العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 16-08-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الأسد ورقة مساومة لإيران في سورية .. لينا الخطيب

الحياة

الخميس 13/8/2015

بعد الاتفاق على صفقة نووية أولية مع إيران، سيكون الملف السوري هو الملف الدولي التالي الذي تفاوض عليه طهران. ليس مردّ ذلك أن إيران تمضي على طريق تحقيق النصر في سورية، بل لأن التطوّرات الأخيرة في سورية أجبرت إيران على تغيير حساباتها في شأن دورها في الصراع. فبدلاً من الدعم غير المحدود للنظام السوري، أصبح هدف تدخّل إيران في سورية اليوم هو التمسك بالرئيس السوري بشار الأسد فقط لاستخدامه كورقة مساومة في المفاوضات الدولية لإيجاد تسوية للصراع.

جاء تغيير إيران لاستراتيجيتها في سورية كنتيجة مؤلمة لحساباتها الخاطئة في التعاطي مع الصراع الذي بدأ قبل وقت طويل من تحوّل الانتفاضة السورية إلى حرب أهلية. فإيران اعتقدت أن في وسعها توجيه الانتفاضة في سورية لمصلحتها الخاصة، وأن مساعدة النظام في سحق ما كانت آنذاك انتفاضة سلمية، ستكون مهمة سريعة وسهلة من شأنها الإبقاء على الوضع القائم. ولكن الانتفاضة السورية تطورت إلى صراع مرير تلقّى الجيش السوري فيه ضربات كبيرة من المعارضة السورية المسلّحة المعتدلة، وكذلك من مجموعات جهادية لا تُعدّ ولا تُحصى.

وبالتالي، أصبحت إيران تشعر بالقلق في شأن بقاء نظام الأسد، ليس لأن دمشق كانت حليفاً سياسياً لطهران في «محور المقاومة» ضدّ إسرائيل وحسب، بل أيضاً بسبب علاقتها مع «حزب الله»، الذي ينقل الأسلحة التي تزوّده بها إيران إلى لبنان عبر سورية. وبما أن الحزب يبني قوته السياسية في لبنان على أساس امتلاك الأسلحة التي يخيف بها معارضيه السياسيين اللبنانيين، فقد استدعته طهران للقتال في سورية لدعم نظام الأسد. جرى ذلك في البداية عبر إرسال مستشارين عسكريين مخضرمين من الحزب إلى سورية. ولكن مع تنامي الصراع من حيث طوله وشدّته، تغيّر التكتيك ليتحوّل إلى إرسال قادة وقوات في «حزب الله». كما أرسلت إيران مستشارين من «الحرس الثوري» وأنشأت ميليشيات سورية محليّة (قوات الدفاع الوطني) لمساعدة الجيش السوري.

ولكن في حين نجح هذا الدعم لفترة من الوقت، قابلته زيادة الدعم للمجموعات الجهادية من مختلف الجهات المانحة. بدأت الانتصارات المتتالية ل «حزب الله» وإيران بالتلاشي عندما ضخّ الطرفان المزيد من الموارد البشرية والمادية في الصراع السوري. فما كان قد بدأ كتدخّل قصير الأمد تحوّل إلى معركة وجودية ل «حزب الله»، وبالتالي لنفوذ إيران في بلاد الشام.

أدّى صعود تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) في سورية، والتقدم الذي أحرزه لاحقاً في العراق، إلى خلق مشكلة أخرى لإيران. في البداية، كانت المجموعات الجهادية السنّية الصغيرة في سورية مفيدة لاستراتيجية إيران لأنها «أثبتت» أن الأسد لم يكن يقمع انتفاضةً سلمية، بل يحمي سورية في مواجهة تهديد التطرّف العنيف. ولكن عندما تحوّلت الساحة الجهادية إلى ساحة تهيمن عليها أغنى منظمة إرهابية في العالم، مع تقدّم تنظيم «الدولة الإسلامية» في العراق، وجدت إيران نفسها في مواجهة تهديد وجودي محتمل يزحف نحو حدودها.

كانت العقوبات الدولية المفروضة على إيران بسبب برنامجها لتخصيب اليورانيوم قد أضعفت اقتصادها بالفعل، كما تسبّب دعمها لأنشطة «حزب الله» في كلٍّ من لبنان وسورية بضغوط مالية كبيرة على طهران، غير أن الجبهات الجديدة في العراق كانت تتطلّب تكريس المزيد من الموارد لحماية المصالح الإيرانية. ونتيجةً لذلك، تعرّضت إيران إلى مزيدٍ من الضغط عندما بدأت برعاية الميليشيات الشيعية في العراق لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية»، وبدعوة «حزب الله» وقوات النخبة في «الحرس الثوري» إلى وقف تيار «الجهادية التكفيرية» في البلاد. وجدت إيران نفسها تخوض معركتين ضخمتين دفعة واحدة، وكانت بحاجة إلى اتّخاذ قرار في شأن المحافظة على مواردها. ولأن إيران محاصرة في العراق أكثر مما هي عليه في سورية، اختارت إعطاء الأولوية إلى العراق. على سبيل المثال، تم استدعاء اللواء العراقي «لواء أبو الفضل العباس» من دمشق إلى العراق فور استيلاء تنظيم «داعش» على الموصل.

في الوقت نفسه، بدأت المملكة العربية السعودية تضيق ذرعاً بتصرّفات إيران في العالم العربي وكذلك بافتقار الغرب إلى استراتيجية لإنهاء الصراع السوري. راهنت الرياض على وجود إحباط مماثل لدى قطر وتركيا، وعمدت إلى زيادة الضغط على النظام السوري بعد التنسيق مع حلفائها، فبدأ النظام السوري و»حزب الله» يتكبّدان المزيد من الخسائر. وتفيد معلومات أن «حزب الله» خسر ربع قوات النخبة الخاصة لديه في الحرب السورية، في حين تقلّص عديد الجيش السوري إلى مجرّد نصف ما كان عليه قبل العام 2011. وبدأ النظام السوري والحزب في الاعتماد بشكلٍ متزايد على مقاتلين ومرتزقة عديمي الخبرة، يتم استقطابهم من بلدان خارجية مثل أفغانستان.

وبالتالي، تحوّلت استراتيجية الأسد في سورية، بيد أن هذا التحوّل ليس في مصلحة إيران. فبدل محاولة الحفاظ على وجودٍ للجيش السوري في جميع المحافظات السورية تقريباً، يتراجع النظام الآن في العديد من المناطق التي يسيطر عليها المعارضون أو تنظيم «داعش»، ويركّز على إحكام سيطرته على معاقله في الساحل الغربي ودمشق. وتتمثّل حسابات الأسد في أنه إذا ما نجح «داعش»، في نهاية المطاف، في التغلّب على سائر المجموعات في سورية، يستطيع أن يُظهر للمجتمع الدولي أن سورية أمام خيارَين: إما نظامه أو تنظيم «داعش». ولكن كلّما قويت شوكة التنظيم في سورية، استمر في تهديد المصالح الإيرانية في العراق.

نتيجةً لكل تلك التطوّرات، أدركت إيران أن الرهان على الأسد لكسب الحرب يعني الرهان على حصان خاسر. لذلك، غيّرت استراتيجيتها من الاستمرار في ضخّ الموارد في سورية لدعم الأسد، إلى استراتيجية تتمثّل في مجرّد الحفاظ على النظام عبر استخدام الحد الأدنى من الموارد. وتصرّ طهران على عدم إرسال قوات إلى سورية، كما أعادت توجيه رسائل للغرب والدول الإقليمية مفادها أنها مهتمة بعقد صفقة كبرى في شأن دور كلٍّ من هذه الدول في منطقة الشرق الأوسط، وأن الصفقة لن تشمل سورية وحسب، بل أيضاً ملفات أخرى مثل اليمن.

على رغم أن شكل هذه الصفقة الكبرى غير معروف حتى الآن، من المرجّح أن تشمل قبول إيران تشكيلَ حكومة انتقالية في سورية تحتفظ بعناصر من النظام الحالي، وتضمن امتيازات «حزب الله» الحالية. ولا تزال إيران تصرّ على ضرورة أن يؤدّي بشار الأسد دوراً في هذه الصفقة، بحجّة أن الانتخابات ستُجرى في نهاية المطاف، وبالتالي ستنتهي رئاسته بصورة طبيعية. مع ذلك، المقصود من ذلك هو استرضاء الأسد فقط بحيث تضمن إيران أن يحتفظ ببعض الأهمية، لأن إسقاطه الآن يعني خسارة فادحة لإيران.

بدلاً من ذلك، يعني التمسّك بالأسد بينما تُجرى المفاوضات في شأن تسوية الصراع السوري أن إيران يمكنها استخدامه كتضحية صغيرة مقابل تحقيق مكاسب أكبر تتمثّل في تشكيل حكومة تحظى بمباركة الغرب، وكذلك الجهات الفاعلة الإقليمية مثل السعودية، طالما أن هذه الحكومة تحافظ على مصالح إيران في بلاد الشام. ولذا، فقد الأسد مكانته كحليف لطهران وأصبح مجرد ورقة مساومة لإيران في سورية.

======================

مشكلتنا مع روسيا! .. ميشيل كيلو

البيان

الخميس 13/8/2015

لم أكن يوماً من خصوم روسيا، لكنني لا أوافق على الطريقة التي يعالج قادتها المسألة السورية من خلالها، ولعبت دوراً خطيراً في حجب حقيقتها عن الرأي العام الروسي والعالمي، باتهامها الحراك السوري المطالب بالحرية بالأصولية والإرهاب، وإعلانها تأييداً لا تحفُظ فيه لبشار الأسد، شجعه على قتل شعبه: بالسلاح الحديث والفتاك جدا، الذي ارسلته موسكو إليه بسخاء، و«المشورة» العسكرية التي قدمها جنرالاتها له، ومقاومتها تطبيق القانون الدولي عليه وحمايته وتمكينه من كسب الوقت اللازم لكسر الثورة وتهجير وإبادة الشعب.

للتغطية على موقفها المؤيد للقتل، بلورت الدبلوماسية الروسية مجموعة ترهات قدمتها بوصفها موقفا محايدا ونزيها، لا ينحاز إلى احد في الصراع السوري، أولها: إن روسيا ليست مهتمة ببشار الاسد ولا تتمسك به، وثانيها: إن الحل لا بد أن يكون سورياً / سورياً، بمعنى أنه لا يجوز للخارج التدخل فيه، وثالثها: ان روسيا لا تساند احدا في سوريا غير الشعب.

هذه المفردات المخادعة لم تخدع السوريين لسبب بسيط هو أن السلاح كان يتدفق طيلة سنوات الصراع على طرف واحد هو بشار الاسد، وأن تدفقه كان يزداد بقدر ما يحتاج موقفه العسكري والسياسي إلى دعم.

هذه الواقعة الصحيحة والتي لمس السوريون آثارها على جلودهم، كانت رد روسيا ذاتها على اكذوبتها الخاصة بعدم تمسكها ببشار، ودليلا دامغا على أنها تريد حلا غير متوازن، تفرضه قوة الاسد، لذلك عارضت اي تدخل خارجي في سوريا عدا تدخلها هي وطهران، الذي صاغته بحيث يجعل من الاسد معادلا لشعبها، الذي زعمت انها لا تساعد غيره، وأن السلاح الذي يرسل إليه لا يقتل الشعب، وكيف يقتله إن كان هو من يتلقاه ويستخدمه ؟!.

مع أنني لا انكر آن الإرهاب خطر لا بد من مواجهته بكل قوة وحزم وبصورة فورية ودولية، فإنني لا استطيع إخراج النظام الاسدي منه، لأنه ركنه الركين ومؤسس تنظيماته الأكثر اهمية، ومصدر سلاح ومال ومرتزقة معظم تشكيلاته. كما لا استطيع، كسوري يتعرض شعبه للقتل ووطنه للغزو، أن أنسى مرتزقة إيران، وأقبل تجاهل وجودهم الاحتلالي في سوريا، وقيامهم بعمليات على قدر من الفظاعة والقسوة يوازي ما تقوم به أية تنظيمات إرهابية اخرى، في أي مكان من العالم.

ماذا يعني مقترح بوتين غير طي صفحة الاجرام الاسدي وقبول الأسد ونظامه في الحلف الجديد، وبالتالي انقاذه من مصيره المحتوم أمام محكمة الجنايات الدولية أو إحدى المحاكم السورية؟.

وماذا يعني غير طي صفحة وثيقة جنيف واحد، التي وافقت روسيا عليها في يونيو من عام ٢٠١٢، لكنها أعاقت تنفيذها في لقاء جنيف ٢، وها هي تتقدم اليوم بمقترح ينسفها من أساسها ويجعلها كأنها لم تكن؟.

أخيرا: ما معنى نقلنا إلى مرحلة جديدة من الحرب في المنطقة قبل طي صفحة الصراع القائم منذ سنوات فيها، إذا لم يكن انقاذ الاسد ونظامه، والسعي إلى تعويمه وادراجه في إطار عربي اقليمي دولي جديد، يكون فيه أحد سادة الحرب في منطقتنا، بعد أن وصلت اوضاعه إلى الحضيض، وصار العالم يأنف من ذكر اسمه على لسان أي من ساسته، خارج روسيا وإيران طبعا؟.

يسوق لافروف مشروعا يعلم ان الشعب السوري، الذي يدعي دعمه، لن يقبل به تحت اي ظرف، لأنه مشروع اسدي بامتياز، ولعب دورا مهما في إفشال الوصول إلى حل يوقف القتل ابان مفاوضات جنيف ٢. هل توهم لافروف ان بعض السوريين الذين ذهبوا للحوار في موسكو يستطيعون تغيير مواقف الشعب السوري من الأسد، وتبرئته من جرائمه، وإقناعه بأن النظام يقاتل الارهاب ويدافع عنه؟.

لن ينجح لافروف في تسويق موقفه غير المنصف ولي عنق حقائق يعرفها كل سوري. وسينجح قطعاً وسيحمي مصالح بلاده، المهددة بسياساته، إن أقر بشرعية مطالب السوريين وحقهم في الحرية!.

======================

عودة النشاط إلى الحراك الدبلوماسي بشأن سوريا .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 13/8/2015

انفتحت شهية الصحافة على محاولة قراءة ما وراء الظاهر من الحراك الدبلوماسي متعدد الأطراف الجاري بنشاط حول المشكلة السورية، وتعددت السيناريوهات المفترضة وتنوعت حول كيفية إخراج الزير السوري من بير الفوضى والعنف اللذين يعصفان به منذ سنوات. ليس جديداً، في هذا السياق، القول بأن «الحل السياسي هو الوحيد الممكن» كما يكرر الأمريكيون بصورة خاصة، وجميع المعنيين بالمشكلة السورية بصورة عامة، منذ سنوات. بل الجديد هو أنهم باتوا الآن يقصدون فعلاً ما يقولونه بذلك، في حين كانوا جميعاً منهمكين في كل شيء ما عدا السعي إلى حل سياسي. مع ذلك يمكننا القول إن حلفاء النظام هم الذين بدأوا بكسر الحلقة المفرغة، لاستشعارهم بتراجع الوزن النسبي للنظام في معادلات الحرب الداخلية، بصورة مطردة لا أفق لعكسها.

وعلى رغم تأكيد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في المؤتمر الصحافي المشترك مع نظيره السعودي عادل جبير، على «استمرار خلاف روسيا مع وجهة النظر السعودية فيما يتعلق بمصير رأس النظام»، يمكننا ملاحظة أن ما تم تسريبه من «مبادرة إيرانية» يتضمن فكرة جديدة تماماً تتعلق ب»ضمان حقوق الأقليات دستورياً» في أول إشارة إيرانية إلى تغيير في النظام السياسي لسوريا. خاصةً إذا ربطنا ذلك بالمفاوضات التي جرت بين ممثلين عن الحكومة الإيرانية وحركة أحرار الشام حول مقايضة بين مدينة الزبداني التي فشل حزب الله المدعوم من قوات النخبة في جيش النظام الكيماوي في السيطرة عليها، وقريتي الفوعة وكفريا المحاصرتين من غرفة عمليات «جيش الفتح» في ريف محافظة إدلب.

وتتمتع مدينة الزبداني بقيمة استراتيجية كبيرة لحزب الله لأنها بمثابة معبر لإمداده بالسلاح والعتاد، لكن سوء حظه الجغرافي قضى بأن سكانه من المسلمين السنة. أي أنه حتى لو تمكن الحزب وحليفه السوري المزود بسلاح الطيران من القضاء على مقاومة الثوار المتحصنين في المدينة، ستبقى الحقيقة الديموغرافية عقبة لا يمكن تذليلها إلا بتطهيرها من سكانها. لذلك كان المطلب الإيراني في المفاوضات مع حركة أحرار الشام يتمثل بترحيل متبادل للسكان السنة من الزبداني والشيعة من الفوعة وكفريا بصورة متقابلة. فشلت المفاوضات، في مرحلتها الأولى على الأقل، واشتد الضغط العسكري بالتقابل على الزبداني من جهة والقريتين الشيعيتين في الشمال من جهة أخرى، قبل اتفاق الطرفين على هدنة لمدة 48 ساعة.

بالنظر إلى عملية المقايضة المفترضة هذه ذات السمة الطائفية والاستراتيجية، يمكن فهم الكلام الإيراني الجديد حول «ضمان حقوق الأقليات» في دستور لسوريا ما بعد الحرب. بمعنى أن طهران التي يئست من قدرة رجلها في دمشق على الاحتفاظ بكامل سوريا، باتت تخفض سقف تطلعاتها إلى مستوى مناطق نفوذ داخل سوريا قائمة على خطوط طائفية، الأمر الذي ألمح إليه أيضاً رأس النظام الكيماوي  وللمرة الأولى أيضاً  في ظهوره الإعلامي الأخير، حين تحدث عن انسحابات محتملة لقواته من مناطق «أقل أهمية» لضمان حماية مناطق «أكثر أهمية»، واعداً حزب الله، ضمن مجموعة ميليشيات شيعية مرتزقة متعددة الجنسيات، بحصة من الأرض السورية مقابل إسقاط الحق في الوطن السوري عن معارضي النظام، وذلك بتحديده لملكية هذا «الوطن بمن يدافع عنه، وليس من يحمل جنسيته أو جواز سفره» كما قال.

تجب الإشارة كذلك إلى تقدم قوات «جيش الفتح»، في الأسبوعين الأخيرين، في سهل الغاب، بوصفه تهديداً مباشراً وخطيراً لإحدى مناطق الحاضنة الشعبية للنظام. سنرى، في الأيام القليلة القادمة ما إذا كانت التجاذبات الاقليمية والدولية ستسمح لجيش الفتح بالسيطرة على معسكر جورين، أم ترغمه على الوقوف عند حدوده. لكل من هذين الاحتمالين دلالة مختلفة فيما يتعلق بقبول إيران بما يطرح من حلول سياسية أو رفضها لها ومحاولة فرض مطالبها.

إذا كانت التطورات الميدانية المذكورة أعلاه هي الإطار المحلي لاقتراب روسيا وإيران من فكرة الحل السياسي، فإنجاز الاتفاق النووي بين إيران والدول العظمى (5الخميس 13/8/20151) هو الإطار الدولي الذي أتاح التغييرات في مواقف الفاعلين في المشكلة السورية. من ذلك هذا التقارب السعودي  الروسي الذي جعل القيادة الروسية تدرك أن مصالحها في الاقليم ليست محكومة حصرياً بنظام نافق في دمشق، عبء استمرار دعمه أكبر من أي مكاسب يمكنه أن يجنيها منه، بل لديها خيارات أخرى واعدة أهمها دول الخليج التي اكتشفت بدورها قيمة تنويع علاقاتها الدولية بعيداً عن تلك الأحادية المقتصرة على واشنطن أو تكاد.

وفي خط مواز للتقارب السعودي الروسي، كان من شأن إنجاز الاتفاق النووي إخراج طهران من عزلتها وفتح أبواب واشنطن وباريس أمامها، فضلاً عن نهاية العقوبات القاسية التي أرهقتها. أما تركيا الغارقة في مشكلاتها وتناقضاتها الداخلية من جهة، وفي الصراع السوري من جهة ثانية، فقد شكل توقيع الاتفاق النووي حافزاً مهماً لأنقرة لإنهاء خلافها مع واشنطن حول الحرب الدولية على داعش. فمن جهة أولى بات التقارب الأمريكي  الإيراني مقابل الفتور الأمريكي  التركي عامل إخلال بالتوازن بين القوتين الاقليميتين الرئيسيتين المتنافستين، ومن جهة ثانية شكلت العلاقة الدافئة المستجدة بين واشنطن وحزب العمال الكردستاني نذير خطر بالنسبة لأنقرة، وحافزاً إضافياً لها للتفاهم مع الأمريكيين. وهكذا تمكن أردوغان من تمرير حربه المفتوحة على «الكردستاني» مقابل فتحه لقواعده الجوية، إنجرليك وغيرها، أمام طائرات التحالف الدولي لضرب داعش في الأراضي السورية، إضافة لضمان عدم سيطرة وحدات حماية الشعب الكردية على المنطقة الممتدة من جرابلس إلى أعزاز وصولاً إلى مارع قرب حلب، أي ما راج في الإعلام على أنه «منطقة آمنة» في حين صرح الأمريكيون، مراراً، رفضهم لفكرة المنطقة الآمنة داخل الأراضي السورية.

الخلاصة أن الحركة الدبلوماسية النشطة على أكثر من خط، ليست من باب إدارة الأزمة كما كانت الحال سابقاً، بل هي بحث جدي بين الفاعلين الاقليميين والدوليين عن حل سياسي متوافق عليه. المرجح أنه ليست هناك صيغ جاهزة لهذا الحل، بل هو يخضع لمساومات شاقة بين الدول المعنية.

======================

لن يسقط نظام الأسد أكثر من ذلك .. لؤي حسين

الحياة

الاربعاء 12/8/2015

تمكن النظام السوري من استيعاب صدمة الاحتجاج عليه بعد مضي ما يقرب الشهرين على انطلاق التظاهرات في آذار (مارس) ٢٠١١، وبات واضحاً حينذاك أنه لا يمكن إسقاطه مثلما حصل في ثورتي تونس ومصر، وأنه لن يكون سقوطه، إن حصل، إلا عبارة عن تحوله إلى مجرد ميليشيا. لكن، على رغم وضوح هذا المسار فقد تم وضع جميع سيناريوات الانتقال إلى نظام حكم جديد، دائم أو انتقالي، من جانب أطياف المعارضة السورية، أو حتى من جانب أطراف أو مؤسسات دولية، باعتماد فكرة اليوم التالي، أي اليوم الذي يلي رحيل الرئيس الأسد وأشخاص من أركان حكمه، من دون الاتفاق على عددهم أو أسمائهم، بل إن منظمتين إحداهما أميركية وأخرى ألمانية بنتا مشروعاً مهمّاً باسم «اليوم التالي» (the day after).

اعتمدت هذه الفكرة (في ظاهرها) على وضع برامج وآليات محددة ليصار العمل فيها في اليوم التالي لرحيل بشار الأسد وعدد من قياداته، حيث ستتاح السلطة يومذاك لكيان معارض أو لشخصيات معارضة، وذلك كي لا ترتبك السلطة الجديدة، أو تعتمد الارتجال.

لكن هذه الأفكار على رغم حسن هيئتها وقوامها فهي لا تتعدى كونها كلاماً ساذجاً وأفكاراً مدرسيّة وتأمليّة لا تقارب الواقع البتة، بل هي عبارة عن هروب من راهنية الواقع وسؤاله الرئيسي: كيف يمكن ترحيل الأسد وطغمته الحاكمة أولاً.

سذاجة هذه الفكرة تتأتى من أنه لن يكون هناك يوم تالٍ لرحيل الأسد. أي بعبارة أوضح إن قيض لنا وشهدنا اليوم الذي يرحل فيه الأسد (وفق آليات العمل المعتمدة) فلن يحالفنا الحظ بمشاهدة سلطة متاحة لتنفيذ أي برامج، إذ إن كل ما سيبقى خلف الأسد لن يكون أكثر من حطام دولة. فقادة النظام السوري اعتمدوا منذ البداية العمل على تحويل النظام إلى ميليشيا كطريقة وحيدة لاستيعاب الحركات الاحتجاجية. وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على الصراع، وتحديداً بعيد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الزائفة التي بدا فيها النظام كأنه حصل على مبتغاه بتحقيق شرعية انتخابية لم يعترف له بها أحد غير حليفين أو ثلاثة من جملة دول العالم أجمع، بدأ يُظهر النظام إشارات إنجاز التحول إلى مجرد ميليشيا، فلم يعد يأبه لغير تأمين المال والمقاتلين، مستغنياً في شكل تام عن السياسة والاجتماع والاقتصاد، بل إنه ما عاد يشعر بأي حاجة لاستعادة القبول الدولي، فأخذ يتعامل مع روسيا على أنها هي التي في حاجة إليه أكثر من حاجته لها، وباتت وسائل إعلامه ومحللوه السياسيون يعبّرون بوضوح عن دور النظام بتعويض روسيا عن الحصار الدولي المفروض عليها، وعن دور النظام بكسر القطبية العالمية الواحدية للولايات المتحدة لمصلحة روسيا.

هذا الأمر لم تنتبه إليه روسيا إلا خلال المؤتمر (الأول) الذي عقدته في موسكو، والذي جمعت فيه وفداً للنظام مع وفود لجهات سياسية سورية تم اعتبارها جهات معارضة. بعد ذلك رضخت روسيا لهذا التحول، فهي عملياً تحتاج إليه في صراعها الدولي مع الولايات المتحدة. فهي تريد الظهور دوماً أمام المجتمع الدولي على أنها قادرة على «إقناعه» بما تريده، مثلما حصل بمسألة السلاح الكيماوي، وأنها ما زالت قادرة على لعب دور رئيسي في المسألة السورية. قبلت روسيا على نفسها ذلك على رغم أن النظام أصبح بالنسبة لها كالولد العاق الذي لا يمكنها إخضاعه، كما لا يمكنها التبرؤ منه وتسليم أمره لأهل الحي لأن ذلك من شأنه أن يُضعف هيبتها ومكانتها أمام الجيران الدوليين.

لكن إيران ما زالت قادرة، حتى الآن، على «إقناع» النظام السوري بكثير مما تريده، وتحاول الآن زيادة مقدرتها على «إقناعه» أكثر فأكثر من خلال فرض شروط أشد قسوة مستغلة حاجاته المتزايدة إلى الدعم المالي والمادي.

ما أريد قوله أن النظام وصل منذ ما يقرب السنة إلى الدرك الأسفل من السقوط، وما عاد يمكن أن يسقط أكثر من ذلك. ولن تكون الخسائر الميدانية المتوقعة سوى تغيرات كمية ليست ذات معنى على هذا المستوى.

إذاً، أمام هذا التحول هل يمكننا اعتبار اليوم التالي قد آن أوانه وأصبح موعده اليوم؟

سورية الآن مجرد أكوام من الركام والحطام، حطام دولة وحطام مجتمع وحطام مؤسسات وحطام اقتصاد وحطام أخلاق وقيم، كل ما فيها حطام، البيوت حطام والمدن حطام والبشر حطام. لم تعد يصلح معها أي من الكلمات أو المصطلحات التي اعتُمدت وراجت طيلة السنوات الأربع والنصف السابقة، لا مصطلح إسقاط النظام ولا التسوية أو التفاوض معه، ولا مصطلح المعارضة أو الموالاة، ولا مقولة الحل السياسي أو ادعاء الحل العسكري، كل هذه طمرها الركام وما عاد يمكنها أن تنبت فوقه.

نعم، اليوم هو ميعاد اليوم التالي. اليوم لم يعد يوجد ما يمكن فعله سوى إقامة الدولة السورية المنشودة المبنية على أسس المواطنة والقائمة على المساواة بين المواطنين من دون تمييز على أساس الدين أو العرق أو الطائفة أو الجنس أو الثقافة، والتي من أهم مهامها إقامة العدالة بين جميع المواطنين وجميع المكونات الاجتماعية. فلم تعد يصلح أيّ من البرامج الإرجائية. فكل كلام يُرجئ المباشرة ببناء هذه الدولة إلى وقت لاحق، أو ينتظر متغيراً ما، سيكون كلاماً متخلفاً عن متغيرات الواقع السوري، وسيبقى إرجائياً دوماً.

قد يظهر هذا الكلام على أنه رأي تأملي لا يمت إلى الواقع بصلة وليس له أية مقومات وجود سورية، فأي دولة تحتاج بالحد الأدنى لكي تقوم إلى قطعة من أرض، وبعض من شعب، و «حفنة» ولو صغيرة من قيادات يمكنها أن تشكل سلطة ما، وجيش قادر على فرض سيطرة هذه السلطة وسيادتها على هذه الأرض ولمصلحة هذا الشعب، وهذا لا يتوافر أي منه الآن، فجميع الأراضي السورية يسيطر عليها مسلحون متعددو التوجهات والولاءات، ومن بقي من السوريين بات رهينة القوى الطغيانية أو رهينة الجوع والتشرد، وجميع القيادات السورية الحقيقية لا يمكنها أن تملأ «الحفنة»، وجميع المسلحين الموجودين الآن تقريباً إما ميليشيات أو مرتزقة.

هذا الكلام صحيح، لكن سورية لم تعد في حاجة إلى عمل معارض أو عمل موالٍ، إنها في حاجة فقط إلى عمل إنقاذي، وإنقاذها لا سبيل له، حسب اعتقادي، إلا ما ذكرته. لهذا، يتوجب العمل على إيجاد تلك المقومات ولو كانت بأبعاد مجهرية الآن، فهذا كفيل بأن يزرع الأمل من جديد في نفوس السوريين، وحينئذٍ ستتسع تلك الأبعاد لتشتمل على كل ذرة أرض سورية (مهمة أو غير مهمة) وعلى كل فرد سوري (دافع عن الوطن أم لم يدافع) وعلى كل مقاتل سوري قاتل تحت راية جهة ما اعتقاداً منه بأنه يدافع عن الوطن السوري.

======================

فرصة المعارضة للنجاة .. د. عوض السليمان

القدس العربي

الاربعاء 12/8/2015

ليس مفاجئاً أن يعبر وليد المعلم عن سعادته بتحرك «المجمتع الدولي» لعقد جولة جديدة من محادثات جنيف تطيل عمر نظامه. وليس مفاجئاً ألا يعتدّ المعلم بتصريحات دي مستورا التي تشكك بإمكانية عقد اللقاء.

منذ أن تم اختيار المهندس معاذ الخطيب رئيساً للائتلاف الوطني أدركنا أن هناك «جنيفات» كثيرة ستتبعها أخرى. وتأكد لنا الأمر عندما تم تعيين أحمد الجربا وهادي البحرة وخالد الخوجا، وهم ممن لا يحق لنا أن نشكك في وطنيتهم، بيد أننا نؤكد عدم معرفتهم، إن لم نقل جهلهم التام، بالسياسة.

كانت دلالات جنيف 3 واضحة. فقد فرضت القوى الغربية ما يسمى تيار «بناء الدولة « وأعضاء المخابرات العاملين فيه على الائتلاف فرضاً. واليوم، تفرض القوى الكبرى عملاء جدد للنظام على المعارضة، «هيئة التنسيق الوطني» التي ترفض تسليح الثوار وتتخذ من الإخوان المسلمين عدواً ومن طهران وموسكو أصدقاء. ويفكر «المجتمع الدولي» بتوجيه الدعوة إلى 170 صنفاً من المعارضة السورية، ربما أقل من ربع ربعهم فقط يحارب نظام الأسد.

ستكون الصورة خلابة من ناحية بشار، إذ سيكون إلى جانب شبيحته، وفود إيران وروسيا والصين والغرب كله، الذي يتعاون مع الأسد سرا، وسيقف إلى جانبه أيضاً بناء تيار الدولة وهيئة التنسيق وآخرون على شاكلتهم.

قامت واشنطن بإفشال عاصفة الجنوب التي كان يمكن لها أن تحرر دمشق وسوريا كلها من الأسد، ومنعت عن الثوار أي مساعدة يحتاجون لها، وبدأت تتكشف معلومات دقيقة عن أقذر الأدوار التي أداها الموك في خسارة المعركة.

وفي الزبداني لم يقم جيش الإسلام بواجبه على نحو كاف لصد اعتداءات حزب الله، وأصبح الرجل الذي كان يهدد العاصمة بآلاف الصواريخ لا يدافع حتى عن معاقله في ريف دمشق استجابة للضغوط الدولية. وما كل ذلك إلا لإجبار المعارضة السياسية على الذهاب إلى جنيف.

حتى عمليات تهجير العرب السنة بيد الشيعة والعلويين، وحديثاً بيد الكرد، ما كانت لتتم إلا ليخضع الجميع لجنيف 3 ويقبلوا بحضور إيران وموسكو وهيثم ولؤي وأمثالهم. ولا يخفى اليوم أن تحويل دفة الحرب باتجاه «الإرهاب» في سوريا وضرب الثوار ببعضهم، لا يهدف إلا لعرقلة سقوط الأسد وفرض حوار سيتجه إلى محاربة «الإرهاب» بدل إسقاط الأسد.

لن يغير السيد خوجا شيئاً، سيرفض جنيف أولاً، ويرفضها لحضور إيران ثانياً، ثم يقبلها بإيران وبالشياطين الزرق ثالثاً. وستختلف «المعارضة» بينها هناك، وتنصرف عن جدال الشبيحة إلى جدال بيني، وسيختلف أعضاؤها على كل تفصيل. فلؤي لا يقبل علم الثورة، وهيثم لا يريد حضور الإخوان، ولغيرهم رؤية تريد بقاء الأسد، ولعل بشار الجعفري يكون وسيطاً يصلح بين هؤلاء.

الفرصة الوحيدة التي ستنقذنا من عار جنيف، هي أن تشتعل جبهات القتال ضد بشار الأسد وفي أرجاء سوريا كلها، بشرط أن يكون أصحابها صفاً واحداً بقطع النظر عن تصنيفاتهم.

– جنيف

======================

"المُحاسبة" في سورية .. هيفاء بيطار

العربي الجديد

الاربعاء 12/8/2015

سمع كثيرون بالجريمة التي ارتكبها الشاب الذي يتربع فوق القانون، سليمان الأسد، حين أطلق النار على ضابط يقود سيارته، لأنه (حسب سليمان) لم يوسع الطريق له . شهد كثيرون الجريمة، وعرفوا القاتل والقتيل، ولست ُ في صدد مناقشتها، ولا إن كان الفاعل سوف يُعاقب. ولكن، ثمة أمر أهم من ذلك بكثير، هو انعدام المحاسبة الحقيقية في سورية. وأعطي مثالاً، من عملي طبيبة عيون ربع قرن في المستشفى الوطني في اللاذقية، فقد تعاقب عليها سلسلة من مدراء الصحة النصابين، بالمليارات، ولم يُحاسبوا ولم يُعاقبوا. بقي الأول مديراً للصحة 23 سنة، وكان يقبض 5% من حصص الأطباء في القطاع العام، قانون ابتدعه لنفسه بمساعدة شلة كانت تساعده. وكان متواضع الحال، ثم اشترى مزرعة بالملايين، وكان يسافر في مهمات طبية سياحية، يقبض عليها بالعملة الصعبة. وبعد ربع قرن، حدثت فضيحة (تجهيزات وسرقات مستشفى طرطوس) ولم يعد ممكناً تغطية ورقة توت الفساد، فبدأت مرحلة المحاسبة الشكلية للمدير، وظل عناصر من جهاز التفتيش المركزي يقصدون المستشفى الوطني، ليحققوا مع العاملين والأطباء والمدير، وعلى الرغم من ثبات تهم الفساد والسرقات على المدير، والثروة الطائلة التي حققها، وعلى الرغم من رحلات الذهاب والإياب لعناصر التفتيش المركزي، فإن أهالي اللاذقية (والشعب السوري) فوجئوا بسفر المدير إلى لندن أربع سنوات، عاد بعدها وكأن شيئاً لم يحصل. وعاد مدير الصحة الذي استغل منصبه لمصالحه الخاصه ومنفعته، ربع قرن، إلى مزرعته في اللاذقية، وكأن شيئاً لم يحصل، والسؤال الذي تفجر عند كثيرين: لماذا لم يُسجن؟ كيف سمحوا له بالهروب إلى لندن وكل التهم تكبله؟ وكيف عاد وكأنه لم يرتكب أي جريمة؟ اتبع مدير الصحة الذي استلم بعده أسلوباً في السرقة مختلفاً، ويبدو أن من أسهل الأمور نهب المال العام، فلجان الشراء مع حفنة من الموظفين المنتفعين يؤلفون شلة النصب التي يجيدون تغطيتها والتلاعب بها، وتكررت القصة نفسها، وفاحت رائحة النهب والفساد، إلى درجة لا يمكن السكوت عنها، وبدل عقاب المدير المرتشي، فإنه ترقى إلى منصب دبلوماسي مهم! ومن المفارقة المضحكة المبكية أن الجرائد كتبت، في اليوم نفسه، (حين ترقى المدير المرتشي) أن أحد الموظفين حكم عليه بالسجن بالحبس عدة أشهر، لأنه ارتشى وطلب عشرة آلاف ليرة من مواطن، كي يُسهل له المعاملة.

لا عقاب حقيقياً في سورية للفاسدين، إلى درجة أنه يشيع عند السوريين أن هناك فئة فوق القانون لا يطاولها مهما فعلت، وأكثر المدن السورية فساداً وإنتهاكاً لحقوق المواطن وإهانته في الطريق هي اللاذقية، عاصمة التشبيح. ويمكن لكل لاذقاني أن يستشهد بمئات القصص عن عائلات اضطرت للفرار من سورية، لأن أحد أبناء المسؤولين أراد إقامة علاقة جنسية مع شابة من أسرة محترمة، كما لو أن البلاد والعباد ملكه.

تجد في اللاذقية أشكالاً من جنون السلطة وجنون العظمة، تجد شاباً شبيحاً، يقود سيارة هامر بسرعة جنونية، ويلاحق الفتيات، أو يحلو له أن يتوقف في عرض الطريق، ينهال ضرباً على رجل بعمر والده، لأن مزاجه أوحى له بذلك، أو يتسلى بأن يقصد مقهى رصيف، ويطلب من رواده (وعادة عجائز) أن ينبطحوا تحت الطاولات، ويبدأ بإطلاق الرصاص في كل الإتجاهات، غير مبال إن أصاب رصاصه الطائش أحداً.

لو أن هنالك عدالة حقيقية طُبقت منذ عقود في اللاذقية، ولو وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ولو كانت الأخلاق أساس توظيف المدراء والعاملين، لما وصلنا إلى هذا الدرك المخزي من الإجرام وانتهاك حقوق المواطن.

لقد بلغ السوري حداً يفوق قدرته على الصبر، وهو يشهد، خلال عقود، انتهاكات أبناء المسؤولين، وكأن الناس بهاليل بالنسبة لهم، ولا ينطق بكلمة، لأن صمغ الخوف ألصق شفتيه ببعضهما، ولأنه لم يجد عدالة نزيهة وحقيقية، بل جرائم الزعران الذين يتربعون فوق القانون يحملونها لأشخاص أبرياء فقراء وضعاف النفوس ويحتاجون المال. تتطلب جريمة سليمان الأسد الوحشية عقاباً صارماً، لأن ثورة الكرامة لم تعد في قمقم، بل انفجر هذا القمقم، وخرج منه مارد الكرامة والعدالة.

======================

دولة الشبيحة الأسدية .. نجاتي طيّارة

العربي الجديد

الثلاثاء 11/8/2015

منذ أيام، يسود التوتر بعض أحياء اللاذقية وقرى ريفها الذي شاعت تسميته بالحاضنة الطائفية للنظام السوري، غداة تشييع جثمان العقيد حسان الشيخ الذي قتل، مساء الخميس 6 أغسطس/آب الجاري، على يد سليمان الأسد، نجل هلال الأسد، ابن عم رئيس النظام، والذي كان قائداً لقوات الدفاع الوطني، وسقط قتيلاً قبل أشهر في معركة مع الثوار السوريين. كان مركز عمل العقيد حسان في مطار المحطة الرابعة العسكري، المعروف بالتيفور شرق الطريق الواصل بين حمص وتدمر. وكان معروفاً في أوساط القوى الجوية باستبساله في الدفاع عن النظام، وإيغاله في الإجرام، المتنوع المهارات، ضد عامة الشعب السوري. لكن ذلك كله لم يشفع له، حين ذهب في إجازة لزيارة أهله في اللاذقية التي تعتبر عرين الأسد، وربما عاصمة دولة الساحل المزعومة. وحين تجول المذكور فيها مع عائلته، خلال اليوم الأول، كان من سوء طالعه وقدره أن تجاوز بسيارته سيارة الشبيح المعروف، سليمان الأسد ابن العم الأقرب إلى الرئيس المجرم، فما كان من ذلك الشبيح إلا أن أرداه قتيلاً ومباشرة، بإطلاق النار عليه من نافذة سيارته، وأمام أعين أولاده وباقي العابرين، عقاباً على ذلك التمادي والتجاوز، والذي ربما لم يكن في أسوأ الأحوال أكثر من شطارة أو مخالفة مرورية.

قد يبدو الخبر لبعض القراء غير قابل للتصديق، أو مجرد ادعاء وتهويلة من تهويلات معارضي النظام، لكن إعلان السلطات السورية ومصادرها عن اعتقال القاتل الشبيح وبدء استجوابه والتحقيق معه، وتصريحات المسؤولين السوريين بصدد الحادثة، والتفاعلات التي تبعتها، ومن بينها تبرؤ إخوة القاتل وزوجة والده من فعلته، واستنكارات محافظ المدينة، واعتصام حوالي ألف شخص، عند المدخل الشرقي للّاذقية، احتجاجاً في اليوم التالي، ذلك كله يؤكد الحادثة، وينفي أي مبالغة عنها.

"إنه نظام حكم الشبيحة، نظام التجاوز في كل شيء. تجاوز للقانون، وتجاوز للأعراف والأخلاق، وتجاوز للقيم والتاريخ الوطني السوري"

والتشبيح، أو التجاوز بتعبير آخر، هو سمة العائلة السورية الحاكمة وسلوكها العميق خلف كل غطاء آخر. وكانت له ذاكرة مؤلمة، صارت نكتها السوداء جزءاً من الثقافة الشفوية في الثمانينات، وأبطال قصصها، الشديدة الغرابة، كانوا شيخ الجبل وفواز الأسد وباقي أبناء عم الرئيس الراحل وإخوته. صحيح أنها تراجعت أو خفّت لاحقاً، لكنها بقيت متوافرة دوماً، ولم يعد هناك مجال لمقارنتها بما حدث لسورية كلها، من تشبيح تجاوز تاريخها ووحدتها وبنيتها الاجتماعية والوطنية، على يد النظام منذ قيام الثورة، قبل أكثر من أربع سنوات.

فقط، يكفي تذكر أن الرئيس الحالي نفسه شبّح على الدستورالسوري وتجاوزه، حين تم تعديل مواده في أقل من نصف ساعة، كي تناسب عمره، بعد رحيل والده. أما أكثر الحوادث رمزية ودلالة في ظاهرة تشبيح العائلة، فكانت أيام إعداد باسل، الابن الأكبر الذي كان يتجاوز الآخرين دوماً، ليكون الأول في كل شيء استعداداً لولاية العهد. فهوالناجح الأول، والمهندس الأول، والضابط الأول، والفارس الأول.. إلخ.

ولم يكن مسموحاً لأحد بتجاوز ذلك الأول في كل المجالات، فهو وحده الذي يحق له ذلك. وفي إطار ذلك، يروى أن حصاناً خرج عن طوع فارسه (عدنان قصار) بطل الفروسية السورية في مرحلة سابقة، وتجاوز حصان باسل الأسد في أحد سباقات الفروسية السورية، فكان السجن المطول، وبدون أيّ محاكمة، من نصيب الرجل، ولم يخرج منه إلا أشيب الشعر قبل سنتين، إثر مبادرة عفو عام وتنظيف بعض المعتقلات. ولم يتوقف عقاب ذلك الفارس عند السجن فقط، بل كان من سوء حظه أن باسل الأسد توفي بعد توقيفه، إثر الانقلاب الشهير لسيارته على طريق المطار، لأنه كان يسوقها بسرعة فائقة، وهو الأول دوماً!. فانعكس ذلك على السجين عدنان، وصار ينال عقابه بالضرب المبرّح على قصة التجاوز في كل ذكرى لوفاة باسل، بحيث أصبح العقاب نظاماً دورياً متكرراً، لا يتغير مهما تغير السجانون.

أما موت باسل حينها، فلم يجرؤ أحد على ذكر سببه، العائد طبعاً إلى تهوره وحماقته وجنون إحساسه بالتفوق، بل سمي شهيداً بصفة رسمية. وقالت الثقافة الشفوية يومها في تحديد الفرق بينه وبين الميت: الشهيد هو الذي يسوق سيارته بسرعة 240 كم في الساعة على طريق مطار دمشق، أما الميت فكل من يقول عكس ذلك.

الأكثر أهمية في حادثة اليوم، مهما أدت إليه أو تمت لفلفتها على جري العادة، أنها تكشف، مجدداً وبصورة شديدة الوضوح، حقيقة النظام السوري، وعلى طريقة من فمهم أدينهم وفي عقر دارهم. فهو باختصار شديد، وبصرف النظر عن كل محاولة للتنظير والدراسة الاجتماعية والسياسية لا يستحقها. إنه نظام حكم الشبيحة، نظام التجاوز في كل شيء. تجاوز للقانون، وتجاوز للأعراف والأخلاق، وتجاوز للقيم والتاريخ الوطني السوري.

إنه التشبيح، الذي يتجاوز سورية والسوريين ويدمرهما، حفاظاً على حكم العائلة.

======================

عن تقسيم سورية وتقاسمها .. خالد غزال

الحياة

الثلاثاء 11/8/2015

أجرت الحرب الأهلية السورية جراحات عميقة في الكيان السوري، على صعيدي الجغرافيا والديموغرافيا، بحيث تحولت سورية بحكم الواقع إلى مجموعة «سوريات»، كل قوة من القوى السياسية والعسكرية تقتطع قسماً من الأرض وتقيم عليها ما يشبه الحكم الذاتي. لم يقتصر الأمر على «الميليشيات» المنتشرة، بل إن النظام نفسه بدأ ينطق في شكل شبه رسمي عن إمكانية انكفائه إلى الشاطئ السوري، بما يعني الذهاب نحو الدولة العلوية التي سبق لحافظ الأسد أن وضعها احتمالاً حقيقياً خلال حربه مع إسرائيل وإمكان وصول الدولة العبرية إلى دمشق.

لا يعني القول بحصول تقسيم واقعي على الأرض السورية أن هذه «الكيانات» قد رسمت حدودها الجغرافية والسياسية، وأنها مقبلة على تشريع وقوننة، فالحديث لا يزال يدور على وحدة سورية بكيانها الحالي. فمن المعروف أن القوى التقسيمية الآن الموجودة على الأرض من قبيل: قوى المعارضة المسلحة، «داعش»، «جبهة النصرة»، النظام نفسه...، لم تصل إلى الإعلان عن حدود دويلتها، لأنها تدرك أن كلفة التقسيم والحسم به أكبر بكثير من كلفة التوحيد والوحدة. إذا ما وضعت مشاريع لتقسيم سورية، عبر استعادة تاريخية تنطلق من كون سورية كانت مقسمة في الأصل إلى دويلات قبل قيام الدولة الراهنة، فإن ذلك يعني أن هذا البلد يجري التخطيط لإدخاله في حروب أهلية دموية لا نهاية لها. فالذهاب في التقسيم إلى نهايته يعني إجراء عمليات تطهير ديموغرافية وطائفية، إذا لم تكن صافية بالكامل، فعلى الأقل فيها غلبة عددية لفئة على أخرى. لم تخل الحرب السورية من مثل هذا التطهير نسبياً في مناطق حمص، حيث الحديث شبه صريح عن شريط جغرافي وديموغرافي من الطائفتين العلوية والشيعية، يجري بناؤه احتياطياً لما ستؤول إليه أمور الحرب. وهو أمر لا يزال ضمن الافتراض والتوقعات المستقبلية. لذا يبدو الكلام التحليلي عن استعادة سورية مقسمة على غرار ما كانت عليه كلاماً قد تنقصه المتطلبات السياسية والعسكرية، ناهيك بأن مثل هذه القرارات ليس بمقدور القوى المحلية المتصارعة تحقيقها. فالتقسيم قرار إقليمي ودولي، تدرك القوى الخارجية مفاعيله الخطرة داخل المنطقة العربية وخارجها.

يمكن القول، بديلاً عن توقعات التقسيم، إن ما يجري هو إعادة رسم الحدود بين القوى المتصارعة، وإيجاد مناطق نفوذ تسمح لهذه القوى أن يكون لها موقع في التسوية السياسية القادمة التي بات الحديث عنها متداولاً، بما يوحي أن سكة هذه التسوية قد وضعت، وأن الاتفاق النووي الإيراني الغربي شكل أحد روافعها. هذا يفتح على شروط التسوية ومدى نضجها، وموقع اللاعبين المحليين من قوى النظام وقوى المعارضة على السواء، ومدى حظوظ أي تسوية من النجاح. يصدر تقدير الذهاب إلى التسوية من عجز أي قوة داخلية عن الحسم العسكري، أو بالأحرى منع أي قوة من الوصول إلى هذا الحسم. هذا يفتح ملف الخارج ومعه مسائل التقاسم الممكن للكيان السوري.

لم تعد القوى المتصارعة في سورية مالكة القدرة على إنجاز تسوية تعيد تركيب السلطة وتضمن مصالح المجموعات والمكونات السورية. باتت سورية ملعباً لقوى خارجية تتحكم بمسار الحرب، صعوداً أو خفوتاً. على غرار الحرب الأهلية اللبنانية، لن يمكن الوصول إلى تسوية إلا بتدخل خارجي من القوى اللاعبة العربية والإقليمية والدولية. والحديث عن «طائف» سوري ليس من الخيال، فأي تسوية سورية لا يمكن أن تقفز على الانقسام الطائفي والمذهبي والإثني الذي اندلع كله على الساحة السورية، مطالباً بحقوقه، مما يعني أن التسوية ستكون محاصصة بين هذه المكونات.

يطرح سؤال عن مدى نجاة سورية من تقاسم ما ترغب فيه قوى إقليمية تريد حصة في الكيان السوري. فإسرائيل سبق لها أن نالت حصة من هذا الكيان عبر ضم الجولان إلى أراضيها، وتخلي النظام عن هذه الأرض، بل وتسخير الجيش السوري لحماية حدود اسرائيل. الدولة العبرية تبحث اليوم عن شريط حدودي على غرار ما حصل في جنوب لبنان. وتركيا التي ضمت لواء الاسكندرون إليها، وتخلى النظام السوري عنه كلياً في الاتفاق المذل الذي وقعه حافظ الأسد مع تركيا عام 1996، هذه الدولة ترغب أيضاً في منطقة نفوذ جغرافية. وإيران مهتمة بمنطقة نفوذ عبر «حزب الله» الذي يريد شريطاً طائفياً صافياً يربط سورية بالقرى الشيعية في البقاع، بما فيها إلغاء بلدة عرسال أو تهجير أهلها بصفتها إحدى عقبات الصفاء الطائفي المنشود.

ما جرت الإشارة إليه لا يزال حتى الآن يدور في دائرة الاحتمالات والتوقعات، فهل ستكون سورية أمام تسوية تعيد لها وحدتها على قاعدة ضمان مصالح المجموعات، أم أن مبضع التقسيم سيكون نافذاً بما يغرق هذا البلد في حرب أهلية لا قعر مرئياً لها؟

======================

بشار الأسد، عن الشخص والسلالة والطبقة .. ياسين الحاج صالح

القدس العربي

الاحد 9/8/2015

يبدو أن هناك واقعتين لهما عميق الأثر على التكوين النفسي لبشار الأسد. أولاهما أنه الرئيس- المصادفة بكل معنى الكلمة. كان باسل الأسد هو الخيار الطبيعي لأبيهما حافظ، ليس فقط لأن باسل هو الابن الأكبر، ولكن لما يبدو أنه كان يتحلى به من ثبات نفسي وعزم، خلافا للابن الثاني، انفعالي الشخصية، الذي يقال إنه كان موضوع سخرية البنت الوحيدة في العائلة، بشرى. ويبدو أن الكلمة التي كانت تتواتر على لسان الأخت في وصف الولد بشار هي الهبيل أو الأهبل. فقط بعد مقتل باسل بحادث سيارة في مطلع 1994 صار بشار مرشح أبيه الاضطراري لخلافته. يدين بشار بموقعه لموت أخيه، وليس لتفضيل الأب أو لكفاءة خاصة. يدين بالقدر نفسه لإرادة أبيه تأسيس سلالة حاكمة لعائلته في سوريا، تجعل منها مِلْكاً، وتُجنِّبه ما يحتمل أنه كان يخشاه: تجريمه كقاتل وإظهاره طاغية عابداً للسلطة. وقع على بشار أن يكون مجسد التحول السلالي وحامل أمانة الأب وميراثه. الدستور الباطن لسوريا منذ تأهيل بشار ليشغل مكان حافظ بعد لحظات من إعلان وفاته في 10 حزيران/يونيو عام 2000 هو أن يحافظ بشار على ملك العائلة، وأن يورثه لابنه أو لأحد من الأسرة. هذا هو التزامه الجوهري الذي لا يمكن أن يُفرِّط فيه بحكم الفعل التأسيسي الذي آل بموجبه حكم البلد إليه، فعل التوريث.

الواقعة الثانية أن بشار كان طوال الوقت في موضع مقارنة مع أبيه، ومن المحتمل أن محاكاة الأب في البقاء في الحكم والقتل من أجله كانت حاضرة طوال الوقت في باله وهو يعذب ويقتل ويدمر طوال ما يقترب من أربع سنوات ونصف. ورغم أنه قتل أكثر من أبيه ودمر أكثر من أبيه، فإنه لم يصر مهيوبا مثل أبيه، لا بين السوريين ولا في الجوار، ولا حتى في دوائر النظام والعائلة نفسها فيما يبدو. وهذا ليس فقط لكفاءات خاصة بحافظ، وقد كان بالفعل صبورا حقودا قاتلا، متحكما بنفسه متكرسا لسلطته، غير متلون ولا متقلب الشخصية، وإنما كذلك لأن بشار لم يشأ ولم يكن مؤهلا لأن يختط لنفسه نهجاً خاصاً يميزه عن الوالد أبي باسل، وسرعان ما وضع نفسه في حذاء أبيه، تحت يافطة «الاستقرار والاستمرار».

أقل ثباتاً من أبيه من الناحية الانفعالية، أقل صبراً أيضاً، وفي مواجهة ثورة أكبر وأوسع قاعدة مما واجه أباه، لم يجد بشار غير أن يتفوق على أبيه في القتل والتعذيب والتدمير. تفوق كثيراً بالفعل، مع ذلك ظل الولد المستخفُّ به، الذي لا يبدو أن أحدا «يقبضه» بجد. وبينما كان هناك كثيرون يحبون حافظ وكثيرون يكرهونه، لا يبدو أن أحداً يكره بشار، يحتقرونه فقط. هل يحبه أحد؟ هذا مشكوك فيه، أقله ليس الحب القوي الممزوج بالاحترام. كان حافظ واثقا بنفسه أما بشار فهو معجب بنفسه. ويأخذ الابن وضعاً دفاعياً طوال الوقت، ويشعر أنه غير مفهوم. لعل هذه تجربة طفولية متأصلة: يتهم ويسخر منه فيعمل على تبرير نفسه. وبينما لا يكف الرجل عن محاولة الشرح، ويسهب إلى درجة السماجة، فإنه لا ينجح إلا في إثارة السخرية في نفوس مستمعيه.

على أن بشار حقق فعلا شيئاً مغايراً لزمن أبيه: لبرلة الاقتصاد السوري، وإنجاز التحول من اقتصاديات القطاع الحكومي إلى اقتصاديات يتحكم بها خواص. إلا أن من شأن الكلام لبرلة الاقتصاد، أن يعطي انطباعا مضللا جدا، يبقى مضللا أيضا إن قلنا إنه يطابق الكاتالوغ الليبرلي الجديد: التقشف والحد من الإنفاق العام، توحيد أسعار الصرف، تشجيع الصادرات، تحرير التجارة، رفع الدعم عن سلع أساسية أو خفضه… ما جرى اقتصاديا في سوريا في سنوات بشار، وبعد 2005 بخاصة (إثر مؤتمر حزب البعث الذي أقر التحول نحو «اقتصاد السوق الاجتماعي»)، هو نقل ملكية الاقتصاد السوري وموارده العامة من يد «الدولة» إلى يد نخبة الثروة التي تشكلت أساساً في كنف سلطة حازت نخبتها طوال الوقت موقعا امتيازيا حيال الموارد العامة وتحريكها وإدارتها، دون رقابة اجتماعية من أي نوع. بعبارة أخرى، مع انتقال ملكية سوريا ذاتها رسميا إلى السلالة الأسدية انتقلت ملكية الاقتصاد السوري والموارد العامة إلى يد طبقة تكونت في سنوات حافظ، ويرمز لها رامي مخلوف ابن خال بشار، وخازن بيت مال العائلة. عبر شركاته وشراكاته، يسيطر ابن الخال على ثلثي الاقتصاد السوري.

قد يلاحظ المتابع أن كاتالوغ اللبرلة السورية تنقصه الخصخصة، وأنه لم يجر تحويل ملكية مشاريع الدولة والموارد الأساسية وبيعها إلى خواص. صحيح. ما جرى تحويله إلى خواص في سوريا هو الدولة ذاتها عبر التحول السلالي. هذا الأخير ليس فعلا سياسيا محضا، إنه تملك للبلد فعليا على يد بشار وجيله من «أبناء المسؤولين» (مسؤولي أيام حافظ) وشركائهم وأتباعهم. الخصخصة في سوريا أكثر ضراوة من نظيراتها في أي بلدان عربية أو غير عربية بفعل بناء سلالة تمتلك البلد وما عليه ومن عليه. هذا شيء لا يلاحظه عموما غير السوريين، وقلما تسنى للسوريين بالذات الكلام عليه والتداول في شأنه. هذا بفعل الشرط ذاته الذي جعل خصخصة الدولة والتحول السلالي ممكنين، أعني تقييد المجتمع السوري ومنعه من الدفاع عن نفسه أو حتى التعبير عن نفسه، وهذا بعد سحقه في ثمانينيات القرن العشرين. أُخرج السوريون من السياسة، وتحولوا إلى رعايا وتابعين، ومنذ أيام حافظ كانت سوريا توصف بأنها «مزرعة» للطاغية الأب ومن والاه.

تخطيطيا، يمكن القول إن حافظ استولى على السلطة عام 1970، وعلى المجتمع في ثمانينيات القرن العشرين، وتملك بشار سوريا عام 2000، وكممثل لطبقة البرجوازية المركزية (تستولي على الموارد العامة متوسلة سلطة الدولة، وتتحكم بالتجارة الخارجية) استولى على الثروة الوطنية. تدمير البلد يغدو احتمالاً مرجحاً حين يعترض على المالك رعاع إرهابيون من عوام السوريين. القتل والتهجير هو مصير هؤلاء الإرهابيين، الذين ظهروا في بيئات أساسها الجهل والتخلف، على ما قال ممثل الأسرة التي تحكم البلد منذ 45 عاما في آخر خطبه، ولم تتوقف يوماً واحداً عن الثناء على إنجازاتها والإشادة بأفضالها على السوريين. الرجل أظهر استعداداً متفوقاً لأن يكون واشياً بمواطنيه أمام القوى الغربية النافذة، حين كرر اتهام كل الثائرين عليه بالإرهاب في خطابه، دون أن يذكر داعش أو القاعدة إطلاقاً.

كان حافظ محباً للسلطة، مكرساً لها فانياً فيها، مستعداً للتضحية بعشرات ألوف السوريين على مذبحها، أما بشار فهو حريص على السلطة حرصه على ميراث عائلي، لكنه محب جداً للمال ومباهج الحياة. الرجل شغوف بكاميرات التصوير المتطورة ومجلات التصوير المتخصصة، ولا تشغله الحرب التي أشعلها في البلد وأشعل البلد بها عن متابعة هوايته المكلفة، وتوصية شركائه التجاريين بتأمينها. أما زوجته أسماء الأخرس فتتسوق من أغلى محلات الموضة العالمية، وتشتري زوج الأحذية الواحد بألوف الدولارات. وأصدقاء الزوجين أثرياء عرب وأجانب، ويبدو أنهما يحبان صحبة المشاهير، والقول للعالم الغربي بخاصة أنهما منه وفيه.

بشار يحب أيضاً أن تعابثه نساء جميلات من حاشيته، الأمر الذي ربما يشير إلى حاجة لنيل الحب والاعتبار. وربما بداع من مقتضيات «العصرية» التي يحرص عليها كل الحرص، ومنها خفة الدم، يتداول في بريده الالكتروني نكتاّ عنصرية تافهة عن الحماصنة (أهالي حمص)، مستواها السياسي والأخلاقي لا يرتفع عن مستوى هتاف شبيحته في تجمعاتهم المحمية في عام الثورة الأول: الما بيشارك/ أمّو حمصية!

هذه العناصر الاجتماعية والنفسية تساعد في رسم صورة الابن الوريث الذي سيدخل التاريخ على الأرجح بأنه مدمر بلده وقاتل مئات الألوف من سكانه. خصائص بشار الشخصية، إضافة إلى كونه ممثل أسرة وسلالة وطبقة، لها الإسهام الأكبر في الكارثة السورية المتمادية.

في مسعاه لحماية ملك الأسرة، انساق الوريث إلى دعوة الإيرانيين وأتباعهم العراقيين واللبنانيين والأفغان وغيرهم لقتل محكوميه الثائرين. مثل سلالات حاكمة كثيرة في التاريخ حاول إنقاذ ملكه بتسليم البلد للأجانب. قد لا يُسقِطه الثائرون عليه، لكنه فقد السلطة نهائيا. لم يعد يستطيع أن يحكم ما قد يحكمه من سوريا دون احتلال أجنبي، له السيادة والسلطة العليا. لكنه سينال المال ما بقي حياً، سواء بحماية حراب «إيران الشقيقة» أو في منفى ما.

هذا ما أراده، وهذا ما يستحقه.

======================

الصراع السوري: جرعة تفاؤل! .. أكرم البني

الحياة

الاحد 9/8/2015

أثار الاجتماع الثلاثي الذي عقد في الدوحة بين وزراء خارجية أميركا وروسيا والسعودية، بعض التفاؤل بإمكان تحريك المسار السياسي السوري، وذلك على النقيض من حالة التشاؤم التي أشاعها تقرير ستيفان دي ميستورا المقدم لمجلس الأمن والذي نفض اليد من أية فرصة لحوار مباشر بين أطراف الصراع يفضي الى تسوية سياسية في المدى المنظور.

لا يخطئ المتفائلون حين يهملون جهود الوسيط الأممي وما أجراه من اتصالات بدت واسعة ومتنوعة مع مختلف الأطراف، فالأمر الحاسم عندهم لا يتصل بمجلس الأمن والمؤسسات الدولية بل بما يمكن أن يحصل من توافقات بين واشنطن وموسكو حول الشأن السوري بصفتهما الطرفين الأكثر تأثيراً وقدرة على وضع حد لهذه المحنة.

ويرجح هؤلاء حصول تبدل في موقف البيت الأبيض لمصلحة الاهتمام الجدي بالصراع السوري، إما بسبب تحرر أوباما من عقدة الاتفاق النووي، ليغدو أكثر استعداداً لاستثمار المهلة المتبقية من ولايته الثانية في تخفيف الآثار السلبية الناجمة عن مماطلته في التعاطي الإنساني مع الملف السوري والتي لا بد أن تلقي بثقلها على حظوظ المرشح الديموقراطي! وإما لأنه بات معنياً بإقناع حلفائه بجدوى ما قام به مع طهران، وأنه لم ينجح فقط في لجم قدراتها على إنتاج سلاح نووي وإنما يحاصر محاولاتها توظيف تداعيات الاتفاق ومنافعه لتوسيع نفوذها الإقليمي! وإما لأن السياسة الأميركية قد استنفدت حاجتها من استنزاف خصميها الإيراني والروسي في الصراع السوري وباتت أكثر حرصاً على التعاون معهما لمواجهة تنامي وزن التنظيمات الجهادية وخطرها.

وبالتكامل يعتقد هؤلاء أن موسكو وصلت أيضاً إلى نهاية الشوط وباتت أقرب للتلاقي مع سياسات واشنطن تجاه الوضع السوري لأسباب عدة، تبدأ بالخلاص من حالة الاستنزاف التي تعانيها، مادياً وسياسياً، بخاصة أن الورقة السورية باتت ضعيفة وفقدت وزنها في المفاوضات مع الغرب، مروراً بإنقاذ ما يمكن من مصالحها في المشرق العربي مع تنامي خشيتها من فقدان كل شيء إن استمر تراجع النظام أمام المعارضة المسلحة، ومروراً بتحسبها من تقارب محتمل بين إيران والولايات المتحدة ينسجم مع روحية التنازلات التي حكمت التوقيع على الاتفاق النووي ويتوج بشراكة بين الطرفين في معالجة المحنة السورية قد لا يأخذ في الاعتبار مصالحها، إنتهاء بقطع الطريق على تداعيات التدخل العسكري التركي في شمال وشرق البلاد ومحاصرته في أضيق الحدود، والتعاون مع واشنطن للجم قدرته على إحداث تبدل كبير في توازنات القوى، أو النيل مما حققه الوجود الكردي وزناً ودوراً.

وما يزيد جرعة التفاؤل أن الطرفين الأميركي والروسي متفقان على أولوية مواجهة «داعش» والمنظمات الجهادية الأخرى، وعلى الحفاظ على الدولة السورية ووحدة أراضيها، ويدركان مقدرتيهما على ممارسة ضغوط ناجعة على حلفائهما السوريين للسير في الطريق السياسي!

لكن، للمتشائمين رأي مختلف، وهم يستبعدون تقدم أي مشروع لتسوية سياسية، ربطاً بخصوصية الصراع السوري الذي بات برؤوس عديدة يصعب التوفيق بينها ويخوض بعضها معركته ضد الآخر كمعركة وجود وإفناء، وربطاً باعتقادهم بأن ما يثار عن تبلور اتفاق بين واشنطن وموسكو لتمرير حل سياسي في سورية هو مجرد رفع عتب لتخفيف ما يتعرضان له من ضغوط أخلاقية وإنسانية!

صحيح أن حاجة الأطراف الخارجية للتشارك في مواجهة تنامي خطر الإرهاب الجهادي ولتخفيف أعباءها في الصراع السوري يدفعها إلى توحيد جهودها من اجل وقف العنف والتشجيع على المعالجة السياسية، لكن الصحيح أيضاً أن قرار السير في هذه الطريق لم يعد ملكاً لأحد، بل تحكمه ارتباطات ومصالح داخلية معقدة، أوضحها رفض النظام المزمن لأي حل لا ينسجم مع رغباته وتطلعاته، ثم الوزن الكبير الذي تحوزه على الأرض جماعات إسلاموية تحكمها أجندة اقصائية، تزدري السياسة ولا تقيم وزناً للتفاوض والحلول الوسط، فكيف الحال إذا كان بعضها يعتقد ويعبئ أنصاره بأن، شام شريف، هي اليوم مفتاح انتصار الخلافة الإسلامية أو هزيمتها! يضاف إليها تنامي جماعات مسلحة من النظام والمعارضة صار دينيها وديدنها رفض تغيير ما خلقته سطوة الفوضى والسلاح من مكاسب وامتيازات، وهي لن تتأخر عن توظيف ما حازته من إمكانات لإفشال أي مشروع سياسي، إن من خلال محاصرة وضرب دعاته أو من خلال تبادل الأدوار لتسعير الصراع العسكري وإبقاء مناخ الحرب مسيطراً على الجميع.

ربما يقارب الحقيقة من يعتبر اجتماع الدوحة الثلاثي مجرد محاولة لتقريب وجهات النظر بين أطراف تجمعها مواجهة الإرهاب لكنها تختلف جدياً حول إعادة رسم دوائر النفوذ في المنطقة وحول المستقبل السوري، وربما لا يجانب الصواب من يعتبر مهمة دي ميستورا بلا أظافر ولا أسنان وأنها أشبه باللعب في الوقت الضائع، بدليل التفافه على غياب فرصة لعقد «جنيف- 3» وفق بنود «جنيف- 1» بالدعوة الى تشكيل مجموعات عمل مشتركة برعاية دولية تضم اختصاصيين من السلطة والمعارضة للاتفاق على قضايا أساسية في الشؤون الإنسانية والسياسة ومؤسسات الدولة وإعادة الإعمار، تمهد لقيام هيئة الحكم الانتقالية، ولا يضعف هذا الدليل تحذير دي ميستورا بأن التصدي المجدي ل»داعش» يتطلب تغييراً سياسياً في سورية!

والحال هذه، يبدو أن الزمن السوري سيستمر عبثياً ودموياً، مع صعوبة التوفيق بين مصالح متعارضة ومتباينة تمثلها قوى عربية ودولية وفئات من النظام والمعارضة، يزيدها تعارضاً وتبايناً ما كرسه العنف المنفلت من خراب وضحايا ومفقودين ومشردين ومن نتائج مدمرة، اجتماعياً وأخلاقياً، وفي هذا الزمن تجمع غالبية السوريين حالة من الخوف والهلع على حاضرهم ومستقبلهم ومصير وطنهم، وتجمعهم أيضاً ربما أمنية بحصول معجزة، تجبر الأطراف المتحاربة على ترك ميدان العنف وتقسرهم على السير نحو معالجات سياسية تخمد بؤرة التوتر وتوقف تفاقم هذه المأساة الإنسانية.

======================

مسارات العجز عن الحل في سوريا! .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 9/8/2015

 أربعة أعوام ونصف العام مضت على انطلاقة الثورة السورية، التي حملت مطالب أساسية للسوريين من أجل تغيير حياتهم ومستقبل بلادهم، وهي مطالب محقة، لم يكن لأحد في العالم أن يرفض دعمها وتأييدها، الأمر الذي احتال عليه نظام الأسد بوصف ثورة السوريين بالإرهاب والتطرف، والارتباط بالخارج وأعداء سوريا.

ودفعت تطورات الأحداث السورية بما فيها من قتل وتدمير وتهجير، وبما حملته من تحديات وتهديدات للدول المحيطة بسوريا والأبعد منها للانخراط في مبادرات من أجل حل سياسي، يخرج بالوضع السوري من مجرياته واحتمالاته، فتوالت مساع سعودية وتركية وأردنية وقطرية للتوسط مع نظام الأسد، قبل أن تدخل الجامعة العربية على خط المساعي، لكن جهود الجميع أحبطت، ومساراتهم فشلت لصدامهما بمسار العنف والدم الذي اختطه النظام، وأصر عليه طريقًا وحيدًا في التعامل مع ثورة السوريين.

ومهد فشل مسارات الحل العربية والإقليمية لدخول دولي على الموضوع السوري، عبر حلقة وسيطة، فكان كوفي أنان مبعوثًا مشتركًا للأمم المتحدة والجامعة العربية لمعالجة الوضع عبر جولات ولقاءات وحوارات، كان الأهم فيها وصوله مع مجموعة العمل الدولية إلى ما صار أساسًا دوليًا متوافقًا عليه في الحل السوري، وهو بيان «جنيف1» الصادر في يونيو (حزيران) 2012، باعتباره يحمل نقاطًا، يمكن البناء عليها. غير أن إصرار نظام الأسد وممانعة حلفائه وخصوصا روسيا وإيران والصين، أفشلت المضي على طريق «جنيف1»، ودفعت أنان إلى إنهاء مهمته وسط يأس، كان واضحًا على وجهه في آخر زيارة له إلى دمشق، التقى فيها الأسد، واقتنع منه، ألا تغيير في موقف وسياسات نظامه في الموضوع السوري.

وكررت تجربة المبعوث الدولي والعربي الأخضر الإبراهيمي فشل سابقه. ولم يكن «جنيف2» في بدايات 2014 رغم اختلاف تفاصيل وجهود ولقاءات التجربتين، سوى تعبير عن انسداد أفق معالجة الوضع السوري بفعل إصرار نظام الأسد على رفض الحل السياسي وسط عجز دولي وإقليمي عن الوصول إلى خطوة، تجعل الحل ممكنًا بأخذ النظام أو إجباره على الدخول في مفاوضات جدية ومثمرة، تستفيد من فرصة ارتكاب النظام جريمة الكيماوي، مما جعل الإبراهيمي يتخلى عن مهمته، التي راهن كثيرًا على تحقيق نجاح أو إحداث اختراق فيها.

إن فشل مسارات الحل المتعددة، والتطورات الميدانية في سوريا، التي كرست صعود التطرف والإرهاب وجماعاته، وتزايد حدود الكارثة الإنسانية، وتجاوزها الحدود السورية، كانت حاضرة في تكليف ستيفان دي مستورا مبعوثًا دوليًا للموضوع السوري في العام الماضي. ولأن الرجل لمس فشل سابقيه في إنجاح مسارات مبادراتهم، فقد سعى إلى بداية مختلفة، انطلقت متواضعة في الاشتغال على وقف القتال في حلب شمال سوريا، غير أن النتائج كانت سلبية، فغير تكتيكاته بالعودة إلى معالجة كلية للوضع السوري على نحو ما فعل أنان والإبراهيمي، لكن مع توسيع قاعدة الحوار والنقاش واللقاءات مع المتصلين بالملف السوري وأصحابه.

جهود دي مستورا وصلت إلى حدود الفشل المعلن مع تقديمه لتقريره مؤخرًا للأمم المتحدة، والسبب كما ظهر في العميق من تقريره وفي تصريحاته إصرار نظام الأسد وحلفائه على المضي في مسار العنف الذي تم اختياره من البداية، وبهذا وصل دي مستورا إلى ذات النتائج السابقة في مسارات حل القضية السورية، لكنه لم يغلق باب جهوده بالإعلان عن خطة، لن تجد فرصتها للنجاح في ظل المعطيات الراهنة، لكنها ستبقيه حاضرًا في الجهود الدولية، وهو أمر مطلوب كما يبدو، حتى لا يترك الملف السوري خارج الرعاية الدولية ولو شكليًا.

خلاصة الأمر، أن مسارات الحل السياسي في سوريا، والتي توالت على مدار السنوات الماضية فشلت في الوصول إلى نتيجة، تصنع حلاً، أو تضع القضية على سكة حل، ومقابل فشلها، فإن مسار العنف والدم الذي تبناه النظام، هو الوحيد من المسارات الذي لم يتوقف، ومستمر في تصعيده لإعادة إحكام قبضة النظام على سوريا والسوريين، رغم كل ما أصابه من خسائر سياسية وبشرية.

إن السبب الرئيسي لما صارت إليه مسارات الحل في سوريا، تمثله حالة عجز تحيط بالمجتمع الدولي الناجمة عن عوامل أبرزها انقسام دولي، حيث ما زالت روسيا ومعها دول أخرى، تدعم نظام الأسد، وتسعى إلى تسويقه عبر محاربة الإرهاب والحفاظ على الأقليات، ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية وادعاءات أخرى، بينما يفتقد الطرف الدولي الآخر وفيه الدول الغربية والولايات المتحدة ودول بينها تركيا لقوة الإرادة السياسية في إقرار حل سياسي والمضي به عمليًا، وفي انقسامه في النظر إلى القضية السورية بين الاعتراف بها قضية شعب أو اعتبارها جزءًا من الحرب على الإرهاب، والحق فإن النظرة الأخيرة، تعزز مسار العنف والدم الذي اختاره النظام ومستمر فيه.

======================

بيروت.. حلب بلا براميل .. خطيب بدلة

العربي الجديد

الاحد 9/8/2015

شَرَحَ صديقُنا الشاعر السوري الظريف ذو الاسم الطويل، محمد فؤاد محمد فؤاد بركات، الذي اعتدنا أن نختصر اسمه إلى (فؤاد)؛ لمن يهمه الأمر، أن عبارة (بيروت.. حلب بلا براميل) تعني، بالضبط، أن بيروت تشبه حلب في كل شيء؛ كانقطاع الكهرباء والماء، والحَرّ الشديد (الشوب)، وتراكم الزبالة في الطرقات.. ولكنّ بيروت لا تسقط فوقها براميل.

والحقيقة التي لا يرقى إليها الشك أن سقوط البراميل فوق مدينة حلب توقف، ثماني وأربعين ساعة متواصلة، إثر تَعَرُّض معامل الدفاع في بلدة السْفِيْرة إلى قصف من طائرات مجهولة الهوية.. وهذا العمل، أصبح، هو الآخر، بحاجة إلى شرح، من فؤاد أو من غيره، لأننا، في السابق، كنا نجزم بأن أية طائرات تقصف مواقعَ سورية، وتَردُّ عليها المضادات الإعلامية السورية بإعلان الاحتفاظ بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين، إنما هي طائرات إسرائيلية. أما اليوم فالدول التي تُرسل طائراتها لكي تُؤَاجِر بالقصف على سورية؛ ما عاد بالإمكان إحصاءُ عددها، وقد أضيفت إليها طائرات تركيا، الدولة التي تقول المعارضة إنها صديقة للشعب السوري؛ ويقول النظام إنها معادية للشعب السوري. وأضيف إليها تفسير غريب من نوعه، هو أن تركيا تَقَصَّدَتْ قصفَ معامل السفيرة، بالذات، لعلمها أنها المكان الوحيد الذي تُصنع فيه البراميل، والبراميل، بحسب الشاعر فؤاد، هي التي تجعل حلب مختلفة عن بيروت.

تَذَكَّرَ السوريون، إبَّان وقوع هذه الأحداث الدراماتيكية، فصلاً ظريفاً من رواية الكاتب التركي الساخر، عزيز نيسين (زوبك)، إذْ يقول حمزة بيك جفتفران أوغلو للولد المنحوس الملقب (عَدُوّ نفسه)، حينما يرتكب عملاً حقيراً: اذهب إلى أبيك، وقل له ألا يَشُكَّ بأمانة أمك، لأن أفعالك المطابقة لأفعاله تجزم بأنه أبوك. وأما أهلُ حلب، فحينما توقف هطول البراميل فوق رؤوسهم ثماني وأربعين ساعة، أصبحوا يشكون بأن بشار الأسد، المتوقف عن القتل (هاليومين) ليس ابن الجنرال حافظ الأسد الذي كان يقتل السوريين، وينكل بهم بدم طوال أيام السنة،.. لكنهم، حينما استؤنفت عملية إسقاط البراميل فوق رؤوسهم، استغفروا الله، واستذكروا الآية الكريمة (إن بعض الظن إثم)، ورددوا عبارة كان المذيع المرحوم مروان شيخو يُرَكِّزُ عليها في أثناء تأبين باسل الأسد: هذا الشبل من ذيّاك الأسد.

السفيرة، لمن لا يعلم، من المدن الفقيرة بالأشجار والأنهار والخضرة والوَجْه الحَسَنْ. ومع ذلك، كان يؤمها عددٌ لا يمكن إحصاؤه من عناصر مخابرات الدول الحريصة على أمن إسرائيل، على هيئة سياح. يأتون بسبب ما يتسرب إليهم من معلومات تفيد بأن معامل الدفاع الموجودة فيها تُنتج الكيماوي، وربما الذَّرّي. وعلى ما يبدو أن الأسلحة الكيماوية التي تبرع بها ابنُ حافظ الأسد للمجتمع الدولي لم تشفِ غليلَ هاتيك الدول، فاستغلت طائراتُها اختلاط حابل القصف على سورية بنابله، وآجَرَتْ فيها.

لو أراد الشاعر فؤاد أن يُجْهِدَ نفسه بالاستمرار في شرح كل الملابسات التي تتعلق بالبراميل، لقال إنها سلاحٌ أنتجَهُ نظام حافظ الأسد في عهد وريثه القاصر، أنتجه من باب النكاية بما يُعْرَفُ باسم (الأسلحة الذكية). إنه سلاحٌ يشبه مدفع رمضان الذي كان الأهالي، في الخمسينات والستينات، يستخدمونه للإعلان عن السحور والإفطار، فيحشوه ضاربُ المدفع بالخرق والمسامير والخيطان والكراكيب وكل الأشياء عديمة النفع. أما صناعيو ابن حافظ الأسد فيحشون براميلهم بمكسرات قضبان السكك الحديدية، وشظايا القذائف التي سبق لهم أن قَتَلوا بها بعض السوريين، ونضوات البغال والكِدْش، وسكائب الرصاص، وأقفال صناديق الذخيرة، وفوارغ الرشاشات والقذائف المدفعية. وهذا السلاح، بسبب بؤسه، وتخلفه، لا يحتاج إلى مدينة مهمة عالمياً مثل السفيرة، بل يمكن أن يُصنع في الزرائب والإسطبلات وكل الأماكن التي تليق بنظام مهترئ، يلفظ أنفاسه الأخيرة.  

======================

فتوى "جواز" التعاون مع تركيا للقضاء على "داعش"! .. د. وائل مرزا

الشرق القطرية

الاحد 9/8/2015

من الواضح، مرةً أخرى، أن ثمة فكراً خطيراً يُحاصرُ الإسلام بشكلٍ سرطاني، وهو قبل ذلك وبعدهُ يُحاصرُ العربَ والمسلمين بدرجةٍ غير مسبوقة.

نعرف مثلاً أن مئات الملايين من المسلمين في العالم، وفي طليعتهم أبناء المنطقة العربية، يُجمعون على ضرورة القضاء على تنظيم (داعش)، وينظرون إلى الأمر على أنه من الأولويات والبدهيات التي لا نقاش فيها.

ونعرف أنهم وصلوا إلى تلك النتيجة بناءً على حسابات فِطرية للمصالح العامة، ديناً وعقلاً واجتماعاً بشرياً.

نعرفُ أيضاً أن آلاف التحليلات والدراسات والمقالات والآراء في دنيا العرب، حتى بين أطراف تختلف في حُكمها تجاه قضايا أخرى، تتفقُ على الخطر الإستراتيجي الوجودي الذي تُشكله (داعش) على شعوب المنطقة ودولها وثقافتها وهويتها وتاريخها.

لكن هذا كلهُ لا يبدو كافياً في نظر ذلك الفكر وأصحابه، لا يأبه هؤلاء بكل المعطيات المذكورة أعلاه، ولا يقيمون لها أي وزن. أما البديل الوحيد والأوحد لديهم، فيتمثل في كلمة واحدة: (فتوى) تتعلق بهذا الموضوع.

لهذا تحديداً، تُصبح (الفتوى)، التي أصدرها المجلس الإسلامي السوري منذ أيام بعنوان (فتوى حول حكم التنسيق مع الحكومة التركية للقضاء على داعش)، ظاهرة تستحق التحليل من عدة وجوه.

من الواضح، بدايةً، أن المجلس وصلَ إلى النتيجة المذكورة أعلاه، وأنه أصدر الفتوى من واقع معايشته لملابسات الموضوع على الصعيدين النظري والعملي.

وفي اعتقادنا أن السؤال المذكور في مطلع الوثيقة، والذي جاءت الفتوى كإجابةٍ مباشرة له، مجردُ نموذج على أسئلة ووقائع وأحداث عايشها المجلس خلال الأسابيع القليلة الماضية بعد بدء الحملة العسكرية التركية على (داعش).

هذا في حد ذاته مدعاة للتقدير، لأن المجلس يحاول أن يتعامل هنا أيضاً، كما هو حالُ جهات أخرى، مع (إكراهات) الواقع بِلُغة هذا الواقع ومفرداته التي يفهمها.. ويحاول أن يستخدم أدواته لتحقيق المصلحة العامة. ويمكن القول، من باب الواقعية: إن صدور مثل هذه الفتوى في مثل هذا الوقت ضروري للتعامل مع ظاهرة (داعش) وصولاً إلى النتيجة المطلوبة التي تتلخص في آخر عنوانها: (القضاء عليها).

لكن هذا لا يتضارب مع طرح جملة ملاحظات نقدية يقتضيها المقام.

فنحن نعود، مع هذه الفتوى، إلى تلك الإشكاليات التي تحملُها هذه الآلية حين تُستخدم بطريقتها التقليدية المُعتمدة، منذ مئات السنين، وبشكلٍ يختلطُ فيه تحقيقُ المصلحة المذكورة أعلاه بترسيخ ما نراه (مفاسد) تؤثر سلباً، ليس فقط في حياتنا الثقافية وطرق تفكيرنا وحياتنا، بل وفي فهم المسلمين لإسلامهم.

تتجلى في هذه الفتوى صدقية التحليل الذي طرحناه وقت إنشاء المجلس، وذكرنا فيه أن "المسألة الحساسة التي يجب الانتباه إليها هنا تتمثل في ذلك الارتباط الدقيق الذي أصبح سائداً بين الفتوى الشرعية وبين القرارات السياسية والاقتصادية والإدارية. فرغم أن المُعلن أو المُتعارف عليه أن المجلس سيختصﱡ بإصدار فتاوى شرعية، غير أن القاصي والداني يدركان أن تلك الفتاوى الشرعية تتعلق في حقيقتها، وبشكلٍ كبير، بالمسائل الكبرى السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي تشغل الواقع السوري المعاصر.

والمشكلة هنا أن إصدار تلك الفتاوى، وهي تمثل في حقيقتها مواقفَ سياسية وأحكاماً اقتصادية وتوجهات ثقافية، يتطلب وجود دراسات وتحليلات في غاية العمق والتنوع والشمول من جهة الاختصاص".

يبدو هذا واضحاً حين نجدُ كيف اضطرت الفتوى، في غياب الاختصاصات المذكورة أعلاه، وغياب أدواتها ومفاهيمها، إلى ترسيخ مشكلةٍ أخرى في طريقة (استنباط) الرأي الإسلامي، للوصول إلى هدفها بما نرى أنه نوعٌ من (اللف والدوران).

إذ لا يبدو ممكناً للفتوى المذكورة، كما هو شائعٌ في الفكر السائد، أن تستمد قوتها الحقيقية من قدرة أهل العلم المعاصرين على استقراء (النص) الإسلامي، وإنما تستمد الجزءَ الأكبر من القوة و(المصداقية) من (أقوال) السابقين و(استنباطاتهم) و(قراءتهم) الخاصة التاريخية للنص.

وإذ نجدُ في فتوى مهمة كهذه الفتوى، بأسرها، آية قرآنية واحدة، ونجدُ معها بضعة أحاديث، نرى بالمقابل فقرات مطولة من مقولات وآراء ابن القيم وابن تيمية وابن حزم والسرخسي، هي التي تحسمُ الأمر في نهاية المطاف حسبَ منطوق الفتوى.

هل توقفت قدرةُ الإنسان الحقيقية على التلقي من (النص)، بشكلٍ يستخرج مكنوناته المعاصرة ويُعالج مقتضيات الواقع المعين للإنسان، عند مسلمين عاشوا منذ مئات السنين؟ هل هذا حقاً قَدَرُ الإنسانية النهائي مع النص الإسلامي الذي يكرر المسلمون الحديث عن صلاحيته لكل زمان ومكان؟

تبدو الأسئلة صعبةً ومُحرجة، لأن الفتوى تحمل في طياتها إشكاليات أخرى.

فمن ناحية، تُحاول الفتوى الخروج من مأزق (الحَرفية) الذي يستخدمه مَن أفتوا بحرمة التعامل مع الحكومة التركية على أساس أنه "من التولي لأعداء الله الذي يصل حد الكفر"، فكيف تفعل ذلك؟ بشكلٍ مأساويٍ جامعٍ لمعاني هذا الوصف.

فهي حين تحاول الدفاع عن الحكومة التركية في العبارة التالية: "من الجهل والظلم الحكم على هذه الحكومة بالكفر والردة"، تلجأ فوراً إلى تشبيهها بالنجاشي، مع استفاضةٍ ملحوظةٍ في الحديث عنه.

لكن الطامة الكبرى تظهرُ تدريجياً في الفقرات التالية. فَتَحتَ ضغط (الحَرفية) المذكورة أعلاه، وفيما نرى أنه محاولةٌ (داخلية) للانسجام مع ثقافة (الحَرفية) نفسها، ومع طريقة التفكير المُستحكِمة، تنتقل الفتوى لمعالجة: "فرض توقع مفسدة من التدخل التركي"، فيكون ذلك بأن تقول إنه "لن يصل إلى درجة المفسدة التي ترتبت على أقوال وأفعال داعش"..

أكثرَ من هذا، نرى تصاعد الخوف من مخالفة (الحَرفية) في الفهم حين تصل الفتوى إلى أن تقول: "ثم على فرض القول بالمنع والتحريم لهذا التعاون، فإنه يكون جائزاً ومباحاً، بل قد يصل إلى الوجوب، لأن الشعب السوري في أعلى درجات الضرورة".. ولا تتردد في تبرير هذا بمقولة: "التفريق بين الاستعانة والتولي لأعداء الله، فإن مسألة الاستعانة دائرة بين الجائز والمحظور غير المُكفِر".. مستدلةً على ذلك بقول السرخسي: "ولا بأس بأن يستعين أهل العدل بقومٍ من أهل البغي وأهل الذمة على الخوارج"..

هكذا، تتجنب الفتوى قراءة (الواقعة) المعاصرة الحساسة بمنهجيةٍ تستلهم مقاصد النص الإسلامي الأصيل، يقوم بها علماء عاملون، وبرؤيةٍ شموليةٍ تُساهم في رسمها، إلى جانب العلم الشرعي، تخصصاتٌ مختلفة في العلوم الاجتماعية. وبالتالي، تجدُ نفسها مُحاصرةً بالقراءة الحَرفية، التي لا يمكن إطلاقاً للفقه التقليدي تجاهلُها، بل كثيراً ما يأخذُها بعين القبول والاعتبار، فلا يكونُ الحلﱡ، عندها، إلا بالعودة إلى بضاعة التاريخ وأهله.

صحيحٌ أن الفتوى تصل إلى مطلوبها، في نهاية المطاف، عبر ذلك الطريق (الملتوي والمتعرج). لكنها لا تنتبه، بالتأكيد، إلى نَقلِها التدريجي للطرف التركي من حالٍ إلى حال، وصولاً إلى أن يُقاسَ، دون قصد، "بقومٍ من أهل البغي وأهل الذمة" تجوزُ الاستعانة بهم على الخوارج "داعش".

======================

يا أعداء الثورات: انتظروا القادم! .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 8/8/2015

لم يجانب الرئيس التونسي السابق الدكتور منصف المرزوقي الصواب عندما قال مؤخراً إن أحلام الربيع العربي قد ذهبت أدراج الرياح. لا شك في أن الثورات المضادة التي قادتها الدول العميقة بالتحالف مع أسيادها في الخارج نجحت إلى حد كبير في شيطنة الثورات وتحويلها إلى وبال على الشعوب، وخاصة في بلدان مثل سوريا واليمن وليبيا، حيث تحول الوضع إلى جحيم لا يطاق. ففي سوريا استطاع النظام بالتواطؤ مع الروس والإيرانيين وحلفائه الإقليميين والعرب وربما الأمريكان والإسرائيليين أيضاً، استطاع حرف الثورة عن مسارها وتحويلها إلى كارثة داخلية وإقليمية وحتى دولية. لقد نجح النظام بمباركة أمريكية وروسية وإيرانية في تحويل سوريا إلى جهنم حمراء، وجعل السوريين يتحسرون على أيام الطغيان الخوالي. وقد شاهدنا بشار الأسد في أكثر من خطاب وهو يتفاخر بالحديث عن الانتقام من الثورة وإجهاضها.

بدوره لم يتحمل طاغية اليمن علي عبد الله صالح طعم الخروج المذل من السلطة تحت ضغط الشارع اليمني الذي خرج بالملايين على مدى شهور مطالباً بإسقاط النظام. فما كان من المخلوع إلا أن تحالف مع الميليشيات الحوثية المدعومة إيرانياً للانقلاب على العهد الجديد، بل راح يستخدم كل قدراته العسكرية والمالية لحرق اليمن. فكما أن جماعة بشار الأسد رفعت شعار: «الأسد أو نحرق البلد»، رفع مرتزقة علي عبد الله صالح شعار: «أحرقوا كل شيء جميلا في اليمن انتقاماً من الثوار.» وكانت النتيجة أن اليمنيين بدورهم راحوا يتحسرون على الأيام السوداء التي عاشوها تحت نير الطاغية، لأن الأيام الحالية أصبحت أكثر سواداً وبؤساً.

وحدث ولا حرج عن ليبيا، فما أن نجح الشعب في القضاء على نظام القذافي وبدأ ببناء دولة جديدة على أنقاض النظام الساقط، حتى راح أعداء الداخل والخارج يتآمرون على ثورته، فعملوا على إغراق البلاد والعباد بالتناحر والاقتتال الداخلي انتقاماً من الثوار.

وحتى في تونس لا يختلف الوضع إلا في حجم الخسائر. صحيح أن تونس لم تعان ما تعانية سوريا وليبيا واليمن. إلا أنها في الواقع عادت إلى المربع الأول بشهادة رئيسها السابق. فقد عادت فلول العهد البائد من النافذة بعد أن طردهم الشعب التونسي من الباب. بل إن أبواق زين العابدبن بن علي عادوا ليعيثوا فساداً وطغياناً وإرهاباً على شاشات التلفزة التونسية، وكأنهم بذلك ينتقمون من الثورة كما يفعل نظرائهم في اليمن وسوريا وليبيا. لا عجب أن نظام القايد السبسي كان أول من أعاد علاقاته الدبلوماسية مع طاغية الشام متجاهلاً كل ما يفعله النظام السوري بحق سوريا والسوريين.

وفي مصر بات المصريون يتحسرون على أيام مبارك الجميلة بعد أن انتقلوا من عهد الديكتاتورية إلى عهد الفاشية كما يجادل بعض المعارضين المصريين، فما أحلى أيام مبارك يصيح معارض مصري، حيث كان المصريون يتمتعون بقدر كبير من الحرية، بينما باتوا الآن غير قادرين على الهمس في ما بينهم خوفاً من سياط قوانين الإرهاب وغيرها. لقد انتقم العهد الجديد من الثورة المصرية بطريقة لا تخطئها عين كما يرى معارضو النظام.

لا شك أن أعداء الثورات في سوريا ومصر وتونس وليبيا واليمن، وخاصة في الداخل، يفركون أيديهم فرحاً وهم يسمعون هذا الكلام، على اعتبار أنهم انتقموا انتقاماً شديداً من الثوار، وأعادوا عقارب الساعة ليس إلى الورراء فقط، بل إلى وراء الوراء. نعم نجحوا مرحلياً. لكن هل لديهم مشروع غير مشروع الانتقام الرخيص الذي لا يسمن أو يغني من جوع؟ بالطبع لا. هل أصبح الوضع في سوريا أفضل لبشار الأسد وزبانيته مثلاً؟ هل يعتقد أنه يستطيع أن يعود ليحكم سوريا التي كانت؟ هل بقى هناك بلد أصلاً؟ صحيح أن مثل هذه الأنظمة لا تعير أي اهتمام لا للأوطان ولا للشعوب، لكن ألم تطلق النار على قدميها في الوقت الذي كانت تطلق فيه النار على شعوبها؟ ألم يزرع بشار الأسد وعلي عبد الله صالح وفلول القذافي بذور عشرات الثورات القادمة؟ هل يستطيعون إصلاح ما اقترفت أيايدهم من قتل وتدمير وتخريب وتهجير؟ بالطبع لا.

وحتى في مصر وتونس اللتين لم تتعرضا للخراب والدمار: ما هو مشروع الحكام الجدد؟ هل لديهم استراتيجيات حقيقية بديلة تجعل الناس تنصرف عن الثورات والاحتجاجات؟ هل لديكم ما هو أفضل فعلاً ، أم إن الوضع هناك على كف عفريت سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وهو قابل لللانفجار عاجلاً أو آجلاً؟ هل قوانين الإرهاب هي الحل لتركيع الشعوب؟هل يكفي أن تنجح في الانتقام من خصومك السياسيين كي ترفع إشارة النصر في بلاد تعاني معاناة شديدة في كل المجالات، وخاصة بعد الثورات؟

البعض يعتقد أن أهوال الثورات وتبعاتها ستعيد الشعوب إلى زريبة الطاعة، وأن الشعب الجزائري بلع جراحه في تسعينات القرن الماضي، وعاد إلى سلطة الجنرالات بعد أن حولوا ثورته إلى وبال عليه. وهناك من يرى أن بقية الشعوب ستحذو حذوه، وستلعن الساعة التي ثارت فيها، وأنها ستقبل بالقليل القليل على أن تعاني ما عانته جراء الثورات. نقول لأصحاب هذا الرأي الساذج: إذا كنتم تعتقدون أن الجزائر هدأت، ولن تكرر تجربة التسعينات، فأنتم تفهمون التاريخ كما أفهم أنا الانشطار النووي الحنكلوطي. من المستحيل أن تضمد جرحاً وهو مليء بالصديد والدماء النازفة. لا بد أن تنظف الجرح أولاً، وإلا انفجر الجرح ثانية بأسرع مما تتصورون.

أيها المنتقمون من ثورات الشعوب. لا تفرحوا كثيراً. الانتقام ليس حلاً أبداً، بل هو مقدمة لخراب العمران وثورات قادمة تبدو التي انقلبتم عليها بالمقارنة معها مجرد لعب عيال. وإذا كان لكم في الماضي مائة ثأر مع الشعوب، أصبح لديكم الآن مليون ثأر. القادم أعظم وأخطر بكثير مما تتصورون!

 

٭ كاتب واعلامي سوري

======================

العلاقات الأمريكية  الإيرانية: مَنْ يبيع الفانتازيا؟ .. صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 8/8/2015

المفارقة الأولى، الدراماتيكية حقاً، كانت أنّ التلفزة الإيرانية الرسمية نقلت، على الهواء مباشرة، خطبة رئيس «الشيطان الأكبر»، باراك أوباما، من سدّة الجامعة الأمريكية في واشنطن، قبل يومين. صحيح أنّ الأمر قد ينقلب إلى عادة (تطبيعية، ربما)، بعد أن سبق للتلفزة ذاتها أن نقلت إعلان أوباما عن التوصل إلى اتفاق فيينا، ومرافعة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري أمام الكونغرس؛ إلا أنّ نقل هذه الخطبة بالذات، بما كانت تنبيء به من مناورات «الشيطان» إياه لخطب ودّ إسرائيل، أسوة بمعارضي الاتفاق في الكونغرس، كانت بالفعل قفزة كبرى… لا عزاء، فيها، لكبار ممثّلي محاور «الممانعة».

وبمعزل عن أقدار الاتفاق النووي، وما إذا كان معارضوه في الكونغرس سوف يتمكنون من بلوغ تصويت الرفض المأمول؛ فإنّ هذا «الولع» الإيراني بخُطَب إدارة أوباما ينمّ، من حيث المؤشرات الأولى على الأقلّ، عن مسعى إيراني لاستئناف علاقات أفضل مع الولايات المتحدة، وربما تطويرها على قاعدة توافقات  بل شراكات، لم لا!  في ملفات أخرى كثيرة، تتجاوز النووي إلى مسائل جيو  سياسية إقليمية أو دولية شائكة. وكان أوباما، للإنصاف هنا، قد اجترح مبادرة عُدّت دراماتيكية بدورها، في ربيع العام 2009؛ حين هنأ الشعب الإيراني بالسنة الجديدة الفارسية، على نحو كان في الواقع يستحثّ الدراما: اختيار الصيغة المتلفزة، والترجمة المتزامنة إلى اللغة الفارسية أسفل الصورة، والبثّ عبر إذاعة صوت أمريكا… وتلك كانت انعطافة فارقة عن خطّ الإدارة السابقة، بعيداً عن خطاب المحافظين الجدد بصدد إيران إجمالاً، ونظرية «محور الشرّ» التي اعتمدها الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن بصفة خاصة. أمّا من حيث الجوهر، أي سلسلة الخيارات الستراتيجية التي ورثها أوباما من سلفه وتمسك بها، وظلّ بعضها في حكم «الثوابت» الراسخة، فإنّ المبادرة راوحت في المكان، قبل أن تُجهز عليها الأحداث العاصفة اللاحقة. ومع ذلك كله، كانت مبادرة أوباما تَعِدُ بفتح صفحة جديدة مع «حضارة عظيمة»، لشعب «كان فنّه، وموسيقاه، وأدبه، وابتكاره قد جعلت العالم مكاناً أفضل وأجمل»، كما جاء في رسالة التهنئة.

في السجلّ ذاته، أيضاً، تُستعاد مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية في ولاية بيل كلينتون الثانية، وأوّل امرأة تتولى هذه الحقيبة في تاريخ أمريكا؛ التي دعت إلى رسم «خريطة طريق» للعلاقات الأمريكية  الإيرانية، واعدة بالخير إذا أحسن الإيرانيون قراءة ما حمّلته عليها الإدارة من تفاصيل طبوغرافية (بحار وأنهار، وديان وتلال، دروب مستقيمة وأخرى متعرّجة… كما للمرء أن يتخيّل). وفي كلمة ألقتها أثناء اجتماع نظّمته الجمعية الآسيوية، وليس في مؤتمر صحافي أو اجتماع سياسي رسمي، قالت أولبرايت: «واضح أنّ عقدَين من انعدام الثقة لا يمكن محوهما في ليلة وضحاها. الهوّة بيننا ما تزال واسعة. ولكن الوقت قد حان لاختبار إمكانيات جسر الهوّة». العقدان صارا ثلاثة ونيف، وبدل أن تنجسر الهوّة فإنها ازدادت اتساعاً، والخريطة التي يمكن أن تُرسم اليوم تحتوي على عناصر جديدة متفجرة (برنامج إيران النووي، سوريا، العراق، اليمن…) لم تكن نافرة على سطح خريطة 1998. لم يكن العراق مستنقع كوابيس للقوّات الأمريكية المحتلة، ومنبع استيلاد أوراق قوّة تكتيكية وستراتيجية لإيران؛ ولم يكن مصير النظام السوري معادلة إيرانية داخلية، سياسية وأمنية ومذهبية واقتصادية؛ ولم تكن الحركة الحوثية أكثر من باحة مناورات مذهبية لبعض غلاة آيات الله في قم. كذلك لم يكن محمود أحمدي نجاد (صاحب التصميم على «محو» إسرائيل من الخريطة، واليقين بأنّ الإمام المهدي يدير العالم) هو رئيس إيران. و، بالطبع وقبلئذ، كان في سدّة الرئاسة معتدل استثنائي اسمه محمد خاتمي.

وفي تلك الحقبة أجرى خاتمي حواراً مع شبكة ال CNN بدا دراماتيكياً  هنا أيضاً، وربما أكثر من رسالة التهنئة المتلفزة التي وجهها أوباما، وأكثر من ولع التلفزة الإيرانية بنقل خطابات سيد البيت الأبيض  إذْ كان الأوّل من نوعه، وفي محتواه ومستواه، منذ انتصار الثورة الإسلامية سنة 1979. يومذاك، احتوى حديث خاتمي على رسائل سياسية  عقائدية معنونة إلى الداخل (وكان هذا النوع من المخاطبة، بصدد «الشيطان الأكبر» دائماً، يتوخى ما يشبه العلاج بالصدمة)؛ ثمّ إلى العالم بأسره، وإلى الولايات المتحدة خاصة. وكان خاتمي أشدّ ذكاء وحصافة من أن يصرف نصف ساعة في مديح «الأمّة الأمريكية العظيمة»، ودقائق معدودات فقط في ملامة القيادات الأمريكية، ويعتبر هذه الحصيلة رسالة «اعتدال» هادفة إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين. لقد كان، في واقع الأمر، يمارس مزيجاً من التسليم والنقد الذاتي، حين اعتبر أنّ السطور الأولى في تلك الصفحة المقبلة لن تكتبها مبادرة دبلوماسية من أي نوع، بل قد يدشنها «أساتذة الجامعات والكتّاب والعلماء والفنانون والصحافيون والسيّاح»، كما اقترح، ربما على غرار المعجزة التي اجترحتها كرة ال«بنغ بونغ» في العلاقات الصينية  الأمريكية ذات يوم.

وفي جزء مدهش من تلك المقابلة قال خاتمي، على غرار ما سيقول أوباما بعد 11 سنة: «الحضارة الأمريكية جديرة بالاحترام. وحين نثمّن جذور هذه الحضارة، فإنّ مغزاها يصبح واضحاً أكثر. وكما تعلمين [مخاطباً الصحافية كريستيان أمانبور، ذات الأصول الإيرانية]، هنالك في بليموث، ماساشوستس، صخرة يحترمها كلّ الأمريكيين ويبجلونها. إن سرّ الحضارة الأمريكية يكمن في هذه الصخرة. ففي مطلع القرن السابع عشر رسى على هذه الصخرة 125 من الرجال والنساء والأطفال الذين غادروا إنكلترا بحثاً عن أرض بكر يقيمون عليها حضارة متفوقة. والسبب في احترام الأمريكيين لهذه الصخرة هو أنها كانت أوّل يابسة رسى عليها الحجّاج الطهوريون». ولم يكن خاتمي يتحدث عن شيء آخر سوى «الحلم الأمريكي» إياه، ذلك المفهوم الصوفي السحري الذي يسير على ألسنة الساسة الأمريكيين في كلّ موسم انتخابي، أو كلما تعيّن على واحدهم أن يدغدغ أنفة الأمريكي أو غطرسته الموروثة. وعلى نقيض ما رأى خاتمي، فإنّ التاريخ الأمريكي يقول أشياء أخرى عن تلك الصخرة وأولئك الحجاج، ويسجّل للحلم قيامه على الطهورية في البدء فقط، ثمّ نهوضه بعدئذ على شهوات لاطهورية، دنيوية صرفة: الفتح، التوسع، الهيمنة، الأسواق، الاستثمار، التراكم، وما إلى هذه من أخلاقيات رأسمالية… هذا، مع ذلك، موضوع آخر.

البعض، إذْ يراجع المشهد المعقد الذي يكتنف الحوار الإيراني  الأمريكي في طوره الراهن، يرى أنّ هنالك الكثير من الصخور التي سوف تتكفّل بتحويل مبادرة أوباما  ومعها ولع التلفزة الإيرانية بنقل خطاباته إلى الأمّة؛ وضحكة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، العريضة دائماً؛ واستبشار الرئيس الإيراني، ضدّ استشراس أمثال علي أكبر ولايتي ومتشددي «الحرس الثوري» ورجالات خامنئي…  إلى خيار معطَّل، إذا لم يكن قد وُلد موؤداً أصلاً. إلى هذا وذاك، ثمة في واشنطن نساء ورجال صنعوا ذات يوم، ويحلمون الآن أيضاً، باستئناف مبدأ «الاحتواء المزدوج» القديم، الذي كان يخصّ إيران والعراق، وصار اليوم يشمل نصف بلدان الشرق الأوسط، من لبنان وسوريا والعراق واليمن والسعودية ومصر وليبيا، إلى تركيا وإسرائيل وإيران ذاتها.

«إنهم يبيعون الفانتازيا»، قال أوباما، في اتهام رافضي الاتفاق النووي. فماذا، في ملفّ تطوير العلاقات الأمريكية  الإيرانية، ينوي أن يبيع هو، وشريكه حسن روحاني؟

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

======================

الأسد.. تعريف المواطنة وإعادة التوزيع الديموغرافي .. ميسرة بكور

القدس العربي

السبت 8/8/2015

يفتح بشار الأسد مزادا يقول فيه سوريا ليست لمن يحمل جنسيتها بل لمن يدافع عنها. وهو تعريف جديد للمواطنة ويستحق بشار الأسد عليه براءة التأليف وحقوق الملكية الفكرية.

واليوم يتم تنفيذ الجزء الذي عمل نظام الأسد عليه سراً وحذر منه ناشطون سوريين وهو التهجير القسري لشريحة سكانية معينة بهدف إعادة التوزيع الديمغرافي لسوريا التي يريدها نظام الأسد على مقاسه. أعلنها بشارالأسد صراحة كون الموضوع لم يعد سراً أوخافياً على أحد. والأمثلة في هذا المقام كثيرة لعل ابرزها ما حدث في «القصير» في ريف حمص الجنوبي وسط البلاد وكذلك في يبرود في ريف دمشق الشمالي.

دعونا نلقي نظرة على المشهد السوري قبل خطاب بشارالأسد الذي ألقاه من قصره. قبل يوم واحد من هذا الخطاب خرجت مظاهرة في احياء دمشق الجنوبية، وتحديدا منطقة السيدة زينب ذات الأغلبية الموالية للنظام السوري، لم يكن الهدف منها دعم الثورة السوريا ولم تهتف بهتافات الثورة بل منددة بنظام الأسد وجيشة وسوء الخدمات في أحد ابرز معاقل النظام في دمشق ومطالبة بفعل شيء ملموس عدا الكلام لوقف تقدم المعارضة في منطقتي كفريا والفوعة المواليتين للنظام في ريف أدلب.

وسبق الخطاب كذلك أن قامت المعارضة المسلحة بقصف مدينة القرداحة مسقط رأس الأسد وتحرير ما تبقى من محافظة أدلب. كما أصدر مرسوما رئاسيا يعفو عن الجنود الفارين من جيشه والمتخلفين عن الالتحاق بالخدمة الاجبارية. هذا كان على الصعيد الداخلي.

أما على صعيد المنطقة فكان إعلان الحكومة التركية الدخول في التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا ضد تنظيم الدولة وقيام الطائرات التركية في تنفيذ قصف جوي على الأراضي السوريا ضد مواقع لتنظيم الدولة والميليشيات الكردية حليفة نظام الأسد. وتمت الإشارة إلى أن هناك أتفاقا مبدئيا على اقامة مناطق أمنه شمال سوريا. من جانبها قامت اسرائيل بخرق اتفاقية فض القوات مع سوريا واقتحمت مجنزراتها الشريط الفاصل وأقامت الدشم العسكرية .

من هنا نستطيع القول إن الأسد خرج في خطابه هذا وهو في مأزقين: التدهور العسكري الذي تشهده قواته في معظم الجبهات وتذمر الفئات الشعبية الداعمة له جراء هذا التدهور وسوء الخدمات في مناطقهم من جهة، ومن الجهة الأخرى التصعيد التركي في الشمال والخرق الصهيوني في الجنوب.

لا نستطيع أيضاً اغفال حقيقة أن الأسد خرج في هذا الخطاب قبل يوم من تقديم مبعوث الأمين العام الخاص، ستيفان دي ميستورا، تقريره أمام مجلس الأمن الدولي الذي استعرض فيه آخر ما تم من مساعيه لإنهاء الوضع القائم في سوريا. وكانت رسالته من خلال هذا الخطاب واضحة إلى مجلس الأمن وممثل الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون. فقال بشار الأسد، وهو العاشق لتحديد المفاهيم والمصطلحات: «نحن لا نتحدث عن حل سياسي بل مسار سياسي». وأضاف أن «إي حديث عن حل بدون محاربة الإرهاب كلام فارغ أجوف». وبهذا أيها السادة وباختصار مكثف نستطيع تلخيص خطاب الاسد بجملتين فقط: «الأسد أو نحرق البلد « و»أنا أو الإرهاب»، وعلى المجتمع الدولي الخيار ما بيني وبين الإرهاب والفوضى .

أما في تفاصيل الخطاب فنستطيع القول انه خطاب تبرير الفشل ورسالة إلى مؤيديه مفادها أن الوضع سيئ والجيش لم يعد يستطيع القتال في كل المناطق، معترفاً لأول مرة – ولو بشكل مبطن – بأن جيشة يعاني من نقص في العدة والعتاد، كما هي عادة النظام لديه تبرير لكل شيء.

ولأن هذا المصطلح أصبح مستهجناً لدى جمهور النظام أستبدله هذه المرة بتفصيل جديد: «نريد حماية المناطق الأستراتيجية» وأن هزيمة جيشه في معظم الجبهات وفراره «ليست هزيمة بل أنسحاب تكتيكي يخدم استراتيجية عسكرية أكبر» يفهمها فقط خبراؤه العسكريون من حماية مناطق حيوية وترتيب الصفوف من أجل استعادة ما تم التخلي عنه .

كما جرت عليه العادة لايزال الأسد منكراً حقيقة كل ما يحدث حولة ولا يريد الاعتراف بالهزيمة والفشل مع ان كل الوقائع تقول ان جنوده فروا حفاة عراة من مواقعهم في غالب الجبهات ولم يكن الامر انسحابا ولا إعادة تموضع.

يظل الأخطر في خطاب الأسد أنه مهد الطريق أمام توطين ألاف المرتزقة في سوريا من مختلف جنسيات الأرض تحت عنوان أن سوريا «لمن يدافع عنها» وكل ما عدا هذا يظل تفاصيل هامشية لاقيمة لها… من شكره لأيران التي تدعم نظامة إلى اعترافة الصريح ولأول مرة بمشاركة ميليشيا حزب الله إلى جانب قواته في الحرب ضد السوريين وهو الأمر الذي طالما حاول إنكاره.

خلاصة القول أن ما أراده بشارالأسد من خطابه كان توجيه رسالتين: أولاها للمجتمع الدولي تقول «اما أنا أو الإرهاب ولا تجهدوا أنفسكم في البحث عن بديل لنظامي فالبديل هو «داعش» .

الرسالة الثانية لمحازبي وموالي تظام الأسد وهي أن الوضع سيئ ولم نعد قادرين على القتال في كل الجبهات وعليكم ان تتحملوا وتصمتوا وتتهيأوا للتقسيم.

ولا ذكر أو اشارة للحديث عن التصعيدين الأخيرين في الشمال والجنوب من قبل كل من تركيا , واسرائيل لأنه ببساطة يعتبر أن معركته الحقيقية مع الشعب السوري فقط لا غير .

======================

هل نحن في ثورة؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 8/8/2015

لا أعتقد أن سورياً كان سيشك بوقوع ثورة في بلاده خلال أشهر الحراك الأولى، حين ساد اقتناع عام بأن ما يقوم به المتظاهرون هو الثورة التي طال انتظارها، وتراكمت مبررات انفجارها، طوال نصف قرن، حفل بمظالم استغرب الخلق بعد انتفاضتهم ما أبدوه من صبر حيالها، وجعلهم يتعايشون معها برضوخ ذليل.

لو أعدت طرح هذا السؤال اليوم، لنظر معظم السوريين إليك باستغراب، ولترددوا في الإجابة عليك، لاعتقادهم أنك تحدثهم عن بلاد غير سورية، أو تهيّج أحزانهم عبر تذكيرهم بثورة قاموا حقا بها، لكنهم ما عادوا يرونها، بعد أن احتلتها من الداخل وأفرغتها من مضمونها الإنساني والوطني تنظيمات مسلحة اختطفتها، لم تترك فيها جانباً لم تقلبه إلى نقيض ما راهن عليه مفجروها وشهداؤها، وهم يرابطون في الشوارع، صارخين من أعماق قلوبهم: "حرية للشعب السوري الواحد، و... سلمية سلمية".

أخذت الثورة، عند بدايتها، صورة تمرد عام، نهض به مواطن عاش على خارج النظام وعالمه السياسي، عبرت مطالبه عن ما أخذه الظلم الأسدي منه: حريته وكرامته ومتمماتهما من عدالة ومساواة. ولأن هذا المواطن كان يعي أن رد السلطة سيكون العنف والعسكر وأجهزته القمعية، فقد اعتمد السلمية في حراكه، لإيمانه بأنها أفضل حاضنة للحرية: مبدأ ثورته الرئيس.

فيما بعد، مع ظهور السلاح والتنظيمات المتطرفة التي لعب النظام دوراً رئيساً في تشكلها، وتبنت موقفا مطابقا لموقفه تجاه مبدئي الحرية والعدالة، وأنكرت مثله حق السوريين في المساواة والكرامة، لم يعد هناك من عائق أمام انتقال العنف الأسدي، المعزز بعنفها، إلى همجية شاملة، أوقعت المواطن العادي بين حجري رحى، قتله الأصولي منهما باسم حرب ضد النظام، لكنها استهدفته هو بالدرجة الأولى والأخيرة، واتسمت بعداء قاتل له، أدرجه في عداد المرشحين للقتل اليومي، فلا عجب إذا خضع مواطن سورية بظهورها لنظام قتل برأسين: أحدهما علماني/ دهري، والآخر طائفي/ مذهبي، طوّقاه حتى لم يعد يرى في ما يجري غير موته، وانتهاك كرامته، وقتل حقه في المساواة والعدالة، بعد أن تعهده العنف الأصولي من الباطن، من داخل "ثورته المضادة له"، بينما غلف عنف النظام كل مناحي وجوده، المهدد بعنف لم يسبق له أن تعرض لما يماثله على امتداد تاريخه.

"ماذا أبقت الثورة المضادة من الثورة، إذا كان الشعب يقصف اليوم بيد "النصرة" في الفوعا، لأنه ينتمي إلى مذهب مغاير لمذهب قاصفيه، ويقتل ويهجر في الجزيرة السورية بيد "قوات حماية الشعب"، لمجرد أنه ينتمي إلى قوم عربي"

ماذا يبقى من الثورة، إذا استباح الاستبدادان، العلماني والمذهبي، حياة حملتها الأصليين، أنصار الحرية والعدالة والمساواة والكرامة، واشتغلا بتنسيق وتكامل، كل من موقعه وفي مجاله، وتعاونا لرده إلى زمن عاش الإنسان فيه على لحم أخيه، حذر القرآن الكريم من انبعاثه، عندما تساءل باستنكار: أيأكل أحدكم لحم أخيه ميتاً؟ أكل "ثوار" الإرهاب الأصولي، و"علمانيو" الأسدية، لحم السوريين أمواتاً وأحياء. وأمعنوا في جز أعناقهم، حتى صاروا يتمنون لو أن الله لم يخلقهم، ويرجون أن يأتيهم الموت محمولاً على قنبلة أو صاروخ، كي لا يقعوا بين أيدي وحوش الثورة المضادة، بشقيها المتعاونين/ المتكاملين.

تصنع الثورات من أجل الإنسان، وتقاس نجاحاتها بترقية حياته وحفظ حقوقه واحترام مصالحه. عندما يجرد الإنسان من حقه في الحياة، وتبتلع الجريمة طموحاته، وتشوه هويته وتطمس رهاناته، وتحول ثورته إلى فوضى عدوها هو، وليس النظام الذي قهره وجرّده من حقوقه وإنسانيته، ماذا يبقى غير الثورة المضادة التي تعمل للقضاء على ما هو باق من الثورة بالقضاء على حاملها: الإنسان الثائر من أجل حريته، الذي يقدم حياته كي ينالها، ويشعر اليوم بالندم، لافتقاره إلى ما يكفي من حصانة ضد سذاجته، السياسية والشخصية، ولغلبة عفويته على وعيه الذي أوقعه ضموره بين يدي أعداء الدنيا والدين.

ماذا أبقت الثورة المضادة من الثورة، إذا كان الشعب يقصف اليوم بيد "النصرة" في الفوعا، لأنه ينتمي إلى مذهب مغاير لمذهب قاصفيه، ويقتل ويهجر في الجزيرة السورية بيد "قوات حماية الشعب"، لمجرد أنه ينتمي إلى قوم عربي، وكانت "قوات حمايته" تنكر حقه في الوجود، والعيش على أرضه التي صار اسمها روجافا، ولم تعد جزءاً من سورية، بل صارت من أعمال كردستان الغربية، عليه الرحيل عنها، وإلا أطلقت النار عليه، مثلما حدث في بلدة صرين، حيث قتلت حوامل وأطفالهن بالرصاص، وماتت نساء عطشاً وجوعاً وتعذيباً في "مدرسة صرين قبلي" التي تحولت إلى معسكر اعتقال نازي، من دون أن يتحرك أحد، في "الائتلاف" أو غيره، لإنقاذهن والدفاع عن حقهن في بيوتهم وقراهن وحياتهن، ووقف تهجير العرب من أرض آبائهم وأجدادهم؟ ما تبقى، أخيرا، الثورة المضادة من الثورة، إذ تماثلت وتطابقت أفعال "أصوليي الإرهاب الرجعيين"، و"ماركسيي القوات التقدميين" ضد الإنسان، وحوّلته إلى عدو مشترك لهما، لا حول له ولا طول.

======================

بصراحة.. الحرب الباردة بين محوري الشر أمريكا وروسيا وصلت إلى نهايتها .. محمد فاروق الإمام

لقد كان قدر هذا العالم أن تتحكم به دولتين عظميين بمفهوم القوة والجبروت، انسلختا عن كل القيم والأخلاق والإنسانية التي ضمنتها دساتير وقوانين هاتين الدولتين كذباً وخداعاً وغشاً وغدرا وتبادلاً للأدوار وحكلي لحكلك.

هاتين الدولتين المارقتين توقفت بينهما فجأة الحرب الباردة، التي كان من نتيجتها شلال هادر من الدماء المتفجرة من جسم الشعب السوري على مدار أربع سنوات، أتت على ما يزيد عن نصف مليون شهيد، وتهجير أكثر من سبعة ملايين إلى دول الجوار والعالم، ونزوح أكثر من عشرة ملايين من بيوتهم وقراهم ومدنهم في سورية، بحثاً عن تجنب الوقوع في شراك الموت التي ينصبها النظام السوري على الأرض أو يلقيها عليهم من السماء، مخلفة وراءها دمار هائل وموت ماحق لكل ما ينبض بالحياة من شجر وحجر وطير وحيوان وبشر.

ولم تكتف هاتين الدولتين بكل ما ارتكبتا من جرائم بحق الشعب السوري والدولة السورية، بل راحتا أبعد من ذلك، عندما تركتا خيوط اللعبة كلها بيد الشيطان الأكبر خامنئي، الذي دبر وخطط ونفذ كل ما جرى ويجري على الشعب السوري وعلى الدولة السورية تحت شعار (يا لثارات الحسين) و(لبيك يا حسين) و(لبيك يا زينب).

خامنئي بعد أن ارتوى حتى الثمالة من دماء السوريين، وأيقن أن السحر سينقلب على الساحر، وأن الدماء باتت تنزف من شرايين وأوردة عملائه في القرداحة خف سريعاً ليطلق مبادرة سياسية لوقف الاقتتال في سورية، بمباركة ورعاية وتشجيع من الدولتين المارقتين أمريكا وروسيا.

وعلى غير موعد خف وليد المعلم مسرعاً إلى طهرانللقاء المسؤولين الإيرانيين، بالتزامن مع زيارة لميخائيل بوغدانوف مساعد وزير الخارجية الروسي الذي التقى نظيره الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، ليدبروا بليل ما ينقذ عميلهم ابن العلقمي بشار وينقذ بقايا طائفته المتداعية والمتهالكة.

وكان عبد اللهيان قد أعلن إدخال طهران تعديلات على مبادرتها ذات النقاط الأربع لحل الأزمة السورية.

مصدر إيراني رفيع كشف النقاب عن تفاصيل المبادرة الإيرانية وتعديلاتها، حيث يتضمن البند الأول "الدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار"، ويدعو البند الثاني إلى "تشكيل حكومة وحدة وطنية".

أما البند الثالث فيتضمن "إعادة تعديل الدستور السوري بما يتوافق وطمأنة المجموعات الأثنية والطائفية في سوريا"، كما يدعو البند الرابع إلى "إجراء انتخابات بإشراف مراقبين دوليين".

المبادرة الإيرانية هذه وصفها الدكتور فيصل القاسم على صفحته الفيسبوك: "المبادرة الإيرانية لحل الأزمة السورية واضحة جداً. على الثوار ان يستسلموا بحيث يحكم الأسد سوريا لخمسين سنة قادمة وتستعمر إيران سوريا الى ما شاء الله".

قدر العالم لسوء حظه - كما قلنا –أن تتحكم به دولتين مارقتين، ولسوء حظ الشعب السوري بعد أن فجر ثورته أن تتحكم به وبمصيره دولة الشيطان الأكبر خامنئي بكل إرثها الحاقد على الإسلام والمسلمين.

أخيراً أقول لأهلنا المصابرين ولأبنائنا المجاهدين: لا رجعة ولا توقف حتى يحكم الله بيننا وبين عدونا فإما الشهادة أو النصر.

======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com