العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 15-02-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

طناجر الأسد! .. حسان حيدر

الحياة - الخميس 12-2-2015

 في مقابلته مع «هيئة الإذاعة البريطانية»، صدم بشار الأسد الصحافي جيريمي بوين عندما قال بتهكم إن «الجيش السوري لا يستخدم براميل متفجرة... ولا طناجر». الصدمة عبّر عنها بوين في التحليل الذي أرفقه بنص المقابلة قائلاً: «إن استخدام كلمة طناجر تعني إما أن الرئيس السوري لا مبال، أو أن لديه حس فكاهة مقذعاً، أو أنه مفصول عن الواقع وعما يحدث ويشعر بأنه مغلوب على أمره».

والأرجح أن الاحتمالات الثلاثة مجتمعة في شخص حاكم دمشق. فهو فعلاً لا يبالي بما يحصل لشعبه ولا يعنيه سوى الحفاظ على الحيز الجغرافي المتبقي له من دمشق ومحيطها يمارس عليه سلطته، وكلما أحس بالخطر يقترب منه، استشرس في الدفاع عنه واستخدم كل ما يملك من وسائل قتل وتدمير، وأمعن في إظهار عنفه كي يردع المعارضة عن تهديده مجدداً. بل إنه هو بالتأكيد من يشجع جيشه على الذهاب في القسوة إلى أقصى حدود، ولا يرى ما يسيء في استخدام براميل متفجرة تدمر أحياء بكاملها على رؤوس قاطنيها، مثلما يحصل في ضاحية دوما الدمشقية منذ أيام.

وبالتأكيد، تجاوز الأسد الحياء منذ وقت طويل، فلم يعد يخجل من جريمته، بعدما بلغ عدد ضحايا حربه للبقاء أكثر من 200 ألف سوري وما يزيد على مليون ونصف المليون جريح وأكثر من 500 ألف معوق. ومن يوغل في دم شعبه بهذه الطريقة لا تعود الأرقام تعنيه، ويتوقف الضحايا عن أن يثيروا لديه أي شعور بالندم أو حتى مجرد الإشفاق. صار هؤلاء أرقاماً فقط تطمئنه كلما ارتفعت إلى أن أمله في البقاء قائم، وتقلقه عندما تنخفض فيطلب المزيد.

نفى الأسد في حديثه أن تكون سورية دولة فاشلة، وقال في إجابة لا تمت إلى الواقع بصلة: «لا يمكن الكلام عن دولة فاشلة طالما أن الحكومة ومؤسسات الدولة تقوم بواجباتها نحو الشعب السوري»! لكن عن أي شعب يتحدث وعن أي واجبات؟ هناك 11 مليون سوري، أي نصف الشعب، نزحوا داخل بلادهم أو فروا إلى خارجها، بعدما اختفت منازلهم ومدنهم وقراهم وحقولهم... أما حكومته فتحولت إلى هيئة لإدارة المافيات والعصابات التي تجبي الأتاوات من السوريين في مقابل تأمين بعض احتياجاتهم الملحة، في أبشع صور الفساد وآلياته.

وإذا لم تكن دولته فاشلة، فماذا يعني وجود ميليشيات «حزب الله» و «عصائب أهل الحق» و»الحرس الثوري» على الأرض السورية؟ وماذا يعني أن يتولى الحزب اللبناني قيادة القوات السورية النظامية في المعركة الدائرة حالياً في القنيطرة؟ وبماذا يُفسر إمساك إيران بأي قرار يتعلق بالتفاوض من عدمه، مثلما حصل في موسكو أخيراً.

حتى ما أقر به الأسد في أحاديث وتصريحات سابقة تراجع عنه في المقابلة الجديدة، فاعتبر أن نظامه لم يرتكب أخطاء في معالجة التظاهرات الأولى التي انطلقت في آذار (مارس) 2011، وتساءل بسخرية فاضحة عما إذا كان رجال شرطة قال إنهم سقطوا في بداية الأحداث «قتلوا بالموجات الصوتية للمتظاهرين».

لن تكفي الابتسامات و»القفشات» التي وزعها الأسد خلال المقابلة لإخفاء الواقع المأسوي والمؤلم لسورية، ولا لإثبات ثقة حاكم دمشق بنفسه. فالجميع يعرف أن قراره ليس بيده وأنه لا يملك سوى الذهاب بعيداً في العنف بعدما أغلق طرق العودة. ولعل إصراره على السخرية من آلام بلده وشعبه، قد يدفعه يوماً إلى استخدام الطناجر المتفجرة، تلقيها طائراته على السوريين بدلاً من مواد الإغاثة.

===================

طاقات الشباب المهدورة في المعارضة السورية .. براء موسى

الحياة - الخميس 12-2-2015

مرّ عقد الثمانينات الكارثيّ وكأنّه كان خارج نسق التاريخ، فلا شبيه له خارج هذا السجن الرهيب المُسمّى «سورية، لصاحبها حافظ الأسد»، عدا الآلاف من الشبّان الذين أُهدرت أعمارهم وراء القضبان، ومضى عقد التسعينات في لملمة الجراحات المُثخنة، ومحاولات الخروج من الصدمة.

في هذين العقدين خلت سورية من شبابها بالمعنى الذي يُشير إلى موات معظم الطاقات الشابّة في البلاد، بالأخصّ: في الشأن العام. وبعد التوريث عام 2000 انتعشت الآمال في التغيير قليلاً أثناء ما سُمّي بربيع دمشق، قبل أن يُودَع قسم من نشطائه السجن.

وإضافة إلى ربيع المنتديات هذا، ثمّة حدثان داخليّاً ساهما في تدفّق الدماء الشابة إلى الحراك السياسي، والاهتمام بالشأن العام، الأوّل كانت ساحته جامعة حلب إبان الغزو الأميركيّ للعراق في ربيع 2003، وتمثّل باعتصام طويل (مفتوح) يُدين العنجهيّة الأميركية، والثاني الانتفاضة الكرديّة في القامشلي وسائر المحافظات ربيع 2004، ومن كلتا الحالتين تسرّب إلى المُعترك السياسي العشرات من الشبّان والصبايا ممّا جعل خدود المعارضين التقليديّين تتورّد، بعد الغياب القسري لمعظمهم وراء القضبان. لكن بقيت تسمية المعارضة السوريّة بعيدة عن الأوساط الشعبيّة التي كانت تغرق في أوحال سياسة «اقتصاد السوق الاجتماعي» التي انتهجتها حكومة الرئيس «الشاب» كستار لنهب المال العام، وكانت انقلاباً فظّا على سياسة التحويل الاشتراكي الباهتة، والتي كانت شعاراً غير مطبّق للرئيس الراحل، وكذلك ستاراً لتغوّل الفساد الذي أنهك البلاد والعباد.

هذه الحصيلة الشبابيّة المنشغلة بالشأن العام طوال العقد الذي سبق الثورة كانت في طلائع الصفوف الثائرة عندما اندلعت من درعا التظاهرات التي تفشّت في كلّ البقاع السوريّة وطالبت، بعد انكشاف همجيّة وتوحّش النظام، بإسقاطه.

واقع الأمر أنّ التظاهرات السلميّة التي عمّت الشارع السوري ألهبت مشاعر الشباب بالمجمل، وأفرزت الظاهرة الشبابيّة من جديد أعداداً هائلة هذه المرّة من الجيل الأحدث للانخراط في المساهمة السياسيّة دونما مواربة، وكان أنّ النظام «الطائش حجره» ازداد شراسة وتوحّشاً في تضييق الخناق على أنفاس الجميع، بالاعتقال تارة، والقتل حيناً آخر، فضلاً عن التعذيب والانتقام اللذين فاقا مدارك البشر، ممّا جعل الخيار المتاح لمعظم الشباب يكاد ينحصر بأمرين: المقاومة المسلّحة، أو النزوح، وتدريجيّاً راح ينزوي خيار المقاومة المدنيّة مع تصاعد الصراع بتشعّباته الفظيعة على نحو ما نراه اليوم.

رافق الأحداث في بدايتها انتعاش جديد للتعويل على عنصر الشباب الذين ترعرعوا في المهاجر بعيداً عن المستنقع السوري الراكد لعقود، وعمليّاً استجاب العديد من المهاجرين القدامى لصرخات الشعب السوري، لكنّ الصدمة كانت كبيرة بهؤلاء، حيث تنوّعوا بين من تعوزهم الخبرة في العمل السياسيّ بشكل عام، والكثيرين من الانتهازيّين الذين وجدوا الفرصة سانحة لميولهم الانتفاعيّة.

أمّا الطاقات الشابّة التي اختارت النزوح أو اختارها هو، فقد غدت ظروف الحياة الجديدة تستهلكها، فضلاً عن أولئك الذين راحوا يغرقون في سلبيّات تستهلكهم كلّياً.

مع الصراع التقليديّ بين الأجيال، وضبابيّة المشهد السوري في شكل عام، ابتلعت قوى المعارضة السورية «التقليديّة» والناشئة جهود الشباب، أو همّشتهم معظم الأحيان، وفي أحسن الأحوال تركتهم لمصيرهم، وفي حالات أخرى تاجرت بهم، وفي ظلّ كلّ تلك الفوضى العارمة راحت طاقات تلك القوّة الحقيقيّة تتبخّر بأشكال عدة ليس آخرها التفريغ الرخيص عبر قنوات التواصل الاجتماعي.

قبل الثورة، كان المعارضون السياسيون يُرحّبون بالعناصر الشابّة، ويحتفون بالشباب الوافدين بفرح وتفاؤل، لكنّ الظاهرة برمّتها كانت حينها غير مرئيّة لصغر حجمها، كما موات الحياة السياسية إجمالاً. وأثناء الثورة اتّسعت الظاهرة، لكن في شكل مختلف، حيث التشجيع والاحتواء قائمان لكسب أصوات التأييد والناخبين شرط عدم المنافسة على المناصب والمكانة.

الطاقات المهدورة للشباب السوري سواء في الداخل أو المهجر كانت وما زالت تتكلّل بالعجز، ولأنّ الداخل مكلوم ومرهق فإنّ صرخات الاستغاثة واللوم تعلو، ولا يكاد يمرّ يوم دون تقريع التساؤل: «ماذا تفعلون هناك؟».

لا الائتلاف كمؤسّسة، ولا غيره من المنظّمات المستحدثة، ولا حتّى أساطين المعارضة، أو الشخصيّات «الاعتباريّة» يُعيرون الشباب الرعاية اللازمة في معظم الأحوال، خاصّة أولئك الذين في بلاد النزوح ولديهم مساحة أكبر للحركة مما لأشقائهم في الداخل، دون أن يجدوا من يرعاهم أو يُساعدهم على «لملمة» طاقاتهم المهدورة.

وعلى رغم وجود بعض المُميزين الذين تفيض طاقاتهم بالإبداع والإنتاج فإن الإنجازات الفرديّة تضيع غالباً في زحمة الركود العالميّ للقضية السوريّة. فالائتلاف، كما غيره، غارق إلى أذنيه في دهاليزه التي تبدو عقيمة، ومثله بعض التنظيمات الصغيرة، والشخصيّات المستقلّة ذات التأثير.

ومن الممكن، بل الطبيعي، أن تفرز الثورة بين الحين والآخر أفراداً من الشباب يرتقون إلى مستوى «ظاهرة فردية» بما لديهم من طاقة فائضة وإبداع فرديّ، فيتركون بصمات واضحة وخلّاقة في مجال يُفيد الحراك الثوري عمليّاً، غير أنّ المأساة السورية النازفة تحتاج إلى أكثر من بصمات فردية. إنها تحتاج إلى راعٍ حقيقيّ لتلك الطاقات المهدورة.

=====================

سنة خامسة ثورة .. دي ميستورا يشرب قهوته والمجرم بشار يقصف مئات الصواريخ والبراميل على دوما والغوطة .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 11/2/2015

باختصار مكثف يتولى السيد دي ميستورا مهمته الأممية بعد سلفيه ( كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي ) في التغطية على الجريمة الكبرى التي تستمر فصولها منذ أربع سنوات على الأرض السورية . المجتمع الدولي ، متمثلا في الخمس الكبار ، ومجلس الأمن ، والسيد بان كيمون كل هؤلاء يريدون أن يختبئوا تحت إبط السيد دي ميستورا ليثبّتوا في سجل التاريخ الدبلوماسي أنهم كانوا يفعلون شيئا ما لوقف الجريمة في سورية ، مقدرين أن ما يقوم به السيد دي ميستورا يكفي للوفاء بهذا الادعاء ...

دي ميستورا الذي أعلن منذ أول يوم تولى فيه مهمته في شهر 7/2014 أنه لا يملك خطة للحل في سورية ، وأن كل الذي يملكه هو مجرد خطة ( لتخفيف المعاناة ) ، ما زال منذ ثمانية أشهر يخفق غدوا ورواحا بلا طائل متخوضا بدما أطفال سورية ومدنييها ..

في زيارته الأخيرة منذ يومين إلى دمشق استقبل بشار الأسد السيد دي ميستورا بتصعيد غير مسبوق في القصف على دوما والغوطة . اقترانا بتوقيت الزيارة التي تم تأجيلها من موعدها الأول في شهر 1 / 2015 قصفت عصابات بشار الأسد المدن والبلدات السورية بأربع مائة وخمسين صاروخا ، وأكثر من مائتي برميل غبي . و كان حظ غوطة دمشق المصاقبة لفندق السيد دي ميستورا مئتين وثلاثين صاروخا ، ومائة وعشرة براميل ...

لا نظن أن دبلوماسيا دوليا عريقا مثل السيد دي ميستورا يحتاج إلى من يشرح له مغزى التصعيد الأسدي إغراقا في التحدي والاستخفاف بالمزيد من القتل والتدمير , وهو الذي يزعم أن جوهر مبادرته يقوم على التخفيف من المعاناة والتقليل من معدل القتل ..

إن أي إحساس بالكرامة الإنسانية أو السياسية كانت جديرة أن تجعل السيد دي ميستورا أكثر إصغاء لتقرير المنظمة المدنية الدولية ( أطباء بلا حدود) التي تحدث أطباؤها عن قصف على مدن الغوطة يتصاعد منذ عشرة أيام أي استعدادا لاستقبال السيد دي ميستورا. والذين تحدثوا عن عجز طبي مخيف تجعل المنظمة غير قادرة على القيام بواجباتها ، أو استقبال أعداد الإصابات ، والمرضى الذين يقصدون مراكزها ، أو اختراق الحصار على الأدوية المفروض عليها ، أو استهداف مباشر للمستشفيات وللطواقم الطبية واستشهاد بعض أفرادها .

 لو استمع السيد دي ميستورا أو من أرسله من منظمات المجتمع الدولي إلى استغاثة أحد أطباء المنظمة وهو ينادي إن ( الوضع الصحي في غوطة دمشق تجاوز كل الخطوط الحمراء ) .

وعلى مدى خمسة أيام من استمرار أعمال القصف المقترنة بزيارة السيد دي ميستورا بلغ عدد شهداء من الغوطة الذين اغتالتهم عصابات الأسد بطيرانه وصواريخه وبراميله أكثر من مائتي إنسان ...

ندرك من خلال الحملات الإعلامية التمهيدية التي أعلن عنها جلاوزة بشار الأسد من إيران والعراق ولبنان أن مخططا ( لمحو مدن الغوطة عن الخارطة ) قد وضع موضع التنفيذ . وقد صرح بذلك سفير أسدي سابق مهددا بأن وقت الحساب قد حان مستقوياً بالوحدات الإيرانية التي وصلت إلى ساحة الصراع على سبيل الدعم أو لتطوير الهجوم كما يقولون .

الحقائق عن المواقف السياسية الدولية مؤلمة للشعب السوري ، ولكن لا يجوز أن تكون محبطة . إن الانتصارات التي تحققها وحدات الجيش الحر على الأرض السورية تستحق الإشادة وتدفع إلى الاعتزاز . ولا تحتاج هذه الانتصارات إلا إلى التنسيق والتحرك تحت قيادة مركزية واحدة لتنهي المعركة بحسم ونصر عسكريين رغم كل ما يدعون .

لا مكان للحديث عن إدانة لحرب الإبادة تشن على غوطة دمشق وعلى مدينة دوما بشكل خاص . لن يغير من الحقيقة شيئا أن نكرر عبارات الشجب والاستنكار ،ولن يجدينا شيئا أن نناشد من اكتشفنا أنهم أعداؤنا ، ولا يحل لنا أن نربط مشروعنا بمشروعهم .

فلقد حصحص الحق ، وأسفر الصبح لذي عينين ، ولم يعد أمام القوى الثورية إلا أن تعزم وتتوكل ، آخذة بالاعتبار معطيات واقع استراتيجي دولي وإقليمي لم يعد يجدي نفعا تجميله أو الادعاء به .

سنة ونصف و بشار الأسد يحاصر غوطة دمشق ، يحاصر قطرة الحليب ، ورغيف الخبز ، وحفنة الأرز . ثم يجد الأبله الغبي قناة فضائية حاقدة وشريرة تكرر جوابه الغبي في إنكار هذا الحصار ( كيف يستطيعون إدخال السلاح ولا يستطيعون إدخال الغذاء ...) وينسى الأبله الغبي والقناة الشريرة المتحالفة معه أن السلاح يحتاجه المسلحون وأن قطرة الحليب ورغيف الخبز تنتظره شفتا الطفل الصغير ومعدة الشيخ الكبير ...

هذا لو كان في هذا العالم بشر يسمعون أو يبصرون

لندن : 22 / ربيع الآخر / 1436

11 / 2 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

====================

الخطر القادم من الشمال وثمن ذلك سوريا .. د. يحيى العريضي

القدس العربي - الاربعاء 11-2-2015

قبل 2011، لم يكن السوري متيقناً أنه الأقل حصانة بين مواطني كوكبنا، ونظامه الحاكم الأكثر حصانة بين أنظمة العالم. إنها معادلة مجنونة ومفارقة غريبة؛ فالمألوف أن حصانة المواطن والوطن واحدة لا تتجزأ، لكن كيف ركبت المعادلة، أمر لا يعلمه إلا الله وما تكشف بعد 2011. فكيف كان ذلك؟

إن نظرة سريعة إلى خريطة الشرق الأوسط، وتصورها كجسد تبين كم يشبه موقع سورية في هذه الجغرافيا، موقع وفعل ووظيفة القلب أو الدماغ من الجسد. من يحكمها ويتحكم بقرارها، يحكم ويتحكم بالمنطقة…. صراع فيها وعليها.

منذ فجر التاريخ، ما حكمها شخص أو أسرة أكثر من بضع سنوات، حديثاً كانت تنام على انقلاب لتصحى على آخر. ما هدأت إلا في سبعينيات القرن الماضي؛ فهل هي عبقرية حافظ الأسد، أم أنه قرار أعلى بأن تهدأ ويكون شرطي الهدوء حافظ الأسد؟ لنرى. إذا كان السر في السكان، فقد تحولت سورية بفضله إلى كتلة طوع بنانه؛ يبدأ تاريخها في السادس عشر من نوفمبر 1970. كانت سورية وقتها خارجة للتو من خسارة قطعة غالية من أرضها؛ فرغم كونه وزير دفاع النكسة عام 67 إلا انه وضع ذلك في عنق القيادة السياسية الأعلى؛ وكان السعي الحثيث لمسح الدماغ الشعبي، كان الحديث همساً بأنه المسؤول الأول عن ضياع الجولان؛ ومن تصل همسته إلى مسامعه أو تعلم بها عصابته يُوقف تنفسه. أتى الهمس الأكثر ضجيجاً من المقاومة الفلسطينية – ومن هنا سر كره حافظ أسد للفلسطينيين. كانت الساحة الأردنية هي الأشد حرارة بحكم الوجود الفلسطيني الكثيف وبحكم الحدود الأطول مع الكيان الصهيوني؛ فكان أيلول الأسود. وُقع اتفاق القاهرة عام 70 وانتقلت المقاومة الفلسطينية إلى لبنان، أضحت تحت ناظر الأسد وفي الحديقة السورية الخلفية تاريخياً، ولكن سلطانه عليها محدود..

حتى 1973 شابت رئاسة الأسد لسورية حالة من اللاشرعية، كان لابد أن يحارب فلا يتعمّد الطغاة إلا بالحروب والدماء. وفي الحالة السورية، عشرة أهداف تُصاب بطلق واحد: الجولان محتل وهناك همز ولمز حول شخص الأسد وهناك أغلبية مهمشة ورئاسة من الأقلية، وهناك داخل هائج دحرته سنة 67، وهناك اهتزاز للخريطة السورية بمجملها ديموغرافياً ونفسياً واقتصادياً واجتماعياً…. لا يحسم كل ذلك إلا حرب؛ فكانت حرب أكتوبر 1973.

ما كان الخروج من الحرب كالدخول إليها، فكان اتهام مصر بأنها أرادت حرب تحريك لا حرب تحرير؛ وفي حقيقة الأمر لم تكن حرب الأسد تلك لا تحريرا ولا تحريكا بل تعميدا. فلم يحرر أرض سورية بل خسر المزيد، رغم تضحيات سورية الكبيرة؛ ولا هو حرك كما فعل السادات وحصل على سيناء عبر التحريك، بل انحصر على انجاز تعميده حاكما بأمره.

عام ثمانية وسبعين تفلتت الأمور قليلاً في لبنان واستعاد الفلسطينيون أنفاسهم، خاصة في ظل ما اعتُبر انتكاسة كامب ديفيد، وكان لابد من إخراسهم بالقوة وما عادت قوة الأسد تكفي للقيام بالمهمة، فلا يعقل أن يقمع من يعترض على كامب ديفيد، وهو يقود حملة الاعتراض عليه فهذا تناقض قد يودي به. كان على اسرائيل أن تقوم بالمهمة فكان الغزو الاسرائيلي للبنان عام ثمانية وسبعين. شوش الأسد على كامب ديفيد بقدر استطاعته رغم أمنياته بنجاحه حتى يُزاح من طريقه كل مزاودة في مقاومة اسرائيل، فيضحى المقاوم والمزاود الأول. وهكذا كان فعلاً، ولمزيد من تحقيق أوراق الاعتماد المقاومتيه الصمودية تم تصميم اهتزاز داخلي تمثل بحراك للاخوان المسلمين. جرف عبره الأسد أي معارضة قائمة أو سابقة أو مستقبلية محتملة.(عكر على الأسد أمر حساس حدث في لبنان تمثل بخلق اسرائيل لشريط حدودي تناوب على قيادته سعد حداد وانطوان لحد؛ فشعر بان التوكيل المتمثل بالحماية من الخطر القادم من الشمال قد سُحب منه. صعّد الأسد ونسق مع الفلسطينيين لينسف مصداقيه الوكلاء الجدد).

أتى الخميني عام تسعة وسبعين من القرن الماضي؛ أخذ الأسد جرعة قوة لم يدرك أحد مفاعيلها المرعبة إلا بعد أعوام.. وأخذ الفلسطينيون أيضاّ جرعة خلبية وجعلتهم يصدقون الدعم الايراني، زادت قوتهم في لبنان. عكّر على الفلسطينيين الأجواء دعم عرفات لصدام في حربه مع ايران. رفعت اسرائيل درجة خطورة منظمة التحرير في لبنان وتنسيقها مع سورية الأسد فكان غزو اسرائيل للبنان ثانية عام 1982 وكان احتلال أول عاصمة عربية. سُحبت الوكالة من سعد حداد وانطوان لحد.

استمر اشتعال الحرب الأهلية في لبنان وتركز بين مكونات خارجة عن مكون حزب الله الذي كان ينمو بقوة في تلك الغفلة والعجالة. اللبنانيون منشغلون بالتقاتل وهو يستمر باستعراضاته المرسومة في الجنوب وفي اختطاف رهائن غربيين يطلقهم نظام دمشق لتثبيت أوراق اعتماده غربياً ليحصل على تفويض بإنهاء استعصاء الجنرال عون، الذي وضع يده على رئاسة الجمهورية عام 1989 ليستقر حكم لبنان للأسد بالمطلق. تندلع انتفاضة فلسطين عام 1989، يربك ذلك الأسد، فلا زالت القطيعة قائمة مع عرفات منذ خروجه من لبنان مروراً بملاحقته في المياه اللبنانية وصولاً إلى وقوف قيادة المنظمة الفلسطينية مع احتلال صدام حسين للكويت الذي جعل الأسد يشعر بالنشوة. يشترك الأسد مع قوات التحالف في إخراج العراق من الكويت فتكون الجائزة مؤتمر مدريد في نوفمبر 1991 وكان الهدف سحق الانتفاضة الفلسطينية سياسياً ومكافأة الأصدقاء ومحاصرة عراق صدام التي حلم الأسد بها على الدوام.

مع انهيار الاتحاد السوفييتي وبعد مصير شاوسسكو شبيهه الأساسي، كاد الأسد أن ينكشف عام ثمانية وثمانين بفتح الورقة الأمريكية. لابد أسعده تورط صدام في الكويت فها هو عدو مبين يُزاح من طريقه، وها هو يجد طريقة لتحالف مباشر مع أمريكا في «عاصفة الصحراء»، وها هو يلتقي بوش الأب في جنيف ليتمخض عن ذلك دعوة لمحادثات سلام عربية  اسرائيلية برعاية أمريكية، الأمر الذي شكّل ذريعة علانية للتقرب من أمريكا.

ولابد أسعدت الرجل عبارة شامير الشهيرة بأن المفاوضات قد تستمر خمسة عشر عاماً، بحيث لن يبقى ما يستحق التفاوض عليه، وها هي الخمسة عشر عاماً التي حكى عنها شامير تتضاعف عدداً؛ ولازال الأمريكيون يتحدثون عن عملية سلام مروراً بأوسلو وب»واي بلانتيشن» وبالوساطة التركية أيام العسل السوري- التركي. وكل ذلك كان مريحاً للأسد الذي مرر في تلك الأثناء توريث ابنه إثر وفاته.

وإذا ما قفزنا إلى مايو عام 2000، نجد إيهود باراك يتخذ قراراً من جانب واحد بالانسحاب من جنوب لبنان، ليصبح حزب الله الحاكم بأمره في الجنوب وصاحب الثقل السياسي في لبنان ربما بتكليف ايراني  اسرائيلي  سوري. كان وجود شخص كرفيق الحريري عظمة في زور المشروع الثلاثي أعلاه والمبارك أمريكياً. كان لابد للبنان من اهتزاز من نوع ما، بعد أن دخل الحريري على خط إعطاء لبنان هيبة الدولة التي تحرج اسرائيل، إثر عناقيد غضبها. يخرج جيش بشار من لبنان إثر اغتيال الحريري، وتقع المهمة على حزب الله أن يعيد النفوذ السياسي السوري إلى لبنان ولكن بالشروط وبضوابط الإيقاع الإيرانية.

تنتفخ فعالية حزب الله بدخوله في سورية لقتال الشعب السوري المنتفض على سلطته. ايران تتحول بعلنية إلى المتصرف في الشأن السوري وفي الشأن اللبناني من خلال إدخالها مقاتلي حزب الله وغيرهم إلى سورية. لتصل الأمور مع ايران أن تعبّر رسمياً عن ارتباط نظام الأسد باسرائيل. وما العلنيه إلا لوصول الوضع السلطوي السوري إلى لحظته الحرجة الأخيرة. زد على ذلك ان الحدث الأخير في القنيطرة السورية ووجود الجنرال الايراني في الموكب يقول لإسرائيل «أصبحنا شخصياً على الحدود المباشرة». يأتي الرد أيضاً بالقفاز الايراني/حزب الله/…… مشهد بسيط عابر في مسرحية طولها نصف قرن وعرضها سورية. والرسالة: «إن كان لمطلب تغيير الأسد أن يُلبى فالعنوان هو طهران؛ خروف دمشق رغم اعتلاله، سمين بما يكفي لانجاز صفقة ايرانية  أمريكية ترمم الوضع الإيراني المهترئ.

٭ كاتب سوري

===================

سورية ... مجتمع يتسيّس وأحزاب تغادر السياسة .. ميشيل كيلو

العربي الجديد - الثلاثاء 10-2-2015

هناك مفارقة فاقعة تسم، اليوم، أوضاع المعارضة السورية في صعيديها "الرسمي" (المجلس الوطني والائتلاف)، و"الشعبي" (الأحزاب والتجمعات والتيارات... إلخ)، تتجلى في تقدم السياسة، فاعلية مجتمعية مباشرة وعامة، وتراجعها إلى حد التلاشي نشاطاً حزبياً.

وكنا قد طرحنا، للمرة الأولى في نهاية سبعينيات القرن الماضي، فكرة أن السياسة إما أن تكون فاعلية مجتمعية مباشرة وعامة، أو أنها لا تكون سياسة تلبي مصالح الشعب، وتنحط إلى ألاعيب، قد تكون برنامجية تماماً، سياسوية تتجسّد عبر مهاترات شخصية وحزازات كيدية وتكتيكات أقرب إلى التكتات الخالية من أي عمق استراتيجي، أو ثوري، يتصل بمصالح المجتمع والدولة. وكان قد أملى هذه الفكرة، في حينه، عجز المعارضة الحزبية عن إحراز أي تقدم في تفكيرها، وعلاقاتها مع مجتمعها وتحولاته، وأي تطوير في أبنيتها وطرق عملها، يجعل منها أحزاباً ديمقراطية ترفض أن تحتجز في مسائل ثانوية تمليها انتماءات دنيا، تقوّض قدرتها على التأثير في المجال العام، وممارسة أي دور فاعل فيه. في وضع هذه صفاته، اتسم بسيطرة النظام المطلقة على الشأن العام، كان من الطبيعي أن لا تلعب الأحزاب أي دور قيادي في الإعداد للثورة، أو توجيه مسارها، ولا تنقذها من فخاخ نصبتها السلطة لها، لتحويلها من ثورة حرية إلى اقتتال طائفي متعسكر.

ما كانت الثورة لتقوم، لو لم يتقدم المجتمع لممارسة السياسة، بما هي شأن عام، وفاعلية مباشرة له، انخرط فيها بمجرد أن أتيحت له ثغرة ينفذ منها إلى الشارع، فتحها له القطاع الحديث من الفئات البينية والوسطى، كالشباب وأصحاب المهن الحرة والمثقفين، ومعظم المنتسبين إلى المجتمع المدني. تقدم المجتمع المدني إلى الساحة العامة، بمعيّة قطاعات أهلية هائلة الاتساع من سكان القرى والبلدات والمدن الصغيرة والكبيرة وضواحي الصفيح. واندمج القطاعان المجتمعيان، الحديث والتقليدي، في مسيرة واحدة، شعارها استرداد الحرية للشعب السوري الواحد، وبناء دولة ديمقراطية مدنية، تسودها العدالة والمساواة والكرامة.

عندما التحقت المعارضة الحزبية بالحراك، سارعت إلى السيطرة عليه، مستغلة ضعف خبرته السياسية العملية والخططية، وتعرضه للسحق على يد النظام، وخلوّ مكانه قائداً وموجّهاً للتمرد المجتمعي الكبير. هذا الرهان الذي قام على فكرة ترى أن الفراغ يكفي، بحد ذاته، للحلول محل القيادة المغيّبة، ولتمكين الأحزاب من الانفراد بدور قيادي، لا ينافسها عليه أحد، يحل وعيها وتنظيماتها محل عفوية الجماهير، فشل لأنه بقي لصيقاً بخطط سياسية، رسمت لحالة مغايرة، كان قد أملاها على لينين وضع ثوري مختلف، قال ببناء حزب يحوّل انتفاضة عفوية إلى تمرد جماهيري منظّم، يغيّر موازين القوى السائدة لصالح ثورةٍ، تزيد من التصاق الجماهير به، ومن قبولها له، إلى أن يحاصر ويسقط بمعونتها "قلعة" السلطة، تحت ضغط حلفٍ، يضم أغلبية شعبية من العمال والفلاحين والانتلجنسيا.

"كان يمكن للأحزاب سد الفجوة المتزايدة الاتساع بين الحراك العملي وحوامله النظرية، واحتلال موقع طليعي، يضعها على رأس الثورة، إلا أنها لم تعِ هذه الضرورة"

لم تعرف سورية حزباً طليعياً واسع الوجود بين العمال والفلاحين. ولم تحدث فيها انتفاضة شعبية، يحولها الحزب الغائب إلى ثورة، ولم يتبلور في سياق الحراك حلف عمال وفلاحين يقوده حزب ثوري، وانقسمت الانتلجنسيا حيال ما حدث، ولم تكن قدرات المجتمع المدني التنظيمية، وخبراته الميدانية، عفوية، بل شهدت أساليب تنظيمية متطورة، تكفّلت بإدامة زخم الحراك طوال أشهر، على الرغم ممّا ظهر فيه من شعبويةٍ، أسهمت في إبقاء زمام المبادرة السياسية في يد النظام، حملت مواقفها العملية طابع ردود أفعال على سياسات السلطة وخططها، عجزت عن التصدي للمشكلات التي واجه بها الثورة، كمشكلة الطوائف، والتي استخدمها لفصل المجتمع الأهلي عن المدني: لعزل الثاني عن الأول، وما ضمه من كتل بشرية هائلة، تحركت في كل مكان مطالبة بالحرية، ولإلحاق هذه الكتل بقيادات مذهبية معادية للديمقراطية، مذهبية ومؤمنة بالعنف، بينما كان القمع يتكفّل بإبادة نشطاء المجتمع المدني، وسحب بساط الجماهير من تحت أقدام الأحزاب، وكان تعامل النظام مع الحراك يستعيد أسلوبه القديم، القائم على عزلها عن بعضها، وعن الشعب، والاستفراد بكل واحدة منها، والتلاعب بما يظهر، أو يزرع بينها وفيها من خلافات وتناقضات وصدوع، والتحكّم بتوجهاتها وتبايناتها المحتملة، أو الحقيقية، وحصرها تنظيمياً وسياسياً، ضمن حدود ضيقة، لا تسمح لها بممارسة فاعليات تغييرية، سواء داخل صفوفها أم خارجها.

بعد صحوة قصيرة، بدا الحراك الثوري، خلالها، وكأنه يحرر الأحزاب من احتجازها، ويلهمها قراءة جديدة للواقع واحتمالاته، أشد غنى وثراءً وإبداعاً من قراءاتها التقليدية الرتيبة والباردة، تبيّن أن كوابح هذه الأحزاب أقوى من قدرتها على التجدّد الذاتي، وأنها عاجزة عن تغيير خطابها وممارساتها، وبلورة دور مغاير لما سبق لها أن عرفته في مراحل نضالها، السري والعلني. وبدل أن تتقدم، وتتحول إلى قائد للحراك والثورة، ظلت محمولة عليهما كقشة على سطح نهر صاخب، ولأن حامل الحراك الرئيس وقائده: المجتمع المدني، كان يتراجع تحت السحق، بينما كانت قطاعات واسعة من المجتمع الأهلي تعود إلى أيديولوجيتها التقليدية، المذهبية الطابع، وتنخرط في عسكرة فرضت عليها بمدافع ودبابات وطائرات الأسد، وبجرعات عنف مفرط، مورس ضد بنات وأبناء الأرياف والبلدات والمدن، جعل السلاح وسيلتهم الوحيدة للدفاع عن أنفسهم، مع ما ترتب على الفوضى الناجمة عن العنف من تقويض لمكان السياسة ودورها من الصراع ضد سلطةٍ، صار القتل سياستها الوحيدة .

قفزة في ممارسة السياسة

"النتيجة الحتمية لسياسة وضع المسألة السورية في عهدة الخارج، كانت تحوّل مقاومتها السلمية، ثم المسلحة ضد النظام، إلى حرب بالواسطة بين أميركا وروسيا وإيران وإسرائيل وتركيا وبعض بلدان الخليج"

مثّلت الثورة فعلاً حاسماً حقّق الشعب السوري، بواسطته، قفزة نوعية في وعي السياسة وممارستها، بيد أن حراكه افتقر إلى خطة عملية/ استباقية، تعطيه زمام المبادرة، وتجعله الطرف الفاعل والمبادر في وضع معقد ومتشعب فرضه النظام، اقتصرت مواقفه منه على ردود أفعال غاب عنها الترابط الإيجابي والديناميكي الذي تنتجه عادة المبادرة السياسية. في هذه النقطة، كان يمكن للأحزاب سد الفجوة المتزايدة الاتساع بين الحراك العملي وحوامله النظرية، واحتلال موقع طليعي، يضعها على رأس الثورة، إلا أنها لم تعِ هذه الضرورة، أو أن عوامل متنوعة حالت دون وعيها وقيامها بها، كضعفها التنظيمي والعددي، وتخلّفها الفكري والنظري، وشكّها في استمرار الثورة وانتصارها، وخوفها من النظام، وعسكرة الحراك، وانقساماتها وخلافاتها، مع أن نجاحها في مبارحة نقاط ضعفها كان يمكن أن يخرج الثورة من عنق الزجاجة الذي وجدت نفسها فيه، وأن يقصر فترة الصراع وبلوغ أهدافه.

سحق النظام الذين قاموا بالثورة وقادوها، وعجزت الأحزاب عن تقديم خطة سياسية ضاربة تضعها على رأسها، بينما لم يتح وقت كاف يعبّر صنّاعها خلاله عن مضامينها النظرية والعملية، بسبب ما تعرضوا له من سحق عنيف ومتواصل، خلال مرحلة مبكرة جداً من حراكهم، وغرق حاملها الأهلي في صراعٍ اكتسب أكثر فأكثر سمات طائفية متعسكرة استنزفت قدراته، بضغط من نظامٍ أراد دفعه إلى هذه الحال التي عززت نزعاته الانفعالية على حساب نزعاته العقلانية، الضامرة والمحدودة أصلاً، وساقته إلى خساراتٍ لا يستهان بها، على الرغم من عظم تضحياته، وما أبداه من مقاومة.

كان الواقع يتطلّب إيجاد مخرج من هذا المأزق، كي تبقى الثورة وتنتصر. في هذه الفترة بالذات، تشكل المجلس الوطني السوري، فإذا به يقفز عن الإشكالية الداخلية برمتها، وينتهج خطاً وضع الحراك المجتمعي تحت حيثية الخارج، وربط مصير سورية به، وبما يمكن أن يتمخض عن سياساته من حلول، لاعتقاده أن ما وقع في ليبيا سيتكرر هنا أيضاً، وأن الخارج سيتدخل، حتماً، لصالح الثورة، وأن تدخله سيبدل علاقات القوى وموازينها، وسيحسم الأمور ضد النظام. هذا الانزياح بدّل طبيعة الثورة وشوّه مسارها. ثم، بعد عام ونيّف، تأسس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، فدعي، بعد تأسيسه، بأيام قليلة، قرابة ستمئة مقاتل ومنشق إلى تشكيل مجلس عسكري أعلى، وتسمية رئاسة أركان للجيش السوري الحر. لكن الائتلاف لم يُدعَ إلى المشاركة في تشكيل القيادة العسكرية لجيشٍ هو مرجعيته السياسية، فكان لما حدث نتائج كارثية، أقلع الائتلاف معها عن تمثيل الشعب السوري بصورة فعلية، بينما وضع الجيش الحر في أيدي القوى العربية والأجنبية التي "أعادت هيكلته". ذلك كان النتيجة الحتمية لسياسة وضع المسألة السورية في عهدة الخارج، الذي سرعان ما أحلَّ صراعاته محل ثورتها، وتصفية حساباته محل حريتها، وحوّل مقاومتها السلمية، ثم المسلحة ضد النظام، إلى حرب بالواسطة بين أميركا وروسيا وإيران وإسرائيل وتركيا وبعض بلدان الخليج... إلخ، شارك فيها مرتزقة متنوعو الجنسيات والمذاهب، أمعنوا، بدورهم، في تحويلها إلى حرب مذهبية، لا يربطها رابط بثورة الشعب السوري: ضحيتها الرئيسة.

... واليوم، تدخل الصراعات الخارجية في طور جديد، بينما تبرز مجدداً الحاجة إلى بناء دور سوري مستقل، يعيد إلى الصراع رهانه الأصلي، ثورة في سبيل الحرية، ويكبح تحوله إلى حرب ستكون جد طويلة، في حال تواصل عجز الائتلاف عن إخراج الثورة من تشابكات لم تكن بالأمس، وليست اليوم أيضاً، في مصلحتها، أبقتها عاجزة عن التكور على ذاتها، وسمحت بجرها إلى حرب ضد الإرهاب، لا سيطرة لها على مجرياتها، يقال، صراحةً، إنها ستكون وقودها البري.

"حين وقعت في سورية ثورة، احتاجت إلى مَن يضع خبرته وفكره النقدي في خدمتها، وتحولت السياسة إلى فاعلية مجتمعية مباشرة"

يطرح الظرف الراهن على المعارضين اختبار جدارةٍ هو فرصتهم الجديدة التي يتيحها لهم إصرار شعبهم على نيل حريته، ودورهم في صراعٍ يتخطى بلادهم، سيهزمون إن تم حسمه من دون مشاركتهم، باستطاعتهم الإفادة من حاجة العالم إليهم، لإصلاح أوضاعهم، وإخراج ثورة شعبهم من نفق دفعها إليه قصورهم كنخب، وتعدد قياداتهم وتناقض قواهم، وضمور عقولهم، ووضع قضيتهم بين أيدي قوى أجنبية، حولتها وحولتهم، هم أنفسهم، إلى أداةٍ، يستخدمها منذ نيف وثلاثة أعوام ونصف العام، في صراعات لا شأن لهم بها.

كان ياسين الحافظ وإلياس مرقص يعلقان أهمية كبيرة على "عفوية " الشعب، ويعتقدان أنها يمكن أن تتجلّى عبر صيغ أرقى من وعي النخب، حين يكون زائفاً، وأن تقدم لها فرصاً تعقل معها الواقع بطرقٍ تمكّنها من تطوير انتفاضة "عفوية" إلى ثورة، إن هي عرفت كيف تحدد مراحلها وقواها ومحطاتها، وكيف تلتقط خيوطها لحظة انفجار تناقضها مع النظام القائم، وكيف تشدها إلى نهايتها الظافرة: انتصار الثورة.

وقد كتب ياسين الحافظ مقالات عديدة، كرّسها لنقد "التنظيمات" التي وجد أنها تفتقر إلى وعي مطابق للواقع واحتمالاته، ولمّح إلياس مرقص إلى أن تحول السياسة إلى فاعلية مجتمعية هو بحد ذاته ثورة.

أخيراً، وحين وقعت في سورية ثورة، احتاجت إلى مَن يضع خبرته وفكره النقدي في خدمتها، وتحولت السياسة إلى فاعلية مجتمعية مباشرة، منذ مارس/ آذار عام 2011، تبيّن أن طرف المعادلة الثاني: نخبنا الحزبية، وكذلك السياسية والثقافية، أسيرة عجز مزمن، قتل خيالها وروح المبادرة لديها، فلم تعِ ضرورة تطويرها، وتوحيد حراكها، ومنع انحداره إلى ما نراه من تخبّط وفوضى.

===================

الربيع العربي حتمية تاريخية .. د. وائل مرزا

الشرق القطرية - الاحد 8-2-2015

لم يكن ثمة مجالٌ للتاريخ سوى أن يولد الربيعُ العربي، نؤكد هذه المقولة في ذكرى قدوم الربيع المذكور لأن كل دروس التاريخ والاجتماع البشري تؤكدها من أكثر من مدخل.

وإذ تكثر التفسيرات عن أسباب قدوم هذا الربيع، وتشيع فيها التفسيرات التآمرية، ينسى أصحاب هذه المقولات أن الواقع العربي السابق لهذا التاريخ كان يحمل في طياته كثيراً من المؤشرات التي توحي بحتمية حصول ما حصل. فسنن التاريخ وقوانين الاجتماع البشري لا تحابي أحداً، وهي من القوة بحيث لا يمكن إعاقتها بأي قوة، أمنية كانت أو سياسية أو مالية.

لا يحتاج الأمر إلى قراءة الغيب، وإنما يكفي الاستقراء المنهجي لتلك السنن والقوانين، والنظر في الواقع العربي وإمكانية تطبيقه عليها. ولتأكيد تلك القاعدة فقط، ننقل فيما يلي جملة اقتباسات من مقالات نشرها كاتب هذه الكلمات على مدى أكثر من عشر سنوات ماضية فيها ما يشير إلى ما هو قادم، وإلى ما أصبح أمراً واقعاً في نهاية المطاف.

ففي مقال بعنوان (لماذا نخاف من الإصلاح) جاءت الفقرة التالية: "والبعض يخشى من الإصلاح خوفاً من أن يكون طريقاً للفوضى، وقلب الأمور رأساً على عقب.. والحقيقة أن ذلك ليس من الضرورة بمكان على الإطلاق. لأن من الممكن جداً الوصول إلى عقدٍ اجتماعي وسياسي يأخذ بعين الاعتبار خصوصية الثقافة السياسية العربية، وخصوصية النظام السياسي العربي، وخصوصية العلاقة التاريخية والمعاصرة بين الحاكم والمحكوم في البيئة العربية، وخصوصية ومميزات هياكل وأطر العلاقة بينهما، وهي كلُّها خصوصيات لم يعد بالإمكان تجاهلها إذا أردنا حقاً أن نخرج من المأزق المستحكم الذي يمكن ملاحظته في كثير من البلاد العربية".

وفي مقال آخر بعنوان (هل اقتربت نهاية زمن الاستحقاق العربي) ورد هذا الكلام: "إلا أن التغييرات الجذرية التي بدأت تتفاعل على الساحة العالمية ثقافياً واقتصادياً وسياسياً منذ بداية التسعينيات الميلادية تراكمت مع بداية الألفية الجديدة، بشكلٍ بدأ فيه النظام السياسي العربي يفقد الأدوات الأساسية التي كانت تمكنه من الحفاظ على تماسكه. فمع سقوط زمن الأيديولوجيات التي كانت تضفي بعض مشروعيةٍ هنا وهناك، ومع تغير خرائط التحالفات السياسية والاقتصادية والعسكرية في كثير من أنحاء العالم، ومع تزايد مدِّ ثورة الإعلام والاتصالات التي اكتسحت العالم فكشفت المستور وسمحت بالممنوع وعرَّفت بالمجهول، ومع شيوع موضة الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم، وما رافقها من انحسار موضة الحكم بواسطة الأمن والمخابرات والبوليس السري، ومع تغوّل العولمة الاقتصادية وازدياد جشع الشركات متعددة الجنسيات للأسواق البكر والأيادي العاملة والمواد الخام الرخيصة، صار من الصعوبة بمكان الحفاظ على تلك القشرة التي تحدثنا عنها، والحفاظ على ما تحتها، في معزلٍ عن جميع هذه التطورات الحاسمة التي غيرت بشكل استثنائي حياة الإنسان على وجه الكرة الأرضية".

أما المقال بعنوان (علاقة المعارضة بالسلطة) فقد انتهى بالفقرة التالية:"لابد من صياغة معادلة جديدة للعلاقة بين السلطة والمعارضة في العالم العربي.. بغض النظر عن طريقة الإخراج.. ففي معزلٍ عن ذلك الاتفاق سيظل الحوار حوار طرشان. ومابين فقدان الثقة بالآخر والاعتماد على الأوهام، لن تكون النتيجة سوى المزيد من الحسابات الخاطئة، بكل ما يترتب عليها من كوارث وإخفاقات".

ثم كان مقال (التغيير من أجل الاستقرار) والذي جاء فيه: "إن التغيير في العالم العربي مطلوبٌ اليوم، ومطلوبٌ بشدّة، في كل مجال وعلى كل صعيد. وليس هذا فقط قناعةً شخصيةً من كاتب هذه الكلمات، وإنما هو نداءٌ سمعتُهُ، ورغبةٌ كانت تُعبّر عن نفسها بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر، في كل اللقاءات التي أسعفني الحظ بالوجود فيها، سواء على المستوى الخاص أو العام، والتي جَمَعَت في مجموعها أطيافاً متنوعةً من شرائح النخبة سياسيين وصحفيين ورجال أعمال وأكاديميين ومثقفين وعلماء في الدين والشريعة.. الأمر الذي يعني أن التغيير المطلوب والمنتظر يتعلق بشكلٍ أو بآخر بالسياسة والإعلام والاقتصاد والتعليم والثقافة والدين.. هذا فضلاً عن كثيرٍ من مظاهر الشكوى والتذمر السائدة بين عامة الناس خارج دوائر تلك النخبة، والتي تكتمل من خلال الوعي بدلالاتها دائرة الإجماع على الحاجة للتغيير في واقعنا العربي المعاصر. وهذا كلُّه إن كان يعني شيئاً، فإنما يعني أنه لم يعد هناك مجالٌ اليوم للخوف من التغيير، أو للنظر إليه على أنه قد يُهدّدُ الاستقرار، وهو يعني أن الأوان قد آن للإقدام على التغيير دون حذرٍ مُبالغٍ فيه، بعيداً عن الحسابات التقليدية، لأنه أصبح المدخل الأكيد، وربما الوحيد، إلى ذلك الاستقرار".

وفي مقال (التنمية والمشروعية ومستقبل العالم العربي) جاء الختام كما يلي: "خلاصة القول معروفة، فعملية التنمية العربية الحقيقية تكاد تُراوح في مكانها، ووجهة الاقتصاد العربي على المدى المتوسط والبعيد لا تبشّر بالخير. لهذا، آن الأوان للتفكير بشكلٍ استراتيجي فيما يمكن أن ينتج عن تلك الخلاصة في المجالات الاجتماعية والسياسية والأمنية في العالم العربي بشكل عام، وعلى صعيد المشروعية السياسية تحديداً. نحن نتحدث هنا عن قوانين للاجتماع البشري لا يمكن التعامل معها بالتأجيل والتسويف والتجاهل. لا توجد حلول وسط لهذه القضية، ولابدّ من واقعيةٍ شديدة في تفكير النخبة، تؤدي إلى تنازلاتٍ تقوم بها، وتحفظ الجميع من السقوط في الهاوية. أما من يهمس في الآذان بغير ذلك، فإنما يبحثُ عن مصلحةٍ فردية آنيةٍ له، وليس له علاقةٌ من قريب أو بعيد لا بمصلحة العرب، ولا بمصلحة النظام العربي، ولا حتى بمصلحة من له مصالح إستراتيجية في بلاد العرب".

أما مقال (زمن سقوط المحرمات) فقد بدء بالفقرة التالية: "تتساقط المُحرَّمات في الواقع العربي واحدةً تلو أخرى، يحزن البعض ويفرح آخرون ويختار البعض الثالث موقف الإنكار، ولكن المحرمات تظل تتساقط كأوراق الشجر في خريفٍ شديد الرياح". وانتهى بما يلي: "ومع سبتمبر الأول في الألفية الجديدة تحطمت جميع الموازنات والترتيبات وتغيرت كل الحسابات دخل العرب الواقع العالمي المعقّد من بوابة سبتمبر بنفس سرعة الطائرات التي اقتحمت الأبراج، وبدأ العالم بالمقابل يدخل في كل ذرةٍ من نسيج العالم العربي. وفجأة، تداخلت القضايا، تشابكت المصالح، تنوعت الاهتمامات، تناقضت الأولويات.

ومرة أخرى، جاءت النتيجة منسجمةً مع مقدمتها، تسارعت وتيرة انهيار المنظومة القديمة من كل ناحية، أضحى كل مسكوت عنه مجالا للنقد والتحليل والمراجعة بل وللاتهام والهجوم، لم يعد هناك حصانة من أي نوع لا سياسياً ولا دينياً ولا اجتماعياً. بقي البعض يؤمن بمراجع أيديولوجية أو سياسية، شخصية أو نظرية. ولكن عقلية (المرجعية) بدأت تتآكل بشكل ظاهر. لم تعد هناك جهة أو جماعة أو حزب أو فرد فوق نقدٍ يأتي من طرف من الأطراف. وفي حين كان يمكن كتابة مجلد عن (المسلّمات) في العالم العربي من سنوات، لم تبق هناك فكرة لا تقبل النقاش أو الجدل أو التشكيك في الزمن الراهن. إن لم يكن في الواقع ففي الصحف. وإن لم يكن في الصحف والمجلات فمن خلال رسائل الهواتف النقالة، وإلا فعلى الفضائيات، وإن لم يكن عليها فعلى الإنترنت. وهكذا دواليك. والذي لا يعرف هذه الحقائق بالشواهد والأمثلة لا يعرف شيئا عن الواقع العربي المعاصر. باختصار، بدأت رحلة سقوط المحرمات وأصبح صعباً أن تتوقف على المدى المنظور".

ليس السؤال إذاً: لماذا جاء الربيع العربي؟ بل قد يكون: لماذا جاء متأخراً؟

===================

مذبحة حماة في روايتين .. معن البياري

العربي الجديد - الاحد 8-2-2015

اكتملت، الأسبوع الماضي، ثلاثة وثلاثون عاماً على المذبحة التي اقترفها نظام آل الأسد في مدينة حماه السورية، لا تعداد مؤكداً وموثقاً لأسماء كل ضحاياها، وإن لا يقلون عن 30 ألفاً. والمقتلة الراهنة التي يواظب النظام نفسه، غاصب السلطة في دمشق، على اقترافها بهمّةٍ موصوفة، منذ أربع سنوات، موصولة بتلك المجزرة الفظيعة، وبما سبقها وتبعها من تنكيل بالوطن السوري وأهله. ولأن الأمر كذلك، فإن حضور تلك المذبحة في إبداعات أدبية يكتبها روائيون وقصاصون سوريون عن ثورة شعبهم وأوجاعه وآلامه، يبدو طبيعياً، وإذ نطالع إشاراتٍ إلى تلك الجريمة الكبرى، في بعض النصوص، بالإيحاء العابر أو المرور الموفق، كما في روايتي عدنان فرزات (كان الرئيس صديقي، 2013) وابتسام تريسي (مدن اليمام، 2014)، فإنها كانت مركزية في وقائع روايتين حاذقتين، صدرتا في غضون السخونة الحارقة للراهن السوري الدامي.

الأولى (عصي الدم، دار الآداب، 2012)، وكاتبتها منهل السراج تكاد تكون روائيّة حماه الأبرز بين الأدباء السوريين. ينشغل عملها هذا بعائلة حموية وحكايات أفرادها، وهم خمس بنات وثلاثة شبان، وباستعاداتهم فظاعة المجزرة غير المنسية، وإنْ للرواية بطلة رئيسية، حموية كما الكاتبة. تقرأ في الرواية سؤال محقق الأمن وحيرته: "أين يذهب بكل هذه الجثث؟". وتقرأ عن تدمير حماه بالكامل، "استحالت فارغةً، بائسة مقهورة، لا فرق فيها بين الصراخ والبكاء والرجاء والتعنت والصمود". وتقرأ أيضاً "يُقاد المواطن كنعجة، والجزار يقوم بالذبح باعتياد، فإذا كانت النعجة تذبح لبضعة كيلوغرامات من اللحم، فإن المحقق يستثقل حتى عبء أجساد الضحايا". لا تُعنى الرواية بمقتلة فبراير/شباط 1982 كواقعة تاريخية، وإنما باعتبارها حادثة مركزية، بمحو أحياء بكاملها لمدينة حماة، وما لذلك من معنى، متصل بمصائر شخصيات الرواية وأقدارهم، وهم الذين تشتتوا، في مسارات السرد في عمل منهل السراج الذي تواصل فيه ما يمكن حسبانه مشروعاً إبداعياً لديها عن حماة، يضيء أيضاً على سورية وتحولات الصراع فيها بين الشعب والسلطة القاتلة. فقد جاءت الكاتبة على ذلك في أعمال لها سبقت (عصي الدم) التي يُستعاد فيها مشهد الموت الكثير في حماه، منبعثاً من اشتعال الثورة السورية في مارس/آذار 2011.

الرواية الثانية (السوريون الأعداء، دار رياض الريس، 2014)، وكاتبها فواز حداد من أبرز من كتبوا عوالم دمشق، غير أن سورية كلها، اجتماعاً وسياسة وغيرهما، ماثلةٌ في منجزه العريض (12 رواية) في تعبيرٍ فني ثري، عكس تحولاتٍ ظاهرة في المشهد السوري العام، المثقل في أبرز حالاته بوطأة القمع المريع. وهذه الرواية الجديدة، ذات النزوع الملحمي في سردها المسترسل، تلتفت إلى الراهن السوري الذي يثور، في غضونه، الشعب على سلطة الاستبداد الجائرة، ولكن، باتصال هذا الراهن بسيرورة القتل والتسلط والفساد الثقيلة الطويلة. ومن محطاتٍ عديدة في هذا كله، ثمّة المقتلة المعلومة في حماه، وفي أثنائها "ربما كانت النواعير بدورانها اللامبالي الشاهد الكثيف على ما عاناه أهلها من فظائع وتنكيل"، على ما جاء في الرواية التي نقرأ فيها أيضاً "الزاوية الكيلانية سويت بالأرض، الجرافات لم توفر حتى القبور، عظام أمواتنا طحنت بترابها، أجساد قتلانا ذهبت بها الشاحنات إلى مقابر جماعية". ونقرأ عن حماه أيضاً وأيضاً "الإعدام تم ببساطة، انصرف الجنود إلى الطعام، والأموات إلى الموت".

الاستخفاف بحياة الآدميين السوريين، والاستهانة بكراماتهم، هما الهاجسان الأكثر خفاء وتجلياً (التعبير لأستاذنا كمال أبو ديب) في هذا العمل الروائي الحار، في انشغاله بتدمير السلطة في سورية المجتمع، بكل جبال الفساد التي يبنيها فواز حداد في صناعته معماره السردي عن سوريين أعداء لسوريين. حاضرةٌ فيه ثورة هذا الشعب، بغياب تفاصيلها اليومية. وحاضرة في الكتابة عن ضحايا كثيرين، تعبر بينهم جثث مجزرةٍ، مرّت ذكراها، الأسبوع الماضي، عرضاً.

===================

صناعة الإرهاب: سورية المثال والضحية .. برهان غليون

العربي الجديد - الاحد 8-2-2015

بعد فشل المجتمع الدولي، الممثل بالأمم المتحدة، وتجمع أصدقاء سورية الذي ضم أكثر من مائة دولة، في الوفاء بالتزاماته تجاه قضية الشعب السوري، برزت أصوات متزايدة، هنا وهناك، تحاول استغلال الكارثة التي يمثلها صعود تنظيم الدولة، لدفع العالم إلى التخلي عن مسؤولياته تجاه السوريين، والسعي إلى إعادة تكدين نظام الأسد في ما يسمى بالحرب على الإرهاب، وهي إعلان حرب يهدف إلى التلاعب بالإرهاب، أكثر من العمل الجدي لإنهائه.

لكن الرأي العام الدولي، الرسمي والشعبي يعرف، اليوم أكثر من أي وقت سابق، أن الأسد لا يمكن أن يكون شريكاً في الحرب ضد الإرهاب، بعد أن كان المصنع الرئيسي له، ولا يزال يستخدمه في حربه ضد شعبه، بل ضد مقاتليه أنفسهم، لدفعهم إلى الاستمرار في الحرب التي فقدوا الأمل في ربحها، ولم يعد لها في نظرهم أي هدف سوى حماية طغمة صغيرة من مرتزقة النظام، والمنتفعين منه. ويدرك الرأي العام الدولي، أيضاً، أن أي مشاركة للأسد في مثل هذه الحرب سوف تكون أكبر هدية يقدمها التحالف الدولي لتنظيم داعش، بمقدار ما يقضي على نفسه كتحالف يستمد شرعيته من رفض الإرهاب، وما يثيره من رد فعل واعتراض عند ضحايا إرهاب الأسد أنفسهم.

كان الإرهاب المرتبط بالتلاعب بالحركات الجهادية سلاح الأسد الأمضى، في العقود الطويلة الماضية، في تأمين نفوذه وتعزيز علاقاته الدولية ومكاسبه الإقليمية، بما يعني تصنيع الإرهاب، والتهديد باستخدامه، والسيطرة عليه، في الوقت نفسه. بهذا التحكم بالإرهاب، أقنع الأسد الدول العربية والغربية بأنه نظام قوي، وقوة لا يمكن الاستغناء عنها، لحفظ الأمن والسلام والاستقرار، وأن في وسعه أن يستخدم قوته، أي السيطرة على الإرهاب ضد خصومه، كما يمكن أن يستخدمها لصالح أصدقائه.

وقد استفاد الأسد في بناء استراتيجية تسييس الإرهاب وتأهيله، والعمل به على حافة القانون والعرف الدولي، من وجود الحركات الإسلامية الجهادية الناقمة، التي كانت تنمو على هامش أزمة الدولة الوطنية العربية، وفشلها في بناء مواطنة فعلية، وتفتقر لمرفأ أمان، فربط معها باسم الثورة، أو دعم المعارضة، أو المقاومة للصهيونية والغرب، بما في ذلك مع مقاتلين وقادة وجماعات تخلت عنهم الدول الغربية، بعد أن استغلتهم في حربها ضد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان. وصار، وهو النظام الذي يدعي العلمانية المغالية، أكثر النظم رعاية لحركات التطرف الإسلامية، ودعماً لها ضد الدول الإقليمية، والمستخدم الأول لها في العالم، بدلا من

"كان الإرهاب المرتبط بالتلاعب بالحركات الجهادية سلاح الأسد الأمضى، في العقود الطويلة الماضية، في تأمين نفوذه وتعزيز علاقاته الدولية ومكاسبه الإقليمية، بما يعني تصنيع الإرهاب، والتهديد باستخدامه، والسيطرة عليه، في الوقت نفسه" الدبلوماسية أو الحرب، لحل مشكلاته في المشرق، تجاه دول الخليج والعراق، وفي أوروبا وفي جنوب لبنان تجاه إسرائيل. وظف الأسد هذه القوة المتمردة والمعارضة الإسلامية، ذات الأهداف المثالية غير العقلانية ومستحيلة التحقيق، في خدمه استراتيجيته، وأهدافها الملموسة جدا والبراغماتية والانتهازية من دون حدود: الدفاع عن نفسه ضد المعارضة المحتملة لحكمه، وتوسيع نفوذه الإقليمي خارج حدوده، والحصول على ريع التهديد والحماية من الدول الأخرى، مكاسب عينية مادية، أو نفوذ ومواقع مراقبة وإشراف وتعاون أمني.

التحكم بالحركات الجهادية المتطرفة، وتحويل عملها من جهادية دينية إلى أعمال إرهابية تنتظم ضمن استراتيجية الدولة والنظام في دمشق، واستخدامها، حسب أجندة سياسية وعسكرية مدروسة، لتحقيق أهداف واقعية ممكنة، هذا هو مصدر قوة النظام السوري منذ أربعين عاماً، وهو الذي مكّن قادته من العمل في المنطقة والعالم بقاعدة قاطع طريق، ينتزع العوائد من خدمات الحماية التي يقدمها للعابرين، أو أصحاب المصالح ولمصالحهم، ضد التهديدات التي يتحكم هو بتوجيهها من دون أن يتهم بصناعتها. ومن دون هذا التلاقي بين نظام مافيوي، لا يملك أي محتوى وطني أو اجتماعي أو إنساني. أي، باختصار، ليس له أية أهداف أو هموم أو قضايا عامة من أي نوع كانت، وهذه الحركات الجهادية التي تؤهل أفرادها للموت والتضحية، من دون ثمن. لكن، من دون أهداف عقلانية، ممكنة التحقيق، واضحة أو قريبة (تطبيق تصور للإسلام أول ما يخرج منه المسلمون الذين يحولهم إلى كفرة ضالين). أقول من دون ذلك، ما كان بإمكان الأسد، ونظامه، أن يصل إلى ما وصل إليه من استقرار داخلي وقوة ونفوذ في الخارج، ولا أن يرتكب أكبر الجرائم ضد الإنسانية، من دون أن يتم القبض عليه بالجرم المشهود، راعياً رئيسياً للإرهاب الإقليمي والدولي.

على يد الأسد، أصبح الإرهاب سياسة كبرى، وأصبح التهديد بالإرهاب، والمشاركة في مواجهته، في الوقت نفسه، التجارة الإقليمية والمهنة الرئيسية للنظام، والتي يرتبط بنجاحها مصير جميع المهن والوظائف الأخرى، العسكرية والإدارية والاقتصادية الداخلية.

لكن مهنة الإرهاب قبل أن تصبح تجارة دولية كانت عند نظام الأسد في الأصل مهنة محلية، أو "وطنية"، وكان التعامل بالإرهاب المضمون الوحيد للممارسة السياسية داخل الدولة، والوسيلة الرئيسية للحكم وفرض الهيبة والهيمنة والنفوذ، داخل البلاد نفسها، على الشعب والمجتمع. وهذه المعادلة التي جمعت بين مافيا الأسد وسياسة الإرهاب وحركات الجهاد الإسلامية السائبة والمضيعة، وجمعتهما في مشاريع مشتركة، هي التي انهارت، أو في طريقها إلى الانهيار، اليوم، ومعها النظام الذي ركبها، وعاش عليها، واستمد القوة والنفوذ والمنعة منها.

انهارت هذه المعادلة في الداخل، باندلاع الثورة السورية التي كانت، قبل أي شيء آخر، ثورة ضد الحكم بالإرهاب، وعن طريق الإرهاب، واستناداً إلى الأجهزة الأمنية، وتهديدها الدائم حياة الأفراد ومصالحهم وحقوقهم وأمنهم ومعيشتهم، بعيداً عن أي وهم شرعية سياسية أو قانونية. ولم ينجح التصعيد في الإرهاب، أي سياسة القتل المنهجي والمنظم والدائم، كما أظهرته عملية قنص المتظاهرين المدنيين، ثم مواجهتهم برصاص الأسلحة الخفيفة والثقيلة، ثم باستخدام الأسلحة الكيماوية، وأكثر فأكثر، برمي البراميل المتفجرة العمياء اليومي، في خلق الخوف الذي لا يعيش من دونه الإرهاب، ولا يستقيم ولا يستمر. ظل السوريون يواجهون النظام، ويرفضون الإذعان لتهديداته، أو التراجع أمام عنفه. انهار نظام الإرهاب، الذي تحول إلى حرب على الشعب، شاملة وبكل الأسلحة، في الداخل، وانفضح أمره عند الحركات الجهادية نفسها التي كان يستمد منها القوة. واضطر من أجل بقائه في مواجهة قوى المقاومة الشعبية الحرة إلى الاستنجاد بالأجنبي، والسقوط في أحضان نظام العمامات في طهران، وتسليمهم مقاليد السطلة والنفوذ في دمشق. بعد أن كان يتلاعب بالآخرين، أصبح جزءا من الوسائل التي يتلاعب بها إيرانيو الحرس الثوري، ويستخدمونها للدفاع عن مصالحهم القومية/الطائفية في الإقليم كله، ولم يعد للأسد ونظامه أساس أو حاضر أو مستقبل. أصبح مجرد قاعدةٍ، تنتصب عليها إرادة الاحتلال الأجنبي.

وانهارت هذه المعادلة نفسها، وما ارتبط بها من استخدام التطرف الديني، كجزء من استراتيجية ترتيب علاقات النظام الدولية، وتنسيقها، في الخارجين، الإقليمي والدولي، أيضا. فقد أدى انهيار الدولة السورية، والفراغ الذي أحدثه، إلى حصول طفرة قوية في الحركات الجهادية، حررت الكثير منها من ارتهانها للنظام. وعلى الرغم من احتفاظه بعدد كبير من العناصر وبعلاقات قوية، ربما مع العديد من قادة تنظيم الدولة وغيرها، إلا أن تطور الأحداث يدفع في اتجاه فك التحالف القديم بين الحركات الجهادية الدولية والنظام، وتنامي نزوع هذه الحركات إلى الاستقلال، مع تزايد طموحها إلى أن تشكل مشروعا بديلا، أكثر ما يعبر عنه إطلاق اسم دولة الخلافة على القوة والنفوذ الجديدين اللذيْن نشأا على إثر انحسار نفوذ الدولتين، السورية والعراقية، في شرق سورية وغرب العراق.

فقد النظام السوري قوته الرئيسية ووسائل مناورته الاستراتيجية التقليدية، وموارده، وأدوات عمله، ومعها مهاراته غير التقليدية في تصنيع الإرهاب واستخدامه، بموازاة فقدانه السيطرة على الحركات الجهادية والتكفيرية، وحرية التلاعب بها. ولن تستطيع الأجهزة الأمنية التي بقيت تحت سيطرته أن تقوم بدور أكبر من تنسيق علاقات المافيا السورية مع دولة الوصاية والحماية الجديدة الصاعدة، وتلقي الأوامر من قادة الحرس الثوري الإيراني وتنفيذها، أو التهرب منها. وإذا كان هناك بعد، من بين الساسة العالميين، من يفكر بتشغيل الأسد ونظامه، على سبيل الاستفادة من الموقع القانوني والاستراتيجي الذي لا يزال يحتله باسم الدولة السورية، فهو نظام الحرس الثوري الإيراني وحده.

لم يعد لدى الأسد ما يقدمه في الحرب ضد الإرهاب الذي كان سلاحه الأمضى. سقط النظام المراهن على الإرهاب، وهو يدمر نفسه بنفسه، بمقدار ما يصر على تدمير بلده وقتل شعبه، وينهي وجود الدولة التي استخدمها دريئة للدفاع عن وجوده. وأصبحت سورية بلد الإرهاب المعمم، ووطن الميليشيات والقوى التي تتنازع على أرضها وشعبها، بكل ما عرفته البشرية، منذ أقدم العصور، من وسائل الإرهاب وأدواته.

مصير سورية مفتوح، اليوم، على كل الاحتمالات. لكن، لن يقرر مستقبل سورية إلا شعبها، صاحب الأرض، متى ما نجح في التحرر من منطق الخوف والانقسام والتهديد والقتل، وارتفع إلى مستوى منطق الحق والقانون، وأحلَّ روح التفاهم والاتحاد محل منطق الانتقام والاحتراب الذي يتغذى من سياسة تمديد أمد الحرب الإقليمية، وحرمان جميع السوريين من الأمل والأمن والسلام.

===================

خيارات الوضع الراهن .. ميشيل كيلو

العربي الجديد - الاحد 8-2-2015

ليس من التجني على ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية القول إن وضعه الحالي يحول بينه وبين أن يكون مؤسسة عمل وطني بمعنى الكلمة، لأسبابٍ أهمها بنيته الراهنة التي تم تصنيعها على عجل، بأيدٍ خارجية، لكي تغطي دور دول أجنبية تتصارع في بلادنا، وتعزز تحكّمها بالمسألة السورية، ومنع مؤسساته من بلورة أي دور وطني مستقل، ومن تحويل القوى المسلحة إلى جهة تستخدم في تصفية حسابات دولية وإقليمية، يغطيها أصحابها الخارجيون بوعود كاذبة حول تدخل إنقاذي يسقط النظام، ويأخذ سورية إلى الحرية.

وقد تعززت بنية الائتلاف المثلومة، والمنتجة للانقسامات، بفعل نظام داخلي فيه كل ما يلزم لتعطيل أي جهد أو مشروع يخدم المسألة السورية واستقلاليتها، وأي توجه نحو بناء خطط سياسية وعسكرية تقدم حلولاً تمنع انخراط السوريين في ما لا شأن لهم به، من صراعات محتدمة بين حيتان ووحوش دولية وإقليمية كبيرة، تقصر اهتمامها على استخدامهم وقوداً للموت، بدلاً من جنودها.

لا داعي لسرد تاريخ "الائتلاف" لتبيان الفجوة الواسعة بين ما كان عليه فعله، لو كان مؤسسة عمل وطني، وما قام به بالفعل من خطوات، ومارسه من سياسات تكلّلت عموماً بالفشل، ولإثبات غربته عن مجتمع سورية، بما في ذلك أقسامه التي هجّرها عنف النظام من وطنها، ويتعامل الائتلاف معها وكأنها غير موجودة، على الرغم من قابليتها للتفاعل بأعلى قدر من الإيجابية مع أي نشاط يقوم به حيالها، وأية خدمة يقدمها لها. لا داعي، أيضاً، لتأكيد ما آلت إليه الأحوال من بدائل، تتلخّص في اثنين: انهيار الائتلاف تحت وطأة تناقضاته الداخلية، وغيابه عن دوره الوطني المنتظر من جهة، او تغيير بنيته، بحيث يتمكن من إنجاز إصلاح جذري وعميق، يحوّله من نقطة الضعف الرئيسة للعمل الوطني إلى مؤسسةٍ تنتج سياسات مستقلة نسبياً عن الصراعات الدولية، من جهة أخرى، تعرف كيف تفيد من تناقضات أطرافها وكيف تضعها في خدمة قضيتها، وكيف تبعد ثورة الحرية عن معارك لا مصلحة لها في خوضها، تطمس هويتها وتبدّلها، تسفك فيها دماء ملايين السوريات والسوريين، وتشرّد وتهجّر ملايين أخرى، تدخل الإرهابيين الأغراب إلى بلادنا، وتسهّل تشكيل تنظيمات متطرفة وتكفيرية "محلية"، ينخرط كثيرون منهم فيها، بسبب الفقر، ومنعهم من حسم الصراع ضد النظام، وحماية شعبهم من الإبادة.

لكن، سيكون تحويل الائتلاف إلى مكان ينتج عملاً وطنياً ضرباً من المحال دون تبنيه، في صحوة متأخرة، استراتيجية داخلية التوجه، وطنية الأسس والممارسات والأهداف، تنفّذ برامجها قوى تخضع بنادقها لقيادة سياسية خبيرة، موحّدة وحازمة، تعرف كيف تدير الصراع من أجل انتصار الحرية والعدالة والمساواة، بمشاركة واسعة من قطاعات الشعب المختلفة، والتزام معلن بأهداف ثورتها.

يواجه الائتلاف، اليوم، أحد خيارين، إما أن ينقذ نفسه من الانهيار، عبر إصلاح شامل، يبدّل هيكليته وعلاقات مكوناته وآليات اشتغاله وبرامجه، يستعيد بواسطته رهانات الثورة الأولى، وما تفرضه من أولويات وخطط، أو أن يواصل عمله بالطريقة التي انتهجها إلى اليوم، فيصير انهياره أمراً لا مفر منه، ولا قدرة لأحد على الحيلولة دونه. السؤال الآن: هل يصحو الائتلاف من سباته الشتوي، ولو متأخراً، فيضع حداً لانقساماته وتبعيته لدول يرفض معظمها انتقال سورية إلى الديمقراطية أو إلى نظام إسلامي، أم يواصل إدارة أزمته بطرق تعسفية وفاشلة، تقوم على حسابات صغيرة وعقليات متخلّفة، فيواصل التعايش مع ضعفه، ويفلس تماماً تحت وطأة الظروف المتبدلة وتحدياتها، إلى أن تقتله غربته عن شعب يعجز أكثر فأكثر عن خدمة قضيته، وتثمير تضحياته؟

===================

تعميم العسكرة والقتل في سوريا .. فايز سارة

الشرق الاوسط - الاحد 8-2-2015

عاشت سوريا في الشهرين الأخيرين مستوى من تصعيد القتل، لم تشهده من قبل. وباستثناء عمليات النظام المستمرة والمتصاعدة ضد مدن وقرى سوريا في الأنحاء المختلفة عبر قصف الطيران بالبراميل المتفجرة والصواريخ والدبابات والاشتباكات المباشرة، فإن صدامات بين «داعش» وقوات الحماية الكردية في محيط مدينة عين العرب – كوباني في الشمال ما زالت مستمرة، وكان الأكثر جدة، اشتباكات دموية، شهدتها المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد في ريف إدلب وفي ريف دمشق، حيث وقعت في الأولى اشتباكات بين «حركة حزم» وجبهة النصرة، ثم بين «حزم» و«أحرار الشام»، فيما شهدت غوطة دمشق اشتباكات بين «جيش الإسلام» و«جيش الأمة» أولا، ثم اشتباكات بين «النصرة» و«الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام».

لقد توج تعميم القتل مؤخرا، بهجمات صاروخية قام بها «جيش الإسلام» على مدينة دمشق تحت حجة الهجوم على مواقع النظام نتيجة استمرار الأخير في عمليات القصف على الغوطة، وهو أمر اتخذه النظام مبررا في تصعيد عمليات التدمير الدموية، ليس على الغوطة فقط، بل في كل محيط دمشق، الأمر الذي أوقع في أسبوع مئات من السوريين، وجرح آلافا غيرهم أغلبهم من المدنيين ولا سيما النساء والأطفال.

ولم تكن عمليات القصف والاشتباك وحيدة في ظاهرة تعميم القتل السوري، بل ترافقت العمليات مع تعميم عمليات الاغتيال، التي لم تقتصر على نشاط القناصة في عشرات المواقع، إنما امتدت لتشمل عمليات اغتيال والاختطاف التي تأخذ أصحابها إلى مصائر غامضة، وهذا ما حدث في أرياف اللاذقية وإدلب وحلب وفي القلمون وصولا إلى غوطة دمشق وحوران، حيث سقط مئات من السوريين في الفترة الأخيرة في عمليات غادرة، لم تقم بها جهات محسوبة على نظام الأسد وقوى الإرهاب والتطرف فقط، بل قوى تصنف نفسها في عداد التشكيلات المسلحة للمعارضة السورية.

الأهم في ظاهرة تعميم القتل في سوريا، هو المعاناة المتزايدة للسوريين، التي أوصلتهم إلى عمق الكارثة الإنسانية من خلال ما أصابهم من قتل وجرح وتهجير وتدمير لقدراتهم وبلدهم على أيدي القوى والتشكيلات المسلحة، التي باتت تسيطر تقريبا على كل المناطق السورية مدنا وقرى ومزارع، والموزعة على محاور. أولها محور قوى النظام المنتشرة في عدة محافظات بينها اللاذقية وطرطوس إضافة إلى المنطقة الوسطى ودمشق، ويشكل جيش الأسد القوة الرئيسية فيه وأبرز أدواته سلاح الطيران والمستخدم على نحو واسع في عمليات القتل عبر البراميل المتفجرة والصواريخ، ويضم هذا المحور قوات الدفاع الوطني وجماعات الشبيحة والميليشيات الوافدة ومنها «حزب الله» اللبناني والميليشيات العراقية.

ويضم المحور الثاني، جماعات التطرف والإرهاب، التي تشكل «داعش» وجبهة النصرة قوته الرئيسية، وهي حاضرة بصورة أساسية في المناطق الشمالية والشرقية، حيث ينتشر «داعش» في دير الزور والرقة وأجزاء من الحسكة وريف حلب الشرقي وله خلايا نائمة في أنحاء مختلفة، فيما توجد قوات «النصرة» في ريف حلب الغربي وفي ريف إدلب، وريف دمشق وفي أنحاء من الجنوب بينها درعا والقنيطرة.

والمحور الثالث، قوى وسطية، تقف ما بين قوى النظام وقوى التطرف والإرهاب وما بقي من الجيش الحر، وذلك بالاستناد إلى رؤى آيديولوجية وسياسية، تخص كل واحدة من قوى هذا المحور الذي يشمل قوات الحماية الكردية، ومنها «جيش الإسلام» القوة الرئيسية في «الجبهة الإسلامية»، و«الجبهة الشامية»، التي احتمت بها «حركة حزم» مؤخرا هربا من مواجهة خاسرة مع جبهة النصرة في مناطق وجودها في ريف إدلب.

المحور الرابع، وأساسه ما تبقى من تشكيلات الجيش الحر، والتي باتت جزرا مشتتة في غالب المناطق السورية ما عدا وجودها الكثيف في درعا والقنيطرة، لكن تلك الكثافة، تكاد تكون غير ذات أهمية كبرى بسبب الظروف المحيطة بها لجهة جوارها الأردني المشكل في موقفه ومخاوفه من جهة، وضعف إمكاناتها في التحرك إلى دمشق قلعة النظام ومركزه الأساسي من جهة أخرى، وبسبب تنامي قوة جبهة النصرة ونفوذها من جهة ثالثة.

وبغض النظر عن أهداف المحاور العسكرية والمسلحة، وموقعها في الصراع السياسي والعسكري وعلاقاتها الداخلية – الخارجية، فإنها تشكل القوى الأساسية لظاهرة تعميم القتل في سوريا بكل دلالاتها السياسية والعسكرية، التي لا يمكن تجاهلها، والأبرز فيها حالة تعميم انتشار السلاح، وتحوله إلى قوة رئيسية يكون بديلا عن السياسة في التأثير على مختلف جوانب الحياة السورية وفي تفاصيلها أيضا، مما أدى إلى تهميش القوى السياسية والمدنية. والثاني، سعي الأطراف المتصارعة إلى إثبات وجودها وتحسين مواقعها ونفوذها العسكري والسياسي في خريطة القوة السورية، وهذا ما سعى إليه «داعش» و«النصرة» في الفترة السابقة، حيث سيطرت على مساحات واسعة، وهو ما يحاوله «جيش الإسلام» في الغوطة الشرقية حاليا.

والدلالة الثالثة في تعميم القتل، تأكيد الاستعصاء في الوصول إلى حل للقضية السورية، حيث لا حل عسكريا في ظل توازنات القوة الحالية، وتعديلاتها الطفيفة، لأنه من غير المتوقع في ظل البيئة العامة، حدوث تغييرات جوهرية في خريطة القوة العسكرية، والدلالة الرابعة، يختصرها القول، إن نهج العنف والقتل مستمر ويتسع في سوريا ولوقت غير محدود، وهو هدف اشتغل عليه النظام منذ اندلاع الثورة قبل 4 سنوات، ثم انخرطت فيه القوى الأخرى ولو من منطلقات مختلفة.

خلاصة الأمر في تعميم العسكرة والقتل في سوريا، أنه أمر خدم ويخدم نظام الأسد وخصوصا لجهة تأكيده، أن سوريا تحولت إلى ميدان للقتل والقتال خاصة مع وجود جماعات التطرف والإرهاب، التي لن يقتصر وجودها على «داعش» و«النصرة»، بل سيولد قوى أخرى وبعضها قد يكون أكثر تشددا منهما، وقد بدأت ملامح هكذا تنظيمات بالظهور فعلا، ومما لا شك فيه، أن تعميم الظاهرة، يضيف صعوبات أكبر في مواجهة حل سياسي للقضية السورية خاصة في ظل انقسام الموقف الإقليمي والدولي وعجزه عن التوافق في سوريا وحولها، وفي ظل استمرار ضعف الموقف الإقليمي والدولي المناهض لسياسات نظام الأسد ونتائجها.

===================

طموح إيران مفهوم ولكن ما هو طموح «حزب الله» ؟ .. مصطفى كركوتي

الحياة - الاحد 8-2-2015

السؤال مشروع ومُلِحّ ولا بد أن تكون هناك مناقشة داخل قيادة ميليشيا «حزب الله» اللبنانية حول نجاعة دور جيشها في الإقليم. وإن كانت مناقشة كهذه ممنوعة، فيُفْترض أن يُسمح بها لصالح «الحزب»، وصالح النسيج الطائفي في لبنان ومستقبله ومكانة طائفة «الشيعة» فيه. فهذا الدور لن يمرّ مرور الكرام في أرشيف التاريخ المعاصر لديموغرافيا المنطقة ولا في الذاكرة الجمعية لشعوبها، لا سيما أنه ملتصق بقوة بسياسة إقليمية شاملة في المنطقة وما ورائها لإيران، كإحدى أهم دول الإقليم الكبرى في هذه المرحلة، إذ ليس سورية فيها إلا واحدة من تفصيلاتها المعقدة. هذه السياسة الإقليمية لن تسود طويلاً في المنطقة، لأنها تصطدم بجملة من المصالح لقوى إقليمية أخرى مثل تركيا والجزء الآخر من الخليج. وهذا يعني أن ثمة تفاهمات حول المنطقة لا بد أن يتم في النهاية التوصّل إليها بين القوى النافذة فيها، وإلا فالبديل حرب طاحنة.

ولكن في هذه الأثناء، يبقى استمرار الحرب في سورية بكل توحشّها، هو الاحتمال المرجح لسنوات عدة، لا سيما بعد دخول غول تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام» (داعش) ساحة الحرب. صحيح أن «حزب الله» شارك في هذه الحرب قبل ظهور «داعش»، إذ أرسل عناصره لدعم نظام دمشق في الدرجة الأولى، وإنقاذ قواته التي كادت تندحر أمام قوات انتفاضة «الجيش الحر» والتحرك الشعبي العارم في العديد من المدن السورية بدءاً من أواخر عام 2011. وعلى رغم التفسير السياسي الذي يقدّمه «الحزب» لهذا الدور، بأنه جزء من تحالف «المقاومة والممانعة» الذي يجمع إيران ونظام بشار الأسد و»حزب الله»، وتعجيله في تصنيف المناوشة الأخيرة بينه وبين إسرائيل، المرتّبة بدقة في جزءيها القنيطرة ومزارع شبعا، للتأكيد على ذاك التحالف، فالذي يجعل من دور «حزب الله» في هذه الحرب إجراءً يتعذّر مغفرته هو مساهمته الكبرى في تعميق آلام السوريين بشكل غير مسبوق. وواضح أن «الحزب» نتيجة هذا الدور، بات وكأنه لا يعبأ بمكانته الوازنة والحاسمة في الحياة البرلمانية في لبنان، وهي المساحة الديموقراطية –على رغم شوائبها- الفاعلة في المنطقة العربية. صحيح أنه يصعب لعربيٍ ذرف الدموع على جندي إسرائيلي معتدٍ إذا صُرِع فوق أي أرضٍ عربية الآن أو في المستقبل، ولكن في ظل العدد المتصاعد يومياً للقتلى والمشردين في سورية وخارجها، وحجم الخراب والتفتيت المجتمعي والبشري والإنساني والجغرافي فيها وفي عدد آخر من دول عربية مهمة، فقد بات ترويج المواجهة مع «العدو الصهيوني» على أساس فلسفة تحالف «المقاومة والممانعة»، بضاعة غير رائجة وتكرار الكلام في هذا الشأن أصبح كمن يضرب في الميت.

واضح أيضاً كيف أن طبيعة المواجهة الأخيرة مع إسرائيل تختلف، من حيث المضمون والنوع، عن أي مواجهة سابقة بين الطرفين، والأهم هو اختلاف الظروف والأولويات السياسية بشكل ضخم الآن عن أي ظروف سابقة. ف»الحزب» يكون في هذه الحالة وكأنه يخوض، تحت مظلة الراعي الإيراني، حرباً بالتوازي على ثلاث جبهات من خلال دوره في سورية: الأولى والأهم، الدعم الفعال لقوات نظام الأسد فاقد الصلاحية منذ بدئه تنفيذ برنامج قتلٍ منظّمٍ لمواطنيه منذ عام 2001، والثانية المناوشة مع إسرائيل، والثالثة حرب إيران الإقليمية التي تهدّد معظم دول الإقليم العربي، لا سيما الوحدة الوطنية للبنان ومصالح مغتربيه الواسعة العاملة في الخليج، وربما في ما وراء الخليج أيضاً. ولا شك في أن قيادة «حزب الله» تدرك أبعاد مخاطر الارتباط مع طرفين لا يجمع بينهما أي شيء مشترك في المدى البعيد أو حتى المتوسط: الأول، نظام في دمشق لا يوجد أي تبرير أخلاقي لحمايته والدفاع عنه، لارتكابه إثم القتل الجماعي في حق أفراد شعبه وفق وثائق دولية مستقلة، حيث بات مصيره محتوماً مهما طالت فترة ضرورته المؤقتة، والثاني نظام في طهران طموح وتوسعي، لا حدود لتطلعاته، تحت سقف تفاهمات وتقاطع المصالح الأميركية-الإيرانية والتي من ضمنها الملف النووي.

في كل الأحوال، إن ما سيبقى في ذاكرة السوريين الجمعية، هو دور «حزب الله» في إنقاذ نظام دمشق في لحظات دقيقة من شهر نيسان (إبريل) 2013، عندما حسمت قوات «الحزب» المواجهة في بلدة القصير الاستراتيجية لصالح النظام، الذي كانت قواته على وشك الانهيار وخسارة شريان الحياة بينها وبين لبنان، وقبل وقت طويل من ظهور «داعش» في ساحة الحرب لا في سورية فحسب، بل وحتى في العراق. حدث ذلك بتأييد ورعاية إيرانيين شاملين، وصمت أميركي-أوروبي مدوٍّ، ومتابعة إسرائيلية قلقة. ولهذا، فإن دور «الحزب» في حماية دمشق من السقوط بيد قوات التحالف الوطني و»الجيش الحر»، سيسجَّل في أرشيف التاريخ من وجهة نظر سوريين كثر بأنه أبرز طعنة بحقّهم. فمعركة القصير التي لم يكن خبراء الأمن الإيراني بعيدين عنها، تحت إشراف مباشر لرئيس «قوات القدس» التابعة ل»الحرس الثوري الإيراني» الجنرال قاسم سليماني، ضمنت صمود ثالث أكبر مدن سورية، حمص، وأمّنت سلامة التموين والتعبئة على طول الطريق الرئيس الواصل إلى دمشق.

وسيسجّل أيضاً في أرشيف التاريخ المعاصر، كيف أن إيران ومعها «حزب الله» ساهمت في فقدان جيل كامل من الأطفال في سورية، إثر تفكيك الأسر وتهجيرها من مناطق سكنها قبل وقت طويل من وصول «داعش» إلى البلاد، فاق عددها عشرة ملايين نسمة. فوفقاً لأرقام الوكالات الدولية، هناك حوالى أربعة ملايين ونصف المليون طفل في أمسّ الحاجة الى الرعاية الإنسانية، وعشرة ملايين نسمة من النازحين، وأكثر من 5،3 مليون مسجلين كلاجئين في الدول المجاورة، فضلاً عن وجود ثلاثة أرباع السكان عند خط الفقر، و45 في المئة من دون تحصيل تعليمي. ولذلك، مهما حاول «حزب الله» تبرير دوره في سورية بأنه يقع في إطار «تحالف المقاومة والممانعة» في الظروف الراهنة، فالحقيقة المؤلمة تخبرنا غير ذلك، إذ إن وضع اليد بيد نظام دمشق الدامية، لا يخفّض من مكانة وقيادة «حزب الله» الشعبيتين فحسب، بل يجعله يبدو وكأنه بات أداة بيد إيران الطموحة في الإقليم أيضاً.

===================

سنة خامسة ثورة .. مؤسسات الدولة الأسدية : القاضي يعدم بثلاثين ثانية ووزير الدفاع للطبخ وتنسيق الزهور والمفتي يحيي بشالوم .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 10/2/2015

ما زال بعض المخادعين والمخدوعين يتباكون على ما يسمونه زورا وبهتانا ( مؤسسات الدولة) في سورية !! في سورية ، حيث أعدم حافظ الأسد وابنه من بعده كل ظل للدولة ، ومحا آثارها على مدى أربعين عاما لم يبق من ( الدولة ) بمعنييها المدني والسياسي الشكلي والعملي، ما يتباكى عليه المتباكون ...

للدولة في مضامير تطورها الإنساني والمدني ، من الحالة الرعوية إلى الدولة المدنية الحديثة معايير دنيا تضبط تجسداتها وأشكال أدائها مما لا تستطيع أن تجد له عينا ولا أثرا في سورية ( الأسد ) . سورية ( الأسد ) التي يدفع أبناؤها كل هذه الدماء ليخرجوها من حظيرة هذه الإضافة الذميمة ، وتحويلها إلى سورية شعبها وإنسانها.

الدولة في العرف العام الذي تواضعت عليه الأمم والشعوب ، واستقرت عليه مسيرة الحضارات هي مؤسسة للحماية والأمن ومؤسسة للرعاية والخدمة . الدولة مؤسسة منضبطة بقانون ، وليست مجرد أطر وعناوين وهياكل نخرة وجماجم لا تعرف العقول وصدور لا تعرف القلوب .

يدرك كل السوريين الذين عايشوا ويعايشون (الحالة الأسدية ) في سورية أنه على مدى أربعين عاما كان يمكن لرتبة صغيرة في تراتبية ( المؤسسة ) المهترئة التي يسمونها ( الجيش العربي السوري ...) وبخلفية هذه الرتبة الطائفية أن تهز أركان وأعصاب عقيد أو عميد أو لواء ليس له من رتبته إلا ما وضع على كتفه من رموز ...

بل كيف يستقيم عمل (مؤسسة ) يتباكى عليها المتباكون ، ينشق عليها أكثر من نصف عديدها من ضباط وضباط صف وجنود ثم تظل تتحرك بالنمطية نفسها وبالوتيرة نفسها إلا إذا افترضنا مسبقا أن هؤلاء لم يكونوا أصلا من الذين يقدمون أو يؤخرون في قرارها أو في مسيرتها ..

يدرك كل من شغل موقع وزير أو مدير في سورية أنه لم يكن في يوم صاحب قرار ولو في اختيار الحاجب الذي يضبط له سكر قهوته . وكيف يفسر لنا هؤلاء المخادعون والمتباكون أن مؤسسة ( !!!!! ) يستقيل فيها ومنها نائبان للرئيس ورئيس للوزراء ولا يهتز فيها ركن ، ولا تتغير فيها طبيعة قرار لا سلبا إن كانوا محسنين ولا إيجابا إن كانوا مسئيين .

ابحثوا معنا عن مفهوم (المؤسسة) ومضمون (المؤسسة) على منصة قضاء حكم قضاته على آلاف البشر السوريين بالإعدام في أقل من ثلاثين ثانية بالإعدام . إعدام ينفذ بالوجبات بتوقيع وزير الدفاع وبشهادته المثبتة وإقراره المشين .

وعلى ذكر ( الدولة) و( المؤسسة) و( وزير الدفاع ) ندعو كل مثقف في العالم بضمير حر أن يتعرف على حقيقة هذه الدولة المؤسسة التي يشتغل وزير دفاعها بتصديق قوائم إعدام مواطنين أبرياء، وبإصدار كتب عن فن تنسيق الزهور، أو وصفات في فن الطبخ لربات البيوت ...

ولتلمس معالم (الدولة المؤسسة) نطالب المخادعين والمخدوعين على السواء بالعودة إلى تفقد ملامح هذه المؤسسة في كشوف المخالفات لشرطي سير في زوايا الشوارع الريعية ، أو في معابر الجمارك التي كان يتم تسليمها بتقديم الضمان ، نذكر المخادعين والمخدوعين بأبنائهم المجندين الذين كان سيء الحظ منهم من يضطر للعمل في المزرعة أو المنجرة أو المخرطة للسيد ( البدين ) أو خادم ذكر عند ( السيدة العقيد أو النقيب ) ، بينما يتنازل حسن الحظ عن استحقاقه الشهري ويدفع بين يديه أو من خلفه المعلوم ...

توقفوا عن الكذب على التاريخ أيها المخادعون ، وتوقفوا عن المتاجرة بآلام السوريين ، و بدماء شهدائهم وعذابات جرحاهم ومشرديهم ، توقفوا عن أحاديث الغرور عن مؤسسات دولة لم ير لها جيل كامل من السوريين عينا ولا أثرا ..

ونقول لكل هؤلاء الخادعين المخادعين لو كان لدينا في سورية أصلا ظلا لمؤسسة واحدة ولو على منبر الإفتاء لوجد شعبنا الجريء الجميل طريقة أخرى لتغيير واقعه الأليم ...حتى على منبر مؤسسة الإفتاء يقف صاحب العمامة المزيف بعمامته المكورة بعناية وببسمته الأفعوانية الصفراء ويلقي التحية على أهلها : شالوم .. نعم ( شالوم ) وهذه هي في سورية الأسد أو سورية حسون مؤسسة الإفتاء.

لندن : 21 ربيع الآخر / 1436

10 / 2 / 3015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

======================

من القاهرة إلى موسكو .. نجاتي طيّارة

العربي الجديد - السبت 7-2-2015

بدون جداول أعمال ولا دعوات مؤسساتية، شارك معارضون ومثقفون سوريون في مؤتمري القاهرة وموسكو، خلال الشهر الفائت. تم الأول بدعوة من المجلس المصري للشؤون الخارجية، والثاني بدعوة من معهد الاستشراق الروسي. ما أريد له الإيحاء بدور منظمات مجتمع مدني، أو مؤسسات بحثية مستقلة، بينما لا تخفى على أحد علاقة الاثنين بوزارتي الخارجية في البلدين. وفي حين يبدو ذلك علامة على توجه السياسة المصرية للعب دور جديد، في المسألة السورية، بعد طول غياب. فإن دور السياسة الروسية شديد الوضوح في ذلك، وطالما لعب دوراً منحازا كليا للنظام السوري، بل وكان في طرفه على الدوام.

هكذا، ليست المشكلة، في المؤتمرين، في البلدين الداعيين وسياساتهما، فالدول والحكومات لا تكف عن ممارسة السياسة ولعبتها، وذلك مبرر وجودها، لكن المشكلة في المعارضين، أو من يمكن أن يعتبروا أنفسهم معارضين، ويمارسون دوراً سياسياً وطنياً، بهذا المعنى أو ذاك. فمنذ البداية، قبل المعارضون الذاهبون إلى القاهرة إقصاء أطراف وازنة أخرى من المعارضة وعدم دعوتها، وهي أطراف لا تقل عن أهميتهم على الأقل. وبذلك، ناقضوا ادعاءاتهم الديمقراطية، أولاً، كما خضعوا لسياسات الدولة المضيفة ثانياً. وفضلاً عن قبولهم الخضوع لانتقائية المضيف في دعوة تياراتهم، فقد حذفوا تجربة السنوات الأربع من عمر الثورة السورية، وبدوا، في بيانهم الأخير، كما لو أنهم ينطلقون من الصفر. أي من رؤيتهم وحدهم، وهم ال 33 معارضاً الذين كانوا في إطار اجتماع القاهرة. إذ لم يتذكروا وثائق المجلس الوطني والائتلاف، ووثيقتي العهد الوطني والمرحلة الانتقالية، اللتين أنجزهما أكبر اجتماع للمعارضة السورية في القاهرة نفسها قبل أكثر من سنتين.

أما المعارضون الذين شاركوا في لقاء موسكو، التشاوري هو الآخر، فعلى الرغم من أن معظمهم لم يشارك في لقاء القاهرة، فقد كانت ورطتهم أكبر. إذ لم يخضعوا لشروط لقاء القاهرة وانتقائيته فحسب، بل دعاهم وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مباشرةً، إلى الاتحاد مع النظام في الحرب ضد الإرهاب، ثم فاجأهم مدير المعهد الداعي، بإعلان مبادئ عبّر كلياً عن وجهة نظر النظام، كما صرح مشاركون. وذلك قبل أن يخففوا من وقع نقدهم له، ويبرزوا إشارة الإعلان إلى تضمنه وثيقة جنيف، وبناء خارطة الطريق لحل سياسي على

"سنسمع جعجعة كثيرة في مثل هذه المؤتمرات، ولن نرى طحينا، ما دامت قيادة الثورة والمعارضة السورية على هذا المستوى من التفتت" أساسها. لكن لقاء موسكو تميز بمشاركة وفد النظام الذي ترأسه ممثل سورية في الأمم المتحدة، بشار الجعفري، في الحوار المباشر مع المعارضين المشاركين. الأمر الذي قابله ممثل هيئة التنسيق الوطنية، بالشكر على هذه التشاركية، والمطالبة بأكثر منها، في لفتة تدل على مدى الاستعداد للانفتاح على النظام، وقبل الاتفاق الواضح على أي رؤية أو برنامج للمستقبل.

بينما كان ممثل النظام يحيل أي طلب للتعاون والمشاركة، في أمور المعتقلين والإغاثة على سبيل المثال، إلى الوفد الروسي. وبذلك لم يجارِ الرغبة والأمنيات السلمية للمعارضين المشاركين، بل وأغلق الباب أمام ادعاء اي فعالية ميدانية مماثلة، في تبرير مشاركتهم.

ولوحظ أن بيان القاهرة دعا إلى مؤتمر وطني موسع، يعقد في الربيع المقبل، كما دعا إعلان موسكو إلى مؤتمر أوسع وآخر بعد شهر، ومن الواضح أنه لا تنسيق بين الدعوتين، وهما ستبقيان، على الأغلب، في إطار التمنيات، وما أكثرها في الأزمة السورية.

الأكثر أهمية في انعقاد اللقاءين أنهما تعبير جديد عن تخبط المعارضين السوريين، وافتقادهم الخبرة والرؤية السياسية الاستراتيجية. وهذا أمر لا نكشف فيه جديداً بطبيعة الحال. لكن، من الضروري تأكيده، من أجل المطالبة بدراسة تجربة الثورة والمعارضة السورية في السنوات الماضية. والتي لا يجوز إغفالها، والقفز فوق مؤسساتها ووثائقها. فالائتلاف الوطني السوري، على علّاته وضعفه الراهنين، منظمة وطنية ثورية سورية، تنبغي معالجة أخطائها ومشكلاتها، والارتفاع بها إلى مستوى منظمة تحرير وطنية، على غرار منظمة التحرير الوطنية الفلسطينية، كما جاء في مشروع إصلاح الائتلاف الذي تقدم به ميشيل كيلو، منذ فترة. إذ لا تبنى المؤسسات الوطنية أو تشطب كل يوم، ولا يجوز تغييرها وحذفها، بعد أن اعترف بها شعبنا والثوار ومعظم دول العالم. لكن، من الضروري تعديلها وإصلاحها بين فترة وأخرى، ووفق المتطلبات والظروف الطارئة، وعبر عملياتٍ تمهد لممارسة الديمقراطية في سورية المستقبل.

وقد كشفت تجربة اللقاءين المذكورين، عن تكرار معارضين بارزين التجارب الأولى في عمر الثورة. بالمشاركة في مؤتمرات متناثرة، هنا وهناك، والاستجابة لانتقائية الدول ودعواتها، والانخراط في سياساتها التي تلعب على إحياء شخصيات وإبراز أخرى. الأمر الذي طالما استخدمه النظام السوري في منعه بناء تيارات أو منظمات، واستبدالها برموز أو أفراد، كان يسهل عليه احتواءهم بأشكال مختلفة.

وفي هذا الإطار، ربما كانت أخطر نتائج اللقاءين، وخصوصا منها لقاء موسكو، وهي التي تحاول، ولو بصورة غير مباشرة، أن تشيع أوهاماً جديدة حول دورها وسيطاً، ومنبراً محايداً للحوار والتفاوض. بينما علمتنا السنوات الماضية، أنها، وفي ظل سياسة (بوتين ولافروف) حليف، بل وشريك في الحرب ضد الشعب السوري. لذلك، سنسمع جعجعة كثيرة في مثل هذه المؤتمرات، ولن نرى طحينا، ما دامت قيادة الثورة والمعارضة السورية على هذا المستوى من التفتت.

===================

الخروج من عباءة الأسد .. فرات الشامي

العربي الجديد - السبت 7-2-2015

تمثل هذه الكلمات حلم الشباب السوري، الراغب في التغيير السياسي في سورية، منذ اليوم الأول للثورة، بعيداً عن الفكر الطائفي. ثمة ارتباط بين فكر النظام السوري وهيكليته الأمنية بالتكوين الطائفي الذي استند عليه، ليستمد وجوده طوال العقود الأربعين من حكمه، والتي شكلت الترس لمواجهة أي تحرك شعبي ضد نظامٍ منهار منذ نشوئه، لأسباب ليس أولها ارتكازه على انقلاب ضد الحياة المدنية في سورية فحسب، بل لما بني عليه نفوذه الهادف إلى غرس بذور الشقاق بين الشعب الواحد، تحت مسمى "القومية، والعلمانية" التي هي أصلاً منه براء.

ابتعاد نظام الأسد عن الواقع، وانفصاله عن الشارع، وصولاً إلى حد استمد به نفوذه من دعمٍ خارجي، وتحت قناع "المقاومة"، والدفاع عن قضايا الأمة العربية، جعل من التوجه نحو الارتباط بالمشاريع والأجندات الخارجية أساساً آخر، لفرض وجوده، لا سيما المشروع "الفارسي"، على الرغم من أن النظامين لا يمكن أن يلتقيا سياسياً، فنظام البعث علماني، بينما الآخر "إسلامي"، مع تحفظي الشخصي.

في المقابل، استطاع الأسد جمع الأقليات السورية بذريعة التخويف من خطر "الإسلام"، عبر تشويهٍ تاريخي لمكانة بعض الأحزاب، مثل "الإخوان المسلمين"، العدو الأول آنذاك للنظام السوري، والتي تعتبر الحجر الأول الذي رمي به نظام الأسد، وخلع يد الطاعة في ثمانينيات القرن الماضي، لتشكل في إثرها مجزرة حماة صورة ماثلة في الأذهان حتى الساعة، تؤكد غوغائية هذا النظام وهمجيته أمام إرادة التغيير، أو على الأقل الرفض.

في مدارسنا، تعلمنا أن "الدين لله والوطن للجميع"، لكن الواقع لم يثبت إلا العكس، إذ إن فرص نجاحك في العمل لا يأتي إلا تحت خانةٍ ترتبط فيها بطائفةٍ بعينها، تورثك مؤهلات الفوز بوظيفة، أو تدخلك في السلك الأمني/المخابرات، ولعلها تزيد من حظوظ نجاحك في دخول السلك العسكري، مع ما تحمله هذه المجالات من ميزاتٍ خاصة.

إعلامياً نجح الأسد في خلق تلك الذهنية المؤهلة لمعاداة أي فكر إسلامي سياسي، يصبو إلى السلطة بالوسائل السلمية، ذلك يبدو واضحاً حين نرجع بالذاكرة إلى خطاب الأسد في مجلس الشعب، إبان اندلاع الثورة السورية، ونعتها بالفتنة الطائفية، وتوجيه أصابع الاتهام لجماعة الإخوان المسلمين، كما نجح  في تسخير الورقة الطائفية لعبةً في حربه السياسية، ممارساً بذلك أقصى درجات الإقصاء بحق السُّنة.

وقبل نهاية العام الماضي، خرج سوريون من نشطاء من الطائفة العلوية على الأسد، تحت شعار "الكرسي إلك والموت لولادنا"، إلا أن ذلك لم يشكل حالة خروج حقيقية من عباءة الأسد، بل حتى الدروز الذين عانوا جور ميليشيات الفرقة الرابعة في مدينة جرمانا القريبة من الغوطة الشرقية، لم تشكل هي الأخرى حالة مبشرة في الانتقال إلى مرحلة جديدة، تؤسس لمشاركة وطنية بين جميع مكونات المجتمع السوري، وتنهي حقبة الدم والاقتتال في البلاد، بل ظلت عاملاً فردياً، لم يلبث أن انتهى من دون نتيجة.

شخصياً، لا أعتقد أن البروباغاندا نجحت في مساعيها، لكنها حققت مكاسب غيرت من مفهوم/ معنى مصطلح "الأقليات" وفق العرف السياسي، والتي هي عكس الأغلبية السياسية المتشكلة وفق قواعد تفرزها صناديق الاقتراع والتحالفات الناشئة بعدها، إلى حالة تكتل وتمترس طائفي، بديل عن المفهوم السياسي القائم على أساس "الأقلية البرلمانية"، وهي أقلية متغيرة، من المفترض أن تثمر تحالفات وتحركات تقود، وتساعد، في توجيه سياسة البلاد، تحت عباءة "المواطنة والشراكة الوطنية".

تتركز، بالتالي، مشكلة الطوائف/الأقليات السورية من خوفٍ مستقبلي، نشأ عن تلك الصورة، وألزمها الدخول في حلفٍ سياسي مع نظام الأسد. أمرٌ منطقي أن تخاف من المجهول. لكن، من غير المنطقي أن تبقى تحترق بنار التفكير به، وأمامك واقعٌ يتحدث عن الفارق بين همجية النظام طوال عقود، وأخطاء الثوار، وحقائق الإسلام السامية.

المواطنة والشراكة في إدارة البلاد هي الفكرة الأولى التي نادت بها الثورة، عبر شعار صدحت به حناجر الشباب في التظاهرات السلمية "الشعب السوري واحد"، في مقابل شعار "الأسد أو لا أحد"، وفرق التركيبة بين الشعارين واضح.

أعتقد أن الانحياز، اليوم، إلى الصف الصحيح، وأعني به إرادة الشعب، بعيداً عن النظرة السطحية للمستقبل، تعني، بالضرورة، الخروج من عباءة الأسد، لتكون بذلك نواةً تؤسس لشراكة وطنية جديدة، تعيد عجلة البناء، بعد أن تُسقط نظام الطاغية.

هذا الخروج تمليه عدة اعتبارات إنسانية وتاريخية، تصب في مصلحة الدولة السورية، وتخلع ذل السنوات الطويلة من الجهل، وتحقق معادلة الشراكة الوطنية والدولة الناجحة، وتعتبر الضامن للمجتمع المدني السوري السليم.

===================

يا جند الشيعة والسنّة: أعداء محمد هم أعداء علي! .. د. فيصل القاسم

القدس العربي - السبت 7-2-2015

يسود اعتقاد خاطئ لدى شرائح كبيرة في أوساط الشيعة والسنة في العالمين العربي والإسلامي أن أمريكا أصبحت حليفاً استراتيجياً للشيعة على حساب السنة. ويستدل البعض على ذلك بالمفاوضات بين أمريكا وإيران على حل الملف النووي الإيراني والتقارب العام بين إيران والغرب. ويرى البعض أيضاً أن أمريكا قدمت العراق لإيران على طبق من ذهب، ثم تركتها تصول وتجول في سوريا على هواها لتصبح دمشق مربط الخيل الإيراني الثاني بعد بغداد. ناهيك عن أن إيران باتت تحكم سيطرتها على لبنان من خلال حزب الله. والآن وصل نفوذها إلى اليمن، حيث سقطت صنعاء في أيدي حلفائها الحوثيين.

الشيعة من جانبهم في المنطقة باتوا يعتقدون أنهم أصبحوا مع أمريكا في خندق واحد ضد السنة على ضوء التشجيع الأمريكي للتغلغل والتمدد الإيراني في المنطقة. والسنة بدورهم لديهم انطباع عام بأن أمريكا تتحالف مع المذهب المعادي ضد المذهب السني في العالمين العربي والإسلامي. ولا شك أن أمريكا سعيدة جداً بهذا الجو العالم الذي بات واضحاً لكل ذي بصيرة. لم يشهد التاريخ الحديث حرباً مذهبية بين الشيعة والسنة كما تشهد هذه المرحلة. ولو دخلت إلى مواقع التواصل التي يرتادها ملايين العرب يومياً لوجدت أن غالبية السنة باتوا يعتبرون الشيعة عدوهم اللدود والرئيسي في المنطقة، وكذلك الشيعة باتوا يحاربون السنة «النواصب» كعدو. وأكبر شاهد على ذلك عملياتهم الوحشية بحق السوريين واللبنانيين والعراقيين وحتى اليمنيين على أساس مذهبي مفضوح. وبالمقابل، نرى الجماعات السنية المتشددة كالنصرة وداعش وغيرهما تحاربان الشيعة في أكثر من مكان على نفس الأساس، وبنفس الضراوة. في العراق الحشد الشعبي الذي يشكل الشيعة غالبيته يحارب داعش وكل الجماعات السنية التي تدعمها أو تتضامن معها. وفي سوريا أصبحت الميليشيات العراقية واللبنانية واليمنية وحتى الباكستانية والأفغانية وجهاً لوجه ضد الجماعات السنية كالنصرة والفصائل ذات الأسماء السنية.

لقد تحولت مواقع التواصل إلى ساحة حرب شنيعة بين السنة والشيعة. ولو نظرت إلى نوعية العبارات والردود بين الجهتين لخرجت بانطباع مرعب إلى أي حد وصلت حدة الصراع المذهبي في المنطقة من تفاقم وقساوة. لم يعد أحد يتحدث عن إسرائيل. لقد أصبحت حملاً وديعاً في نظر أنصار المذهبين المتناحرين. وهي بلا شك نعمة من السماء نزلت على إسرائيل التي خرجت من بورصة الأعداء على الأقل في هذه المرحلة. باختصار بات هناك اصطفاف مذهبي وطائفي مرعب. ولا شك أن أمريكا وإسرائيل سعيدتان جداً بهذه الاصطفاف.

متى يعلم الشيعة والسنة أن كليهما وقود للعبة كبرى، هم فيها مجرد بيادق أو أحجار شطرنج لا أكثر ولا أقل؟ متى يعلمون أن أمريكا لا تفضل مذهباً إسلامياً على آخر إلا بقدر ما يخدم مصالحها هي بالدرجة الأولى حتى لو ذبح الشيعة والسنة بعضهم البعض، وحرقوا في الآن ذاته بلادهم وثرواتهم؟ متى يعلم الشيعة والسنة أنهم أمام القوى الكبرى سواء، ولا فرق بين سني وشيعي إلا بقدر ما يخدم مصلحة تلك القوى؟ وعندما تتظاهر أمريكا بتأييد الشيعة ضد السنة فليس لأنها تحب الشيعة وتكره السنة، ولا العكس، بل لأنها تريد أن تثير العداوة والبغضاء بين الطرفين. وقد نجحت في ذلك نجاحاً باهراً، بحيث أصبحت الأحقاد المذهبية والطائفية في المنطقة في أوجها.

متى يدرك الإسلاميون أنهم بتوجهاتهم كافة بالنسبة للآخرين، إرهابيون وحثالة ومتخلفون ومتطرفون، كما سمعنا من كبار كبارهم. وعندما يتغوط الضباط الأمريكيون على كتاب المسلمين في غوانتانامو لا أعتقد أنهم يميّزون في تلك اللحظات الحقيرة بين إيراني وسعودي، أو حنبلي وشافعي، أو وهابي ونصيري، أو درزي واسماعيلي ».يا جند الشيعة والسنة، أعداء محمد هم أعداء علي، وقنابلهم، كمدافعهم، لا تعرف فرقاً بين الشيعة والسنة» .

يا جند الشيعة والسنة: ليس المسلمون وحدهم فرقاً ومذاهب، فالمسيحيون ينقسمون إلى عشرات الطوائف والفرق، لكنهم في وقت الشدة يقفون صفاً واحداً، والفاتيكان قبلتهم، بروتستانت وكاثوليك وانجليكان. وكذلك اليهود. متى سمعتم، بربكم، أن يهودياً تحالف مع مسلم ضد يهودي حتى لو كان الأخير من مذهب الشياطين السود؟ متى تحالف كاثوليكي مع مسلم ضد إنجيلي أو أورثوذوكسي؟ هل يقبل أي يهودي أو مسيحي أمريكي أن يكون أداة في أيدي المسلمين كي يقتل مسيحياً أمريكياً آخر أو يناصبه العداء، حتى لو كان من أتباع القرود الحُمر؟ بالمشمش!

فلماذا نقتل بعضنا البعض إذن على المذهب والطائفة والهوية، ونخوض معارك دونكوشوتية إرضاء لغاياتهم ومخططاتهم؟ متى تكبر عقولنا وننضج ونتوقف عن خوض معارك الآخرين بدمنا ولحمنا الحي وثرواتنا وعقيدتنا؟ أترككم أخيراً مع قصيدة مجيد البرغوثي لعلها توقظكم:

يا جندَ الشيعةِ والسنَّة

للهِ الحمدُ.. وللهِ المِنَّة

أعداءُ مُحمّد هُم أعداءُ عليّ

وأمامكمُ الأعداء

ووراءكمُ الفِتنة

من ينظرْ يومَ الزحفِ إلى الخلف

ستباغتهُ نيران القصف

وتباغتهُ الطعنة

تِلوَ الطعنة

أحقاد الأمس توَلّت كالأمس

واليومَ أمامكمُ المِحنة

وأعاديكم في قلب أراضيكم..

وقنابلهم.. كمدافعهم

لا تعرف فرقا بين الشيعة والسنة

فلتتحدوا!

كلمات التوحيد لدينا واحدة

لا يبقى الا توحيد الكلمات وتوحيد اللكمات

فأمام العين غزاة أجلافٌ وطغاةْ

وحياة وممات..

رُدوا ما أنتم مختلفون عليهِ وفيهِ إلى الله

فإذا لم تتحدوا.. فأعاديكم فيكم

لا يُخرجُهم أحدٌ

لا يهزمُهم أحد إلا الله

من منكم يقتلْ صاحبَهُ

ستحلّ عليهِ اللعنة

فلتتحدوا.. ما دمتم ثواراً.. أحراراً

ترجونَ النصرَ.. أو الجنَّة

يا جند الشيعة والسنة.

٭ كاتب وإعلامي سوري

===================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com