العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 15-11-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الإجرام الروسي .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 12/11/2015

جاء الطيران الروسي، وقوى برية أخرى، لكي يحارب داعش، كما كرَّر الإعلام الروسي، وإعلام النظام، لكن هذا لم يمنع صدور تصريحات عن رئيس الوزراء الروسي، ديمتري ميدفيديف، بأن التدخل يتعلق بالمصالح القومية الروسية، وأن يتسرّب عبر تصريحات متعددة أن التدخل جاء لمنع انهيار النظام في لحظةٍ، كان فيها على وشك السقوط. طبعاً، لم يظهر أن الهدف هو الحرب ضد داعش، حيث شملته غارات محدودة (طاولت المدنيين في مناطقه)، وظهرت المصالح الروسية في بناء قاعدة جوية وتوسيع القاعدة البحرية، والإتيان بقوات برية، وذلك كله لكي يتعزّز الدور الروسي في البحر المتوسط، والمنطقة العربية.

لكن، لم يفلح الطيران الروسي في تحويل "جيش" النظام وإيران وحزب الله وغيرها إلى قوة قادرة على استرداد الأرض التي خسرتها خلال هذه السنة، خصوصاً في الوسط (ريف حماة الغربي) والريف الجنوبي والشمالي لحلب وريف اللاذقية، فقد فشلت كل الهجمات، وجرى تدمير عشرات الدبابات، وقتل قادة عسكريون إيرانيون ومن حزب الله ومن النظام عديدون. بالتالي، لم تفلح الصواريخ المتطورة التي تطلقها الطائرات الروسية، أو حتى الصواريخ البالستية التي تطلق من بحر قزوين، أو من البحر المتوسط، في تغيير ميزان القوى العسكري. على العكس، تحقق تقدم للكتائب المسلحة.

ما يفلح به هذا الطيران بكل تقدمه التكنولوجي، وقوة صواريخه، هو الإبادة الجماعية. فروسيا بوتين تمارس ما مارسته في الشيشان، حيث قاد بوتين حملة شاملة من أجل سحق التمرد، ومارس كل أشكال الوحشية من أجل إخماده، إذ دمّر غروزني العاصمة لكي يحقق ذلك. وإذا كان النظام قد استفاد منه أصلاً، خصوصاً في "اكتشاف" البراميل المتفجرة، فإن الطيران الروسي يكمل الوحشية بصواريخ أكثر تطوراً، وهو يريد من ذلك تحقيق هزيمة الثورة، وفرض انتصار النظام. ولا يبدو أنه قادر على ذلك، لأن في سورية ثورة هزمت النظام، ولا يفيد كل التدخل الخارجي من أجل إنقاذه.

قصف بعض مواقع الجيش الحر. لكن، يبدو أن التركيز الأساسي للقصف يطاول المستشفيات، والمستشفيات الميدانية، والمدارس والأسواق والأحياء الشعبية. الجزء الأساسي من القصف يطاول هذه المناطق في دوما وريف دمشق وحلب وريف حمص وريف حماة وإدلب وريفها، وحتى حين يقصف مناطق داعش يقصف الأحياء والأسواق والمستشفيات، كما فعل في البوكمال. لهذا تزايدت المجازر بعد التدخل الروسي، وازداد عدد الشهداء، خصوصاً من الأطفال والنساء وكبار السن. ومن أجل ذلك، يجري استخدام الصواريخ الفراغية والقنابل العنقودية، ويكمل النظام باستخدام البراميل المتفجرة وأسلحة محظورة.

لا شك في أن هذه جرائم حرب، جرائم ضد الإنسانية. وربما كان هذا هو أسلوب بوتين الذي يعتقد بأن استخدام الوحشية سوف يفرض "انهيار العدو"، ومن ثم يعلن انتصاره هو. إنه يستخدم "الصدمة والرعب"، هذا المصطلح الأميركي الذي يمارسه الروس الآن في سورية. لكن، لا يبدو أن هذه السياسة قد أدت إلى نتيجة، حيث لم تؤدِ إلى تغيير ميزان القوى على الأرض. على العكس، لا زال ميزان القوى مختلاً لمصلحة الجيش الحر.

تريد روسيا الحفاظ على بشار الأسد عبر سياسة وحشية، هي استمرار لسياسة النظام، لكي يبقى مسيطراً من دون أن ينال ذلك. ولقد استجلب قوات حزب الله والحرس الثوري والمليشيا الطائفية العراقية، ومن أفغانستان وباكستان، من دون أن يغيّر ذلك في الواقع شيئاً، الأمر الذي فرض تدخل روسيا التي تريد "أن يختار الشعب السوري" من يحكمه، وهي تحاول سند نظام يتداعى، لأن الشعب قرَّر إسقاطه.

تحاول روسيا الآن، ولسوف تصل إلى النتيجة نفسها: الفشل، على الرغم من كل الجرائم التي ترتكبها، والتي هي جرائم ضد الإنسانية، وستحاسب من الشعب التي لم ترَ إلى الآن أنه يريد إسقاط النظام. عادةً، حين تكون الإمبريالية مأزومة تمارس أقصى العنف، وترتكب الجرائم، وتقترف الإبادة الجماعية، هذا بالضبط ما تفعله روسيا في سورية.

======================

موقفنا : نستنكر الجريمة في باريس وندين المجرمين وتبقى جريمة باريس مثلثة الأبعاد .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 13/11/20158

هزت الجريمة البشعة التي ضربت مدينة باريس الليلة ضمائر كل البشر العقلاء الأسوياء . ومرة بعد مرة سيجد بنو الإنسان أنفسهم متكافلين متضامنين في استنكار الجريمة وإدانة المجرمين والعمل الجاد للحد من شرورهم وآثامهم ..

لا شيء يسوغ قتل المدنيين الأبرياء ، ولا دين ولا عقل يجيز أن تتحول الميادين العامة ، وشوارع المدن ، ووسائل النقل إلى ساحات حرب يقتل فيها مدنيون أبرياء مسالمون ..

ولن نستبق التحقيقات في تفسير الأسباب والدوافع ، ولا في تحديد أي هوية للمجرمين . فما حدث هو جريمة بكل المعايير، والمنفذون هم مجرمون بلا شك ولا ريب .

وتبقى الجريمة التي حدثت الليلة في مدينة باريس متعددة الوجوه مثلثة الأبعاد ؛ بعدها الأول أنها جريمة ضد بشر مدنيين أبرياء غير محاربين ولا يد لهم في أي صراع .

والبعد الثاني أن المجتمع الفرنسي قد ضم بين جنبيه خلال قرن مضى نسبة غير قليلة من أبناء العرب والمسلمين ، وستكون الجريمة ، إذا ثبت أن لأصحاب أي هوية إسلامية مدعاة زورا علاقة بها ، سببا للتحريض على هؤلاء المواطنين ، وإثارة مشاعر الكراهية ضدهم . والبعد الثالث أن الجريمة إذ تقع في بلد فرنسة بالذات فهي تقع في الدولة الفرنسية الأشد حزما في إدانة جرائم بشار الأسد ضد الشعب السوري ، والأشد تمسكا بوجوب محاسبة بشار الأسد على جرائمه ضد هذا الشعب السوري الضحية الأكبر لإرهاب شعب الإرهابيين . وتبقى هذه الحقائق ، عشية ما يشار إليه بلقاء فيينا ، شاخصة ناطقة لا يستطيع أي متابع موضوعي أن يتجاوزها أو يتجاهلها ..

مرة أخرى نستنكر الجريمة بأشد عبارات الاستنكار ، وندين المجرمين بأقسى عبارات الإدانة . ونؤكد تعاطفنا مع الشعب الفرنسي العظيم الذي نقدر أنه سيكون قادرا على تجاوز المحنة والانتصار على المؤامرة ، وندعو بالشفاء العاجل للجرحى ، ونتشارك مع أسر الضحايا الأبرياء أحر مشاعر العزاء ...

لندن : 1 / صفر / 1437

13 / 11 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

==================

الطريق إلى الحرب الروسية في سورية .. سالم لبيض

العربي الجديد

الخميس 12/11/2015

يكاد يكون فهم ما يجري في سورية من حرب إقليمية ودولية من خارج اللغة الطائفية ومنطقها العفن أمراً عبثياً، فقد نجحت الولايات المتحدة الأميركية نجاحاً باهراً منذ احتلالها العراق سنة 2003 في جعل الطائفية مفتاحاً سحرياً، يستخدم في تفسير وتأويل النزاعات العسكرية والديناميكيات السياسية التي يعرفها الوطن العربي، بما في ذلك المناطق الخالية من الطوائف، حيث يقع إعداد أرضية فكرية وأيديولوجية تستند إلى ما هو مذهبي سني أو أباضي في انتظار ميلاد جماعة شيعية منظمة، وإذا استعصى الأمر على لعبة الطائفية فغالباً ما يُستبدل بالعامل الإثني- المذهبي، كما وقع في غرداية في الجزائر، أو بالمعطى القبلي، كما هو الشأن في ليبيا.

ويعتبر تغيير اتجاه الثورة اليمنية، وانتفاضة فقراء اليمن، إلى حرب طائفية أخرى بين فريق سني تقوده المملكة العربية السعودية، بمسمى التحالف العربي، وتقاتل باسمه، وآخر شيعي يسمونه الحوثيين ويكنّي نفسه حزب أنصار الله مدعوم من إيران الدولة التي تتبنى رسمياً المذهب الشيعي، على الرغم من تنوع مذاهب شعوبها، مثالاً صارخاً على تفشي هذه الآفة الثقافية والمذهبية والدينية القاتلة للمجتمعات، والمدمّرة لحضارتها ولاجتماعها وعمرانها، عندما تُساء إدارتها وتوظف في لعبة المصالح السياسية.

ولم يكن كثيرون من عامة الناس يعلمون ما دوّنته مراكز البحوث والدراسات العربية والأجنبية منذ عقود حول البنية المجتمعية العربية وتركيبتها الدينية والمذهبية والإثنية والقبلية الهشّة المتشظية والمتشعّبة، فقد مرّت مئات السنين على هذا التعايش العبقري بين مكونات الأمة والحضارة الواحدة التي تجتمع لغةً وديانةً وتاريخاً مشتركاً، حتى وهي موزعة سياسياً على أكثر من دولة وكيان. وهذه المكونات هي مصدر ثرائها وقوتها وعنفوانها، فإذا بها تتحول إلى عامل وهنها وضعفها ومولّداً للفرقة والدم وتصفية الأفراد والجماعات وتفكيك الدول والمؤسسات والجيوش والعمالة للأجنبي والدفاع عن الاستعمار علناً، بدون خشيةٍ أو أدنى حياء، بعد أن كان ذلك جرماً وإثماً، يعدّ من كبائر الذنوب، فلا يغتفر أبداً.

هذا هو المستنقع الجديد الذي أسنت مياهه وعفنت، لكن ذلك لم يمنع الثقافة السياسية العربية الرسمية المعاصرة من أن تشرب منه حتى الثمالة، فيسري في عروق الحكومات والدول العربية التي انقسمت وتحالفت على تلك القاعدة المذهبية الميتا- وطنية.

وقد بلغ هذا الأمر أوجه عندما تسرّب إلى أروقة جامعة الدول العربية التي ترأسها يوماً المرحوم عبد الرحمن عزام باشا (1873-1976) عند تأسيسها عقب الحرب العالمية الثانية على أنها بيت للعرب أجمعين ودولهم الخارجة حديثاً عن هيمنة الاستعمار الأوروبي، فإذا بها تتحول إلى بيت مرجع الإيواء إليه هو المذهبية والطائفية المنتصرة.

سنوات طويلة مرّت على العرب، شعوباً ودولاً وحكومات، من دون أن يحتكموا في علاقاتهم

"سنوات طويلة مرّت على العرب، شعوباً ودولاً وحكومات، من دون أن يحتكموا في علاقاتهم السياسية إلى الروابط المذهبية والطائفية" السياسية إلى الروابط المذهبية والطائفية، فقد كانت القومية العربية والوطنية القُطرية كمصدر للشرعية أكبر قوة وأشدّ تأثيراً. ولمّا انهارت الأنظمة الوطنية والقومية أو أطاحتها قوى عالمية متجبّرة ونافذة، فُتح الطريق على مصراعيه أمام الأنظمة ذات المرجعيات الدينية والطائفية وسلطة المفتين والأئمة والمشائخ التي لم تستطع أن تصمد كثيراً، قبل أن ينهار سلطانها بسرعة في تجارب عدّة ناشئة.

ومن هذه الزاوية فقط، يمكن أن نفهم الحرب الدائرة رحاها على الأراضي السورية ومختلف المراحل التي مرّت بها، وما انتهت إليه من دخول قوى دولية جديدة حلبة الصراع، بعد أن كان أمر المنطقة حكراً على الولايات المتحدة الأميركية والحلف الأطلسي وحلفائهم العرب التقليديين، مشكّلة حلفاً جديداً يقوده، هذه المرّة، الدب الروسي الذي انجذب سريعاً إلى رائحة الدم، معلناً قيادته المعارك العسكرية، تدعمه كل من الصين وإيران كقوى دولية لا تخفي مناهضتها أو منافستها الولايات المتحدة.

وللتذكير فقط، قضى النظام السوري سنوات طويلة حليفاً رئيسياً للدول العربية المحافظة بقيادة المملكة العربية السعودية ومصر، حتى أنه اشترك معها في الحرب على العراق (17 يناير/كانون ثاني إلى 28 فبراير/شباط 1991) ضمن حلف الـ 39 دولة لتحرير الكويت حسب ما أُعلن وأُشيع آنذاك. كما انخرط النظام نفسه بعد ذلك في مؤتمر مدريد للسلام، نتيجة مباشرة لمشاركته في الحرب العالمية على العراق، بحضور إسرائيل في نوفمبر/تشرين ثاني 1991، وهو المؤتمر الذي رعاه الرئيس الأميركي الأسبق، جورج بوش الأب، وشارك النظام السوري في مفاوضاته من أجل الصلح مع الدولة العبرية، وإبرام معاهدة معها مثيلة لمعاهدة كامب ديفيد المصرية – الصهيونية سنة 1979، وقبل توقيع اتفاقية وادي عربة الصهيونية- الأردنية سنة 1995. وقد انتهى مسار مدريد إلى الفشل الذريع، وإلى حقيقة مُرّة أدركها السوريون بالفعل، بعد أن كانوا يعلمونها بالقوة، وهي أن الصهاينة لا يريدون الانسحاب من أرض الجولان التي احتلوها سنة 1967، كما انسحبوا من سيناء، ولو كان ذلك بشروط مذلّة، وإنما يبتغون تحقيق وصفتهم المبجّلة المعروفة بـ "السلام مقابل السلام"، بدلاً من "السلام مقابل الأرض"، بما في ذلك غلق سورية مخيمات التنظيمات الفلسطينية الوطنية والقومية والإسلامية.

وقف السوريون على سراب السلام المزعوم مع إسرائيل الذي ترعاه الولايات المتحدة الأميركية، وأقنع به الرئيس المصري حسني مبارك نظيره السوري حافظ الأسد، وهو ما أدى إلى تراجع السلطات السورية عن هذا الاتجاه، مع صعود بشار الأسد إلى كرسي الرئاسة، خلفاً لوالده بداية من سنة 2000 فجاءت نتائجه عاجلة بأن رفضت سورية الانخراط في الحرب الأميركية على العراق واحتلاله وتفكيك الدولة العراقية، وحلّ جميع مؤسساتها بداية من سنة 2003، غير أن نتيجة الحرب كان لها منحى آخر، تمثل في بداية تغير التحالفات السورية، بعد اغتيال رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان الأسبق سنة 2005، وإجبار الجيش السوري على الخروج من لبنان بأشهر قليلة بعد تلك العملية، في اتجاه إقامة علاقات استراتيجية مع إيران، ودعم حزب الله في حرب يوليو/ تموز 2006 ودعم حركة حماس الإسلامية وتسليحها، لاسيما في حرب غزة لسنة 2008- 2009، والانفتاح على النظام العراقي الجديد المُهيمَن عليه من آيات الله، والمدعوم في الوقت نفسه من إيران والولايات المتحدة الأميركية، على م-ا في ذلك من مفارقة.

ولا يمكن بأي حال فهم خفايا هذه الحرب الدائرة اليوم في سورية، وفق منطق التحليل والتأويل

" الربيع السوري

لم يجهضه فقط بشار الأسد والدولة السورية بوصفها من يحتكر العنف المشروع، وإنما أجهضته القوى المحافظة العربية والدولية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية" الذي كان سائداً سنة 2011 على ما كان يمتلكه من قوة وشرعية آنذاك، والاقتصار على ما جدّ في ذلك الوقت من حراك شعبي، أراد أصحابه تحويله إلى ثورة تسقط النظام البعثي الحاكم، وإقامة ديمقراطية تعددية ليبرالية على الشاكلة التونسية، أو حتى المصرية. فذلك الحراك لم يستطع أن يتحول إلى مجرد انتفاضة، ناهيك أن يكون ثورة شعبية مدنية وسلمية محددة الأهداف ومكتملة الأركان. ولم يجهضه فقط بشار الأسد والدولة السورية بوصفها من يحتكر العنف المشروع، كما هو شأن أي دولة، وفق النظرية السياسية لرائد علم الاجتماع، الألماني ماكس فيبر، وإنما أجهضته القوى المحافظة العربية والدولية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، الملتقية آنياً مع تركيا الإسلامية –الأردوغانية، حليفة الدولة العبرية منذ سنة 1949، والعضو في الحلف الأطلسي، وذات المطامح العثمانية الجديدة. التقطت هذه القوى لحظة استعمال النظام السوري العنف ضدّ المحتجين للتدخل مباشرة في مجريات الأمور على الشاكلة الليبية تماماً. علماً وأننا لم نقرأ يوماً في المصنفات التاريخية والسوسيولوجية للثورات عن ثورة تدعمها الدول الاستعمارية القديمة أو الجديدة أو القوى والدول العربية المحافظة التي لم تخف توجسها وخشيتها من الثورة التونسية، أو المصرية، بوصفها الأصل في الثورات والانتفاضات العربية، ناهيك عن مقاومتها وإجهاضها ثورات عربية تقليدية، وأخرى في أماكن شتى من العالم.

أُجهض الحراك السوري في اليوم الذي تبنته القوى الدولية التقليدية وحليفاتها العربية، فموّلته وسلّحته وتولّت أمره أجهزتها الاستخباراتية، بعد أن استحدثت له غرف عمليات خاصة، فجنّدت له كل المرتزقة من العالم للقتال بمقابل من أجل إطاحة نظام الأسد. وقد انطلت الحيلة على فريق واسع من الشباب العربي، اعتقدوا أن سورية هي أرض جهاد، فكانوا لقمة سائغة استخدمتها تنظيمات الإسلام السياسي والمجوعات التكفيرية للقتال في معركةٍ، توهموا أنها معركتهم، والحال أنها معركة قوى دولية وإقليمية، لها مصالح استراتيجية وإرادات هيمنة كامنة ومعلنة، تنزع إلى تغيير المعطيات الجيو-سياسية للمنطقة برمتها.

أين الخلل، إذن، بعد تفكيك طبيعة الصراع وخفايا الأمور في الحرب السورية، في دخول الروس على الخط في لعبة المصالح والرهانات والسيطرة على الشعوب والثروات التي لم تختف يوماً من العلاقات الدولية، وإنما تغيرت أساليبها وأدواتها وبعض مظاهرها؟

فإذا كان الأمر يتعلق باحتلال روسيا سورية، فإن المنطقة برمتها تعيش تحت الهيمنة الأميركية

"دول المنطقة برمتها تعيش تحت الهيمنة الأميركية والغربية، ولا توجد دولة واحدة تمارس سيادتها على أراضيها وأجوائها وبحارها، وتمتلك قرارها الوطني بالكامل" والغربية، ولا توجد دولة واحدة تمارس سيادتها على أراضيها وأجوائها وبحارها، وتمتلك قرارها الوطني بالكامل. وإذا كانت روسيا قادمة لحماية مصالحها في سورية، و"الشرق الأوسط" ككل، فقد سبقتها في ذلك الدول الغربية، بقيادة الولايات المتحدة. وأخيراً، إذا كانت روسيا مكلّفة بالقيام بدور موكل إليها من أميركا، كما يروّج بعضهم، فإن النقاش برمته سيصبح ساذجاً وغير مقنع بالمرّة في هذه الحالة، والافتراض الممكن بدل ذلك أن روسيا استطاعت دخول لعبة الكبار، منذ تدخلها في أوكرانيا، وضمها شبه جزيرة القُرم، من دون أي ردّ فعل من الولايات المتحدة وحلفائها، كما وقع في الكويت سنة 1991، لأنها باتت قادرة على ذلك، بعد أن فرضت شروطها، فأصبحت مقبولة في ناديهم الذي اعتاد، منذ زمن طويل، توزيع الريع بمعناه السياسي والاقتصادي والمالي.

وبالتالي، تبدو أغلب الحجج التي يُحاجج بها النظام السوري اليوم من خصومه ومناوئيه في الاستنجاد بـ"الدب" الروسي لحماية نفسه والاستمرار في السلطة ضعيفة، ويغيب عنها التماسك الداخلي والتماهي مع الوقائع الخارجية، بل إن حجّته تبدو أكثر قوة، إذا كان يستثمر في التدخل الروسي، لإعادة الأراضي السورية السائبة والمدوعشة إلى سلطة الدولة المركزية في دمشق. أما الدول التي تحاججه وتدينه، بسبب دعوته دولة أجنبية لكي تحميه، موفراً لها قواعد عسكرية، فقد كانت الأسبق في الاستنجاد بقوى خارجية، ومنحها مواطئ قدم عسكرية على أراضيها، في أيام الحرب والسلم على حدّ السواء.

لم تعد المسألة تتعلق ببقاء نظام الأسد من عدمه، لأن الأمر يبدو أنه حُسم في أروقة القوى الكبرى، بعد التضحية بآلاف الشباب "المؤمن المتدين من أنصار الإسلام السياسي" في جبهات القتال، وبعد استنزاف الدول العربية الغنية في ثرواتها وأموالها لصالح شركات تصنيع الأسلحة، وإنما باتت تتعلق بإعادة تشكيل الخارطة السياسية العربية، ومن ورائها لعبة الثروة والهيمنة. والأمر لم يعد مختلفاً لدى عرب كثيرين في أن يكونوا تُبعاً للإمبريالية الأميركية، أو "للإمبريالية الروسية". أما قضايا التحرر والاستقلال والسيادة والنهضة والوحدة والتقدم، فإنها مجرد مصطلحات فقدت دلالاتها ومعانيها، في ظل غياب المشروع العربي، أو حتى من يمثّله، فلا حاجة لمزيد من "فلكلرة" القيم السياسية العربية الجميلة، وإفراغها مما تبقى فيها من محتويات.

======================

من يتذكر إعلان دمشق؟ .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 12/11/2015

انعقد في مدينة غازي عنتاب التركية، قبل أيام، مؤتمر لائتلاف "إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي" انبثقت عنه قيادة جديدة (أمانة عامة) للمرحلة المقبلة. يعرف المتابعون "المتخصصون" أن هذا المؤتمر التأم بغير موافقة أمانة عامة موجودة منذ كانون الأول 2007. أي أننا أصبحنا عملياً أمام قيادتين لكيان واحد يحمل اسم إعلان دمشق، أو كيانين بقيادتين يحملان الاسم نفسه.

هذا ما يسمى في "علم الأحزاب" بالانشقاق.

نعرف من إرث الانشقاقات في الأحزاب السياسية السورية أن الطرفين يسعيان إلى الاستيلاء على رأس المال الرمزي الخاص بالكيان الأصلي من خلال تمسكهما بالاسم، بصورة رئيسية، إذا كان يشكل "ماركة" لها شعبيتها، في بحثهما عن الشرعية. وإذا كان الانشقاق ظاهرة مألوفة بالنسبة للأحزاب، بصرف النظر عن تقييمه، فهو جديد على تحالف سياسي بين أحزاب سياسية ومستقلين كحال ائتلاف إعلان دمشق.

والحال أن إعلان دمشق الذي تأسس في تشرين الأول / أكتوبر 2005، كمظلة عريضة جمعت كل القوى والشخصيات المعارضة للنظام في سوريا، على وجه التقريب، في لحظة خاصة من تاريخ سوريا، سرعان ما دخل في نوع من العطالة بسبب تنازع داخلي بين تيارين عكسا استجابتين مختلفتين للتحديات السياسية الكبيرة التي كانت مطروحة حينذاك. تعايش التياران بصورة قسرية لمدة عامين، تغيرت خلالهما المعطيات الموضوعية إلى حد كبير، إلى أن تم الانشقاق الكبير بينهما في المؤتمر الأول للإعلان (كانون الأول/ديسمبر 2007) حين خرجت من الائتلاف أحزاب قومية ويسارية ستشكل، لاحقاً، "هيئة التنسيق الوطني لقوى المعارضة الديمقراطية" في مناخ ما بعد بداية الثورة السورية. اللافت أن ذلك الانشقاق الأول لم يشهد تنازعاً على الشرعية (الاسم) كحال الانشقاق الحالي، بل أراد المنشقون التبرؤ من الخط السياسي للإعلان الذي كان يعبر عن التيار الآخر المتشدد في مواجهة النظام. يمكن القول، بهذا المعنى، أن الانشقاق المذكور، مضافاً إلى حملة الاعتقالات التي شنها النظام على قيادة الإعلان المنتخبة، في أعقاب المؤتمر، قد تكفل بتحجيم الزخم الذي أطلقه الإعلان عند تأسيسه، وعادت سوريا إلى "مملكة الصمت" التي كانتها قبل ذلك، وفقاً لتعبير أحد أبرز مؤسسيه رياض الترك.

حاولت قيادة الإعلان، بمن تبقى من أعضاء أمانته العامة، أن تؤمّن استمرارية هذا الكيان السياسي بأساليب العمل السري القديمة للأحزاب المعارضة، فاقتصر الأمر على عقد اجتماعات غير منتظمة لهيئاته المحلية، وأخرى لمن تبقى من قيادته المركزية، وإصدار بيانات حول المستجدات السياسية، والتحضير، في فترة من الفترات، لمؤتمر ثانٍ لم ير النور أبداً. يوصف هذا الوضع بالأزمة. فالهدف الذي تأسس من أجله الإعلان (تغيير النظام بالوسائل السلمية التدريجية الآمنة) قد أصبح أبعد منالاً، لأن النظام غير القابل لأي إصلاح استعاد قوته بعد لحظة ضعف مر بها في العام 2005، وبات تغييره خارج أي جدول أعمال واقعي. ولم يبق لـ"الإعلان" ما يمكن عمله غير التمسك بهويته الإيديولوجية (الليبرالية السياسية)، وبحصته المتقلصة من المشهد السياسي المكتوم في سوريا.

حين اندلعت الثورة، منتصف آذار 2011، وجدت المعارضة السورية نفسها أمام تحد تاريخي غير مسبوق، وحاولت أن تجد لنفسها موقعاً في عملية التغيير الكبيرة التي بدأت خارج سيطرتها وتوقعاتها. شكّلت القوى المنشقة سابقاً عن إعلان دمشق "هيئة التنسيق" أمينةً لخطها "المعتدل" تجاه نظام متطرف، واتجه إعلان دمشق للانضمام، رفقة الإخوان المسلمين، إلى "المجلس الوطني" المطالب بإسقاط النظام. مع مرور الزمن تكلس المجلس الوطني عند شعار إسقاط النظام، من غير رؤية سياسية واضحة لما بعد ذلك. وتكرس تحالف الإعلان مع الإخوان رغم هيمنة هؤلاء على المشهد السياسي بالتوازي مع أسلمة متمادية لروح الثورة، لينضم المجلس، بعد ذلك، كتلةً واحدة متماسكة إلى "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة" الذي تم تشكيله بضغوط دولية بديلاً من المجلس.

فشل إعلان دمشق عملياً، منذ حرب تموز 2006 التي شنتها إسرائيل على لبنان، ثم تكريس هذا الفشل بعد انشقاق الأحزاب القومية واليسارية في أواخر 2007 وحملة القمع التي استهدفت قيادته، ومأسسة الفشل المضاعف هذا بعد تجاوز صيغة المجلس الوطني إلى "الائتلاف الوطني".. كل ذلك لم يؤد إلى أي مراجعات جدية داخل الإعلان تدعو لإعلان وفاته، بل تمسكت القيادة التي فقدت شرعيتها،تنظيمياً، بهذا الكيان الوهمي كـ"ماركة" تمنحها مقعداً في مجلس ائتلاف فقد أي دور له بعدما استنفد أغراضه من زاوية نظر الدول الداعمة، بعد مسيرة طويلة من الاستتباع لتلك الدول.

من جهة أخرى، كان حزب الشعب الديمقراطي بقيادة رياض الترك ـ العمود الفقري لإعلان دمشق- يعاني أزمته الداخلية الخاصة على وقع تطورات الثورة السورية. من المجحف رد هذه الأزمة إلى مجرد تمسك قيادته بالسلطة الدكتاتورية داخل الحزب، فهذا بدوره من أعراض ما فعلته الثورة بجميع الكيانات السياسية المعارضة، وما أحدثه التكالب الدولي على الثورة. لكن العجز الموضوعي للثورة عن تحقيق أهدافها، كان لا بد أن ينعكس صراعات داخلية، حزبية وشخصية، في صفوف المعارضة وداخل كل إطار من أطرها. كان انعقاد مؤتمر المهجر لإعلان دمشق، مطلع العام 2014، مناسبةً لتفجر الصراع الداخلي لحزب الشعب، فانتهى المؤتمر المذكور إلى تكريس تبعية "الإعلان" لقيادة حزب الشعب (عملياً لشخص رياض الترك)، وأخذ "الخاسرون" يبحثون لنفسهم عن خيارات بديلة.

لدينا اليوم كيانان باسم إعلان دمشق، يتنازعان الشرعية على إرث انتهى بانتهاء شروط قيام الإعلان، في حين أن سوريا التي نعرفها ككيان جغرافي سياسي قد أصبحت في خبر كان.

٭ كاتب سوري

======================

هل حاولت إيران استبدال نصرالله بالأسد؟ .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 12/11/2015

قيل ان من بين أسباب التدخل الروسي في سورية موازنة التدخل الإيراني أو تقاسم موسكو مع طهران الإمساك بالورقة السورية. لكن لماذا التنافس و"الغيرة" بينهما إذا كان هدفهما، بحسب ما تعلنان، واحداً، وهو الدفاع عن الأسد ونظامه؟ فهل تصرح كل من الدولتين بما لا تضمر؟

الواقع ان كلاً منهما مقتنع بأنه لم يعد هناك اي احتمال، في ظل موازين القوى الحالية، لاستعادة سورية الموحدة تحت حكم النظام القديم، وانه لا بد مرحلياً من المحافظة على المناطق التي لا يزال بشار الاسد يسيطر عليها، بعدما تقلص كثيراً دوره في تحديد المسارين السياسي والعسكري لبلاده، بانتظار التوصل الى تسوية دولية تعيد توحيد سورية.

لكن لموسكو وطهران رؤيتين مختلفتين الى شروط هذه التسوية ومراحلها تعكسان مصالح كل منهما، ولا تتفقان بالضرورة: من يفاوض ومن يشرف على التطبيق ومن يتمثل في المرحلة الانتقالية وما يليها، وأي مستقبل لمختلف الأطراف السوريين.

ففي حين ترى روسيا ضرورة المحافظة على النواة الصلبة للجيش السوري والمؤسسات الدستورية وترى لها دوراً في إعادة البناء، عملت إيران تدريجاً على إضعاف الأسد وتعزيز دور صنيعتها اللبناني "حزب الله" في المقابل، لأنها لا تثق بالخلفية "البعثية" لمعظم ضباط الجيش ورجال الرئيس، حتى لو كان الحزب مجرد غطاء لحكم الطائفة العلوية.

وتعتقد طهران بأن الوسيلة المثلى لبقاء نفوذها في سورية الراهنة والمستقبلية، تكمن في اعتماد النموذج الذي طبقته في العراق عندما فرضت عبر حلفائها من الاحزاب والتنظيمات الشيعية قانون "اجتثاث البعث"، لكن بلا ضجة او إعلان هذه المرة. ولهذا ارسلت خبراء وضباط "الحرس الثوري" وميليشيات لبنانية وعراقية وأفغانية، ليحلوا تدريجاً مكان الجيش النظامي الذي أوشك على الانهيار، وليس ان يقاتلوا تحت لوائه وقيادته.

وأدى ذلك مراراً الى إشكالات بين الطرفين عندما تجرأ الإعلام الموالي لإيران على نسب "الانتصارات" العسكرية الى الاطراف الايرانيين وليس الى الجيش النظامي. حتى ان الايرانيين تفاوضوا مباشرة مع اطراف في المعارضة السورية على وقف للقتال محدود مكانياً وزمنياً، وبات الأمين العام لـ "حزب الله" حسن نصرالله يحدد في خطبه مسار المعركة في سورية ومحطاتها.

وبعد الاتفاق النووي بين إيران والاميركيين، اظهرت طهران استعداداً أكبر للتفاوض على مصير الاسد ونظامه في مقابل مكاسب أخرى بينها خصوصا مستقبل "حزب الله"، فيما أبدت واشنطن استعداداً لمنح الايرانيين دوراً اكبر في تحديد مصير سورية، وهذا ما دفع الروس الذين كانوا ينتظرون نتائج المفاوضات بين طهران وواشنطن، الى التدخل لاستعادة دور الجيش النظامي الذي رعوه طوال عقود وسلّحوه ونسجوا علاقات متينة مع كبار ضباطه.

عملياً اذن، كانت إيران مستعدة للتفاوض على الاسد لكنها ليست مستعدة للتفاوض على الحزب اللبناني الذي سعت لجعله الوريث الشرعي للنظام السوري ودوره، وخصوصاً في الكباش الفولكلوري مع اسرائيل. فبعد الخروج السوري من لبنان كان لا بد من تقديم ضمانات بديلة الى الاسرائيليين كي يبقوا على "الحياد" في الصراع السوري، ولا أحد أفضل من الحزب يقدر على ذلك منذ حرب تموز (يوليو) 2006 التي اسفرت عن تفاهم غير معلن طبقه "حزب الله" بأمانة، مانعاً اي طرف من الاخلال بالهدوء في جبهة الجنوب التي شهدت سلسلة اختبارات من الجانبين. وعندما ارادت ايران تمرير بعض الرسائل الى الاسرائيليين استخدمت جبهة الجولان وليس الجنوب اللبناني.

وهذا يفسر استمرار حال الاهتراء وتفاقمها في لبنان، حيث ينتظر الحزب التوقيت المناسب لفرض سيطرته التامة. إذ يفترض بحسب الخطة الايرانية التي لا تزال قائمة على رغم التدخل الروسي، ان يتم شيئاً فشيئاً دمج لبنان بالدويلة العلوية، وان يقود "حزب الله" جناحيها السوري واللبناني، وليس الاسد الذي اثبت فشله في نظر الايرانيين. وتتداخل هنا الرؤية السياسية الايرانية مع الدينية التي ترى في العلويين "انشقاقاً" بسيطاً عن الطائفة الشيعية الاثني عشرية الأوسع، ربما حان وقت تصحيحه.

وقبل أيام، اعترف الجنرال في "الحرس الثوري" محمد علي جعفري بهذه الخلافات، وقال ان الروس ليسوا مرتاحين الى دور "حزب الله" في سورية. فهناك عملياً تقاطع روسي - إيراني على ضرورة منع انهيار "سورية الصغيرة" الحالية، وخلاف على من يقود الكيان الجديد الذي قد ينتج عن أي تسوية، ولمن سيكون ولاؤه. لكن كلا من موسكو وطهران تخفيان نواياهما بالمبالغة في تصريحاتهما عن التمسك بالأسد.

======================

تصدع فكرتي السيادة والجمهورية السوريتين .. ماجد كيالي

الحياة

الثلاثاء 10/11/2015

لم يبتذل مفهوم سيادة الدولة بقدر ابتذاله، أو استخدامه، في القضية السورية، في بلاد ابتذل فيها كل شيء، فالدولة قضمت، وأضحت مجرد نظام أو سلطة، والديموقراطية اختزلت بانتخابات صورية، والانتخابات باستفتاءات، والمواطن بالموالي أو الخانع أو الخائف، حتى الدساتير تم ابتذالها إلى مجرد حبر على ورق، في بلاد تهمّشت فيها القوانين ولا سلطة فيها إلا للحاكم.

المعنى أن فكرة السيادة هنا تفتقر إلى الركنين اللازمين، حتى من زاوية الفكر القانوني الدولي، وهما التزام الحاكم بالدستور، أي بالعقد الاجتماعي، ووجود مواطنين بمعنى الكلمة، الأمر الذي يطرح التساؤل حول مضمون كلمة "وطنية" هنا، المقترنة بالسيادة، إلا إذا كان القصد منها الدلالة على الحاكم، الذي اختزل المواطنين والوطن بشخصه. وربما يجدر التذكير، في هذا السياق، بأن هذين الركنين باتا لزوم أي دولة حديثة، بغض النظر عن طبيعة نظامها السياسي، سواء كان ديموقراطياً أو غير ديموقراطي، فحتى المنظرون للحاكم الفرد، أو الحاكم المطلق، مثل مكيافيللي وبودان وهوبز، اشترطوا عليه الارتباط بفكرة الحق، أو الخير العام، أو تحقيق الأمن والسلام.

هكذا، ففي الحالة السورية ثمة كثير من الحجب والمخاتلة والتلاعب في إشهار مفهوم "السيادة"، الذي بات خاوياً، ليس بواقع افتقاد النظام الشرعية، واحتقاره الحقوق والحريات، في بلد جرى فيه تغيير الدستور بالتصفيق، وتحولت فيه الجمهورية، التي لم يبق منها إلا "الحرس الجمهوري"، إلى وراثية، وإنما أيضاً من واقع تغييب المواطنين، أو عدم اعتراف السلطة بالمكانة الحقوقية والقانونية للمواطن الفرد، المستقل، والحر.

معلوم أن الفكر السياسي الحديث لا يعترف بوجود مواطن مجرد من الحقوق، أو من المكانة القانونية، فهذا بالضبط ما يميز مواطن الدولة الحديثة، أو النظام الجمهوري، عن الفرد من "الرعية" في أنظمة الحكم المطلق، أو أنظمة العصور الوسطى وما قبلها، المستندة أساساً لفكرة التفويض الإلهي، أو الغلبة. لذا فليس اعتباطاً أن الأول يتألف من أفراد، متساوين، يتمتعون بحرية إرادة، في حين أن الثاني مفهوم جمعي لأشخاص لا ذوات خاصة لهم ولا مكانة حقوقية ولا إرادة حرة.

وفي الجدل في شأن فكرة السيادة، في الدولة الجمهورية، بحسب آباء نظريات العقد الاجتماعي، لوك وروسو وكانط (القرنان السابع عشر والثامن عشر)، فإن السيادة للشعب، الذي يؤلف الإرادة العامة، والذي يتألف من مجموعة أفراده، الأحرار والمتساوين، وعلى أساس حكم مدني، والفصل بين السلطات، وهذا هو معنى الجمهورية. بل إن لوك وروسو يتوافقان على أن شرعية أية سلطة مشروطة بالتزام الحاكم صيانة الحقوق والحريات الفردية وإلا فللناس الحق في الثورة عليه. وعند روسو، أيضاً، فإن الإرادة العامة للشعب هي فوق أية إرادة فردية، وأن "السيادة هي جمع أصوات المواطنين كافة... إذ لا وجود للشعب خارج الأفراد الذين يتكون منهم". وبالنسبة لكانط فقد ركز منهجه على مكانة الدستور المدني، الذي يتأسس على ثلاثة مبادئ: "حرية أعضاء المجتمع، ومبدأ خضوعهم جميعاً لقانون واحد مشترك، ومبدأ المساواة بين الجميع، وعلى قاعدة الفصل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية".

وعودة إلى المثال السوري، فمنذ قرابة خمسة أعوام، ومع اندلاع الثورة في سورية، أو منذ تفجر الأوضاع فيها، بات مفهوم "السيادة الوطنية" سيفاً مسلطاً على السوريين، وتغطية للتخلّي عنهم، كأن إمعان القتل فيهم وتشريدهم وتدمير عمرانهم، لا يكفي، أو كأن كل ذلك بات من شؤون السيادة الوطنية. واللافت أن الحديث عن ذلك لا يتوقف على النظام، لا سيما الرئيس ووزير خارجيته وممثله في الأمم المتحدة، وإنما هو يشمل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرغي لافروف، فضلاً عن آية الله خامنئي، والرئيس الإيراني حسن روحاني، وكل أعضاء الجوقة الآخرين. أي أن كل هؤلاء الذين يقتلون ويدمرون في سورية، بواسطة الطائرات والمدفعية والدبابات والميليشيات، باتوا يشهرون هذه المقولة، كأنها باتت عندهم بمثابة درع لصد أي محاولة خارجية للتدخل لوقف المأساة السورية، وكتبرير يبيح لهم إطلاق يدهم في البطش بالشعب السوري.

المفارقة أن النظام في خطابه إلى العالم يبدي كثيراً من التروي والعقلانية وطول النفس، التي تبعث على الدهشة، في حديثه عن ضرورة التزام القانون الدولي، وحل الخلافات بين الدول بالوسائل السياسية، ونبذ العنف في العلاقات الدولية، في حين أنه ينتهج نقيض ذلك في علاقته مع شعبه، إذ يتصرف بأسوأ ما يمكن أن تتصرف به أية سلطة احتلال، حتى أنه فتح البلد على مصراعيه للقوات والعصابات الأجنبية التي تدافع عنه. والحال فإن النظام هنا يريد أن تتعامل معه الأسرة الدولية بطريقة ديموقراطية وبالوسائل السلمية والديبلوماسية، في حين كان حرياً به هو أن يتعامل، منذ البداية، وفقاً لهذه الطريقة مع شعبه، أو ما يفترض أنهم شعبه.

وكما قدمنا فإن الأمر لا يتوقف على كسر النظام لمفهوم السيادة، وابتذاله، باختصاره بإرادة شخص واحد، خصوصاً أن ثمة علامات شك بخصوص شرعيته، وطريقته في الحكم، إذ انه كسر قبله، أو قوض، مفهوم "الجمهورية"، أو أن سورية دولة جمهورية، بحكم هيمنته على المجال العام، السياسة والتعليم والإعلام والاقتصاد والجيش، طوال أكثر من أربعة عقود. هذا حصل، أولاً، بإعاقته قيام دولة المؤسسات والقانون، التي ضمرت، لصالح تغوّل الأجهزة السلطوية. وثانياً، بإعاقته قيام المجتمع، باعتباره مجتمعاً حقاً، بإبقائه عند حيز الانتماءات الأولية، الطائفية والمذهبية والاثنية والعشائرية، مع تلاعبه بتراتبية هذه المكونات ونمط علاقتها التنافسية أو التنابذية مع بعضها. وقد شهدنا، أيضاً، أن هذا النظام الذي تغطى بطريقة ديماغوجية بشعارات: الوحدة والحرية والاشتراكية، هو ذاته الذي لم يمكّن السوريين من تحقيق أنفسهم كشعب، أو إيجاد إجماعاتهم كمجتمع، وهو الذي صادر حقوق وحريات السوريين، وهو الذي ذهب بعيداً نحو ليبرالية متوحشة، بتحكمه الفج بموارد البلد، متفلتاً من أية معايير أو قوانين، أو قيم أخلاقية.

الفكرة هنا أن هذا النظام هو المسؤول عن انهيار الدولة أو "الجمهورية"، وذلك قبل اندلاع الثورة بكثير، التي ما كانت لتندلع أصلاً لولا أن الأمور سارت على هذا النحو، وتفاقمت إلى هذا الحد. ويجدر التنويه أننا لا نتحدث هنا عن الديموقراطية، وإنما فقط عن دولة مؤسسات وقانون، دولة تفصل بين السلطات، دولة مواطنين أحرار ومتساوين، دولة جمهورية، لا أكثر ولا أقل، ومع التذكير بأن هذا استغرق أكثر من أربعة عقود من دون أن توضع الدولة والمجتمع السوريان على هذه السكّة، بل إن هذه العقود الأربعة تم عمل كل شيء بها للحيلولة دون وصول السوريين إلى هذه السكّة.

طبعاً لا تنطوي هذه المداخلة على قناعة مفادها أن النظام الدولي لا يتدخل في الشأن السوري، إلى الدرجة المناسبة، وبالطريقة الصحيحة، احتراماً لمفهوم السيادة الوطنية، إذ إن هذا المفهوم لم يجر احترامه يوماً، منذ تم تأسيسه في معاهدة "وستفاليا" (1648)، حتى اليوم، ولدينا أمثلة كارثية عن ذلك في منطقتنا بالذات، وفي الوقت القريب. لذا ومع تأكيدنا أن النظام الدولي يتألف من دول وليس من جمعيات خيرية، وإنه لا يتحرك وفقاً للمعايير الأخلاقية أو القانونية، وإنما وفقاً لمصالحه وأغراضه الخاصة، وبالأحرى وفقاً لما تقرره الدول العظمى المتحكمة به، لا سيما الولايات المتحدة الأميركية، إلا أن هذا التخلّي عن السوريين لا يمكن تبريره على الإطلاق، بل إنه دلالة على انهيار أخلاقي وقيمي، ربما يصعب تعيين التكهن بتداعياته.

إزاء هذه الحالة، أو الكارثة، أو هذا الاستعصاء، ثمة أسئلة متعددة، معقدة وصعبة، تطرح نفسها مثل: ما هي مآلات الجمهورية السورية على صعيد الدولة والمجتمع، وعلى صعيد الجغرافيا والديموغرافيا؟ وهل ما زال ثمة أمل يرجى من استمرار هذه الجمهورية؟ وما هي الإجماعات الجديدة التي ستتشكل عند السوريين الجدد؟ وأخيراً ما هو شكل المشرق العربي الذي ينتظرنا أو ننتظره؟

* كاتب فلسطيني

======================

الأمن القومي العربي المهدد ومرتكزه الأساسي: سوريا (1-2) .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 8/11/2015

الأمن القومي العربي المهدد ومرتكزه الأساسي: سوريا (1-2) ثمة سؤالٌ كبير جداً آن للعرب التفكير فيه بجدية: مَن في هذا العالم يُهمهُ حقاً مصيرهم، شعوباً وحكومات؟ بمعنى، هل هناك قوةٌ إقليمية أو عالمية تُمانعُ، ولو من باب المصالح، ليس فقط في استمرار الفوضى الراهنة في العالم العربي، بل في تصاعدها إلى أقصى حدٍ ممكن؟ مع كل مايمكن أن يصاحب ذلك من (تغييرات) في الخرائط والأنظمة والتركيبات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في أقطار العرب.

لايمكن تصور خطورة السؤال دون إدراك حجم وطبيعة الانقلاب الذي حدث في رؤية النظام العالمي للمنطقة العربية في السنوات الخمسة الأخيرة، بعد تلك اللحظة التي أشعل فيها شابٌ تونسي النار في نفسه.

ليس مهماً هنا وصفُ ماحدثَ بعدها بـ (الربيع العربي) أو غير ذلك. لايُغير في الأمر شيئاً رفضُ تسمية (الثورات) من قبل البعض، والإصرارُ عليها من قبل البعض الآخر. فهذه تقسيماتٌ في ذهننا وحدَنا، وليست سوى عنصرٍ (جانبي) و(إعلامي) في تعامل النظام الدولي مع المنطقة. والتفكيرُ بتلك الطريقة أقرب لما يكون بـ (تفكيرٍ رغائبي) لاعلاقة له بحقيقة المشهد وحساباته.

ماحصلَ حصل. ولم يطل الوقتُ حتى أدركت أطراف عديدة في النظامين الإقليمي والدولي أن الحدثَ أدخل العالم العربي كلياً في حقبةٍ جديدة. وبغض النظر عما يمكن أن تحملهُ هذه الحقبة للعرب أنفسهم، كان مايهم تلك الأطراف، ولايزال، هو ماتحملهُ من (مخاطر) أو (فُرص)، غير مسبوقة، عليها و/أو لها.

واقعُ الأمر أن العالم العربي، بأسره، لم يكن (مكشوفاً) في أي مرحلةٍ سابقة كما باتَ عليه الحال في الفترة الأخيرة. ضروريٌ هنا، لفهم الظاهرة، التأكيد، مرةً أخرى، أن العالم الخارجي لايتعامل، استراتيجياً، مع مكونات العالم العربي، (دُوَلهِ تحديداً)، بناءً على مواقف هذه الأخيرة مع أو ضد وَصفِ الربيع أو تسمية الثورات..

فسواء أعجَبَنَا، كعرب، هذا الوضع أم لا، هناك اعتقادٌ راسخ في دوائر الدراسات الاستراتيجية وصناعة القرار أن العاصفة، بكل مكوناتها ونتائجها، تَهبﱠ في هذه المنطقة من العالم الذي يُكوﱢنُ، تاريخياً وثقافياً وجغرافياً واجتماعياً، كُتلةً واحدة. وأن تأثير المتغيرات التي تحملُها، العاصفةُ إياها، بالغُ العمق والتعقيد والتداخل بحيث لايمكن، استراتيجياً، عزلُ جزءٍ منها عن الآخر، اللهم إلا عند الحاجة لسياسات وتصريحات تكتيكية قصيرة المدى، وبأهداف (دبلوماسية) و(اقتصادية)..

خلاصة القول في هذا المجال أن الأمن القومي العربي لم يكن متداخلاً من قبل كما هو عليه الحال اليوم. وأكثرُ من ذلك، لم يكن الأمن المذكور مُهدداً، من قَبل، بهذه الخطورة. وقبل الإجابة عن سؤال: ما العمل؟ يمكن التذكير بحقائق أخرى، إضافةً إلى ماسبق، كمؤشرات على هذا الموقف.(للحديث بقية)

======================

ماذا وراء فيينا؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 8/11/2015

ثمة سر وراء ذهاب الدول إلى فيينا، يرتبط باستحالة بدء عملية السلام في سورية، انطلاقا من تشكيل "الهيئة الحاكمة الانتقالية"، كاملة الصلاحيات التنفيذية والتشريعية والقضائية، بتراضي الطرفين، كما تقول وثيقة جنيف وقرار مجلس الأمن رقم 2118 الذي حدد آلية تنفيذها.

المشكلة أن الروس تخلوا عن جنيف، والنظام يرفض رفضا مطلقاً هدفه، نقل سورية إلى الديمقراطية الذي سينجز بتعاون أطراف منه مع المعارضة لتشكيل "الهيئة الحاكمة الانتقالية"، التي ستنجز الحل، وأنه تمسك ببشار الأسد، أو أجبر على التمسك به بمعونة روسية / إيرانية، حتى بعد الهزائم التي نزلت بجيشه، وزلزلت نظامه، وأوشكت أن تسقطه، علما أن رحيله يعتبر شرطاً لا بد منه للتراضي بين أهل الثورة وأهل النظام أولاً، ولقيام "الهيئة الحاكمة" ثانياً، وللانتقال الديمقراطي الموعود في نهاية الأمر. لم يحدُث التراضي المطلوب، وبقي بشار مؤيداً من أجهزته، فلم تؤسس "الهيئة" التي يعتبر تشكيلها بداية الحل الذي بدا، وما زال يبدو، مستحيلاً.

لا مبالغة في القول إن كل ما يفعله الأميركان يندرج في إطار الالتفاف على هذه الاستحالة، وكل ما يفعله الروس والإيرانيون يقتصر على تثبيتها وترسيخها. لم تتخلَّ عصابات الجيش والأمن الأسدية عن بشار، فلعب الأميركيون، وبعض الأوروبيين، بفكرة إبقائه رئيساً خلال مرحلة انتقالية، تتراوح بين ستة أشهر وعام ونصف العام، تشكل خلالها "الهيئة" في صورة "حكومة وحدة وطنية" (مقترح روسي) تكون بقيادته وليس ضده، كما يقول قرار تفسيري صدر عن مجلس الأمن، يقول إن صلاحيات الهيئة التنفيذية تعني صلاحيات رئيسي الجمهورية والوزراء اللذين ستنتفي الحاجة لهما حتى خلال مرحلة الانتقال. وبدورها، تمثل لجان دي ميستورا محاولة أخرى للالتفاف على معضلة "الهيئة الحاكمة" التي أدرجها في بند خاص من البنود التي ستتحاور اللجنة القانونية والسياسية حولها، وتخلى بذلك عن تشكيلها باعتبارها بداية الحل. وقد رفض "الائتلاف" مقترحه لهذا السبب، وطالبه بفصل "الهيئة" عن سواها من بنود "الحوار"، وتكريس لجنة خاصة لها، ما دامت مهام بقية اللجان ستحل بقرارات ستصدر عنها، لا تحتاج إلى تفاوض أو حوار.

هذا الالتفاف محكوم بالبحث عن أداة غير "الهيئة"، تكون مدخلا إلى جنيف معدل هنا وهناك، انتهى، أخيراً، إلى مقترح لا ينتمي نهائياً إلى وثيقته، يتحدث عن "جسم حكم وحوكمة"، خالطاً بين الاثنين، ومتجاهلا الفارق بين الحوكمة أسلوباً في الإدارة و"الهيئة الحاكمة"، أو الجسم الحاكم، كياناً سياسياً/ مؤسسياً، وظيفته نقل سورية إلى الديمقراطية، وليس الحوكمة التي أرجح أن أحداً لن يمارسها قبل الانتقال، لافتقار سورية الحالية إلى جميع متطلبات ممارستها من بيروقراطية رشيدة إلى قضاء مستقل وصحافة حرة إلى رقابة برلمانية لمؤسسات الدولة. في المقابل، يتمسك الروس بتصورهم للحل، الخارج بنسبة ألف بالمائة عن جنيف، والذي يقتصر على تشكيل بشار الأسد، بصفته رئيس سورية المنتخب، وبالتالي الشرعي، حكومة وحدة وطنية، وبضم "جيش الدفاع الوطني" إلى جيش السلطة، قبل ضم الجيش الحر إليهما، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية برقابة دولية. يحق طبعاً لبشار ترشيح نفسه فيها، بعد انتهاء ولايته الحالية، أي بعد خمسة أعوام، كما يقال مرة، أو بعد تشكيله الحكومة وهيكلته الجيش، كما يقال مرة أخرى. ينبني المشروع الروسي بكامله على التمسك باستمرار النظام وبشار، بينما مشروع جنيف الذي وافقت روسيا عليه نهاية يونيو/حزيران 2012، قائم من ألفه إلى يائه، على فكرة الانتقال الديمقراطي، وبالتالي، على رحيل بشار وتغيير النظام.

في هذه الأثناء، يقوم الروس بجهد عسكري كبير جداً، هدفه شطب الجيش الحر و"الائتلاف" من معادلات الحل، تحقيقاً لهدف بشار القديم: الوصول إلى وضع يكون بديله فيه "داعش" و"النصرة" ولا أحد سواهما، يخير العالم بينه وبينهما، فيختاره هو. هذا ما يعمل عليه الروس، فإن سمح "أصدقاء الشعب السوري" لهم بإنجاحه عسكرياً، تعاظمت فرص حلهم السياسي، الذي سيتم عندئذ بين النظام و"معارضتهم" التي يعملون، منذ ستة أشهر، لفبركتها.

======================

ماذا يمنع روسيا من دور إيجابي في سورية؟ .. برهان غليون

العربي الجديد

الاحد 8/11/2015

بعد أن لعبت موسكو دوراً رئيسيا في السنوات الأربع الماضية من عمر الثورة السورية، ثم الأزمة في منع التوصل إلى تسوية سياسية، دفعها وصول وضع نظام الأسد في سبتمبر/أيلول الماضي إلى شفا الانهيار إلى تدخل عسكري مفاجئ. وعلى الرغم من أن هذا التدخل لا يزال بعيداً عن أن يعطي لموسكو زمام المبادرة العسكرية من قوى المعارضة السورية، إلا أنه مكّنها، من دون شك، من أن تنتزع زمام المبادرة السياسية، وأن تفتح تحت قيادتها وإشرافها باب المفاوضات الدولية التي لم تعد تقتصر على التداول في مصير الأزمة السورية، وإنهاء الحرب، وإنما أصبحت تشمل، كما هو واضح، مصير سورية نفسها، ومستقبل شعبها.

أوراق القوة الروسية

وعلى الرغم من الاختلاف العميق الذي ظهر في وجهات النظر تجاه الثورة السورية والأحداث التي أعقبتها بين الغربيين عموماً، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، وروسيا في السنوات الماضية، بل وروح العداء التي لم تكفّ موسكو عن التعبير عنها تجاه أي خطوة يخطوها الغرب في اتجاه دعم المعارضة السورية، استمر الغرب في موقفه المعتدل، ورفض الانجرار إلى أي مواجهة مع موسكو، وقبل، في النهاية، بألا يتجاوز خطوطها الحمراء. وهو يكاد يقبل، اليوم، من دون أي نقاش، بتفويضها في الإشراف على الملف السوري، ولعب الدور الأول في التوصل إلى تسوية سياسية. وكما راهن الغرب في هدفه احتواء الثورة السورية، وتعطيل حركتها في السنوات الأربع الماضية، على روسيا، فهو يراهن عليها في الخروج من الأزمة التي نجمت عن هذه السياسة، ومعالجة نتائجها الكارثية على المستويات السياسية والجيوسياسية والإنسانية، التي جعلت من إعادة لم شمل سورية وتوحيدها من التحديات الكبرى. وفي اعتقادي، لن يتردّد الغرب، والمجتمع الدولي عموماً، في دعم أي مبادرة روسية، تحظى ببعض النصيب من النجاح، بعد إخفاق الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتفاقم الأزمة الإنسانية وتحول النزاع إلى عملية تدمير متبادل بين الأطراف. وهذا ما تدل عليه إشارات التراجع التي تبديها عواصم غربية عديدة، بل وعربية، عن مواقف سابقة متشددة تجاه الأسد.

وفي المقابل، تكاد موسكو تجمع بين يديها بالفعل مفاتيح الحل، وتبدو في موقع القوة الدولية الوحيدة المؤهلة للعب دور أساسي في إنهاء الأزمة السورية، فهي الوحيدة التي تملك قوة عسكرية تمكّنها، بالتنسيق مع حلفائها الإيرانيين والعراقيين والسوريين، من التحكم والعمل على أرض الميدان، بحسب خطة متسقة ومتابعة قريبة. وهي الوحيدة التي تملك القدرة على التواصل مع جميع الأطراف السورية والإقليمية والدولية، ولديها علاقات متميزة مع الخصوم الإقليميين الرئيسيين، إيران والمملكة العربية السعودية وتركيا، وكذلك مع أطراف المعارضة السورية المعتدلة وغير المعتدلة، وتطمح إلى إقامة علاقة مع الجيش الحر.

وهي الوحيدة التي تملك إمكانية التأثير على الموقف الإيراني من منطلق التحالف والصداقة،

"روسيا تستطيع أن تطمئن أكثر من طهران، العلويين الذين وضعتهم سياسة الأسد العدوانية في موقف انتحاري" ومن دون أن تستفز عنجهية السلطة الخامنئية، وبالتالي، أن تطمئن إيران التي ترفض أي حل في سورية، لا يضمن وجود الأسد الذي يشكل الضامن الوحيد لمشروع توسعها على مصالحها في سورية ما بعد الأسد، وخصوصاً عدم حلول نظام معادٍ لها في سورية، بعد زوال النظام القائم.

وهي الوحيدة التي تستطيع أن تساهم في تخفيف التوترات الطائفية التي جعلت منها طهران استراتيجيتها الرئيسية، لتعبئة القوى المضادة للثورة السورية، وذلك بإعادة الصراع إلى مستواه السياسي والجيوسياسي، وعزله، ولو إلى حد، عن الصراعات المذهبية والطائفية السنية الشيعية. وهذا العزل أو التحييد مفتاح أساسي من مفاتيح الحل، بمقدار ما يخفف من الرهانات الوجودية والنزاعات حول الهوية المذهبية التي تهدد بتوسيع نطاق الحرب، لتشمل الإقليم كله، والتي لا حل سياسيا لها.

وهي، أخيراً، الدولة التي تستطيع أن تطمئن أكثر بكثير من حكومة طهران، ومليشياتها الشيعية المتعصبة، العلويين الذين وضعتهم سياسة الأسد العدوانية في موقف انتحاري، وتضمن مصالحهم في التسوية وتجرّهم إليها، سواء على مستوى النخب العسكرية والأمنية أو الجمهور الواسع الخائف على وجوده من انقلاب التوازنات السياسية.

روسيا الخصم والحكم

ما يحول دون روسيا واستخدام هذه الأوراق التي تملكها للدفع في اتجاه حل سياسي حتى الآن عوامل عديدة:

أولاً، تصور الروس طبيعة الوضع في سورية، ومعارضتهم العميقة فكرة الثورة نفسها، ونزوعهم إلى الربط بين الديمقراطية والهيمنة الغربية، وتمسكهم بالنظام القائم، مهما كانت جرائمه، بوصفه ممثلا للشرعية القانونية، وعداؤهم الشديد الحركات الجهادية الإسلامية التي يخشون تجدد عملها في روسيا نفسها، وربطهم بين ذلك ونشوء سلطة أكثرية سنية في سورية. وذلك كله يجعلهم يميلون إلى حل يثبت دعائم نظام الأسد، بدل تغييره، حتى لو قبلوا تغيير الأسد نفسه في وقت من الأوقات.

ثانياً، تحالفهم مع طهران الخامنئية والانتقامية معاً، فكما أن من الصعب على روسيا أن تواجه، من دون التهديد بكسر هذا التحالف، مشروع إيران الهادف إلى فرض ما يشبه الوصاية على سورية، في سبيل متابعة مشروعها لتغيير بنيتها السكانية والمذهبية، وترى في بقاء الأسد إلى الأبد الضمانة الوحيدة لتحقيق رهاناتها، فإنها، أعني موسكو، غير قادرة، مهما فعلت، على تسويق دور رئيسي لإيران في تقرير مصير سورية. ومعركة روسيا للتقدم على طريق تسوية مقبولة من الأطراف الأخرى، السورية أو الحليفة للمعارضة السورية، ينبغي أن تمر حتماً بمعركة روسية ضد خيارات طهران، وإلا ستجد روسيا نفسها ومساعيها في طريق مسدود.

ثالثاً، استمرار موسكو في النظر إلى المأساة السورية من زاوية صراع روسيا مع الغرب واستخدام حربها وسيلة لكسب هذا الصراع فحسب، من دون أي اعتبار يُذكر لمصير الشعب السوري ومعاناته. وإذا استمرت موسكو في تجاهل تطلعات السوريين، ولم تفكر إلا في استغلال المأساة السورية، من أجل تسجيل نقاط انتصار على الغرب، أو تكريس فوز محور موسكو طهران الأسد على محور العرب والغرب، لن ترى في المعارضة السورية وتطلعات الشعب السوري إلا عدواً لها. ولن يكون هناك أي أمل في التقدم نحو رؤية متوازنة للحل، وسوف تخسر الأوراق الكثيرة التي تملكها بالفعل، للعب دور كبير في التسوية السورية والشرق أوسطية.

رابعاً، استقالة الغرب الذي لم يعد يشعر أن له أي مصلحة في الاستمرار في دعم تطلعات

"تعمل روسيا للتوصل إلى حل يثبت دعائم نظام الأسد، بدل تغييره، حتى لو قبلوا تغيير الأسد نفسه في وقت من الأوقات" الشعب السوري، أو أن ثمن هذا الدعم، مع تطور التطرف والإرهاب، أصبح أغلى مما يستطيع تقديمه، واستعداده للتراجع أمام اقتراحات موسكو والتفاوض معها. والواقع أن هذه الاستقالة التاريخية هي التي أدت إلى وصول الوضع إلى ما وصل إليه، لأن الغرب أظهر أنه مستعد لتقديم شيء من الدعم لشعب قرّر التحرر والتخلص من الاستعمار الداخلي والانتحار البطيء، لكنه لم يكن في وارد الدخول في نزاع مع إسرائيل أو إيران أو نظام الأسد من أجل حرية السوريين، وهم لم يكونوا يوماً من أتباعه أو مناصريه.

الرد على التحدّي الروسي

من هنا، التحدي الأكبر الذي يواجه المعارضة السورية، والسوريين عموماً، سواء في ما يتعلق بالرد على التقاعس الغربي والعدوان الروسي. ولا أعني بالتحدي منع حصول تسوية على حساب السوريين، وفي اتجاه إعادة ترميم سلطة نظام الأسد بوجوده، أو من دونه، وإنما الاستفادة من فرصة وضع الحرب السورية على طاولة المفاوضات الدولية، من أجل الدفع في اتجاه تحقيق تسوية متوازنة، ترضي على الأقل جزءا من تطلعات السوريين، وتبقي على إمكانية التقدم نحو آفاق جديدة. وهذا ما يستحق اليوم التفكير، بعد الانتهاء من بيانات الشجب والإدانة والرد. وفي نظري، يستدعي الدفاع عن حل وطني وديمقراطي، يجنب سورية الحرب الطويلة، وفي الوقت نفسه، يدفع الروس إلى تغيير مواقفهم المناهضة لأهداف المعارضة، وتشجيعهم على استخدام المفاتيح القوية التي في أيديهم لفتح باب الحلول السياسية، بدل استخدامها لدعم النظام وإرضاء حلفائهم السياسيين والأيديولوجيين، واستمالة من يسمونهم الأقليات الذين يريدون استتباعهم بتمييزهم وفصلهم عن بقية شعبهم، وعلى حسابه، على حساب الحفاظ على وحدته والمساواة بين أبنائه. وبالتالي، على أساس العدالة وحكم القانون واحترام الكرامة الإنسانية، أقول يستدعي ذلك كله من المعارضة السورية الخروج من صراعاتها وأزمتها، وتحقيق أهداف ضرورية وعاجلة، من أهمها:

أولاً، المساعدة على إبراز قيادة وطنية سورية، تضم تحت جناحها جميع الفصائل المسلحة وغير المسلحة، وتمثلها وتتكلم باسمها، ومن ورائها باسم الشعب السوري، لا جماعاته المذهبية، أو القومية أو الدينية.

ثانياً، إشراك هذه القيادة طرفاً رئيساً في كل المشاورات والنقاشات والمحادثات المتعلقة بإطلاق مفاوضات التسوية، واعتبارها طرفاً أساسياً في أي مفاوضات جدية، على الأقل كما يحصل مع ممثلي النظام الذي هو الطرف المسبب للحرب، والذي خرج مهزوماً فيها.

ثالثاً، العمل على ضمان وقوف الدول العربية بقوة وراء المعارضة، وعدم التسليم لنيات موسكو، أو الثقة بها، والاستمرار في الضغط على القيادة الروسية، وتعبئة الحلفاء والأصدقاء، وبالتعاون مع المجتمع الدولي، للدفع في اتجاه تسوية عادلة، تنهي، فعلاً، أسباب النزاع، ولا تكون منطلقاً لإعادة إطلاق حروب جديدة، عامة أو محلية. وهذا يتطلب تحذير الروس من أي تصور للحل، يستهين بحقوق الأطراف، خصوصاً الشعب الذي ثار على النظام، ويستسهل تقسيم البلاد، أو توزيع المصالح بما يتفق والتحالفات الروسية التقليدية الإقليمية والدولية.

رابعاً، إدخال جمهور العرب والسوريين في المواجهة، والعمل على تنظيم التظاهرات الشعبية

"أي حل لا يخرج بانتقال سياسي حقيقي، ينهي عهد الديكتاتورية الدموية، ويقطع مع منطق التمييز الطائفي والأقوامي، سيكون مصيره الفشل" من جميع الأنواع، من احتجاجات ومسيرات ومهرجانات، لتأييد حقوق الشعب السوري وإعلان التضامن مع القضية السورية، وشجب مواقف الدول التي تسعى إلى إعادة شرعنة نظام القتل والعنف والاحتلال، وتجنيب المسؤولين عن الجرائم ضد الشعب السوري العقاب.

وفي الأخير، ينبغي أن نعرف جميعا، مؤيدين وموالين، متحمسين لمساعي روسيا أو معادين لها، أن أي حل لا يخرج بانتقال سياسي حقيقي، ينهي عهد الديكتاتورية الدموية، ويقطع مع منطق التمييز الطائفي والأقوامي، ويضع حداً نهائيا للعسف، ويعزّز حكم القانون، ويسمح للشعب السوري أن يعبر بحرية عن إرادته، ويشعر بكرامته، سيكون مصيره الفشل، لتعود الحرب أشد عنفا ووحشية مما كانت عليه من قبل.

وعلى روسيا التي تلعب، اليوم، دور الخصم والحكم في الوقت نفسه، وتريد أن تنهي الحرب السورية لصالحها وصالح حلفائها بأي ثمن، أن تدرك أيضا أنها أمام فرصة تاريخية، لتعريف دورها وقيادتها على الساحة الدولية، وفي مستقبل النظام الدولي: هل تكون قوة سياسية كبرى صانعة للسلام، وفاعلاً جيواستراتيجياً قادراً على لعب دور إيجابي، وإعادة التوازن إلى النظام الدولي، أو تكون قوة عسكرية همجية، قادرة على شن الحرب والانتقام لنفسها والاعتراض، لكنها عاجزة عن مواكبة مسيرة الشعوب وقيم العصر. وروسيا وحدها التي تستطيع أن تختار بين أن يكون تدخلها في سورية الصاعق الذي يفجر آخر ما تبقى من النظام الإقليمي الهش، ومن ورائه النظام العالمي الذي نشأ في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وفاتحة لحقبة من الحروب الغروزنية ومن البربرية العدمية، أو أن ترتقي، بدورها، إلى مستوى الحكم والوسيط العاقل، إنْ لم يكن العادل، وأن تعمل من أجل تسويةٍ متوازنة، لا تقصي أحداً، لكنها تحترم الحقوق الأساسية للشعوب، وفي مقدمها المساواة بين الجميع، بصرف النظر عن الانتماء الديني والإثني. وفي هذه الحالة، ستخرج روسيا منتصرة سياسياً، وستفرض نفسها قوة دولية إيجابية، لا تستمد شرعية دورها الدولي من معارضتها سياسات الغرب، وإنما من مساهمتها في حل النزاعات الدولية وعملها الفعال على حفظ السلام الإقليمي والعالمي.

======================

دستور الأقليات السوريّة؟ .. حسان القالش

الحياة

السبت 7/11/2015

بعيداً من الخوض في نوايا روسيا، وهي غير صادقة غالباً، في ما يتعلق بمسألة الأقليات السورية إذا ما احتكرت تمثيلها أمام الرأي العام العالمي، يبرز السؤال عن الآليّة التي ستتّبعها لمعالجة هذه المسألة واحتمالات تحقيق نجاح حقيقي في ما يخصّ تطبيقها، إذا ما تمّ التوصّل إلى تسوية ما للقضيّة السوريّة، خصوصاً أن الحديث اليوم يدور حول اقتراح إضافة تشريعات دستورية تضمن حقوق الأقليات ومصالحهم ضمن دستور جديد.

بداية، لا بد من الإقرار بأن استبعاد السوريين من البحث في هذه المسألة هو إهانة لهم ولتاريخهم. والمؤسف هنا، أن من بين المبررات الحقيقيّة لهذا الاستبعاد اهتراء النخبة السياسية المعارضة المفترض بها الخوض في هذه المسألة، خصوصاً أن الأمر لا يقتصر على توافر خبرات رجالات القانون فقط، بل يتطلّب وجود رجال دولة قادرين على رسم ملامح العقد الاجتماعي والقانوني لسورية المستقبل. هذا إضافة إلى أنّ هذا الاستبعاد سيخلق العديد من العراقيل لعلّ أقلّها خطورة هو صعوبة تنفيذ تلك التشريعات على أرض الواقع، كما أنّه سيساهم في تكريس مسألة الأقليّات كعقدة من عقد عدم الاستقرار وإدامتها ذريعة للاحتلالين الروسي والإيراني والتجاذب الدولي. بيد أن أخطر ما في الأمر يكمن في "دسترة الأقليّات" إن صحّ التعبير، وهو ما يختلف في معناه ومقاصده عن مجرّد إقرار بتنوّع المجتمع السوري الكبير وضرورة أن يحيط الدستور بهذا التنوّع. فالوصول إلى أمر واقع يدستر الأقليّات هو إقرار باستحالة اندماج أو تعايش المكونات السورية ضمن إطار دولة - أمّة حديثة، إضافة إلى كونه يمنع أي محاولة مستقبليّة لتجاوز هذه الاستحالة، وهذا يعني في شكل أو في آخر إعادة إنتاج لقانون الملل العثماني الذي سيعيد بدوره إنتاج الأحقاد بسبب الفرز والتمايز اللذين سيتسبّب بهما، وما ينجم عن ذلك من نشوء طبقة أو فئة من أصحاب "الامتيازات" المحمييّن دستوريّاً وربّما دوليّاً.

والحق أن موضوع حقوق الأقليّات ودستَرتها ليس بجديد على السورييّن، فقد كان مادّة لجدل قانوني وسياسي ظهر منذ فترة الانتداب الفرنسي. فعندما تمكّن السوريّون من إصدار أوّل دستور للبلاد بأنفسهم في 1928، كان المشرّعون وعلى رأسهم فوزي الغزّي، قد تجاهلوا عمداً ذكر مصطلح "الأقليّات" ضمن تشريعاته، إصراراً منهم على مبدأي المساواة والمواطنة، اللّذين شكّلا الصيغة الأمثل لضمان حقوق الأقليّات، وهو ما أثار أعجاب سلطة الانتداب الفرنسي وقتها. فيما قاوم مشرّعون وسياسيّون من أبناء الأقليّات ومنهم إدمون ربّاط، الضغوط الفرنسية في 1936 لإضافة ملاحق إلى المعاهدة السورية الفرنسية تضمن حقوق الأقليّات، إذ جادل ربّاط بأنّ ذلك أشبه بمناورة تثبّت امتياز المسيحيين عن غيرهم كما كان الأمر في العهد العثماني المتأخّر.

راهناً، سيكون الاتّجاه إلى دسترة الأقليّات التي تعمل روسيا على صياغتها، الذريعة السياسيّة الأكثر وجاهة وإقناعاً للغرب للتراخي في ما يتعلّق بمصير الأسد أو بإعادة تدوير نظامه، لتبقى الأقليّات رهينة لمزاج المستبدّ وضحيّة من ضحايا غرور معارضيه.

* كاتب وصحافي سوريّ.

======================

موقفنا : المشهد السورية (6 – 10) : لا ... للمرحلة الانتقالية ، من أجلها استقال كوفي عنان واستقال الإبراهيمي .. كررها المقداد من طهران ..ولم يصغ أحد !! .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 10/11/20158

الحقيقة والواضحة الجلية هي أن ( الحل السياسي ) الذي يدعو إليه المجتمع الدولي في سورية مرفوض عند بشار الأسد وداعميه كما حل الدولتين عند نتنياهو وداعميه .

منذ أكثر من ربع قرن والمجتمع الدولي يرفع راية ( حل الدولتين ) في فلسطين ويترك لنتنياهو أن يراوغ تحتها . يقتل ويعتقل ، بالأمس فقط تلقى نتنياهو حقنة دعم جديدة من أوباما : إقرار بحق نتنياهو بقتل الفلسطينيين على الأرصفة بذريعة مهترئة عنوانها الدفاع عن النفس .

 وعلى التوازي يرفع أوباما ومشايعوه في سورية شعار ( الحل السياسي)، ويترك لبشار الأسد وحلفائه الإيرانيين والروس تحت هذا الشعار حرية القتل الجماعي بكل الوسائل والأساليب ، ويعطيهم الحقوق في تدمير سورية ، وإبادة كل ما يمت إلى الحياة أو الحضارة والعمران فيها .

يعلم أوباما وقادة ما يسمى العالم الحر ، أن قناعة بشار الأسد بالحل السياسي أقل من قناعة نتنياهو بحل الدولتين .

فلم يسبق لبشار الأسد أو لأحد من الناطقين باسمه أن أعلن قبولا في سورية بمرحلة انتقالية ولو على سبيل المناورة والمداورة . لم يعلن بشار الأسد أو أحد من الناطقين باسمه القبول بحل سياسي يفضي إلى مرحلة انتقالية تنتقل بالبلد من حال إلى حال ، أو تسمو بها من حضيض إلى أفق.

وهؤلاء جميعا يعلمون علم يقين أن بشار الأسد لو كان يريد حلا سياسيا لما دفع المشهد السوري المطالب بالإصلاح والتغيير إلى ساحة الحرب والعنف وإلى معركة كسر الإرادات ...

وهؤلاء جميعا ، قوى المجتمع الدولي نقصد ، يعلمون علم يقين أن مبعوث الأمين العام إلى سورية (كوفي عنان ) عندما استقال إنما استقال بسبب مزدوجة الموقف الأسدي – الدولي ؛ الأسدي الرافض للحل السياسي والمرحلة الانتقالية ، والدولي المتخلي عن المسئولية ، والمصمم على ترك بشار الأسد يقتل ويدمر دون أي محاولة جادة لفعل شيء يوقف جريمة حرب ، حُسب مثلها على كوفي عنان في رواند من قبل ...

وهم جميعا يعلمون علم اليقين أن المبعوث الثاني للأمين العام للأمم المتحدة السيد الأخضر الإبراهيمي إنما استقال للسبب نفسه . استقال احتجاجا على مواقف المجتمع الدولي ، مواقف أوباما ودول ما يسمى العالم الحر ، المصرة على ألا تفعل شيئا لوقف شلال الدم في سورية . والمصرة على المراوغة مع بشار الأسد تحت شعار الحل السياسي لكسر إرادة السوريين بإنهاكهم قتلا وتشريدا ..

طبقا عن طبق ظلت المراهنات (الأسدية – الدولية ) المشتركة خاسرة ؛ فقد انتصر الشعب السوري الثائر على بشار الأسد ، فزجوا بحزب الله إلى جانبه في المعركة كقوة داعمة إضافية . انتصر الشعب السوري الثائر على بشار الأسد وحزب الله فزجوا بما يقرب من ستين فصيلا عراقيا شيعيا علهم يوازنون كفة الصراع .انتصر الشعب السوري الثائر على بشار الأسد وحزب الله والعصابات العراقية فزجوا بالحرس الثوري الإيراني كقوة مكشوفة دخلت هي الأخرى لتحمي المواقع المتداعية لبشار الأسد . وانتصر الشعب السوري عليهم مرة ثالثة و رابعة فزجوا أخيرا بقوة دولية عظمية لتبيد شعبا ، وتمحوه عن الخارطة أو تكسر إرادة أبنائه . كل الخطوات تلك وقعت خارج إطار القانون الدولي . محت حدودا ، وتجاوزت قوانين وأعراف ، حضت على الكراهية ، أشعلت نيران الطائفية ، استخدمت كل الأسلحة المحرمة دوليا ولم يبق إلا السلاح النووي لأنهم فيما نظن لا يملكوه ...

واكتفى كل الذين يقال لهم أو عنهم ( كبار ) بالصمت ، ولوك بعض العبارات عن (حل السياسي) كتلك التي يلوكها اليوم الجالسون على مائدة فيينا والراجين منهم على السواء

ومع كل الذي جرى ويجري على الشعب السوري والأرض السورية ، ومع فداحة الخطب ، وعمق المأساة بأبعادها الإنسانية والأخلاقية والسياسية ؛ ما زالوا يلوكون العبارات نفسها ، وبالأسلوب المجرد من المصداقية والجدية نفسه ..

ومع كل ما جرى ويجرى خرج فيصل المقداد منذ أيام من طهران وهو نائب وزير الخارجية الأسدي ليؤكد للعالم ما سبق أن أكده الأسد والمعلم لكوفي عنان ..وللأخضر الإبراهيمي : ( لا للمرحلة الانتقالية ) والتي تعني مباشرة ( لا للحل السياسي ..) الذي يلهث وراءه اللاهثون ..

والإعلان من طهران له معناه ومغذاه ودلالاته في أفق الصراع بين استدعاء بشار لموسكو وبين الاسترعاف العملي بطهران

من قبل تعامل كوفي عنان مع المعادلة بموضوعية فاستقال .. وتعامل معها الأخضر الإبراهيمي بموضوعية فاستقال ..

إلا ممثلو المعارضة السورية يرفضون أن يتعاملوا مع المعلومة بموضوعية ، يرفضون أن يؤسسوا عليها موقفا وطنيا يضع حدا لعالم اللجاجات المستهتر بالقتل المتلذذ بمشهد الدماء . يرفضون أن ينبذوا إلى المراهنين على كسر إرادة السوريين على سواء ...

الشعب السوري الثائر يؤمن أن للكون خالقا مدبرا قويا عزيزا يقصم الجبارين وينصر المستضعفين . ولعل المتسلطين على قراره بهذا الإله لا يؤمنون ...

( وما كنا غائبين )

لندن : 28 / محرم / 1437

10 / 11 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

==================

بين "حفرة" اللاذقية والمهدي .. زهير قصيباتي

الحياة

الخميس 5-11-2015

كاد قائد "الحرس الثوري" الإيراني محمد علي جعفري يتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بأنه يتواطأ لمنع ظهور الإمام المهدي، بتدخُّله عسكرياً في سورية، وسحب مفتاح القرار والوصاية هناك من جيب مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران علي خامنئي. فتدخُّل الروس، حشر الجانب الإيراني والرئيس بشار الأسد في زاوية الريبة والشكوك التي تطاول حقيقة ما يسعى إليه الكرملين، وهو حتماً لن يخوض صراعاً لخمس سنوات أخرى كما فعلت إيران بلا جدوى... إلا إذا استُثنِيَ حجم الخراب في سورية وعدد الضحايا، واهتراء ما بقي من سلطة النظام، على جزء محدود من الأرض.

ما أراد جعفري قوله، إن التدخل الروسي في ليلة مظلمة ظن نظام الأسد في البداية أنها المفاجأة السعيدة لإنقاذه وهو في الرمق الأخير، يحول دون "توحيد قلوب شعوب العراق وسورية وإيران الذي يعني تشكيل الأمة الواحدة... وهذه تمهّد لظهور الإمام المهدي".

والأهم في المفاجآت غير السارّة للنظام، أن يدشّن جعفري السجال العلني الذي ينضح مرارة إيرانية إزاء وضع بوتين يده على مفتاح الحرب في سورية، ليعلن قائد "الحرس الثوري" ان روسيا "لا تبدو سعيدة بالمقاومة الإسلامية".

لا إيران سعيدة إذاً بطائرات الكرملين تحلّق في فضاء سورية، من دون أن تكون لأحد القدرة على التحقُّق من حجم الأهداف التي تدمّرها، ولا نظام الأسد يمكنه أن يبقى في دائرة الوهم، وتخيُّل إخلاص القيصر لصداقته، وهبّته المفاجئة، فقط لإنقاذه. لا طهران تملك ما يكفي من الأدوات لعرقلة سعي موسكو إلى فرض تسوية ما في سورية قد تقتضي "التضحية" بالأسد رئيساً، ولو على مراحل، ولا الكرملين يمكنه أن يراهن على حسم عسكري، يعفيه من مهمة "إقصاء" رأس النظام المترنّح.

لا تعني مهمة نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد في طهران، سوى شكوى من العرّاب الروسي الذي خلط أوراق الصراع في سورية، ولجم رهانات نظام الأسد وحلفائه في إيران على انتصار مقولة "كل المعارضة تكفير وإرهاب"... أما الدليل فهو التلميحات الروسية بل "اصطناع" موسكو وفوداً من "الجيش الحر" تزورها لتبادل الأفكار، والتمهيد لمرحلة انتقالية في سورية. صحيح أن الروس ما زالوا يصرّون على أن مصير الرئيس الأسد هو شأنُ السوريين، ويحذّرون من "الحفرة السوداء الكبيرة" التي ستنجُم عن تغيير نظام آخر في الشرق الأوسط، لكن الصحيح كذلك هو أن بوتين لن يبادر الآن إلى حرق ورقة الأسد، فيما المفاوضات الجدية مع المعارضة السورية لم تبدأ بعد. وهي لن تبدأ قريباً، بدليل الرسالة التي أعلنها فيصل المقداد من العاصمة الإيرانية، ليحجّم بيان جنيف، باعتباره المرحلة الانتقالية مجرد "وهم".

وإذا كان الأسد يظنها كذلك، فعلى ماذا سيفاوض، والأهم أنه في الوضع الحالي لنظامه لن يملك القدرة على انتزاع مبضع الجرّاح الروسي الذي يبدو مستعجلاً لوضع سورية في غرفة العناية الفائقة. ويرى بعض العارفين بنهج روسيا "الجديدة" التي يريدها بوتين، أن "الثعلب" الذي نجح في انتزاع شبه جزيرة القرم في "غفلة" من الحلف الأطلسي، لن يستسلم بسهولة ليعود من اللاذقية الى شواطئ قزوين، مهزوماً أمام "النصرة" و "داعش".

ما يطمح إليه الكرملين هو صيغة تجمع النظام السوري والمعارضين "غير الإرهابيين"، وتحميها الدول الكبرى بغطاء جوي لاستكمال المعركة مع "داعش". وواضح ان مصير الأسد سيبقى لدى الروس في دائرة "الغموض البنّاء" فلا نعم لبقائه ولا العكس، حتى تنضج تجربة فرز المعارضة بين "أخيار" و "أشرار" في المرحلة الأولى، من دون اشتراط موافقة الأسد عليها.

إذاً، سيكون على الكرملين اختبار صبره على إعادة تشكيل النظام السوري، الذي سيدير مؤسسات الدولة، وإن كان لا يمانع في دعوة "الإخوان المسلمين" الى المشاركة في منتدى حوار موسكو، باعتبارهم جزءاً من المعارضة، فقد يبرز "فخ" آخر للنظام، بعد اعتماد مبدأ تصويت السوريين في الخارج، في أي انتخابات مقبلة.

لا يقلق القيصر أن يدجّن حلفاء "الحرس الثوري" في سورية الذين باغتهم تبديل قواعد الصراع. فبعدما تأخر كثيراً "توحيد القلوب" وسقط مئات الآلاف من السوريين والعراقيين، قد لا يبدو إغراقاً في الخيال تصوُّر تقاطع مصالح، يفوّض فيه الأميركي موسكو تفكيك الشبكة الإيرانية للنظام السوري.

ألم ينجح في اقتياد الأسد الى تسليم الترسانة الكيماوية السورية؟

=====================

إستراتيجية أسوأ الحلول للأزمة السورية .. غازي دحمان

الحياة

الخميس 5-11-2015

هل هناك شيء إسمه استراتيجية أسوأ الحلول، وهل يمكن لطرف معيّن ان يصمّم أوضاعاً، عسكرية وسياسية، تؤدي إلى تطبيق هذه الإستراتيجية، ولعل الأهم من كل ذلك ما إذا كانت هناك أطراف قد تقبل بالإنخراط بهذه الوضعية والقبول تالياً بإشتراطاتها ومخرجاتها؟

ليس ما سبق أسئلة عصف فكري بل هي مقاربة للإسلوب الذي تستخدمه روسيا في إدارة الصراع السوري ومساوماته وشروط اللعبة فيه، وهي، حتى اللحظة، تفرض هذا الإيقاع بمهارة عبر صناعة سياقاته وتصميم الظروف المناسبة لموضعته كخيار وحيد، وما على الاطراف الأخرى سوى التكيف معه أو إختيار بدائل من الهامش الذي يتيحه هذا الخيار.

تقوم هذه الإستراتيجية على قراءة الوضع وبخاصة من نقاط ضعفه والتركيز على الإشكاليات ومواضع اللبس فيه، وتعيين الخواصر الرخوة التي سيجري الدخول منها إلى قلب الحدث، وصناعة السردية المناسبة لمواكبة الإنخراط وترويجها إعلاميا باعتبارها الصورة الحقيقية للحدث وما يجري هو العلاج الذي تأخر وصار لازماً إستعماله.

وهكذا، فإن بقاء نظام بشار الأسد وإعتراف العالم بالهيمنة الروسية على سورية ومراعاة مصالح إيران ونفوذها، هي أسوأ الحلول، حتى روسيا نفسها لا تطرحها بأكثر من هذه الصفة، لكنها رغم ذلك تروّج لها على أنها الحلول الوحيدة الممكنة للمحافظة على مؤسسات الدولة السورية وبقاء سورية كياناً موحداً، إضافة إلى المحافظة على التوازنات الإقليمية، وضمان إستمرار إشتغال النظام الدولي بآلياته التقليدية.

وبنطوي هذا الحل على بدائل أخرى، بعضها مضمر وأغلبها معلن، تطرحها روسيا، وتتشكّل من إستمرار الفوضى الإقليمية واحتمالات إنتقالها إلى كامل الإقليم بما يعنيه من إعادة صوغ النظام الإقليمي على المستويين الجغرافي والديمغرافي، وتقسيم سورية بشكل نهائي بذريعة حماية مكونات معينة من خطر الإبادة طالما أن الأطراف الأخرى لا تستجيب للشروط الروسية، وكذلك إضطراب النظام الدولي غير المستقر أصلاً، إضافة إلى دعم الهيمنة والنفوذ الإيراني في المنطقة، أو على الأقل عدم التدخل لضبطه.

أما التطبيقات العملية لهذه الإستراتيجية فتتمثل في تدمير جميع البدائل المحتملة للأسد وفرضه كخيار وحيد قابل للدعم في سورية، وتقليص خيارات الدول الداعمة للثوار ودفعها لقبول الحل الذي تفرضه روسيا، والذهاب في هذا المنحى إلى ما هو أبعد من ذلك، عبر إستقطاب الأطراف الإقليمية والدولية للحل الروسي تحت عناوين عديدة مثل التنسيق والحياد والدعم، بحيث تتحول الأطراف الرافضة إلى أقلية معزولة وغير مؤثرة.

وتعمل روسيا على تقنين رؤيتها عبر تسوية سياسية ليصار إلى تثبيت مكاسبها، وتعتقد دوائر صنع القرار الروسي أنها قاب قوسين من فرض خياراتها بعد أن ضمنت موافقة جزء وازن من التكتل الاوروبي وتحييد الإطار الإقليمي بعد إخراج مصر والأردن منه وإرباك تركيا، وبالتالي فإن أسوأ الحلول صار حلاً مقبولاً طالما أن هناك تكتلاً إقليمياً ودولياً يدعمه.

وتبدو أميركا، وهي الطرف الأكثر ثقلاً في هذه اللعبة، خارج الحساب الروسي، طالما أن واشنطن تنهل إستراتيجيتها من صندوف أدوات اوباما المليء بالحذر والتردد، لذا فإنها لا تلمح في تقديراتها غير الخيارات السيئة والمرعبة لها، من نوع خوفها من الغرق في المستنقع السوري واحتمال زيادة الإلتزام المفتوح تجاه أزمة معقدة، فيما تغيب كل الإحتمالات الأخرى المتفائلة بشرق أوسط جديد أو إزدهار قيم الديموقراطية، إذ لم تعد هذه الخيارات في عهد إدارة اوباما عناصر تستحق العمل عليها، بل ثمة قناعة روّجتها إدارة اوباما لتقنع الدوائر السياسية الأميركية بعدم جدوى التدخل في سورية على اعتبار أن استخدام كل القوة العسكرية الممكنة في الشرق الأوسط يترجم غالباً إلى نتائج فقيرة في ما يتعلق بالمخرجات السياسية، وبالتالي فإن من الأفضل الجلوس وإنتظار فشل روسيا الحتمي.

لكن رغم كل ذلك، لا يبدو أن الخطة الروسية تسير صوب إنتاج وضعية مستقرة تتفق مع تخطيطها الإستراتيجي، بل على العكس هناك مؤشرات بدأت تتنامى عن أن تطرف روسيا في خياراتها يدفع العديد من الأطراف الإقليمية والدولية إلى البحث عن خيارات بديلة لمواجهتها ودفعها إلى عقلنة سياساتها في سورية، والمفارقة أن سبب تأخير ظهور إستراتيجية مواجهة للتدخل الروسي حتى اللحظة يتعلق برهانات اكثر الأطراف على ضعف ومحدودية القدرة الروسية من جهة أو رغبة بعض الأطراف في رؤية موسكو غارقة في المستنقع السوري. بإستثناء ذلك فان أغلب الفاعلين غير مستعدين لقبول التغيرات التي ترغب موسكو في إحداثها إن على مستوى إعادة صوغ النظام الإقليمي أو إعادة توصيف تراتبية القوة في النظام الدولي، وتملك الأطراف المواجهة القدرة والإمكانات ليس فقط لإفشال الخطة الروسية بل وعكسها على روسيا نفسها ووضعها أمام أسوأ الخيارات والحلول.

* كاتب سوري

=====================

سوريا ومسيرة "الإنسان" .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الاربعاء 4/11/2015

لقد تردّدت حين عزمت على الكتابة، قبل سنة تقريباً، تحت هذا العنوان. أما التردّد فكان مصدره أمران اثنان؛ الأول منهما يتمثل في كونه حالة معقدة تعودُ إلى ما يُعتبر انفصالاً للإنسان الاجتماعي الجديد عن بداياته البيولوجية. ويبرز الأمر الثاني في تعقيد البحث بهذا الموضوع؛ لضآلة مصادره ومرجعياته التي نحددها في الأدوات المعرفية والأدلة التاريخية، رغم الاقتراب تدريجياً من ضبط تحولاته التاريخية والمجتمعية والمعرفية والسيكولوجية. في ذلك المنعطف المعقد والثري تتبلور عوامل الانتقال من البيولوجي إلى المجتمعي الإنساني؛ وهي التي تجلت، فيما يرى علماء من القرن التاسع عشر، منهم فريدريك إنجلز، في ثلاثة عوامل كبرى وجامعة، هي القدرة على انتصاب الجسد، وتوافر استخدام الأصابع في لُجَّة العمل الإنساني، وأخيراً في تطور دماغي ملفّع بطاقة جديدة مركّزة من القدرة على ضبط الأشياء منطقياً ومعرفياً ونفسياً. في هذا التحول نسجّل توازياً وتقارباً وتفاعلاً بين الذات الإنسانية والعوامل المجتمعية المؤسّسة للموضوعية. ويبدأ التاريخ الإنساني، وتبدأ معه الصعوبات والتعقيدات وكذلك الحوافز وربما الضرورات لنشوء قدرات على ضبط الموضوعي وتحويله إلى إشارات ورموز وكلمات الخ؛ أما المجتمع البشري فينحو نحو تكامله في مساره التاريخي بأبعاده المتعددة، التي تجعل منه سياقاً بشرياً تاريخياً مفتوحاً.

تلك الأفكار كانت مدخلاً إلى فكرة حاسمة، تتجلى في أن الانتقال من البيولوجي الطبيعي إلى المجتمع البشري بدأ يمثل قطب الرحى في التحول البشري.

ذلك أولاً؛ أما الأمر الثاني فيتجسد في أن عملية التحول المذكورة لم تكن متماثلة في المناطق التي راح يتوضّع فيها. وقد ظهر ذلك خصوصاً في عملية التحول من الطبيعي البيولوجي إلى المجتمعي البشري، لكنه يظهر دائماً وفي كل المجتمعات والمناطق الجغرافية متساوياً أو متوازياً. لقد اكتسب ذلك التحول احتمالات مفتوحة تمثلت في التقصير أو في عدم التكامل والتقارب بين تجمع الكائنات الحية وفي مراحل انتقالها من البيولوجي الطبيعي إلى المجتمعي البشري. وهاهنا نكون قد وضعنا يدنا على الاختلافات اللاحقة التي ستظهر بين الحضارات هنا وهناك، الاختلافات التي تجلّت في نِسب التطور المجتمعي والذهني واللغوي وغيره.

وهنا نقول إن فرقاء من تلك الكائنات الحية المتعددة قاربت البنية الإنسانية، دون أن تندمج بها وتتوحد فيها. فالتحول من الحيواني إلى الإنساني لم تتح له إمكانات الاتساق العقلي والنفسي والعاطفي على نحو يحقق التحول بكيفيات متناسقة مع الممارسات المجتمعية الجديدة. وعلى هذا، فقد ظل العامل الثالث في الانتقال الناجز من البيولوجي الطبيعي إلى المجتمعي الإنساني، ضئيلاً وغير حاسم في البنية الدماغية. وهذا ما تجلى في المراوحة بين الوحشي من طرف والإنساني من طرف آخر.

لقد لاحظت ذلك شخصياً في سياق مساعدة المراهقين والمظلومين والمدانين وذوي المعتقلين والمخطوفين والمفقرين المذلين وغيرهم من الرجال والنساء والأطفال. فسمات من يقومون بمواجهة هؤلاء قريبة من سمات وهيئات ومظاهر الأفاعي القاتلة السامة. لقد ظهر في سياق ذلك الفعل الدّامي أن ثنائية الوجود والعدم في حياتهم هي أقرب إلى العدم: فأولئك بعد أن يقترفوا أشنع طرائق القتل والاستباحة والتدمير، يلجؤون لحرق ما تبقى من مظاهر الحياة الإنسانية، مجسدين تلك الثنائية لمصلحة الإماتة والتفجير والسحق.

وبذلك تدور دورة التاريخ البشري، والسوري من ضمنه، بمشاركة الوحوش الضارية في الوصول إلى موت محقق للسوريين؛ لكن في هذا وذاك، يتصاعد ضوء يكاد يتماثل مع شمس الحياة في وطن عريق يتجدد!

======================

محادثات حول مصير سورية في غياب السوريين .. عبدالباسط سيدا

الحياة

الاربعاء 4/11/2015

كُتب الكثير حول التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية، وقُدم العديد من التحليلات والاستنتاجات التي استندت إلى جملة من النظريات المتباينة. منها ما انطلق من فكرة التوافق بين الروس والأميركيين على "حلٍّ" ما، ومنها ما اعتمد فكرة التعارض بينهم، فيما تحدث آخرون عن بداية التفارق الروسي - الإيراني، وحاول بعض من مؤيدي النظام وأتباعه الترويج لفكرة وجود استراتيجية روسية - إيرانية متكاملة ستتجسّد مآلاتها في القضاء النهائي على القوة العسكرية للمعارضة السورية تحت شعار مكافحة الإرهاب، هذا الشعار الممجوج الذي بات وسيلة لتسويغ وتمرير المشاريع التي لا يستطيع أصحابها التحدث عنها علناً، لأنها في الأحوال العادية عصيّة على أي تسويغ.

لكن حتى الآن، وبعد مرور أسابيع عدة على بداية الغارات الروسية المطعّمة بالصواريخ الباليستية، وهي مدة لا يستهان بها وفق المقاييس والحسابات العسكرية، لا يبدو أن تغييراً نوعياً في الموازين قد حدث على الأرض. على النقيض من ذلك، تمكنت فصائل المعارضة الميدانية من امتصاص الصدمة، والتكيّف معها، كما حققت الفصائل المعنية الكثير من الإنجازات، بخاصة في ميدان تدمير دبابات النظام وآلياته وإلحاق خسائر جسيمة بالقوات المهاجمة على الأرض، سواء تلك الإيرانية، أم تلك التي تخصّ حزب الله والمجموعات الأخرى التي استقدمتها إيران من مختلف الأنحاء والأصقاع، في إطار ما تسوّقه كحرب "مقدّسة" لحماية الأماكن المقدّسة. وهكذا تقاطع "المقدّس" الإيراني مع "المقدّس" الأرثوذكسي الروسي في مواجهة افتراضية مع "المقدّس" الداعشي.

أما على الصعيد الواقعي، فما يجري لا يخرج عن نطاق جهود حثيثة يبذلها كل طرف لتحقيق مصالحه على حساب الشعب السوري، ومن دون أي اعتبار للتدمير الذي تتعرض لها سورية على صعيد الشعب والنسيج الوطني المجتمعي والبنية التحتية والكوادر والمؤسسات.

لكن الأمر اللافت أن التدخل الروسي كان في مثابة الخطوة التي حركت المواقف الإقليمية والدولية في خصوص سورية، وذلك بعد فترة ركود نسبية استمر خلالها التطاحن بين مختلف القوى في الداخل السوري، وتفاقمت أزمة اللاجئين وباتت تشكّل هاجساً كبيراً بالنسبة إلى دول أوروبا الغربية، وذلك من جهة تكاليف الاستيعاب، وردود الأفعال المجتمعية الآنية، وتبعاتها المستقبلية. وقد أوحى الترقّب الأميركي الواضح، كما أوحت ردود الأفعال المدروسة من جانب السعودية وتركيا على وجه التحديد، بوجود نَفَسٍ جاد للبت في إمكان الوصول إلى حل سياسي لمعالجة الجرح السوري المفتوح، وهو الذي بات يؤثر فعلاً في الجوار الإقليمي، وستمتد نتائجه إلى المحيط الدولي - الأوروبي الأقرب، إن لم نقل إنها امتدت فعلياً.

وقد جاء اجتماع فيينا في 23 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي ليجسّد النَفَس المشار إليه، ويعلن انطلاقة المحادثات الدولية - الإقليمية للتوصل إلى حلٍّ يكون في مثابة تقاطع مصلحي بين الجميع. ويبدو أن التوافق الأولي على الخطوط العامة قد حصل، ومنها الحفاظ على وحدة سورية، وهوية الدولة، وتغيير الحكم. وهي خطوط تلتقي في إطارها العام مع توجهات الشعب السوري بمختلف مكوّناته. لكن العقدة ستكون في التفصيلات، وعملية إخراج المتفق عليه، وترجمته واقعاً على الأرض.

السوريون بكل مكوّناتهم، يريدون الحفاظ على وحدة بلدهم، لأنها الضمانة الأفضل لهم ضمن الظروف والمعطيات الحالية، وذلك بعد عقود من العيش المشترك والتفاعل. لكن التجربة أثبتت أن هذه الوحدة لا يمكنها أن تتعايش مع الاستبداد والإفساد، ومع النزعات المذهبية - الطائفية اللاعقلانية، أو القوموية العنصرية الانعزالية. ولذلك لا بد من دولة محايدة أيديولوجياً ودينياً وقومياً يحترم دستورها جميع الخصوصيات، ويعترف بحقوق سائر الجماعات التي يتشكل منها الشعب السوري، والتي من أجل شبابها وأجيالها المقبلة كانت الثورة.

فظاهرة "داعش"، الأقرب إلى الشركة المخابراتية المساهمة، لا تنسجم مع طبيعة المجتمع السوري، وتتناقض مع التوجه التقليدي للاعتدال السني السوري. كما أن ظاهرة ولاية الفقيه، و "حزب" الله و"جنوده" تدفع بالسوريين، بخاصة العلويين منهم، نحو حالة اغتراب لم ولن ينسجموا معها أبداً.

كما أن التوجهات العقائدية القوموية بمختلف أسمائها وتفرعاتها، العربية منها والكردية وغيرها، شكّلت على الدوام، وما زالت، عائقاً أمام تفاعل السوريين ووحدتهم الوطنية، ومهدت الطريق باستمرار أمام الشكوك والهواجس المتبادلة.

ما ينقذ سورية، ويطمئن كل مكوناتها، جماعات وأفراداً، هو المشروع الوطني لكل السوريين ومن أجلهم كلهم على قاعدة احترام الخصوصيات والحقوق. ومشروع كهذا سيكون في المنظور البعيد لمصلحة دول الإقليم ومجتمعاته، لأنه سيساهم في ترسيخ معالم الأمن والاستقرار في المنطقة، وسيفتح الآفاق واسعةً أمام المشاريع التنموية القادرة على استيعاب الطاقات الشبابية، وتوظيفها في خدمة التطوير المجتمعي المتوازن، ما يشكّل ضمانة أكيدة للمصادرة على النزعات المتطرفة، وتجسّداتها وتحوّلاتها الإرهابية.

ويبقى موضوع تغيير الحكم المفتاح لبلوغ المذكورين. فالحكم الحالي هو الذي أوصل البلاد والعباد إلى الوضع الكارثي الشمولي الراهن، ومن دون تغيير جذري نوعي فيه ستظل دوّامة العنف، وستستمر المأساة، وسيتواصل تدفق السوريين نحو المهاجر، كما سيتوالى توافد جنود مقاتلي المشاريع "المقدسة" إلى سورية ليعيثوا فيها فساداً وتدنيساً.

ويبدو أن المجتمعين في فيينا لم يتوافقوا بعد حول التفصيلات الخاصة بالتوجهات الأساسية الثلاثة: وحدة سورية، هوية الدولة، وتغيير الحكم. ولهذا كان الاتفاق على استمرار اللقاءات، وتوسيع دائرتها، لتشمل المزيد من القوى الإقليمية والدولية. وهذا أمر يستشف منه ظهور صيغة ما من التوافق الأميركي – الروسي، وهو توافق أثبتت التجربة المريرة لأكثر من أربعة أعوام، أنه يبقى الأساس والمدخل لأي حل ممكن يراعي مختلف التوازنات.

لكن الطريف والأليم في الوقت ذاته، أن الكل يزعم حرصه على مصلحة السوريين، ويعلن احترامه قرارهم، لكن مع ذلك يبقى السوري في المعارضة والموالاة آخر من يعلم بخبايا الطبخة وماهيتها.

أما الأمر الأهم الذي ينبغي أن يعلمه الجميع، فهو أن أي حل مقترح أو مفروض لا يرتقي إلى مستوى تضحيات السوريين وتطلعاتهم، سيبقى مجرّد إجراء طارئ وقتي، ولن يساهم في معالجة الجرح السوري النازف، بل سيزيده نزفاً وتأثيراً، ويجعل علاجه أكثر صعوبة وتعقيداً.

======================

موقفنا : أيها السوريون احذروا ... تحت إشراف الأمم المتحدة تمت جرائم العصر الكبرى .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 4/11/20158

في رواغ العقول والقلوب ، فيما يمكر به الروسي والأمريكي اللذان ينسقان معا في سماء سورية الحبيبة لتوزع الحصص من دماء السوريين أطفالا ونساء شيوخا وشبابا ، كما ينسقان معا على مقاعد المكر في فيينا وبحضور ثالثهم في الإثم والشر الإيراني ، تتحدث المقررات الخادعة عن الصيرورة إلى انتخابات في سورية الحبيبة ، بعد ما يسميه الأشرار المتواطئون ( المرحلة الانتقالية ) ، التي تعني الشراكة الضيزى مع عصابة القتل والإجرام . وزيادة في التمويه والتمييع يقرر الشريران الأكبر في العالم أن تتم الانتخابات الموعودة تحت إشراف ما يسمى ( الأمم المتحدة ) فعن أي شر يتحدث خطير يتحدث هؤلاء الماكرون .

 وكان حقيقا بمن يتولون أمر تمثيل هذه الثورة العظيمة الجميلة المباركة ، أن يبادروا ليشرحوا للمواطن السوري حقيقة هذا (الإشراف ) وطبيعته وتجاربه الواقعية منذ أن قامت هذه المؤسسة ، التي أخذت على عاتقها تغليف باطل أهل الباطل المستند إلى القوة بزخرف الشرعية الدولية التي لم تحي في يوم منذ تأسيسها حقا ولم تمت باطل ..

احتفل العالم منذ أيام قريبة بالذكرى السبعين لقيام هذه المؤسسة الخداج ، التي أُسست على شفا جرف من احتكار القرار والصواب فكانت في عقودها السبعة مثل السوء لكل شر أصاب المستضعفين في الأرض كل الأرض .

لقد كان بلدنا الصغير سورية من الدول المؤسسة لهذه المنظمة الدولية ، واليوم وإذ ترمي هذه المؤسسة سكينها على حلق شعبنا، بعد أن تخلت عنه على مدى خمس سنوات يقتل وينتهك ويشرد ؛ فإن بعض الحق المطلوب من الرائد الذي يقبح أن يكذب أهله ، أن نقرأ على هذا الشعب الثائر والمبتلى بعض أسطر من دلالات الإشراف الدولي وتجاربه وإنجازاته .

إن منظمة الأمم المتحدة أيها السوري الحر النبيل..

كانت كما تعلم وتذكر ولا تنسى هي المنظمة الأكثر فحشا في التاريخ الإنساني يوم كانت أداة مع سني تأسيسها الأولى لشرعنة قيام الكيان السرطاني المغتصب لأرضنا والمشرد لإنساننا . الأمم المتحدة ، التي يدعونها اليوم لتكون حارسا على حقك في وجودك وحاضرك ومستقبلك ، هي التي أقرت تقسيم فلسطين . وشرعنت اقتلاع الإنسان الفلسطيني من أرضه وتشريده تحت كل نجم وتوطين ، أناس لا يمتون إلى هذه الأرض عليها . فأي عاقل يتوقع أن تكون الأمم المتحدة أكثر عدلا وإنصافا ومراعاة لحق الإنسان السوري منها مع شقيقه الفلسطيني ....؟!

الأمم المتحدة أيها السوري الحر النبيل ..

هي المنظمة التي كانت حاضرة في 1994 وبشخص نائب أمينها العام ( كوفي عنان ) مع قواته الأممية والبلجيكية ، التي كانت حاضرة صامتة متفرجة يوم تركت لهستيريا القتل في رواندا أن تبلغ مداها . وتركت لقبائل الهوتو أن يقتلوا ثماني مائة ألف إنسان من التوتسي في غضون مائة يوم فقط . يقول المحللون إن الفارق بين ما جرى في رواندا وعلى شعبها وبين ما يجري في سورية وعلى شعبها هو في الزمن الممتد هنا والزمن المتسارع هناك . ويؤكدون أن الزمن الممتد يعني أن الصامتين على جريمة البراميل الأسدية متواطئون معها ، أو مستمتعون بها .

في رواندا صمتت قوات الأمم المتحدة ، وتفرجت ، واستمتعت بذريعة أنه ليس هناك أوامر أو تعليمات ، واليوم تصمت الأمم المتحدة وتتفرج وتستمع في سورية هنا بحجة أنه ليس هناك توافق دولي ...

غياب التوافق الدولي عن لجم جريمة حرب الإرادة يعني بمفهوم المقابلة الاسترسال في دعم مشروع هذه الجريمة أو الصمت عنها . وفي السياق نفسه يجب أن نذكر كي لا ننسى غض الصمت والفرجة عن وعلى قتل وذبح وحرق الروهينغا من المسلمين على أيدي البوذيين الوادعين المسالمين ؛ فأي عاقل يقبل ؟! وأي عاقل يثق ؟! وأي عاقل يطمئن ؟!

والأمم المتحدة أيها السوري الحر النبيل ...

وفي سنة 1995 وفي عهد أمينها العام أيضا ( الإيجبتي ) بطرس غالي كانت حاضرة صامتة متفرجة ، بل كانت شريكة في عملية ذبح 8000 ثمانية آلاف مسلم في سربيرنتيشا الشهيدة ..

سربيرنتيشا التي وثق شبابها ، كما يريدونك اليوم أيها السوري الحر الجميل أن تثق ، وسلموا أسلحتهم للمنظمة الدولية كما يخططون لك ، ويراودونك عن ثورتك لتفعل ؛ وإليكم – أيها السوريون - شذرات من الحكاية المدمسة بالدم ...

ففي عام 1993 أعلنت منظمة الأمم المتحدة مدينة سربيرنتيشا منطقة محمية وآمنة تحت إشراف قواتها . وفرزت لحمايتها كتيبة هولندية كاملة من 400 مائة جندي ..

وطالبت سكان سربيرنتيشيا أن يثقوا بحمايتها ، وبزرقة قبعات جنودها ، وأن يسلموا أسلحتهم لها ، كما قد يطلبون منكم أيها السوريون الأبطال واسمعوا إلى أين وصل بمن وثق بالأمم المتحدة المسار ..

وثق المسلم الطيب ، بل المغفل، بالقبعة الزرقاء ، وسلم حراس المدينة من شباب البوشناق المتطوعين أسلحتهم ، وارتاحوا إلى أمان الأمم المتحدة اللازوردي .. وبعد أقل من عشرين شهرا - أيها السوريون الأبطال - أي في شهر تموز من عام 1995 تقدمت ميليشيات (العقارب الصربية ) وهذا هو اسمها الحقيقي ، كما لوكنت أقول لكم الميليشيات الأسدية أو الحزبلاوية أو الإيرانية الطائفية نحو المدينة الصغيرة ، ووقف أصحاب القبعات الزرق يتفرجون بل يستمتعون ؛ لقد بلغ بهم الحقد والنذالة أن رفضوا إيواء من آوى إلى ثكنتهم من نساء وأطفال . بل والأبلغ في الدلالة على ما لا أريد أن أسميه رفضوا إيواء موظفين مترجمين من العاملين معهم وفي خدمتهم بل أسلموهم إلى الذبح وهم يبتسمون ..

تقدمت ميليشيا العقارب الصربية ، تحت إشراف قوات الأمم المتحدة والكتيبة الهولندية لا تنسوا هذا ، نحو المدينة الذبيحة ، ومرة أخرى تستطيعون إعادة تصورها وتسميتها من جديد : أسدية ..إيرانية .. حزبلاوية .. روسية . .. وعزلوا الرجال من سن الرابعة عشرة وحتى الخامسة والخمسين فأبادوهم جميعا وجنود الأمم المتحدة يتفرجون . والتفتوا إلى النساء يغتصبوهن في حملة منظمة ممنهجة أمام ذويهم من الأطفال والشيوخ وجنود الأمم المتحدة يستمتعون ...

تحت إشراف الأمم المتحدة وقواتها ورجالها تم كل هذا في سربيرنيتشا ومثله بل وأكثر منه في سورية يمكن أن يتم .

 أيها السوريون الأبطال الأحرار

سيحدثكم الكثيرون غير هذا الحديث ، وسيعدونكم وعودا أخرى كما وعدوا شباب سربيرنتيشا من قبل ، سيقولون لكم فن الممكن ، والإرادة الدولية ، والخطوة خطوة ، والعالم الحر ، والرأي العام العالمي ، والأمم المتحدة فاحذروا ، احذروا أن تكون لحوم جزار ، وحصاد مستحصد وقد خدعكم المناورون عن سلاحكم ..

ثمانية آلاف إنسان حصدوهم في سربيرنيتشا في أيام معدودات وكان جرح الشرف والكرامة على الحرائر أقسى ..

وفي اجتماع مغلق لمجلس الأمن في 10 / آب / 1995 أي بعد شهر من وقوع المجزرة ، عرضت (مادلين أولبرايت) في جلسة مغلقة في مجلس الأمن صورا ملتقطة بواسطة الأقمار الصناعية يظهر فيها مكان دفن القتلى المسلمين . وبالتحقيق تم العثور على ثلاث وثلاثين جثة فقط . كان الموقع الذي أعلنت عنه وزيرة الخارجية الأمريكية للتضليل نعم لمجرد التضليل وكان هذا هو رأي المحققين والمتابعين..

لتكتشف بعد ذلك المقابر الجماعية واحدة بعد أخرى .و يعتقد الكثير من المحققين منهم جورج بمفري أن الحكومة الأمريكية كانت متورطة . وأن كلينتون سارع للتدخل ليغسل آثار الدم عن يدي حكومته ..

وبقية الحكاية أنه في 8 / تموز 2015 / استخدمت روسية حق النقض ضد قرار يصف ما جرى في سربيرنتيشا بأنه مجزرة جماعية ...!!

أيها السوريون الأحرار الأبطال ..

 إلى هذا المصير يريدون أن يجروكم . ومن كان سلاحه بيده كان قراره بيده . ومن كان قراره بيد غيره كانت حياته وموته رهن إشارة الآخرين .

أيها السوريون الأحرار الأبطال ...

لقد حملتم السلاح دفاعا عن العرض والنفس عن اليوم والغد ، وكان هذا القرار قراركم أخذتموه بمحض إرادتكم ولن يغفر لكم الجزار ذلك القرار ما بقي ، إن بقي ..

احزموا أمركم ، ولا تجعلوه عليكم غمة ، ووحدوا صفكم ، وتوكلوا على ربكم ، فقد أزفت والله على أرض الشام الآزفة ، ليس لها من دون الله كاشفة ، ووالله ما جمعهم على أرضكم وفي سمائكم إلا حرص يقتلهم على إنقاذ عدوكم فلا يغرنكم أن تسمعوهم يتباكون عليكم ، وعلى ما حل بكم وفي دياركم ..

ولو كانوا تهمهم دماؤكم أو تشردكم أو دمار دياركم لمنعوه أولا أن يقع ، ثم لتداركوه ثانيا قبل أن يتمادى ، ثم لوضعوا له حدا قبل أن يعم ويطم ..

قالوا : نتركهم ينهكون بعضهم ، فلما رأوكم أنهكتموه وما تزال همتكم تزيل الجبال الرواسي هبوا من كل حدب ينسلون ، حرصا على بقاء ( قدار) ورهطه رهط الجريمة ، وقوم سدوم في أنواع من الكبائر والفواحش ما سبقهم بها أحد من العالمين ...

على أرض الشام ننادي على كل من آمن بالله ربا أن ينخلع من هوى ومن مأرب ، وأن يتجرد لتكون كلمة الله وحده هي العليا لا كلمة تنظيم ولا دولة ولا كتائب ولا ألوية متفرقة أيدي سبا ...

أيها السوريون الأحرار الأبرار

تحت إشراف الأمم المتحدة جرت كبرى جرائم العصر فاحذروا أن تكونوا بعض ضحاياها . الطريق صعب والخاذلون كثر (( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ))

لندن 22 / محرم / 1437

4 / 11 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

==================

بيان فيينا وتفاهمات جديدة .. حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الاثنين 3/11/2015

على الرغم من إقرار الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، بفشل اجتماع فيينا لعدم الاتفاق على مصير الأسد، فإن الاجتماع، بحد ذاته، شكّل تطوراً مهماً على صعيد حل الأزمة السورية، فلأول مرة تُشارك قوى إقليمية متعارضة حول سورية على طاولة واحدة. ولأول مرة، يجري التوافق على شكل سياسي موحد للحل في سورية. ولأول مرة، يتم استبعاد السوريين أنفسهم من اجتماع دولي موسع كهذا، ولأول مرة تبدأ الأطراف بتحديد هوية الفصائل والقوى التي تقع خارج دائرة الإرهاب.

وقد بدا واضحاً أن الاجتماع سيكون مختلفاً عن أية اجتماعات سابقة مخصصة لبحث الأزمة السورية، حيث ظهرت مؤشرات إيجابية عدة قبيل عقده، منها أولاً، تلميح إيران إلى تفضيلها مرحلة انتقالية مدتها ستة أشهر، تعقبها انتخابات لتحديد مصير الرئيس بشار الأسد، على الرغم من نفي أمير عبد اللهيان، نائب وزير الخارجية الإيراني وعضو الوفد الإيراني في المحادثات، هذا الكلام الذي نسب إليه. ومنها ثانيا، إعلان مندوب روسيا في مجلس الأمن، فيتالي تشوركين، من أن النظام السوري أوقف القصف بالبراميل المتفجرة، إثر دعوات متكررة من موسكو بشكل خاص لوقف استخدامها لتجنب سقوط ضحايا مدنيين. ومنها ثالثا، تصريح ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية الروسي، بأن موسكو والرياض تبادلتا قوائم بشأن الشخصيات المعارضة التي يمكن أن تشارك في مفاوضات مع الحكومة السورية، بما فيها "الجيش الحر" والأكراد.

انتهى الاجتماع باتفاق 17 دولة، إضافة إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، على نقاط تسع شكلت مبادئ عامة للحل السياسي في سورية: وحدة سورية واستقلالها وهويتها العلمانية، بقاء مؤسسات الدولة، تشكيل حكومة ذات مصداقية وشاملة، وضع دستور جديد، إجراء انتخابات جديدة، تنفيذ وقف إطلاق النار في كل أنحاء البلاد.

تشكل هذه النقاط تطوراً إيجابياً من حيث المبدأ، وإن لم تصل إلى المستوى الذي تنشده المعارضة السورية وداعموها الإقليميون. لكن، ثمة جديد هنا، فقد انتقل التفاهم من المبادئ العامة الفضفاضة إلى المضامين السياسية والآليات التي يجب اتباعها، والتي ستكون مثار نقاش الاجتماعات المقبلة.

اعتمد البيان الختامي لاجتماع فيينا على بيان مجموعة العمل الدولية (بيان جنيف)، وتجاوزه

"تجاوز بيان فيينا وثيقة جنيف لجهة شكل هيئة الحكم، فجنيف تنص على تشكيل هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة، فيما دعا البيان إلى تشكيل حكومة ذات مصداقية" في آن معا، فالفقرة السابعة من بيان فيينا تؤكد أن آلية الحل السياسي متضمنة في بيان جنيف، بعدما أصبح قاعدة سياسية وقانونية وفق المادتين 16 و17 من قرار مجلس الأمن الدولي 2118، خصوصا فيما يتعلق بالمرحلة الانتقالية. وفي الوقت نفسه، تم تجاوز وثيقة جنيف لجهة شكل هيئة الحكم، فبعدما أكدت الوثيقة على ضرورة تشكيل هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة، يشارك فيها النظام والمعارضة مناصفة، دعا بيان فيينا إلى تشكيل حكومة ذات مصداقية وشاملة وغير طائفية. وهناك فرق كبير بين الحالتين. في الأولى، تنتزع صلاحيات الرئاسة، وتعطى إلى الحكومة التي ستكون مشرفة على المؤسستين، العسكرية والأمنية. وفي الحالة الثانية، لن تكون الحكومة المقرر تشكيلها ذات صلاحيات كاملة، وإنما ذات صلاحيات معقولة، يجعل منها حكومة جديرة بالثقة.

لكن، حتى الآن لا تبدو الصورة واضحة حول عمل المؤسستين العسكرية والأمنية، هل سيتم تقسيمهما؟ بحيث تكون المؤسسة العسكرية ضمن صلاحيات الرئاسة، في حين تكون المؤسسة الأمنية ضمن صلاحيات الحكومة التي تتشكل من النظام والمعارضة، بحسب ما سرّب، ما يعني أن المؤسسة الأمنية فعليا لن تكون بالكامل تحت سلطة المعارضة. وتنجم عن هذه المسألة تفرعات كثيرة، منها ما هو مصير فصائل المعارضة المسلحة التي ستدخل في العملية السياسية والعسكرية؟ ولمن ستؤول صلاحية السيطرة عليها، وكيف يمكن فرز بعض هذه الفصائل عن الأخرى التي تندرج في قائمة الإرهاب، مثل "جبهة النصرة"، في ظل التحالفات الميدانية القائمة الآن.

وهناك مشكلة أخرى مرتبطة بتحديد هوية المعارضة السياسية، بعدما تشكلت في سورية معارضات، يتماهى بعضها مع نظام الحكم في دمشق (حزب الشعب، حزب التضامن، حزب التنمية، حزب الشباب الوطني للعدالة والتنمية، التجمع الأهلي الديمقراطي للأكراد السوريين، تيار سلام ومجد سورية)، وبعضها الآخر يقف مقابل النظام (الائتلاف)، في حين بقيت أطراف أخرى بين المنزلتين (هيئة التنسيق، تيار بناء الدولة). على أن الإشكالية الكبرى التي تواجه المعارضة وداعميها، هي هل يمكن المشاركة في هذه الحكومة، قبيل معرفة مصير الأسد؟ بعبارة أخرى، هل سيؤدي هذا المسار السياسي، في النهاية، إلى رحيل الأسد، وعدم ترشحه للانتخابات؟

تبدو الإجابة عن هذا السؤال صعبة للغاية، في ظل الخلاف القائم بين الأطراف الإقليمية والدولية للأزمة السورية: السعودية وقطر وتركيا يطالبون برحيل الأسد عبر حل سياسي أو عسكري، فيما تتمسك روسيا وإيران ببقائه ضمن أي حل يتم التوصل إليه. في حين يبقى الموقف الأميركي غامضا كعادته. يقول وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، إن "السوريين يستحقون خيارا آخر بين الأسد والمنظمات الإرهابية"، لكنه يقول في المقابل، "لا يمكن أن نسمح بأن يقف هذا الخلاف في الطريق أمام إمكانية أن تعمل الدبلوماسية لإنهاء القتل".

======================

آفاق التسوية السياسية السورية في مؤتمر فيينا! .. الطاهر إبراهيم

القدس العربي

الاثنين 3/11/2015

انشغل العالم أواخر شهر تشرين الأول/أكتوبر 2015 بالبحث عن نهاية لخمس سنوات من القتل والتهجير أقام سوقها بشار الأسد في سوريا. اجتمع وزراء خارجية أربع دول هي روسيا وأمريكا وتركيا والسعودية في فيينا، تفرقوا كما اجتمعوا من دون اتفاق.

قيل في حينه إن موسكو أحبطت اللقاء حين أصرت على اعتبار بشار الأسد جزءا من الحل. ثم اتفق على توسيع الاجتماع، بحيث دعي الغائب المهم إلى الاجتماع وهو إيران، ودعيت دول تكملة عدد مثل مصر ولبنان، إذ غيابهما كحضورهما لا يقدم ولا يؤخر.

وحدهما السعودية وتركيا تعرفان أن اللقاءات ممارسة علاقات عامة. إذ إن الغائب الأكبر هو الفصائل المقاتلة على الأرض، مثل أحرار الشام وجبهة النصرة والجبهة الجنوبية، غيبت فلم تدع، ولم تهتم هي في أن يكون لها مقعد على طاولة اللقاءات.

فهي لا تهتم بمن حضر ومن غاب، إذ إنه لا يوجد في أجندتها إلا القتال حتى يزول نظام بشار الأسد من الوجود وينكسر أنف إيران وتنحسر إلى ما وراء الحدود يوم كان الشاه يحكم إيران، لا حبا في الشاه،بل كبحا لدور طهران التي ابتلعت حتى الآن أربع دول عربية كانت قبل احتلالها ملء السمع والبصر.

موسكو تعتبر أن سلاحها الجوي كفيل بأن يجعل لها الحق في أن يكون لها أوسع المقاعد حول طاولة المفاوضات.

أما واشنطن، فتعتبر أن الفصائل المقاتلة أكبر عقبة في إمضاء أية تسوية للنزاع في سوريا. وقد جربت أن يكون لها مقاتلون من الجيش الحر يأتمرون بأمرها، فكانت فضيحة الفضائح حين صرفت 400 مليون دولار على تدريب من تسميهم سوريين معتدلين، فلم تجد في نهاية التدريب من هؤلاء المعتدلين إلا أربعا من الجيش الحر يأتمرون بأمرها.

موسكو التي جردت أسطولها الجوي، فقصفت المناطق التي يسيطر عليها المقاتلون، واستهدفت المستشفيات التي تداوي جرحى القتال ليست لديها إلا معدات صدئة ومئات من الجرحى، فلم توفرهم طائرات بوتين.

نقول لموسكو هذه التي جاءت لتنقذ بشار الأسد فيبقى في السلطة، إنها لو استطاعت أن تدركه قبل أن تدوسه جحافل المقاتلين، فتكون أنقذته من موت محقق. وإلا فالمقاتلون السوريون أقسموا ألا يدعوه يخرج من سوريا إلا قطعا، فقد فعل في سوريا ما لم يفعله نيرون في روما.

أما واشنطن التي تتباكى على مصير سوريا إذا ما أطيح بشار دون أن يخلفه من يحكم سورية في اليوم التالي، فنقول لها: اتركينا من شرورك ونحن بألف خير من الله.

المقاتلون الذين لقنوا ميليشيات طهران دروسا لن ينساها من بقي منهم على قيد الحياة، وجعلوا زعيم الأشرار حسن نصر الله "يشهق فلا يلحق"، سيجعلون بوتين يلعن الساعة التي قرر فيها أن يجرب حظه في سوريا، هؤلاء المقاتلون هم بناة سوريا.

ففي اليوم التالي الذي تنظف فيه سوريا من أشرار بشار وإيران يعود كل مقاتل إلى حيه يعمر فيه ما خربه المجرمون.

أما الضباط الذين انشقوا عن جيش بشار فسوف يعودون إلى ثكناتهم ليقولوا للعالم كله ولواشنطن بالذات: إن الجيش الذي قاتل بشار ونصر الله وفيلق القدس، الذي طرد من أرض سوريا، هذا الجيش قادر على أن يعيد سوريا إلى ما كانت عليه يوم تسلط عليها حافظ الأسد وزمرته الأشرار.

لن يكون هناك فراغ في سوريا. ولن يكون أبناء سوريا مثل حكام العراق الذين جاؤوا على ظهر دبابة أمريكية عندما احتلت أمريكا العراق. فقد فعل أولئك أسوأ مما فعله جورج بوش وتوني بلير، حين كانوا أدوات في يد واشنطن ويد طهران. وتركوا "بول برايمر" يسرح الجيش العراقي الذي كان أقوى جيش في المنطقة العربية.

وإذا كان بوتين يعتقد أنه يقوم بعملية قصف تمهيدي ليجعل الفصائل المقاتلة ترفع راية التسليم، فقد رأى خلال شهر و2000 طلعة جوية،وكان المقاتلون يتقدمون على الأرض تحت القصف.

بوتين الذي أرسل وزير خارجيته إلى فيينا يوم الجمعة في 30 تشرين الأول/أكتوبر وهو يعتقد أن المعارضة المحسوبة على النظام هي في جيبه،وسيقتسم الكعكة مع ائتلاف المعارضة ومن هم محسوبون على واشنطن. لكن هؤلاء وأولئك، حتى الآن لم يتفقوا على من سيعلق الجرس في عنق القط الذي يقاتل على الأرض.

لقد كانت الفصائل المقاتلة من اللباقة بحيث إنها لم تقل لائتلاف المعارضة: إنكم تفاوضون من دون أن يفوضكم أحد. لكن في الوقت الذي يتقدم هؤلاء وأولئك يتفاوضون لاختيار من سيحكم سوريا سيجدون أنهم لا يملكون من الأمر شيئا، وأن من بذل دماء مئات الآلاف هو من يحق له أن يشرع لمصير سوريا من خلال نواب الشعب الذين يختارهم السوريون.

كلمة لا بد منها لمن وجد نفسه عضوا في ائتلاف المعارضة من دون انتخاب من الشعب: أنتم لا يحق لكم أن تمثلوا الشعب السوري.

غاية ما في الأمر أن واشنطن سوف تملي رغباتها ثم تقول لكم تعالوا ابصموا. ومن جملة ما ستبصمون عليه هو أن تعتقلوا من قاتل النظام من أحرار الشام وجبهة النصرة وغيرها، فهل تفعلون؟

======================

أقليّات سورية ورقة في يد روسيا .. حسان القالش

الحياة

الاثنين 2/11/2015

تسعى روسيا، في ما يبدو، إلى تنصيب نفسها حامياً امبراطوريّاً للمسيحيين في المشرق، نازعة هذه الصّفة عن أداتها المتمثّلة بنظام الأسد وحلفائه الطائفيّين. وتحاول، بالتالي، احتكار قضيّة الأقليّات كورقة من أوراق تفاوضها مع الغرب، وهذا ما يمكن استنتاجه من شروطها المقترحة لحل القضيّة السوريّة، وما يتعلق فيها بـ"حماية الأقليّات".

والحال أنّ انخراط روسيا في مسألة الأقليّات هذه يبدو أشبه بهديّة سهلة ومجّانيّة أكثر من كونه تحقيقاً لجهود أو لسعي دؤوب. ذاك أنّ أحد الأسباب التي رَمَت بهذه المسألة في اليد الروسيةّ كان ترفّع المعارضة السورية ومعظم المثقفين والدول المؤيّدة للثورة عن البحث فيها، أو اعتبارها شأناً وطنيّاً ذا أولويّة وإشكاليّة من إشكاليّات الحلول السياسيّة المرتقبة. ولم يكن خطاب الشماتة والكراهيّة الذي ظهر في تلك الأوساط عندما اقتربت المعارضة المسلّحة من مناطق العلوييّن في نيسان (إبريل) الماضي أوّل ولا آخر الدلالات على هذا الأمر.

غير أنّ إهمال المعارضة وتهرّبها من مواجهة هــذه المسألة لم يمنعا الوصول الى الامتحان الصعب الذي فشلت فيه اليوم. وهي ولئن شابهت الوطنيين السوريين الأوائل في إهمالهم لمسألة الأقليات خلال ســـنوات الانتداب الفرنسي، لم تمتلك وعيهم السياسي ولا أداءهم، بل كانت أكثر غروراً وأنانيّة. فقد نجح الآباء المؤسّسون في اجتياز هذا الاختبار في 1936 أثـناء مفاوضاتهم الشّاقة مع الفرنسيين، وذلك بفضل اتّباع سياسية التقرّب من الأقليّات وطمأنتهم. ففي الوقت الذي كان الوفد السوري يفاوض في باريس وكان المسيحيون جزءاً أساسيّاً وفاعلاً فيه، كان الجزء المتبقّي من الوطنيّين في دمشق يباشرون حملة إعلاميّة مكثّفة، ظهرت في سياقها رسالة هاشم الأتاسي الموجّهة إلى العلويّين، ومن ثمّ مسرحيّة العواطف والدموع التي قادها فخري البارودي أثناء اصطحابه لوفد كبير من دمشق إلى مقر البطريركيّة المارونيّة في لبنان إضافة إلى غيرها من الأحداث.

إلا أنّ الوطنيين الأوائل لم يكونوا مؤمنين حقيقة بأولويّة مسألة الأقليّات كما تبيّن لاحقاً، ولنا في مصير سلمان المرشد وإدمون ربّاط دلالة على ذلك، وهما من رجالات الأقليّات الذين تحالفوا مع الوطنيين. ففيما تمّ إعدام الأوّل ظُلماً غداة الجلاء في 1947، عافَ الثاني السياسة وترك سورية إلى لبنان. وهذا في عمومه ما أدّى لاحقاً إلى الخراب الذي عرفته سورية بداية من الانقلابات العسكريّة التي حملت الأقليّات المقهورة إلى السلطة، وصولاً إلى حُكم البعث وعائلة الأسد. فالمرحلة التي وصلت إليها الثورة والشعب اليوم تقتضي أن يكُفّ المستهزؤون بمصطلح "طمأنة الأقليّات" عن استهزائهم وأن يتواضعوا كثيراً ويبادروا، تجنّباً لإعادة تدوير الخراب السّوري في مقبل الأيّام.

======================

أي مصير ينتظر سورية؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 1/11/2015

بشّرنا رجل أمن أوروبي مسؤول بأن الشرق الأوسط القديم زال من الوجود، وأن سورية التي نعرفها اختفت، وصار من المحال استعادتها واسترداد وضعها السابق. وبرهن المسؤول على صحة أقواله بأدلةٍ، منها أن شمال سورية لم يعد سورياً، بل صار "كرديا" ووسطها "داعشيا".

لا شك في وجود ميل إلى تفتيت سورية لدى جهات بعينها، أهمها "داعش". بينما تنفي تصريحات وأقوال جهات أخرى، منها حزب المجتمع الديمقراطي الكردي، نفياً قاطعاً رغبتها في الانفصال عن بقية وطنها، أو فصل قومها عن بقية شعبه السوري، وتدعي أن نشاطها في شمال سورية مكرّس لحماية الكرد والعرب، وغيرهم من القوميات، ولإبعاد الحرب عنهم، وإنقاذهم من بطش السلطة وجرائمها. إذا كان يصح استشهاد المسؤول الأوروبي بـ"داعش"، فإن استشهاده بـ "حزب المجتمع الديمقراطي" لا يدعم زعمه حول اختفاء سورية، واستحالة استعادة الوضع الذي كانت عليه قبل الثورة. وحتى لو افترضنا أن الحزب يبطن غير ما يظهر، ويريد حقاً فصل منطقةٍ سورية عن وطنها، فإن من غير الصحيح الادعاء بأن شمال سورية صار تحت سيطرته، لأن منطقة ما يسميه "الحكم الذاتي" لا تعادل عشر مساحة شمال سورية، ومن غير المؤكد إطلاقا أنه سيستطيع المحافظة عليها بعد الثورة، كياناً منفصلاً عن بقية وطنه. أما "داعش" التي تحتل القسم الصحراوي من وسط سورية ومدناً وبلدات متفرقة شمالها، فقد قيل لنا آلاف المرات إنه لن يسمح لها بإقامة دولة خاصة بها، وأن العالم سيمنعها بالقوة من الاستيلاء على السلطة في سورية، فهل يجهل المسؤول الأمني الكبير وجود ضمانة كهذه، أم إنه يكشف بعض ما اتخذ من قرارات يجهلها السوريون، ستعين مستقبل بلادهم، وتبدو علاماتها جلية في سياسات بعض الدول الكبرى وانعكاساتها الميدانية التي تسمح بـ "تمدد الدولة الإسلامية في العراق والشام"، من دون أن تواجهه بذلك القدر من القوة الذي ألزمت نفسها باستخدامه، لمنعها من تغيير بنية الدولتين السورية والعراقية وهويتهما.

لا يتحدث المسؤول الأمني عن بقية مناطق سورية، على الرغم من حديثه عن تقلص مساحة المنطقة التي تحكمها السلطة الأسدية وضمورها. ولا يتعرّض في حديثه، ولو بكلمة واحدة لرأي الشعب السوري وإرادته، الشعب الذي كان حرياً بمسؤول في بلد ديمقراطي اعتباره صاحب القرار الأول والأخير في وطنه. كما لا يأبه للاتفاق الدولي العام والمعلن عن ضرورة بقاء سورية موحدةً، دولة ومجتمعاً، وإنما يطلق حكمه من دون مراعاة لانعكاساته الخطيرة على الشعب ومكوناته الوطنية وأطرافه المتصارعة، أو تمييز بين من يعملون لتفتيت سورية إذا لم تخضع لطغيانهم، وأولئك الذين يقاتلون من أجل حريتها، وبلغ تعلقهم بوطنهم حداً ضحوا معه بكل ما يملكون، بما في ذلك حياتهم.

أخيراً، يبدو أن المسؤول الأوروبي لم يفكر بارتدادات زوال الشرق الأوسط الحالي والدولة السورية القائمة على أوروبا، وبالكتل البشرية الهائلة التي ستتدفق عليها، بعضها طلباً للجوء وبعضها الآخر للانتقام من عالم ظالمٍ، سمح، أو بالأحرى، أسهم بتدمير منطقةٍ، هي واحدة من ثلاث مناطق، أبدعت جميع مرتكزات ومفردات الحضارة البشرية القائمة التي غدت كونيةً، بجهود شعوب عديدة، برزت بينها دوماً جهود السوريين بمختلف مكوناتهم.

ليس اختفاء الشرق الأوسط الذي نعرفه وسورية الحالية حدثاً سعيداً، لأنه قد يكون مقدمة لاختفاء أوروبا الحالية، ببنى عديد من مناطقها الهشة وتناقضاتها المتنوعة، وبالمتاعب التي تعصف بدولها وبلدانها، وبانكشافها أمام ما ستواجهه من إرهابٍ، لن تقوى على مواجهته.

======================

تضحك علينا يا بوتين؟ .. خطيب بدلة

العربي الجديد

الاحد 1/11/2015

بينما أطالع المقترحات الروسية المتعلقة بسورية، وفي مقدمتها ضرورة إجراء انتخابات برلمانية؛ مثلت أمامي صورةُ الشيخ عدنان العرعور الذي كان نجمَ الفضائيات الدينية، صفا والوصال، في السنتين الأولى والثانية، وربما نصف السنة الثالثة، من عمر الثورة السورية.

ارتكب المراقبون الذين هَبُّوا لتقييم هذا الإنسان أخطاءَ بالغةَ الفداحة، فأراد جماعة النظام أن ينفوا عنا، نحن الذين ثرنا على حكم عائلة حافظ الأسد، الصفاتِ المدنيةَ والحضاريةَ والإنسانية، فقالوا إننا عراعرة، نسبة إلى العرعور. وقال الثوار الليبراليون المدنيون الديمقراطيون إنه لا يمثل الثورة، فهو، برأيهم، مجرد شيخ يفكر من خلال محفوظاته الدينية. ولكنَّ هناك جانباً لم ينتبه له أحدٌ؛ هو أن حالته كانت عامرة بما يمكن أن نطلق عليه مصطلح "الكوميديا الإعلامية".

الأنموذج السائد لمشايخ الدين الذين يقدمون برامج تلفزيونية أن يجلس واحدُهم في مواجهة الكاميرا بطريقة جَبهية، ويتكلم بمنتهى الجد والخشوع، وكلما قال جملتين يُتبعُهما بتلاوة الصلوات، والتسبيحات، والاستغفارات. أما الشيخ العرعور فكان في برنامجه لا يثبت ولا يستقر... وعلى الرغم من ارتدائه عباءةَ المشيخة؛ كان يقوم، فجأة، من حالة الجلوس إلى حالة الوقوف، وتقوم معه الأسلاك ولواقط الصوت، وهو يتهدد، ويتوعد، بسبابته.. وكان يضحك، ويعبس، ويمزح، والأهم من هذا وذلك أنه كان يخاطب خصمه، وكأنه جالس قبالته. من ذلك قوله، لبشار الأسد، حينما كان يطرح مشاريعَ إصلاحيةً خنفشارية: تضحك علينا يا بشار؟ وفي إحدى الحلقات، وجه سؤالاً للمذيع، ولدِه حازم العرعور، عن آخر تصريح لبشار الأسد، فقال حازم: يقول إن الشعب السوري غير مهيأ للديمقراطية، فما كان منه إلا أن غضب، ونط وقال له: خسئت.

نصل في حديثنا، الآن، إلى فلاديمير بوتين الذي اتضحَ من تصريحه أنه لا يعرف أن أكثر إنسان كان يُجري انتخابات برلمانيةً في العالم هو حافظ الأسد، وأن ابنه قد سار على نهجه، إذ لم يسبق لنا نحن السوريين، خلال السنوات الـ 45 المنصرمة، أن مرّت علينا أربع سنوات، سِمَان أو عجاف، من دون أن تشهد البلادُ انتخابات برلمانية مُطَنْطَنَة، ترافقها الأفراح والليالي الملاح، فتُقْرَعُ الطبول، وتترغل المزامير، وتُعْقَدُ الدبكات، وتلعلع الزغاريد في الشوارع والساحات العامة.

وحافظ الأسد، لعلمك، يا بوتين، هو أول مَن أطلق على الانتخابات البرلمانية مصطلح (عرس الديمقراطية)، وهو أول من اخترع (قائمة الجبهة الوطنية الديمقراطية)، وهي القائمة الوحيدة في العالم التي ينجح الأشخاصُ الذين تُدْرَجُ أسماؤهم فيها، كلهم، من دون استثناء، سواء أكانوا أوادمَ أم (سَرْسَريّة)، معروفين من الناس أم مغمورين، يمثلون الشعب أم يناصبونه العداء. وتكون سورية، في الفترة التي تسبق الانتخابات، مثل خلية النحل، فالسادة الذين يرشحون أنفسهم لعضوية مجلس الشعب في المحافظات كانوا يُحَمِّلُون سياراتهم (البيك أب، الوانيت) بالخراف، والسمن العربي، والمؤن المتنوعة، ويذهبون إلى دمشق، ليس من أجل تقديم فروض الطاعة والولاء للأب القائد فقط، بل ولأجل دفع الرشا والأتاوات لأعضاء القيادة القطرية والضباط الكبار في الشُّعَب المخابراتية، ومن ثم إدراج أسمائهم في قوائم الجبهة، وحينما ترد البرقيات المتضمنة أسماء الأشخاص الذين اعتمدتهم القيادة، إلى فروع الحزب، قبل 48 ساعة من موعد الانتخابات، تبدأ الاحتفالات بالنجاح، ولسان حالهم يقول للشعب: هؤلاء هم أعضاء مجلس الشعب، وطز بمن يذهب بعد غد إلى مراكز الاقتراع، وطز بمن لا يذهب عامداً، وطز بمن لا يذهب بسبب ظروفه، فنحن مستعدون للانتخاب نيابة عن الأحياء، والأموات، والرجال، والفتيان، والبالغين والقُصَّر.

يعني أنت، يا سيد بوتين، تريد أن تُدخل السرور إلى قلوبنا، بعد نصف مليون قتيل، وعشرة ملايين نازح، ودمار ثلث سورية، فجئت تعدنا بإجراء انتخابات برلمانية؟

تضحك علينا يا بوتين؟ خسئت.

======================

مؤتمر فيينا.. إعادة صياغة .. غازي دحمان

العربي الجديد

الاحد 1/11/2015

لا يمكن وصف البيان الذي خرج به مؤتمر فيينا بهدف إيجاد مخارج سياسية للأزمة السورية بالإنشائي، مؤشراً للفشل الذي وصل إليه، لأن لغته لم ترق إلى ذلك المستوى أصلاً، بل إن الوصف الأكثر انطباقاً عليه هو التلاعب بالألفاظ، طالما لم يتجرأ على الوصول إلى قلب المشكلة وملامستها، وكل النقاط الواردة في البيان الفقير لا يمكن تطبيقها إذا ما بقيت المشكلة الأساس، بشار حافظ الأسد، فلا مطالبة البيان بالمحافظة على سورية دولة علمانية، وكذا إلغاء الطائفية، تشكل آليات عمل يمكنها الوقوف في وجه آليات التفتيت والتقطيع والتحريض التي تمارس على الأرض بأسلحة حقيقية وباللحم الحي.

والإبقاء على التفاوض الدبلوماسي مفتوحاً، يشبه إبقاء بطن الشرق الأوسط مفتوحاً تحت مباضع الجراحين، والتأمل في بؤرة الورم، وانتظار انتشارها إلى باقي الأطراف، بما يعني ذلك من إمكانية إجراء عمليات قص ولصق عناصر وأعضاء جديدة، وانتظار ظروف التشكّل الجديدة حتى تنضج أكثر.

لكن، وبعيداً عن التطرف في وصف الأمور، هل بشار الأسد هو جوهر المشكلة؟ هشاشة موقعه وضعف تكوينه الحالي، وتبعيته المطلقة، تضعه في موقع أصغر بكثير من أن يكون بحجم المشكلة التي صارت عليها أزمة المنطقة، ربما كان في مرحلة سابقة يجسد هذه المشكلة، أو بعض وجوهها، لكن التعقيدات التي أضافها مشغلوه عليه جعلته مجرد واجهة تتخفى خلفها عقد كثيرة. والدليل أن بشار الأسد لم يعد أكثر من ظل شفاف، يمكن من خلاله رؤية الحقيقة الكاملة، مصير سورية والشرق الأوسط الجيوسياسي.

ليس مصادفة أن تسبق اجتماعات قاعات فيينا تصريحات رؤساء اثنين من أهم أجهزة الاستخبارات التي عملت في المنطقة في السنوات السابقة، فرنسا والولايات المتحدة الأميركية، تفيد بنهاية الشرق الأوسط واستحالة عودته إلى الصورة التي كان عليها بعد الحرب العالمية الثانية، وكذا استحالة عودة الدولة المركزية في القلب منه، العراق وسورية، برنار باجوليه مدير الاستخبارات الفرنسية وجون برينان مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA)، لم يكونا بصدد تحليل الواقع، ولا وضع قراءات استشرافية، الأرجح أنهما كانا يصدران عن معطيات وتقديرات، وربما يبوحان بتفاهمات يجري العمل عليها.

في السياق التاريخي للتشكلات الإقليمية، لا تفيدنا كثيراً تجربة "سايكس بيكو" لتفسير الوقائع

"النشاط العسكري الجاري في المنطقة يهدف إلى تفكيك نظام سايكس بيكو بكامله" الحاصلة في المنطقة، واستشراف مآلاتها، ذلك أن الاتفاق المذكور كان نتيجة تفاهم قوى كبرى على اقتسام مناطق النفوذ بينها، كما أن هذا الاتفاق، وعلى الرغم من كل العيوب التي ينطوي عليها، والنقد الذي طاوله، إلا أن أهم ميزة فيه تجسّدت بانغلاق نوافذه تماماً على الكيانات التي تأسس عليها. وعلى العكس، بقي مفتوحاً على احتمالات دمج كياناته وتوسعتها أكثر من احتمالات تفتتها، كما أنه راعى، بدرجة كبيرة، تراكب الوقائع الاجتماعية مع العناصر الاقتصادية والحركة التجارية والحدود الجغرافية، والأهم أنه أوجد بيئة دولية تدافع عن صيغته. لذلك، يمكن ملاحظة أن النشاط العسكري الجاري في المنطقة يهدف إلى تفكيك نظام سايكس بيكو بكامله، من إطاره الخارجي إلى العلاقات المتشكّلة في داخله "اجتماعية واقتصادية" لبناء النظام الجديد، وليس استيلاد نظام من الإطار السابق نفسه.

الحالة التاريخية الأقرب تفسيراً هي حالة أفريقيا بعد مؤتمر برلين وحتى الحرب العالمية الثانية، حيث شكّلت مساحة لصرف طاقات القوى الصاعدة (ألمانيا وإيطاليا) وإبعاد شرورها عن أوروبا، وإقصائها عن الشرق الأوسط وآسيا الهندية. وفي مطلق الأحوال، جسّدت المنطقة الوحيدة التي كان من الممكن أن تشكّل القبول بأقل خيارات التنازل سوءاً بالنسبة للقوى العظمى في ذلك الوقت (بريطانيا وفرنسا) أمام ضغط قوة ألمانيا وإيطاليا الصاعدتين. وبميزان الحسابات، وعلى الرغم من أهمية الأصول الاستراتيجية لقلب الشرق الأوسط، سواء لجهة قربه من أوروبا، أو من منابع النفط، إلا أن الصراعات الداخلية حوّلته إلى كومة ركام، كما أن البنى الصراعية المتشكلة بداخله ومحركات ذلك الصراع ومحفزاته ستبقى على اشتغال فترة زمنية طويلة، وهذه الوضعية هي سر مرونة أميركا تجاه التمدد الروسي الإيراني في هذه المنطقة، وربما تفسر لا مبالاة أوروبا فيها.

ولعل من المفارقات العجيبة أن هذا الشرق الأوسط المراد نشوءُه لا تملك أي من القوى المتدخلة القدرة على تظهيره، وفق رزنامة زمنية محددة. لذلك، تعتمد على الفوضى المديدة وأعنتها كآليات تشغيلية، بالإضافة إلى تزخيم الواقع بمزيد من التعقيدات التي يمكن استثمارها في تظهير هذا الواقع الجيوسياسي، من نمط الإصرار على عدم حل عقدة الأسد، وتركها تتفاعل دينامية تشغيلية تساهم في صناعة الواقع المرتجى.

على شكل تسريبات من هنا، واستشرافات من هناك، وبخجل وكثير من التقية المتعمّدة، يجري الحديث عن هذا النمط الجيوسياسي المراد تأسيسه، لا أحد يجرؤ على القول المباشر، ربما لعدم امتلاك جميع الأطراف التصور الواضح عن حدود هذا التشكّل وماهيته، والأكيد لأن اكتمال إنجازه يحتاج إلى الكثير من الدماء واللحم الحي. وفي هذه الحالة، سوف تشكل المؤتمرات الشبيهة بمؤتمر فيينا واحدة من الآليات التشغيلية، نظراً لما توفره من مساحة مهمة للمناورات الدبلوماسية، فيما الميادين والجبهات تعمل على إنجاز الصياغة. المهم أن الصراع جرى تأطيره بشكل نهائي على أنه صراع سني- شيعي، وكل البيانات السابقة لن تستطيع إعادة هيكلته، طالما أن روسيا وإيران تصرّان على بقاء بشار حافظ الأسد.

======================

الجهاديون بين العمالة والأصالة .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 31/10/2015

دعونا نؤكد أولاً على أننا نرفض رفضاً قاطعاً أن نستبدل الديكتاتوريات العسكرية والأمنية كنظام بشار الأسد وأمثاله بفاشيات دينية، حتى لو كانت أكثر التزاماً من غيرها بإسقاط النظام السوري وغيره من الطواغيت.

لكن هذا يجب ألا يجعلنا نتعامل مع تلك الجماعات بعقلية النعامة التي تدفن رأسها في التراب كي تتجاهل ما يدور حولها. فلا يمكن أن تهزم الجهاديين بالشيطنة الإعلامية فقط، بل يجب أن تضع النقاط على الحروف بموضوعية، حتى لو كنت على خلاف تام مع نهج تلك الجماعات. لا بد أن يعي الجميع أنهم إذا واجهوا ثورات أو انتفاضات ذات جذور دينية عقائدية، فليعلموا أنهم أمام مشكلة عويصة للغاية، فما أصعب مواجهة المقاتلين العقائديين الذين يحبون الموت بقدر ما يحب خصومهم الحياة. فكيف إذاً تواجه أناساً يقاتلون كي يستشهدوا؟ لقد سأل صحافي الجنرال الروسي يوري بالويفسكي: "الجيش الروسي يُقدر بالملايين، ولم يقدر على القضاء على بعض الآلاف من المتمردين في الشيشان"، فكان جواب الجنرال الروسي: "أخبرني كيف ستهزم جندياً يرى في فوهة بندقيتك الجنة".

لقد عانى الجيش الروسي الأحمر المشهور ببسالته وشدة بأسه الأمرّين في صراعه مع الجهاديين الشيشانيين. وقد نجح أقل من الف مقاتل أن يشغلوا روسيا وجيشها لردح طويل من الزمن. ولم يجد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من وسيلة للقضاء على خصومه الشيشانيين سوى تسوية غروزني عاصمة الشيشان بالأرض. مع ذلك، لم يهنأ الروس طويلاً بالهدنة مع الجهاديين بعد أن انتقل بعضهم للقتال في سوريا. ومن الأسباب التي ساقها بوتين لتبرير تدخله في سوريا أنه لن يسمح للجهاديين الشيشانيين بالعودة إلى روسيا لقض مضاجعها من جديد.

لقد عانت القوى الكبرى، ومازالت تعاني في حروبها ضد الجهاديين. وما أن تعلن الانتصار عليهم، حتى يخرجوا لها كطائر العنقاء من تحت الرماد بقوة أكبر وتصميم أخطر. لقد أمضى حلف الناتو، بدوره، أكثر من ثلاثة عشر عاماً وهو يواجه حركة طالبان الأفغانية وأخواتها، لكن الحلف اضطر في النهاية أن يتسابق أعضاؤه في الخروج من أفغانستان خاليي الوفاض. لا بل إن أمريكا نفسها وجدت نفسها مضطرة في نهاية المطاف للتفاوض مع حركة طالبان. وقد علق أحد الباحثين في الشأن الأفغاني قائلاً: "كيف تقاتل أناساً مستعدين للقتال لعشرات السنين، وربما حتى آخر لحظة في حياتهم؟"

وبالرغم من أن الأمريكيين تواجدوا في العراق بأكثر من مائة وأربعين ألف جندي، إلا أنهم لم يقدروا على التنظيمات الجهادية هناك، وخاصة تنظيم الزرقاوي الذي كان نواة ما بات يعرف لاحقاً بتنظيم "دولة العراق والشام"، وفيما بعد بتنظيم "الدولة الإسلامية" الذي غدا الآن الشغل الشاغل للعالم أجمع. فقد جمع الأمريكان وحدهم أكثر من ستين دولة لمواجهة التنظيم، وهو حلف أكبر من الحلف الذي جمعه الغرب في الحرب العالمية لمواجهة النازية بقيادة أدولف هتلر. ثم جاءت روسيا الآن لنفس الهدف، لكنها سرعان ما بدأت تعلن عن عدم قدرتها على القضاء على التنظيم بحجة أنه يتلقى الدعم من الخارج.

لا شك أن البعض يرى أن هذه التنظيمات الجهادية تخدم الاستراتيجيات والمشاريع الاستعمارية أكثر بكثير مما تضرها. وهي ليست أكثر من مسمار جحا تستخدمه القوى الكبرى والصغرى لتبرير تدخلها وتحقيق مشاريعها، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط. لكن القوى الغربية نفسها تعترف بأن الفصائل الجهادية هي نتيجة طبيعية للتدخل الغربي في المنطقة. وهذا ما قاله حرفياً غريام فولر المحلل الاستراتيجي في وكالة الاستخبارات الأمريكية الذي قال إن تنظيم الدولة الإسلامية صُنع في أمريكا، لكن ليس بالمعنى الحرفي، بل لأن أمريكا صنعته من خلال تدخلها الاستعماري في الشرق الأوسط. بعبارة اخرى، فإن التنظيم وأخواته جاء رداً على الغزو الغربي للعالم العربي.

ما العمل لمواجهة الجهاديين؟ تشكيل صحوات على الطريقة العراقية. لكن الصحوات فشلت فشلاً ذريعاً في العراق في مواجهة الجماعات الجهادية نيابة عن الأمريكيين والإيرانيين. لكن مثيلاتها نجحت في فلسطين، إذ يرى البعض أن حركة فتح الفلسطينية بقيادة محمود عباس كانت نموذجاً ناجحاً للصحوات، فقد انتقلت تلك الحركة من قتال إسرائيل وأمريكا إلى التنسيق الأمني مع الإسرائيليين والأمريكيين لمواجهة الجهاديين الفلسطينيين المتمثلين بحركتي حماس والجهاد الإسلامي. وكما أن الفتحاويين في فلسطين يواجهون حماس من أجل إسرائيل، فإن الصحوجيين العراقيين من أمثال أبي ريشة واجهوا الجهاديين بعد الغزو الأمريكي، لكنهم أخفقوا. مع ذلك نرى الآن سليم الجبوري السني يدعم الحشد الشعبي والقوى الأمريكية والإيرانية التي تحارب تنظيم الدولة. لا نقول هنا أبداً إن حركتي حماس وداعش متشابهتان. لا أبداً. لكنهما هدف للصحوجيين بنسختيهما الفلسطينية والعراقية.

وكما نلاحظ، فإن التاريخ يعيد نفسه الآن في سوريا، فكل القوى الدولية والإقليمية والعربية تعمل على تحويل الجيش الحر والفصائل المعتدلة من محاربة النظام إلى محاربة الفصائل الجهادية. بعبارة أخرى، فإن كل ما يحدث في سوريا سبق وأن حدث نًصاً في العراق وفلسطين: جنيف، أوسلو، فيينا. تعاون أمني مع الذين كانت المقاومة الفلسطينية والعراقية تقاتلهم. هل تنجح الصحوات السورية حيث فشلت في العراق؟

يقول المثل: "اللي بجرب المجرب بيكون عقله مخرب". لا أدري لماذا يلجأوون في سوريا إلى الأساليب "الصحوّجية" نفسها التي فشلت فشلاً ذريعاً في العراق. ألم يزدد الجهاديون هناك قوة وباساً، بينما أصبحت "الصحوات" مضرباً للمثل في العمالة والفشل؟ لقد قالها طوني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق قبل أيام وهو يعتذر عن تورطه في حرب العراق. قال: "إن التدخل الغربي في المنطقة هو المسؤول عن ظهور تنظيم الدولة وأمثاله". ونحن نضيف أن الدعم الغربي للطواغيت في بلادنا ساهم أيضاً في صناعة تلك الجماعات المتطرفة. لهذا بدلاً من شيطنة تلك الجماعات وصرف المليارات على سحقها عسكرياً، عالجوا الأسباب التي أدت إلى ظهورها. وطالما أنكم لا تعالجون تلك الأسباب، فهذا يعني أنكم سعداء بخروج تلك الجماعات من تحت الرماد بطبعات جديدة لغايات في نفس يعقوب.

٭ كاتب وإعلامي سوري

======================

الأولوية في سورية .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 29/10/2015

بات تناول الوضع السوري ينطلق من أولوية الحرب على الإرهاب، أو الحرب ضد داعش خصوصاً. أصبح الأمر يتعلق بالإرهاب، وليس بثورة انطلقت في 15/3/2011، وأرادت إسقاط النظام.

تدخلت أميركا من أجل الحرب ضد داعش بعد أن شكلت تحالفاً من 60 دولة، وأرادت أن تصبح مهمة الكتائب المسلحة (الجيش الحر) هذه الحرب، وليس الصراع من أجل إسقاط النظام. وتتدخل روسيا الآن تحت شعار الحرب ضد الإرهاب، وضد داعش خصوصاً، وتعتبر أن هذه أولوية، والأساس في ترتيب وضع سورية. بالتالي، باتت مشكلة سورية هي الإرهاب الذي يستدعي كل العالم من أجل دحره، وليس وضع الشعب الذي تمرَّد لأنه يريد إسقاط النظام، بعد أن بات وضعه شديد الصعوبة، ولم يعد يحتمل بقاء الوضع كما هو.

هل نقتنع بأن داعش هي الخطر الرئيسي؟ لكن، كما أشرنا مراراً، ليس من أحد يقاتلها بجدية سوى الكتائب المسلحة التي تقاتل النظام، فكل الغارات الأميركية كانت "على الحافر" كما يقال، وغارات الطيران الروسي تركز على الكتائب المقاتلة وليس على داعش، ومن يدقق في خريطة سيطرة داعش (شمال شرق سورية) ومواقع القصف الروسي (شمال غرب سورية) يلحظ ذلك بوضوح شديد. لتبدو داعش فزاعة فقط، لكن الهدف في مكان آخر. وداعش كذلك، لأنها نتاج سياسات أجهزة مخابرات تريد اللعب من أجل تحقيق سياسات، هي الفزاعة التي تفرض التدخل الأميركي، وبالتالي، فرض الشروط الأميركية. وهي كذلك فزاعة فرضت التدخل الروسي، من أجل فرض سيطرته على سورية.

بالتالي، ليس لذلك كله علاقة بأهداف الثورة، على العكس، من أهدافه التغطية على الثورة، تهميش الثورة وتحويل ما يجري "حرباً أهلية" بداية، ثم الآن "حرباً ضد داعش". الهدف هو إلغاء حتى اسم الثورة، وفي هذا توافق أميركي روسي كبير، ومن ثم توافق مع النظام نفسه، ومع دول إقليمية تخاف من الثورات، وعملت على تدميرها. لهذا، يجري نقل الصراع من صراع شعب ضد النظام من أجل الحرية والعيش الكريم إلى صراع دول إمبريالية ضد الإرهاب، ودعم النظام في هذه الحرب، النظام الذي لا يعود مطروحاً تغييره، وإنْ أرادت دول تغيير رئيسه.

في سورية (كما في العراق)، داعش فعل لجهات متعددة، ويعمل في خدمة سياساتها، من أميركا وروسيا إلى تركيا، وإيران إلى النظام، هي أداة لجهات متعددة تخدم سياساتها. ولهذا، ليس هو قوة محلية تعبّر فئات من الشعب (كما النصرة)، بل قوة مُدخَلة من أجل أهداف متعددة، أولها تخريب الثورة، وبعدها خدمة سياسات، حيث لأميركا هدف من تفعيلها، وللنظام هدف كذلك هو شطب الثورة، واعتبار أن الصراع هو ضد الإرهاب لتوحيد العالم معه، وتركيا كانت تشوش على الآخرين عبره، وإيران تخدم سياسة النظام عبره أيضاً. ولهذا، لا أحد منها يقاتل داعش. بالتالي، سوف يتلاشى دور "الإرهاب" مع توافق تلك الدول، وترتيبها صيغة السلطة.

داعش والنصرة خطر على الثورة السورية فقط، وتستخدمان لإضعافها، حيث توضع بين القصف الوحشي للطيران الروسي ومفخخات داعش التي عملت على السيطرة على مناطق الثورة. الثورة التي تريد إسقاط النظام وبناء سورية جديدة، على الرغم من كل التشويه الذي أحدثه التدخل الخارجي فيها. بالتالي، فإن تكتيكات الدول الإمبريالية أو الإقليمية لن تحرف الثورة عن هدفها الأساس، اعتبار النظام المشكلة الجوهرية، والمطلوب تغييره، وهذه الخطوة هي التي سوف تنهي داعش وأخواته، لأن الشعب الذي قاتل هذا التنظيم المسلح في وضع صعب يمكنه أن يهزمها، حين ينتهي نظام الأسد.

لن تغيّر كل تكتيكات الدول المتدخلة من هذه البديهية. وبالتالي، كل حل يبدأ بإنهاء سلطة بشار الأسد.

======================

تطورات واعدة .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الخميس 29/10/2015

فاتت غزاة سورية ملاحظة تطورات مهمة، حدثت في بلادنا خلال العامين الماضيين، تستند إلى واقعتين يصعب على أي مراقب أن لا يتوقف عندهما، مهما كان منحازاً للنظام وشبيحاً. أولاهما اتساع مقاومة النظام وحلفائه، وانتشارها إلى كل بيت وقرية وبلدة وحي وزقاق. يكفي أن يتابع المرء أسماء الأماكن التي يقصفها الطيران الروسي وجغرافيتها، حتى يضع يده على حقيقة ساطعة، هي أن أغلبية السوريين تحولوا في كل مكان من وطنهم إلى مقاومين، وأن تثبيت النظام يحتم كسر شوكة رجالهم ونسائهم وأطفالهم، وأن من لا يقاومون بالسلاح أو من وقفوا على الحياد، أو أيدوا النظام وقاتلوا في صفوف شبيحته، شرعوا يفرّون من سورية، ويندسون بين طالبي اللجوء في أوروبا. ومع أن هناك من يرى النظام وراء هجرتهم، فإنني أعتقد أن حاجته إليهم لا تسمح له بالتخلي عن الأعداد الكبيرة منهم التي تهاجر من مناطقه إلى الخارج، في عمليات أقرب إلى النجاة بالنفس منها إلى التخطيط السياسي.

وتتجلى الواقعة الثانية في إصرار السوريين على القتال حتى الانتصار، مهما كلفهم موقفهم من تضحيات. هذا الإصرار يلمسه كل من يحتك بمواطنات ومواطني الداخل والخارج الذين يؤمنون أنهم قطعوا المسافة الأكبر من طريقهم إلى النصر، وأن أحداً لن يتمكن من إنقاذ الأسد ونظامه، روسياً كان أو إيرانياً، بدليل تعاظم المقاومة في كل مرة دخل فيها غزاة جدد لإنقاذ النظام، وتعرّض هؤلاء بدورهم لهزائم متصاعدة.

أما أولى التطورات التي تلفت أي مراقب، فهي انتقال المقاومة المسلحة المتعاظم من وضع تنظيمي يغلب عليه طابع المحلية والعشوائية إلى حال نقيض، قرّبته أكثر فأكثر من وضع جيش تحرير وطني، يخضع أكثر فأكثر لتنسيق قيادي متزايد، وتعاون ميداني ملزم، حتى أنه من الصعب أن نجد اليوم منطقة ليس فيها تشكيل مقاتل يحمل اسم جيش أو يطمح لأن يكون جيشاً، بينما حدث تطور معاكس على صعيد النظام، حيث تفكك الجيش، وتحول إلى مليشيات وأمراء حرب (نموذجهم سهيل الحسن) أو استقوى بمليشيات محلية وأمراء حرب. واليوم، يشكو قائد الطيران الروسي في بلادنا من هذه الظاهرة، ويعلن أن القصف يفضي إلى انسحاب مقاتلي الجيش الحر وتقدم القوات الأسدية. ولكن، ما أن يتوقف عمل الطيران، حتى يعود المقاتلون إلى حيث كانوا ويفر الأسديون، وينسب الجنرال الروسي الأمر إلى عدم وجود جيش حقيقي، بل أخلاط مسلحين متعددي الجنسيات (المرتزقة) أو إلى ضعف المعنويات، وعدم وجود رغبة في القتال لدى هؤلاء، ويقول إن طيرانه لن يحقق شيئاً في وضع كهذا.

يرتبط بهذا التطور نمو الطابع الوطني لوحدات الثورة المقاتلة، وتحولها المتزايد من تنظيمات

"الروس سيجرّبون حظهم، قبل أن يكتشفوا أنهم يدقون عنقهم بسبب أكذوبةٍ أقنعوا أنفسهم بها، هي أنهم يقاتلون الإرهاب، ويدافعون عن نظام شرعي" ذات ملامح مذهبية وبرامج طائفية إلى جهات، تقترب في مواقفها وخياراتها، من مواقف ومفاهيم وطنية جامعة. لهذا، تتراجع اللغة الطائفية والحسابات الجزئية والمذهبية تدريجياً، وتتقدم، بدرجات متفاوتة من السرعة، قواسم مشتركة تخفت فيها النزعات الانتقامية والإقصائية، بينما يمعن خطاب النظام في التراجع عن الروح الوطنية الجامعة الذي كان يستخدمه لأغراض قمعية ودعائية، وليس لأنه خياره الحقيقي، ويغرق أكثر فأكثر في الطائفية والتحريض المذهبي، ويستعين بقوى مذهبية وطائفية عربية وإقليمية، ويفقد قدرته على التضليل، خصوصاً بعد ترحيبه باحتلال روسيا بلاده، وتشجيع الروس على إقامة قواعد دائمة فيها، وسكوته عن تنسيق علاقات موسكو العسكرية مع تل أبيب، وإقامة قيادة مشتركة بين جيش الغزو الروسي وجيش الاحتلال الإسرائيلي، وسقوط أكذوبة الممانعة، بعد إعلانات إسرائيلية متكررة كرّست لدعم الأسد ونظامه "الممانع"، وبعد انخراط الكيان الصهيوني في شراكة ممانعة مع حزب الله ضد شعب سورية.

هذه الوقائع والتطورات علامات جديدة على تحولات ميدانية وسياسية من طبيعة حاسمة، سيكون من الصعب على قوة غازية تجاوزها، حتى إن كانت في قوة روسيا التي بدأت تصريحات قادتها تبدي القلق مما تكتشفه على الأرض من أوضاع لا تبشر بنصر، قد تحمل الروس أعباء لا يقوون على حملها، كإرسال قوات كافية لخوض القتال، نيابة عن شبيحة فاشلين، وضعوا يدهم في أيديهم، فوضعوهم أمام خيارين أحلاهما مر: القتال نيابة عنهم مع ما يرتبط بذلك من احتمالات كارثية بالنسبة لهم، أو الخروج من المستنقع السوري الذي يمثل كارثة استراتيجية بكل الأبعاد والمعاني.

لا أحد يستطيع القفز من فوق خياله، يبدو أن الروس سيجرّبون حظهم، قبل أن يكتشفوا أنهم يدقون عنقهم بسبب أكذوبةٍ أقنعوا أنفسهم بها، هي أنهم يقاتلون الإرهاب، ويدافعون عن نظام شرعي.

======================

سورية والبوسنة: مقاربات ومفارقات .. أكرم البني

الحياة

الخميس 29/10/2015

يتكرر تسويق وجوه التشابه بين حالتي سورية والبوسنة لتمرير بعض التفاؤل حول نهاية سياسية للصراع السوري، بينما تغفل عناصر الاختلاف وضرورة قراءة خصوصية كل تجربة وما يترتب على ذلك من نتائج قد تكون مريرة.

أولاً، صحيح أن ثمة تقارباً بين التجربتين في تلكؤ المجتمع الدولي وسلبيته طيلة سنوات من حرب أهلية فاق العنف فيها كل تصور، وخلف خراباً ودماراً ومئات الألوف من الضحايا والمعتقلين والمشردين واللاجئين، ما استدعى طلب تدخل دولي لحماية المدنيين ووقف المجازر المتكررة، لكنّ ثمة اختلافاً بين تدخل غربي في البوسنة له ارتداداته البسيطة كجمهورية صغيرة تابعة ليوغوسلافيا وتجاور أوروبا، وبين تبعات خطيرة لاحتمال التدخل في الحالة السورية، كدولة عربية كبيرة تقع في منطقة حساسة من العالم ولها حلفاء أقوياء لهم مصلحة في دعم الوضع القائم والحفاظ على نفوذهم في المشرق العربي.

وثمة اختلاف أيضاً في دور الرأي العام الذي دعم تدخل عسكري غربي في البوسنة وإن تأخر ثلاث سنوات ونيفاً، بينما لا يزال يكتفي بالتعاطف مع اللاجئين السوريين الفارين من أتون العنف!

ثانياً، حربا البوسنة وسورية مختلفتان في الشروط والظروف، إن لجهة الامتداد الإقليمي الذي يميز الصراع السوري المفتوح على مكونات قومية ومذهبية تمتد في بلدان الجوار، ما يهدد أمن المنطقة واستقرارها، وإن بظهور "داعش" وما يخلفه من تعقيدات أعادت ترتيب الأهداف لدى مختلف البلدان الغربية التي منحت الأولوية لمواجهة خطورة هذا التنظيم وتمدده، وإن لجهة التبدل الذي طرأ على مواقع القوى العظمى، حيث كان الاتحاد السوفياتي مطلع التسعينات في صيرورة تفكك وإحجام عن لعب دوره الخارجي بينما ظهرت الولايات المتحدة في أوج قوتها، بينما تبدو اليوم إدارة اوباما في لحظة انكفاء عالمي ويبدو الاتحاد الروسي كما لو أنه يحاول استعادة بعض نفوذه ومواقعه، وأخيراً، لجهة الموقع حيث سرع وجود البوسنة بجوار دول حلف الناتو خلاصها، بينما لعب دوراً معاكساً قرب سورية من إسرائيل التي ليس من مصلحتها سقوط نظام شكل استقراراً لأمن حدودها طيلة عقود ليحل مكانه نظام قد يهدد أمنها أو يعدل ميزان القوى في المنطقة.

ولا تغير هذه الحقيقة رغبة الغرب وإسرائيل في إطالة أمد النزاع السوري حتى لو أبيد أغلب مدن البلاد وأفني أهلها، وتالياً في تشجيع تحوله إلى نزاع طائفي ومناطقي ينهك المجتمع السوري ويجعله ضعيفاً وعاجزاً عن تشكيل تهديد لتل أبيب!

ثالثاً، من الخطأ سحب مثال البوسنة والرهان على تطبيقه في سورية، فنجاح التدخل والضغط الأميركي المدعوم أوروبياً في وقف العنف هناك، استدعى ترتيب حالة توافقية من التقسيم ومنح حكم ذاتي للمكونات المتصارعة من صرب ومسلمين وكروات في إطار فيديرالي بأمل إزالة الحقد والكراهية واستعادة الثقة والتعايش تدريجياً.

صحيح أن ملامح تقاسم الأرض في سورية باتت واضحة وقد رسمتها خطوط الخنادق والبنادق، وثمة مناطق تحت سيطرة النظام وأخرى يسيطر عليها الأكراد وثالثة يسيطر عليها "داعش" ورابعة تسيطر عليها جماعات متنوعة من المعارضة المسلحة الإسلامية، لكن يظل التقسيم أمراً مستبعداً في سورية، حيث تسعى مختلف الأطراف الى فرض سطوتها على الوطن ككل، وترفض أجندتها خيار التقاسم والتقسيم، ما يرجح أن يطلق أي تدخل خارجي لفرض الأمر الواقع، رداً عنيفاً يطيل من أمد الصراع ويجعله أكثر حدة.

رابعاً، التمايز بين الحالتين في درجة الحروب بالوكالة. صحيح أن حرب البوسنة تغذت من خلال دعم أطراف خارجية لوكلاء محليين، لكن بقي هذا الأمر محدوداً بخلاف الوضع السوري حيث تكاثرت القوى الخارجية المتنافسة وحولت البلاد إلى ساحة صراع إقليمي وعالمي! وما دام تضارب مصالح الداعمين الخارجيين مستمراً سيستمر تدفق الأسلحة والأموال، ويطول أمد الصراع وتزيد كلفته.

وإذ منحت الظروف في تجربة البوسنة، لبلد واحد، هو الولايات المتحدة، يملك النفوذ والقوة لإقناع القوى الخارجية بقبول فكرة حل سياسي ولرعاية اتفاق لوقف إطلاق النار، فهل اللحظة السورية قد حانت؟! وهل يعيد التاريخ نفسه وتلقي الحرب أوزارها في سورية بتوافق أهم القوى الخارجية والإقليمية؟! وهل يمكن اعتبار اللقاء الرباعي الأخير بين أميركا وروسيـا وتركيا والسعودية خطوة أولى على هذه الطريق؟!

خامساً، ثمة فارق مهم ونوعي بين اتفاق سلام دايتون الذي توصل خلاله المتصارعون في البوسنة إلى حلول مرضية للجميع نسبياً، وبين مؤتمري جنيف -1 وجنيف - 2 حيث المواقف لا تزال مشحونة بصراع وجودي في سورية ويعتقد كل طرف، وعلى رغم ما يعانيه من إنهاك، بأن الحرب يجب أن تتواصل حتى إنهاء الطرف الآخر، لتبدو مشاريع التسوية والحلول السياسية محاولة لربح الوقت كي تستمر مختلف الأطراف بتحصيل المكاسب عبر الخيار العسكري! ونضيف أن سر نجاح دايتون كان اجتماع الوكلاء مع الأطراف الخارجيين الداعمين لهم للتوصل إلى حل توافقي، أما في جنيف فجاءت البداية من الأدوار الداخلية وإن حظي المؤتمر برعاية دولية، ويبدو عندما يتعلق الأمر بمثالي البوسنة وسورية، يكون العمل من الداخل إلى الخارج سلبياً، ويرجح أن ينطوي على نتائج عكسية تطيل أمد الحرب، والبديل، ربما الرهان على تأسيس اتفاق بين مختلف الداعمين الخارجيين ولنقل تسوية يقبلون بها ويفرضونها على وكلائهم كمقدمة لإنجاح العملية التفاوضية والمعالجة السياسية.

والحال، فإن أي جهد حاسم تبذله القوى الخارجية المؤثرة يمكن أن يحدث فارقاً في النزاع السوري، أو يوقف على الأقل العنف المتمادي، ويضع سورية على طريق البوسنة، والقصد احتمال التوصل بعد سنوات مدمرة إلى اتفاق يقارب اتفاق دايتون بين القوى الخارجية ويفرض على الوكلاء المحليين، واضعاً حجر الأساس لتلبية حقوق الناس وخلاص هذا الشعب المنكوب من محنته.

======================

موقفنا : تنظيم الدولة الداعشية يتمدد برعاية الاحتلال الروسي والإيراني .. الدلالات والأبعاد والأخطار .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 2/11/20158

بعد شهر من الاحتلال الروسي لوطننا الحبيب ، وبعد الاشتراك المريب من قبل القاذفات الروسية و القوات الإيرانية البرية في تنفيذ جريمة حرب إبادة جماعية مستدامة ، وعملية تطهير مذهبي ضد الشعب السوري قتلا وتهجيرا بذريعة التصدي لهذا التنظيم ، الموسوم دوليا بالإرهاب ، يفجؤنا اليوم تقدم تنظيم الدولة في المنطقة الوسطى في سورية ، وسيطرة هذ التنظيم مرة بعد مرة بطريقة هوليودية مكشوفة على المزيد من المواقع في محافظة حمص الحبيبة ، التي تشكل ( سرّة ) المشروع الأسدي – الإيراني المدعوم من الروس للتأسيس للدولة الطائفية الأسدية المزعومة ..

تقدم الانتصارات الجديدة التي حققها هذا التنظيم ، وسيطرته على واحدة من أكبر المستودعات العسكرية للجيش السوري ، بكل ما فيها من سلاح وعتاد ، ومن ثم تقدمه نحو بلدات سورية ، تسيطر عليها قوى الثورة ،و وهي ذات طبيعة ديمغرافية مختلطة يتعايش فيها المسلمون والمسيحيون ؛ تقدم هذه الانتصارات مفاتيح فاضحة لسياسات هذا التنظيم وسياسات داعميه والمراهنين عليه من الأسديين والإيرانيين والروس ...

ومع أن اللعبة الأسدية – الإيرانية – الروسية بالتذرع بهذا التنظيم الإرهابي المتطرف لتشويه الثورة السورية ، وتغيير عناوينها ، ومصادرة تطلعات الشعب السوري في الحرية والكرامة كانت منذ أول يوم مكشوفة لكل القوى الدولية ، والمخابرات العالمية ؛ إلا أن الجميع على ما يبدو راقتهم هذه اللعبة فانغمسوا عن علم وقصد في مستنقعها النتن ، فجعلوا من حرب هذا التنظيم هدفا مستقلا قائما بذاته ، بل قدموه على حرب بشار الأسد الذي راهن عليه ، وقدم له الرعاية وتعاون معه سرا وجهرا حتى يجعله عنوان تهديد وتشويه ، ومدخلا للارتداد على الثورة السورية ، وقطع الطريق على أمل شعبها ...

إن الحركة الأخيرة المتمثلة في تقدم تنظيم الدولة في منطقة حمص ، وسيطرته على مستودعات ( مهين ) العسكرية ، واختيارها التقدم نحو مناطق القلمون حيث يتركز وجود مواطنين مسيحيين وأن يتجنب هذا التنظيم الذي يرفع راية ( الدولة الإسلامية ) كذبا وزورا التقدم نحو القرى الموالية للنظام ، ولا ندعوه لذلك ليقتل أو يستبيح ، وإنما ليقطع الطريق استراتيجيا على حلم بشار بالدولة الطائفية المقيتة؛ كل أولئك يؤكد على تبعية هذا التنظيم المباشرة للقيادة الخفية المريبة التي تغذيه وترعاه وتدعمه وتقود خطاه ، وترسم مسارات تقدمه .

وكما قدم بشار الأسد لهذا التظيم آبار النفط السوري شراكة ، وكما سلمه صوامع القمح السوري وبيادره شراكة ، وكما سلم المالكي الإيراني الموصل لهذا التنظيم وسلاح ثلاث فرق عسكرية ليدعمه ويقويه فإن تسليم مستودعات ( مهين ) الاستراتيجية لهذا التنظيم ، وفي هذا التوقيت ، وتحت وقع القصف الجوي الروسي الذي لايرحم الأطفال والنساء ،يؤكد أن تسليم هذه المستودعات ما هو إلا حقنة استراتيجية جديدة لتعويض هذا التنظيم بعض ما خسره ، ولمساعدته على الاستمرار في تشكيل الذريعة القوية التي تثير الرعب والفزع وتستدعي الاستنفار الدولي للقضاء على هذا التنظيم وبمفهوم آخر للتحالف مع بشار الأسد وقطع الطريق على الثورة السورية ..

ثم إن دفع هذا التنظيم للتقدم باتجاه بلدات ذات وجود مسيحي ظاهر غرضه بالدرجة الأولى إثارة المجتمع الدولي المشحون بالأصل طائفيا لتكرار حكايا معلولا وسنجار وعين العرب كوباني ...

وحين يدير ( تنظيم الدولة ) ظهره لمطار ( التيفور ) بأهميته الاستراتيجية والعملياتية الذي أصبح في متناول اليد ، وحين يدير ظهره للقرى الموالية للنظام ليتقدم في اتجاه المناطق التي تسيطر عليها القوى الثورية الأخرى دفعا في طريق المزيد من التمزق فإن كل شيء يصبح مفضوحا ومكشوفا ...

إن إستراتيجية الاحتلالين الروسي والإيراني في سورية على ضوء هذه المعطيات تتركز في مزيد من النفخ والحقن في هذا التنظيم المسير من قبل أجهزة المخابرات الروسية والإيرانية والأسدية على السواء لتبدو المعركة في سورية بين هذا التنظيم وتوابعه وزعانفه وبين بشار الأسد الذي سيأخذ محل الحمل الوديع . ونحن لا نكشف جديدا ، ولا نقول إلا ما هو معروف لكل الحكومات العالمية ، التي ترى أن من مصلحتها الانغماس في هذه اللعبة القذرة ..

ونحن في موطن لا ينفع فيه الاستنكار ولا الإدانة ولا الاحتجاج ولا بد فيه من مبادرات عملية يقوم بها ( كبار ...كبار ) لقطع الطريق على هذه اللعبة القذرة التي يمكن أن تودي بالثورة السورية وبالتالي بالشعب السوري .

ولكي لا يوضع هذا الكلام في غير سياقه ، فإن ارتباط هذا التنظيم الواضح لكل ذي عينيين بأجهزة المخابرات الأكثر سفالة في هذا العالم إنما هو عن طريق اختراقات أمنية في مراكز خفية لصنع القرار .

ويا ضيعة الدم والجهد يبذله أفراد يظنون أنهم في سبيل الله يجاهدون ، هؤلاء الذين وصلوا إلى الأرض السورية منطلقين من حسن نية ، أو مدفوعين بأيدي خفية ؛ فما وجدوا لواء صدق يلتفون حوله ، ولا راية رشد يقاتلون تحتها غير راية الشر والإثم هذه ...

غياب الغائبين ، وتقاعس المتقاعسين ، وتخاذل المتخاذلين كان له الدور الأوفى في إيراد المشهد السوري هذا المورد الضنك . وبئس الورد المورود ...فهل لذناباها من تلاف ..

لندن :20 / محرم / 1437

2 / 11 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

==================

لماذا يُحجِّم بوتين إيران؟ .. زهير قصيباتي

الحياة

الخميس 29/10/2015

أن يحقّق "داعش" تقدُّماً في محيط معقلٍ للنظام السوري أمر لا يثير غرابة. ما يستدعي التعجُّب أن يتقدّم التنظيم على حساب النظام، رغم كثافة النار الروسية في فضاء سورية الذي يبدو أنه سينبلج تدريجاً... بعد خمس سنوات تقريباً من القتل والظلام.

بحسابات بسيطة، ورغم خروج المشهد السوري عن كل المألوف في المعادلات العسكرية والسياسية، ليس مبالغة القول إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دشّن حملة ديبلوماسية مكثّفة لاستعجال نهاية لغارات "سوخوي".

مبدئياً، ورغم كل التحفُّظات الأولى على التدخُّل العسكري الروسي المفاجئ في سورية، قد يتفق معظم الدول العربية المؤثّرة وتركيا على أن المقاربة الروسية لمسارَي الحرب على الإرهاب والتسوية التي ستطلق المرحلة الانتقالية، ليست بعيدة من التطلُّع إلى بدء هذه المرحلة. وإن بدا ساطعاً الخلاف على الأولويات بين الكرملين ونظام الرئيس بشار الأسد، فنفي موسكو كذلك أنها ستقدّم ضمانات بعدم ترشُّح الأسد لولاية جديدة، لا يلغي جدّية ذاك الخلاف الذي ظهرت ملامحه بعد "استدعاء" بوتين للرئيس السوري. الأخير يريد "حرباً على الإرهاب" تستمر إلى ما لا نهاية، ليضمن بقاء المظلة الجوية الروسية و "الخبرات" الإيرانية وأذرع طهران إلى جانبه، وفي قلب سورية وسمائها. لكنه بالتأكيد لا يتساءل عن الثمن الذي على الروس التضحية به لصون نظام يتداعى ما بقي منه.

بعد كل ما شهدته المنطقة من صراعات وحروب، وتجاذب إقليمي ودولي، وتأجيج براكين المذهبية، وتدمير أركان الدولة العربية في سورية والعراق وليبيا واليمن، توجّه موسكو رسائل في كل الاتجاهات، لتُعلن أن وقت التسويات حان، وعلى الجميع الاستعداد لركوب قطارها. فشلت إيران في إنقاذ النظام السوري، وفي محو فضائح عهد حليفها نوري المالكي ومحو كارثة سقوط الموصل وتمدُّد "داعش"، كما فشل مشروعها في اليمن لتمكين الحوثيين من تغيير هوية البلد ومؤسساته. باغتها تدخُّل التحالف العربي بقيادة السعودية لإعادة الشرعية. صُدمت طهران بارتباك حكم حيدر العبادي في بغداد، و "ممالأته" الأميركيين. جيَّشت مشروع "الحشد الشعبي"، فأجّجت المذهبية، من دون أن تُقلِق "دولة" أبي بكر البغدادي.

عملياً، قد تكون أوضح رسائل الروس في محاولتهم استعادة النفوذ الإقليمي، موجّهة إلى المرشد علي خامنئي والرئيس الأميركي باراك أوباما في آن: انتهى الوقت الضائع، لا تفرُّج واشنطن على دمار الشرق الأوسط يمكن احتماله أكثر، ولا رهان طهران على عض الأصابع مع مَنْ كان "الشيطان الأكبر"، يمكن الاطمئنان إلى نهاياته. في الحالين يتمدد "داعش" وفي صفوفه من المسلحين من آسيا الوسطى والقوقاز، ما يكفي لمشروع موصل ثانية على كتف روسيا.

مع كل ذلك، لا تغيب دوافع الروس للثأر من العقوبات الغربية، لكنهم يراهنون بالتأكيد على الثأر لماضي الاتحاد السوفياتي. لا يبالغون في تبرير الحاجة إلى نظام عالمي جديد، وهم باتوا أقرب من الأميركيين إلى توازنات المصالح، بعيداً من "حكمة" أوباما التي لم تُنقذ حليفاً ولا صديقاً.

وبحساب النقاط التي سجّلها بوتين منذ تدخُّله العسكري في سورية، يَرِد تحجيم الدور الإيراني الذي توهّمت طهران بأنه سيقرر مصير المنطقة والعرب. ويَرِد كذلك تسجيل هدف آخر في المرمى الأميركي، باستعجال الضغوط لإشراك كل الإقليم في البحث عن مخرج لكابوس "داعش"، لا بد أن يتلازم مع مرحلة انتقالية في سورية. وأما طرح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مسألة الانتخابات النيابية والرئاسية، فيزيل حتماً لدى نظام الأسد غشاوة "سحر" الحلف الإيراني الذي ظنّه أبدياً.

كان النظام ولا يزال في ورطة انفصام، كانت إيران ولا تزال في مأزق الطموحات الامبراطورية، واستخدام المذهبية وقوداً لكسر روح المصالح المشتركة بين الدول العربية في المنطقة. وأما روسيا فليست بريئة من السعي الى فرض دور لها، يوازن بين القوة العسكرية وورقة "الفيتو" في مجلس الأمن، وحصص التجارة والأسواق. الفارق بين أوباما وبوتين أن الأول توهّم حصاداً مجّانياً للأهداف بلا قطرة دم أميركية، فيما الثاني اقتنص لحظة للتمرُّد على الحصار والذل، وفرض خريطة جديدة للمصالح الدولية.

في اجتماع فيينا غداً، بعد تفكيك عقدة حضور طهران، لن يعلن الروس تدشين قطار الحل السوري، ولن يعلن الإيرانيون تطوُّعهم في تأمين مخرج آمن للرئيس الأسد. طريق الحل ما زال طويلاً، لكن معظم اللاعبين أُرغِم على المشاركة في حسابات الربح والخسارة.

======================

المناورة الروسية في الحل السوري .. غازي دحمان

العربي الجديد

الاربعاء 28/10/2015

يؤشر تواتر وتزايد موافقات الأطراف الإقليمية والدولية على القبول ببقاء بشار الأسد رئيساً في سورية فترة انتقالية محددة إلى وجود قرار روسي جرى إبلاغه، عبر القناة الأميركية إلى جميع المعنيين، بفتح باب المساومة حول سورية، كما أن زيارة الأسد نفسه إلى موسكو استخدمتها روسيا تبليغاً له بهذا الأمر، وكان رئيس الوزراء الروسي، ديمتري ديميديف، قد قال إن بلاده تدافع عن مصالحها الوطنية، وليس من أجل بقاء شخص، فيما يشبه توضيحاً لخريطة الطريق الروسية في سورية.

تبدو هذه التحركات، وفي هذا التوقيت، طبيعية ومتناسقة مع الحملة الروسية وإمكاناتها وقدرتها، فروسيا لا تستطيع الاستمرار طويلاً في الحرب، كما أنها لا تستطيع مواجهة تحالف إقليمي قد يتشكل ضدها، خصوصاً وأن المواقف القطرية والسعودية استمرت في التصعيد، وبدأت مؤشرات تظهر على الأرض حول تشكيل بنية عسكرية لمواجهة المتغير الروسي، بما فيها من بناء تحالف عسكري من القوى الفاعلة على الأرض السورية، وقوى إقليمية مساندة، وطرق إمداد ومصادر تسليح ونوعيات أسلحة مضادة. وبالتالي، أرادت روسيا استباق هذا التطور ومنع تشكله. إضافة إلى تنامي المؤشرات عن دراسة الدول الغربية خيارات عدة للرد على التصعيد الروسي، ولعل الأهم من ذلك كله أن موسكو اكتشفت العطب الخطير في منظومة الأسد ومليشيات إيران واستحالة إصلاحه. وبالتالي، استحالة تحقيق نتائج مهمة على الأرض، والاستمرار بهذه الوضعية مغامرة وتوريط مستقبلي.

وعلى أهميته، لا يعني ذلك أن روسيا مستعدة للقبول بأي حل، بل تريد أن تبني الحل على نتائج ما تعتقد أنها حققته ميدانياً، ومحاولة تحويل مكاسب عسكرية أولية إلى رصيد سياسي، بإطلاق العملية السياسية بشروطها، حيث يعتقد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أنه وبعد ثلاثة أسابيع من الضربات الجوية استطاع إحداث مناخ يتيح الذهاب نحو حل سياسي (واقعي)، يتأسس على الحقائق التي صنعها على الأرض، بحيث يتسنى له إلغاء وثيقة جنيف التي ترجح دوراً أهم للمعارضة في أي حل سياسي.

على ذلك، فإن موسكو بصدد بناء موقف تفاوضي، يقوم على مناورة واسعة، تستخدم فيها جملة من الأوراق، منها استخدام ورقة بشار الأسد ورحيله. في مقابل هذه الورقة، تجهز موسكو بدائل تحقق مصالحها بدرجة كبيرة، ترتكز على عدد من أوراق القوة، وجودها الميداني، وتحالف الأقليات الذي صنعته في المنطقة، والذي جمع في مكوّناته المسيحيين، باعتبار أن بوتين يطرح نفسه قائداً للمسيحيين في مواجهة التطرف الإسلامي، والشيعة ممثلين بإيران، واليهود بالتنسيق مع إسرائيل، ومن خلال هذه الأوراق، تتطلع روسيا إلى فرض رؤيتها للحل، وتفصيله على مسطرة مصالحها.

ولعل أول عناصر تلك الرؤية الحصول على اعتراف دولي بهيمنتها على سورية، والبادي أن

"روسيا قرّرت القيام بمناورة واسعة، هدفها إشغال العالم بمبادرات وحراك دبلوماسي، لا ثمرة إيجابية له، بقدر ما هو تضييع للوقت، وتأخير أي إجراءات ميدانية وسياسية" لدى غالبية الأطراف الإقليمية والدولية قابلية لقبول هذا الأمر، خصوصاً وأن بعضهم ينظر إلى روسيا بوصفها المخلص من النفوذ الإيراني، على اعتبار أن روسيا صاحبة مشروع جيو استراتيجي، وليس طائفياً ومذهبياً. وبالتالي، فإن الاعتراف بالهيمنة الروسية خطوة على طريق إخراج المنطقة برمتها من الصراع المذهبي الذي لا يبدو أن هناك أفقاً لنهايته. حتى إيران نفسها لا مشكلة لديها في هذا الأمر، لأنها ستكون موجودة بنفوذها وقدراتها، ويتيح لها الوجود الروسي، المشرعن إقليمياً ودولياً، إعادة ترتيب أوراقها بهدوء، لتعرف كيف تستفيد من هذه الأوضاع.

المرجح أن بوتين سيرتكز على هذا الاعتراف، بوصفه إكمال تفويض دولي، كان قد حصل عليه سابقاً في إدارة عملية سلام بين الأطراف السورية. وبناء عليه، سيتجه إلى إعادة إنتاج بنية نظام الأسد، مع إجراء تحسينات شكلية، وعلى الهامش، من قبيل تطعيمه ببعض المعارضة، وخصوصاً التي جرى تصنيعها في مؤتمرات القاهرة وموسكو. ولتدعيم هذا التشكيل، مرجّح أن يذهب إلى صياغة دستور جديد، بعد إجراء انتخابات برلمانية تحت حكم الأسد، يقوم على أساس الفدرلة لحماية حقوق المكوّنات المذهبية والعرقية، أو بطريقة أوضح تمتين وضع الأقليات داخل النسيج السوري، وتأمين حصة وازنة لها في هيكلية صناعة القرار.

ثبت بما لا يدع مجالاً للشك، وخصوصاً بعد جولة فيينا، أن روسيا قرّرت القيام بمناورة واسعة، هدفها إشغال العالم بمبادرات وحراك دبلوماسي، لا ثمرة إيجابية له، بقدر ما هو تضييع للوقت، وتأخير أي إجراءات ميدانية وسياسية، إلى حين وضع العالم أمام الأمر الواقع. وما تقوم به روسيا هو نمط من السياسات التي تهدف إلى استهلاك الوقت، واستنزاف جهود الآخرين، حيث يراهن بوتين أن إمكاناته الصغيرة لن تقف عائقاً أمام تحقيق مصالح روسيا، وفرضها طرفاً مقرراً، ما دام يملك الصبر والإرادة والقدرة على إدارة الأزمات، ومعرفة طرق الاستفادة منها.

ستتركز خطة بوتين في المرحلة المقبلة على زيادة حدة الاستقطاب عبر استمالة أطراف إقليمية جديدة، وتحييد بعضها، وسيناور كلامياً حول وجود أطراف معتدلة داخل الطيف السوري المعارض، حتى يتمكن من ترسيخ وجوده في سورية بشكل أكبر، طالما أن العالم اعترف له بمثل هذا الدور، وهو ضمن هذه الشروط لن يترك فرصة استراتيجية، كالفرصة السورية، تفلت منه ما دام أن المخاطر التي يواجهها متدنية، والأثمان التي يدفعها تبقى في إطار الممكن والمقبول.

======================

أكراد سورية ... ورقة التجاذب بين موسكو وواشنطن .. حسين عبد العزيز

الحياة

الاربعاء 28/10/2015

شهدت الفترة الأخيرة محاولات أميركية - روسية لاستقطاب الأكراد في سورية كل لأسبابها، بعدما تحولوا إلى قوة عسكرية لا يستهان بها، وبيضة القبان القادرة على التأثير في الشمال السوري، مع بلوغ عديد "وحدات الحماية الشعبية" نحو 24 ألف مقاتل، وعديد "وحدات الدفاع النسائية" إلى نحو 20 ألف مقاتلة، ومن شأن هذه الأرقام مع جودة التكتيك والقتال أن تغري كثيراً من الأطراف لعقد تحالفات مع المكون الكردي.

خلال الأعوام الثلاثة الأولى للأزمة السورية، لم تعر الولايات المتحدة اهتماماً كبيراً بالأكراد خشية إغضاب العرب والأتراك، لكن منذ نحو عامين ومع تنامي وتماسك الكتلة الكردية، بدأت واشنطن تعيد النظر في علاقتها بأكراد سورية، وجاءت معركة عين العرب (كوباني) في 27 أيلول (سبتمبر) 2014 لتنقل هذه العلاقة إلى مرحلة جديدة من التعاون والتنسيق الرفيعي المستوى، ولتتحول الوحدات الكردية المسلحة إلى حليف للولايات المتحدة يمكن الوثوق به.

وتوصلت الإدارة الأميركية في الآونة الأخيرة إلى قناعة بأن الأكراد هم القوة المعتدلة المطلوبة، فلا هم في وارد محاربة النظام لتلاقي مصالحهم الآنية، ولا هم في وارد الدخول في صراع مسلح واسع مع الفصائل السورية، هدفهم الرئيسي محاربة "داعش" وتأمين مرتكزات الحكم الذاتي، وهما مطلبان يصبان في خدمة واشنطن.

بالنسبة الى الولايات المتحدة يشكل الأكراد قوة يمكنها أن تحد من قوة الفصائل الإسلامية ذات التوجهات السلفية والجهادية مثل "جبهة النصرة" وأحرار الشام" وغيرهما في المراحل المقبلة، وورقة يمكن اللعب بها لمواجهة الطموحات المنفعلة لتركيا في سورية.

وفي محاولة لتوسيع حدود القوة الكردية من دون إثارة الأتراك والعرب، عمدت واشنطن إلى دعم تشكيل تحالف عربي - كردي تحت عنوان "قوات سورية الديموقراطية"، هدفه محاربة "داعش" ومحاولة إقامة منطقة شبه آمنة في الشمال السوري تكون بديلاً من المنطقة الآمنة التي طالبت بها تركيا وتخضع لسيطرتها وسيطرة حلفائها، كالفصائل التركمانية وبعض فصائل "الجيش الحر" وحركة "أحرار الشام".

وتسعى واشنطن بهذا الحلف إلى ربط الأكراد بالعشائر وبعض القوى العربية، بحيث يكون تحالفاً عابراً للإثنيات ويحمل أجندة علمانية مع ضمانات أميركية باستمرار تزويدهم السلاح اللازم، وضمانات سياسية بأن المصالح الكردية في سورية لن تمس.

وجاءت الخطوة الأميركية هذه بعيد التدخل العسكري الروسي في سورية، والضربات الجوية الروسية ضد القوى السورية المدعومة من الولايات المتحدة، ولذلك تحتاج واشنطن إلى إبقاء الأكراد بعيداً من الاستغلال الروسي، بعدما ظهرت إشارات من موسكو للتقرب من الأكراد، عبّر عنها الرئيس فلاديمير بوتين حين قال إن الأكراد إلى جانب الجيش السوري هم القوة الرئيسة التي تقاتل المسلحين.

ويشكل طلب موسكو من حزب "الاتحاد الديموقراطي" فتح ممثلية لأكراد سورية في روسيا خطوة مهمة على صعيد منح الكيان الكردي الوليد شرعية سياسية في محاولة لمنافسة واشنطن على المكون الكردي في سورية.

يريد الروس إيصال رسالة سياسية للأكراد مفادها بأن مصالحهم القومية في سورية مرتبطة بالنظام السوري وليس بالولايات المتحدة التي ترتبط بهم ضمن مصلحة آنية، فموسكو لم تقدم على خطوة التمثيل السياسي من دون تفاهم مسبق مع دمشق.

الهدف الروسي يتطابق مع الهدف الأميركي في التقرب من أكراد سورية، وهو تحويلهم إلى جيش منظم يعوض التدخل البري الأميركي والروسي في سورية، فالأكراد مع بقايا جيش النظام يشكلون قوة برية منظمة كافية مع الدعم الخارجي المتمثل بـ "حزب الله" وإيران.

واستضاف معهد البحوث الإستراتيجية في موسكو قبل أيام أعمال مؤتمر دولي تحت عنوان "مستقبل تشكيل تحالف دولي لمكافحة "داعش"، ويبدو من هذا المؤتمر أن القيادة الروسية عازمة على توسيع دائرة القوى المحلية السورية المشاركة في هذا التحالف، لا سيما الأكراد.

وتحتاج دمشق وموسكو في هذه المرحلة إلى الأكراد مع بدء معارك حلب، حيث يشكل الأكراد قوة مهمة في الشمال الغربي لريف حلب، ومن شأن مشاركتهم في الحرب إلى جانب النظام أن يمنح الأخير قوة لا يستهان بها.

لكن الخلاف الأميركي - الروسي يكمن في أن الولايات المتحدة تتلاقى مع الأكراد على محاربة "داعش" ومحاولة السيطرة على الرقة، ولكن لا توجد اهتمامات أميركية الآن بمحاربة الفصائل المدعومة من حلفائها الإقليميين كـ "جبهة النصرة" و "أحرار الشام"، في حين تبدو موسكو مهتمة أكثر بالفصائل المعادية للنظام السوري، لاسيما في إدلب وحلب.

======================

الأزمة السورية..تدويل الحوار .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الاثنين 26/10/2015

كثُر اللغط ويكثر في أوساط سورية وإقليمية ودولية حول القضية السورية، كما اتسعت دائرة الحديث عن هذه القضية، إلى درجة لعلها أصبحت رهينة إجابة العالم كله. وصرنا بين من يضيف إلى الحوار المعني هنا شخصيات دولية وغيرها وبين من يصر على مجموعة من المحاورين دون أخرى. وبين هذا وذاك، نجد أنفسنا قد دوَّلنا ذلك الحوار، بحيث يصبح أحد شؤون الآخرين الملزمة لهم دون الانتباه المنهجي السياسي والأخلاقي والإجرائي العملي إلى أن أقصى ما يمكن أن يفعله الآخرون لا يخرج عن المساعدة في التمكين للسوريين لامتلاك طرق الاتصال باتجاه إنجاز هدفهم. ذلك لأن الأمر إذا خرج عن هذا الإطار وتعدّاه، فإنه قد يُنتج أخطاء والتباسات بنيوية كبرى، ناهيك عن الصراعات الدموية، حيث ينتقل الأمر إلى حقل السلاح، كما هو الحال الآن.

في مواجهة ذلك كلّه كان على المعنيين بالأمر ألا يخرجوا عن المرجعية الشرعية السورية عبر إدخال مزيد من الأطراف والسلاح، كما هو الحال بالنسبة إلى دخول الروس المباشر في الشأن السوري.

المرجعية المذكورة من شأنها القيام بما هو حاسم على ذلك الطريق. ويتجلى ذلك في أن هذا الأخير يتحدد أولاً بإيقاف السلاح، وذلك بمساعدة لجنة سورية دولية أولاً، وباتجاه تشكيل مجلس وطني من كل الأطراف السورية ثانياً، باستثناء من تلوثت أيديهم بدماء الموت. أما المهمات التي تواجه هذا المجلس الوطني فتتمثل مبدئياً بثلاث، هي إخراج السجناء السوريين السياسيين من سجونهم أولاً، والبدء ثانياً بتأسيس مجلس أعلى من أعضاء المجلس المذكور يضعون – مع خبراء من الأمم المتحدة – لجاناً مركزيةً وخططاً مفتوحةً لإعادة المهاجرين والمهجّرين من السوريين إلى بلدهم وبالتوافق مع دول المهجر ذاتها. وتبقى المهمة الثالثة – وهي ذات أهمية وفاعلية خاصتين – فتتمثل في إنجاز انتخابات برلمانية ديمقراطية يشرف عليها سوريون ومن يطلبون من الآخرين مساعدة السوريين في هذه المهمة. ومن أجل إنجاز هذه المهمة، يتعين القيام بانتخابات برلمانية، بعد أن يكون قد تحقق ما يدخل في نطاق التأسيس لدستور وطني مرحلي، قد يكون مقدمة لدستور وطني ثابت بالاعتبار الاستراتيجي.

تلك أمور لا يمثل إنجازها عملية سريعة ولا متسرعة، بقدر ما يكون مقدمة أوّلية لتأسيس المرجعيات ذات الوضعية القانونية والوطنية الحاسمة. ومن ثمَّ، فإن البدء بذلك كله إنما هو ذلك القادر على فتح الطريق لما ينبثق عنه ويتممه، نعني إنما هو خطوة حاسمة باتجاه تقريب المواقف بعضها من بعض، دون الاعتقاد بأن ذلك يمكن أن يسير بسرعة قصوى، أي بوتيرة متوازنة وبأقل ما يكون من الاختلاط والاضطراب. واستكمالاً لذلك، لابدَّ من التأكيد على أن (مؤتمر جنيف) بتجلياته المتعددة يمثّل مرجعية يجب العودة إليها والاستئناس بمعطياتها.

إن القضية السورية تستوجب، الآن قبل الغد، الانخراط في الخطوات الثلاث المذكورة بدقة منهجية سياسية وأخلاقية قصوى لأن ما قد يخرج عن ذلك يجعل المسألة أكثر اضطراباً واحتمالاً لإنتاج صراعات جديدة محلياً وإقليمياً ودولياً. ذلك لأن السنوات الأربع والنصف المنقضية على هذه الأخيرة جديرٌ بها أن تمثل مقدمة مفتوحة وصائبة إلى ما يوقف شلالات الدم السوري، تلك الشلالات التي تحولت إلى سلعة دولية يتاجر بها سادة الاضطراب والقلق العالميين. وبهذا لعلّ الأمر التالي هو الذي راح يبدو أن الثابت الحقيقي في ذلك كلّه: تدويمُ المأساة السورية بوصفها بوابة الولوج إلى مشكلات العالم كله وإلى أمدٍ مفتوحٍ مفتوح. ولعلنا نستنبط هذا الثابت. على سبيل المثال من الاستراتيجية الأميركية والأخرى الروسية إضافة إلى أطراف أخرى من هنا ومن هناك.

إنه إذاً أمرٌ متمثل في ثلاث خطوات برؤية إجمالية واحدة: إغلاق ملف السجناء السياسيين الذين يعيشون الموت البطيء المتباطئ، وفتح ملف الهجرة والتهجير والنزوح للسوريين، وأخيراً البدء بملفٍ يطال البنية السورية الداخلية سياسياً وعمرانياً ومدنياً وأخلاقياً.

======================

المشهد الأخير في دراما الأسد .. د. وائل مرزا

الشرق القطرية

الاحد 25/10/2015

بغض النظر عن كل التفاصيل فيما يخص علاقة بشار الأسد بسوريا، ثمة حقيقتان يبدو الإجماع عليهما نهائياً منذ زمن. أن دوره انتهى في هذا البلد سياسياً وشخصياً، وأن باب الخروج بعد إسدال الستار على حقبته سيكون من جهة روسيا.

لا يُغيرُ شيئاً في الحقيقة الأولى ما يُطرح من إمكان بقائه بضعة أشهر خلال مرحلةٍ انتقالية، وتأتي زيارتهُ العتيدة إلى موسكو، بإخراجها المتعدد الرسائل، لتؤكد الحقيقة الثانية.

فلسانُ الحال أصدقُ من لسان المقال كما قالت العرب يوماً. ورغم تصريحات روسيا، أثناء زيارة الأسد وبعدها، إلا أن ظروف الزيارة نفسها، بكل ملابساتها وإشاراتها الرمزية، كانت تصب في مسار الحراك السياسي الإقليمي والدولي الحثيث لإيجاد بديل له.

بشكلٍ محدد، بعد قرابة خمس سنوات من قرار (اللا قرار) الذي كان يحكم الموقف الدولي تجاه ثورة الشعب السوري، يبدو أن المشكلات التي نتجت عن ذلك (اللا قرار) تفاقمت لدى الجميع بحيث وصلنا إلى مرحلةٍ لا مفر فيها من وجود قرار.

ولكن، لا داعي للأوهام هنا، فهذه مرحلةُ (كسر عظم) صعبة تسبق الوصول إلى القرار. والأرجح فيما يخص اجتماع فيينا (المقالُ كُتب قبل حصوله) أن يكون محاولةً روسية لاستثمار وجودها العسكري في سوريا وإثباتِها السيطرة على الأسد عبر (استدعائه) بذلك الشكل المُهين، وهي عمليةٌ لاتمانعُ فيها أمريكا أوباما.

من هنا يبدو التركيز ضرورياً، أولاً وأخيراً، على ثبات الموقف العربي الداعم للشعب السوري.. فالأغلب أن القراءة السعودية قريبةٌ من الرؤية أعلاه، وهو ما يُفسر تصريحات وزير الخارجية السعودي الواضحة للصحفيين في فيينا، التي أكد فيها أن التدخل الروسي في سورية خطيرٌ جداً "لأنه يؤجج الصراع"، مؤكداً بعد ذلك أن الجانب السعودي قال هذا للروس بوضوح. ليُعبر بعدها عن مخاوفه من أن يلهب ذلك المشاعر في العالم الإسلامي، ويزيد من تدفق المقاتلين على سوريا، في رسالة واضحة لروسيا التي لاتزال تحاول استهلاك ورقة (الإرهاب) بشكلٍ مُبتذل.

لكن الرسالة الأكثر وضوحاً جاءت حين سُئل الجبير عما إذا كان بإمكان الأسد أن يلعب دوراً في أي حكومة موقتة، وذلك حين قال إن دوره سيكون الخروج من سوريا، مشيراً إلى أن أفضل سيناريو يمكن أن يحدث هو الاستيقاظ صباحاً والأسد غير موجود في سوريا. بهذا الحسم والشفافية تقود السعودية موقف العرب الداعمين للشعب السوري في هذه المرحلة الحساسة جداً.

بهذه الدرجة من الحسم والشفافية تقود السعودية موقف العرب الداعمين للشعب السوري في هذه المرحلة الحساسة جداً. وتفعلُ هذا بإصرارٍ كبير لأنها تدرك أن ملابسات اللحظة لا تسمح بأي تردد أو خفضٍ للسقف يمكن أن تلتقطه الأطراف الأخرى، فتحاولَ بالتالي ممارسة عمليات خلط الأوراق ونشر البلبلة، لبدء العملية السياسية من سقفٍ منخفض.. وهذا ما يبدو واضحاً أنها تفعلهُ بمهارة قبل لقاء فيينا، وبحسابات دقيقة.

في هذا الإطار، يبدو الموقف القطري منسجماً مع الرؤية نفسها. فحين سألت قناة "سي إن إن" وزير الخارجية القطري عما إذا كانت بلاده تؤيد موقف السعودية الذي لا يستبعد الخيار العسكري في سوريا نتيجة لتدخل روسيا، قال الوزير بكل وضوح: "أي شيء سيؤدي إلى حماية الشعب السوري ويحمي سوريا من الانقسام لن نألوا جهداً للقيام به مع إخوتنا السعوديين والأتراك مهما كان هذا الشيء".

مضيفاً، لمزيدٍ من التفصيل، قوله: "إذا كان التدخل العسكري سيحمي الشعب السوري من وحشية النظام السوري فبالطبع سنقوم به".. وأخيراً، لوضع الأمور في نصابها ختمَ بقوله: "لا نخشى أي مواجهة ولهذا سندعو للحوار من موقع القوة، لأننا نؤمن بالسلام والطريق الأقصر للسلام يكون بالحوار المباشر".

وفي نفس المسار، يأتي الموقف التركي الرافض، حسب رئيس الوزراء التركي "لأي مرحلة انتقالية لحل الأزمة التي تشهدها سوريا تفضي ببقاء الأسد في السلطة"، وذلك في تصريحات أدلى بها رئيس الحكومة التركية لوسائل إعلامية محلية.

لاشك، من باب الواقعية، أن الموقف الأمريكي هامٌ وأساسي. لهذا، يكون جيداً أن يتحدث وزير الخارجية كيري عن اتفاق دول اجتماع فيينا على "مبادئ مشتركة" حول مستقبل سوريا، ثم يؤكد قائلاً: "لكنّ أمامنا شخصاً يجب إزاحته بسرعة، هذا الشخص هو بشار الأسد".

من المُعبِّر أن كل التصريحات المذكورة أعلاه، وما صاحبها من حراكٍ سياسيٍ ودبلوماسي مُعلنٍ وخفي، حصل خلال أيام قبل طباعة هذا المقال الذي كتب يوم الجمعة قبل لقاءات جنيف. وبغض النظر عما سيتمخض عنها، إلا أن الأرجح أن عبارة كيري قد تكون دليلاً آخر على الوصول لمرحلة (قرارٍ) سيُتخذ خلال اللقاءات المذكورة أو بعده بزمنٍ لن يطول. رغم أننا اعتدنا سماع مثل هذه التصريحات إلى درجةٍ مُبتذلة.

من هنا، يكون السؤال الجوهري في الموضوع: بالنسبة لنا كعربٍ وكسوريين، ما هو دورنا وما هي أدواتنا في التأثير على طبيعة القرار بحيث يصب في مصلحتنا؟ لا شك أن عاملاً أساسياً جداً يكمنُ في الموقفَ العربي المذكور أعلاه. ولئن كان هذا الموقف ينبثق من إدراك أهمية سوريا المستقبل في استقرار المنطقة وصد الهجمة الإيرانية عليها، فوق تعاطفه مع الشعب السوري، فإن على السوريين، ممثلين في معارضتهم السياسية والعسكرية، الارتقاء إلى مستوى جدية الموقف الإستراتيجي الراهن، دون ترددٍ لم يعد لائقاً ولا مفهوماً، قد يكون هذه الأيام عنصرَ الإرباك الأكبر في عملية إنهاء المشهد الأخير من دراما الأسد.

ثمة (طفولةٌ) سياسية، ليس لها مكانٌ اليوم، في تكرار (لازمةٍ) تنوحُ وتشتكي من "خروج الموضوع من يد السوريين". لا ننفي صوابيةً مُعينة في مضمون هذه العبارة.. لكن المشكلة تكمن في أنها باتت، بتفكيرٍ سياسيٍ محترفٍ معاصر، من (لزومِ ما لايلزم)، أو في أحسن الأحوال كلمة حقٍ يُرادُ بها الباطل، لدى البعض على الأقل.

فالوقوف عندها لتبرير العجز الكامل قصورٌ في فهم معنى الثورة السورية بمعناها الكبير ابتداءً، وغفلةٌ عن أهمية وحساسية الجغرافيا السياسية / (الجيوبوليتيكس)/ السورية بالنسبة للنظامين الإقليمي والعالمي كليهما.. والذي يَنظرُ للموضوع، ويُنظﱢرُ له، من هذا المدخل لا مكان له في عالم السياسة، بغض النظر عن نواياه وعواطفه.

فيما عدا ذلك، يمكن بالتأكيد للسوريين أن يكون لهم دورهم، ودورهم المؤثر. وإذا تعلم بعضهم حقاً من دروس السنوات الماضية وتجاربها، وامتلك شيئاً من الإبداع السياسي والتفكير الخلاق، يمكن لأمثال هؤلاء أن يكونوا جزءاً من الحل بدل أن يبقوا جزءاً من المشكلة، وسبباً لتأخير الحسم في اتخاذ القرار وتنفيذه.

======================

ليس دفاعا عن روسيا… ولكن .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 24/10/2015

هل تعلم ماذا يقوله القادة العرب للمسؤولين الروس عندما يجتمعون معهم بعيداً عن الأضواء؟ في واقع الأمر يقولون لهم كلاماً طيباً، لا بل يثنون على صدقهم واحترامهم لحلفائهم، والوقوف إلى جانبهم، والوفاء بالتزاماتهم واحترام تعهداتهم. هذا ما سمعته من مصدر روسي موثوق. قال حرفياً إن المسؤولين العرب باتوا يثقون بروسيا أكثر بكثير مما يثقون بحلفائهم الغربيين التقليديين، وخاصة أمريكا. طبعاً لسنا بحاجة للكثير من الدلائل والإثباتات كي نصدق مقولة المسؤول الروسي أعلاه. فلو قارنا مواقف الدول الغربية بمواقف روسيا من حلفائها لوجدنا أن الروس، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معهم، هم أكثر صدقاً وثباتاً في تحالفاتهم. صحيح أن القوى الكبرى ليست جمعيات خيرية، بل تتحالف مع الآخرين من أجل مصالحها بالدرجة الأولى، لكن مع ذلك، أثبت الروس أنهم لا يكذبون على حلفائهم، ولا يبيعونهم كلاماً معسولاً وتصريحات جوفاء، كما تفعل أمريكا والغرب عموماً منذ بدء الربيع العربي.

لا شك أن القيادة الروسية ساندت منذ خمس سنوات أحقر طاغية عرفته المنطقة في العصر الحديث، ألا وهو طاغية الشام. ولا شك أنها استخدمت الفيتو مرات في مجلس الأمن الدولي للدفاع عن أبشع الجرائم. لا بل إنها ما انفكت تزود النظام السوري بكل أنواع السلاح كي يقتل شعبه، ويشرده بالملايين. ولا شك، كما لاحظنا في الأسابيع القليلة الماضية، أن روسيا لم تعد تكتفي بمساندة النظام السوري دبلوماسياً وعسكرياً، بل تدخلت بنفسها لتعديل الموازين العسكرية على الأرض لصالحه عندما شعرت أن حليفها السوري بات منهكاً وقابلاً للانهيار. فلو نظرنا إلى التصرف الروسي بمنظار الأخلاق، لشتمنا روسيا مئات المرات على هذا الفعل القذر، ولأغدقنا عليها أبشع الأوصاف. لكن السؤال: متى كان العالم يحكم على السياسية بمقاييس أخلاقية؟ وما علاقة الأخلاق بالسياسة أصلاً؟ فالتحالفات الدولية عموماً، والسياسية خصوصاً، لا تقوم على اعتبارات أخلاقية، بل على مصالح استراتيجية وسياسية بحتة، ولتذهب الأخلاق والمبادئ الإنسانية إلى الجحيم. ارجو أن لا يقول لنا أحد إن أمريكا تتحالف مع الدول الأخرى لسواد عيونها، أو لأنها مثال يحتذى في الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. لقد شاهدنا على مدى التاريخ الحديث أن واشنطن هي أكبر داعم للديكتاتوريات والفاشيات في التاريخ، لا بل إنها أكثر قوة عظمى ضربت بالأخلاق عرض الحائط في تعاملاتها الدولية. كيف لا وهي تتعامل مع العالم منذ نشأتها بعقلية الكاوبوي الذي لا يفهم سوى لغة الرصاص و"الطاخ طيخ"؟

طبعاً من حق أمريكا، كما من حق روسيا أن تتحالف مع الآخرين بناء على مصالحها بالدرجة الأولى، لكن المشكلة الآن أن أمريكا لم تعد تحترم حتى تعهداتها وتحالفاتها القائمة على مصالح اقتصادية واستراتيجية. ولنقارن فقط الموقف الأمريكي خصوصاً، والغربي عموماً من ثورات الربيع العربي. لقد أنشأت أمريكا بعد اندلاع الثورة السورية منظومة ما تسمى بـ"أصدقاء سوريا"، وجمعت حولها عشرات الدول دعماً للشعب السوري وثورته. وقد صدقها بعض المغفلين، ليكتشفوا لاحقاً أن أصدقاء الشعب السوري المزعومين نسخة طبق الأصل عن أصدقاء الفيسبوك، لا تحصل منهم إلا على "اللايكات" فقط، حتى إنهم يلجؤون إلى إلغاء صداقتك عند أول انتقاد بسيط.

في الاتجاه الآخر، قارنوا صداقة أمريكا والغرب للثورة السورية ومن ساندها من العرب وغير العرب بموقف روسيا من حليفها في دمشق. الفرق شاسع جداً، ويجعلك، رغم احتقارك للدعم الروسي للقتلة والمجرمين في سوريا، يجعلك تحترم روسيا سياسياً، لأنها ثابتة على موقفها، ولم تتزحزح قيد شعرة منذ أن استخدمت الفيتو لأول مرة في مجلس الأمن الدولي. وبينما كانت أمريكا تبيع السوريين وحلفاءها العرب والإقليميين تصريحات جوفاء من قبيل: "على الأسد أن يتنحى" وما شابه ذلك من تصريحات باتت مثاراً للسخرية والتهكم، كانت روسيا تقف إلى جانب النظام السوري بكل ما أوتيت من قوة، ولم تغير خطابها السياسي والإعلامي قيد أنملة. ومن الواضح الآن أن الآخرين باتوا يغيرون مواقفهم كي تتناسب مع الموقف الروسي، وليس العكس. حتى أمريكا التي صدعت رؤوسنا وهي تقول إن أيام الأسد معدودة، باتت تؤيد الموقف الروسي. وكذلك العرب وأوروبا.

وقد لاحظنا في الآونة الأخيرة أنه حتى حلفاء أمريكا من العرب وغيرهم باتوا يحجون إلى موسكو لعقد الصفقات والتقرب من بوتين بعد أن خذلهم حليفهم التقليدي أمريكا، وتركهم لمصيرهم. قد يرى البعض أن لا أحد يستطيع أن يتقارب مع روسيا دون ضوء أخضر أمريكي، وأن كل ما تفعله روسيا بمباركة أمريكية، لكن هذا الرأي قد يكون نوعاً من الأحلام. فالتخاذل والتردد الأمريكي في السنوات الماضية أفقد أمريكا الكثير من هيبتها، وأعطى الكثير من الاحترام لروسيا، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع مواقفها. لاحظوا كيف باعت أمريكا حلفاءها، وخاصة الذين سقطوا في الثورات العربية، ولاحظوا كيف حمت روسيا أكبر سفاح عرفه التاريخ الحديث، واستقبلته في الكرملين رغماً عن أنوف الشرق والغرب. انظروا إلى مئات الطائرات والصواريخ والأسلحة الروسية المتطورة التي تملأ مناطق النظام، بينما تمنع أمريكا حلفاءها من تقديم صواريخ بدائية للمعارضة السورية كي تتصدى بها للطيران السوري والروسي الذي يحرق الأخضر واليابس.

لا شك أن البعض سيقول إن روسيا، كأمريكا، تبيع وتشتري بنا. وهذا صحيح، فالروس لا يدعمون بشار الأسد من أجل عينيه، بل من أجل مصالحهم الاستراتيجية والاقتصادية بعيدة المدى. لكن أليس من الأفضل أن تكون الدول الضعيفة مرتبطة بقوة استعمارية استغلالية موثوقة وصادقة وثابتة على مواقفها كروسيا، بدل التحالف مع قوى استعمارية تخون أتباعها، وتخذلهم في أحلك ظروفهم، وتضحك عليهم بالوعود الكاذبة؟ لقد علق أحدهم على الميوعة الأمريكية ساخراً: "أوباما ظل يقول لخمس سنوات إن بشار الأسد فقد شرعيته، وعليه أن يرحل، لكن أوباما بات يقول اليوم: الشعب السوري فقد شرعيته بشكل كامل، وعليه أن يغادر سوريا فوراً". وشر البلية ما يُضحك.

٭ كاتب وإعلامي سوري

======================

دوافع موسكو للتدخل في سورية .. غازي دحمان

الحياة

الخميس 22/10/2015

طوال سنوات الإضطراب التي سبقت التدخل الروسي المباشر في سورية، كان الخطاب السياسي الروسي يكشف بين حين وآخر تقديرات صانع القرار وتقييمه للوضع في سورية، بما فيه من مخاطر وفرص، وكذلك وضع أطراف الصراع ونوعية الدعم اللازم تقديمه لتعديل الموازين.

وطوال تلك الفترة كان الروسي يظهر إطمئناناً واضحاً تجاه أهم عناصر الأزمة وهو عدم سقوط نظام الأسد، فقد انصب تركيزه الميداني والسياسي على هذا العنصر ولم يعر أهمية لسواه، ذلك أنه في ذلك الحين كان يريد من نظام الاسد أن يكون أحد نقاط تفاوضه المهمة حول قضايا كانت تمس الأمن الروسي، مثل أوكرانيا والدرع الصاروخية في أوروبا وقضايا منظمة التجارة العالمية، وفي حينه كانت لدى روسيا هموم ومخاوف، وكانت تراقب حركة العالم وصعود الصين وتنخرط مع دول "البريكس" لتشكيل حلف يضغط على الولايات المتحدة لتعترف لأصحابه بدور وتحاول الإنخراط في منظمات اقليمية مثل شنغهاي ودول بحر قزوين من أجل وضع ترتيبات أمنية إقليمية، ولم يكن العالم خارج حدود بعض الإتحاد السوفياتي القديم وخارج حدود إنتشار القومية الروسية يعني موسكو كثيراً، وهو ما بينته الوثيقة الخاصة بالعقيدة الروسية الصادرة في كانون الاول (ديسمبر) الماضي وكان طابعها دفاعياً صرفاً بخاصة في المناطق المجاورة لروسيا.

غير أن فلسفة إدارة أوباما وطبيعة إستجابتها للتغيرات العالمية لفتت إنتباه روسيا ودفعتها الى إعادة بناء تصوراتها وصياغتها، فقد أجرت روسيا في السنوات الأربع الماضية تدريباً ميدانياً مهماً نفذه بشار الأسد لإختبار وفحص الخيارات الأميركية، وكانت تراقب سلوك إدارة اوباما وتختبر درجات قوة أميركا على مقياس سلوك بشار الأسد وأفعاله، حتى ادرك بوتين أن هذه الإدارة وضعت حدوداً لقدرة أميركا ودورها وهو الأمر الذي دفعه الى تطوير الهجوم الروسي في أوكرانيا اولاً وفي سورية ثانياً.

مراقبة روسيا للموقف الأميركي وفهم ديناميته شجعت روسيا على القيام بمغامرة مريحة، وإستغاثة إيران لإنقاذ نظام الأسد بلورت هذا الإستعداد، وفي ذلك الحين كانت عناصر التقدير التي بناها الخبراء الروس على الشكل التالي:

- إن الحروب في العالم، وعلى مدار العقود الثلاثة الأخيرة، اصبحت تشنها إما منظمات ما دون دولة مثل "القاعدة" و"حزب الله"، وإما قوى كبرى ضد دولة صغيرة، مثل حربي أميركا في العراق وأفغانستان، وحروب روسيا في جورجيا وأكرانيا، وهذا ينفي إمكان حصول حروب بين دول كبرى أو تحالف دولي ضد دولة كبرى.

- ان خريطة الطاقة في العالم شهدت تغيرات ملموسة في الآونة الأخيرة ولا سيما مع طفرة إنتاج النفط والغاز الصخري، ما يعني خروج منطقة الشرق الأوسط من دائرة مناطق النفوذ الحساسة في الصراع الدولي وبالتالي فإن الحركة الروسية داخل هذه المنطقة وعلى هامشها لن يستدعي ردود فعل أميركية غاضبة.

- تمثل سورية فرصة مهمة لروسيا من أجل بناء إستراتيجية تطوّق البؤر الإستراتيجية التي صنعها حلف الاطلسي في بولندا وتشيكيا، ومن جهة ثانية تخترق الأنطمة الإقليمية الفرعية (العربية والأوروبية) من خلال سيطرتها على الجهة الشرقية من البحر المتوسط وتمركزها في قلب النظام العربي.

- نسبة الأخطار تبدو متدنية بالمقارنة مع المكاسب في بيئة يمكن ترسيم حدود النفوذ في داخلها بما يتطابق مع الواقع الذي صنعته إبران (سورية المفيدة)، وتحويل ما تبقى من سورية إلى مشكلة إقليمية ودولية أكثر من كونها مشكلة لروسيا.

في التطبيق العملي لهذه التصورات إتبعت روسيا سياسة إندفاعية مبالغاً فيها، إستخدمت فيها المغامرة واللعب على خطوط تصدع الصراعات الطائفية والإقليمية بهدف إيصال رسالة إلى جميع الأطراف أن موسكو مستعدة للذهاب إلى كل الخيارات الممكنة لتجريد كافة الأطراف من أوراق القوة ودفعها للإستسلام مسبقاً ومن دون إختبار جدية روسيا في الميدان.

السؤال الطبيعي هنا، لماذا لم يلحظ التقييم الروسي مكوّن المقاومة في سورية وهو العنصر الذي كان سبباً رئيساً في حصول التدخل العسكري الروسي؟ لا شك أن الخبراء الروس تنبهوا لهذه المسألة ولا شك أن التعامل معها يقع ضمن ثلاثة بدائل محتملة: الأول، أن يتم القضاء على هذه المقاومة من خلال عمل عسكري مشترك مع إيران وتوابعها في العراق وسورية ولبنان عبر توفير حشد عسكري يفوق قدرة المقاومة السورية على الصمود، وبذلك يجري تحويلها إلى بؤر ضعيفة لن يمضي وقت طويل قبل تطهيرها وإنهائها، الثاني، أن يتم إخراج المقاومة من الحيز الذي يعني روسيا ويهمها إستراتيجياً، أي خارج السلسلة الممتدة من حلب إلى دمشق وبناء أنساق دفاعية على طول تلك المساحة وتحويل الصراع معها الى ما يشبه العمليات التي كانت تجري بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والثالث، الإنسحاب بعد تحويل سورية إلى بلد يستحيل حكمه من قبل أي طرف، وهذا الإحتمال الأخير ممكن حصوله في حال عدم قدرة روسيا على ضبط الصراع والسيطرة عليه.

في كل الأحوال، ثبت في السنوات الأخيرة أن التقييمات الإستراتيجية التي اتخذت القوى المختلفة قراراتها على أساسها كانت تجري على مقاس رغبات صانعي القرار وتصوراتهم ولم تستطع إخضاع الواقع أو تعديله، وفي عصر القيصر وسلطته المطلقة في روسيا من يمكن أن يكون له رأي مخالف؟

======================

آخر مراوغات بوتين... "إدخال الأسد لإخراجه" .. عبدالوهاب بدرخان

الحياة

الخميس 22/10/2015

يخوض الإعلام الإيراني، وكذلك الروسي، فضلاً عن إعلام النظام السوري، حرباً نفسية لاستباق حملة عسكرية مزمعة على حلب وسهل الغاب، فتُصوَّر كما لو أنها نزهة. واقعياً، ستكون مذبحة كبرى، للطرفين، بمعزل عمّن يمكن أن يحسم المعركة في النهاية، ولمَن، ومن أجل ماذا. لا تقاتل الأطراف الثلاثة بجنودها، فالاعتماد الأساسي على الغطاء الجوي الذي تستخدم فيه روسيا مقاتلاتها وآلياتها لا رجالها، أما إيران فتزجّ بميليشيات شيعية من جنسيات مختلفة تؤويها وتدربها فيما يتولّى ضباطها القيادة، ويقدّم النظام ميليشيا درّبها الإيرانيون لتكون رديفة لقواته بالإضافة إلى ضباط يوفّرون المشورة ميدانياً. ورغم سياستَي الأرض المحروقة والإبادة اللتين يتّبعهما القصف الروسي، إلا أن المواجهة الفعلية ستكون برّية.

هذه معركة تعتبر موسكو أنها حققت فيها حتى الآن جانباً مهماً من الأهداف التي رسمتها: إعادة تعويم النظام واعتماد الحسم العسكري لتغيير المعادلة الداخلية، فرض تغيير استراتيجي في "الحرب على داعش" بالتحالف مع إيران لخوض المعارك البريّة بموازاة الضربات الجويّة، والأهم وضع "التحالف الدولي" بقيادة الولايات المتحدة أمام حقيقة الفشل الذي بلغه وهزّ صورته لدى حلفاء اقليميين سواء باجتذاب إسرائيل إلى التنسيق عبر "خط ساخن" أو بالعمل على ترهيب تركيا بزعزعة أمنها واستقرارها لحملها على التعاون مع "الحلف الرباعي" (أو الخماسي، مع إسرائيل). أما دمشق وطهران فتريان للمرّة الأولى، وبفضل التدخل الروسي، إمكان استعادة السيطرة وإعلان انتصار "محور المقاومة والممانعة" على "المؤامرة" التي تصفانها حالياً بـ "السعودية - التركية" ولم تعد "أميركية - إسرائيلية" لأنهما أصبحتا بالتبعية شريكتَي إسرائيل، في حين أن الجانب الأميركي من "المؤامرة" كان، بفضل روسيا وإسرائيل، دائم الانضباط لمصلحتهما.

ستكون معركة حلب وسهل الغاب بالنسبة إلى النظامين السوري والإيراني خطوة أولى على الطريق إلى خطوط التماس مع تنظيم "داعش"، ليصبحا رأس حربة في محاربة الإرهاب ضمن "التحالف الروسي" ورغماً عن "التحالف الأميركي" الذي رفض التعاون معهما. بل ليصبحا بالأحرى أمام انكشاف حقيقة التناغم بينهما وبين حليفهما الموضوعي - "داعش" - الذي يهاجم حالياً فصائل المعارضة محاولاً الاستيلاء على مناطق في ريف حلب الشرقي. وإذا استطاع النظامان إحراز تقدّم فسيتيحان لأكراد الريف الشمالي - الغربي امتداداً إلى حي الشيخ مقصود، التابعين لـ "حزب الاتحاد الديموقراطي" (الفرع السوري حزب العمال الكردستاني)، الجهر بارتباطاتهم السياسية، وبذريعة التقاء مصالح نظامَي دمشق وطهران مع المصالح القومية للأكراد ضد تركيا. فبموازاة الاستعدادات لـ "المعركة الكبرى" تساهم هجمات "داعش" من الشرق في إشغال فصائل المعارضة وإنهاكها، فيما تشهد هدنة منتصف أيلول (سبتمبر) الماضي مع الأكراد خروقات تعيد التوتر على طريق الكاستيلو، الشريان الحيوي لحلب وبوابتها الشمالية، وتستهدف المدنيين خصوصاً، كما لو أنها تساهم في الحرب النفسية.

قد لا تكون المواجهات الأولى، بما فيها من كرّ وفرّ، ذات دلالة، لمس مقاتلو المعارضة أن الذين في مواجهتهم ليست لديهم إرادة قتالية بل يعتمدون أولاً وأخيراً على القصف الروسي، وأمكن قوات إيران والنظام بدورها أن تختبر استعدادات المعارضة ومدى تكيّفها مع القصف الجويّ للحدّ من خسائرها وتنظيم انسحاباتها ثم عودتها. ما ينقص المعارضين هو ما افتقدوه دائماً، أي مضادات الطيران، ولا يبدو أن الأميركيين اقتربوا من إعطاء الضوء الأخضر لتوفيرها ولو لمعارضين يعرفونهم. عملياً، كان حجب المضادات ولا يزال من المؤشرات الجلية إلى أن واشنطن غير معنيّة أولاً بتخفيف المخاطر على المدنيين رغم مداومتها على إدانة البراميل المتفجّرة التي قتلت آلافاً منهم، وغير مهتمّة ثانياً بتمكين المعارضة من أي انتصار فيما تواظب على رفضها النظام. هذه هي الصورة التي تختزل سياسة باراك اوباما، وهي الثغرة التي أبقتها لروسيا كي تدخل منها إلى سورية وتفاقم أخطاراً طالما تذرّع بها اوباما لاستبعاد أي تدخّل أو لتبرير "اللاسياسة" السلبية التي شكّلت مساهمته في تخريب سورية، وستبقى لعنة سوداء في إرثه.

في انتظار الحسم، وهما انتظارٌ وحسمٌ يصعب التكهّن بأجَلهما، تتضارب التوقعات بالنسبة إلى سير القتال والنتائج. كانت موسكو أشارت أكثر من مرّة إلى أن مهمتها تستمر لثلاثة شهور. وقال الرئيس فلاديمير بوتين أخيراً أن العملية "محدودة زمنياً" لكنه ربطها بمسار المعركة البريّة، مؤكداً بذلك أولوية ضرب المعارضة. لا شك في أن الإيحاء بمهل سريعة وقصيرة يخاطب الداخل الروسي ويضغط على الحليفين الإيراني والسوري، فيما يتوجّه إلى الأطراف الأخرى بأنه سينتقل قريباً إلى البحث في الجانب السياسي. سيكون مضطراً لتمديد هذه المهلة ولن يجد صعوبة في التبرير، لكنه سيحافظ على شرطه عدم إرسال جنود روس إلى الأرض، إلا إذا كانت لديه هو الآخر قوات "رديفة" من "الجمهوريات" التابعة لروسيا. لم يتحدّث بوتين عمّا بعد، عمّا قال أنه الدافع الأساسي للتدخل في سورية، أي "الحرب على داعش"، ربما لأنه غير متيقّن مما سيحصل قبلها. فهو لا يريد حرباً طويلة تضاعف كلفته، ولعله تلقّى أكثر من تقدير للموقف يرجّح أن التدخل الروسي نفسه يطيلها.

لم يكن الوضع السوري يحتاج إلى أي تدخل خارجي يزيده تعقيداً وخراباً، فالنظامان السوري والإيراني قاداه بتهوّر خالص إلى هذا الواقع. وبالتالي فإن بوتين باختياره السير في ركاب الخطط الإيرانية لا يمكن أن يدّعي أنه جاء لإنهاء الأزمة بل لمضاعفة القتل والدمار، سعياً إلى مساومات لن تكون لها سوى علاقة جزئية بسورية. وإذا كان أرسل قواته الجويّة بنيّة تعظيم نفوذه في الشرق الأوسط فإنه يخطو حالياً نحو تخريب المنطقة من دون أن يضمن فيها أي نفوذ، بل يمكنه أن يضمن أنها ستصبح لعنة على روسيا كما كانت افغانستان سابقاً. يكفي أن يعرف أن أخطر ما في الحرب البرّية التي يعوّل عليها، ثم الحرب على "داعش" التي يعتزمها، يخوضها الإيرانيون والأسديّون بمنحى طائفي - مذهبي ليس خافياً على أحد. بل يكفي أن يقرأ في التقارير أن قوات الأسد لا تختلف عن أي ميليشيا وأنها لم تتصرّف كـ "جيش دولة" مع أي منطقة دخلتها أو استعادتها بل كقوات غازية، فكيف يسوّغ غزوها مع "مرتزقة" الإيرانيين مناطق ذات غالبية سنّية وماذا ينتظر منها، أم أن مَن سحق شعب الشيشان سحقاً لا يرى غضاضةً في سحق الشعب السوري.

الأكيد أن ثمة تهوّراً في عقل بوتين وخططه الإيرانية لا يقل عن تهوّر جورج دبليو بوش والخطط التي استوحاها يمينه المتعصّب من خبراته الإسرائيلية. كان المسار السياسي الذي روّج بوتين أنه يريد تفعيله ينطوي على أفضل أطروحات سيئة، ومع ذلك استعد كثيرون للتعامل معها بإيجابية، على أمل الخروج من الانسداد الذي بلغه الوضع السوري. وإذا بالرئيس الروسي يختار الحسم العسكري لمصلحة بشار الأسد، آملاً في أن يصدّقه مَن زاروه أخيراً حين راوغهم بالقول أن "لا بدّ من إدخال الاسد لإخراجه"... كان الأميركيون تعاونوا مع العرب لمواجهة السوفيات في افغانستان ثم تركوا فيها لغم "الأفغان العرب" الذي صار "القاعدة" لاحقاً، ثم واجهوا "القاعدة" في العراق وتركوا لغماً أكثر خطراً هو "داعش"، ورغم أنهم لم يواجهوا النظام ولا إيران ولا "داعش" في سورية إلا أن الروس جاؤوا لمواجهتهم وبالأخص للمساهمة في إنتاج ارهاب "ما بعد داعش". كما لو أنهم جميعاً، أميركيين وروساً واسرائيليين وإيرانيين، يتقصدون استفزاز العالم العربي، بالأحرى "السنّي"، للذهاب إلى ما لا يريده: الانزلاق في التطرّف والارهاب. وكما سمع بوش سابقاً تحذيرات عربية من تداعيات غزو العراق ولم يأخذ بها، كذلك سمع بوتين تأكيدات عربية بـ "إننا معكم ضد داعش، ومعكم في حل سياسي في سورية، أمّا إذا كان تحالفكم مع إيران يلزمكم بما تفعلون الآن في سورية فإنه لا يُلزمنا".

======================

"استدعاء" الأسد .. زهير قصيباتي

الحياة

الخميس 22/10/2015

أغلب الظن أن سيد الكرملين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يبتلع اقتراح الرئيس بشار الأسد أن "يقرر الشعب السوري" مصير بلاده. أغلب الظن أن بوتين استدعى ضيفه ليلاً ليطلب جردة حساب بما يمكنه أن يقدِّمه، لإيجاد مخرج من الحرب، في مقابل إنقاذ النظام. لم تكن ملامح المضيف توحي بثقته بما سمعه من الزائر الليلي الذي يتمسك بإصرار برغبته في انتظار قرار "يتخذه الشعب" الذي نُكِب بالكيماوي والبراميل المتفجّرة والمرتزقة، في حرب وحشية هجّرت الملايين، وأبادت 300 ألف إنسان.

أبلغ الأسد بوتين امتنانه الشديد لتدخُّل الكرملين في المرحلة العصيبة للنظام السوري، لكنه بدا كمن يقايض "عاصفة السوخوي" بمجرد قاعدة عسكرية ضخمة للروس في اللاذقية، أو يظن أنه سدّد الحساب كاملاً، وما على الروس إلا مواصلة الحرب الجوية لسحق كل المعارضين لنظام الأسد.

وإن لم يكن مستبعداً اقتراب موسكو من مرحلة "تأهيل" بشار لتطلق مشاورات التسوية والمرحلة الانتقالية فيما هو في الحكم ولو لفترة، فالأكيد أن الكرملين لا يبتلع نظرية أن لا حل سياسياً إلا بعد سحق "الإرهاب"، ورفع كل الفصائل الجهادية راية الاستسلام. وإذ بدا أكيداً أن بوتين يستبق المشاورات الدولية- الإقليمية بالضغط على الأسد لكي يمتنع نظامه عن عرقلة جهود موسكو، الساعية الى تزامن قطار "التسوية" مع القبضة العسكرية، فالأكيد ايضاً أن الكرملين بعدما كفَّ يد طهران عن توجيه دفة الحرب في سورية، يبادر إلى تكليف نفسه مهمة وقف الاستنزاف العبثي المستمر فقط لإبقاء الأسد في الحكم.

الدب الروسي الذي أثخنته جروح العقوبات الغربية بعد حرب أوكرانيا، لا يقدّم خدمات مجانية لنظام ستكون رموزه مطلوبة في محاكمات دولية... ومقاتلات "سوخوي" كالبراميل المتفجّرة لا توزّع الورود على السوريين في حلب وحماة واللاذقية وحمص. ما لا يداخله الشك هو أن الروس اختاروا لحظة عسيرة في مسار الحرب السورية، ليحوّلوه لمصلحتهم، في إطار الصراع الدولي على النفوذ. أما ذريعة خوض الحرب على "الإرهاب" بعيداً عن الحدود لحماية الداخل، واستباقاً لوصول "داعش" إلى روسيا وحدائقها الخلفية، فهي مقاربة لا تصمد طويلاً بمفردها.

تدرك موسكو مثل واشنطن وحلفائها الأوروبيين، أن تسوية في سورية تقصي رموز النظام الذين تورطوا بجرائم حرب، وتطوِّر مؤسسات الدولة، ستكون كفيلة بتوحيد الجهود في مواجهة "داعش". وإن كان التباين الروسي- الأميركي على حالة من التأزُّم والتشنُّج، فسيد الكرملين يسعى إلى توجيه رسالة إلى إدارة الرئيس باراك أوباما، فحواها يتعدى التحدّي لإظهار قدرة موسكو على الردع، وعلى انتزاع الحل.

وهكذا، يستعدّ وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف للقاء نظرائه الأميركي جون كيري والسعودي عادل الجبير، والتركي فريدون سنيرلي أوغلو في فيينا، وطرح أوراق تسوية بالتدرُّج. الإجماع مجدداً هو على استبعاد "داعش" وأخوات "القاعدة"، لكن العقدة هي مصير الأسد. وإن كانت موسكو ماضية في تدمير أنفاق "الخلافة" في سورية، فهي أعطت إشارات إلى عدم رغبتها في حرب بلا أهداف واضحة، وهذه تحديداً كانت في صلب جردة الحساب التي طلبها بوتين من زائره الليلي.

باختصار، لا مقايضة ولا مهادنة مع "داعش"، إنما ايضاً لا حرب بلا نهاية، ولا غطاء جوياً مجانياً تهبه موسكو لإبقاء الأسد في السلطة. بوتين يريد إشراك "كل القوى" السورية في الحل، وهو ما لا يحتمله حليف ضعيف، لم يجد للتعبير عن امتنانه لخدمات روسيا أفضل من القول إن تدخُّلها حال دون سيناريو مأسوي!

فلنتخيّل أن كل ما حصل وما تشهده سورية من فظائع لم يقترب بعد من المأساة. كارثة الانفصال عن الواقع تدمّر مزيداً من مدن العرب وحواضرهم، وبوتين لن يتولى حتماً مهمة توفير "المخرج الآمن" للأسد، لمجرد مراعاة مصالحهم، أو رغبات الأميركيين.

سيد الكرملين يتحرك بحسابات القيصر، كل حلفائه في سورية يتخبطون في مستنقع الهدف الروسي الأخير.

وبعيداً من تمنيات رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو ببقاء الأسد أطول فترة ممكنة في روسيا، أو حتى لجوئه إليها، لا يمكن بوتين أن يحتكر فرض الوقائع، ولا التحكُّم وحيداً بمسار الحرب والحل في سورية. ورغم "عاصفة السوخوي" الروسية، وبدء تعديل ميزان القوى، لا يفلح حلفاء النظام في دمشق في إخفاء ملامح مآزقهم وتوتُّرهم.

وأما تركيا أردوغان فلعلها لا تلتقط أنفاسها، في ظل أخبار سيئة، آخرها مشروع "الكانتون" الكردي في شمال سورية.

======================

مصالح روسيا في سورية .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 22/10/2015

يُظهر الإعلام الروسي أن التدخل العسكري في سورية لا يرتبط بـ "مصالح خاصة"، وأنه يهدف إلى منع سقوط نظام بشار الأسد "الذي يواجه الإرهاب". أي أنه يوضح أن ما تقوم به روسيا هو "مهمة إنسانية" (وربما لوجه الله). لكن رئيس الوزراء والرئيس السابق، ديمتري ميدفيديف، أشار، أخيراً، إلى أن هذا التدخل لم يأتِ لدعم الأسد، بل "حماية للمصالح الروسية" التي قال إنها تتعلق بمحاربة الإرهاب هناك، قبل أن يأتي إلى الأرض الروسية. وهذا ما أعاد تكراره فلاديمير بوتين، حيث باتت لازمة لتبرير التدخل العسكري في سورية، وكأن الأمن القومي الروسي يبرر تدمير سورية بحجة الإرهاب.

هذا تقليد هزلي لما قاله جورج بوش الابن، حين قرر احتلال كل من أفغانستان والعراق، كما أن مجمل الكلام عن "الحرب على الإرهاب" تقليد للخطاب الأميركي. ولا شك في أن روسيا هي إمبريالية تقليد، وهزلي. لهذا تكرر ما قالته إمبريالية "أعرق"، أي أميركا. وأيضاً لا شك في أن الهدف هو نفسه الذي أرادته أميركا، أي السيطرة والاحتلال. لكن، سيكون الأمر هزلياً كذلك.

هنا نعود إلى الحديث عن "مصالح روسيا" التي غطاها ميدفيديف بالحرب على الإرهاب، لكنها أبعد من ذلك، وغير ذلك، حيث لا نجد أن الغارات الروسية تطاول الإرهاب (داعش والنصرة، على الأقل كما قررت الأمم المتحدة)، وهي مصالح جوهرية لبلد يحاول أن يلعب دوراً إمبريالياً.

أولاً، حصلت روسيا مقابل حماية النظام دولياً عبر استخدام الفيتو على مصالح اقتصادية مباشرة، تمثلت في احتكار استغلال النفط (كان بيد شركات أميركية) والغاز (كان سبب الصدام مع فرنسا بعد أن أُعطي لشركة أميركية وكيلها محمد مخلوف)، ثم الغاز المكتشف في البحر المتوسط. وأيضاً مشاريع اقتصادية كبيرة، وقّع عليها نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية حينها، قدري جميل، في شهر أغسطس/آب سنة 2012. وبهذا حصلت روسيا على احتكار اقتصادي كبير، سواء باستغلال النفط والغاز، أو في فرض اعتبار سورية سوقاً لسلعها ومجال استثمار أموالها، إضافة إلى احتكار تصدير السلاح الذي هو ضرورة لروسيا. وهذا احتكار إمبريالي بامتياز، وشروطه لا تختلف عن كل احتكار إمبريالي.

ثانياً، حصلت روسيا على حق وجود قاعدة بحرية في طرطوس، كانت قد أنشئت بداية ثمانينيات القرن الماضي، لكنها أغلقت نتيجة اعتراض أميركي، وبالتالي، أصبحت القاعدة متاحة للخدمة بعد توسيعها. وكما ظهر أن روسيا فرضت إنشاء قاعدة برية جوية في اللاذقية. وبالتالي، فرضت وجوداً عسكرياً دائماً في سورية، هي بحاجة إليه في ظل الدور العالمي الذي تعتقد أن عليها أن تقوم به. فهذا الوجود العسكري يسمح بتعزيز الوجود العسكري البحري في البحر الأبيض المتوسط، ومحاولة فرض هيمنتها فيه، في سياق سعيها إلى أن تكون "وريثة" أميركا المنسحبة من "الشرق الأوسط"، وبالتالي، السعي لكي تعزز وجودها الاقتصادي السياسي والعسكري في هذه المنطقة.

بالتالي، إذا كان قد أصبح لروسيا مصالح اقتصادية في سورية، فإن وجودها العسكري يسمح لها بأن تكون سورية مرتكزاً لهيمنة أوسع في "الشرق الأوسط". وهذا ما دفعها إلى "عقد تحالف أمني" مع كل من الأنظمة في إيران والعراق وسورية، بما يؤشر إلى بدء تشكيل تحالف سياسي عسكري تحت هيمنتها.

هذه هي مصالح روسيا التي فرضت عليها التدخل العسكري في سورية، ومن ثم التحكم في مسار النظام، ومحاولة توسيع ذلك للسيطرة على مجمل المنطقة. إنها مصالح إمبريالية في سياق الميل التوسعي الذي باتت الاحتكارات الروسية بحاجة إليه، لكي تراكم أكثر، وتعزّز قدرتها العالمية في مواجهة الاحتكارات الأخرى. بالتالي، يتضمن تقليد الخطاب الذي يكرره الروس تقليد السياسة الإمبريالية الأميركية في السعي إلى السيطرة والاحتلال. هذا هو قدر كل إمبريالية! لكن الأمر الآن لا يعدو أن يكون هزلياً.

======================

بشار الكيماوي في موسكو .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 22/10/2015

يواصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في تعامله مع الغرب، أسلوب الصدمة/ الفرقعة الإعلامية بهدف تكريس روسياه قوة عظمى قادرة على فرض شروطها على خصومها. من ذلك تدخله العسكري في أوكرانيا وقضم جزيرة القرم ومحاولة فصل المقاطعات الشرقية عن أوكرانيا عن طريق دعم الانفصاليين من أصول روسية فيها. ومن ذلك ترتيب زيارة رئيس جهاز الأمن القومي لنظام دمشق علي مملوك إلى السعودية في شهر تموز الماضي. ومن ذلك قرار موسكو بالتدخل العسكري المباشر في سوريا لإنقاذ حليفه من الانهيار. وها هو أخيراً يستدعي بشار الكيماوي إلى موسكو، الثلاثاء 20 تشرين الأول/ أكتوبر، للقول إن التدخل العسكري الروسي قد حقق نتائج مهمة على الأرض بما أتاح للجرذ المختبئ في دمشق الخروج من جحره للمرة الأولى منذ اندلاع الثورة السورية في آذار 2011.

لاقت هذه الزيارة تجاهلاً لافتاً من وسائل إعلام الدول العربية المنخرطة في الصراع السوري ضد نظام دمشق الكيماوي، واقتصر الأمر على نقل تصريحات بوتين وبشار لوكالة الأنباء الروسية الرسمية. هذا يشير إلى الصدمة التي أحدثتها الزيارة فعلاً لدى قادة تلك الدول، واستيائها المكظوم من الزيارة. بكلمات أخرى، حققت موسكو هدفها من استدعاء بشار وسجلت نقطة، إعلامياً على الأقل، على خصومها في الملف السوري.

وإذا أردنا تلخيص محتوى المحادثات بين بوتين وبشار، وفقاً لما نقله الإعلامان الروسي والأسدي، فهو أولوية "القضاء على الإرهاب" أولاً ليأتي بعده "الحل السياسي" الذي "يقرره الشعب السوري" وفقاً للرطانة الروسية المعهودة. لا جديد في هذا الكلام، ولا فائدة من ترتيب "زيارة اللحظة الأخيرة" هذه لتكرار ما مل الرأي العام من سماعه. وحتى لو كان الأمر يتعلق بالتباحث حول مواضيع أكثر خطورة وجدية تهم الجانبين، بما في ذلك مصير بشار في المرحلة الانتقالية، بعيداً عن الإعلام، لكان كافياً أن يتولى المهمة، كالعادة، وزير خارجية النظام الكيماوي وليد المعلم. لا يبقى من تفسير لهذه المجازفة، إذن، إلا بوصفها رسالة جوابية روسية إلى واشنطن وحلفائها بصدد التسوية المقترحة من قبلهما على موسكو، وفحواها القبول ببقاء بشار في السلطة في مرحلة انتقالية من ستة أشهر "بصلاحيات بروتوكولية" كما جاء في مقترحات المبعوث الأممي ستافان دي مستورا.

أما الرسالة التي أراد النظام إيصالها فهي موجهة إلى قاعدته الاجتماعية، أساساً، ومفادها أن النظام ما زال متماسكاً فلا يخشى رأسه مغادرة دمشق، حتى لو كانت الزيارة سرية ولم يعلن عنها إلا بعد عودة بشار "سالماً" إلى مكانه.

غير أن الرسالتين، كلتيهما، تفشلان في التغطية على الواقع الميداني الذي لا يشير إلى أي إنجاز عسكري حققه النظام بعد التدخل الروسي المباشر في الصراع. فقد سمح هذا التدخل المباشر للطرف الآخر، الدول الاقليمية الداعمة للفصائل العسكرية المعارضة، بفتح صنبور المساعدات العسكرية أكثر من أي وقت مضى، وبضوء أخضر أمريكي. فتحول صاروخ التاو إلى كابوس لقوات النظام التي فتحت أكثر من جبهة هجومية، في حمص وحماه وحلب واللاذقية، في وقت واحد، بأوامر من القيادة العسكرية الروسية. من المحتمل أن الروسي فوجئ بالمستوى القتالي المتدني لقوات بشار وعدم قدرتها على مواكبة مثمرة للحرب الجوية الروسية. أضف إلى ذلك الفضائح العسكرية الروسية نفسها التي بدأت بالصواريخ القادمة من بحر قزوين، وسقط عدد منها، على الطريق، في الأراضي الإيرانية، واستمرت بقصف "مواقع صديقة" أي قوات النظام وقراه الموالية، وأثمرت أخيراً قتلى من القوات الروسية كبداية مبشرة لرحلة توابيت من سوريا إلى روسيا. هذا إذا لم نتحدث عما يتحدث عنه الرأي العام العالمي والحكومات الغربية من أن الغارات الروسية لا تستهدف داعش، كما يزعم بوتين، بل قوات المعارضة التي تساندها غرفتا العمليات الأمريكيتان "الموك" والموم" في عمان واسطنبول.

وفقاً لما نقلته وكالة أنباء رويترز عن مسؤولين تركيين "رفيعي المستوى" وافقت الحكومة التركية على بقاء بشار الكيماوي لفترة انتقالية من ستة أشهر لا يتمتع خلالها بأي سلطات على الجيش وأجهزة المخابرات، وكامل السلطة التنفيذية الانتقالية بالأحرى. وتأتي هذه الموافقة في إطار تفاهمات ضمت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والسعودية وقطر. على أن ينقل الأمريكيون هذا المقترح إلى روسيا. تم ذلك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أواخر أيلول 2015. وبدأ التدخل الروسي العلني في سوريا في 30 أيلول. هذا يعني أن الروسي أراد الجلوس على طاولة التسوية الدولية وحليفه الكيماوي في وضع أقل سوءًا.

زيارة بشار إلى موسكو، بدون أي وفد مرافق، هي "زيارة اللحظة الأخيرة" قبل الدخول في التسوية. أما بوتين فهو ربما ينتظر عروضاً غربية (في أوكرانيا مثلاً) مقابل رأس الجزار الكيماوي.

٭ كاتب سوري

======================

النظام السياسي العربي.. دعوةٌ للواقعية .. د. وائل مرزا

الشرق القطرية

الاحد 18/10/2015

حرصاً على وطنٍ عربي قَدَرهُ وحدةُ المصير. وحرصاً على مكوناته التي يتأثر أحدُها بالآخر، بِحُكمِ التاريخ والجغرافيا، والثقافة واللغة والهوية، والتركيبة السكانية، والتحديات المشتركة، وألف عاملٍ وعاملٍ آخر. وحرصاً على استقرارٍ تُهدده الفوضى، وعلى استمرارٍ لا يتحقق بإنكار الحقائق وتجاهلها، وعلى بناءٍ تعب البعض، على الأقل، في إقامته وتطويره.

حرصاً على كل ذلك، آن الأوان لأطراف النظام السياسي العربي أن تكون واقعية. آن لها أن تدرك أن العالم من حولها تغيّر إلى غير رجعة. وأن ما كان يصلح بالأمس لم يعد يصلح لليوم والغد.

لم يعد ممكناً ممارسة السياسة بعقلية إدارة الأزمات. سياسيةً كانت أو اقتصادية، طائفيةً أو اجتماعية، ثقافيةً أو مناخية. لاينفعُ هذا خاصةً في زمن الأزمات. لا تنفع مع الوقائع الجديدة الوعود والتصريحات، ولا اللجان والمؤتمرات، ولا المخططات الورقية والأرقام الكبيرة والدعاية المبرمجة والقوانين النظرية.

تغيّرت الظروف الثقافية والاجتماعية والديمغرافية داخل الوطن العربي الكبير بشكلٍ جذري، وتحديداً خلال السنوات الخمس الماضية. أصبح ثوب التفكير السياسي السائد صغيراً، وصغيراً جداً على جسد الواقع العربي المتضخم من كل ناحية. وإذا لم يوجد ثوبٌ أوسع يستوعب هذا الجسد فإن الثوب الحالي سيتمزق لا محالة. ليس الأمرُ أمرَ تفاؤلٍ أو تشاؤم، ولا علاقة للأدبيات اللفظية بالموضوع، وإنما هي قوانينُ وسنن اجتماعية تسري على الجميع، لاتحابي أحداً، ولا يمكن التعامل معها بالواسطة للهروب من مقتضياتها الملحّة.

تغيرت أيضاً معادلات العلاقات الدولية، خاصةً فيما يتعلق بهذه المنطقة في العالم. المفارقة أن هذا باتَ حقيقةً يعرفُها الصغير والكبير، لكن منطق التعامل معها يبدو مشوشاً إلى حدٍ كبير. ففي حين كان ثمة في الماضي بعض الخطوط الحمراء وبعض الثوابت، لم يعد ممكناً اليوم أن تثق بأي خطٍ أحمر. والثوابت الوحيدة الباقية هي المصالح الدولية التي صار يمكن تحقيقها عبر بدائل عديدة.. ومع التطورات الإقليمية المعقدة، واتساع دائرة اللاعبين وتنوعهم، صارت التحالفات والاتفاقيات والتعهدات لا تساوي حبر الورق الذي تُكتب عليه.

لابدّ إذاً من واقعيةٍ سياسية جديدة وحقيقية. وهي مطلوبةٌ هذه المرة من أطراف النظام السياسي العربي تحديداً. وعلى الأقل من تلك التي لاتزال فاعلةً فيه.

فعلى مرّ العقود السابقة، كان المواطن العربي هو المُطالبُ دائماً بأن يكون (واقعياً).

طُولب العربي بالواقعية منذ رحيل استعمارٍ خارجي ترك أحوالاً اقتصادية صعبة وتجزئة سياسية معقدة، لم يكن (واقعياً) معها الحديثُ عن قفزةٍ مفاجئة في إقامة النهضة، أو في تحقيق الوحدة العربية.

ثم طُولب بها عندما ظهرت القضية الفلسطينية. فكان (واقعياً) أن تُعطى الأولويةُ للمواجهة، ويتم تأجيل عمليات التنمية، أو إبطاؤها في أقل الأحوال.

وحين تبين أن ميزان القوة الدولي ليس لصالح العرب، أصبحت الواقعية تفرض القبول بالسلام وإلغاء الحديث عن حربٍ أو صراع. لكن العرب وجدوا أنفسهم محاطين بأنظمة إقليمية تملك مشاريع هيمنة وتوسع على حسابهم. فبات (واقعياً) أن ينصرف الاهتمام إلى تلك التحديات.

وفوق ذلك، جاءت مغامرات بعض أطراف النظام العربي لتزيد الموقف تعقيداً منذ أن قام نظام صدام حسين بغزو الكويت، فانقسم البيت العربي وأصبح من (الواقعي) أن تنصرف الجهود لإصلاحه.

ثم فاجأت ظواهر العنف والإرهاب والتطرف المجتمع العربي، فصار من (الواقعية) أن تكون الأولوية لمواجهة هذا التحدي الداخلي الكبير.

وفي كل مرحلةٍ من تلك المراحل، كان يُطلب من المواطن العربي، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، أن يكون واقعياً، وأن يكون صَبوراً، وأن يكون عاقلاً، وأن يكون منطقياً، وأن يكون متفهماً، وأن يُدرك ضرورة التدرج والمرحلية في كل ما يتعلق بواقعه وعلى جميع المستويات.

ويبدو باستقراء جميع المؤشرات أن المواطن المذكور قام بواجبه خير قيام. فقد انخفض سقف توقعاته إلى درجةٍ تكاد لا تُصدّق في العالم الخارجي. وتضاءلت طموحاته وأمانيه بشكلٍ ربما يستحيل وصفه.

لكن هذا المواطن انفجر في النهاية بشكلٍ باتَ معروفاً للجميع، فوصل الواقع العربي إلى حاله الراهن، وصار حجم التناقضات فيه أمراً يصعب أن تحتمله المعادلات السائدة في كل مجال.

لم تفهم التركيبة السياسية التقليدية للنظام العربي طبيعة الواقعية التي قَبلها المواطن العربي، ولم تدرك حجم التضحيات التي قدّمها على مذبح تلك الواقعية، وإلى أي حدٍ أصبح سقف الواقع نفسه هشاً بسبب ذلك. فصارت تضغطُ وتضغط على ذلك السقف من كل جانب.

ظنّت تلك التركيبة أن هذا هو الوضع الطبيعي، ولم تعرف أنه صار شيئاً فشيئاً استثناءً على كل القواعد التي تعارفت عليها البشرية وخروجاً عليها، فجاءت لحظةٌ أصبح فيها الضغط المستمر والمتنوع هو الأمر الطبيعي. بل وطغى أحياناً شعورٌ بأن إلغاء ذلك الضغط، أو حتى تخفيف حدّته، أمرٌ يخالف طبيعة إنسان المنطقة. وأن مثل هذه الممارسة هي التي ستكون المدخل إلى الفوضى. المفارقةُ / الفاجعة أن هناك من يؤمنُ بتلك القاعدة إلى الآن.

هكذا، ومن خلال تراكمات وملابسات فكريةٍ وعملية غريبة هنا وهناك في أرجاء الوطن العربي تبلورت (واقعيةٌ) خاصة، تلبَّستها قناعةٌ عميقة بأن ما يسري على تلك الأرجاء من سُنن لاعلاقة له بغيره، وأن ثمة قوانين اجتماعية وثقافية استثنائية تنطبق عليها دون غيرها في هذا العالم الفسيح.

كانت مشكلة المشاكل أن هذه الواقعية الفريدة تبلورت وبلغت تجلّيها الصارخ في لحظةٍ تاريخية لم يكن ممكناً أن تكون أسوأ بالنسبة لها. لحظة تاريخية حملت معها قمّة التجربة البشرية المعاصرة في مجالات الانفتاح والمعرفة والشفافية، وهي قمةٌ تتبلور معها واقعيةٌ إنسانيةٌ كونيةٌ مُقابلة تتناقض مع تلك الواقعية العربية الخاصة في كل شيء، وتتضارب معها من كل زاوية، وتشتبك مع كل مكوناتها بشكلٍ عنيفٍ وصارخ.

لا نعرف إلى أي درجةٍ يدرك البعض دلالات الكلام السابق على المستوى الإستراتيجي، ولا نجد حاجة للاستفاضة في شرحه. وإنما يكفينا التأكيد على أن المعادلة المذكورة قد تكون من أكثر الوصفات فعاليةً حين يتعلق الأمر بالانفجارات الكبيرة والفوضى الغامرة.

يعتقد البعض أن البيت العربي مُشتعل، لكنهم لا يدركون حجم الحريق المُنتظر في غياب الواقعية الجديدة التي نتحدث عنها. سيما وأننا لا نتحدث عن واقعيةٍ معقدة الملامح أو مستحيلة التكوين، وإنما هي واقعيةٌ لن يصعب على الباحثين عنها معرفة ملامحها وطريقة تشكيلها إذا كانوا يبحثون عنها حقاً في نهاية المطاف.

======================

شهر على الاحتلال الروسي لسورية ... شهر من المجازر والاستباحة والقتل والتشريد ... ولا ردود فعل على الاحتلال ..ولا على جريمة حرب الإبادة المستمرة .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 1/11/20158

وهذا ملف سنرصد فيه الصمت المريب وسنستنكره وندينه

سنرصد اللامبالاة الدولية الرسمية والشعبية التي تؤكد التواطؤ ..

والمواقف عربية وإسلامية رسمية وشعبية خجلى أومخجلة بل مخزية

إن الذين هانت عليهم دماؤنا هم أهون علينا مهما كانت عناوينهم وراياتهم

فيا أيها السوريون الأحرار .. يا مسلمي سورية الأبرار : أفُّوا .. وتفُّوا

ودعوها تستبين سبيل المجرمين .

(( وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ ..))

شهر مضى على الاحتلال الروسي لسورية ، احتلال روسي معزز باحتلال وقوى إيرانية داعمة على الأرض ...

وقصف جوي روسي بأعتى أنواع الأسلحة بما فيها الأسلحة المحرمة دوليا تحت سمع القانون الدولي وبصره ..

شهر من الاحتلال مع ألف وأربعمائة غارة جوية على شعب مستضعف أعزل . بمعدل خمسين غارة يوميا على البيوت المهدمة والأحياء الشعبية المتداعية . وعلى الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يجدون على هذه الأرض ملاذا ..

شهر من الاحتلال وغارات متوحشة على عشر محافظات سورية من أصل أربع عشرة محافظة . وعلى ألفي / 2000 / موقع من بيوت الناس وأماكن سكناهم على مساجدهم ومدارسهم ومستشفياتهم . اثنتا عشرة مستشفى هُدّمت في شهر واحد ، وثلاثون طبيبا وعاملا في الإطار الصحي استشهدوا أي قتلتهم قذائف المحتلين الروسيين والإيرانيين ..وأبسط ما في الحسبة في تحديد هذه الأهداف ما اعترف به بوتين نفسه : بشار يؤشر ونحن نقصف ...

شهر من الاحتلال أو من جريمة حرب الإبادة ، أو من عملية التطهير المذهبي ومعه : 1716 شهيدا / ستون شهيدا كل يوم . بينهم 272 طفلا قريب من عشرة أطفال كل يوم . و125 امرأة أي أربع أمهات كل يوم ..

شهر من الاحتلال مضى مع عشر مجازر دموية صارخة ضد المدنيين منها حتى لا ينسى المتناسون :

* مجازر دوما مستشفاها وسوقها : 30 / 10 – 29 / 10 /

* ومجازر حلب كلاستها وريفها ومنبجها وبابها 27 / 10 – 29 / 10 – 30 / 10

* ومجزرة سرمين : ريف إدلب : 21 / 10

* ومجزرة بوز الخربة : ريف اللاذقية 19 / 10

* ومجزرة الغنطو : ريف حمص 16 / 10

* ومجزرة تيرمعلة ريف حمص 15 / 10

* والمجزرة الأولى حيث في البدء كانت حمص 1 / 10

* وجملة المجازر على الأحياء والأسواق والمستشفيات ثلاث مائة شهيد .

أما المشردون المهجرون . المشردون من حيث ولدوا أو من حيث شردوا فنحن أمام عشرات الألوف . والباب مفتوح كما تقول التقارير الحقوقية الديموغرافية على إضافة مليوني إنسان

تجاهلت دول العالم أجمع والمؤسسات الدولية العربية منها والإسلامية جريمة حرب الإبادة التي تشنها روسيا وحليفتها إيران وهما الدولتان المحتلتان لسورية على المدنيين السوريين . لقد قتلت هذه الحرب مئات المدنيين السوريين في الأيام الثلاثة الماضية فقط ؛ في كل من دوما وحلب وإدلب . كما بلغ عدد ضحاياها 1716 شهيدا في غضون شهر هو عمر هذا الاحتلال المستنكر والذي لم يستنكره من أبناء هذه الأمة بما يستحق إلا القليل ، مع كل ما صاحبه من قصف وقتل وتدمير وتشريد

مئات الشهداء تساقطوا بالقصف الروسي ، ولا صوت يستنكر ، ولا همس يتعاطف ، لا إدانة ولا تعبير عن قلق تعودنا أن نستمع إليه بين الفينة والفينة من الأمين العام للأمم المتحدة . فالصمت الدولي والعربي والإسلامي الرسمي والشعبي هو جزء من المؤامرة ليعطي هدير الطائرات الروسية وقذائفها الفرصة لترهب السوريين وتكسر إرادتهم.

وهذا ما يراهن عليه كل المراهنين .

وهذا ملف عملي راصد ، يتتبع بواقعية ردود الفعل على مجازر الأيام الثلاثة الأخيرة ، ملف يرصد الصمت المريب ويضعه في مكانه . قطعة البزل التي تكمّل الصورة التي تليق به وبأصحابها ، وتشرح الموقف من جريمة حرب هي من أعنف المجازر التي شهدها تاريخ الإنسان. وإذا فهم السوري حتى الآن لماذا يكرهه هؤلاء البعداء الكارهون ، فما زال يستعصي عليه أن يفهم لماذا يخذله هؤلاء الأقرباء الخاذلون . سنرصد صمت الدول الكبرى ، والمؤسسات الدولية ذات الصلة ، والجامعة العربية ، ودولها وشعوبها ونخبها وأحزابها ... ولن نحابي أحدا فالحق أحق أن يتبع وهو في مثل الموقف الذي نحن فيه أولى أن يقال أيضا....

أخوي اللي ما نفعني يوم ونا حي ... ما ريدو يوم ردات التراب

وسنقرن هذا الصمت ببعض الحزن والمشاعر الأسيفة التي تفجرت على ضحايا الطائرة المدنية الروسية التي تفطرت على ركابها القلوب وسالت الدموع ..

يجب أن يدرك الإنسان الفرد ..والجماعة .. والمجتمع أين موقعه على سلم أولويات الآخرين ليعلم أن يضعهم على سلم أولياته ، والأيام دول ويوم لك ويوم عليك وما كان أهل الشام يوما في دار مضيعة ...

وإليكم رصد المواقف:

1. الأمم المتحدة وبان كي مون : صمت إزاء حرب الإبادة الروسية والتي راح ضحيتها 277 مدنيا في ثلاثة ايام في سورية . وحزن على ضحايا الطائرة الروسية التي سقطت في مصر ، واعتراف بفشل محادثات فيينا ، ومصير الاسد يحدده السوريون .

( بالطبع سيمارس السوريون حريتهم في تحديد مصير الأسد تحت وقع قصف الطائرات الروسية وحوافر جنود الولي الفقيه )

2. الولايات المتحدة الأمريكية :

 صمت إزاء حرب الإبادة التي يشنها الروس على الشعب السوري ولا مبالاة بضحايا مجازر دوما وحلب وإدلب. وإرسال خمسين خبيرا أمريكيا إلى مناطق الأكراد .

3. فرنسا : صمت وتجاهل رسمي للمجازر الروسية ولحرب الإبادة في سوريا ، مع تعبير عن رفض فرنسي لوجود الأسد في مستقبل سوريا . وشعبيا خرجت مظاهرة في فرنسة مؤيدة لقتل السوريين ، مطالبة بوتين بمزيد من القتل وسفك الدماء . وكان من المشرفين على التظاهرة وسط باريس : رابطة الدفاع عن المسيحيين في الشرق واتحاد الوطنيين السوريين وشكر المتظاهرون روسيا وبوتين على ما يقوم به في سورية وطالبوه بالمزيد .

4. بريطانيا : صمت إزاء ( حرب الإبادة ) وسلسلة المجازر ضد المدنيين في سورية ، وتأكيد من الحكومة البريطانية أن الحل في سوريا حل سياسي ولن يكون عسكريا.

5. الاتحاد الأوربي : صمت وتجاهل لجريمة حرب الإبادة التي يشنها الروس على السوريين ، وسلسلة المجازر في دوما وحلب ، واستهداف المشافي والمقار الصحية في سوريا .

6. المنظمات الإنسانية والحقوقية وأصحاب شريعة حقوق الإنسان والمدافعون عن اتفاقيات جنيف الأربعة . صمت مريب إزاء استخدام الروس القنابل العنقودية المتشظية ضد المدنيين السوريين والأطفال الأبرياء ..

7. الجامعة العربية : صمت وتجاهل لجريمة حرب الإبادة التي يشنها الاحتلالان الروسي والإيراني على المدنيين السوريين ، عن سلسلة المجازر في دوما وحلب . والعربي ينعى ضحايا الطائرة الروسية ويرسل برقية عزاء إلى روسيا ويرحب بنتائج مؤتمر فيينا .

8- منظمة التعاون الإسلامي : صمت وتجاهل للمجازر التي ينفذها على الاحتلالان الروسي والإيراني على الأرض السورية ولسلسلة المجازر اليومية المتتابعة وترحيب بنتائج فيينا .

9. الشارع العربي بنخبه وتياراته الحداثية والقومية والليبرالية تأييد للاحتلال الروسي وصمت عن المجازر التي أدت إلى قتل مئات من المدنيين السوريين في ثلاثة أيام

10. الشارع الإسلامي والقوى والتيارات وجماعات الإسلام السياسي بكل فروعها وأقسامها وتلافيفها الظاهر منها والخفي وفي كل الدول العربية وبعضها يحكم ، وبعضها شريك في الحكم ، وبعضها يتظاهر ويحتج من أجل دم برغوث ... وكلها تغفو وتتجاهل ولا تبالي وبعضها يتفهم الأبعاد الدولية والإقليمية والجيوسياسية والحرب بالوكالة في حرب الإبادة التي يشنها الروس والإيرانيون على الشعب السوري . وبعضهم يحض على الصمت ( مراعاة للمزاج العام ) !!

وأنادي على سامعين الصوت من سمع صوتا صريحا واضحا ينتصر لدم طفل سوري قتل في مجزرة دوما أو منبج فليدلنا عليه . ومن رأى ثلاثة متظاهرين في عاصمة عربية ينددون بالاحتلال الروسي لسورية فليرسل لنا نسخة منه مشكورا مأجورا . ننادي عليهم من موريتانيا إلى المغرب والجزائر إلى تونس ومن مصر إلى السودان ومن إلى وعن على : هل من رأى أو من سمعا ؟!

هذه هي صورة المشهد بعد شهر من الاحتلال .وبعد سلسلة المجازر العشر ، وبعد ما يقرب من ألفي شهيد بيد المحتل الروسي مباشرة ونصف مليون شهيد بيد العميل الصغير بشار الأسد

 وبإذن الله سينتصر هذا الشعب الذي تداعى عليه كل الأشرار والممسوسين والذين في قلوبهم مرض . ويوم ينتصر السوريون يعود الكبير في هذا العالم كبيرا ويأخذ الصغير مكانته ليقال له : ( وكل بيمينك وكل مما يليك ) ..

والله أكبر ولله الحمد ..

لندن : 19 / محرم / 1437

1 / 11 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

======================

عن ارتدادات التصعيد العسكري الروسي إقليمياً .. أكرم البني

الحياة

الاحد 18/10/2015

مقارنة بالتحالف الدولي المناهض لـ "داعش"، وقبله التدخل المتعدد الوجوه لإيران وأنصارها في الصراع السوري، يحظى التصعيد العسكري الروسي بالاهتمام الأكبر، ربما لشيوع إحساس بأنه، وفي هذا الوقت بالذات، قد يصنع فارقاً نوعياً في مجرى الأحداث لجهة حماية الوضع القائم، وإنقاذ نظام منهك، وإجهاض فرصة حدوث تبدّل نوعي في توازنات القوى ربطاً بالتقدم الذي أحرزته المعارضة المسلّحة في غير موقع، والأهم، تقديراً وتحسباً من ارتداداته وتداعياته الإقليمية.

في لبنان، لا أحد ينكر ارتباط مصير هذا البلد وأمنه بما قد يسفر عنه الصراع السوري، بما في ذلك تحديد أدوار القوى الفاعلة وطريقة معالجة قضاياه المعلقة، كانتخاب رئيس الجمهورية ومجلس النواب، وإذ تنامت لدى أطراف لبنانية خلال الشهور المنصرمة، رهانات على سقوط وشيك للنظام السوري، وبدا نبضها أقوى وصوتها أعلى دفاعاً عن مواقعها واشتراطاتها، فإن التصعيد الروسي أضعف موضوعياً رهاناتها، وردّ الروح الى أطراف أخرى اقترن وزنها ودورها باستمرار النظام، مانحاً إياها عزماً جديداً للتشدّد والتمسك باشتراطاتها، ما يرجح استمرار الاستعصاء السياسي القائم وشحن الأجواء بمزيد من التوتر وتالياً من التخندق، بين معوّلين على هزيمة وشيكة لموسكو، ومتوهّمين بعودتها الظافرة لتلعب دورها كقوة عظمى!

يعيد التصعيد العسكري الروسي بناء الحسابات والاصطفافات في المشهد العراقي، وعلى رغم طغيان الحاجة الى أي فعل يوقف تدهور حليفهم السوري، ظهرت تحفظات لدى بعض أنصار إيران من أن يفضي جديد موسكو إلى تحجيم دورهم ونفوذهم، وفي المقابل يخفف هذا التصعيد موضوعياً من ارتهان أطراف عراقية للخارج ويوسّع هامش مناورتها. وليس عديم الدلالة الرفض المتفاوت الشدة من واشنطن وطهران لتلميحات حيدر العبادي عن احتمال دعوة موسكو الى توجيه ضربات جوية ضد مواقع "داعش" في العراق، وكذلك التعاطف الكردي عموماً مع جديد الدور الروسي، بصفته عامل قوة إضافية داعماً لهم ورادعاً لعدوهم التركي اللدود! في حين يأمل سنّة العراق بأن يحرض هذا الحدث رداً أميركياً للتقرب منهم، ولدعم صحواتهم وتسليحها، أو على الأقل تحسين موقعهم مع ترقب نشوء تنازع بين موسكو وطهران على النفوذ!

أخطار الصراع السوري التي تهدّد الأردن كثيرة، وهمومه كثيرة أيضاً لتوظيف أي مستجد لتجاوزها، وإذ أدانت نخب أردنية ما تعتبره محاولة موسكو إنقاذ النظام، أشادت نخب أخرى بتدخل روسيا باعتباره فعلاً تقدمياً، حرر الصراعات القائمة من بعدها المذهبي وأعاد إليها وجهها السياسي! بينما تتطلّع فئة ثالثة الى دور روسي، قد ينجح ولو جزئياً، في وقف العنف المنفلت واستفزازاته الطائفية التي تشحذ همم التطرف الجهادي وتحفز قدرته على التعبئة، أو في ضبط التحرشات العسكرية لقوات النظام وتهديداته لعمّان على أنها تمرر السلاح للمعارضين وتوفر ملاذاً لمنشقّين عسكريين ومراكز تدريب لهم!

تبدو سلطة أردوغان أكبر الخاسرين من التصعيد الروسي، الذي يلجم قدرتها على منع قيام حكم ذاتي للاكراد في شرق سورية وشمالها، ويقيد يديها في توجيه ضربات تأديبية ضد قواعد العمال الكردستاني. والأهم، أنه يقطع الطريق على محاولاتها انتزاع اعتراف دولي بإدارة منطقة آمنة تمتد على طول حدودها مع سورية. وإذ تخشى حكومة أنقرة اقتراب موعد دفع ثمن لعبها بورقة القوى الإسلاموية الجهادية وثمن تلكؤ المجتمع الدولي تجاه الصراع السوري، فإنها ستتقبل على مضض ما يحصل، متجنّبة على الأرجح دفع الخلاف مع موسكو إلى حدّه الأقصى، آخذة بالاعتبار أن الجديد الروسي قد ينعش علاقاتها بالغرب، لكنه لن يمنحها غطاءً أطلسياً للتحدي والمكاسرة، بدليل تصريح أردوغان عن تفهمه لرؤية الكرملين حول المرحلة الانتقالية في سورية، ومسارعة حكومته الى لملمة ما اعتبرته خرق الطائرات الروسية مجالها الجوي!

فأنقرة تعي حجم الخسارة من تدمير ما بنته من روابط اقتصادية مع موسكو، وتدرك مصيرها حين تتجه قيادة الكرملين جدياً الى دعم القوى الكردية المناهضة لها، بخاصة أنها على مشارف عملية انتخابية، ولا يملك أردوغان سوى ورقة الاستقرار والنمو الاقتصادي لاستعادة شعبيته.

وإذ تعلن إيران تأييدها للحضور العسكري الروسي ما دام يمكّن حليفها ويخفف الأعباء عنها، فإنها تبقى متحسّبة سراً من اضطرارها مستقبلاً لمنازلته على النفوذ، بينما تبدو إسرائيل أكبر الرابحين، فجديد الدور الروسي يضعف على المدى البعيد نفوذ طهران وحليفها حزب الله، ويمنح موسكو إمكانية أكبر للتحكم بقرار النظام السوري ولجم احتمال أن يشجعه حلفاؤه على المغامرة بافتعال حرب معها لتصدير أزمته. والأهم، أنه يتناغم مع رغبة قديمة لتل أبيب في الحفاظ على الدولة السورية، لكنْ ضعيفة ومنهكة، بما يبعد اليوم من حدودها شبح قيام إمارة إسلاموية تربكها في حال تواصلت مع التيارات الإسلامية الفلسطينية!

كثيرة هي المؤشرات التي تدل على براغماتية روسية فجة في التعاطي مع الصراع السوري، هاجسها الرئيس ليس المبادئ، وليس الارتدادات الإقليمية، بل ضمان استقرار مصالحها ونفوذها، ليأتي تصعيدها العسكري، مرة دفاعاً عن أمنها الذاتي بمنازلة الجهاديين على الأرض السورية ومنع قيام قاعدة ارتكاز تحرض على التطرف بين مسلمي روسيا والدول المجاورة لها، ومرة ثانية لفرض حضور وازن يمكّنها من موقع القوة من دخول أية مفاوضات مرتقبة لمعالجة الملف السوري، وتالياً دفع تنافسها مع الغرب على النفوذ والأدوار إلى مستوى أعلى.

ويبقى العامل الأهم في معايرة جديد التصعيد العسكري الروسي وارتداداته الإقليمية، هو توازنات القوى كما قد ترسمها المعارك المستعرة على الأرض، بخاصة حين يلجأ بعض خصوم موسكو إلى مد المعارضة بسلاح نوعي يعقّد مهمة روسيا ويطيل أمد الصراع ومعاناة السوريين! فهل يحمل القادم احتمال أن يفقد الكرملين نفوذه ووزنه المشرقيين وتعود قواته خائبة، أم يفتح الباب على توافقات دولية لمعالجة محنة سورية فاضت بالتدخلات السافرة وبالخراب والضحايا والمشردين!.

======================

لماذا لا (نكرر) في سوريا هزيمة الروس في أفغانستان؟ ولكن.. (2) .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 18/10/2015

لماذا لا (نكرر) في سوريا هزيمة الروس في أفغانستان؟ ولكن.. (2) أبدأ مقال هذا الأسبوع بما انتهيت إليه الأسبوع الماضي، بأننا نريد سويًا، كسوريين وخليجيين، أن نعمل بكل ما أوتينا من حكمة الآن، لأن تُهزم روسيا في سوريا، بشكلٍ ليس كثيرًا على الله أن يكون سببًا في سقوط النظام الروسي، تمامًا كما كانت الهزيمة في أفغانستان من أهم أسباب سقوط الاتحاد السوفياتي بأسره.

غير أن هذا يجب أن يحصل بدراسةٍ وتخطيط وتوازنات تليق، من ناحية، بشعوب تعرف كيف تتعلم من دروسها على طريق تحقيق (مقاصدها) الكبرى حضاريًا وشرعيًا.. وتَحفظُ، من ناحيةٍ أخرى، ليس فقط استقرار سوريا بعد تحريرها، بل واستقرار دول الخليج، وتحفظ أمنها في جميع المجالات.

وبصراحة، يجب في هذا المقام تحديد ما تحتاج إليه سوريا لتحقيق ذلك الهدف، وما لا تحتاجُ إليه، وأن يحصلَ هذا بحسابات لا تزعزع، في نفس الوقت، لا حاضرًا ولا مُستقبلًا، السلم الأهلي والأمن والاستقرار، في مجتمعات الخليج.

في هذا الإطار، أولًا وقبل كل شيء، لا تحتاج سوريا إلى مقاتلين.. وقد أثبت رجالهُا أن باستطاعتهم، بشيءٍ من الدعم، قهر النظام ثم مليشيات ما يُسمى (حزب الله) ثم الإيرانيين! والاضطرار إلى قدوم الروس، في الحقيقة، يُصدﱢقُ هذه الحقيقة بحسابات إستراتيجية، بعيدًا عن التفكير البسيط في هذا الموضوع.

لا حاجة لسوريا أيضًا في أن تُعرض قضيتها، لا على الخليجيين ولا على العرب والمسلمين، بمدخل (الملاحم والفتن) ونهاية الدنيا.. فهذا يمكن أن يُحدث، ولو عن غير قصد، خلطًا ليس في مصلحة الشعب السوري وثورته.. ويمكن أن يكون فيه تعسف، وأحيانًا، تناقض بين الروايات والواقع، بطريقةٍ لا تنسجم ابتداءً مع المنهج الإسلامي الأصيل، الذي يجب أن يتحرى الدقة والأمانة و(الوسطية) في التعامل مع مثل هذه القضايا المتعلقة بحاضر الشعوب ومستقبلها.

نفهم تمامًا، ونُقدر، التفاعل الذي نشعر، كسوريين، بحرارة صدقه مع الثورة السورية، ونؤمن بأنها ستكون تمهيدًا لتغييرٍ حضاري كبير.. لكن ثمة طريقة في (استعجال) الملاحم والفتن ونهاية الدنيا لا تصلح مدخلًا للتعامل مع الموضوع السوري.. فهي حين، تكون مُلتبسةً بالتعسف والتناقضات، لن تترك فسحة للعقل والفهم والتخطيط للتعامل مع التعقيد الكبير المحيط بالثورة السورية.. وإنما ستُصبح سببًا لذبحها بالفوضى والخلاف والاستعجال.. ناهيك عن أن تترك مجالًا لإعمار الأرض والحكم الرشيد فيها بغض النظر عن التسميات..

كيف تُدعمُ الثورة السورية إذًا؟

حسنًا.. بوضوح وشفافية، ثمة ساحةٌ أساسية تتعلق بالعمل العسكري ومتطلباته، يجري العمل عليها على مستوى الدول والحكومات، نذكر هذا لئلا نتهرب من أي موضوع.

لكن ثمة ألف طريقة وطريقة أخرى، تتطلب دعم شعوب الخليج، يعمل من خلالها سوريون في مشروعات حساسة بلغة العصر، توحيدًا لصفوفهم.. وحشدًا إعلاميًا ودبلوماسيًا عالميًا ضد الغزو الروسي، من مخاطبة الروس في عقر دارهم، إلى خلق زخمٍ إعلامي وحقوقي عالميٍ ضد غزوهم الواضح، وهذا أمرٌ لم يكن ممكنًا، لهذه الدرجة، قبله، في التقاليد العالمية، إلى غيرها من مشروعات عديدة.

خلاصة الموضوع تتمثل في أن نتعلم دروس التجارب الماضية ونتجنب سلبياتها، على سوريا وشقيقاتها، هذا من جانب، وأن نعمل من جانبٍ آخر، بطرق خلاقة ومُبتكرةٍ للمساهمة في تحقيق الهدف المُشترك، وهذا نشاطٌ يحصل الآن، ولن يعدم المهتمون أساليب الوصول إليه وإلى أصحابه.

======================

دعم المعارضة يُعيد التوازن إلى الوضع السوري .. ثريا شاهين

المستقبل

الاحد 18/10/2015

هناك انزعاج أميركي من التدخّل العسكري الروسي في سوريا. لكن في المقابل لا يقوم الأميركيون بأي فعل جدّي لدعم المعارضة وفقاً لمصادر ديبلوماسية مطلعة.

وتفيد هذه المصادر أنّ الإدارة الأميركية أوقفت تدريب المعارضة السورية، بعدما تبيّن لها أنّ هذا البرنامج لم يعطِ ثماراً. وبدأت الطائرات الأميركية عوضاً عن ذلك، بإلقاء الاسلحة من الجو للمعارضة، وذلك بقيمة الأموال التي كانت مخصّصة للتدريب. وأداء المعارضة على الأرض، سيُظهر في المرحلة المقبلة، وما بعد التدخّل العسكري الروسي، ما إذا كان هذا السلاح أقوى من السلاح المُعطى سابقاً وذات فاعلية ضدّ الطيران. مع الإشارة إلى انّ اجتماعات أميركية روسية عسكرية لا تزال تعقد، من أجل تنسيق الجو السوري في ما بينهما، ولمنع أي اصطدام في الأجواء السورية كون واشنطن تقلق من حصول أي اصطدام، وترى ضرورة إيجاد طريقة تحول دون ذلك، ولعل في أساسها أن يتعرّف الطيران الأميركي والروسي إلى بعضهما.

في هذا الوقت، تكوّنت قناعة لدى الأوروبيين، بأنّه من الصعب بعد التدخّل الروسي أن يسقط الرئيس السوري بشار الأسد، أو على الأقل هم يقبلون باستمراره في المرحلة الانتقالية، ومستعدون لذلك، لكن لا يستطيع أحد أن يضمن أنه سيخرج من السلطة بعد المرحلة الانتقالية، وبالتالي، الأوروبيون يريدون البحث بحل سياسي، لكن أي طرف لا يمكنه الجزم بتفاصيل هذا الحل، وما إذا كان الروس ومعهم النظام سيقبلون به أم أنهما سيستمران في السعي لانتصارات على الارض، إلى أن يحين حسب رأيهما موعد قبولهما بالبحث عن حل يناسبهما.

لذلك بدأ الطرفان، الروسي والنظام، بهجمات لاستعادة مناطق كانت المعارضة قد استولت عليها. وكل ذلك، بغية تقوية المواقف قبل بدء التفاوض، كل الحلول المطروحة حتى الآن باتت في خطر، لا بل في مهب الريح.

الموفد الدولي لحل الأزمة السورية ستيفان دي ميستورا زار موسكو الثلاثاء الماضي، وسيزور واشنطن قريباً، وهو يواجه معضلة كبيرة، لا سيما بعد إعلان المعارضة انها لن تشارك في مجموعات العمل الأربع التي دعا إلى إنشائها والتي كان يتوقع أن تلتئم في تشرين الأول الجاري. وبحسب المصادر، يريد دي ميستورا التأكد، من كل من واشنطن وموسكو، من أنهما مستمران في دعمه ودعم خطته، ومهمته، ام أنهما اوقفا هذا الدعم. إذ انه يريد أن يرى ماذا سيفعل في ظل ما يتبين ان موسكو جاءت إلى سوريا عسكرياً لضرب المعارضة لصالح النظام. ثم ان ذلك أدى إلى موقف المعارضة هذا من المشاركة في مجموعات العمل، ما يعني ان كل فكرته وخطته باءتا بالفشل وتوقفتا عملياً. وبالتالي، يريد أن يعيد تقويم تحركه ومهمته ودوره وما إذا كان ذلك مطلوباً أم لم يعد الوضع السوري في حاجة لذلك.

التعويل الدولي الآن هو على أنه يجب على المعارضة أن تجد طريقها للصمود، وان تعيد ما خسرته، وإن لم تتمكن من إعادته، ان لا تخسر كثيراً. بحيث يمكن في مرحلة لاحقة ان تقلب الوضع مجدداً، إذا ما حصلت على مساعدات نوعية، وتغيّرت ظروف عديدة. وعلى الرغم من الدور الروسي، فإن الخليج وفرنسا لا يقبلان بوجود الأسد في المرحلة الانتقالية.

وفي هذا الاطار، جاءت المشاورات السعودية التركية والتي أكدت دعم المعارضة. المصادر تشير الى ان الدول الداعمة للمعارضة لن تقبل بهزيمتها وان مباحثات جارية على اعلى المستويات لهذه الغاية، ولاسيما اذا كان هناك تخل عنها، وهذا لن يحصل، فإنّ الموازين ستتغير. لذلك لن يتراجع أي طرف عن دعمها، وإذا صمدت المعارضة من جراء المساعدات النوعية التي يجب ان تقدم إليها، فإنّها تستطيع أن توفر توازناً في الوضع على الأرض. مع الاشارة الى ان الروس لا يمكنهم البقاء طويلاً على هذا النحو في سوريا، ولن يستطيع أيضاً النظام السيطرة على كامل سوريا مهما تلقى من دعم. الدعم يعزز وجوده من دمشق الى المنطقة العلوية بعدما استطاعت المعارضة ان تسيطر على ادلب وحماه. وبالتالي قد يتوفر للنظام موقع أقوى في التفاوض، مع أن الروس والنظام لا يريدان التفاوض الآن، بل عندما يحققان تغييراً على الأرض.

والسؤال المطروح كيف سيكون مسار التطورات السورية، وهل ستبقى وثيقة جنيف هدفاً يعمل له الجميع؟ في السابق وعندما كان النظام يخسر، لم يخض تفاوضاً جدياً حولها. وكان هناك خلاف أميركي روسي حول تفسيرها. الأميركيون فسروها انها هيئة حكم انتقالية والاسد غير موجود فيها، ويبقى لكل فريق وضع فيتو على الأسماء للفريق الآخر، معولين على فيتو المعارضة على الأسد. أما الروس فاعتبروا ان أحداً لم يأتِ على ذكر الاسد وهو سيبقى. في الوثيقة خلل عضوي مع ان كوفي أنان سلف دي ميستورا قال في مسودة وثيقة جنيف انها من دون الأسد، ولم يقبل بها الروس، وبقيت عقدة الأسد.

======================

خط بوتين الأسد نتنياهو الساخن .. بشير البكر

العربي الجديد

الاحد 18/10/2015

صار من المعلن رسمياً، منذ أيام، وجود خط عسكري ساخن بين سورية وإسرائيل. هذا الخط يديره الروس، من الناحية المبدئية، من أجل تنسيق الأعمال القتالية، بعد أن تولت موسكو، منذ مطلع أكتوبر/تشرين الأول الحالي، إدارة الحرب للدفاع عن النظام السوري. ويتذرع الروس بضرورة تنظيم الطلعات العسكرية في الأجواء، لكيلا تحدث أخطاء تقود إلى احتكاكات بين الأطراف، لكن الأمر في الحالة الإسرائيلية يتجاوز ذلك بكثير، وإلا لماذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أول من استمع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى وجهة نظره، حين دعاه إلى موسكو الشهر الماضي. وعلى الرغم من أن الروس يثيرون عاصفة كبيرة حول مسألة التنسيق العملياتي في سورية، فإن الطرف الوحيد الذي يولون رأيه أهمية خاصة هو إسرائيل.

يتصرّف الروس مع الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بسورية بمعايير مختلفة، وهذا ما دللت عليه اللقاءات التي أجروها، في الآونة الأخيرة، مع مسؤولين عرب وأجانب. وليست المعايير جميعها متناسبة بالضرورة، فبعضها متضارب، لكنهم، في جميع الأحوال، يحاولون توليف وضع جديد، يمكّنهم من إدارة الملف السوري، بما يناسب مصالحهم بالدرجة الأولى، فهم، على سبيل المثال، وضعوا الملف السوري في نصاب مكافحة الإرهاب في المباحثات مع مسؤولي الإمارات والأردن. أما مع السعودية، فلم يمانعوا في الحديث عن العملية الانتقالية، ودور الرئيس بشار الأسد في تقرير مستقبل سورية.

يبدي الروس، حتى الآن، اهتماما خاصا بالموقف الإسرائيلي، حتى إن خبراء ومحللين إسرائيليين عديدين باتوا يرون تحولاً استراتيجياً يحصل في الشرق الاوسط: الولايات المتحدة انسحبت من المنطقة، وروسيا تحل محلها. ولذا، من غير المستبعد أن تتحالف إسرائيل وروسيا، وهذا سبب التفاهم الذي جرى بين الطرفين، فيما يتعلق بالتنسيق العسكري الجوي في السماء السورية، وهو تنسيق سيقود حكماً إلى تفاهمات سياسية تتعلق بمستقبل سورية. وينبع هذا التقدير من رؤية روسيا لدورها في هذا البلد، فهي جاءت لتملأ الفراغ الذي تركه انهيار النظام، وفشل المدافعين عنه مباشرة، أي إيران. ويدرك الروس انه ليس في وسعهم لعب هذا الدور من دون التفاهم مع إسرائيل على كل خطواتهم العسكرية والسياسية. ولذا، بات مصير الأسد، في المنظور الروسي، يتقرر بين شخصين، بوتين ونتنياهو. وبات من الثابت، بعد أسبوعين من التدخل الروسي في سورية، أن بقاء الأسد من عدمه ليس شاغل روسيا التي تتصرف من وحي مصالحها وحساباتها، كدولة عظمى، ثم هي على قناعة بأن إسرائيل وحدها قادرة على لخبطة حساباتها في سورية.

وغني عن القول أن التعاطي الروسي مع الملف السوري سيعتمد، في المقام الأول، على "همروجة" محاربة الإرهاب، وهذا ما سيسهل تحالف الروس مع الأطراف التي تتبنى نظرة اعتبار الأطراف الإسلامية في سورية إرهابية. وإلى جانب نتنياهو، سيجد الروس إلى طرفهم في المقام الأول الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي.

وإزاء تداخل الأدوار وتشابك المصالح، يجدر رصد الوضع الإيراني، فطهران سلمت بالتدخل الروسي في سورية، لكنها لم تستسلم في صورة تامة، وهي تقاتل حتى الآن في الميدان، لأنها تريد تثبيت حصتها من التركة السورية، وقد تبين، أخيراً، أن هذه الحصة ترتكز على تأمين مساحة سورية لصيقة بلبنان، من أجل استمرار نفوذها، وحماية حليفها حزب الله. وهناك قناعة لدى طهران أن وزنها في المعادلة يتيح لها ذلك، لكنها بحاجة إلى طرفٍ يرسم حدود التفاهم بينها وبين إسرائيل. ولذلك، عملت بحنكةٍ لاستدراج الدب الروسي إلى الكرم السوري، على أمل الحصول على حصتها من العنب، مات الناطور أم بقي حياً.

======================

تدعيش روسيا .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 18/10/2015

بعد ساعات قليلة من تصريحٍ، استثنى فيه الجيش الحر من تهمة الإرهاب، وتعهد بألا تستهدفه غارات سلاح الجو الروسي على سورية، وأن تفتح بلاده حواراً معه، باعتباره قوة معتدلة، أنكر وزير خارجية روسيا، سيرغي لافروف، أن يكون هناك "جيش حر"، بينما كانت بيانات الناطق العسكري باسم جيش الغزو تعتبر كل من تستهدفه غارات طيران روسيا "داعشيا"، باعتبار أن من لا ينتمون إلى النظام جميعهم "دواعش"، وأنه لا وجود لغير هؤلاء على الطرف الآخر من الصراع ضد الأسد. لذلك، لم يتعرض أحد سواهم للقصف، وليس بين من قتلوا أحد غيرهم، حتى إن ثبت أنهم أطفال في مقتبل العمر، قتلوا وهم نيام تحت ركام منازلهم المدمرة.

يظهر الروس قدراً غير مألوف من الاستهانة بقطاع كبير من شعبهم، ومن الرأي العام العالمي، يرجع إلى رؤيتهم لحربهم في سورية. ومثلما تعتبر "داعش" كل من لا ينتمي إليها "مرتدا" يستحق القتل، ترى روسيا في الذين يعارضون النظام "دواعش"، من الضروري قتلهم بقنابل طائراتها. المشكلة أن روسيا دولة كبرى، ولها مسؤوليات أخلاقية تجاه العالم، وأن تدعيش سياساتها الذي بدأ قبل ظهور تنظيم داعش في سورية بعامين لعب دوراً مرعباً في انهيار الشرعية الدولية، وانتشار فوضى واسعة في عالمنا العربي، بين أسبابها غياب المعايير الإنسانية والقانونية عن مواقف حراس الشرعية الدولية وممارساتهم، وبالأخص منهم روسيا التي أيدت دوماً قتل السوريين برصاص الجيش الأسدي، واتهمت طالبي الحرية بالأصولية والإرهاب، وشاركت تخطيطاً وتنفيذاً في جميع العمليات العسكرية التي استهدفت حياتهم الشخصية ووجودهم الوطني، واستفزت قطاعاً كبيراً من مسلمي روسيا، تعاطف مع ثورة السوريين من أجل الحرية، وتفهم أن ينالوا الحقوق التي سبق لهم أن نالوا بعضها، عقب سقوط نظامهم الاستبدادي. وتقول استطلاعات الرأي إن غالبيتهم ترفض غزو بلادهم سورية، وقتالها مقاومي نظام استبدادي متوحش، يضطهد شعباً لم يناصب روسيا العداء يوماً، ولم يلحق ضرراً بمواطنيها ومصالحها. وزاد طين هؤلاء بلة أن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية رأت في قتل السوريين على يد الغزاة الروس "حرباً مقدسة"، يخوضها جيش مؤمنين أطهار ضد كفرة أشرار، على طريقة "داعش" التي تدّعي أنها تقاتل، باسم الإيمان القويم، مرتدين عنه، ليسوا غير كفرة ومارقين، تجب إبادتهم من دون رحمة.

هل يمكن لسياسات دولة عظمى، هذه مبادئها وممارساتها، أن تبقى في منأى عن "تدعيش" حياة مواطنيها العامة، وعلاقات مكونات مجتمعها الدينية، وعلاقاتها مع المجتمع الدولي التي شهدت، منذ غزت سورية عسكرياً، واستهدفت الآمنين وأنصار الحرية من المقاتلين، عودة مخيفة إلى زمنٍ لطالما تحكم فيه القوي بالضعيف، وأجاز لنفسه ما منعه عن سواه، يهدد انبعاثه من جديد على يد روسيا، بطي حقبة "نزع الاستعمار" التي كانت الأمم المتحدة قد أقرتها، في سبعينيات القرن الماضي، وفتح إغلاقها الباب رحباً أمام تحقيق أماني عديد من الشعوب، وحماها من عدوان حيتان السياسة الدولية الكبار وتجبرها؟

تدمر سياسات روسيا السورية الأسس التي تنهض عليها الشرعية الدولية، وتعتبر ركائز أمن العالم وسلامه وتوازنات نظمه المتنوعة، وتعيدنا خيارات موسكو، التدخلية والعدوانية، إلى عصر أشد سوءاً بكثير من عصور الاستبداد التي حفل بها تاريخ عالمنا، وخصوصاً منه التاريخ الروسي، تمتزج فيه نزعة مذهبية، داعشية المضمون، بسياسات قوة مفرطة، كونية الانتشار، لن ينعم العالم بأي قدر من السلام والأمان، إن سمح بانتصارها على سورية.

======================

روسيا وإسرائيل والسماء السورية .. وائل نجم

العربي الجديد

الاحد 18/10/2015

عندما قرّر القيصر الروسي، فلاديمير بوتين، أو كما يحلو لبعضهم في لبنان أن يسمّيه "أبو علي بوتين"، النزول إلى أرض الميدان في سورية لمواجهة ما سمّاها الجماعات الإرهابية و"داعش"، وكل الذين يواجهون النظام، بما فيهم الجيش السوري الحر الذي دعاه وزير خارجية بوتين، سيرغي لافروف، إلى أن يكون جزءاً من الحلّ السياسي، وتكرّم بأن اعترف أنه ليس على قوائم الإرهاب، علماً أن أولى غارات الطائرات الروسية استهدفت مقرّاته في أكثر من محافظة سورية. المهم، عندما قرّر بوتين النزال في سورية، سارع رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، إلى زيارة موسكو ولقاء "القيصر"، لمعرفة حدود التدخّل الروسي وأهدافه، وتلمّس النتائج التي يمكن أن تتمخّض عنه. يومها، أكّد بوتين وقيادته لنتنياهو أن النظام السوري لن يفتح جبهة الجولان مع القوات الإسرائيلية، وهي لم تفتح طوال عقود، في رسالة طمأنة لنتنياهو، كما أرسل ضباطاً كباراً من قيادة الأركان الروسية إلى الكيان الإسرائيلي، للتنسيق بين الجيشين، فيما يتصل بالوضع في سورية.

أعلنت وزارة الدفاع الروسية، الخميس 15 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، إقامة خط مباشر بين قاعدتها العسكرية المستحدثة في مطار حميميم في اللاذقية ومركز قيادة سلاح الجو الإسرائيلي، وقال الناطق باسم وزارة الدفاع الروسية، اللواء إيغور كوناشينكوف، إن الطرفين يتدربان على سبل التعاون بينهما في المجال الجوي السوري. ويكشف هذا التصريح مزيداً من التنسيق والتعاون بين أبو علي بوتين ونتنياهو في الأرض والمجال الجوي السوريين. والمعروف أن الطيران الروسي شنّ ويشنّ يومياً عشرات الغارات على مواقع المعارضة السورية، في محافظات إدلب واللاذقية وحمص وحماه وحلب، ولا يسلم من هذه الغارات المدنيون والمشافي والمدارس، وهي غارات تحاول فيها روسيا تدعيم مواقع النظام، وتعمل من أجل عدم سقوطه. وقد تابعنا كيف أن رئيس أركان القوات السورية، علي أيوب، أعلن عن هجوم برّي في أرياف المحافظات المذكورة آنفاً بغطاء من الطيران الروسي، وربما أيضاً الإسرائيلي، طالما أنه من ضمن التنسيق والتعاون بين الطرفين.

السؤال البديهي على كل لسان هنا في لبنان، هل بعد ذلك حقيقة مخفيّة؟ هل ينتمي النظام السوري، فعلاً، إلى محور مقاومة وممانعة ضد الكيان الإسرائيلي؟ وهل ما زالت إيران وحزب الله مستعدين لإرسال مزيد من العناصر والجنود وآلاف المقاتلين إلى سورية لخوض قتال ضد المعارضة السورية، تحت حماية الطيرانين، الروسي والإسرائيلي؟ أسئلة مشروعة يطلقها لبنانيون في أحاديثهم وسهراتهم، وكثير منهم ينتمي إلى البيئة التي يقاتل أبناؤها في سورية إلى جانب النظام.

والحقيقة أن المواقف الروسية غير المكترثة بما قد تكون لها تداعيات على ما يفترض أنهم حلفاء في سورية، حشرت أولئك الحلفاء في زوايا حادة، إذ إن الاستمرار في مواصلة القتال تحت غطاء الطائرات الروسية التي تنسّق مع الطائرات الإسرائيلية يجعل الجميع في محور واحد، طالما أكّد المقاومون والممانعون أنه ضدّ الكيان الإسرائيلي. وعندها، ماذا سيقولون للشهداء الذين سقطوا في جنوب لبنان على هذا الدرب؟ وماذا سيقولون لذويهم؟ وإذا ما رفضوا مواصلة القتال، فذلك سيعني تكريس الأمر الواقع إلى وقت معين، ومن ثمّ الدخول في عملية سياسية، تكون في صالح المعارضة السورية من جانب، و"القيصر" الروسي بشكل كبير من جانب آخر، وفي الحالين، ليس القرار سهلاً، بعد الخسائر الكبيرة التي مني بها هذا الجزء من المحور "المقاوم" في سورية.

هل يمكن أن يغيّر هؤلاء استراتيجيتهم؟ سؤال آخر يطرح أيضاً في لبنان، وفي أروقة بيروت وصالوناتها. الإجابة تأتي من السؤال الذي طرحته قناة روسيا اليوم عن تراجع النفوذ الإيراني في سورية، بعد الدخول الروسي على الخط، والجواب الذي بدأ يتشكل على هيئة حملة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من المحسوبين على هذا الجزء من خط المقاومة والممانعة، والذي يستهدف الوجود الروسي في سورية، ويشكك به بشكل عام

======================

ماذا يريد بوتين؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 17/10/2015

في الحد الأعلى، يريد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، كسر ظهر الثورة السورية، ممثلة بالجيش الحر، لاعتقاده أن هذا الجيش اليوم نواة الثورة الصلبة وعمودها الفقري، وأن القضاء على قواه الرئيسة سيجعل من السهل تهميش المعارضات السياسية، أو احتواءها وإخراجها من حسابات الصراع الحاسمة. ويريد، في الحد الأدنى، استعادة ما كان الوضع عليه قبل سقوط إدلب وصمود الزبداني وفك الحصار عن الغوطة الشرقية، واختراق دفاعات النظام ومواقعه حول دمشق، وقد أيقن بوتين أن النظام يسقط بسرعة. لذلك، قرر المسارعة إلى نجدته بالقتال بدلاً عنه، ريثما يمده بشيء من القوة عبر تدريب عصاباته وتسليحها.

ليس صحيحاً أن السياسة الروسية لا تدري ما تفعل، وتجهل خطوتها التالية، فدخول الروس إلى الحرب وراءه سببان:

ـ اعتبار قوى الثورة السورية بفصائلها كافة، ومنذ أول يوم انطلقت فيه، تنظيمات إرهابية تمارس إرهاباً عجز النظام عن احتوائه، أو كسر شوكته، على الرغم مما وصل إليه من مساعدات، ما يحتم تدخلاً عسكرياً مباشراً، وبغزو واسع يستخدم أفتك الأسلحة والذخائر وأحدثها، يفرضه السياق العام للسياسة الروسية تجاه الربيع العربي عموماً، وثورة الحرية السورية خصوصاً.

ـ انتزاع المبادرة الاستراتيجية من واشنطن، وفرض حل روسي/ إيراني/ أسدي بقوة واقع ميداني، تبدلت موازين قواه جذرياً لصالح النظام، بالتوازي مع تبدل علاقات القوى الدولية والإقليمية/ العربية لصالح تحالف يمسك بمفاصل المنطقة، ويخترق مجتمعاتها ودولها، يضم موسكو وطهران ودمشق وبغداد، وقوى تنتمي إلى الإرهاب الأصولي، بشقيه الشيعي والسني.

من تحصيل الحاصل القول إن روسيا لم تغزُ سورية، لتدخل في حلقة مفرغة، تكون فيها متفوقة تارة، ومغلوبة تارة أخرى. دخلت الحرب كي تنتصر، ليس فقط على الجيش الحر والسوريين، بل كذلك على داعميهم، حقيقيين كان هؤلاء أو مزعومين. ويعلم بوتين، بلا شك، أن فشله أو هزيمته يعنيان نهاية روسيا قوة كبرى ونهايته الشخصية. لذلك، لن يتراجع عن حربه ما لم يدرك أنه سيفشل أو يهزم. ولن يكفي أي كلام في إقناعه بالخروج من الصراع على سورية وفيها. من هنا، إعلان موسكو عزمها على جعل وجودها في سورية محدوداً زمنياً يقصد بها الإعلان عن تصميمها على استخدام قوة مفرطة، بل ساحقة، ضد الجيش الحر، وتجاهل أي قانون أو عرف أو اعتبار دولي أو إنساني، وعزمها على تحقيق أهدافها، مهما كان ثمنها السوري مرتفعاً.

من تحصيل الحاصل القول أيضاً إن هدف روسيا الرئيس هو إعادة الوضع السوري إلى ما

"ستؤدي سيطرة روسيا على الشرق الأوسط إلى إمساكها مفاصل تتحكم بصور حاسمة في الصراع الدولي حول منطقتنا وخارجها" كان عليه قبل الثورة، ساحة سياسية يملؤها نظام طائفي مجرم، وشعب مذبوح، خاضع وخانع، طرد الأسد معظمه من وطنه، بينما تحول من بقي حياً منه إلى أسرى في معسكر اعتقال كبير، تسهل تصفيتهم واحداً بعد آخر، فإن استحال تحقيق هذا الحد الأعلى، غدا هدف روسيا كسر الجيش الحر وقتل قياداته وتدميره، وإخراجه من معادلات القوة، واحتواء المعارضات السياسية باستكمال ما بدأه الروس في لقائي موسكو، بإقناع بعض المعارضين بـ "إنقاذ ما يمكن إنقاذه "، بحجة تخلي العالم عن الشعب وضرورة قبول عرض الأسد بالاندماج في نظامه "سبيلاً إلى التغيير".

دخل جيش روسيا بلادنا لكي يحسم الصراع لصالح النظام بسرعة، وفي وقت قصير. وستظهر حقيقة نياته في أثناء الهجوم الأرضي الذي سيشنه جيش الأسد ومرتزقة إيران ومليشياتها على المناطق التي خسروها شمال وطننا وجنوبه، وفي تدمر في مرحلة لاحقة، حيث تمسي الحاجة إلى إخراج "داعش" منها، لإقامة اتصال أرضي مفتوح بين طهران ولبنان. دخلت روسيا المعركة، وهدفها شرق أوسط هي سيدته الآمرة الناهية، بحصة ما لطهران، وذلك وضع جيواستراتيجي جديد، ستكون له عواقب كارثية على أميركا والغرب، الذي سيفقد منطقة هي درة العالم الاستراتيجية، ستؤدي سيطرة روسيا عليها إلى إمساكها مفاصل تتحكم بصور حاسمة في الصراع الدولي حول منطقتنا وخارجها، من دون أن ننسى الأثمان الباهظة التي سندفعها نحن العرب، ومنها اكتمال تحولنا إلى مستعمراتٍ، يمسك بها الكرملين، وتشرف طهران ومرتزقتها عليها.

هل يستطيع أوباما قبول هزيمة أميركا وتحجيمها أو إخراجها من المنطقة بالقوة على يد شراكة روسية مع طهران؟ لا نستطيع، سوريين وعرب، قبول تحولنا إلى عبيد والقضاء علينا، ولا خيار لنا غير الرد بكل ما يتطلبه الرد من جهود وتحالفات وتضحيات، لأن انتصارنا سيكون بمثابة ولادة جديدة لشعبنا الذي سينعم بعده بما يقاتل من أجله: حريته وكرامته الإنسانية.

======================

موقفنا : مواقف في كليمات ... وما كنا غائبين .. واشنطن – باريس – موسكو – طهران ... وعُمان .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 28/10/20158

وكما تزدحم السماء السورية بطيران المتنافسين على قتل السوريين ، وتشريدهم ، وتدمير بلادهم ، لتطويعهم ، وكسر إرادتهم ، وفرض ما يشاء ( تجار الحروب ) الدوليين عليهم ، تزدحم عواصم الدول الكبرى باللقاءات والمؤتمرات والمبادرات والتحضيرات ... ولا أحد يسألك : لماذا الآن ؟!

ولقد مضى على هذه الثورة الجميلة المباركة المظفرة خمسة أعوام وبدلالة مفهوم المقابلة فقد مضى على جريمة حرب الإبادة : الأسدية – الصفوية – الروسية تنفذ على السوريين خمس سنين وسط صمت الصامتين ، ولامبالاة المسئولين ؛ من حملة أمانة القرار الدولي في واجبهم في حماية المدنيين ، وصيانة السلم والأمن والدوليين ..

لماذا الآن يُهرعون ؟! ولماذا الآن يتناصرون ؟! ويتقاربون ويتوافقون ؟! وبكلمات معدودة فقط نقول : لأن صاحبهم الظالم المستبد القاتل الفاتك لم يعد يطيق على الاستمرار في المطاولة صبرا . خمسة أعوام والشعب السوري يعطي ، وخمس سنين وقوى الشر العالمي تغطي وتدعم وتمد بالغي والشر ولا يقصرون ...

خمسة أعوام لشعب سورية الحر الأبي وخمس سنين لأعدائهم : وأوهى قرنه الوعل ، وكل القوى التي جاءت على عجل بالسر والعلن تحاول اليوم أن تختصر على نفسها المهام الصعبة ، فلا تدري لما هي فيه مدخلا ولا مخرجا ..

أيها الثوار السوريون الأحرار الأبرار : قلتم الله ولينا ووكيلنا فكان لكم نعم المولى ونعم النصير . فلا تظنوا فيما أنتم فيه إلا الخير ، ولا تقبلوا إذ أنتم منتصرون متغلبون إلا بحقكم كاملا غير منقوص . واعلموا أن الكرامة لا تبعّض . وأنّ الحرية لا تجزّأ ولهما خرجتم ، وأن خلية سرطانية واحدة يغفل عنها الجراح تجعل كل السعي في ضلال ...فاحذروا تخوضوا مع الخائضين ، أو أن يستفزكم الذين لا يوقنون..

ومن واشنطن ، التي ظلت لامبالية ، لم تحرك فيها شعورا إنسانيا دمعةُ طفل ولا استغاثة امرأة ، ولا مشهد الوجوه البريئة فتك بها غاز السارين ، وتحت وطأة تحد روسي ، لا شأن لسكان المنطقة بانعكاسه على المصالح الأمريكية ، خرج علينا وزير الدفاع الأمريكي بالأمس بمزيد من التهديد والوعيد ( شِنشِنة نعرفها من أخزم ) تقول العرب .

وبالأمس أيضا كان رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بلير يعتذر ، وهل تكفي ( آسف ) في خطيئة دمرت بلدا على أهله وحصدت منهم الملايين . محاكم التاريخ التي سيساق إليه ( بوش الابن وتابعه بلير ) بلا شك ألن يساق إليها ( اوباما ) و ( كيري ) ولا نستغرب أن يكون قاضيَها إنسانٌ أمريكي أو أمريكي إنسان ..

ثم في باريس ، حيث يحاول أولاند أن يحشد ليستعيد دورا فرنسيا فقدته فرنسة منذ فقدت زعيمها ديغول . ديغول عملاق ( فرنسة الحرة ) الذي تصدى للنازي المحتل ولحكومة فيشي في وقت معا ، هل تطال قامتَه قامةُ أولاند وهو يجرجر خطاه نحو استدارك لطمة الاستبعاد عن فيينا ، وكأن أوباما يقول له ولنظرائه الأوربيين، ليس بعشك فادرجي ؛ مع أنه ظن أو حسب أنه في بناء الأطلسي أو التحالف التكويني ( الأوربي – الأمريكي) عمود فسطاط ، وأنه بالنسبة للملف السوري وريث استعماري على نحو ما يقرره الفقهاء على قاعدة الاستصحاب ..

المبادرة الفرنسية في الدفاع عن الدور الفرنسي ، أو الوجود الفرنسي على قائمة الدولة الفاعلة ، في عصر أصبحت فيه إيران دولة عظمظم ، جاءت متأخرة جدا . ولقد كانت أبواب المجد بكل ألقه الإنساني مفتوحة على مصاريعها أمام ( أولاند ) الإنسان أو أمام الرئيس الفرنسي في قصر الإليزية ،يوم كانت صور ضحايا جريمة السارين من اطفال الغوطة محمولين على اذرع آبائهم مسمرة في أعين الرأي العام العالمي وحتى الأمريكي . لقد كانت صورة أولاند وهو يتحسس موضع لطمة أوباما على خديه واحدا بعد الآخر، مثيرة للخزي وليس للإشفاق ، وابتلعها أولاند وما كان له يومها أن يبتلعها ؛ فهل يستطيع اليوم وهو يرى أوباما وبوتين يجعلان من النادي الدولي مائدة محجوزة لمن يريدان أو على من يتفقان حتى لو كان مهزولا مثل السيسي ، هل يستطيع في مبادرة باريس للأرض اليباب أن يبث الحياة في الرحم العقيم ؟!..

ومن موسكو ...

ولكي يفهم السياسي موسكو ، عليه أن يستشير ، خبيرا بعلم النفس . لا أدري إن كان صانع القرار العربي قد اقتنع في هذا العصر أن يكون له مستشاروه من الخبراء النفسيين ..

ماذا يريد بوتين من سورية ومن المنطقة ومن العالم ...

يريد أن يخرج على العالم بزينته بعد أن تجرد عُريانا بضع عشرة من السنين ..

يريد أن يتبختر مزهوا كالطاووس ...

يريد أن تكون موسكو قبلة ومحجة ومثابة وكما كان بيت أبي سفيان يوم الفتح ...

يريد كل هذا وهو مستعد أن يدفع ثمنه من دماء أطفال سورية ، وأعراض بناتها ونسائها ، بل لقد فعل ذلك على مدى خمس سنين ..

فهل من الحكمة أن نجاريه فيما يريد ..؟!

هل من الحكمة أن نعبد الطرق الوعرة التي تصل عواصمنا بعاصمته ؟!

هل من الحكمة أن نجيب على اتصالاته إذا اتصل ؟! وأن نستقبل مراسيله إذا أرسل ؟ ...

" اجعلوا طرق الرب مستقيمة " " عليكم بالجادة وإياكم وبنيّات الطريق " هكذا تقول حكمتنا الموروثة ؛ وإلى موسكو حيث إرادة العلو والفساد ولو بقتل الأطفال وهتك الأعراض لا طريق مستقيما يوصل ، ولا جادة حقيقية تؤدي فاحذروا ...

أما مشروعات ( الكفتة التي تعالج الإيدز ) والتي استعارها بوتين الحويط من السيسي العبيط ، بالحديث عن ( معارضات سورية ) مقاليدها بيده ، وقادة فصائل من الجيش الحر من أصابع ( الكفتة إياها ) فالنصيحة فيها ، وفي طرق استعمالها فلا تصلح لكتابة الكاتبين

ومن طهران حيث ترتفع مؤشرات عداد الصرعى من القادة والجنرالات ، وترتفع بارتفاعه وتائر الجرأة في الإعلان ، والاحتفاء والاحتفال ..وكأن السائس الصفوي يريد أن يقول ( نحن هناك ) و (نحن نقدم ) و(نحن ندفع الثمن ) ؛ ومن حق المراقب أن يتساءل هل يريد السائس هذا أن يقول : ( نحن نفي بما وعدنا ) في إشارة واضحة إلى الوفاء بالدور يوم وقعت صفقة تقاسم الأدوار بين المحتلَين الروسي والإيراني ؟! يوم قال الثاني للأول : تقدمونا في الجو نتبعْكم على الأرض . أو المقصود أن يرفع الإيراني مسبقا معايير الكلفة وهو قد أمن المساءلة.. ليكون الاستحقاق أكبر يوم الاقتضاء الذي يظنونه قريبا وإن ( اخطأت استهم الحفرة ) كما تقولها العرب ..

وأخيرا الرسالة من عُمان وإلى أهلنا في فيها ..

وأهل النخوة والشهامة والمروءة عند أهليكم في الشام يتسارعون إلى عقد المصالحات ، ويتحملون في ذلك الحمولات ، ويدفعون الأموال ، ويتأولون قول الله سبحانه وتعالى (( لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ..)) ..إلا في الصراع للذود عن الأعراض فلهم فيه رأي آخر ..

إن أبناء أمتكم يعتبرونكم أهلا وعشيرة وظهيرا : وهم ما زالوا يتساءلون عن مآل الوساطة مع الأمريكان لتمكين إيران : في أي كفتي الخير أو الشر لهذه الأمة وقعت .. مجرد ذكرى

لندن : 15 / محرم / 1437

28 / 10 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=======================

النظام العميل الذي يوزع شهادات بالوطنية .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 17/10/2015

المضحك أن الكثير من العرب، والسوريين على وجه الخصوص، يعتقدون أن القوى الكبرى كأمريكا وروسيا، مجرد شركات حماية أمنية، بإمكانك أن تطلبها، أو ترفضها متى تشاء. والمضحك أكثر أنهم لا يثبتون على رأي في نظرتهم إلى أمريكا أو غيرها من القوى الدولية، فإذا تدخلت أمريكا أو روسيا في مكان ما، على عكس بعض الرغبات، فيا ويلها، فتصبح قوة غازية يجب مقاومتها والتصدي لها بكل الطرق والأسلحة، كما كان الحال بالنسبة للذين عارضوا الغزو الأمريكي للعراق، وكما هو الحال الآن بالنسبة لمعارضي الغزو الروسي لسوريا. وإذا نادى العرب أمريكا للتدخل في مكان آخر، وتقاعست، فأيضاً يا ويلها، بل يجب عليها أن تلبي النداء بسرعة البرق، وإلا فهي دولة عاجزة مترددة، متقاعسة، ضعيفة، متواطئة مع الطغاة العرب، ولا تقيم للدم العرب أي وزن. وهذا الموقف نراه الآن لدى قوات المعارضة السورية التي تطالب أمريكا منذ سنوات للتدخل للقضاء على نظام الأسد، بينما أمريكا ترفض.

لاحظوا التناقض في الموقف من أمريكا أثناء اجتياحها للعراق عام 2003 عندما عارضها قطاع عربي واسع، وتقاعسها عن التدخل في سوريا منذ بدء الثورة السورية عام 2011 لإزاحة بشار الأسد، رغم الدعوات والمناشدات العربية والسورية الكثيرة لأمريكا كي تتدخل.

لم يترك الإعلام العربي، ولا الشعوب، ولا المثقفون العرب على مدى سنوات تهمة إلا وألصقوها بالمعارضين العراقيين السابقين، وبكل من عمل مع الأمريكيين في بداية هذا القرن للإطاحة بالنظام العراقي السابق. لقد كان الشارع العربي من المحيط إلى الخليج ينظر إلى السياسيين العراقيين الذين كانوا ينسقون مواقفهم مع الأمريكيين قبيل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 على أنهم ثلة من الخونة والعملاء، لا لشيء إلا لأنهم كانوا يتعاونون مع العم سام لإسقاط نظام صدام حسين. والعجيب في الأمر أن الكثيرين ممن مازالوا يعيّرون أعضاء الحكومة العرقية الحالية بأنهم أزلام الأمريكان، وبأنهم عادوا إلى العراق على ظهور الدبابات الأمريكية، هم الآن يدعمون المعارضين السوريين الذين يناشدون الأمريكيين منذ سنوات كي يساعدوهم في إسقاط بشار الأسد، حتى لو تطلب ذلك قصفاً أمريكياً مكثفاً لدمشق.

من المضحك جداً أن الكثير من الشعوب بات يتوسل للخارج بكل أريحية أن يتدخل كي يحميه، وينقذه، إما من براثن الطغاة، وجيوشهم، كما هو الحال بالنسبة للمعارضة السورية، أو كي يحمي الطاغية ونظامه من المعارضين، كما هو الحال بالنسبة لمؤيدي بشار الأسد. من المفارقات السورية الهزلية أيضاً أنه لم تعد المطالبة بالمساعدات العسكرية الخارجية، حتى بثمن، رجساً من عمل الشيطان فاجتنبوه، بل غدت مشروعة، لا بل مطلوبة تماماً، إن لم نقل "فرض عين". قليلة جداً هي الأصوات التي تحذر، أو تسخر من المطالبين بالتدخل لدى المؤيدين أو المعارضين في سوريا. لقد أصبح الوطني في سوريا، للمفارقة المضحكة، هو ذاك الذي يطالب، ويبارك الاستعانة بالروسي، كما هو حال مؤيدي الرئيس السوري وحلفائه من " بتوع المقاولة والمماتعة"، والخائن هو الذي يعارض الاستعانة. بعبارة أخرى، فقد أصبح، بالنسبة لمؤيدي بشار الأسد مثلاً، كل من يعارض التدخل الروسي لحماية النظام، ويطالب بالتدخل الأمريكي لإسقاطه، عميلاً، وخائناً، وغير وطني. يعني التدخل الروسي حلالا، والأمريكي حراما بالنسبة لشبيحة الأسد. وكما أن الكثير من المعارضين السوريين شعروا بالخذلان لأن أمريكا لم تتدخل للإطاحة ببشار الأسد، فقد كانت فرحة الموالين لبشار عارمة جداً عندما تدخلت روسيا وإيران لحمايتهم من قوات المعارضة. لقد راح مؤيدو بشار الذين كانوا يعتبرون المعارضين عملاء وخونة، لأنهم طالبوا بالتدخل الخارجي في سوريا، راحوا يؤلفون الآن القصائد في مديح طائرات السوخوي الروسية، لا بل بدأوا يمجّدون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ويصورونه على أنه المسيح المخلص. وقد شاهدنا "الأراجوز الطرطور" خطيب الجامع الأموي في دمشق وهو يبتهل إلى الله ليحمي بوتين العظيم، كما لو أنه حامل لواء القومية العربية، مع العلم أن التدخل الروسي في سوريا لا يختلف أبداً عن التدخل الأمريكي في سوريا أو غيرها. فكما هو معلوم، فإن القوى الكبرى ليست جمعيات خيرية، بل تتدخل، بالدرجة الأولى، من أجل مصالحها، وليس من أجل السخفاء البلهاء الذين يهللون ويطبلون لتدخلها، لا في العراق ولا في سوريا. في الماضي، كان البعض يتوعد بشار الأسد بالطائرات الأمريكية، واليوم يصفق مؤيدو حلف "المقاولة" للطائرات الروسية التي تقصف المدن السورية. وكأن إدلب وحلب وحمص بالنسبة لهم أرض الأعداء.

لم يعد، لا بإمكان قومجية بشار الأسد "بتوع" السيادة الوطنية المهترئة، ولا بإمكان معارضيه، أن يعيّر الآخر بالعمالة والخيانة للخارج. فقد تساوى الطرفان في العمالة والخيانة، إذا كان المقياس هي الاستعانة بالخارج. وأرجو أن لا يتشدق أحد بالقول من جماعة بشار بأنه يحق للدولة ما لا يحق للمعارضين. فمن المعلوم أن الدولة السورية لا وجود لها منذ زمن بعيد، والعصابة لا يمكن أن تسمي نفسها دولة. وحتى لو كان النظام السوري يعتبر نفسه دولة، فقد خسر هذه الميزة منذ اندلاع الثورة. وحتى لو ادعى أن بعض السوريين يؤيدونه، فإن بقية الشعب السوري سحبت منه الشرعية منذ أن أطلق الرصاصة الأولى على المتظاهرين السلميين في شوارع سوريا. كيف يزعم بشار أنه يحظى بشرعية إذا كان الشعب يحاربه على الأرض بمختلف أنواع السلاح من الشمال إلى الجنوب؟ ولا قيمة لنتائج المهزلة الانتخابية الأخيرة، خاصة وأن عدد السوريين المحرومين من المشاركة بها، من لاجئين ونازحين، زاد عن ثلثي الشعب السوري.

لقد سقطت الأقنعة تماماً. وإذا كان التدخل الأمريكي في سوريا حراماً، فإن التدخل الروسي والإيراني خطيئة لا تغتفر. ومن طلبه فهو عميل، وخائن، وبائع للوطن إلى يوم الدين.

هل يا ترى سيصفق مؤيدو بشار الأسد لإسرائيل فيما لو تدخلت لإنقاذ نظامه؟

٭ كاتب وإعلامي سوري

======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com