ضد داعش واجهة المشكلات في الشرق الأوسط والمشرق العربي، حتى أن دولاً أعضاء كثيرة في التحالف كانت حريصة على إشراك إيران الخامنئية فيه. ولا يمكن لأحد أن ينكر أن أكبر خاسر من ظهور داعش ثم من حرب التحالف ضدها كانت القضية السورية التي يكاد الصراع ضد الإرهاب يغطي عليها، ويغيّب معاناة الشعب السوري، واستشهاده، عن أعين العالم وسياسييه.

إيران التوسعية وداعش، وجهان لعملة واحدة، وهما يخدمان بعضهما، بمقدار ما يوجهان المنطقة، بأكملها، نحو حربٍ دائمة، ويعطلان كل نوابض التواصل والتفاهم والتعاون بين جماعاتها، ويقطعان الطريق على أي أمل بإعادة بناء دولة المواطنة المتساوية والمؤسسات وحكم القانون، ويستبدلانها بدولة الميليشيات وزعماء العشائر ومرتزقة الدول والأجهزة والمافيات، فكلاهما يدركان أن الحسم العسكري مستحيل، ولا يراهنان من أجل تحقيق أهدافهما سوى على إطالة أمد الفوضى والضياع وزرع اليأس والقنوط في نفوس المشرقيين.

أربعة محاور للعمل

في قلب هذه الفوضى والحرب الدائمة والخراب والدمار، تحولت سورية مسرحاً لكل الحروب والمواجهات، وهي مهددة بأن تصبح موطناً دائماً أو طويل المدى لبربريتين متنازعتين، ومتضامنتين، في الوقت نفسه، ضد المدنية والحضارة والأمن والاستقرار والحياة. كلاهما يجعل من ثقافة الموت شهادة على الحقيقة والصواب، ومن قتل الإنسان عبادة وتقرّباً من الله، ومن الكذب والنفاق وتزوير الحقائق دليل إيمان وصدق. كلاهما يحولان الإيمان بالله كفراً بالإنسان.

ليس هناك وصفة سريعة وجاهزة لمواجهة طاعون الحرب والخراب والفوضى الفكرية والسياسية والعسكرية التي يشهدها المشرق، اليوم، وقسم كبير منها مصنوع عن عمد وسابق تصميم، سوى بالجمع بين أربعة مساعٍ متوازية:

أولاً، إعادة إحياء الضمير العالمي، وحث المجتمع الدولي على الاضطلاع بمسؤولياته تجاه الشعوب المهددة في حياتها وبقائها، والقيام بالتزاماته في حمايتها، وضمان حقوقها. وثانياً، إدانة الطائفية كشكل من أشكال العنصرية، ووقف التواطؤ، مقصوداً كان أم لا، مع مشروع طهران الاستعماري، وإجبارها على تغيير سياساتها القائمة على زرع الفتنة المذهبية، وتعبئة مشاعر الكراهية والحقد والانقسام داخل المجتمعات، والتدخل السافر في شؤونها بالوسائل العسكرية والسياسية، وتجنيد ميليشيات من المرتزقة المحليين والأجانب، للعمل في خدمتها، باسم تصدير الثورة، أحياناً، وحماية مقدسات الشيعة، أحياناً أخرى، والحفاظ على خط المقاومة المزعومة لإسرائيل، أحياناً ثالثة، بينما لا تخدم سياساتها التخريبية سوى مشاريع التوسع الاسرائيلي في فلسطين والعالم العربي.

وثالثاً، إيقاف العالم العربي، والمشرق بالخصوص، على قدميه، وإخراجه من حالة الانقسام والتشتت والفوضى وانعدام الثقة الذي دمر معنويات شعوبه، وأهدر طاقاتها وأفقدها أي أمل بالمستقبل.

ورابعاً، معاملة داعش والسياسة التوسعية الإيرانية على قدم المساواة، كمصدر لزعزعة الاستقرار وتدمير أسس الحياة المدنية والقانونية في المنطقة، وإهدار حقوق الأفراد والجماعات على مذبح إرادة السيطرة والتسلّط التي تتغذى من جنون العظمة القومية والدينية والاستهانة بالإنسان والمجتمع والتاريخ، على حد سواء.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ثورات «ربيعية» ومقاربات دولية ونتائج متشابهة! .. منير الخطيب

الحياة - السبت 8-11-2014

ثلاثة بلدان هي ليبيا واليمن وسورية، حكمتها، طوال عقود، ثلاثة أنظمة تنتمي إلى المصفوفة «الثورية». شهدت الدول الثلاث ثورات كانت بداياتها سلمية تنشد الحرية والكرامة وإسقاط الاستبداد، تعاملت القوى الدولية النافذة مع هذه الثورات وفق ثلاث مقاربات. في الحالة الليبية، تدخل حلف الناتو عسكرياً، وبغطاء من الجامعة العربية، وأسقط النظام. في الحالة اليمنية، أوجدت الدول عينها حلاً سياسياً أدى إلى رحيل عبدالله صالح. في الحالة السورية، لم تتدخل تلك الدول لإسقاط النظام عسكرياً، ولم تضغط لإيجاد حل سياسي ينهي النكبة السورية.

على رغم اختلاف المقاربة الدولية للحالات الثلاث، فالنتائج التي أفصحت عنها التطورات في هذه البلدان تتشابه إلى حدود كبيرة، وتتمثل: بانبعاث هوياتي آتٍ من جوف التاريخ، وتهتّك في الأنسجة الاجتماعية غير قابل للاندمال في المدى القريب، وتراكب الصراعات الدولية والإقليمية مع حالات التشظي الداخلية، وطرد الفكر الوطني الديموقراطي وحوامله إلى الهوامش، وانتشار وتعمق ظاهرة فوضى السلاح والفصائل المسلحة المتنازعة ذات الطبيعة ما دون الوطنية، فيما تلوح في الأفق مؤشرات جدية تنبئ بتحول هذه الدول إلى دول فاشلة.

التشابه في المآلات على رغم اختلاف المقاربات الدولية، يضعنا أمام حزمة من الخلاصات المتصلة بالأوضاع الداخلية لهذه البلدان. الخلاصة الأولى: أدى تآكل وانهيار النظام العربي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، والقائم على مركزية السلطة المطلقة، مقابل «مجتمعات» هي عبارة عن تشكيلات اجتماعية متحاجزة، لكنها «ملصوقة» لصقاً مع بعضها بعضاً بفعل الاستبداد، إلى نفراط هذه التشكيلات، وبالتالي سقوط التعايش الهش فيها أساساً.

الخلاصة الثانية: كان فعل العناصر الداخلية الثاوية في البنى المجتمعية والثقافية المتأخرة في هذه البلدان والمتعاضدة مع الآليات القهرية لـ «الدولة - التسلطية»، حجر الرحى في سياقات الانهيار. الانقسامات الداخلية هي ما استقدم التدخلات الخارجية والإقليمية وجعلها فاعلة ومقررة.

أما الثالثة، فإن الطابع الغريزي الدموي للصراع السنّي – الشيعي، كشف عن الضرورة التاريخية لقيام حركات إصلاح ديني حقيقية لأيديولوجيتي المذهبين، تصل إلى مستوى «الثورات اللاهوتية».

الخلاصة الرابعة، أن إزالة الاستبداد ليست عملية تغيير للسلطات الحاكمة على أهميتها، بل هي أعمق وأوسع من ذلك. هي سيرورة نقد ودحض وتجاوز للثقافة التسلطيّة التي تعبر عن بنية المجتمع البطريركي وعلاقاته، وتعبر عن التحالف الموضوعي بين السلطات المختلفة فيه، بدءاً بالسلطة الأبوية مروراً بالسلطتين السياسية والدينية وصولاً إلى السلطة الذكورية وسلطة العرف.

الخلاصة الخامسة، أظهرت تلك الثورات اتجاهين متناقضين: الأول، مثله الحراك السلمي الديموقراطي، الذي كانت تحركه إرادة الحرية وتوق الخلاص من الاستبداد. الاتجاه الثاني، مثل انقلاباً على الاتجاه الأول، وكانت تحركه إرادة السلطة المعادية لإرادة الحرية، ونجم عن ذلك قيام سلطات الأمر الواقع للفصائل المذهبية المتطرفة، سنياً أو شيعياً، أو سلطة الفصائل العشائرية والقبلية، والتي عصف وجودها وصراعها بالمجال الوطني.

لقد استغرق تشكل النظام العربي المنهار عقدين من الزمن، بين 1952 و1970، ونحن الآن في قلب سيرورة تشكل نظام عربي جديد، لن تتحدد ملامحه في المدى القريب، وقد يستغرق عقدين أو أكثر أيضاً. لكن الصراع الفعلي في خضم هذا التشكل يجب ألّا يكون بين تكفيريين شيعة وتكفيريين سنّة، أو بين مقاومين وممانعين وإسرائيل والشيطان الأكبر، وليس بين قوى «الكفر» وقوى «الإيمان»، بل بين ثقافة الحرية وإراداتها و «الثقافة» التسلطية وإراداتها. الأولى تفضي إلى مفهوم التقدم ومسألة الدولة وفكرة المواطن. والثانية تفضي إلى الكارثة التي تلد أخرى.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تطورات سورية .. ميشيل كيلو

العربي الجديد - السبت 8-11-2014

يبرز، اليوم، في الساحة السورية تطوران مقلقان إلى أبعد الحدود، أحدهما خاص بالنظام، والثاني بتنظيم جبهة النصرة. ويرتبط كلا التطورين بالحرب على الإرهاب وبنتائج تدخل أميركا العسكري المباشر في العراق.

أما الأول، فهو خاص بالنظام الذي أدخلته الحرب في مرحلة ارتياح نسبي، بعد أن كان القلق يعصف بأركانه ويهدد تماسكه، بسبب مقاتل "داعش" ضد قوات الفرقة 17 واللواء 93 ومطار الطبقة العسكري قرب الرقة التي كبدته خسائر جسيمة من الضباط والجنود، بدا معها وكأن تفكك جيشه صار وشيكاً، بينما تعالت صرخات مؤيديه وأتباعه مطالبة بمحاسبة وزير دفاعه، وملقية بعبء الكارثة الوشيكة والمتوعدة، حتى على بشار الأسد نفسه.

بهذه الأحداث، أيقن قطاع واسع من أهل النظام أن الانتصار على الجيش الحر لن ينقذ النظام، بل يهدده بمخاطر وجودية، سيصل أثرها المدمر إلى الجماعات الداعمة له، بما أن الجيش الحر لا يتبنى سياسات انتقام طائفية، بينما تعلن "داعش"، جهاراً نهاراً، عزمها على إبادة المرتدين، ومنهم العلويون.

بقول آخر: تغيرت معادلات الصراع في سورية، مع بروز التطرف عامة و"داعش" بصورة خاصة، وصار النظام والجيش الحر مستهدفين كلاهما بالخطر الإرهابي، وشرع أتباع النظام يأخذون هذه الواقعة المهمة بالاعتبار، ويعيدون النظر في حسابات المعركة وعلاقاتهم بأطرافها، ويرون في قتال جيش المعارضة ضد "داعش" دفاعاً غير مباشر عنهم، وحماية لهم. وسط هذا التحول، بدت الحرب ضد الإرهاب الوضع الأمثل لصالح النظام الذي شن، منذ بدئها، هجمات هي الأشد ضد الجيش الحر والمدنيين، لاعتقاده أن حسم الصراع ضدهما في ظل حرب التحالف سيفضي إلى نجاته.

بدورها، استغلت جبهة النصرة الحرب ضد "داعش"، لكي تنفرد بمواقع استراتيجية مهمة من سورية، وتزيح الجيش الحر من معادلات الصراع العامة، لاعتقادها أن القضاء على "داعش" كمنافس، وعلى الجيش الحر كعدو لها، سيخلي الساحة لها، وسيمكنها من مواجهة النظام بمفردها، فلا بد لها، إذن، من ضرب الجيش الحر وانتزاع مناطقه، وضم جزء من قدراته وقواته إليها، وسيطرتها على حاضنته الشعبية الواسعة، وبروزها، في نهاية الأمر، طرفاً يمثل الثورة ضد الأسد، هو القوة الرئيسة، وبالأحرى الوحيدة التي ستقاتل النظام الأسدي في ظرفٍ يكون الإنهاك قد شل قدراته فيه، بينما أوصلته خسائره إلى حال من التلاشي، تحول بينه وبين مواصلة الحرب ضد الجبهة: الطرف المدعوم شعبياً، المنظم عسكرياً، والمحصن سياسياً.

بسبب مصلحتهما المشتركة في التخلص من الجيش الحر، انخرط النظام والجبهة في حرب شعواء ضده في مناطق عديدة من سورية، فبدا وكأن بينهما تنسيق وتعاون، مع أنهما يتصرفان في ضوء حسابات، ما بعد الحرب ضد الإرهاب التي جعلتهما يبادران إلى نشاط عسكري مكثف، يريدان به حسم صراعهما المشترك ضد الجيش الحر، ضمن المهلة المحدودة غالباً التي ستغيب واشنطن فيها عن الساحة السورية، وهي، في نظر الجبهة، فترة لا تستطيع أميركا خلالها بناء وتسليح جيش حر مقاتل، وفي نظر النظام، فترة ترتبط واشنطن خلالها بأولوية حربها ضد "داعش"، لن تتمكن من التفرغ له، سواء عبر بناء الجيش الحر، أم عبر تدخلها المحتمل، لمنعه من استخدام سلاحه الجوي.

ما الحسابات التي يجب أن يتبناها الجيش الحر لمواجهة مخاطر هذا التحدي المزدوج القاتلة بكل معنى الكلمة؟ وهل سينجح الطرفان في بلوغ هدفهما المشترك؟ هذا ما سيكون له حديث آخر.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com