العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 14-12-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

سورية والخليج.. أي خيارات للمستقبل؟ .. برهان غليون

العربي الجديد - الخميس 11-12-2014

التفكير في موضوع الخليج والتحولات الإقليمية والدولية يشكل، بالنسبة لنا نحن سكان المشرق، مناسبةً مهمةً، لاستعادة التفكير بقضايا استراتيجية كبرى، كادت تغيب في العقود الماضية عن أذهاننا. ولضيق الوقت، سوف أقتصر على التنويه إلى وقائع يصعب، من دون معرفتها، فهم علاقة دول الخليج بالثورة السورية، وبسورية ذاتها، ورهانات الصراع الإقليمي والدولي على سورية والخليج معا، ومآل هذا الصراع، وآفاق الخروج من المحرقة التي شاركت أطراف عديدة ولا تزال تشارك فيها، بما في ذلك دول عظمى، كان ينتظر منها المساهمة في إيجاد حل لها، لا تغذيتها.

1-ليست العلاقة بين الجزيرة العربية وبلاد الشام، وعلى نطاق أوسع، الهلال الخصيب، طارئة ولا تنبثق من الدفاع عن مصالح سياسية وقتية. إنها علاقة بنيوية محفورة في الجغرافية الطبيعية، والجغرافية السياسية والتاريخ. وهذا ما يفسر وحدة الثقافة والدين واللغة والهوية. فالهلال الخصيب امتداد طبيعي للجزيرة العربية، بصرف النظر عن طبيعة الدول والنظم التي تحكمها، ومصائر الطرفين ارتبطت بعضها ببعض، عبر التاريخ السياسي والاجتماعي منذ ما قبل الاسلام. وقد تأكدت حقيقة هذه الشراكة التاريخية في العصر الحديث، بمناسبة الثورة العربية الكبرى عام 1916، حيث توحدت نخب الجزيرة والشام والعراق لانتزاع استقلال الولايات العربية، وتأسيس المملكة العربية التي لم تكتب لها الحياة. كانت الجزيرة العربية الخزان البشري للهلال الخصيب، وأصبح الهلال، ولا يزال، درع الجزيرة الحقيقي. وهو، اليوم، خزان بشري لمشاريع التنمية والتقدم في المشرق كله.

2-عروبة سورية لا تلغي خصوصيتها، فبحكم تراثها التاريخي الغني، وموقعها على مقربة من آسيا والأناضول وأوروبا، تحولت بلاد الشام إلى ملتقى تيارات حضارية، متعددة ومتنوعة، أخصبت ثقافتها العربية، وأغنتها. وقد حولها هذا التلاقح المخصب إلى ثقافة تعددية إنسانية، منفتحة على العالم، وقادرة على التواصل مع الجميع، من كل اللغات والثقافات والأديان، لكنه لم يفقدها هويتها، ولم يجعل منها، ولن يجعل منها منطقة هجينة، من دون شخصية أو انتماء، مستعدة، كما تعتقد إحدى الدول الإقليمية التي اكتشفت متأخرة "فضائل" سياسة الهيمنة الاستعمارية، لبيع ولائها لمن يدفع لها الثمن الأغلى. ولا تكفي ثلاثون سنة من التحالف مع نظم دموية، قائمة على نزع الهوية وتدمير البنية الحضارية، لتأهيل أي دولة أجنبية، مهما عظمت قدراتها العسكرية والمالية، أو لإكسابها حقوقاً، كي تمحو ما خطته الجغرافيا والتاريخ والثقافة والدين والمصالح البعيدة والقريبة خلال آلاف السنين. سورية كانت، وستبقى، جزءاً من الجغرافية والسياسة والثقافة العربية.

"الهلال الخصيب امتداد طبيعي للجزيرة العربية، بصرف النظر عن طبيعة الدول والنظم التي تحكمها

"

3-إن أحداً لا يستطيع أن ينكر أن دول الخليج هي التي قامت بالعبء الأكبر في تقديم الدعم المادي والعسكري، ثم الإنساني، للشعب السوري، في محنته الراهنة، بصرف النظر عن ملاحظات يمكن أن توجه لضعف الأداء والتنسيق والتنظيم والتوزيع لهذا الدعم. ونحن، إذ نتلفت حولنا، اليوم، لمواجهة العجز الذي أعلنت عنه منظمة الغذاء العالمي، والذي يهدد بالجوع أكثر من مليون وسبعمائة ألف لاجئ ومحتاج من السوريين، لا نجد أمامنا من نلجأ إليه سوى أخوتنا في الخليج، لأننا جزء منهم، وهم جزء منا.

4-المعركة التي يخوضها الشعب السوري منذ أربع سنوات، والتي خاضها ببطولة نادرة، ولا يزال يقدم فيها من التضحيات ما لم يقدمه شعب في سبيل حريته وكرامته، لم تعد منذ عامين حرباً سورية، وإنما أصبحت حرباً إقليمية، يدافع فيها السوريون عن أمن المشرق وحرية شعوبه ضد صعود مشاريع الهيمنة والسيطرة الإقليمية. وهم لا يواجهون على الأرض قوات الأسد التي تكبدت أكبر الهزائم خلال السنتين الأوليتين، وإنما، بشكل أكبر، قوات وميليشيات إقليمية، تمول وتسلح وتنظم من طهران، وتعمل لحساب أجندة توسعية جديدة، تهدف إلى تطويق الخليج وإسقاط الجزيرة العربية كاملة تحت السيطرة الايرانية.

لكن، لا يمكن لسورية أن تكون، ولا يستطيع أحد أن يجعل منها، خط الدفاع عن أمن طهران، وشوكة في ظهر شعوب الخليج واستقلال دوله واستقرارها. ومن هذا المنطلق، ينبغي أن نستعيد المبادرة، ونرسم الخطط الدفاعية التي لم يعد يجدي فيها أن تكون وطنية ضيقة، ونحن في سياق مواجهة إقليمية تاريخية.

5-الضغط الايراني على المشرق كله، الهلال الخصيب والجزيرة العربية معاً، سيكون طويل المدى. فهو ليس نتيجة تحالفات دولية مؤقتة، أو تردد القيادة الأميركية الحالية فحسب، وإنما ينبع من اختلالات بنيوية، نشأت من فشلنا، في العقود الخمسة الماضية، في إقامة أي شكل فعال من التعاون والتنسيق الجاد، يساعد على تطوير قوانا الاستراتيجية، ويعزز استقلال قرارنا، وهو ثمرة استسلامنا، أيضاً، لوهم الحماية التي تقدمها الشرعية الدولية، والتحالفات الأجنبية، في وقت كانت طهران الخامنئية توظف سنوات الحصار، لتعيد بناء نفسها، وتعزز قدراتها التصنيعية في السلاح وغيره، وتعمل على التسلل إلى داخل البلاد العربية، لتقويض أسس الاستقرار والوحدة فيها، ولتحويل دولها إلى رهائن لميليشياتها، كما هو الحال في لبنان وسورية والعراق واليمن. وهي مستمرة، ما لم تجد أمامها قوة توقف اختراقاتها. المعادلة، في نظري، في غاية البساطة: منطقة فارغة استراتيجياً، ومنزوعة الحماية، وقوة توسعية معبأة مجاورة. وهي قادرة، أكثر من ذلك، على أن تخوض الحرب على أرضنا، وتستخدم فيها أبناءنا، وتحقق مكاسبها بدمائنا.

6-لم يعد من الممكن ضمان أمن المنطقة بأيدٍ خارجية، ولم يعد ينفع فيه الرهان على التحالفات الدولية، فحماية المشرق لم تعد من أولويات الاستراتيجية الأميركية والدولية. وواشنطن ليست مستعدة للاستثمار فيها، بعد أن حررت نفسها من ارتهانها للطاقة الشرق أوسطية. وأشك أن تتغير سياسة واشنطن كثيراً بعد رحيل أوباما وقدوم الجمهوريين. وما لم نخرج منطقتنا من الفوضى، ونفرض أنفسنا على المنظومة الدولية، بجهودنا وقوانا كمشرق قوي، إنساني، وموحد، لن يتردد الأميركيون في اعتماد القوة المتغلبة، مهما كانت، شرطياً للمنطقة، يتقاسمون معها المصالح والمنافع. وهذا ما كانوا يفعلونه، على نطاق أضيق، بتوكيل نظام الأسد في لبنان وفلسطين، ضد المقاومة ومنظمة التحرير، وغيرهما.

بالتأكيد، لن تستطيع طهران، مهما فعلت، أن تحقق هدفها في السيطرة على المشرق، وإخضاعه لأجندتها الخاصة. وسوف تستمر المقاومة العربية، وتتوسع حتى داخل الشرائح التي يعتقد القادة الإيرانيون أنهم كسبوها لصفهم. لكن حرب الهيمنة المفروضة على المشرق تحمل، في طياتها، موجات عميقة من العنف والخراب والدمار وملايين الضحايا البريئة.

7-ليس صحيحاً أنه لا توجد لدينا خيارات، وليس أمامنا إلا أن نذعن للضغوط والاعتداءات الخارجية، أو نتسول الحماية الأجنبية. نستطيع، منذ الآن، أن نغير اتجاه الأحداث، ونعيد الأمور إلى نصابها، إذا امتلكنا الجرأة والإرادة، لتغيير خياراتنا التقليدية، ونبذ أفكارنا المتكلسة. بمجرد إطلاقنا مشروع شراكة تاريخية، تجمع بلدان الخليج وبلدان الهلال الخصيب، وتوحد طاقات شعوب هذه المنطقة المعرضة لزلازل لن تنتهي، بسبب هشاشتها الاستراتيجية، سوف يتغير الوضع، وتتغير المعطيات السياسية والاستراتيجية. شعوب المشرق قادرة على بناء المشرق العربي الجديد، كتلة قوية ومتراصة في وجه جميع التهديدات والأطماع. ولدى الخليج القدرات المالية والبشرية ليقود مشروع هذه الشراكة الكبرى التي ستغير وجه المنطقة، في أقل من عشر سنوات، حتى في ظل استمرار الحرب والمقاومة، وتعيد بناء التوازنات المنهارة، حتى ينتصف العرب من ظالميهم، أولئك الذين خانوا عهد أخوة الحضارة والدين، واستخدموا دماء الشعوب وقوداً لمشاريع عظمتهم الامبرطورية، ونفوذهم الدولي. وما علينا إلا أن نخطو الخطوة الأولى، حتى تلتف شعوب المشرق جميعاً حول المشروع الجديد الذي لن يخسر فيه أحد، والجميع سيكونون فيه من الرابحين. البديل الوحيد لهذا المشروع تسليم الشمال العربي إلى الدول القوية المجاورة، وتحويله إلى مصدر تهديد لأمن الخليج والجزيرة.

8- فقد الشعب السوري الثقة، عن حق، بالأمم المتحدة وبدولها التي أظهرت شللاً وعجزاً غير مسبوقين، ووقفت مكتوفة الأيدي أمام المذبحة اليومية، المستمرة منذ أربع سنوات، على الرغم من كل القرارات الدولية والتصريحات الرنانة. لا يمكن الثقة بعالم يتنكر للعدالة وللضحايا، ويتذرع بالحرب ضد الإرهاب ليغطي على التواطؤ في جريمة استباحة دماء شعب كامل، لا لذنبٍ إلا لأنه كسر قيود العبودية، وأراد أن يعيش، كما تعيش بقية الشعوب، خارج الأسر والإرهاب والقهر.

"لا يمكن الثقة بعالم يتنكر للعدالة وللضحايا، ويتذرع بالحرب ضد الإرهاب ليغطي على التواطؤ في جريمة استباحة دماء شعب

أخيراً

التفكير بآلاف السوريين المرميين على قارعة طرقات العواصم وأمام سفارات بلدانها، ليلاً نهاراً، بحثاً عن أمل في لجوء تتفنن في حرمانهم منه قوانين الدول المدافعة عن حقوق الإنسان. هؤلاء هم، أيضاً، إخوتكم وأخواتكم، وهم يستحقون اهتمامكم وينتظرون مبادراتكم. لا يمكن أن نعفي العالم من مسؤولياته، وأن نقف مكتوفي اليدين أمام مأساة التواطؤ الدولي ومؤامرة الصمت، ولا أن نقبل الاستسلام لإرادة تمديد حرب الاستنزاف التي أصبحنا هدفاً لها، والتي لن تكون نتائجها كارثية إلا علينا وحدنا.

كانت دول الخليج سباقة في تقديم أول مبادرة سياسية، للخروج من المحنة السورية، وهي التي أصبحت أساساً لكل المبادرات الدولية التي جاءت بعدها. لكنها تراجعت إلى الوراء، وتخلت عن دورها الأول للآخرين الذين عملوا على كسب الوقت، وخدعوا الجميع. ومع ذلك، لا يزال مفتاح الحل في أيدينا. وبإمكان مجلس التعاون، بعد أن استعاد وحدته، أن يستعيد دوره الأول، ويطلق مبادرة جديدة قوية، تبدأ من توحيد السوريين، سياسياً وعسكرياً، وتشجع الأطراف الدولية المترددة على السير بحزم في طريق إنهاء الحرب، ووضع حد للكارثة التي تهدد بالاتساع والتفاقم. ولا أتحدث، هنا، عن سورية وحدها، وإنما عن حق شعوب المشرق، في أن تعيش بسلام وأمن بمعزل عن التدخلات الأجنبية، وجميع أشكال زعزعة الاستقرار التي تقوم بها قوى داخلية أو خارجية.

============================

موقفنا :عام على اختطاف الناشطة الحقوقية السورية رزان زيتونة .. زهير سالم

مركز الشرق العربي – 10/12/2014

يصادف اليوم العاشر من كانون الأول 2014 الذكرى السنوية الأولى لاختطاف الناشطة الحقوقية السورية رزان زيتونة .

والمواطنة السورية الحرة ( رزان زيتونة ) ناشطة في ميدان الدفاع عن الحقوق والحريات منذ فصول الصقيع السوري. في زمن الموقف الضنك الذي لم يكن يجرؤ فيه إلا القليل من الأحرار والحرائر أن يجهروا بصوتهم في وجه عصابة الفساد والاستبداد والبغي والعدوان .

كانت تقارير المواطنة السورية رزانة زيتونة تطل على العالم دائما ومن خلال المنظمات الحقوقية المحلية والدولية تدافع عن حق وتذكر بواجب ، وتنكر ظلما أو مظلمة هنا وهناك ..

واليوم فإن الحق والواجب والوفاء يقتضي من كل سوري حر أن يجهر بصوته مطالبا الملثمين الذين خطفوا المواطنة السورية وزملاءها الثلاثة العاملين معها من منطقة دوما إلى ضرورة الإسراع إلى الإفراج عنها وعنهم جميعا ..

إن كل المعاذير التي سوّق بها البعض عملية الخطف ساقطة مردودة على أصحابها . فناشطة مثل رزان زيتونة ومن هو في مكانتها من تاريخ سورية الحديث هي من تمنح شهادات حسن السيرة والسلوك الوطنيين وعلى كل صعيد ..

إننا وإن كنا نقدر أن وراء اختطاف السيدة رزانة زيتونة أصابع بشار الأسد وعصابته ، نحمل المنظمات الحقوقية الدولية المسئولية الكاملة عن مصير هذه الناشطة السورية التي ما بخلت يوما على عالم حقوق الإنسان بعطاء ونطالب هذه المنظمات بمواقف جادة للتذكير بها والدفاع عنها ..

نستنكر اختطاف السيدة رزان زيتونة ونضم عملية الاختطاف إلى قائمة الجرائم ضد الإنسانية التي يرتكبها أو يدبرها نظام الإجرام . ونعلن تعاطفنا معها ومع أسرتها وذويها وزملائها وإن شعبا أنجب مثل رزان زيتونة لمنتصر بإذن الله ...

10 / 12 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

================

هزيمة الإرهاب بدحر نظام الأسد .. محمد اليعقوبي

الاتحاد - الاربعاء 10-12-2014

شاركت مؤخراً، نيابة عن الشعب السوري، في مراسم تأبين «بيتر كيسينج»، موظف الإغاثة الأميركي الذي قتله إرهابيو «داعش» بولاية إندايانا الأميركية، وقد كانت فرصة لتقديم التعازي لعائلة الرجل الموصلة أيضاً بالشكر والعرفان لجهوده النبيلة في سوريا، ولم يكن ذلك سوى أقل واجب تجاه رجل شجاع ضحى بحياة مريحة بالولايات المتحدة لمساعدة المدنيين البائسين في سوريا التي مزقتها الحرب.

والحقيقة أنه ليس غريباً على تنظيم «داعش» أن يقتل «كيسينج» بالطريقة البشعة التي رأيناها، رغم أنه لم يكن تحت اسمه الجديد الذي اختاره بعد اعتناقه الإسلام عقب اختطافه، وهو «عبدالرحمن»، سوى ملتزم بما أمرنا به النبي محمد عندما قال «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، لذا كان قتله مخالفاً لكل المبادئ التي كرسها الإسلام والتي يدعي «داعش» زوراً الدفاع عنها، فتنظيم «داعش» بات من أكثر التنظيمات المتشددة في التاريخ الإسلامي، ويمكن مقارنته بجماعة أخرى ظهرت في الإسلام معروفة باسم «الخوارج» كانت تقتل المسلمين وتسفك دماءهم وتكفرهم فقط لاختلافهم في الرأي.

وبنفس الطريقة يمعن «داعش» في إراقة دماء المسلمين الذين يدافعون عن الديمقراطية جرياً على تأكيدات الفقهاء والعلماء من أن الديمقراطية لا تخالف الدين وأنها تنسجم مع الإسلام ولا تعارضه. لكن إلى جانب المسلمين الذين عانوا من تطرف المتشددين، هناك الأقليات من أصحاب الديانات الأخرى، حيث شاهدنا كيف مارست «داعش» التطهير الديني في حق الأيزيديين والمسيحيين، وذلك رغم التأكيد الواضح لتعاليم الإسلام على احترام وحماية غير المسلمين. وبالنظر إلى بشاعة الجرائم التي يرتكبها «داعش» وغيره من التنظيمات الإرهابية التي تتوسل بالدين وهو منها براء سارع علماء المسلمين في جميع أنحاء العالم لإدانة جرائمه، وسعوا إلى دحض أفكاره ومقولاته الواهية، وقد انضممت إلى أكثر من مائة عالم إسلامي بارز في إصدار فتوى تفند الأيديولوجية الدينية المنحرفة التي يستند إليها التنظيم الإرهابي، وإبراز التضليل الذي تمارسه التنظيمات الإرهابية في حرف الإسلام عن مساره الصحيح، وتوظيف القرآن والنصوص الدينية الأخرى لتشويه صورة الدين، بل وفي تصريح لي خلال الشهر الماضي أكدت أنه من واجب المسلمين في البلدان الغربية التبليغ عن أي شخص يعتزم السفر إلى سوريا للقتال في صفوف «داعش».لكن وفيما عدا المواجهة الأيديولوجية والحرب الفكرية التي تشن على الإرهاب، يتعين أيضاً خوض حرب سياسية لنزع مبرراته وهي في الحالة السورية تتمثل في النظام السوري نفسه، فعندما نزل السوريون للاحتجاج على النظام الظالم في دمشق كان همهم العودة إلى تاريخ طويل من التعايش المشترك بين جميع الأديان واستعادة الحرية، لكن بدلا من الاستجابة لتطلعات الشعب واجه نظام الأسد الاحتجاجات السلمية بقمع شديد أدى في النهاية إلى اندلاع حرب خلفت حتى الآن أكثر من 200 ألف قتيل وأزيد من تسعة ملايين نازح عن بيوتهم، بمن فيهم ثلاثة ملايين لاجئ خارج البلاد، هذا ناهيك عن الذين قضوا في سجون النظام وأقبيته بسبب التعذيب والإعدامات العشوائية، وكل ذلك فيما العالم بأسره يتفرج ومعاناة السوريين تتفاقم. لذا وإذا كان الغرب حريصاً فعلا على دحر «داعش» والقضاء عليه، فعليه البدء بالضغط على النظام دبلوماسياً وعسكرياً، بما في ذلك توجيه ضربات جوية إلى مراكز قوته، وذلك لدفعه إلى التفاوض الجدي حول مرحلة انتقالية يسلم بموجبها السلطة إلى جهة تمثل الشعب السوري، حينها فقط يمكن للسوريين التفرغ لمحاربة «داعش» وباقي التنظيمات الإرهابية.

ولا ننسى أن الإرهاب في سوريا بجميع أطيافه استفاد كثيراً من التقاعس الدولي، كما استغل طبيعة النظام القمعية والجرائم التي ارتكبها ضد الشعب والفراغ الذي حصل بعد ذلك لتوافد الآلاف من المقاتلين الأجانب على سوريا، ولولا حالة الفوضى الناجمة عن حرب الأسد ضد الشعب لما ظهرت «داعش» وأخواتها فوق الأرض السورية، ليبقى الحل في مواجهة الأسد وتمكين السوريين من الوسائل الضرورية لوقوفهم جميعاً ضد الإرهاب، وفي المقدمة من ذلك التمكين تخليصهم من الأسد وزمرته.

إمام سابق للجامع الأموي بدمشق

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست بولومبيرج نيوز سيرفس»

===================

عوائق أمام خطة دي ميستورا .. حسين عبد العزيز

الحياة - الثلاثاء 9-12-2014

يحاول المبعوث الأممي إلى سورية ستيفان دي ميستورا اختراق الرمال الوعرة للأزمة، مستعيناً بتجربته في العراق وكوسوفو ولبنان وأفغانستان، وذلك عبر خطة طموحة لا تتضمن أية أبعاد سياسية أو عسكرية آنية، وإنما تهدف إلى تثبيت الوضع الميداني القائم.

خطة دي ميستورا لتجميد الصراع جاءت إثر قراءة عميقة للوضع السوري ومشاورات غير رسمية مع أطراف إقليمية ودولية ومؤسسات مدنية، بعد بلوغ الأزمة السورية مستوى عالياً من التعقيد والتشابك بحيث يستحيل إنهاؤها عبر عمل عسكري مباشر أو عمل سياسي مباشر.

ليست خطة دي ميستورا مقدمة لإنشاء مناطق عازلة وفق ما تطالب به المعارضة وتركيا منذ زمن، ولا هي شبيهة بالمصالحات التي يقوم بها النظام في بعض المناطق وتنتهي بسيطرته عليها. إنها خطة تهدف إلى الحفاظ على الوضع الميداني بين القوى المعتدلة والنظام، ومحاولة تعميمها إذا كتب لها النجاح إلى مناطق أخرى.

أهمية الخطة أو المبادرة أنها تبدأ من الأرض، وليس من المستوى السياسي، كما كان الحال مع الأخضر الإبراهيمي في «جنيف 2» وقبله كوفي أنان مع خطته ذات البنود الست، بل على العكس يمكن القول إن دي ميستورا الذي يمكن وصفه بـ «الماركسي» يعمل على ربط النجاح السياسي في المراحل البعيدة بمدى نجاح خطته على الأرض في المرحلة المقبلة.

كما تنبع أهمية هذه الخطة من أنها تتضمن بشكل أو بآخر مضامين المبادرات الإقليمية، سواء مبادرة الجامعة العربية عام 2011 أو خطة إيران التي طرحت في نهاية عام 2012 أو حتى بعض مضامين اتفاق «جنيف 1» و «جنيف 2»، فضلاً عن مضامين بعض القرارات الدولية حول سورية. غير أن اختيار حلب تواجهه عوائق كثيرة قد تحيل خطة دي ميستورا إلى سراب وتضعه في الوضع الذي كان فيه سلفاه الأخضر الإبراهيمي وكوفي أنان، ومن هذه العوائق:

ـ وجود أكثر من عشرة فصائل عسكرية في مدينة حلب وريفها وهي لا تجتمع على هدف واحد وإن كانت محاربة النظام العنوان العريض لها.

ـ وجود «داعش» و»جبهة النصرة» أيضاً، وهما تنظيمان لهما أهدافهما الخاصة ولا يأتمران بأوامر من أحد ويصعب إن لم يكن من المستحيل إجبارهما على تجميد القتال.

ـ تنوع أشكال تواجد النظام في المنطقة من جيش نظامي إلى قوات حليفة كـ «حزب الله» وقوات فلسطينية، إلى مدنيين تابعين للنظام يمكن تسليحهم فوراً.

ـ تداخل جبهات التماس بين الفصائل المسلحة من جهة وبين هذه الفصائل والقوات النظامية من جهة أخرى.

ـ كيف يمكن مراقبة تجميد القتال ومعرفة من لم يلتزم بذلك على وجه التحديد من دون وجود قوات حفظ سلام.

ـ تنفيذ الخطة خارج إطار الأمم المتحدة حيث لن تأتي وفق قرار من مجلس الأمن سواء كان تحت الفصل السادس أو السابع، بسبب اعتراض موسكو على ذلك خشية تكرار نموذج كوسوفو وحدوث تدخل عسكري دولي إذا فشل تجميد القتال.

ـ تباين مواقف الأطراف من الغاية من تجميد النزاع، حيث يسعى النظام إلى تطويع خطة دي ميستورا لصالحه من خلال اختزالها في محاربة الإرهاب، وهذا سبب إصراره على ضرورة تنفيذ قراري مجلس الأمن 2170 و 2178 المتعلقين بمحاربة الإرهاب. ومفهوم محاربة الإرهاب مفهوم فضفاض لدى النظام حيث يشمل كافة المسلحين الذين يقاتلونه، في حين تسعى الفصائل المعارضة لا سيما «الجيش الحر» إلى ربط تجميد القتال بتنفيذ القرار الدولي 2165 الذي يتضمن وقف القصف من قبل النظام وعدم تحريك قواته وإطلاق سراح المعتقلين.

ـ غياب الثقة بين الأطراف الإقليمية الداعمة للنظام من جهة والفصائل المسلحة من جهة ثانية، وهذا الأمر يتطلب جهوداً ديبلوماسية كبيرة للوصول إلى تفاهم حولها.

===================

لماذا نقيّد أيدينا تجاه روسيا؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد - الاحد 7-12-2014

يعلم من يعرفني أنني كنت شيوعياً، من دون أن أكون صديقا للاتحاد السوفييتي، أو معجبا بنظامه وسياساته، وأنني كنت استخدم معارفي الماركسية، لانتقاد أوضاعه الاستبدادية، وظلمه الاجتماعي، وتمييزه القومي، وطبقية وفئوية قياداته، ونزعتها الإلحاقية التي تشبه كثيراً النزعات الاستعمارية. ولست، اليوم، أيضاً، صديقا لروسيا، ولا أرغب في رؤية أحد من ساستها وعسكرها، وأعرف أن رئيسها كان رائداً في المخابرات العسكرية، حين لفت نظر سلفه السكير واللوطي يلتسين الذي رأى فيه رجلاً قليل الخبرة وجاهلاً، فأورثه السلطة، لكي يديرها بالأهلية اللائقة بضابط مخابرات صغير، تسلطن على امبراطورية متعسكرة، تقف مدنياً وانسانياً على ساقين من قصب، يتعرض رعاياها لنهبٍ منظم، يمارسه مافيوي، تحيط به حاشية فاسدة، في زمن يشبه الزمن الذي قامت الثورة البلشفية ضده، لكنه احتواها، وجعلها تنويعة من تنويعات إقطاع دولوي محدث أمنياً، أسموه النظام الاشتراكي.

لكنني، وانطلاقا مما أعتقد أنها مصالح الشعب السوري العليا، لا أفهم لماذا نضع كل بيضنا في سلة أميركا: الدولة التي تدير أزمتنا، وتضع خطوطاً حمراء، تمنع أية دولة من وقفها أو إيجاد حلول لها، أو مساعدتنا على تجاوزها، وتعمل لاستمرار مأساتنا إلى أطول فترة، لأنها ترى فيها فرصة لتصفية حساباتها، وحسابات إسرائيل مع إيران، وحساباتها هي مع روسيا بدمائنا، وللتحكم بنا، على الرغم مما يقال خطأ حول ضعفها وعجزها عن لعب دور فاعل فيها. لا أفهم، ولن أفهم بعد اليوم، لماذا نرى روسيا بأعين أميركا، ونعتبرها طرفاً يجب أن نعاديه، لأنها تعاديه، ولا نرى فيها جهة معادية لنا، لا يجوز أن نحدد مواقفنا منها، انطلاقاً من مواقف واشنطن حيالها، من واجبنا تغيير موقفها الداعم للنظام السوري الذي نعلم أنه لعب دوراً خطيراً في قتل شعبنا وتدمير بلادنا، ولا تتجاوز فرص نجاحنا في تغييره الخمسة بالمائة؟

لا أفهم لماذا نحج، بلهفة وسعادة، إلى أميركا، المسؤولة عن الجزء الأعظم من مأساتنا، والتي تتلاعب بنا بشهادة سياساتها العراقية والكردية، وتصريحات رئيسها حول أولوية التصدي لداعش، بالمقارنة مع إسقاط الأسد، وتضع قضيتنا في البراد، ريثما تنتهي المعركة ضد الإرهاب، التي يبشرنا باراك أوباما بأنها ستستمر بين ثلاثة أعوام وثلاثين عاماً، يرجح أن يكون الأسد قد أباد خلالها شعبنا عن بكرة أبيه، ومسح بلادنا عن وجه الأرض، وجعلها قاعاً صفصفاً، وإنه لن يبقي فيها نافخ نار يطالب بحق!

لماذا لا نبدأ حواراً منظماً مع موسكو التي ليست أفضل من أميركا، لكنها ليست أسوأ منها أيضا؟ وأين الخطورة في أمر كهذا، إذا كنا في قد ألحقنا قدراً من الأذى بقضيتنا، لا يترك لغيرنا أية فرصة، لإضافة المزيد عليه؟ إن فتح باب حوارات منظمة، وعلاقات مستدامة مع موسكو، وحتى طهران، يصعب أن يحدث تحولاً نحو الأسوأ في أحوالنا التي بلغت أسفل الدرك الأسفل! ثم مم نخاف؟ هل نخشى ردة فعل أميركا التي تلزم نفسها في تصريحات رئيسها بإشراك روسيا وإيران في أي حل سياسي للمعضلة السورية؟ هل يبطل التزام أوباما بحل ينجز معهما حقنا نحن، أهل الصبي، في استكشاف طبيعة وحدود حل نحن موضوعه وسيتقرر من خلاله مصيرنا؟ أعتقد أن علاقتنا مع خصم أميركا الروسي قد تضغط عليها، وتدفعها إلى مراجعة موقفها منا، إلا إذا بنيناها بطرق كارثية، تمكن الروس من بيعنا في أول مناسبةٍ، وبأبخس الأثمان، تفوت علينا الإفادة من التناقضات الدولية، التي اعتبر أحد أعظم ثوار التاريخ استغلالها، والإفادة منها، عاملاً حاسماً، يتوقف عليه انتصار أية ثورة في عصرنا؟ ألم يقم ثوار فيتنام علاقات تفاوضية مع أميركا، بينما كانت تمطرهم بوابل من الصواريخ والقنابل الأشد فتكاً؟ ولماذا نقبل تقاسماً وظيفياً قاتلاً، يضع روسيا وإيران في صف النظام، ويضعنا تحت إبط دولةٍ، لا نمون عليها، ولا تهتم برؤيتنا ومصالحنا، بل ولا تقيم وزناً لنا، وتستخدمنا في صراعاتٍ، لا علاقة ولا مصلحة لنا بها، تخوضها، كما أسلفت، بدمائنا؟ ما مصلحتنا في أن نكون طرفاً في صراعات دولية، لسنا ولا نريد أن نكون طرفاً فيها. قامت الثورة ضد سياسات حكامنا المجرمين، ولم تقم كي ننخرط فيها؟ أليس من مصلحة الثورة أن نحاول منع روسيا من عقد صفقة مع أميركا على حسابنا، ومن وراء ظهورنا، أم أن مصلحتنا تكمن في الانخراط، كمرتزقة، في صراعات أميركا ضد خصومها وأعدائها، الذين لا يخدم شعبنا المظلوم تحويلهم إلى أعداء، لا صلح ولا سلام، ولا مفاوضات معهم؟ إذا كان انفكاك هؤلاء عن الأسد يؤذيه، لماذا لا نبلور خطة سياسية، تبعدهم عنه، أعرف تماماً مصاعبها وتعقيداتها، لكنني أعرف، أيضاً، أنها لا يجوز أن تكون سبباً لمنعنا من خدمة قضيتنا، بتحييدهم، أو استخدامهم ورقة ضغط، إن كان من المحال كسبهم؟ وهل يضر بنا أن تكون لنا علاقات مدروسة، مفعمة بالشك والحذر، تجاه إيران؟ أما كانت علاقات كهذه ستلعب دوراً في انفكاك بعض جماعة النظام عنه، بما كانت ستفتحه من أقنية تواصل وحوار خلفية معهم أيضا؟ ما الضرر في أن نعمل على هذا الموضوع الحيوي، من دون أوهام، أو أحكام مسبقة؟

أخيراً، لو كانت لدينا مثل هذه الأقنية مع إيران وروسيا والصين، على ما بين الدول الثلاث من تباينات في المواقف، هل كنا سنبدو كأسرى لأميركا، وكان النظام سيتمتع وحده بمنافع الانقسام الدولي التي تكفلت بتسليحه وحمايته؟ وهل كنا سنعامل كضلع قاصر، لا حول له ولا طول، مصيره معلق على ابتسامةٍ، أو تكشيرة أميركيةٍ، هنا وهناك؟ وما مصلحتنا في أن تفاوض أميركا روسيا بالنيابة عنا، مع أن موضوع التفاوض هو مصالحنا ومصيرنا؟ وما مصلحتنا في أن تكون قضيتنا جزءاً من القضايا الأميركية العالقة مع الكرملين، مع أنها ليست، ولا يجوز، بأي حال، أن تكون كذلك؟

هذه الأسئلة وغيرها تطرح نفسها علينا اليوم، وتلفت أنظارنا إلى أن انغراسنا في العلاقات الدولية بالصور التي تخدمنا لن يتم عبر انخراطنا في صراعاتٍ ومصالح، لا شأن لنا بها، كانت مقتلنا في الأعوام الماضية، وتجعل منا، اليوم، ورقة مساومة صغيرة بين أميركا وروسيا وإيران، وسترغمنا غداً على قبول ما يقدمه هؤلاء من حلولٍ، تقول أدلة متراكمة إنها لن تكون في مصلحتنا، أو ملبية لمطالب شعبنا، ولن تطيح النظام المجرم الذي فتك بالملايين منا.

ليست هذه دعوة لمقاطعة أميركا، أو لمعاداتها، فنحن لا نستطيع تحمل نتائج مثل هذه الحماقة. إنها دعوة إلى إعادة رسم مواقفنا حيال العالم، بما فيه أميركا، انطلاقاً من قضيتنا العادلة، وبدلالتها، على أن يتلازم ذلك، مع سعي حثيث وثابت، إلى ضرب من التواضع في العلاقات الدولية، يتكامل مع التجذر المطلوب داخل بلادنا وأوضاعها الخاصة، ومع إقامة قدر أعظم من التوحيد والتنسيق والتعاون بين أطراف العمل العام المعارض، السياسي منه والعسكري، الذي لن يتفق عائده مع تضحياته وإنجازاته، إذا لم يحصن بوحدة وطنية، لقوى الداخل والخارج، وبالانغراس ضمن بيئة دولية ملائمة، تمنحنا القدرة على المناورة بين أطرافها، والإفادة من تناقضاتها وتوافقاتها، وإلا صرنا رقما يسهل تخطيه في أي حل، وتطبيق حلول تجافي مصالحنا، ولا تحظى بقبولنا.

لنخرج من واحدية علاقاتنا الدولية. ولنمد أيدينا بثقة إلى دول العالم جميعها، انطلاقا من ثوابت ثورتنا وهويتها الوطنية/ الديمقراطية. ولنثق بأنفسنا وبشعبنا، ولنتعلم من تجارب خاضها غيرنا بنجاح، فاوض خلالها أعداءه، ولم يكل علاقته بهم إلى أي طرف خارجي، بما في ذلك أصدقاؤه الذين كانوا يمدونه بالسلاح والخبرات، ويحمون عاصمته.

لن نكون أول ثورة تمد يدها إلى أعدائها، وسنكون أغبى ثورة في التاريخ، إذا ما أبقينا مصيرنا في يد دول تتلاعب بنا، ولا تعيننا على مبارحة مأزقنا، وتبدو سعيدة بإبادتنا.

===================

اقتراح فرنسي .. ميشيل كيلو

العربي الجديد - الاحد 7-12-2014

ميشيل كيلوبينما يضيّع الأميركيون والروس وقت العالم، ووقتنا، على مشاريع سلام وهمي، يظنون أن نظام الاسد سيوافق عليها، على الرغم من أنه قاوم، طوال عامين ونصف، تطبيق وثيقة دولية، أقرها الخمسة الكبار، هي ما سميت لاحقاً "وثيقة جنيف واحد"، وعارض، بقوة السلاح  الروسي والدعم الإيراني، فكرتها حول الهيئة الحاكمة المكوّنة من أهل النظام والمعارضة، والمرحلة الانتقالية والتغيير الديمقراطي، تقدم، أخيراً، وزير خارجية فرنسا باقتراح يفتح قبوله باب السلام، أمام حل سياسي، يلبي تطلعات الشعب السوري ورغبته في السلام والحرية، وأمن وسلام منطقتنا والعالم. لم يقل الوزير إن بلاده ضد حل سياسي للمعضلة السورية، بل قال العكس: فرنسا تؤيد الحل السياسي، ولا ترى حلاً سواه، لكنها تعتقد أن حصر المعركة الدولية في "داعش"، وتجاهل ما يمارسه النظام من تصعيد متسارع للعنف ضد شعبه، بالتزامن والتوازي مع هذه المعركة، يبعد ويقوّض فرص الحل السياسي، ويغلّب كفّة الحل العسكري الذي قرر الأسد تطبيقه ضد ثورة الحرية السلمية في سورية، ويمكّنه من استغلال الحرب ضد الإرهاب لحسمه، مع ما سيترتب على ذلك من هزيمة نهائيةٍ، تنزل بالشعب والمقاومة، وسينتجه من تعقيدات عربية وإقليمية ودولية، ستكون معالجتها أشد خطورة على مصالح العالم وأمنه من الحل السياسي المتوازن في سورية الذي سيتم بلوغه سلمياً، وبرضا طرفي الصراع، حسب وثيقة جنيف.

يذكّر الوزير الفرنسي بما كان الأميركان وحلفاؤهم يؤكدونه دوماً، وهو أن تحقيق السلام مرتبط بتبدّل جدي في موازين القوى لصالح الجيش الحر. ويتمسك بهذا المبدأ الذي يبدو أن أميركا نسيته، ويقترح بذل ما يسميه بعض الجهد الجوي "الغامض"، لمنع النظام من تغيير موازين القوى لصالحه، لأن تغييرها سيقضي على فرص السلام في سورية، وسيزيد الصراعات الإقليمية والدولية تعقيداً وتشابكاً. في رأي الوزير، من الضروري القيام بعمل عسكري/ سياسي متوازن ومتوازٍ بين "داعش" والنظام، بوصفهما طرفي الإرهاب الأخطر في المنطقة وخارجها، ما دام قصر الجهد العسكري على "داعش" يخدم الإرهاب الأسدي، ويفوّت على الغرب فرصة التغلّب على الظاهرة الإرهابية في تجلياتها ومنابعها غير "الداعشية"، ويبقي ورقتها سلاحاً في يد الأسد، يستخدمه متى شاء، ضد تحقيق سلام متوازن يحفظ أمن العالم ومصالحه، تمكّنه من استخدامه ثغرة واضحة في خطة التحالف الحربية والسياسية ضد الإرهاب، تتجاهل أنه يتخطى "داعش"، ويتجسّد في نظام دمشق أيضاً، الذي يعتبر أفضل تنظيماً، وأقوى وأشد خطورة منها.

يذكّر الوزير بوعود الغرب حول العمل لتبديل ميزان القوى لصالح الثورة، تحقيقه شرط لازم لفتح طريق التسوية السلمية أمام السوريين، وفق وثيقة جنيف واحد. ويذكّر، كذلك، بما نسيه العالم من وعود والتزامات، تحفظ أمنه من خلال حفظ أمن الشعب السوري، ويذكّر، أخيراً، بأن ما يبذله الروس من جهد للتلاعب بالمعارضة لن ينتج شيئاً مفيداً، لأن النظام الذي يتلقى فيضاً من السلاح والمال الروسي لا يجد ما يمنعه عن قتل المدنيين بالمئات كل يوم، كما حدث يوم 25/11 في الرقة، عاصمة دولة "داعش"، التي لم يستهدفها القصف، ولم تخسر أيّاً من مقاتليها. بالمناسبة، يعتبر الوزير إنقاذ حلب بوابة السلام في سورية، الذي سينتجه ارتطام النظام بميزان قوى، لا يستطيع كسره، أو تحاشي انعكاساته السلبية عليه، وقد يقنع أطرافاً منه بحل متوازنٍ تقبله لكونه أفضل لها من هزيمة مؤكدة.

تحية لفرنسا، صديقة الشعب السوري الوفيّة!

===================

حُضْن النظام السوري .. خطيب بدلة

العربي الجديد - الاحد 7-12-2014

الحضن، في اللغة العربية، هو رمز الحنان، والعطف، والرعاية. يُقال: فلان أيش على باله؟.. قاعد في حضن أمه! والطفل يزعل من أمه وأبويه، فيأوي إلى حضن جدته باكياً، فتترشف غضبه، وتهدهده، فينام آمناً، بينما هي تدعو الله، في سرها، أن يُبعد عنه براميلَ المجرم بشار الأسد القاتلة. 

وحينما يُقْدِمُ الرجلُ على مغامرة، كشراء منزل، أو زواج، أو افتتاح محل تجاري، ويحالفه الحظ بعميل ذي أخلاق حميدةٍ، واستقامة، يقالُ له، على سبيل المجاز: هنيئاً لك، وقعتَ في حضن أمك وأبيك!

والرجل ‏يحتضن المرأة، والمرأة تشعر بالأمان في حضن رَجلِها؛ وأحياناً يرمي الرجل نفسه في حضن امرأة يحبها، لكنها تُتْعِبُه، مثلما حصل لعبد الحليم حافظ الذي وقع في حضن شائك، فشرع يغني لنفسه بأسى: رميتْ نفسَكْ في حُضْنْ، سقاك الحضن حُزْنْ!...

وفي القدود الحلبية، يجري تصغير الحضن إلى (حضين) فيغنون: هالأسمر عود قرنفل، لا لفلفه بحضيني. ومن أشهر أغاني عصام رَجّي الفولكلورية: يا حضين، طابت لي النومة يا حضين.

والغريب أن المذيع الرياضي، المرحوم عدنان بوظو، كان يستخدم الحضن في حالة الجَمْع، فيأتي على ذكر كلمة (أحضان) أكثر من مئة مرة في التعليق على مباراة كرة قدم واحدة! كان بوظو، كلما التقط حارس المنتخب السوري جورج مختار الكرةَ يقول: وإلى أحضان الحارس جورج مختار! مع أن جورج مختار، كغيره من الناس، له حضن واحد!

وأحب أن أذكّركم أن قانون كرة القدم، في تلك الأيام، كان يسمح للمدافعين بإعادة الكرة إلى الحارس، وكان هذا يُسَهِّلُ على عدنان بوظو الإكثار من ذكر الأحضان. وإذا كان المدافعُ ذا ساق قوية، ورفسَ الكرةَ رفسةً بارعة، فإنها تتجاوز أحضان الحارس إلى أحضان المرمى! ويعلن الحَكَم عن هدف للخصوم، ووقتها، كان يبلع عدنان بوظو ريقه، ويقول:

- معليش يا شباب، لدينا وقت كاف لتعديل النتيجة.

وتدريجياً، ترتفع معه الوتيرة الخطابية، فيقول: أجل، يوجد وقت كاف لهؤلاء الأبطال الصناديد، أحفاد خالد بن الوليد، جند القائد حافظ الأسد، ولا بد أن يعدّلوا النتيجة!

ولم نكن نحن، بالمناسبة، نعرف ما علاقة خالد بن الوليد وحافظ الأسد بمثل هذا "الجول" المباغت الذي يشبه الخازوق!  

وممّا لا ريب فيه أن الإعلام السوري، الذي يُعْرَفُ كذلك باسم الإعلام السكندري (نسبة إلى مؤسسه أحمد اسكندر أحمد)، هو أول مَن ابتكر مصطلح "حضن الوطن"، فمن أصل ثمانية ملايين مواطن سوري شرّدهم جيشُ الأسد، إذا عاد بضعةُ أشخاص إلى سورية، يبدأ الإعلام بالتطبيل والتزمير:

 - يا لهؤلاء الشرفاء المخلصين الذين رفضوا المؤامرة، وآثروا العودة إلى حضن الوطن.

وعدا عن هذا وذاك، وتلك وهاتيك، فإن شبيحة الثورة يتحدثون عن الحضن بطريقة أنكى، وأدقَّ رقبة، فتراهم يترصّدون لأي ثائرٍ، أو معارضٍ، سبق له أن تولّى عملاً في وطنه قبل الثورة، فما إن يرفع يداً عن رجلٍ، حتى يبادروه بالقول: ألم تكن أنت جالساً في حضن النظام؟!  

كتب الدكتور محمد حبش، وهو من أكثر السوريين تعقّلاً وتفهّماً لما يجري في بلادنا، على صفحته الفيسبوكية:

وفي كل يوم يطل عليّ أشخاص ليقولوا: كنتَ في حضن النظام. وكأنها خطيّة من الخطايا. أنا أستغرب كلامهم بالفعل. وماذا يعني أننا كنا في حضن النظام؟ هل كنا من سجانيه، لا سمحَ الله، أو من جلاديه أو فلاسفة حزبه أو منظّري خطاياه؟ لقد كنا نعمل في الدولة السورية.

أجل، لقد أصاب حبش، فالدولة دولتنا، ومؤسساتها مؤسساتنا، وأنا أرى أن الذين يخاطبوننا بمثل هذه الاتهامات هم الذين يؤمنون بأن حضن الوطن هو نفسه حضن النظام!

وهذا هو، بالضبط، التفكير الخاطئ.

===================

الانفجار السوري والشرخ الفلسطيني .. ماجد كيالي

المستقبل - الاحد 7-12-2014

«سوريا رغم ما تتعرض له من حرب إرهابية تستهدف أمنها ووحدتها واستقلالها تواصل اليوم دفاعها عن ثوابت الامة العربية وقضاياها العادلة وفي مقدمها القضية الفلسطينية انطلاقاً من تمسكها بقيمها ومبادئها الوطنية والقومية..».. «سوريا بشعبها الوفي وجيشها الباسل قادرة على هزيمة قطعان الارهابيين ومجاميع المرتزقة التكفيريين.. وان ارادة الشعب السوري أقوى من امكانيات مموليهم ومشغليهم.. ما تتعرض له سوريا اليوم ليس الا حلقة جديدة من حلقات المخطط الامبريالي الصهيوني الهادف الى تفتيت الأمة العربية وتدمير طاقاتها ومقدراتها..».

هكذا، ببساطة، لخص مسؤول فلسطيني ما يحصل في سوريا منذ أربع سنوات، في لحظة خطابية، في مؤتمر، أو مهرجان، من تلك التي اعتادت ان تستضيفها أنظمة «جماهيرية»، قذافية أو صدامية أو اسدية، وهو ما لم تستطع الفصائل الفلسطينية، ببرغماتيتها، أو انتهازيتها، ان تتمنّع عنها، أو تفوّتها، بعد أن ارتهنت للنظام العربي القائم، بحيث أضحت جزءاً من خطاباته.

ليس مهماً من الذي قال تلك الكلمات، لكن تأملها ليس من الفصائل المحسوبة على النظام، وإنما من فصيل يساري، وليست التسمية مهمة هنا لأن الحالة الفصائلية بمجملها باتت في حالة ترهل. وأفول، بمعنى ان هذا الخطاب هو تحصيل حاصل لهذه الحالة، التي تماهت منذ زمن مع النظام العربي، وباتت تتعيش عليه، متجاهلة قضايا ومطالب المجتمعات العربية، بدعوى «القضية المركزية»! ومفهوم من ذلك أنه لم يعد يُلحظ فرق بين فصيل يساري أو يميني، في الساحة الفلسطينية، فهذه التقسيمات لم يعد لها معنى منذ زمن، إذ لم يعد لها تمثلات في الخطاب والممارسة السياسيين، ولا في نمط العلاقات الداخلية أو طريقة تحصيل الموارد.

بديهي أن المشكلة بعد أن فقدت الأحزاب والفصائل اليسارية ملامحها، أو هويتها، بتحويل الماركسية ـ اللينينية خاصّتها إلى أيديولوجيا جامدة، أو قشرة خارجية، أو عدّة شغل، وبعد أن ضيّعت أو همّشت قضيتها الخاصة، التي يفترض بأنها تتمحور حول قضيتي الحرية والعدالة. وبمعنى اخر، فما الذي يبقى من «اليسارية»، في أحزاب وفصائل تمجد الاستبداد، وتسبح بحمد الطغاة، وتدير ظهرها لمعاناة الشعب، وتتنكر لعذاباته، وتضحياته، لاسيما اننا نتحدث عن أنظمة حكمت لأربعة عقود؟

وللإنصاف، فقد يكون ثمة وجاهة في موقف وطني، أو يساري، لا يرى أن ثمة أفقاً للثورة السورية، أو يأخذ على ما يجري في سوريا هيمنة الجماعات الإسلامية المتطرفة والتكفيرية. بيد ان هذا أو ذاك، لا يبرران، ولا بأي شكل، لا لعربي ولا لفلسطيني، لا ليميني ولا ليساري، التخنّدق مع النظام، رغم كل التجربة التاريخية معه، وتجاهل مشروعية حق السوريين في الحرية والكرامة والعدالة والمساواة.

بيد أن القصة عندما تتعلق بموقف فلسطيني تصبح أكثر حساسية، لأن الحركة الوطنية الفلسطينية تكرّس بذلك، عن قصد أو بدونه، شرخاً عميقا بين معنيي التحرير والحرية، تحرير الأرض، وحرية الانسان، كأنها تجرد عملية التحرير من معناها.

هكذا، ليت الفلسطينيين الذين اجتمعوا في دمشق، وألقي هذا الكلام على مسامعهم، ليتهم حاولوا فقط الذهاب الى مخيم اليرموك المحاصر.. ليتهم حملوا، فقط، ربطة خبز.. قنينة ماء ..علبة دواء ..ليتهم سألوا، فقط، عن المعتقلين في سجون النظام.. عن علي الشهابي ود. علاء وسلمى ويزن وصلاح وفياض والكل.. وعن الشهداء الفلسطينيين تحت التعذيب، ممن لم يكن لهم أي صلة حتى بالمعارضة.

المؤسف ان هؤلاء لم يكلفوا أنفسهم عناء ذلك، بل انهم تجاهلوا كل ما حصل لشعبهم في المخيمات، ولعذابات السوريين، بإنكارهم جرائم النظام، وجعلوا من أنفسهم مطية له، ومن قضية فلسطين غطاء لاستبداده، متناسين توظيفاته لهذه القضية، ومحاولاته التلاعب بالفصائل الفلسطينية، كأن المقاومة تنفع مع الاستبداد، أو كأن التحرير يستقيم مع الظلم والتهميش ومصادرة الحريات.

على أي حال، فإن اجتماع دمشق لا يعكس الرأي العام الفلسطيني، ولا يعبر عنه، بقدر ما يعكس حال الضياع، وغياب الاجماع، في الساحة الفلسطينية، بعد كل ما مر بها من احباطات وتجارب، وتهمش منظمة التحرير وأفول الفصائل.

ففي المقابل، كان ثمة فعالية أخرى في غازي عنتاب، نظمتها «الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين في سوريا»، قدمت فيها مداخلات لعدد من المثقفين والكتاب والناشطين الفلسطينيين، مثل سلامة كيلة ود. عدنان جابر والشاعر إياد حياتلة وأكرم عطوة وماجد عزام ومحمد مشارقة وعدنان علي ومازن ربيع وفاطمة عيد والمحامي أيمن أبو هاشم (رئيس الهيئة)، اغتنت بمشاركة عدد من المثقفين والسياسيين السوريين، بحضور سوري وفلسطيني من اللاجئين في تركيا. وقد تمحورت أعمال هذه الورشة النقاشية حول مناقشة تداعيات الثورة على مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، والمواقف الفلسطينية من ثورة السوريين، واستهداف النظام للمخيمات، وتحولات أوضاع اللاجئين الفلسطينيين، ورؤية المعارضة لمستقبل اللاجئين الفلسطينيين. كما قدمت شهادات عن أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات في سورية.

هكذا، كان الفلسطينيون، وبشكل خاص الفلسطينيين ـ السوريون إزاء مشهدين، في يوم واحد، وفي قضية واحدة، لكن مع فارق كبير، وعميق، في الهموم والرؤى والقيم، وفي الجرأة على المصالحة مع الذات ومع الواقع.

القصد ان الانفجار السوري، الذي اثر على المنطقة العربية بمجملها، وعلى مجمل التيارات السياسية، أثر أيضا على الفلسطينيين، لاسيما الفلسطينيين السوريين الذين باتت حالهم مثل حال السوريين في المدن السورية وفي أماكن اللجوء. وهؤلاء، أي الفلسطينيون السوريون، من واقعهم يشعرون أنفسهم كضحايا، لا يمكن إلا ان يتعاطفوا مع الضحايا، وليس مع الطغاة، أخلاقياً ومنطقياً، برغم كل التشويشات والالتباسات والتلاعبات التي تحيط بهذه القضية.

ولعل ما ينبغي إدراكه هنا بالنسبة للفلسطينيين، وفصائلهم، ان قضايا الحرية لا تتجزأ، وأن فلسطين ليست مجرد قطعة ارض. فهي معنى للحرية والكرامة أيضاً.

===================

قبل حدوث الانفجار في لبنان .. فايز سارة

الشرق الاوسط - الاحد 7-12-2014

لا يحتاج الأمر إلى كثير من التدقيق للقول إن لبنان على أبواب انفجار سياسي أمني كبير، يمكن أن يحدث في أي لحظة، لأنه بات يملك من مقومات الانفجار الموزعة بين مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، التي تتوالى تفاعلاتها سواء في الجانب السياسي والأمني والاقتصادي - الاجتماعي.

إن الأبرز في العوامل الداخلية للانفجار اللبناني، واقع الانقسام السياسي الحاد في أوساط النخبة السياسية، وهو انقسام له أبعاد كثيرة، لا تقف عند الموضوعات الداخلية، بل تمتد إلى موضوعات السياسة الخارجية، مما جعل من الصعب على اللبنانيين في المستوى الأول، توفير توافقات حول المؤسسات السياسية في البلاد بما فيها المؤسسات الكبرى، ومنها: مؤسسة الرئاسة، ورئاسة الوزراء، ومجلس النواب الذي لا يمكن فهم تمديده إلا باعتباره تمريرا للمشكلة أكثر مما هو معالجة لها، كما جعل في المستوى الثاني من اللبنانيين منقسمين حول علاقات لبنان الخارجية، ومنها الموقف من الوضع في سوريا، والعلاقة مع إيران.

والأخطر من الانقسام السياسي، هو انقسام مسلح خارج حدود الشرعية اللبنانية، التي يشكلها الجيش، والأساس في هذا الانقسام وجود ميليشيات «حزب الله»، التي طالما سعت إلى شرعنة وجودها، تحت حجة الدفاع عن لبنان في مواجهة إسرائيل، دون أن يمنعها ذلك من الاستدارة للتدخل عسكريا إلى جانب النظام في سوريا، مما شكل خلفية لتشكيلات مسلحة، ما زالت محدودة في صف لبناني آخر، يقف اليوم في مواجهة سياسة النظام السوري في لبنان، وضد ما يقوم به من ممارسات ضد الشعب السوري.

ويؤدي الانقسام السياسي إلى تعطيل لدور الدولة في لبنان وتقصيرها في رعاية شؤون اللبنانيين، وتكريسا لظواهر الفساد والمحسوبية، وغيابا لفرص تنمية البلاد ومعالجة مشاكلها، التي باتت مزمنة، وهو ما يؤدي إلى تدهور عميق في الواقع الاقتصادي – الاجتماعي بين مظاهر انتشار الفقر والغلاء والبطالة وأمراض اجتماعية متزايدة.

والأهم في العوامل الخارجية للانفجار، يكمن في التدخلات الإقليمية الجارية في الشأن اللبناني، وأبرزها تدخل سوري – إيراني، هدفه تأمين لبنان باعتبارها حديقة خلفية، ليس لحماية النظام السوري ودعم سياساته فقط، بل تأكيد حضور وفاعلية إيران في الشأن اللبناني، وضمان وجود لبنان في إطار استراتيجية طهران الإقليمية.

والعامل الثاني المهم في عوامل الانفجار اللبناني، هو مستوى من الإهمال الدولي للوضع في لبنان واحتمالاته، ويبدو ذلك مكرسا في السياسة الغربية الأميركية – الأوروبية بصورة عامة، ليس فقط بما يتصل بتداعيات الأزمة السورية على لبنان ومشاكل اللاجئين فيه، بل أيضا بما يتصل بشؤونه الداخلية، وهو وضع لم يعتد اللبنانيون عليه في السابق.

وفي المنطقة الوسطى بين العوامل الداخلية والخارجية للانفجار، يقف الوجود السوري المتعدد الوجوه في لبنان؛ حيث تتداخل العوامل، لتخلق بيئة مفجرة على عدة مستويات سياسية وأمنية واقتصادية – اجتماعية، مما قد يجعلها تهدد مستقبل الكيان اللبناني، إذا لم تتم عملية محاصرتها وتغييرها، إضافة إلى إجراء تغييرات بنيوية في واقع السياسة اللبنانية.

ويشكل الوجود السوري في لبنان كثافة عددية، تقارب مليوني نسمة، نحو الثلثين منهم لاجئون والثلث الآخر من المقيمين، ورغم أن العبء الرئيسي في موضوع اللاجئين ملقى على عاتق الأمم المتحدة وهيئات المساعدة الإنسانية، فإن تبعات أخرى ملقاة على عاتق الدولة والمجتمع في لبنان، في وقت يعجز فيه الطرفان عن توفير الاحتياجات اللبنانية أساسا؛ مما يخلق ظروفا للانفجار، تتفاقم في ضوء سياسة لبنانية تمييزية ضد السوريين واللاجئين منهم بشكل خاص، وهو أمر وفر بيئة لجماعات التطرف والإرهاب السورية مثل «داعش» والنصرة، ولأخواتها اللبنانية، وجعل الوضع مفتوحا على صراع دموي، يجد له تعبيرات يومية في الأحداث التي تشهدها طرابلس عاصمة الشمال، وقرب مخيمات اللاجئين السوريين، التي تتعرض لهجمات من قبل مسلحين لبنانيين، فيما يتعرض الجيش إلى هجمات جماعات «داعش» والنصرة.

خلاصة الأمر في وضع لبنان، أن عوامل التفجير فيه تتزايد، وتتعمق، بحيث تضع لبنان على عتبة انفجار شامل ومرتقب، وما لم تتكاتف الجهود المحلية والإقليمية والدولية لحصار عوامل التفجير، والذهاب إلى خطوات تهدئة، وإيجاد حلول للمشاكل القائمة، فإن لبنان مقبل على انفجار قد لا يستطيع أحد إيقافه.

===================

بين (أسلمة سوريا) و(الثورة في إسلامها).. ملاحظاتٌ منهجية (6) .. د. وائل مرزا

المدينة - الاحد 7-12-2014

بين (أسلمة سوريا) و(الثورة في إسلامها).. ملاحظاتٌ منهجية (6) نبدأ في هذه الحلقة من السلسلة في تبيان أثر التأويل التقليدي التاريخي للإسلام في صناعة الواقع السوري خلال السنوات الثلاثة الماضية، وكيف ساهم هذا التأويل، تحديدًا، في فشل من تصدّروا للحديث باسم الإسلام، في المجالات السياسية والعسكرية والشرعية. فَشَلهم، ليس فقط بإظهار أي نموذجٍ حضاري لقيادة الثورة ينبثق من الفهم الإسلامي، بل ووقوعهم في أخطاء كبرى يمكن إضافتها لأسباب وضرورات ظهور الثورة التي نتحدث عنها في الإسلام في سوريا.

ففي المجال السياسي، من المعروف أن الإسلاميين، على اختلاف تسمياتهم التنظيمية، كان لهم تأثير كبير، وأحيانًا طاغٍ، في تشكيل وتسيير الهياكل العاملة في ذلك المجال، وتحديدًا في المجلس الوطني ثم الائتلاف، بل يمكن التأكيد أن اليد الطولى كانت لهم على الأقل منذ تاريخ تأسيس المجلس الوطني نهاية 2011م إلى منتصف 2013م.

لم يكن من هموم (السياسيين) الإسلاميين السوريين البحثُ، في سياق المسار الثوري، وفي تلك الفترة (الذهبية) نسبيًا، عن منظومةٍ سياسية بالمعنى المنهجي للكلمة، تكون منسجمةً مع منطلقات الإسلام الكبرى، وصالحةً، في نفس الوقت، لتنظيم الحياة السياسية في بلدٍ مثل سوريا، فالمنظومةُ تلك كانت جاهزةً في القرآن، أو في الأذهان، لدى البعض، أما لدى (الإخوان المسلمين) فقد كانت موجودةً على شكل وثيقةٍ أصبحت في غاية التشويش من كثرة (القص) و(اللصق)، وبأمثلة تستعصي على الحصر، نضرب منها مثالًا واحدًا تقول فيه الوثيقة: "الدولة الإسلامية هي ما نُطلق عليه الدولة (الحديثة) بالصيغة التي نقدمها في مشروعنا هذا، وليست بالدولة (الثيوقراطية) ولا هي بالدولة (العلمانية)".

وبشكلٍ عام، نعرضُ تفاصيله في مقامٍ آخر، تعامل الإسلاميون السوريون مع السياسة أساسًا على أنها ساحة مناورات داخلية بين العاملين في الحقل السياسي المُعارض، وأنها فضاءٌ لإقامة التحالفات وتغييرها وصولًا إلى تحقيق هدف أساسي هو السيطرة على الهياكل السياسية، بحيث أصبح هذا الهدف هو الهاجس الأكبر، وبمعزلٍ عن امتلاك القدرة على توظيف هذه الهياكل لتحقيق الأدوار الحقيقية المطلوبة منها.

وحتى فيما يتعلق بالثورة ذاتها، لم يكن وضع المخططات المنهجية، التي تُمكِّن الهياكل المذكورة من خدمتها وتحقيق أهدافها، أمرًا ذا أولوية، هذا فضلًا عن افتقاد القدرة على صياغة مثل تلك المخططات ابتداءً، وبهذا الفهم وتلك الأولويات، صار عاديًا أن تَظهر (البراغماتية) في أكثر تجلياتها بُعدًا عن القيم الإسلامية، وباتَ طبيعيًا أن تُبررَ الغايةُ الوسيلةَ أيًا كانت، وأن يسير العمل بنوايا يتم إقناعُ النفس، والقواعد بها، تؤكدُ على ضرورة استمرار السيطرة والتحكم بالهياكل السياسية الحالية بأي طريقة في هذه المرحلة وإلى أن يتم إسقاط النظام، ثم يُمكن، في نظر القيادات، (استعادة) القيم الإسلامية بعد استخدام السيطرة الحالية لتأمين سيطرةٍ مستقبلية، ويمكن (استدعاؤها) آنذاك لتأكيد الصفة الإسلامية للعاملين.

لا يُظهر هذا التحليل الوجه الأخلاقي السلبي لأزمة الجسم السياسي الإسلامي فقط، بل يُظهر أزمةً أخرى على مستوى الفكر السياسي الذي يختزل مفهوم السياسة وممارساتها في مثل الدوائر المذكورة أعلاه من النشاطات (مناورات داخلية - تحالفات متقلبة من النقيض إلى النقيض - شراء ولاءات...). فهنا يغيب مفهوم تفكير رجال الدولة الذين يمتد اهتمامهم، عادةً، إلى إدراك المجالات الواسعة في مهمة قيادة الأمم والشعوب، ويُستفرغ جهدهم في فهم التعقيد البالغ للوضع السوري، وفي إيجاد الرؤية الإستراتيجية للتعامل معه، وبالتالي، إيجاد الآليات المطلوبة لتحقيق ذلك الهدف، وإن صحﱠ هذا في وقت السلم فإنه أولى بالاعتبار في ظرف الثورة الاستثنائي، فحجم المهمات والوظائف السياسية التي يُطلب تغطيتها يُصبح أوسع وأكثر تعقيدًا، ودرجة الجهد والتخطيط والإحاطة لإيجاد الرؤى ورسم السياسات ووضع الهياكل المطلوبة تكون أكثر إلحاحًا.

كيف نربط هذه الظاهرة بالتأويل التقليدي للإسلام الذي كان سائدًا قبل الثورة؟ سنجد جذورها فيما تحدثنا عنه سابقًا في الحلقة الرابعة من هذه السلسلة عن الإسلام في سوريا قبل الثورة.

وقد كان هذا هو (الإسلام) الذي نَزَّل الإسلاميون السوريون معانيه ومقتضياته على المسار السياسي، وكان بعضهم، على الأقل، مُخلصًا جدًا، ليس فقط في إيمانه بهذا الإسلام، بل وفي قناعته بأن صالح سوريا وثورتها يكمنان فيه.

ليست المسألة إذًا، عند الغالبية العظمى من الإسلاميين السوريين، مسألة نياتٍ (خبيثة) و(أجندات) مستترة، وفي اعتقادي أنه لو كان الأمر كذلك لربما كانت المعضلة أهون، لأن المشكلة كانت ستبدو أوضحَ للكثيرين، وهذا لا يتناقض مع حديثنا عما أسميناه أعلاه "الوجه الأخلاقي السلبي لأزمة الجسم السياسي الإسلامي"، وربطه بالممارسات البراغماتية التي غلبت عليه، كما قد يلوح للوهلة الأولى.

ففي ظل طغيان ذلك التأويل المشوّه للإسلام وتعاليمه، ومع وجود قناعةٍ عقلية راسخةٍ بأنه يحقق مصلحة البلد والثورة، وحماسٍ نفسيٍ جارف يصاحبُ تلك القناعة، وفي غياب أدواتٍ فكرية وثقافية تسمح بالمراجعة والنقد الذاتي والانتباه لحقيقة ما يجري، تتشكل المعادلة المثالية لظهور (البراغماتية) سبيلًا رئيسًا للعمل السياسي وللوصول إلى الهدف، بكل ما يترتب عليها من مشكلات، وهذا ما حصل إلى درجةٍ كبيرة في نهاية المطاف.

===================

موقفنا : حول العدوان الصهيوني على السيادة السورية !!!غارة تجميلية بطلب إسعافي من بشار وحلفاء بشار .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 8/12/2014

منذ البداية اعتبرنا غارات الائتلاف الأمريكي عدوانا على الأرض السورية ، وهتكا لسيادة الدولة ، ودعما وحماية لزمرة الفساد والاستبداد ؛ ومن هنا فقد قرر بشار الأسد أن يغض الطرف عنها ، وأن يتماهى معها ، وأن يحلب في إنائها . واليوم إذ تنضم طائرات العدو الصهيوني كشريك عملي في هتك السيادة السورية والعدوان على الأرض والإنسان ، يمكن أن نضم عدوانها في دوافعه ومآلاته إلى ما سبقه من عدوان التحالف الأمريكي الذي كان استجابة لاستعداء الزمرة الأسدية على الأرض والإنسان .

ابتداء نريد أن نقول لبشار الأسد وحلفاء بشار إن الطيران الأجنبي المعادي وبالأطنان من قذائفه القاتلة والمدمرة إزاء صمتكم المخزي عنها هو الذي : يضعف الشعور القومي ، ويوهن نفسية الأمة ، ويهتك ما كان يظن عن ( عذرية دولة تدعون حمايتها ) العدوان الأمريكي – الصهيوني هو الذي يفعل ذلك وليس رأي حر يصدر عن مواطن يحاول أن يؤشر على موضع خلل أو فساد ..

وتاليا إنه مهما تكسرت النصال ، المستهدفة لصدر شعبنا وظهره ، على النصال ؛ فإننا لن نكف عن تأكيد استنكارنا وإدانتنا وإعلان رفضنا للعدوان الصهيوني الهمجي ، مدينين في الوقت نفسه القرارات الأسدية الأولية بالسماح بتمريره ، وبالصمت عنه ، وفي العجز المتمادي عن التصدي له .

وإنه لو لم يكن لبشار الأسد من جريمة غير هذا العجز المطبق عن حماية الأرض السورية من انتهاكات العدو الصهيوني المتكررة لكفى به سببا يدعو الشعب السوري إلى الثورة عليه وخلعه ...

ثم إن معرفتنا العميقة بطبيعة تفكير هذه الطغمة الأسدية الحاقدة ، وطبيعة تصرفات حلفائها على سير التاريخ ؛ يجعلنا نؤكد وبلا تردد أن العدوان الصهيوني المستنكر والمدان في أهدافه التي استهدفها ، وفي ظرفه وتوقيته لم يتم إلا بطلب إسعافي خاص من بشار الأسد ، توسل به إلى صديقه الحميم نتياهو مستعديا على سورية وأرضها وإنسانها وسيادتها ليخرج علينا الإعلام الأسدي المقيت مؤكدا : أن نظام المقاومة والممانعة مستهدف صهيونيا ، وأن إسرائيل تحاول كسر إرادته ، وإضعاف موقفه ، والانضمام إلى صف المتطرفين والإرهابيين في النيل من هيبته . لعبة باتت مكشوفة ، وأسلوب في الكيد بات مفضوحا ومقروءً لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ...

لندن 8 / 12 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

===================

المشاهد غير الواعدة في سوريا! .. رضوان السيد

الشرق الاوسط - السبت 6-12-2014

تجري عدة أمور سلبية وعلى أصعدة مختلفة في سوريا. وأبرز هذه التطورات وآخِرها ما صار يُعرف بمبادرة دي مستورا للتهدئة في مناطق أولها حلب. لكن هناك أيضا تقدم النظام البطيء في بعض المناطق بريف دمشق والغوطة بمساندة من حزب الله. وهناك الحركة الروسية الغامضة باتجاه «جنيف 3» أو «موسكو - 1». وهناك استمرار الجدل الأميركي - التركي بشأن المنطقة الآمنة بشمال سوريا. وهناك أخيرا وليس آخرا تقدم جبهة النصرة على فصائل المعارضة الأخرى خارج مناطق «داعش». وهذا تطور سلبي لا ينبغي تجاهله ولا شك!

أول المشاهد أو التطورات غير الواعدة ولا شك هو ازدياد فظائع النظام بالبراميل المتفجرة وبصواريخ سكود، وبعودة المذابح ضد المدنيين. فحتى عندما تقصف طائرات النظام «داعش» بالرقة أو دير الزور تتعمد أو لا تتعمد إصابة المدنيين، فالذين يقتلون من «داعش» بقصف النظام قليلون، وهو قصف بدأ قبل 5 أشهر فقط. وعدم إصابة «داعش» قد لا تكون متعمدة باعتبار أن التنظيم صار يخفي مراكزه بعناية خوفا من ضربات قوات التحالف الدولي. إنما الطريف هو تطور الموقف إلى حد أن النظام صار يقاتل بالطائرات في المناطق ذاتها التي تقاتل فيها طائرات التحالف الدولي، دونما احتجاج أو اعتراض من جانبهم. وكان الجميع قد ظنوا بعد بدء الهجمة على «داعش» في سوريا، أن حرب الطيران من جانب النظام قد انتهت. ثم تبين أن أوباما ما اتفق مع الروس فقط؛ بل وطمأن الخامنئي في رسائل سرية إلى أنه لن يتعرض للنظام السوري، وأنه سيكافح معه الإرهاب في العراق وسوريا. وعلى أي حال، ودون المزيد من الاستطراد؛ فإن الأعداد الرسمية للقتلى في سوريا تقترب بالفعل من ربع المليون. أما المهجَّرون فصاروا بالفعل أكثر من 10 ملايين. وقد ذكرت مفوضة الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة أموس أن المهجَّرين بلغوا 13.6 مليون، وأن 12 مليون سوري وعراقي بالداخل والخارج يحتاجون للمساعدة العاجلة من الجوع والصقيع!

ولنمضِ إلى دي مستورا والحركة الروسية. دي مستورا قال إنه يريد إنقاذ حلب بترتيب وقف لإطلاق النار هناك، يمكن إن نجح أن يمتد لمناطق أخرى. بيد أن الشيطان في التفاصيل. فقد تبين أن ما يقصده لا يختلف جوهريا عما جرى بحمص. وما جرى بحمص خروج لبقية المقاتلين، وعدم السماح للسكان بالعودة بحجة أن المباني مدمرة أو ملغومة. وهذا شبيه بما يجري الآن بالعراق. فالمناطق التي تستعيدها الميليشيات الشيعية بمساعدة الطيران الأميركي، يهجر منها السكان أو يقتلون، أما الذين هربوا من «داعش» فيمنعون من العودة بحجة أن «داعش» يمكن أن تتسلل معهم عائدة إلى أمرلي وجرف الصخر!

هل لخطط دي مستورا علاقة بالمبادرة الروسية؟ يبدو أن إحداها تكمل الأخرى. وكنا قد اعتبرنا الكلام الروسي جديا عندما رأينا أن وزير الخارجية السعودي زار موسكو، وهو أمر لم يفعله منذ زمن طويل. ثم زارها المعارضون القوميون واليساريون السابقون. وزارها معاذ الخطيب رئيس الائتلاف السابق، والذي صار «معتدلا». وأخيرا زارها وزير الخارجية السوري بصحبة بثينة شعبان بالطبع! ولو تجاوزنا تصريحات السوريين بعد لقاء لافروف أن الطرفين يتعاونان في مكافحة الإرهاب، فإن المفهوم أمران: أن هناك فهما مشتركا بين الروس والسوريين (وربما الأميركيين) لجنيف - 1، وأن المقصود تصفية المعارضة المسلحة، من طريق إعطاء المعارضين السياسيين بعض المناصب ما تلبث أن تذوب كما ذاب «الربيع السوري» (2001 - 2004)، ومن طريق إلحاق كل المسلحين بإحدى خانتين: خانة المتطرفين والإرهابيين، أو خانة قطاع الطرق.

إن الأمر الذي يجري السير فيه بقوة وسرعة الآن هو إدخال المعارضة المسلحة بالفعل في خانة التطرف والإرهاب. وهذا المنزع يعمل عليه الروس والإيرانيون بقوة، بعدم الإغارة على المناطق التي تسيطر عليها جبهة النُصرة وجبهة ثوار سوريا، وبعض التنظيمات الحليفة لهم - واندفاع جبهة النُصرة من جهتها للاستيلاء على مناطق الثوار الآخرين. جبهة النُصرة، أفادت عام 2012 مثل «داعش» من النظام السوري بإطلاق مئات من السجون، والدفع إلى المناطق التي كان المسلحون الآخرون قد سيطروا عليها لانسحاب قوات النظام منها تركيزا على المدن والبلدات الكبرى. وفي عام 2013 أعلنت جبهة النُصرة عن الانتماء لـ«القاعدة» (قاعدة الظواهري). وما غيَّر ذلك من سياسات النظام تجاهها، إلى أن اشتبكت كما هو معروف مع «داعش» التي انشقت عن الظواهري وأقامت «الدولة الإسلامية في العراق والشام». النصرة تجنبت في البداية الاشتباك مع الثوار الآخرين بقدر الإمكان، بل وتعاونت معهم ضد «داعش»، وضد قوات النظام (دون المناطق التي فيها حزب الله والميليشيات الشيعية الأخرى). لكن الضغوط اشتدت عليها أخيرا من جهتين: جهة إغارة الأميركيين عليها عندما أغاروا على «داعش» في سوريا. وجهة صعود مطامح التنظيمات الأخرى الداخلة وغير الداخلة في الجبهة الإسلامية للدخول في عداد التنظيمات المعتدلة التي يعينُها الأميركان والأتراك وبعض الدول العربية! ولذلك فإن جبهة النُصرة التي لم تتفق مع «داعش» حتى لا تذوب فيه وفي مشروع الدولة، اتجهت للعمل الأسهل وهو المزيد من الاستيلاء على مناطق الموسومين ذاتيا أو من الغير بأنهم من المعتدلين. وقد أُذيع أخيرا أن النُصرة استولت على تلبيسة (البلدة الكبيرة جانب حمص)، كما أنها هي السائدة في بلدة الشيخ مسكين التي سيطرت عليها قوى المعارضة أخيرا بمنطقة درعا باتجاه دمشق وريفها. وكانت جبهة النُصرة قد استولت على مناطق المعارضة (جمال معروف) في ريف إدلب، ساعة بحجة أنهم أميركيون، وساعة بحجة أنهم قتلة وقطاع طرق. وفي المقابل اتهم جمال معروف الجولاني زعيم النصرة بأنه إيراني وأسَدي! لماذا نخوضُ في هذه التفصيلات؟ لأن استيلاء النُصرة على المشهد ضمن المعارضة المسلحة، يجعل من النظام السوري بديلا وحيدا عن «داعش» والنُصرة معا. باعتبار أن النُصرة من «القاعدة»، و«داعش» قاعدة وزيادة في سوريا والعراق. فسواء أكانت النُصرة مندفعة ضدّ المعارضة المسلّحة (المعتدلة) لأنها هوجمت منهم، أو لأن الأميركيين والإيرانيين والنظام دفعوها لذلك بطرائق غير مباشرة؛ فإن المشهد المسلح إن استمرت التطورات فيه على هذه الشاكلة لعدة أشهر؛ فإن الناتج سيكون الانفصال الكامل بين الائتلاف أو القيادة السياسية بالخارج من جهة، والمشهد المسلح الذي تسيطر عليه النصرة بالداخل من جهة ثانية! وإذا سار النظام بالمشهد الشكلي الذي يريده دي مستورا والروس فلن يبقى أي حائل دون اعتبار النظام بديلا وحيدا لنفسه! والخطورة ليست في قبول النظام للترتيبات الروسية و«المستورية»؛ بل في دخول الإيرانيين والأميركيين على هذا المسار، فالآن لإيران علاقات في المعارضة السياسية السورية، وعلاقات بالداخل السوري المسلح ومن ضمنه جبهة النصرة!

===================

المخاطرة الروسية لحل الأزمة السورية .. لؤي حسين

الحياة - السبت 6-12-2014

الحديث عن حوار سوري- سوري في موسكو ليس جديداً. فمنذ ثلاث سنوات حاولت القيادة الروسية الدعوة إلى مثل هذا الحوار لكنها لم تنجح، إذ اعتذرت أطراف المعارضة المدعوة عن عدم المشاركة. وقد قمت حينها بإبلاغ السفير الروسي في دمشق بأننا نحتاج إلى طرف محايد يرعى الحوار، وروسيا ليست كذلك. وقلت له: لا يمكننا المشاركة في حوار ليس له عنوان وبرنامج، وإلا تحوَل إلى مجرد دردشة لا تفيد، بل تساهم في تمييع الأزمة. وأخبرته أننا عديمو الثقة بجدية السلطة ما لم تطلق سراح المعتقلين وتوقف اعتقال معارضيها والناشطين السلميين.

لا توجد الآن مقومات ناجزة لحل الأزمة السورية. بل لم تعد هذه الأزمة المتمثلة بأشكال متعددة هي المتصدرة المشهد السياسي أو الصراعي. فبعدما خيم الركود شبه المطلق على آفاق حل الأزمة بعد انتهاء جنيف 2 وتوقف المحادثات العقيمة بين النظام والمعارضة، جاءت «داعش» لتسيطر على كامل المشهد بعد سيطرتها وتمددها على مساحات واسعة من الجغرافيا السورية، واستدعاء ذلك لقوات التحالف الأميركي التي باتت تسيطر على أجواء شمال وشرق سورية في شكل شبه مطلق. ومع كل هذا تتحرك موسكو الآن لتخاطر بفتح ملف حل الأزمة السورية.

يأتي التحرك الروسي الآن انطلاقاً من حاجة موسكو الماسة لاستعادة دور مركزي لها في الساحة السورية بعدما نجحت واشنطن بإقصائها كلياً عن المعركة العالمية التي تقودها ضد «داعش» في سورية والعراق، ليبقى دور موسكو مقتصراً كلياً على دعم النظام المبعد في شكل مطلق عن «شرف» المشاركة في المعركة، والعاجز تماماً عن فرض حضوره فيها أو فتح معركته الخاصة الموازية لها.

تحتاج موسكو كذلك إلى تخفيف أعباء معركة أوكرانيا وتبعات العزلة الدولية التي تزداد تضييقاً عليها. من هنا لا تجد أمامها خيارات كثيرة، وتبدو مضطرة لخوض غمار مخاطرة كبيرة متمثلة بفتح ملف حل الأزمة السورية، مغامرة بكل وجودها ودورها في سورية وربما في الشرق الأوسط عموماً. فموسكو تنوي المضي قدماً في هذا المنحى بحركة التفافية علنية على واشنطن، فلا تشاورها ولا تقيم لها أهمية أو وزناً، بل تحاول أن تقصيها نهائياً عن كل دور في مبادرتها. وهذا سيفرض على موسكو أن تتضمن مقترحاتها إغراءات جدية كفيلة بجذب الأطراف المعارضة وبعض الدول الإقليمية، ويتطلب امتلاك موسكو الكثير من الجرأة والمقدرة والإمكانات التي لا يوجد حتى الآن ما يكفي للتدليل على امتلاكها لها.

صحيح أن موسكو تتحرك من تلقاء نفسها وبدافع حاجاتها ومصالحها القومية، لكن يبدو أنها تعتمد على بعض ما عرضناه عليها، وعلى أطراف رئيسية أخرى في الأزمة، من أنه لا إمكانية لمواجهة داعش في سورية إلا عبر حل الأزمة السورية بتشكيل حكومة وحدة وطنية ترأسها شخصية معارضة وتتشكل من شخصيات من السلطة والمعارضة والشخصيات العامة، مع توزيع صلاحيات رئيس الجمهورية بينه وبين رئيس الحكومة والحكومة مجتمعة، في توازن حاسم للصلاحيات لا يتيح لأي طرف الانقلاب على الأطراف الأخرى، على أن تتمتع هذه الحكومة بصفات تشعر جميع السوريين أنهم ممثلون فيها، وأنها سلطتهم الوطنية المؤهلة لكي يلتفوا حولها بأوسع قاعدة شعبية لمواجهة داعش والمخاطر التي تتهدد البلاد.

وما لم تتضمن المبادرة الروسية، التي لم تتضح بنودها بعد، تغييراً رئيسياً وجدياً في بنيان النظام وهيكليته، فلن تجد موسكو طرفاً معارضاً يقبل المشاركة فيها. وإن تضمنت المبادرة تغييراً كهذا، فموسكو ستكون في مواجهة النظام مباشرة ولأول مرة منذ أربع سنوات.

هذه المعادلة التضادية هي التي تجعل المبادرة الروسية مخاطرة تحمل إمكانية خسارة موسكو كل وجودها في سورية إن فشلت مبادرتها. فنجاح المبادرة يشترط موافقة وقبول النظام بها. وإطلاق المبادرة يفترض مقدرة روسيا على إقناع أو إجبار النظام على قبولها. والمبادرة، كيفما كانت بنودها، إن كانت جدية، تضع مصالح موسكو في مواجهة مصالح النظام. وتمنّع النظام عن قبول المبادرة سيضع موسكو في موقف أكثر من حرج. ولن تتردد حينها الولايات المتحدة لحظةً في الانقضاض على روسيا وإيجاد طريقة ما لإخراجها نهائياً من المعادلة، ولو اضطرها ذلك إلى إعادة مد الخيوط مع النظام الذي بدأ يعطي المؤشرات على عدم رضاه التام عن المبادرة، مدعياً أن الظروف غير مناسبة للنهوض بمبادرة لحل أزمة لا تحتاج إلى أكثر مما يسميه مصالحات مناطقية، على رغم أن أثرها لا يطاول سوى ما ينشره على إعلامه الرسمي. فلا أثر ذا معنى لها في الواقع.

في المقابل، من المتوقع أن تكون موسكو قد وضعت في حسبانها إمكانية تمنع النظام وعدم استجابته لمبادرتها. وبالتالي لا بد أن تكون قد أعدت عدتها لإخضاعه وفق إرادتها، حتى لو تعارض ذلك مع إرادته. ومن غير ذلك فإنها مهددة جدياً بالخسران على يد حليفها الذي حمته ورعته، دولياً على الأقل، طيلة السنوات الأربع الماضية.

كان التقدير دوماً على امتداد سنوات الأزمة السورية أن النظام يحيا على رحمة روسيا، وأن الهواء الذي يتنفسه هواؤها، وأنه يتصرف وفق مشيئتها أو برضاها على الأقل، ما يجعله غير قادر على مخالفتها في المسائل الرئيسة. وكان ذلك واضحاً بقوة خلال أزمة السلاح الكيماوي، حيث امتثل النظام تماماً لمبادرة موسكو بتخليه عن مجمل سلاحه الكيماوي الذي حرص على جمعه وتخزينه لسنوات طويلة. لكن تحولاً رئيساً طرأ على نهج النظام وسلوكه بعد الانتخابات الرئاسية، إذ صدَق ادعاءاته حول الانتخابات، وبات يظن أنه قادر على الاكتفاء بذاته، فأغلق أبوابه ونوافذه بجدران صماء تفصله عن واقع خارجي ما عاد يوجد أي دليل حسي على وجوده بالنسبة إليه. ومن هنا، من غير المستبعد أن يلحظ حاجة موسكو إليه الآن، وأن يتعامل معها على أنها مثله واقعة في أزمة دولية.

من غير المعروف، الآن، ماذا ستفعل موسكو لتذليل عقبة النظام وتمرير مبادرتها المنتظرة، ومن غير المعروف أيضاً أين ستكون إيران في هذه المعادلة الضدية بين روسيا والنظام، وما الدور الذي ستقوم به، بل لا يُعرف مدى التنسيق الروسي الإيراني في هذه المبادرة. ولا يعيب موسكو أن يكون تحركها ناجماً عن حاجتها الذاتية، ولا ينتقص ذلك، بالنسبة لنا كسوريين، من أهمية هذا التحرك، بل يتوجب على جميع القوى السورية، إن وجدت في المبادرة الروسية المتوقعة حداً أدنى من الجدية، أن تشارك بقوة لإنجاحها غير آبهة بأيٍ من الدول هي التي تحقق انتصاراً على غيرها في النهاية. فاهتمامنا يجب أن يقتصر في شكل قطعي على إنهاء أزمتنا بما يكفل وقف الخراب والقتل والمهانة والاستبداد.

===================

بعد أربع سنوات ثورة… سورية إلى أين؟ .. الطاهر إبراهيم

القدس العربي - السبت 6-12-2014

عاشت سورية ثلاثين عاما تحت حكم حافظ أسد لا يستطيع الأخ أن ينبس ببنت شفة أمام أخيه، خوفا من أن تكون للجدران آذان، فيذهب هو وأخوه ومن خلفوه.

كان السوريون من قبل ذلك، كما اللبنانيون، صحافيي العرب بحق. عندما هلك حافظ وورثه ابنه بشار استبشر البعض، حسب مقولة القائل «موت الرؤساء رحمة للأمة».

وبدأ المثقفون يلتقون في بعض الدارات التي فتحت صالاتها لهم، مثل «منتدى الأتاسي»، وقرأنا عن بيان الـ»99» الذي وقعه 99 مثقفا، ثم بيان الـ «1000»، حيث رفع موقعو البيانين من وتيرة كلامهم مطالبين ببعض الحرية. تصدى لهم حرس النظام القديم مثل عبد الحليم خدام، يسفهون كلامهم، قبل أن ينشق هو عن نظام خدمه قرابة 40 عاما، ولم يقف الأمر عند التسفيه فقد أودع بعض المثقفين المعتقل.

تغيرت الأمور منذ 15 آذار/مارس 2011 وحتى اليوم، فلم يعد الأمر مسألة خوف أو جرأة، فمتظاهرو الأمس وجد أغلبهم طريقة أو أخرى ليحمل السلاح وينضم مع الفصائل التي كانت تقاتل جيش بشار أسد، فقتل من الطرفين خلق كثير. ورغم الدعم الذي قدمته طهران وموسكو، فقد استطاع الثوار أن يحاصروا قصر بشار حتى رأيناه يستقبل زواره في غرفة صغيرة في مبنى صغير. كما استطاع الثوار أن يعطلوا مطار دمشق عن استقبال الطائرات وإقلاعها. حتى أن وليد المعلم كان مضطرا للذهاب إلى بيروت ليطير إلى الوجهة التي يريدها لنقل رسائل بشار.

وعندما كان سقوط نظام بشار قاب قوسين أو أدنى، تحرك أوباما بنصيحة من مستشارة الأمن القومي سوزان رايس، وبتعليمات من اللوبي اليهودي لمنع سقوط بشار الأسد، بحجة دعمها الحل السلمي، رغم نصائح كل من الوزيرة كلينتون ووزير الدفاع ورئيس الأركان ورئيس الـ(cia) كي يسلح المعارضة السورية. رفض اوباما تسليح المعارضة السورية. يومها لم يكن زعيم «تنظيم الدولة» سوى مقاتل يقود مجموعات قليلة، وقد طالب أبو محمد الجولاني قائد جبهة النصرة ليتوحدا تحت مسمى «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش).

اليوم يبحث الكتاب العرب والأجانب مآلات الحل في سورية. فمنهم من يعلق آمالا على تدخل واشنطن لتفرض حلا سلميا تحت البند السابع، يبقي سورية مقسمة، وكل جهة تحكم ما تحت يدها من مدن بموجب الأمر الواقع. وآخرون يتوقعون أن ينقلب ضباط علويون على بشار أسد بعد أن قُتل منهم خلق كثير، فيأتلفون مع من تبقى من ضباط سنيين ألجأهم الراتب أو الخوف، إلى البقاء في جيش بشار. وبالمناسبة يعتقد هؤلاء أن واشنطن سترتب لانقلاب كهذا، وينسون أن واشنطن هي من دعم بقاء بشار حين اهتز كرسيه تحته من ضربات الثوار.

الأكيد أن الشعب الذي يعيش داخل سورية لن يرضى أن يتعايش مع من تسبب بقتل ربع مليون سوري. فلم يبق بيت إلا قتل من أهله واحد أو أكثر. والفصائل المقاتلة كلها صنفتها واشنطن تحت بند الإرهاب، وأي مقاتل يعرف أن إلقاء سلاحه يعني ذهابه إلى محكمة لاهاي ليحاكم بصفته إرهابيا.

يعتقد السوريون أن «تنظيم الدولة» وزعيمه أبو بكر البغدادي سيضمحل كسحابة صيف مهما عظم خطره. وأنه لا يستطيع أن يمتلك حاضنة شعبية تجعله يطمئن كأنه يعيش بين عشيرته، التي تدفع عنه تكالب أعدائه. أما الفصائل المقاتلة الأخرى بما فيها جبهة النصرة فستترسخ داخل محيطها لأن أفرادها جزء من الشعب السوري، وسيأتي يوم على بشار الأسد لينفض عنه مناصروه ويعودون إلى جبل العلويين. وحين يذهب إلى المطار ليغادر سورية فلن يجد الوقت كي يقول إلى لقاء، أما ما سيتبقى من كتائب علوية ناصرته، فلن يكون أمامها إلا الصلح مع الكتائب السنية المقاتلة، وعندها لن يكون لواشنطن ما تفعله إلا التسليم بما اتفق عليه السوريون.

قد يقول قائل هذه أضغاث أحلام، أما نحن فنقول هذا ما نعرفه عن سورية، قبل أن يفسد حافظ الأسد السلم الأهلي بين مكوناتها. قد يطول الأمر أو يقصر، لكن لا بد أن يدرك الجميع أن الحل يجب أن يأتي من الذين اكتووا بنار الحرب الأهلية، لا من واشنطن وطهران.

٭ كاتب سوري

===================

سرقة الثورات على الطريقة الرومانية .. د. فيصل القاسم

القدس العربي - السبت 6-12-2014

هناك نموذج مشؤوم للثورات الحديثة كان يجب على كل شعوب وثورات الربيع العربي أن تتعلم منه كي لا تقع في الحفرة التي وقعت فيها الثورة الرومانية الشهيرة في عام 1989، ففي نهاية ذلك العام وبعد حكم ديكتاتوري قل مثيله في التاريخ الحديث انتفض الشعب الروماني على الطاغية سيىء الصيت نيكولاي تشاوسيسكو الذي كان صديقاً حميماً لبعض الطواغيت العرب، وتمكن الثوار خلال أيام من إسقاط واحد من أحقر وأعتى الطغاة في القرن العشرين. وانتهت بمحاكمة الطاغية خلال ساعتين فقط بإطلاق الرصاص عليه وعلى زوجته.

لقد ظن الشعب الروماني أنه بعد التخلص من الطاغية أن ثورته قد نجحت، وأن نظام تشاوسيسكو قد ولّى إلى غير رجعة. لكن الثوار كانوا ساذجين للغاية، فقد كان لهم الحرس القديم، أو ما يسمى بالدولة العميقة بالمرصاد. فبعد أن ارتدى الديكتاتور الجديد ثوب الثوار، وامتدح الثورة، وهنأ الشعب على ثورته، راح من وراء الكواليس يخطط لانفلات أمني رهيب في البلاد، حيث ﺑﺪﺃﺕ ﻣﺠﻤﻮﻋﺎﺕ ﻣﻦ ﺍﻷﺷﺨﺎﺹ ﺍﻟﻤﺠﻬﻮﻟﻴﻦ ﻳﻬﺎﺟﻤﻮﻥ ﺑﻴﻮﺕ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻭﺍﻟﻤﻨﺸﺂﺕ ﺍﻟﺤﻴﻮﻳﺔ، ﻭأخذ ﺟﻨﻮﺩ ﺍﻟﺠﻴﺶ ﻳﺘﺼﺪﻭﻥ ﻟﻬﻢ ﺣﺘﻰ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﺭﻭﻣﺎﻧﻴﺎ ﻣﻴﺪﺍﻥ ﺣﺮﺏ، ﻣﻤﺎ ﺗﺴﺒﺐ في ﺇﺣﺴﺎﺱ ﺍﻟﻤﻮﺍﻃﻨﻴﻦ ﺑﺎﻟﻬﻠﻊ ﻭﺍﻧﻌﺪﺍﻡ ﺍﻷﻣﻦ. وﻣﻊ ﺍﻻﻧﻔﻼﺕ ﺍﻷﻣﻨي ﺍﻟﻤﺘﻌﻤﺪ وغياب الخدمات الأساسية، ﺍﺭﺗﻔﻌﺖ ﺍﻷﺳﻌﺎﺭ، ﻭﺃﺻﺒﺤﺖ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ في غاية الصعوبة والفوضى.

في هذه الأثناء، كان الإعلام ﺍﻟﺨﺎﺿﻊ ﻟﻠﻨﻈﺎﻡ يلعب ﺩﻭﺭﺍً ﻣﺰﺩﻭﺟﺎً، ﻓﻬﻮ ﻣﻦ ﻧﺎﺣﻴﺔ ﺳﺎﻫﻢ في ﻧﺸﺮ ﺍﻟﺬﻋﺮ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﺸﺎﺋﻌﺎﺕ ﺍﻟﻜﺎﺫﺑﺔ ﺍﻟﻤﺘﻮﺍﻟﻴﺔ، ﻭﻓﻰ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻧﻔﺴﻪ ﺭﺍﺡ ﻳﻤﻌﻦ في ﺗﺸﻮﻳﻪ ﺻﻮﺭﺓ ﺍﻟﺜﻮاﺭ. ﻭﺗﻮﺍﻟﺖ ﺍﻻﺗﻬﺎﻣﺎﺕ ﻟﻤﻦ ﻗﺎﻣﻮﺍ ﺑﺎﻟﺜﻮﺭﺓ ﺑﺄﻧﻬﻢ ﺧﻮﻧﺔ ﻭﻋﻤﻼﺀ يتلقون ﺃﻣﻮﺍﻻً ﻣﻦ ﺍﻟﺨﺎﺭﺝ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺇﺳﻘﺎﻁ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻭﺗﺨﺮﻳﺐ ﺍﻟﻮﻃﻦ. ومع ارتفاع حدة الهلع وعدم الاستقرار والإزمات الطاحنة، ﺗﺄﺛﺮ ﺍﻟﻤﻮﺍﻃﻨﻮﻥ ﺑﺤﻤﻼﺕ ﺍﻟﺘﺸﻮﻳﻪ ﺍﻹﻋﻼﻣﻰ، ﻭﺑﺪﺃﻭﺍ ﻳﺼﺪﻗﻮﻥ ﻓﻌﻼً ﺃﻥ ﺍﻟﺜﻮﺍﺭ ﻋﻤﻼﺀ. ﻭﻋﻨﺪﻣﺎ ﺃﺣﺲ ﺍﻟﺜﻮﺍﺭ ﺑﺄﻥ ﺇﻳﻠﻴﺴﻜﻮ ﻳﺴﻌﻰ ﻹﺟﻬﺎﺽ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ، ﻧﻈﻤﻮﺍ ﻣﻈﺎﻫﺮﺓ ﻛﺒﻴﺮﺓ ﺭﻓﻌﺖ ﺷﻌﺎﺭ: ﻻ ﺗﺴﺮﻗﻮﺍ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ…..ﻓﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﺇﻳﻠﻴﺴﻜﻮ ﺇﻻ ﺃﻥ ﻭﺟﻪ ﻧﺪﺍﺀ عبر شاشات ﺍﻟﺘﻠﻴﻔﺰﻳﻮﻥ ﺇﻟﻰ من أسماهم ﺍﻟﻤﻮﺍﻃﻨﻴﻦ ﺍﻟﺸﺮﻓﺎﺀ. (ﻻﺣﻆوا ﺗﻜﺮﺍﺭ ﺍﻟﺘﻌﺒﻴﺮ). ﻭﻃﺎﻟﺒﻬﻢ ﺑﺎﻟﺘﺼﺪﻯ ﻟﻠﺨﻮﻧﺔ، ﻭﻗﺎﻡ ﺇﻳﻠﻴﺴﻜﻮ ﺳﺮﺍً ﺑﺎﺳﺘﺪﻋﺎﺀ ﺁﻻﻑ ﺍﻟﻌﻤﺎﻝ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻨﺎﺟﻢ، ﻭﺃﺷﺮﻑ ﻋﻠﻰ ﺗﺴﻠﻴﺤﻬﻢ، ﻓﺎﻋﺘﺪﻭﺍ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺜﻮار، ﻭﻗﺘﻠﻮﺍ ﺃﻋﺪﺍﺩﺍً ﻛﺒﻴﺮﺓ ﻣﻨﻬﻢ.

لاحظوا أيضاً أن الطاغية الجديد أطلق على عصابته التي انقلبت على الثورة وسرقتها، اسم «جبهة الخلاص أو الإنقاذ الوطني» التي تكونت من قيادات الصف الثاني من الحزب الشيوعي الروماني المنحل. وقد عمدت الجبهة إلى إطلاق العنان لفلول النظام البائد، فبدأت بالجيش، وعقدت صفقات مع جنرالاته. ورغم إعلان الجبهة نيتها عدم خوض انتخابات 1990، وأنها غير طامعة بالسلطة أبداً وأن هدفها فقط إنقاذ رومانيا، إلا أنها أعلنت عن تأسيس حزب سياسي عند اقتراب موعد عقد الانتخابات، واستخدمت وسائل الإعلام الحكومية بكثافة – والتي كانت ما تزال تحتكر الفضاء الإعلامي في البلاد – وقامت بتعبئة الناخبين من خلال شبكات الحزب الشيوعي القديمة في الريف والحضر، فتمكنت الجبهة من حسم أغلبية مطلقة لصالحها في أول برلمان روماني بعد الاستقلال، وهو البرلمان الذي وضع دستوراً يطلق صلاحيات السلطة التنفيذية وخصوصا الرئيس. وفي 1992 عقدت أول انتخابات رئاسية خاضها إيون إليسكو رئيس جبهة الإنقاذ، وأسفرت عن فوزه بأغلبية مطلقة قاربت 85% من أصوات الرومانيين طبعاً عبر عميلة مزورة من رأسها حتى أخمص قدميها. فباتت رومانيا برلماناً ورئاسة في يد كوادر الحزب الشيوعي السابق التي تمكنت من إعادة إنتاج سلطتها بعد التخلص من تشاوتشيسكو، حسبما تذكر الموسوعة السياسية حرفياً.

لقد نجحت (جبهة الخلاص أو الإنقاذ الوطني) في إجهاض الثورة الرومانية بعد سنه ونص فقط من قيامها، وفقدت الثورة الكثير من التعاطف الدولي لها، بينما استمر فلول تشاوتشيسكو في السلطة لعشر سنوات بعد الثورة الشهيرة.

انظروا حولكم في بلاد الثورات العربية، وقارنوا ما حدث في رومانيا بما يحدث في بعض بلاد الربيع العربي، فستجدون أن الدرس الوحيد الذي نتعلمه من التاريخ أن لا أحد يتعلم من التاريخ، كما قال هكسلي ذات يوم.

وسلامتكم!

٭ كاتب واعلامي سوري

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com