العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 14-06-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

سوريا لكل السوريين… وإلا .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 6/6/2015

يقول ابن خلدون في مقدمته الشهيرة: «إن الظلم مؤذن بخراب العمران.. جباة الأموال بغير حقها ظلمة، و المعتدون عليها ظلمة، والمنتهبون لها ظلمة، والمانعون لحقوق الناس ظلمة،.. ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران». وكثيرون من الفلاسفة والحكماء غير ابن خلدون أكدوا على أن العدل هو أساس الحكم. ولو سارت الدول على هدي تعاليم ابن خلدون، لما اندلعت الثورات، ولما انهارت البلدان، ولما سادت الفوضى، وتقاتل الناس وتناحروا، وذبحوا بعضهم بعضاً كالأغنام.

لقد وصلت سوريا، وغيرها من البلدان إلى ما وصلت إليه من انهيار ودمار بسبب غياب العدل، واستئثار جماعة أو جماعات معينة بثروات البلاد وإدارتها وتسيير أمورها. لقد انعدمت المشاركة السياسية تماماً بسبب احتكار النظام لكل مقاليد السلطة، فاختفت النقابات والجمعيات والاتحادات وكل مظاهر المجتمع المدني الذي يردف عادة الحكومات، ويدعمها، ويخلق نوعاً من التوازن الاجتماعي والسياسي في البلاد. وكي لا يتهمنا البعض بأننا نركز في هذا المجال على سوريا دون غيرها من البلاد العربية، نقول لهم إن كل البلدان التي انهارت تعاني من نفس المرض السوري. وهناك بلدان عربية كثيرةً ستواجه المصير نفسه، طال الزمن أو قصر، لأنها باختصار لم تأخذ بنظرية ابن خلدون، أو لنقل بنظرية العدل الاجتماعي.

لقد شهدت سوريا تحديداً خراب العمران كما أسماه ابن خلدون. لماذا؟ لأنها لم تكن دولة لكل أبنائها، بل كانت تُدار بعقلية فئوية ضيقة، حتى لو كان من يديرونها من كل أطياف الشعب، فالعبرة ليست بمن يدير، بل بكيف يدير البلاد. لو كانت سوريا لكل أهلها، صدقوني لما وصلت لا هي ولا غيرها إلى هنا، ولما استطاعت كل مؤامرات الكون أن توصلها إلى هنا. فلو استخدم البعض كل أنواع التحريض الإعلامي والسياسي في أي بلد لكل أبنائه، لما نجح في تحريضهم على بعضهم البعض.

هل يمكن أن تحرض على ثورة في بلد مثل ماليزيا، كي لا نقول مثل السويد؟ بالطبع لا. لأن الدولة لكل أبنائها وليست لفئة ولا لفئات معينة، حتى لو كان هناك فئات أكثر حظاً من فئات أخرى، لكن في نهاية المطاف هناك مشاركة اجتماعية وسياسية عامة في إدارة الدولة دون تمييز مذهبي أو طائفي أو عشائري أو قبلي أو اجتماعي أو مناطقي. أما في سوريا، فقد استأثرت طبقة معينة في الهيمنة والسيطرة على البلاد والعباد منذ عقود بطريقة مفضوحة، وكانت ترد دائماً على أي تظلم اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي بسيط بالحديد والنار ظناً منها أنها تستطيع أن تقمع الناس إلى ما شـــاء الله.

لكن الناس في لحظة ما عندما تجد أنه لم يعد لديها ما تخسره، ستحرق الأخضر واليابس، وستزلزل الأرض تحـــت أقدام المستأثرين بالسلطة والثروة. وهذا ما حدث فعلاً، فكانت النتيجة كارثية على الجميع حكاماً ومحكومين.

صحيح أن الكارثة السورية غير مسبوقة في العصر الحديث، كما وصفتها الأمم المتحدة نفسها، لكن من شأن السوريين أن يعيدوا بناء بلدهم وتضميد جراحهم، مهما كانت غائرة ولو بعد حين، بشرط أن تكون الدولة السورية القادمة دولة لكل أبنائها دون أي استثناء، وإلا عدنا إلى النقطة التي أوصلتنا إلى الكارثة مرة أخرى. كل من يحاول إقصاء الآخرين على أساس اجتماعي أو ديني أو طائفي أو عرقي أو مذهبي سيواجه نفس المصير الذي واجهه نظام الأسد، وأدى إلى دمار البلاد وتهجير العباد.

لا نريد في سوريا القادمة أن يهيمن طرف أو فئة، لا أكثرية ولا أقلية، على بقية مكونات الشعب السوري. فقد أثبتت عملية الإقصاء والاجتثاث العراقية أنها كانت كارثية على العراق، ولو أصبح العراق لكل طوائفه ومذاهبه وأعراقه بعد سقوط النظام السابق، لما وصل العراق إلى هنا، ولما ظهرت المجاميع الإرهابية المتطرفة التي استغلت عمليات الإقصاء والاجتثاث لتمارس بحق العراق أفظع أنواع الإرهاب والخراب.

في عراق ما بعد صدام حسين، بدل أن يعاقبوا ويحاكموا فقط من تسبب بظلم العراقيين وقهرهم، عاقبوا طائفة صدام حسين بأكملها، فكانت النتيجة أنهم وضعوا نصف الشعب العراقي تقريباً في مواجهة السلطة الفاشية الجديدة، فتحول العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات والفوضى والاقتتال الطائفي والتناحر المذهبي والخراب العام. العقاب الجماعي في اي مكان سيخلق لك رد فعل جماعياً ساحقاً ماحقاً. لا تزر وازرة وزر أخرى.

من الغباء السياسي الشديد في أي بلد من البلدان أن تلغي أي طيف أو طائفة أو عرق أو أثنية من الحياة السياسية في البلاد. وإذا كان لا بد من محاكمة الذين تسببوا في إيصال سوريا إلى هذه الكارثة التاريخية، فلا يجب أن يكون العقاب جماعياً بحق أي مكون، بل فقط بحق الذين أجرموا بحق السوريين من كل الأعراق والطوائف والمكونات. ولو حاول البعض أن يمارس عقاباً جماعياً فهو يكون بذلك قد أعاد عقارب الساعة إلى الوراء، وأسس للانهيار والدمار من جديد.

سوريا الجديدة يجب أن تكون لكل السوريين دون أي استثناء عرقي أو مذهبي أو مناطقي أو طائفي أو قبلي. يكفي أن تحرم خمسة بالمائة من السكان من حقوقهم، أو تستعديهم أو تمارس التمييز ضدهم حتى يضعوا البلاد على كف عفريت. الحل الأمثل في سوريا المستقبل، إذا وصلنا إلى ذلك المستقبل المنشود، يكمن في صناعة مواطن سوري انتماؤه الوحيد للوطن، وليس لفئة أو طائفة أو جماعة أو جيش. عندما تصبح البلاد لكل أهلها، لن يتقاتل أهلها، ولن يقتلوا بعضهم البعض على الهوية الدينية أو الاجتماعية أو الطائفية القذرة، بل سينهضون ببلدهم عندما يعلمون أن لكل واحد منهم أسهماً في الوطن.

تصبحون على سوريا فيها أسهم للجميع.

تصبحون على سوريا لكل أبنائها.

======================

موقفنا : حول ما جرى في قرية (قلب لوزة) .. نستنكر القتل .. ونشجب التوظيف الطائفي الإجرامي .. وندعو إلى الالتزام والألفة ونتقدم بأحر مشاعر العزاء لأسر المصابين .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 11/6/2015

وكأنه لا يكفي الشعب السوري ما يقع عليه من قتل وتدمير وتهجير على يد عصابات الأسد وحلفائه المجرمين ، وكأنه لا يكفي السوريين القتلُ الأسدي ، الذي هو أقرب إلى حرب الإبادة التي تشن على جميع السوريين من جميع الأديان والمذاهب والأعراق والأعمار ؛ حتى تنضم إليها الأخبار التي وردت منذ أمس من قرية (قلب لوزة ) في ريف إدلب فهزت ضمائر السوريين ، ,وأقلقت نفوسهم ، وزادت معاناتهم ، وصبغت الأفق أمام أعينهم بلون قاتم لا يبشر بكثير من الخير ، وفتحت الباب للمزاودات الطائفية أمام قوى محلية وإقليمية ، كان شيمون بيريز الإسرائيلي أبرز المزاودين فيها !!

 وبدون الدخول في أي من التفاصيل حول ما جرى .. فإننا نستنكر ونشجب أن يكون السلاح هو الوسيلة الأقرب لحل أي نوع من الخلافات بين الناس . وإذا كان بشار الأسد قد ألجأ السوريين بحماقاته إلى السلاح فإن أحدا من العقلاء لا يجوز أن يقتدي به أو أن يسير على طريقته . لتبقى العقول والقلوب عند أولي الألباب والنهى هي الوسيلة الطبيعية لحل كل أشكال الخلاف بين بشر أسوياء في تكوينهم طبيعيين في جبلتهم .

وكذا فإننا نستنكر كل أشكال القتل النزق ، القتل المستهتر ،الذي يمتد في لحظات من الانفعال ليحصد أرواح العشرات من الناس ، ونراه هو الآخر جريمة أخرى مستنكرة ومدانة يجب على الذين يقدمون أنفسهم بديلا للظالم المستبد الفاتك المبير أن يترفعوا عنها ، وأن يقدموا لكل العالم أنموذجا متميزا من النبل والسمو والحكمة ..

لم تكن الثورة السورية ، كما أرادها ويريدها أبناء المجتمع السوري مشروعا للقتل، بل لقد كانت ثورة على من احترف القتل . بل لقد كان ثوارها أبدا من الذين (( لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا )) ، فكيف تمتد الأيدي إلى مهج الناس وأرواحهم بالطريقة التي تابعنا ، والتي تعطي الظالم المستبد وكل المتربصين بهذه الثورة حول العالم ذرائع التوظيف والتشهير ..

إن استنكارنا لاعتماد السلاح وسيلة لحل المشكلات التي ستواجهنا عند كل منعطف ، والتي يمكن أن تحل بغيره ؛ شرعي إسلامي مبدأي وموضوعي . وكان معاوية رضي الله عنه يقول ( إن لا أضع سوطي حيث تبلغ كلمتي ، ولا أضع سيفي حيث يبلغ سوطي ) . في الشخصية المعجونة بالعدل والبر يبقى دائما للعقل وللقانون دورهما في احتواء المواقف وحل النزاعات .

إن استنكارنا لما نعتبره جريمة قتل واستهتار، لا يمكن أن تسوغها أي ذرائع يحاول البعض أن يختبئ وراءها ؛ لا يقل عن استنكارنا لجريمة أولئك الطائفيين الذين يحاولون أن يوظفوا الواقعة الشاذة المنفردة لتشويه وجه الثورة الجميل ، وإرادة رجالها في الإصلاح دون الفساد ، وفي حرصهم على صون العدل وحماية الحياة .

إن مجتمع الألفة والمحبة والتواصل هو الذي خرجت هذه الثورة تدعو إليه . كما إن كرامة الإنسان وصون دمه وعرضه وماله هي المقاصد الأساسية لشريعة الإسلام . وإننا لنتطلع إلى ترجمة عملية لكل الأدبيات الجميلة التي تعلمناها من سير الصحابة الكرام والقادة العظام في القسط والبر والوفاء ...

ولا نملك في هذا المقام إلا أن نتوجه بأحر مشاعر العزاء لأسر الضحايا من جميع المواطنين في قرية قلب لوزة ، كما ندعو بالشفاء العاجل للمصابين . منددين بكل محاولات التوظيف والتهييج الطائفي في الوقت الذي تحرز فيه الثورة السورية انتصاراتها في منطقة السويداء وجبل العرب الأشم بشكل خاص .

لندن : 23 / شعبان / 1436

11 / 6 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

داعش».. الهدف الأول! .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 7/6/2015

مما لا شك فيه أن الانتصارات التي حققتها مؤخرًا تشكيلات المعارضة المسلحة في الشمال والجنوب قلبت الواقع الميداني في سوريا، ففي الجنوب تم صدّ هجمات قوات الأسد وتحالفها مع إيران وحزب الله، ثم انقلب الرد إلى هجمات مضادة، انتهت إلى إخراج قوات النظام من بصرى ومعبر نصيب الحدودي مع الأردن، بينما قامت قوات الشمال بإخراج قوات الأسد من إدلب ومن جسر الشغور وأريحا وما بينهما، لتصير إدلب المحافظة السورية الأولى، التي لا يوجد النظام إلا في جزء محدود منها.

وبين معارك الشمال والجنوب، تجري المعارك متواصلة في القلمون، حيث يسعى النظام بمؤازرة قوية من ميليشيات حزب الله للسيطرة على المنطقة، والقضاء على تشكيلات المعارضة المسلحة هناك، وهو هدف ما زال حاضرًا وملحًا منذ التدخل الواسع لحزب الله في المنطقة في عام 2012، لكن دون نتيجة ملموسة، رغم الصعوبات التي أحاطت بواقع التشكيلات المسلحة للمعارضة هناك، ولا سيما لجهة وجودها في منطقة شبه مغلقة، ونقص الإمداد والدعم اللازمين في المجالات كافة.

وسط الواقع الميداني الجديد، يدور نقاش حول المناطق، التي ينبغي أن تذهب إليها تشكيلات المعارضة المسلحة في المرحلة المقبلة. البعض يقول بضرورة ذهابها في الجنوب باتجاه دمشق لحصار الأخيرة باعتبارها المعقل الرئيس لنظام الأسد، بينما يقال في الشمال إنه ينبغي التوجه باتجاه اللاذقية باعتبارها الموقع الأهم رمزيًا بالنسبة إلى النظام، أو إلى حماه، التي ينبغي التوسع باتجاهها في المسار نحو حمص في وسط سوريا، لمنع النظام من الذهاب إلى مشروع كانتون يخصه، جرى التلميح إليه من أوساط مقربة فيه وحليفة له، أساسه تركيز سيطرته على دمشق، وامتدادًا إلى حمص وحماه، ثم طرطوس واللاذقية، ليشكل فيه كيانًا تحت سيطرة الأسد.

والملاحظ في كل الأطروحات غياب توجه المعارضة نحو المناطق التي يسيطر عليها «داعش» ولا سيما في الرقة، التي صارت عاصمة التنظيم، وريف حلب الشمالي، وهو هدف يستحق التفكير الجدي لاعتبارات مختلفة، بعضها استراتيجي والبعض الآخر مرحلي، لعل الأهم في الاعتبارات الاستراتيجية يكمن في الاختلاف الجوهري بين «داعش» وتشكيلات المعارضة المسلحة، وهو اختلاف يشمل الأهداف - حتى لو تقارب بعضها - وطبيعة التنظيم الموصوفة بالتطرف والإرهاب، وعلاقاته بأجهزة النظام الأمنية وأخرى إقليمية، وممارساته الدموية المتشددة. أما في الجانب المرحلي فالأهم فيها سعي التنظيم للتوسع في المناطق الشمالية الشرقية شاملاً أجزاء من ريف حلب والرقة وبعضًا من الحسكة وأغلب دير الزور، وتوجهه نحن الامتداد إلى الوسط في ريف حماه وحمص الشرقيين وصولاً إلى تدمر، في وقت يجري فيه الحديث عن احتمال توجه ميليشيات «داعش» نحو الجنوب باتجاه اللجاه والسويداء، مما يجعل من شرق سوريا مشروع «كانتون داعشي» يتصل مع عمق كبير في غرب العراق شاملاً الموصل والرمادي في محافظة الأنبار، وهذا المشروع إذا تم فسيكون الموازي لمشروع النظام في كانتونه السوري، مما يعني اقتسام سوريا ما بين النظام و«داعش».

وباستثناء سعي التنظيم إلى التمدد والانتشار، فلا بد من ملاحظة مساعيه المستمرة للقيام بخروقات وممارسات، هدفها إضعاف التشكيلات المسلحة للمعارضة في جبهات القتال، كما في المناطق المحاصرة والخارجة عن سيطرة النظام عبر ثلاث من الممارسات، أُولاها إقامة مراكز للتنظيم وتأسيس خلايا نائمة في معظم المناطق، والثانية القيام بتصفيات لقادة وعناصر في التشكيلات المسلحة في الغوطة الشرقية ومحيط دمشق، والثالثة مهاجمة بعض التشكيلات المسلحة، كما حدث في القلمون مؤخرًا بالتزامن مع هجوم النظام وحزب الله هناك، وفجرت هذه الممارسات صدامات واشتباكات بين التنظيم وكثير من تشكيلات المعارضة المسلحة وخصوصا في القنيطرة ودرعا ودمشق والغوطة والقلمون.

وسط هذه المعطيات، يبدو من الضروري توجه تشكيلات المعارضة المسلحة للقتال ضد «داعش» دون نسيان أن هدفها الرئيس هو النظام وحلفاؤه ولا سيما الإيرانيين إلى حزب الله والميليشيات المماثلة، وقد تكون حلب قاعدة انطلاق المواجهة مع «داعش» بحسم وجود النظام الجزئي فيها، والانتقال شرقًا نحو الريف وباتجاه الرقة معقل التنظيم الرئيسي، هذا على جبهة الشمال، والتي يمكن أن يوازيها في الجنوب استعداد جدي للاستمرار في محاصرة التنظيم جنوبًا في القلمون والغوطة ودمشق ودرعا، بالتزامن مع مواجهة احتمالات مجيء ميليشيات «داعش» إلى اللجاة والسويداء، وتدميرها قبل أن تتمركز في المنطقة.

والتوجه نحو مواجهة ميليشيات «داعش» لا تعني فقط مواجهة مشروعها الظلامي في سوريا، وهو الأمر الأهم، بل تعني إضافة إلى ذلك تعزيز المواجهة مع نظام الأسد وحلفائه الذين يتواطأون مع التنظيم، ويشيطنون في الوقت ذاته المعارضة السورية وتشكيلاتها المسلحة بربطها بصفة التطرف والإرهاب، التي يحملها التنظيم عن جدارة، ويتم استغلالها لإعادة تسويق النظام وتبرير ممارساته الدموية والتدميرية ضد السوريين، ويضاف إلى ما سبق أن المواجهة مع «داعش» تعزز فرص دعم إقليمي ودولي للمعارضة السورية عمومًا ولتشكيلاتها المسلحة على وجه الخصوص في انخراط واسع وفعال في الحرب على الإرهاب والتطرف شاملة نظام الأسد وحزب الله و«داعش» في آن معًا.

ولعله لا يحتاج إلى تأكيد أن توجه التشكيلات المسلحة لقتال «داعش» ونظام الأسد وحزب الله معًا يتطلب تحولات نوعية سياسية وتنظيمية وعسكرية عميقة لدى المعارضة السورية، تتوفر اليوم أساسياتها في المستويين الداخلي والخارجي، ويمكن أن تتطور في ضوء الرغبة المشتركة للجميع في خلاص سوريا الذي بات يحتل مساحة أكبر في اهتمام الداخل، وفي المحيط الإقليمي عبر ما يحدث من توافقات وتقاربات سياسية، والدعم اللوجيستي للمعارضة السورية المسلحة بما فيه دعم تنظيمها وتدريبها والتوجه لحمايتها سواء عبر غطاء جوي يمنع طيران النظام من استهدافها ومناطقها، أو من خلال إقامة منطقة آمنة تحقق الهدف ذاته.

======================

بين «داعش» و «النصرة»... .. حسن شامي

الحياة

الاحد 7/6/2015

إذا جمعنا الاتهامات التي تتبادلها قوى المحاور المتصارعة والمتنافسة بالوقوف خلف «داعش» حصلنا على خلاصة مذهلة: الكل مع تنظيم «داعش» والكل ضده في آن. وقد تكفي مثل هذه الخلاصة لتشخيص حال من الهذيان تعصف بالمنطقة على إيقاع استنفار متعاظم لمختلف أنواع العصبيات.

والاستنفار هذا يغذي ويتغذى، شعورياً أو لا شعورياً، من تصدّع الأبنية والأطر الوطنية للكيانات الموروثة عن خريطة سايكس - بيكو. ومع أن دوامة المواجهات الدائرة تضخ الكثير من عوارض هذيان وشطط مستفحلين، فإن الحديث عن جنون وبائي يبقى، على أهميته، رواية من بين روايات أخرى.

قد يكون أقرب إلى الصواب أن يقال إن الكل يناور مع داعش والكل يناور عليه. وهذا ما يفعله هو أيضاً، على ما يبدو. فهناك تحالف دولي يفترض أنه عريض وتقوده الولايات المتحدة ضد «داعش». والملاحظ أنه كلما ازداد الحديث عن الحرب الدولية مقروناً بغارات جوية تستهدف مواقعه ازداد تقدمه ميدانياً ليس في سورية والعراق فحسب، بل كذلك في ليبيا إضافة إلى استهدافه مسجدين شيعيين في السعودية. لقد استولى التنظيم مؤخراً على مدينة تدمر السورية الأثرية وعلى مدينة الرمادي العراقية، ورأى مراقبون كثر أن هذا الاستيلاء لم يكن ضربة حظ بل يندرج في مشروع لرسم خريطة دولة موقتة ذات إقليم متصل يخترق حدود الدولتين. ولكن ما هو هذا التنظيم الذي اقتحم، مثل نيزك لفظته السماء أو زلزال صاعد من جوف أرضي، المشهد المعقد والشديد الاضطراب سورياً وعراقياً. هل هو اتحاد قوى تحمل جروح ورضوض أجسام اجتماعية تعرضت لتهميش وإذلال قاسيين؟ هل هو مافيا جهادية معولمة بالنظر إلى أن حوالى ستين في المئة من مقاتليه هم من خارج العراق، بحسب تقديرات تداولها المجتمعون في باريس قبل أيام قليلة؟ هل هو تجمع لعصابات تحركها من خلف الستار شبكات وقوى تعمل في الظل والخفاء؟ هل هو أيضاً خليط من هذا كله؟

يحار كثيرون في تعريف «داعش» وأمثاله من مشتقات «القاعدة» والسلفيات الجهادية. وتعود هذه الحيرة المعرفية، منذ نشأة تنظيم «القاعدة» في الأقل، إلى صعوبة تحديد العلاقة بين مجموعات جهادية تؤمن بضرورة اجتراح دور بطولي في مواجهة منظومات قوية ومتعجرفة وبين الإسلام كمصدر لشرعية الجهاد.

والصعوبة تتعلق بفكرة الجهاد نفسها وبحمولتها الملتبسة. فهل في خلفية الدعوة إلى الجهاد وإلى تطبيق الشريعة تصور جدي عن مكانة مطلوبة للإسلام في العالم الحديث، والمتشابك على نحو غير مسبوق، كي يساهم كقيمة تبادل ثقافي في صياغة قيم إنسانية عالمية، أم أن الدعوة هذه هي مجرد لافتة لاستقطاب أفراد ضاقت بهم السبل بحيث يسهل استخدامهم من جانب مشغّلين لا تعوزهم الصلافة. في هذه الحالة لا يكون للصفة الإسلامية سوى قيمة استعمالية سبق لقوى دولية اختبارها أيام الحرب الباردة لمكافحة الشيوعية وما يقرب منها. إذا شئنا مقاربة الظاهرة من الناحية السيكولوجية فلن يكون صعباً تشخيص البؤرة النفسية التي تصدر عنها سلوكات السلفيين الجهاديين. بل حتى يمكن تقديم السردية الجهادية، وإن باختزال، على النحو التالي. الأقوياء يسيطرون على الضعفاء بواسطة تهديدهم بتحطيم حياتهم والتحكم بلقمة عيشهم. قد يكون الأقوياء حكاماً مستبدين ومتغوّلين وفئويين وقد يكونون منفذي سياسات دولية أكثر تعقيداً والتواءً. في كلا الحالين يقول الجهادي الجديد: هذه الحياة التي تهددوننا بتحطيمها ما عدنا نريدها، بل حتى سنطلب، نحن، الموت لنا ولكم. وسنستعرض تحدينا لكم ونفصح عن عدائنا عبر تظهير أقصى ما يمكن من العنف لإرهابكم. ماذا يسعكم أن تفعلوا في هذه الحالة وبم ستخيفوننا؟

يبدو أن هذا التظهير للطاقة المكتومة يجتذب أفراداً لا يستهان بعددهم ما داموا يتحدرون من بيئات مرضوضة على غير صعيد. على أن إشهارهم لقلة تعلقهم بالحياة لا يجعل منهم مجرد راغبين في الموت. بل هو على العكس طموح إلى الاستيلاء على الحياة كما لو أنها غنيمة. والقطيعة مع الحاضر إنما هي للاستحواذ عليه بكامله. والسلف الذين يقتدون بهم لا يقيمون في ماض تاريخي بل في لحظة تأسيس افتراضية. وهذا الوعي القيامي يحتمل تنويعات هي أقرب إلى اصطناع تمايزات بين أمراء حرب يتقاسمون صورة الفتوة كمثال للحياة التي تستحق وحدها أن تعاش.

هذا ما يمكن أن يستفاد من كلام قائد أو أمير «جبهة النصرة» في سورية أبو محمد الجولاني في الحلقة الثانية من المقابلة التي أجرتها معه «قناة الجزيرة». وما يسعى إليه هذا الأخير هو تجميل صورة تنظيم القاعدة في بلاد الشام لمواكبة محاولات إقليمية لتعويم نشاطه وتثبيت حضوره السياسي وسط الفوضى العارمة التي تلتهم الأخضر واليابس. فهو استفتى، بحسب ما يقول، العلماء وأقروا بشرعية عمله، الأمر الذي لا ينطبق على منافسه أبو بكر البغدادي. ورأى أن «الإخوان المسلمين» «انحرفوا» عن النهج الشرعي لأنهم سايروا فكرة الدولة المدنية والوصول إلى السلطة من طريق الانتخابات. وأقر الرجل بأن ثلاثين في المئة من مقاتليه هم من الأجانب، من «المهاجرين» بحسب عبارته المستقاة من فترة بدايات الدعوة وتأسيس الجماعة الإسلامية الأولى. وهو لا يريد استدراج إيران إلى المواجهة كما فعل أبو مصعب الزرقاوي بل قطع أذرعها في المنطقة. ويأخذ على «داعش» عدم التزامه بطلب أمير «القاعدة» أيمن الظواهري عدم مهاجمة الأسواق والحسينيات. لكن «داعش» قام بعمل جيد في العراق. يبقى ان القتال بين التنظيمين الجهاديين المتنافسين هو ما يترجح في العلاقة بينهما. سخر الجولاني من المعارضة الخارجية التي لا وزن لها إلا في الفنادق والإعلام فيما تشكل «جبهة النصرة» قوة المعارضة الميدانية الأولى. وهاجم الغرب وحكوماته وحكام دول الخليج الذين وصفهم بالانصياع لإرادة الغرب.

نحن أمام نماذج لتصورات قيامية قابلة للتوالد داخل الفرقة الواحدة مما يعد بحروب مفتوحة لا تبقي ولا تذر. وإذا كان الشطح هو ما يسم هذه التصورات فإن الهذيان هو ما نجده في أدبيات إعلامية ودعوية صادرة عن أوساط تزعم العقلانية. ترشيق «النصرة» قرينة كافية.

======================

حديث أملاه الغلو .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 7/6/2015

كان من الصعب على أي منصف رفض جبهة النصرة التي دانت، في حديث قديم لأميرها أبي محمد الجولاني، غلو داعش وتفرغها لقتال من يقاتلون النظام الأسدي. وكان من الصعب انتقاد النصرة، بعد أن تعهد أميرها الجولاني، في حديثه ذاك، بالخروج من سورية، لأن هدفها ليس السلطة، بل الجهاد لوجه الله ودفاعاً عن دينه، ولأنها تقبل ما سيختاره الشعب بحرية، أي انتخابياً، وتتعهد أن لا تفرض عليه نظاماً لا يريده. 

غادر الأمير في حديثيه مع "الجزيرة" موقفه من الغلو، ومن السلطة، والانتخابات، والآخر. وباغت مستمعيه بجبهة نصرة جديدة لا تقل غلواً عن القاعدة، سواء في مواقفها من الآخر والمختلف، أم من مستقبل سورية، حيث جعل الأمير إلزام بقية المسلمين، وغيرهم من مكونات الشعب السوري، بحكمه الشخصي وعداً غير سياسي، إلهيا ومقدساً، ليس بين قضاياه جميعها قضية واحدة مطروحة للنقاش، أو منفتحة على رأي آخر، ولو أخذنا، على سبيل المثال، ما قاله عن العلويين، وتوقفنا عن اعتبارهم غير مسلمين، وقوله إنه لن يقاتلهم إن عادوا إلى قويم الدين، وإذا لم يقاتلوه وانفكوا، في الوقت نفسه، عن بشار الأسد، لوجدنا أنفسنا أمام معادلةٍ شديدة الغلو، كيفية ومرعبة، فبينما يوافق معظم السوريين على توقف العلويين عن القتال والانفكاك عن الأسد، يعتبر مطلب عودتهم كغير مسلمين إلى الدين الإسلامي غير منطقي أو مقبول، فكأنه يقدّم، منذ الآن، الذريعة الضرورية لذبحهم كمرتدين، في تقليد لـ "داعش"، لطالما رفضه هو نفسه في الماضي، حين ألزم نفسه باحترام عقائد واختيارات غير المسلمين، فما معنى اعتبار ملايين المسلمين رافضة ومرتدين، وإعلان توبتهم، أي اعتناقهم مذهبه، شرط عدم مقاتلتهم... وقتلهم؟

يتجلى غلو "الفاتح الجولاني" في نقده جماعة الإخوان المسلمين الذي ينصبّ، أساساً، على قبولهم النظام الانتخابي، البرلماني، والدستور. لا يرى قائد القاعدة في الانتخابات طريقة للتعبير عن رأي الشعب الذي يسمونه بالمصطلح الديني "الأمة"، ويتحدث وكأنه لا حاجة لمعرفة رأيه، لأن رأي المسلمين معروف، وهو، بكل اختصار، تطبيق شرع الله، كما يقرره أمير مجاهدي القاعدة بطبيعة الحال. أما الدستور فهو ملعون مرذول، ما دام سيبلبل المسلمين الذين لا يحتاجون إليه، بما أن وظيفته الوحيدة إبطال دستورهم الوحيد، القرآن الكريم الذي من الكفر تطبيق أي دستور غيره، ليس فقط لأن فيه علوم الأولين والآخرين، بل كذلك لأن المسلمين بلغوا أوج مجدهم في الأزمنة التي طبقوه خلالها، كما أكد الجولاني، فالعودة إليه ملزمة شرعاً، ومن الكفر السماح بأن يخالطه رجس دنيوي: دستوراً كان أو انتخابات وبرلمانات أو ديمقراطية أو أحزاباً ... إلخ.

أفهمنا الجولاني أنه يعرف نص ومعنى كل ما أراد الله قوله للبشر، وأنه لا مشكلة إطلاقاً في تطبيق النص الإسلامي، وتحدث وكأن للإسلام معنى حصرياً هو الذي يراه هو، ثم، وبعد دقائق، أرجع خلافه مع " داعش" إلى اختلاف ممارستهما الإسلام.

هل جنح الجولاني إلى الغلو، ليكبح اكتساح "داعش" الساحة الجهادية، على حساب القاعدة؟ أم فعل غلواً، كي يوقف مطالبة أطراف في الجبهة بفك علاقاتها مع القاعدة؟ أم أنه أراد مواجهة الاختراقات الداعشية لجبهته، ووقف تدفق مقاتليه على "داعش".

لا أعرف إن كان سينجح في مسعاه القاعدي/ الجبهوي الخاص، لكنني أعتقد أنه خسر عددا كبيرا من السوريين الذين طالما تعاطفوا معه، وأفهمهم اليوم أنهم كانوا مخطئين.

======================

متى يخرج الغرباء من سورية؟ .. نادية خلوف

العربي الجديد

الاحد 7/6/2015

وظيفة الجيوش هي حماية الدّول من الاعتداء الخارجي، لكي يتمتّع البلد بالأمن والاستقرار.  هل مارس الجيش السّوري وظيفته هذه؟

شهود عيان من الضّباط الذين شاركوا في حرب تشرين، وساهموا في إنقاذ مئات الجنود السوريين من الأسر، بعد تفجير الدّبابات الإسرائيليّة التي كانت تقبع فوق ملاجئهم، تمّ تسريحهم من الجيش.

حتى لو أردت أن تكون جندياً في الجيش العربي السّوري، يجب أن يكون لك سند من ضابط ما، فالجندي السّوري ذهب إلى الجيش، من أجل أن يعيل أسرته، وهو يعيش على الكفاف، أما المجنّد الإجباري، فقد يعود إلى أهله ميتاً، لأنّ ذلك الضّابط رغب في عقابه.

كلما علت المرتبة كان الوصول إليها أصعب، ويجري الصّراع على المراتب العليا، وتتمّ تصفيّة بعضهم، حتى لو لم يخطئوا.

اليوم لم يعد يوجد جيش في سورية، ولولا المساعدة الإيرانيّة الروسيّة، لم يكن ليوجد حتى عتاد. أصبحت المليشيات هي التي تحارب، مثل مليشيا حزب الله، أو أصبح الجيش السّوري يشارك بعض المليشيات الكردية، والآشورية السريانية المسلحة، كي يتمكّن من الاستمرار في الجزيرة السّوريّة العليا.

سورية تحكمها المليشيات، وكلّما زادت قوة المليشيا ماليّاً استطاعت جذب الشّباب إليها، أولئك الشّباب الذين يبحثون عن القوة والمال، وبعضهم يكون متطوّعاً بهدف الانتقام، بعد أن فقد أملاكه، وأفراد عائلته.

يتبارى الشّباب في الوصول من أوروبا إلى سورية، للالتحاق بتنظيم الدّولة الذي تغلغل اسمه بين الشباب الأوربي المسلم، كألبانيا، وكوسوفو، ودول يوغوسلافيا السّابقة، علماً أن هؤلاء لا يعرفون الكثير عن الإسلام.

السّؤال: هل ستزداد المليشيات في سورية، أم يمكن لتنظيم مثل "الدّولة الاسلاميّة" أن يحتويها جميعاً كما احتوى قيادي تنظيم القاعدة في باكستان؟ وهل من الممكن أن يقيم تنظيم الدّولة خلافة مستقرّة على أرض سورية والعراق؟

لم يأتِ داعش من فراغ، حاضنته موجودة في أغلب الدّول العربيّة، حيث أفرز ظلم الحكام تنظيمات متطرفّة، تسعى إلى تشكيل دولة إسلاميّة وتحلم بها، وهذا ما يجعل الهجرة المسيحيّة تكاد تكون كاملة، هم يستبقون وصول التنظيم إلى حدودهم، وقد وصل، فعلاً، إلى الرّيف الآشوري في الحسكة، حيث تهدّمت الكنائس، ورحل النّاس عن أماكنهم.

المنطقة العربية تغلي، والوضع السّوري هو الحاسم في استقرار المنطقة، لو تمكّن السّوريون من وقف حرب العالم على أراضيهم، لعمّ الاستقرار المكان، وأين لهم أن يتمكّنوا، وذلك التّكاتف العالمي الذي يسعى إلى تدمير سوريّة حضارة، وإنساناً؟

هذه الحرب التي تعنوَن بالحرب السّنيّة الشّيعية، والتي بدأت في سورية بقتل أطفال درعا، هي حرب فارسية، تخوضها تحت شعار نصرة الحسين، مستغلّة العواطف الشّعبية، والمناطق الشيعيّة في سورية والعراق ممسوكة جيداً من حزب الله الإيراني في لبنان وسورية، والمليشيات الشيعيّة في العراق، وهي تحكم قبضتها جيداً على مناطق نفوذها، ومن يخالفها تتم تصفيته.

فقط يمكننا أن نراقب ونتساءل: سورية إلى أين؟ ومتى سيرحل الغرباء عن سورية؟

======================

عن الاستثمار في «داعش» .. أكرم البني

الحياة

الثلاثاء 9/6/2015

الكل يحذّر من «داعش»، والكل يتبرأ منه، وما من طرف إلا ويضع المسؤولية على الآخر في ولادة هذا التنظيم ومدّه بأسباب القوة والدعم، إما كصنيعة غربية أميركية وإما كسلاح خلقته إيران وحلفاؤها، وإما كأداة طيّعة بيد تركيا وأنظمة عربية! وإذ يدّعي هذا الكل محاربة «داعش»، لا تبدو هذه الحرب جدية بل هزيلة النتائج، ولا يزال تنظيم «دولة الخلافة» يتقدّم، على رغم وفرة أعدائه وحيازتهم أرقى أنواع الأسلحة وأشدها فتكاً، ويسيطر على مدن ومحافظات بأكملها، يدمّر مخزون الحضارات، يهجّر السكان ويقتل الأبرياء، ما يثير السؤال عن غرض هذه الحرب، أهي لهزيمة «داعش» فعلاً أم لتحجيمه فقط، وهل ثمة مصلحة مشتركة لكل أعدائه في استمرار هذا «الشر المطلق»، والاستثمار فيه لجني ما يمكن من المكاسب والفوائد؟!

الاستثمار الأميركي والغربي في «داعش» باتت عناوينه واضحة، فلا يخطئ من يربط العودة المظفّرة للعصا العسكرية الأميركية إلى المشرق العربي بتقدّم خطر هذا التنظيم وما يرتكبه من فظاعات، أو من يرى دور المعارك ضد «داعش» في استجرار مزيد من السلاح وتحريك إنتاج الشركات الحربية الأميركية التي كانت تعاني من ركود لافت، ولا يجانب الصواب من يعتقد بتوظيف «داعش» غربياً لمحاصرة النفوذ الإيراني واستنزافه في المشرق العربي وإجباره على تقديم مزيد من التنازلات في الملف النووي، مثلما يصيب من يجد أن الاستثمار الأهم هو تحويل أرض دولة الخلافة إلى بؤرة جاذبة للقوى الجهادية كافة، ولعل التسهيل المريب لسيطرة «داعش» على مساحات واسعة من سورية والعراق، غرضه توفير حافز متميز يشجع جهاديي أوروبا وأميركا على الهجرة الى «مقتلهم»، ولا يغيّر هذه الحقيقة ما يثيره الغرب من قلق حول هجرة مواطنيه الإسلامويين وعودتهم مزوّدين بخبرات عسكرية قتالية، فالصورة على العكس تماماً، والحقيقة تقول إن أهم البلدان الغربية تشجّع ضمناً هذا الخيار وترعاه أمنياً كي تكشف مزيداً من الخلايا الجهادية النائمة وتطهّر البلاد من خطرها، مستندة إلى إجراءات مشدّدة تبدأ بالاعتقال لمدد طويلة ولن تنتهي بما تثيره بعض البرلمانات الغربية من مشاريع تقضي بسحب الجنسية من كل من التحق بدولة الخلافة.

أصابع الاتهام توجّهت مع ظهور «داعش»، إلى إيران والنظام السوري ربطاً بمصلحتهما في استثمار التطرف الإسلاموي لتشويه الثورات العربية وإثارة الفوبيا الغربية من الجهادية المتشددة، وتالياً تشجيع القبول بهما دولياً كأهون الشرور، وبهذا الصدد أثيرت الشكوك حول إطلاق سراح مئات المتطرفين من سجون العراق وسورية، وتمكينهم من التغلغل في صفوف الحراك الشعبي ودفعه صوب السلاح والعنف، وحول التواطؤ مع «داعش» لاستنزاف قوى المعارضة ومواجهة فصائلها المسلّحة المعتدلة، وحول تسهيل سيطرته بداية على بعض المناطق العراقية ومدينة الرقة السورية. وفي المقابل، مع التطورات العسكرية الأخيرة، أثيرت الشكوك حول انقلاب السحر على الساحر وتحوّل «داعش» صوب أجندته الخاصة أسوة بتحوّل بن لادن من صنيعة أميركا إلى أشدّ أعدائها، والقصد احتمال خروج «داعش» عن سيطرة الراعيين الإيراني والسوري بعد اجتياحه الموصل وطرقه أبواب بغداد واستيلائه على أهم مناطق ريف سورية الشرقي ومدينة تدمر، منتزعاً مواقع مهمة من النظامين السوري والعراقي، كمطارات وثكنات عسكرية ومنشآت اقتصادية أضعفت بلا شك قدراتهما العسكرية الميدانية.

تركيا تستثمر في «داعش» وتغضّ النظر عن سيطرته على القرى الممتدة على طول الشريط الحدودي، لأنها صاحبة مصلحة في إجهاض الحضور العسكري الكردي في سورية، ومحاصرة تأثيره السلبي في أمنها ومسار التسوية مع حزب العمال الكردستاني، وفي الطريق توظيف أخطار «داعش» والحملة الدولية ضده لتشديد مطالبتها بإقامة منطقة آمنة تمكّنها من التحكّم بالنفط في شمال البلاد وشرقها، وتمنحها حصة مجزية من المستقبل السوري.

ثم أليس من مصلحة بعض الأنظمة العربية الاستثمار في «داعش» لقطع الطريق على مشروع الهلال الشيعي وإشغال نفوذ إيران في المشرق ومحاصرته، وتالياً الضغط على طهران لتمرير تنازلات سياسية في سورية والعراق ولبنان؟! وأيضاً ألم تستثمر بعض الأصوات الكردية هجوم «داعش» على كردستان العراق وعين العرب كي تتعالى مطالبتها بالاستقلال القومي؟! أولا يعني الكثير لما يسمى الإسلام السياسي المعتدل الاستثمار في «داعش» والطعن بارتكاباته الوحشية لتسويق نفسه كخيار مقبول في أوساط الرأي العام العربي والغربي؟!

والحال، تتضافر أسباب ثلاثة في تفسير تحوّل تنظيم «داعش» إلى مركز للاستثمار من جانب قوى وأطراف تعادي بعضها بعضاً.

أولاً، انحطاط الصراع السياسي نحو أتون عنف مفرط وتنابذ طائفي بغيض، زاد الطين بلة استمرار ظواهر التمييز والقهر ضد العرب المسلمين السنة في المشرق العربي، واستبعادهم عن المشاركة في إدارة شؤونهم وبناء مستقبل أوطانهم، ما أفضى إلى اتساع الفئات المهمّشة والمحتقنة مذهبياً، وشكّل تربة خصبة مدّت «داعش» بأسباب النمو والتجدد، وعززت التوظيفات الخارجية في الصراعات الدائرة.

ثانياً، حالة الإبهام التي تلفّ هذا التنظيم الملثم وحداثة تكوينه وغموض آليات تشكيل هيئاته وتنوع مصادر كوادره، ذلك كله يسمح باختراق صفوفه وزرع كفاءات استخباراتية في قياداته يمكّنها من تجيير بعض أدواره ومعاركه لمصلحة الأطراف الموالية لها.

ثالثاً، ساهم غياب البديل الديموقراطي وتشتّت المعارضة السياسية والمدنية وسيادة لغة العنف البربري، في انزلاق المظلومين نحو الرهان على أي خيار قد يرد المظالم ويرفع الفتك والتنكيل عنهم، وكأن شعوبنا أدمنت هدر تضحياتها ولم يتعبها الانتقال من دورة معاناة وقهر الى دورة أخرى، وكأن تجاربها المؤلمة ودروس التاريخ لم تعلّمها بأن طريق الخلاص الحقيقي لا يصنعه رفع الاضطهاد عن الذات باضطهاد الآخرين، أو الانتقال من استبداد إلى آخر، بل بأن يتصدر المظلومون الصفوف الأولى لإزالة كل أسباب التمييز والاضطهاد ونصرة مجتمع المواطنة والمساواة وحقوق الإنسان.

======================

تواطؤنا بين «داعش» والميليشيات .. زهير قصيباتي

الحياة

الخميس 11/6/2015

ليست أميركا ولا أوروبا أو روسيا والصين بريئة من تضخُّم وحش «داعش» الذي يمدُّ أذرعته لتلتف حول المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج. وكلما نصحتنا واشنطن بالصبر لجيل أو أكثر لكي ينبلج فجر الانتصار على الوحش، يتجدَّد السؤال ذاته عن التآمر والتواطؤ ولغز أسطورة التنظيم الذي بات العالم كله عاجزاً عن التصدّي لشروره.

لدى الأميركي يكفي التحضير لتجنيد سنّة من عشائر الأنبار، استعداداً لمعركة في حرب طويلة. وهو فصل يكفي لإحصاء أرقام إضافية من قتلى العراقيين الأبرياء الذين ينتظرون ساعة خلاص من رعب «داعش» وخبث حكومة بغداد التي أغلقت أبواب العاصمة في وجه النازحين، فقط لأنهم من السنّة... وخلاص مما يخطط له سيد البيت الأبيض الذي بات متَّهماً باستكمال فصل آخر من فصول المحافظين الجدد، على طريق «إمبراطورية» الخراب في العالم العربي.

لدى الروس، يكفيهم للاطمئنان توسيع مسرح القتل بعيداً، وجعله محرقة لـ «الإرهاب»، حتى من ذاك النوع الذي قاومهم في الشيشان، ومن كل مَنْ يُعارض الديكتاتوريات الحليفة في الشرق.

لدى الأوروبي، تكفي شمّاعة مجلس الأمن وشَلَلُه، نتيجة الانقسام الأميركي- الروسي أو ما سُمِّي حرباً باردة، ما زالت تلائم مصالح واشنطن وموسكو، ما دامت أصابعهما بعيدة من حرائق العرب ومجازر المنطقة.

ولأن علينا الانتظار لجيل أو أكثر، لكي يُهزم وحش «داعش»، لن نسأل كم من البلايين ستجنيها أميركا وروسيا من بيع العرب أسلحة، وأي مساحات ستحرقها الحروب مع «الخليفة»، بل نسأل عن قوائم الشهداء الأبرياء الذين سيسقطون ضحايا للخديعة الكبرى... ورغم ذلك يتقدّم «داعش» كلما ضلّلونا بانتصار.

«داعش» هو ابن الوحش الذي تخرّج من سجون الاحتلال الأميركي للعراق، والسيطرة الأميركية على أفغانستان، وسحق الروس للشيشان... «داعش» وخليفته من فصيلة دم الديكتاتوريات العربية التي فرضت لعقود طويلة حجْراً على المواطَنة، وحوَّلت الأوطان إلى مجرد أنظمة.

بين «داعش» والديكتاتورية هل من خيار؟ بين التنظيم وتوحُّشه والميليشيات التي ترتَكِب فظائع باسم الحرب على التكفير، أيُّ دين؟ ألم يقتُل «داعش» من المسلمين ما يكفي لتلمُّس أصابع التآمر لتدمير المنطقة، ودائماً تحت ستار الفتنة المذهبية، وتحريض التنظيم على الشيعة بالمطلق، وسعي الميليشيات الشيعية إلى الانتقام من كل السُّنّة؟

«داعش» تلميذ نجيب للديكتاتوريات، والحال أن العرب، سُنَّة وشيعة، مواطنين لا حكومات ولا سلطات، تواطأوا بصمتهم على الجلاّد الكبير الذي كان يسوقنا جميعاً إلى سجونه بسوط إسرائيلي... لتحرير فلسطين. تضخَّم الديكتاتور، أسَّس جمعية من المشرق إلى المغرب، جنرالات يتبادلون خبرات تحصين السجون، وبيع الحريات في جمعيات الأنظمة.

من هناك كانت الجذور الأولى للإرهاب. انتهت اللعبة، استُحضِر الدين بدل فلسطين. حلَّت لعنة أفغانستان. «داعش» اليوم، بعد تصفية بن لادن والانتصار على أوهامه، اليوم بكل خرابه وما لا يقل عن مئات آلاف القتلى في العالم العربي منذ 2011، أليس ثأراً لـ11 أيلول (سبتمبر)؟ كيف يكون الغرب حريصاً على حرياتنا فيما يتجاهل بحور الدماء، من العراق إلى سورية وليبيا؟

هل كان ضعفنا مع جمهوريات القذافي وبن علي والأسد وعلي صالح، كافياً لتبديل الجلاّد؟ أم إن الوهن جبنٌ أغرى الديكتاتور بشطب الوطن والهوية، حتى إن حلّ «داعش» شَطَبَ الخرائط وكل معالم الإنسانية، ودمَّر ما بقي من حضارة؟

في البدء كان إرهاب جمهوريات الجنرالات... وبين سجونها وصمتنا «المتواطئ»، كَبُر الوحش وانهارت كل خطوط الدفاع.

فلنستمع إلى نصائح الأميركي، ودروس الروس، وطبول «داعش» وإيران والميليشيات... نتلمَّس رؤوسَنا، وننتظر جيلاً، من الرعب.

======================

موقفنا : إلى الرئيس الروسي بوتين بادر ... فإن صاحبك قد غرغر .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 11/6/2015

رسالتنا إلى العالم أجمع ، وإلى الحكومة الروسية أن أي قيادة وطنية حقيقية تمثل ثورة شعبنا السوري ستكون أكثر وعيا وعملية وتقديرا لحقائق التوازن في العلاقات السياسية والجيوسياسية على المستويات الدولية والإقليمية .. لقد أعلنت كل القوى بما فيها القوى الإسلامية الوطنية والثورية لكل العالم منذ انطلاقة هذه الثورة : أن هذه الثورة ليست محسوبة على أحد ، ولا تعمل ضد أحد ، غير أنها ثورة العدل والحرية ضد الظالم المستبد على الأرض السورية ...

وعلى الرغم من الخيارات الإيديولوجية ، التي قامت على التصنيف الاستباقي للثورة والثوار في سورية ، التي انخرطت فيها دول ، وتيارات ، ومذاهب ؛ فإن من الحق أن نقول إن ثورتنا التي قطعت الكثير في طريقها إلى النصر ، وسط الأشلاء والدماء ؛ ما تزال تملك الأذن الواعية ، والقلب الشهيد ، وما تزال تمتلك القدرات لصناعة الموقف بحرية وموضوعية ، لمن يحاول أن يراجع مواقفه ، ويتخذ مبادرات عملية في الوقت المضيّق المتبقي ، نقول كل هذا ، والعالم كله يتابع مشهد الأسد المترنح ويحاول التقدم بمبادرات استباقية تقطع الطريق على ما يسمونه التطرف والفوضى ..

ستظل آذان شعبنا وقواه الحيّة مفتوحة واعية مستعدة للاستماع ، ومستعدة للتعاطي الإيجابي في سبيل حقن دم طفل سوري واحد طالما استهتر المستهترون بدمه ، وفي سبيل بناء سورية المجتمع والدولة ( الوعد والحلم ) اللذين شكك في الوصول إليهما المشككون ..

نرسل هذه الرسالة ونحن نتابع فيضا من الإشارات حول العالم تؤكد أن روسية البوتينية على الصعيد الدولي ، وغيرها من الدول على الصعيد الإقليمي ؛ قد قررت التخلي عن الظالم المستبد قاتل الإنسان ومدمر العمران بشار الأسد ...

كانت الإشارة المبكرة لتغير الموقف الروسي في المنطقة القرار الذي اختارته موسكو إزاء عاصفة الحزم في اليمن . فقد كان الامتناع عن التصويت يومها مؤشر بداية على أن وراء الأكمة ما وراءها

ثم كان ما تحدث عنه لافروف وزير الخارجية الروسية منذ أسبوعين تقريبا إثر لقائه مع الممثل الأمريكي المعتمد لسورية ستيفن روبنشتاين : إن هناك تقاربا في الرؤية ( الروسية – الأمريكية ) وأن الاتفاق على حل في سورية بات وشيكا ، ,أشار فيه بوضوح إلى تقارب حول دور بشار الأسد في مستقبل سورية ..

وكان الموضوع ذاته كان أكثر وضوحا على مائدة الدول الصناعية الكبرى التي تلتقي في ألمانية حيث عبر ممثلو هذه الدول عن وجود فرصة لعقد صفقة سياسية مع روسية تؤدي إلى استبعاد الأسد من مستقبل سورية ..

إن المشهد المتداعي لقوى بشار الأسد في الشمال والجنوب كما حول العاصمة دمشق ، تدفع الرئيس الروسي إلى طرح سؤال من نوع : ماذا لو سقط الأسد فجأة ذات صباح ؟ وأين ستكون مكانة روسية عند شعب قررت روسية أن تحاربه عسكريا وسياسيا حتى آخر قطرة دم ...؟

وربما السؤال الأخطر عند الرئيس بوتين ، وقوى التطرف ، التي استنبتها بشار الأسد على الأرض السورية تمتد وتتسع : ماذا لو آل الوضع في سورية إلى نوع من الاحتراب الفوضوي بين هذه القوى فباضت وصفرت ؟! وهي جماعات لا أولويات لديها ، وهي مستعدة أن تشعل حريقا على كل أرض ، دون أن يغفل بوتين عن الخلفية الروسية للعديد من رجال هذه التنظيمات ..

أما الرصد الأوضح لتخلي الرئيس الروسي بوتين عن بشار الأسد فقد كان في صحيفة ( لوموند ) الفرنسية ..

فقد رصدت الصحيفة في معالم الموقف الروسي الجديد : أنه في 29 / 5 / 2015 أي قبل أسبوعين حطت طائرة روسية من طراز( إليوشين ) في مطار موسكو بعد إقلاعها من مطار اللاذقية وعلى متنها ثمانون خبيرا عسكريا روسيا ، سحبهم بوتين من سورية . إل جانب مواطنين آخرين روس ومن دول المنطقة ..

وتنسب الصحيفة إلى أناتولي نسميان الخبير الروسي في شؤون الشرق الأوسط بأنه هناك العديد من المؤشرات تدل على أن روسيا تسعى للنأي بنفسها عن بشار الأسد ..

كما تنقل الصحيفة عن ( الكسندر شوملين ) مدير تحليل النزاعات في الشرق الأوسط في موسكو قوله : إن روسيا ليس لديها نية بفقدان نفوذها في سورية .. ويقر بأن هناك تطورا في الموقف الروسي وحركة تشاور بشأن بشار الأسد ..

والأكثر أهمية فيما أشار إليه ( ألكسندر شوملين ) هو أنه بحال سقوط النظام السوري فإن موسكو لن تحرك ولو أصبعا واحدا من أجل مساعدة بشار الأسد إلا من خلال منحه فرصة للجوء السياسي كما فعلت مع الأمريكي سنودن صاحب تسريبات وكيليكس الشهيرة ...

يبدو أن موسكو تنتظر الفرصة الدولية المناسبة لتحصل على ثمن موقفها في سورية فتعلن عنه بشكل صريح وشفاف ؛ الفرصة السورية أمام موسكو تضيق وآخر ما يمكن أن نرسله إلى بوتين الذي ما زال يملك أن يصبح صديقا ..

بادر ...فإن صاحبك قد غرغر ...

وفي ثقافتنا لا تقبل توبة عبد قد غرغر ....

لندن : في 21 / شعبان / 1436

9 / 6 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

======================

مؤتمر وحيد تحتاج إليه المعارضة السورية اليوم .. برهان غليون

العربي الجديد

الخميس 11/6/2015

يذكّرني تكاثر مؤتمرات المعارضة السورية، وتراجع تأثيرها ودورها معا، بالمؤتمرات التي كانت تعقدها المعارضة نفسها خلال الأشهر الستة التي سبقت تشكيل المجلس الوطني، وكانت تعكس تسابق المجموعات المختلفة على إعلان أبوتها لأي تشكيل جامع جديد، وقطع الطريق على المجموعات الأخرى. ولم ينجح المجلس الوطني في وقف هذه الديناميكية التسابقية، إلا عندما رفضنا الإقصاء، وفرضنا مبدأ التوافق، والتوجه إلى جميع الاتجاهات والتيارات والكتل، لتشكيل جسم تمثيلي واحد. ولم يضعف دور المجلس الوطني ويدخل في موته السريري إلا عندما عادت الأطراف التي شكلته إلى رياضتها التقليدية في التنازع والتسابق على أبوة المجلس، ووضع اليد عليه، أو إقصاء أطراف أخرى، بهدف التسلط عليه، وفي النهاية قتله. 

مؤتمرات للتغطية على عجز دائم

المبررات الرئيسية التي تنعقد بحجتها المؤتمرات التي تحولت، في السنة الماضية، إلى رياضة سياسية، وصارت الإنتاج الوحيد للمعارضة السورية، تتركز على أن الاعتراض على الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، إما لأنه لا يمثل جميع أطياف المعارضة، أو لا يعبر عن كل فئات الشعب السوري، أو أنه لا يقوم بالمهام الملقاة على عاتقه، أو أنه مرتبط بتيارات وعواصم معينة، من دون أن يراعي مصالح عواصم أخرى وأدوارها. وفي جميع هذه المبررات والذرائع وجهات نظر ليست خاطئة تماما، لكن الوقوف عندها، وترجمتها باستبدال الائتلاف، تقود إلى إعادة إنتاج تشكيلاتٍ، تنطبق عليها المآخذ نفسها بصورة أكبر وأشد.

"لم يضعف دور المجلس الوطني ويدخل في موته السريري إلا عندما عادت الأطراف التي شكلته إلى رياضتها التقليدية في التنازع والتسابق على أبوة المجلس، ووضع اليد عليه، أو إقصاء أطراف أخرى، بهدف التسلط عليه، وفي النهاية قتله"

والحقيقة أن معظم ما يحصل من مؤتمرات باسم المعارضة السورية ينبع من طموح بعض الشخصيات، المشروع أحياناً، للعب دور وتبوّء مركز لم يسمح لها به الائتلاف، أو لا تريد أن تلعبه من داخله، وتجد لدى بعض العواصم الطامعة، أيضاً، في تأكيد حضورها في المناورة الإقليمية والدولية التي تدور على ساحة المشرق، تجاوباً يعكس الاختلاف الكبير في المصالح والتوجهات والمقاربات لدول المشرق ومحيطه. لكن الخاسر الأول من ذلك كله هو القضية السورية والمعارضة التي تفقد صدقيتها، بمقدار ما تتحول إلى معارضاتٍ، تدّعي كل منها شرعية تمثيل السوريين، وتتنافس في ما بينها على كسب ود الدول، وتأمل أن تحظى بدعمها ومساعدتها.

مع ذلك، إذا كانت الدوافع لعقد هذه المؤتمرات، التي تكاد تشمل جميع العواصم الدولية التي أظهرت اهتماما بالوضع المشرقي في السنوات الماضية، هي الطموحات الشخصية، واستغلال بعض الدول هذه الطموحات، فإن استمرارها يعكس أيضا حاجة موضوعية نابعة من تكلس التشكيلات الائتلافية القائمة، وعجزها عن التطور، بموازاة ما يحصل من تغيرات عميقة، في ظروف الصراع على الأرض من جهة، وعلى الفاعلين الرئيسيين، أيضاً. وبالتالي، عن تجديد أشخاصها وأفكارها وأساليب عملها للقيام بالحد الأدنى من المهام التي يفرضها عليها التطور الكارثي للأوضاع السورية والإقليمية. وتشكل المؤتمرات المتجددة فرصة مناسبة للتغطية على العجز، وإظهار تفوق الإرادة، حيث تنعدم القدرة على الإنجاز.

كما كان الحال في الفترة التي سبقت ولادة المجلس الوطني، تحتاج المعارضة السورية، بالفعل، إلى إعادة تشكيل، وإلى انتفاضة داخلية، تخرجها من تكلسها وتكيسها، وتُجدد دماءها، وتطلق قواها وقدراتها، وتحولها إلى أداة فعالة في مواجهة التحديات المتنامية التي يواجهها السوريون، وهم يتعرضون لحرب إبادة حقيقية، أمام صمت العالم، وفي غياب أي إطار تمثيلي معارض، قادر على إبراز معاناة الشعب السوري، وحمل راية كفاحه البطولي المرير، ومواكبة محنته التاريخية غير المسبوقة.

لكن، ما تحتاج إليه المعارضة السورية لتخرج بنفسها من الموت السريري، وتتحول إلى فاعل في الساحة السورية هو تماما عكس ما تقوم به شخصياتها وتجمعاتها اليوم، والتي تكاد كل طائفة منها تكرر ما تقوم به الطائفة الأخرى، في الفكر والعمل والطريقة والأداء، وفي الوثائق والبيانات التي تصدرها، والتي تكاد لا تتميز بعضها من البعض الآخر، إلا بركاكة متساوية في اللغة والأسلوب، وخصوصاً في الأهداف التي تتركز جميعا في طموح كل واحد منها إلى أن يكون حصان السباق في يد هذه العاصمة، أو تلك، لنيل الشرعية والدعم الدولي، واستقطاب المعونات والمساعدات.

بالعكس، ما ينقص المعارضة السورية هو مؤتمر تركيبي، وليس مؤتمرات تجزيئية أو تقسيمية، تزيد من عدد التجمعات المتنافسة والمتسابقة إلى تحقيق مهماتٍ، يفترض إنجازها قبل أي شيء آخر وحدة موقف المعارضة وتفاهمها وتعاونها وائتلافها ويمتنع بانقسامها. فأكبر ما تواجهه المعارضة من تحديات هو التحدث مع السوريين، وباسمهم، بخطاب واحد ولغة واحدة، والتعبير عن مطالبهم في التحكم بمصيرهم ومستقبلهم، ووقف التلاعب الدول والعواصم المتنازعة بمصيرهم، وتمثيل إرادتهم الموحدة في وضع حد للحرب وللنظام المتهالك وتجسيد إرادة العيش المشترك والتفاهم الوطني، والعمل لإعادة بناء سورية الحرة المستقلة الديمقراطية السيدة. ويتطلب هذا كله وجود قيادة سياسية، أي تعاوناً واتفاقاً في الرؤية والمنهج، ويتنافى مع التنافس على اقتسام تمثيلها أو التنازع على شرعية هذا التمثيل، والتسابق إلى تقديم الخدمات للدول والأطراف الدولية بين الأشخاص والقوى والفصائل والتكتلات والمؤتمرات التي تكاد لا تنتهي في عاصمة، حتى تبدأ في أخرى.

"أكبر ما تواجهه المعارضة من تحديات هو التحدث مع السوريين، وباسمهم، بخطاب واحد ولغة واحدة، والتعبير عن مطالبهم في التحكم بمصيرهم ومستقبلهم، ووقف التلاعب الدول والعواصم المتنازعة بمصيرهم"

فلم يعد يخفى على أحد أن سورية، بعد أن تم حسم موضوع بقاء الأسد ونظامه، وخسرت طهران وحلفاؤها الحرب، مقبلة على حقبة جديدة. وأن معظم الجهود الدولية والإقليمية أصبحت متركزة بصراحة، اليوم، على التفكير في مرحلة ما بعد الأسد، ومتمحورة حول وسائل مقاربتها وتقاسم الأدوار فيها، وأنه لم يعد لدى الأطراف شاغل سوى ترتيب أوراقها، وبلورة تفاهماتها، وحجز مواقعها في سورية الآتية، وأن الأعمال الحربية الجديدة نفسها التي تهدد طهران بتطويرها لصالح حماية الأسد من السقوط قد تحولت إلى وسيلة ابتزاز، للضغط على مفاوضات الحل، أو وسيلة للتموضع استباقا لها. وهذا هو أصلا أحد الدوافع الرئيسية لتنظيم المؤتمرات والاجتماعات التشاورية التي تحاول، من خلالها، بعض الأطراف، الدولية والإقليمية، أن تنتزع لنفسها موقعا في المعارضة، أو أجزاء منها، تعزيزا لدورها، وتوسيع هامش مناورتها الدبلوماسية، قبل بدء المفاوضات السياسية الرسمية المنتظرة.

 

بين صراعات الزعامة والإعداد للانتقال السياسي

في المقابل، لايزال التفكير في طبيعة هذه المرحلة الجديدة والإعداد لها بالكاد يبدأ في صفوف قوى المعارضة المسلحة والسياسية. ومن المحتمل، إذا لم ننجح في إدراك شروط الصراع فيها، والمهام التي يتوجب علينا القيام بها لمواجهة تحدياتها، أن يكون الشعب السوري، على الرغم من التضحيات غير المسبوقة التي قدمها، الخاسر الرئيسي فيها، وأن يحل تقسيم مناطق النفوذ بين الأطراف الإقليمية والدولية محل مشروع إعادة بناء الدولة السورية الجديدة، على قاعدة المبادئ والتطلعات التي ألهمت الشعب السوري ثورته وتضحياته غير المسبوقة، في الحرية والكرامة والسيادة، وأن يكرس التفاهم الدولي والإقليمي مبدأ تقاسم المصالح بين القوى الخارجية على حساب مصالح السوريين، ووحدة إرادتهم وأرضهم وإعادة بناء وطنهم المدمر، واستعادة سيطرتهم على مصيرهم ومستقبلهم.

إعداد المعارضة المسلحة والسياسية لمواجهة هذه الحقبة التي سوف يتوازى فيها التصعيد العسكري غير المسبوق والقتل الهمجي، كما تشير إليه مجازر النظام في الأيام الماضية، من دون أي رد فعل دولي، حتى ببيانات الإدانة، مع أوسع المناورات السياسية والدبلوماسية، لاستباق اختفاء الأسد من الساحة، والتي سوف يتقرر فيها مصير سورية وشعبها، وبالتالي، المشاركة في وضع أسس المرحلة الانتقالية ومؤسساتها، هو ما ينبغي أن يحدد طبيعة المؤتمر الجديد للمعارضة، والذي يشبه في بعض ملامحه مؤتمرها الجامع الأول الذي عقد في القاهرة في 4 يوليو/تموز 2012، والذي أجهضته تلك الأطراف التي رفضت أن تخرج منه أي لجنة تواصل أو متابعة.

لكن، بخلاف المؤتمرات التي دعت إليها، أو رعتها، أطراف دولية، لا ينبغي أن تقتصر أهداف هذا المؤتمر التركيبي، أو التجميعي، على تجديد وثائق المعارضة وتحديثها، ولا على إنشاء بدائل تحل محل التشكيلات القائمة، أو تتقاسم معها النفوذ داخل سورية وخارجها، ولا على إنشاء كيان أكثر تمثيلا أو فاعلية، ولا ترويج مبادرة سياسية أو رؤية خاصة، وإنما ينبغي أن تتركز على تطوير الرؤية، ووضع الخطط العملية، وتوزيع المهام على الأطراف المشاركة، وتنظيم صفوفها ومساعدتها على العمل تحت قيادة واحدة، أي إعدادها لمواجهة احتمالات تجدد الحرب مع مزيد من التورط الإيراني، أو انهيار النظام المفاجئ، أو تقدم داعش في مناطق المعارضة لحساب النظام، وإعداد الخطط للحيلولة دونها وبناء السلطة البديلة، لبنة لبنة، في إطار الحفاظ على وحدة الدولة وفاعلية المؤسسات والأمن والسلام الأهليين.

باختصار، المطلوب مؤتمر تستعيد فيه المعارضة السورية صدقيتها وفاعليتها وتمثيليتها في الوقت نفسه، إذ تكاد تفقدها جميعا، وهي تفقدها أكثر بمقدار تشتتها وتكرار مؤتمراتها وتشكيلاتها المتنافسة والمتنابذة والمتنازعة. ولن يعيدها الجمع الحسابي للقوى، ولا عدد المجتمعين، ولا البحث عن هويات واهية، يسعى، من خلالها، كل فريق إلى التركيز على أي نقطة اختلاف، حتى يبرر استقلاله بنفسه، وتشكيله قطبا إضافيا قائما بنفسه، ولا تشويه صورة الهويات أو التشكيلات المنافسة، ولا التسابق على كسب تأييد واعتراف الدول الصديقة أو الشقيقة، وإنما، بالعكس، تنمية روح الاتحاد والتفاهم، وتطوير آليات التشاور والتنسيق والتعاون والتكامل، ووضع قواعد ثابتة ومقبولة للتعامل بين الأطراف تساعدها على حل التناقضات وتجنب الانقسامات والمنازعات والعمل كقوة وطنية واحدة. ولتحقيق ذلك لا بد للمؤتمر المنشود من:

- أن يجمع الفاعلين، من عسكريين وسياسيين وناشطين مدنيين، أثبتوا في السنوات الماضية وجودهم بعملهم على الأرض، وفي كل الميادين، لا أن يكون تجميعا للموالين، كائناً من كان من يوالونه، شخصاً أم دولة أم حزبا.

* أن يكون هدفه الأول وضع أسس التعاون والتنسيق والعمل المشترك بين الفصائل، وتحديد مرجعيات هذا العمل ومعاييره، وبالتالي، أن يكون هدفه توحيد القيادة، لا أن يكون هدفه تبرير إقصاء الآخرين، أو تحويل فرض قيادة مؤتمر أو شخص أو فصيل على الجميع ودمجهم، بالقوة أو بالوهم، في بوتقته الواحدة.

"مطلوب من المعارضة السورية أن تبدأ، منذ الآن، التفكير ببناء نظام سورية البديل، والعمل عليه في كل خطوة وكل وثيقة وكل تحرك تقوم به"

* أن يعنى بالإعداد للمؤتمر، من الأول إلى الآخر، بما في ذلك تنظيمه وتحرير وثائقه وتحديد قوائم المدعوين إليه وتعيين أهدافه، لجنة تحضيرية من السوريين المخلصين والنائين بأنفسهم عن المناصب والنزاعات، من دون أن يستبعد ذلك التشاور والتعاون مع الدول الشقيقة والصديقة المنخرطة في الصراع، إلى جانب المعارضة، بل بالتأكيد على ضرورتهما.

* أن يتم التحضير له عبر نقاشات موسعة مسبقة، تجمع بين الفاعلين السياسيين والعسكريين والناشطين المدنيين، بحيث يأتي تتويجا لتفاهم تم الاشتغال عليه، ويصبح جوهر نشاطه المصادقة، ربما مع تعديلات بسيطة، على الوثائق، وتثبيت الالتزامات المتبادلة، وتوزيع المهام المطلوب إنجازها، لتنفيذ خطة حسم الحرب وترحيل النظام القائم، أو ما تبقى من أنقاضه، ووضع النظام البديل.

* أن يزود بوثائق دقيقة ومفصلة ومرتبطة بالواقع، تعد بمشاركة خبراء في كل الميادين، تشمل الرؤية الوطنية لسورية المقبلة، وخطة العمل، والخطوات التنفيذية للانتقال من سورية التوحش إلى سورية المدنية والحضارة، دولة العدالة والكرامة والحرية والقانون.

لا ينبغي للمعارضة السورية أن تضيّع مزيدا من الوقت. فعلى الرغم من التصريحات الانتصارية الاستعراضية لطهران وحزب الله، لم يعد ممكناً لأي طرف، مهما فعل، أن يعيد إحياء نظام الأسد، أو المحافظة على بقائه. فقد تفككت دولته، وانهارت قواته العسكرية، ودب الخلاف داخل قياداته، وفقد جميع مقومات وجوده الأخلاقية والسياسية. ولن تغير القوات الجديدة التي أرسلتها طهران لتعزيز قوات النظام المنهارة في دمشق وحلب، وغيرها من المناطق، ولا الإعلان عن تقلد قاسم سليماني قيادة العمليات على كامل الأراضي السورية، من مصير الحرب، وإن مدّدت في أجلها أشهرا، أو ربما سنوات جديدة، وفاقمت من عمليات القتل والتدمير العشوائية للبلاد. فمصير كل أجهزة السيطرة الاستعمارية التهشيم والدمار. ولن يكون ذلك مستحيلاً على السوريين الذين واجهوا طهران في السنوات الأربع الماضية وحلفائها وهزموهم جميعا.

مطلوب من المعارضة السورية أن تبدأ، منذ الآن، التفكير ببناء نظام سورية البديل، والعمل عليه في كل خطوة وكل وثيقة وكل تحرك تقوم به. وهذه هي أوراق اعتمادها الوحيدة لدى السوريين، أعني تشكلها قوة منظمة قادرة على العمل المتسق والطويل المدى والهادف، بصرف النظر عن الأشخاص وألاعيب السياسة. آن الأوان للمعارضة السورية أن تنضج وتتحرر من هيجانات المراهقة السياسية وارتكاساتها.

======================

الحرية في سورية وإسقاط النظام .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 11/6/2015

كان شعار الثورة التي انطلقت في سورية هو الحرية، كما صاغته فئات تظاهرت، وكان مؤسساً على مجمل الأفكار التي حملها "ربيع دمشق"، حيث كان تركيز أحزاب المعارضة والنخب المثقفة على ضرورة الحرية، والسعي إلى الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية. الحرية التي كانت هاجس هؤلاء، والذي نقل إلى فئات شابة دفعها انغلاق السلطة الذي منعها من التعبير عن ذاتها، إلى أن تبحث عن الحرية التي تتواصل عبر النت في فضائها، لكنها باتت تريده في الواقع.  وعلى الرغم من أنه كان في الأمر ابتسار لواقع الشعب السوري، لأن هذا الهدف أولوية تلك الأحزاب والنخب بالأساس، بينما كانت أولوية الطبقات الشعبية تتمثّل في حق العمل والأجر الذي يسمح بالعيش، والمقدرة على تعليم الأبناء وعلاجهم، وإيجاد مسكن. وبالتالي، كان هناك تغليب لمصالح فئة على حساب مجمل الطبقات التي شاركت في الثورة، والتي ما زالت تلعب الدور الأساسي على الأرض، وكان هناك ميل "متطرف" نحو التركيز على الحرية، وحتى نفي ضرورة أو حتى وجود المطالب الأخرى. على الرغم من ذلك كله، نلمس أنه، بعد ثلاث سنوات من الثورة، بدأت هذه الأحزاب والنخب تميل إلى التركيز على "إسقاط النظام"، وتخفي شعار الحرية، بمعنى أن الهدف الأساسي الذي هو الحرية بات ثانوياً لمصلحة هدف إسقاط النظام.

بالطبع، كان تحقيق الحرية يفترض إسقاط النظام بالضرورة، فليس من حريةٍ في ظله، وليس من ديمقراطية ممكنة عبره، كما توضّح خلال عقود أربعة، وخصوصاً بعد الأوهام التي نشأت بعد تسلّم بشار الأسد السلطة، وراثة عن أبيه. وبالتالي، يجب إسقاط النظام، لكن، وفق الهدف الذي طرحه هؤلاء (وهو هدف حقيقي) يجب إسقاط النظام من أجل الحرية وبناء نظام ديمقراطي. وهذا يعني أن تصبح الأحزاب والنخب الديمقراطية المحرِّك للثورة. طبعاً خلال سنوات الثورة، لم تصبح هذه الأحزاب والنخب لا المحرِّك ولا المؤثر فيها، نتيجة قصور وعي وفاعلية، وهامشيتها التي تأسست على ضوء سوء فهمها للواقع.

ما هو أسوأ أنها باتت تركز على إسقاط النظام فقط، ونسيت مطلب الحرية وضرورة الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية. فقد أدت تحولات ميزان القوى على الأرض إلى أن تصبح المجموعات الأصولية، الإرهابية، هي القوة الأكبر في الصراع، نتيجة دعم متعدد الأطراف لها، سواء النظام نفسه، أو إيران، وأيضاً أميركا والسعودية والخليج عموماً، وذلك كله من أجل إجهاض الثورة بتحويل الصراع إلى صراع طائفي أو صراع ضد الإرهاب، أو تعزيز قوى النظام بقوى طائفية تدعمه، مباشرة أو عبر وجودها في بيئة الثورة لتخريب هذه البيئة وقتل الثورة. وبالتالي، بات كثير من يطرح هدف الحرية ضد طرح مجمل مطالب الشعب يركز على إسقاط النظام، لكي يقبل دعم أو التغطية على هذه القوى الأصولية، على أساس أنها ستسقط النظام، وهذا يكفي انتقاماً منه.

لكنه انتقام من الشعب الذي ثار كما تريد الدول التي دعمت وجود هذه المجموعات، الشعب الذي ثار من أجل العيش والحرية.

وبهذا، بدت هذه الأحزاب والنخب عارية إزاء ما كانت تطرح، وظهر أن ما يسكن مكنونها هو الانتقام من السلطة، وليس السعي إلى تحقيق الحرية وبناء النظام الديمقراطي، فتلك المجموعات الأصولية ليس فقط، ليست ديمقراطية، بل هي أكثر شمولية من النظام القائم، بالضبط، لأنها تعمم الاستبداد من المستوى السياسي إلى المستوى المجتمعي الشامل، والشأن العام إلى الشأن الخاص. فتفرض سلوكاً خاصاً على المجتمع، وتمارس الوحشية على كل مخالف لها، عبر تطبيق أقذر أشكال العنف. إيران مثال، والسودان مثال، وأيضاً السعودية مثال، إضافة إلى ممارسات النصرة وداعش في مناطق سيطرتها.

في ذلك كله، تظهر هشاشة الأحزاب والنخب، وسطحية تعلقها بالحرية والديمقراطية. لهذا، لم تستطع أن تلعب دوراً ضرورياً لتطور الثورة ونجاحها. على العكس، كانت عبئاً كبيراً عليها.

======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com