العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 13-09-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

بين موت الطفل إيلان واغتيال الشيخ بلعوس .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 10/9/2015

كان من المحتمل أن يمر موت هذا الطفل ذي الثلاثة أعوام بصمت، كموت آلاف الأطفال السوريين خلال السنوات الأخيرة بسبب قصف النظام للمناطق المأهولة بالبراميل المتفجرة أو الصواريخ أو غيرها من وسائل الإبادة الجماعية التي واظب على استخدامها، بما في ذلك السلاح الكيماوي الذي قتل بواسطته مئات الأطفال في غوطة دمشق قبل عامين. كما أنه لم يكن الطفل الأول الذي يموت غرقاً في بحر إيجة أو في البحر المتوسط، في الطريق إلى القارة الأوروبية. لكن موت إيلان المأساوي، مع أخيه الأكبر وأمه، جاء في سياق تفاقم مأساة اللاجئين السوريين بصورة غير مسبوقة، سواء من حيث ازياد أعدادهم أو المعاملة القاسية التي يتعرضون لها في بلدان العبور، كالمجر ومقدونيا، كما جاء ذلك بعد أيام قليلة على حادثة الشاحنة المغلقة التي تم اكتشافها على أحد الطرق العامة في النمسا وفي داخلها واحد وسبعون سورياً ماتوا اختناقاً، بينهم أطفال.

لا شك أن للصورة مفعولها الكبير. من الذي رأى صورة إيلان المستلقي على بطنه عند شاطئ البحر، وقد فارق الحياة بكامل أناقته، ولم يتأثر؟ وهكذا جرت تلك المقارنات بين صورة إيلان هذه وصور أخرى من كمبوديا والبوسنة والهرسك، كانت قد غيرت مجرى التاريخ. هل يكون لصورة إيلان المفعول ذاته؟ قد لا تزحزح هذه الصورة من المواقف المتباينة للقوى المتصارعة على أرض سوريا، أو قد يتأخر حدوث ذلك، لكن تغييراً مهماً حدث على أي حال. فقد تحولت مشكلة اللاجئين السوريين إلى قضية رأي عام وتصدرت اهتمامات الشعوب والحكومات التي سارعت إلى اتخاذ بعض القرارات التي من شأنها تسهيل وصول اللاجئين السوريين إلى وجهاتهم في أوروبا.

وأعلنت كل من فرنسا وبريطانيا عن نيتهما في توجيه ضربات جوية لمواقع تنظيم داعش في سوريا، كأنما لصرف الأنظار عن المسبب الرئيسي لفرار ملايين السوريين من بلادهم، أعني نظام بشار الكيماوي، إلى إحدى نتائج التهاون الدولي مع هذا النظام المجرم: تنظيم الدولة الإسلامية، كما لتخدير الرأي العام المحلي لديهما بشأن مشكلة اللاجئين الملحة التي لم تقترح أية مساهمات جدية في حلها، على غرار ما فعلت ألمانيا والنمسا. فتركيز بعض الجهات على الموطن الأصلي لأسرة إيلان، بلدة كوباني، كانت الغاية منه توجيه الأنظار إلى داعش الذي حاصر البلدة، قبل عام من الآن، إلى أن تم دحر هجومه مطلع العام الحالي. هذا ما حاوله مثلاً وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي زعم أن اللاجئين السوريين إنما يهربون من هذه المنظمة الإرهابية. في حين أن الأسرة المنكوبة هربت من البلدة بعد استقرار الوضع فيها تحت سيطرة وحدات حماية الشعب المحبوبة في موسكو.

التطور الثاني البارز في المسألة السورية هو اغتيال الشيخ الدرزي المعارض وحيد البلعوس بعد سلسلة تصريحات له باسم «شيوخ الكرامة» أثارت نقمة النظام عليه. تم اغتيال الشيخ، وأربعين من رفاقه، في تفجيرين إرهابيين اتهم الأهالي النظامَ بارتكابهما، وبصورة محددة فرع الأمن العسكري الذي يرأسه وفيق ناصر. وسبق للشيخ أن تحدث، قبل أيام على اغتياله، عن تهديدات بالتصفية تلقاها من النظام، وبالذات من رئيس مكتب الأمن القومي علي مملوك. وكان رد الشيخ هو تلك العبارة التي تحولت إلى شعار ما يمكن تسميته بـ»ثورة الدروز»: «إما بكرامة فوق الأرض، أو بكرامة تحت الأرض».

الواقع أن حركة «مشايخ الكرامة» بقيادة الشيخ وحيد البلعوس لا يمكن اعتبارها حركة معارضة بإطلاق الكلمة. بل هي أقرب إلى حركة مستقلة عن النظام وعن المعارضة معاً، دعت أهالي الجبل إلى النأي بالنفس عن الصراع الدائر في البلاد، بما في ذلك الاعتراض على تجنيد الشباب في الجيش إلا إذا كانت خدمتهم العسكرية داخل حدود المحافظة بحيث لا يشاركون جيش النظام في ارتكاب جرائمه بحق سوريا والسوريين. لكن هذا الموقف وحده كاف، من وجهة نظر النظام، لاعتبارهم معارضين و»عملاء لجهات خارجية» إلى آخر تلك الاتهامات الممجوجة التي يطلقها النظام بحق كل من لا يصطف معه بصورة لا لبس فيها، على مبدأ «من ليس معي فهو ضدي».

وإذا كان أهالي السويداء قد اتهموا النظام صراحةً باغتيال البلعوس ورفاقه، وأطلقوا في الجنازة شعار إسقاط النظام ورأسه بالاسم، فقد لجأ النظام بدوره إلى الشيء الوحيد الذي يتقنه حينما يواجه اتهامات مماثلة. فقد عرض على شاشة تلفزيونه رجلاً يدعى وافد أبو ترابة، اعترف بأنه منفذ التفجيرين، وينتمي إلى جبهة النصرة. مع أن الرجل درزي معروف بمعارضته للنظام، وقد طالب المتظاهرون النظام بتسليم الرجل إليهم.

ثورة الدروز هذه، تشكل إحراجاً كبيراً للنظام، إن كان هناك ما يمكن أن يحرجه، وهو الذي تصفه بعض القوى الداعمة له بـ«حامي الأقليات». أضف إلى ذلك سلمية المظاهرات التي خرجت تعبيراً عن غضب الأهالي على النظام القاتل، وما ينطوي عليه ذلك من استعادة أجواء الأشهر الأولى من الثورة السورية ضد النظام. هذه السلمية الواضحة، إضافة إلى الانتماء المذهبي الدرزي للأهالي، مما لا يتيح للنظام هامش مناورة للترويج لوجود «عصابات إرهابية تكفيرية» ليبرر لنفسه قصف المدينة المتمردة عليه ببراميل الموت كما يفعل كل يوم في مناطق أخرى من سوريا.

تصدرت مشكلة اللاجئين السوريين اهتمامات الرأي العام العالمي، وأعادت بذلك المشكلة السورية إلى أساسها الأخلاقي: هناك «نظام» مجرم يجب أن يعاقب، ويشكل استمراره في البقاء والقتل وصمة عار في جبين البشرية، قبل أن نكون أمام مشكلة سياسية حلها سياسي أو عسكري.

بالمقابل كسرت ثورة الدروز اللون الأكثري السني الذي أرادت بعض القوى تصوير الثورة السورية به للتبرؤ من متطلباتها.

تطوران إيجابيان، بثمن باهظ تمثل بموت الطفل إيلان والشيخ وحيد البلعوس ورفاقه، قد يسمحان بشيء من التفاؤل في الظلام السوري الحالك.

٭ كاتب سوري

======================

موقفنا : حول ترددات التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 7-9-2015

في غمرة تشاغل المجتمع الدولي وماكينته الإعلامية الموجهة بتداعيات الهجرة السورية المتدفقة نحو الغرب ، تمرر مخططات من الأطراف الدولية للإحاطة بالثورة السورية ، ومصادرة تطلعات الشعب السوري المشروعة إلى الحرية والكرامة الإنسانية ...

ليس البيان الرئاسي لمجلس الأمن ، ولا طروحات ديمستورا المكتوبة بالحبر الأسدي ، هي أخطر ما تكشف عنه الواقع من محاولات بائسة لإجهاض هذه الثورة المباركة ، وإحباط مساعي ثوارها . وكذلك ليست عملية التحويل التي تمارسها مراكز القوى الكبرى في العالم ، باقتراح ما يسمونه ( داعش ) ممثلا أولَ للشر والإرهاب في سورية بدلا من الإرهابي الأول بشار الأسد وداعميه ؛ هو أخطر ما في المؤامرة الدولية على الشعب السوري وثورته .

لقد مثلت السياسات الروسية على مدى خمس سنوات دورا أكثر إجراما بحق الشعب السوري وثورته . فأولا كانت قرارات الفيتو الروسية الأربعة وما ارتبط بها من دعم دبلوماسي لامحدود، ثم كان الدعم الروسي المتفاقم لبشار الأسد بالسلاح والخبراء ، شكلا من أشكال التدخل اللامباشر في الحرب ضد الشعب السوري وتطلعاته .

كما شكل الموقف الروسي بكل همجيته ووقاحته وتجرده من أي مبدأية أخلاقية أو شعور إنساني غطاء للموقف الغربي المتماهي أصلا مع سياسات الاستبداد والفساد لنظام بشار الأسد ...

ورغم كل ما وقع على مدى السنوات الخمسة الماضية ، ومع إصرار الشعب السوري على مطالبه العادلة في الحرية والكرامة الإنسانية ، وعلى الرغم من عظم التضحيات ، وجسامة التبعات ؛ يجد الرئيس بوتين نفسه اليوم مضطرا إلى الانضمام إلى حليفه الإيراني بلانتقال من التدخل غير المباشر في الحرب ضد الشعب السوري ، إلى التدخل المباشر بأن تكون له طائراته التي تقصف ، ورجاله الذين يجوسون خلال الديار ليشاركوا في قتل السوريين لتطويعهم وكسر إرادتهم ...

إن ما يتداوله الجدل الدبلوماسي ( الأمريكي – الروسي ) من تصريحات حول استعدادات روسية لاحتلال سورية ، والاشتراك في الحرب ضد الشعب السوري، تحت عنوان دعم شرعية زائفة لبشار الأسد ، والسجال الذي يدور بين الإدارة الأمريكية والقيصر الروسي حوله ، يملك دلالاته ويفرض تحدياته بأبعادها الدولية والإقليمية ...

إن الدلالة الأولى للتدخل الروسي الذي يطبخ على نار الشائعة بين الإثبات والنفي هو انهيار قوات بشار الأسد وحلفائه الإيرانيين وأذرعهم الضاربة وعجزهم عن الصمود أكثر في وجه الثورة والثوار مما يضطر الروس إلى أن يباشروا المعركة بأنفسهم بعد أن وكلوا إلى أدواتهم المهمة طويلا...

إن التخفي بإعلان التدخل لمواجهة ( داعش ) يؤكد المعنى التآمري المتوافق عليه بين الشرق والغرب والإرهابي الجاثم على صدر السوريين بشار الأسد . وهذا يفرض علينا أن نتساءل بحق: هل سيكون التدخل الروسي المباشر في سورية موضع مباركة وتأييد من النظير الغربي الأمريكي والأوربي بذريعة أن الروس سينضمون هم أيضا إلى محاربة ( داعش ) ؟!

إن ما سمعناه حتى الآن من ردود فعل أمريكية وإقليمية على الاستعدادات لتدخل روسي مباشر في سورية لا يبعث على الاطمئنان . ولا يكافئ حجم الخطر الذي سيحدثه هذا التدخل . كما لا تكافئ تداعيات هذا التدخل وانعكاساته المحلية والإقليمية .

وفي الوقت الذي لا تزال السياسات الإقليمية ، مع الأسف ، اتقائية متملقة تجاه الموقف الروسي ، وهذا ما يزيد الموقف الروسي صلفا واستهتارا بدماء السوريين ومستقبلهم .

ليس بالأمر الذي يمكن تجاهله أو التغافل عنه ، كما إنه ،إن حصل ، ليس مادة للتنديد والاستنكار والشجب فقط .

إن هذا التدخل سيمثل قلبا لموازين الصراع على أكثر من صعيد . ويفرض علينا موقفا استباقيا أقله اعتبار روسيا كما إيران دولة محتلة وتحميلها المسئوليات الكاملة عن تداعيات احتلالها لسورية في الحاضر والمستقبل .

كما يفرض هذا الاحتلال على المعارضة السورية بهيئاتها المختلفة أن ترفض أي وساطة أو مبادرة روسية . فالمحتل عدو وليس وسيطا . والعدو ينضم إلى العدو في الموقف وفي الحسابات الكلية والجزئية .

وقد آن الأوان للثورة السورية أن تقول كلمتها الفصل في الدور الروسي وفي الموقف من السياسة الروسية التي كانت شريكة في إزهاق أرواح نصف مليون سوري ، وتشريد نصف سكان سورية ...

لندن : 23 ذو القعدة / 1436

7 / 9 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

============================

السويداء مع الأسد أو ضمن دولة درزية .. غازي دحمان

الحياة

الخميس 10/9/2015

اغتيال الشيخ وحيد البلعوس دعسة زائدة أقدمت عليها أجهزة أمن النظام السوري ولها تداعيات كبيرة على علاقته بالمكون الدرزي المتركز جنوب البلاد، لكنها لا تصل إلى الدرجة التي قد تحدث قطيعة نهائية في علاقة الطرفين، والمقدّر أن تنتهي الأزمة بينهما بصياغة عقد جديد للعلاقة يمنح الدروز بعض التسهيلات وهامشاً أكبر في إدارة أنفسهم.

على عكس ما يتصور الكثير من المتحمسين الذين راهنوا على انضمام السويداء للتمرد على حكم الأسد، فإن تفحص الواقع في شكل عقلاني يثبت أن القضية أعقد من ذلك بكثير وأنها تخضع لاعتبارات كثيرة يندمج فيها الحل السوري النهائي وتشابكات الأزمة السورية الإقليمية والدولية بإضافة إلى تعقيدات الخريطة السورية المذهبية والسياسية.

على الأرض تبدو السويداء مرتبطة بدرجة كبيرة بنظام الأسد لدرجة يستحيل الانفكاك عنه، حتى أن السويداء نفسها لا تستطيع فعل هذا الأمر في الظروف الراهنة وحاجتها للنظام تبدو أكبر من حاجة الأخير لها رغم أنها تؤمن له وظائف إستراتيجية مهمة لحماية خاصرة دمشق من الجنوب ووظائف دعائية تنطوي قي إطار مزاعمه بحماية الأقليات ووحدتها ضد ما يسميه «الإرهاب التكفيري».

في تفاصيل تلك العلاقة المعقّدة، يتكشّف أن كل المنظومة القتالية التي تأسست في السويداء، والمقدّرة بحوالى عشرة آلاف مقاتل، تأسّست بغرض محاربة الطرف الأخر وجرى دمجها ضمن فعالية وجهود منظومة الأسد، وتأسست عقيدتها القتالية على مبدأ حماية السويداء من الجماعات المعارضة» التكفيرية»، وهي تشكيلات أشرف النظام على تدريبها وتسليحها وبناء هيكليتها، وبالتالي فإن أمر الانفصام عنه أشبه بالمستحيل، بل إن الضغط في هذا الاتجاه من شأنه إحداث انقسام داخل المكون الدرزي قد يفضي إلى حرب أهلية داخلية، وذلك لوجود تيارات ترى في التصادم مع النظام تناقضاً ثانوياّ لا يصل إلى حد التناقض الجوهري مع الكثير من تشكيلات المعارضة الإسلامية.

من جهة ثانية، تبدو السويداء أكثر محافظات سورية ارتباطاً بالنظام الذي يؤمن لها كل الخدمات ويوظف شريحة كبيرة من أبنائها داخل أطر الدولة ويؤمن تالياً أسباب معيشتهم، فالمحافظة لا تحتوي على مشاريع استثمارية مهمة ولا تملك أراضي زراعية كافية لتحقيق شيء من الاكتفاء الغذائي الذاتي، حتى أن مصادر مياه شربها تأتي من درعا، ولا يوجد بدائل جاهزة لتأمين هذه الحاجات في هذه المرحلة.

اللأهم من كل ذلك سلهمت السنوات الماضية برفع مستوى التعقيد في العلاقات بين السويداء وجيرانها في محافظتي درعا والقنيطرة وحتى الريف الدمشقي، صحيح أن الأمور بقيت مضبوطة بدرجة كبيرة، لكن من دون وجود قنوات تواصل بين الطرفين إضافة إلى انعدام المشتركات بينهما، وهذا الأمر يصعّب بدرجة كبيرة حصول نقلة نوعية في علاقات السويداء، من علاقة مع النظام، حتى ولو كانت حذرة ومتوترة في الفترة الأخيرة لكنها تمتلك أطر وقنوات تواصل ومصالح متبادلة، إلى علاقة مع طرف عملت سنوات خمس على زيادة الريبة والشك بل والقناعة أنه يشكل خطراً وجودياً على المجتمع الدرزي.

تشكّل هذه الاعتبارات أساس حسابات الدروز في الخيارات التي سيتبنونها لحل أزمتهم مع النظام، ونظراً لقلة البدائل المتاحة سيرجحون البقاء على شكل معين من العلاقة مع النظام حتى نضوج بدائل أخرى، وأهم هذه البدائل تأكدهم من ذهاب سورية نهائياً الى التقسيم حينذاك قد يذهب الدروز إلى خيار الدولة الدرزية تحت مظلة إقليمية ودولية، وبخاصة أن بعض الترتيبات لهذه الدولة قد بدأت تتمظهر على شكل علم الحدود الخمسة وبنية قتالية يتم التجهيز لها لحماية هذا الخيار، مع العلم أن ذلك أيضاً لن يتحقق من دون توافق إقليمي شامل ذلك أن هذه الدولة سيكون لها تأثيرات إقليمية نظراً لتوزع الدروز على كامل منطقة بلاد الشام وسكنهم في مناطق متجاورة ومتواصلة بين سورية ولبنان وفلسطين.

لا يستطيع دروز سورية الثورة على نظام الأسد كما يشتهي وليد جنبلاط وكما يرغب معارضو نظام الأسد السوريون، هذا الأمر فات أوانه ولم يعد ممكناً تحقّقه، الوقائع على الأرض تبدو طاردة بقوة لمثل هذا الاحتمال، الدروز اليوم أمامهم خيار واحد إجباري التنسيق مع نظام الأسد تحت غطاء البقاء تحت ولاية الدولة السورية، إلى حين نضوج بدائل أخرى لم يأت وقتها بعد، على الأقل في هذه المرحلة.

* كاتب سوري

======================

"حرب" النظام على داعش .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 10/9/2015

يجري تصوير ما يحدث في سورية على أنه صراع ضد داعش. يقول النظام، إنه يخوض الحرب على داعش. وأميركا تقوم بضربات جوية ضد داعش. وتقول تركيا، إنها دخلت الحرب ضد داعش (على الرغم من أنها تقصف الأكراد). و"العالم" لا يرى فيما يجري في سورية سوى داعش والخوف من داعش، وبالتالي، حشد القوى لمواجهتها. وتركز كل التكتيكات التي تطرح لـ "إنهاء الحرب" في سورية على مواجهة داعش.  قال النظام السوري، منذ البدء، إنه يواجه "مجموعات إرهابية"، وسلفية، ثم أطلق بيانات باسم جبهة النصرة، عن تفجيرات قام بها قبل أن تتشكل "النصرة". ومن ثم سهّل دخول داعش، بالتفاهم مع النظامين الإيراني والعراقي، راعيي "تنظيم دولة العراق" الذي بات يسمى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، لكنه يقول إنه يخوض الحرب ضد التنظيم.

هل قاتل النظام داعش؟ لا شك حدثت "اشتباكات"، لكن التدقيق فيها يوضح أنها كانت لمساعدة النظام في مناطق باتت قواته محاصرة فيها (معسكر مينغ مثلاً، وحتى مطار الطبقة)، أو لحاجة داعش للسلاح. وكانت المعارك الأساسية، منذ وجود داعش، مع الكتائب المسلحة، فهي التي طردتها من الشمال السوري، حينما تمدّدت (دور جبهة ثوار سورية التي قامت جبهة النصرة بتصفيتها فيما بعد)، وهي التي قاتلتها في حلب وطردتها منها. كذلك في ريف دمشق، وريف حمص. وكذلك في دير الزور وريفها. كانت كل المعارك الأساسية ضد داعش من الثورة التي وجدت فيها قوة تخريب، يستخدمها النظام ضدها. وإلى الآن، المعارك الأساسية ضد داعش هي من الكتائب المسلحة، كما يجري في مارع وجرابلس.

في دراسة صدرت، أخيراً، بعد رصد تشابك الصراع في سورية، ظهر أن 63% من قتال داعش كان ضد الكتائب المسلحة، وأن 13% منه كان مع النظام، والباقي مع الأكراد أو مع قوى أصولية أخرى (جبهة النصرة وجيش الإسلام). هذا يوضح طبيعة الدور الذي تقوم به داعش، لكنه يوضح حدود التقاطع مع النظام، وكيف أنه عنصر مساعد له في الحرب ضد الثورة، وليست قوة مواجهة له. وهذا دور لعبته "النصرة" كذلك، وما زالت تلعبه في مناطق عديدة، على الرغم من أنه يبدو أنها باتت تخضع لدول، مثل تركيا وقطر، لكنها ما زالت مخترقة، وظلت معاركها ضد الثورة، ربما سوى في الفترة الأخيرة بعد التفاهم السعودي القطري التركي.

يوضح هذا الأمر سبب إطلاق النظام سراح "الجهاديين" بعد الثورة، وكيف كان يدير نشاطهم في العراق قبل ذلك، وإلى أي مدى كان يخترقهم منذ "الجهاد المقدس" في أفغانستان، والذي ظهر في كم المعلومات التي قدمها لأميركا، قبل أن يتحقق التصادم على ضوء قتل رفيق الحريري. بمعنى أن النظام كان يعرف كيف يوظّف هؤلاء "الجهاديين" منذ زمن طويل، وقد وظفهم في العراق بعد سنة 2005 للضغط على الاحتلال الأميركي، ما دفع نوري المالكي (الحليف الراهن للنظام) إلى التهديد بتقديم شكوى إلى مجلس الأمن، بشأن "الإرهاب الذي يرسله النظام السوري إلى العراق".

كل تدقيق في الصراع القائم في سورية يُظهر، بوضوح، أنْ ليس هناك صدام أو صراع بين النظام السوري وداعش، وأن الصدام هو بين داعش والثورة، فبحجة إقامة دولة الخلافة، يعمل داعش على تدمير بيئة الثورة، واعتقال ناشطيها وقتلهم، وقتل القيادات العسكرية للكتائب المسلحة، وفرض سلطة أصولية مغرقة في التخلف على الشعب الذي عمل على التحرر من استبداد نظام الأسد، لكي يظهر أن هذا الاستبداد "ضرورة" في مواجهة استبداد وحشي أصولي وشامل.

لا أحد يعتقد أن هناك صداماً بين النظام وداعش، ولا أن يعتقد أنه يجب إقامة تحالف ضد داعش. ربما فقط الذين يريدون أن يبرروا وحشية النظام يكررون، إنه في حرب ضد داعش، لهذا يرون أن كل التدمير والقتل والتشريد الذي يمارسه "ضرورة" من أجل مواجهة داعش. هذا تبرير من لا ضمير له.

======================

هجرة السوريين ثمرة إجرام النظام والتطرف .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الثلاثاء 8/9/2015

بلدًا، يوفر له فرصة إقامة بالحد الأدنى من حقوق الإنسان.

ويظهر جانب آخر على حواف موجة الهجرة، يمثله المواقف من الهجرة وخاصة الدول المنقسمة ما بين مؤيد ومعارض بشروط معينة، وتراوح المواقف بما فيها موقف السوريين بين الإشادة والاستنكار، والتي غالبًا ما تذهب فيها الأقوال إلى تفاصيل صغيرة، وربما إلى مفاصل تاريخية وثقافية وسياسية، يتم استعارتها للدلالة على صحة هذا الموقف أو ذاك، والاصطفاف في ظله تأييدًا أو شجبا.

لقد جرى كل ذلك تحت سمع وبصر العالم كله، دون أن يحرك ساكنًا، مما شجع نظام الأسد على الاستمرار في سياسة تطفيش السوريين وإخراجهم من بلدهم. فأمعن في تلك السياسة وشددها عبر خلق مزيد من صعوبات الحياة والبقاء سواء في المناطق التي يسيطر عليها أو التي خارج سيطرته. ففي الأولى طبق سياسات أمنية شديدة القسوة ضد الأغلبية من السكان، وخاصة حيال الشباب عبر الاعتقالات وعمليات القتل العشوائي، وتكريس عمليات الإذلال اليومية، بالتزامن مع الغلاء وفقدان المواد الأساسية، وتزايد الفقر والبطالة، وتوقف الأعمال وتراجع الخدمات الأساسية وصعوبة الحصول عليها.

أما في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، فقد أخذت سياسته شكلاً آخر عبر حصار كثير من المناطق على نحو ما حصل في أحياء جنوب وشمال دمشق وفي الغوطة والقلمون، التي ما زالت مدنها وقراها محاصرة منذ نحو ثلاثة أعوام، منع فيها دخول الأغذية والأدوية والمواد الأساسية، ومنع الدخول إليها والخروج منها، وكانت كغيرها من المناطق الخارجة عن سيطرته، أهدافا يومية للبراميل التي تلقيها طائرات النظام، والصواريخ التي تطلقها المدفعية والدبابات، فيما مناطق التماس صارت مجالاً لرمايات القناصين.

وطبقًا للمعطيات الدولية، فقد كانت مناطق سورية مختلفة هدفًا للأسلحة الكيماوية لأكثر من خمس وعشرين مرة، كانت الأفظع فيها عملية ضرب غوطة دمشق بالسلاح الكيماوي في صيف العام 2013. التي تسببت وحدها بمقتل نحو ألف وخمسمائة، وإصابة نحو ثلاثة آلاف من الأشخاص.

وقد عزز ظهور وممارسات جماعات التطرف والإرهاب «داعش» وأخواته نهج النظام في القتل والتدمير، ودفع السوريين لمغادرة بلدهم، لأن تلك الجماعات، سارت في تشددها وإرهابها على ذات الخط من سياسات نظام الأسد في اضطهاد السكان ومصادرة وتدمير ممتلكاتهم، وخلق مزيد من صعوبات الحياة والبقاء أمامهم في مناطقهم، ودفعهم للمغادرة إلى دول الجوار.

لقد قوبلت تطورات سوريا الكارثية بكثير من الصمت وعدم المبالاة من المجتمع الدولي بالتزامن مع تدخلات إقليمية ودولية، عززت الصراع المسلح في سوريا، وعجزت عن إيجاد حل سياسي لقضية ممتدة منذ أكثر من أربعة أعوام ونصف، دون أن يتبين لها نهاية، وكلها عوامل في انفجار موجة الهجرة الراهنة، وكل ما يقال بعده مجرد كلام على الهامش.

======================

العرب وروسيا.. الاستثمار المضيّع .. غازي دحمان

العربي الجديد

الثلاثاء 8/9/2015

في النصف الثاني من عام 2015، زار، ويزور، روسيا سبعة زعماء ومسؤولو دول عربية، في محاولة لتوسيع مروحة العلاقات العربية مع القوى الدولية، وتنويع خياراتها، ما تزامن مع تأكيدات موسكو، أنه لا تغيير في موقفها تجاه قضايا العرب، وخصوصاً قضيتهم الأكثر إلحاحاً في هذه المرحلة، أي الصراع مع إيران التي تهدد، علناً، النظام الإقليمي العربي، واستقرار المجتمعات العربية برمتها، سواء بشكل مباشر أو من خلال أذرعها في المنطقة، بل وصل الأمر بروسيا، فيما يبدو تحدياً للرغبة العربية، إلى الانخراط المباشر في الحرب السورية إلى جانب خصم غالبية البلدان التي ذهب وسيذهب قادتها إلى موسكو.  يحصل ذلك في وقت ترجّح فيه معظم التقديرات العربية أن موسكو لن تغيّر موقفها من إيران ونظام الأسد، الذراع الأخطر لها، ما لم تكن هناك ضغوط حقيقية، تمارسها الأطراف العربية على موسكو، إن بشكل مباشر عبر تخفيض مستويات التواصل والإهمال السياسي للدور الروسي، وكذا بتخفيض التعامل التجاري، خصوصاً وأن العرب هم الطرف الخاسر فيه، أو بالضغط الميداني. حسناً، إذن، ما وظيفة هذه التقديرات، وما أهميتها إذا لم تترجم الى سياسات فعلية، وما دام العرب قد وصلت إليهم هذه الخلاصة، فلماذا يفعلون عكسها؟. ثم ما معنى أنه، على الرغم من كل هذا الزخم العربي باتجاه الكرملين، ما زالت الدبلوماسية الروسية تصر على مواقفها المعادية للمصالح العربية، والمفارقة، أن بعض الأطراف العربية التي ذهبت إلى موسكو قد تزحزحت مواقفها، وخصوصاً تجاه الوضع السوري.

يحلينا هذا الأمر إلى محاولة فهم الموقف الروسي، سواء لكيفية رؤيته لهذا التحرك العربي، أو لجهة مرتكزات بناء هذا الموقف، ذلك أنه من المفترض، نظرياً، وإذا اقتنعنا بالمبررات التي تسوقها الدبلوماسية العربية بهذا الخصوص، أن يصنع التحرك العربي تغييراً ما، وانعاطفة في الموقف الروسي لصالح القضايا العربية، لكن ذلك على أرض الواقع لم يحصل، لماذا؟

تدرك روسيا أن العرب بصدد إجراء تحوّل جوهري في إدارة علاقاتهم الدولية. لذا يلجأون إليها، لحاجتهم إلى تحقيق توازنٍ، يفيدهم عملانياً في حماية أمنهم واستقرارهم الذي بات رهين المساومات بين القوى الدولية والمراكز الإقليمية، وهذا الأمر بالفعل هو نتاج تقديرات عربية لاختلال التوزانات الحاصلة، والمقدر حصولها في المنطقة، ومحاولة بناء شبكة علاقات دولية أوسع، تخفف عنهم التداعيات، هي رؤية استراتيجية يمكن وضعها في خانة الاستجابة الطبيعية والعقلانية لهذه المتغيرات، ويتم تصريفها عبر تكتيك تعميق قنوات التواصل مع مراكز دولية فاعلة، وفق منطق تبادلية المصالح.

"تستخدم روسيا في استكمال سياستها العربية طريقة الاستنزاف بالأمل، والتي تقضي بإبقاء العرب على قارعة طريق أوهام تغيير موقفها، أما تكتيكها فيقوم على سياسة الباب المداور"

لكن المشكلة أن روسيا لا تنظر للأمر من هذه الزاوية، أو لا تراه كما يقدّره العرب ويرونه، فهي، أولاً، ترى وتسمع العرب الوافدين عليها يتعاطون معها كونهم أنظمة ودولاً مختلفة، لكل واحد منهم احتياجات ومطالب مختلفة عن الآخر، إن لم تكن متناقضة. وثانياً، تعرف روسيا أن العرب لن يشكلوا قوة ضاغطة ضدها، مهما رفعت سقف عدائها لهم، فالمصري والجزائري معها في كل الحالات، ومواقف قسم كبير من بقية العرب متأرجحة وغير متماسكة. وثالثاً، تدرك أن العرب يصلونها منكسرين، أميركا تخلت عنهم وإيران تحاصرهم وتركيا تستعلي عليهم وإسرائيل تستهتر بهم.

من جهة ثانية، ما يعتقده العرب براعة استراتيجية في التقاط التغيرات الدولية، وإجراء التحولات في الوقت المناسب لا تراه، أيضاً، روسيا كذلك، بل تتعامل مع الأمر بوصفه حالة خضوع، حصلت نتيجة عملية وجهد استراتيجي طويل، قامت به مع حليفتها إيران، وكانت نتيجته تحطيم بنية شبكة الأمان الإقليمي العربي واختراقه، وهي تنظر إلى نفسها على أنها شريك في هذا الانتصار، وإن كانت تدمجه في إطار انتصارها الاستراتيجي على القوى الكبرى المقابلة لها، على المستوى العالمي. الأكثر من ذلك أنها تعتقد أن هذا الانتصار لن يتجوهر، ويأتي بكامل حصاده إلا بمزيد من الضغط على البيئة الأمنية العربية، هذا على الأقل هو الفهم الروسي للواقعية السياسية، كما تجري ترجمتها تجاه العرب.

وثمّة ما هو أبعد من ذلك، وأكثر التصاقاً بواقع روسيا الجيواستراتيجي، حيث تنظر موسكو للوضع العربي بوصفه فرصة استراتيجية، لتحقيق نقلة في تراتبية موقعها الدولي، من خلال فعالية أدوارها في المنطقة العربية، إذ هامش الحركة متاح إلى أبعد الحدود، بعد أن اكتشفت أن تحركها في جوارها الأوروبي، أوكرانيا وجورجيا، تحت مجهر الغرب. وبالتالي، فإن من شأن أي خطوة زائدة زيادة تعقيد وضعها في الفضاء الدولي عامة.

تستخدم روسيا في استكمال سياستها العربية طريقة الاستنزاف بالأمل، والتي تقضي بإبقاء العرب على قارعة طريق أوهام تغيير موقفها، أما تكتيكها فيقوم على سياسة الباب المداور، لجهة عدم رفض سماع أحلام العرب وأمنياتهم، ولا شك أن الروس ينتشون بإنجازاتهم الدبلوماسية، تلك التي تمنح دبلوماسيتهم فرصة الظهور بمظهر السياسة الناجحة، والتي تحقق فرصاً عظيمة لروسيا، ثم إنهم لا يخسرون شيئاً في مغامرتهم هذه التي تبدو أنها بمثابة منحة مأجورة، يحصلون في مقابلها على الصفقات والتمويل، ويحصل دبلوماسيوها على شهادات الثناء والإعجاب العالمي.

لسان حال الروس يقول، في هذه اللحظة، سمعنا أن العرب لا يقرأون وإذا قرأوا لا يفهمون، وها نحن تجاوزنا، في مغامرتنا معهم، الكتابي إلى الشفاهي، ونصرخ بأعلى الصوت "بشار الأسد شرعي وسنكون معه دائماً وأبداً".

======================

عن التهجير والهجرة: في موجة اللجوء إلى أوروبا .. عزمي بشارة

العربي الجديد

الثلاثاء 8/9/2015

اللاجئون السوريون هم، في الواقع، مهجّرون. لقد هُجّروا من مناطق سكناهم، بفعل فاعل، اتّبع سياسة العقوبات الجماعية والقصف والقتل بالجملة، أو هاجروا قسراً من أحياء مأهولة، تحوّلت إلى جبهات قتال، بعد أن تطورت الثورة السورية إلى نوع من الاحتراب الأهلي، نتيجة سياسة العنف المنهجي التي اتبعها النظام بدون سقف، أو خط أحمر يفرضه ما يسمى المجتمع الدولي. وهو أمر نادر الوقوع منذ الحرب العالمية الثانية. وزاد دخول جماعات مسلحة غير ملتزمة بأهداف الثورة السورية، بعد أكثر من عام ونصف من نشوبها، في هجرة أعداد كبيرة أيضاً من السوريين، بسبب قصف النظام المناطق التي حررتها/ احتلتها، أو بسبب ممارسات بعض منها. ويبدو من مراقبة نهج النظام، وسياسة الأرض المحروقة التي يتبعها، أنه يقوم بسياسة تهجير منهجية، للتخلص من أكبر عدد ممكن من السوريين، ولا سيما أنه اعتمد، أخيراً، معايير جديدة في تحديد الانتماء، فالسوري هو من يدعم النظام، حتى لو جاء من باكستان؛ أما من يعارض النظام فليس سورياً.  استمرت مأساة ملايين اللاجئين والمهجّرين السوريين، طوال أربعة أعوام داخل سورية نفسها، وفي تركيا ولبنان والأردن. وهي الدول والمجتمعات التي تحملت العبء الأكبر حتى الآن. والناس عموماً تلجأ من القصف والحرب، وتهرب من القتل والاعتقال إلى المناطق المتاخمة، أو الدول المجاورة، بانتظار استقرار الأوضاع، لكي تعود إلى ديارها.

ما يميز موجة اللاجئين الأخيرة إلى أوروبا هو سأم آلاف اللاجئين السوريين من الانتظار، كلاجئين في الدول الحدودية (مع الفارق بين ظروفهم فيها). راحوا يبحثون عن حلول دائمة لعائلاتهم، ولا سيما أبنائهم، وهو أمر مفهوم بعد انتظار سنوات. إنه ما يميز هذه الهجرة، وهو أيضاً أخطر ما فيها. ليس الحديث، هنا، عن هرب من القصف أو الموت. إنها هجرة من لجأوا من القصف إلى دول أخرى. وهم، الآن، بعد اللجوء، يهاجرون إلى دولٍ يمكن فيها الحديث عن استقرار طويل الأمد. ولا يستغربن أحد إذا قلت إن بعض السوريين غادر حتى دول الخليج التي أتاها لاجئاً/ مهجَّراً، بحثاً عن حياة واستقرار، وربما حتى جنسية جديدة للأبناء، حين سنحت له الفرصة في دول تستوعب مهاجراً يبحث عن مستقر. وأنا أصدق الأب الذي يقول إنه يلجأ إلى أوروبا من أجل أبنائه، فهذه المسؤولية هي التي "تكسر الظهر"، بعربية أهل الشام.

"الجريمة تقع في سورية وليس في أوروبا. ويجب حل المشكلة في سورية. ولا يجوز أن يعمى نقد المقصر في التضامن عن الجريمة الجارية في سورية"

المميز الثاني أن غالبية هؤلاء ليسوا من المعدمين تماماً، بل من أبناء الطبقات الوسطى ممن خسروا كل شيء، وبقي لديهم بالكاد ما يسدّ لوازم التعرض لابتزاز المهربين، أو لديهم أقارب في الخارج. ويمكن القول إن سورية، في هذه الهجرة، تخسر جزءاً كبيراً من طبقتها الوسطى ومهنييها. من يقيم في تركيا ولبنان والأردن، وحتى دول الخليج العربية سوف يعود إلى سورية، عاجلاً أم آجلاً، أما المهاجرون إلى ألمانيا، فشأنهم مختلف. قد يعود يوماً كبار السن من المهجّرين، أما الأبناء الذين سيدخلون مدرسة ألمانية هذا العام، فهدف اللجوء هذا هو البحث لهم عن مستقبل آخر، بعيداً عن هذه المنطقة، إنه هجرة بالنسبة لهم.

هذا هو الموضوع الأساس، وليس عنصرية القيادة الهنغارية وغيرها من دول شرق أوروبا التي تحتاج إلى معالجة خاصة، ولا حتى موقف القيادتين، الألمانية والنمساوية، الناضج والسويّ والمقدَّر فعلاً. ولكن، لدى الإعلام العربي موهبة خاصة في الابتعاد عن جوهر القضية في أثناء عرض الدراما الإنسانية، وهي دراما حقيقية:

1- الجريمة تقع في سورية وليس في أوروبا. ويجب حل المشكلة في سورية. ولا يجوز أن يعمى نقد المقصر في التضامن عن الجريمة الجارية في سورية.

2- يجب وقف سياسة الترانسفير التي يقوم بها النظام، ويضاف إليه حالياً تنظيم الدولة.

3- ثمة أعداد كبيرة من السوريين ممن يئسوا من الحل، وراحوا يبحثون عن مستقبل للأبناء، بعيداً عن "مكان وقوع الجريمة"، على أنواعها.

4- بموازاة دعم الشعب السوري في صموده، والبحث عن حل للأزمة السورية، لا بد من تهيئة ظروف مناسبة للمهجَّرين السوريين في الدول العربية، بما فيها العيش والعمل وتعليم الأبناء بكرامة. فمصير هؤلاء أن يعودوا إلى سورية. ولكن، لا يجوز أن يعيش الإنسان في ظروف لاجئ في "خيمة" (مجازاً، فقد تكون الخيمة من إسمنت) سنوات.

5- بموازاة إدانة موقف هنغاريا وغيرها ممن يقطعون طريق الناس، يجب أن تبذل الدول العربية، وقوى المعارضة السورية والمنظمات الأهلية السورية والعربية، جهداً لإقناع السوريين بعدم الهجرة. وهذا لا يتم بالوعظ، بل بتهيئة الظروف المناسبة للسوري الذي أعيته النكبات وأتعبه الكلام.

======================

في دلالات صورة الطفل آلان الكردي .. هوشنك أوسي

الحياة

الاثنين 7/9/2015

فاق تأثير صورة جثّة الطفل السوري آلان عبدالله شنو، الغريق على ساحل بحر إيجة، كل صور المجازر التي ارتكبها نظام الإجرام الأسدي في سورية منذ أربع سنوات. كما تجاوز بكثير دور المعارضة السوريّة السياسيّة وتأثيرها في التعريف والتسويق للقضيّة السوريّة. إلى ذلك، فضحت الصورة مدى ضلوع العالم وتورّطه في محنة سورية وشعبها، المتروكين لإجرام نظام الأسد الذي أنتج وأفرز إجرام «داعش» و»النصرة» وكل التنظيمات التكفيريّة الإرهابيّة التي تفتك بالسوريين. وأكّدت عمق الشراكة الأميركيّة - الروسيّة - الأوروبيّة - الإيرانيّة... في استمرار المأساة السوريّة، وأن كل ما يقال عن خلاف غربي - روسي - عربي، حول بقاء نظام الأسد، محض هراء، وللتضليل والخداع. فحتى لو وافقت موسكو على ضرب نظام الأسد عسكريّاً، بقيت واشنطن وعواصم الغرب عاجزة أمام هذا الإحراج! ما يعني أن النيّة الأميركيّة - الإسرائيليّة - الأوروبيّة في إبقاء هذا النظام جاثماً على صدر سورية والسوريين موجودة ومستمرّة، وتختبئ خلف الممانعة الروسيّة!

وفي سياق هذه الهزّة العميقة، أخلاقيّاً وسياسيّاً وإنسانيّاً التي أحدثتها الصورة الأليمة للطفل السوري، كحمامةٍ غافية على شطّ البحر، بحيث جعلت منه سفيراً لمأساة سورية، وما رافق ذلك من تغطية إعلاميّة ومتابعات تحليليّة لدلالات الحدث، لفت انتباهي تجاهل قيادات «حزب الاتحاد الديموقراطي» الكردي (PYD) هذا الحدث وصورته المؤلمة، علماً أن الطفل من مدينة كوباني التي يتحدّر منها رئيس الحزب صالح مسلم، ومسؤول الحزب في أوروبا زوهات كوباني! ليس هذا وحسب، بل تجاهل الكثير من «ديناصورات» إعلام هذا الحزب في أوروبا، هذه الصورة، ولم يعلّقوا على صفحاتهم الشخصيّة في الـ «فايسبوك» ولو بكلمة واحدة! وغالب الظنّ أن صمت هؤلاء مؤشّر ضمني إلى وجود مسؤوليّة أخلاقيّة وسياسيّة، لسلطة هذا الحزب في مأساة الطفل آلان وعائلته. هذا الحزب الذي يدير المناطق الكرديّة السوريّة، بالتنسيق الخفي مع النظام السوري، تحت مسمّى «الإدارة الذاتيّة الديموقراطيّة»، لم يثق والد الطفل بـ «أمن واستقرار» إدارته، واختار تركيا، بما فيها من ظروف شديدة القسوة على اللاجئين، ثم ألقى بنفسه وعائلته في أحضان مهرّبي البشر، بدلاً من الإقامة في كوباني أو عفرين أو الجزيرة، وفضّل الإبحار في قوارب الموت، وجرى له ما جرى.

هذه الصورة دفعت لندن وبرلين وعواصم أوروبيّة كثيرة إلى مراجعة نفسها، ولو على مستوى قضايا الهجرة، ولم تدفع قيادات السلطة الكرديّة إلى مراجعة نفسها، والبحث عن منسوب مسؤوليّتها، الذاتيّة أو الموضوعيّة، في هذه الكارثة! فهذه «الإدارة الكرديّة» السوريّة، والتي تسمّي نفسها بـ «الديموقراطيّة»، لا تسأل نفسها: لماذا يهرب المواطنون الكرد من مناطق سلطتها، بعد أن كانوا يحلمون على مدى عقود بنيل قسط يسير من حقوقهم المشروعة من النظام السوري؟! هذه الإدارة - السلطة الذاتيّة (وهي ليست ذاتية، بسبب تحكّم العمال الكردستاني (التركي) بها، من وراء الستار، مضافاً إليه تأثير نظام الأسد عليها عبر البعثيين والموالين له الموجودين في هذه السلطة)، علاوةً على أنه ليس لديها أي مشروع سياسي، اقتصادي، اجتماعي، حقيقي وعلمي، يعالج أو يخفف أو يحدّ من هجرة الكرد السوريين، أصدرت تصريحات قبل فترة على لسان نائب رئيس «حزب الاتحاد الديموقراطي»، السيدة إلهام أحمد، تقول فيها: «من لا يعجبه نظامنا السياسي والإداري، فليغادر المنطقة»! وسبقتها إلى إصدار تصريحات كهذه، قيادات سياسيّة وأمنيّة، تابعة للحزب نفسه! من ثم يأتي الحزب ويتحدّث عن أخطار الهجرة! الأنكى من كل ذلك، أن هنالك قيادات بارزة في «الإدارة الذاتية الديموقراطيّة»، أرسلت وترسل أولادها إلى أوروبا، بينما «تلعن» الهجرة من الوطن، وتثرثر حول الدور التآمري لتركيا الهادف إلى إفراغ المناطق الكرديّة السوريّة!

وإذا افترضنا جدلاً أن تركيا «متآمرة» ولها مخططاتها ومشاريعها التي تستهدف الكرد وكردستان سورية، وتريد إجراء تغيير ديموغرافي فيها... فلماذا لا يصدر «حزب الاتحاد الديموقراطي» قراراً سياسياً»، يلزم معظم قيادته التنظيميّة والسياسيّة والإعلاميّة، وكل عناصره والمؤيدين له، بترك البلدان الأوروبيّة، (وهم بالآلاف، ويحملون الجنسيّات الأوروبيّة)، وبالعودة إلى المناطق التي للحزب فيها سلطة سياسيّة وتنظيميّة وعسكريّة مطلقة؟! وبهذا يفشلون مخططات تركيا.

ذلك أنه طالما بقيت قيادات الحزب في المهجر، وتقدّم طلبات لجوء سياسي، فيما حزبهم سلطة إداريّة وتنظيميّة وعسكريّة، صار معيباً ومؤسفاً أن ينتقد الحزب هجرةَ الناس من المناطق الكرديّة ومن سورية عموماً! مضافاً إليه، تناقض غريب في سلوك قيادات هذا الحزب حيال تجارب المعارضات في البلدان الأخرى. فالمعارضة، حين تصبح سلطة أو جزءاً منها، تترك قياداتُها المهجر وتعود إلى الوطن، باعتبارها أوّل من يجب عليه أن يطبّق على نفسه نظريات الحزب في الحكم والإدارة، قبل تطبيقها على الآخرين، وليس العكس!؟

يبقى أن صورة الطفل آلان التي هزّت العالم، فضحت عري المجتمع الدولي، ومجلس الأمن، وكل القوى الدوليّة والإقليميّة والمحليّة، الضالعة في تفاقم محنة الشعب السوري ومأساته. وهي صورة سيبقى تأثيرها في ذاكرة الإنسانيّة.

* كاتب كردي سوري

======================

قمة واشنطن تطوي إعلان بوتين ومسودة دي ميستورا؟ .. جورج سمعان

الحياة

الاثنين 7/9/2015

مبادرة الرئيس فلاديمير بوتين تستدعي سيلاً من الأسئلة. حظها ليس أفضل من حظ مسودة الخطة التي طرحها المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا. قوى المعارضة في «الائتلاف الوطني» طرحت أكثر من أربعين سؤالاً على المبعوث شكلت مع التحفظ نوعاً من الرفض الديبلوماسي للمسودة. سيد الكرملين أعلن أن الرئيس بشار الأسد مستعد لإجراء انتخابات نيابية مبكرة، ولاقتسام السلطة مع «معارضة بناءة». وهو يعلم بالتأكيد أن الانتخابات العادية يفترض أن تُجرى في الربيع، بعد أشهر. فهل يقصد تقريبها؟ ومن يقصد بالمعارضة البناءة؟ كيف تُجرى انتخابات نظيفة وحوالى عشرة ملايين سوري يهيمون في بلادهم بعدما أخلوا مدنهم وقراهم هرباً من الحرب؟ كيف تُجرى انتخابات بتمثيل حقيقي وحوالى خمسة ملايين سوري باتوا لاجئين في دول الجوار، ويطرق مئات الآلاف منهم أبواب أوروبا بحراً وبراً؟ ومن يقصد بالمعارضة «البناءة» التي ستجلس في صفوف الحكومة «البناءة» التي انعقدت قبل أيام لتناقش «ملف الهجرة» وأسبابها، ودانت «التعامل المخزي» لبعض الدول الأوروبية مع المهاجرين؟!

يعرف الرئيس بوتين بالتأكيد أن الرئيس الأسد لن يسلم السلطة، ولن يشرك فيها أحداً. رفض حتى «المبادرة الإيرانية». ونقل إليه ديبلوماسيوه حتماً ما أبلغهم به وزير الخارجية وليد المعلم في زيارته موسكو أخيراً. رئيسه لن يسلم السلطة، لا عسكرياً ولا سياسياً. أبلغهم خوفه هو السنّي الدمشقي من «اليوم التالي»، فأين منه موقف العلوي؟! أسئلة كثيرة يستدعيها تصريح سيد الكرملين. ولا حاجة إلى أجوبة. صحيح أن المبادرة إلى انتخابات نيابية مبكرة روجت لها موسكو منذ أكثر من شهرين. لكن ما استدعى إطلاقها علناً قبل يومين مستجدات سياسية وتداعيات أزمة اللاجئين ومآل الأزمة السورية برمتها. استهلك الروس لافتة رفعوها منذ بيان جنيف في حزيران (يونيو) 2012. رددوا بلا ملل ولا يزالون يرددون إلى اليوم أن التسوية ومستقبل الرئيس الأسد يقررهما السوريون أنفسهم بلا تدخل وبلا شروط مسبقة. لكنهم تناسوا أن بيان جنيف الذي يريد الجميع اعتماده مرجعية للتسوية أقره وزراء خارجية الخمس الكبار من دون أي حضور ودور للسوريين، أصحاب الشأن والمعنيين الأساسيين!

ما أعلنه الرئيس بوتين لن يصرف في أوساط المعارضة ولا في أوساط جميع المعنيين بالأزمة. ما أراده هو الإيحاء بأن بلاده تسعى فعلاً إلى دفع النظام السوري إلى تقديم تنازلات لا تمس النظام والحكم، بل تحفظ رأسه وتحميه. تماماً كما ضيعت مسودة دي مستورا بند هيئة الحكم وصلاحياتها الكاملة في المرحلة الانتقالية في جملة من البنود واللجان. كأن المطلوب في هذه المرحلة تقطيع الوقت. فالمبعوث الدولي يدرك جيداً أن خطته لن ترى النور. ولا أحد ينتظر أن يقدم «إنجازاً» عندما يعود إلى مجلس الأمن منتصف تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، ما لم يكن هناك توافق بين الكبار المختلفين على مستقبل الرئيس الأسد ومصيره ودوره. وهو يعرف حتماً أن بيان جنيف الذي أعده سلفه الأمين العام السابق كوفي أنان كان ترجمة لتوافق دولي ابن لحظته، خصوصاً بين أميركا وروسيا، ما لبث أن سقط في حمأة التفسيرات المختلفة لمضمونه.

الواقع أن الكرملين بدأ يشعر بأن الساحة التي أخليت له طويلاً من أجل إنجاز اختراق لم تعد تتيح له حرية الحركة كما في السابق. ثمة تطورات ضاغطة. لا بد إذاً من مناورة جديدة تواكب تحرك دي ميستورا وتستبق ما قد تحمله الأيام المقبلة قريباً. أراد الإيحاء بأن النظام في دمشق مستعد لتسوية سياسية تواكب الإعداد لتحالف واسع لمحاربة «داعش». لم تعد هذه الحرب أولوية وحدها. بات المساران، الحرب والتسوية، متوازيين. يحاول الرئيس الروسي أن يطرق بجديده السوري أبواب أوروبا والولايات المتحدة أولاً وأخيراً. يريد المقايضة بين أوكرانيا وسورية: قدموا تنازلات هناك أقدم مثيلها هنا. ويأتي جديده أيضاً في إطار إعادة النظر في مواقفه ومواقعه ومصالحه وشبكة علاقاته في الشرق الأوسط وغيره، في ضوء تداعيات الاتفاق النووي. توقيت إعلان هذا الجديد كان لافتاً. واكب محادثات القمة الأميركية - السعودية. ربما أراد زجه في برنامج المحادثات بين الرئيس الأميركي باراك أوباما والملك سلمان بن عبدالعزيز. تقلقه سلفاً نتائج هذه القمة، خصوصاً توافق الزعيمين على التأكيد أن لا دور للرئيس الأسد في مستقبل سورية. وهو ما كرره وزير الخارجية عادل الجبير أمس بعدما كان أبلغ موسكو به علناً في حضرة نظيره الروسي سيرغي لافروف قبل أسابيع.

تدرك موسكو أن الوقت داهم. فإدارة الرئيس باراك أوباما تسعى لإرساء الاستقرار في الشرق الأوسط، عبر تجديد علاقاتها مع إيران وإقامة نوع من التوازن في النظام الإقليمي. ومثل هذا النهج لا يمكن تطبيقه فيما طهران توغل في خرق المنطقة ومجتمعاتها، من العراق وسورية إلى فلسطين واليمن وشرق شبه الجزيرة العربية. ولا شك في أن هذه الإدارة عليها بعد قمة واشنطن ترجمة حرصها أقله على هذا التوازن. والاختبار الأول هو الأزمة السورية. والثابت المعلن حتى الآن أن الجمهورية الإسلامية ليست في وارد المساومة في القضايا الإقليمية. المرشد علي خامنئي اتهم الولايات المتحدة بأنها «تسعى إلى القضاء على المقاومة والهيمنة على سورية، وتتوقع أن تدخل إيران في هذا الإطار». وشدد على أن «هذا الأمر لن يحدث أبداً».

موقف المرشد لا يساعد واشنطن على تصحيح مسار علاقاتها بشركائها الخليجيين. الكرة في ملعب إدارة الرئيس أوباما بعدما تحررت من عبء الجمهوريين وتهديداتهم بإسقاط الاتفاق النووي. لم تعد أسيرة المرحلة الماضية. يبقى أن تبدي لأصدقائها التاريخيين في المنطقة أنها لم ولن تنجرف وراء مشاريع إيران ومخططاتها في المنطقة. علماً أنها لا يمكن أن تسلم باليد المطلقة لإيران في دمشق وهي تعمل على تقليص نفوذها في بغداد. كانت طوال السنوات الثلاث الماضية حريصة حرصاً مبالغاً فيه على عدم إزعاج طهران في أي مسألة لئلا تجازف بدفعها إلى وقف المفاوضات النووية. أما اليوم فلا عذر لها. رفضت دعوات تركيا المتكررة إلى إقامة منطقة آمنة شمال سورية، بل طلبت دفع مشروع المنطقة غرباً بعيداً من مناطق الكرد. لا تريد إضعافهم. ولا تريد المجازفة بسقوط مفاجئ للنظام السوري من دون جاهزية بدائل فاعلة وقادرة. مثلما لا ترغب أيضاً في إطلاق يد أنقرة وتعزيز نفوذها في سورية. ولا تزال عند هذا الموقف.

تعي موسكو معنى هذا التبدل. وتخشى أن تعدل واشنطن موقفها مجاراةً للعرب القلقين من هيمنة إيران، وتأكيداً لحرصها على علاقاتها التاريخية والتزاماتها معهم. وتعي أن أزمة سورية على رأس اهتمامات الإدارة بعد تمرير الاتفاق النووي مع إيران في الكونغرس. وإذا كان الضغط العربي على واشنطن ليس كافياً، فإن الضغط الأوروبي سيكون أكبر. لذلك، واكب إعلان الرئيس بوتين أيضاً التخبط الأوروبي في معالجة أزمة اللاجئين والمخاوف التي تثيرها. فجيش الفارين من أتون الحروب والويلات في سورية وغيرها لا يصل عملياً إلى حدود روسيا أو الولايات المتحدة. لكن صور المآسي والويلات التي يقاسيها هؤلاء، غرقاً في البحر أو اختناقاً في شاحنات التبريد، ولدت موجة من التعاطف في الشارع الأوروبي الذي بدأ الضغط على حكوماته. ولا مفر أمام هذه الحكومات سوى تحويل هذا الضغط نحو واشنطن، الشريكة الكبرى، لتعديل موقفها والانخراط فعلياً في البحث عن حلول سريعة. الدوائر المعنية في القارة العجوز تعلم جيداً أن المعالجة المجدية لمواجهة هذه الموجة الواسعة من المهاجرين فاقمها إحساس السوريين بأن لا أمل لهم بالبقاء في بلادهم، وهم يعيشون عذابات استعصاء الحسم في الميدان العسكري واليأس من إمكان التوافق في الساحة السياسية، محلياً ودولياً.

إلى كل هذه العوامل المستجدة الضاغطة، تشعر موسكو بأنها باتت هي نفسها تحت الضغط. التأثير الواسع الذي كانت تملكه على النظام في دمشق يفلت من بين أصابعها لمصلحة إيران التي يساهم تدخلها في تفكيك ما بقي من مؤسسات الدولة، بل يجد النظام مصلحته في مجاراة تيارها المتشدد الذي لا يلتفت إلى انهيار الدولة والمؤسسة العسكرية. هناك إذاً مصلحة ملحة لبوتين في تحريك المسار السياسي في سورية، والاحتفاظ بأرجحية بلاده في رسم مآلات التسوية. وهو ما يستدعي ليس مغازلة الولايات المتحدة وأوروبا واستدراجهما إلى مقايضات معقدة، بقدر ما يتطلب منه مبادرة «بناءة» قبل البحث عن «معارضة بناءة»! وهناك مصلحة ملحة مماثلة للولايات المتحدة في ترجمة حرصها على إقامة توازن في علاقاتها بالشرق الأوسط. وترجمة حرصها على منع إيران من الهيمنة على المنطقة، وتهديد جيرانها، ووقف تدخلها، والحؤول دون تفردها برسم خريطة النظام الإقليمي الجديد وتفتيت بلاد الشام. لم يعد التردد يجدي. وسورية هي المحك والامتحان بعد تحرر أوباما من الملف النووي وتهديدات خصومه الجمهوريين... بانتظار أن تطيح نتائج قمة واشنطن وزحف اللاجئين إلى أوروبا زحف إيران ومعه مناورات موسكو ومسودة ديستورا؟

======================

السوري أمام سؤال النجاة .. مصطفى علوش

الحياة

الاثنين 7/9/2015

كلما مرّ نهار جديد تساءل السوري، المنهك، المتعب، بشروط حياة يومية حوّلها النظام وأمراء الحرب إلى جحيم فعلي، عن المستقبل الذي ينتظره، وهو يعرف أن المستقبل العام الذي ينتظر البلاد هو ما سيحدد مستقبله الفردي والأسري.

هي لحظة سوداء يعيشها هذا الإنسان الغارق في هموم الخدمات، وربما يقولها قهراً في سرّه «كنا عايشين»، وبعد دقيقة يدرك أن حركة الزمن الموضوعية لا تسير إلى الوراء، مع أن الزمن السياسي يسير إلى الوراء سورياً، ويعرف أنه تُرك وحيداً فأصدقاء الشعب السوري لم يحموه من النظام الذي تحوّل إلى ميليشيات ومجموعة من أمراء الحرب، فيما هو الضحية المقتول في قذيفة تنزل على شارع، أو في معركة لم يخترها.

هو نفسه محاصر في دوما، أو في أي منطقة يزعم النظام أنها آمنة، مقتول في داريا، أو في حلب، أو في الرقة. هذا المواطن الحيّ، المقتول، الشهيد الذي هرّب بعض أبنائه إلى أوروبا، ويعيش ظروفاً بالغة الشظف ويتعلّق بما يرد في الأخبار، هو الآن يركض خلف رغيف الخبز اليومي ويشتم كل الأيديولوجيات والأحزاب اليسارية واليمينية السورية، ويعيد جملته: وأنا من يحميني من كل هذا الجحيم؟

هذا السوري اللاجئ في الزعتري أو في تركيا أو لبنان، يتفقد كل الجهات الجغرافية باحثاً عن مخرج، منقذ، يرى بعينيه عنصرية بعض اللبنانيين ويصمت مبتلعاً لسانه.

يعارك الفصول الأربعة والظروف الحياتية القاسية، وحين يقترب الشتاء يعرف أنه أمام معركة حاسمة، فإن تحمّل هو البرد فلن يتحمله صغاره.

اختبر كل التصريحات السياسية عبر انتظاره التاريخي الطويل، مرّ على رأسه «جنيف - 1» و «جنيف - 2» ومؤتمر القاهرة ومؤتمرات موسكو، وحفظ كل ما قيل فيها وعنها، وها هو عام الثورة الخامس يقترب وهو وحده لا معيل له سوى سلال الإغاثة.

في لحظة، يتذكر شعاراته التي هتف بها «حرية حرية بدنا بدنا حرية»، «واحد واحد الشعب السوري واحد»، وتدمع روحه على حرية لم يصل إليها بعد، وعلى شعارات عانقت السماء فقابلها النظام بالقتل والتهجير.

هذا السوري في اختبار تاريخي مع كل شيء أجّله، اختبار مع الطائفية، مع السياسة، مع الأخلاق، مع أبدية النظام التي انتهت سياسياً ولم تنته واقعياً، مع الثقافة، مع التاريخ نفسه وسؤاله من يكتب التاريخ؟ تاريخنا الصادق الصادم هذا.

هو المقتول، كان حالماً وصار يائساً من كل شيء، كل الأفكار والحكم وقصائد الشعر لا تنفع أمام جوعه، هو المحاصر المقموع الملاحق. ماذا سيفعل لينجو؟

نعم، سؤال النجاة الفردية هو الآن المسيطر على حياته. فسراً يبحث الجميع عن طرق نجاة فردية، ووحدها طرق الهجرة توحدهم في المصير، وقد انقسم الناس على كل شيء، انقسموا سياسياً مع أن الحاكم الفعلي الآن على الأرض هو الحواجز والخوف الذي تعممه، وانقسموا أخلاقياً وهم يناقشون أحوالهم الحاضرة حيث التبرير المريع عند موالاة النظام وهم يرون كل شيء بمنظار «كنا عايشين».

من هنا، يصير المشهد أشدّ سواداً، نظام يقتل لينجو، وبشر ضحايا يهربون ويقاتلون ويبحثون عن مخرج، كأن الموت يلاحق الجميع.

وفي اللحظة التي يتذكر فيها هذا المواطن أن الحياة تستحق العيش، يتذكر حقّه في الحبّ والعيش الكريم والأمان والكرامة، وأنه خرج بثورة من أجل كل ذلك. ويسأل نفسه: ماذا بقي من الثورة؟ وهل سيسقط هذا النظام؟ ويبقى السؤال الأكبر كيف أنجو كفرد من الجحيم؟

* كاتب سوري

===========================

دعوة إلى مبادرة للتعاون على رعاية أسر المهجّرين في الغرب وأطفالهم (ما أكثر الحصاد وأقل العاملين؟!) .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 10-9-2015

تثبت أزمة اللجوء السورية حضورها على الأجندة العالمية . ورغم أن عمر هذه الأزمة قد تجاوز الأربع سنوات ، إلا أنها لم تصبح الشغل الشاغل للأجندة الدولية إلا بعد أن دقت أبواب العالم المتحضر ، وأصبحت تشكل تهديدا مباشرا لما يعتبره أمنه واستقراره وخارطته الديمغرافية وهويته الثقافية ورفاهيته أيضا ...

وكان المدخل الإنساني الذي فرض نفسه على الرأي العام هو صورة الطفل السوري الغريق ( إيلان عبد الله) الذي ألقى به اليم في الشاطئ ، كانت هذه الصورة على أنه مر قبلها الكثير مما هو أفظع منها؛ المدخل الذي جعل من الأزمة مادة للتجاذب على مستوى الحكومات والشعوب .

لا يمكن أن يكون محل جدل أن يتفهم البشر الأسوياء دواعي الهجرة ، ودوافعها ، ومعاناة المهاجرين والمهجّرين متعددة الأبعاد ، سواء لحظة الاقتلاع من الجذور والتردد على المعابر والحواجز ، وانتهاء بمعاناة الانغراس في بلدان المصب ، مع ما يحمله هذا الانغراس من عوائق وصعوبات وما يتبعه من مخاطر وتهديدات . فمعاناة البشر ، ولكل إنسان قدراته وتوجهاته ، ليست محل مزاودة من إنسان على إنسان . ودائما يجب على الإنسان أن يحترم خيارات الآخرين وتطلعاتهم ، وأن يقدر احتياجاتهم ومشاعرهم ...

" البعد الإنساني " في عملية الهجرة أو التهجير أو النزوح أو اللجوء ، تسمه كيف شئت ، فرديا كان أو جماعيا ، يجب أن يفهم وأن يُتعامل معه مجردا من الأبعاد السياسية ، رغم أنه فعل ذو تداعيات سياسية واجتماعية بامتياز .

" أزمة التهجير السوري " رغم بعدها الإنساني إلا أنها في الوقت نفسه أزمة ذات بعد أمني وسياسي واجتماعي واقتصادي في الوقت نفسه .

وإذا جردنا البعد الإنساني من ملابساته ، ونزهناه عن التشكيك والجدل والتوظيف المسبق ؛ فإن عملية التهجير تبقى في حقيقتها فعلا سياسيا يحتاج إلى تحليل وفهم كما يحتاج إلى توجيه وترشيد . وتبقى أيضا فعلا اجتماعيا وثقافيا له تبعاته التي لا تنتهي بوصول المهاجر إلى أرض المهجر وحصوله على شرف اللقب ( لاجئ ).

 إن نظام الاستبداد والفساد قد جعل من هذا اللقب الذي هو في الأصل محل الإشفاق والتعاطف إلى وصف شرفي يغامر الناس بحياتهم وحياة أطفالهم للوصول إليه . فأكبر جائزة يحصل عليها المهاجر اليوم أن يحظى بلقب لاجئ في بلد يحلم بالوصول إليه .

إن تدفق المهجّرين السوريين على دول الغرب ، على نية اللجوء والنزوح بعد أن طالت إقامتهم المؤقتة في دول الجوار ، يُلقي على كاهل المعنيين من الذين استرعاهم الله الأمانة ، وحملهم إخوانهم وذووهم المسئولية واجبا جديدا في وقت يستحضر فيه المرء قول السيد المسيح : ( ما أكثر الحصاد وما أقل العاملين ..)

وإن أول ما يمكن أن نكرره ونؤكد عليه في هذه القراءة أن اللجوء بحد ذاته ليس فعلا إيجابيا في سياق ثورة تنشد التغيير الإيجابي في وطن عانى جيل من أبنائه الكثير . وأنه منذ الأشهر الأولى للثورة غاب التوجيه المركزي لقوى المعارضة . وغابت الاستراتيجيات والجهود التي تساعد المواطن السوري على التمسك بأرضه وبيته . ومع غياب دور القوى الوطنية الموجه والمرشد والمساند ؛ فقد غاب كذلك الدور الدولي المقدر للعواقب . وهذا ما أشرنا إليه في أكثر من مقام

 ولقد كان لإطلاق يد بشار الأسد في التفنن في قتل السوريين ، وتدمير ديارهم ، ولاسيما في المناطق التي خرجت من تحت سيطرته دورها في دفع الناس إلى الهجرة ، وإلجائهم إليها . واليوم وحين يحوّل المجتمع الدولي قضية الثورة السورية إلى قضية لاجئين ولجوء تهدد أمن الأوربيين فهو يختصر قضية شعب ومشروع وجود وحضارة في أحد تداعياتها ، التي كانت براميل بشار الأسد وصمت المجتمع الدولي نفسه سبب وجودها وانتشارها . ..

إن الذي نحتاج إلى التأكيد عليه مع كل ما سبق في هذا المقام هو أن رحلة الهجرة لا تنتهي بوصول المهجّر إلى بلد المهجر . بل يبقى المهجّر السوري أمانة غالية في عنق القيادات الدينية والفكرية والمجتمعية . هذا الإنسان السوري المهّجر هو في مهجره محتاج أكثر إلى المظلة التي تحميه ، ومحتاج أكثر إلى الرعاية ، هو محتاج إلى المساعدة على الاندماج والتكيف المبصر في بلد الصيرورة ، وهو بحاجة إلى المساعدة للتمسك بالهوية والجذور في بلد الكينونة ...

إن مهجّري الشعب السوري . رجالهم ونساءهم ، وأطفالهم بشكل أخص هم أمانة في أعناق كل القيادات الواعية والمسؤولة . هم أمانة يجب أن تُرعى لمصلحة الإنسان أولا في نفسه ، ولمصلحة البلد المضيف في تقديم جرعات من التأهيل للتعايش والتفهم وحسن التعامل مع المجتمع والقوانين ، ولمصلحة الهوية والجذور والوطن الذي لا يزال بحاجة إلى أبنائه وجهودهم أينما كانوا ...

ومهما قلّبت عينيك ، أو أظهرت تعاطفك مع صورة الطفل ( إيلان ) وإخوانه على الأرض السورية ؛ فلا تستطيع أن تنسى مسئوليتك عن جيل من الأطفال السوريين تلقي بهم هذه الهجرة في لهوات المجهول . إن التعويل على وعي الأسرة والوالدين وإن كان ركنا ركينا إلا أنه لا يكفي ولن يكفي وعلى كل من استرعاه الله أمانة أن يؤدي حقها (( فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ )) .

دعوة إلى مبادرة عملية صعبة ، ولا يصعب مطلب على مجتهد ، مبادرة تحتاج إلى استراتيجيات ، وبرامج ، ومشرفين وعاملين . مهمة يمكن أن يشارك فيها المهاجرون والمهجّرون السابقون ، كما تشارك بها القوى ذات الطابع الدعوي والفكري والإنساني ...

ورحم الله البدوية يوم قالت لعمر : يتولى أمرنا ثم يغفل عنا ..

لندن : 25 / ذو القعدة

10 / 9 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

======================

نهاية الدولة السورية .. د. خالص جلبي

الاتحاد

الاثنين 7/9/2015

منذ زمن وأنا أتوقع نهاية سوريا الحديثة لسبب بسيط، أن النتائج هي من جنس التركيب. في القرآن في سورة الأعراف مثل عن البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه، والذي خبث لا يخرج إلا نكداً. وسوريا بلد خبيث أنبت النكد والفرقة والاقتتال والحقد والدم. نموذج على ذلك بلدتي التي ولدت فيها القامشلي هي بالنسبة لي مدينة أمقتها ولا أريد العودة إليها. لقد نشأت وأنا أرى شرانق من عصبيات وأديان وقوميات تتبادل الريبة والكراهية فقلت: تبا لك من بلدة فودعتها ولم أعُد.

النتائج من جنس التركيب بمعنى أن خلطة غير سليمة تقود إلى تفكك المركب. هنا يعمل قانون "الأنتروبيا" على نحو أسرع، وهو قانون يمسك بجوانب الوجود فتزهق الأرواح، وتنهار البنايات، ويتفكك المركب الكيماوي، وتزول الدول، وتنقرض الأجناس، وتباد الحضارات، وسوريا هي ظلمات بعضها فوق بعض، واصطنعت اصطناعاً من بقايا الدولة العثمانية الميتة.

في القرآن جاء ذكر تدمير دولة سبأ. وما نرى في صيف عام 2015 يذكر بتلك الآية من آخر سورة البقرة: "ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت فقال لهم الله موتوا، ثم أحياهم.."، كيف نفهم الآية؟

مئات الألوف يتم تفريغهم ديموغرافيا من سوريا حتى تُشحن وتُحشى بالشيعة من هزارة أفغانستان وشيعة إيران وجند "حزب الله" و"الشيطان" من كل صنف زوجان. إيران ستلتهم المنطقة وتعلو علواً كبيراً. قبل فترة أخبرتني ابنتي من كندا عن مقالة انتشرت بسرعة على النت بعنوان (نهاية دولة).

وقد ذهب بعض الصحفيين العرب إلى التأكيد على هذا، وأن الأزمة السورية ليس لها مخرج لا سياسي ولا عسكري!

والمسألة إذا نظر لها من الجانب السياسي فالسياسيون كذابون ولو صدقوا، وأحدهم لا يرى أبعد من أرنبة أنفه.

في هذه المأزق التاريخي الذي تعيشه سوريا ينفع فيها الرؤية التاريخية. في القرآن يأتي هذا التعبير(ألم تر) إلى الملأ من بني إسرائيل.

هنا النظر ليس الإبصار الفيزيائي، بل التاريخي، ولذا من سيفقه في مآل الأمور في الأزمة السورية هم علماء الاجتماع وخبراء السيكولوجيا والتاريخ.

أذكر من (إيمانويل كانط) فيلسوف التنوير الألماني حين كانت تنقل له فظاعات الثورة الفرنسية، كان يعلق بهذه الجملة: كل ما ترون من فظاعات لا تعدل يوماً واحداً من الاستبداد!

لقد أوصلت مخابرات النظام السوري المواطن إلى تلك الحافة التي يرى فيها أنه ليس هناك ما يستحق أن يعيش المرء من أجله وأفضل ما يفعله أن يقدم استقالته من الحياة ويستريح؟ أو أن يثور فيضرب بصواريخ سكود والسلاح الكيماوي ويدفن تحت أنقاض البراميل في حرب ممنهجة من الأرض المحروقة والتفريغ الديموغرافي، أو يركبون البحر فيغرقون، أو يحشرون في شاحنة الموت فينتهون متعانقين في أحضان الموت الباردة

إذا انتهت الدولة السورية، فليس من شيء نبكي عليه، فلم يكن ثمة دولة ومواطن ووطن، بل مقبرة وحفار قبور، وقبور فاغرة فاهها للاستقبال.

======================

سوريا.. قَدراً عربياً .. د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 6/9/2015

منذ عقود، كانت عبارة "المصير العربي المُشترك" شعاراً يُرفع في المؤتمرات ويتردد على ألسنة الساسة والزعماء.. مع مرور الأيام، ثبتَ للجميع أن الممارسة كانت للاستهلاك الإعلامي والسياسي الشعبوي أكثرَ من كونها تُعبر عن واقع، أو حتى عن تطلعٍ حقيقي لمستقبلٍ تتأكدُ فيه معاني ذلك الشعار.

قد يرى بعض (المتفائلين) أن المقصود بالعبارة يكمن في تفعيل عمليات التعاون والتكامل بين البلاد العربية، على طريق تطويرها جميعاً في مختلف المجالات. وقد يؤكدون على ضرورة الأمر بالإشارة إلى المُشتركات الموجودة فعلياً من اللغة إلى الدين، ومن الثقافة إلى التاريخ.. هذا فضلاً عن مُقتضيات (المنفعة) التي تقود مختلف بلاد العالم إلى التعاون وصولاً لتحقيق مصالحها.

وقد يرى بعض (المتشائمين) أن هذه المقولة لم تكن سابقاً، ولن تكون اليوم إلا سبباً للفشل.. وأنها مجردُ مدخل لفوضى الأولويات بالنسبة لكثيرٍ من الدول العربية. وأن بعض هذه الدول كان يمكن لها التركيز على شأنها الداخلي، وتوظيف ثرواتها وطاقاتها واهتماماتها لتطويره، بدلاً من تشتيتها في قضايا خارجية لا تؤثر عملياً في حاضر البلد المعني ومستقبله.

المفارقة أن مسيرة الواقع العربي لم يكن لها علاقةٌ بمقولة الفريقين كِليهما. فلا التعاون الحقيقي الفعال الذي يؤدي لمصلحة الجميع حَصَل. ولا الانعزالُ العملي (الوطني) الذي ربما يؤدي لتحقيق مصلحة بلدٍ بعينه كان ممكناً.

ثمة حسابات وأسباب سياسية وثقافية واقتصادية، محلية وإقليمية ودولية، لعبت دوراً في الوصول لتلك النتيجة. بالتالي، استمرت الحياة على هذا المنوال، بالطريقة العربية التي تقبلُ الواقع، أياً كانت سلبيته، وتتفننُ في التعايش معه. استمر هذا الحال حتى وصلنا إلى واقع المنطقة اليوم. وتحديداً، ما يتعلق منه بدرجة وكيفية تأثير الوضع السوري في مصير العرب اليوم وغداً وبعد غد.

فبنظرةٍ واقعية، بعيدةٍ عن الأوهام والتمنيات والتفكير الرغائبي، يبدو مستحيلاً أن (يستقيل) العرب من القضية السورية. وتؤدي كل المقدمات إلى نتيجةٍ مفادها أن هذه القضية عادت لتَفرض فرضاً مقولة (المصير العربي المُشترك)، وإن في حدﱢها الأدنى، ولو للدول العربية الأكثر تأثراً بالمسألة.

ثمة اليوم من يدرك، من العرب، هذه الحقيقة، ويعمل بمقتضاها، ليس فقط لمصلحة سوريا وشعبها، وإنما لإدراكه باستحالة تحقيق المصلحة الوطنية، أصلاً، في معزلٍ عن التعامل مع الوضع السوري بكل حيثياته.

لكن هناك (فخاً) في الموضوع يجب أن ينتبه إليه البعض الآخر. فقد لا يستقيل هؤلاء من القضية السورية، بمعنى استمرارهم في لعب دورٍ يتعلق بمجرياتها، ولكن معتقدين أن تحقيق مصالحهم يكمن في تناسي كل تضحيات الشعب السوري، والاستجابة، مع التطورات الإقليمية والدولية، للمناورات ذات العنوان الروسي والإيراني، للالتفاف على كل ما جرى خلال السنوات الأربع الماضية، والمشاركة في إعادة تأهيل الأسد ونظامه.

هذا انتحارٌ سياسيٌ وعمليٌ بكل معنى الكلمة، ومحاولةٌ بائسة لإعادة التاريخ إلى الوراء بشكلٍ يُعاند كل قوانينه.. وهو (فخٌ) يُنصبُ لبعض العرب في لَبوس الواقعية والبراجماتية والحكمة السياسية.

تتأكد المشكلة في ظل (الوهم) بأن (إعادة التأهيل) تحصل بموافقة أمريكية، بمعنى الاعتقاد بأن هذا "أمرٌ قد توَجَّه"، وأن كل قرارٍ مختلف هو سباحةٌ ضد التيار. في حين أن كل ما تفعله أمريكا اليوم يُختصر في قرارٍ بألا (تلوث يديها) في الموضوع حالياً.

فهي تُدرك أن بشار الأسد انتهى عملياً، وأن سوريا تحت حُكمه لن تعود يوماً، لكنها تترك الروس، ومن يَرغب، ليلعبوا بالموضوع، ويُشبِعوا، إعلامياً، أوهامَهم باستمرارهم كقوةٍ عظمى، في انتظار تهيئة الظروف لطبخةٍ أخرى.

أستعيرُ هنا تحليلاً مُعبراً لدور روسيا طرحه الزميل محمد برهومة في مقالٍ له منذ أيام في الزميلة (الحياة) قال فيه: "ثمة انشغال إعلامي وسياسي بطبيعة الدور الروسي في منطقتنا وحدوده وآفاقه وغاياته، ويكاد يصيب البعض منّا الوهم والمبالغة وهو يقرأ هذا الدور بقوله إن الروس يسحبون البساط من تحت أرجل واشنطن في المنطقة ويملأون الفراغ الذي تتركه، ليغدو - وفق هذه القراءة الواهمة - بوتين كأنه يسدد اللكمات لأوباما، وليظهر لافروف بموقع القوي الداهية في مقابل ضعف كيري وتردده وارتباكه الدبلوماسي! روسيا نفسها تدرك حدود قوتها العسكرية والاقتصادية والسياسية أمام الولايات المتحدة، وهذه المحدودية لا تُسعف موسكو بأن تحل بدلاً من واشنطن في التأثير في ملفات المنطقة المختلفة والانخراط فيها.. استدعاء مبدأ أوباما (القيادة من الخلف) مفيدٌ في هذا السياق".

انتهى النقل من الزميل، والظاهرُ أن دولاً وحكومات يجب أن تفكر في دلالاته أكثر من القراء العاديين، لأن مواقفها بناءً على استقراء هذه الظاهرة ستؤثر على مصيرها ومصير المنطقة.

عطفاً على ذلك، يعلم الأمريكان أن بقاء الأسد أخطرُ على المنطقة حتى من وصول (داعش) لِحُكم سوريا. فبقاؤهُ يمثل الوصفة المثالية لفوَضى ستبدو معها الوقائع الحالية مثل لعب الأطفال.. في حين أن وصول (داعش) لحُكم سوريا سيجمع الدنيا ضدها بشكلٍ يُنهيها بأسرع وقت، حيث ينقلبُ نموذجُها في المناورة من حرب العصابات إلى حرب دول، وهذا ما لا طاقة لها به.

بعد إدراك تلك الحقيقة، لا مهربَ من التفكير بمعطيات الجغرافيا السياسية والثقافة والاجتماع في المنطقة، فمن تَداخُل طرق التفكير إلى التداخل الكثيف للمجتمعات العربية، إن بصورتها التقليدية القبلية والعشائرية، أو بصورها المعاصرة في المجتمعات الخليجية مثلاً، تُظهر كل المؤشرات استحالة حصر الفوضى المذكورة في سوريا، والساحة الطبيعية لانتشارها هي العالم العربي، وخاصةً منه الأقرب لسوريا.

لا تنفع في مثل هذه القضايا، بكل شفافيةٍ وصراحة، لا الحدود ولا الأسوار، ولا الموانع الدبلوماسية المتعلقة بالتأشيرات والفيز وأذون الدخول والإقامة، ولا الملاحقة الأمنية والقوانين الصارمة.. فتحتَ الضغوط العملية والنفسية الهائلة، من هَوس الأيديولوجيا إلى الجوع القاتل، مروراً بغسيل الأدمغة ومشاعر (التعاطف) بين الناس، وصولاً إلى ظاهرة (الهيجان الجماعي) التي جرﱠبتها الشعوب والأمم كثيراً في مثل الأحوال الاستثنائية التي يعيشها العرب اليوم، تفقدُ كل تلك التدابير فعاليتها، وتُصبح الفوضى مثل سيلٍ عارمٍ من الماء: تسونامي، إن لم يهدم الحواجز فإنه لا يعدم وسيلةً يتسربُ فيها من الشقوق.

قد يرفضُ البعض صدور هذه الرؤية عن غيرةٍ على الأشقاء العرب، وعن خوفٍ حقيقي عليهم وعلى بلادهم وشعوبهم من مصيرٍ رأيناهُ في سوريا. ليكن، ولتُعتبر الرؤية، في أقل الأحوال، صادرةً عن بحثٍ في المصالح المشتركة، وهذا مشروعٌ ومطلوب. يبقى السؤال قائماً في الحالتين: قد تكون لدى أمريكا والغرب مساحةٌ (ترف) مراقبة الفوضى سنوات لحين الوصول إلى حلٍ يحقق مصالحهما، فهل يملك العرب هذا الترف؟

======================

هل صدمت الشاحنة ضمير أوروبا؟ .. غازي دحمان

المستقبل

الاحد 6/9/2015

لماذا وضع اللاجئون أنفسهم وسط خزان الموت الذي عبر بهم من وسط انشغالاتنا بيومياتنا وعادياتنا؟ وكيف لم نسمعهم وهم يدقون الخزان؟ ألهذه الدرجة افتقدنا نحن حساسية سماع أصوات الألم ورائحة الموت؟ هل لأننا لم نعترف بجرحهم ونكبتهم، أم أنهم لا يثقون بنا وبآدميتنا؟ بالتأكيد نحن لسنا كذلك ونرفض أن نكون على هذه الشاكلة، وإن كان ساستنا حذرين ومتناقضين وغير حاسمين وغارقين في البيروقراطية.

هذه كانت الكلمات «الصرخات» والتفسيرات التي تقع في خلفيات لافتات أهالي فيينا الذين نزلوا إلى الشوارع، بما يذكّر «بالفزعات« التي قام بها أهالي أرياف درعا، لفك الحصار عن المدينة بدايات الثورة. نزل الفييناويون، ليس فقط من أجل الترحيب باللاجئين ومنع البوليس من إعادتهم إلى بودابست، ولكن ايضاَ من أجل أن يبعدوا عن انفسهم عار التسبب بموت اللاجئين؛ ومثلهم رفع الألمان رايات الترحيب في ملاعب كرة القدم، وهم يعرفون أنها أفضل وسيلة لإيصال رسالتهم إلى ما هو أبعد من الداخل الألماني.

عبر زمن مديد ومليء بالألم، شكلت المقتلة السورية واحدة من أكثر القضايا المهمشة في العالم، وساهم هذا الامر بتفاقمها بدرجة كبيرة ووصولها إلى الحدود الذي وصلت إليه من دموية وشراسة. ففي حين كانت ألة القتل نظام الاسد وحلفائه الروس والإيرانيين، تتغذى بدرجة كبيرة من هذا التهميش، لدرجة أنها تصوّرت أن ما تقوم به صحيح وشرعي، بدليل عدم اعتراض الرأي العام العالمي عليه، فقد شكلت حالات التطرف المقابلة نمطاً احتجاجياً على هذا التهميش وراحت تبتدع أشكالاً وانماطاً مختلفة من العنف لإيصال رسالتها الغاضبة من العالم الصامت. وفي النتيجة فإن تلك المنظومتين غرقتا في الدم السوري الذي صار صندوق بريد لإيصال الرسائل للعالم الخارجي.

في مقابل ذلك ابتدع العالم الخارجي معادلة تنطوي على تبسيط مُخلّ، مفادها أن ما يحصل ليس سوى قتال مسلمين ضد، مسلمين ولا علاقة لنا بالأمر، بالأصل نحن لا نفهم هذا النمط من الصراعات الذي يقتل الجميع فيه الجميع، وبالتالي فمن الأفضل عدم الانحياز لأي من الطرفين، خاصة وأن المقتلة تحصل على بعد زمن قصير من حوادث قتل قام بها مسلمون في أوروبا والغرب بذريعة مقاومة التدخل الغربي في شؤون المسلمين.

على ذلك وبطريقة غير متوقعة، صمّ الغرب عيونه وآذانه عن اكبر كارثة إنسانية حصلت بعد الحرب العالمية الثانية؛ تواطأ الإعلام والنخب السياسية في تقديم صورة ملتبسة حول الوضع في سوريا، كان الهدف رغبة تلك الدوائر في إراحة رأسها من اتخاذ مواقف تؤثر في حسابات دولها السياسية والأمنية والاقتصادية، وترتب عليها التزامات هي غير مستعدة لاستحقاقاتها. وقد عبّر البرلمان البريطاني عن هذا الأمر بوضوح عندما رفض مشاركة القوات البريطانية في أي نشاط أو مجهود حربي ضد نظام الأسد بعد جريمة الكيماوي في سوريا.

لم يتسنّ للمجتمعات الغربية التقاط صورة مخالفة لتصوّراتها النمطية عن المجتمعات الإسلامية الفوضوية والمختلفة في طريقة التفكير ونمط الحياة. والأرجح أن تلك المجتمعات ارتاحت لتلك الصورة؛ ذلك أن المجتمعات الأوروبية الغارقة في لجّج أزمة اقتصادية خانقة، لم يكن لديها رفاهية إعادة ترتيب اهتماماتها وانشغالاتها، وكانت منهمكة بمراقبة أسواق الأسهم والبورصات لتطمئن على رفاهيتها، وربما معيشتها بحدودها الأساسية في بعض القطاعات، أكثر من اهتمامها بأخبار حروب العالم القابع خلف البحار.

لكن هذه الحركة الوليدة في أوروبا والتي عبرت عن نفسها في محطات القطار النمسوية وملاعب كرة القدم الألمانية تشي بمتغير جديد، صحيح أنها حتى اللحظة تنحصر فعالياتها وتعبيراتها في إطار التعاطف مع اللاجئين الواصلين إلى البر الأوروبي، ولكن المأمول ان تتسع هذه الحركة لتصل إلى معرفة جذور الازمة الحقيقية وتشكل رأياً عاماً ضاغطاً على حكومات الغرب التي يتسابق مسؤولوها على كسب ود طهران ومراعاة مشاعر قادة الكرملين. فمن غير المعقول أن يتسبب هؤلاء بكل تلك الكارثة للملايين من الشعب السوري من دون أن أدنى إحساس بالمسؤولية.

في التاريخ المعاصر، عاشت أوروبا ولا تزال تحت وطأة الإحساس بتأنيب الضمير تجاه ما حصل لليهود في الهولوكوست، وعاهدوا انفسهم بوقف كل ما يمكن أن يساهم بتكرار تلك المأساة. وقعت هذه المأساة في سوريا وما حصل في الشاحنة الهنغارية لم يكن سوى صورة مصغرة لبلد يختنق، لذا لن يفيد أوروبا والغرب، الأسف دائما بعد وقوع الكارثة واكتمال أركانها. فهل ما بعد حادثة الشاحنة سيكون غير ما قبلها أوروبياً؛ هل تتفاعل القضية إلى الحد الذي يغير تماما توجهات الحالة السورية وينهي قطب الكارثة فيها المتمثل بمنظومة الأسد وحلفائها من الإيرانيين والروس؟ نتمنى أن لا تنتهي حادثة الشاحنة بإضاءة الشموع على أرواح القتلى، بل تشكل فرصة لتسليط الضوء على كارثة السوريين بمجملهم.

======================

لمن لا يعلم .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 6/9/2015

ليس من الجائز أن تبقى علاقة "داعش" بطهران محل تخمينات غائمة، تتجاهل معلومات متنوعة وموثقة حولها، مصادرها داعشية وإيرانية، وتتصل بالسؤال حول دور نظام الملالي في الإفادة من التنظيم الذي نقل العمل الإرهابي إلى طور نوعي جديد، بعد الضربات التي تلقتها القاعدة في العقد الماضي، وبلغت ذروتها في مقتل أسامة بن لادن، زعيمها ومؤسسها الذي اكتملت باغتياله سلسلة تصفياتٍ، قلصت انتشار تنظيمه وقيدت فاعليته وأفقدته حلقات قيادية خبيرة، أدى غيابها إلى تراجع قوته، وانحسار امتداداته الدولية، وفرض على المنتفعين بالإرهاب سد الثغرة الناشئة عن تراجعه النسبي، والعمل على تجديده سلاحاً، لطالما استخدموه في صراعاتهم الخارجية والداخلية، لإعادة إنتاجه في صورة تتخطى أي حجم ودور، سبق له أن بلغه، في ظرف دولي وإقليمي تحولي ومفصلي، يتطلب الرد عليه استعمال كل ما يسعهم امتلاكه من أسلحة ظاهرة وخفية، شرعية وإرهابية، والإفادة من خبراتهم السابقة معه، وتسليحه وتمويله وتدريب عناصره، وفتح أبواب بلدانهم أمام من بقي حيا من قادته. وأخيراً، تفعيله ضمن توجهات جديدة، أهم علاماتها عمله كـ"دولة"، ومُبارحة وضعه تنظيماً سرياً، تفرض السرية عليه علاقات محدودة مع مسلمي العالم.

معروف أن إيران هي الدولة التي تستضيف العدد الأكبر من قادة القاعدة وأتباعها، فهل فاتها رؤية ما تعيشه القاعدة من تراجع، والإسهام في تأسيس التنظيم البديل الذي يلبي حاجتها إلى الإرهاب، على الرغم من أنها تنظم معاركه في العالم وتشرف عليها، وخصوصاً في العالم العربي، حيث لها جيوش إرهابية ذات حوامل مجتمعية وأذرع سياسية تمسك بدولها المحلية، أبرزها حزب الله في لبنان، وجيش الأسد في سورية، وقد انقلب إلى ميليشيا إرهابية، آمرها قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، أداة تصدير "الثورة الإيرانية" إلى العالم الإسلامي، الذي لم يقصّر أبداً في تنفيذ مهام إرهابية.

بانتقالنا من التعميم إلى التخصيص، نجد في ايران تنظيماً تابعا لفيلق القدس، يحمل اسم مالك بن الأشتر، القائد في جيش سيدنا علي، رضي الله عنه، هذا التنظيم مكرس لمساعدة "داعش" على تنفيذ عمليات تفك روابط الشيعة التاريخية والدينية بمجتمعاتهم، وتقنعهم باستحالة التعايش معها والعيش فيها، وبحتمية طلب عون إيران ضدها. لهذه الغاية، يساعد الأشتر "داعش" على اختراق السعودية والبحرين، وضرب حسينيات ومساجد شيعية فيهما، على أمل أن يُحدث الاعتداء عليها فتنة تمكن إيران من اختراق شيعتهما، وربطهم بها وتجنيدهم وفكهم عن باقي مجتمعهم. وهناك معلومات تؤكد حدوث تنسيق حول قضايا بعينها بين التنظيم الإيراني وداعش، شهد بعضها العراق، حيث تحرص طهران على محو هوية أهل السنة الوطنية، وتسعى إلى إقناع العالم بأن "داعش" الإرهابي هو التعبير السياسي الوحيد عنهم، وأن ما يقال عن معارضة مناوئة له في أوساطهم ليس غير كذب وخداع، فـ"داعش" هو سياسياً سنة العراق، وهؤلاء هم "داعش" مذهبياً وإرهابياً، بينما يقاتل شيعته الإرهاب بمفردهم، لأنهم لا يجدون شريكاً سنياً يقاتله معهم.

هل هناك من حاجة إلى شرح الأبعاد الإرهابية لسياسات طهران هذه التي تلتقي مع نهج دولي يحصر الإرهاب بالسنة، ويبعده عن مصدره الإيراني، على الرغم مما يتوفر من دلائل قاطعة حول إرهابه. أليست نتائج هذا الالتقاء قاتلة بالنسبة إلى شعوب سورية والعراق ولبنان واليمن؟.

لم يهبط الإرهاب من السماء. إنه وليد نظام مذهبي دعمه وقوّاه، ليكون أداته في شق العالم الإسلامي وتفجيره من الداخل وإخضاعه ... أو تدميره.

======================

خطة دي ميستورا: النار الكاذبة… مجددا .. صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 5/9/2015

إذا صحّ أنّ ستافان دي ميستورا، المبعوث الأممي إلى سوريا، سوف يتولى بنفسه تسمية ثلث حصص المعارضة السورية في ما تسمّيه خطته «لجان الحوار»؛ فما الذي يحول دون أن يكون هو نفسه، أيضاً، الناطق باسم المعارضة، في الحوار مع النظام السوري؟ ليست هذه مزحة، أو سخرية مبطنة، خاصة إذا تذكّر المرء أنّ تلك اللجان هي العمود الفقري، التنفيذي على الأقلّ، في الخطة بأسرها: مجموعة عمل أولى تبحث السلامة والحماية، وثانية لبحث القضايا السياسية والدستورية، وثالثة تختص بالجيش والأمن والإرهاب، ورابعة تتناول المؤسسات العامة وإعادة البناء والتنمية. وما الذي يمنع دي ميستورا أن يكون، ثالثاً، ممثّل الثلث الثالث في الحوار، بعد النظام أو المعارضة، أي «المجتمع المدني»، أو ينوب عنه كلياً… ببساطة!

هذه محض عيّنة على عقم الخطة التي طرحها الدبلوماسي السويدي ـ الإيطالي، وتوافق عليها مجلس الأمن الدولي، ولم يكن اعتباطاً، بالطبع، أنّ روسيا والصين لم تعترضا على بنودها، حتى ضمن مفهوم البيان الرئاسي الذي يُعدّ أقصى العقم في سلسلة إجراءات المجلس التقليدية. وإذْ تبدأ العيّنات الأخرى من مفهوم «المعارضة» في حدّ ذاتها، ومَن تمثّل، ومَن يقبل أصلاً بتمثيلاتها، وكيف للقوى المسلحة على الأرض السورية أن تعتبرها مخوّلة بالتفاوض نيابة عنها؛ فإنها لا تنتهي عند العيّنة الأشدّ إهانة لتضحيات السوريين، أي انطلاق دي ميستورا من نقطة «داعش» و»النصرة» بوصفهما جوهر «الأزمة» في سوريا، وليس نظام بشار الأسد ببراميله المتفجرة وأسلحته الكيميائية وطائراه الحربية ودباباته وصواريخه ومدفعيته…

وهكذا فإنّ دي ميستورا لا يستأنف نقاط التعثر التي أنتهت إلى فشل سلفَيه، كوفي أنان ذي الباع الطويل في التفاوض الدبلوماسي حول النزاعات المستعصية، وراعي مؤتمر جنيف ـ 1؛ والأخضر الإبراهيمي، الذي مُدّدت ولايته، وشهد انعقاد جنيف ـ2؛ فحسب؛ لكنه، في المقابل، يبدأ من افتراض صلاحية النقاط ذاتها التي تعثرت، أو يعيد إنتاجها، تماماً على مبدأ تدوير مادتها الخام صناعياً، ثمّ الاتكاء على منتوجها (الذي يريده أن يبدو جديداً، صالحاً، وناجعاً) لبلوغ النتائج ذاتها التي انتهت بالإبراهيمي، وقبله أنان، إلى استسلام تامّ برفع الذراعين. مدهش، إلى هذا، أنه يتغافل عن أفضل ما أنجزه أنان، واعتمد عليه الإبراهيمي، اي النقاط الستّ الشهيرة؛ رغم أنها باتت أشبه بمرجعية عليا، لأنها في الواقع تظلّ الوحيدة عملياً، لتذكير حلفاء النظام في مجلس الأمن الدولي بأنهم ذات يوم وافقوا على صيغة ما للحلّ، تتحدث عن مرحلة حكم انتقالية.

فإذا صحّ أنّ النقطة الأولى في مشروع أنان، التي تنصّ على «الالتزام بالتعاون مع المبعوث في عملية سياسية تشمل كل الأطياف السورية لتلبية التطلعات المشروعة للشعب السوري وتهدئة مخاوفه»، كانت محلّ نزاع لأنّ منطوقها ينتهي إلى تفسيرات متناقضة حول مصير بشار الأسد، وصلاحيات مؤسسة الرئاسة خلال المرحلة الانتقالية؛ فإنّ النقطة الثانية تتناول «الالتزام بوقف القتال والتوصل بشكل عاجل إلى وقف فعال للعنف المسلح بكل أشكاله من كل الأطراف تحت إشراف الأمم المتحدة لحماية المدنيين وتحقيق الاستقرار في البلاد». ألم تكن فكرة دي ميستورا عن الهدنة في حلب، أو «حلب أوّلاً» كما شاء البعض تصنيفها، تستكمل هذه النقطة الثانية، إذا لم تكن محض صياغة أخرى لمضمونها الحرفي؟ أليس تنفيذ هذه النقطة هو محور عمل المجموعة الأولى، والثالثة، وربما الرابعة أيضاً؛ في ما اقترحه دي ميستورا مؤخراً حول مهامّ المجموعات؟ والنقطة الثالثة، المرتبطة بهذه الثانية، والتي تنصّ على «ضمان تقديم المساعدات الإنسانية في الوقت الملائم لكل المناطق المتضررة من القتال، ولتحقيق هذه الغاية وكخطوات فورية قبول وتنفيذ وقف يومي للقتال لأسباب إنسانية»؛ أليست خلاصة عمل مجموعات دي ميستورا، ولجانه، كافة؟

وفي مستهلّ مهمته شاء دي ميستورا قلب المعادلة، أو المعادلات جمعاء، رأساً على عقب أحياناً؛ لإنه استقرّ على قراءة شخصية ـ لم يعلنها، مرّة واحدة، رغم الصخب الذي اكتنف تطبيقه لها في تحركاته ـ مفادها أنّ المسالة السورية ليست في الجوهر انتفاضة شعب ضدّ نظام استبدادي، لم يتورع عن استخدام أيّ سلاح، وكلّ سلاح، ضدّ الشعب؛ بل هي وجود منظمات إرهابية يتفق «المجتمع الدولي» على ضرورة محاربتها، من جهة؛ وأنّ انقسام سوريا أمر واقع على الأرض، من جهة ثانية، يجيز له التفاوض الانتقائي مع مَن يشاء، كيفما يشاء: النظام، القوى المسلحة بأطيافها كافة، المعارضات السياسية الداخلية والخارجية، ثمّ «المجتمع المدني»… كأطراف ذات استقلالية، ضمن الانقسامات، وفي ضوء معطيات الوزن على الأرض.

بهذا المعنى، أيّ معنى ـ حسب قناعة دي ميستورا ـ في الحديث عن رحيل الأسد، أو حتى دوره وصلاحياته وموقعه، خلال المرحلة الانتقالية؟ واستطراداً، إذا ظلّ هذا السؤال ساري المفعول، ما الجدوى في إحياء نقاط أنان الستّ، أو مرجعيات جنيف ـ1 وجنيف ـ2، إذا كانت قد فشلت؟ أليس من الخير إعادة إنتاجها، حتى من باب اللعب في الوقت الضائع، والإيحاء بحضور «المجتمع الدولي» إياه، في اقتراح الحلول، وتعليق الآمال عليها، قبيل تحميل الأطراف مسؤولية فشلها؟ أكثر من هذا وذاك، ما فائدة الإصرار على أنّ المبعوث الأممي يمثّل جامعة الدول العربية أيضاً، ما دامت المرجعيات انقلبت هكذا، أو بلغت هذه الحال بعد فشل أنان والإبراهيمي، فباتت الجامعة العربية عبئاً يثقل كاهل دي ميستورا بدل أن يزوّده بسلطة تفاوض إضافية؟

وهكذا فإنّ خطة دي ميستورا لن تكون أفضل حظاً من خطط سلفَيْه، أولاً؛ ويصعب، ثانياً، أن تنفصل عن طبيعة الفعل، أو الفاعلية، التي ميّزت عمل منظمة الأمم المتحدة بصفة عامة. محتوم، بذلك، أن تبدأ أولى مظاهر التعثر، أو العرقلة المقصودة، من داخل اجتماعات مجلس الأمن الدولي ذاته؛ ثمّ تمرّ بالوقائع على الأرض (والتفاصيل كثيرة، لأنها ملاعب كلّ الأبالسة)؛ ولا تنتهي عند مساواة القاتل بالقتيل، والجلاد بالضحية؛ إذا وضع المرء جانباً أفانين المراوغة التي أتقنها النظام خلال تجارب سابقة، وسيمارس ما هو أخبث منها؛ فضلاً عن الإعلان المبكر، والتعليق الوحيد تقريباً على خطة دي ميستورا: لا انتخابات رئاسية تحت إشراف الأمم المتحدة، لأنّ الأسد «منتخب» أصلاً، و»شرعي»! وإلى جانب مخاتلة النظام، التي ذاق مرارتها أنان والإبراهيمي قبل دي ميستورا، هنالك تلك النواة القاسية داخل حلقة الأسد الأضيق، والتي سوف تظلّ تعتمد شعار «الأسد، أو نحرق البلد»، ولن يوافقها أيّ «حلّ سياسي»، كيفما كان.

وليس جديداً أن يتنبأ الكثيرون بأنّ أشغال دي ميستورا سوف تلقى مصير أشغال سلفَيه، ليس لأنّ أزمنة المعجزات قد انطوى، خاصة في عالم السياسة، وعلى امتداد تاريخ منظمة الأمم المتحدة ذاتها، وحين تكون الملفات مضرجة بدماء مئات الآلاف من الأبرياء، ومادّتها مئات الآلاف من المعتقلين والمفقودين والمغيبين، وملايين المشردين في أربع رياح الأرض، وانتفاضة شعب سدّد أبهظ الأثمان، فحسب؛ بل كذلك لأنّ الانطلاق من بقاء النظام المسؤول عن هذه الأهوال جميعها، إنما يضع العربة ـ وبالتالي المدفع والقاذفة وصاروخ الـ»سكود» والبرميل المتفجر، والسلاح الكيميائي… ـ أمام حصان الحلول. وأيّة خطة لا تبدأ من رحيل الأسد وحلقة السلطة الأضيق من حوله، وطيّ صفحة نظام «الحركة التصحيحية»، هي محض طبخ على نار كاذبة، لحصى المعجزات الزائفة.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

======================

مآسي .. شعر : يحيى حاج يحيى

عندما يرتسم ُ الحزنُ على وجه الطفولهْ

عندما تُذرفُ دمعاتٌ على أم ٍ قتيله ْ !

عندما يبحثُ في الأنقاض عن ثديٍ رضيعُ

عندما يصرخ ُمن جوعٍ ، وآهاتٌ تضيعُ !؟

أيُّ خير ٍ أيها العالم ُ يبقى ؟!

أيِّ خير بعدما يذوي الربيع ُ ؟؟!

 

عندما يُذبحُ طفلٌ بالحراب ِ

عندما يُرمى لأظفارٍ ٍوناب ِ

عندما يُنقلُ من باب لباب ِ

والرزايا تتوالى وجراحاتُ المصاب ِ

أيُّ خير أيها العالم ُ يبقى ؟

عندما نصبح أشلاءً بغاب ِ ؟؟!

 

عندما تُتركُ أجساد ُ النساء ِ!

في عراء البؤس ! في حزن الشقاء ِ

عندما يمتصُّ عِربيدٌ دماء  الأبرياء ِ

والأيامى واليتامى هائماتٌ في العراء ِ

أيّ خير أيّها العالم ُ يبقى ؟

ولماذا الصمت ُ يادنيا الرياء ِ؟!

 

عندما يُهدمُ محرابٌ وسور ُ

عندما تُنبشُ أمواتٌ .. وتُجتاح ُالقبور ُ

ويلفُّ الصّمت ُدنيانا ! فلا يصحو شعور ُ

أيُّ خير أيها العالم يبقى ؟

عندما تخلو من الإنسان ، أو يغفو الضمير ُ ؟!!

=========================

موتنا المنقول مباشرة .. حسام كنفاني

العربي الجديد

السبت 5/9/2015

لم تتوقف الصور عن المرور أمام أعيننا في الأيام القليلة الماضية. هي اختصار لما كان الجميع يحاول إشاحة النظر عنه، أو التعفف عن ذكره. هو الموت السوري بات على الهواء مباشرة، ومن كل بقاع الأرض. لم يعد القتلى السوريون موزعين ضمن نطاق جغرافي ضيق نسبياً، يتفرج العالم عليهم من بعيد، ويعبر عن الأسى والقلق، مطمئناً إلى أن مثل هذه المشاهد ستبقى بعيدة، بل بات موتهم يطرق أبواب دول الكرة الأرضيّة، ممتحناً ما تبقى من إنسانية، على الرغم من أنها فشلت في الامتحان من اليوم الأول للمحرقة السورية، يوم فضل الجميع البقاء على مقعد المتفرجين، وغض النظر عن مئات آلاف القتلى والجرحى والمعتقلين والنازحين والمشردين.  خلال الأسبوع الماضي، اختصرت ثلاثة مشاهد المأساة السورية بأبعادها كافة. هي مشاهد ليست جديدة على الإطلاق، بل كانت تتكرر بشكل متواصل، في السنوات الأربع الماضية، بأشكال مختلفة، غير أن قوتها، هذه المرة، كانت نابعة من وقوعها على الأرض الأوروبية، ما جعلها تحظى باهتمام إعلامي واسع. بداية كانت مع شاحنة الدجاج، أو ما اصطلح على تسميتها "شاحنة العار"، حيث تكدس عشرات السوريين الهاربين من الموت بالبراميل والسكاكين، ليلقوا حتفهم اختناقاً في مستوعب مبرد. كانت الصورة صادمة، واستدعت عشرات الأسئلة المفزعة عن هذا الموت الجماعي، وكيف كان هؤلاء يراقبون بعضهم، وهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة. صورة تثير الاشمئزاز كلما تم التفكير فيها، وكأنها آتية من أحد أفلام الرعب الهوليودية التي كنا نتخيل أنها لا يمكن أن تصبح حقيقة، غير أن الواقع فجعنا بما هو أبشع.

أيام قليلة من البث المباشر، بتنا نعتاد على الصورة، وتخيلنا أنه لن يكون هناك أقسى من مشهد الجثث المتكدسة في تلك الشاحنة. لكن، جاء ما هو أشد إيلاماً، يوم التقطت مصورة تركية صورة الطفل السوري المسجى على وجهه، على أحد الشواطئ التركية. صورة مفجعة هزت العالم وتناقلتها وسائل الإعلام كافة، وأخرجت منا اللعنات على كل ما هو حي وميت ومشارك، بشكل مباشر أو غير مباشر، في المقتلة السورية. واستدعت الصورة، أيضاً، إلى أذهاننا عشرات التساؤلات حول لحظات ما قبل الموت، وصراع العائلة مع المياه، قبل أن تشتتها وتبتلع أفرادها، وتقذف بهم إلى مناطق مختلفة. هو تشريد في الحياة والموت أمام أنظار العالم الذي اهتز ضميره ساعات، وفتح نافذة في حدوده، لاستقبال بعض الهاربين من المأساة إلى حدود كثيرة لا تزال مغلقة، وخصوصاً الحدود العربية التي كان من المفترض أن تكون الأولى في استقبال هؤلاء الباحثين عن حياة، غير أنها صدتهم، ورمت بهم إلى الموت، بأشكاله المختلفة، حرقاً أو غرقاً أو اختناقاً. أسماء مختلفة والحصيلة واحدة، ومستمرة.

لعل مشهد الرجل الذي يحتضن طفله على سكة القطار في المجر يختصر المحاولات اليائسة للسوريين للهرب إلى الحياة والتمسك فيها. صراخ ذلك الرجل موجه إلى الضمائر العربية والغربية، لعلها تصحو على مأساة هي الأفظع في التاريخ الحديث، خصوصاً إذا ما نظرنا إلى سنواتها القليلة، فخلال أربع سنوات فقط سقط هذا الكم الهائل من القتلى والجرحى واللاجئين. وما يزيد فظاعتها أن القاتل ليس غريباً آتياً من خلف البحر، هو أخ وابن عّم وقريب وصديق كان يعيش بيننا ومعنا.

المشاهد الأخيرة جزء من سلسلة طويلة، بدأت من الجثث المكومة تحت أنقاض المباني المهدمة بالبراميل، وانتقلت إلى الرؤوس المقطوعة بسكاكين داعش، ولن تنتهي مع المختنقين في شاحنات العار والغرقى في قوارب الموت. مشاهد الموت السوري لن تتوقف من تلقاء نفسها، والمزيد منها لا شك قادم، فلنتحضر لصور إضافية من الموت المنقول مباشرة على الهواء، ولحالات تفجع على قتلى محرقة يصر العالمان، العربي والغربي، على الوقوف أمامها بلا حراك.

======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com