العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 14-02-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

السوريون وخيار التنظيمات المتشددة .. محمد عبد الحميد

العربي الجديد

الخميس 11/2/2016

مع انطلاق الثورة السورية في مارس/ آذار 2011، لم تفارق السوريين شعارات الدولة المدنية، طوال الشهور الستة الأولى بشهادة رأس هرم النظام السوري، إلا أن المخابرات والجيش السوري الذي كان معداً عقائديا لقتال الاحتلال الإسرائيلي، أمعنا في القتل والتدمير واعتقال واختطاف المدنيين العزل، ما أجبر مئات من العسكريين السوريين المنضوين في جيش النظام للانشقاق، وتأسيس الجيش السوري الحر الذي حمل مطالب الثورة السورية الداعية لإسقاط النظام وإنشاء دولة المواطنة، وقبل ذلك كله لحماية الإنسان السوري من آلة النظام الدموية .

بداية عام 2012، بدأت مفاهيم الثورة السورية بالتحول التدريجي نحو الراديكالية الإسلامية، وذلك مع دخول الجماعات الجهادية واجهة الأحداث، وفي مقدمتها جبهة النصرة، فرع تنظيم القاعدة في بلاد الشام، والتي أطلقت بيانها الأول في يناير/ كانون ثاني 2012، داعية ً السوريين إلى الجهاد، وضرورة حمل السلاح ضد النظام، وكان المبرر وقتها استفحال القتل في ظل الصمت الأممي الذي لم يتعد حد الشجب والاستنكار، إضافة إلى دخول مقاتلين من حزب الله اللبناني، إلى جانب جيش النظام في مواجهة الثورة السورية التي وصفها النظام، منذ أيامها الأولى في درعا، بأنها ثورة تكفيرية، تسعى إلى القضاء على الأقليات، وسخر لتحويلها كل الإمكانات، فكان أن أخرج معتقلي سجن صيدنايا الإسلاميين، وكانت فيديوهات القتل والسحل وتدمير دور العبادة، وتأليه الأسد، دافعا لالتفاف بعض السوريين حول جبهة النصرة التي سرعان ما احتوت بعض أولئك المعتقلين.

مع دخول الثورة السورية عامها الرابع، زادت وحشية النظام ضد السوريين، فكان القتل بالجملة، وبكل أنواع الأسلحة، ومنها الكيماوي الذي حصد مئات الأرواح في غوطتي دمشق، كما زاد تدخل الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني ولواء فاطميون وميليشيات عراقية لصالح النظام بشكل علني، مع عجز المجتمع الدولي عن وقف حمام الدم، وانخفاض مستوى دعم المعارضة السورية المسلحة من الدول الصديقة لسورية.

أسهم ذلك كله في ضعف الجيش السوري الحر، بل وموته في مناطق عدة، كما الحال في الرقة شمالي شرقي سورية على حساب تنظيم الدولة الإسلامية الذي برز بقوة في عام 2014، معلنا قيام دولة الخلافة في يونيو/حزيران من العام نفسه، مستغلاً الصراع الطائفي في العراق، ليضم مدناً كبرى، كالموصل وتكريت والفلوجة والرقة السورية وأجزاء واسعة من حلب ودير الزور، لحكم ما أسماها دولة الخلافة الإسلامية التي انضم إلى صفوفها آلاف من الشباب الواقع بين سندان آلة الموت ومطرقة التخاذل الدولي لصالح النظام والدول الداعمة له، كإيران التي تسعى لإنشاء تحالف في المنطقة، يدين للولي للفقيه.

على الرغم من بدء العمليات العسكرية للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية، في ديسمبر/كانون أول 2012، إلا أن التنظيم تمكن من التقدم والسيطرة على مناطق استراتيجية مهمة في عمق سورية، وصولا إلى أطراف محافظة درعا، المعقل الأكبر للجيش الحر في النصف الثاني من عام 2015، مستغلا التحريض المذهبي والتململ العسكري الذي أصاب الساحة السورية، خصوصاً في الجنوب السوري، نتيجة ضعف دعم غرفة العمليات العسكرية في الأردن، المعروفة باسم "الموك" للمعارضة السورية، فاتحا بذلك جحيم نيرانه على كل أعدائه، بعد أن قلب طاولة الاصطفاف السياسي الدولي، رأسا على عقب، مدعوما بالساخطين من السوريين على العالم الذي تآمر على ثورتهم، وصادر قضيتهم.

======================

موقفنا : نداء مفتوح ... الصامتون عن تجويع أطفالنا أعداء وليسوا وسطاء .. أيها السوريون : انفضوا أيديكم من الخاذلين وانفضّوا عن كل المتخاذلين .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

11/2/2016

إلى السوريين السوريين ...

إلى المجاهدين والمناضلين ...

وإلى كل من هو بين السطرين العريضين من مجاهدين ومناضلين في كل أحزابهم وجماعاتهم وتجمعاتهم ،انتهاء بالمجلس الوطني والائتلاف الوطني ومن كان حشوهم ، واصطف حولهم أو طاف بهم من يمين أو يسار...

وغاية النداء المبثوث تحميل المسئولية التاريخية أمام الله ثم أمام الأجيال ... فقد بلغ السيل الزبى ، وجاوز الحزام الظبيين ، وطمع في سورية حتى عدا عليها من لا يطمع في الدفع عن نفسه ...

ولقد بلغ تواطؤ ما يسمى بالمجتمع الدولي ، مع زمرة الجريمة والعار المستبدة بوطننا مداه . وتجاوز كل حد . ولم يتركوا جريمة من جرائم الحرب المنصوص عليها في قوانين أخلاقيات الحروب ، أو مواثيق حقوق الإنسان ؛ إلا وارتكبوها . لم يوفروا سلاحا تصل إليه أيديهم إلا واستخدموه ، لم يبق شرير يسعفهم في مطلبهم إلا وغمس يده في دم شعبنا ، وحاول الالتفاف على ثورة شبابنا لئلا يعيشوا أعزة كراما .

أيها السوريون ..السوريون

 نتابع منذ خمس سنين فصولا من جرائم الحرب يرتكبها أعداء سورية ضد إنسانها البريء ؛ فقصف المدنيين بالسلاح الثقيل جريمة حرب ، وبالطيران الحربي جريمة حرب ، واستعمال الأسلحة العشوائية ضدهم جريمة حرب، واستعمال الغازات السامة جريمة حرب ، واستعمال القنابل الفراغية والعنقودية جريمة حرب ، واستعمال سلاح الحصار والتجويع جريمة حرب ، واستهداف المدنيين على الخلفية الدينية والمذهبية جريمة حرب ، وتهجير السكان من مساكنهم جريمة حرب، واستهداف المساجد والمدارس والمستشفيات جريمة حرب ، وتعذيب الناس في المعتقلات والسجون حتى الموت جريمة حرب ...

فأي جريمة حرب لم تستخدم حتى اليوم بحق شعبنا لتركيعه وتطويعه وكسر إرادته .... نعلم كل هذا ونقر به ثم نقف بأبوابهم طلبا لعدل وحرية وكرامة إنسانية ..فأين تذهبون ؟!

أيها السادة المبجلون ...

لقد تكشف الموقف الدولي والإقليمي في سورية عن خذلان للشعب السوري على كل المستويات . وها هم أهلونا ، أخواتنا وإخواننا وبناتنا وأبناؤنا ، يواجهون اليوم حرب إبادة جديدة عاتية متغطرسة يشترك فيها ويدعمها ويتواطؤ عليها كل أشرار العالم وأعداء الإنسانية في الإنسان . ويحاصرون بين خياري القتل أو التهجير ، فإن هاجروا حوصروا في العراء ، وتركوا للبرد والجوع والأذى والضمير العالمي وادع هاجع . في وطننا اليوم تعانق جريمة الحرب الروسية جريمة الحرب الإيرانية لتكملا ما عجزت عنه جريمة الحرب الأسدية ، يمضي كل ذلك بمباركة أمريكية ..فكيري ، كما صرح ، غير مستعد لمنع روسية من ارتكاب حرب تطهير دينية وعرقية ومذهبية تهدف إلى تغيير الديمغرافيا أو الجغرافيا ..وإن تم لهم هذا لا قدر الله فسيكون صمت الصامتين ، واسترسال المسترسلين شراكة في الجريمة ، تحسب عليهم ، وتنوء بها ظهورهم ، مهما حسنت نياتهم وطابت سرائرهم ، فلينظر امرؤ أين يضع قدمه !!

أيها السوريون ...السوريون :

إرهاب مشرعن ... وإرهاب مذرعن

لقد كان التعسف الدولي في تعريف ( الإرهاب ) ، وإسقاط مفهومه على خلفيات دينية ومذهبية وطائفية وعرقية ، أول الجور في تنبيه الغافل ، وإيقاظ النائم . لقد شرعنوا على الأرض السورية كل إرهاب مارسته الميليشيات الشيعية ( لبنانية وعراقية وإيرانية وباكستانية وأفغانية) ، كما شرعنوا إرهاب وبغي وعدوان ( وحدات حماية الشعب ) العميلة ، ولا أريد أن أصفها بالكردية ، شرعنوا إرهاب كل هذه الميليشيات وهي تمارس القتل والتهجير والتطهير والغدر والإثم والخيانة . شرعنوا هذا على الأرض السورية ، كما شرعنوا كل إرهاب الحشد الشعبي على الأرض العراقية والحشد الحوثي على الأرض اليمنية ولم يكتفوا بشرعنة هذا الإرهاب فقط بل دعموه وأيدوه وأمدوه وبسطوا له البسط المضرجة بدماء أطفالنا ليدوس عليها ..

ومقابل ذلك اتخذوا من ارتكابات بعض المتطرفين من الحمقى والموتورين ، الذين كانت لهم اليد الطولى في إلباسهم لباس إبليس ذريعة لمصادرة حق الشعب السوري في العدل والحرية والعيش الكريم .

 ذريعة عملوا عليها أولا ، ثم اختبؤوا وراءها ليعملوا فينا مكر الليل والنهار ، وإذا انطلت هذه اللعبة الشريرة على كل خلق الله على هذه الأرض فلا يجوز أن تنطلي على سوري حر شريف ..

أيها السوريون السوريون ...

نعلم أن مواجهة الحقيقة صعب . ولكن الاعتراف بالحقيقة لا بد منه لسلوك طريق الصواب . الاعتراف بالحقيقة ومواجهتها بالعزيمة والوعي والحكمة هو أول طريق الخلاص .

إن كل العقلاء الراشدين يؤثرون العافية على الابتلاء ، والسلام على الحرب ، والحل السياسي على الحل العسكري ؛ ولكن هل ترك بشار الأسد ومن ورائه الإيرانيون والروس ومجلس الأمن الدولي للسلام فسحة ، وللحل السياسي فرصة ؟!

 كل العقلاء من أبناء الشعب السوري الذين يقرؤون المعطيات بعين الواقع وليس بعين الأماني ، يدركون أن ما صدر عن مجلس الأمن الدولي تحت رقم 2254 يقود إلى تكريس الظلم والعدوان ، وضياع حقوق السوريين . وهدر دماء شهدائهم ، وإعادتهم إلى مربع الظلم الأول ، بل إلى ما هو أشد وأنكى من مربع الظلم الأول . ومهما موهوا من عناوين وزخرفوا من وعود ...

أيها السادة المبجلون .

في مناخ واقعي وسياسي كل ما فيه عدمي مذل ، يُقتل فيه السوريون ، ويشردون قصرا وقهرا عن ديارهم ، وتستهدف فيه مدنهم وبلداتهم وقراهم ومساجدهم ومدارسهم وأسواقهم ومراكز تجمعهم ، هل يبقى من الحكمة والكياسة والسياسة في شيء المضي مع مخطط القتلة المجرمين وداعميهم ومؤيديهم والمتواطئين معهم إلى حيث يريدون ...

أيها السوريون ...السوريون :

إن كل ما يريده منكم الأمريكي ولفيفه منح الشرعية لقاتل أهليكم ومستبيح أعراضكم ومدمر دياركم ، وغفران ذنبه ، وإضفاء تهمة الإرهاب على كل من قاتله أو قاومه بعزة وشرف ..

أيها السادة المبجلون ...

لقد كان العجز دائما ضجيع أصحابه وخيارهم، وما خلق الله الناس يوما عاجزين ..

وإن الرجال الرساليين في كل الأمم والشعوب هم رجال ملتزمون ، ولم يكونوا ولن يكونوا يوما مكلفين أو موظفين . وإن الرجال والنساء الملتزمات والملتزمين لا يُعينون ولا يقيلون ولا يستقيلون ولا يُقالون ولا يملون ولا يتعبون.

اسطنبول : 11 / 2 / 2016

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

المجزرة الروسية .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 11/2/2016

ما يجري في سورية مجزرة موصوفة، تريدها الدول الإمبريالية من أجل وقف الثورات، وتأسيس "مثال" لما يمكن أن ينتج عن التمرّد ضد النظم. وفي هذا، تتشارك كل الإمبرياليات، كل الطغم الإمبريالية التي تعرف أن العالم مقبل عن ثوراتٍ، نتيجة النهب المريع الذي أحدثته طوال عقود طويلة. لكنها مجزرة كذلك من أجل إظهار "عظمة" روسيا، روسيا التي تريد أن تحلّ محلّ أميركا إمبريالية مهيمنة.

بدأ النظام المجزرة باستخدام كل أسلحته ضد الثورة، ضد الشعب. فهو نظام مافيا، يريد الاستمرار حتى وإنْ دمّر البلد. وحين ضعف، تدخلت إيران لكي تدعم الجهد، لكي تستمر المجزرة تحت عنوان دعم النظام. وكانت تستخدم سورية، كما حزب الله، ورقة في المساومات الدولية، وهي تريد أن تصبح "قوة إقليمية". وها إن روسيا تكمل الجهد التدميري، بكل أسلحتها الحديثة التي تستعرضها من أجل أن تجد مشترياً، مثل كل إمبريالية هدفها الربح.

تريد روسيا الآن الحسم العسكري، لكن هذا الحسم يقول بالتدمير الشامل لكل المناطق التي تسيطر عليها الكتائب التي تقاتل النظام بالتحديد، وليس داعش، أو حتى جبهة النصرة. وفي هذه السياسة التي هي سياسة أرض محروقة، استطاعت أن تسمح لقوات حزب الله وإيران أن تتقدم في مواقع عديدة، بعد قصف بدأ منذ آخر شهر سبتمبر/أيلول الماضي. وهي تنطلق من أنها، كقوة إمبريالية، قادرة على الحسم حين تقرّر، وأنها تفرض مصالحها بالقوة، وإنْ كانت نتيجتها التدمير الشامل.

لهذا، وجدنا أن المجزرة تتسع، وأن كل الإمبرياليات تغطيها، وكل الدول الإقليمية، بحيث لا يجري الحديث عنها، أو اعتبار أن ما تقوم به روسيا احتلال جديد، وتدمير شامل، وقتل متمادٍ. وحتى الأمم المتحدة تغطي على الأمر، وكأن ما يجري أمر "طبيعي"، طبيعي جداً. ولا شك في أن تفسير ذلك هو القصد الإمبريالي، والأميركي خصوصاً، في تأسيس "مثالٍ"، هو مجزرة بحق شعب تمرّد على النظام، لكي تخاف شعوب العالم التي باتت تعاني من الفقر والبطالة والتهميش، نتيجة النهب الإمبريالي، فلا تنفجر في ثورةٍ، كما حدث في البلدان العربية. "استلذت" على وحشية النظام، كما هللت للتدخل الإيراني، وإطلاق "الجهاديين"، وساعدت في ذلك. وها هي تطلق العنان لروسيا، لكي تكمل المجزرة، ويُمنع على الشعب السوري أي قدر من التسلح، لكي يواجه كل هذه الوحشية.

تحج دول الخليج العربي إلى روسيا، وباتت تعتبرها صديقاً، وأميركا "تهدد" المعارضة، وتحاول أن تدفعها لقبول الحل الروسي. وتسليح الكتائب التي تقاتل النظام متوقف منذ أكتوبر/تشرين الأول. وبالتالي، يبدو أن كل هؤلاء يشاهدون "ذبح الثورة" ربما بكل سرور. ولا شك في أنهم أصلاً عملوا على أن تكون عاجزة عن الحسم، بعد أن عملوا على الأسلمة، وتشكيل مجموعات سلفية تابعة لهم، وعزّزوا من قدرة "داعش" و"النصرة".

يجري في سورية ذبح الثورة كمفهوم، وكأمل يراود الفقراء، وليس ذبح الثورة السورية فقط. وفي ظل أعراس الرقص القائمة، تجري إعادة صياغة النظام العالمي، وبناء نظام عالمي جديد، معادٍ للشعوب، ووحشي تجاهها. في الوقت الذي يجري فيه التنافس على السيطرة، ليس بين أميركا وروسيا، فهما متفقتان، بل مع دول إقليمية، مثل تركيا. ويظهر أن دولاً إقليمية تريد السيطرة، وتعزيز وضعها، مثل تركيا وإيران، لكي تكون دولاً "عظمى" في "العالم الجديد". وذلك كله على جثة سورية، وعلى دم شعبها. لكن جثة سورية ودم شعبها لن يكونا مدخل بناء النظام العالمي الجديد، ولا مركز تقاسم العالم، بل ستكون الثورة السورية المفصل الذي سيهيّئ لثورات عالميةٍ هي قادمة حتماً، وما الوحشية التي ظهرت سوى الرد الناتج عن الرعب منها، عن معرفة أنها قادمة.

لكن، أيضاً لن تكون النتيجة انتصار النظام وإيران وروسيا، فالصراع مستمر، والشعب الذي ثار لن يعود خائفاً خانعاً لنظام مجرم، ولنظام عالمي إجرامي بطبعه.

======================

الضائقة التركية والتطبيع مع إسرائيل .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 11/2/2016

شهدت الأيام القليلة الماضية خطوات متسارعة تمهيداً لإعادة تطبيع العلاقات بين تركيا وإسرائيل، بعد ست سنوات من التوتر الذي تلا هجوم إسرائيل على «قافلة الحرية»، في 31 أيار/مايو 2010، حيث قتل عشرة مواطنين أتراك على يد القوات الإسرائيلية.

فقد استقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في 8 شباط/فبراير، رئيس الجماعة الموسوية في تركيا اسحق إبراهيم زادة ووفداً من مؤسسة «مؤتمر الرؤساء» اليهودية الأمريكية. أما رئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو فقد استقبل، بدوره، رؤساء الجمعيات اليهودية الأمريكية وممثلين من المجتمع المدني اليهودي في الولايات المتحدة. عقد الاجتماعان بعيداً عن الإعلام، ودارت تكهنات صحافية حول نقل إبراهيم زادة رسالة من بنيامين نتانياهو إلى مضيفه أردوغان.

ومن المفترض أن تكون عقدت جديدة من المباحثات السرية في إحدى المدن السويسرية، الأربعاء 10 شباط/فبراير، بين وفدين تركي وإسرائيلي بهدف إزالة العقبات أمام إعادة تطبيع العلاقات بين البلدين. ففي شهر كانون الأول 2015، عقدت جولة أولى بين الجانبين، أفادت التسريبات الإعلامية، حينذاك، عن خمس نقاط يتم العمل عليها:

تدفع إسرائيل مبلغ عشرين مليون دولار كتعويضات لعائلات القتلى والجرحى الأتراك في سفينة مرمرة الزرقاء بنتيجة الهجوم الإسرائيلي.

تعيين سفيرين للبلدين بالتقابل بما يعني عودة العلاقات الديبلوماسية إلى سابق عهدها الطبيعي قبل الهجوم المذكور.

تستصدر الحكومة التركية قانوناً من البرلمان تسقط بموجبه جميع الدعاوى القضائية المرفوعة ضد جنود وضباط إسرائيليين ممن شاركوا في الاعتداء على السفينة التركية، وتقطع الطريق أمام رفع دعاوى جديدة مماثلة.

وقف جميع أنشطة حركة حماس الفلسطينية في تركيا وإبعاد صلاح عروري عضو الجناح المسلح للحركة المذكورة من إسطنبول حيث مقر إقامته على ما تزعم إسرائيل.

بعد التوقيع على هذه البنود، تتعاون الدولتان في مجال الغاز الطبيعي، فتشتري تركيا الغاز الإسرائيلي ويتم تمديد أنابيب لتصديره إلى أوروبا عبر الأراضي التركية.

وتطالب تركيا برفع الحصار عن قطاع غزة كشرط لتطبيع العلاقات، الأمر الذي لا يتوقع أن توافق عليه إسرائيل. ومن المحتمل أن تضطر تركيا إلى التخلي عن هذا الشرط بسبب حاجتها الماسة، في الظروف الراهنة، إلى فتح ثغرة دبلوماسية مهمة تشكلها العلاقة مع إسرائيل. فالعلاقات التركية ـ الأمريكية ليست على ما يرام منذ بعض الوقت، بسبب التباين في سياسات البلدين إزاء الصراع الدائر في سوريا.

وقد وصل الأمر إلى حد استدعاء السفير الأمريكي في أنقرة، الثلاثاء، إلى وزارة الخارجية التركية لتبليغه باحتجاج تركيا على تصريحات أمريكية بشأن حزب الاتحاد الديمقراطي ـ الفرع السوري للعمال الكردستاني ـ اللذين تعتبرهما تركيا منظمتين إرهابيتين، في حين تقوم علاقات تحالف وثيق بين واشنطن والفرع السوري المشار إليه.

يزيد الطين بلة أن هذا الفتور التركي ـ الأمريكي، يأتي في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات التركية ـ الروسية توتراً شديداً، منذ إسقاط تركيا لطائرة سوخوي الروسية في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وتسعى روسيا بصورة منهجية إلى إخراج تركيا تماماً من معادلات الصراع في سوريا. وفي هذا الإطار، يشكل تقدم القوات الحليفة لنظام دمشق الكيماوي في ريف حلب الشمالي، تحت مظلة القصف الجوي الروسي المركز، خطراً شديداً على الأمن القومي التركي لأن من شأن نجاح هذا المسار أن يقطع آخر خط لوجستي بين حلب والحدود التركية، ما يعني فعلاً إخراج تركيا من معادلات القوة في الصراع السوري.

فإذا أضفنا وقوف واشنطن إلى جانب حكومة حيدر العبادي في نزاعها مع تركيا حول وجود القوة العسكرية التركية في بعشيقا، واضطرار تركيا إلى سحب تلك القوة شمالاً إلى مناطق الحكم الفيدرالي الكردستاني، نكون أمام مشهد من العزلة التركية الخانقة التي قد لا تكفي النافذة التي يوفرها تحالف أنقرة مع الرياض والدوحة للتخفيف منها.

تدرك أنقرة أهمية العلاقة مع تل أبيب واللوبي اليهودي في الولايات المتحدة لتحسين علاقاتها مع واشنطن من جهة، وللسعي إلى إنهاء التوتر مع موسكو من جهة ثانية. فقد حاولت الحكومة التركية مراراً أن تفتح قنوات حوار مع القيادة الروسية لإنهاء الحالة العدائية الناشئة عن إسقاط الطائرة الروسية، ولم تفلح في ذلك. لعلها تأمل بدعم إسرائيلي لهذا المسعى في ظل التنسيق المعلن بين موسكو وتل أبيب في سوريا. ليس من قبيل المصادفات، في هذا الإطار، تركيز الصحافة الإسرائيلية على ما يشكله حصار محتمل لمدينة حلب من خطر على أمن إسرائيل!

يبدو الهجوم الإسرائيلي على قافلة الحرية، اليوم، حدثاً موغلاً في القدم، ليس فقط بسبب السنوات الست التي تفصلنا عنه، بل لأن ثورات «الربيع العربي» التي انطلقت من تونس، في أواخر العام نفسه، وامتدت إلى بلدان عربية أخرى خلال فترة قصيرة، قد غيرت كل شيء في هذه المنطقة الملتهبة. وتبدو تركيا التي استثمرت في تلك الثورات واحدة من أكبر الخاسرين، على الأقل إلى الآن.

٭ كاتب سوري

======================

قراءة في المسار التفاوضي للأزمة السورية .. بشير عيسى

الحياة

الخميس 11/2/2016

معلوم أن بيان جنيف 1 الصادر في 30 حزيران (يونيو) 2012، حظي من حيث المبدأ بقبول مشروط من النظام السوري، تبعاً لقراءته وتفسيره، إلا أنه لم يصل الى حد الموافقة والتوقيع عليه. قابل ذلك تمسك واضح للمعارضة به، لا سيما بالفقرة المتعلقة بتشكيل هيئة حكم انتقالي شاملة.

وعلى رغم تعثره، ظل البيان يشكل المرجعية الأساس للحل السياسي الذي أقرته كل الاجتماعات والقرارات الدولية، وآخرها قرار مجلس الأمن الرقم 2254 تاريخ 18/12/2015.

فالمعارضة تعتبر بيان جنيف 1 شكلاً ومضموناً، نجاحاً سياسياً مثّل ذروة الخط البياني في حربها، ومرد ذلك وجود مزاج دولي متعاطف وداعم لها، إضافة لكون ميزان القوى على الأرض كان يميل لمصلحة الجيش الحر والفصائل الإسلامية المتحالفة معه، مقارنة بالنظام الذي كان مضطراً للذهاب إلى المفاوضات لأسباب عدة، منها ما هو شكلاني، كي لا يظهر بمظهر الرافض لأي حل سياسي، بحيث يصار إلى تحميله كامل مسؤولية استمرار الأزمة، ومن جهة ثانية كان يريدها منصة دولية، تمكّنه من مخاطبة الرأي العام العالمي.

أما لناحية المضمون، فيدرك النظام أنه، في حال بقائه، لن يكون بإمكانه الحكم منفرداً، فمشاركة المعارضة بالقرار السياسي وتداول السلطة باتت ضرورة بديهية، سواء على المستوى الوطني والاقليمي أو الدولي، كما نصت عليها قرارات مجلس الأمن. تأسيساً على هذه الثابتة التي أقرها واعترف بها، كانت للنظام مآرب تكتيكية واستراتيجية، يسعى عبرها إلى تطويع جنيف 1 وإزاحته بما يخدم مصالحه بأقل الأكلاف، عبر رهانه على عامل الوقت وما يمكن أن ينجم عنه من إضافات وتعديلات تواكب المسار التفاوضي. وهذا ما بدا جلياً في مندرجات القرار 2254 المؤسس لمفاوضات جنيف 3.

إن رصداً دقيقاً لسياقات المسار التفاوضي منذ جنيف 1، يجعلنا نلحظ نهجاً للنظام حيك بمنتهى البراغماتية، بالتنسيق مع حليفه الروسي، يقوم على دعامتين متشابكتين: الأولى، تتناول تمثيل المعارضة، والثانية مرتبطة بتظهير الارهاب وتسويقه. في الأولى اشتغل على مشروعية مَن يمثل المعارضة، كمقدمة لإحلال معارضة مكان أخرى، فميز بين «معارضة الخارج» التي رأى فيها امتدادا لمشاريع دول إقليمية وغربية، يأخذ عليها غياب الثقل المؤثر في الميدان، مقابل معارضة داخلية تختلف معها، في البرنامج والأهداف والآلية، إشارة منه إلى خلاف هيئة التنسيق الوطنية مع الائتلاف المعارض، ناهيك عن المعارضات التي تدور في فلكه.

في الثانية كانت المراهنة شاقة، على اعتبار أن معظم الفصائل المسلحة كانت تمثل نواة انشقاقات متفرقة عن الجيش النظامي، انضم إليها مدنيون من كل المناطق، وكان يؤخذ عليها غياب الهيكلية الواضحة والادارة الناظمة التي تفترض التنسيق بين هذه الفصائل، ما أوقعها في فوضى الاقتتال في ما بينها، فقدمت نموذجاً سيئاً عرف النظام كيف يجيّره لمصلحته، لا سيما في مسالة وقف العنف والنار أو العمليات العسكرية، كون ذلك شرطاً لازماً لإنجاح أي عملية تفاوضية، وهذا ما عكسه قول الأسد لكوفي عنان وبعده الابراهيمي: «الحكومة تستطيع الالتزام، ولكن ماذا عن الطرف المقابل، هل يستطيع أن يلزم كل المجموعات المسلحة»؟.

أمام واقع الحال هذا، بدأت تتبلور قيادة فاعلة دأبت على مأسسة الجيش الحر ليكون نداً للجيش النظامي، لكن ظهور النصرة، ومن ثم «داعش»، كقوة مرهوبة، أغرى المعارضة بالدخول معها في تحالف ميداني وتبنٍ سياسي، فكانت الخطيئة التي راهن عليها النظام، ليعيد تعويم نفسه أمام المجتمع الدولي، وذلك مع قيام مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي بإدراج «داعش» والنصرة على لائحة الارهاب، ما وضع المعارضة المسلحة بين مطرقة النظام وسندان «داعش» والنصرة على الأرض.

وشيئاً فشيئاً كان «داعش» يبتلع فصائل ومواقع الحر، ومعها أيضاً فصائل من النصرة، لا سيما في المحافظات الشرقية والريف الشمالي والشرقي لحلب، فيما سيطرت النصرة على محافظة إدلب، مقابل عجز الحر عن امساكه بأي محافظة!. وبين النظام ومعارضيه، كانت وحدات حماية الشعب الكردية تحقق انتصارات ميدانية مؤثرة ضد «داعش» وتحديداً بعد معركة كوباني، وبدعم أميركي ومن ثم روسي، أعطى مؤشراً إلى تفاهم روسي - أميركي، فانضوت وحدات الحماية الكردية تحت غطاء يحمل اسم قوات سورية الديموقراطية، وذلك كمقدمة لإشراكها في العملية السياسية، وكبديل عن القوى المعتدلة التي كانت تبحث عنها واشنطن لمحاربة «داعش»!.

بهذا المسار المتسارع بعد التدخل الروسي العنيف، بحجة مكافحة الارهاب، جاءت اجتماعات فيينا 1 و2 للمجموعة الدولية لدعم سورية، على وقع تفجيرات باريس الارهابية، لتشكل محطات أساسية مضافة الى جنيف 1، عكسها القرار الأممي الرقم 2254، وهو ما كان يعول عليه النظام، للذهاب إلى جنيف 3!. فالقرار استبدل فقرة هيئة الحكم الانتقالي بفقرة «إقامة حكم ذي صدقية وشامل وغير طائفي»، كما ضم الى وفد المعارضة الأساسي أطرافاً أخرى، في طورها لأن تصبح وفوداً مستقلة، إلى جانب وفد الهيئة العليا للمفاوضات الذي تدعمه الرياض، حيث تشير الفقرة العاشرة من القرار إلى هدف «جمع أوسع طيف من المعارضة».

كما ضمّن القرار منع وقمع الأعمال الارهابية التي يرتكبها كل من «داعش» والنصرة، وكل الأفراد والمجموعات والكيانات المرتبطة بالقاعدة وتنظيم الدولة وغيرها من الجماعات الارهابية، وفق توصيف مجلس الأمن. وفي حال قدّم الأردن قوائم بهذه الجماعات، فسيعتبرها النظام مكسباً إضافياً له، وفي حال تعذّر ذلك، سيكون لوفد الحكومة الحجة لتعطيل جنيف 3. وفي كلتا الحالتين، سيكسب النظام مزيداً من الوقت، ما لم تحقق المعارضة تغييراً في ميزان القوى، حيث يبقى الميدان، صاحب الكلمة الفصل.

======================

روسيا وإيران تتقدمان في سورية ...وكيري يهددهما بـ «الخطة ب» .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 11/2/2016

تبدو الصورة قاتمة للغاية في حلب ومنطقتها حيث يستخدم طيران ومدفعية روسيا والنظام السوري كثافة نارية هائلة في تدمير ممنهج لمناطق تمركز المعارضة، تستغله الميليشيات الإيرانية من «الحرس الثوري» و «حزب الله» والهزارة و «الألوية الشيعية» العراقية في التقدم بهدف محاصرة المدينة وقطع خطوط الإمداد إليها، في وقت تتولى واشنطن لجم أنقرة ومنعها من أي تدخل، إذا كانت تفكر في ذلك أصلاً، بعدما أقفل الروس المجال الجوي السوري أمام طيرانها، من دون أي رد فعل من الأميركيين وحلف شمال الأطلسي.

ويعني هذا أن المعارضة السورية التي أبدت ممانعة في الذهاب إلى «جنيف 3» لأنه من دون أولويات ومرجعية واضحة، ثم قررت بعد ذهابها عدم التفاوض في ظل استمرار العمليات العسكرية الروسية، وخصوصاً قصف المناطق المدنية، تخضع حالياً لعملية «تأديب» مشتركة بين أميركا وروسيا كي تستجيب الشروط التي صاغتها الدولتان الكبريان في قرار مجلس الأمن 2254، وأصرتا عليها في إبداء وزيري خارجيتيهما الاستياء من تأجيل المفاوضات، ما يحول في رأيهما دون نجاح الحرب على «داعش».

أما تركيا التي لا يهمها فعلياً سوى «العامل الكردي» المساعد في الهجوم على المعارضة وفي تغطية العمليات الروسية، فتكتفي بالإعراب عن قلقها من حصار حلب واحتمال سقوطها، وتهرب إلى الانشغال بقضية اللاجئين الجدد الذين أقفلت حدودها في وجههم، لتغطية عجزها عن القيام بما يمكنه التخفيف من الاندفاعة الروسية التي تهدد نفوذ أنقرة في المنطقة المعروفة بروابطها التاريخية معها.

وفي وقت يتجنب الأميركيون أي صياغة سلبية في تصريحاتهم عن الوضع في الشمال السوري، يواصلون مواقفهم الخطابية بدعوة الروس إلى القبول بوقف إطلاق النار من دون ضغط فعلي لجعل ذلك ممكناً. ويكتفي جون كيري بالحديث عن «الخطة ب» في حال لم يتمكن من التوصل إلى اتفاق على وقف القتال اليوم في ميونيخ. وهو ما قابلته موسكو بازدراء لأنها تعرف أن مصير هذا التهديد لن يكون أفضل من مصير التهديد الذي لوح به أوباما عندما استخدم جيش بشار الأسد السلاح الكيماوي في غوطة دمشق العام 2013 وانتهك «الخط الأحمر» الأميركي.

وفي المقابل، تسترضي موسكو واشنطن بمواقف مجانية في المنطقة الآسيوية التي تركز اهتمامها عليها، على غرار إدانة إطلاق كوريا الشمالية صاروخاً باليستياً خلال مداولات مجلس الأمن، على رغم أن المعلومات تشير إلى أن بيونغيانغ حصلت على مكونات رئيسية في الصاروخ من الروس أنفسهم.

لم تترك إيران مجموعة تابعة لها في العالم لم تشركها في القتال في سورية، مكذبة كل التوقعات والادعاءات الأميركية بأنها ستصبح بعد الاتفاق النووي «أكثر اعتدالاً ومرونة» في التعاطي مع الوضع الإقليمي، وأنها ستلتفت إلى مصالحها الاقتصادية المستجدة مع العالم. لكن ما حصل هو أن العالم كله تهافت على مصالحه معها من دون أي مبالاة أخلاقية أو إنسانية بنتائج الهجمة التي تشنها على أكثر من جبهة عربية.

أما المدنيون السوريون الذين يواجهون منذ خمس سنوات أشرس حرب إبادة تعرض لها شعب على الإطلاق، فلا خيار أمامهم سوى المزيد من التشرد، في ظل انشغال دول العالم بتصنيف من يصلح منهم للحصول على اللجوء، بينما لا يملك مقاتلو المعارضة غير مواصلة معركتهم، مستندين إلى القلة من الدول العربية التي تدعمهم، ولكنها لا تملك للأسف حرية تخطي الحدود التي رسمتها واشنطن لتسليحهم.

======================

العرب وروسيا.. والثورة السورية .. د.خالص جلبي

الاتحاد

الاربعاء 10/2/2016

انتهت مفاوضات جنيف 3 إلى الفشل وعلقت حتى نهاية فبراير الجاري. كان الجعفري يتكلم بلهجة أستاذ مدرسة ابتدائية سورية، من العصر البعثي، وهو يلوح بالمسطرة (عفواً بالعصا) للتلامذة، ثم من شدة تدينه قال إن قرآنه أوحى له أن لا شروط مسبقة للتفاوض!

الجديد أيضاً ما كتبه ستيفن هايدمان من موقع بروكينج للأبحاث، إذ قال إن مَن نسف المفاوضات قبل أن تبدأ هو إدارة أوباما أمام عقدة بشار الأسد! ولا أحد يتحدث عن الثورة السورية في عامها الخامس، وما قدمه السوريون فيها من دماء ودموع وأشلاء وأنقاض!

لقد مرت فرنسا في ثورتها، كنموذج للثورات، من سقوط الباستيل عام 1789 إلى الإمبراطور نابليون عام 1804 الذي أغرق أوروبا بدم مليون قتيل، ليأتي من بعده لويس الثامن عشر عام 1814، فشارل العاشر عام 1824 ثم لويس فيليب عام 1830، فنابليون الثالث الذي بنى أعتى سجن في غابات جوايانا ليهزم شر هزيمة أمام بسمارك في حرب عام 1870، ثم كومونة باريس، ومن بعدها حكم الديكتاتور بيتان قبل أن تولد الجمهورية الحالية. لم تحقق الثورة الفرنسية أهدافها الاجتماعية والسياسية والاقتصاد إلا على فترات مديدة، بل إن بعض أهدافها (مثل الأخوة) لم تتحقق إلى الآن.

وينظر الاقتصادي «عبد الحي زلوم» إلى الحرب في سوريا من منظور اقتصادي، وهو يرى أن هناك حرباً عالمية اقتصادية تخاض بكل ضراوة، وفي إطارها يتم دفع أسعار البترول إلى الهاوية، مما يجعل الدول العربية المنتجة للنفط تخسر كل يوم 1,5 مليار دولار بهذا الهبوط الأسطوري من 150 دولاراً للبرميل إلى 30 دولاراً. ويرى هذا الخبير الاقتصادي أن خيوط اللعبة الأساسية هي بيد أميركا، وأميركا وحدها، فهي كانت حتى عام 1970 منتجة للنفط لتصبح مستوردة، تقوم منطقة الشرق الأوسط بضخ 17 مليون برميل يومياً لتشرب أميركا منها 7 ملايين برميل، لكنها أخذت تعصر الزيت من الصخر والرمل، وإن بكلفة باهظة تزيد عن ثلاثين دولاراً للبرميل. ومع تدني السعر إلى ثلاثين دولاراً أصبح الإنتاج بغير جدوى، وفي الوقت الذي يحاول الاقتصاد الروسي امتصاص الصدمة، وكانت التوقعات أن الكارثة ستحل به مع سعر الثلاثين دولاراً، والذي دفع فعلا الروبل إلى نصف قيمته، فإن روسيا عالجت الصدمة برافعات الضغط الدموي مثل حالات الإسعاف القصوى.

وبذلك تحاول أميركا دفع روسيا إلى الهزيمة من خلال هذه الحرب الشرسة عبر إغراق روسيا اقتصادياً ودفعها للغرق في الرمال السورية. ولعل تحليل «زلوم» يلتقي مع ما ذهب إليه هايدمان في أول المقالة. لكن من يدفع الثمن هم العرب. وهو ما يذكرنا بقصة الغلام والوصي، فقد كان الوصي على أموال الطفل يستعرض كل سنة ما صرف ويقول: يا بني صرفنا ثمن نعال للجمال كذا وكذا.. حتى إذا نضج الغلام استنكر فقال: يا عماه، ولكن الجمال لا توضع لها نعال. فرح الوصي وقال: كان اختباراً لرشدك، فهذه أموالك ترجع إليك. وكذلك الحال مع السفيه، فنحن لم ننضج بعد وما زلنا ندفع ثمن نعال الجمال شيعة وسنة عرباً وإيرانيين.

======================

أيها المتحاربون.. راعوا الفئات الضعيفة! .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الاربعاء 10/2/2016

تتعاظم المأساة السورية غير المسبوقة، لتفوق ما ينتجه البشر من موبقات هائلة ويعجز هؤلاء عن التعبير عنه. ومن مظاهر ذلك المشهد أن نجد أنفسنا أمام بشر يموتون جوعاً، أي يعجزون عن إيجاد ما يحافظ على وجودهم «البيولوجي»، «ولو بشق تمرة».

إن الطبيعة لم تحرم أحداً من لقيمات يسد بها جوعه في رحلته الطويلة عبر الزمن. إنها رحلة تاريخية تابعها علماء من مختلف التخصصات ووصلوا إلى أن الإنسان أو الكائن الذي أصبح عاقلاً مفكراً بامتياز، غدا أسمى الكائنات على الأرض، ليس لأنه أصبح قادراً على إنتاج أكله فحسب، وإنما أيضاً لأنه يملك ويجسد الآدمية والكرامة والحرية! هذا هو واقع الحال، مؤكداً معه على مبدأ حفظته الشعوب في عقولها وقلوبها، هو: الدّم لا يصير ماءً.

في ضوء ذلك وغيره، ربما نصل إلى نتيجة هائلة الدلالة، هي تلك التي جسدها الخليفة الأول أبو بكر الصديق في مواقفه من الشعوب والمجموعات غير المنتمية للإسلام، خصوصاً أثناء الحروب (انظر كتاب «السيرة النبوية» لابن هشام).

وإذا كان ذلك الذي فعله الخليفة الصدِّيق يحمل رهافة ثقافية وعمقاً تاريخياً تنويرياً وإنسانياً، فإنما كان يمثل -بقدر ما- حاملاً لآثار حضارية سابقة عليه وكان هو وارثاً لها، نعني وارثاً لإرث حضارة الشرق القديم وما تشابك معها وترابط من حضارات غربية كانت منتشرة في مناطق اللون الفسيح والمتنوع.

في سياق ذلك كله، أي سياق الوجود الإنساني الأكثر ضعفاً، نعني ذلك الوجود المتجسد بالطفل وبالمرأة وكبير السن، وأخيراً بذلك المدني الذي لا يحمل سلاحاً أو يأبى (بمروءة) أن يحمله في وجه مواطنيه، قبل أن يستنفد إمكانات السلام معه حتى النهاية. وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يكون الأمر حين ينطلق في مواجهة مواطنيه، دون أن يقدم الممكن الحقيقي من الإصلاح لهم، بقطاعاته التي تتصل بحفظ السلامة والكرامة، خصوصاً إذا كان الأمر كذلك، وقد غدا من مطلقات المواقف والأمور أن يقدم لهم ما يحافظ على سلامتهم وصحتهم وكرامتهم، ناهيك عن الاستقواء بأغراب يمعنون في تدمير سوريا وقتل السوريين!

ذلك ما رأينا ضرورة التأكيد عليه في الوطن العربي كله. ها هنا يصبح القول الشهير التالي قولا يهز أعماق الوجود البشري: الإنسان أغلى الكائنات وأكثر الرساميل غلاءً، خصوصاً ما يجسده الطفل والمرأة والعجوز والمدني المسالم، والمعارك العسكرية والاقتصادية مع منعكساتها التدميرية على البشر والحجر، تظهر خصوصاً بأشكال كارثية في وسط تلك الفئات الضعيفة والمسالمة. ومن ثم، كان احترام المجموعات المذكورة، وعدم التعرض لها أمراً يوازي الوجود البشري نفسه.

في ضوء ذلك كله، فإن ما يحدث من حروب ملعونة وطائشة في أقطار من الوطن العربي (اليمن وسوريا وليبيا والعراق... إلخ)، يمثل حالة بؤس بشري وإضعاف اقتصادي، وتفكيك جغرافي وطائفي، وتراجع حضاري، وتحول إلى وضع من الهشاشة والضعف، ما يمكن أن يفتت ذلك الوطن العربي ويخرجه من التاريخ البشري.

في ضوء ذلك كله، وهو نفسه غير مضيء، نعلن من جديد وربما للمرة الأخيرة، أن إنقاذ الوطن العربي -ومن ضمنه سوريا- إنما يعني ما قلناه مراراً: الكف عن الحرب والجنوح إلى السلم، الآن. فأن تأتي متأخراً أفضل من أن تأتي غداً أو ألا تأتي أبداً.

======================

عن وقف إطلاق النار في سورية .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاربعاء 10/2/2016

تقول المعلومات إن لقاء ميونيخ الذي سيتم غداً الخميس سيطالب بوقف إطلاق النار في سورية. هذا خبر جيد للسوريين الذين عانوا الأمرّين من إطلاق النار عليهم، على يد النظام الأسدي أولاً، ثم بواسطة جيوش إيران ومؤسساتها العسكرية المتنوعة، ومرتزقتها، وأخيراً جيش روسيا الجبار الذي يمتلك تقنيات قتل وتدمير شديدة التطور، أعلن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بفخر واعتزاز قبل أسبوعين أنه" لا مثيل لها في أي جيش آخر من جيوش العالم".

من المهم جداً وقف إطلاق النار في سورية الذي يتوزع، وفقاً لمتابعاتي على النحو التالي: 60% للجيش الروسي، 20% لجيش ملالي إيران، 10% لجيش الأسد وحليفته الاستراتيجية داعش، و10% للجيش الحر والفصائل. بما أن القسم الأكبر من إطلاق النار يأتي من الجانب المعادي للشعب السوري، ويعادل 90% من النار التي تطلق ضد سورية وفيها، فإن وقف إطلاق النار لن يكون حقيقياً وجدياً، إن بدأ بالجيش الحر والفصائل، أو اقتصر عليهما. وسيكون، في المقابل، ملموساً وحقيقياً، إن طبقته، والتزمت به القوى الغازية والمعادية لشعب سورية، ليس فقط لأنها التي بدأت إطلاق النار، بشهادات مؤسساتٍ دوليةٍ ومحايدةٍ لا حصر لعددها، وإنما أيضاً لأن قتل السوريات والسوريين، وتدمير وطنهم، يتم بصورةٍ تكاد تكون حصريةً على يديها. ومن يراقب مجريات الأسبوعين الماضيين، التاليين للقاء جنيف، ستكون لديه أدلة كافية على صحة ما أقول. وواقعة أن من بدأوا بإطلاق قدر جحيمي من النار على الآمنين، في قراهم وبلداتهم شمال حلب وفي كل مكان آخر من سورية، لا بد أن يوقفوا نيرانهم قبل أي تفاوض، لأنها لعبت دوراً كبيراً في تقويض جنيف والحل السياسي، خصوصاً بعد إعلان وزير خارجية روسيا، سيرغي لافروف، أن جيش بلاده لن يوقف إطلاق النار في سورية، قبل القضاء التام على الإرهابيين، وتعريف وزير خارجية النظام، وليد المعلم، الإرهابي بأنه "كل من يحمل السلاح ضد الدولة"، أي مقاتل الجيش الحر الذي ذهب ممثلوه إلى جنيف، بحثاً عن حل سياسي، فأبلغهم لافروف، بجلافته المعهودة، أن السلام معهم مستحيل، وأنه لن يوقف عملياته القتالية ضدهم إلى أن يقضي عليهم. طالب قرار مجلس الأمن 2254 بوقف إطلاق النار، فقال الروس إن إطلاق الحرب هي سبيلهم إلى الحل السياسي، وصبوا على الشعب السوري طوفان نارٍ يشبه الجحيم، كان معظم ضحاياه، كالعادة، من المدنيين الذين يمنع القانون الدولي، وأي قانون وطني، استهدافهم، لأنهم ليسوا جهةً محاربةً أو مسلحة، فإن استهدفوا عد ذلك جريمة حرب وجريمةً ضد الإنسانية يعاقب مرتكبها، عوض أن يسكت المجتمع الدولي عن جرائمه، وتتجاهلها الأمم المتحدة ومجلس أمنها، مثلما نرى في الحال السورية.

نعم لوقف إطلاق النار، على أن يطبقه فوراً من بادر إلى إطلاق النار على مواطني"ه"

"ليس وقف إطلاق النار مطلباً يجوز أن تتساوى فيه قوات الثورة مع جيوش غزاة سورية" المسالمين، المطالبين بالحرية، وقتل منهم نحو ثلاثين ألفاً، قبل أن يحمل أي منهم السلاح دفاعاً عن نفسه. ونعم لوقف إطلاق النار، إن التزم به غزاة سورية ومرتزقتهم الذين يعلنون رفضهم له قبل القضاء على الجيش الحر، ولا ضمانة لتقيّدهم به، غير خروجهم من بلادنا الذي وحده يعيد الأمن والسلام إليها، ويضع حداً لحروب الآخرين وصراعاتهم فيها، ويرد إلى ثورتها طابعها الداخلي/ الوطني كثورة حرية، حولتها صراعات القوى الأجنبية وتناقضاتها إلى تصفيات حسابات ومعارك خارجيةٍ، لا علاقة للسوريين بها، وليس من مصلحتهم الانخراط فيها.

هناك، في ما يتعلق بوقف إطلاق النار، وجهتا نظر متناقضتان: واحدة تراه منفصلاً عن الحل السياسي، وأخرى تراه بدلالته، وتعتبره جزءاً تكوينياً منه، لا يجوز فصله عنه، أو إفضاؤه إلى نتائج مناقضة له. يتبنى أعداء الشعب السوري وغزاته التصور الأول، على الرغم من أن القرار 2254 يربط تنفيذ وقف إطلاق النار بتقدم الحل السياسي، ونتبنى نحن، أهل الثورة والحل، التصور الثاني الذي يضعه في خدمة حل سياسي سلمي نسعى إليه، ونريد أن تسهم فيه جميع الأطراف السورية، بما فيها جهات من النظام، تقول وثيقة جنيف1 إن قبولها الانتقال الديمقراطي يجعلها شريكاً في النظام القادم، بينما يعلن أعداؤنا أن القضاء علينا هو الحل، وأنهم سيستمرون في إطلاق النار، لأنه هو، وليس التفاوض، سبيلهم إلى بلوغ هدفهم، وهو القضاء على الشعب والثورة.

ليس وقف إطلاق النار مطلباً يجوز أن تتساوى فيه قوات الثورة مع جيوش غزاة سورية، من غير الجائز أيضاً انطلاق المساعي الدولية من فكرة خاطئة، تعتقد أن للطرفين المسؤولية نفسها تجاه وقف إطلاق النار، ليس فقط بسبب التفاوت بين طبيعة الغزاة وأهدافهم ودورهم وطبيعة الجيش الحر وأهدافه، وإنما كذلك بسبب محدودية إطلاق نار المدافعين عن الثورة، بالمقارنة مع نار الغزاة الروس والإيرانيين وتابعهم الأسد.

ليوقف قتلة الشعب السوري إطلاق النار، فتتوقف الحرب في سورية.

======================

بشار الأسد... الذي يكمن في التفاصيل! .. خلدون النبواني

الحياة

الاربعاء 10/2/2016

أذكر أنني قرأت قصة طريفة في أحد كتب الأديب والطبيب السوريّ الراحل عبدالسلام العجيلي، وأظنه كان كتاب «جيل الدربكة» الصادر عام 1990 عن «دار الريس». تتحدث القصة عن حادثة جرت مع مريض في الولايات المتحدة ظهر له مسمار لحم في خنصر قدمه مما سبب له ألماً ومعاناة فقرّر أن يتخلص منه بعملية جراحية. طبعاً العمليات الجراحية من هذا النوع بسيطة ولا تحتاج سوى الى تخدير موضعي، لكن المريض كان لديه رعب من رؤية الدم وأدوات الجراحة، فطلب أن تُجرى له عملية تخدير كلية ليصحو بعدها ويجد نفسه وقد تخلص من مسمار اللحم ذاك.

مع دخوله غرفة العمليات بدأت سلسلة حوادث مضحكة مبكية، إذ يبدو أن نسبة المُخدّر الذي حُقن به كانت كبيرة مما أدى إلى حدوث اضطراب عنيف في تنفسه، بحيث وصل الأمر إلى ضرورة ثقب الرغامى ووضع أنبوب لإيصال الهواء إلى الرئتين. لكن العملية كانت تحتاج إلى نقله إلى غرفة عمليات أخرى في طابق أدنى من الذي أجريت فيه عملية المسمار. ولسوء حظه كان المصعد الكهربائي معطلاً يومها فاستُدعي ممرضون على عجل لنقله على حمّالة، بيد أن أحد المُمرضين تعثر فسقط وسقط بسقوطه المريض المُخدّر وراح يتدحرج على الدرج كالجثة الهامدة، ما سبب له مجموعة كسور في جسده. بعد زوال المُخدّر استعاد المريض وعيه فتفاجأ بنفسه مُربّطاً بأقمشة كالمومياء، وذراعه وساقه مجبّرتان بالجبس وهناك أنبوب يخرج من عنقه المفتوح ليمرّر له الأوكسجين. اجتمع الأطباء والممرضون حوله مبتسمين مؤكدين له بأن كل العلميات التي أجريت له تمت بنجاح منقطع النظير وبأنه محظوظ لتوافر فريق طبي ماهر.

وإذ تسابق الصحافيون لتغطية الحدث، قال المريض، ما إن استطاع التحدث، إنه لم يكن يعرف بشيء مما حدث له نتيجة التخدير، لكن أكثر ما يزعجه أن المسمار اللعين لا يزال في خنصر قدمه وأن أحداً لم يقترب منه لانشغالهم بالعلميات الأُخرى الطارئة.

أستعيد هذه القصة من الذاكرة لإسقاطها على واقع الثورة في سورية ونجاح نظام الأسد بكل مهارة في إشغالها بالعمليات والتفاصيل الكثيرة ثم الدخول في تفاصيل التفاصيل لإبعاد الرأي العام وفعاليات الثورة عن الهدف الأساسيّ، وهو إسقاط ذاك النظام الذي ظل كمسمار اللحم اللعين.

في مؤتمره الصحافي حول لجنة تقصّي الحقائق العربية، قال وليد المعلم بسخرية مملوءة بالدلالة، إن على اللجنة أن تتعلم السباحة إذ ستغرق في تفاصيل الحالة السورية. وهذا ما حصل، ليس فقط مع تلك اللجان وإنما في جميع محاولات التدخل أو التوسط الخارجي، إذ كان النظام يُغرق الجميع بالتفاصيل، كأن يطلب مثلاً تفسير بعض المصطلحات كالشبيحة، والبراميل المتفجِّرة، ويطالب بأسماء الوفود المشاركة في هذه اللجنة أو ذاك اللقاء الخ...

في بحر التفاصيل أُغرقت أهداف الثورة وأُشغل العالم عن أسبابها. فُتح الكثير من الملفات التي انشغلت بها المعارضة، من اللاجئين إلى الإغاثة إلى توحيد المعارضة إلى الإرهاب وداعش وربط المعارضة بالإسلام المتطرف إلى ما هنالك. وبهذه الاستراتيجية الدقيقة حُرف الانتباه عن الثورة ومُيّع كل شيء. هذا بالإضافة إلى استراتيجية إعلامية مدروسة منذ البداية جعلت كل ما يقال عن الوضع السوريّ قابلاً للتصديق والتكذيب بالقدر نفسه. هكذا قضي على معيارية الصدق وقُتلت الحقيقة عبر الضخ الإعلامي الهائل والتكذيب المستمر للأخبار. وقد حدث مراراً أن بثّت الستخبارات السورية أشاعات تلقفتها وتبنتها جهات إعلامية موالية للثورة ثم أثبت إعلام النظام كذبها بالوقائع.

هكذا تلاعب النظام ولا يزال بعقول الناس ومشاعرهم بحيث يضيع كل معيار لتمييز الصدق من الكذب والصحيح من الخاطئ والمعقول من غير المعقول.

وللتخفيف من خسائر الثورة، لعل المطلوب اليوم العودة إلى البدايات قبل تراكم هذه الجبال من التفاصيل وتفاصيل التفاصيل، والعودة إلى النبع حيث كانت الثورة واضحة الأصوات والتوجهات والمطالب، وقبل أن تغرق في بحار التفاصيل التي دفعها إليها النظام وخنقها بها. ولعل رفض المعارضة السورية مؤخراً في مؤتمر جنيف 3 الدخول في لعبة تفاصيل النظام، التي لا هدف لها سوى إضاعة الوقت، كان استفاقة ولو متأخرة من اللعب مع النظام بأوراقه وخدعه وأحابيله وتفاصيله اللامنتهية.

قديماً قيل: «في التفاصيل يكمن الشيطان»، وبناءً على هذه المقولة وعلى ضوء ما شُرح أعلاه، يمكننا القول: «في التفاصيل يكمن سر بقاء بشار الأسد ونظامه» قبل أن يكمن في الدعم العسكريّ الإيراني والروسيّ غير المحدود.

======================

مؤتمر جنيف وخلط الأوراق من جديد .. المطلوب إدارة حكيمة للعلاقات الوطنية لدى المعارضين لحكم الأسد .. محمود عثمان

القدس العربي

الثلاثاء 9/2/2016

لعبت المعارضة السورية ورقة قمار من العيار الثقيل، عندما أعلنت أنها لن تذهب إلى مفاوضات جنيف fدون أن تتحقr بعض مطالبها الإنسانية، مثل فك حصار التجويع الذي يفرضة نظام الأسد وحزب الله اللبناني على مناطق عدة في ريف دمشق مثل، مضايا والزبداني وغيرهما، والسماح بإيصال المساعدات الإنسانية، ووقف البراميل المتفجرة والقصف العشوائي الذي يستهدف المدنيين.

الهيئة العليا للمفاوضات تدرك على وجه اليقين انخفاض سقف الدعم الذي يمكن أن تحصل عليه من الأشقاء والأصدقاء، إن هي صعدت ورفعت سقف مطالبها، خصوصا بعد الانحياز الأمريكي الكامل لوجهة النظر الروسية والإيرانية، وهي تدرك جيدا أن الانتقال من مرحلة الدعم إلى مرحلة التبني له وعليه، وأن ضرره يصبح أكثر من نفعه في الأوقات الحرجة، إذ أنه يحد من المرونة وقابلية المناورة، فيجعلها في حدود ضيقة، لأن الضغط الذي تمارسه الدولة الراعية المتبنية سيكون حاسماً، بل سيتحول إلى ما يشبه أوامر لا مناص ولا مهرب من تنفيذها، والأخطر من ذلك هو تسهيله مهمة القوى الدولية العظمى. فقد سهل اليوم على الأمريكان ممارسة ضغوط حقيقية كبيرة على المملكة العربية السعودية لتتحول تلك الضغوط إلى المعارضة السورية بشكل تلقائي.

السؤال، لماذا دخلت الهيئة العليا للمفاوضات في هذه المقامرة الخطيرة، وهي تدرك جيداً أنها لن تحصل على أي تنازل من الطرف الآخر؟ والسؤال الأهم من هو المقصود، النظام أم الروس، أم الأمريكان، أم الأمم المتحدة ومجلس الأمن؟

أسباب عدة دفعت المعارضة لاتخاذ موقفها الصلب هذا، يأتي على رأسها ردة الفعل على تماهي الموقف الأمريكي مع الموقف الروسي، والصلف الكبير الذي ميز مواقف المسؤولين الروس في الأيام الأخيرة، خصوصا وزير الخارجية سيرغي لافروف، وكأنهم حسموا المعركة لصالحهم، وبعض التقدم الاستعراضي الذي حققه النظام في جبهة الساحل بعد استخدام الروس سياسة الأرض المحروقة هناك، واضطرار الثوار للتخلي عن بعض المواقع الاستراتيجية، كل ذلك ألقى ظلالا نفسية سلبية لدى جماهير الشعب السوري الداعم للثورة، فجاءت خطوة الهيئة العليا للمفاوضات لتؤكد على تمسكها بثوابت الثورة، ما أشاع جوا إيجابيا قوبل بارتياح شديد لدى غالبية السوريين. الأمر الآخر إبراز السكوت الدولي الذي يقترب من حالة التواطؤ على جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية التي يرتكبها نظام بشار الأسد بدون رادع، فالمطالبة بفك الحصار عن المناطق التي يموت أهلها جوعا، بحسب تقارير الأمم المتحدة نفسها، تسجيل رسمي لتلك الجريمة التي يشارك فيها الجميع، في خانة مجلس الأمن تحديداً. ثم الرد على الروس الذين يريدون السيطرة على المشهد السوري بشكل كامل، بالتدخل ليس في دعم نظام الأسد وحسب، بل بتشكيل وفد المعارضة أيضا، وهذا نادر الحدوث تاريخيا.. أن يتدخل الروس لصالح طرف بشار الأسد سياسياً وعسكريا وميدانياً، قد يكون مقبولاً، أما أن يتدخلوا بعد ذلك في تشكيلة وفد المعارضة فهذه حالة يندر حدوثها، وهي أسوأ بكثير من توقيع الخاسر عسكريا صك استسلامه على بياض. وأحد الأسباب هو إدراك المعارضة أن اجتماع جنيف ليس سوى حلقة من حلقات المسلسل السوري الطويل، إذ لا إرادة دولية للحل، ولا تفاهم على ماهيته وطريقته. فتصبح عملية جمع النقاط هي الأولى والأجدى عندما يحظر استعمال الضربة القاضية على جميع الأطراف.

سيكون اللعب على عامل الوقت السلاح الأقوى الذي تملكه المعارضة السورية، لأن الروس في عجالة من أمرهم، وكذلك الأمريكان. لن يستطيع الروس حسم المعركة من الجو، ولن يستطيع النظام الاحتفاظ بالمناطق العسكرية التي كسبها مؤخرا، من أجل استثمارها سياسياً على طاولة المفاوضات، كما أن تضارب الأجندات الروسية والإيرانية والأمريكية تجعل عملية الحسم لأي طرف مستحيلة.. والأمريكان كذلك في عجالة من أمرهم، لأن المسألة السورية باتت تشكل الخاصرة الرخوة لإدارة أوباما التي يهاجمه منها خصومه، حيث تخبطه وفشله فيها واضحاً. فهو يريد أن يضع القضية السورية في سكة التفاوض على الأقل ليظهر أمام الناخب الأمريكي أنه أحرز شيئا ما.

في المقابل بلغت المسألة السورية حدا من التداخل والتعقيد تخطت فيه مرحلة الصراع بين النظام والمعارضة، إلى مرحلة تداخلت فيها المعادلة السياسية بطريقة عجيبة، حيث هناك كثير من المنشقين عن النظام هم أقرب في طريقة ونمط تفكيرهم للنظام منهم للمعارضة.. هذا ما تبادر إلى ذهني وأنا أشاهد حلقة من برنامج «الذاكرة السياسية» مع وزير الثقافة السابق دكتور رياض نعسان الآغا، الذي بدا لي أنه انشق عن النظام تحت وطأة الرفض الأخلاقي للعنف الماحق الذي استخدمه النظام ضد الشعب السوري، بدون اعتراض يذكر على طبيعة النظام وتركيبته، لكن موقفه هذا دفعه ليلتقي في خندق واحد مع فصائل تملك أفكارا وأيديولوجيات أخرى مختلفة تماما مثل، أحرار الشام وجيش الإسلام وغيرهما.. كذلك انفصلت عن المعارضة شخصيات وقوى سياسية كانت تطالب بتحسينات شكلية في النظام، لكنها لا تريد تغييرات جذرية فيه. وقد ساهم المبعوث الأممي ديمستورا من خلال محاولاته ضم كل من هب ودب من شخصيات وأحزاب وقوى سياسية ومنظمات مجتمع مدني، بعضها أسس خصيصا لحضور اجتماعاته، في عمليته السياسية التي اتخذت من إدارة الأزمة لا حلها، شعارا ودستوراً لها، ساهم هو الآخر في خلط الأوراق وجعل المشهد أكثر صعوبة وتعقيداً.

في المحصلة، ليس كل العاملين على إسقاط بشار الأسد اليوم متفقين بالضرورة على المرحلة التي بعدها غداً، بل من المرجح أنهم سيختلفون، وقد يقتتلون إن لم تكن هناك رؤية وطنية للحل، وإدارة حكيمة للعلاقات الوطنية.

كاتب وناشط سوري

======================

معضلة «جماعة موسكو» .. عمّار ديّوب

الحياة

الثلاثاء 9/2/2016

لسوء حظ قدري جميل، فإن مساعيه في الوصول إلى أرفع منصب يتسلمه «شيوعي» في سورية لم تتكلل بالنجاح، إلا حين أصبح النظام لا يبالي بأي نقد. فممارساته فاقت كل أشكال التنكيل الاستعماري بالشعب. لذا قرر جميل الذهاب إلى موسكو، وربما يكون الأمر منسقاً مع النظام وروسيا معاً! لم يذهب إلى باريس ولا اسطنبول ولا غازي عنتاب ولا الرياض ولا الدوحة. قرر الذهاب إلى موسكو والاعتكاف فيها. طبعاً لم يعلن الرجل أنه معارضٌ للنظام، ولا ساعٍ إلى إسقاطه، ولكنه يريد تغيير النظام أيضاً، وفق رغبة النظام ذاته بالتغيير منذ 2000. ولو كان حقاً معارضاً، فالأكيد أنه لن يختار موسكو، فالأخيرة كانت ستسلمه فوراً للنظام لمحاكمته وتصفيته. فروسيا حامية للنظام في المؤسسات الدولية منذ 2011، وتدخلت عسكرياً بطلب منه منذ أواخر أيلول (سبتمبر) 2015، ولولا تدخلها لسقط في نهاية 2015.

روسيا، وكعادة الدول الامبريالية، لديها أتباع وأدوات للاستخدام في الدول الكولونيالية. اختار قدري أن يكون من رعاياها، وبالمثل هيثم مناع الذي توهم أن الروس سيضعونه رئيساً للحكومة السورية وربما رئيساً لسورية. وسيظل ساعياً أبديّاً كسيزيف لهذا المنصب، وصالح مسلم وآخرين. بل يمكننا القول إن هيئة التنسيق بـ «زعمائها» الحاليين جميعهم من أتباع بوتين، ولكنّ قدري ومناع وصالح مسلم ورندة قسيس ولفيفاً يشبههم قرروا أن القدر لن يضحك لهم إلا عبر شمس موسكو.

المهم هنا أن روسيا بيدها بيادق للضغط على المعارضة السورية، وعلى الشعب السوري ذاته، وربما بواسطتهم تتوهم أنها ستحتل سورية وتفرض وصاية عليها.

في تراث الشيوعيين تبعية تاريخية للدولة السوفياتية، بل كانوا يحتكمون إليها حينما تتعاظم مشكلاتهم، وهناك إشاعات عن إعانات مالية كانت تصلهم منها، وإن ببخلٍ شديد. ويبدو أن مفهوم التبعية لدى قدري وأمثاله، لم توقفه تبدلات روسيا ذاتها من الاشتراكية إلى المافياوية الامبريالية مع بوتين. وكما قدري، هناك متشيعون لبوتين في اليسار العربي، ويتوهم هؤلاء النادرو الذكاء أن موسكو وطهران و «حزب الله» والنظام السوري، وهم أنفسهم، يمكن أن يشكلوا حلفاً وطنياً أممياً ضد التدهور العربي العام، وضد الهجوم الأميركي والأوروبي المنفلت في شكل مطلق.

اليسار النظامي لا يعنيه الشعب، فحين يثور تصبح ثورته مؤامرة. كيف لا، والنظام السوري وطني واشتراكي ومعادٍ للامبريالية!؟ هؤلاء يتجاهلون أن هذا النظام ذاته، لم يترك طريقة لتسويق نفسه مع أميركا إلا فعلها، أقله منذ التسعينات: حينما شارك القوات الأميركية الحرب ضد العراق بعدما غزا صدام حسين الكويت، وقبل ذلك، بالوقوف ضد صدام ومع إيران، ولاحقاً حينما دخل لبنان للإجهاز على المقاومة الفلسطينية واللبنانية وأعاد الحياة للقوى الطائفية التي كانت تنهار. وهناك مئات الأمثلة حول هذا الموضوع بالتحديد، تشمل التعامل الاستخباراتي الواسع!

اليسار النظامي يكذب هنا، ويتذاكى على نفسه فقط، فغالبية الشعوب العربية أصبحت ترى بأم العين سياسات روسيا التدميرية في سورية وسياسات «حزب الله» وإيران الطائفية، وبالتالي هذا اليسار يراقب هذه السياسات وهي تحاول تصفية الثـورة السوريـة وإعـادة تـأهيـل النظام على جثث ثوار سورية. هذا يسار لا يمتلك من ذاته شيئاً، وهو منساق إلى مـواقف دول طائفية أو مافياوية وضد الشعوب بالكامل.

الممانعة هذه ستنتهي حينما يبدأ الشعب بتحقيق أهداف ثورته، وثمة أسباب كثيرة تقول إن «جماعة» روسيا لن ينتظروا طويلاً ليحاكموا على دورهم في تأخير وصول السوريين إلى أهدافهم.

======================

عندما تصبح المعارضة السورية المشكلة .. برهان غليون

العربي الجديد

الاثنين 8/2/2016

بينما يتابع جيش الاحتلال الروسي سياسة الأرض المحروقة في عموم الأراضي السورية، تعزيزاً لمركز نظام الأسد المتهاوي، ويفرض على عشرات ألوف المدنيين النزوح عن منازلهم، والبحث عن ملجأ آمن خارج البلاد، تعيش أوروبا في هوس مواجهة ما تعتبره التهديد الأكبر لاستقرارها، وردع الأعداد المتزايدة من اللاجئين السوريين وغير السوريين عن مواصلة الطريق نحو القارة العجوز. وفي هذا السياق، أعلنت المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، توبتها النصوح عن استقبال مزيد من اللاجئين، وألغت سياسة لم شمل العائلات، بينما هدّدت السويد بطرد عشرات الآلاف من طالبي اللجوء، من دون أن تحدد وجهة ترحيلهم. وفي السياق نفسه، تداعت الدول لجمع المساعدات للاجئين السوريين، وصرح مسؤول بريطاني رفيع المستوى أن تكاليف إدماج اللاجئ الواحد في أوروبا يساوي عشرين ضعف إدماجه في البلاد المجاورة لسورية.

لكن الملفت للنظر أن أحداً من هؤلاء السياسيين في أوروبا والعالم لم يظهر انشغالاً كبيرا بالأعمال الحربية الروسية التي أطلقت موجة اللجوء الجديدة أو بانتقادها. بالعكس، تفيض الصحافة الغربية بمقالات وآراء تعبر عن إعجابها بما يحققه الروس من "إنجازات"، ولا تخجل من ترداد أن موسكو حققت، في أربعة أشهر، ما لم يحققه الائتلاف الذي تقوده أميركا وتشارك فيه أكثر من 13 دولة خلال سنتين من بدء عملياتها. وفي معظم ما يكتب وينشر، تكاد كلمة المعارضة، أو الثورة، تختفي تماما ليحل محلها مصطلح المتمردين، والذين أصبح يُنظر إليهم جميعاً، أو في الغالب، بوصفهم "مجاهدين" سلفيين. وفي موازاة ذلك، يزداد الهجوم على المملكة العربية السعودية، ودول الخليج عموماً، لأنها تدعم المتمردين، وتترسخ الصورة أو السردية التي أراد تعميمها النظام وحلفاؤه بأن السبب الرئيسي للحرب والصراع هو انتشار الوهابية والجهادية السلفية التي ترعاها السعودية وبلدان الخليج، والتي تنبع من شروط الحياة القروسطية التي فرضتها القبائل البدوية على المنطقة، ولا تزال تمول تعميمها وانتشارها. وفي المقابل، تنحسر بشكل كامل تقريباً الانتقادات للسياسة الإيرانية والمليشيات الطائفية المتعددة الجنسيات التي حشدتها طهران لدعم نظامٍ دموي فاسد، وأطلقتها في مواجهة الثورة السورية. وبدل أن تثير غارات الطيران الروسي القاتلة، والمجازر التي تتسبب فيها للمدنيين، احتجاج الرأي العام العالمي وغضبه، تحصد بالعكس الكثير من الإعجاب المبطن والمعلن، وتبدو موسكو، لأول مرة، وكأنها الرائد الفعلي، حتى لا نقول القائد، للغرب المتحضر والمدافع الشرس عن الحضارة الغربية المهددة.

"الخدعة الكبيرة الأولى التي أراد بها الروس والأميركيون الإيقاع بالمعارضة كانت المفاوضات من دون شروط، أي الاعتراف بشرعية حرب الإبادة الجماعية، والتفاوض في ظلها"

في هذا السياق، يأتي الحماس الاستثنائي لما سمي بمحادثات ومفاوضات جنيف 3، وإصرار الأطراف الدولية على الحفاظ على أكذوبة المفاوضات، بأي وسيلة كانت، وحرص المبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا، لتمريرها على إرضاء الهيئة العليا للمعارضة، بتعليق المباحثات بدل الإعلان عن فشلها، أو إفشالها. فالمفاوضات ينبغي أن تستمر بأي ثمن من أجل تمرير حرب الإبادة المنظمة للفصائل المقاتلة التي فقدت فجأة صفة المعارضة المعتدلة، وتم ضمها إلى قائمة المتطرفين من "داعش" وجبهة النصرة، وتطمين الدول الخائفة من توسع دائرة اللجوء والعنف على مستقبلها. وفيه أيضاً ينبغي أن نفهم موجة الكرم الحاتمي التي حملت المجتمع الدولي والأوروبيين بشكل خاص على مواكبة مسار جنيف 3 بشق إنساني، هو نوع من إظهار حسن النيات، وتقديم جائزة ترضية قدرها المانحون بخمسة مليارات دولار أو أكثر قليلا لعام 2016، لكن أقل من ثلاثة مليارات للسنتين التاليتين.

من يتابع ما ينشر في مروحة واسعة من الصحافة الغربية يعتقد أن المشكلة التي تشغل بال العالم والمجتمع الدولي، اليوم، لم تعد ضحايا الحرب التي تشنها موسكو على السكان السوريين الآمنين للقضاء على المعارضة، ومن دون أي تفويض دولي، أو تبرير، مهما كان نوعه، ولا رفض نظام الأسد التحرك، ولو خطوة واحدة في اتجاه الشعب والمعارضة، للبحث عن حل سياسي، يوقف شلال الدماء المتدفق منذ سنوات خمس، ولا حتى مشكلة داعش وتفريخها في أكثر من بلد عربي وإسلامي، وإنما هي كسر صمود المعارضة السورية أمام إغراءات السلام الكاذب والتداول في كيفية التحايل عليها والإيقاع بها.

فبعد أن فشلت محاولة تشتيت المعارضة، وتلغيم وفد التفاوض إلى جنيف بشخصياتٍ موالية لموسكو، ولم تفلح تهديدات وزير الخارجية الأميركية جون كيري في دفع المعارضة إلى القبول بالحل الروسي، الذي هو كل ما تطمح إليه اليوم معظم الدول الغربية، بما فيها الولايات المتحدة. اعتقدت مجموعة العمل من أجل سورية أن بعض الضمانات اللفظية لمعالجة الملف الإنساني كافية لتخدير المعارضة وجرّها إلى الدخول في مفاوضاتٍ لن يمر وقت طويل، قبل أن تجد نفسها مجبرةً فيها على التنازل والتفريط بحقوق الشعب، أو الانسحاب وفقدان الصدقية، بعد تورّطها في منح الشرعية لمسرحية مفاوضات التسوية الروسية الأميركية التي أعدت علناً لتعزيز نظام الأسد وإعادة تأهيله.

كما يتكشف كل يوم، راهنت الخطة الروسية الأميركية على أخذ المعارضة، كما نقول بالدارجة، "بالعبطة" من خلال الارتجال والتسرع في الإعداد للمؤتمر، والإبقاء على الغموض الكامل في كل مراحل الإعداد والتحضير، حتى يجد وفد المعارضة نفسه، من دون أن يشعر، متورطاً في مفاوضاتٍ ليس لديه أي فكرة عن مسارها وآلياتها وجدول أعمالها، بل حتى عن المشاركين فيها. لكن نجاح مؤتمر الرياض للمعارضة، وخروجه بهيئة موحدة، بعكس ما كان يتوقع لها، ثم صمود وفد الهيئة في جنيف، ورفضه التسليم بمفاوضاتٍ من دون معرفة الغاية منها، ومن دون رؤية للمستقبل ولا شروط، وتمسكه بحل المسألة الإنسانية، وعدم تردّده في اعتبارها المدخل لأي مفاوضات سياسية جدية، قد أحبط من دون أن يدري هذه الخطة، وأحرج الجميع. ولم يعد هناك وسيلة لاستدراك الخطأ سوى بتعليق المفاوضات، بانتظار أن تتوصل الأطراف الدولية المعنية التي تسمي نفسها مجموعة العمل لأجل سورية، إلى طريقة للالتفاف على صمود المعارضة، وإعادتها إلى طاولة المفاوضات. وهذا ما يشكل محور اجتماع ميونيخ في 11 فبراير/شباط الجاري، الذي سيعقد بموازاة التصعيد العسكري الخطير من موسكو والنظام، بهدف محاصرة أحياء حلب المحرّرة وإغلاق الحدود السورية التركية، وقطع طرق الإمداد عن مقاتلي المعارضة.

ولأن سياسة التجويع والحصار وترويع المدنيين وتهجيرهم جزء من سياسة الأرض المحروقة التي يمارسها الثلاثي الروسي الإيراني الأسدي لإقناع السوريين والمقاتلين بأنه لا حل هناك سوى التسليم والاستسلام، فلن تكون هناك أي ضغوط حقيقية على موسكو، ولم تكن هناك في الحقيقة أية ضغوط سوى تصريحات جوفاء، لا ترقى حتى إلى مستوى الشجب أو الاحتجاج. في هذا السياق، وتحت القصف الأعمى والدمار الشامل، سوف تطرح الدول المعنية على المعارضة وقفاً لإطلاق النار، بدل البحث في الملف الإنساني، وبديلاً عنه. ومثل هذا الطرح في هذه المرحلة من المفاوضات، وخارج إطار التفاهم على طبيعة الحل ومستقبل البلاد مسبقاً، سيكون خدعة تهدف منها الدول إلى حرمان المعارضة المقاتلة من الدعم العسكري، بينما يستمر النظام والروس والإيرانيون المشاركون في القتال مباشرةً، والذين يمتلكون عتاداً كبيراً جاهزاً، في الأعمال العسكرية، باسم القتال ضد داعش، كما يفعلون الآن تماماً. وستكون النتيجة شق المعارضة، وضرب الثقة بين المقاتلين والمعارضة السياسية.

"الملفت للنظر أن أحداً من هؤلاء السياسيين في أوروبا والعالم لم يظهر انشغالاً كبيرا بالأعمال الحربية الروسية التي أطلقت موجة اللجوء الجديدة أو بانتقادها"

الخدعة الكبيرة الأولى التي أراد بها الروس والأميركيون الإيقاع بالمعارضة كانت المفاوضات من دون شروط، أي الاعتراف بشرعية حرب الإبادة الجماعية، والتفاوض في ظلها، حتى تنتهي الأمور بالحسم العسكري، ولا تبقى هناك قيمة لا للتفاوض ولا للمعارضة. أما الخدعة الجديدة المقبلة فهي اللعب بورقة وقف شامل لإطلاق النار بين النظام وفصائل المعارضة المسلحة، مع استمرار الروس وحلفائهم في القتال باسم الحرب على المتطرفين، كما يحصل الآن تماما. ولن تستطيع المعارضة أن تحقق شيئاً بالاحتجاج، وستجد نفسها كالزوج المخدوع، بعد أن تكون قد فقدت قواتها ووزنها على الأرض، لا قيمة لرفضها أو قبولها.

وقف إطلاق النار مهم وضروري، ولا بد منه، كما كانت المفاوضات والعمل من أجل تسوية سياسية لوقف القتل والدمار. لكن، يتحقق بالفعل ولن يحترم من الطرف الآخر، ما لم يقم منذ البدء على التفاهم على شروط المرحلة التي تليه، والاتفاق النهائي على تشكيل الحكومة أو الهيئة الانتقالية وصلاحياتها. من دون ذلك، لن يكون وقف إطلاق النار سوى خدعة، يستعيد من خلالها النظام وحماته الروس والإيرانيون المبادرة السياسية، بعد أن استعادوا المبادرة العسكرية، من أجل تجريد المعارضة بشقيها من آخر أوراقها، وهو دعم قطاع واسع من الشعب السوري لهذه المعارضة، لما تمثله من موقف الصمود في وجه النظام الدموي، وما لا تزال تملكه من شرعية سياسية، في تجسيد ثورة الكرامة والحرية وإرادة الخلاص والتحرّر من حكم الطغيان ونظام الإرهاب.

======================

هل سيعيد التاريخ نفسه في جنيف3؟ .. بشار عمر الجوباسي

القدس العربي

الاثنين 8/2/2016

أخبرني أحد الأصدقاء أن عائلة أخته لا تتمكن سوى من شراء الخبز؛ يعمل فقط ابنها ذو الخمس عشر عاما ويتقاضى 1500 ليرة سورية في الأسبوع، أي اقل من أربعة دولارات، وطبعا تعتبر تلك احدى العائلات التي تعيش رفاهية عدم دفع ايجار المنزل وتقطن في أطراف دمشق في منطقة خاضعة للنظام لا تتعرض لقصفه أو قصف الروس.

وبما أن فشل مفاوضات جنيف-3 يعني انتظارنا لموسم جينيفي جديد لا يأتي عادة إلا كل عامين، مع كل ما قد يحمله عامان آخران من موت ودمار وجوع و… لذلك سأسوق كل ما يدعو إلى التفاؤل بنجاح هذا المؤتمر الموعود، في وقت لم يعد يحتمل السوريون استمرار هذه المحرقة، وبدأ اليأس يحطم أرواحهم المعذبه اينما كانوا، سواء في غياهب وطنهم أم في شتات هذا العالم.

انتهاء الأزمة السورية يتعلق ظاهريا باتفاق الأطراف الدولية الفاعلة على الأرض السورية، على صيغة ما تضمن مصالحها، ولكنه في الحقيقة يتوقف على وصول سوريا إلى حالة وكذلك قيام نظام جديد، يطمئنان إسرائيل، وهذا اقترب من التحقق، ففي جنيف-3 يتفاوض النظام مع منشقين عنه ليسيروا ربما وفق الخطة الأمريكية المسربة، التي تعد عامل تفاؤل آخر فلم يسبق جنيف-1 ولا جنيف-2 شيء مشابه لها، وعادة تخرج التسريبات قبل المفاوضات التي يغلب توقع نجاحها، خاصة إذا كان المتفاوضون ليسوا أكثر من دمى خيال الظل تحركها الأيادي، وبالتأكيد سيتم انتخاب لجان ينبثق عنها مسؤولو النظام الجديد، وهم في الغالب من النظام الحالي، ومن المنشقين عنه، وهذا ما يطمئن إسرائيل والغرب. أما على الأرض فقد اقتربت البلاد من التقسيم، لكنه لم يحدث وهذا ما يريـــدوه الإسرائيليون والأمريكان، فما يهمهما هو استمرار الصراع وليس حسمه، وربما تحوله إلى أشكال أخرى غير مسلحة في مراحل مقبلة، قد يتخــللها صراع مسلح في فترات لاحقة، أي أن يتكرر السيناريو الليبي أو حتى العراقي أو اللبناني، وهما الأقرب للحدوث، الأمر الذي يخرج سوريا من دائرة المواجهة مع إسرائيل ويلهيها إلى أجل غير مسمى في نزاعاتها الداخلية.

اطمأنت روسيا لموطئ قدم لها في سوريا باتفاقية غير محدودة الأجل، تتيح لها البقاء في مطار حميمين قرب حلفائها العلويين الذين سيدافعون عن هذه الاتفاقية في المستقبل ويمنعون إلغاءها، والآن ربما هي بأمس الحـــاجة إلى التقارب مع السعودية، لدفع أسعار النفط نحو الارتفاع، فحتى السعودية لن تحتمل عاما آخر من مستوى الأسعار هذا، وكذلك تحتاج هي الأخرى إلى شريك- لم تجده في الأمريكيين الذين لا يزالون يقفون وراء تفاقم الأزمة السورية- وهذا ما توفره روسيا التي أمست القائم الفعلي بأعمال النظام الإجرامية في سورية.

شبه الجزيرة العربية ملعب السعودية التي تقاتل بشكل مباشر عنها، سوريا ملعب إسرائيل، ولا يحدث فيها شيء إلا وفق ما تريد، فما قام به الإيراني والروسي لم تكن لتبلغه حتى في احلامها يبرهن على ذلك التنسيق المعلن بين الاسرائيليين والروس حول سوريا، وبالتأكيد يوجد شيء مماثل بين الايرانيين والاسرائيليين لكنه سري. توجد لتركيا مصالح حيوية إستراتيجية مماثلة لحجم المصالح الاسرائيلية في سوريا، وهي تعي ذلك، وما إسقاطها للطائرة الروسية إلا خير دليل على ذلك، لكنها لا تتمكن إلى الآن من لعب الدور الذي تريد، ولا تزال تعتمد على رصيدها لدى السوريين، العراق اليتيم هو حصة إيــــران ويترك لعبثها فيه، طالما أن ذلك لا يؤثر على صادراته النفطية التي تبقى اغلب مواقعه بعيدة عما يجري من قتل وتطهير طائفي فيه، فما يجري في المقدادية لم يكد يواجه ولا حتى باستنكار حقيقي من جهة رسمية في دولة عربية.

ما جرى في محافظة ديالى في العراق وما يجري، وكذلك رغبات الأكراد في ضم الموصل وكركوك، وأيضا ما يجري في سوريا في كل من مضايا وداريا والمعضمية ودير الزور ومخيم اليرموك وجبال التركمان و… والأمر نفسه ينسحب على كل من ليبيا واليمن؛ ما هي الا عمليات مستمرة لإعادة رسم الحدود بالدم والجوع، بتواطؤ غربي لكنه لن يسمح بحسم أمر الاستقلال لأي طرف، ربما سيعطي بعض درجات الحرية، لكن موضوع الاستقلال يبقى خطا أحمر، لأنه بكل بساطة سينهي الصراع، فقد انهى التقسيم الحرب بين جنوب السودان وشماله، وكردستان العراق خير مثال على ذلك، فهو يملك كل مقومات الاستقلال ورغباته، لكن لما يسمح له بذلك. ربما يكون الشرق الأوسط الجديد دولا مفككة تعيش صراعات داخلية مزمنة، لا يُسمح بحلها ليبرر التدخل الدائم فيها، في وقت تعيش إسرائيل بأمان طالما استمر الوضع في محيطها العربي على ما هو عليه.

الدور الأمريكي لم يتراجع في المنطقة أبدا على عكس ما صدع به رؤوسنا الكثير من المحللين السياسيين، فهي موجودة من أجل النفط الذي تزداد أهميته عاما بعد آخر، ففي المستقبل القريب سينضب في كثير من الدول المنتجة الحالية، ما يؤكد أهمية وحيوية منطقة الخليج وما حولها للأمريكيين، فقرار تخفيض أسعار النفط لا تملك أن تتخذه السعودية منفردة، وكذلك انظروا كيف يتم التحكم بتحركات المعارضة السورية المسلحة، يؤكد ذلك استمرار، لا بل تعزيز قوة الدور الامريكي الذي لا يزال يتحكم بالمنطقة، ولن تحل الأزمة السورية إلا بقرار أمريكي. كان أول قرار وقعه أوباما بعد دخوله إلى البيت الأبيض هو اغلاق معتقل غوانتانامو تنفيذا لأحد أشهر وعوده الانتخابية، لكن القرار لا يزال حبرا على ورق، ولم يتمكن من تنفيذه حتى عندما كان يملك الأغلبية في مجلسي الكونغرس والنواب، وعلى الرغم أيضا من امتلاكه صلاحيات تتيح له تجاوز الكونغرس، لكنه تمكن من رفع سقف الدين مثلا ومرر الاتفاق النووي مع إيران ورفع عنها العقوبات، رغم تحول إدارته إلى بطة عرجاء، وبناء على ذلك فإن بعض القرارات الإستراتيجية في الولايات المتحدة ربما تتخذ بعيدا عن البيت الأبيض والكونغرس، أو بغض النظر عن ظروف من يديرهما لذلك فقد ينجز أوباما على صعيد الأزمة السورية وهو بطة عرجاء ما لم ينجزه عندما كان نسرا شامخا.

كاتب سوري

======================

سورية المحتلة..! .. بينة الملحم

الرياض

الاثنين 8/2/2016

من أطرف التصريحات السياسية التي أطلقها النظام السوري مؤخراً على لسان وزير خارجيته والمتحدث باسمه؛ أنّ أي تدخل بري أجنبي في الأراضي السورية هو بمثابة "عدوان" والمعتدون سيعودون "بصناديق خشبية".

سورية التي باتت مرتعاً للجماعات والتنظيمات الإرهابية ليس بدءاً من القاعدة وربما ليس انتهاء بداعش ويحتلها باسم الدفاع عن بشار ونظامه ومحاربة الإرهاب فيها وهماً أكبر نظام يرعى الإرهاب وجماعاته ويموّلها وبينما في الحقيقة هو يقضي ويبيد الشعب السوري فلا غرابة حينما يستمع أي أحد للمتحدث باسم النظام السوري وتصريحه الطريف أنه لن يتمالك نفسه من الضحك.

المعلم الذي ليس له من اسمه نصيب لم تعلّمه ونظامه الأحداث وإرهاصات صراع القوى على كعكة الربيع العربي المزعوم أنّ الصراع بين المواقف العالمية في الملف السوري إنما هو بين مواقف "مافيوية" واقتصادية استثمارية، كما في بُغية واحتلال إيران والموقف الصيني والتدخل الروسي.

لم ترتعد فرائص المتحدث باسم النظام السوري ووزير خارجيته فحسب من خبر مشاركة السعودية بالذات برياً بمحاربة والقضاء على داعش إنما ومن يحارب لبقاء هذا النظام وداعش نفسها.

صحيحٌ أن النظام السوري قد كسب بعض الجولات بسبب العاملين الاثنين الإقليمي والعالمي، وهي جولات موقتة، فالنفوذ الإيراني المعلوم لتسيير النظام السوري ودعمه، مالياً من خلال منحه فرصة نقل النفط الإيراني مما قد كان يعطي نظام الأسد بعض الدعم المادي، وهذه البادرة يمكن أن نسميها "التبرعات الإيرانية للنظام السوري" وهي تبرعات لم تمدها إيران يوماً للشعب السوري. العامل الثاني العالمي: ويمثل هذا العامل دولتي الصين وروسيا، حيث تنافحان عن سورية في المحافل الدولية، وفي المباحثات، وفي مجلس الأمن من قبل ومؤخراً تدخلها العسكري فيها.

ومن خلال إدراك هذين العاملين نعلم أن القوة ليست في النظام السوري المتهالك والجائع أصلاً، علماً أن قوته مزيّفة، فهو نظام جريح وموجوع، لكنه مثل من جُرح وصار يحارب برجلٍ واحدةٍ، ويدٍ واحدة، وما مثل هذا التصريح الذي لا يصدر إلا من تلميذ بليد يدرك بأن هذا النظام لن يكون نظاماً أبدياً وهو إلى زوال..

======================

استراتيجية مطلوبة .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 7-2-2016

من الأخطاء الكارثية التي اقترفناها الوهم الذي ركبنا، وجعلنا نعتقد أن باستطاعتنا فرض الحل الذي نريده على الدول الكبرى والإقليمية والعربية. وعلى النظام والأطراف الأخرى المنخرطة في الصراع الداخلي السوري، على الرغم مما يفصلها من خلافات ورهانات متباينة، وارتباطات خارجية متشعبة ومتناقضة.

لو أن الثورة السورية اقتصرت على الصراع بين الشعب والنظام، لكان في وسعنا فرض الحل الذي أردناه: عنيت إسقاط الأسد ورحيل نظامه، لكن الثورة لم تنج من تدخلات الكبار دولياً وإقليمياً، ومن تحويلها، في فترةٍ، من شأن داخلي، جوهره المطالبة بالإصلاح والحرية إلى ميدان صراعاتٍ وتصفية حساباتٍ، انطمر فيه بأنماطٍ، لا تنتمي إليها من السياسات والأهداف، أدت إلى تغييب مقوماتها الداخلية تحت تناقضات خارجية، حجبتها بصورة متزايدة، ما لبث أصحابها أن انخرطوا بطرق مباشرة وغير مباشرة في أنشطة عسكرية، بدأها ملالي إيران، ثم قادة الكرملين لدعم النظام، وما تلاها من ردود أفعال عربية وتركية، في حين انفردت أميركا بتحديد ساحة الصراع ومفرداته وأدوار الضالعين فيه، ووجهت بتطوراته، وأدارت صراعاته بأساليب "إدارة الأزمات"، التي تتكفل بإدامتها وتدفعها نحو الأهداف التي عينت لها، وقيدت جميع جهاته بخطوط حمراء رسمتها لهم.

هذا التطور الذي بدأ بعد أشهر قليلة من انطلاقة ثورة الحرية السلمية، أخرج الحل من أيدي السوريين، ونقله إلى أيد خارجية أمسكت، بدرجات متفاوتة، بأقدار السوريين، من خلال إدارة تناقضاتهم وتوافقاتهم، ومنعهم من امتلاك قرارهم الوطني المستقل، وتوزيع أدوار مدروسة على الأطراف الخارجية التي ترك لها هامش حركة محدود أطال الصراع بين معسكرين محليين وعربيين وإقليميين ودوليين، دعم أحدهما النظام، وما أن رآه ينهار حتى تدخل بجيشه، وحمل عبء الحرب الأكبر ضد السوريين وثورتهم، بالشراكة مع جيش إيران ومرتزقتها. واليوم، لا بد من الاعتراف بأننا محكومون بالعجز عن فرض الحل الذي نريده لبلادنا، لأسباب منها استحالة رد الوضع إلى هويته الأصلية، صراعاً بين النظام والشعب، موضوعه التخلص من الاستبداد ونيل الحرية.

بالتخلي عن استراتيجيتنا الراهنة التي أوهمتنا أن الحل بيدنا، من المحتم تطوير استراتيجية بديلة تقوم على تنظيم أوضاعنا الذاتية، السياسية منها والعسكرية، بطريقة تقنع جميع أطراف الصراع في بلادنا وعليها، باستحالة تحقيق مصالحهم، عبر أي حل سياسي أو عسكري، من دون تلبية مطالب الشعب السوري، وفي مقدمها رحيل الأسد ونظامه، وبناء نظام ديمقراطي معاد للإرهاب والأصولية. هذه الانعطافة إلى الاستراتيجية البديلة، ستعطي الأولوية لإبعاد المسألة السورية الداخلية، الوطنية والديمقراطية، التي وقع تجاهلها بصورة شبة كاملة، طوال السنوات الماضية، وستراهن على قدرات الشعب السوري، بدل الرهان على الخارج وتدخلاته، وستزود الثورة بمناعة تحصنها ضد الاختراق، سيتعين مصير سورية بها، بما أن تنفيذها سيوحّد القوى الوطنية والمجتمعية حول خطط سياسيةٍ وعسكريةٍ، تعيد إلى الثورة معادلتها الأولى، فاعلية تجعل الديمقراطية بديلاً وحيداً للاستبداد الأسدي، المسمى علمانياً، ولمرادفاته المذهبية، المسماة إسلامية.

سواء كنا قادرين على إحداث النقلة الاستراتيجية المصيرية، أم لم نكن، من المحال أن تمكننا قوانا الذاتية من فرض الحل الذي نريده على عالمٍ، تعج بلادنا بصراعاته وجيوشه وحروبه، تخلى حتى عن دعمه الكلامي لنا. ولا بديل عندنا غير التصدّي، بقوانا الذاتية للمهمة التي تطرح نفسها علينا، عنيت: ترتيب أوضاعنا بطريقة تقنع العالم باستحالة تحقيق مصالحه، إلا عبر تحقيق مصالحنا. عندئذ، لا نخسر ونحن نتوهم أننا ننتصر، وننتصر حقاً بأقل قدر من الخسارة.

======================

مشكلات العرب والانقسام الدولي .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 7-2-2016

تأجلت مباحثات جنيف-3 بشأن الأزمة السورية إلى الـ25 من هذا الشهر. وقد اعتبر المراقبون ذلك فشلاً واستمراراً للحرب المدمِّرة. الأمين العام للأُمم المتحدة نسب الفشل إلى روسيا، بينما نسبه آخرون إلى النظام السوري. ويرجع ذلك إلى فهم قرار مجلس الأمن رقم 2454 والذي ينص ضمن بنوده الكثيرة وخطته للسنوات المقبلة، على ثلاثة أمور في البندين 11و12. وهذه البنود هي: فتح ممرات إنسانية لإيصال المساعدات الغذائية والطبية، وإطلاق سراح المعتقلين وبخاصة من النساء والأطفال، ووقف شامل لإطلاق النار. لقد اعتبر المجتمعون بمجلس الأمن هذه الإجراءات مساعدة في بناء الثقة بين الأطراف، بحيث يكون التفاوُضُ بينها صحياً وطبيعياً بقدر الإمكان لرسم ملامح المرحلة الانتقالية. لكنْ بعد طول الضغوط المتبادلة، وصل الطرفان إلى جنيف، ووفد النظام السوري ما يزال يصرُّ على أنّ البند الأول قبل الإنسانيات هو مكافحة الإرهاب. والروس يتهمون المعارضة بأنها أحضرت ضمن وفدها إرهابيين، ويطالبون بإدخال الأكراد والفريق الروسي السوري المعارض مثل هيثم مناع وقدري جميل. إنما ليس هذا كل شيء. بل منذ حوالى عشرة أيام تعاظم القصف الروسي في الشمال والجنوب إلى درجات غير معقولة، بينما تعاظم قصف النظام وميليشيات «حزب الله» والحرس الثوري في ريف دمشق والقلمون. وقد تقدمت قوات النظام والقوات الإيرانية ومليشياتهما على كل الجبهات في الشمال والجنوب وجوار دمشق. وكان الحديث أولاً أنّ المُراد من تعاظُم القصف مجيء المعارضة ضعيفة، والنظام والروس والإيرانيون أقوياء يستطيعون فرض شروطهم. إنما خلال الأيام القليلة الماضية ما عاد الروس والإيرانيون مهتمين بالتفاوض بالنظر للتقدم العسكري الذي تحقّق، وعلى المعارضة أن تُوافق على ما يعرضه وفد النظام من شروط، أو لا تفاوُض!

أما دي ميستورا الذي قضى الأسابيع الثلاثة الماضية متجولاً بين طهران ودمشق وموسكو والرياض، فأبقى أوراقه مستورة، واستعان بجون كيري للضغط على الرياض وعلى المعارضة السورية الموجودة فيها. وكيري أنذر المعارضة بأنّ الظروف ليست لصالحها، وعليها أن تقنع بالموجود وتحضر المفاوضات بأي ثمن، أو ينتهي الأمر لغير صالحها، ولغير صالح الشعب السوري المطارد والمهجَّر والمقتول! وذهبت المعارضة في النهاية لجنيف، لكنها أبت بدء التفاوُض إلاّ بتحقيق المقدمات: الإنسانية، ووقف القصف. ولأنّ النظام والروس لم يوافقا، ولأنّ المعارضة أرادت الانسحاب، فإن دي ميستورا أعلن عن تأجيل التفاوض.

النظام السوري أُرغم عام 2012 على جنيف-1 وشروطها. وهو منذ ذلك الحين يحاول التملص من المرحلة الانتقالية، ومن الحديث عن ذهاب الأسد. وكانت الشهور الأربعة الأخيرة بعد التدخل الروسي شديدة القسوة على المعارضة وعلى الشعب السوري. فقد حصل انهيار على سائر الجبهات، أما المدنيون فزادت معاناتهم وهجرتهم بسبب القصف وحصارات التجويع.

ما هي العبرة مما حدث في جنيف-3؟

فيما عدا اليمن، ليست هناك قدرة عربية على تأثيرات حاسمة لوقف المذابح والاستنزافات ضد العرب والمدنيين والدول لا في العراق ولا في سوريا ولا في ليبيا ولا في لبنان. فالأمر في هذه البلدان متروك للجهد الدولي، وموقف الولايات المتحدة صار معروفاً من سنوات: لا تقاتل إلاّ داعشاً، ولا تساعد عسكرياً إلاّ الأكراد، أما في بقية الملفات فهي تقف خلف الروس أو خلف الأوروبيين. والروس اندفعوا في سوريا لسببين: عدم القدرة على الحسم في أوكرانيا، ورغبة البقاء في الشرق الأوسط، ولا إمكانية لذلك إلا في سوريا حيث تحتاجهم إيران، وتحتاجهم إسرائيل، ويستطيعون مضايقة تركيا. وبالطبع فإن الولايات المتحدة كانت تفضل التدخل الأوروبي، لكنها ما وافقت على ذلك إلا في ليبيا.

هناك إذن في المشكلات المستعصية لهذه البلدان عامل أساسي، هو عدم قدرة دول الجامعة العربية على التدخل لوقف خراب العمران وتفكك البلدان.

أما العامل الآخر، فهو الاضطراب الشديد الذي أدخله «داعش» على المشهد السوري والعراقي، ويوشك أن يكون ذلك أيضاً في ليبيا، كل الدول القريبة والبعيدة تضع مكافحة «داعش» على راياتها، لكنّ مكافحة «داعش» ليست أولويةً حاسمةً إلاّ عند الولايات المتحدة.

الأمور شديدة الصعوبة إذن على العرب بسبب الضعف والانقسام من جهة، والتدخلات الدولية والإقليمية من جهةٍ أُخرى.

======================

نقاط لا يمكن إغفالها في العمليّة السياسيّة الجارية .. أكرم البني

الحياة

الاحد 7-2-2016

على رغم إعلان دي ميستورا وقف محادثات جنيف بين النظام السوري والمعارضة وتحديد موعد جديد لاستمرارها أواخر الشهر الجاري، وبغض النظر عن الأسباب المباشرة التي أفضت إلى هذه النتيجة، يمكن لحظ ثلاث نقاط مهمة.

النقطة الأولى، وضوح قوة التوافق بين روسيا وأميركا لإخماد بؤرة التوتر السورية، بدليل جدية التزامهما بتنفيذ القرار الأممي الرقم 2254 وتقديم تنازلات متبادلة يبدو بعضها مناقضاً لمواقفهما المعلنة، آخرها تفهم موسكو مشاركة موفدين من «جيش الإسلام» و «أحرار الشام» وإن بصفة فردية! ثم شدة الضغوط التي يمارسانها لإجبار حلفائهما الإقليميين والسوريين على قبول مبدأ الحوار والتفاوض، ولتذليل مختلف العقبات أمام فرض خطة طريق للحل السياسي.

الأمر ليس مناورة أو مؤامرة أو لعباً بالوقت الضائع كما يعتقد البعض، بل تلبية لحاجات متبادلة تغذي هذا التوافق، منها إلحاح التحرر من عبء الصراع السوري الذي بات يثقل كاهل الجميع ومحاصرة مخاطره على استقرار المنطقة والحد من موجات النزوح والهجرة التي صارت تضغط بشدة على المجتمعات الغربية، ومنها المنفعة المشتركة في خلق وضع سياسي سوري يمكنهما من توجيه أقسى الضربات للتنظيمات الجهادية المتطرفة بخاصة تنظيم «داعش»، ومنها قطبة مخفية تعنى بتخديم ما يتطلبه الأمن الاستراتيجي لدولة إسرائيل التي باتت تتحسب جدياً من مخاطر تحول الجارة السورية إلى دولة فاشلة، عاجزة عن ضبط المجتمع ولجم انفلات الجماعات الجهادية المسلحة.

النقطة الثانية، حالة الضعف التي وصلت إليها أطراف الصراع الداخلية وقد أنهكتها سنوات من تمادي العنف وتعزز ارتهانها للأطراف الخارجية الداعمة، ولن يخدعنا هنا ما يثار عن اشتراطات وتحفظات من السلطة أو المعارضة تجاه الخطة الأممية، لأنهما تشاركان صاغرتين ولن تقويا على رفض ما أجمع عليه حلفاؤهما والمجتمع الدولي.

وإذ يتضح استمرار تعنت النظام ورفضه تقديم أية تنازلات جدية من دون اكتراث بالثمن الباهظ الذي يدفعه السوريون وحجم الكارثة التي حلت بالبلاد، لكنه اليوم لا يملك هامشاً للمناورة أمام ما يجده حلفاؤه حلاً سياسياً يخدم أهدافهم ومصالحهم، حتى وإن لم يُرضه أو ينسجم مع رغباته، ويبقى أن ما اعتادت فعله بعض مراكز النظام المتضررة من هذا الحل هو السعي لإفشاله وإعاقة تطبيقه، مرة عبر المراوغة والتسويف وإغراقه بخلافات حول التفاصيل، ومرة ثانية بتصعيد العنف والهجمات العسكرية لتحسين المواقع على الأرض.

وفي المقابل تعيش المعارضة السورية حالة ارتباك في التعامل مع الحل السياسي المقترح، إن بسبب التباينات في مواقف الكتل التي تتشكل منها، وإن بسبب ضغوط متنوعة ومتعاكسة تتعرض لها، من فصائل مسلحة لها سقف مرتفع ويرفض بعضها مبدأ التفاوض من الأساس، ثم من قوى عربية وإقليمية لا يرضيها ما تقدمه واشنطن من تنازلات وترفض تمكين خصميها الإيراني والروسي من الوضع السوري، والأهم من جانب واشنطن التي هددت بسحب يدها ووقف دعم المعارضة إن لم تستجب لاشتراطات التفاوض وإملاءاته، من دون أن ننسى الضغط الأخلاقي الذي تشكله معاناة الناس على الأرض وإلحاح الحاجة لبلورة سياسة إنقاذية توقف دورة الدم والألم.

النقطة الثالثة، إلحاح الحاجة لمعالجة الملف الإنساني بالاستقلال عن مسار المباحثات السياسية، ما أعطي قيمة كانت مهدورة لشدة معاناة الناس وما تكابده قطاعات واسعة من الشعب السوري. وإذ يبدو هذا الأمر عند البعض أشبه بتراجع عن الحقل السياسي وعن جذور انطلاق الثورة وشعاراتها، لكنه أمر مفسر حين ينظر إلى المشهد السوري اليوم كمأساة وطنية وكارثة تزداد حدة وعمقاً، وباتت تدفع غالبية السوريين لتقدير الأطراف الأكثر مسؤولية وحرصاً على حيواتهم وفرص عيشهم واجتماعهم الوطني، مسؤولية إنسانية، تتعلق بوقف العنف والحد من الإمعان في ما يخلفه من دمار وضحايا ومعتقلين ولاجئين، والاهتمام بمستقبل ملايين الأطفال الذين انهارت فرصهم التعليمية وتفشت الأمراض والاضطرابات النفسية بينهم، ثم مسؤولية سياسية تعنى بوقف تدهور البلاد نحو الأسوأ، الأرض ومؤسسات الدولة، الأمن وشروط الحياة، فرص التعايش والاحتقانات الأهلية والطائفية.

يحق للبعض أن يشكك في جدوى التفاوض السياسي وأنه لن يفضي إلى نتائج ملموسة في ظل تعارض مصالح المتفاوضين ومواقفهم وسلوكهم الأخلاقي، لكن مع الاتكاء على قوة التوافق بين روسيا وأميركا لمحاصرة الصراع السوري وارتداداته، وعلى شدة معاناة الشعب وحالة الإنهاك التي تعانيها الأطراف الداخلية، ثم مع الركون إلى حقيقة أن سورية لن تعود إلى ما قبل آذار (مارس) 2011 وأن الدرس الذي لن ينساه الناس أبداً، هو دور الاستبداد في ما وصلت إليه أوضاعهم، وإذا أضفنا انسداد أي أفق أو خيار آخر أقل سوءاً وألماً، وضرورة مقاربة حلول واقعية وإنسانية بعيداً عن وهم الانتصار أو الخوف من الهزيمة، عندئذ يمكن تفهم الرهان على الفرصة الأممية لإعادة بناء القوى والاصطفافات بما يخفف معاناة الناس ويؤسس لإنتاج عقد اجتماعي جديد، يحافظ على وحدة الدولة والبلاد ويلبي حقوق الناس المشروعة في الحرية والعدالة والكرامة. وهذا من دون أن نغفل احتمال تعرض هذه الفرصة لانتكاسات وإخفاقات موقتة كالتي عرفتها مختلف التسويات التي طاولت مجتمعات فتكت بها الحروب الأهلية.

والحالة هذه، ما من جهد يجب أن يوفر أو يؤجل لتغذية الشعور الإنساني لدى الجميع لتخفيف ما صارت إليه أحوالنا، وللتأكيد أن طريق العنف والإقصاء لن تقود سوى إلى استمرار دوامة الموت والإفناء المتبادل، وللمثابرة على نشر ثقافة تنبذ كل محاولات التمييز والاستفزاز وتظهر موقفاً مبدئياً ضد منطق الغلبة والإكراه وضد أي خطاب مسطح يحتقر حقوق الإنسان ويستسهل قتل البشر وسفك الدماء لأغراض سياسية أو دينية، ثقافة لا يمكن من دونها أن نكون أوفياء لشعار التغيير الديموقراطي وللتضحيات العظيمة التي بذلت.

======================

الانتقام الروسي في سوريا .. خطار أبو دياب

العرب

الاحد 7-2-2016

يقول الفيلسوف فرنسيس بيكون “الانتقام هو عدالة الهمجيين”، لكن في لغة الصراعات السياسية والحروب لا يأبه المعنيون غالبا بالجانب الأخلاقي، بل يستخدم بعض الزعماء والقادة الانتقام كوسيلة لتصحيح التاريخ أو لإعادة الاعتبار أو بمثابة نهج متعمد في تصفية الحسابات وفرض موازين قوى جديدة.

وبين هؤلاء يتميز حاليا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يتصرف كقيصر جديد مسكون بتاريخ بلاده وبتحقيق أحلامها. انطلاقا من تصميم على استعادة دور روسيا العالمي بدأه في جورجيا في 2008 (بعد اعتباره نهاية الاتحاد السوفييتي أكبر خطأ جيوسياسي في القرن العشرين)، يسعى بوتين للحسم العسكري في سوريا وتحقيق نقلة نوعية في شطرنج جيوسياسي شرق أوسطي، وذلك في غياب ند يقارعه ومشهد إقليمي معقد.

في موازاة الإنجازات العسكرية الأخيرة وإفشال مسار جنيف 3، لم تتردد صحافة موسكو في إطلاق لقب “روسيا الجديدة” على سوريا، ويساعد التجانس الناقص بين الحروف على هذا اللعب على الألفاظ والتاريخ والجغرافيا. بيد أن الانتقام والقوة الفظة اللذين تم تطبيقهما في القوقاز وبحق الشعوب غير الروسية لن يكون حظهما أفضل في سوريا، لأن اللعبة الكبرى الجديدة لا تزال مفتوحة، ولأن زمن الإخضاع يخالف منطق العصر ومكاسبه لن تكون نهائية.

في اندفاعته ومغامرته السورية، يمارس الرئيس الروسي الانتقام على عدة أصعدة ومنها تصفية حسابات تاريخية بين الإمبراطوريتين الروسية العثمانية ومجالهما الحيوي والسيطرة على الممرات. وبعد قرن من الزمن يجدر التذكير بأن روسيا القيصرية كانت شريكا في “اتفاقية سايكس – بيكو”، وكان الاسم الأصلي للاتفاقية “سايكس – بيكو – سازانوف” نسبة إلى سيرغي سازانوف وزير الخارجية الروسية آنذاك.

وزيادة على تقاسم المشرق وجواره إلى مناطق نفوذ فرنسية وإنكليزية، انبثقت عنها لاحقا كيانات عربية ودولة إسرائيل، كان من المفترض أن تنال روسيا الولايات التركية الشمالية والشرقية وما يعنيه من سيطرة على مضائق الدردنيل والبوسفور أي التحكم بحركة الملاحة الدولية.

والآن ربما يضع بوتين ذلك نصب عينيه كي يؤكد على دور بلاده في التوازنات العالمية وعلى الوجود في المياه الدافئة وفي شرق البحر الأبيض المتوسط بالذات في منطقة بالغة الأهمية من الناحية الجيواستراتيجية وليس بعيدا عن منابع الطاقة وطرق مرورها ووسط العالم الإسلامي وصراعاته.

منذ أغسطس الماضي، تاريخ توقيع الاتفاق السري حول تمركز وعمل سلاح الجو الروسي بين دمشق وموسكو، تعيش سوريا، عمليا، تحت نوع من الانتداب الروسي الذي أبرز مخالبه وأنيابه بشكل غير مسبوق، والذي أصبح يتحكم بتغيير النظام أو رأسه.

تتمسك روسيا بآخر معاقلها شرقي البحر الأبيض المتوسط. وعبر محاولة فرض حقائق استراتيجية جديدة، يكمن الإصرار حاليا على بقاء النظام السوري والتهرب من أي التزامات قد تؤدي إلى تفكيكه مع التشدد في الشروط حيال التوصل إلى الانتقال السياسي.

يتصل التعنت البوتيني بالحرب الباردة المحدودة التي استعرت منذ اللعب فوق الصفيح الساخن الأوكراني والاعتراض على تغيير الأنظمة منذ حقبة الثورات الملونة، لكن هذا التشبث بالنفوذ في سوريا له خلفيته التاريخية ويمثل ثأرا من الفشل السوفييتي في سوريا إبان حقبة ليونيد بريجنيف وحافظ الأسد، ومن يشاهد برامج قناة “روسيا اليوم” التي يطل من خلالها الضباط والخبراء الروس السابقون في سوريا، يسجل إقرارهم بضعف الأسلحة الروسية حينها أو عدم كفاءة مستخدميها.

ولهذا نلاحظ تحول الساحة السورية إلى ميدان مفتوح لاختبار الأسلحة الجديدة بهدف تسويقها أو بهدف ابتزاز أطراف إقليمية تخشى تمدد الدب الروسي. ومن اللافت لهفة بوتين للعودة إلى الساحة المصرية التي طرد منها الرئيس المصري الأسبق أنور السادات الخبراء السوفييت في 1972.

على صعيد إقليمي أوسع، يبدو أن موسكو تتنافس مع واشنطن على كسب إيران. في تجاذب له بعد تاريخي مع الأنجلوسكسون، يرى بوتين أن مصلحته تكمن في تدعيم تنسيقه الاستراتيجي مع طهران من خلال المصالح المشتركة ورفقة السلاح في سوريا. ومن جهتها، تلعب إيران على هذا الوتر لأنه، بشكل أو بآخر، يضمن مساكنتها لإسرائيل، ويمثل عامل إغراء تنافسي مع واشنطن على كسب ودها.

عبر تقديمه كتابا تاريخيا عن الإسلام إلى المرشد الإيراني، وافتتاحه منذ فترة لجامع كبير في موسكو إلى جانب الرئيس التركي (قبل اشتباك الطائرات)، أراد بوتين التعبير العلني عن احترامه للإسلام، لكنه في الحقيقة يعيش هاجس الديموغرافيا الإسلامية وينقل عنه أحد السياسيين الأوروبيين قوله إن “الدفاع عن موسكو بوجه الغزو الإسلامي يبدأ في دمشق”.

لكن حروب موسكو القديمة في أفغانستان والشيشان والقوقاز وحاليا في سوريا تكشف أيضا عن وجه انتقام آخر من “الإسلام في روسيا وجوارها، والذي لم تنجح كل الحقبة الشيوعية في تطويعه أو تذويبه”.

وللعالم العربي والعرب حصة من الثأر التاريخي عند بوتين لأن روسيا القيصرية حامية المسيحيين، كانت عينها دوما على المشرق الغني بثرواته ورمزيته. ومما لا شك فيه أن انحياز قسم كبير من الأنظمة العربية إلى جانب واشنطن خلال الحرب الباردة لا يزال ماثلا في أذهان صناع القرار الروس. وتندرج في هذا السياق حرب أسعار النفط والمصالح المشتركة أو المتناقضة في سوق الطاقة.

يتخذ بوتين مثال غروزني ويطبقه على سوريا عبر الآلاف من الغارات الجوية وسجادات القنابل وكل الأسلحة التدميرية. ويبدو الانتقام الروسي وكأنه بلا حدود وبلا رادع. يتباهى القيصر الجديد بنجاحاته في الشرق الأوسط ما بعد الهيمنة الأميركية، لكن اتهام فيليب هاموند، وزير الخارجية البريطانية، له بدعم مشروع “دويلة علوية” لا يأتي من فراغ، بل يتوجب مراقبة تتمات مرحلة التفتت والفوضى التدميرية، لكي تكشف كل الأطراف عن أوراقها وتصوراتها. لكن بغض النظر عن شكل سوريا الجديدة أو تقسيماتها، يمدد بوتين المأساة على هدير السوخوي. إنه الانتقام من هزيمة الحرب الباردة والسعي لتكريس روسيا “المقدسة” قوة كبيرة من جديد عبر البوابة السورية.

*نقلا عن صحيفة "العرب" اللندنية.

======================

موقفنا : خيارات دول الجوار السوري الصعبة .. جيرة الروس والمتطرفين سنة أو شيعة .. كلما اقتربوا من النهاية التي سعوا إليها ظهرت إليهم تقاسيم وجه الحقيقة أبشع .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

10/2/2016

نجح الأمريكي أولا في إقناع قادة دول الإقليم جميعا أن تأييدهم للثورة السورية ، على غير الطريقة الأمريكية ، سيجعلهم يقعون ضحية الفوضى والتطرف ، ثم تم تجسيد هذه الفوضى والتطرف في صورة داعش والميليشيات السنية المتطرفة ، هذه الميليشيات التي حركها محركوها لتقوم بعدة تفجيرات في تركية ولبنان ، والتي أقدمت بكل قسوة ووحشية على إحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة ؛ لترسل الرسالة الأسوأ إلى الشعب الأردني الشقيق ثم إلى الحكومة الأردنية وبقية دول المنطقة ،عن ماهية المستقبل الموحش الذي يحيق بالجيران جميعا ، فيما لو صار الأمر في سورية لأصحاب المخالب والأنياب هؤلاء ...

سارت جميع دول الإقليم وأخصها المجاورة لسورية ، والتركيز هنا على الدولة الأكبر والأثقل استراتيجيا ( تركية ) ، في ركاب الرؤية الأمريكية ، التي ظلت تتعهد ( بحل سياسي ) يغيب عن مرتكزاته بشار الأسد والوالغون معه في حمام دم السوريين . فلم تتقدم هذه الدول عن الخارطة الأمريكية ولم تتأخر عنها خطوة .

وظل المراهنون على الرؤية الأمريكية ، مع أنه ليس من السهل التقليل من قدراتهم المتميزة على الاستشراف السياسي ، ولا التقليل من حجم الخبرات المتراكمة لدى مؤسسات قرارهم عن طبيعة المكر والتقلب الأمريكي .؛ ظل هؤلاء مرتبطين بالقرار الأمريكي ، لا يتقدمون عليه بخطوة ، ولا يسبقون المتحدث الأمريكي بكلمة على أمل أنه سيخرجهم وسورية والمنطقة من الحالة التي باتت تشكل بالنسبة إليهم جميعا ورطة متعددة الأبعاد ، أبسط ما فيها مشكلة اللاجئين بكل ثقلها وأعبائها وتداعياتها على المستويات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية .

 لا بد أن نعترف أن المشكلة الجيوسياسية في طبيعة النظام الذي سيحكم سورية من بعد ، بالنسبة لدول الجوار هي أكثر خطرا من كم من البشر المستضعفين الذين لا حول لهم ولا قوة ، والذين أكبر مشكلتهم أن تؤمن لهم وجبة طعام وعبوة دواء أو كرسي تعليم .

تهيبت دول الجوار كثيرا أن يكون جارها الفوضى أو التطرف الداعشي بأشد صوره أو بأخفها ، فاستسلمت لما ظنته الرهان الأمريكي على حل سياسي يحمي سورية من أن تبقى في يد مجرم عتيد طالما عانت منه دول المنطقة ولاسيما في تركية ولبنان ، أو أن تقع في ثقب الفوضى الأسود ، أو في يد التطرف الأعمى ؛ فيكون لهذه الدول من هذا أو ذاك أو ذياك أوفى نصيب .

سارت دول الإقليم جميعا مع القرار الأمريكي ، ولم تر في إطلاق الولايات المتحدة يد الميليشيات الشيعية المتطرفة في العراق وسورية أي نذير بشر أو سوء . وحين كانت ميليشيات حزب الله تفري فريها في رقاب السوريين ، ومعها أكثر من ستين فصيلا شيعيا ، وحين كان قاسم سليماني يتنقل على الأرض السورية كما يتنقل بين أصفهان ومازندران ، وحين كانت قوات الحشد الشعبي تقتل وتغتصب على أرض العراق الحبيب ؛ نجح المخادع الأمريكي في جذب أنظار العالم ، ومنها أنظار المتضررين الأوائل من دول الجوار ، عن خطورة الميليشيات الشيعية المنظمة والمدربة والموجهة من قبل قيادة مركزية ، وشغلها وشغل الرأي العام بحديث عن خطر مبالغ فيه أضعافا مضاعفة لتنظيم ( داعش ) ، دون نكران منا لخطورة هذه التنظيم ، فعقدت التحالفات ، وتحركت الأساطيل الجوية والبحرية لحرب هذه ( الميليشيا ) واعتبر كل ما تفعله الميليشيات الشيعية مقبولا أو على الأقل مسكوتا عنه لا يشكل خطرا ولا يستوجب حذرا ...

ثم جاء العدوان الروسي على الشعب السوري ، وبقدرة قادر استطاع القائمون بهذا العدوان أن يقنعوا دولا إقليمية ، وقادة عربا مشهودا لهم برؤيتهم السياسية وبحنكتهم وخبرتهم ، أن هذا العدوان إنما جاء ليقصم ظهر الإرهاب والإرهابيين ، فاسترسل هؤلاء القادة مع هذه الاحتلال ، وأغضوا حتى عن جرائمه على الصعيد الإنساني ، على أمل أن يجدوا على يده مخرجا لسورية من الذي هي فيه . يقول محللون إن إظهار بعض دول الإقليم الترحيب بالعدوان الروسي هو مجرد مكايدة للسياسات الأمريكية ، التي أذهلت العالم في انبطاحها الاستراتيجي العالمي والإقليمي . العالمون في بواطن الأمور يؤكدون أن تفسير الموقف الأمريكي بالانبطاح هو بعض السذاجة السياسية ، وإن ما يتلبس به الرئيس أوباما هو جزء من الحرب الاستراتيجية الأمريكية على ما سبق الرئيس الأمريكي نيكسون إلى تسميته ( بالخطر الأخضر ) . وأن الرئيس أوباما لسعيد جدا أن يجد أدوات مثل ميليشيات الولي الفقيه أو مثل المنافس الروسي تقوم بهذه الحرب القذرة بالنيابة عن الولايات المتحدة الأمريكية .

الجديد في الأمر ، وبعدما تكشفت عنه السياسة الأمريكية في موقفها من الحرب الطاحنة التي يشنها الروس على الشعب السوري ؛ أن دور الجوار السوري وجدت نفسها محاصرة بخيارات أشد سوء ...

فمع ما تعاني منه هذه الدول من محنة قاسية ، بوجود ملايين اللاجئين على كاهلها تجد نفسها مهددة اليوم بقوى من الجيرة الشرسة ستكون داعش في أقصى تطرفها أهون هذه القوى وأقلها شراسة وشرا ، لأن داعش تبقى عدوا محترقا عالميا تتعاون عليه وتتهدده كل دول العالم .

بينما الجار الروسي الجديد القوي الشرس والمهدد والمحارب تتحاشاه كل دول العالم ، بل تسعى إلى مهادنته ومجاملته . حتى الناتو ،التي ظلت تركية تقدم له خدماتها منذ الحرب العالمية الثانية ، قد قرر أن يترك تركية مع جارها الشرس والعدواني العنيد وحيدة ؛ فما بالنا بالدول الأخرى في الإقليم .

وعلينا أن لا ننسى أن الروسي قد أقام تحالفا مكينا مع الركيزتين الأمريكتين القويتين في المنطقة : إيران وإسرائيل . هل ستنجح حكومات المنطقة في شراء ود الروس ، أو في اتقاء شرهم ، في ظل كل هذه المعطيات الجديدة أمر ما أكثر الشكوك فيه ..

وغير الروسي هناك الجار الشيعي الجديد بالنسبة لتركية والأردن ولبنان ، فالميليشيات الشيعية المتعددة لم تكن في لحظة أقل قسوة وتوحشا من المتطرفين ( الآخرين ) ، وما جرى وما يجري في العراق والمقدادية منها بشكل خاص أوضح دليل . وبينما تتميز هذه الميليشيات بكونها مدعومة من دولة إقليمية كبرى هي إيران ، ومشمولة بعين رعاية وعطف من دولة عظمى هي الولايات المتحدة ، فأي جوار سوء ينتظر هذه الدول ، وأي مستقبل للعلاقة مع ( سورية روسية شيعية ) بقي فيها أو غاب عنها بشار الأسد ؟!

أما تركية ، التي تراخى قادتها طويلا بانتظار القرار الأمريكي ، فستنعم أكثر بجوارها الجديد من حزب (البيد ) أو مع حزب العمال الكردستاني الذي سيجدد قواعد تدريبه وانطلاقه على الأرض السورية . الجار الذي سبق أن جرب الأتراك جواره يوم كان عبد الله أوجلان في آخيّة حافظ الأسد ...

لقد قالت العرب يوما : الصيف ضيعت اللبن ...

فهل ما زال في صيف القوم بقية . يا قومنا صيّفوا قبل أن تصيّفوا ..هذا ليس حديث شماتة أو تشفي وإنما هو حديث مشفق على قومه أن تغتالهم أو تجتالهم أو تتخطفهم أحزاب الشياطين.

لندن : 10 / 2 / 2016

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

رسائل جنيف 3 إلى العرب والأتراك .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 7-2-2016

رسائل جنيف 3 إلى العرب والأتراك يخطىء، بخطورة، من يحصرُ الرسائل المتعلقة بـ(إفشال) روسيا والنظام السوري، وآخرين، لمحادثات جنيف 3 على أنها تتعلق بالمعارضة السورية، أو السوريين عمومًا.

ربما كان الشعب السوري، ومعارضته، في واجهة الأحداث، إعلاميًا على الأقل، خلال الأسبوع الماضي. لكن الدلالات الحقيقية للحدث تتجاوز هؤلاء بكثير. وهي تندرج حتمًا في إطارٍ إستراتيجيٍ يتعلق بتفاهمات أمريكية روسية تتعلق بالإقليم بأسره.

ليس خفيًا أن المخطط التنفيذي لهذه التفاهمات بدأ، عمليًا، منذ لقاءات فيينا التي أنتجت قرارًا أمميًا يتميز في أغلب فقراته بأنه غامضٌ وحمَّالُ أوجُه. غير أن هذا القرار حوى أيضًا بضعة عناصر، مثل البنود 12 و13 و14، لم يكن ثمة بدٌ من إيرادها لتمريره تحت ضغط الدول العربية المُؤيِّدة للشعب السوري بقيادة السعودية. ومع حسابات تتعلق بالتوازنات الدولية والإقليمية الراهنة والمستقبلية، اندرج العرب، ومعهم الأتراك، في مسار فيينا الذي أفضى إلى بدء محادثات جنيف أخيرًا.

ثمة واقعيةٌ سياسية لابد من العمل وفق مقتضياتها في ذلك القرار. لكن العملية بمجملها كانت أيضًا فرصةً لـ(اختبار) حقيقة التفاهمات المذكورة أعلاه. ومن أوراق السياسة أن يحسبكَ الطرف الآخر غافلًا عن نواياه، فتتضخمَ ثقتهُ بقوته وذكائه من ناحية، وبضعفك وقلة حيلتك في فهم الظواهر من ناحية أخرى.

في هذا السياق نفسه جاءت مشاركة المعارضة السورية في محادثات جنيف، بغض النظر عن أي حديث يتعلق بـ(ضمانات) من السيد ديمستورا يعرف الجميع أنها لا تساوي الحبر الذي كُتبت به، أو من السيد كيري، بكل السجل التاريخي الذي يعرفه السوريون عنها. والأرجح أن هذا كان وراء التصريح الدقيق، الذي لم ينتبه إليه كثيرون، لوزير الخارجية السعودي عادل الجبير. فحين خلطَ البعض الأمور وتحدث عن ضمانات سعودية، قال موضحًا: «نحن لا نعطي ضمانات للمعارضة السورية، نحن معهم في نفس الفريق»..

وكما توقع المراقبون، لم يستغرق الأمر أكثر من بضعة أيام لتنكشف حقيقة (الضمانات) المزعومة، ومعها فحوى التفاهمات المتعلقة بالمنطقة وأهلها، شعوبًا وحكومات وخرائط، وهذا يشمل تحديدًا العرب وتركيا. ثمة تفاصيل كثيرة لا يتسع لها المقام، ونأمل أن هناك مَن يرصدها بشمولٍ ودقة وربطٍ مُحكم للوقائع والأحداث.

باختصارٍ ووضوح. تُظهر رسائل جنيف 3 أن ثمة تفويضًا لروسيا، ومن ورائها إيران، لإعادة ترتيب الأمور في المنطقة، وبتوزيعٍ للأدوار بات مكشوفًا لدرجة أنه قد يكون وقاحةً مقصودة تشبه وضع الإصبع في العين.

فَعلَ السوريون ما يمكن لهم أن يفعلوه سياسيًا، فكشفوا أمام العالم بأسره حقيقة الروس والنظام، وأمام العرب والأتراك حقيقة التفاهمات الدولية. ورغم الضغط العسكري غير المسبوق للروس والنظام وميليشياته، واحتمالات محاصرة حلب، وقطع طريق الإمداد للثوار، تتوارد الأخبار عن مقاومةٍ منهم غير مسبوقة بدورها. وتلك مقاومةٌ يجب التعامل بجديةٍ بالغة مع موضوع دعمها بكل الوسائل والأساليب.. ففي نهاية المطاف لن تنحصر آثار ما سيجري في حدود سوريا، والمؤكد أن الوضع العربي والتركي لا يحتمل استسلام السوريين، لأنه يعني قدوم الطوفان الكبير. هذه فكرةٌ يجب أن تبقى هاجسًا يؤرِّقُ العرب، لأن النومَ عنها قد لا يكون بعدهُ استيقاظ.

ماذا يمكن للعرب والأتراك أن يفعلوا؟ نُكرِّر مرةً أخرى ما قالهُ يومًا ماوتسي تونغ: «القوة السياسية تأتي من فوهة البندقية». وبعدهُ قال جورج أورويل: «ينامُ الناس بسلامٍ في أسِرّتهم ليلًا لأن هناك رجالًا أشداء يسهرون مستعدين للعنف من أجلهم».

هذا لا يعني سذاجةً سياسية بطبيعة الحال. فليس المقصود هنا الخروج على (النظام الدولي) بعصبيةٍ وتشنج.. بل الأمر على العكس تمامًا. لأن واقع ما بعد جنيف 3 يوفر للعرب والأتراك أوراقًا تجمع، بمهارةٍ وذكاء، بين القوتين اللتين تحدّث عنهما الزعيم الصيني. علمًا أن التخطيط لذلك، والعمل وفق مقتضياته، ينبع من ضرورةٍ قاهرة، وليس نوعًا من (الترف) الذي يمكن معه للطرفين أخذ الوقت للتفكير. فالتهديد الذي يواجههما (وجوديٌ) كامل، وليس لديهما بعد الآن (رفاهية) التعامل معه بالتكتيك والمناورات الخفيفة والرؤية القصيرة النظر.

صحيحٌ أن إيران تركز، في هذه المرحلة، على أن تقبض ثمن بضاعتها في سوريا تحديدًا، لكن رهانها الكبير معروف، وطموحها الإستراتيجي لا يخفى على أحد، والفوز بسوريا أخطرُ خطوةٍ لتحقيق ذلك الطموح. وقد يكون من سوء حظها، وحُسن حظ العرب والأتراك، كشفُ ما يُحاك للطرفين من خلال العمليات الإرهابية الأخيرة في السعودية وتركيا.

هل تحسم هذه الوقائع الحيرة فيما يتعلق بإيران وروسيا، وما يمكن أن يفعلهُ البَلدان إذا سقط السد السوري في وجه جحافلهما؟ أسئلةٌ خطيرة تحتاج إلى جديةٍ في التفكير وحسمٍ في القرار، وبالتأكيد قبل تاريخ 25 فبراير الحالي.

======================

عودة أجواء التقسيم .. حسام كنفاني

العربي الجديد

السبت 6-2-2016

تقترب الذكرى المئوية الأولى لاتفاقية سايكس بيكو الشهيرة التي وقعت في السادس عشر من مايو/أيار 1916، ومعها تعود مخططات إعادة رسم حدود المنطقة التي كانت قد رسمتها الاتفاقية. لكن، هذه المرة بحدود أوسع قد تصل إلى شمال أفريقيا. التقسيم الذي فرضه التفاهم البريطاني الفرنسي في ذلك الحين يطل ضمن تفاهمات مختلفة، هذه المرة، بعدما بات الفرنسيون والبريطانيون هامشيين على الساحة الدولية، ليحل محلهم الروس والأميركيون، مع فاعلين صغار في المنطقة، يعملون على ترسيم حدود المصالح والقوة.

أربع مناطق أساسية اليوم تدور حولها مخططات التقسيم، منها ما هو ماضٍ بقوة نحو التطبيق، على غرار الوضع في العراق، ومنها ما لا يزال يترقب رجحان الكفة الميدانية لتحديد وجهة الأمور وحدود الدويلات المرتقبة، وهذا الأمر تحديداً في سورية، ومنها ما هو مقسم بشكل فعلي حالياً، بانتظار توضح المساعي السياسية والعسكرية، لتكريس الحالة النهائية للوضع، وهو الأمر الحاصل تماماً في اليمن وليبيا.

لم يعد الحديث عن التقسيم في العراق يستدعي الكثير من الاستنكار والاستهجان، وخصوصاً ما يتعلق بالتوجهات الكردية الصريحة والواضحة، والذاهبة باتجاه الاستفتاء على تقرير المصير. استفتاء يلقى مباركة من الأطراف الدولية الفاعلة، بعدما بات الأكراد، وتحديداً الممثلين بحكومة كردستان، شركاء فاعلين في التحالفات الدولية القائمة على محاربة الإرهاب، الممثل اليوم بداعش. شراكة أثبتت نجاعتها، وحققت الكثير على الأرض، ليأتي الاستفتاء، أو "الاستقلال"، كجائزة ترضية للأكراد، حتى لو لم يكن الأمر على حساب مصالح دولية، أميركية تحديداً، لا ترى في الانفصال الكردي فائدة استراتيجية. لكن، مع ذلك، لا تبدو الولايات المتحدة معارضة بالمطلق للتوجه الكردي، المدعوم خصوصاً من تركيا. هذا التوجه يبدو أنه سيطلق رحلة مشابهة في مناطق أخرى من العراق، وخصوصاً في الجنوب الداعي، منذ زمن طويل، إلى قيام فيدرالية توصل إلى ما وصلت إليه الأمور في الشمال. وهو أمر لا بد سيحصل لاحقاً في حال مضى الأكراد في مخططهم، وهذا بالأساس ما يثير التحفظ الأميركي على المسعى الكردي الذي ستكون الأشهر القليلة المقبلة حاسمة في تحديد مصيره.

غير بعيد عن العراق، في سورية، تمضي الأمور بشكل أقل وضوحاً. مخطط التقسيم ظهر في الشهور الماضية، ثم اختفى فجأة مع الدخول الروسي على خط المعارك، والذي قلب معادلات القوة قليلاً على الأرض لصالح النظام وحلفائه. لكن، على الرغم من ذلك تبقى الخطة البديلة جاهزة في حال تعدلت موازين القوى مجدداً، وهو ما تحدث عنه وزير الخارجية البريطاني، فيليب هاموند، قبل يومين، حين أشار إلى أن الروس يعدون "دولة علوية" في الساحل السوري. مثل هذا الإعداد الروسي لم يكن سرياً في الفترة الأولى للدخول الروسي إلى الأرض السورية، بل كان يمضي بشكل حثيث عبر تحضير البنى التحتية للدولة المرتقبة. غير أن الفكرة عادت للتراجع، من دون أن تلغى بشكل نهائي، بانتظار ما ستؤول إليه الأمور. لكن عملياً يمكن القول إن الأرض السورية اليوم مقسمة، بشكل غير رسمي، بين مجموعة من القوى الفاعلة، فهناك النظام والمعارضة وداعش، ولكل من هؤلاء حصته من الأوض والحكم.

وإذا كان هذا هو الوضع في سورية والعرق، فإن الوضعين الليبي واليمني يمثلان النموذجين الأكثر وضوحاً للتقسيم، ولا سيما أن البلدين فعلياً، وليس رسمياً، مقسمان بين سلطتين وحكومتين، حتى أن اليمن بات له عاصمتان، وإن كانت صفة "الموقتة" لا تزال تلحق العاصمة الأخرى، وهي عدن. الوضع شبه مماثل في ليبيا، بين طرابلس وبنغازي، لم يعد هناك عنوان واضح للمركزية الليبية، فكل يسير وفق التحالفات والتفاهمات، بانتظار تبلور مساعي الحل السياسي.

المشهد في العموم قد لا يحمل النهاية نفسها لسايكس بيكو، وخصوصاً أن الأمور لم تصل إلى نهاياتها بعد، لكنه يأتي متزامناً مع الذكرى، ليؤشر إلى خطر لم يفت الأوان بعد لتداركه.

======================

من أجل إصلاح عسكري للمقاومة السورية .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 6-2-2016

لن تنتصر الثورة السورية بالفصائلية، ولن تكسر الفصائل هجوم جيش روسيا الذي بدأ يحقق تقدماً خطيراً على الأرض، ويرجح أن يفضي تصعيده إلى مزيد من التبدلات الميدانية المقلقة في وقت غير بعيد. وليس سرّاً أن الفصائلية، كشكل لتنظيمات المقاومة، لعبت إلى اليوم دوراً حقيقياً في دوران الصراع ضد النظام في حلقة مفرغةٍ انحدارية الاتجاه، وفي تكبيد المقاتلين خسائر أكبر بكثير من التي كانوا سيتكبدونها، لو اختلف نمط التنظيم والقيادة الذي يقاتلون في إطاره.

أضفت الفصائلية العسكرية، ومعادلها السياسي الشللية، طابعاً جد ضيق على صراعات ما بعد الثورة ضد النظام، وحالت دون تخطي النزعات والميول الدائرة المحلية، والانتقال إلى أشكال أعلى وأرقى من التنظيم والتنسيق، وتاليا الاندماج. وقوّضت القدرة على تعبئة قوى الثورة وتوحيدها، ودفعها إلى خوض القتال متعاونة متآزرة، حتى على النطاق المحلي، ما حال بينها وبين امتلاك زمام مبادرة عامة، ومنعها من شن عمليات عسكرية، هجومية أو دفاعية، واسعة ومكثفة، وتغطي أكثر من منطقة، تديرها قيادات مستقلة عن أية انتماءات فصائلية أو جزئية. إلى هذا، حالت محدودية أشكال التنظيم الفصائلي، من دون امتلاكه الكادر البشري الذي تمكّنه تخصصاته المتنوعة من استخدام واسع النطاق لأسلحة متطورة، تقودها أو تشرف على استعمالها مراكز توجيه وسيطرة، تغطي جميع المعارك في مختلف مناطق القتال، يخضع عملها لمعايير عسكرية وطنية ومهنية، وتتولى المسؤولية عن وحدات كبيرة، تلتزم بتقسيم عمل تكاملي المهام، يقنع أداؤها مقدمي الدعم بأن معوناتهم وأسلحتهم تستخدم بأيدٍ وطنية، ولن تقع بين أيدي إرهابيين.

واليوم، وبعد الغزو الروسي لسورية، وما يحدثه من تبدلات انقلابية في بيئة الصراع بمجملها، لا مفر من اتخاذ خطواتٍ تنظيميةٍ، تمكننا من مواجهته، ترد على تحديه ببيئة مضادة منظمة، تمتلك أدوات ووسائل وخطط صراعٍ، لا يستطيع العدو احتواءها مهما فعل، لأسبابٍ منها انتشارها في كل مكان من بلادنا، وتراتب تنظيماتها، وتعدد وتكامل وظائفها، وقدرتها على خوض حربٍ متواصلة المعارك، لا تترك لحظة راحة لعدوها، ولا تسمح له باستفراد أي قطاع أو موقع من قطاعاتها ومواقعها، تستهدفه في كل زمان ومكان، وتقاتله وفق خطط متنوعة المهام، يحققها مقاتلون يحسنون حرب الحركة، يصعب حصرهم في موقع محدد، لأن أنشطتهم تغطي مجمل الأرض السورية، بما تحشده من طاقاتٍ مجتمعيةٍ مهيأة لمواجهة أي احتمال، ولامتصاص النتائج السلبية لأية هزيمة محلية قد تنزل بهم، عبر احتوائها وإزالة آثارها في إطار الصراع الوطني الواسع الذي لن يتعين بها.

للرد على الغزاة الإيرانيين والروس، لا بد من تحويل حرب المدن والمواقع الراهنة إلى حرب

"لا بد من تحويل حرب المدن والمواقع الراهنة إلى حرب حركة وطرق إمداد" حركة وطرق إمداد تخوضها عند قاع المجتمع قوات محلية، ترابط في أماكن عيش مقاتليها من قرى وبلدات وأحياء مدينية، وقوات مناطقية متحركة، ذات أحجام أكبر وقدرات أوفر، يمكن أن تتشكل اليوم من الفصائل المقاتلة في مختلف أنحاء بلادنا، على أن يعاد تشكيلها وتنظيمها، بحيث يمكن أن تتجمع وتنتشر بسرعة، وأن تزج في أي اتجاه تختاره قياداتها المباشرة، أو القيادة العليا للجيش الوطني الحر، مهمتها التعاون مع القوات المحلية في مهاجمة وحدات الجيش الأسدي وضربها وإعاقة حركتها، واستهداف مجنباتها وقوافلها بعمليات خاطفة ومؤثرة، ومنعها من أن ترتاح أو تعيد تجميع صفوفها، أو تضم عناصر محلية إلى وحداتها أو تقيم مراكز ثابتة لها. ستركز القوات المحلية والمتحركة بصورة خاصة على قيادات العدو ومراكز التوجيه والسيطرة لديه، ومستودعات ذخيرته ووقوده، وستزود الصديق بمعلوماتٍ وافيةٍ عن حجمه وعملائه، ومواقع انتشاره وتسليحه، وحركاته وخططه وأحواله المعنوية ... إلخ، فضلا عن إبقائه تحت الضرب في الليل والنهار، ومحاصرة وحداته الصغيرة والمنعزلة وتشتيتها ... إلخ. أخيراً، لا بد من تشكيل وحدات عسكرية نظامية وطنية الطابع والانتشار والمهام، تكون كبيرة العدد جيدة التسليح، تتولى خوض معارك مما تخوضه الجيوش، تتوج بشن هجمات استراتيجية كبرى، مرة أو مرتين في العام، تستهدف وحداته ومطاراته ومعسكراته فوق مجمل الأرض السورية، تتعاون خلالها في قتال متصاعد مع القوات المحلية الثابتة والوحدات المناطقية المتحركة التي ستشن بدورها هجمات محلية ومناطقية متواصلة، وبالتالي شاملة، تنسقها القيادة العامة هدفها تقطيع وحدات النظام، وشل حركتها وتدمير عتادها وذخائرها، وقتل وأسر أكبر عدد منها، وخصوصاً من قياداتها، وصولا إلى خوض معركة استراتيجية سنوية، تدمر خلالها وحدات الجيش الأسدي الكبيرة، وتحرّر أكبر مساحة ممكنة من البلاد، على أن تعوض خسائرها بمقاتلين، يبرزون خلال معارك الوحدات المتحركة التي تعوض بدورها خسائرها من الذين ترفدها بهم الوحدات المحلية الثابتة التي تستطيع تجنيد أعدادٍ متزايدة من بنات وأبناء قراها وبلداتها وأحيائها.

سيطاول التطوير تنظيم الوحدات وإعادة هيكلتها لتنتقل من الفصائلية إلى وضع تصير فيه قوام جيش وطني متعاظم العدد، تتراتب قطاعاته مكانياً، وفي كل ما يتعلق بمهامها وتسليحها وأماكن انتشارها وأساليبها القتالية التي ستمزج في طور أول بين حرب عصابات معممة، تنهض بها الوحدات المحلية والمتحركة، وحرب نظامية تتولاها وحداتٌ تقاتل كجيش وطني متفرغ، لا بد أن يكون مدرباً وسريع الحركة عالي الجاهزية، في وسعه تعطيل قدرات الجيش الأسدي وقضم وحداته واحدة بعد أخرى.

هذه الطريقة في القتال أثبتت نجاعتها خلال الحرب الفيتنامية التي هزمت جيشاً أقوى بكثير من جيش روسيا هو الجيش الأميركي، المتفوق تفوقاً ساحقاً على قدرات روسيا وإيران العسكرية في بلادنا، لكنه هزم على يد مقاتلي فيتنام الذين عرفوا كيف يوفقون بين حرب عصابات عامة، غطت كل شبر من وطنهم، قتال وحدات نظامية كبيرة، قاتلت طوال عقدين بثبات، وهزمت جيش أميركا بتكامل جهودها وجهود المقاتلين المحليين والمناطقيين الذين خاضوا حرب عصاباتٍ تكاملت معاركها، بهجومين استراتيجيين شنتهما القوات النظامية، في فصلي الربيع والخريف، استهدفا تدمير قواعد الوحدات الأميركية الكبرى ومقرّاتها.

يتبع الروس والإيرانيون حرب قضم تدريجي لوحدات الفصائل والجيش الحر ومناطقهما. وقد حققوا مكاسب وانتصارات جدية، بينما تبدو الفصائل وكأنها تزداد عجزاً عن مواجهتهم، بسبب وضعها التنظيمي الذي يحد من قدرتها على حشد قوةٍ كافيةٍ، تخوض المعارك التي تشن عليها في معظم مناطق سورية، ويفرض عليها الجمود في مواقعها والركود والتراجع في أدائها، والسلبية أمام ما تتعرض له من عمليات قصفٍ جويٍ مركزة ومؤثرة، تخرجها من أماكن انتشارها التي تسقط في يد قوات إيران البرية غالباً، الأمر الذي يضعها أمام خيار إجباري، لا مهرب منه، هو انتقالها إلى حرب العصابات.

هل ستبقى الوحدات التي انتقلت من الحرب الفصائلية إلى حرب العصابات مشتتة القدرات، عديمة (أو ضعيفة) التعاون مع بعضها، كما حالها اليوم، فتهلك وتهزم، على الرغم مما تبذله من تضحيات وتبديه من بطولة، أم أنها ستنتقل إلى بلورة قيادة موحدة، تقودها من خلال خطط حرب متكاملة، تجعلها هجومية الأداء، مهما قلت إمكاناتها، وتجعل من الصعوبة بمكان نجاح العدو في ملاحقتها وهزيمتها، بعد أن تطور النمط الأولي، المحدود والمشتت، من حرب العصابات إلى شكل متطور من الحرب، أقترحه، في هذه العجالة، لاعتقادي أنه سيكون، في حال تم تطبيقه، عصياً على الهزيمة، وسينزل هزيمة حقيقية بالنظام وشبيحته، وبالغزاة الإيرانيين والروس، في حربنا التي لا شيء يدل على أنها ستكون قصيرة، أو أن نهايتها قريبة.

======================

دير الزور- دير النسيان .. رشا عمران

العربي الجديد

السبت 6-2-2016

قد يُكتب عنها أن المؤرخين احتاروا في أسمائها، إذ مرت عليها أسماء كثيرة. سميت دير الرمان، لكثرة ما كان يزرع فيها من شجر الرمان ذات يوم قديم. وسميت دير الرحبة، لوجود قلعة الرحبة بجانبها، ودير الشعراء لكثرة الشعراء بين أهليها، ودير العصافير لفرط البلابل والعصافير التي كانت تستأنس ببساتينها، ودير الرهبان لكثرة أماكن التعبد فيها، أما اسمها الحالي، دير الزور، فأطلق عليها عام 1864، في نهاية الحكم العثماني لبلاد الشام، والزّور تعني  الصدر الواسع. كانت المدينة تمتد على جانبي صدر نهر الفرات، في المناطق التي يرويها النهر، والتي تشكلت بفعل الفيضانات، وتكونت تربتها السمراء الخصبة الخيرة الصالحة للزراعة وللحياة، والتي جعلتها، منذ القديم، مركزاً حضرياً صغيراً للممالك الكبيرة التي حولها، كمملكتي ماري ويمحاض. ويقول أهل الدير إن معنى الزور هو الغابة. ويقول بعضهم إن الكلمة مشتقة من كلمة ازورار التي تعني الميلان والإعوجاج، دلالة على شكل نهر الفرات المائل عند المدينة.

وقد يحكى الكثير عن تاريخها، فهي، حسب المؤرخين، مأهولة بالسكان، منذ الألف التاسع قبل الميلاد، ومرّت عليها كل الحضارات التي مرت على منطقة العراق وبلاد الشام. ومثل المنطقة كلها، عانت من احتلالات المستعمرين، على مر العصور. وقد يحكى الكثير أيضاً عن تنوع سكانها، فهم من أصل آراميٍّ ربما، وهم عشائر عربية توافدت إليها من المناطق القريبة، وهم أرمن من الهاربين من المذابح العثمانية بحق الأرمن، في زمن الخلافة العثمانية، وهم كرد وجدوا فيها مكانا آمناً رحباً كاسمها. وقد يقال الكثير أيضاً عن خيراتها، فعدا عن أراضيها الخصبة المحيطة بالفرات، والتي قدمت لسورية قطنها وقمحها، هناك ثرواتها الباطنية، كالنفط والغاز وغيره مما كان كافياً ليجعل من سورية واحدة من أغنى دول العالم. وقد يقال الكثير عن المناطق الأثرية فيها، إذ تعاقبت عليها الحضارات، وظلت آثارها عصيةً على عوامل الزمن الطبيعية والبشرية. وقد يقول من زارها يوماً إن أهلها لا يردّون ضيفاً، ولا يتذمرون من الغريب، وإن الكرم والخير يسيل في أحيائها، كما يسيل ماء الفرات فيها.

وقد يقول من له، مثلي، أصدقاء منها، إن من يعرفهم منها من أنبل البشر، وأكثرهم وفاء وانفتاحاً وأريحية. قد يقال ذلك كله اليوم عن دير الزور، على أن ما لا يقال حالياً إن هذه المدينة الجميلة، يتم الفتك بها شيئاً وراء شيء، وتعاني الدمار والحصار من الجميع، ويغيب الإعلام المحلي والعالمي عن مأساتها تماماً، فلا تكاد تذكر إلا على صفحات التواصل الاجتماعي ببعض المنشورات والحملات البسيطة التي لا تكتمل. ما يثير الأسئلة والاستغراب حقاً، فمدينة دير الزور كانت من أوائل المدن الثائرة ضد النظام بعد شهر مارس/آذار 2011، وما تزال مظاهراتها الحاشدة الراقية في ذاكرة من يصرّون على أن ثمة ثورة رائعة حدثت في سورية. قدمت الدير شهداء سلميين كثيرين في زمن سلمية الثورة. كان الديريون يودعون شهداءهم بمظاهراتٍ حاشدة، وبهتافاتٍ وأغانٍ رددها غالبية السوريين في ذلك الوقت الجميل، وكغيرها من المدن الثائرة، عوقبت على جرأتها وتمردها وتعاطفها مع المدن التي نكبت بالموت قبلها، فقتل كثيرون من أبنائها، وقصفت بالطائرات والصواريخ. استشهد تحت التعذيب في المعتقلات خيرة شبابها، وغيّب آخرون لم يعرف عنهم شيء، وتم تمهيد الطريق ليدخلها مرتزقة التطرف من كل بقاع الأرض. سلم قسم كبير منها تسليما كاملاً لداعش التي تحكمت بنفطها، وتقاسمته مع النظام ومع حكومات الدول المجاورة. أعدمت داعش أيضاً الخيرة ممن بقي من شبابها، وهرب آخرون من موتٍ محتومٍ إلى منافٍ، كان الموت يستوطن الطريق إليها. حوصرت مناطق الدير، وجوع أهلها الخيرون، فتكت بهم داعش على الأرض، والنظام من السماء. وكالعادة، وسم أهلها بوسم الإرهاب، فمن لم تقتله داعش أو النظام أو الجوع، قتلته طائرات التحالف، وقتلته طائرات الاحتلال الروسي الجديد. ينسى الجميع اليوم دير الزور، وكأنَّ أحداً لا يريدها، غير أنها مثل فراتها، ستبقى متدفقة وخيرة وعصيةً على النسيان الذي يغرقها الجميع فيه.

======================

الجيش السوري حبيب إسرائيل المفضل! .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 6-2-2016

لا بد من الاعتراف أولاً بأن الماكينة الإعلامية البعثية السورية التي كانت، وما زالت مضرباً للمثل في الكذب والتلفيق والتحوير والابتذال والسخرية، نجحت على مدى عقود، بطريقة أو بأخرى، في تثبيت بعض الخرافات والأساطير السخيفة في عقول ملايين السوريين. وقد نجح النظام، زوراً وبهتاناً، في تسويق نفسه لدى السوريين خصوصاً والعرب عموماً بأنه قلعة الصمود والتصدي في وجه «الكيان الصهيوني». وقد نجح أيضاً في رفع شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» لعشرات السنين، فحكم بقوانين الطوارئ والحديد والنار، وقمع أي صوت معارض، بحجة أنه في حالة حرب مع ما يسميه بـ»العدو الصهيوني». وقد عاش السوريون أربعة عقود وهم غير قادرين على التجمع في الشارع بمعدل خمسة أشخاص، لأن قوانين الطوارئ تمنع أي تجمع يزيد عن خمسة أفراد، لأن ذلك يشكل خطراً كبيراً على الأمن القومي، وعلى عملية التصدي لإسرائيل برأي المخابرات الفاشية، مع العلم، طبعاً، أن النظام لم يطلق، على مدى أربعين عاماً، رصاصة واحدة باتجاه «العدو» المزعوم، لكنه كان يحكم بعقلية وقوانين الحرب.

والأنكى من كل ذلك أن النظام أوهم السوريين بأنه رأس الحربة العربية في مواجهة المشروع الصهيوني، وكان يضع أي سوري في غياهب السجون لعشرات السنين إذا فقط اشتبه بأن له علاقة، ولو من بعيد جداً بإسرائيل. ولطالما قضى ألوف السوريين في السجون لمجرد الاشتباه بأنهم اتصلوا، ولو بطريقة غير مباشرة، بـ»العدو الصهيوني». وأعرف شخصاً أمضى سنوات في السجن بتهمة أنه أرسل رسالة معايدة إلكترونية إلى أقاربه في فلسطين. وهناك شخص آخر التقى بقريب له يعيش في فلسطين، التقى به في الأردن، فأمضى نصف حياته في الزنازين.

وقد ظن السوريون، وكل الظن إثم في هذه الحالة، أن النظام ألد أعداء إسرائيل في المنطقة، واتخذوا، بناء على ذلك، موقفاً معادياً جداً من إسرائيل، كذباً أو صدقاً، مجاراة لنظامهم «الممانع والمقاوم» (بين قوسين طبعاً). وحدث ولا حرج عن الجيش السوري الذي تربى منذ مجيئ آل الأسد إلى السلطة عام 1970 على عداء إسرائيل، فقد كانت عقيدته القتالية، وما زالت التصدي للصهاينة.

لكن المضحك في الأمر أن ذلك الجيش «العقائدي» لم يخض سوى حرب (تحريك لا تحرير) يتيمة ضد إسرائيل في عهد الأسد، وهو، منذ أربعين عاماً وأزيد، يستهلك سبعين بالمائة من الميزانية السورية وهو قابع في المعسكرات والثكنات، بينما اعتدت إسرائيل عشرات المرات على سوريا، ودمرت مواقع نووية واستراتيجية، وكانت تطير الطائرات الإسرائيلية فوق قصر الأسد في الساحل ودمشق كنوع من الاستفزاز، لكن النظام لم يسمح لـ»الجيش العقائدي» بإطلاق رصاصة، فما بالك صاروخ مضاد للطائرات على الطائرات الإسرائيلية المغيرة.

بعبارة أخرى، فقد كانت العقيدة القتالية للجيش السوري في واد، والواقع في واد آخر تماماً. ومن الواضح أن إسرائيل كانت تفهم اللعبة جيداً، بأن التحريض الإعلامي والعسكري الذي يقوم به النظام ضدها للاستهلاك الإعلامي فقط، وأن الجيش السوري ليس لمواجهة إسرائيل، بل لمواجهة الشعب السوري، بدليل أن القصر الجمهوري وقوات الحرس الجمهوري والكثير من الأسلحة الاستراتيجية موجودة على سفح جبل قاسيون مقابل جبل الشيخ الذي تحتله إسرائيل، والذي تستطيع ان ترى من فوقه حركة السيارات في شوارع دمشق. بعبارة أخرى، فلو كان النظام يخشى من إسرائيل فعلاً، لما نصب أسلحته وحرسه الجمهوري على مرأى منها. وقد اتضح بعد الثورة أن السلاح الثقيل الموجود فوق جبل قاسيون المطل على دمشق كان هدفه إرهاب العاصمة تحديداً في حال تحركت ضد النظام. وهذا ما حدث فعلاً، حيث كان القصف على ريف دمشق كله ينطلق من جبل قاسيون.

وقد جاءت الثورة السورية لتؤكد أن الجيش العقائدي المزعوم هدفه الوحيد حماية النظام وإسرائيل من الشعب السوري، بحيث صب حممه على السوريين عندما تحركوا ضد النظام بمباركة إسرائيلية طبعاً، حسب اعتراف الأسد نفسه الذي قال للممثل السوري جمال سليمان في بداية الثورة إن إسرائيل لن تسمح بإسقاط نظامه، وبأنها أعطته الضوء الأخضر لسحق معارضيه. ولعل أبسط سؤال يسأله السوريون الآن بعد ان انكشفت الأكاذيب والأساطير: لماذا لم تستغل إسرائيل ضعف الجيش السوري العقائدي قلعة الصمود والتصدي الذي يزعم النظام أنه يشكل أكبر خطر على إسرائيل، لماذا لم تستغل ضعفه، وتسحق «عدوها المزعوم» بالضربة القاضية وهو في أسوأ وأضعف حالاته؟ لكنها بدلاً من ذلك تصر مع أمريكا على الحفاظ على الجيش السوري وأجهزة الأمن السورية. يا للمفارقة: إسرائيل أكثر المطالبين بحماية المؤسسة العسكرية في سوريا، وهي التي استنزفت ثروات السوريين على مدى نصف قرن من الزمان بحجة التصدي لإسرائيل. وكي لا يكون كلامنا بلا برهان، فقط عودوا إلى مقال الصحافي الأمريكي الشهير سيمور هيرش صديق الرئيس السوري الذي قال حرفياً إن: « هيئة الأركان الأمريكية كانت تقدم منذ سنوات معلومات استخباراتية للجيش السوري عن مواقع جماعات المعارضة. وكانت إسرائيل تحديداً هي من ترسل المعلومات الأمريكية مباشرة إلى الجيش السوري «العقائدي والممانع والمقاوم والمعادي» لإسرائيل.

شر البلية ما يُضحك.

======================

توقف المفاوضات في جنيف .. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 6-2-2016

لم أكن متفائلاً بأن تجد المعارضة السورية حلاً سياسياً مقبولاً في جنيف، فالنظام الذي استدعى الاحتلالين الإيراني والروسي ليدمرا سوريا ويقتلا شعبها ويشردا إثني عشر مليون مواطن، لن يقبل بأي حل سياسي يزعزع بقاءه مستبداً يحتكر السلطة ويقبض أرواح شعبه.

وكنا في الهيئة العليا للمفاوضات التي تشكلت بعد مؤتمر الرياض قد استجبنا لدعوة الدول الداعمة لإيجاد حل سياسي للقضية السورية، وقد مثل المؤتمر أوسع شرائح المعارضة وضم إليه لأول مرة فصائل ثورية تمثل «الجيش الحر»، وأعلن المعارضون جميعاً سياسيين وعسكريين أنهم يقبلون بالحل السياسي ضمن خريطة الطريق التي رسمها قرار مجلس الأمن 2254 وقد نص القرار على ضرورة التمهيد للمفاوضات عبر مرحلة حسن النوايا وبناء الثقة وحدد ما ينبغي عمله قبل التفاوض بأنه «الوقف الفوري لقصف المدنيين، وإنهاء الحصار على المواقع المحاصرة التي يتعرض سكانها للموت جوعاً والسماح بإيصال المساعدات الغذائية والدوائية إليها، وإطلاق سراح المعتقلين ولاسيما النساء والأطفال». وعلى رغم ما تعرضت له هيئة التفاوض من محاولات إرغامها على تجاهل تنفيذ هذه الالتزامات التي حددها قرار مجلس الأمن وترحيل الحديث فيها إلى مرحلة التفاوض، فإن الهيئة أصرت على ألا تبدأ المفاوضات قبل الوفاء بهذه المرحلة التي نصت عليها البنود 12 و13 من القرار، وقد أرسلت إلى المبعوث الدولي رسالة تحمل هذا الإصرار فجاء جواب «ديمستورا»، مؤكداً حق المعارضة بمطالبها الإنسانية واعتبرها فوق التفاوض. ولكن تعنت النظام ورفضه للتنفيذ مع نصائح من بعض الدول الداعمة بإهمال الملف الإنساني، جعل هيئة التفاوض تستشعر عدم جدية المفاوضات، فالعاجزون عن إدخال مواد غذائية للمناطق المحاصرة وإنقاذ آلاف الأطفال والمسنين من الموت جوعاً سيكونون أكثر عجزاً حين يأتي الحديث عن هيئة حكم انتقالية! ولكن أصدقاءنا سرعان ما تدخلوا قبل أن تعلن الهيئة انسحابها ما لم تنفذ دول مجلس الأمن قرارها، وقدم جون كيري تعهداً بأن يتم تنفيذ ذلك مع الذهاب إلى جنيف، وكذلك فعل عدد من وزراء خارجية الدول الصديقة، وشجعوا المعارضة على الذهاب، وقلنا حسناً نذهب، ليرى العالم كله جديتنا في الإقدام على الحل السياسي، ولنختبر الإرادة الدولية ونكشف زيف سلوك النظام وإصراره على الحل العسكري.

وقد انتظرنا في جنيف أياماً بدأ خلالها التباحث مع «ديمستورا» حول آليات تنفيذ مرحلة ما قبل التفاوض، ولكن تصريحات وفد النظام جاءت ساخرة ومستهزئة بالعملية السياسية كلها، حيث أعلن رئيس الوفد أن لديهم في النظام «قرآناً غير قرآن المسلمين»! وأن سورة «الفاتحة» تقول «لا تفاوض»! وقد منح «آيته» إمعاناً في السخرية حين قال بعدها «صدق الله العظيم»!.. وقد كان هذا الاستخفاف بآيات القرآن الكريم والاعتداء على مشاعر المسلمين لتأكيد رفض التفاوض، كافياً لكي نفهم استحالة قبول النظام بشيء من قرار مجلس الأمن.. وبتنا نشعر بأن المجتمع الدولي يقف عاجزاً عن تنفيذ وعوده والوفاء بالتزاماته، على رغم ما نجده من سفرائه ووزرائه من تعاطف وإقرار بمشروعية مطالبنا، وبكونها مطالب قرار مجلس الأمن ذاته.

وقد كانت الجلسة الختامية مع «ديمستورا» أمس الأول مكاشفة صريحة وشفافة عبر فيها المبعوث الدولي عن عجزه أمام رفض النظام تنفيذ المطالب الإنسانية، وكان تصعيد الهجمات الروسية على المدن والقرى الروسية بمثابة الرد على مطالب الشعب السوري، ففي حين نطلب إنهاء الحصار على مضايا والمعضمية وداريا والغوطة ودير الزور وسواها من المناطق يبدأ الروس بحصار حلب، ودرعا، وتتصاعد أعداد الموتى من المدنيين تحت الأنقاض، ويكفي أن نذكر أن روسيا نفذت 215 طلعة جوية لقصف حلب وريفها في يوم واحد.

وأمام هذا الإعلان عن العجز الدولي والرضوخ العالمي للغطرسة الروسية كان لابد من أن نعلن وقف المفاوضات، وقد طلب «ديمستورا» ألا نعلن انسحاباً كي لا تقتل العملية السياسية، وقال إنه سيرفع الأمر إلى الأمين العام للأمم المتحدة وإلى مجلس الأمن وسيدعو المجموعة الدولية الداعمة لاجتماع يعرض فيه ما حدث.

لقد تعرضت سوريا لعدد ضخم من الغزوات الخارجية كان أخطرها في تاريخنا الغزو المغولي والغزو الصليبي، ولم تتمكن تلك القوى العظمى من قهر إرادة الشعب، وأتوقع أن تبدأ مرحلة جديدة هي الكفاح الشعبي المسلح للتخلص من الاحتلالين الإيراني والروسي، ومن طغيان حكومة الديكتاتورية والاستبداد.

*نقلاً عن "الاتحاد" الإماراتية

======================

الضرورات السورية الراهنة .. فايز سارة

الشرق الاوسط

السبت 6-2-2016

لا يحتاج إلى تأكيد، قول إن القضية السورية تمر بمرحلة شديدة التعقيد، بسبب ما أحاط بها من تطورات وتدخلات في الأعوام الخمسة الماضية. ويتضاعف هذا التعقيد مع انعقاد مؤتمر جنيف3 في ظل حقائق أساسية من بينها حدوث تغيير في التوافق الدولي على أسس حل القضية السورية بنقل هذا التوافق من جنيف1 وتوابعه ولا سيما قرار مجلس الأمن رقم 2118 القاضي بتشكيل هيئة حكم انتقالي بكامل الصلاحيات إلى أوراق فيينا والقرار الدولي 2254 حول تشكيل حكومة ذات مصداقية، فيما تسعى أطراف منخرطة ومعنية بالقضية السورية لتهميش المعارضة ممثلة بمؤتمر الرياض والهيئة العليا للتفاوض التي انتخبتها، والسعي إلى إيجاد بدائل لها فيما لو رفضت المشاركة أو الاستجابة لإملاءات بعض الأطراف، وهو ما يترافق مع مساعٍ حثيثة لخلق وقائع على أرض الصراع في الداخل السوري، هدفها إضعاف المعارضة سواء في شقها السياسي والمدني أو في الشق العسكري عبر تكريس الحصار على مناطق واسعة خارجة عن سيطرة النظام وحلفائه من جهة، وتصعيد الهجمات الجوية والأرضية على التشكيلات المسلحة وحواضن المعارضة المدنية لإعادة السيطرة عليها.

وسط هذه التطورات الخطيرة، تبدو الحاجة السورية ملحة لخلق ظروف وشروط أفضل من جانب المعارضة وغالبية السوريين للقضية السورية، تتجاوز ما تفرضه التحديات الراهنة من نتائج، ولعل التعبير الأبرز من جانب المعارضة وعموم السوريين في مواجهة هذه التحديات، كان انعقاد مؤتمر الرياض بمشاركة طيف واسع من المعارضة السياسية والعسكرية والشخصيات المستقلة، وفيه تم الاتفاق على نقطتين أساسيتين؛ إصدار بيان سياسي يتضمن التوافقات الأساسية للمعارضة، وقيام الهيئة بتشكيل وفد للمفاوضات مع النظام حول الحل السياسي في سوريا، وقد أحيط مؤتمر الرياض بموجة من التأييد السوري لمؤتمر الرياض ومخرجاته، مما أعطى زخمًا أقوى للمعارضة، جعلها أقدر في طرح رؤيتها حول المشاركة في مؤتمر جنيف3.

ولخصت المعارضة من خلال الهيئة العليا للمفاوضات رؤيتها للمشاركة في المؤتمر في نقطتين أساسيتين؛ أولاهما تأكيد الفصل بين الإنساني والسياسي في القضية السورية، بإخراج الموضوعات الإنسانية من دائرة التفاوض مع النظام أو غيره في أي مستوى كان، وباعتبار ما يتصل بها إجراءات واجبة التنفيذ، أما في الموضوع السياسي، فقد تضمنت الرؤية حق المعارضة في تشكيل وفدها على نحو ما هو حال النظام في تشكيل وفده دون أي تدخلات أو فرضيات إقليمية أو دولية، كما تضمنت ضرورة تأكيد أن مؤتمر جنيف3، يمثل حيزًا للمفاوضات بين المعارضة والنظام هدفها الوصول إلى حل سياسي، وليس مجرد مكان لإجراء مباحثات أو نقاشات حول القضية بغض النظر عن الأطراف التي تشارك فيه، وما يمكن أن تطرحه من موضوعات، والنقطة الثالثة في الجانب السياسي من رؤية المعارضة، هو تأكيد المرجعية الدولية للحل الشامل المنصوص عنه في بيان جنيف 2012 والقرار 2118 عبر تشكيل هيئة حكم انتقالي بكامل الصلاحيات، تأخذ سوريا إلى نظام ديمقراطي، يكون بديلاً لنظام الاستبداد والقتل، وليس عبر تشكيل حكومة وحدة وطنية، سيكون من نتائج تشكيلها، تكريس وجود النظام ورئيسه رغم كل ما ارتكبه من جرائم بحق السوريين.

ومما لا شك فيه، أن هذه الرؤية تصطدم بموقف النظام وحلفائه المشاركين في المجموعة الدولية، بل إن بعضًا منها، لا يجد قبولاً أو دعمًا من جانب قوى إقليمية ودولية، تركز على تداعيات الأحداث السورية وخصوصًا في ملفي الإرهاب والهجرة، أكثر مما تركز على الأحداث بما فيها عمليات حصار المدنيين، التي وصفها الأمين العام للأمم المتحدة بأنها «جرائم حرب»، الأمر الذي يعني أن أولى ضرورات المرحلة السورية الراهنة، تكمن في تثبيت رؤية المعارضة حول العملية السياسية، ليس فقط لأنها تعالج القضية بصورة جوهرية، بل لأنها أيضًا تعالج في الوقت نفسه تداعياتها في وقف هجرة ولجوء السوريين إلى بلدان أخرى، وتحاصر الإرهاب، وتعزز الحرب عليه وصولاً إلى القضاء عليه.

الأمر الثاني في الضرورات السورية الراهنة، يكمن في تعزيز وحدة المعارضة، وتطوير مؤسساتها وأساليب عملها، وتعزيز علاقاتها في الداخل السوري وفي المهجر مع القوى المدنية والسياسية ومع الفعاليات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والإعلامية لضمان مشاركتها القصوى في المعركة من أجل الحل السياسي ومستقبل سوريا باعتبارها وطنًا لكل السوريين. ولا ينفصل في هذا الجانب عمل المعارضة عن عملها وتفاعلها مع تشكيلات المعارضة المسلحة لدعم صمود الأخيرة في مواجهة النظام وحلفائه بما فيه العدوان الروسي، وتقوية توجه تلك التشكيلات للسير باتجاه الحل السياسي في سوريا.

والأمر الثالث في الضرورات السورية الراهنة، سعي المعارضة إلى تقوية علاقاتها الخارجية مع المجتمع الدولي ورأيه العام بعد التدهور الشديد الذي أصاب تلك العلاقات في السنوات الأخيرة، مما يتطلب إعادة تقييم تلك العلاقات بعواملها الإيجابية والسلبية، ورسم استراتيجية جديدة في العلاقة مع المنظمات الدولية والقوى الدولية والإقليمية من أجل كسب تأييدها ودعمها لقضية السوريين ومستقبل سوريا في إطار الجماعة الدولية الساعية إلى الحرية والسلام ومحاربة الإرهاب.

ومما لا شك فيه أن التعامل مع ضرورات المرحلة الراهنة، لا يقتصر على جهود المعارضة، وإن كان على الأخيرة أن تلعب دورًا نشطًا وفاعلاً في ذلك، بل يتطلب جهد كل السوريين بجماعاتهم وشخصياتهم، ليس لأن المهمات كثيرة ومتشعبة، وتحتاج إلى إمكانيات وطاقات، لا تستطيع المعارضة توفيرها بشكل منفرد، إنما لأن المعارضة تحتاج إلى دعم ومساندة أوسع طيف من السوريين حاليًا وفي المستقبل أيضًا.

*نقلاً عن صحيفة "الشرق الأوسط"

======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com