العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 15-05-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

حسابات تدفعها دماء الشعوب .. زكي الدروبي

العربي الجديد

الاربعاء 11-5-2016

لا زال النظام العالمي أسير الصراعات على الأسواق والنهب، من دون التفكير بحساب الدماء البريئة التي تسيل، حيث يدفع نظام مافيوي، كنظام فلاديمير بوتين، من الولايات المتحدة، إلى مزيد من التورط عبر الاعتماد على غرور بوتين، وسياسته التي تعتمد الخداع والمراوغة ودعم الأنظمة المجرمة، كأنظمة بشار الأسد وعبد الفتاح السيسي وكوريا الشمالية، من دون أن يقدموا للشعوب المقهورة المظلومة سوى الوعود البراقة والكاذبة، وهم، في قرارة أنفسهم، مرتاحون لوجود هذه الأنظمة المنفذة لسياساتهم، والمساهمة بقهر إرادة الشعوب بالتحرّر وتقرير مصيرهم وثروتهم ومستقبلهم.

استفاد النظام البوتيني، في سورية، من غض النظر الأميركي، وزاد دعمه نظام بشار الأسد، وصولاً إلى تدخل عسكري مباشر، استباح دماء السوريين، ودمر بشكل ممنهج البنية التحتية التي تدعم صمود السوريين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، فقصف المشافي والمساجد والمدارس والأسواق والمباني السكنية، تزامناً مع قصفه قوات الجيش السوري الحر والقوى المعتدلة، وتركه لداعش تسرح وتمرح، فتكون مسمار جحا الدائم، المبرر لتدخله العسكري، مثلما فعلت الولايات المتحدة الأميركية.

في سورية، استفادت إيران من غض النظر العالمي على إرسالها مزيداً من السلاح لنظام بشار الأسد القاتل شعبه، والمزيد من المليشيات المتعددة الجنسيات، وكان ثالثة الأثافي إرسال النظام الإيراني علناً قطعات من الجيش الرسمي للقتال في سورية دعماً للنظام، والسكوت المريب من الولايات المتحدة على هذا الإعلان.

فرض الأوروبيون والأميركان عقوبات أثرت سلباً على الاقتصاد الروسي، وساهمت بانخفاض العملة الروسية، وحققت أضراراً بالاقتصاد الروسي، وغضوا النظر عن التدخل الروسي في سورية، أملاً في دفعهم إلى الغرق أكثر في الأوحال السورية، والتي يحاول الروس الهروب منها، عبر تحديد عملياتهم العسكرية، وعدم الدفع بقوات روسية كبيرة. ولن يؤثر مقتل عسكري روسي، هنا أو هناك، كثيراً على النظام البوتيني في روسيا، وارتفاع الأسعار وانخفاض العملة الروسية والأضرار اللاحقة في الاقتصاد الروسي اليوم، ليست بالقدر الذي يمكن أن يعيد سيناريو تفتيت الاتحاد السوفيتي، فلازالت لدى النظام البوتيني قدرة على المناورة والاحتمال، وعلى حساب الدماء السورية البريئة، يشجع الأميركان الروس والإيرانيين على التدخل بشكل أوسع بأسلوب غير مباشر، عبر غض النظر عن تصرفاتهم وإجرامهم في سورية، أملاً في إغراق نظامي بوتين والولي الفقيه في الأوحال السورية.

الأمر الآخر الذي يأمل الأميركان تحقيقه من خلال هذه الدماء هو تصاعد الغضب الذي يوصل إلى التطرف، وغض النظر عن سياسات إيران في المنطقة التي تشعل نار الفتنة والاقتتال المذهبي، بما يؤدي إلى انتشار صراعات غير أخلاقية، تريحهم من التدخل، وهذا ما وصف به أوباما في أكثر من مناسبة الثورة السورية، ليبرّر عدم رغبته في التدخل لحماية السوريين من القتل. ولا يقصد بالتدخل، هنا، التدخل الإيجابي، بإرسال قوات أميركية لتحرر بلدنا من عصابة بشار ومن العصابات الإرهابية التي استقدمها، لتسانده أو لتبرر وجوده، إنما أقصد التدخل السلبي، عبر السماح لمن يريد دعم الشعب السوري وقواه الثورية المعتدلة بإيصال دعمه، أو دعمه بالموقف السياسي الحقيقي، وليس بالتصريحات والخطوط الحمراء التي تخرق دائماً.

الاقتتال المذهبي والطائفي الذي لن ينتهي بانتصار أي من الطرفين هو أكثر ما يفيد تلك الأنظمة التي تصف نفسها حضارية وديمقراطية، وهي تتمنى أن نستمر في أوحالنا وتخلفنا، وتدفعنا دفعاً إلى أن نغرق في حروب أصولية طائفية وقومية، لا تبقي ولا تذر، خدمة لمطامعها، والخاسر الوحيد فيها هو نحن، والقادر الوحيد على تغيير الموازنة وقلبها باتجاه النصر هو نحن. للموضوع علاقة بجملة من السياسات المتبعة، بدءاً من الخطاب الإعلامي من الساسة، وصولاً إلى النشطاء على الأرض، وليس انتهاءً بضرورة ترافق النشاط المدني الثوري، جنباً إلى جنب، مع معارك الدفاع عن النفس التي يخوضها أبطال الجيش الحر، وتوسيع التعاون بين التنسيقيات في المناطق، وصولاً إلى خطابٍ موحد يستطيع استيعاب كل السوريين في الثورة السورية، وتحويل الكفة باتجاه نجاحها، قبل خراب مالطا.

======================

موقفنا : وما تزال (المعارضة الكريمة) تدير ظهرها للثورة والثوار !! .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

13-5-2016

وبينما ما يزال الروسي والإيراني يضعون هدف كسر إرادة الشعب السوري، وإذلاله ، واحتلاله في رأس أولوياتهم ، وبينما ما يزال العدوان الألدان يتابعان المشهد السوري ساعيّا ، ويتفاعلان معه آنيا ، فيقدمان لتحقيق هدفهم كل ما يقدران عليه وهو كثير ؛ يمعن هؤلاء الذين سموا أنفسهم ( أصدقاء الشعب السوري) على اختلاف مراتبهم في الانصراف ، عن المشهد ، وإدارة الظهر للحريق ( جريمة الحرب ) بوقوده من إنسان سورية وعمرانها ، والاكتفاء بتعامل إعلامي محدود ، إضافة تصريح كقرعة على وتر ، تأتي مرة غنّاء ومرة خنّاء ..

وعلى أعقاب (مدعي الصداقة) هؤلاء بكل تلافيفهم ، تمضي أطراف وأطياف ومكونات ( المعارضة الكريمة ) بعيدا عن الثورة السورية وثوراها ، فلا يزيدها طول العهد واتصال البعد ، عن هذه الثورة إلا انصرافا وإعراضا . (المعارضة الكريمة ) التي كان أفق تطلعها ، وأكبر همها ، ومبلغ علمها ، وأوج نصرها ، منذ أول يوم مقعد في مجلس ، وشراكة على عشاء ؛ لا تفكر أبدا في مراجعة موقف ، وإعادة استقبال ما استدبرت من أمرها فأودى بها ، وهي ما تزال تطوس كالطاووس ، وتظن أنها تحقق نصرا وتحسن ليوم الدينونة صنعا ..

إن مستجدات الموقف الدولي والإقليمي من سورية وثورتها وثوارها ، ومستجدات الثورة نفسها فيما يجري على كل الجبهات والمحاور ، ؛ كلها تقتضي من ( المعارضة الكريمة ) إعادة تقدير موقف ، وتغيير استراتيجيات ، وتجديد أساليب ووسائل وأدوات ولكن ....

في فقه الواجبات الكفائية يتحدث الفقهاء عن إثم من يدير ظهره للغريق والحريق ، ويعجز مثل القاتل قابيل أن يواري سوءة أخيه . في الفقه المغلوط التي تربت عليه أجيال عصرنا ، يخال الكثيرون أن الواجبات العينية الفردية أبلغ في الوجوب من الواجبات الكفائية الجماعية !! مع أن قصارى ما يترتب على الإخلال بالواجب العيني الفردي مفسدة فردية ، بينما الذي يترتب على الإخلال بالواجب الكفائي الجماعي مفاسد أو كوارث جماعية تئط تحت عبئها كواهل الكثيرين .

ولا يظنن احد أنه ينجو من مسئولية مما يجري على أرض الشام ، لمجرد أنه كُفت أو غُلت يده أو شُد لسانه بنسعة فأبى أن ينادي : أمعشر تيم أطلقوا من لسانيا ...

من حصار داريا نضر الله وجوه أهلها ، إلى حصار الوعر ، إلى المعركة التي لم تتوقف على القطاع الشمالي للثورة في حلب وإدلب والساحل الشمالي منذ أعلن ديمستورا هدنته الكاذبة الرثة في 29 / 2 / 2016 هناك مستجدات يومية لا يتأخر عن تلبيتها والتفاعل معها الأسدي والروسي والإيراني .. وتظل نائمة عنها ( المعارضة الكريمة ) ، وكأن الأمر الذي يفزع له الروسي ، ويطير له الإيراني (قاسم سليماني) أو (علي أكبر ولايتي) لا يعنيها ، أو هو أصغر من أن يفكر فيه من هم في مقام العظام من كرامها !!

ويعتذرون بالعُدم ويتكاثرون :

كم قُتل من جنرالات إيران في معركة خانطومان ؟! وكيف قتل القائد الحزبلاوي مصطفى بدر الدين في محيط مطار دمشق ؟! وهذا الذي تتكاثرون به – رجالَ المعارضة الكريمة - يثبت شيئا واحدا أكيدا حضور أعدائكم وغيابكم . فعلهم وعجزكم .

أنتم يا من تزعمون أنكم أصحاب القضية ، وأم الولد الحقيقة ، ورعاة الثورة وممثلوها والقائمون على أمرها ...

كم ماريشال وجنرال وكولونيل على طريق الثورة التي تزعمونها ثورتكم قدمتم أو بذلتم أو فقدتم ؟! ألا ليتكم تعلمون إذ تظلون تعتذرون بالعُدم أن موت الصادقين : قليل الكلفة حين يراد كبير الأثر حين يكون ...

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

======================

جنون آخر... لتصفية الفصائل السورية .. زهير قصيباتي

الحياة

الاربعاء 11-5-2016

ستنجح روسيا في الضغط على النظام السوري، وبدلاً من إلقائه مئة من البراميل المتفجّرة فوق رؤوس المدنيين في حلب وريفها، سيكتفي بخمسين أو ستين... ولكن لفترة هدنة فحسب، لا تتجاوز بضعة أيام. يدرك النظام أن كل ما يقال عن ضغوط أميركية على موسكو لكي تلجم اندفاعه إلى التصعيد، هو مجرد ثرثرة، وأن إيران لن تتركه مجرد ورقة في يد الروس، إذ تتوعّد بالثأر ل «كارثة» قتل «مستشارين» من جيشها في سورية. فمزيد من التورُّط الإيراني في الحرب القذرة وفي إدارتها، يهيئ طهران لطلب الثمن، حين يحل وقت اقتسام مغانم الصفقة.

لا شيء يوحي بأن النظام السوري قلِق من النيات الإيرانية، بل هو مطمئن إلى تقاطع مصالح موسكو وطهران في تمديد الحرب، و «ذبح» الفصائل المقاتلة المعارضة، فيما الغيبوبة الأميركية ستطول إلى ما بعد دخول خليفة باراك أوباما البيت الأبيض.

يدخل تنظيم «القاعدة» فجأة على الخط، لينافس «غلاة الخوارج» في «داعش»، والرابح لا بد أن يكون النظام هذه المرة أيضاً، والمتضرر الأول هو الشعب السوري المنكوب الذي يقتله النظام والروس والإيرانيون و «داعش» و «القاعدة»، لمحاربة «الإرهاب»!

في ريف اللاذقية، يدعونا القيصر فلاديمير بوتين إلى الاحتفال معه بذكرى الانتصار على النازية، في قاعدة «حميميم»، كأن أراضي سورية باتت إقليماً روسياً، مثلما تعتبر طهران أنها تدفع ثمناً باهظاً لعدم التفريط ب «محافظة إيرانية».

ما علينا سوى أن نصدّق بوتين ونصفّق له حين يذكّرنا بأن الحضارة البشرية تواجه «الوحشية والعنف»، لكأنّ ما يفعله حليفه النظام في دمشق لا يتعدى رشق مواطنيه بالورود، على إيقاع سمفونيات الكرملين. أما وزير الخارجية الأميركي جون كيري الذي يبدو لاهثاً، يحصي الأيام ليسلّم ملفات جريمة التواطؤ الكبرى إلى مَن يخلفه في الإدارة الجديدة، فلعله يُدرك أن لا أغبياء في العالم يثقون بحسن نية واشنطن، وتألُّمها لضحايا المجازر في سورية... أو قلقها على مصير ملايين، معلّق بين القنابل والجوع.

لا حاجة مجدداً لتعداد أدلة على كارثة الإفلاس الأخلاقي- الإنساني في إدارة السياسة الدولية. وإذ يبرع القيصر في الدعوة إلى «منظومة أمن عصرية» لمواجهة أخطار «أولها الإرهاب»، يضلّل العالم عمداً في تجاهل المآسي والكوارث التي نجمت عن دعم المحور الروسي- الإيراني الاستبداد في سورية.

أما البحث في منظومة الأمن «العصرية»، فلا بد أن يعيد إلى الذاكرة تباهي بوتين باختبار جيشه «البطل» أسلحة حديثة، مستخدمة دماء السوريين حقل رماية... وتباهي الصناعات العسكرية الروسية بجني أرباح وفيرة في المنطقة العربية، من خلال صفقات السلاح. تلك المنظومة العصرية، توسّع المصالح، والمقابر.

موسكو وواشنطن شريكتان في التضليل، وحين تتوعّد إيران بأنها و «روسيا وسورية وحزب الله» لن تترك ما حصل في حلب (قتل «مستشارين» إيرانيين وأسر آخرين) بلا حساب، أيُّ قيمة تبقى لأي هدنة؟ وحين تلتزم الولايات المتحدة «زيادة الدعم لحلفائها الإقليميين» لمساعدتهم في منع «تدفُّق المقاتلين والأسلحة أو الدعم المالي للمنظمات الإرهابية، عبر حدودهم»، ألا تكون تركيا تحت مزيد من الضغوط الأميركية، خصوصاً رضوخ واشنطن لذرائع موسكو؟

التسوية بعيدة حتماً، فلا القيصر يكشف أهداف سياسته أو استراتيجيته- إن كانت هناك استراتيجية- ولا البطة الكسيحة في واشنطن ستبادر قبل نهاية السنة إلى التكفير عن نهج «دع العرب يقلعون أشواكهم بأيديهم»، وهو برنامج خديعة حتماً.

وأما انتظار «المعجزة» بعد الانتخابات الأميركية فهو ذروة العبث والوهم، إن فازت هيلاري كلينتون يرجّح تمديد فصول المذابح، وإن انتصر دونالد ترامب، تقدّمت احتمالات نقل السياسة الأميركية من مرحلة انعدام الوزن الى حقبة جنون تغذيه أحقاد البليونير على المسلمين.

جميعهم «مشبوهون» بالإرهاب، لا يخفي ترامب طموحه إلى نفخ العضلات الأميركية مجدداً. وفي الحالين تضيع حقائق الاستبداد والعدالة، وتنتصر الغرائز في بحور الدماء.

270 ألف قتيل في سورية، في مرحلة التفاهمات الأميركية- الروسية. بين اندفاعة القيصر وجنون العظمة لدى البليونير، أي نهاية لنفق الظلام؟

======================

خان طومان.. جمعت مجد نصر ذي قار ونهاوند وتشالديران .. د. أحمد موفق زيدان

 ترك برس

الاربعاء 11-5-2016

سيُسجل التاريخ بأحرف من ذهب وبأحرف من دماء الصفويين أن معركة خان طومان التي خاضها أبطال جيش الفتح كانت مفخرة العرب والمسلمين، فقد أعادت أمجاد ذي قار ونهاوند وتشالديران، بعد أن تجسد فيها الحلف العربي الإسلامي الشعبي  بشبابه بعيدًا عن دوله والتزاماتها الدولية المرهقة، سيُسجل التاريخ أن فتية من الشباب الأبطال أذاقوا صفويي العصر مُرّ الكأس جعلت كبار قادتهم يهرعون إلى الشام من أجل الانتقام، فكان الانتقام الشامي المضاد  لحلب والغوطة وبانياس وحمص وكل بلدات الشام، ومعها كل بلدات العراق واليمن فسقط العديد منهم قتلى وجرحى وأسرى.

الصراخ على قدر الألم، ولذلك كان صراخ قادة الصفويين شديداً وعالياً بالأمس على هذه المجزرة التي لحقت بهم والتي أوقعت بحسب المصادر الرسمية 13 قتيل وأكثر من 21 جريح، بينما تتحدث المصادر الإيرانية الأخرى عن سقوط أكثر من ثمانين قتيلًا ومعظم القتلى من قوات النخبة المنتمية إلى محافظة مازندران المعروفة بشراسة مقاتليها منذ الحرب العراقية الإيرانية.

وكعادة الصفويين ألقوا باللائمة على تركيا التي تسمح لمن تصفهم بالإرهابيين بالعبور عبر أراضيها، ويكذبون مرات ومرات وكأنهم هم من الميدان والقصاع وليسوا أعداء غزاة محتلين مجرمين قدموا لتدنيس أرض الشام، التي لم تعد تنظر إليهم إلا على أنهم أدوات وأحجار شطرنج على رقعة روسية  أميركية…

سعت وكالة تسنيم شبه الرسمية الإيرانية إلى اتهام أنقرة بتسهيل حركة المسلحين ودبابتهم وعبر ممر سري طوله 2 كم من حدودها، كلام مهزلة ومسخرة ومضحك، ومن المعيب أن يقوله إنسان سوي، فالكل يعلم أن جيش الفتح وثوار الشام يسيطرون على محافظة إدلب ومعظم محافظة حلب وبالتالي ليسوا بحاجة إلى تركيا ولا إلى سطح القمر ليتحركوا من خلاله ويحركوا معداتهم العسكرية الموجودة أصلاً في مناطق النزال.

تحالف الروسي المجرم مع الصفوي الأجرم ومعهما حثالاتهما الطائفية والمليشياوية وذلك للثأر لهزيمتهم التي مرّغت كرامتهم وجبروتهم بتراب العيس وخان طومان، فقصفوا المنطقة بأكثر من تسعين غارة جوية ولكن مع كل هذا ثبت ليوث الإسلام أحفاد ذي قار ونهاوند وتشالديران، وعلى الرغم من كل الهجمات التي شنها وقادها المجرم قاسم سليماني إلا أنها باءت بالفشل بفضل الله ثم بجهود أبطال جيش الفتح الذين قدموا صورة مشرقة عن تحالف الجماعات الجهادية والثورية وعن مدى ثمرة الوحدة والاتحاد مهما تكالب الأعداء والغزاة، وقدموا دروسًا للثوار والمجاهدين الآخرين في الشام على أن الوحدة تصنع الأعاجيب، وكذلك على أن القتال والسلاح هو من يحسم المعركة لا التفاوض في جنيف واستجداء القاتل المجرم في أن يُنعم عليك بفتات حل وبكسرة سلطة.

الكلمة الفصل في معركة خان طومان وما بعدها بإذن الله أن الثورة الشامية لم يعد أعداؤها بمستوى دول إنما هي أدوات كإيران ولا مليشيات طائفية تستخدم ضمن الألاعيب الدولية مثل حزب الله وغيره، الثورة الشامية اليوم فرضت أجندتها على قوى عظمى، أو هكذا تسمى حتى الآن،  ولذا مع الغزو الروسي للشام لم يعد هناك كلمة لإيران ولا لأدواتها، وما على تركيا وغيرها إلا أن تستثمر اللحظة التاريخية بدعم قوي وفعال لأبطال الشام ليعيدوا مجد ذي قار ونهاوند وتشالديران وقد أعادوا بعضه في خان طومان، فسلام عليكم أيها الأحرار يوم انتفضتم ضد الظلم ويوم قاتلتم الغزاة الروس والإيرانيين المحتلين ويوم انتصرتهم في ذي قار العرب ونهاوند وتشالديران الإسلام…

======================

لماذا تدعم أمريكا بشار الأسد؟ .. محمود القاعود

ترك برس

الاربعاء 11-5-2016

منذ انطلاق الثورة السورية في 15 آذار/ مارس 2011م، وبشار الأسد شبيح الشرق الأوسط يحظى برعاية خاصة من الولايات المتحدة الأمريكية، رغم كل التصريحات العبثية الصادرة من البيت الأبيض عن ضرورة "رحيل الأسد" وتصريحات أوباما عن أن استخدام عصابة بشار للأسلحة الكيميائية بمثابة "خط أحمر" لن يسمح لبشار بتجاوزه!

استخدمت أمريكا مبدأ جوزيف جوبلز وزير الدعاية والإعلام في حكومة ألمانيا النازية بقيادة هتلر "اكذب ثم اكذب ثم اكذب، فإنك لابد واجد من يصدقك"! فادعت أنها ضد بقاء بشار الأسد، بينما تمده بالسلاح والمال... ادعت أنها مع سوريا ديمقراطية بينما تدعم أكبر ديكتاتور عرفه التاريخ... ادعت أنها تحترم خيارات الشعوب... فانتهكت خيار الشعب السوري الذي رفعه ملايين السوريين: بدنا حرية.

يوم استخدم بشار الأسد السلاح الكيميائي 21 آب/ أغسطس 2013م ضد أهل الغوطة وجلهم أطفال ونساء تجاوزوا الألف وخمسمائة ضحية، توقع أنصار أمريكا بالعالم العربي  أن تتحرك الأساطيل والجيوش للقبض على بشار... فقد تجاوز الخط الأحمر الذى تحدث عنه أوباما... ومرت الأيام دون أن تتحرك أمريكا... وزعم البيت الأبيض أنه يحقق في الأمر... ثم تحول الموضوع إلي كوميديا سوداء... صاغته الدعاية الأمريكية هكذا: "اتهامات متبادلة بين النظام والمعارضة باستخدام الكيماوي"!

ازداد بشار شراسة بعد محرقة الكيماوي، وأخذ يلقي ببراميل البارود بالليل والنهار فوق المستشفيات والمنازل والمساجد والمدارس، وعلي الأرض يرتكب زبانيته مجازرا مروعة بحق السوريين في كل الأماكن ويمارسون التعذيب الذي يُفضي للموت في المعتقلات عن طريق قطع الأعضاء وفقء العيون وبقر البطون، لم يهتز جفن بشار لأنه يمتلك صك الغفران الأمريكي، الذي يُخوّل له إبادة المسلمين في سوريا وإحلال شيعة إيران وأفغانستان والعراق ولبنان وباكستان محل السكان الأصليين، تمامًا كما فعلت عصابات الأنجلو ساكسون مع الهنود الحمر.

والسؤال الذي يطرح نفسه... لماذا هذا الاستقتال الأمريكي في دعم بشار الأسد؟

والإجابة يحددها مفهوم الأمن القومي الأمريكي الذي يضع أمن إسرائيل في قمة هرم أولوياته، وبالتالي فإن الأمريكان يرون أن بشار موظف الاستخبارات الأمريكية يحافظ علي أمن إسرائيل، وترك الجولان المحتل الذي باعه والده المقبور حافظ الأسد في إطار صفقة يتولي خلالها رئاسة سوريا، وبالتالي إقامة دولة إسلامية علي حدود إسرائيل بمثابة الكارثة الكبرى، لأنه عقب انتصار الثورة ستتوجه الأنظار إلى الجولان المحتل والمطالبة باعادته، كما أن الأيديولوجية الإسرائيلية الراديكالية، تقوم على كتابات توراتية موغلة في الإقصاء والتطرف، وترى أن "مملكة الرب" تشمل سوريا.

إن سقوط بشار الأسد يعني سقوط كل الديكتاتوريات العربية، وهذا يعني طرد عملاء أمريكا من السلطة، وهو سيناريو يسعي البيت الأبيض لمنعه بكل قوة حتى لو تنكر لكل الخطابات الزائفة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة.

لا شك أن طريق الثورة السورية معبّد بالأشواك... لكنها حتما ستنتصر... فهذا وعد الله لعباده الذين أطلقوا شعارهم الخالد: يا الله ما لنا غيرك يا الله.

======================

علمانية تحترم الدين .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الثلاثاء 10-5-2016

هناك بلدان "علمانية" يصون نظامها الحقوقي الدين: بتركه لقيمه وإدارة شؤونه بواسطة مؤسساته، وحمايته من المجال السياسي، ومما يشوبه من عنف، ويهيمن عليه من كذب وفساد وتلاعب بالحقائق، وتخريب للأنفس والعقول والأرواح.

تسوس هذه البلدان "العلمانية" حكوماتٌ تحمل أسماء دينية، تشكّلها أحزابٌ تسمي نفسها مسيحية. تسقط هذه الحقيقة وهماً شائعاً في بلداننا، يعتقد أصحابه أن العلمانية لا تكون إلا إلحادية أو كفرية، وأنها معادية حتماً، وفي جميع حالاتها ووجوهها، للدين ورجاله. وتتمسك بعض الأوساط عندنا بهذا الاعتقاد، على الرغم من وقائع كثيرة جداً، تؤكد أن قسماً كبيراً من العلمانيين والمؤمنين بالنهج العلماني يؤدّون صلواتهم بانتظام، في أماكن العبادة وبيوت الله، على الرغم من تمسكهم بإنكار حق رجال الدين في اعتبار السياسة شأناً دينياً، وفي تقرير شؤونها من خارج مجالها القيمي والمعياري والمفاهيمي الخاص، لإيمانهم أن للدين معايير وقيماً لا تنتمي إلى المجال السياسي، وأن  مؤسساته لا يجوز أن تنفرد بتعيين هذا المجال، أو بالتحكم فيه ، أو أن تحدّد طبيعة الإرادة السياسية العامة التي تتشكل، وتفصح عن نفسها خارج حقل الدين والفكر الديني، وما يتركانه في الوعي البشري من آثار وبصمات.

يقول أعداء العلمانية إن المسيحية ليست كالإسلام، فهو دين ودنيا، أما هي فشيء آخر، دين مرة ودنيا مرة أخرى. بطابعها هذا، يضيف هؤلاء، أجبرت المصالح الدنيوية، أي السياسية، المسيحية، ممثلة في الكنيسة، على التخلي عن تقرير سياسات الدولة الحديثة، دولة القانون الوضعي وحقوقه الطبيعية والمكتسبة، الذي مارسته بابوية روما وبطريركية القسطنطينية عشرة قرون. تُرى، ألا تدحض هذه الحقيقة التاريخية المثبته رأي من ينكرون أن المسيحية لم تكن ديناً ودنيا؟.

"تدور العلمانية حول الإنسان وشروط وجوده وحريته، ويستخلف الإسلام هذا الإنسان في الأرض، جاعلاً منه محور الدين والدنيا"

تقوم الدولة الإسلامية، في رأي أنصارها، على الشريعة، وهي قانون إلهي يمد المسلمين بضماناتٍ وحقوقٍ مقدسة، تسمو على أية حقوق وضعية، تتذرّع الدولة بها في الغرب، لكي تخرج الدين من السياسة، أو تهمش دوره فيها.

بما أن فصل الدين عن الدولة هو وجه العلمانية السياسي، وجانبٌ منها وحسب، قوّضت قوى السياسة الحديثة، بواسطته، طغيان كنيسة كانت طوال قرون ديناً ودنيا، مؤسسةً سياسيةً وإلهية في آن معا، فإن هذا الوجه، السياسي/ العملي لا يحجب حقيقة أن للعلمانية مضموناً فلسفياً يتخطى التمييز بين مجالين، أحدهما إلهي/ مقدّس، والآخر دنيوي/ وضعي، من المنطقي أن يحترم الفاعلون، في كل مجالٍ منهما، خصوصية المجال الآخر، من دون أن يتسم موقفهما بالعداء، أو يُقصي أحدهما الآخر، ويخرجه من المجال العام من جهة، أو يقيد حضوره داخل مجاله الخاص، أو يحول بينه وبين المشاركة في الشأن العام وأنشطة الدولة الحديثة من جهة أخرى، انطلاقاً من موقعه الخاص الذي يجعله يرى السياسة، ويمارسها في ضوء قيمه ورهاناته. بقول آخر إن العلمانية لا تفصل الدين عن المجتمع والسياسة، أو عن الإنسان، بل تؤكد فلسفياً على موقعه المركزي في علاقته بالإلهي وبالطبيعة والمجتمع، وتبرز قدرته على تملك العالم فكرياً، بطرق عقلية وعقلانية، مختلفة عن التي يتملكه بها العقل الديني، وعلى تغييره بوسائل وأدوات دنيوية، لا يجوز للفكر الديني الانفراد بإملائها، أو تقرير طابعها وتطبيقاتها. تقول العلمانية إن الإنسان ليس الله، والله ليس الإنسان. والدين ليس الدنيا، والدنيا ليست الدين. والعالم ليس الجنة، والجنة ليست العالم. لكن هذا لا يعني أن الإنسان لا يعرف الله، ولا يحتاج إليه، وإلى الايمان بالقيم التي أنزلها على أنبيائه ورسله.

 

بتحرّر الإنسان من الكنيسة (وليس الدين)، وبفصله ما هو إلهي عن السياسة ومصالحها وتناقضاتها وأمزجة رجالها ودنيوياتهم، لم يعد في استطاعة المؤسسة الدينية، أو المشيخية، استخدام الديني والمقدس، وتالياً الإلهي، لخدمة مصالح يفتقر كثيرٌ منها إلى القداسة، أو يتفق مع الدين وقيمه، وانفصل الإلهي عن هذه المصالح، وتحرّر منها، الأمر الذي أفقد المؤسسة الدينية قداستها المزعومة، ومكّن الإنسان من الإيمان بخالقٍ لا يشبهه أحد، وجعله قادراً على عبادته بنزاهةٍ وتجرّدٍ وحرية، وعلى تملكه داخل كيان الذاتي الخاص الذي صار حرّاً لأسبابٍ، بينها تقليص دور الكنيسة السياسي، المعتبر، كذباً، جزءا من دورها الديني الذي أصابه تغير جذري مع الحروب الصليبية، وإصلاح مارتن لوثر الديني، أوائل القرن السادس عشر، وما ترتب على الحروب الدينية التي أعقبته من إبادةٍ طاولت ملايين الناس في طول أوروبا الوسطى والشمالية وعرضهما، وجرّدت الكنيسة مما كانت تدّعيه من طابعٍ إلهي ومقدّس، وأخذتها إلى حاضنةٍ تاريخية/ إنسانية، تخلقت العلمانية فيها تدريجياً، تطور بفضلها معنى ومضمون جديدان للقداسة، استناداً على احترام حق الإنسان في أن يكون مستقلاً عن الكنيسة والمذاهب الدينية المؤسسية، وعلى رؤية الدين بدلالة حرية فكر ومعتقد فردٍ يبتعد عن كنيسةٍ قيد بحريته قدرتها على انتهاك حرمة البشري والإنساني، في ممارساته ومعتقداته الدينية التي اكتسبت بعداً شخصياً متزايداً.

بذلك، بلغ الإلهي أوج تجرّده مع العلمانية، ومثله الإنساني. بينما فقد الدين الكنسي، والمؤسسي، قدراته وطابعه الإكراهي، المفروض بقوة قداسة مزعومة، واقترب من الإلهي من أنسنةٍ صحّحت علاقة المؤمن بخالقه ومكانه منه. ومع أنه كان من الطبيعي أن يشتط بعض العلمانية ويؤله الإنسان، فإن العائد الذي ترتب عليها في الفكر والواقع كان لصالح أطرافه جميعها: الله والإنسان، المؤسسة الدينية والدولة.

"هل يراجع أعداء العلمانية موقفهم منها، ويراجع أعداء الدين موقفهم منه، في ضوء ما هو مشترك بينهما: مكانة الإنسان المركزية في الوجود التي تؤكدها العلمانية، ويضعها الإسلام في موقعٍ لم تبلغه قبله أو بعده"

يرى رأي عام واسع عندنا في العلمانية إلحاداً وإخراجاً للدين من الدنيا. على الرغم من ذلك، ليست العلمانية إلحادية، وهي تؤمن باستحالة تخطي الدين في حياة المجتمع والفرد، وتعتقد أنها بما تمنحه للإنسان من حقوق تحفظ الإسلام، كدين تسامح وتفاعل إيجابي مع الآخر، وتوطّنه بصور جديدة في الدنيا. لا داعي، إذن، لما يمارسه رجال دين مسلمون من تحريضٍ ضد العلمانية، ونزعتها الفلسفية وعائدها السياسي. الغريب أن هؤلاء لم يروا في الإسلام ديناً يشجع على العلمانية، وتجاهلوا ما يوليه للإنسان من احترامٍ ومكانة، وأنه استخلفه هو، ولم يستخلف المسلم، في الأرض، وكلفه بإعمارها وبعدم الإفساد فيها. كيف يحارب مسلمون العلمانية إن كانوا قد قرأوا الآية "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفةً، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها، ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك، ونسجد لك. قال إني أعلم ما لا تعلمون". ألم يفهموا معنى أن يستخلف الله الإنسان الذي قد يكون مسلماً، وقد لا يكون، وقد يكون مؤمناً وقد لا يكون، بعد أن فرّق القرآن الكريم بين الإنسان والمؤمن والمسلم، وجعل الثاني في مرتبةٍ إيمانيةٍ أصدق من مرتبة الثالث التي قد لا تكون حقيقية، حيث قال، في محكم كتابه، بوجود مسلمين غير مؤمنين: "قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا، بل قولوا أسلمنا، ولما يدخل الإيمان في قلوبكم". للإنسان بإطلاق، كاسم نوع، مكانة خاصة في الإسلام، تسمو على مواضعاته، كأن يكون مؤمناً صادق الإيمان، أو مسلماً منافقاً، أي غير مؤمن. هذه المكانة تعطى للمسلم إن كان مؤمناً. وبالتالي، إنساناً يعمر الأرض، ولا يفسد فيها. بالفصل بين الإنسان وبين المؤمن والمسلم، وباستخلاف الإنسان من دون ذكر مواصفاته الدينية أو الإيمانية، وبتفضيل المؤمن على المسلم، فكيف إن كان غير مؤمن. يدعو الإسلام إلى علاقةٍ مفتوحةٍ وحرة مع الإلهي، ويقرّ بمكانة الإنسان، بما هو إنسان وحسب في الدين، ويربط بينهما برباطٍ مزدوج: آخروي/ دنيوي ينزّهه عن النفاق والإيمان الكاذب. في حين، في المقابل، من شأن الإنسان الذي خصّه الله بالاستخلاف، وأسند إليه مهمةً محض دنيوية، تتصل بما يجب أن تكون عليه وظيفته الدينية التي ترضي خالقه، بغض النظر عن تعييناته الدينية: كان مسلماً أم مؤمناً أم لم يكن، عنيت إعمار الأرض وعدم الإفساد فيها.  

يرى الإسلام أن الإنسان لا يستطيع الخروج على ما قدّره الله له. لذلك، أي ضير في استخلافه، إذا كان قد زوده بالقيم التي تضبط موقفه من الأمانة التي حمّله إياها، وإليه المنتهى في نهاية الأمر، علماً أن أغلبية البشرية ليست من المسلمين، وأن الإسلام جاء رحمةً للعالمين: أي للمسلمين وغيرهم، وأنه يمنح رحمته للمؤمنين وغير المؤمنين به، فالدين للإنسان، كمخلوقٍ لا يتعين بأي معيار خارجه غير المعيار الإلهي الذي يسمو على معايير الدين، وإلا ما معنى أن يكون هناك مسلمون غير مؤمنين؟ السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا يمحو بعض رجال الدين هذا التفريق الذي أقامه الإسلام بين الإنسان والمؤمن والمسلم، ويتجاهلون أن الخالق استخلف الإنسان، ووضع المؤمن الذي ليس مسلماً بالضرورة، في مكانةٍ أرفع من مكانة مسلمٍ قد لا يكون مؤمناً، في النص القرآني الشريف؟

تدور العلمانية حول الإنسان وشروط وجوده وحريته، ويستخلف الإسلام هذا الإنسان في الأرض، جاعلاً منه محور الدين والدنيا، وكائناً يتعين، بوجوده وفاعليته، كل ما في الوجود، فهو سيده المكلف بعمرانه، ومنع الإفساد فيه، لأن عمرانه أعظم الإيمان، والإفساد فيه أفظع الكفر.

هل يراجع أعداء العلمانية موقفهم منها، ويراجع أعداء الدين موقفهم منه، في ضوء ما هو مشترك بينهما: مكانة الإنسان المركزية في الوجود التي تؤكدها العلمانية، ويضعها الإسلام في موقعٍ لم تبلغه قبله أو بعده. أليس استخلاف الإنسان في الأرض تكريماً لم يبلغه في أي دينٍ أو فكر سابق؟

======================

العرب في نظام دولي بلا خطوط حمراء .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 8/5/2016

العرب في نظام دولي بلا خطوط حمراء منذ أسبوع، أنتج البيت الأبيض تسجيلاً هزلياً يسخر فيه الرئيس الأمريكي باراك أوباما من نفسه، حيث يمثل هو شخصياً بشكلٍ كوميدي باحثاً في مشاهد متتابعة عن إجابةٍ لسؤال يُحيرهُ، ويتعلق بما سيفعله بعد انتهاء فترته الرئاسية مع نهاية هذا العام.

هذا نموذجٌ عما يشغلُ وقت الرجل الذي يملك أقوى منصبٍ سياسي في العالم في فترةٍ من تاريخ الإنسانية قد تكون الأكثر خطورةً وفوضى وحساسية، على الأقل في التاريخ المعاصر. وإضافةً إلى ماتحدثنا عنه سابقاً عن انهماكه في التحضير لمكتبته الرئاسية الخاصة، سيكون مُعبِّراً أن نعرف بعضاً من نشاطاته خلال الأسبوعين الماضيين، من خلال موقع البيت الأبيض على الإنترنت، والذي يحتوي باباً لنشاطات الرئيس اليومية، بمعنى أنه لايمكن أن يُغفل مايمكن أن يكون نشاطات هامة.

بشيءٍ من البحث سنرى أن السيد أوباما كان على مدى الأيام الماضية من النوع التالي: استقبال المعلمة الفائزة بلقب أفضل معلمة وطنية للعام 2016؛ العشاء الرئاسي الأخير لإدارة أوباما احتفالاً بعيد الفصح، المعروف في أمريكا بأنه «يوم العبور» اليهودي؛ تقديم «كأس الرئيس» لفريق كرة القدم الخاص بالبحرية الأمريكية؛ جمع مراسلين وصحفيين من مختلف أنحاء البلاد وإبداء الشكوى لهم من إعاقة الجمهوريين لعقد جلسة اجتماع رسمية بخصوص مرشحه للمقعد الشاغر في المحكمة الدستورية العليا؛ وأخيراً، زيارة مدينة فلينت في ولاية ميتشيغان للبحث في مشكلة المياه مع المسؤولين فيها شخصياً.

ثمة مواضيع عن نشاطات أخرى سيجدها زائر موقع البيت الأبيض في الخانة ذات العلاقة، لكن غالبيتها العظمى تتعلق بفعاليات ومناسبات داخلية يقوم بها مسؤولون وموظفون في الإدارة والبيت الأبيض. ونعرف أن أوباما عاد قبلها من زيارةٍ خارجيةٍ وداعية لأوروبا والشرق الأوسط، ومن المؤكد أنه قام بنشاطات سياسية إضافية بشكلٍ أو بآخر خلال هذه الفترة، لكن هذه اللقطة من جدول نشاطاته المُعلن تعطي صورةً معبرةً عن وضع كل رئيس أمريكي في العام الأخير من فترته الرئاسية، حيث يُصبح رئيساً شرفياً لاتسمح له الأعراف والتقاليد السياسية الأمريكية باتخاذ أي قرارات حاسمة، سوى حالاتٍ طارئة قصوى تتعلق بالأمن القومي الأمريكي، وبمفهومٍ ضيقٍ ومباشر.

ليس مهماً في هذا الإطار أن تسود في عالم اليوم درجةٌ من الهيولى لم تعد تُعرفُ معها حدودٌ وأعراف سياسية، وعسكرية وأمنية، يُصبح معها الوضع الدولي حقل تجارب لكل من اقتنص المعرفة بهذه الحقيقة، فشرب شيئاً من (حليب السباع) وامتلك الجرأة على الاقتحام والاختراق هنا وهناك.

ثمة نقدٌ جاهزٌ دوماً لكل من يصف الواقع العالمي الغريب الراهن على حقيقته. فهذه الحقيقة مخيفةٌ ومُفزعة ومدعاةٌ للقلق والتوجس والشعور بعدم الاستقرار، خاصةً لمن اعتاد على ضرورة أن يكون هناك (نظامٌ دولي)، بجزئيه المكتوب والعُرفي. وأي إيحاءٍ باختفاء هذا النظام، ولو لمدةٍ محددة، ولظروف تاريخية استثنائية، كما هو حالُ عالمنا اليوم، قد يكون مدعاةً لخروجه من (نطاق الأمان) الذي اعتاد على الدوران داخل فلكه الآسر. وكما يصف علماء النفس والاجتماع هذه الحالة على أنها من أكثر مايصيب الفرد بالارتباك والعجز، فإن هذا التشخيص ينطبق على الدول، وبشكلٍ أكبر أحياناً.

يصلحُ جداً كمثالٍ، له علاقةٌ أيضاً بوضع أوباما، مقطعٌ من جلسة استماع في الكونغرس الأمريكي منذ عشرة أيام، واجه فيه السيناتور ليندسي غراهام كلاً من وزير الدفاع آشتون كارتر والجنرال جوزيف دنفور، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، بخصوص سياسة أمريكا العسكرية في سوريا. في المقطع، الذي يستحق أن يسمعه كل مسؤولٍ عربي، أمطرَ الرجلُ المسؤولَين الحكوميين بأسئلةٍ صريحةٍ وواضحةٍ ومباشرة تتعلق بتخبط سياسة أوباما في سوريا والمنطقة، ومافيها من تناقضات وكذبٍ ونفاق وتهافت.

وبإجابات مترددة، ولغة جسدٍ مرتبكة، وألوان من التهرب والتبرير، وشعورٍ واضحٍ جداً بالتناقض بين رأيهم الحقيقي ومايجب أن يقولوه علناً، حاول المسؤولان الإجابة على الأسئلة. ببساطة، لأنهما موظفان لدى أوباما، في حين أن السيناتور مُنتخبٌ من الشعب. فرغم شيوع المعرفة بأن موظفي الرئيس الأمريكي المسؤولين عن السياسة الخارجية، ساسةً وعسكراً وأمنيين، لايوافقونه الرأي كلياً، إلا أنهم لايستطيعون التصريح برأيهم. أما عضو الكونغرس المُنتخب، فيملك كل الحرية ليفعل ذلك.

هو عالمٌ يعيش فيه العرب، أكثرَ من غيرهم، وفي منطقتهم، بدون قواعد ولاقوانين ولاخطوط حمراء حقيقية، مهما حاول موظفو الإدارة الأمريكية الإيحاء بغير ذلك. وليس أسعدَ من الأسد، مع الإيرانيين والروس، بهذا الوضع، وباستعداد العرب لتصديقه والقبول به.

هل يكون هذا قدراً لايمكن الفكاك منه ومن نتائجه؟ الجواب لدى التاريخ بالتأكيد. وربما عند بعض العرب.

======================

السوري وحبل الهدنة القصير .. عمر قدور

الحياة

الاحد 8/5/2016

إذاً، تمخضت مفاوضات أميركية روسية عن إقرار يومَيْ هدنة في حلب (مُدِّدت ثلاثة أيام)، بعد مرور أسبوعين على استهدافها المكثف بالقصف الذي طاول إضافة للبيوت والأسواق، المستشفيات ومحطة المياه الرئيسية. وفي الأصل لم يكن متوقعاً إقرار الهدنة لولا الضغوط الإعلامية المتصاعدة، والضغوط التي بدأت دول أوروبية وعربية ممارستها على ما يجوز تسميته بالتفاهم الأميركي- الروسي على استهداف حلب. يومان من الهدنة، بعد أسبوعين من القصف المتواصل المكثف، لنا أن نتخيل فيهما لهاث السوري الذي سيسعى إلى تأمين احتياجاته الضرورية تحسباً من دورة الوحشية المقبلة، وانتظار القدر المقبل بطائرة أو صاروخ، على البيت أو الشارع أو أي مكان آخر. يومان ربما لا يكفيان إلا لمن تتيسر له فرصة مغادرة الجحيم، وهي فرصة تكاد أن تكون مغلقة تماماً مثل الحدود السورية- التركية التي ردت آلاف اللاجئين في دورة القتل السابقة.

في العموم، يبدو ذلك معروفاً على نطاق واسع، ولا طائل من تكراره مجدداً، ولا جديد طالما أن ذلك السوري عاش خمس سنوات مماثلة في انتظار مقتله حتى تعايش معه كبديهية من بديهيات بقائه الطوعي أو الاختياري في البلد. ولكن، إذا قلنا إن الدم السوري كان طوال المدة الماضية يُستثمر في حسابات سياسية غير رحيمة، فإنه لم يكن موضوعاً على الطاولة كورقة ابتزاز مكشوفة. على الأقل، لم يكن ذلك يحدث بترخيص دولي واضح يتمثل في جعله إحدى مواد التفاوض، وجعل المقومات الضرورية لبقائه حياً مادة أخرى للتفاوض.

طوال سنوات، كان ممكناً حتى الاختلاف حول الاستثمار في الدم السوري، وكان ممكناً رد بعض المواقف إلى اللامبالاة أكثر من الاستثمار. هذا تغيرَ منذ بدء الإعداد لمفاوضات جنيف الأخيرة، فقبل وضع ما سمي اتفاق وقف الأعمال العدائية بدأ الشد والجذب حول موضوع الهدنة، وحينها وُضعت المعارضة في موقف الطرف الذي لا يريد الهدنة، أو الطرف غير الحريص على دماء السوريين، بناء على ربطها اتفاق وقف النار بالانتقال السياسي. وعلى رغم كل المآخذ المحقة في ما خص وفد هيئة التفاوض إلا أن الوقائع الحالية تثبت صواب مطلب الهيئة آنذاك، وصواب إلحاحها على إخراج دماء المدنيين من البازار السياسي الدموي الذي انطلق مع جلسات جنيف.

ينطلق الابتزاز الدولي من قسمة تبدأ بإعفاء النظام من مسؤوليته عن دماء السوريين، مع أنه ما زال يحتل مقعد سورية في الأمم المتحدة ويحظى بالشرعية الدولية وفقاً لذلك، وإلقاء تلك المسؤولية على المعارضة حصراً، مع غياب ظروف تمكينها من الناحيتين القانونية واللوجستية. مثلاً، تصريح وزير الخارجية الأميركي جون كيري الأربعاء الفائت يفيد بمعرفة أدق التفاصيل، إذ يشير إلى إزالة النظام الأدوية ذات الاحتياج الحرج والمستلزمات الجراحية من الشحنات القليلة التي أوصلتها الأمم المتحدة إلى المناطق المحاصرة، مع قوله إن هذا العمل يأباه «الضمير»!، من دون أية إشارة إلى خرق المواثيق الدولية المتعلقة بحماية المدنيين أثناء الحرب.

التسليم بالطبيعة الدموية للنظام ليس تشريفاً للمعارضة، إذ يُبنى عليه تسليم بعدم العمل لردعه أو الحصول على تنازلات منه، أو في أحسن الأحوال النظر إلى يومي هدنة هنا ويوم هناك بمثابة إنجاز للضغوط التي يُفترض أنها مورست على النظام وحلفائه. أخطر من ذلك تجزئة المتطلبات الإنسانية ذاتها بالتركيز في مجلس الأمن على عدم استهداف المنشآت الطبية حصراً، ما يضمر استهانة باستهداف المنشآت المدنية الأخرى، بما فيها منشآت ذات طابع شديد الحيوية والصحية مثل وحدات تكرير المياه، هذا إذا تغاضينا عن استهداف الأبنية والتجمعات السكنية أصلاً.

عار الصمت الدولي على مجازر النظام أصبح من الماضي. نحن الآن إزاء سعي دولي إلى تلبيس المعارضة والثورة هذا العار من خلال الابتزاز المرافق للمفاوضات. الإرادة الدولية تتجلى كأنها سرير بروكست، يتعين بتر ما يفيض عنه من السوريين، مهما بدت محاولة مطّ النظام ليصبح بحجم السرير محكومة بالفشل. إغراق المعارضة بتفاصيل الشحنات الإنسانية، وتفاصيل الهدنة المجزأة والممنوحة تقسيطاً، لا يجوز ردّه إلى إستراتيجية ماكرة للنظام أو حلفائه، فوفد النظام أعلن منذ جنيف 2 نيته إفشال المفاوضات الحقيقية بإضاعة الوقت بالتفاصيل. هذا الدرس تابعه العالم من خلال آليات التفاوض الإسرائيلية مع الفلسطينيين، وبالطبع الإدارات الأميركية أعلم بها من الجميع.

تجزئة الهدنة وتقسيطها هما بمثابة خدمة للنظام، ففي ما عدا الخروق التي يقررها مع حلفائه صار متاحاً له برعاية أممية التعامل مع خصومه تقسيطاً، وتجميع قوته لاستهداف أكثر منهجية للمناطق ذات الأولوية، بخلاف حالة الاشتباك العامة التي أنهكت قواه طوال السنوات الماضية. واضح أيضاً أن أولويات النظام لا تزعج الإدارة الأميركية، كما ظهر في مدينة حلب بخاصة، فمخطط طرد المقاتلين من المدينة إلى الريف يمكن استغلاله لوضعهم في مواجهة «داعش» فقط، بعد فشل الإدارة في تدريب قوات تتعهد قتال التنظيم من دون قتال النظام.

بتعبير آخر، لا يعوّل التفاهم الروسي- الأميركي على مفاوضات سياسية جادة تفضي إلى انتقال سياسي، ومن ضمنه تشكيل جيش وطني يتكفل بمحاربة الإرهاب، كما هو معلن. وكلما تقدم الوقت سيزداد ضغط العنف والتدمير على المناطق الخارجة عن سيطرة النظام بغية تحقيق مكسب سياسي على طاولة التفاوض أو مكسب ميداني، أو الإثنين معاً. درجة العنف لن تكون على غرار ما عاشه السوريون طوال سنوات، بسبب إمكانية تركيزها على المناطق غير المشمولة بالهدن القصيرة والموضعية، وأيضاً بسبب حشد حلفاء النظام قوة نارية وبشرية غير مسبوقة استعداداً للحسم.

في الأمثال السورية يُقال: حبل الكذب قصير. كذلك حال الهدنة التي لا تمهد سوى لجولة أعتى من العنف، وهي بدل أن تكون أداة إنسانية تصبح سلاحاً فتاكاً تجاه ذلك السوري الواقع بين موعديها المتقاربين جداً. أما حدها الآخر فيُختزل بالطلب من الأهالي الابتعاد عن «الإرهابيين»، أي النزوح تحت التهديد وتحميل الحكومة التركية مسؤولية استقبالهم أو عدم استقبالهم. سورية المستقبل، كما يبدو، كيان يستلهم النموذج الإسرائيلي في تأسيسه، طبعاً باستثناء استلهام طبيعة الحكم الديموقراطية.

======================

عن حديث النهايات .. حسن شامي

الحياة

الاحد 8/5/2016

يبدو أن نهاية الحرب الباردة كانت أكثر بكثير من طي فصل بارز من التاريخ السياسي لعالمنا الحديث منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. هذا ما طمح الدعاة الجدد إلى تسويقه كفاتحة أو تأسيس لزمن جديد ذي مواصفات ثابتة تتعالى على منطق التاريخ وقواعد اشتغاله وتأويله.

فهناك إصرار، في معسكر المنتصرين أو الذين يحسبون نهاية الحرب الباردة انتصاراً شاملاً يكاد يكون وجودياً، على توسيع الانتصار بحيث يتحول إلى أرضية مناسبة لضخ مقولات وأدبيات لا تتردد في الإعلان عن نهايات أخرى. وكما يحصل غالباً في المناسبات المرشحة للتأسيس عليها تضخم الانتشاء بالمناخ الاحتفالي والانتصاري فجرى استعراض دعوي لنهايات تطاول حقولاً كبيرة احتضنت تقريباً كل عناوين المناظرة الفكرية والسياسية طوال ثمانية عقود في أقل تقدير. هكذا جرى الإعلان عن «نهاية التاريخ» وإن كان صاحبها، أي فوكوياما، تراجع عن مقولته الدعوية هذه بعد أن صدمته وقائع صارخة كان من الصعب اعتبارها حوادث عابرة أشبه بحوادث السير.

نعلم أن مقولة نهاية التاريخ لم تعش طويلاً إذ سرعان ما ظهر طابعها الارتجالي واتصافها بالتسرّع المعهود في حلقات المنتصرين والمنتشين بسكرة الغلبة. مقولة «نهاية الإيديولوجيات»، وهي من أكثر المقولات أدلجةً، تعرّضت ولا تزال لاختبار قاس يكشف بالضبط مدى غلوِّها الإيديولوجي في المعنى السلبي والأولي للكلمة كتوصيف لتمثيلات كاذبة ومزيفة تسعى إلى تثبيت مصالح ومكانة أصحابها. والحق أن المقولتين المبشرتين بالنهايات السعيدة لا تعدمان الصلة بالمناظرة العريقة وما حفلت به من نزاعات وتشعبات حول تأويل «مقاصد» التاريخ والإيديولوجيا.

فمقولة نهاية التاريخ استفادت، لاعتبارات تخص أصحابها، من أزمة التاريخانية ونظرياتها الفلسفية التي بقيت تفترض أن للتاريخ معنىً ثابتاً وإن تفاوتت درجات مثوله والتعبير عنه، وله وجهة لا يحيد عنها مهما تنوعت التعرجات والانعطافات. وهذان المعنى والوجهة هما مداره الفعلي وهما ما يجدر بالباحث العثور عليهما وكشف غوامضهما. فالتاريخ في عرف الليبرالية هو حامل الحرية والعقل وأنوارهما وهو حاضن سردية تمددها وتقدمها وترسخها. أما في عرف الماركسيين على تنوع اتجاهاتهم فقد ظل التاريخ مساراً لحتمية التقدم والوعد الخلاصي ببناء الاشتراكية بناء مستنداً إلى المادية العلمية وصولاً إلى الشيوعية كفردوس أرضي تتحرّر فيه فكرة المساواة وفكرة العدالة الاجتماعية من أثقال الكذب البرجوازي وأقنعته البراقة وتزييف التناقضات العميقة التي تجعل محرك التاريخ الرئيس هو الصراع الطبقي.

هناك بالطبع مقاربات أخرى اعتبرت التاريخ، خصوصاً مع الفيلسوف الألماني نيتشه ومؤسس التحليل النفسي فرويد، مسرح رواية تراجيدية لصراع النوازع ما يجعل التاريخ حقلاً ينبغي الغوص في أعماقه.

لا مجال للتوسع هنا في مساهمات الرياديين الثلاثة الكبار، أي ماركس ونيتشه وفرويد الذين صاغوا أسئلة الحداثة النقدية واضعين موضع الشك الرواية السائدة. فهؤلاء الثلاثة اعتبرهم ورثة بارزون بمثابة مؤسسين لفلسفة الأعماق مقابل الرواية المتفائلة وعقلانيتها السطحية الموروثة عن عصر الأنوار. سنكتفي بالقول إن هؤلاء الثلاثة ساهموا بالتأكيد في إنشاء مقاربة معرفية ومفهومية للحداثة تختلف عن تلك المتناقَلة منذ النهضة الأوروبية وتحديد «الأنوار» كفضاء عقلاني بديل من ثقافة الخرافات وسطوة الكنيسة والأمراء المستبدين المستندين إلى «الحق الإلهي».

قد تكون الماركسية وإصرار دعاتها المتشددين على أفق خلاصي ورسولي للبشرية هو مآل التاريخ، تعرضت للسقوط في النزعة التاريخانية، فيما ظلّ مستلهمو نيتشه وفرويد أقرب إلى اعتبار التاريخ الفردي والجماعي مسرح صراع تراجيدي. في منظار هؤلاء الخائضين في حفريات المعرفة وآثارها يكمن المعنى في التراجيديا نفسها.

مقولة نهاية الإيديولوجيات جاءت كإعلان عن دفن ضروري وشبه استباقي لكل منظومات الدفاع عن المكتسبات الاجتماعية وأدبيات الاحتجاج والتظلم بدعوى انتسابها إلى زمن الحرب الباردة المنتهية صلاحية شرعيتها نهائياً وبصورة مطلقة. هذا الإعلان لا يخلو من التسرّع والارتجال. فسرعان ما اتضحت الخلفية التي صدرت عنها هذه المقولة التي اختلط فيها الغث والسمين. فقد كان المطلوب منها، ولا يزال، أن تزيل الحواجز والعوائق، الماثلة والمفترضة في آن، والتي من شأنها أن تعترض آليات تحرير السوق والربحية السريعة والمضاربات المالية وحركة وانتقال رؤوس الأموال. وظهر على نحو متزايد، خصوصاً مع الخضات التي مهدت للأزمة المالية العالمية واللجوء إلى سياسات التقشف، إن مقولة نهاية الإيديولوجيات هي من مستلزمات التسويق الدعوي والإيديولوجي لحرية السوق وتجويف الحركات الاجتماعية وحاضناتها النقابية وتقليص دور الدولة، تحديداً دولة الرعاية وتوزيع الثروة بطريقة عادلة نسبياً. في هذا السياق ينبغي النظر إلى تزايد الطلب، في معسكري اليمين واليسار التقليديين وعلى أطرافهما، على المقاربة الجذرية للمشكلات المتولدة.

حديث النهايات المعلنة يخفي نهايات أخرى. أبرز هذه النهايات المحجّبة هي نهاية الفقر والفقراء كشرط إنساني ووضعية اجتماعية قابلين للتغيير. وينطبق هذا على صورة الغنى والأغنياء، بطبيعة الحال وبمقتضى العلاقة الجدلية بين المكانتين والوضعيتين. بعبارة أخرى، ما يسعى حديث النهايات إلى تثبيته في المخيلة والوجدان البشريين هو أن تحرير السوق ومنطق الربحية من الضوابط وكل ما ينجم بالضرورة عنهما من ازدياد الفوارق الاجتماعية واتساع الهوة واللاتكافؤ، تبقى كلها من «طبيعة» الأشياء بحيث يصبح الاشتباه بسويتها، ناهيك عن الاحتجاج عليها، ضرباً من الضلالة. وإذا كانت نهايتا التاريخ والإيديولوجيات تحتملان قدراً من الوجاهة بدعوى صدورهما عن الحرب الباردة، فإن نهاية الصورة المعهودة عن الفقر والثراء في أدبيات وتمثيلات الحداثة الكلاسيكية، يحتاج تسويقها إلى قدرات إرشادية وتربوية هائلة كي لا يتبدى وجه الصلف المقيم فيها. في هذا المعنى لا ينبغي أن نتفاجأ بازدياد الطلب على الديني وما يناظره. فالأمر يتعلق بتثبيت حقائق اعتقادية وإيمانية مغلفة بلغة العقلانية الحديثة.

لم يعد هناك فقراء. هناك بشر معدمون بلا مال وبلا مكانة. منطق الأمور يدفع إلى التعامل معهم بوصفهم عبئاً ينبغي تحمله بأقل الخسائر. ولم يعد هناك أغنياء بالمعنى الطبقي، والبرجوازي الكلاسيكي، للكلمة. هناك بشر يملكون ثروات ورثوها بطريقة طبيعية عن أنفسهم. ومن طبيعة الأمور أيضاً أن يتمتع هؤلاء بنجومية استحقوها فيما يلتحف الفقراء بعتمة الهامشية والإقصاء. وكلما ازداد منسوب الريعية ازداد الصراع على المنظورية والظهورية.

======================

جذور سياسات الاستئصال والإبادة وإدارة التوحش .. برهان غليون

العربي الجديد

الاحد 8/5/2016

في أثناء الأزمة التي عصفت بالجزائر في التسعينيات، بسبب تلاعب حكومة سيد غزالي (5 يونيو/ حزيران 1991- 8 يوليو/ تموز 1992) بالاستحقاقات الانتخابية، بدعم مباشر من القادة العسكريين الذين كانوا يسيطرون على مقاليد السلطة في البلاد، ويتعاملون معها، كما لو كانت مزرعتهم الخاصة. وبعد اعتقال أكثر من سبعين ألفاً من جبهة الإنقاذ الوطني الإسلامية، قلت لأصدقائي الجزائريين وزملائي في معهد العلوم الاجتماعية: إذا انقلب الجيش على العملية الانتخابية هذا شأنه. لكن، إذا قبلت القوى الديمقراطية واليسارية بهذا الانقلاب، وأيدت الجيش، فلن تكون هناك بعد اليوم إمكانية لقيام حياة سياسية حقيقية بعدها. سينفرط عقد الجماعة الوطنية، كما ينفرط الحليب المغشوش. والسبب أنه لن تكون هناك بعد ذلك قاعدة ممكنة للحكم، أو معيار سياسي يحتكم إليه في ضبط سلوك القوى والجماعات، سوى معيار القوة، ومنطق الحرب وإدارة العنف. وبالتالي، التضحية بالسياسة نفسها بوصفها نشاطاً إبداعياً ومستقلاً لتنظيم الشؤون الجماعية وحسم الخلافات بين القوى الاجتماعية والسياسية.

وعندما سألني بعض الطلبة المتعاطفين مع جبهة الإنقاذ، وكنت في ندوة حول الديمقراطية في جامعة مونريال في كندا، عن رأيي في الوضع الجزائري، قلت إن أهم شيء الآن ألا تلجأ جبهة الإنقاذ إلى السلاح، لأنه سيقدم للطغمة العسكرية التي صادرت حياة الجزائر السياسية الذريعة والتبرير المطلوبيْن للقضاء على الحركة الشعبية، وإخضاع المجتمع بالقوة، وتلقينه درساً يردعه عقوداً طويلة عن التفكير في السياسة، أو توخي أي خير فيها، باسم التصدي للتطرّف والظلامية الدينية.

ما حصل هو عكس ما تمنيت تماماً في الحالتين، فقد تبنى اليسار الجزائري، بغالبيته، موقف دعم سياسة القوة والاستئصال التي اتبعتها الطغمة العسكرية، وسقط الإسلاميون تحت إغراء الاحتكام للسلاح. فعل اليساريون ومجمل التحديثيين ذلك اعتداداً بقوة حصان رهانهم، وسلاح حليفهم الأمضى في الجيش وأجهزة الأمن، والإسلاميون اعتداداً بكثرتهم العددية والجماهيرية. واضطر كلاهما إلى هجر المسرح السياسي، بينما كان الرابح الوحيد هو السلالة العسكرية وأعوانها.

وكانت النتيجة الأخطر تكريس القطيعة بين النخبة الحاكمة وتخليدها، وهذه النخبة، هنا، خليط

"ليس أمامنا سوى خيار واحد: بين حياة سياسية ديمقراطية، أو شبه ديمقراطية نتعاون ونتصارع على تطويرها وتحسينها، أي بين تعلم السياسة، أو نغرق في الحرب الأهلية" من العسكر وملحقاتهم من المثقفين والسياسيين الوصوليين، ومن مافيات المال والأعمال، لا برنامج لها سوى وضع البلاد في خدمة مصالحها الخاصة، من جهة، والأكثرية الشعبية أو عامة الشعب من جهة ثانية، وإجهاض مشروع أي تغيير سياسي، وتحنيط المجتمع في أقماط وصيغ الحكم الأمني العقيمة التي ستشل الحياة السياسية الجزائرية زمناً طويلاً، وتفرغها من من مضمونها، وتقضي، بالمناسبة نفسها، على أي تفاعل بين النخب الاجتماعية والشعب، وتقوّض أي أملٍ بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتقصر خيارات هذه النخب ومشاريع المستقبل على خيارٍ واحد، هو الإثراء ومراكمة الأرباح والريوع والغنائم الشخصية، من دون أي مبدأ أو عقيدة أو مشروع آخر. بالتأكيد، لم يكن لدى أحد أي وهم حول احتمال أن تقود هذه الانتخابات نحو نظام سياسي ديمقراطي، يؤسس لمبدأ المواطنة المتساوية والقانونية، ومن ورائها لولادة الأمة الجزائرية، كما لم يكن لدى أحد شك في أن مشروع جبهة الانقاذ هو وضع أسس ديكتاتورية جديدة، إلا أن أحداً لم يكن يشك أيضاً في ركاكة المشروع بأكمله، وانعدام أي فرصة كي يستقر ويعيش. وفي المقابل، كان قبول مبدأ القضاء بالقوة على طرفٍ سياسي يستقطب جزءاً مهماً من الرأي العام، وتبني سياسة الاستئصال، يعني، في ما وراء الحيلولة دون ولادة الحكم الإنقاذي الإسلاموي، تقويض مستقبل الديمقراطية في البلاد، ومن ورائها مستقبل السياسة نفسها. وبالتالي، مشروع بناء الأمة نفسه، بالإضافة إلى تعميق الارتباط في أذهان الشعب زمناً طويلاً بين أي حركة احتجاج أو تغيير والخطاب الاسلامي.

 

الاختيار بين السياسة والحرب

فسر اليساريون وجميع القوى التي اصطفت وراء الطغمة العسكرية حركة الاحتجاج الشعبي الواسع الذي قادها، لأسبابٍ لا تتعلق بالعقيدة والدين، وإنما بخيانة النخب الاجتماعية الملتحقة بالدولة. الإسلاميون على أنها مشروع عقائدي فحسب، ونظروا إلى أيديولوجيتها الدينية، ولم يرد أحد منهم أن ينظر إلى مضمونها الاحتجاجي الأساسي، وإلى التطلعات الديمقراطية التي تنطوي عليها، بما تحمله من تغييرٍ لميزان القوى الاجتماعي، فرموا الوليد مع ماء الولادة، واعتبروا، أكثر من ذلك، أن السماح للإسلاميين بالفوز في الانتخابات التشريعية يعني تعبيد الطريق أمام نشوء دولةٍ إسلاميةٍ راسخةٍ لا يمكن مقاومتها، وخافوا من فقدانهم السلطة إلى الأبد، فبرّروا لأنفسهم الانقلاب على الدستور، وتقويض العملية الانتخابية وحمل السلاح. وتصرّف الإسلاميون بالمثل، وعملوا كما لو أن احتمال نجاحهم في الانتخابات التشريعية هو فرصتهم الوحيدة، وربما الأخيرة، لتحقيق طموحهم للوصول إلى السلطة، أو المشاركة فيها، ونظروا إلى الانقلاب عليها، أو تعليقها، نهاية العالم وتهديداً لوجودهم نفسه، ولم يروا أمامهم خياراً سوى القتال حتى الموت، لانتزاع السلطة كاملةً من يد سارقيها أو الشهادة، فاستسهلوا هم أيضاً حمل السلاح. ودخلت الجزائر في حربٍ أهليةٍ لم تجد لها أي حل حتى اليوم، وإنما أخمدت بتجميد أي حياة سياسية فعلية، وبقيت مستمرةً تحت الجلد، كالدمل الذي يلتهم الجسد المريض كله.

والحال أن نجاح الإسلاميين في الانتخابات التشريعية ما كان ليعطيهم مفاتيح السلطة الحقيقية التي تسيطر عليها قوىً معادية لهم في الجيش والإدارة والدولة والاقتصاد. وكان نجاحهم في الانتخابات سيواجههم بتحدياتٍ لا قبل لهم بها، وسيفرض عليهم خياراتٍ تتناقض مباشرةً مع شعاراتهم، وتصطدم بعنف مع تطلعات الحركة الشعبية والجمهور الذي صوّت لهم على سبيل رفض الحكم القائم، لا توقيعاً على بياض لبرنامج إسلامي غير موجود أصلاً، وليس فيه أي فكرة عن الحلول التي ينتظرها الشعب لقضايا اجتماعية واقتصادية وإدارية متأزمة عديدة. وبالمثل، لو نجحت الجبهة الإسلامية في التغلب على وهم القوة العددية، واختارت أن تستمر في

"من دون حياةٍ سياسيةٍ، لا يكون هناك تفاعل بين الطبقات والفئات الاجتماعية، ولا بين الحاكمين والمحكومين، ولا قدرة على أي إصلاح أو تعديل" المقاومة السلمية، بانتظار أن يتغير الظرف، وتتبلور بشكل أفضل برامجها وأهدافها، لأسقط في يد الطغمة العسكرية التي لا تملك أي حل لإرضاء الحركة الشعبية، سوى إعادة الجمهور إلى "أوكاره" بالقوة، وكسر إرادته لوقف الاحتجاج. وهكذا، جاءت النتيجة معاكسةً تماما لتوقعاتها. وحصل بسبب تسرّعها قطف ثمار شعبيتها ما كان قادتها يخشونه، أعني بدل انتزاع السلطة، فقدوا أي أمل لهم بالمشاركة فيها، بعد أن تورطوا، كما أرادت الطغمة العسكرية أن يفعلوا، في حربٍ دمرتهم، كما دمرت أي حياة سياسية ممكنة، وخرجت منها الجزائر صحراءَ سياسية قاحلة ونخبة سياسية خرساء، لا خطاب ولا برامج ولا توقعات. في الحالتين، القاسم المشترك كان غياب أي اعترافٍ بحيز السياسة، وانعدام الثقة عند الطرفين بقيمة العمل السياسي المتعدّد الأبعاد والبعيد المدى وفائدته، وتحللهما معاً من أي معنىً للشرعية والحياة الدستورية والقانونية، وتصرّف الجميع على أساس أنه لا يمكن أن يكون هناك مكان، أو إمكان، لأي تفاوض أو تسوية أو تفاهم، وأن الرهان لا يتجزأ، إما الكل أو لا شيء، ما يعني أنه لا يمكن أن يوجد مجال لحسم النزاع والخلاف على تقاسم السلطة أو توزيعها أو تداولها إلا بالحرب.

 

تلوث النخب بثقافة المعمرين البيض ومنطقهم، واحتقاره هذه النخب الشعب المحتل، وافتقاد فكرهم الأفق والمنطق السياسي الناجم عن غياب التجربة السياسية واستمرار أحادية السلطة عقوداً طويلة، وعدم تبلور فكر سياسي ديمقراطي لدى الطرفين. أدى ذلك كله إلى الانخراط في الحرب الأهلية بحماس، والاستسلام للعنف. وفي النهاية، إلى تعريض البلاد إلى أزمة وطنية مستمرة، ووضعها على شفا هوة فاغرة عقوداً طويلة، لا تزال لا تعرف، بعد ربع قرن، كيف تخرج منها، كما يشير إلى ذلك موت الحياة السياسية، وتفكك النخب الحاكمة وأحزابها وفراغ المناصب والرئاسات من أي معنى.

كان خوف الطبقات الوسطى التي كانت المستفيدة الرئيسية من النظام من وصول الإسلاميين إلى الحكم مبرّراً، وهذا ما يفسر ردة الفعل القوية التي قامت بها. وقد زاد من شدة هذا الخوف تزاوج حركة الاحتجاج الشعبي بعقيدةٍ مرتبطة بالدين، تعطي، أو من الممكن أن تعطي، للاحتجاج شرعية استثنائية، وتزيد من قوته ومخاطر نجاحه أيضاً. لكن سعي النخب الاجتماعية التابعة لهذه الطبقات عموما إلى القضاء على الحركة الشعبية التي تهدّد استئثارها بالسلطة والثروة، والتشكيك بمطالبها المشروعة بذريعة الخوف من المخاطر الإسلاموية، وتضخيم التهديد للدولة، ثم اتخاذ قرار شن الحرب عليها، قد قطع الطريق أمام أي تسويةٍ اجتماعية، وجعل من الحرب نمط الحكم الوحيد الممكن، ومن ورائه تعميق القطيعة بين النخب الحاكمة وجمهرة الشعب العريضة. ولا شك في أن الإسلاميين كانوا على حق في تفسير قطع المسار الانتخابي حرماناً غير قانوني لهم من فرصتهم التاريخية بالوصول إلى السلطة، والمشاركة في الحكم. لكن خطأهم الرئيس، كخصومهم، أنهم رفضوا التفاوض عليه، وتطمين خصومهم، اعتقادا منهم بامتلاك مفتاح الفوز الأكيد والساحق.

خطأ الطرفين المشترك هو استبعادهما معاً منطق السياسة، ورهانهما المتبادل على الحسم بالقوة العسكرية. وهذا ما يخفي إرادتهما في فرض خيارهما، كل طرف على الطرف الآخر، ورفض قبول التسويات التي هي نحو السياسة وصرفها، بوصفها السبيل الوحيد لحل الخلافات بالطرق السلمية وتجنيب المجتمعات الصدام والحرب والتصدّع والانقسام. وفي مقدمة هذه التسويات جميعاً، وأصلها التسوية المتعلقة بطريقة معالجة الخلافات السياسية والاجتماعية، وهذه هي الديمقراطية التي لا تعني سوى أمر واحد، هو التفاهم على قواعد التنافس والصراع والحسم في الخيارات والحلول، والذي يشكل التسوية التاريخية والأساسية التي تسمح بتحويل الصراع من حربٍ وجوديةٍ لا تحسم إلا بالقضاء على طرف، والانتصار الساحق لطرف. وبالتالي، إلى تكوين مجتمعين وأمتين متنابذتين ومتقابلتين، إلى تنافس على القيادة التي تعني تحديد التوجهات الفكرية والسياسية للمجتمع الموحد والأمة الواحدة، من خلال العمل السلمي والحر على كسب الأكثرية الانتخابية. هذه هي التسوية السياسية الأولى والتأسيسية، وهي أول طريق السياسة. كل تسويةٍ سابقة على ذلك، أي قبل إقرار الديمقراطية قاعدة للحكم وفض الاشتباك، هي هدنة تمهد لاستئناف الحرب التي لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد، ولا تستنفد طاقتها إلا بدمار الطرفين.

 

بين توحش سياسة الاستئصال وأداة التوحش

ليست الديمقراطية خياراً أخلاقياً فحسب، لكنها الأساس الذي لا تقوم من دونه، اليوم، أي حياة سياسية، ولا تنشأ أي إمكانية لتجنب الحروب الأهلية في غيابها. ومن دون حياةٍ سياسيةٍ، لا يكون هناك تفاعل بين الطبقات والفئات الاجتماعية، ولا بين الحاكمين والمحكومين، ولا قدرة على أي إصلاح أو تعديل. وبالتالي، لا توجد فرصة لأي عدالة اجتماعية وتفاهم وتقارب بين القوى والطبقات والجماعات.

اليوم أكثر من أي فترة سابقة، ولأسباب عديدة وعميقة أيضا، تاريخية، فكرية ودينية واجتماعية واقتصادية، نحن منقسمون. وسوف نبقى منقسمين بين إسلاميين وغير إسلاميين، تقدميين ومحافظين، فقراء وأغنياء، أكثريات وأقليات إلخ. وكما أن استمرار الحرب، أو الرهان على منطق الحرب، لا يمكن إلا أن يفاقم من الظلم، ويضاعف التوترات والاحتقان بين الطبقات والجماعات، كذلك لا يمكن للإنقسام الذي يسم كل المجتمعات أن يزول أو يتراجع إلا بتوقف الحرب واستبعاد منطقها، وتدشين زمن الاستقرار والتعايش والتفاعل الذي بمقدار ما يقرب بين الطبقات والنخب والشعوب، يضعف انشقاقاتها الحدية، ويعيد تشكيل التحالفات والقوى والعقائد والأفكار على أسس أكثر تشابكاً وتداخلاً تعمق الوحدة والاستقرار الاجتماعيين. وهذا هو الطريق لتجاوز نزاع العلمانية والإسلامية كخطابي سلطة، وعقيدتي قتال يسيطران اليوم على مجتمعاتنا.

ليس هناك مخرج بالحرب، وفرض الإذعان من طرف على طرف آخر. ولا يسمح بوقف الحرب أو بتقليص رهانها إلا الدخول في الديمقراطية، أو السعي إلى توسيع إطار ممارستها، والبدء، ولو بمرحلة أولى، في الاتفاق على تشغيل الآليات السياسية، ونبذ اللجوء إلى السلاح والعنف.

ذكرت هذا لأن هناك محاولة لحل الصراعات المتعددة في بلادٍ عربيةٍ عديدة، وفي سورية

"اللجوء إلى العنف لحرمان الآخرين من حقوقهم لا يمكن أن يمر من دون تفجير عنفٍ مضادٍ مقابل، وربما أكثر إصراراً وصموداً" والعراق خصوصاً، على الطريقة الجزائرية، أي على حساب الشعب، ومن خلال حرمانه من حقوقه الأساسية في تقرير مصيره أولا، وفي الكرامة التي تعني الاحترام والاعتراف بكل فردٍ فيه كذات حرة أو مشروع ذات حرة. وفي الحرية التي تعني حقه في السيادة، بالتفاهم بين جميع أطيافه ومساواتهم في المواطنة والندية. وكما استخدمت السمة الإسلاموية لحركة الاحتجاج الشعبية الجزائرية لتبرير سحق الحركة الشعبية، ورفض مطالبها المشروعة، في الكرامة والحرية، تستخدم اليوم السمة الإسلاموية التي اتخذتها الثورة الشعبية السورية، بهدف تقويض مشروعيه كفاح السوريين القاسي والطويل ضد الفاشية البعثية والوحشية الأسدية. والواقع أن سيطرة هذه السمة لا تنبع من وجود مطالب دينيةٍ من أي شكل، ولا حتى طائفية، وإنما من إغلاق باب التحول السياسي السلمي والمدني من جهة، وتصنيع الإرهاب والتطرف المنظم والمبرمج من السلطة الحاكمة وحلفائها الداخليين والخارجيين، لتبرير حرمان الشعب من حقوقه، وإعادة إخضاعه لحكم العبودية وسطوة الأجهزة الأمنية من جهة ثانية، وبسبب تخلي البلدان الصناعية عن التزاماتها الدولية والإنسانية تجاه الشعوب الفقيرة التي تركتها لمصيرها، ورغبة هذه الدول في رمي المسؤولية، عن الانهيارات والمجازر المتتالية التي تشهدها المجتمعات التي كانت تحلم بالحرية وبالنمو، على شعوبها ودياناتها ومذاهبها، أي على هويتها، وإقامة جدارٍ من العزل العنصري غير المعلن، لتبرير إدارة التوحش والسيطرة عليه بطريقتها الخاصة، من جهة ثالثة. ولا أدري ما الفرق بين وحشية حرب الإبادة الجماعية التي طبقها الأسد، بدعمٍ دولي كامل، لتثبيت حكمه العنصري وإدارة التوحش التي تمارسها "داعش" لتثبيت سلطة دولتها المفترضة على أنقاض سلطة "البعث" الوحشية.

في زمننا أكثر من أي زمن آخر، حيث المساواة هي روح البناء السياسي والقانوني في كل مجتمعات العالم، يعني حرمان المجتمعات من حقها في الانتقال السياسي إلى نظام ديمقراطي، يضمن حريات الأفراد وحقوقهم ومشاركتهم الجماعية والفردية في تقرير مصيرهم، تخليد القتال والنزاع والعنف والحرب. فبمقدار ما يعزّز الاحتكام للسياسة ومنطقها الثقة بين الأطراف، ويدفعها إلى المراهنة على الوسائل السلمية لحل خلافاتها، فإن اللجوء إلى العنف لحرمان الآخرين من حقوقهم لا يمكن أن يمر من دون تفجير عنفٍ مضادٍ مقابل، وربما أكثر إصراراً وصموداً. وهذه حالة الشعب السوري الذي وجد نفسه مضطراً لخوض حربٍ فرضت عليه من دون أي سبب سوى إرادة الحاكمين وقاعدتهم الاجتماعية، ومن يستخدمهم من الديكتاتوريات المحلية والدولية لأغراض جيوستراتيجية، الاستمرار في الاستفراد بالسلطة والتحكم بمستقبل البلاد، وتقرير مصيرها بمعزل عن إرادة سكانها وشعبها.

آن الأوان كي نتعلم من تجارب شعوبنا المريرة أنه ليس أمامنا سوى خيار واحد: بين حياة سياسية ديمقراطية، أو شبه ديمقراطية نتعاون ونتصارع على تطويرها وتحسينها، أي بين تعلم السياسة، أو نغرق في الحرب الأهلية. لكن هذا الخيار لا ينفصل هو نفسه عن خيارٍ أول، يعكس علاقة الأفراد والجماعات ببلدهم وأرضهم نفسها، وتصوّرهم طبيعة وجودهم فيها، مواطنين أحراراً، يبنون معا الوطن الذي يضمن مستقبلهم، ويعبر عن شخصيتهم وقدراتهم، ويستوعب إبداعاتهم، ويكون الانتماء إليه مصدر اعتزازهم وفخرهم، أو كضواري مفترسة، يسعى كل واحد لاقتناص ما يستطيعه على جماجم الآخرين، ولا يسأل لا عن ماضٍ ولا عن مستقبل. وهو الاختيار بين تحويل بلداننا إلى أوطانٍ تقوم الحياة المدنية فيها على أساس القانون، وتساوي الأفراد في المواطنة، أي في الحقوق والواجبات، أو جعلها مزرعةً يعيث فيها كل فرد فساداً على هواه، على مبدأ: أنا ومن بعدي الطوفان. أو أفضل من ذلك: الأسد أو نحرق البلد.

======================

الحل هو اللاحل .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 8/5/2016

بعد هزيمة العرب في حرب عام 1967، تولى وزير الخارجية الأميركي لاحقاً، هنري كيسنجر، استثمار الانتصار لصالح بلاده وإسرائيل، ووضع مبدأً اعتقد أنه سيتكّفل بإسقاط العالم العربي المهزوم في هاويةٍ، أراد له ألا ينهض منها عقوداً طويلة. يبدو أن هذا المبدأ يطبّق من جديد في أيامنا، مثلما طبّق طوال حقبة ما بعد 1967، وأدى إلى منع تطبيق القرارت التي أصدرها مجلس الأمن حول تسوية الصراع العربي/ الإسرائيلي، وتمسّك بمنع الحل قبل سقوط العرب والقضاء على مشاريع نهضتهم ومقوّماتها، وكسر إرادتهم والتخلص من أي جهد قومي توحيدي، أو وطني تجديدي، وتفكيك دولهم ومجتمعاتهم، وردّها إلى مرحلة ما قبل الأمة، في طورٍ أول، ثم ما قبل مجتمعيةٍ في طور تال، هو الذي نعيش في أيامنا، وفرضه النظام الأسدي على سورية بقوة السلاح.

قال مبدأ كيسنجر: الحل ألا يكون هناك حل للمأزق العربي، قبل اكتمال سقوط العرب بقوة مواقف وسياسات تجعل الحلّ خطوة أخيرة، وليس أولى، على أن تتكفل إسرائيل وأميركا ببقائهم في هزيمتهم، ومنعهم من القيام بأية محاولة لتنظيم قواهم الذاتية وتعزيزها، أو لتغيير حقلهم السياسي الذي أفضى إلى انهيارهم السريع أمام عدوهم.

يتبنى الأميركيون، اليوم، مبدأ كيسنجر في سورية التي عملوا لتحويلها إلى عقدةٍ، تتشابك فيها، وتتفرّع عنها، صراعات محلية وعربية وإقليمية ودولية. ويمارسون، من جديد، سياسةً تجعل "اللاحل هو الحل"، ويحرصون على استمرار الاقتتال، بالإبقاء على النظام، وتجاهل دور مرتزقة إيران الذين استقدمهم إلى سورية، وكذلك من قدم إليها من إرهابيين ومجرمين بواسطة أجهزة أمن روسية ومحلية، ينخرطون بقوة في تدمير دولة سورية ومجتمعها.

تتبنّى واشنطن، اليوم، سياسة اللاحل، لتحقيق أهدافٍ كانت قد تبنتها إدارة بوش بعد احتلال العراق، حدّدتها وزيرة خارجيتها، كوندوليزا رايس، بتفكيك المنطقة وإعادة تركيبها، من خلال استراتيجيةٍ تقوم على إشاعة "الفوضى الخلاقة" فيها. بما أننا اليوم في طور التفكيك الذي سيعين نمط وأبعاد إعادة التركيب، لكنه لم يكتمل بعد، فإن استمراره يصير محتماً إلى أن تكتمل شروط ومقومات مرحلة إعادة التركيب المقبلة التي تقول قرائن عديدة إنها لن تقتصر على سورية، بل ستطاول دولاً أخرى، ورّطتها واشنطن في الصراع السوري، سيعاد تركيب أوضاعها، بلداً بعد آخر أو بالجملة، ما أن تكتمل شروطه المتشابكة التي تتراكم، اليوم، في الساحة السورية عامة، وفي حلب ومنطقتها، وصولاً إلى الجزيرة بصورة خاصة. يمكن رؤية أدلةٍ على تراكم هذه الشروط في اليمن والعراق وسورية وليبيا، بينما يمكن للبيئة التي تُحدثها أن تؤثر في أي وقت، وبشدة، في بلدان عربية تهدّدها نزاعاتٌ داخلية وتدخلات إقليمية، تتشابه أحداثها ومجرياتها، وتعاني نخبها الحاكمة من عجزٍ يحول بينها وبين وقف فوضى تعصف بجيرانهم، يرونها قادمةً إلى بلدانهم، تنتشر اليوم تدريجياً من مراكزها الحالية شمال الجزيرة العربية وجنوبها، وفي القلب من شمال أفريقيا، وتتقدّم نحوهم، بإسهامٍ من أطرافٍ متناقضة ظاهرياً، لكنها تشارك جميعها في صراعٍ موحد الاتجاه، وله نتائج متقاربة أو موحدة، ضمن لحظةٍ تاريخيةٍ، مكّنت واشنطن من تركيب وضعٍ ينتج قدراً غير محدود من القتل والدمار، يبدو بجلاء أن أحداً لا يستطيع وقفه، أو الخروج منه، أو حتى العمل ضدّه، مع أنه يطاول الجميع، ويجعلهم يبدون وكأن أيديهم مكبلةٌ بأغلالٍ تفقدهم القدرة على المبادرة والحركة.

هناك خياراتٌ عديدة في وسعها وقف فوضى أميركا الخلاقة وسياسة "اللاحل هو الحل"، وما تنتجه من زحفٍ حثيثٍ في جميع الاتجاهات. ومن دمارٍ لا يوصف، لم يسبق للمنطقة العربية أن تعرّضت له، حتى إبّان الغزو الإفرنجي/ المغولي. أول هذه الخيارات يكمن في الانفكاك عن أميركا ومقاومة سياساتها، وما تضمره من أخطار، بدل قبولها والاحتماء بها. هل بين العرب من يمكن أن يقدم على خطوةٍ كهذه، صعبة ولا شك، لكنها تمنحهم الحق في تقرير شؤونهم بأنفسهم، أم سيستمر التفرّج المرعب على ما يجري في سورية، ويعلم الجميع أنه قادم إليهم، إن ظلوا على حالهم الراهنة؟

يواجه منطقتنا خطران داهمان: التفكيك بالفوضى والتركيب بالمساومات والصفقات، مع إيران وروسيا. ماذا يتوقع نيام العرب أن يكون مصيرهم، إذا كانوا يتعلمون حقاً مما يجري في سورية؟

======================

موقفنا : لا تصدق أننا عاجزون ... ولا تشارك في هذه الحملة الخبيثة .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

9 / 5 / 2016

هذه الحملة وراءها جنود مجندة من الأشرار ، يتطوع بعضنا بالانضمام إليها بحسن نية ...

هذه الحملة لا تنطلق من فراغ ، لديها معطيات واقعية ، تضخمها ، وتكثرها وتنميها قوى تستفيد منها ، أو تختبئ وراءها ..

هذه المعطيات السلبية : بعضها من بنات الاستبداد ، وبعضها من بنات الاستعمار ، وبعضها مما كسبت أيدينا ..

هذه الحملة تقف وراءها دوائر متعددة على مستوى دولي وإقليمي وداخلي ..

هذه الحملة تظل تؤكد :

أننا متخلفون ، مختلفون ، جهال ، متعصبون ، لا نصلح لشيء ..، وأننا محاصرون مضيق علينا ، مضروب علينا ، لا نقدر على شيء

لا تصدق أننا عاجزون ، هم العاجزون ، ونحن بحول ربنا قادرون فاعلون منجزون لا تصدق هذا ، لا تنم عليه ، لا تستسلم له ، لا تكرره وكأنه حقيقة ، ألق عن نفسك عباءة العجز ، وأمط عن طريقك كل العاجزين . وتكرار هذا هو يأس واليأس من روح الله كفر ، فاحذر أن تكون من اليائسين ...

مع كل صباح تجدد : كرر أنك قادر على أن تفعل ، قادر على أن تنصر ، وأن تنتصر ، وأن تجدع أنف الظلم والظالمين ..

وفي الصغائر لا تفكر ، أعلاها لا إله إلا الله .. وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ، ودع لأصحاب الثريد فتيتهم

لسنا متخلفين ، ولا مختلفين ولا مقعدين وإنما العجز يقعد أهله ، دائما نقول (( وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ )) استعن بالله ولا تعجز ..

لا تشارك في إشاعة هذا الوهم القاتل ، وهذا الخدر الذي ينتشي به أهله ، لا تشارك في اعتقاده ، ولا في ظنه ، ولا في الركون إليه ، ولا في التماس العذر لمدعيه ، ولا في تكراره ، ولا في الخوض فيه ..

وكان قومي قوما كراما ....

(( خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ )) كنا وسنعود ...

ثقوا بالذي اختاركم لحمل رسالته ..

ثقوا بالله رب العالمين

(( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ))

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

 ===========================

انحطاط التأويل السياسي للفقه الشيعي… القدس عبر حرستا وحلب .. صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 7/5/2016

“بإيعاز من قائدي، أنا مستعد للتضحية بحياتي/ الهدف ليس تحرير العراق وسوريا فحسب/ دربي يمرّ بالمقام الشريف/ ولكن هدفي هو إلى القدس/ عن طريق حلب”، هكذا تقول الأهزوجة، التي يؤديها أطفال إيرانيون يرتدون الثياب العسكرية المرقطة، استعدادا للتطوع بالقتال في العراق وسوريا. وهذا شريط سينمائي دعائي وتعبوي، بل أنتجته وحدات ال”باسيج”، أي “قوات التعبئة الشعبية”، التي أنشأها آية الله روح الله الخميني في سنة 1979، وهي جزء من “الحرس الثوري”، الذي يتبع مباشرة للمرشد الأعلى.

قبل حلب، كانت بلدة حرستا موضوع “لطمية” هستيرية انتشرت كالنار في الهشيم، خاصة في صفوف ميليشيات المتطوعين العراقيين الشيعة، الوافدين للقتال إلى جانب النظام السوري في دمشق وأريافها؛ يقول مطلعها: “قدح من درعا الشرر/ وخصم مهدينا ظهر/ ومن حرستا ننتظر/ أوّل علامة/ زينب اليوم بخطر/ وسكنى بمرقدها انتثر/ يا أم رقية/ بكرا تقوم القيامة/ بكرا الجيش المنتظر/ يهتف يا حيدر.”…

وهذه “اللطمية” ليست تخريفا هذيانيا، أو شعبويا دعائيا صرفا، لأنها في الواقع تزعم الاتكاء على حديث للإمام علي بن أبي طالب، ينسبه إليه ابن أبي زينب النعماني، في كتابه “الغيبة”: “إذا اختلف الرمحان بالشام، لم تنجل إلا عن آية من آيات الله. قيل: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: رجفة تكون بالشام، يهلك فيها أكثر من مائة ألف، يجعلها الله رحمة للمؤمنين وعذابا على الكافرين. فإذا كان ذلك، فانظروا إلى أصحاب البراذين الشهب المحذوفة، والرايات الصفر، تقبل من المغرب حتى تحلّ بالشام، وذلك عند الجزع الأكبر والموت الأحمر. فإذا كان ذلك فانظروا خسف قرية من دمشق يقال لها حرستا. فإذا كان ذلك خرج ابن آكلة الأكباد من الوادي اليابس، حتى يستوي على منبر دمشق. فإذا كان ذلك فانتظروا خروج المهدي”.

والتخاريف حول ظهور المهدي لم تقتصر على منشد لطميات مثل حيدر العطار، بل اقترنت ذات يوم بالعدّة السياسية والعقائدية لرأس السلطة المدنية (إذا جاز التعبير) في إيران، أي الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد؛ الذي اعتبر أنّ “الإمام المهدي” هو الذي “يدير العالم ونرى يده المدبّرة في شؤون البلاد كافة”، بما في ذلك نصر إيران على العراق، وتقدّم البرنامج النووي الإيراني. كذلك جزم بأنّ المهدي هو “هالة النور”، التي تحيط به، أي نجاد، كلما ألقى خطابا؛ وهو “يد الله”، التي سوف “ترفع جذور الظلم عن العالم”… وتلك هلوسات أثارت حفيظة بعض خصوم نجاد، من ممثّلي التيّار المحافظ أنفسهم، كما في تعليق حجة الإسلام غلام رضا مصباحي: “مؤكد أنّ المهدي المنتظر لا يقرّ التضخم الذي بلغ 20 في المئة، وغلا المعيشة، والكثير غيرهما من الأخطاء”.

ومع ذلك، فإنّ ما أغدقه حسن نصر الله، الأمين العام ل”حزب الله”، من سجايا فائقة على شخص نجاد، كفيل بمنح الأخير فضيلة تمثيل شرائح واسعة من صانعي التشوّه والتشويه في الفقه السياسي الشيعي المعاصر: “نشمّ بك يا سيادة الرئيس رائحة الإمام الخميني المقدّس، ونتلمس فيك أنفاس قائدنا الخامنئي الحكيم، ونرى في وجهك وجوه كلّ الإيرانيين الشرفاء من أبناء شعبك العظيم الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه في كلّ الساحات، ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا”. لافت، في هذا، أنّ ملايين الإيرانيين الذين لم يصوّتوا لنجاد، في الانتخابات الرئاسية التي أعقبت هذه المدائح، لم يشاطروا نصر الله في شمّ المقدّس أو إبصار الحكمة؛ بل الأرجح أنهم هم الذين ينطبق عليهم تصنيف الشرفاء والصادقين.

وما دمنا في سيرة نصر الله، لعلّ من الواجب استذكار التحوّل النوعي، المذهبي الصريح، في خطابه السياسي ابتداء من العام 2013؛ حين أعلن، ليس دون فورة غضب أشدّ من المعتاد: “نريد أن نقول لكلّ عدو ولكلّ صديق، نحن شيعة علي بن أبي طالب في العالم”؛ “ونحن حزب الله. الحزب الإسلامي الشيعي الإمامي الإثنا عشري، لن نتخلى عن فلسطين”؛ وأيضا: “قولوا رافضة. قولوا إرهابيين. قولوا مجرمين. اقتلونا تحت كل حجر ومدر، وفي كل جبهة، وعلى باب كلّ حسينية ومسجد، نحن شيعة علي بن أبي طالب!”

صحيح أنه لم يستبق أهزوجة أطفال الباسيج الإيرانيين، في الربط بين حلب والقدس؛ إلا أنّ نصر الله لم يتلكأ عن استئناف لازمة كبرى في خطاباته، منذ أن أقرّ علانية باشتراك حزبه في القتال إلى جانب النظام: “إنّ وجود مقاتلينا ومجاهدينا على الأرض السورية، هو بهدف الدفاع عن لبنان والدفاع عن فلسطين وعن القضية الفلسطينية”!

والوشائج، الإشكالية منها بصفة خاصة، بين الفقه الشيعي المذهبي والفقه الشيعي السياسي، ليست موضوع هذه السطور، ولا يسمح بها المقام أصلا؛ ما خلا التشديد على التئام البون بين التبشير والتفكير من جهة أولى، والفعل والممارسة على الأرض من جهة ثانية. وهنا تُتاح هوامش واسعة لتلمّس مقدار الانحطاط في تفكير يحثّ الأطفال على التطوّع للقتال من أجل القدس، ولكن عبر حلب؛ وممارسة ميدانية، في أصقاع مختلفة من سوريا، لا تخلص في نهاية المطاف إلا إلى مساندة نظام الاستبداد والفساد وحكم العائلة والوراثة وجرائم الحرب. وهكذا فإنّ مشهد “الثورة الإسلامية” في إيران يبدو اليوم بعيدا كلّ البعد، ولعلّه بات منفصلا تماما، عن ذلك المشروع الذي شاع سنة 1979، وانطوى على ما سُمّي ب”بديل اجتماعي وقومي، في إطار ديني ثوري”، يسند إلى رجال الدين أدوارا اجتماعية وسياسية وإيديولوجية عابرة للطبقات والأديان والعقائد.

وسيبقى أنّ حال الانحطاط هذه ليست منفصلة، على أيّ نحو، عن مبدأ ولاية الفقيه؛ بل من المشروع للمرء أن يقول اليوم، كما في الماضي وعلى امتداد 37 سنة من عمر “الثورة الإسلامية”، أنّ الأمل لن يكون كبيرا في تعديل مسيرة الانحدار  الفقهي/ السياسي المشترك، هذه المرّة  ما لم يقف الإيرانيون موقف المراجعة الراديكالية الشاملة لهذا المبدأ بالذات، وتصحيح علاقته بالحياة والحقّ والحقوق، وبالسياسة في الداخل والجوار والعالم.

وذات يوم غير بعيد، كان آية الله أحمد أزاري  قمّي، أحد كبار شارحي فكر الخميني ومنظّري ولاية الفقيه، قد اشتكى  في رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأسبق محمد خاتمي، وقعت في 34 صفحة، تمّ تداولها على نطاق واسع  من أنّ الأجهزة الأمنية المرتبطة مباشرة بمكتب خامنئي أخذت تضيّق الخناق عليه، بعد تنكيلها بالشخصية البارزة المعارضة آية الله منتظري، بسبب معارضته العلنية لمبدأ ولاية الفقيه.

وانطوت الرسالة على هذه المناشدة، بعد تذكير الرئيس أنّ 23 مليون إيرانية وإيراني صوّتوا له: “بهذا التصويت وضع شعبنا الشجاع قيادتنا الراهنة بأسرها تحت المساءلة، وأنا فخور بهذا. ولكن حذار، سيدي الرئيس، من أن تكون آخر رؤساء الجمهورية الإسلامية، لأنّ هذا قد يكون مصيرك إذا لم تتحرّك الآن من أجل الوقف الفوري للمظالم التي تلحق بالناس تحت اسم الإسلام”.

هل كان أزاري  قمي ينفخ في قربة مقطوعة؟ أغلب الظنّ، إذا استعرض المرء مسارات الانحطاط اللاحقة: من نبوءات أحمدي نجاد، حول “المهدي يد الله”؛ وصولا إلى نصر الله وقاسم سليماني، حيثما اختارا جغرافية تزييف المسير نحو القدس؛ وصولا إلى أطفال خامنئي، المتطوعين للجهاد في حلب.

======================

شر البلية ما يضحك .. محمد فاروق الإمام

مندوب جمهورية مصر العربية الشقيقة عمرو أبو العطا في مجلس الأمن الدولي الذي ترأسُ بلاده الدورة الحالية للمجلس، أعلن رفض بلاده دعوة مجلس الأمن لعقد جلسة للنظر فيما يحدث في حلب، مؤكداًعلى أهمية تطبيق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بمكافحة الارهاب وعدم التمييز بين تنظيم "داعش" الإرهابي ونظيره جبهة النصرة في سورية.

وقال أبو العطا "ولعله قد حان الوقت لنواجه أنفسنا، ولنضع النقاط فوق الحروف، فقد توافق هذا المجلس وتوافقت الدول الأعضاء في مجموعة الدعم الدولية الخاصة بسورية على استثناء الجماعات الإرهابية من وقف إطلاق النار، إلا أننا ما زلنا نلحظ تلكؤاً في مواجهة هذا الخطر، وتسييساً غير مفهوم أدى إلى نجاح جبهة "النصرة" –أو فرع تنظيم القاعدة بسورية - في استغلال وقف العدائيات للسيطرة على مزيد من الأراضي السورية لا سيما بمدينة حلب التي تشهد معارك عنيفة، كما تمكنت الجبهة من زيادة معدل التجنيد بصفوفها، واحتواء بعض "الفصائل المسلحة" التي لم تدرج على قائمة التنظيمات الإرهابية".

شر البلية ما يضحك.. وليس هناك من بلية بضخامة نظام الانقلابيين في مصر الشقيقة وهذا مندوبه في الأمم المتحدة لم تسعفه عيناه بمشاهدة شلال الدم الذي ينزف في حلب على يد النظام السادي وحلفائه الروس والإيرانيين، وما جيشوا من مرتزقة لبنان والعراق وباكستان وأفغانستان، ولم تسعفه أذناه في سماع بكاء اليتامى وأنات الثكالى وعويل الأرامل، ولم تشاهد عيناه الخراب والدمار الذي أحدثته براميل الأسد المتفجرة وصواريخ وقنابل الطيران الروسي في حلب وأخواتها من المدن والبلدات والقرى السورية؟!

مندوب الشقيقة مصر العربية لم يجد ما يقوله في زحمة تصعيد لهجة المندوبين في مجلس الأمن ضد الوحشية التي يتعامل بها نظام الأسد مع مواطنيه وما يرتكبه من جرائم بحق الإنسانية، والتنديد بما تقوم به روسيا من قصف للمدنيين والمستشفيات والمستوصفات والنقاط الطبية، ومن قتل للكوادر الطبية والدفاع المدني واستهداف سيارات الإسعاف والإطفاء.

أليس من العار أن تندد بريطانيا بما يفعله الأسد في سورية في الوقت الذي يقف فيه مندوب مصر الشقيقة رافضاً طلب عقد جلسة لمجلس الأمن للنظر فيما يحدث في حلب وما يرتكبه النظام السادي المتوحش بأهلها.

فقد قال مندوب بريطانيا الدائم لدى الأمم المتحدة "ماثيو رايكروفت": إن "حلب تحترق ومن المهم التركيز على هذه القضية التي تمثل أولوية رئيسية، ونحن ندعو إلى ضرورة عقد جلسة مفتوحة وطارئة للمجلس"، دون تحديد موعد بعينه للجلسة.

وانضمت فرنسا إلى دعوة بريطانيا في ضرورة عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن حول ما يجري في حلب.

كما أدان منسق الأمم المتحدة للإغاثة الطارئة ستيفن أوبراين "الهجمات التي لا تغتفر، والمثيرة للقلق الشديد" على المؤسسات الطبية في حلب.

واتهم أوبراين النظام السوري باستخدام أسلحة ومتفجرات ضد المدنيين والمناطق السكنية، داعيا إلى وقف الهجمات على حلب واستئناف المفاوضات السياسية.

أبو العطا مندوب الشقيقة مصر لم يكن نشازاً عن سياسة الانقلابيين في مصر منذ الإطاحة بالرئيس الشرعي محمد مرسي الذي اختاره شعب مصر تجاه القضية السورية،

فهذا السياسي والقيادي في حزب الجبهة مجدي حمدان المؤيد لانقلاب السيسي يؤكد أن "مصر لم تكن يوما جزءا من الحرب السورية، وهي لا تستحيي مما تفعله، ولا تتبع في سياستها الخارجية الأسلوب الحنجوري"، حسب وصفه.

وعن مرور سفن تحمل أسلحة إيرانية إلى النظام السوري عبر قناة السويس المصرية، أوضح أن "قناة السويس ممر مائي دولي، ولا تستطيع مصر منع السفن من المرور فيه".

وأكد مجدي حمدان أن "الدعم السياسي لنظام الأسد في سورية محاولة لإنقاذ ما تبقى من مؤسسات الدولة السورية"، وقال "إذا كان بشار الأسد هو المشكلة فهو أيضا جزء من الحل وتنحيته تعني نهاية الدولة السورية".

ويرى مجدي حمدان أن "الوضع في سورية أمام خيار لا مفر منه، وهو بقاء الأسد حتى تحل القضية السورية بتوافق الجميع، معتبراً أن الصراع القائم في سورية هو صراع تحالفات وليس صراعا بين النظام وشعبه".

وختم بأن "ما تقوم به مصر هو لغة سياسية بحتة ومحاولة إيجاد نقاط التقاء وحماية الدولة السورية من الانهيار".

وبعكس ما قاله حمدان حول هذا الموضوع، وصف عضو المجلس الثوري المصري ياسر فتحي المعارض للانقلابيين بأن"التحالف بين نظامي السيسي والأسد تحالف الخسة والخزي والعار"، وأنه "تحالف عصابة الضباط التي نهبت الشعب المصري، وعصابة الضباط التي نهبت الشعب السوري".

وقال إن "تحالف النظامين هو تحالف من قتل وحرق وشرد في مجازر رابعة والنهضة والحرس الجمهوري في مصر ومن أباد بالكيميائي والبراميل المتفجرة في دوما والغوطة وحلب وغيرها في سورية".

واعتبر ياسر فتحي أن "تقارير منظمات حقوق الإنسان تظهر التعامل المخزي للنظام المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي مع اللاجئين السوريين، في الوقت الذي يتعاون فيه مع من يقتلهم ويشردهم".

سورية التي كانت على الدوام تتعاطف مع كل قضايا الأمة، وتبذل الغالي والرخيص لنصرة حركات التحرر في الوطن العربي من الجزائر حتى الصومال وجنوب اليمن، مروراً بالمغرب وتونس وليبيا ومصر والعراق ودول الخليج، هي اليوم تحصد كل ذلك الزرع المعطاء شوكاً وسهاماً تنصب عليها من كل هؤلاء الناكرين للجميل، الذين أداروا ظهر المجن لها، وقد عميت بصائرهم عن قوله تعالى: "وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان".

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com