العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 15-04-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الكذب الروسي .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 12/4/2018

تكرّر روسيا الآن خطاب النظام في سورية، وتدافع عنه بكل نواجذها. وهي في ذلك تكذب كما يكذب النظام، ولا شك أن عليها أن تكذب، لأن ما يفعله النظام من استخدام أسلحة كيميائية يطاولها، لأنها الضامن له، بعد أن قالت إنها سحبت كل المخزون الكيميائي لديه، وضمنت ألا يفعل الأمر مرة أخرى، في الاتفاق الذي جرى سنة 2013 بعد قصف الغوطة بغاز السارين.

لهذا، تستعاد الحجة نفسها أن ما جرى هو فبركة من أجل تبرير التدخل الأميركي. لم يلحظ لا الروس ولا كل مرددي هذه الكذبة أن أميركا لم تتدخل في السنوات الماضية، على الرغم من استخدام أسلحة كيميائية. وعلى الرغم من أن النظام وروسيا كانا يكرّران النغمة نفسها، أي أن الأمر يتعلق بفبركة، أو أن المعارضة هي التي قامت بذلك، لتبرير تدخل أميركي، وكذلك كرّر هؤلاء المرددون. وظهر أن الضربة لمطار الشعيرات بعد استخدام الأسلحة الكيميائية في خان شيخون لم تكن سوى رفع العتب عن دونالد ترامب الذي عيَّر باراك أوباما بأنه لم يلتزم بخطوطه الحمر. وبالتالي، لم يكن حديث عن قصف بالكيميائي لبلدة خان شيخون فبركةً من أجل تدخل أميركي.

بهذا يظهر تهافت هذا الخطاب، وكذبه، كما يظهر أنه يستخدم هذه الفكرة للتغطية على فِعْلة ارتكاب جريمة استخدام أسلحة كيميائية. كما ظهر أن أميركا وكل المجتمع الدولي ليسوا معنيين بقتل الشعب السوري بأسلحة كيميائية، ولهذا يعرقلون التحقيق الدولي، وهو ما أوضحه عديدون من أعضاء اللجان المعنية بالتحقيق في ارتكاب جرائم حرب في سورية. لهذا، لا تريد أميركا التدخل لكي تفتعل مثل هذا الحدث، أو تفبركه. وأن ردّها السابق، وما يمكن أن يحدث الآن، مرتبط بمسائل أخرى تتعلق بالعلاقة مع روسيا، والتكاسر لإثبات مَنْ يهيمن على العالم (وهذا موضوع آخر)، لهذا يمكن أن تستغل أميركا حادثة حقيقية لإظهار إرادتها. لكن الأمر هنا أن خطاب فبركة استخدام أسلحة كيميائية من أجل التدخل الأميركي متهافت، وكذبة باتت في غاية الوضوح. لهذا، تحت هذه الحجة التي تتكرّر، استمرّ النظام باستخدام الأسلحة الكيميائية من دون أن يتدخل أحد، فالنظام يحضّر "الخطاب المضاد" قبل أن يقوم بممارساته الوحشية، هذا ما فعله منذ بدء الثورة. وكل خطابه هو ردود على ما سيفعل.

كما فعلت روسيا حين استخدم النظام الأسلحة الكيميائية في خان شيخون، حيث ضاعت في صياغة الرواية الكاذبة، الأمر الذي جعلها تتحدث بأكثر من رواية، تناقض كلٌّ منها الأخرى، ها هي تكرّر الأمر نفسه في دوما، حيث ذكر مركز حميميم أن الخبراء في الأسلحة الكيميائية الروس ذهبوا إلى دوما، ولم يجدوا شيئاً مما يقال عن استخدام أسلحة كيميائية، بينما قال مندوب روسيا في الأمم المتحدة إن "الكيمياني الذي استخدم اليوم كان بقنابل يدوية"، وجرى اتهام جيش الإسلام بأنه مَنْ فعل ذلك. وروسيا معنية بالكذب للتغطية على ما جرى، لهذا خرج وزير الخارجية، سيرغي لافروف، مرات عديدة في يوم واحد لكي ينفي استخدام النظام، وما زال الروس يكرّرون الدفاع عن النظام، بالضبط لأنهم الآن متهمون كما النظام، لأنهم يحتلون سورية، وبالتالي لا يستطيع النظام القيام بعمل من دون قرارهم، ولأن روسيا هي الضامن أن النظام قد سلَّم كل المخزون الكيميائي الذي كان لديه، وكل الأجهزة التي تُصنِّعه. بالتالي، باتت هي المتهمة، ولهذا فهي تدافع بشراسة.

لقد أصبح لافروف هو جوزيف غوبلز روسيا، وهو يعتمد نظريته بكل تفاصيلها، أي اكذب اكذب حتى يصدّقك الآخرون. هو يقوم بهذا الدور بـ "إتقان شديد"، في قضيةٍ باتت في غاية الوضوح، صارت بديهية. ويكرّر خطاباً بات مستهلكاً إلى أبعد الحدود، لدولةٍ يعترف رئيسها أنه جرّب على رأس الشعب السوري مائتي سلاح جديد، وهذه وحدها تشكّل جريمة حرب تطاول روسيا.

==========================

موقفنا : الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسة تنضم إلى الأسد وحلفائه في تدمير سورية .. زهير سالم

14 / 4 / 2018

مركز الشرق العربي

يزعم الأمريكي وحلفاؤه أنهم يريدون معاقبة " مجرم الحرب الأول " في العالم ، على جريمته في استخدام السلاح الكيماوي . إن معاقبة المجرم منذ أن عرفت الإنسانية قانون الجريمة والعقاب إنما تكون بالإمساك به ، وإنزال العقوبة فيه بشخصه ، أو سجنه للحيلولة بينه وبين أن يوقع الأذى في مزيد من الناس كلما سنحت له الفرصة لذلك .

في 20 / آب / من عام 2013 أفاق العالم على أبشع وأكبر جريمة ترتكب بغاز السارين ضد مدنيين عزل أغلبهم من الأطفال والنساء . ربما كانت تلك أكبر جريمة شهدها تاريخ استعمال السلاح الكيماوي في العالم . وهي الأكبر بلا شك منذ انتهاء الحرب الكونية . ألف وست مائة شهيد ، مئات الأطفال ومئات النساء ومئات المدنيين من الرجال اختلجت أجسادهم البريئة ، ثم أرغوا وأزبدوا ، وفاضت أرواحهم الطاهرة إلى بارئها ، تشكو إلى الملك العدل ظلم البشر ، وطغيان الطغاة ..

كل الذي فعله الرئيس الأمريكي ( الديموقراطي ) ( أبو خط أحمر ) يومها ، أنه دخل في صفقة مساومة مع المجرم أو مع محاميه لتكون كامل عقوبة المجرم أن يسلم سلاح الجريمة . فقط أن يسلم سلاح الجريمة ، مع الاستمرار في اعتبار المجرم ( كامل الأهلية ) العقلية والمدنية والأخلاقية ، وليظل هذا المعتوه البئيس ( رئيس دولة ) مفروضا على أبنائها في السعي للوصول إلى حل سماه الكذابون وما زالوا ( سياسيا )!! ( حل سياسي !!) ويسعون إليه بكل وسائل القتل والتدمير والاعتقال والتهجير والحصار والتجويع .

إن الذي لا يجوز أن ينساه السوريون ، ولا أدعياء الإنسانية من مشرعي القانون الدولي ، الذي لا يحترمه من شرعه إلا كاحترام الأسد وعصابته لدستور سورية وقانونها ، أن هؤلاء المتواطئين على دماء الشعب السوري ، لم يسألوا المجرم سؤالا جادا واحدا عن حقيقة ، السلاح الذي زعم أنه سلمه ، ولم تتحرك لجنة واحدة للتأكد أو التفتيش وراء المخزون السري والمختبرات السرية ، كما فعلوا مع العراق طوال أكثر من سنتين . وفي هذه من الدلالة على الاشتراك في الجريمة مافيه ..

بعد إفلات المجرم من العقوبة من جريمته الأولى ، وبعد شعوره بالاطمئنان إلى أنه طليق اليد مع شركائه في الظاهر ( الروس والإيرانيون ) وفي الباطن بقية فرقة ( حسب الله ) الدولية ، التي أصبح لديها مواعيد ثابتة للتراشق في مجلس أمن ..انطلق المجرم على سجيته في قتل السوريين آمنا من أي مساءلة وعقوبة بكل سلاح وصل إلى يده ، بما فيه السلاح الكيماوي السلاح الوحيد الذي يزعمون أنهم حظروه ، وسيعاقبون عليه ..

أكثر من مائتين وخمسين واقعة وثقتها المنظمات الحقوقية ( وليس الأطراف السياسية ) استخدم فيها ( مجرم الحرب الأول ) على مستوى العالم ، الغاز الكيمائي في قتل مدنيين عزل أبرياء ، لا أقول معارضيه ، ولن أقول ( مواطنيه ) ، بل هو الذي قالها منذ الأشهر الأولى للثورة ، وبلعها العام أجمع أنه ليس رئيسا لمن يقول له ( لا )من السوريين ، حقيقة أخرى أذكر بها الخنافس التي تتباكى على سورية إنسانها وعمرانها ، في معركة حماية الذات والوجود .

أكثر من مائتين وخمسين واقعة منذ آب 2013 حتى اليوم أي في خمسة أعوام ، بمعدل خمسين واقعة في العام ، بمعدل أربع وقائع في الشهر، بمعدل جريمة كل أسبوع ، هذا للذين لا يعرفون علم الحساب ..

استخدام الكيماوي ضد الإنسان السوري المستضعف والمستباح أصبح - مع كل شيء ورغم كل شيء ‘ حقا شرعيا مكتسبا لبشار الأسد ولزمرته ولحلفائه من روس وإيرانيين وحزبلاويين وغيرهم كثير..

وحين أنجز ما يسمى المجتمع الدولي ، آلية تحقيق ، تتمتع بشيء من المصداقية ، فصلت القول فيما جرى في (خان شيخون) منذ عام فقط ؛ قام مجرم الحرب الرديف بوتين بالانقلاب عليها في مجلس الأمن ، وإسقاطها كما يقوم كل العسكر في بلادنا بالانقلاب على إرادة شعوبهم ، والتسلط عليهم بالكيماوي وبقذائف الطائرات وبجنازير الدبابات ..

اثنا عشر فيتو روسي لحماية المجرم مع أساليب بهلوانية لفظية في إدانة الجريمة . ستة منها في توفير الحق في استخدام الكيماوي لمجرم الحرب الأول على مستوى العالم ، ولتوفير الحق المستدام في الإيغال في الجريمة بلا حدود .

ومرة أخرى بعد سبعة أعوام من الثورة ، وبعد خمسة أعوام على استخدام السارين الأول في غوطة دمشق ، يعود سماسرة السياسة والمال إلى المتاجرة بآلام الشعوب وقضاياها ، لينضم هؤلاء السماسرة إلى المجرم الأول في قتل السوريين وتدمير بلادهم.

إن ما نفذ على الأرض السورية نوع من الكوميديا السوداء ، من الأداء المضحك المبكي ، من الاستعراض البهلواني العسكري يذكرنا كثيرا بمسرحية ( البرجوازي النبيل ) ، البرجوازي الذي يريد أن يبدو إنسانا ونبيلا ومرهفا وعالما وأديبا وشاعرا وقائدا عسكريا في وقت معا .

إن جوهر الرسالة التي يرسلها التحالف الأمريكي - البريطاني - الفرنسي اليوم هو أن قتل الأطفال بكل سلاح غير الكيماوي مسموح ..!!!

إن الحقيقة الإنسانية والعدلية القانونية تؤكد :

إن أي عقوبة مزعومة تؤسس على قاعدة إفلات المجرم من العقوبة ، يعني التشجيع على الجريمة ، وتمكين المجرم من الاسترسال في ارتكابها . إن جرائم الحرب المركبة التي استبيحت في سورية أكبر بكثير من جريمة الكيماوي ، على عظم جريمة الكيماوي ونكارتها . إن قصف المدنيين بالسلاح الثقيل جريمة حرب . وإن حصار المدن والتجمعات جريمة حرب . وإن اعتقال الناس وتعذيبهم في معتقلات هي أشبه بالمحارق جريمة حرب . وإن تهجير الناس من بيوتهم جريمة حرب ..كل هذا يتم في عالم أصبح فيه الإنسان أهون شيء ، وأصبح القانون الدولي ومواثيق حقوق الإنسان مادة للهزء والسخرية أو مدخلا لإقرار كل أنواع التمييز..

الشعب السوري الحر الكريم الثائر على العبودية وعلى الاستبداد وعلى الفساد ، لم يطلب مساعدة ولا مساندة من أحد ؛ كل الذي طلبه الشعب السوري من هذا العالم أن يحترم القوانين الدولية التي شرعها ، وأن يكون وفيا لمواثيق حقوق الإنسان التي توافق عليها ، ودعا إلى الإيمان بها واحترامها .

إن أبسط ما كان ينتظره السوريون من دور شرطي العالم القبض على المجرم ، وسوقه إلى ساحة المحكمة ، فإن لم يكن ، فإسقاط أهليته الإنسانية والحقوقية والمدنية ، وتنحيته عن أي دور في صناعة حاضر السوريين ومستقبلهم ..

يؤسفنا غياب الاستراتيجية الحقوقية والعدلية لوضع حد لمأساة السوريين . نستنكر المتاجرة بآلام السوريين وعذاباتهم ومستقبلهم . نرفض التماهي مع المجرم تحت عنوان محاسبته .

إن قانون الجريمة والعقاب بكل أبعاده الأخلاقية والمدنية يرفض هذه المسرحية المفبركة . ويؤكد أن ما يجري في سورية منذ سبع سنوات هو تواطؤ مع مجرم الحرب الأول واشتراك في الجريمة إلى أبعد الحدود ..

الرسالة إلى قادة الثورة السورية : أما للعاقل أن يعي دوره ، وأن يعرف عدوه من صديقه.. أما أنهم سيظلون يهذون كما كل من حولهم يهذون ..

14 / 4 / 2018

ـــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

=====================

الكيميائي في سورية.. الناجي من يموت .. راتب شعبو

العربي الجديد

الخميس 12/4/2018

الأساسي الذي يفسر لجوء نظام الأسد المتكرّر للسلاح الكيميائي في حربه "المفتعلة" ضد الجماعات الإسلامية، هو غطرسة القوة تجاه محكوميه، الغطرسة مع الداخل التي هي الوجه الآخر للصَغَار الذليل تجاه القوى الخارجية، أكانت القوى التي تدعمه (إيران، روسيا) أو التي توجه له الضربات حين تشاء (إسرائيل، أميركا) أو التي تدخل أراضيه، وتحتل وتدير منها ما يتيحه لها توازن القوى (تركيا). إنه الإفصاح البليغ عن الانعدام التام للشعور بالمسؤولية تجاه شعب البلد الذي يزعم أنه يحكمه.

لماذا يستخدم نظام الأسد السلاح الكيميائي؟ سؤال بديهي، ليس من باب الأخلاق السياسية أو العسكرية، فلا أخلاق من أي نوعٍ يمكن انتظارها من الأنظمة الشبيهة بنظام الأسد التي لا يردعها سوى الخوف، بل من باب الحاجة العسكرية. هل بعد كل هذا التفوق العسكري توجد حاجة للسلاح الكيميائي؟ السؤال بديهي أيضاً من باب مقارنة جدوى استخدام الكيميائي بالتداعيات التي يمكن أن تلحق بمثل هذا السلوك الذي يمتلك من الانحطاط ما لا يقوى "المجتمع الدولي" على تمريره كما يمرر القتل اللاكيميائي. لماذا إذن يكرر نظام الأسد استخدام السلاح الكيميائي، على الرغم من أنه في كل مرة يدفع الثمن بشكل ما، مرة بتسليم

"غطرسة القوة على الشعب، والهوان تجاه القوى الخارجية، هذه مادة نظام الأسد اليوم" سلاحه هذا بعد وقوفه على شفا ضربة أميركية بعد أكبر هجوم كيميائي ينفذه نظام الأسد على الغوطة في أغسطس/ آب 2013، ومرة بضربة أميركية على مطار الشعيرات في حمص، عقب هجوم كيميائي نفذته طائرات نظام الأسد على خان شيخون قبل عام، واليوم بضرب مطار التيفور عقب الهجوم الكيميائي (لم يتبن أحد هذا الهجوم حتى الآن، على الرغم من أن النظام وروسيا اتهما إسرائيل، ومن غير المعروف إن كان لهذا الهجوم علاقة بالغدر الكيميائي للنظام أم لا. الحقيقة أنه لم يعد ينقص الشعب السوري إلا أن تقوم إسرائيل بحمايته من حكامه وبمعاقبة نظام الأسد على بطشه بشعبه!) والوقوف أيضاً على شفا ضربة أميركية أو أكثر من أميركية؟ ما الذي يجعل نظام الأسد يكرّر هذه الجريمة/ المغامرة؟ حتى لو افترضنا أن النظام واثق من أن "المجتمع الدولي" لا يريد إسقاطه، فما الذي يضطره لدفع هذه الأثمان، وإن كانت تقصر دون إسقاطه؟

قبل التفكير بهذه الأسئلة، ينبغي أولاً تحييد المنطق "الأسدي" الذي يعتمد الأسئلة السابقة نفسها، للقول إن النظام لم يستخدم الكيميائي، وإنها فبركة.. وإلخ. كما ينبغي تحييد المنطق "الحقوقي"، الأسدي هو الآخر، الذي يطالب بالأدلة والقرائن والإثباتات. لا شك أن الأسديين ما كانوا ليحاججوا في هذا الموضوع، ويجتهدوا في تشتيت النظر عن هذه الجريمة الكيميائية أو ما سبقها، لولا أن أميركا تعتبر القتل الكيميائي ممنوعاً، ولكان هؤلاء يتفاخرون الآن بالقوة الكيميائية كما يتفاخرون بغيرها (وفي كل حال لا يخلو الأمر من أسديين ساذجين، لا يخفون بهجتهم بالقتل الكيميائي ويعلنون تأييدهم القتل الذري أيضاً، لو توفر. هؤلاء يقولون ما يخفيه الأسديون "الرزينون").

على الرغم من أهمية إثبات الجريمة والتحقيق فيها، يبقى أن قابلية توجيه التهمة لنظام سياسي ما باستخدام السلاح الكيميائي ضد شعبه، هو إدانة بحد ذاته. فكيف إذا كان نظام الأسد قد وقف في هذا المكان مرات عديدة، وكيف إذا كانت لجان تحقيق تابعة للأمم المتحدة أثبتت تورّطه مرات عديدة؟ حتى لو كانت هناك أطراف تريد توريط النظام بجريمةٍ لم يرتكبها، فإن تاريخ النظام الأسدي، وطبيعته السياسية والأمينة التي تسمح بلصق مثل هذه التهمة به، تعني أن النظام مدانٌ سلفاً، من دون تحقيقات ومن دون أدلة.

ينبغي التفكير بالأسئلة السابقة من موقع إدانة النظام، أي من موقع اليقين بأن نظام الأسد مارس قتلاً معمماً، وارتكب مجازر كيميائية "الناجي منها هو من مات فيها"، كما يقول تعليق عميق ومؤلم.

غطرسة القوة على الشعب، والصَغار والهوان تجاه القوى الخارجية، هذه هي مادة نظام الأسد اليوم. باستخدام الكيميائي يحقق النظام ثلاثة أهداف، الأول مخاطبة معارضيه بالقول: لا شيء 

"توجيه التهمة لنظام سياسي ما باستخدام السلاح الكيميائي ضد شعبه، هو إدانة بحد ذاته" يمنعني من استخدام "أي شيء" لسحقكم، وعلى مرأى من العالم بوصفي جزءاً منه، وبوصفكم "خوارج" عليه، حين تخرجون عليّ (وهذا صحيح للأسف، وفيه مشاركة عالمية صريحة في قتل السوريين). وهي، في الوقت نفسه، رسالة "وحشية" لتعزيز لحمة أشدّ أنصاره تماهياً به، ولدغدغة غرائزهم "الحيوانية"، بحسب أحد تعابير ترامب الصائبة. يقوم مبدأ هؤلاء الأنصار على غريزة لاحمة تقول إن لم أقتلهم سوف يقتلونني. وأما الطيف الواسع الواقع بين "الخوارج" و"الحيوانات" فإنهم باتوا في موقع المستسلم لمجريات الأحداث، بعد أن خسروا أدوات الفعل الممكنة وسط عالم اللامعقول الذي شمل البلاد. الهدف الثالث أن المغامرة بالتعرّض لضربة أميركية أو غربية تعطيه فرصة استثمار الرصيد الذي بقي له بعض الحضور الشعبي، ولاسيما "اليساري"، وهو شرف المواجهة مع أميركا والغرب، وفق مبدأ باطل يقول إذا ضربتك أميركا أو إسرائيل فأنت على حق.

يبقى السؤال: إذا كان يمكن إيجاد ما يفسر لجوء نظام الأسد للسلاح الكيميائي، ما الذي يدفع الروس إلى قبول هذا الاستخدام؟ هل يعقل أن يحدث ذلك دون موافقتهم؟ أم أن الروس باتوا مرهونين للنظام بقدر ما هو مرهون لهم، وبات الحفاظ على هذا "الحليف" أمراً حيوياً من دونه قد تخسر روسيا ما حققته من ترسيخ لحضورها العالمي الذي أنفقت عليه الكثير في سورية منذ سنتين ونصف؟ بمعنى، هل بات الروس تحت رحمة تابعهم، أو قل في علاقة اعتماد متبادل معه؟

==========================

ما مصلحة الأسد في استخدام الكيميائي؟ .. غازي دحمان

العربي الجديد

الخميس 12/4/2018

بعد كل مجزرة بالأسلحة الكيميائية يقترفها نظام الأسد بحق السوريين، ينبري معلقون، يبدو أنهم باتوا متخصصين بهذا الموضوع، بالسؤال عن المصلحة في استخدام الكيميائي، بذريعة أن النظام ينتصر ويحقق تقدماً على الأرض من دون واسطة الكيميائي، أو بذريعة أن النظام يعرف أن الضوء مسلط عليه، وبالتالي هو ليس من الحمق إلى درجة ارتكاب خطأ قاتل من وزن استخدام السلاح الكيميائي.

فات هؤلاء، هذا إذا اعتمدنا مبدأ حسن النية في تفسير مواقفهم، أن نظام الأسد، وأي طرفٍ يخوض معارك جارية، لا ينشر تقييماته العسكرية على الملأ، وبالطبع لا يذيع خططه وأساليبه العسكرية، وهذه تبقى من الأسرار الأمنية التي تحتاج وقتا طويلا للكشف عنها. ومعلوم أن نظام الأسد وداعميه الروس انخرطا في مفاوضات مع المقاتلين في دوما، ليس رغبة منهما في حقن الدماء، ولا تخفيض منسوب الدمار في الغوطة، وإنما لتقديرهم أن لدى مقاتلي دوما أوراق قوّة، ما هي؟ بالتأكيد لم يتم التحقّق منها، وبالتالي يصبح استخدام الكيماوي الوسيلة الأفضل لحل هذا المأزق.

إذا القضية تخضع بدرجةٍ كبيرةٍ لتقديرات ميدانية صرفة، كما أن لكل منطقة خصوصية معينة، ولا يمكن القياس على التقدم الذي حققه نظام الأسد في بقية مناطق الغوطة وتطبيقه على دوما، هذا إذا صدّقنا أن السيطرة على الغوطة كانت بأثمان رخيصة، في حين أن الوقائع تثبت أن النظام خسر مئات من نخبته.

وربما كان هذا السبب الأخير الدافع القوي لاستخدام السلاح الكيميائي، فخسائره في الغوطة

"استخدام السلاح الكيميائي حل لمشكلات كثيرة تعاني منها منظومة الأسد" تخطّت حاجز تقديراته، والحد المقبول احتماله في هذه المعركة، خصوصا أن نظام الأسد بات في وضع محرج تجاه بيئته، نظراً إلى حجم خسائره على المستوى البشري.

بالإضافة إلى ذلك، لا تزال أمام نظام الأسد جولات صراعية عديدة، ومعارك يعتبرها أشرس بكثير من معارك الغوطة، سواء في إدلب أو في الجنوب، وكذلك في شرق سورية، وخصوصا بعد أن تكشّف أن القضاء على تنظيم "داعش" لم يكن سوى كلام متعجلٍّ، وهو كل يوم يقتل عشرات من جنوده. ونتيجة ذلك، يجد نظام الأسد نفسه مضطراً لعدم المخاطرة بأعداد كبيرة من جنوده، والحفاظ على حد أدنى من الخسائر، ما أمكنه ذلك.

على ذلك، يصبح استخدام السلاح الكيميائي حلاً لمشكلات كثيرة، بنيوية وتكتيكية، تعاني منها منظومة الأسد ميدانياً، وهي مشكلة وجدت منذ 2012، نتيجة الانشقاقات الهائلة في الجيش، وهروب عشرات آلاف الشبان السوريين من الخدمة الإلزامية. ويمكن للمراقب ملاحظة أن هذا التاريخ يتطابق مع تاريخ استخدام الأسد للسلاح الكيميائي، في محاولةٍ لحل هذه الإشكالية، ويؤشر الاستخدام المكثف للسلاح الكيميائي، منذ التاريخ المذكور، إلى أن هذا السلاح تحوّل إلى خيار تكتيكي، وواحدٍ من عناصر المعارك، يجري تحديد استخدامه بناءً على تراتبية تقنية، بحيث يصبح استخدامه طبيعياً، بعد أن يفشل الصاروخ والطائرة في تحقيق الغرض.

ولم يكن خافياً، في مسار حرب الأسد على السوريين، فعالية وتأثير الكيميائي في حسم بعض المعارك، وذلك لما له من تأثير على البيئة الحاضنة للمعارضة، إذ على الرغم من أن الأسلحة الأخرى قتلت مئات آلاف السوريين، إلا أن للكيماوي تأثيرا مختلفا، انطلاقاً من إدراك الناس أنه سلاحٌ لا تنفع معه إجراءات الحماية والتحوّطات التي تجريها في مواجهة الأسلحة التقليدية. ولم يخف الروس ونظام الأسد رهانهم على تفكّك البيئة الحاضنة للمقاتلين في دوما، وإجبارهم على الخروج، ليشكّلوا بذلك ضغطاً على المعارضين، ودفعهم إلى الاستسلام، وهو ما حصل فعلاً بعد الضربة مباشرة.

غير أن ما يدفع نظام الأسد وحليفه الروسي إلى استسهال استخدام السلاح الكيميائي تقديرهم أن الرد الأميركي اتخذ، بعد التدخل الروسي، نمطيةً يمكن تحملها، فهو يقوم على تبليغ الروس

"لم يكن نظام الأسد في أي يوم نظاماً سياسياً" بموعد الضربة وبنك الأهداف، وهو ما يمكن أخذ التحوّطات معه، وتقليل تكاليف الضربة الأميركية إلى أبعد الحدود، كما أن فوضوية سياسة الرئيس دونالد ترامب تجعل من ردود إدارته ذات فعالية منخفضة، وتحوّلها إلى مجرد سياسات آنية، وليست استراتيجية ردع دائمة. وقد شجّع قرار ترامب الانسحاب من سورية كلا من روسيا ونظام الأسد على اتخاذ هذه الخطوة، لاعتقادهم أن سورية خرجت نهائياً من اهتمامات الإدارة الأميركية، ولا يمكن بالتالي الإقدام على مغامرة الرد على الهجوم الكيميائي.

يبني نظام الأسد قرار استخدام الأسلحة الكيميائية على أساس حساباتٍ خاصة به، ورهانات لا يفهمها غيره، وليس لها علاقة بالعقلانية والرشد، وهو نظامٌ فريدٌ لا يجوز محاكمة سلوكه وفق أصول السياسة وطرائق إدارة الأنظمة السياسية للأزمات التي تواجهها، والغريب أن من يرى في نظام الأسد الرشد، وأنه ليس على تلك الدرجة من الحماقة لكي يورّط نفسه في جريمة شهودها كثر، يتغافل عن خوض هذا النظام حرب إبادةٍ ضد السوريين، بشراً وعمراناً، منذ ثماني سنوات، وكأنما كل هذا الدمار والتطهير الطائفي والتغييب في السجون قرارات عقلانية ذكية، واستخدام الكيماوي خارج عن هذا السياق؟

لم يكن نظام الأسد في أي يوم نظاماً سياسياً بمعنى الكلمة، كان خليطاً من عصابات مافياوية وزعران وشبيحة، أقاموا شكلاً من أشكال "الدولة" اللصوصية التي تسيرها أجهزة المخابرات، وتتلطّى بنتف شعاراتٍ عن القومية والاشتراكية، فمن أين لها بالسياسة؟

==========================

جولة جديدة من الصراع الدولي على الأراضي السورية .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 12/4/2018

قد يختلف الرد المرتقب على ضرب النظام لدوما بالسلاح الكيماوي، عن ضربة مطار الشعيرات، العام الماضي، ليس بحجمها ربما، بل بنشوء تحالف دولي يقوم بها، في مقدمته الولايات المتحدة وفرنسا، من غير أن يقتصر عليهما.

ربما هذا هو الجديد الذي علينا التركيز عليه لفهم أبعاده وتداعياته المحتملة.

وقد اتضح في جلسة مجلس الأمن الأخيرة التي انعقدت حول موضوع ضرب دوما بالسلاح الكيماوي، أن طرفي خط المواجهة: الروس من جهة، والأمريكيين والفرنسيين والبريطانيين من جهة ثانية، لا يأبهان كثيراً بما فعله «الحيوان» (على وصف ترامب لبشار الكيماوي) في دوما، بقدر ما هما مهتمان بصراع الإرادات فيما بينهما. واضح أن التحالف الغربي قد ضاق ذرعاً بتمدد روسيا العسكري ـ السياسي، ومحاولاتها فرض نفسها كلاعب في عالم ثنائي القطب، وتدخلاتها في الانتخابات في أكثر من دولة. وقد طفح الكيل بهذا التحالف بعد محاولة اغتيال الجاسوس الروسي المزدوج وابنته في سالزبوري. أما ضرب دوما بالكيماوي فقد وفر الفرصة المناسبة لتحجيم هذا «التضخم» الروسي بتنفيسه في أعز ما يملك، أي القدرات العسكرية التي استعرضها بوتين، قبل حين، بزهو ديك معجب بنفسه.

ذلك أن الأمريكيين لن ينتظروا نتائج تحقيقات أممية بشأن ما حدث في دوما، ومن الواضح أن القرار اتخذ، وقد لا يعني تأخير تنفيذه إلا الرغبة في تهيئة الرأي العام وتوفير أكبر مظلة دولية تعوض غياب القرار من مجلس الأمن. مع إبقاء الباب مفتوحاً لروسيا، لبضعة أيام فقط، لتقدم مشروع صفقة ما لقاء إلغاء الضربة، على غرار ما فعلت مع إدارة أوباما، في أيلول/سبتمبر 2013، حين طرحت فكرة نزع سلاح النظام الكيماوي مقابل إلغاء الضربة الأمريكية التي كان أوباما قد توعد بها.

ما الذي يمكن لموسكو أن تفعله في مواجهة التحالف الدولي الذي يتم إنشاؤه لمعاقبة بشار الكيماوي؟

فاستخدامها لحق النقض، في مجلس الأمن، يشير إلى نية المواجهة، أو، في أسوأ الاحتمالات بالنسبة لها، حرمان أي عمل عسكري محتمل لمعاقبة النظام من غطاء «الشرعية الدولية». وبالنظر إلى سوابق موسكو في سوريا، لا يمكن أن نتوقع ما هو أكثر من ذلك، أي الاشتباك مع قوات التحالف دفاعاً عن تابعها السوري. وعلى سبيل المثال فقد تجاهلت موسكو مقتل نحو مئة وخمسين من المرتزقة الروس قرب دير الزور، الشهر الماضي، تهرباً من المواجهة مع القوات الأمريكية. بل حتى مع إسرائيل، واظبت روسيا على التصرف كمن لا يرى ولا يسمع كلما ضربت إسرائيل مواقع للنظام أو لحلفائه الإيرانيين. إلى حد أنه يمكن الحديث، في هذا الباب، عن أن «قواعد الاشتباك» المتفق عليها بين روسيا وإسرائيل، في سوريا، تسمح للأخيرة بضرب أي موقع للنظام والإيرانيين كلما رأت ضرورة لذلك.

وقد تشير الغارة الإسرائيلية التي استهدفت مطار تيفور العسكري، قرب مدينة حمص، في غمرة التهديدات الأمريكية بمعاقبة النظام الكيماوي، أن إسرائيل نفسها قد تكون جزءاً من التحالف قيد الإنشاء. فهذه فرصة لها لتظهر في مظهر الدولة المنسجمة مع الإجماع الدولي في مكافحة استخدام الأسلحة المحظورة، لتغطي على تاريخ من العزلة الدولية تحت حماية الفيتو الأمريكي، كنظيره الروسي الذي أغلق مجلس الأمن طوال السنوات السبع الماضية أمام أي محاولة لمحاسبة النظام الكيماوي. كذلك أبدت السعودية استعدادها المبدئي للمشاركة في «تحالف معاقبة الحيوان» إذا جاز التعبير. وقد نشهد، في الساعات والأيام القليلة القادمة انضمام دول إضافية إلى هذا «الاحتفال الجماعي».

هل تملك موسكو أي حوافز جديدة تقدمها للأمريكيين وحلفائهم تجنباً للضربة التي ستؤذي صورة روسيا بوتين، أكثر من أذاها المحتمل على النظام الساقط، بالنظر إلى أنه ليس لدى واشنطن أي نوايا للإطاحة به.

إذا صح ما يشاع من أن أحد الخيارات التي طرحها البنتاغون أمام الرئيس ترامب هو ضرب المطارات العسكرية للنظام بما يشل قدرته على تنظيم أي غارات جوية بعد الآن، فيمكن لموسكو أن تلزم النظام بالإعلان عن التوقف عن استخدام سلاح الطيران بصورة نهائية في الصراع الداخلي. من شأن هذا المخرج أن ينقذ ما تبقى من سلاح الجو التابع للنظام، لكنه يقيد القدرات الروسية تماماً في تغيير موازين القوى على الأرض، على ما دأب طوال سنتين ونصف من تدخلها العسكري في سوريا. لتصبح القوة الروسية في سوريا قوة دفاعية فقط، فإذا خرقت ذلك كانت هي في فم المدفع بدلاً من النظام. فتتحمل مسؤولية كل ما قد ينتج عن غارات طيرانها الخاص من استهداف المستشفيات والأسواق الشعبية والمدارس وغيرها من المواقع المدنية.

إن نتيجة صفقة من هذا النوع لن تختلف كثيراً عن وقوع ضربات التحالف لمواقع النظام فعلاً. فسوف يثبت للعالم، في الحالتين، محدودية القدرة الروسية على حماية حليفها السوري حين يتعلق الأمر بمواجهة تحالف غربي.

شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا تسمح بتوقع ما قد يصدر منه في الساعة التالية. فقبل أقل من أسبوعين أعلن الرجل عن نيته بالانسحاب من سوريا، وتركها للآخرين ليهتموا بها. وها هو اليوم يهدد بضربة عسكرية مشتركة مع حلفائها الذين أبدوا استعدادهم للمشاركة. لكن الثابت، إلى الآن، هو التصعيد ضد روسيا منذ محاولة اغتيال العميل المزدوج، تصعيد بدأ بطرد الدبلوماسيين الروس، ثم بفرض عقوبات على شخصيات مقربة من بوتين، وأخيراً المواجهة في مجلس الأمن والاستعداد لضرب النظام.

سواء وقعت الضربة أم تم تجنبها من خلال صفقة ما، فالروسي هو في وضع الخاسر.

٭ كاتب سوري

==========================

سيناريوات المستقبل السوري .. رضوان زيادة

الحياة

الخميس 12/4/2018

بعد سيطرة النظام السوري على الغوطة تبدو سيناريوات المستقبل السوري مختلفة تماماً عن تلك التي رسمت في العامين 2012 و2013، خصوصاً بعد التدخل العسكري الروسي المباشر في أيلول (سبتمبر) 2015، الذي لعب دوراً حاسماً في قلب الموازيين لصالح النظام السوري، حيث تمكن بعدها من السيطرة على ثلاث مناطق استراتيجية كانت تحت سيطرة المعارضة، هي حمص وحلب ثم الغوطة الشرقية. نجاح قوات الأسد المدعومة من قبل المليشيات الإيرانية والقوات الروسية سمح لنظام الأسد بتغيير الخريطة على الأرض تغييراً كبيراً بعد هزيمة تنظيم «داعش» في الشمال وفي الشمال الشرقي في سورية، تلك المناطق التي تخضع الآن لسيطرة القوات المتحالفة مع الولايات المتحدة متمثلة في قوات وحدات الحماية الكردية، وعلى ذلك يمكن رسم عدة سيناريوات للمستقبل السوري أو توقع كيف ستؤول الأمور إليه في سورية في المستقبل القريب.

فإذا تمكن النظام من استعادة السيطرة على كل المناطق عسكرياً، بما فيها التي ما زالت الآن خارج سيطرته من مثل إدلب وريف حلب وريف حماة الواقعة تحت سيطرة المعارضة السورية المسلحة المدعومة في شكل جزئي من قبل تركيا، ومناطق أخرى ما زالت تحت سيطرة قوات الحماية الكردية من مثل الرقة وعين العرب (كوباني) والقامشلي والمدعومة في شكل جزئي من قبل الولايات المتحدة، وبالتالي نجاح هذا السيناريو يعني تقريباً اصطدام نظام الأسد ومن خلفه القوات الروسية والإيرانية مع تركيا، في حال قرر نظام الأسد السيطرة على تل رفعت ومنبج وغيرها من المناطق التي تقع تحت سيطرة المعارضة السورية المسلحة ممثلة في الجيش السوري الحر بدعم مباشر من قبل الجيش التركي، كما تعني اصطداماً عسكرياً مع الولايات المتحدة في حال قرر نظام الأسد السيطرة على الرقة والمناطق المحيطة بها في الشرق السوري والتي تخضع لسيطرة قوات الحماية الكردية، أعتقد أن هذا السيناريو مستبعد في الوقت القريب، إذ لا تجد روسيا لها مصلحة في التصعيد العسكري المباشر مع تركيا أو الولايات المتحدة على الأرض السورية، حتى لو كان النظام الأسد يردد باستمرار رغبته في السيطرة الكاملة على الأراضي السورية، وبالتالي لن نتوقع أن يتمكن الأسد من هذه السيطرة على كافة الأراضي السورية، بل ستبقى جيوب وأحياناً جيوب بحجم مدن ومحافظات كاملة خارج سيطرته كما هي حال الرقة وإدلب وريف حلب وريف حماة، وبالتالي يمكن وصف هذا السيناريو بأنه يمثل الحلم بالنسبة للنظام السوري، لكنه الأكثر لاواقعية بالنظر إلى طبيعة الخرائط الإقليمية والدولية المحيطة بسورية اليوم.

ويمكن توقع تقسيم سورية بالاعتماد على مناطق النفوذ المذكورة في السيناريو الأول، يقوم على أساس المركز أو الداخل بيد النظام السوري متقاسماً النفوذ مع روسيا في الساحل، مع ضمان استمرار القواعد العسكرية الروسية في حميميم وطرطوس وغيرها من مناطق الانتشار كما في حلب والآن الغوطة الشرقية.

بينما يبقى الجنوب السوري في يد المعارضة السورية المسلحة بالاعتماد على التفاهم الأردني– الروسي– الأميركي بعدم التصعيد في الجنوب السوري، وبقاء خطوط التماس كما هي في عام 2014 ومعابر الحدود السورية– الأردنية مغلقة أو معلقة.

أما الشمال السوري ممتداً من القامشلي إلى إدلب، فإنه يتحول من اللون ألأصفر وهي مناطق سيطرة قوات الحماية الكردية إلى اللون الأخضر تدريجياً، وهي تعني سيطرة المعارضة السورية المسلحة بدعم من القوات التركية والتي تمكنت من طرد قوات الحماية الكردية من عفرين وفي طريقها للقيام بنفس الأمر في منبج. ووفق تصريحات الرئيس التركي أردوغان فإن القوات التركية تتجه نحو طرد قوات الحماية الكردية في كل مناطق الشمال السوري.

أما الشرق السوري فتحتفظ فيه الولايات المتحدة بنفوذ قوي خصوصاً في الرقة والمناطق المحيطة بها، وقد أعلنت الولايات المتحدة على لسان وزير الدفاع جيمس ماتيس ووزير الخارجية الأسبق ريكس تيلرسون، أن الولايات المتحدة ستحتفظ بقواتها العسكرية في سورية لفترة ليست بالقصيرة حتى تأمين وتحقيق الانتقال السياسي بعد الأسد، وضمان عدم ظهور تنظيمات متطرفة تستفيد من الفوضى السورية اليوم، وبالتالي سيبقى الشرق السوري لفترة تحت النفوذ الأميركي ولقوات الحماية الكردية التي يتقلص نفوذها في الشمال السوري بسبب التمدد التركي.

وفق هذا السيناريو فإن القوى الدولية والإقليمية ستتقاسم النفوذ في سورية وستتغير خرائط النفوذ هذه وفق تغير علاقاتها مع القوى الأخرى، ووفق تغير مصالحها أو خريطتها السياسية الداخلية ، طبعاً لن يكون هناك تغير في الخارطة الداخلية في إيران أو روسيا خصوصاً بعد الانتخابات الأخيرة، لكن مع المشكلات الداخلية التي تعترض إدارة ترامب في الولايات المتحدة، ربما تغير موقفها في سورية، إذ أشار تقرير في صحيفة الواشنطن بوست أن الولايات المتحدة تفاوض خروجها من سورية مع السعودية العربية مقابل بعض الامتيازات المالية، وإذا صح هذا التقرير يعني أن إدارة ترامب ربما تسحب قواتها كلياً من سورية لحساب روسيا والنظام السوري.

فهذا السيناريو إذا يبدو الأقرب لمستقبل سورية اليوم مع تغييرات طفيفة في خرائط النفوذ وفق تغيير موازيين القوى على الأرض وعلاقاتها مع القوى الأخرى، لكن في الوقت نفسه هذا السيناريو يبدو عرضة لتغيرات جوهرية في حال قررت الولايات المتحدة الانسحاب كلياً من سورية، أو في حال قررت تركيا السيطرة الكلية على الأراضي التي تخضع لقوات الحماية الكردية في الشرق السوري.

 

كاتب سوري

==========================

هل توقف ضربة أميركية - فرنسية لسورية وحشية نظامها؟ .. رندة تقي الدين

الحياة

الاربعاء 11/4/2018

فظاعة منظر ضحايا الهجمات الكيماوية في سورية التي يرتكبها النظام جعلت الرئيس دونالد ترامب يصف بشار الأسد وصفاً مقذعاً، ويتلقى من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اتصالين خلال ٤٨ ساعة لتنسيق المواقف إزاء الهجوم الوحشي الكيماوي على دوما الذي أدى إلى سقوط أكثر من ٥٠ قتيلاً من بينهم عدد كبير من الأطفال. هذا الهجوم الوحشي سيكون في صلب المحادثات التي يجريها الرئيس الفرنسي مع ضيفه السعودي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في الإليزيه، الذي سيعطيه صورة مفصلة عما تقوم به إيران في المنطقة بأسرها، من سورية إلى اليمن إلى العراق، وتزويدها الأسلحة القاتلة والمسمة إلى النظام السوري والحوثيين و «حزب الله».

الجهود التي قامت بها فرنسا لدفع مفاوضات للمرحلة الانتقالية في سورية فشلت كلها بسبب تعنت روسيا التي تريد حلاً يبقي بشار الأسد على رغم تمزيقه سورية وتدميرها. والانطباع العام الذي يحب الجانب الروسي إعلانه ويتباهى به بشار الأسد هو أن النظام السوري انتصر واستعاد المناطق التي كان خسرها، في حين أنه يستعيد مدناً مدمرة وبلداً بلغ النازحون فيه الملايين ولن يعودوا. وتتوسع مطامع تركيا في سورية مع تخلي الأميركيين عن الدعم الحقيقي للأكراد. أما إيران فتتركز في سورية في شكل يهدد حتى روسيا نفسها التي ما زالت تحتاج إلى حلفها مع طهران في هذه المرحلة.

ماكرون أعلن باسم فرنسا أكثر من مرة أن استخدام النظام السلاح الكيماوي في سورية خط أحمر، وإذا تجاوزه سيتم ضرب القواعد التي اطلق منها الكيماوي. وفي واقع الحال أن الكل مدرك أن بشار الأسد تجاوز الخط الأحمر في الوحشية ولن يوقفه العالم الغربي حتى بضربات محددة على مواقع وقواعد عسكرية، لأنه محمي من ديكتاتوريي روسيا وإيران اللتين لا تباليان برأيهما العام وما إذا كان شعباهما يوافقان أم لا على التدخل العسكري في سورية، فمثلاً هناك جدل في إيران على الصعيد الشعبي حول جدوى التدخّل العسكري في سورية وصرف المبالغ الهائلة لتمويل «حزب الله» ومقاتليه في لبنان، لكن النظام لا يهمه معارضة شعبه إزاء الموضوع. وروسيا استفادت من تدخّلها في سورية باعتراف العالم بأن الرئيس بوتين هو مفتاح الحل، لأن الغرب، خصوصاً الولايات المتحدة، لم يعد مستعداً بعد كارثة حرب العراق للتدخل العسكري المباشر. وترامب لن يغير رأيه، على ما غرّد بأنه يريد مغادرة القوات الأميركية سورية، فهو مستعد لضرب «الحيوان» لمعاقبته ولكنها ضربة محددة الهدف لموقع بعينه. والدول الديموقراطية أضعف في التصدي لوحشية النظام السوري بعد فشلها الذريع بعد قلب نظام صدام حسين في العراق والقذافي في ليبيا.

أصبحت هذه الدول حذرة جداً من إرسال قوات أو القيام بضربات لقلب النظام وإن كان هذا النظام يهجّر جزءاً كبيراً من شعبه إلى دول الجوار وأوروبا وغيرها، ويشكل مشكلة كبرى من لاجئين صاروا عبئاً على دول الجوار بما يرتّب على الأسرة الدولية جزءاً من المسؤولية.

ولسوء الحظ أصبح الحل الوحيد في يد القيادة الروسية التي لا تتردد من إبقاء قواتها في سورية طالما سلّمها الأسد مفتاح بلده. واللافت أن القيادات الثلاث الروسية والسورية والإيرانية تتسابق في نفي استخدام النظام السوري السلاح الكيماوي في حين أن كل الصور تؤكد ذلك. فإذا ضربت الولايات المتحدة وفرنسا قواعد عسكرية لسورية لن يرتدع النظام من الاستمرار مع الدعم الإيراني والروسي في تخريب البلد والمنطقة.،

الحل هو في التوصّل إلى توافق أميركي- روسي على وضع جديد في سورية يضمن انتقالاً من دون الأسد، ولكن، لا أحد يثق بالسياسة الأميركية لأنها منحازة كلياً لما تريد إسرائيل التي حرصت دائماً على حماية حكم آل الأسد، وهذا لا يدفع إلى التفاؤل بمستقبل سورية، لأن الحل معضلة والديموقراطيات لن تتدخّل عسكرياً للتصدي لإيران وروسيا، والهيمنة ستبقى للقوة على الأرض من دون حل نهائي.

==========================

حين أصبحت الحرية عدواً للغرب في سوريا .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاربعاء 11/4/2018

حين أصبحت الحرية عدواً للغرب في سورياحين أصبحت الحرية عدواً للغرب في سوريا

لم يكن يتوقع الغرب أن يتعرض لامتحان واختبار قاسٍ بشكل لحظي، فضلاً عن يومي وعلى امتداد 7 أعوام، كما يتعرض له اليوم في بلدان الربيع العربي بشكل عام، وفي سوريا بشكل خاص، فالغرب الذي أقام فلسفته وأيديولوجيته -بمواجهة الشيوعية والفاشية- على الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وجد نفسه فجأة في خندق واحد مع أعداء الأمس من الشيوعية والفاشية العربية الاستبدادية، بمواجهة القيم التي كان يدافع عنها بالأمس، بل وشكلت حمضه النووي لعقود.

عشنا -نحن الصحافيين- في عصر، لم نسمع يوماً أن نقلنا عن مصادر دبلوماسية شرقية، واقتصرت مصادر الصحافيين على المصادر الدبلوماسية الغربية لثقتنا بها، وثقة الجمهور ثانية، بخلاف الثقة المعدومة في المصادر الدبلوماسية الشرقية، اليوم نرى أن الطرفين متساويان بالأمر، إن لم تكن الثقة بالمصادر الشرقية أفضل، وهو ما عكسته قياسات الرأي الغربية باستطلاعها الجمهور الغربي برأيها في المصادر الإعلامية الروسية، وتراجع الإعلام الغربي تراجعاً مريعاً في تظهير الصورة الحقيقية للأحداث على الجمهور العالمي، كما كان حاله أيام الجهاد الأفغاني والحرب الباردة بشكل عام، فنراه اليوم متقاعداً تماماً عما يحصل في الشام وغيرها.

صمت الغرب وصمتت معه رائدته أميركا عمّا يجري بالشام، بل ولحست كل تهديداتها وعنترياتها حين تجاوز الأسد الخطوط الحمراء ولا يزال، وتجاوزت معه انتهاك سيادة دولة بحجم سوريا بغزو خارجي، وميليشيات طائفية أجرمت بحق السوريين، بينما ظلت تركض وراء وهم عدو هو الجهاديون، وتخلت عن القاتل المتسبب بكل هذه المأساة، وعلى الرغم من عدم تعرضها لعدوان واحد من الجماعات الثورية السورية الموجودة على الأرض السورية، بله تصريحاً هجومياً واحداً من هذه الجماعات، فإنها ظلت تقصفها وتقصف معها المدنيين السوريين، طبعاً إذا استثنينا تنظيم الدولة «داعش»، في حين ظلت معه العصابة الطائفية طليقة من العقاب على الرغم من كل الجرائم التي ارتكبتها.

لم يعد السوريون ينتظرون من الغرب -وعلى رأسهم أميركا- دعمهم في التحرر من عصابة طائفية مدعومة من احتلال أجنبي، وإنما على الأقل أن تمنع تهجيرهم واقتلاعهم من أرضهم، بعد أن تم اقتلاع أكثر من 60 % من السوريين، أما إذا استثنينا الأقلية الطائفية التي أفرزت هذه العصابة، فنستطيع أن نقول، إن أكثر من 80 % من السوريين قد تم تهجيرهم، ومع هذا لا نسمع للغرب وأميركا ركزاً تجاه ما يجري من أفعال يندى لها جبين البشر، لكن ثبت أن من نعوّل عليهم قد فقدوا جينات بشريتهم منذ زمان.

ما الرسالة التي أرسلتها أميركا والغرب بشكل عام من خلال تعاطيهم مع الثورة السورية؟ إنها رسالة واحدة وهي أن الحرية خارج أميركا عدو أبدي لنا، وأن الاستبداد والاحتلال والخراب والدمار حليفنا الاستراتيجي الذي لا نحيد عنه، ولو كلفنا ذلك ما كلفنا من تدمير حتى لقيمنا، التي رفعناها وهتفنا بها صباح مساء.;

==========================

واشنطن وموسكو: من يصرخ أولا؟ .. علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 11/4/2018

دخلت العلاقات الأميركية الروسية مرحلة دقيقة وحادة، في ضوء رفض الولايات المتحدة إعطاء روسيا الاتحادية أيا من مطالبها السياسية والاستراتيجية، ما وضعها في موقفٍ حرجٍ، ودفعها إلى تصعيد خطواتها السياسية والعسكرية في أكثر من ملف وقضية تمس مصالح واشنطن وحلفائها، من مباركة هجوم إيران والنظام السوري على الغوطة الشرقية، وتغطيته سياسيا وإعلاميا، ومشاركة طائراتها في القصف والتدمير، إلى إعطاء تركيا الضوء الأخضر لمهاجمة عفرين، وضرب حلفاء واشنطن في سورية، مرورا بالتحرّك في ألبانيا لعرقلة مرور أنبوب غاز شرق المتوسط إلى أوروبا عبر مياهها، وقطع إمدادات الغاز عن أوكرانيا، والتحرّك النشط في ليبيا واليمن، وإرسال غواصةٍ تعمل بالطاقة النووية، وتحمل صواريخ نووية إلى الساحل الغربي للولايات المتحدة، لإظهار قيادتها المعسكر المنتصر في الشرق الأوسط، من جهة، وتجسيد قدرتها على المسّ بالولايات المتحدة وبشركائها، من جهة ثانية. كل ذلك من أجل دفع الولايات المتحدة إلى الجلوس إلى طاولة التفاوض، واحترام روسيا لاعبا دوليا لا غنى عن التنسيق معه، بعد أن تجمعت لديها معطياتٌ عن مضي واشنطن في مساعيها إلى تعقيد الوضع أمامها أكثر، وحرمانها من استثمار إنجازاتها العسكرية في سورية، في صياغة الحل فيها، وفق أهدافها ومصالحها، وفق ما أورده موقع "مونيتور" الروسي، وإنها (واشنطن) أكثرت من الخطوات التي فاجأت الروس، سواء في جعل شمال شرقي سورية محميةً أميركية، أو في وضع اليد على معبر التنف، أو في ردع مرتزقة روسيا، حين اقتربوا من حقول النفط في محافظة دير الزور.

قاد فشل موسكو في دفع واشنطن إلى القبول بمطالبها إلى التصعيد في نشاطها العسكري، حتى لو كلفها ذلك خسائر، أو تطلب زيادة نفقاتها العسكرية في سورية، بإرسال تعزيزاتٍ عسكريةٍ 

"يسعى ترامب إلى الضغط على موسكو كي تُغير سياستها في الشرق الأوسط بشكل كامل" إلى سورية، وسماحها بإرسال دفعاتٍ جديدة من المتعاقدين الروس الذين يقاتلون، بصفة غير رسمية، إلى جانب قوات النظام السوري، وتعزيز التنسيق الميداني مع شريكيها التركي والإيراني، وتجيير السلوك الإيراني لخدمة مخططها، لاستكمال استعداداتها من أجل توسيع المواجهة مع واشنطن، ومع الفصائل المدعومة منها، في المرحلة المقبلة.

شكل التحرك الروسي الهجومي في أكثر من منطقة، أوكرانيا وسورية، والسياسي، في ليبيا واليمن، تحولا في الاستراتيجية الروسية التي كانت قد اعتمدت سياسة التكيف والدفاع، حتى بات الرئيس فلاديمير بوتين، في نظر المراقبين "رئيسا في الحرب"، في ضوء توجهه نحو الاحتكاك بالولايات المتحدة، باعتباره (الاحتكاك) مدخلا لاستعادة عظمة روسيا. هدف يستدعي أن يكون العدو كبيرا، مع إدراكه أن واشنطن قادرةٌ، إذا قرّرت الرد على المساعي الروسية إلى تقويض موقعها الجيوسياسي في العالم، على تكبيد روسيا خسائر باهظة في الشرق الأوسط، وانخراطه في سباق تسلح معها، ورصده موازنةً ضخمة للإنفاق العسكري، فقد أعلن نائب رئيس الوزراء الروسي، ديمتري روغوزين، عن موافقة الرئيس بوتين، قبل إلقائه خطابه عن حالة الاتحاد يوم 1/3/2018، على موازنة دفاعية جديدة، تمتد بين 2018- 2027، تقدر بأكثر من 250 مليار دولار. علماً أن النفقات العسكرية الروسية عام 2011 وصلت إلى قرابة تريليوني روبل (ما يعادل 60 مليار دولار)، وشكَّلت 19% من مجموع نفقات الموازنة العامة للدولة، حسب تصريح وزير المالية الروسي السابق، ألكسي كودرين، نفقات بلغت ما نسبته 4.8% من إجمالي الناتج المحلي، يعتبر أعلى بكثير من المتوسط العالمي للنفقات العسكرية، تنفق كل من الصين والولايات المتحدة 2.2% و 3.5% من إجمالي الناتج المحلي، على التوالي. وهو ما يمثل عبئاً ثقيلاً على دولةٍ تعاني من تدهور اقتصادها، تنفق حوالي ثلث ميزانيتها على الدفاع، ويتزايد فقرها، ويتدنّى فيها الاهتمام الحكومي بالتنمية، تكرّر قيادتها أخطاء النظام السوفييتي الذي ركز على القوة العسكرية، وأهمل التنمية وتحسين حياة المواطنين عبر تطوير البنى التحية والخدمية والمعيشية، حتى شاع وصفه بعملاق بساق جبارة (العسكرية) وأخرى هزيلة (الاقتصادية)، وهذا أدى إلى انهياره المدوي.

جاءت استجابة الولايات المتحدة للتحديين، الروسي والصيني، لكنه خارج موضوعنا، بتبنّي ما أسماه الزميل البارز في مركز العمل الوقائي في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، ميكا زينكو، "سياسة القوى العظمى"، و"المنافسة الجيوسياسية"، مذكّرا بما ورد في "وثيقة الاستراتيجية الأميركية" أن "المنافسة الاستراتيجية بين الدول، وليس الإرهاب، هي الآن الشاغل الرئيسي للأمن القومي في الولايات المتحدة". و"هذا يعني أن الصين وروسيا أصبحتا على رأس أولويات مخططي الدفاع، وليس "داعش" أو "القاعدة" أو الإرهابيين الموجهين ذاتياً، والذين يقيمون في الولايات المتحدة أو خارجها". وهذا قادها إلى أخذ إجراءات عسكرية وسياسية واقتصادية متتالية، للتضييق على روسيا، بدءا من تعزيز حضورها العسكري في عدة مناطق سورية. وقد ارتفع عدد القواعد الأميركية في المنطقة إلى 25 قاعدة عسكرية، وأنهم يواصلون بناء قواعد جديدة، وفق تصريح العقيد الروسي المتقاعد، ألكسندر زيلين، ما دفع 

"دخلت العلاقات الأميركية الروسية طورا خطيرا" وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إلى القول: "لاحظنا في الأشهر الأخيرة أن الولايات المتحدة أخذت ترسخ وجودا جديا على الضفة الشرقية للفرات، وعلى مساحات كبيرة من الأراضي السورية حتى الحدود مع العراق، وهي لا تنشر قواتها وتعزّز منشآتها ومواقعها العسكرية هناك فحسب، بل ترعى وتمول تشكيل هيئات سلطة محلية موازية خاضعة لها". وأضاف "إنهم يديرون حربا مباشرة وليس بالوكالة"، وانتقاد وزارة الدفاع الروسية لها "لرفضها تسليم الأجزاء التي تسيطر عليها شرق مدينة دير الزور إلى الحكومة السورية"، إلى تحميلها روسيا مسؤولية قتل المدنيين، على خلفية تغطيتها ممارسات النظام، وخصوصا في موضوع استخدام الأسلحة الكيماوية، وطرحها الموضوع على مجلس الأمن الدولي بشكل متواتر، وتنسيقها عملية طرد جماعي لدبلوماسيين روس، ردا على استخدام روسيا غاز الأعصاب، لقتل جاسوس روسي سابق يعيش في المملكة المتحدة (طرد أكثر من 150 دبلوماسيا روسيا من 24 دولة غربية)، وفرض مزيدٍ من العقوبات عليها (الأخيرة كانت يوم 6 /4 /2018، طاولت سبعة أثرياء من دائرة الرئيس الروسي بوتين، و12 شركة و 17 مسؤولاً، وشركة للاتجار بالأسلحة مملوكة للدولة الروسية، وأحد فروعها، بالإضافة إلى مصرف).

دخلت العلاقات الأميركية الروسية طورا خطيرا، وقد أكد استبدال وزير الخارجية، ريكس تيلرسون، ومستشار الأمن القومي، هربرت ماكماستر، باثنين من صقور اليمين الأميركي، مايك بومبيو وجان بولتون، للمنصبين على التوالي، التوجه إلى الضغط أكثر على روسيا، اعتبر سيرغي جيليزنياك، وهو نائب في البرلمان الروسي (الدوما)، أن آمال ترامب معقودة على أن بومبيو سيكون أكثر "صقوريةً" في القضايا التي ستُملى عليه. وبهذا المعنى، علينا أن ننتظر من بومبيو مواقف أكثر تشدّدا في سياسة الولايات المتحدة الخارجية". وقد ذهبت قراءاتٌ إلى أن المهمة الرئيسة الملقاة على بومبيو هي التضييق على روسيا لإخراجها من سورية، لأن ترامب يسعى إلى الضغط على موسكو، كي تُغير سياستها في الشرق الأوسط بشكل كامل. وبهذا سيتمكّن من تحقيق وعده الانتخابي لمعالجة القضية الإيرانية، وفق رؤيته.

وقد دفع تصاعد الخلاف الأميركي الروسي ومآلاته المحتملة السفير الفرنسي السابق في سورية، ميشال دوكلو، إلى أن يكتب، في مقالة نشرها في صحيفة الشرق الأوسط (28/3/2018) "لم نبلغ الفصل الأخير في سورية بعد": "ما زلنا في خضم سيناريو الحرب بالوكالة، لكننا بتنا في مواجهة خطر التصعيد الحقيقي بين مختلف الأطراف العسكرية للقوى الإقليمية والدولية، والذي سيسفر عن نشوب صراع إقليمي مسلح".

==========================

مقايضة الدول الضامنة احتلال سورية .. عمار ديوب

العربي الجديد

الاثنين 9/4/2018

ارتبط مفهوم الدول الضامنة لتطبيق مناطق خفض التوتر في سورية، بروسيا وتركيا وإيران. عقدت هذه الدول، أخيرا، اجتماعاً لدراسة الوضع السوري خصوصا؛ وعلى وقعه، وفي أثنائه، تمّت صفقة عفرين الغوطة. ويلحظ هنا أن تركيا وروسيا هما المستفيدتان، بينما إيران بالكاد تلحظ مصالحها. وهناك تقارير أكدت غياب أي دور لها في معركة الغوطة. تبيّن أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي أطلق تصريحاً يتعلق بسحب قواته من سورية يريد ابتزاز السعودية لتدفع أربعة مليارات قبالة بقاء أميركا في سورية، ولتتجهز، كما يبدو، لدفع مبالغ كبرى، حينما تحدث المواجهات مع إيران. المواجهات مع إيران واحدة من القضايا التي تجتمع عليها الشخصيات الجديدة في الإدارة الأميركية، وتتطلب تمويلاً، وهذا سيكون بالتأكيد سعودياً. إذاً القضية الأساسية لترامب والإدارة الأميركية هي مواجهة إيران والعودة الكاملة إلى العراق، وابتزاز السعودية وأبوظبي من أجل التمويل، وهذا يتطلب تصريحات "تافهة"، كما راح يكرّرها كل من ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فيما يخص الخروج من سورية، وابتزاز كل من السعودية تارةً وإيران تارةً أخرى.

لم تكن تصريحات الدول الضامنة احتلال سورية في تركيا متوافقة، وهي ما زالت تتضمن اختلافات في الرؤية لواقع سورية، ومستقبل نظام الحكم فيها؛ فإيران تؤكد تمسّكها بالنظام كما هو، وروسيا تناور دائماً، وتؤكد مصالح الدول الأخرى في أية تسوية سياسية. وبالتالي ليست متمسكة بالنظام في هذه المرحلة، إلّا لعقدِ أوسع اتفاقيات تضمن سيطرتها الاقتصادية، وقد تتخلى عنه مستقبلاً. تركيا التي تحتل مناطق واسعة، تستعين بالفصائل والمعارضة السياسية في ذلك، أي أنها تأخذ مناطق من سورية، وبالتوافق مع روسيا خصوصا، لكنها تعطي للمعارضة دورا فيها، وبالتالي تقترب رؤيتها للحل من روسيا وتبتعد عن إيران.

"من خطط وقام بالعملية والمقايضة بين عفرين والغوطة هي روسيا والنظام من ناحية، وتركيا والفصائل من ناحية أخرى، أي أن إيران هُمشت في هذه الصفقة"

تكذب السياسة الأميركية، بإعلان تمسّكها بمحاربة الإرهاب وتنظيم داعش، وأن بقاءها مرتبط بزوال الأخير، حيث إن شماعة "داعش" تُستخدم بغرض الابتزاز، كما أشرت، ولكن أيضاً من أجل إخراج إيران من العراق، والضغط على روسيا للضغط على إيران، لتقليص وجودها في سورية.

تبيّن في معركة الغوطة، أخيرا، أن من خطط وقام بالعملية والمقايضة بين عفرين والغوطة هي روسيا والنظام من ناحية، وتركيا والفصائل من ناحية أخرى، أي أن إيران هُمشت في هذه الصفقة. وربما بسبب ذلك أكد الرئيس الإيراني، حسن روحاني، ضرورة إعادة عفرين إلى النظام، وبذلك تُرسل إيران رسالة احتجاج قوية ضد روسيا، ولكن عبر تركيا. فإيران تعلم أن من ضَمِنَ بقاء النظام، ولا سيما بعد تدخّلها العسكري في 2015، ليست هي، بل السلاح الروسي، أي لا مجال للعب مع روسيا.

المقايضة، اصطلاح يُستخدم، أخيرا، في الإعلام الذي يغطي سورية، ويقصد بها في الأصل المبادلة للفائض، وهي نظام سابق للمال وسيلة للمبادلة؛ روسيا وتركيا وأميركا، وأقل من ذلك إيران تتقايض سورية، وترسم نفوذها فيها. أكرّر هنا أن إيران لن تكون من الدول الفاعلة في مستقبل سورية، والضغط الأميركي ضدّها أخيرا يؤكد الأمر، ولو وضعنا في حساباتنا الدور الإسرائيلي، فإن مصالح كل من روسيا وإسرائيل في سورية ولبنان تفيد بذلك أيضاً.

لم تنته المقايضة بعد. وهنا صفقات أخرى ما زالت تنتظر، وتتعلق ببقايا الفصائل في ريف حمص الشمالي والقلمون، والتي تهددها روسيا أخيرا، وكذلك هناك صفقات قد تُعقد بخصوص درعا قبالة مناطق تأخذها أميركا في غرب الفرات، وأيضاً لم ينته وضع إدلب. ولكن وجود تعقيدات تتعلق بهذه المناطق لا يُلغي أن المعارك الكبرى انتهت في سورية، وأن كل لقاء جديد بين روسيا وتركيا وإيران سيكون لوضع الرتوش الأخيرة على مناطق النفوذ؛ أميركا والفرنسيون والبريطانيون حدّدوا مناطقهم، وهي تقريباً ليست للنقاش، باستثناء موضوع درعا.

لم يقبل النظام ثورة السوريين في العام 2011، وكاد أن يستجيب في منتصف 2012 وآخرها، ويجري تغييرات فيه. وحينها تدخلت إيران وأنقذته، و"فرضت" عليه عدم الرحيل! ولكن إيران نفسها لم تستطع قمع الثورة، فتدخلت روسيا 2015 لمنع سقوط النظام ورحيل إيران. وأيضاً فشلت تركيا وحلفها الخليجي في فرض المعارضة لتكون نداً للنظام، وفشلت كل لقاءات أستانة وجنيف. وبالتالي، وبعد خلافات كبيرة مع روسيا، اضطرت للتنسيق معها، وحصلت على حصة لها في سورية، عبر التنسيق والمقايضة معها، وهذا تمّ على وقع الخلافات مع أميركا. إذاً تركيا وإيران تعلمان أنهما ليستا دولاً توازي روسيا في سورية، وأن روسيا وحدها من يحدّد مناطق النفوذ والحصص الاقتصادية وسوى ذلك. ومن هنا نلاحظ النقد

"لا تعارض أميركا هيمنة روسية على سورية، لكنها تريد تحييد روسيا عن أي خطوات أميركية إضافية ضد إيران" الإيراني المستمر للنظام، وأنّه خان إيران، وأن مصالحها في سورية تتعرّض للانتهاك من روسيا، وكذلك نتابع الخلافات والتي لم تتوقف بين روسيا وإيران، منذ أن تدخلت روسيا في سورية.

وصلنا إلى القول إن الدولة الأساسية في المقايضة على سورية هي روسيا. ولكن ما هو دور أميركا في سورية؟ أوضحتُ أن لأميركا وشركائها في التحالف الدولي ضد "داعش" مناطق محدّدة، ولكن أميركا طامحة إلى تجديد احتلال العراق، وتَوضحَ ذلك في كيفية محاربة "داعش" في العراق وتهميش الأكراد هناك، ومن خلال القوى السياسية المتحالفة في العراق والساعية إلى تهميش إيران. إذاً لا تعارض أميركا هيمنة روسية على سورية، لكنها تريد تحييد روسيا عن أي خطوات أميركية إضافية ضد إيران، وهذا يعني أن أية مقارنة لنفوذ روسيا في سورية بنفوذ أميركا ستكون لمصلحة روسيا، والعكس صحيح فيما يخص العراق. المقايضة الحقيقية هنا أن العراق سيكون مجدّداً من نصيب أميركا، وسورية من نصيب روسيا، وسيكون نصيب كل من تركيا وإيران وإسرائيل بما تقرره الدولتان العظميان.

تكمن مشكلة سورية والعراق وتأخر البدء بعملية سياسية لصالح شعوبهما أن الدولتين العظميين مختلفتان في قضايا دولية كثيرة، وكذلك في غياب مشروع وطني في دولنا. وبالتالي ليس من حلولٍ قريبة، قبل التوصل إلى توافقاتٍ بين الثنائي الدولي.

سورية التي تُباع مقايضةً تُرسمُ مناطق النفوذ فيها تدريجياً، وستكون هنا معارك إضافية، ولن تنتهي بنهاية مدينة دوما؛ فهناك القلمون وريف حمص ودرعا، والأسوأ ليس هناك أي مشروع وطني يجمع أهلها!.

==========================

يوم الأرض الفلسطيني وتهجير السوريين .. سعد كيوان

العربي الجديد

الاثنين 9/4/2018

30 آذار 1976 - 30 آذار 2018. هل من يتذكّر "يوم الأرض" الفلسطيني؟ تاريخ يبدو بعيدا جدا، ليس فقط بمداه الزمني (42 سنة)، وإنما أيضا بمعناه ورمزيته، على الرغم من راهنيته، وعلى ضوء "مسيرة العودة" السلمية التي انطلقت من غزة في 30 آذار الماضي.

أقدمت إسرائيل عام 1976 على مصادرة 20 ألف دونم من الأراضي الفلسطينية، فانتفضت الضفة الغربية، وكانت المواجهة التي سقط فيها ستة شهداء وعشرات الجرحى، إلا أن إسرائيل لم تتراجع عن قرارها، فهجّرت آلاف الفلسطينيين، ودفعت آلاف المهاجرين اليهود للحلول مكانهم في أرضهم، واستمرت في تهجير الفلسطينيين، لكي تحكم استيلاءها على أكثر من ثلاثة أرباع أراضي فلسطين. فرضت إسرائيل معادلة التهجير في مقابل نشر الاستيطان، وسط نقمة شعبية عارمة، وشبه يائسة، وعجز عربي رسمي فاضح، وتغطية دولية أو صمت يصل إلى حد التسليم بالأمر الواقع. وكان "يوم الأرض" في 30 آذار 1976 الذي أعلنته يومها منظمة التحرير الفلسطينية، وكرسته من بيروت عنوانا للتضامن والدفاع عن الأرض.

مرت أكثر من أربعين سنة، ولم يستسلم الفلسطينيون. بقي سلاحهم الأقوى هو التشبث بالأرض - الوطن. وقبل أيام، انطلقت "مسيرة العودة الكبرى" من غزّة التي لا تزيد مساحتها عن 350 كيلومترا مربعا. نصبت مئات الخيم، استعدادا للبقاء هناك على طول الحدود مع قطاع غزة شهرا ونصف الشهر حتى 15 مايو/أيار، الذكرى السبعين لنكبة 1948 التي سجلت أول موجات النزوح الفلسطيني. يشارك في مسيرة الاحتجاج هذه عشرات الآلاف من الفلسطينيين، يواجهون باللحم الحي العسف الإسرائيلي! وسقط في الأسبوع الأول برصاص الاحتلال أكثر من عشرين فلسطينيا، وأصيب أكثر من 1500 آخرين.

"تم تهجير 150 ألف مدني من الغوطة من ديارهم وأرضهم خلال شهر، ثم جاء دور أهل دوما الذين سيغادر منهم حوالي مائة ألف"

وعلى الرغم من التخاذل العربي الرسمي، والإحباط العربي الشعبي، والعجز ومرارة العزلة الفلسطينية، وعلى الرغم من شراسة الاحتلال وتهويده الأرض، لا يزال الفلسطينيون صامدين، يستنبطون أساليب وطرقا مختلفة للمقاومة، ولرفض الاحتلال، واغتصاب الأرض وتهويدها واستيطانها، على الرغم من التمزق والصراع الفلسطيني - الفلسطيني. ستستمر المواجهة، وستكون بدون أدنى شك قاسيةً على مدى الأسابيع المقبلة. هدّد رئيس الأركان الإسرائيلي، الجنرال غادي إيزنكوط، بأن مائة من قنّاصي الجيش الإسرائيلي انتشروا لمواجهة أي خرق للسياج. والأرجح أن الجيش الإسرائيلي يستعد للمواجهة أيضاً مع أهل الضفة الغربية والقدس، بعد أن أصدرت حكومة المتهم بالفساد، بنيامين نتنياهو، أمراً بالسماح للمستوطنين بدخول باحة المسجد الأقصى. ستقع مواجهات، وسيسقط ضحايا، وستستمر المقاومة الشعبية السلمية.

إنه الغضب الفلسطيني الممزوج بالخيبات والإحباط. والإحباط هو أيضا رجع صدى للإحباط الذي منيت به ثورات الربيع العربي من أجل الحرية والكرامة، بدءا من مصر مرورا بليبيا والعراق وانتهاء بسورية التي أضافت أخيرا عنوان الأرض إلى تطلعات السوريين ومعاناتهم، بعد سبع سنوات من الحرب ومآسيها. لقد أجهض كل حلم بالتغيير حتى إشعار آخر. وبدل أهداف الثورة من أجل الحرية والانعتاق من حكم الاستبداد الذي دام نحو خمسين سنة، تحولت سورية إلى وطن مقهور وأرض سليبة، نتيجة بطش النظام واستماتته في اقتلاع السوريين من أرضهم وتهجيرهم. وها هم حماته لا يقلون بطشا وهمجيةً عنه، فموسكو تتباهى بأنها نجحت في تهجير 150 ألف سوري وتشريدهم من الغوطة، وبأنها تمكنت من إعادة كتائب النظام إليها، بمشاركة المليشيات التي جندتهم إيران والعراق وباكستان وأفغانستان.

تم تهجير 150 ألف مدني من الغوطة من ديارهم وأرضهم خلال شهر، ثم جاء دور أهل دوما الذين سيغادر منهم حوالي مائة ألف، وبذلك يكون قد تم تهجير قرابة ربع مليون من محيط دمشق، في فترة لا تتعدى الأربعين يوماً. رقم قياسي تخطى، على الأرجح، أول أعداد موجات النزوح الفلسطيني في 1948.

وفيما كانت مفاوضات دوما مستمرة، هدد النظام منطقة القلمون الشرقية بمصيرٍ مشابه للغوطة، وطلب من المدنيين والفصائل المسلحة الموجودة فيها بالرحيل فوراً، أو أنه سوف يلجأ إلى طردهم بالقوة. وتأتي منطقة القلمون بعد الغوطة، كونها بين حمص وحماة، وعلى الطريق نحو منطقة الساحل. مخطط تهجير وترانسفير سكاني، تمهيدا لتحويل الخط الساحلي إلى دويلة الأسد العلوية المعروفة بـ"سورية المفيدة".

قوات النظام هي إذاً من يقوم مباشرة بعملية التهجير، تدعمها المليشيات الطائفية التي يشرف عليها "الحرس الثوري الإيراني"، بإسناد لوجستي روسي جوي وبري. وهذا التوجه يخطط له الروس، أو يحظى على الأقل بموافقتهم ودعمهم. وهذا ما يؤكده وزير الخارجية الروسي،

"تحولت سورية إلى وطن مقهور وأرض سليبة، نتيجة بطش النظام واستماتته في اقتلاع السوريين من أرضهم وتهجيرهم" سيرغي لافروف، نفسه الذي أعلن، مع بدء معركة الغوطة في 18 فبراير/شباط الماضي، أن "عملية حلب (تم تهجير 200 ألف من سكانها) واتفاقات انسحاب المسلحين منها يمكن إعادة تطبيقها في الغوطة الشرقية، ونحن نسعى من أجل تحقيق ذلك". فهل سيتسنى لأهل الغوطة العودة إلى أرضهم ومنازلهم، ولسكان مضايا والزبداني، وحلب وغيرها.. ومتى؟ أم أن مصيرهم كمصير 11 مليون سوري موزعين على مخيمات البؤس في لبنان والأردن وتركيا وبعض دول أوروبا. الكارثة السورية ربما توازي، بفظاعتها، نكبة فلسطين، ولكن الفلسطينيين يقاومون المحتل، أما في سورية ماذا سيفعل الذين هجروا وشردوا؟ عليهم أن يواجهوا أخطبوطا مثلث الرؤوس: نظام يقهرهم منذ نحو خمسة عقود، وجيش غاز مدجج بآلة حرب فتاكة، ونظام آخر عقائدي تيولوجي، يطلق العنان لمليشياته الغازية تعيث فسادا في أرضه، وتتقاسمها مناطق نفوذ، فإذا قاوموا كما يحاولون أن يفعلوا فيوصمون بـ"الداعشية" والإرهاب.

والمفارقة الكبرى أن قادة روسيا وتركيا وإيران عقدوا قمة، في الرابع من إبريل/ نيسان، للتشاور حول مستقبل سورية، والأنكى أنهم يريدون هم أن يقرروا مصير السوريين، وأي دستور جديد للبلاد. علما أنه عندما حصلت سورية على استقلالها في بداية الأربعينيات، تولى السوريون بأنفسهم صياغة دستورهم، ولو أنها كانت بداية الديموقراطية ونهايتها في الوقت نفسه. بعدها دخلت سورية في نفق مظلم اسمه حكم "حزب البعث"، ودخل السوريون في أتون الانقلابات العسكرية الواحد تلو الآخر، وداخل الحزب الواحد نفسه، إلى أن استقرت السلطة سنة 1970 في أيدي "بعث عائلة الأسد".

... وهكذا أصبح السوريون اليوم أمام معادلة إما الأسد أو "داعش".

==========================

شرب السُمّ على سبيل التجربة! .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 8/4/2018

جاء في كليلة ودمنة: ثلاثُ لا يجترئُ عليهنّ عاقل: تأجيل عمل اليوم إلى الغد، وائتمان النساء على الأسرار، وشرب السُمّ على سبيل التجربة. هذه الثُلاثيات الواردة في «كليلة ودمنة»، التي ترجمها ابن المقفع عن الفارسية الوسيطة، ويقال إنها من أصولٍ هندية، تعرضت لانتقادات شديدة من جانب دارسي الأدب. وقيل الكثير عن أنها «بروتوتايب»، وفيها ذكورية بارزة. لكنّ المُدافعين عنها قالوا إنها من نتاج التجربة الإنسانية، وصارت بمثابة الحِكَم والأمثال التي إن لم تصحّ في كل الأحوال، فلا يجوز تجاهُلُها. وأذكر أنّ الخميني استعمل حلقتها الثالثة عندما قبل وقف إطلاق النار مع عراق صدّام، إذ قال إنّ قبوله لقرار مجلس الأمن كان أصعب عليه من تجرع السُمّ، لكنه تجرَّعه. فقد أَخرج بلادَهُ من المواجهة التي دامت ثماني سنوات. وعندما كنتُ أدرِّس بهارفارد، عام 2002، الأدب الديني القديم، ومقارنته بالحكمة الشرقية، والإفادة المتبادَلة، ووردت هذه الحكمة السائرة، وإمكان تأثير الصورة السلبية للمرأة فيها على صورتها في العهد القديم.. ضحك زميلٌ كان يشاركني المحاضرة، وقال للطلاب إنه سمع جون بولتون من «المحافظين الجدد» (صار الآن مستشاراً للأمن القومي في إدارة ترامب) يقول: إنّ خيار مواجهة الإرهاب، وسلاح الدمار الشامل في العراق بعد أفغانستان، هو في صعوبة شرب السم على سبيل التجربة، إنما من فوائده الجانبية تخويف إيران وكوريا الشمالية والمسلمين المتطرفين الذين تجرؤوا على ضرب أميركا. لكنْ بخلاف صحة توقع الخميني، حسب وجهة نظر الإيرانيين، فإنّ غزو العراق ما أخاف الإيرانيين والكوريين والمتطرفين، بل أفضى إلى دمار العراق، وتفاقم التطرف والإرهاب، واضطرار الولايات المتحدة للتدخل مجدداً بعد أن كانت جحافلها قد خرجت منه عام 2010. وهكذا ما نجح شرب السم، وصحيح أنه لم يقتل الولايات المتحدة، لكنه تسبَّب في قتل وتهجير ملايين الناس في العراق، فهل تضطر للعودة مرةً ثانيةً وثالثة؟! لقد اضطرت الولايات المتحدة للتفاوض مع إيران على النووي، وهي مضطرةٌ الآن للتفاوُض مع كوريا الشمالية على الملف ذاته!

ولندعْ هذا التطوافَ حول الموضوع. فنحن العرب يُعرضُ علنيا الآن من جانب الروس في سوريا، ومن جانب الأميركيين في فلسطين، أن نتجرع السُمَّ، بحسب الحلول المقتَرَحة. إنما الفرق أنّ تجارب تجرع السم حصلت معنا مراراً من قبل، وفي سوريا وفلسطين بالذات. كان هناك منطق بعد الهزيمة عام 1967 أنه لا تفاوُضَ مع العدو، ولا اعتراف باحتلاله. لكن بعضنا تفاوض واعترف، وقال لنا الرئيس السادات إبّان اعترافه إنّ نصف المشكلة نفسي، وليس احتلال الأرض. بينما قال البعض الآخر، إنّ تجرع السُمّ بالاعتراف دون مقابل استشفائي لا يجلب غير الموت أو الانتحار، ثم إن شرب السُمّ كتجربة فردية ولا يمكن أن يمثل «حلاً» لعشرة ملايين فلسطيني داخل فلسطين وخارجها! لكنْ ما هي البدائل؟ لقد أثبت استمرار النزاع أنه لصالح إسرائيل، التي نشرت المستوطنات الضخمة في الضفة وحول القدس. ويوشك أن ينحشر الشعب الفلسطيني المعذَّب في جيوبٍ على أرضه بلا أملٍ. نحن نقول: إنّ الحل في قرارات الشرعية الدولية، لكنها منقسمة بشأن الحل، ومجلس الأمن يُواجَهُ بالوقوف الأميركي الدائم مع إسرائيل، وتشجيعها علناً على عدم العودة لطاولة التفاوُض. وفي زمن ترامب الذي يريد القدس عاصمةً أبديةً لإسرائيل، لن يتحقق سلامٌ ولو تحدث طويلاً عن «صفقة القرن»! لكن ما الحل بعد ترامب، خاصة أن الشعب الفلسطيني لا يزال على انقسامه بين «فتح» و«حماس»، رغم شعار «العودة الكبرى»؟!

وفي ظل مقولة شرب السمّ، للشعب السوري أيضاً تجارب في عهد بشار ووالده. ثلاث مرات على الأقل خلال عقدٍ ونصفٍ أقبل العرب على قبول الأسد، وما نفع ذلك العرب ولا الشعب السوري. وعن ماذا نبحث عنده، ونصف السوريين مهجَّر أو مقتول، وهو ذائبٌ في أحضان إيران وروسيا. إنما من ناحيةٍ أُخرى ما هي البدائل، أو حتى السُبُل لوقف النار والحصار على الأقل؟ فحتّى هذا الأمر غير مُتاح لاستحالة التفاوُض مع إيران، والاستسلام الكامل الذي تشترطه روسيا! هل يكون الحلّ بترك الملف السوري، كما تركنا العراق طويلاً بعد احتلاله عام 2003؟ الواقع أنّ سوريا متروكةٌ الآن أكثر من العراق، وقد صار ملفها بأيدي تحالف روسيا وإيران وتركيا، هكذا وبصراحة وبدون خجل!

==========================

عن تناقض التصريحات الأميركية ... حول سورية .. حسن شامي

الحياة

الاحد 8/4/2018

التصريحات التي أطلقها دونالد ترامب قبل عشرة أيام تقريباً متحدثاً فيها عن عزمه سحب القوات الأميركية من سورية في وقت قريب جداً، أحدثت بلبلة وحيرة في أوساط متابعي الشأن السوري وتقلباته الحارقة. وقد صدرت كالعادة تصريحات ومواقف عن مسؤولين كبار في الإدارة الأميركية واتخذت شكل تصويبات أو توضيحات لما اعتاد كثيرون على اعتباره خفة أو شططاً أو تسرعاً في كلام الرئيس الأميركي وولعه بالطنطنة الخطابية والصور البرّاقة.

وقد شاع اعتقاد بأن كل تصريح يتفوه به ترامب لا بدّ أن ينطوي على حماقة إنشائية. يجدر القول إن ترامب ساهم ولا يزال يساهم بقوة في تعزيز هذا الاعتقاد إلى حد أن متابعين كثيرين صاروا يقصرون جهدهم التفسيري على تقدير حجم الحماقة وتبعاتها لا على حصولها. ومع أن احتمال التهور والخفة يبقى حاضراً، فإن كلام ترامب عن انسحاب أميركي من سورية ارتسم هذه المرة كأحجية أو لغز، لا بل حتى كمناورة مدروسة تهدف إلى خلط الأوراق وجعل العديد من اللاعبين يضربون أخماساً بأسداس ويقلبون المسائل على مختلف الاحتمالات والأوجه.

يتعزز هذا الظن بالنظر إلى صدور الكلام بعد الإعلان عن وجود قواعد عسكرية اميركية في سورية وخصوصاً في منبج، والتلميح إلى بقاء القوة العسكرية الأميركية في سورية طالما اقتضت الحاجة هذا التواجد، أي خارج أي جدول زمني. معركة عفرين والتدخل التركي المباشر المعطوفان على تحذيرات تركية لإدارة ترامب من خطر الاعتماد على حسابات خاطئة في منبج يقعان في خلفية تقلبات المواقف والتصريحات الأميركية. وهذا ما جعل كثيرين في أوساط المعارضة السورية وفي أوساط الأكراد يشككون في صدقية الدعم الأميركي لهم. بل حتى تزايد الحديث في هذه الأوساط عن احتمال تخلٍ أميركي عن الورقة الكردية لتهدئة العلاقة مع حكومة أردوغان.

التضحية بقوى وبشر لحسابات واعتبارات استراتيجية ليست أمراً جديداً على كل حال. لكن صورة القوة الأعظم وصورة علاقتها بحلفائها وأصدقائها لا تزال محط اهتمام بعض الدوائر النافذة في الدولة الأميركية العميقة.

فقد نقلت وسائل الإعلام عن مسؤول أميركي رفيع المستوى تصريحاً يقول فيه إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وافق خلال اجتماع لمجلس الأمن القومي الأميركي، انعقد قبل بضعة أيام، على بقاء القوات الأميركية في سورية فترة أطول. لكن ترامب طالب في الوقت ذاته، بحسب المسؤول الأميركي ذاته، بسحب القوات الأميركية ذاتها من سورية في وقت قريب نسبياً. هذا النوع من التصريحات المتضاربة أو المتفكّهة لم يعد يثير الاستهجان كما لا يستثير السخط على لعبة استخفاف بالعقول. فالتضارب المشار إليه يتعدى لعبة الغموض البناء المعهودة في الخطاب الديبلوماسي. فالحال أن متابعي تصريحات ترامب وأنشطته ما عادوا يحتاجون إلى الحفر والتنقيب في ثنايا الكلام بحثاً عن التماسك المفترض لخطاب سائد ومنتصر.

صحيح أن ترامب اختصّ أكثر من سواه في ترجيح النجومية الاستعراضية على الرصانة السياسية، لكنه لم يقصر الأمر على نفسه وعلى طريقته الفاقعة في تأدية وظيفته ومهمته، بل افترض أن ناخبيه هم، في منظار نرجسيته ونجوميته المنتفخة، أكثر بكثير من قاعدة انتخابية أيدته على برنامجه. إنهم جمهور المتفرجين المتفاعلين عاطفياً وانفعالياً مع أدائه الشخصي والمعجبين به. السياسة والفرجوية هما، في عرف ترامب وأمثاله، تعبيران مختلفان تقنياً وإجرائياً عن واقع واحد هو السوق كما يفهمه الرابحون.

يفترض ترامب أن جمهوره ينتظر منه المزيد من المشهدية ومن الوصلات المثيرة. وجاء الكلام عن تعويله على الحملة الانتخابية الرئاسية لتعزيز نجوميته الإعلامية ليعزز الظن بأن فوزه بالرئاسة هو انتصار للطلب الشعبي، بالأحرى الشعبوي، على اللمعان والفرجوية وتفوقهما على الاعتبارات الأخرى. في هذا الإطار استقر في الأذهان أن تصريحات ترامب، وتغريداته وزغرداته، هي من طراز الفقاعات الإعلامية والدعائية التي يتطلبها منطق السوق ولا ينبغي بالتالي حملها على محمل الجدّ. ولكن لا ينبغي أن نستبعد وجود قوى نافذة في الدولة العميقة يروق لها هذا النوع من المزاوجة بين السياسة واعتبارات المصالح وبين لعبة الاستعراض التي تخاطب حاجة الأنوات المرضوضة إلى تعويضات ومكافآت رمزية.

بالعودة إلى جانب التضارب في تصريحات وزقزقات ترامب، يمكننا ان نتذكر مواقف واقوالا مشابهة صدرت عن سياسيين ومرشحين للرئاسة يتصفون برصانة كبيرة وبرجحان عقل وانضباط قيمي بالمقارنة مع الصورة الشائعة عن تهورات وشطحات ترامب. فلنتذكر، على سبيل المثال لا الحصر، ما كانت تقوله في بداية الأزمة السورية هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية في إدارة باراك أوباما. فهي كانت تجمع في تصريح واحد ما يكفي من التناقض كأن تدعو بشار الأسد إلى الإسراع في إنجاز الإصلاحات المطلوبة مع التأكيد في الوقت ذاته على انه فاقد للشرعية. عندما ندقق النظر في مثل هذه التصريحات التي يمكنها ان تصدم أي طالب ثانوي نفهم بسرعة ان الشق الأول من التصريح يخاطب الروس ويعدهم باحترام القواعد الديبلوماسية للعبة فيما يخاطب الشق الثاني المعارضة ويدعوها لمواصلة المواجهة الجذرية مع النظام. كان هدف الإدارة الأميركية إطالة أمد المواجهة وتحولها إلى حرب أهلية مديدة لاستنزاف الجميع بعد وضعهم على محك اختبار صعب لوزنهم وحماية مصالحهم، ونعني تخصيصاً الروس والإيرانيين والقوى المتحالفة معهم. وكان الأميركيون يعرفون أن عناصر الحرب الأهلية متوافرة وفي مقدمها سلوك النظام القمعي واعتبار الدفاع عن مصالح نخبه الأمنية والاقتصادية بمثابة دفاع وجودي عن حياة فئات عريضة.

من مفارقات الأمور ربما أن قمة أنقرة التي ضمت رؤساء تركيا وروسيا وإيران حملت تصوراً وخريطة طريق لإنهاء النزاع في سورية، علماً بأن حسابات الأطراف الثلاثة غير متطابقة. أما القوة الأميركية والدول الغربية عموماً فهي لم تقدم حتى الآن سوى نهج سلبي يقوم على تعطيل خطة الخصوم والمنافسين، لا على تقديم وجهة واضحة للحل السياسي في سورية. في لعبة الصراع بين القوى الغربية، وفي مقدمها أميركا، وبين القوى الثلاث التي اجتمعت في أنقرة والمتصفة نظمها بالسلطوية، تعول القوى الغربية على أرجحية نموذجها وثبات مؤسساتها. وهذا ضعيف المعنى سياسياً.

==========================

آخر الخطوط الحمر في المقتلة السورية .. سميرة المسالمة

الحياة

الجمعة 6/4/2018

أسئلة كثيرة توجع مؤيدي النظام كما حاضنة المعارضة، تدور اليوم بين السوريين على اختلاف مواقعهم، في ظل انهزام المشروع التغييري لطبيعة النظام الأمني السوري، أمام المشروع الدولي في تقاسم النفوذ على سورية وتحويلها إلى «كانتونات» تابعة لمن يحميها عسكرياً، ويستغلها اقتصادياً.

من تلك الأسئلة: مَن يحمي مَن، الجيش يحمي الشعب أم الشعب يحمي الجيش؟ هل يمكن لمن يدعي قيادة المعارك اعتماد الخطط العسكرية بناء على سياسة الأرض المحروقة، أم بناء على القدرات التي تحمي من يدافع عنهم هذا الجيش، سواء كانوا من المعارضة أو النظام؟ هل الاعتراف بفشل مواجهات المعارضة المسلحة ضد النظام الذي يملك جيشاً نظامياً، ومساندة من دولتين كبيرتين (روسيا وإيران)، بكل ما لديهما من سلاح وعتاد وجنود، هو هزيمة للثورة كما يدعي بعض أمراء الحرب في سوريا، أم هو هزيمة لمشاريعهم المتطفلة على ثورة سلمية لشعب أعزل؟

فجيش النظام الموكل له حماية السوريين من انتهاكات تطاول حدوده، ترك هذه المهمة، ليتولى حماية أركان النظام الحاكم من الغضب الشعبي عليهم، معلناً حربه الطويلة على السوريين، وبمساندة من جيوش دولية (إيران، روسيا) إضافة إلى المليشيات الطائفية ذات الجنسية المتعددة، واتبع سياسة التهجير والتدمير تحت عنوان «التحرير» ضد «التحرير المضاد» الذي عملت عليه فصائل المعارضة، ما وضعنا أمام عمليتي «تحرير» باتجاهين متعاكسين مرة من الفصائل المسلحة، وأخرى من النظام، في ظل تجاهل إرادة المدنيين من أهالي المناطق المحررة بالمعنيين السابقين «للتحرير»، وعدم مشاركتهم القرار، في الوقت الذي تحمّل هؤلاء كل تبعات العمليات الحربية المترافقة بقصف همجي أدت إلى مقتل الآلاف منهم وتدمير بيوتهم ومنازلهم وكامل بنيتهم الخدمية.

على الجهة المقابلة كان لفصائل الجيش الحر خلال العامين الأولين مهمة أساسية، وهي حماية المتظاهرين ومناطقهم من تغول الجيش النظامي، ورد عدوانه عن المدنيين، حيث تولى هذه المهمة «منشقون» عن ذات الجيش وهم من الذين رفضوا تغيير بوصلة سلاحهم من مواجهة العدو الذي يحتل أراضيهم، إلى قتل السوريين المطالبين بالحرية والعدالة ومأسسة حقوق المواطنة المتساوية، إلا أن مواجهة النظام لهذه الظاهرة بأقصى درجات العنف من جهة، وفتح أبواب التدخل الدولي على مصراعيه لمواجهة الثورة، أثار شهية دول كثيرة للضلوع بأدوار عديدة داخل الأراضي السورية، مكنتهم من تحويل الصراع من سياسي إلى مسلح، وانتزعت من خلال تشكيلاتها الفصائلية دور «المنشقين» في قيادة الحراك، وحولتهم إلى شبه سجناء داخل مخيمات اللجوء، ما سهل قيادة هذه الفصائل من قبل تلك الدول وعبر أدوات محلية لتنشأ ظاهرة المناطق «المحررة» التي وجد فيها النظام فرصة سانحة لتبرير معاركه العنيفة ضدها تارة، وتركها تحت حكم الفصائل مخففاً عنه تحمل أعباءها المالية والاقتصادية والسياسية.

فحيث كانت تلك المناطق المحررة تمثل انتصاراً «للمعارضة» المسلحة، كانت سبباً في تجميع النظام قواه والاستفراد بمناطق أخرى، اعتبرها رئيس النظام بشار الأسد لها الأولوية في الدفاع عنها وإخضاعها لسيطرته، معلناً ذلك في خطابه عام (2015) حيث قال: «إن الجيش اضطر للتخلي عن مواقع بهدف الاحتفاظ بمناطق أخرى أكثر أهمية في الحرب ضد جماعات معارضة» ما يعني أن النظام سار منذ بداية المواجهة العسكرية المنظمة مع الفصائل المسلحة وفق مخطط «سورية المفيدة» للنظام، ووفق أولويات تستدعيها حركة قواته في مواجهة التحركات غير المدروسة «للفصائل المعارضة»، وذات المرجعيات المختلفة في أجنداتها ووجهات نظرها وخبراتها في ساحات المعارك.

لم تخفِ روسيا وإيران خريطة نفوذهما في سورية بعد ذلك الخطاب ومع بدء التدخل العسكري الروسي المعلن في العام ذاته، وقد توضحت هذه الخريطة للمعارضة خلال انعقاد الجلسة الأولى لمسار آستانة بعد استرجاع النظام حلب نهاية عام 2016، وبدت معالم التقسيم واضحة مع تركيا الضامن الثالث لهذا المسار الجانبي، الذي أخرج المعارضة السياسية من دورها المفاوض تحت الرعاية الأممية في جنيف، لتكون اتفاقات آستانة بمثابة اتفاقيات نزع سلاح المعارضة وأسنانها تدريجياً، والاستكانة الكاملة لإرادة الدول الثلاث في إدارة الصراع وفق خطة حلف (روسي- إيراني- تركي) في مواجهة حلف أميركي فرنسي غربي، رسم منذ بداية الاحتجاجات والثورة السورية، وتطور النزاع، جملة من الخطوط الحمر للنظام السوري، شكلت متاهة المقتلة السورية خلال السنوات السبع بدل أن تكون رادعاً له في محاكاته لمطالب الشعب السلمية.

وإذ تتوضح معالم الجبهتين الدوليتين بالقيادتين الأميركية ضد الروسية، فإنه في الوقت ذاته، لايمكن إغفال حقيقة أن المحور الروسي أسس على الأرض خطوطه الحمراء، بما يتوافق ومطامعه السورية، والتي منها يمكن أن يفاوض إلى ماهو أبعد من ذلك، وفقاً لمصلحة كل من الدول الثلاث التي تتقارب وتتباعد في آن معاً:

فحيث تريد موسكو المقايضة بجملة ملفات مقابل إفساح المجال للمحور الآخر بالمشاركة بحصيلة المقتلة السورية، تراهن إيران على وجودها ذي الطبيعة الطائفية لضمان خط سير حركتها من طهران حتى بغداد فدمشق إلى بيروت، كما ترى في الملف السوري أداة للمقايضة بما يتعلق بالعقوبات المفروضة عليها، وبإغلاق ملف التهديدات الأميركية بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، واستبدال التهديدات باستكمال نواقص الاتفاق «المختلف حوله» أميركياً، بينما تسعى تركيا إلى الهيمنة على المناطق المحاذية لحدودها، تحت بند حماية أمنها القومي، وإبعاد خطر المواجهة مع حزب العمال الكردستاني على أراضيها، وحصر الصراع خارج حدودها سواء في سورية أو في العراق، ما يضمن للرئيس رجب طيب أردوغان تنفيذ وعوده بإنهاء الحزب الذي يصنفه ارهابياً، والتخلص تدريجياً من معارضته الداخلية بالترويع والترهيب، من دون إخلال بأمن واستقرار تركيا.

ووفقاً لكل ما تقدم يكون سؤال الحاضنة الشعبية للثورة السورية، وليست الحاضنة للفصائل، تلك التي نادت بالحرية سلمياً، عن سياسات الفصائل المسلحة في مناطقها مشروعاً، وعن أسباب دخولها معارك تنتهي بالتفاوض من أجل خروجها وسلامتها، واستعادة أدوارها في مناطق أخرى، بينما يتم تهجير المدنيين بجريرة تلك المعارك التي لم يؤخذ بها رأيهم بداية ولا نهاية، ولم يتوان خلالها النظام السوري عن استخدام كل أنواع أسلحته، بما فيها تلك التي شكلت «خطاً أحمر» على مدار سنوات الحرب، لتكون الغوطة آخر تلك الخطوط الحمر، التي ترسم ألف إشارة استفهام حول دور الأمم المتحدة أيضاً في المقتلة السورية، وماهي عائدات تلك المعارك على «واقع العملية التفاوضية تحت الرعاية الأممية» التي ربما اختصرت في شكل الحل الذي اقترحته روسيا عبر مؤتمرها في «سوتشي» بتشكيل لجنة لصياغة الدستور ليس إلا يقرر أعضاؤها الشركاء الثلاثة روسيا وإيران وتركيا بعيداً عن أي دور لإرادة السوريين نظاماً ومعارضة؟

==========================

رسالة أطفال الغوطة إلى أطفال فلسطين .. زهير سالم

15/4/2018

مركز الشرق العربي

أحبابَنا ...

أحبابنا أطفال فلسطيننا الحبيبة ، تؤلمنا معاناتكم ، نحن نعرف مثلكم معنى الحصار ومعنى الجوع ومعنى القصف ،  ومعنى اليتم ومعنى التشريد ونحن مع معاناتنا نحب أن نخبركم أننا نحبكم ..نحبكم ..نحبكم ..وقلوبنا معكم ، ولولا المجرم بشار الأسد لأتيناكم ولفديناكم

أحبابنا ..

 حماكم الله من أن تذوقوا طعم الكيماوي الكريه ، الذي نذوق ، نحن نفديكم ، نحن قتلنا به لأننا كنا نفكر إذا كبرنا أن نكون لكم فداء أن نأتيكم من حلب بمنبر جديد للأقصى ومن دمشق بكثير من علب الحلوى التي تحبون ..لقد خنقنا المجرم بشار الأسد بالغاز لكي لا نأتيكم ..ولكي لا نسند أكتافنا إلى أكتافكم  ..

أحبابَنا ...

نحن عرفنا منذ زمن بعيد  أن قاتلنا وقاتلكم واحد ، كما تعلمنا أن ربنا واحد ، وقرآننا واحد ، ونبينا واحد ، وديننا واحد ..قاتلكم نتنياهو وقاتلنا بشار ، قاتلكم الصهيوني وقاتلنا الصفوي ..ذاهبون إلى ربنا لنشهد على هذه الحقيقة وعلى كل الذين لم يعرفوها بعد ..

أحبابنا أطفال فلسطين الحبيبة الجميلة لا تيئسوا ..

لا تقبلوا أن تخدعوا ..احذروا الصفوي كما تحذرون الصهيوني  واحذروا أن تخدعوا وأن تتعبوا وأن تملوا ..

 نحن سبقناكم إلى ربنا ، وسنحكي له كل ما يفعله بنا وبكم كل المجرمين..

أحبابنا كل أطفال فلسطين 

ثقوا أننا نحبكم ..من مات منا يحبكم ، ومن بقي منا يحبكم ، وسيكون من بقي منا بقية لكم ، ستجدونه في يوم قريب في خندق واحد معكم ..وسنطهر الشام كل الشام من رجس الأسديين والصهاينة والصفويين ..

أحبابنا ...أحبابنا .. أحبابنا ، سلموا على جدو عباس .. وعلى عمو خالد ..وعمو إسماعيل ..

نستودعكم الأقصى والقدس وكل ذرة من تراب فلسطين ..

من أطفال دوما إلى أطفال فلسطين,,,

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

========================

عن الخيار القومي في ذكرى تأسيس {البعث}! .. أكرم البني

الشرق الاوسط

الجمعة 6/4/2018

يذهب كثيرون إلى اعتبار يوم تأسيس حزب البعث، في السابع من أبريل (نيسان)، يوم شؤم عربي، ربطاً بالحالة المأسوية التي وصلت إليها مجتمعاتنا، وخاصة في سوريا والعراق، منذ توسلت طغمة عسكرية انقلابية، العقيدة القومية، لتسويغ استبدادها وفسادها.

والنتيجة، تشويه الروابط الوطنية والقومية، وتكريس ولاءات متخلفة تفيض بالانتهازية والشوفينية والاحتقانات المذهبية، يحدوها عنف وفساد منفلتان، وفشل في وقف تدهور المجتمع ومعالجة أزماته، تكللت باستجرار كل وحوش الأرض لاستباحته، وإيصاله إلى درك لا يحتمله عقل أو ضمير من الخراب والضحايا والمشردين.

والنتيجة أيضاً، أن يهزأ وزير خارجية تركيا مولود جاويش أوغلو بالعرب، عبر كلمات تنضح بغطرسة إمبراطورية عثمانية، خلال رده في مؤتمر ميونيخ على تحفظ مندوب الجامعة العربية على حرب عفرين! وأن يفاخر قادة إيران بأنهم باتوا يتحكمون بأربع عواصم عربية، ويقرر علي أكبر ولايتي بعنجهيته المعهودة، ونيابة عن الشعب العراقي، حظر وصول الشيوعيين والليبراليين إلى الحكم، بينما تتوغل إسرائيل عميقاً في الدم والحق الفلسطينيين، وتستثمر التردي العربي لقضم القدس وأراضي الضفة الغربية، الأمر الذي يذكرنا بصورة قديمة لما عرف بـ«تركة الرجل المريض»؛ حيث كانت المجتمعات العربية ضعيفة ومنهكة وتتنازع السيطرة عليها أطراف استعمارية خارجية، مستبيحة أرضها ومقدراتها وحيوات أبنائها.

في الماضي، حمل ثلة من المثقفين العرب لم يعشش اليأس والإحباط في نفوسهم، لواء مناهضة هذا الضيم، ولجأوا إلى الفكر القومي لتغذية نضال تحرري نجح في طرد المستعمر، والتأسيس لبناء أوطان حرة، إلا أن غالبية الأنظمة التي قامت بعد الاستقلال استغلت هذا الفكر لمآربها الخاصة، وسخرت شعاراته عن الوحدة العربية وتحرير فلسطين لتعزيز سلطانها واستئثارها بالامتيازات والمغانم، الأمر الذي عمّق أزمات مجتمعاتنا السياسية والاقتصادية، وأبقاها رهينة للتخلف والعجز وللأقوى إقليمياً ودولياً.

المقارنة والمقاربة بين الماضي والحاضر، مع حفظ الفوارق، تظهر مدى حاجتنا اليوم لخيار قومي جديد غني بعمقه الحضاري، وبقيم الديمقراطية، وحقوق الإنسان، يصعب من دونه إحياء الأمل مجدداً في الخلاص والتغيير، وتوجيه الأجيال العربية نحو التعاضد والتكافل لمواجهة التحديات المشتركة والاستحقاقات الحضارية.

صحيح أن الهم القومي لم يكن سبباً حافزاً لثورات الربيع العربي؛ لكنه كان حاضراً بقوة في تواترها وتماثل شعاراتها وصور التضامن بين أبنائها، ولنقل في تشابه دوافع انطلاقها رداً على ما آلت إليه أحوالنا من قهر وتردٍ، والأهم في خصوصية تموضعها ضد أنظمة استبدادية، استندت إلى الفكر القومي في وصولها إلى السلطة، واتحدت أدواتها القمعية، كأنها في معركة واحدة، لإجهاض تطلعات الناس وآمالهم.

الاستنجاد بفكر قومي تعضده قيم الحرية والكرامة ليس ضرباً في الهواء أو أمنية فارغة أو نوعاً من تقليد الماضي؛ بل هو الخيار الأجدى لمعالجة الانهيار العربي الراهن، إنْ لجهة دوره أولاً في مناهضة تفاقم ظواهر العنف، ولغة المكاسرة والغلبة التي تفشت في بلادنا، ربطاً بما يضفيه انتماؤه للبيت ذاته من مشروعية وجدوى في نقد وتعرية أنظمة تلطت وراء الشعارات القومية؛ لتنحدر كلياً نحو الديكتاتورية والدولة الأمنية، وتسوّغ من أجل الحفاظ على سطوتها وفسادها، قتل مواطنيها وتدمير مجتمعاتها، وربطاً بقدرته على التعبئة للحد من التدخلات الخارجية في شؤوننا، وردع هذا التنازع المسعور، إقليمياً ودولياً، للسيطرة على مصيرنا ومقدراتنا.

وثانياً، لدوره المجرب في محاصرة جماعات تحمل راية الإسلام السياسي، وتسوّغ لنفسها قهر مجتمعاتنا وتفتيتها دينياً وطائفياً، وغالبيتنا تتذكر نجاح الخيار القومي في مختلف بلدان المشرق العربي، مصر وسوريا والعراق ولبنان وفلسطين، في التصدي للتطرف الأصولي وحركات الإسلام السياسي وهزيمتها، بما في ذلك الارتقاء بالدين نحو أفقه الروحي بعيداً عن مستنقع السياسة وآثامها، وتالياً نجاحه في كسب فئات شعبية واسعة كانت تجد في الخيار الديني بديلاً وملاذاً روحياً، يعينها على مواجهة ما تكابده من قهر وفقر.

وثالثاً، لأنه الخيار الأقدر ببعديه الديمقراطي والإنساني على التعامل الصحي مع التعددية والتنوع الإثني والديني في مجتمعاتنا، بما في ذلك تعرية أطراف تروّج للعصبيات القومية والتطرف الآيديولوجي الأعمى، وتبيح لنفسها ممارسة الإلغاء والإقصاء والاعتداء على حقوق الآخرين وحرياتهم. والأهم لأنه الخيار الذي يستمد مشروعيته وقوته من معاناة مشتركة للشعوب العربية المقهورة، ومن تفاغر وحدة مصيرها، وخلاصها في إرساء قيم الديمقراطية والمواطنة التي تساوي بين البشر، بغض النظر عن جنسهم ودينهم وعقيدتهم وإثنيتهم، ما يبيح تفسير انتماء غالبية رواد الفكر القومي إلى الأقليات الدينية، بصفته خيارهم للارتقاء إلى مجتمع لا يكونون فيه مواطنين من الدرجة الثانية، كما كان حالهم إبان مرحلة السلطنة العثمانية.

اللجوء إلى الحافز القومي للرد على انحطاط المجتمع وأزماته المستعصية هو خيار قديم عرفته شعوب كثيرة عبر التاريخ؛ تجارب اليونانيين ضد أعدائهم، ثم الفرنسيين والألمان والإيطاليين، وأخيراً الشعوب التي انضوت تحت ما سمي المنظومة الاشتراكية، حيث تغذت بالروح القومية الديمقراطية، للتحرر والانفكاك من الشمولية السوفياتية.

لا يكاد التاريخ ينتهي في زمن إلا ويبدأ مجدداً في زمن آخر، وإذا كان حصاد الشعارات القومية البعثية البراقة طيلة عقود لم يكن إلا الهزائم والانكسارات ومزيد من التردي والفساد وقهر الإنسان وإفقاره، فقد آن الأوان، في ظل التعقيدات التي راكمتها سنوات الاستبداد والثورة المضادة، لإزالة هذا المستنقع الآسن، وفتح صيرورة قومية جديدة، لعل أهم ما فيها تقدم دور العرب الأحرار في تقرير مصيرهم، وصياغة مستقبلهم دون إقصاء أو وصاية، تحدوها تعرية كافة الالتباسات التي أحاطت بالفكر القومي، من اندفاعات شوفينية بالغة الخطورة ارتكبت باسمه، ومن ممارسات دأبت على تعميمها قوى الاستبداد، لتشويهه وتحويله إلى آيديولوجيا مغلقة ومفرغة من أي بعد إنساني أو حضاري.

==========================

إيران وضرورة بقاء الأسد .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الجمعة 6/4/2018

كان واضحاً في النصف الثاني من سنة 2012 أن النظام السوري لم يعد قادراً على الاستمرار، حيث كان قد سحب قواته من أجزاء كبيرة من سورية، ومركَزَها في المدن والساحل منذ إبريل/ نيسان في ذلك العام. وفي الوقت نفسه، حاول اللعب بالمجموعات "الجهادية" التي كانت في السجن، وأطلق أخطرها في ذلك الشهر نفسه. فقد كان واضحاً أن معظم الجيش بات في حالة احتقان، وبدأت حالات الانشقاق تتزايد، وكذلك حالات الفرار. وأيضاً، بعد أشهر قليلة، بات الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة في وضع منهك. وذلك كله قبل أن يحدث التحوّل الجذري في وضع الثورة نحو التسلح، وقبل أن تظهر المجموعات "الجهادية" التي أطلقها النظام من سجونه، ومن ثم أخذت تُرفد من دول عديدة، منها إيران والعراق والسعودية وتركيا، وأميركا بالطبع، ثم روسيا. وحيث كان الحراك الشعبي أساس الثورة في معظم مناطق سورية.

دفعت هذه الحالة إلى أن تنشأ نخبة من داخل السلطة، من كبار الضباط والمسؤولين السياسيين، وحتى الأمنيين، طرحت مسألة الانتقال إلى الحل السياسي. كان المعبّر عنها في حينه نائب الرئيس فاروق الشرع، الذي أشار بوضوح في مقابلة مع صحيفة الأخبار اللبنانية (بشكل ما صحيفة النظام)، نشرت في 23/12/2012، إلى عبث استمرار الصراع، وإلى عجز الطرفين (النظام والمعارضة) عن حسمه، حيث دخل في دائرة الاستعصاء. وبالتالي طرح الانتقال إلى الحل السياسي.

كتب صاحب هذه السطور ذلك كله في حينه، ولكن يتّضح الآن أن هذه الوضعية جعلت بشار الأسد يفكّر في الرحيل. وكان واضحاً حينها أن إيران هي التي "أقنعته" بأن يبقى، وأنها ستدعمه بقواتٍ تمنع سقوطه. ويعترف الآن عضو مجمع مصلحة النظام في إيران، علي آغا محمدي، بأن القائد السابق في الحرس الثوري الإيراني، الجنرال حسين همداني، عندما عاد من سورية، قال إنه لما دخل سورية كان بشار الأسد قد توصل إلى أن عليه أن يغادر القصر، حيث باتت القوات المهاجمة تحيط به. وهو وضع كان واضحاً نهاية سنة 2012، حيث تحلَّق حول دمشق أكثر من ستين ألف مقاتل، وجرت محاولات اقتحام للمدينة. وأضاف محمدي أن همداني قال للأسد "لا تقلق.. إذا سمحت بتوزيع عشرة آلاف قطعة سلاح بين الشعب وتعبئة الناس في مجموعات سيزول الخطر". وحسب محمدي، "عبأ الجنرال همداني 80 ألفاً من القوات السورية، ودخل حزب الله ساحة الحرب، وتم تعزيز الجيش". ويفاخر محمدي بالقول إن الجيش السوري بات قوياً، و"أسقط مقاتِلة للكيان الصهيوني". وهذا يوضح أن النظام كان على وشك التغيُّر حينها، وأنه كان يمكن أن يحدث تحوُّل من داخل السلطة، يسمح بتحقيق مطالب طرحتها الثورة.

ولكن قبل تناول هذه المسألة، لا بدّ من تقدير الوضع فيما لو كان بشار الأسد قد رحل حينها،

"التغيير الجذري للنظام في سورية لم يكن وارداً على الإطلاق، لغياب الأحزاب التي تعرف ماذا تطرح، وكيف تقود الثورة إلى الانتصار" واستلم السلطة نائبه الأول، فاروق الشرع، في إطار حل سياسي يحقق الحريات والديمقراطية، وبعض مطالب الشعب. بالتأكيد، كانت ستتحقق ثلاث مسائل جوهرية: الأولى، تحوّل من داخل النظام يحافظ على موقع "الممانعة"، حيث لم تكن سياسة الشرع لتختلف من هذه الزاوية عن سياسة بشار الأسد. والثاني، تحقيق بعض مطالب الشعب، الأمر الذي يسمح بالقول إن الثورة حققت هدفها، وإنْ كان ذلك يشابه ما حدث في تونس ومصر خصوصاً، حيث أُزيح الرئيس وبقي النظام. والثالث، تجنيب سورية كل القتل والدمار الذي حدث في ما بعد، والذي كان لإيران دور كبير فيه. حينها لم يكن الصراع قد تفاقم إلى الحدة التي نتجت عن تدخل إيران وأدواتها، وإدخال مجموعات أصولية، ولا كان الشعب قد اندفع لحمل السلاح بالشكل الذي تلا ذلك نتيجة وحشية النظام.

حينها، أشرت إلى المسألتين الأوليين، ونبهت من خطر العجز عن تحقيق تحوّل في النظام، فقد نبهت كل الخائفين على تغيّر سياسة النظام الخارجية من أن الوضع لا يسمح سوى لتغيير من داخل السلطة، وهذا يعني استمرار السياسة الخارجية نفسها، وأن التغيّر سيكون في السياسات الداخلية فقط، حيث كان لا بدّ من تحقيق مطالب طرحها الشعب. طبعاً جرى تهميش فاروق الشرع، وجرى قتل عدد من كبار الضباط الذين كانوا أساسيين في بنيته. وضاعت الفرصة التي كانت تسمح بتحقيق تحوّل ديمقراطي. وإنْ كان هذا التحوّل لا يحقق كل مطالب الشعب، ولا يُحدث التغيير الجذري الضروري لنهضة سورية. بمعنى أن النظام كان قد وصل حينها إلى حافة "الاستسلام"، وأن جزءاً منه أراد أن يطرح حلاً "وسطاً"، بحيث يحقق بعض مطالب الشعب، من دون أن يُحدث تغييراً كبيراً في بنية النظام. هذا ما كان ممكناً فقط، أي أن التغيير الجذري للنظام لم يكن وارداً على الإطلاق، بالضبط نتيجة عفوية الثورة، بغياب الأحزاب التي تعرف ماذا تطرح، وكيف تقود الثورة إلى الانتصار. وقد أشَّرت تجربتا تونس ومصر إلى حدود ما يمكن أن تحققه الثورات، وهذا كان يطاول سورية التي لم تكن تملك أحزاباً تعرف ماذا تريد، وكيف تخوض الصراع ضد النظام. بل كان جلَّ حلمها هو "إصلاح" النظام، أو تدميره بتدخل خارجي. لكن هذه الإمكانية التي ظهرت بوادر لها نهاية سنة 2012 كانت إيران قد سحقتها. ويؤكد تصريح عضو مجمع مصلحة النظام في إيران، علي آغا محمدي، هذا الأمر، حيث يؤكد أنه في اللحظة التي بات هناك داخل النظام مَن يمكن أن يُحدث تغييراً يحقق بعض مطالب الثورة، تدخلت إيران لكي تمنع ذلك، وتدعم استمرار الصراع العسكري ضد الثورة، على أمل سحقها، وتكريس سيطرة بشار الأسد، وأيضاً سيطرتها على سورية. كان هذا الأمر مخفياً حينها، لكنه كان في صلْب سياسة إيران. وهو ما عبّر عنه أكثر من مسؤول إيراني أكد على السيطرة على أربع عواصم عربية، منها دمشق طبعاً.

لهذا، يتحمل النظام في إيران جزءاً كبيراً مما جرى في سورية، نتيجة منعه لتحوّلٍ ممكن من "داخل النظام"، هو الشكل الوحيد الممكن في إطار مجمل الصراع القائم، وموازين القوى التي كان غياب قوى معارضة حقيقية يجعلها لا تسمح بتغيير جذري للنظام، ودفعه إلى طريقٍ لا يقود سورية إلى الخراب والدمار والقتل والتشريد، وخصوصاً أن تدخل إيران رافقه إدخال 

"يتحمل النظام في إيران جزءاً كبيراً مما جرى في سورية، نتيجة منعه لتحوّلٍ ممكن من "داخل النظام" تنظيم القاعدة، بدءاً من الإخراج من السجون إلى الإرسال من العراق، بحيث باتت كل الدول توظّف في هذا المسار. حينها، لم يكن حجم الفصائل المسلحة كبيراً، ولا كان السلاح تحت سيطرة لا "الجهاديين" ولا "السلفيين"، وكان يمكن قبر كل هؤلاء، لكن طموحات إيران كانت في أن تسيطر على سورية، لهذا أخذت ترسل المليشيات، من حزب الله إلى كل المليشيات العراقية، إلى الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس، وأيضاً الأفغان والباكستانيين، وأخذت تتحكم بالصراع على الأرض، من خلال سيطرتها على الجيش المتبقي. ومن ثم باتت تقرِّر على المستوى السياسي، وتعزز من سيطرتها على سورية. ولم يكن في همّ إيران أن تتدمر سورية، أو أن يتشرّد نصف شعبها. كان يهمها السيطرة عليها. فهي في إطار ميلها إلى أن تصبح قوة إقليمية مهيمنة، سعت إلى أن تسيطر على البلدان العربية في المشرق، لتثبت قدرتها، ولكي تساوم عليها إذا اضطرت إلى ذلك. وهي تدخلت هنا بحجة الصراع مع الدولة الصهيونية، وحماية خط إمداد حزب الله، على الرغم من أنها قلبت دور حزب الله من قتال الدولة الصهيونية إلى المشاركة في مشاريعها للسيطرة في سورية والعراق واليمن.

إذن، باتت تطورات الصراع في سورية منذ سنة 2013 مرتبطة بطموحات إيران، ولهذا ردت دول أخرى على ذلك، منها السعودية وتركيا وقطر، بحيث تحوّل الصراع إلى صراع إقليمي. وفي هذا، خسرت إيران، حيث ظهر واضحاً أواسط سنة 2015 أن قواها في سورية، وقوى النظام الباقية، تتهاوى أمام تقدم جبهة الفتح (ضمت جبهة النصرة وأحرار الشام ومجموعات أخرى أصغر) التي كانت التعبير عن تحالف سعودي قطري تركي. فقد انهارت جبهات في الشمال الغربي وفي الوسط، حيث جرت السيطرة على إدلب وجسر الشغور، وبات واضحاً التغيّر الكبير في ميزان القوى لغير مصلحة إيران والنظام (مع أن الدول الداعمة كانت تفرض عدم المساس بالساحل السوري، ولا دخول دمشق، بالضبط لأنها كانت تناور في ما تحقق من أجل الضغط على روسيا لتحقيق حلٍّ ما). الأمر الذي جعل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، حينها، يهرع إلى موسكو مستنجداً. طبعاً، كما أشرت حينها، لم يكن هدف جبهة الفتح إسقاط النظام، حيث وُضع لها فيتو في دخول دمشق، ودخول الساحل السوري، بل هدف إلى الضغط على روسيا لكي تحقق الحل السياسي. لكن روسيا، التي كان يبدو أنها تنتظر فرصة ما، استغلت الأمر بكل "رحابة صدر"، فتدخلت لكي تحتلّ سورية، وتفرض سيطرتها بعد أن كانت إيران قد همّشت دورها خلال سنوات 2013 و2014 إلى منتصف 2015. وكما ظهر، كان لها منظور عالمي، كانت سورية هي التمثيل الفعلي له. لقد أرادت السيطرة، وفرض سطوتها، وأيضاً تخويف العالم من قدراتها العسكرية لكي تفرض سطوة عالمية تجعلها قوة قائدة في النظام الرأسمالي.

بالتالي، خسرت إيران اللعبة، فلم تستطع أن تحمي النظام، وها هي تصيح لأن روسيا سيطرت على سورية، واستحوذت على إعادة الإعمار، فقد لمّح وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد

"طموحات إيران كانت في أن تسيطر على سورية، لهذا أخذت ترسل المليشيات من حزب الله إلى الحرس الثوري الإيراني وغيره" ظريف، إلى عدم رضى طهران عن استحواذ روسيا على مشاريع واسعة لإعادة الإعمار في سورية، معتبراً أنه لا توجد حاجة لكي يكون البلدان متنافسين. وجاء ذلك في تصريحات لوزير الخارجية في مقابلة تلفزيونية مع القناة الثانية، ونقلتها وكالة إرنا الإيرانية. وقال إن "هنالك فرصاً واسعة لإعادة الإعمار في سورية"، معتبراً أن "حضور روسيا في عملية إعادة الإعمار في سورية لا يعني عدم حضور إيران". وأضاف ظريف أن في وسع إيران وروسيا أن "تكملا إحداهما الأخرى في عملية إعادة الإعمار في سورية. ولا حاجة لأن نكون متنافسين، الفرص متاحة لكل الدول". ولقد شنت صحف إيرانية هجوماً على بشار الأسد نتيجة ذلك، حيث كانت صحيفة قانون الإيرانية قد هاجمت الأسد، ووصفته بـ"أنه بلا مبادئ، وناكر للجميل بسبب اتفاقه مع الروس بشأن تسليم ملف إعادة إعمار سورية للروس بدلاً من إيران". وكتبت الصحيفة في مقال بعنوان "لا حصة لإيران في بازار الشام"، إن "الأسد يريد تقليم أظافر إيران في سورية بعد هزيمة تنظيم الدولة والدخول في مرحلة جديدة". واعتبرت الصحيفة أن من حق إيران أن تستولي، ولو بالقوة، على حصتها من سورية، قائلة: "الحق يؤخذ، وعلى الرغم من محاولة إخفاء الحقائق حول فقداننا حصتنا بسورية من بعضهم في إيران، فإن شعبنا يعلم ويعي ما يحدث لنا في سورية". بمعنى أن إيران ستخرج "من المولد بلا حمّص"، حيث استحوذت روسيا على كل شيء، وستفرض حلاً يُخرج إيران من سورية، لمنعها من الحصول على أيِّ حصة، ولتطمين حليفتها الدولة الصهيونية. ولهذا هي تسمح للدولة الصهيونية بقصف مواقع إيران وحزب الله في سورية.

لهذا بحث آخر، لكن لا بدّ من القول إن إيران، بدل أن تكسب بالسماح لبشار الأسد بالرحيل، بحيث يبقى النظام في صفها، فقد ساهمت في تدمير سورية من دون أن تحقق أيَّ مكسب. على العكس، سنجدها قد خسرت كل وجود لها في سورية ولبنان، وسيكون حزب الله في وضع حرج جداً. فروسيا سوف تسعى إلى عقد معاهدة بين النظام الذي ستنصبه في دمشق والدولة الصهيونية، وسيُفرض ذلك على لبنان. وهي قبل ذلك ستُخرج إيران وأدواتها من سورية. لقد لعبت إيران بالوضع السوري، لكي توسّع من سيطرتها، لكنها في هذه اللعبة دمَّرت سورية، ولم تحصل على ما أرادت.

==========================

المحاسبة والعدالة بين ساركوزي والأسد .. عمر إدلبي

العربي الجديد

الجمعة 6/4/2018

لم يكن مفاجئاً للمطلعين على الحياة السياسية في فرنسا أن يتم توقيف الرئيس الأسبق، نيكولا ساركوزي، قيد التحقيق، تمهيداً لتقديمه إلى القضاء، لاحتمال توجيه اتهام له بالاستفادة من تمويلٍ تلقته حملته الانتخابية الرئاسية في العام 2007 من نظام ليبيا بقيادة العقيد القتيل معمر القذافي آنذاك. فليس مستغرباً ألبتة أن يمثل قادة الدول الغربية أمام القضاء، وحالة ساركوزي ليست سابقة، فسلفه جاك شيراك الذي تولى السلطة في فرنسا فترتين دستوريتين بين العامين 1995 و2007 سبق أن مثل أمام القضاء الفرنسي، وصدر بحقه حكم بالسجن عامين مع وقف التنفيذ في العام 2011 على خلفية اتهامه بقضية وظائف وهمية في بلدية باريس.

وقبل توقيف ساركوزي كان قاضي التحقيق في محكمة باريس، سيرج تورنير، قد قرّر قبل نحو شهر إحالة ساركوزي وعدد من معاونيه وشركاء آخرين إلى القضاء، بتهمة التمويل غير المشروع لحملته الانتخابية، وتجاوز سقف التمويل القانوني للحملة الذي يحدّده القانون الفرنسي بشكل صارم، حفاظاً على العدالة وتكافؤ الفرص بين المرشحين. ولا يقتصر هذا الحرص على العدالة والمساواة بين كل المرشحين فقط على سقف الإنفاق على الحملات الانتخابية، بل يشمل أيضاً المساواة والعدالة في عدد دقائق دعاية المرشحين جميعهم ومساحتها في وسائل الإعلام. وقبل كل هذا وذاك يعمل القانون في فرنسا على اتخاذ التدابير الكفيلة بمنع إساءة استخدام موارد الدولة لصالح حملات المرشحين الانتخابية.

ولطالما كان القضاء الفرنسي مرفقاً عاماً يتمتع باحترام الفرنسيين، نظراً لما كرّسه من تقاليد

"سبع سنين ولم يخرج صوت من جمهور الأسد يطلب محاسبة أي مسؤول من أي درجة" وأعراف، تعكس الحرص على مفهوم العدالة وتكريس سلطة القانون، ولا يكون القضاء كذلك، ما لم يستطع محاسبة موظفي الإدارة العامة. والسياسيون، قبل غيرهم من موظفي الدولة، مستهدفون بالمحاسبة وتطبيق القانون بحقهم، وهذه أبرز سمات دولة القانون التي سعت البلدان المتحضرة إلى تكريسها والحفاظ عليها. وعلى العكس تماماً من هذا الواقع، عملت دولنا وحكوماتنا في العالم العربي، حتى صارت سلطاتٍ فوق الشعوب، لا سلطات شعوب.

في العام 1991، كنت أجلس في أحد مدرجات كلية الحقوق في جامعة دمشق مستمعاً للمحاضرة الوحيدة التي حضرتها طوال سنوات دراستي في الكلية، كانت محاضرة عامة في قانون العقوبات السوري. يومذاك خرج المحاضر الدكتور عبود السراج عن النص كثيراً، وكاد أن يتجاوز الخطوط الحمراء مرات عديدة، وهو يتحدث عن مفهوم الجريمة والعقاب، وعن نظريات العقوبة ومنظومات تنفيذها في الفقه المقارن، والعدالة والمساواة في تطبيقها، وفجأة توقف المحاضر عن السرد، ووجه لنا سؤالاً غريباً: من يمكنه توقيف رئيس الدولة؟

زاغت العيون وبلغت القلوب الحناجر.. ولبرهة من الزمن صمتت حتى الأنفاس، قبل أن ينطلق صوت حاسم من أحد الطلاب الحاضرين الجالسين على مقربة مني: "ولا حتّى الله يا دكتور"! ابتلع الدكتور السراج مرارة جواب الطالب الهزبر، وقال بكل هدوء: "قاضي التحقيق"، واستطرد وهو يبتسم: "بالقانون، قاضي التحقيق يستطيع ذلك".

كنت أفكر بما قاله المحاضر وأنا أستعيد قولاً للأديب الواقعي الفرنسي بلزاك: "لا توجد قوة، سواء أكانت عائدة للملك، أو لوزير العدل، أو للوزير الأول، تستطيع التعدي على سلطات قاضي التحقيق، فلا شيء يوقفه ولا أحد يأمره، فهو سيد يخضع فقط لضميره وللقانون".

قبل أيام.. وبعد 27 عاما من تلك المحاضرة، ظهر بشار الأسد، رئيس سورية بالإكراه، وبقوة عسكر الاحتلالين، الروسي والإيراني، وهو يتجول في غوطة دمشق فوق دمار بيوت أهلها، بعيداً بمئات الأمتار فقط عن مدافن شهدائها من الأطفال والنساء والشيوخ الذين قتلهم بسلاحه الكيماوي، وصواريخ ونابالم وبراميل جيشه المتفجرة، ورصاص مرتزقة طائفيين، جلبهم 

"مضت سبع سنوات والمجازر المتنقلة تفتك بالسوريين، والتهجير يشرّدهم، والجوع يساومهم على الركوع للطاغية أو الموت" بالتعاون مع حلفائه الإيرانيين من أصقاع الدنيا، ليمنعوا سقوط نظامه، ولحماية القتلة المجرمين من غضبة السوريين وثورتهم اليتيمة. وفي كل خطوة يدوس بها على ركام بيوت الغوطة، كان يؤكد أن العدالة والمحاسبة تحت قدميه، وأن القانون الذي درسناه في الكتب لا يشمل بضوابطه وعقوباته وآلياته "رئيس سورية الأسد"، وأن قاضي التحقيق في مزرعة الأسد يمتلك فقط صلاحية الهتاف للطاغية، وتطبيق القانون على ضعفاء وفقراء البلاد المنكوبة من أقصاها إلى أقصاها.

مضت سبع سنوات والمجازر المتنقلة تفتك بالسوريين، والتهجير يشرّدهم، والجوع يساومهم على الركوع للطاغية أو الموت، وصور الشهداء تحت التعذيب في المعتقلات تحاصر العالم أجمع، والبراميل المتفجرة تهوي من طائرات جيش الأسد على الهواء مباشرةً أمام عيون جميع قضاة التحقيق وأفراد النيابة العامة السوريين. ولم يستطع واحد من هؤلاء أن يوقف حتى عنصراً من عناصر جيش القتل العقائدي، ليوجه له أي تهمة من أي نوع، حتى الجنود الذين ظهروا وهم يتفاخرون بإلقاء البراميل المتفجرة عشوائياً على أبناء شعبهم، لم يطالبهم أحد بالتستر، وهم يرتكبون جرائم حرب موصوفة بالقانون السوري والدولي أدق الوصف.

سبع سنين من الموت اليومي، ولم يسمع صوت لأحد رجال القانون في "غابة بشار الأسد" يطالب بمحاسبة القتلة، وبالقانون. سبع سنين ولم يخرج صوت من جمهور الأسد يطلب محاسبة أي مسؤول من أي درجة، أو حتى يسأل إن كانت هناك أخطاء ارتكبها هؤلاء، وهم يحاربون أحلام شعب.. أو حتى "الإرهابيين" من أبنائه.

بلاد بطولها وعرضها وشعبها ومستقبلها صارت ذكرى وأكواماً من جثث وركام، وما زال رئيس المزرعة في نظر عبيده منزّهاً عن العيوب والنواقص.. وكأنهم جميعاً مؤمنون بأن "رئيسهم" لا يسأل عما يفعل.. وكأنهم يتمثّلون قول ذلك الطالب الحقوقي الهزبر الذي ربما صار محققاً في أحد فروع الأمن: "ولا حتّى الله يا دكتور". .. وبعد هذا كله يسألك أحدهم: لماذا قمتم بالثورة؟

==========================

أسئلة حول مستقبل سوريا .. رياض نعسان أغا

الاتحاد

الجمعة 6/4/2018

يتفق العالم على أن السوريين وحدهم هم من يقررون مستقبل سوريا، هذا ما تؤكده كل البيانات والتصريحات، فأما ما يؤكده الواقع، فهو أن السوريين باتوا أيتاماً على مائدة العالم، ينوب عنهم الآخرون في رسم مستقبلهم، وحتى النظام ذاته الذي هب العالم جله للدفاع عن بقائه، بات هامشياً يترقب ما سيصدر من قرارات دولية تحدد مستقبله ومصيره، وينتظر ما سيبلغه به الروس وأحياناً الإيرانيون عن نتائج مفاوضاتهم مع المعارضة المسلحة في العديد من الجبهات الساخنة، ويكتفي النظام بالتعبير عن الفخر والاعتزاز بانتصارت الروس والفرس على شعبه، ويزعم أنه هو المنتصر.

وينتظر السوريون ما تنجم عنه الاجتماعات الدولية حول قضيتهم ويتساءلون، هل سيهدد ترامب مرة أخرى بسحب قواته من سوريا، بينما هو يبني المزيد من القواعد العسكرية الأميركية فيها؟ هل سيحارب النفوذ الإيراني المتصاعد في الشرق الأوسط؟ هل تحمل تهديدات فرنسا وبريطانيا (الأخيرة) جدية في ضرورة معاقبة النظام السوري لاستخدامه الكيماوي؟ هل اتفق بوتين وروحاني وأردوغان على خطة واضحة غير معلنة لإنهاء القتال في سوريا وتعزيز السيادة السورية والوحدة الوطنية، رغم وجود حشود ضخمة من مختلف جيوش اللاعبين ؟ وهل وضعوا رؤية مقبولة لحل سياسي يقبل به السوريون دون قهر وإرغام؟ هل تتابع تركيا سيطرتها على المناطق المتاخمة لحدودها في شمال سوريا وصولاً إلى منبج ثم إلى جسر الشغور؟ وهل سيسمح لها أن تقيم المنطقة الآمنة المرجوة؟ هل ستشهد إدلب الهولوكست الموعود بعد تجميع المقاتلين المعتدلين والمتطرفين (معاً) فيها لإبادتهم وسحقهم وإنهاكهم، وهل ستهرق دماء عشرات الآلاف من المدنيين في حرب باتت دولية لاشأن لهم فيها؟ هل سيكون لتركيا دور في تجنب المقتلة الكبرى المرتقبة في إدلب، بحيث تستطيع إيجاد مخرج آمن لملايين السوريين الذين باتوا رهائن «النصرة» و«القاعدة»؟ وهل تتجاوز تركيا هدفها بإبعاد خطر الـ«بي. يي. دي» الكردية إلى التوغل حتى حدود حماه مثلاً ؟ وهل سيسمح الأميركان والروس والأوروبيون بامتداد النفوذ التركي مقابل الصمت على النفوذ الإيراني في دمشق وما حولها، وعلى النفوذ الروسي في وسط سوريا امتداداً إلى الساحل السوري، وعلى النفوذ الأميركي على امتداد الحدود السورية العراقية وفي الشرق السوري الغني بالنفط والغاز والثروات المعدنية والسلل العذائية؟ وماذا عن مصير حوران؟ هل سيكتفي النظام بالسيطرة على بعض التلال الاستراتيجية كتل الحارّة مثلاً، ومعبر نصيب وبعض نقاط التمركز؟ وكيف ستحل مشكلة وجود عشرات الآلاف من المقاتلين في الأراضي السورية عامة، وإلى أين سيتم تهجير المعارضة المسلحة لاحقاً ؟ وما الهدف من بقاء قوات لـ«داعش» في جوف دمشق وفي ركن معروف في حوران؟ وأي دور سيلعب هؤلاء في المستقبل القريب؟

هذه بعض الأسئلة الجارحة التي يتداولها السوريون، ويبدو السؤال الأكثر إلحاحاً عند السوريين: هل سيتم تقسيم سوريا حسب مناطق النفوذ الدولية الراهنة؟ وإذا تم هذا التقسيم بذريعة كونه واقعاً يصعب تجاوزه، فهل سيكون مرحلياً مؤقتاً ريثما يتم وقف إطلاق النار وتهيئة المناخ للعودة إلى المفاوضات، ومتابعة البحث عن دستور والتهيئة لانتخابات حسب ما اتفق عليه الرئيسان ترامب وبوتين في فيتنام؟ وهل يمكن أن تعود سوريا إلى مرحلة استقرار بوجود الأسد رئيساً مع تقديم الاعتذار له عما سبب له الشعب السوري من إزعاج؟ أعتقد أن إيران فقط بوصفها دولة تعيش على الأوهام والأساطير الدينية تستطيع الاقتناع بأن هذا ممكن، وبأن مزيداً من قهر الشعب السوري واضطهاده يجعلانه يعود إلى حظيرة الطاعة مذعناً، لكن الروس يدركون أن هذا محال، والأميركان مثلهم بارعون في تغيير الوجوه، وأما الشعب السوري فلم يعد لديه ما يخسره، وسيبقى مستمراً في ثورته التي ستعود سلمية، ولن يتمكن أعداؤها من إلباسها عباءة الدين والعبث بها مرة أخرى. ما ندعو إليه هو الحفاظ على الدولة السورية بوصفها كياناً متعدد البنى والوظائف، وليست مجرد نظام حكم طائفي مستبد، والحفاظ على الدولة هو حفاظ على استقلالها وحدودها وسيادتها وعلى حرية شعبها التي يرفضها النظام.

==========================

هل وضعوا المخطط التنظيمي الجديد لسوريا قبل الثورة؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 7/4/2018

كان ينتابني أحياناً وأنا أشاهد تدمير المدن السورية بطريقة ممنهجة وتهجير أهلها كحمص وداريا والغوطة وحلب وغيرها، كان ينتابني شعور بأن كل ما حدث في سوريا من دمار وتهجير كان مجرد مقدمة مدروسة لإعادة تنظيم المدن السورية عمرانياً وديمغرافياً.

كنت أظن في الماضي أنني أهلوّس، وأنه لا يمكن أن كل هذا التخريب المنظم وتشريد الناس بالملايين من مناطقها يمكن أن يكون لأهداف غير عسكرية. لكن الأيام أثبتت أن هلوساتنا كانت صائبة تماماً، خاصة بعد أن بدأنا نشهد الآن المشاريع العمرانية الجديدة التي بدأت تظهر خرائطها في أكثر من منطقة سورية تم تفريغها من أهلها. ولم ينتظر النظام وحلفاؤه طويلاً كي يبدأوا بالإعلان عن المخطط التنظيمي الجديد للبلاد، فقد أصدر الرئيس السوري فجأة قبل أيام مرسوماً جمهورياً جديداً لإعادة تنظيم المناطق التي حررها من سكانها، وكأنه يقول للسوريين: لقد كانت عملياتنا العسكرية بالتعاون مع الحلفاء الخطوة الأولى لإعادة رسم سوريا عمرانياً وبشرياً. وبموجب القانون رقم 10 لعام 2018 سيتم إنشاء وحدات إدارية أو تنظيمية جديدة في سوريا مثل البلديات، ستبتلع هذه البلديات ملكية الأراضي وتعوّض أصحابها الأصليين ( إن استطاعوا إثبات ملكيتهم لها أو حضورها وهو شبه مستحيل)، ثم ستقوم ببيع الأراضي التي تملكتها لمكتتبين جدد يكونون موجودين على الأرض، وستحذف جميع الحقوق العائدة لأصحاب الأرض الأصليين من القيود العقارية وكأنها لم تكن. باختصار شديد، طرد أصحاب الأرض منها، وإلغاء حقوقهم فيها، وتحويلها إلى مناطق سكنية جديدة بسكان جدد تماماً من طوائف وقوميات جديدة. بعبارة أخرى، يصبح التغيير الديمغرافي والعمراني حقيقة تفقأ العيون، كما لو كانت موضوعة قبل اندلاع الثورة.

إن ما نراه الآن في سوريا من إعادة توزيع وتطهير ديمغرافي وإزالة مدن بأكملها عن الخارطة لم يعد بحاجة إلى أي براهين بعد أن راح الجميع، وعلى رأسهم النظام وحلفاؤه يقطّعون سوريا ويعيدون تركيب خارطتها البشرية والعمرانية بسكين حاد جداً، وعلى مرأى ومسمع الجميع، لا بل إن الأمم المتحدة تبصم بحافرها على الخرائط الجديدة كما شاهدنا في داريا والغوطة، حيث أشرفت شخصياً على تهجير السكان الأصليين إلى شمال سوريا رغم أنهم عاشوا في ريف دمشق لمئات السنين.

لاحظوا كيف تم حرق السجلات المدنية وتهجير سكان حمص من المسلمين السنة وعددهم أكثر من مليون، ولم يُسمح لهم بالعودة إليها. لاحظوا كيف اندفع حزب الله وداعموه الإيرانيون إلى السيطرة على مدينة القصير في محافظة حمص، وطردوا أهلها قبل سنوات كي يؤمنوا مناطق حزب الله في لبنان ويدمجوها بالمناطق السورية.

لقد ظن البعض قبل ثلاث سنوات أو أكثر أنها مجرد خطوة لاستعادة بعض المناطق من المعارضة في معارك الكر والفر، لكن الأيام أثبتت أنها خطة محكمة تقع ضمن مخطط إعادة تشكيل الخارطة السورية ديمغرافياً ومدنياً.

وحينما نرى حزب الله الآن يطهّر منطقة الزبداني ومضايا الحدودية من سكانها، ويدمر عشرات الألوف من الأشجار ليحفر الأنفاق، ويحول المنطقة إلى منطقة عسكرية نتذكر كيف قام بتطهير القصير قبل سنوات. الرابط واضح بين ما فعله بالقصير وما يفعله الآن بالزبداني. ولا ننسى منطقة تدمر المهمة التي لم تأخذ نصيبها من الدعاية الإعلامية المطلوبة، فقد تم تهجير سكانها لأنها تقع على الطريق الذي يصل إيران عبر العراق إلى حمص إلى لبنان حيث معاقل حزب الله.

لكن لعبة التغيير الديمغرافي في سوريا لا تقتصر فقط على النظام وحلفائه، بل إن أطرافاً كثيرة دخلت عليها منذ زمن، وكانت تخطط لها منذ بداية الثورة، فالأكراد بدعم أمريكي وغربي طهروا المناطق العربية التي كانوا يريدون السيطرة عليها في الشمال منذ سنوات، وربما بتنسيق مع النظام. وعندما نرى القواعد الجوية الأمريكية الجديدة شرق سوريا تصبح لعبة التمزيق الديمغرافي أكثر وضوحاً.

هل يا ترى ستكون عمليتا «درع الفرات» و«غصن الزيتون» التركيتان مجرد عملية عسكرية خاطفة لتطهير الحدود التركية السورية من خطر داعش والأكراد، أم أن لها ما بعدها؟

ولا ننسى الدور الإسرائيلي في الجنوب، حيث لن تسمح تل أبيب لإيران بالاقتراب من جنوب سوريا، ولهذا فمن المتوقع أن تقتطع حصتها من الجغرافيا السورية. ما نراه الآن من مخططات بدأت تتضح. ألا يجعلنا ذلك نعيد التفكير بكل شيء؟ عمليات التهجير القسري والتغيير الديمغرافي والاجتياح الإيراني لسوريا وتقاسم مناطق النفوذ بين الأمريكيين والروس، ودخول قوى كثيرة إلى الأرض السورية بالتنسيق مع النظام وغيره، ألا تدفعنا إلى التفكير بأنها كانت حركة ملعوبة منذ بدايات الثورة لعبتها قوى خارجية ثم لحق بها النظام وحلفاؤه، فراح ينفذ ما هو مطلوب منه دولياً في سوريا على صعيد التدمير والتهجير وإعادة رسم الخرائط والمخططات التنظيمية الجديدة؟ هل كان تدمير حمص وتهجير شعبها المرحلة الثانية من مشروع «حلم حمص» الذي كان قد بدأه المحافظ السابق إياد غزال؟ اليوم يتحدث النظام عن بناء مجمعات كبرى في حي الوعر الذي يعمل الآن على تهجير سكانه الباقين. هل وضع النظام وشركات دولية مخططات تنظيمية للكثير من المناطق التي دمروها وشردوا سكانها، حتى قبل أن تنتهي عملية التهجير القسري. بعبارة أخرى، هل كانوا يخططون لهذه المشاريع منذ زمن طويل، وربما قبل الثورة؟ لاحظوا أن الطيران السوري مثلاً كان يقصف مناطق معينة في مدينة قدسيا بدمشق، ويدمرها تماماً، ويتجنب مناطق أخرى، وكأنه يقول لنا: إن المناطق التي ندمرها مطلوب إعادة بنائها بشكل مختلف حسب المخطط التنظيمي الجديد لسوريا الذي وضعناه ربما قبل الثورة. لاحظوا كيف بدأت إيران تعيد إعمار داريا بعد تهجير سكانها. ولا ننسى مشاريعها في منطقة المزة بدمشق.

إن تعقيدات الوضع السوري وتشابكه تدعونا أن نخرج من قوالب التفكير التقليدية، ولا مانع إن بدأنا نفكر بأن ما يحصل في سوريا الآن أشبه بمخطط تنظيمي جديد للبلاد وقوده تهجير ملايين البشر وتدمير ملايين البيوت وإزالة مدن عن الخارطة بمباركة كل الأطراف باستثناء الشعب السوري.

==========================

ماكرون في سوريا: معضلات فرنسية وأخرى أطلسية .. صبحي حديدي

القدس العربي

الجمعة 6/4/2018

تضاربت التقارير حول المآل الفعلي، الميداني والعسكري على وجه الخصوص، الذي أعقب لقاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع وفد من «قوات سوريا الديمقراطية»، في قصر الإليزيه، في باريس، قبل أيام. ورغم أن البيانات الرسمية شددت على أن الوفد ضمّ «عدداً متساوياً من النساء والرجال العرب والأكراد»، فإن الاجتماع تركز على أوضاع الكرد في شمال شرق سوريا، وآفاق امتداد العملية العسكرية التركية إلى منبج، واعتراض باريس على هذا التوسيع.

والحال أن معضلات كثيرة اكتنفت هذا اللقاء، وما أعقبه من تفسيرات متقاطعة بين بيان الإليزيه (الحرص على «إنجاز استقرار المنطقة الآمنة خاصة في شمال شرق سوريا، ضمن إطار صيغة حكم متوازنة من خلال حلّ سياسي»)؛ وتصريحات ممثلي الكرد، التي ذهب بعضها إلى حدّ التبشير بانتشار عسكري فرنسي وشيك، لحماية الكرد في تلك المنطقة. وليس خافياً أن بعض تلك المعضلات يرقى إلى مستوى التضارب، والتناقض، داخل معمار السياسة الفرنسية الراهنة في سوريا؛ وكذلك الفلسفة العامة التي تنتهجها باريس بصدد محاربة الإرهاب.

فمن جهة أولى يثمّن ماكرون، بحقّ، تضحيات الكرد في قتال «داعش»، الأمر الذي يعني خدمة أمن فرنسا ذاتها، بالنظر إلى الهجمات الإرهابية الوحشية والمتكررة التي نفذها أنصار التنظيم على الأراضي الفرنسية. ومن جهة ثانية، لا يمكن للرئيس الفرنسي إلا أن يتعاطف مع أمن تركيا ضد العمليات الإرهابية التي قام بها «حزب العمال الكردستاني» على الأراضي التركية؛ ولكن كيف، والحال هذه، يُستقبل وفد سوري معظم أفراده على ارتباط، سرّاً أو علانية، في قليل أو كثير، بـ«العمال الكردستاني»؟

ومن جانب أول، يركز مشروع «الدعم» الفرنسي على مفهوم غامض، حتى في اللغة، هو «صيغة حكم متوازنة»؛ لا يُفهم منها ما تريده باريس بالضبط: الاعتراف بمنطقة روجافا، ولكن ضمن ائتلاف عربي وكردي معاً (بدليل تركيبة الوفد الذي أمّ الإليزيه)؟ أم ترحيل مفهوم الحكم إلى ترتيبات أبعد زمناً وسياقا، وربما إلى حيث الحلول النهائية في سوريا؟ ومن جانب موازٍ، يصرح خالد عيسى، عضو «حزب الاتحاد الديمقراطي»، أي الفرع السوري من «حزب العمال الكردستاني» عملياً (والذي يُعرّف أيضاً كـ»ممثّل لمنطقة شمال سوريا في باريس»!) بأنّ ماكرون وعد بإرسال المزيد من القوات الفرنسية إلى منبج، بهدف حماية الكرد. أيهما أقرب إلى منطق السياسة الفرنسية، في سوريا أو تجاه محاربة الإرهاب عامة؟ بل بالأحرى: أيهما أقرب إلى المنطق السليم؟

كل هذا على خلفية أخرى بالغة الدلالة، هي تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الولايات المتحدة سوف تغادر سوريا قريباً، وستترك المهمة للآخرين. صحيح أن أقوال ترامب لا تنطبق بالضرورة على خيارات مجلس الأمن القومي الأمريكي أو وزارة الدفاع أو الخارجية، بل قد تتناقض معها تماماً؛ إلا أن من الصحيح، في المقابل، أن مزاج ترامب قد تكون له اليد العليا في نهاية المطاف، وأنه قد يتخذ بالفعل قرار سحب القوات الأمريكية من مناطق انتشارها الراهنة في سوريا. في حال كهذه، وفي ما يتصل بمنطقة منبج على وجه التحديد، هل تكون فرنسا هي بعض «الآخرين» الذين قصدهم ترامب في تصريحه؟ وهل يكون هذا ترجمة لما عبّر عنه خالد عيسى، حول تعزيز القوات الفرنسية في شمال سوريا، ومنبج خاصة؟ ألا تفيد التقارير بوصول أعداد جديدة من القوات الفرنسية إلى قاعدة رميلان، شمال شرق سوريا، وإعادة تحصين مواقعها في منبج؟

بيد أن هذه المعضلات تتجاوز خيارات الرئيس الفرنسي ذاته، فتشمل وضع فرنسا الإجمالي مع الحلف الأطلسي، بالنظر إلى أن باريس وأنقرة عضوان في الحلف، أياً كانت مقادير الشدّة أو الضعف في ممارسة هذه العضوية راهناً. وعلى نحو ما، جليّ وحاسم مع ذلك، لا يبدو أنّ ماكرون ينتهج في هذه الخطوات السورية أقلّ من سياسة أطلسية كلاسيكية؛ بصرف النظر عن الأقنعة التي تتستر خلفها، أو التناقضات والتضاربات التي تكتنفها. ومن مفارقات الأقدار أنّ آخر مراجعات باريس، الإيجابية، تجاه أنشطة فرنسا العملية في الحلف الأطلسي جرت في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي.

يومذاك، في سنة 2009، شهدت الجمعية الوطنية الفرنسية، البرلمان، فاصلاً مسرحياً طريفاً، وضع أهل اليسار في صفّ الدفاع عن الرئيس الفرنسي الأسبق لشارل دوغول؛ ضدّ الأغلبية اليمينية الحاكمة التي تعلن انتماءها إلى إرث الجنرال السياسي، ولكنها تتزاحم للتصويت على إعدام واحد من أهمّ قراراته التاريخية: الانسحاب، في آذار (مارس) 1966، من القيادة المركزية للحلف الأطلسي، رغبة في الابتعاد عن سياسة المحاور بين واشنطن وموسكو، وتفادي استقطابات الحرب الباردة، من جهة؛ واحتجاجاً على ما تمارسه الولايات المتحدة من هيمنة شبه مطلقة في القيادة العسكرية المركزية للحلف، من جهة ثانية.

موقف الحزب الاشتراكي الفرنسي، وكان يومها في صفوف الأقلية المعارضة، صنع فصلاً جديداً في النفاق السياسي الفاضح؛ لا لأيّ اعتبار آخر سوى أنّ الحزب كان قد اختلف مع الجنرال دوغول في قراره ذاك، أوّلاً؛ ولأنّ فرانسوا ميتيران، أوّل رئيس اشتراكي في الجمهورية الخامسة، كان أطلسياً حتى النخاع، سواء في قراره إرسال القوّات الفرنسية للمشاركة المباشرة في تحالف «عاصفة الصحراء»، أو في عمليات الأطلسي على أرض يوغوسلافيا وفي سمائها، ثانياً. الوجهة الثانية للنفاق تمثلت في أنّ ساركوزي كان قد اتخذ قرار طيّ ذلك الإرث الدوغولي، وأعلنه على الملأ، قبل ستة أيام من موعد مناقشته في الجمعية الوطنية. لا يُنسى، هنا، أنّ الأخير ـ الذي يوصف عادة بـ«المحافظ الأمريكي الجديد، بجواز سفر فرنسي» ـ لم يكن يجترح جديداً على محاولة سلفه جاك شيراك، الذي سعى إلى الغرض ذاته سنة 1995؛ لولا أنّ الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون سدّ عليه الباب حين رفض طلب شيراك بأن تتولى فرنسا قيادة الحلف في المتوسط، ولم يَعِد بأيّ امتياز كبير آخر في الواقع.

لافت، إذن، أن يستأنف ماكرون سياسة أطلسية مبطنة سبق أن جرّب إحياءها شيراك وساركوزي قبله؛ أو، في قراءة أخرى، أن يقطع شوطاً عملياً في إعادة الحضور الفرنسي ضمن معادلة الصراعات الدولية على الأرض السورية، على نقيض عجز سلفه فرنسوا هولاند، سواء من خلال دعم هذا الجيب أو ذاك في «الجيش الحر»، أو مجاراة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في حكاية تجاوز الخط الأحمر ومشروع قصف النظام السوري بعد الهجمة الكيميائية التي استهدفت الغوطة الشرقية، في آب (أغسطس) 2013. الخيار الأول كان أقرب إلى ذرّ الرماد في العيون، ونجاح الدبلوماسي الفرنسي إريك شوفالييه في تسخير هذا الضابط في الجيش الحر أو ذاك؛ والخيار الثاني، تماماً كما اعترف هولاند مؤخراً فقط، كان مرتبطاً بقرار البيت الأبيض حصرياً، رغم جاهزية فرنسا للشروع في القصف.

ومع ذلك، وفي خلاصة القول، لا يلوح أنّ المعطيات الراهنة على الأرض السورية تمنح باريس هامش مناورة ملموساً، وبالتالي فاعلاً ومثمراً؛ في «زحمة» التنافس مع قوى كبرى متصارعة على النفوذ، أو متفاهمة على اقتسامه، مثل روسيا وإيران وتركيا، بافتراض أنّ ترامب اتخذ بالفعل قرار الانسحاب من الميدان. والتجربة تذكّر بأنّ ماكرون سبق أن تشدد في رفض اجتياح عفرين، دون جدوى؛ ولا يلوح أنّ تشدده الراهن بصدد منبج، وشمال شرق سوريا عموماً، سوف يكون عامل ردع، أو حتى عرقلة، لأي تفاهمات تركية ـ روسية.

 

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

==========================

كرامة الوطن والاحتلال الداخلي !؟ .. يحيى حاج يحيى

إن السلاح الذي اشتراه السوريون ليدافعوابه عن وطنهم وأصبح يقتل أبناءهم هو سلاح مسروق !؟

وإن الضباط الذين دفع السوريون أموالهم لتدريبهم ، ليكونوا في مواجهة أعدائهم ، فاستداروا ، ووجهوا السلاح لقتل أطفالهم ، ليسوا أبناءً للوطن !؟ ولكنهم مرتزقة بلا شرف ولا مروءة !؟

وإن السلطة التي تجعل طائفة فوق القانون ، وفوق الوطن ، وتعادي تطلعات الإ نسان السوري في الكرامة والحرية ، وتستعدي عليها الغرباء ، وتستدعي قوى الشر والجريمة للتنكيل به ..!؟ هي احتلال داخلي ، وجب رد اعتدائه بكل وسيلة ، لإنقاذ ماتبقى من الوطن والشعب !!

==========================

في ذكرى مجزرة خان شيخون : أبو سفيان في جاهليته أشرف من بعض العرب والمسلمين !؟  .. يحيى حاج يحيى

مر أبو سفيان على جثة حمزة رضي الله عنه ، في غزوة أحد ، فجعل يضع الرمح في فمه ، ويقول : ذق عقق ، فرآه من يعرفه ، فعجب ، وذكّره بالرحم التي بينهما ! فقال وقد أحس بشناعة مافعل : اكتم ذلك عني !!

وتسمع وتقرأ( وأطفالنا في مجزرة خان شيخون ، كانت أرواحهم ماتزال تحشرج في صدورهم من أثر غاز السارين ) لبعض من يحسب نفسه عربياً ومسلماً ، يدافع عن المجرمين ، ويتهم الذين يدافعون عن أهلهم بأنهم السبب !؟

ومع ذلك يامن يدل فعلهم وقولهم على أصولهم الوضيعة من الشبيحة في .... وغيرها من الأوكار، ومن تسمى باسم ( وسيم) في إحدى عواصم الروسيات !؟

لن نكفر بالعروبة انتماءً، ولا بالإسلام ديناً !

==========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com