العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 13-03-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

ثورة حقيقية في سورية .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 10/3/2016

ما إن توقف إطلاق النار جزئياً في سورية، حتى خرج آلالاف في تظاهراتٍ تعيد الصورة التي بدأت بها الثورة. تظاهرت كل المناطق التي هي خارج سيطرة النظام وداعش، الحليفين اللذيْن يعملان (مع جبهة النصرة) لإجهاضها. إذن، نهض الشعب من تحت الرماد، يعلن أنه يريد إسقاط النظام، وأنه مصمم على الاستمرار في الثورة، وأيضاً أنه هو الثورة، هو وليس كل الذين ادعوا ذلك، أو ركبوا على أكتافها، أو الذين قدموا لكي "يقيموا الدين في مالطا" على جثث الشعب السوري.

ظهر، في السنوات الثلاث الأخيرة، أن الشعب تلاشى، وحلّ في المقام الأول وعلى السطح أشتاتٌ من المرتزقة والقتلة، ومن الأصولية والرايات السود، ورجال المخابرات. وبالتالي، بات ما يجري "حرباً أهلية" و"صراعاً طائفياً" أو صراعاً إقليمياً دولياً، ولا شك في أن الوضع حمل أشكالاً من ذلك، هي التي غطت على ثورةٍ حقيقيةٍ، تريد الحرية والعيش الكريم، تريد الخبز والحرية. ولقد اشتغل النظام ودول إقليمية وإمبرياليات على أن تنقلب الثورة حرباً أهلية وصراعاً دولياً، لكي تتدمر الثورة، ويتدمر كل أمل للشعوب في العالم بالتغيير. تكاتف العالم الإمبريالي كله، والرأسماليات التابعة الإقليمية كلها من أجل وقف الموجة الثورية التي انطلقت من تونس في سورية، ولا أحد يظن أن دولةً كانت مع ثورة الشعب السوري، فهذه مهزلةٌ تنمّ عن قصور وعي، بل جهل.

وظهر أن السياسة التي اتبعتها كل هذه الدول، سواء دعمت النظام أو ادعت أنها مع الشعب، قد نجحت، وأن الثورة انتهت، وبات على القوى الدولية أن تحدِّد مصير سورية، وباتت الدول الإقليمية تنازع لكي تحصل على حصة. وحتى أطياف المعارضة، وبعض اليسار الذي كان يدعم الثورة، اعتبر أن الثورة انتهت، حيث بات الصراع هو "بين قوى رجعية"، أو أنه حربٌ إقليمية بالوكالة. وتعمّمت فكرة أن ما يجري في سورية هو حرب داعش والنصرة والأصولية عموماً ضد النظام، وأن ما يجري جريمة بحق سورية، تقوم بها هذه القوى (وليس النظام).

بعد ذلك، وفجأة يعود الشعب، ينهض من تحت السواد، لحظاتٍ، بعد أن هدأ القصف والقتل والعنف وكل الوحشية التي مورست من أجل أن تنهي تظاهراته وتقتل صوته، وتردم فوق ذلك كل السواد والدم والتدمير من طرف، وكل الأفكار حول طابع الصراع صراعاً إقليمياً أو حرباً ضد إرهابيين، أو قتالاً ضد "المجاهدين" الذين يريدون إقامة "دولة إسلامية"، أو يريدون القتل فقط، من طرف آخر.

هذه ثورة حقيقية، كما قلت منذ زمن، وإذا كانت هيمنت قوى أصولية، أو سيطر السلاح الذي كان ضرورة من هؤلاء الشباب الذين يتظاهرون الآن في مواجهة وحشية النظام، وتدخلت دول وقوى لحرف سلاحهم، من خلال الأسلمة أو وضعه في معركةٍ غير متكافئةٍ، كانت تريدها السلطة، فقد كانت قوة الشعب هي التي سمحت بضعف النظام، وحاجته للتدخل الإيراني ثم الروسي، وهي القوة التي يجب أن تدعم الحراك الشعبي، لا أن تحلّ محله، كما جرى.

عاد الشعب لكي يعبّر عن ذاته، وليستعيد ألق الثورة، ويعود إلى النشاط الذي اختاره من أجل إسقاط النظام. هذه هي الثورة التي جرى الاعتقاد أنها انتهت. وكانت وحشية النظام وتهجيره لجزء كبير من الشعب، ومن ثم لاعتبار السلاح هو الحل الوحيد، قد غطى عليها، همّشها، وأوصل إلى أنها انتهت. لكن الشعب ما زال يريد إسقاط النظام، سواءً تحقق حلّ سياسي تفرضه الدول الإمبريالية والإقليمية أو لم يتحقق سوف يستمر في الثورة.

بقي أن نقول إن الثورة بحاجة إلى إعادة بناء، بالضبط على أساس الحراك الشعبي، وليكون السلاح هو العنصر الداعم لهذا الحراك، وليس البديل له، وأن يخرج من المدن، ويمارس دوره على جبهات القتال، وأن يتولى الشعب إدارة حياته، عبر تأسيس مجالس محلية ومحاكم تدير شؤونه.

======================

موقفنا : التظاهر السلمي حق أساسي ومطلب ثوري .. نعم للثورة ... لا للإفتئات على الحقوق .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

9/3/2016

يوما بعد يوم تتأكد قناعتنا بأحقية الثورة السورية الجميلة المباركة، وبعدالة المنطلق الذي انطلقت منه ، وبسمو الأهداف التي سعت إليها ، وبالجريمة التاريخية التي كانت ترتكبها الزمرة الحاقدة التي ثار هذا الشعب ضدها ..

وعلى الرغم من الجهود الممنهجة التي تحاولها سياسات عليا ، دولية وإقليمية ومحلية ، لتشويه صورة الثورة ، وإقناعنا بأن الطريق الذي اخترناه كان ضالا أو خاطئا أو مكلفا ؛ فإننا نزداد يوما بعد يوم إيمانا بأنه لم يكن لنا بديل عن الثورة إلا الثورة . وأن هؤلاء المتواطئين على ثورتنا طبقا عن طبق ( دولي وإقليمي وأدواتي محلي ) كلهم يسعى ، كلٌ على طريقته لإحباط هذه الثورة ، وقطع الطريق عليها ، بعضهم على الطريقة الروسية – الإيرانية ، بالقصف والقتل والتدمير وبعضهم على طرائق أخرى لم تعد تخفى على عاقل رشيد ..

إن أخطر ما عايشناه ، بعد خمس سنوات من الثورة ، هو جرأة أقوام لا خلاق لهم ، كليلة أبصارهم ، قاصرة عقولهم ، ليس على أهداف الثورة ، وتطلعات الشعب صاحب المصلحة الأساسية فيها فقط ، بل على مرجعية هذه الثورة العقائدية و الثقافية ، فأعملوا فيها تشويها ، وتقزيما ، وسوء تفسير وتطبيق ، حتى نالوا منها ما لم ينله أعداؤها المباشرون على مدى قرن من الحرب الممنهجة الضروس .

إن الحقيقة التي ما زلنا طوال السنوات الخمس نجأر بالشكوى منها ، ونحذر من ثمراتها المرة ، وشرابها الحامض ؛ هي أن هؤلاء الأقوام ما كان لهم أن يتقدموا ويتفردوا لولا تقاعس أصحاب الحق عن حقهم ، ونكوصهم عن القيام بواجبهم ، فخلت الساحة عن قائم بالحق ، وضاعت الراية ، أيدي سبا ، حتى ضاعت بأيد أقوام كالذين نادوا رسول الله من وراء الحجرات (( إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ )).

وهؤلاء الذين لا يعقلون ، سواء بضعف وعيهم ، أو عرض وسادهم ، أو بانقيادهم وراء الخيوط التي تقود بعضهم ، كانوا أدوات عمليين ، خلال السنوات الخمس ، لتشويه الثورة والتنفير منها ومن مشروعها في ساح ، ثم في الإجلاب والتحريض عليها والتأليب على مشروعها الوطني ، وحلمها الوردي الجامع في ساح آخر ، استفزهم غرور أو وظفهم عدو أراد أن يستخدمهم ذريعة من حيث يشعرون أو من حيث لا يشعرون ...

وكانت الضرورات المقدرة بقدرها في ظرفها ، تدفع أحيانا إلى الإغضاء عن المكروه ، وأحيانا إلى تجاهله ، وأخرى إلى التلميح بالإشارة دون العبارة ، حتى طما الخطب ، وعمّ البلاء ، وتجاوز الأمر كل حد ، وأصبح المواطن السوري يرى نفسه أمام وجهين للظلم ، وخيارين للسوء ؛ يقاتله أحدهما باسم الطاغوت والجبروت ، ويقطع الآخر طريقه تحت رايات العماية والجهل والادعاء . وباسم أحب الرايات إلى قلبه.

 يتناسى بعض عديمي الذاكرة ، أن هذه الثورة انفجرت لأن طاغية مستبدا فاسدا أرعن أحمق جاهلا لم يحتمل عبارة خطتها أنامل أطفال غضة بقطعة طباشير على رقعة جدار . وأن هذه الثورة قد انطلقت لتسلم أنامل كل طفل سوري يريد أن يكتب ما شاء متى شاء بالطريقة التي يشاء ...!!

ينسى بعض عديمي الذاكرة هؤلاء أن الشعب السوري الحر البطل الجريء الجميل ، قبل أن تكون فصائل ويكون لها أسماء ، إنما اضطر لحمل السلاح لأن طاغية مستبدا فاسدا أرعن أحمق جاهلا تصدى للمتظاهرين السلميين بالسوط والعصا ثم بالرصاص يطلقه على الصدور العارية ، والقلوب الحية حتى كان ما كان ...

لم تنطلق هذه الثورة ، ولم تستعر ؛ إلا لحماية حق كل طفل سوري في أن يكتب ، وحق كل شاب سوري في أن يتظاهر ، ويصدح على طريقة غياث مطر ولو ضد ما تدعو إليه الثورة ، ويريده الثورة ...!!

وفي إطار الواقع الذي تعيشه الثورة السورية اليوم ، وفي ظل التحليل العميق لخيوط المؤامرة المحدقة بها حتى من بعض ( أدواتها ) ؛ نقرر أن العودة إلى التظاهر السلمي هو خيار أساسي لاستئناف الثورة في عالم للتعبير الحر لا تتحكم فيها غير إرادة المنخرطين فيه ..

يوما بعد يوم يتعمق إيماننا بمشروع الثورة ، مشروعا للعدل والحرية والكرامة الإنسانية ، ويوما بعد يوم يتصعب علينا الاسترسال مع هؤلاء الذين شوهوا الحلم السوري ، والمشروع الوطني ، وذهبوا به كل مذهب غير المذهب الذي أراده السوريون لتحقيق آمالهم ..

وسيكون من الإثم والعار أن يقال بأن أنصار الثورة الحقيقيين قد ، صمتوا سنين خمسا عن محاولات تشويهها وحرفها ، والتسلق عليها لإجهاضها وتمكين عدوها منها ...

سيدرك رعاة المخطط العالمي والإقليمي المشبوه أن محاصرة السوريين بين الخيارين السيئين : بين المستبد الفاسد و المغرور الجاهل لن تفلح ، وأن في الشعب السوريين حين يجد الجد قوى وطنية حقيقية من الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا قادرين على تحمل عبء المشروع الوطني والوفاء باستحقاقاته.

أما الغائبون عن المشهد ، السادرون في سمادير اللحظة ، عن عجز أو عن قصور فستعركهم رحى الشر ، ما لم يسبقوا إلى مبادرة رشد يسعون فيها إلى حمل العبء بحقه لتقويم المسار وسد الثغرة ...

التظاهر السلمي حق مقدس لكل مواطن سوري ، يريد أن يعبر عن رأي في أي اتجاه أراد . والعدوان على هذا الحق هو نقض لغزل الثورة بعد قوة أنكاثا . والعودة بالسوريين إلى دائرة السوء التي ثاروا عليها.

ولا شيء يحمي الحرية مثل ثورة الأحرار . كلام فصل ليس بالهزل ؛ ولن ينفعنا بعد اليوم أن نقول نشجب ونستنكر وندين ...

حقكم وحقهم من حقنا ؛ حق واحد في فضاء ثورة الحق والعدل والحرية وبهذا تكون الثورة أو لا تكون ...

لندن : 29 جمادى الأولى / 1437

9 / 3 / 2016

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

عودة الروح إلى الثورة السورية .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 10/3/2016

كانت مفاجأة كبيرة، لمؤيدي الثورة وخصومها والرماديين معاً، هذه العودة إلى المظاهرات السلمية في المناطق المحررة التي شملها «وقف الأعمال العدائية» وفقاً للاتفاق الأمريكي الروسي.

104 نقاط تظاهر في عموم البلاد، كثير منها بأعداد كبيرة، وبأجواء كرنفالية ذكرتنا بأجمل أيام الطور السلمي الدنيوي من ثورة السوريين، ورفعت جميعاً علم الثورة. شعارات وطنية جامعة، أكدت على ثوابت الثورة وملامحها المبكرة، قبل أن تحل الفصائل المسلحة محل تنسيقيات الشباب، والرايات الجهادية السوداء محل علم الثورة، والاقتتال الداخلي محل مواجهة النظام الكيماوي، وحروب الوكالة محل حرب الاستقلال الثاني.

عادت الروح إلى الثورة في وقت أمسك فيه المحتل الروسي بقرار بقايا الدولة، وتوافقت دول «مجموعة فيينا»، بقيادة الأمريكيين والروس، على خارطة طريق عرجاء وعقيمة (القرار 2254 من مجلس الأمن) تسعى للإبقاء على النظام، ورأسه أيضاً ربما لأجل محدود، مقابل الإجهاز النهائي على المعارضة المسلحة، وتحويل ما سيتبقى منها إلى قتال «داعش» كتفاً لكتف مع جيش الشبيحة التابع للعائلة الحاكمة.

عادت الروح إلى الثورة في وقت رفعت فيه واشنطن وموسكو عصا التقسيم، ابتزازاً للمعارضة، إذا حاولت هذه أن تعاند في شروطها بشأن وقف غارات الطيران واستهداف المدنيين، وفك الحصار عن المناطق المحاصرة، وإطلاق سراح المعتقلين، قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات في جنيف. ولسان حال كيري ولافروف يقول: فعلنا ما بوسعنا لكي تصلوا، كسوريين، إلى حل توافقي في ما بينكم. لكنكم لا تريدون حلاً سلمياً. أثبتم أنكم غير قادرين على التعايش في بلد واحد. إذن ليأخذ كل منكم حصته من البلاد وينشئ دولته بعيداً عن الآخر.

لم يتوقع أحد، على الأرجح، أن يعود المارد الشعبي هذا من تحت الرماد والخراب، بعد سنوات من الإنهاك قتل، في غضونها، نصف المليون من السوريين، وتم تدمير ثلاثة أرباع المدن والبلدات والقرى، وتشرد نصف السكان، والنصف من هؤلاء خارج البلاد. آلاف البراميل المدمرة والصواريخ والقنابل والسلاح الكيماوي وغاز الكلور، تلقَّتها بالذات هذه المناطق المحررة التي خرج فيها متظاهرو «جمعة الثورة مستمرة» الشجعان.

منذ سنوات ونحن نتكلم جميعاً عن خروج مصير سوريا من يد السوريين، بعدما تحول الصراع في سوريا إلى حرب بالوكالة، وبعدما سيطرت منظمات جهادية لا تعترف بأجندة وطنية، وتعتبر الديمقراطية والعلمانية كفراً، على كثير من المناطق التي سبق للجيش الحر وفصائل معارضة مسلحة تحريرها من سيطرة النظام، وبعدما سيطر حزب الاتحاد الديمقراطي على مناطق يزعم هيثم مناع أن نسبتها تبلغ 16٪ من الأراضي السورية، وبعدما دخل المحتل الروسي الحرب بكل همجيته وبدائيته، وأمسك بقرار بقايا الدولة، وبعدما تشكلت مجموعة وصاية دولية (مجموعة فيينا)، بقيادة أمريكية ـ روسية، أعطت لنفسها حق تقرير مصير سوريا بمعزل عن السوريين.

اليوم عاد السوريون إلى سيرتهم الأولى: الشعب يريد إسقاط النظام! هكذا أعادوا المشكلة إلى أساسها البسيط الواضح، بعيداً عن «التعقيد» الذي طالما وصفت به «المشكلة السورية». عاد «اللاعب السوري» إلى الظهور حالما توقف، جزئياً، تساقط الصواريخ والبراميل والقنابل فوق رأسه. فإذا كان النظام الكيماوي خرج من اللعبة الدموية بمحض إرادته بعدما سلم مصيره إلى وصيّه الروسي، فالسوري، الذي عاد إلى تظاهراته السلمية تحت رايته الوطنية الجامعة، أعلن بوضوح أنه موجود، ومطالبه معلنة، ولا أحد يمثله من الدول التي زعمت يوماً أنها «أصدقاء الشعب السوري». فإذا كان لا بد من تسوية سياسية تضع حداً للمأساة، فلا بد من أخذ هذا اللاعب المنسي ومطالبه ومصالحه وتطلعاته بنظر الاعتبار، بوصفه أحد المقررين على الأقل.

مع هذه القيامة الشعبية الجديدة، سقط رهان «خط المجتمع المدني» الذي أقام نظريته الرمادية على فرضية إنهاك واستنزاف قوة الشعب تحت وطأة الحرب الطاحنة، إلى الحد الذي يتخلى فيه عن أهداف ثورته ويستسلم لوصفات الأمم المتحدة القائمة على الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف.

من الحصافة، مع ذلك، ألا نندفع وراء تفاؤل كبير. فالدول الممسكة بمفاتيح الصراع المسلح والحل السلمي معاً لن تتخلى، ببساطة، عن احتكارها هذا، وقد يحتاج الأمر إلى عناد شعبي طويل ليتمكن اللاعب السوري من فرض نفسه بقوة على الجميع، بمن فيهم تلك المنظمات الجهادية التي لم تتحمل المظاهرات الشعبية وشعاراتها الوطنية والعلم الوطني الذي ارتفع فوق الجميع، فبادرت إلى تفريق مظاهرة كبيرة في إدلب ومزقت العلم الوطني واعتقلت عدداً من النشطاء الإعلاميين. إنه موقف ذو دلالة كبيرة اضطرار جبهة النصرة وأحرار الشام إلى إصدار بيان يتبرآن فيه من قمع هذه المظاهرة. فالاضطرار إلى الكذب ينطوي على اعتراف ضمني بالخطأ، وعجزٍ عن الدفاع عن موقف وضع المنظمتين في صف الدفاع عن النظام الكيماوي من خلال قمع مظاهرات رفعت شعار إسقاطه.

ثورةٌ لم يجهز عليها كل هذا التكالب الدولي ضدها، جديرة بالانتصار. وسوف تنتصر.

٭ كاتب سوري

======================

المتفقون على السوريين .. زهير قصيباتي

الحياة

الاربعاء 9-3-2016

موسكو تبتلع «جنيف 1»... المعارضة السورية لا تستطيع أن تهضم ما وراء أفعال الكرملين، خصوصاً تحجيمه الفصائل المعارِضة المقاتِلة، غير المصنّفة إرهابية، و «تسريب» مشروع الفيديرالية الذي يشجّع أكراد البلد ويحرّضهم على رفض العيش تحت سقف الدولة الموحّدة، ولو بُنِيت ديموقراطية.

واشنطن ابتلعت «الطُّعم» الروسي، أو أنها واثقة بـ «صواب» خيارها تفويض الكرملين ملف الحرب التي أدت إلى مقتل أكثر من ثلاثمئة ألف سوري، ومحت مدناً وبلدات عن الخريطة، وهزّت حدود أوروبا... وانتزعت من العرب ما بقي لديهم من ثقة بوعود الرئيس باراك أوباما الذي أجاد قرع الطبول ثم ترك شعباً في محرقة الجلاّد وحلفائه.

بات واضحاً من فصول الحرب- المحرقة، أن تقاطع مصالح- على الأقل- يجمع أربعة أطراف: أميركا التي تخشى على جنودها وتفضّل التفرُّج ولو أمام إبادات، وروسيا الثائرة لـ «كرامتها» في مواجهة «غطرسة» الغرب و «غدره»، وإسرائيل النائمة على حرير تدمير دولة أخرى عربية، بما يمكّنها من ضمان أمنها لخمسين سنة مقبلة... وأخيراً إيران الحليف الثاني للنظام السوري والذي لم يستطع إنقاذه رغم إرساله فِرَق «الخبراء» لإدارة المعركة.

موسكو تنسّق مع إيران وإسرائيل وأميركا، وطهران وموسكو تديران نظام الرئيس بشار الأسد، وإن كانت الريبة الإيرانية واضحة حيال مدى إصرار الكرملين على التشبُّث بـ «شرعية» الأسد. صحيح أن الروس ما زالوا يقصفون مواقع ومناطق تحت سيطرة المعارضة المعتدلة، لكن الصحيح ايضاً أن لا أحد يشكّك بـ «مرونتهم» حين تأتي ساعة التسوية. فقيصر الكرملين يُدرك أن أي مفاوضات جدية لطيّ صفحة الحرب، لا بد أن تكون مع المعارضة، بما فيها الفصائل المسلّحة «غير الإرهابية». واستقواء الأسد باستعادة مناطق منها، لن يمكّنه من فرض جدول أعمال لجنيف بمعايير النظام، أي الإصرار على أولوية مكافحة الإرهاب. المهزلة أن الجميع يعرف تماماً أن الذريعة ذاتها للتنصُّل من المرحلة الانتقالية، ستجعل المرحلة في خبر كان قبل أن تبدأ، ما يفسّر غضب الهيئة التفاوضية العليا.

أربعة متفقون على السوريين، على حساب دمائهم... أربعة أيضاً محشورون في زاوية الوقت والتسوية المريرة: طهران المشكّكة التي أجّلت روسيا تسليمها منظومة صواريخ حديثة، وموسكو الساعية إلى خفض موازنة الدفاع لجيشها، ونظام الأسد القلِق من نيات الكرملين، والمعارضة السورية التي تلقّت ضربات وخسرت مناطق ومواقع بعد تدخُّل الروس. وإذا صح أن واشنطن تريد بالتفاهم مع الرئيس فلاديمير بوتين فرض تسوية في سورية، خلال ما تبقى من عهد أوباما، ينتقل قلق النظام وحليفه الإيراني الى مرحلة حرجة، قد تستتبع «مبادرات» مفاجئة من الأسد لعرقلة قطار الحل، ليست من النوع المسرحي الذي اكتسته دعوته الى انتخابات عامة الشهر المقبل.

الأكثر مرارة لدى السوريين، أن القطار الروسي الذي تحرُسُه غارات على الأخضر واليابس، قد يخذل بوتين أولاً، ولا يصل إلى أي محطة... مسار الحرب لا تحسمه دائماً معركةٌ هنا وكرٌّ وفرٌّ هناك، ولا الحرب الجوية وحدها قادرة على إرغام الفصائل المقاتلة على رفع الراية البيضاء.

أما سيناريو العودة إلى الخيار الإيراني، فيعني- رغم استبعاده- إعفاء موسكو من كلفة الحرب، واستكمال انتحار سورية ونحر السوريين. وإذا كان صحيحاً ما أكّدته واشنطن عن سحب طهران عناصر من «الحرس الثوري» من ساحات الحرب، فأغلب الظن أن الخطوة مرتبطة بقطار التطبيع الأميركي– الإيراني أكثر مما هي من مستلزمات إدارة الكرملين القتال. وتعيد إلى الذاكرة وقائع النفي الإيراني المتكرر للتفاوض مع الولايات المتحدة على ملفات إقليمية.

مَنْ يكسب الرهان، موسكو أم طهران؟ الجواب معروف إذا كانت المنطقة في مخاضها العسير على عتبة خرائط جديدة. ولكن، حتى لو أراد الكرملين تفادي ما فعله الغرب في ليبيا، وتركه إياها لاقتتال الميليشيات، فأي تسوية مضمونة في سورية، وبين جولة قتال وأخرى تتضخّم الأحقاد وألغام وحدة البلد؟ إذا أصرّت المعارضة على رحيل الأسد في بداية المرحلة الانتقالية، فهل يخرّب النظام وقف النار، ليستدرج ضربات أخرى روسية، من أجل إنهاك كل الفصائل؟... أم أن القلق التركي– الإيراني من مشروع الفيديرالية السورية وطموحات الأكراد، سيوحّد تطلُّعات أنقرة ومصالح طهران في مشروع تعطيل القطار الروسي؟

======================

الفيديرالية: خطة روسيا لتقسيم سورية .. غازي دحمان

الحياة

الاربعاء 9-3-2016

كشفت روسيا، على لسان نائب وزير الخارجية سيرغي ريابكوف، عن الخيار الذي تفضّله، هي والحلف الذي تقوده، بالنسبة إلى الحل في سورية، وهو الجمهورية الفيديرالية. وبدا هذا الطرح بمثابة توجيه صريح للمفاوضات التي يفترض أن تنطلق في جنيف، ما يعني إلغاء كل بنود التفاوض السابقة بما يتماشى مع الطرح الجديد المبني على معطيات واقعية تعتقد روسيا بأنها أرستها في حملتها العسكرية.

سبقت هذا الكشف الروسي دعوة هيئة التنسيق (المعارضة الداخلية) إلى «التركيز على بدء المفاوضات المقبلة على الدستور الجديد لا على هيئة الحكم الانتقالية لأن الدستور يضمن الانتقال إلى نظام سياسي ديموقراطي». لكن الواضح أن الهدف هو القول إن تحديد شكل الدولة المقبل في سورية بات العنصر الأهم لأي عملية سياسية، وتصادف هذا الأمر أيضاً مع نشر موقع «روسيا بيوند هيدلاينز» المقرّب من الكرملين لمقال تحليلي لفلاديمير ميخيف بعنوان «سورية: الفدرلة أو البلقنة»، يقول كاتبه أنه «نظراً إلى إرث الثأر الدموي فإن خيار الدولة السورية الموحدة قد فات أوانه»، ويخلص إلى أن» المستقبل السياسي والعسكري في سورية يمكن أن يتأرجح في أي من الاتجاهين: الفدرلة أو البلقنة».

وبذلك يثبت يوماً بعد يوم أن كل مراحل الأزمة السورية كانت تدار بتفكير وتخطيط عميقين، وأن هناك تحالفاً ضم نظام الأسد وروسيا وإيران تولى منذ اللحظة الأولى للثورة، إدارة كل الأحداث التي شهدتها سورية، ففي حين تكفّل نظام الأسد بإفراغ الثورة من محتواها المدني وأسلمتها، كانت إيران وأذرعها تسرّع في عمليات التفريغ الديموغرافي على نطاق واسع ضمن قوس يمتد من حدود درعا جنوباً حتى حمص غرباً، ثم جاء التدخل الروسي ليرسم خطوط التماس في شكل واضح، ليس بين المقاتلين، بل بين المكونات السورية ذاتها، من أجل تسهيل اندراج التصور السياسي للحل وإدماجه مع واقع ديموغرافي وجغرافي منجز.

ليس من الصعب معرفة الأهداف الروسية من وراء طرح الفيديرالية، فالطرح لم يلد فجأة بل هو نتيجة سياق جرى بناؤه على مراحل، وتمّ تجهيز البنية المناسبة لتشغيله، أما أهدافه المباشرة فيمكن حصرها في ثلاثة أهداف تبدو متناسقة مع طموحات روسيا الجيوسياسية ومصالحها على المدى البعيد وتتمثل بـ : إلغاء تأثير الأكثرية السنية لأنها سترفض الوجود الروسي في المنطقة، ضمان استمرار وجودها في البحر المتوسط بطلب من الإقليم «العلوي» الذي سيبقى في حالة خوف وصراع مع الإقليم «السني»، وضمان حصول الأكراد على إقليم على طول الحدود مع تركيا وهذا له فائدتان: قطع أي اتصال عربي - تركي، ومنع إمكانية مد خطوط الغاز العربية إلى أوروبا عبر الأراضي السورية.

ولكن ما هي حدود أقاليم الفيديرالية؟ حتى اللحظة تنحصر مكونات الفيديرالية بثلاثة أقاليم، علوي، كردي، سني. يمتد الإقليم العلوي من حلب حتى درعا، والحدود هنا تتطابق مع سيطرة نظام الأسد وحلفائه على مساحة تشكل حوالى ثلث سورية ولكنها تضم الكثافة السكانية الأكبر وحجم الموارد الأهم، أما الإقليم الكردي فيمتد على طول الحدود السورية التركية، في حين ان الإقليم السني المقصود هو المساحة التي يسيطر عليها تنظيم «داعش» بين الإقليمين العلوي والكردي، وتستطيع روسيا الإدعاء بأن هذا الإقليم لديه موارد نفطية ومائية وأراض زراعية كافية، كما أنه يرتبط برياً بالعراق والأردن.

تدرك روسيا أن مشروعها سيتم رفضه من قبل الكثير من اللاعبين المحليين والإقليميين وحتى الدوليين، وتعلم أيضاً أن الفيديراليات لا تنجح في المشرق وهي ليست سوى التعبير المخفّف للانتقال إلى التقسيم والدويلات، لكنها تزرعه في سياق الأزمة وتعمل على تثميره لتحويله كخيار وحيد قابل للتطبيق في سورية. فوجودها العسكري يتيح لها مروحة واسعة من الخيارات التي ستجعل من الفيديرالية الحل الأكثر قبولاً من كل الأطراف، وستراهن على تعب جميع اللاعبين وخضوعهم لرؤيتها. على ذلك فإن المرحلة التي ستعقب انهيار الهدنة أو توقف مفاعيلها ستكون أكثر مراحل الأزمة السورية دموية ودماراً بما يتناسب مع تطويع جميع الأطراف للقبول بالفكرة.

الهدنة ذاتها لم تكن خارج صناعة السياق، فالتشبيك مع أميركا كان هدفه إبعاد تأثير اللاعبين المحليين وإلغاء إمكانية بناء إجراءات تدخل سعودية - تركية تؤثر في السياق الذي تعمل روسيا على صناعته، وذلك في سبيل تكريس الوقائع التي صنعتها بعد أن تركزت جهود حملتها العسكرية على تظهير الإقليمين العلوي والكردي وإضعاف الإقليم السني إلى أبعد حد ومحاصرته باتجاه العراق والأردن.

دور إيران وحصتها حاضران في قلب هذه الفيديرالية، وكانت قد مهّدت لها بخطتها ذات الأربع نقاط والتي اقترحت فيها تعديل الدستور بحيث يتضمن مادة عن حقوق الأقليات، كما أن غالبية استثمارتها ومصالحها تقع في إطار منطقة دمشق، وجسرها الأرضي باتجاه العراق مضمون عبر ريف دمشق الشرقي.

التطبيقات العملانية لهذه الفيديرالية ستكون عبر آلية إخراج الفصائل المقاتلة من المنطقة الخضراء التي رسمتها خطوط الهدنة الروسية صوب مناطق «داعش»، أو الإقليم السني المفترض، وكذلك من خلال تبادلات أرضية هنا وهناك احتاطت لها روسيا من خلال زيادة رقعة سيطرة قوات حلفائها على الأرض.

كان واضحاً أن الحملة الروسية التي استمرت خمسة أشهر كانت ترسم بعواصف نيرانها خطوط الحل السياسي، من الشمال إلى الجنوب، كما أن المعركة الديبلوماسية التي قادتها بشراسة كانت مبرمجة على مقاس هذا الحل، وبخاصة عبر إصرارها على إلغاء حصرية تمثيل المعارضة بمؤتمر الرياض، ومحاولتها بشتى الطرق تضمين قرار مجلس الأمن الأخير عبارة الحفاظ على استقلال سورية وسيادتها بما يضمن عدم تدخل أطراف إقليمية وعربية تؤثر في هندستها للوضع السوري.

======================

الثورة مستمرة ضد الاستبداد والإرهاب .. عبدالباسط سيدا

الحياة

الاربعاء 9-3-2016

استعاد السوريون في الجمعة الأولى التي أعقبت الهدنة الموقتة، أجواء أعراسهم الوطنية الكبرى الجامعة التي عمّت وطنهم في السنة الأولى للثورة. فقد خرجت التظاهرات السلمية في مختلف المناطق، وجدّد المشاركون فيها مطلبهم العادل الرئيس المتمثّل في نظام يضمن حريتهم وكرامتهم ومستقبلاً أفضل لأجيالهم المقبلة. وذلك لن يكون من دون إسقاط النظام الاستبدادي الإفسادي، المسؤول الأول عن كل ما لحق بسورية والسوريين قتلاً وخراباً وتدميراً.

واللافت في هذه التظاهرات، عودة علم الاستقلال ليرفرف زاهياً شامخاً بوصفه الرمز الذي توافق عليه السوريون، ويزيح جانباً كل الرايات الوافدة التي جلبها أغراب ذوو عقد مرضية، ومشاريعهم وحساباتهم التي تتناقض بالمطلق مع آمال السوريين وتطلعاتهم. عاد علم الاستقلال ليؤكد مجدداً أنه راية المطالبين بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لكل السوريين من دون استثناء، راية الداعين إلى القطع النهائي مع سلطة الاستبداد والإفساد في كل أشكالها وصيغها.

ولعودة علم الاستقلال إلى صدارة المشهد دلالات كبرى على إصرار السوريين، بعد خمس سنوات من تجربة مريرة اختلط خلالها الحلم بالألم، والأمل بالإحباط، والثقة مع التوجس. خمس سنوات أدرك السوريون بحصيلتها، أن مصير أبنائهم وأحفادهم وأجيالهم المقبلة مسؤوليتهم الأولى وقضيتهم المحورية التي لا تمتلك أي اعتبار في حسابات الآخرين ومصالحهم، الذين تبنّوا استراتيجية النظام وحلفائه، وأعطوا الأولوية للإرهاب العرضي الفرعي، وغضّوا الطرف عن الإرهاب الجوهري المركزي، وهو إرهاب النظام الرسمي المنظم، الذي كان وما زال أساس كل الإرهاب في المنطقة.

لقد أثبت السوريون، عشية احتفالهم بالذكرى الخامسة لأعظم ثورة في عالمنا المعاصر، أنهم ما زالوا على العهد في مواجهة الإرهاب الرسمي والإرهاب الظلامي. كما أكدوا أن ما يتطلعون إليه يتناقض تماماً مع المشاريع المذهبية الطائفية الانعزالية البغيضة في كل أشكالها ومسمياتها، وهم يدركون بحسهم السليم وبالبرهان والدليل، أن أصحاب تلك المشاريع المتناقضة ظاهراً يتبادلون النسغ والأدوار بينهم.

لقد عمل النظام كل ما كان في وسعه لإلصاق تهمة التشدد والإرهاب بالثورة، وتشويه سمعتها، كما استقدم كل شذّاذ الآفاق، بالتنسيق مع الحليف الإيراني، لمحاربة المعارضين، ودفع الأمور نحو فوضى عارمة منظمة، ليقدم نفسه بوصفه البديل الأفضل، أو الأقل خطورة. وقد حرص دائماً بكل إمكاناته، على إبعاد العلويين والكرد والمسيحيين والدروز من الثورة، ليتمكّن من تسويق استراتيجيته القائمة على زعم مفاده أن ما يجري في سورية لا يخرج عن نطاق صراع على السلطة بين متشددي المكوّن العربي السني والسلطة «العلمانية حامية الأقليات». ونجح النظام إلى حدٍ كبيرٍ في تسويق هذا الزعم نتيجة أخطاء المعارضة من جهة، وتقاطع المصالح مع المتحكمين بمفاصل المجتمع الدولي من جهة ثانية.

لكن السوريين الغيارى في الوطن الجريح أكدوا ببساطتهم وعفويتهم، بصبرهم وتحمّلهم، بصدقهم وإخلاصهم، وبما لا يدع مجالاً للشك، أن إمكان استعادة الوجه المشرق للثورة مسألة واقعية شرط توافر الإرادة والقدرة على التعبير.

يحتفل السوريون والسوريات بأساليبهم الإبداعية بالذكرى الخامسة لثورتهم، وهم في خشية حقيقية مما يدبَّر لهم ولبلدهم. فهناك من يتحدث عن إمكان فرض تقسيم جديد لا يراعي مصالحهم الحقيقية، بل يرتكز على حسابات ومصالح من يخطط ويشرف على تنفيذ ما يُحضَّر له، وإذا تحقق لهؤلاء ما يريدونه ستكون الحصيلة في نهاية المطاف جملة كيانات هشة متنازعة، تعتمد في وجودها على القوى الدولية والإقليمية وتلتزم سياساتها ومصالحها. كيانات قد توحي بأنها الحل، لكنها في الحقيقة بداية لمشكلات كبرى، تعيد المنطقة قروناً إلى الوراء، وتتسبّب بتبديد إمكاناتها البشرية والمادية.

الحل الأمثل بالنسبة إلى السوريين، كل السوريين، التمسّك بالمشروع الوطني المدني الديموقراطي الذي يحترم حقوق سائر المكوّنات والأفراد وخصوصياتهم، ويلغي كل أشكال التمييز والتهميش، ويعتمد النظام الإداري الذي يعطي صلاحيات واسعة للسلطات المحلية المنتخبة، فيما يقتصر دور المركز على توفير مقوّمات التنسيق والتكامل، والمساعدة في ميدان العمل لحل المشكلات، وتمثيل البلاد على المستوى الدولي.

ومثل هذا المشروع سيجعل من سورية عامل استقرار في المنطقة بأسرها، وستصبح بموجبه جسراً للتواصل بين الجميع، محتفظة بكل أبنائها، بل فاتحة أحضانها لأولئك الذين أرغمتهم الظروف على الرحيل.

المكوّنات المجتمعية السورية على اختلاف مذاهبها وأديانها وقومياتها وتوجهاتها تستطيع التعايش، بل ترغب فيه، وتعمل له. أما النظام وأتباعه، فيدفعون الأمور في الاتجاه المعاكس، بقاءً في سورية «المفيدة» بعدما تيقّن من استحالة استمراره على مستوى سورية كلها.

سورية المدينة الديموقراطية التعددية العادلة الموحدة هي لمصلحة الجميع من دون استثناء. وللمصالح في عصرنا هذا الأولوية، أما المشاعر والأحاسيس والنزعات الوجدانية فتبقى من عالم الدواخل، عالم الأحلام والتمنيات والرغبات، الذي يمكن أن يغدو واقعاً في حال تقاطعه مع المصالح.

الثورة السورية في طريقها نحو استعادة ألقها ورونقها بعد تجربة مريرة أليمة مع الاستبداد والإرهاب. لكن هذا لن يتحقق من دون تضافر جهود سائر السوريين، بخاصة المفكرين والمثقفين والإعلاميين ورجال الأعمال والعاملين في إطار منظمات المجتمع المدني. والشعب السوري سيتجاوز بفضل نضال أبنائه وتضحياتهم، محنته وهو أكثر وعياً وخبرة بقضاياه ومشكلاته، وأقدر على وضع الحلول الواقعية الموضوعية لها بعيداً من منطق التغييب والانتقام والرهاب والإرهاب.

سورية التي عرفناها وتباهينا بها باستمرار، وضحّى في سبيلها شعبنا بأعز ما يملك، لن تعود إلا بكل أبنائها ولكل أبنائها.

* كاتب وسياسي سوري

======================

روسيا في سورية: قوة كولونيالية عنصرية .. ياسين الحاج صالح

الحياة

الثلاثاء 8-3-2016

في تقرير صدر مؤخراً لـ «أمنستي إنترناشونال» (منظمة العفو الدولية) حول ترحيل روسيا سوريين، ورفض طلبهم اللجوء، نسبت المنظمة إلى دائرة الهجرة الروسية القول: «لا يوجد قتال في مدينة حلب، فقط الأكراد والأرمن والشركس وحدهم من في حاجة إلى الحماية».

ليس قلب الواقع رأساً على عقب هو وحده ما يميز هذا التصريح (حلب كانت بؤرة القتال وقت صدور تقرير أمنستي، وعرب مسلمون سنيون هم، أولاً وأساساً، المستهدفون نسقياً، ومن يحتاجون إلى حماية في حلب، وفي سورية ككل)، بل ما يبطنه من وعي حاد بتمايزات السوريين الإثنية والمذهبية، ومن انحياز فظ إلى بعضهم ضد بعض. مسلك روسيا خلال أكثر من خمسة أشهر من حربها في سورية يعطي ما يكفي من انطباع بأنها في واقع الأمر تحارب السنيين السوريين.

وسبق لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن صرح لإذاعة «كوميرسانت اف أم» الروسية في آذار (مارس) 2012 بأن: «الصراع يدور في المنطقة كلها، وإذا سقط النظام الحالي في سورية، فستنبثق رغبة قوية وتُمارس ضغوط هائلة من جانب بعض بلدان المنطقة من أجل إقامة نظام سنِّي في سورية، ولا يراودني أي شك بهذا الصدد. ويقلقنا في هذا الوضع مصير المسيحيين، وهناك أقليات أخرى كالأكراد والعلويين وكذلك الدروز».

الوزير الروسي يقرن ما يسميه «نظاماً سنياً في سورية» والقلق على «مصير المسيحيين»، قبل أن يذكّر بـ «أقليات أخرى». لا يقول أن بلده لا يريد نظاماً طائفياً في سورية، أو أنه يعمل من أجل المساواة بين السوريين بصرف النظر عن منابتهم الدينية والإثنية. ما يقوله موجه ضد السنيين السوريين، ويتوافق بدوره مع سياسة روسيا في سورية منذ بداية الثورة قبل خمس سنوات إلى اليوم.

ما يصدم في التصريحات الروسية ليس طابعها التقسيمي المميز للخطابات الكولونيالية في كل وقت، ولكنْ فجورها في الجهر بكراهية أكثرية السوريين الدينية، وعطفها المزعوم على أقليات البلد. ما الأصل في هذا المسلك العدواني المسعور؟

يمكن التفكير بعدد من العناصر. أولها علاقة حساسة ومتوترة بين المسلمين في روسيا، ومعظمهم سنيون، والسلطة الروسية التي تشك في ولائهم لها. ولا يغيب عن ذاكرة نخبة الحكم الروسية، أنه كان للجهاديين السنيين الدور المباشر الأكبر في إلحاق الهزيمة بالاتحاد السوفياتي في أفغانستان، وبصورة ما في تفكك الامبراطورية التي كان فلاديمير بوتين عنصراً في مخابراتها قبل ربع قرن. وفي أوقات سابقة، كانت اللينينية الروسية توجهاً تحديثياً نحو أوروبا، ينظر إلى آسيا، وضمناً المسلمين، كشيء متخلف وإقطاعي، وفق مألوف الأيديولوجيا التحديثية في كل مكان، بما في ذلك في بلداننا نفسها.

في المقام الثاني من المرجح أن غير قليل من المعلومات عن «النظام السني»، وعن حصر الحاجة بـ «الحماية» في «الأقليات»، وكذلك المنظور السياسي المتكون حول هذه «المعلومات»، مصدره سلطة الانتداب الأسدي التي تعمل موسكو على تمديد ولايتها في سورية. مسؤولو الدولة الباطنة في سورية الأسد، أعني المركّب السياسي الأمني المالي المسيطر، شديدو الوعي بهذه الوقائع، وتحالفاتهم العسكرية في مواجهة الثورة منذ البداية تظهر مركزية هذا الوعي. ومن المحتمل جداً أنهم يشاركون نظام بوتين في معلوماتهم، مع علمهم بأن ذلك النظام ليس أقل منهم سعاراً في مواجهة أي مسلم يحاول لعب دور سياسي مستقل.

وهناك في المقام الثالث تشكل النظام الدولي الحالي حول «الحرب ضد الإرهاب»، وهو ما يضع المسلمين عملياً في موقع المشبوهين العالميين، المحتاجين إلى تبرئة أنفسهم، الأمر الذي إن لم يشجع معاملتهم بقسوة، فإنه يثير أقل المقاومات في وجه معاملة كهذه.

هذا البعد الديني – السياسي – الأمني للنظام الدولي لا يمكن إغفاله أو التقليل من شأن ما يترتب عليه من عواقب تزداد خطورة. المسلمون اليوم، والسنيون منهم بصورة خاصة، هم الشريحة الثقافية المعرضة للتمييز، ولعدم الاعتراض على ما ينالها من تمييز في فضاءات دولية كثيرة – كل الغرب وروسيا والصين وبلدان عديدة في العالم، بما فيها «الدول الإسلامية». هناك أشياء غير مرئية لعموم المهتمين، وليس لعموم الناس فقط، منها القوائم التي تعممها الشرطة الأوروبية والانتربول الدولي، وهذه القوائم مكونة بصورة شبه حصرية من مسلمين، وكثيرون منهم يحجزون في المطارات أو يقضون أوقاتاً متطاولة في «نظارات» ترحيل، وهذا حتى في بلدان مثل تركيا. وعلى هذا المستوى هناك تنسيق مؤكد بين الأجهزة الأسدية في سورية والانتربول مثلاً، ولا ريب أن التنسيق أعلى بكثير مع المخابرات الروسية.

السجين السياسي العالمي اليوم مسلم بصور أساسية، وسني. وليس لكلمة إرهابي أن تنفي هذا الوضع، بل هي مصممة لحجبه وتبريره في آن. هؤلاء سجناء سياسيون حتى حين يكون صحيحاً أنهم مرتبطون بـ «القاعدة». هذا الوضع الشاذ وغير العادل ليس بسبب «داعش» و«القاعدة»، هذا هو ما ينتج «داعش» و«القاعدة». وبالمناسبة، هذه السجون فرصة لـ «تَقعُّد» أو «تدعُّش» بعض من ليسوا كذلك أصلاً.

وما يميز روسيا من فظاظة ضمن هذا الإطار يتصل بحقيقة أن البلد، وبلدان أوروبا الشرقية كلها في ما يبدو، لم تعرف نقاشاً حول العنصرية وحول الاستعمار، استعمارها الخاص. ليس التعالي الكولونيالي خافت الصوت في الغرب، ولا العنصرية المتعددة الشكل، مع غلبة الشكل الثقافي الديني المعادي للمسلمين اليوم، لكن في الغرب أيضاً ظهرت مقاومات ضد العنصرية واعتراضات ضد الكولونيالية لم تشهد أوروبا الشرقية، ولم تشهد مجتمعاتنا العربية وثقافتنا ما يناظرها. ويبدو أن هذه المقاومات في أدنى مستوياتها اليوم في الغرب ذاته، بفعل تشكل نظام دولي يجمع استقطابات الثروة والقوة و «الحضارة»، ومن دون أن تتشكل في وجهه حركات تحررية جديدة، ومع تدني الكمون الديموقراطي في العالم ككل.

موقع المسلمين المتمرد و«الإرهابي» في هذا النظام ليس عريضاً، ولا هو متصل حصراً بمشكلات تخص دين المسلمين؛ إنه وثيق الصلة بتكوين النظام «االحضاري». العنصرية تنبع من بنية النظام وليست عارضاً أصابه من خارجه.

روسيا هي «وجه المقابحة» في هذا العالم، بلد جمع بين الامبراطورية والامبريالية الداخلية (الشمولية) و«الرسالة الخالدة» بشكليها الأرثوذكسي والشيوعي، ولم ينظر في ماضيه يوماً بجد. هذا البلد هو اليوم قوة استعمار عنصرية في سورية، يُمنح انتداباً دولياً على سورية بعدما لم يعد الانتداب الأسدي قادراً على تأبيد نفسه.

======================

استعادة الثورة السورية... العودة إلى الأصول .. خليل العناني

العربي الجديد

الثلاثاء 8-3-2016

ذكّرتنا التظاهرات السلمية التي خرجت في المدن والقرى السورية، خصوصاً التي لا تقع تحت سيطرة النظام، كما هي الحال في حلب وحمص وريف دمشق وريف درعا، بأصل الصراع في سورية، وضمناً في بقية دول الربيع العربي، وأنه، على عكس ما يروّج النظام وحلفاؤه بأنه حرب على الإرهاب، صراع بين السلطوية والديمقراطية، وبين القمع والحرية، وبين قوى الاستبداد وقوى التغيير. وهو الصراع الذي كاد أن يُطمس، تحت وطأة الحرب الطاحنة التي تدور رحاها منذ عام 2011. ذكّرتنا التظاهرات، أيضاً، بأن كل ما يُقال عن عسكرة الثورة، وتحوّلها إلى حربٍ أهلية، كان مجرد استثناء عن الأصل، وأن العمل السلمي، والاحتجاج الشعبي، هو الطريق الذي اتبعه السوريون، منذ البداية، للمطالبة بحقوقهم المشروعة في الحرية والانعتاق من الاستبداد، وأن النظام الحالي يتحمل الجزء الأكبر في "عسكرتها"، نتيجة لصلفه وعناده وعدم استجابته لهذه المطالب.

ذكّرتنا التظاهرات، أيضاً، بأن الشعب السوري، على الرغم من كل ما تعرّض له من قتل وتدمير وتخريب وتهجير (والآن محاولات للتقسيم) لم يعدم الوقوف على قدميه، مرة أخرى، لإعادة التأكيد على ما رفعه، قبل خمس سنوات، من مطالب عادلةٍ وواضحةٍ، وأهمها الحرية والكرامة. ففي الوقت الذي اعتقد فيه بعضهم بأن "روح" الثورة السورية، بشعاراتها ومطالبها وفاعلياتها السلمية، قد قُبرت تحت وقع الرصاص والبراميل المتفجرة والصواريخ الروسية، خرج شباب الثورة، أو من تبقّى منهم، بالشعارات الأولى نفسها للثورة، وأهمها شعارات "الشعب يريد إسقاط النظام" و"الثورة مستمرة" و"عاشت سورية ويسقط الأسد".

"ذكّرتنا التظاهرات، أيضاً، بأن كل ما يُقال عن عسكرة الثورة، وتحوّلها إلى حربٍ أهلية، كان مجرد استثناء عن الأصل، وأن العمل السلمي، والاحتجاج الشعبي، هو الطريق الذي اتبعه السوريون، منذ البداية، للمطالبة بحقوقهم المشروعة في الحرية"

الصور الحية التي نقلتها بعض وسائل الإعلام لهذه التظاهرات السلمية، والتي غلب عليها أيضاً الطابع الشبابي، كما كانت الحال في الأيام الأولي للثورة، تنسف كل الصور النمطية التي حاول النظام والإعلام الموالي له، والسائرون في ركبه من سلطوياتٍ ونخبٍ وشخصياتٍ مؤيدة، تكريسها وترسيخها، طوال السنوات الخمس الماضية، حول الإرهاب والطائفية والعسكرة. وهي صور تضرب سردية النظام حول الثورة في مقتلٍ، وتعيد الاعتبار إلى سردية "الشعب" طرفاً أصيلاً في الصراع.

كسرت التظاهرات، أيضاً، حالة الاحتكار السياسي للثورة من بعض الفصائل المسلحة التي حاولت اختطاف الثورة وتجييرها لصالح مشاريعها السياسية والأيديولوجية، بعيداً عن الأهداف الحقيقية للثورة، وحولت المطالب الثورية إلى مطالب فئوية وطائفية خاصة بها، وهو ما أدخل الثورة في متاهة التطييف والتحزب الأيديولوجي والسياسي. بكلمات أخرى، فقد أعادت التظاهرات الثورة إلى مالكها الأول، وهو الشعب بمفهومه الواسع، وليس الطائفة أو الجماعة أو الحزب.

الأكثر من ذلك، فقد بدت فترة السنوات الخمس الأخيرة (وتحديداً منذ عسكرة الثورة أواخر عام 2011) وكأنها مرحلة قطيعة بين نقطتين ثوريتين، أولاهما كانت في أواخر فبراير/شباط 2011، والثانية كانت، قبل أيام، في مختلف المدن السورية. وهي قطيعة استثنائية في ملحمة الثورة التي هي القاعدة والأصل. صحيح أن مياهاً كثيرة جرت في بحر الثورة السورية، بدءاً من تغيير مسماها إلى "الحرب الأهلية"، مروراً بتغيير طابعها السلمي إلى الطابع المسلح، وانتهاءً بالصراع الإقليمي والدولي الدائر على أرضها، إلا أن الوجه الحقيقي للثورة ظل موجوداً وحاضراً في العقل الجمعي للسوريين، وقد عبر نفسُه مع أول هدنةٍ مؤقتةٍ حدثت، وحين توقفت أصوات القنابل، كي يسمع الجميع صوت الشعب السوري، مطالباً بالحرية والكرامة والديمقراطية.

ما قالته التظاهرات السورية الأخيرة لن يختلف كثيراً عما يمكن أن تقوله بقية بلدان الثورات العربية، لو سُمح لشعوبها، وتحديداً شبابها، بالخروج والتظاهر السلمي. وهو ما يعني أن كل محاولات القمع والتفزيع من الربيع العربي، ومن مطالب التغيير، قد فشلت في إثناء الشباب العربي عن الاستمرار في الدفاع عن حلمه بالحرية. وأن الوجه السلمي للربيع العربي لم يمت، على الرغم من محاولات الأنظمة السلطوية جرّ الشباب العربي إلى مربع العنف من أجل ذبحه، وتبرير قمعه لاحقاً، تحت يافطة الحرب على الإرهاب.

أما الدرس المهم فهو للحكومات الغربية التي تعتقد خطأ بأن الشباب العربي يمكنه مقايضة الاستقرار بالحرية، أو أنه يمكن أن يتوقف عن السعي إلى التغيير، لمجرد أنه لا يمتلك القوة اللازمة لفرض أجندته وشروطه. فمن المؤسف أن نقرأ أن حكومة النرويج، على سبيل المثال، تعتقد أن الديكتاتوريات العربية هي الوسيلة الأنجع لحماية الأمن الأوروبي، وأنها تتبني مقولة الأنظمة السلطوية في المنطقة بأن الربيع العربي هو سبب المشكلات التي تحيط بأوروبا الآن، بدءاً من مشكلة اللاجئين، وحتى مشكلة الأمن والاقتصاد. وهي هنا تقع في الخطأ نفسه الذي وقعت فيه قبل عقود، حين دعمت، أو غضت الطرف عن إجرام الديكتاتوريات العربية وسلطويتها، فكانت النتيجة على الانفجار الكبير الذي لا تزال آثاره قائمة حتى اليوم.

ليست المشكلة، إذا، في التغيير أو الثورة، وإنما في الإصرار على صم الآذان عن الاستماع لمن يطالبون بهما وقمعهم. فمشكلات الأمن واللاجئين والهجرة وغيرها ما هي إلا مجرد أعراض لمرض عُضال اسمه "الاستبداد"، وبدون معالجة هذا المرض، فسوف يظل ينتشر ويستفحل، حتى يصيب الجميع.

======================

انقلاب 8 آذار في سورية.. ميلاد دولة ضد الشعب .. شمس الدين الكيلاني

العربي الجديد

الثلاثاء 8-3-2016

يتلخص تاريخ السلطة التي نشأت في سورية عن انقلاب 8 آذار/مارس 1963 في (إنجازات) عديدة: خسارة الأرض، وسجون (عنوانها تدمر) ودماء (رمزها حماه) ودمار (خريطته سورية كلها). فبخلاف الانقلابات العسكرية السابقة التي شهدتها سورية، وكان الجيش فيها أداة لحسم الصراعات السياسية بين القوى المتنافسة، وضع انقلاب 8 آذار البلاد بين أيدي العسكر، تحوّل الجيش فيه، لا إلى قوة أساسية في الحكم، بل إلى قوة الحكم الأساسية. وبمقدار ما أخذ الجيش يتسيّس، ويتحول إلى "جيش عقائدي" أخذت السياسة تتعسكر.

أقر مؤتمر عصبة الحكم عام 1963 نهجاً يسارياً، ومبدأ الحزب القائد، وتقييد الشعب في "منظمات شعبية"، يسيطر عليها حزب اللجنة العسكري، وعملت الأخيرة، منذ البداية، على مصادرة مؤسسات الدولة، لتكون طوع إرادتها. أبقت على قيادات "البعث" في الواجهة، لعلها تتستر فيها على سلطتها العسكرية الاستبدادية، ريثما ترتب المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، لتصبح في قبضتها، قبل أن تطيح تلك القيادات، ضخَّت في حزب اللجنة العسكرية دماءً جديدة، ورجالاً جدداً. فكانت مرحلة 1963-1966 مرحلة تصفية للناصرية في الجيش، ولقيادات الحزب المدنية التاريخية، فكان انقلاب 23 شباط 1966 إشارة إلى الانفراد بالسلطة، ولا بأس حينها من التصعيد في لغة اليسار الرائجة، ولتصفية القاعدة الاجتماعية للناصرية، وبديلاً عن "استرجاع الوحدة" (مع مصر)، هاجس السوريين الأكبر.

ورويداً رويداً، عمل النظام على إخضاع الاجتماع السياسي السوري لنمط تسلطي شديد المركزية، على الصعيدين السياسي والاقتصادي، فحدث ما يشبه "ترييف السلطة"، وتمركزها بيد فئاتٍ ريفية، مستفيدةً من نظريات ميشيل عفلق حول النخبة الطليعة /الأقلية، ومن تجربة الحزب الواحد الشمولية من الاتحاد السوفييتي، اهتمت في اشتراكيتها بالتوزيع، ولم تفكِّر بالانتاج، فأفقرت الجميع، بالإضافة إلى إذلالهم.

ودفع النظام سورية والعرب إلى هزيمة 5 يونيو/ حزيران 1967 المُذلة. لم يطلقوا فيها رصاصة واحدة، وسلَّموا الجولان ببلاغ من وزير الدفاع (حافظ الأسد) يعلن فيه احتلال إسرائيل القنيطرة، في وقت لم يدخلها أي جندي إسرائيلي، وكان وزير الصحة السوري، الدكتور عبد الرحمن الأكتع، يتجول فيها، فلم تسقط حتى اليوم التالي، وعندما صرح الأكتع، في مجلس الوزراء، متسائلاً عن المسؤول على ذلك البلاغ، شتمه الأسد، فقدّم استقالته. وكشف الباحث حنا بطاطو أن إسرائيل كانت قد أوقفت عملياتها العسكرية رسمياً قبل هذا البلاغ، لكنها، بعد صدوره، وجدت فيه فرصةً لا تعوض، فأقدمت على احتلال المدينة! وعلى الرغم من ضياع الأرض، واحتلال إسرائيل بقية فلسطين، خرج النظام متبجحاً بفشل العدوان، لأن سلطته (التقدمية) لم تسقط.

شهدت سورية بعدها ازدواجية في السلطة، حسمها حافظ الأسد لصالحه في 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 1970، وكان المسرح السلطوي البيروقراطي قد أُعد لصعوده، بعد أن ارتفع صرح "الدولة الأمنية" ذات العصبوية الطائفية التي اختارته ممثلاً مناسباً لصعودها. وكان من الطبيعي أن يدشن الأسد حكم الأجهزة الأمنية السافر، من دون أي مظهر مراوغ، أصبحت فيه هذه الأجهزة المشرف الحقيقي على الدولة والمجتمع. منذ ذلك الحين، ارتبط الارتقاء السياسي وتراكم الثروة بالقرب من الأجهزة المخابراتية، وبقمم المؤسسة العسكرية التي تلوّنت، مع الأيام، بمجموعات من (الطائفة)، سيطرت على الجسم الأساسي للمؤسسة العسكرية والأمنية. ولم تعرف سورية في تاريخها الاعتقال عقوداً عقوبة للرأي الحر، سوى في هذا العهد، ولم يغب حافظ الأسد الّا بعدما بنى آلاف التماثيل تخليداً لذكراه، وكأنه يريد أن يعيد سورية إلى عبادة الأوثان. وفي المقابل، ترك في الذاكرة السورية المذبحة في مدينة حماه التي صبغ شوارعها بالدماء، وخلَّف وريثاً يُكمل ما بدأه من مصائب.

"كان من الطبيعي أن يدشن الأسد حكم الأجهزة الأمنية السافر، من دون أي مظهر مراوغ، أصبحت فيه هذه الأجهزة المشرف الحقيقي على الدولة والمجتمع"

لم تتبدّل الصورة في عهد الأسد الابن الذي أطلق، في بداياته، إشارات التغيير، لكي يحصل على شرعيةٍ ما تؤهله لوراثة الحكم بأقل الخسائر الممكنة، لكن الآمال تراجعت مع الأيام، بدا (الربيع السوري) لكثيرين انقطاعاً عن تاريخ ظل راكداً أربعين عاماً. خشيت السلطة أن تكون المنتديات الثقافية قمة جبل الجليد لتوق السوريين للحريّة، ردّت على عجل بإغلاقها وفتح السجون، واتهام المثقفين بالخيانة. وهكذا، رجع الابن إلى سيرة والده الذي قضى حياته في زرع الرعب في قلوب السوريين، وعرب الجوار، وفي بناء السجون والمعتقلات. وعندما هبَّ الشعب، في غمرة ثورات الربيع العربي، ليدعو إلى الحرية والكرامة، لم يفعل شيئا سوى أنه قدَّم الحزب على مذبح بقائه في السلطة، الحزب الذي لم يحكم يوماً سوى على الورق، فأظهر بذلك للعلن من هو الحاكم الفعلي لسورية منذ خمسين عاماً! فبجرّة قلم أزاح الحزب من السلطة، بعد أن صادر كل صلاحيته وجيّرها لمنصبه الرئاسي، فجمع الرئيس بين يديه، بحسب (قانونه الجديد) لعام 2012، السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية! وأمَّن له دستوره العتيد الحق في التجديد عشرين سنة أخرى، مع سلطةٍ تماثل سلطة الولي الفقيه المعصوم.

ولأن الشعب يعرف من هو الحاكم الفعلي، ويريد الحرية لا أشباهها، استمر في نضاله الديمقراطي، فأتاه الرصاص من كل صوب. فلم يكن جيشه وطنياً على غرار الجيش التونسي، بل أُعِد طائفياً، ليكون على استعداد لإطلاق الرصاص على السوريين الذين فصلته عنهم عصبيته الطائفية التي تحكَّمت في مواقعه القيادية، ومفاصل مؤسساته، فغدا قوةً مفصولةً عن الشعب، وعلى استعداد ليخوض في دمه على طريقة الغزاة القدماء، أصحاب هولاكو وتيمورلنك، وشبيهاً بعصبة المماليك التي حكمت بلادنا مئات السنين. ويتميز المماليك عنهم أن هؤلاء ردّوا الغزاة المغول والصليبيين عن بلادنا، بينما هم سلموا مفاتيح الجولان، وتسبّبوا في هزيمة 5 حزيران وخسارة بقية فلسطين. ولم يقدّموا، طوال هذه العقود، سوى شعارات لا طائل منها، لم يصدقها سوى حفنة من الجهلة والمرتشين.

كان الشعب السوري يعرف تلك الحقيقة الفجّة، وعبّر عنها شفهياً، على تنوع هوياته. يعرف الكل مكونات الجيش والأجهزة الأمنية الطائفية، وارتباط هذا الترتيب الطائفي للجيش وأجهزة القمع بقرار مركزي منظم من قمة السلطة، أصبح فيه احتكار القمع والضبط الاجتماعيين منوطاً بعصبةٍ طائفيةٍ لا غير.. ولأن السوريين يعرفون جيداً منبع الطائفية، وعلتها وقاعدتها الصلبة، وهي احتكار (عصبية طائفية) مؤسسات القمع والضبط الاجتماعيين، فإنهم يعرفون أن الطريق الوحيد لاستعادة الرابطة الوطنية السورية يمر بكسر هذا الاحتكار الطائفي، وتحويل كل الوظائف في مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجيش والأجهزة الأمنية، إلى وظائف وطنية، عمومية لكل السوريين. ويعرف السوريون أن المشكلة الطائفية ليست وليدة الشعور بالرابطة الطائفية، فهذه لا غبار عليها، بل يجب أن تُحتَرم، إذا لم تُوضع في وجه الرابطة الوطنية الجامعة، ولم تستند إلى مصالح مميزة احتكارية، غير أن مثقفين يضيّعون (الموضوع) في متاهات البحث عن التعريفات، أو عن اسم الظاهرة، وينكرون المسمى/الظاهرة، فهم على طريقة مهدي عامل، ينظرون إلى الطائفية على أنها "الممارسة الأيديولوجية للبورجوازية الكولونيالية"، فيجب الانتظار لإزالة هذه البورجوازية! فتبدو الثقافة الشفهية الشعبية، أمام هذا التعريف، أكثر معرفةً، لأنها تعرف المُسمَّى/الظاهرة على الأقل.

ولمّا انحاز الجيش إلى صف السلطة، ووضع الرصاص في وجه الشعب، اضطر النشطاء إلى حمل السلاح، ترافق ذلك مع تحلل الجيش، وبروز الانشقاقات الفردية، لأن الارتباط الطائفي منع إمكانية انشقاقات عمودية أو قطع عسكرية كاملة. وعلى الرغم من ذلك، استطاع الجيش الحر الانتقال إلى الهجوم، في منتصف العام 2012، وصار القتال في قلب دمشق، وعلى أطراف المطار. عندها، تدخل الإيرانيون عسكرياً، مباشرة برفقة المليشيات الشيعية، وفي مقدمتها حزب الله، مصطحبين معهم الاستيطان الطائفي، ساعدهم في ذلك بروز جبهة النصرة ومبايعة الجولاني الظواهري، وهو أمر زرع الرعب لدى الغرب والشرق، والعرب، فتراجع الدعم للثورة التي اختلط فيها المتشدد بالديمقراطي. وعلى الرغم من تلك الصعوبات، استطاعت قوى الثورة التقدم، وبدأت هزيمة الإيرانيين في الأفق في عام 2015. عندها أتت النجدة من الروس، وبدأت معها حرب إبادة السوريين. بقي الشعب السوري وحيداً لا يصل إليه سوى الفتات في مواجهة الروس والإيرانيين ومليشيا الأسد، يستند على قواه الذاتية، وعلى ما تبقى من عزيمة لدى بعض العرب، في نزاع تجاوز الخلاف فيه البرامج السياسية إلى صراع على مصير سورية، هوية وكياناً.

======================

الهدنة ومظاهراتها في سورية .. راتب شعبو

العربي الجديد

الاثنين 7/3/2016

صمدت الهدنة في سورية، إذن. مرّت ثمانية أيام انخفضت فيها نسبة الموت والدمار. من اعتقد أن الهدنة محكومة بالفشل، وأنا منهم، أخطأ التقدير. ظهر واضحاً أن هناك مكاناً معيناً يمكن، من خلاله، ضبط هذا العدد الهائل من الفصائل المقاتلة في سورية. هناك مكان ما يملأ فراغ "القيادة العليا" لهذه الفصائل، ويمارس دورها. دائماً، كان يُقال إن ميزة النظام تكمن في مركزيته، وإن هرمية النظام تسمح له بضبط وحداته المقاتلة. في المقابل، كانت التشكيلات العسكرية التي تواجه النظام تبدو كثيرةً، وذات ولاءات مختلفة، وليس لها عنوان واحد، ولا يمكن ضبطها. اليوم، نرى أن هذه التشكيلات المتعددة والمشتتة تتصرّف في الهدنة وكأنها جيش خاضع لإرادة واحدة. وبحسب التقارير، تأتي خروق الهدنة، أساساً، من جهة النظام وحلفائه. لا شك أن النظام لم يخرق الهدنة، لضعفٍ في مركزيته العسكرية، فهذه الخروق مركزية، مثل كل "الخروق" السابقة للهدنة من مجازر وقصف للمستشفيات واستعمال الكيماوي ...إلخ.

الواقع الذي كشفته الهدنة هو أن "الخارج"، وهو كناية عن دول الخليج وأميركا أساساً، نجح، أولاً، في أن يكون الرأس السياسي للجسم العسكري السوري المعارض، وتمكّن بذلك من توحيد هذا الجسم العسكري المبعثر. ونجح، ثانياً، في أن يتوسط علاقةً فاعلةً بين هذا الجسم العسكري والجسم السياسي المتمثل في الهيئة العليا للتفاوض، وإنْ كان ذلك يتضمن، بالتأكيد، أن هذا "الخارج" يحوز على اليد العليا في سياسة هذه المعارضة.

ما كان لهذه الخطوة الكبيرة باتجاه إيجاد جسمٍ معارض، عسكري سياسي، في سورية، أن تتحقق، لولا أن هذا "الخارج" حقق وحدته أولاً. وحدة المعارضة العسكرية والسياسية في سورية وتماسكها مستمدان من وحدة دول الخارج تجاه الحل المزمع في سورية. يمكن تلمّس استنتاج مؤلم هنا يقول إن قدرة الخارج على تحقيق هذا القدر من الوحدة بين التشكيلات العسكرية والسياسية السورية، على الرغم من تنافرها وتباينها السياسي والفكري، تدل على مدى تبعية هذه المعارضة للخارج، وخضوعها لتقلباته.

كشفت الهدنة، أيضاً، واقعاً آخر، ذا دلالة حاسمة، ويتمتع بجماليةٍ افتقدها الحراك السوري طويلاً، أقصد عودة المظاهرات الشعبية الأولى الخالية من الرايات السود، تماماً كما تنبت الزهور وسط الحطام. هذا يقول أمرين أساسيين، الأول إن استعادة روح الثورة وشعاراتها بعيداً عن "إسلاميةٍ" بولغ في النفخ فيها، كماً ونوعاً، يجري في المناطق "الإسلامية"، حين تُمنع البندقية الإسلامية من فرض صوتها وصورتها في مناطق سيطرتها، أي حين يُتاح للثورة السورية أن تدخل المسرح الذي طُردت منه بقوة السلاح، فإنها تدخل المسرح بكامل حلمها الأول بالحرية، حتى وإن كانت سنوات الحرب والحصار قد أرهقت جسدها.

على أن ما يستحق الانتباه، هنا، هو أن مناطق سيطرة النظام لم تشهد أي تغير سياسي في غضون أيام الهدنة. وهذا يعني أن النظام يمارس، بنجاح، سيطرته "الداخلية" المعهودة بمنتهى الضبط على جمهورٍ معتاد أصلاً على الضبط، وفق "العقد الاجتماعي" الأسدي التاريخي: التخلي التام عن الحرية والكرامة في مقابل الضمان الجزئي لديمومة العيش.

الأمر الثاني الذي تقوله "مظاهرات الهدنة" إن كل ما جرى لم يخمد الشعلة الأولى للثورة، وإن استطاع أن يمنع اتّقادها وامتداد لهيبها التحرّري. ولا شك أن عودة المظاهرات، وإن كانت تحمل علامات الإرهاق، تشكل رسالةً غير سارة للنظام ورعاته، كما أنها رسالةٌ غير سارة لكل المنظومة الدولية والإقليمية التي تعاملت مع الثورة السورية منذ البداية، تماماً كما تعامل معها النظام. ولكن، من الزاوية المقابلة، على أنها شرٌّ يجب الخلاص منه.

يتقن العالم التعامل مع أمثال "داعش" وجبهة النصرة، تنظيمات عسكرية ذات نهج فكري وسياسي متخلف إلى درجة اللامعقولية، لكنه يحار أمام حركة مظاهراتٍ سلميةٍ بشعاراتٍ تطالب بالحرية والخلاص من نظام مستبد، لا يريد أن يتخلص هذا العالم منه. ليس غريباً على مثل هذا العالم الذي خبر السوريون وضاعته، بلحمهم ودمهم، أن يصم آذانه عن هذه المظاهرات السلمية، ويحتفظ بترسيمته الخالدة للصراع في سورية، على أنه حرب ضد الإرهاب.

======================

غيبون يجترح حَلاً .. غازي أبوعقل

القدس العربي

الاثنين 7/3/2016

اعتاد السوريون في عصر ما بعد الحداثة، مغادرة وطنهم لأسباب شتى من دون عراقيل تُذكر… ومع إعلان وحدة مصر وسوريا أخذت العراقيل بالظهور والتزايد مع تغير أفراد السلطة وثبات جوهر الدولة المستبدة، إلى أن انقلب موقف «الحكومة» مع إطلالة عقد الثلاثينات من القرن الخامس عشر 1430 الهجري، الذي صار «تهجيرياً» حيث فتحت «الحكومة» بوابات تصريف المياه الضاغطة خلف «سد الثورة « وسرعان ما غمرت الموجات الأولى تخوم الدول المجاورة «باستثناء وحيد.. وذاق ملايين السوريين متعة التخييم صيفاً وشتاءً. كما استوعبتْ « المناطق الآمنة « أعداداً لا يستهان بها من الناس.

ولما انتشرت أنباء تيسير الحصول على جوازات السفر تدافعت «الرعية « إلى الخروج تأميناً لمستقبل أبنائها، فوصلت الموجة إلى قلب أوروبا.

كانت بدايات «الأزمة» قد شهدت عمليات مهدت لاتساع نطاق التهجير، وتحقيق نوايا الحكومة، عندما اختار من يحملون السلاح «الكلاشن بالأفضلية» أن يتحصنوا في الأماكن المأهولة، ولم يفطنوا إلى كون تكتيكاتهم تقدم الذريعة الأكثر أهمية لكي تطبق الحكومة استراتيجيها الموضوعة سلفاً، والتي أثبتت كفاءتها في زمن مضى. ذلك أن إخراج المسلحين من العمران يقتضي تقويضه بالأسلحة الثقيلة تدعمها الغارات والغازات، وهي أقل تكلفة من المخاطرة بأرواح الجنود الذين تنتظرهم مهام تحرير الأرض المحتلة، بعد تحرير الوطن من ساكنيه…

لم يفهم حمَلةُ الكلاشن استراتيجية الحكومة برغم شرحها لهم عملياً بالذخيرة الحية، والمدهش أن من لم يحملوا السلاح كانوا أقل فهماً لها، لسبب بسيط، فهم انهمكوا في وضع ترتيبات الحصاد قبل أن يحرثوا التربة ومن دون أن يرشوا البذار…

رفضّ كثيرون تحقيق رغبة الحكومة بتهجير الناس، وتحملوا مصاعب البقاء في بيوتهم، بلا دفء ولا كهرباء وأحياناً بلا ماء، دون نسيان إنهيار القيمة الشرائية للنقود وتفاقم الغلاء. ولما كانت الحكومة لا تحب من يسبح في غير تيارها، أبتكرتْ سلسلة من الإجراءات التي لا مثيل لها على هذا الكوكب. فزرعت الحواجز بكثافة، وضاعفت الاعتقال الكيفي وإخفاء المعتقلين نهائياً، ناسية أنها مسؤولة عن سلامة ضيوف سجونها المجهولي العديد، كما عديد سجونها.

لم تُفاجا الحكومة من بلوغ أعداد المهجرين أكثر من نصف عديد السكان قبل «الأزمة» لأنها كانت قد استعدت للأمر، فشرعت باستجلاب مواطنين شرفاء، من ما وراء النهر لملء الفراغ ولموازنة كثافة ساكني المخيمات على تخوم الوطن.. سابقاً.. وهكذا وجد المهجرون أنفسَهم في بيئات مألوفة لكنها غير أليفة، حيث كانوا يتوقعون أن يُعايشوا جزءاً من الشعب الواحد في بلدين بشكل خاص، لولا أن أفسد عليهم توقعاتهم جبران باسيل ومَن علَّمه الدبلوماسية.

في مملكة سيرا

بعد أن وجد المهَّجرون من سوريا أنفسَهم في بيئات غير أليفة، وجدتُ أنا ضالتي في مملكة سيرا التي يحكمها الملك غيبون الأول بيد من حديد،حكماً مستبداً وغير عادل حتماً، لتنافر فطري بين المفهومين «الاستبداد والعدل»…

في هذه المملكة من الأمور « الخيالية « ما تمنيتُ لو كانت واقعاً اليوم، كما أن فيها من الأمور المماثلة لواقعنا الراهن، ما تمنيت لو أنها بقيت في دنيا الخيال الفني على المسرح.

تقع مملكة سيرا في واحدة من المسرحيات الرحبانية هي»ناطورة المفاتيح» التي عُرضت في دمشق في 1972.

الهجرة إلى مملكة من أعمال الواقع الإفتراضي قد تثير السخرية، لكن ما العمل والواقع الواقعي يضيق عليك ويضعك أمام الهجرة إلى.. ألمانيا، أو البقاء في «تقاطع نيران « البساطير واللحى..؟

أتاح لي تجسيد مملكة سيرا مسرحياً، ترف مضاهاتها بواقع سوريا اليوم، ففي فصلها الأول نكتشف مملكة همُّها الدوران حول محورها، الملك غيبون الأول، المستبد واهب الموت أكثر من الحياة، والمهووس بالسلطة، والقابع بين الحاشية والحرس. بينما يحاول أفراد «الرعية «التعايش مع الظلم والإضطهاد. كما نجد بين الرعية من يجرب إقناع الملك بتخفيف قبضته على حياتهم.

ويبعثون أيقونتهم زاد الخير لتغني له، وتذكره بأن الحب وسيلة إلى حياة سعيدة للجميع.

وتقول له: «يا ملكنا لولا بتنزل عَ ممالكنا.. مملكة السهر.. مملكة الهوى.. كنت بترضى وبتباركنا. وبتقول لحرسك يتركنا.. « لكن غيبون ينهمك في القمع والاعتقال والإغتيال.. حتى مستشار الملك جاد الحكيم فإنه يردد على مسمعيه : «يا مولانا ما فى حدا بيقدر يحبس المي والناس مثل المي إلا ما تلاقي منفذ تتفجر منو»..

لا يكتفي غيبون بتجاهل الرعية والمستشار، وحيث ظن الناس أنه استنفد أساليب الظلم، خرج عليهم فجأة بفرمان يجعله «شريكَ النص» في ما يملكه أي شخص من الرعية.

كان هذا الأمر أفظع من أن يقبله أحد، فتقرر الرعية كلها الرحيل عن المملكة، ويقول زعيمها بَربر: «ما زال بدو الأرض، بدو البيوت، رح ناخد الإنسان.. وساعتها يضلو ملك ع العتْم والحيطان»..

رمزية الرحيل الجماعي تشير إلى أن العصيان المدني بتجلياته كلها، من الإمتناع عن تسديد الضرائب، والتهرب من خدمة الاستبداد في قواته المسلحة بشكل خاص، ينبغي لها إحداث الأثر المطلوب في تعديل سلوك المستبد. فهل أوصل الرحيلُ رعيةَ مملكة سيرا إلى تحقيق مطالبهم.؟

يمهد الفصلُ الثاني درب زحف مملكة سيرا إلى الأفق المسدود، الذي يهدد بانهيارها عبر أحداث تبدأ بعودة الملكة من زيارة أبويها، صخر الأول ملك رود وأمها جلبهار.

أمر الملك غيبون بإقامة حفل استقبال «شعبي» ولما باشر قائد الحرس بدعوة «الرعية» لم يجد إلا زاد الخير ليسألها غاضباً أين الناس؟ ويوقن من ردها أنهم رحلوا كرفوف السُنونو وهي تغادر سطوح القرميد، فيهددها بسحبهم من بيوتهم : «حاج تهددهم.. صاروا أبعد من التهديد.. ضهروا برات الخوف، لا بينطالوا ولا بيرجعوا».

يُقال إن أول فضائل الربيع العربي: «طلوع الرعية برات الخوف». يُجرى للملكة استقبال «رسمي» يحضره الملك والحاشية والحرس،وهؤلاء تضعهم المسرحية خارج الشعب، وهذه إلماحة مهمة، لأنهم فعلاً كذلك.

أفسدَ غيابُ الرعية أول ما أفسد، العلاقة داخل الأسرة الحاكمة، لأن الملكة كانت تتمنى وجود الناس في الإستقبال: «لأنهم بيعطوا منظرا في المهرجانات.. مما شكّل عنصراً يفاقم تأزيم الموقف العام، لأن تعكير مزاج المستبد له تبعات. وسرعان ما يثور في وجه مستشاره وقائد الحرس، وتلوح في الأفق بوادر عاصفة قريبة.

هنا تحدس «الرعية» بما فُطرت عليه الشعوب عند اشتداد الخطر وتأزم الأحوال من البحث عن «منقذ» ولو في عالم الغيب.. فما كان منها وهي العزلاء المُسلحة بإيمانها إلا أن وَلت وجهها صوب « شمس المساكين «في صلاة رتلتْها زاد الخير بخشوع يهز أعماق النفوس «بيتي أنا بيتك وما إلي حدا»..

أكانت ناطورة المفاتيح تتوقع أو تتنبأ بما سوف يفعله السوريون بعد أربعة عقود، حين واجهوا القصف الهمجي وتخلي العالم «المتحضر» عنهم، بنداء «مالنا غيرك يا الله»؟

وهل سينجح «شمس المساكين وساكن العالي» في لَي ذراع ساكن «القصر العالي» (فرعون في لغة مصر القديمة!) ؟ القصر لا ساكنه.. لسببٍ ما تركتْ المسرحية الجواب للتأويل. برهن ساكن القصر عن لا مبالاته بمصير «الرعية» وصار كمن أخذته العزة بالإثم قائلاً: «أنا بموّت مملكة وما بموت؟.. هذه الجملة «الإفتراضية» صارت واقعاً في أيام سقراط الثاني (عنوان مسرحية منصور الرحباني: آخر أيام سقراط).

لكن إدراك مغزى هذا المشهد يفترض الإشارة إلى أن زاد الخير رفضت «الرحيل» مع سكان سيرا، لأسباب تشرحها لبربر، فأصبحت»الرعية « لكي يستمر وجود المملكة والملك..

في ناطورة المفاتيح من المشاهد والمواقف ذات المغزى ما يغري بالإسترسال، وهذا ما أحاول تفاديه والإكتفاء بالمشهد الختامي.

يرضى الملك ببقاء الرعية زاد الخير طالما بقيت السلطة في يده، فيناديها ذات يوم لمعرفة حال الرعية فتعطيه صورة كئيبة لمملكة هجرها سكانها، فيتذرع بأنه لم يُقل لهم أن يرحلوا، ويتلقى الرد الحاسم: «ظلمك قال لهم» وتتابع الرعية حملتها ليدرك أن بقاءها أبقاه ملكاً، وأنها لن تبقى من دون عودة الناس إلى بيوتهم: «رح أحمل فقري وتعاستي.. وصوب أرض جديدة اتمشى.. وكل ما ببعُد مسافة عرشك بيغرق شبر لتوصل أنت للأرض وأنا للحرية..»

هنا تجلى أثر المبضع الرحباني الذي عالج غيبون من داء الإستبداد وجعله ملكاً دستورياً ينزل على إرادة الشعب، فيهتف مُطالباً بعودة الناس إلى بيوتهم:

«بدي ياهن.. شو بينفعني ملكي بلاهن.. هلأ لشفت حالي قشة على بيدر مهجور معول في حقلة متروك.. ياصحاب البيوت الملك جايه لعندكن يدق بوابكن. شحدوني كلمة حلوة».

يوم عُرضت ناطورة المفاتيح في دمشق تناولتْها أقلام « نقاد مُعلبين « منتشرين في وسائل الإعلام، آخذين عليها ضعف ثوريتها وميلها إلى المهادنة والإستسلام.. ما فات هؤلاء أن المسرح الرحباني يمقت العنف، وهو ليس حلبة مصارعة عنيفة كما كان يرجو الثورجيون.. والأكثر أهمية أنهم لم يفرقوا بين غيبون الذي يمّوت مملكة ولا يموت، وبين غيبون الذين يتسول كلمة حلوة من الشعب..

لو أن المستبد في مملكة سيريا قال للناس «كلمة حلوة»؟ هذا الحل البسيط البعيد عن العنف أما كان أبقى على حياة الملايين من القتلى والمصابين والمهجرين.. أليس هذا الدليل الحاسم على أن نية التدمير هي المتحكمة: أنا أو لا أحد.. غاب الرحبانيان وأمثالهما، وامتلأ الإعلام والثقافة بالعنفيين الموالين للغيبونيين المتفاقمين، بين المحيط – الهندي – وخليج البنغال -.

ثار مواطنو مملكة سيرا، في المسرحية، وأعلنوا العصيان المدني يوم أعلن غيبون (فرمان حصة الملك) أما في الواقع، فإن سكان مملكة سيريا لم يتحركوا يوم إنتقلتْ ملكيتُهم جميعاً- بالتوريث – إلى خليفة « فاتك المتسلط. ولو قلدَ السوريون السيريين وأعلنوا العصيان المدني مثلاً، لكانوا عجلّوا في إندلاع المجزرة عشر سنوات، ولكانوا اليوم في مرحلة جديدة، لكن ناطورة المفاتيح غُيبت وشهدتْ دمشق «صح النوم» بحضور الوريث والحاشية والحرس…

كلما أختليتُ بناطورة المفاتيح، في السنوات القليلة المنصرمة، كنتَ أفكر في وجوه التماثل بين مملكتي سيرا وسيريا، وهي موجودة فعلاً، لكنني أكتفي بوجه بارز من ملامح التناقض بين الواقع والمسرحية، تجلى في موقف غيبون «سيرا» الذي نجح علاجه من داء العنف، فتحول إلى ملك دستوري.. أما ملك سيريا، فهو يتشبث بالكرسي كما غيبون الفصل الأول من المسرحية.

هل يستشرف الفنُ المستقبل؟ ربما…

يبدو أنني وجدت أخيراً من شاهد المسرحية، وذلك أن الصحافي عبدالوهاب بدرخان وضع عنواناً لمقاله الأسبوعي في «الحياة 28 كانون الثاني / يناير».

أميركا تختار رحيل الشعب السوري بدل رحيل الأسد…

فهل شاهدت الولايات المتحدة ناطورة المفاتيح واستخلصت منها الدرس الذي أقامت عليه سياستها حيال مملكة سيريا..؟

كاتب سوري

======================

موقفنا : مقر المندوب السامي الروسي "حميميم" يصادر دور القصر الجمهوري .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

10/3/2016

من الجو إلى الأرض يطور المحتل الروسي لسورية دوره . وفي حين يرصد المتابعون المزيد من التناقضات أو التباينات الثنائية بين الأسدي والإيراني ، والأسدي والروسي ، والروسي والإيراني ؛ فإن المحتل الروسي يطور دوره ومهمته على الأرض السورية ، من إعلان سابق ينحصر في المشاركة العملية في حرب الإرهاب إلى مشروع الهيمنة المطلقة على الحياة العامة السورية في كل ميادينها العسكرية والسياسية والاجتماعية .

ليست الشكوى هذه المرة من (حرب شاملة ) يقودها المحتل الروسي ضد الهوية السائدة في سورية ، فتشارك طائراته في قصف كل القوى الثورية ، والتجمعات المدنية بما فيها المدارس والمساجد والمستشفيات والأسواق الشعبية والأحياء السكنية والتجمعات البشرية للاجئين والمشردين ؛ وإنما الحديث عن دور سياسي بات يلعبه مقر حميم الروسي على الأرض السورية ، يحار المرء في فهم كنه الموقف الأسدي منه ، وهو يحاول أن يتجاوز على مابقي لبشار الأسد وزمرته من دور ؛ ليتساءل المحلل الموضوعي : هل يقوم الروسي بهذا الدور المريب بالإرادة الأسدية الوالغة في الشر أو لعله يتم بعيدا عنها ، ورغم إرادتها ؟!

فبعد أن استقبل مركز حميميم ( مقر المندوب السامي الروسي ) الجديد في سورية منذ أيام ما يسمى ( وفد المصالحات الوطنية ) والذي يحاول الروس والأسديون من خلاله إحداث اختراق في المناطق المحررة والمحاصرة ، مستغلين الحالة الإنسانية للمواطنين المجوعين والمنهكين تحت تأثير الحصار هناك ؛ استقبل مركز المندوب السامي منذ يومين وفدا من مجموعة مكونة من أربعة وثلاثين شخصا يدعي كل منهم أنه (معارضة ووطنية ) ويريدون جميعا أن يشاركوا في حوار ( سوري – سوري ) لرسم مستقبل سورية .

الشخصيات ( الوطنية ) التي تزعم أنها ( معارضة ) تنسى أو تتناسى أن بشار الأسد وزمرته لم يكونوا يعترفون من قبل بأي شكل من أشكال المعارضة السياسية أو المجتمعية . وأن بشار الأسد نفسه قد سبق له أن أنكر وجود ( المجتمع المدني ) مصطلحا وواقعا ، واتهم العاملين في ميدان حقوق الإنسان بالعمالة وسجنهم وعذبهم ، فكيف يمكن أن تكون (معارضة وطنية ) في ظل حاكم يدعي أنه في الوطن الأول والآخر وما زال ...؟!

الشخصيات الوطنية السورية الأربعة والثلاثين تشكلت من حاملي سلاح يقاتلون تشبيحا عن بشار الأسد ومنتمين إلى عرقيات ومذاهب وطوائف يذكرنا بيانهم الذي تقدموا به إلى ( المندوب السامي الروسي ) في قاعدة حميميم ، بالمذكرة التاريخية التي سبق لأصحابها أن طالبوا المستعمر الفرنسي بالبقاء في سورية ليؤمن لهم الحماية فتكفل لهم حقا بالحماية التاريخية على النحو الذي رأينا وما زلنا نرى ...

كتبت ( الشخصيات الوطنية المعارضة ) في بيانها للمندوب السامي الروسي اليوم : ( إن الإرهابيين والمرتزقة الأجانب نكلوا كثيرا بالشعب السوري . واستشهد مئات الألوف من النساء والأطفال والشيوخ والشباب . وإن الاقتصاد السوري الذي بدأ بالازدهار أصبح في الحضيض . وإن الشعب تعب من الحرب . وإن الدولة أصبحت على حافة الانهيار .)

والمرجع في كل ذلك كما يرى هؤلاء اليوم حوار ( سوري – سوري ) يكونون طرفه الحقيقي . ودستور سوري جديد يكتبونه بالحبر الروسي . المطلوب من الروسي اليوم استكمال جميله عند هؤلاء بعد مشروع القتل والتدمير من الجو ، العودة إلى استئناف مهمة التدمير على الأرض ..

 

لندن : 1 / جمادى الآخرة / 1437

10 / 3 / 2016

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

حين يدق «مجلس التعاون» المسمار الرئيس في نعش «حزب الله» .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 6/3/2016

حين يدق «مجلس التعاون» المسمار الرئيس في نعش «حزب الله» منذ سنة، رفعت الإدارة الأمريكية اسم حزب الله، وإيران معه، من لائحتها الخاصة بالإرهاب! حصل هذا في وقتٍ بلغ فيه انغماس الحزب المذكور قمة غير مسبوقة في قتل السوريين على أوسع دائرة ممكنة من الأرض السورية، بعد أن كانت أفعاله قبل ذلك تقتصر على مناطق محددة بعينها.

ولكي نفهم هذه الظاهرة، ونفهم معها الأهمية الإستراتيجية لخطوة دول مجلس التعاون الخليجي في تصنيفه الحزب كمنظمةٍ إرهابية الأسبوع الفائت، يجب أن نعود إلى ملابسات التعريف الأمريكي للإرهاب، ومقاييسه.

فالتقرير الذي يُقدِّمه سنويًا مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية يقوم بشكلٍ حصري على إعداد «قائمة التحديات الإرهابية التي تواجه الولايات المتحدة». والمعنى الواضح والمباشر من ذلك يتمثل في أن الحسابات المتعلقة بمن يكون أو لا يكون على قائمة الإرهاب تتعلق حصرًا بتقديرات المصالح الأمريكية، حسبما تراها الجهات المختصة. وهذا يعني، فيما يعنيه، أن تهديد مصالح الدول الأخرى، بما فيها دولٌ يمكن اعتبارها حليفة في كثير من الأحوال، لا يدخل في حسابات تركيب القائمة المذكورة. أي أن على هذه الدول أن «تقلعَ شوكَها بأيديها» ولا تعتمد على ما يمكن أن يترتب على القائمة الأمريكية من قرارات وسياسات.

يجب الانتباه هنا إلى أن التقرير المذكور، المُقدَّم من هيئة استخباراتية كبرى في الدولة الأقوى في العالم، لا يمكن أن يعتمد على مجرد عملية إحصاء واستقراء من بعيد لحالة التنظيمات وتصرفاتها وعملياتها، فلو كان هذا الحال لأضحى حذف اسم حزب الله، وإيران، من القائمة في التقرير المُقدّم بتاريخ 26 فبراير من العام الماضي 2015 غريبًا وغير مفهوم. ببساطة، لأن التقرير نفسه أوردَ الحزب على قائمة التنظيمات الإرهابية عام 2014، وقَبلَها منذ عام 2011 باستمرار، مبررًا هذا بأن «نشاطه الإرهابي العالمي في السنوات الأخيرة زاد إلى مستوى لم نشهده منذ التسعينيات» بالحرف.

ماذا تغيَّر إذًا في سنةٍ واحدة؟ يَبقى التفسير مسؤولية الحكومة الأمريكية وأجهزتها، لكن الاستقراء المنطقي يُظهر أن حذف اسم الحزب، وإيران، من القائمة عام 2015 جاء في معرض ترتيباتٍ أكبر تتعلق بمُجمل التفاهمات الأمريكية مع إيران وأدواتها في المنطقة. وليس من قبيل المبالغة أن تكون ثمة تعهدات جدية، بكل مقتضياتها العملية، من قِبَل الحزب وراعيته، هي العاملَ الرئيسَ في هذا التغيير الغريب في الموقف خلال عامٍ واحد. توخيًا للدقة، يجب التنبيه إلى أن حزب الله لايزال يُعتبرُ إرهابيًا على القائمة التاريخية لوزارة الخارجية. ورغم أن من الواضح أن ثمة أسبابًا تكتيكية لوجود قائمتين أمريكيتين، إلا أن الوقائع تؤكد أن السياسات العملية المتعلقة بهذا الموضوع تُبنى وفق القائمة الأولى المذكورة أعلاه.

هناك مفارقة أخرى في هذا التقرير ينبغي دراستُها بدقة. ذلك أنه لم يأتِ أصلًا على ذكر حزب الله إلا مرةً واحدة، وجاءت الإشارة في معرض القول: إن الحزب يُواجه تهديدات من جماعات متشددة سنية مثل (داعش) و(جبهة النصرة). هذا مع الإشارة أيضًا إلى جهود إيران في محاربة «المتطرفين السنة»، ومن بينهم مقاتلو «تنظيم الدولة الإسلامية» الذين لايزالون يُشكلون «أبرز تهديد إرهابي على المصالح الأمريكية في العالم». حسب التقرير.

باختصار، كلٌ يبحث عن مصالحه في هذا العالم، حتى حين يتعلق الأمر بموضوع الإرهاب الذي يُجيَشُ العالَمُ للتوحد حول محاربته. من هنا، توجد للقرار الخليجي، والعربي، تبعات ودلائل كثيرة على المستوى الآني والاستراتيجي، وفيه رسائل يجب أن تصلَ إلى المعنيين.

فالحرب على الإرهاب في سوريا، والعراق وغيرهما، باتت رسميًا وقانونيًا تتضمن الحرب على حزب الله وعصاباته الموجودة فيها بأسماءٍ مختلفة، وهذا ما سيحصل عاجلًا أو آجلًا. والدولة التي ترعى، جهارًا نهارًا، تنظيمًا إرهابيًا، يجب ألا تتوقع سوى الردع والعقوبة بكل الطرق والوسائل. والدولة التي ترضى بأن يكون تنظيمٌ إرهابي أحد مكوناتها السياسية، يجب أن تُراجع كل ما له علاقة بالموضوع. وعشرات الآلاف الذين يأكلون من خير الخليج، ثم يُرسلون أموالهم لدعم منظمةٍ إرهابية بشكلٍ مباشر وغير مباشر، يجب ألا يلوموا إلا أنفسهم في مصيرهم القادم.

بل إن كل الحركات والتنظيمات التي تعمل في المنطقة، بشكلٍ مليشياوي، حتى لو كانت حركتُها مشروعةً الآن لسببٍ أو آخر، إلا أنها مدعوةٌ لإعادة النظر في طريقة عملها في المستقبل القريب قبل البعيد، حيث لم يعد ثمة مكان لمثل هذا النوع من الوجود الذي لا يحفظ أمنًا ولا يُوفِّر استقرارًا للشعوب، ولا يؤدِّي إلا إلى الفوضى الشاملة. ومن المنطقي للجميع التركيز على مفهوم (الدولة) كهيكلٍ سياسي ناظمٍ لحركة المجتمعات، وهو ما يضعُ، بدورهِ، مسؤولياتٍ كبرى على الدول نفسها لترتقي إلى القيام بمقتضيات هذا الدور

======================

كل هذه الفروع الأمنية في سورية .. هيفاء بيطار

العربي الجديد

الاحد 6/3/2016

يُمكن، بكل بساطة، وبلا ذرّة مبالغة، تأليف موسوعة عن أنواع الفروع الأمنية في سورية، حتى أن بعضهم يتباهى بعدد الفروع الأمنية التي يعرفها وبتصنيفها. وإذا كانت سورية دولة أمنية بامتياز، فإن كلمة أمن التي من المُفترض أن تحرك مشاعر الطمأنينة والأمان في النفوس، فإنها على العكس تجعل المفاصل تتقصف ذعراً، إذ يكفي أن تخبر أحداً أن عناصر من الأمن سألت عنه، حتى تظهر عليه أعراض السكتة القلبية من شحوب وضيق تنفس وتعرق بارد. ويروّعك التناقض الفظيع في عمل الفروع الأمنية وعدم التنسيق على الإطلاق فيما بينها. وخير دليل الأمثلة الحية، شخص يملك محلاً تجارياً متواضعاً، سُجن تسع سنوات بتهمة انتمائه إلى رابطة العمل الشيوعي من عام 1990 إلى 1999، وكان في التاسعة عشرة من عمره لما سجن. هو حالياً متزوج، ولديه أطفال، وأراد أن يشتري بيتاً في مدخل مدينة اللاذقية. وبما أن كل شيء، حتى الشهيق والزفير، يتطلب الموافقة الأمنية، فقد قوبل طلبه بالرفض، ولم تسمح له الجهة الأمنية المُختصة بشراء البيت، لإيواء أسرته التي تعيش في ظروف قاسية، ولم تفسر له السبب. وكانت جهة أمنية أخرى، لها حسابات أخرى، قد رضيت أن تعطيه جواز سفر. كيف يتم التنسيق، أو على الأدق اللا تنسيق، بين الأجهزة الأمنية السورية؟ الله أعلم. كيف يمكن لجهة أمنية أن تمنع مواطناً من حقه بشراء منزل، وجهة أمنية أخرى تعطيه الحق أن يملك جواز سفر.

مثال آخر، قضى صديق عشر سنوات في السجن في التسعينيات، بتهمة عمله في حقوق الإنسان، وهذه تهمة في سورية، وتكفي عبارة تمويل خارجي، حتى يشعر السوري نفسه أنه سقط في هاويةٍ لا قرار لها. أنجب الرجل طفلاً قبل السجن، وطفلة بعد السجن، ثم تقدم بطلبٍ إلى الجهة الأمنية المختصة لحصوله وأسرته على جوازات سفر. تمت الموافقة على إعطائه جواز سفر، بعد محاولات عديدة، لكنهم منعوا، وبإصرار شديد، حصول زوجته على جواز سفر خاص بها. وممنوع عليه أن يسأل عن الأسباب. وأكاد أجزم أن عقل السوري يستحيل أن يُصاب بالزهايمر، لأنه مُنشغل دوماً بحل الألغاز، فعمل المخ خير محفز لصحة الدماغ.

ثمة نوع متطور ومتخصص أيضاً من الأجهزة الأمنية، فحين زرت البحرين، قبل أربع سنوات، بدعوة من وزارة الثقافة، كنت وقتها ممنوعةً من السفر، لسببٍ أجهله، ربما بسبب مقال كتبته، ولم يرض عنه الرقيب، أو بسبب تقرير أمني كُتب بحقي. وفي سورية، يُمكن إهمال كل شيء عدا التقارير الأمنية، لكنني تمكّنت من السفر إلى البحرين، بمساعدة إنسانة راقية ووجدانية، تعمل مع النظام. ولما عدت، استدعيت إسعافياً إلى جهاز أمن الدولة، وقدمت لي أوراق كبيرة، لأكتب بالتفصيل المُمل كل خطوة، وكل كلمة قلتها في البحرين. وأحسست بالذل، ولا شيء غيره، ذل نقي صاف صفاء المرارة المتورمة من القهر.

وثمّة فروع أمنية متخصصة بمنع معارضة الداخل من السفر، وهذه الحقيقة تصيبك بالبلاهة. إذ كيف يمكن لمعارضين داخل سورية أن يكونوا ممنوعين من السفر، وأين شعارات المصالحات الوطنية والحوارات البناءة إلى ما هنالك؟ أية ألغاز على العقل السوري أن يحلها، لكي يفهم كيف تعمل الأجهزة الأمنية، كل واحدةٍ على حدة. وإلى متى سيظل المواطن السوري يتقصف ذعراً من مفردة أمن، وأن يُصاب برهاب حواجز التفتيش، وخصوصاً السفر إلى لبنان أو تركيا؟ ولماذا على كل سوري حضر مؤتمراً أن يقدم تقريراً عن كل كلمة وكل تصرف حصل في المؤتمر، هل المواطن السوري قاصر أو خائن، أو لا يستحق كرامته بوصفه مواطناً؟ وبما أن الحديث الدارج، هذه الأيام، هو المصالحات الوطنية، فيا ليتها الأجهزة الأمنية تبدأ بالمصالحات فيما بينها، وأن تضع لنفسها خطة عمل واحدة، أساسها احترام كرامة السوري وحريته، وألا يكون مُتهماً حتى يثبت العكس، وأن تعيد إلى مفردة أمن معناها الحقيقي.

======================

ثورة تتقدّم .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 6/3/2016

لن ينجح الروس والإيرانيون والنظام الأسدي في إعادة الوضع السوري إلى ما كان عليه، قبل منتصف مارس/آذار من عام 2011، شهر بدء ثورة الحرية التي تقدم يومياً دلائل تفيد بأنها غيرت أشياء كثيرة في سورية، وخصوصاً ما تتعين به مواقف الإنسان وأفكاره، وتلخصه نظرته إلى نفسه وأوضاعه في ضوء حريةٍ غدت مشروعه الشخصي الذي يريد تحقيقه بقدراته الذاتية، ويربط به وجوده، ومجمل علاقاته الفردية والعامة، وحياته نفسها.

في الثورات الأصيلة، يعبر مشروع الحرية عن نفسه في ظواهر عديدة، منها أولاً توسيع المجال العام وتجديده، بحيث تنضم إليه قوى وفئات اجتماعية وسياسية، كانت مهمشة أو مستبعدة عنه، أو محدودة الحضور والتأثير فيه، ويتغير الشأن العام بدخولها إليه، وبما تقدمه له من رؤى، وتمارسه فيه من أدوار مغايرة لما هو سائد، على الصعد السلطوي والسياسي والمجتمعي والثقافي/ الفكري. ومنها ثانياً، تغيير مكانة الفرد من الواقع، بمختلف تجلياته، وتحويله من منفعل به إلى فاعل فيه، لا يفتأ يبدله إلى واقع يتعين أكثر فأكثر بأفكاره وممارساته.

ومع أنه من المبكر جداً الحديث عن المآل النهائي للمجال العام السوري بعد الثوري، فإنه يمكن الجزم أننا نشهد يومياً بعض التقدم نحوه، عبر دخول قوى وتيارات سياسية إليه، لم تكن فيه وليست منه بالأصل، أو أنها كانت تمارس داخله دوراً يُجافي مصالحها، يتم بدلالة خطط ومصالح وأفكار ليست لها، ولا تعبر عنها، أدخلت إليه لتكون أداةً بيد قوى مسيطرة أو سائدة، كما في نظم الاستبداد التي تستخدم أدوار جميع الفئات السياسية والقوى الاجتماعية لصالحها، وليس لصالح المنتسبين إليها.

هناك علامات تشير إلى المنحى الذي يؤكد أننا في ثورة، وأن رهانات الحرية ما زالت رهاناتنا، وفي متناول أيدينا، على الرغم مما شهده حراكنا المجتمعي والسياسي من انحرافات أصولية متنوعة وضغوط أسدية متواصلة. من هذه العلامات ما تعيشه قرى ومدن سورية من مظاهراتٍ يوميةٍ، تطالب بالحرية وإسقاط النظام، ومنها ما عاشته بلدة عربين في الغوطة الشرقية من انتخاباتٍ لاختيار مجلسها المحلي، قالت شهادات كثيرة إنها جرت في أجواء حرية مطلقة، وتنافس نزيه، على الرغم من قصف البلدة المستمر وحصارها التجويعي. يلفت النظر أن العسكر وافقوا على منع ترشيح أي منهم لعضوية المجلس الذي اعتبروه، في الوقت نفسه، معبراً عن سيادة الشعب، وبالتالي، مرجعيتهم السياسية والأخلاقية الرسمية التي يلتزمون بأوامرها وقراراتها. ومن هذه العلامات تشكيل هيئة نسائية ضمن المجلس المحلي لبلدة الأتارب التي توصف عادةً بـ "المحافظة"، هي الأولى من نوعها على مستوى سورية. وقد وصف رئيس مجلس البلدة هذه الخطوة بـ "الرائعة والمميزة"، بما أنها أوصلت المرأة إليه، لكي تتولى شؤون النسوة ومعالجة مشكلاتهن. هنا، أيضاً، اتسمت الانتخابات بالحرية والتنافس النزيه، ومثلت المرأة فيها منظمتا مجتمع مدني، هما "شبكة أمان" ومبادرة "أنا هي".

افتقرت الثورة السورية إلى مخططٍ يحدد خطواتها بصورة مسبقة، فتولت الوقائع تعليم السوريات والسوريين ما عليهم فعله، للانخراط في مجال عام جديد، وفره صمودها خلال سنوات خمس، تذلل صعوباتها في أيامنا إرادة الحرية، وما تدفع السوريين إليه من حلول جديدة لما يواجهونه من مشكلاتٍ، كان الاستبداد يمنعهم من التصدّي لها. وها هم يتولون أمرها، وهم ينفضون نيره عن كاهلهم، في أفكارهم وقيمهم التي تجعل منهم حكاماً محليين، تقول أفعالهم إنهم سيكونون حكام وطنهم، بعد انتصار ثورة الحرية التي تغير شروط وجودهم، وتعلمهم أنه صار رهانهم الخاص، وأن عليهم تعيينه بجهودهم الشخصية، ليكون مشروع حياة متجددة، هي ما نسميه الثورة.

======================

وقف إطلاق النار بين الخيبة والأمل .. أكرم البني

الحياة

الاحد 6/3/2016

هو حدث مهم التوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في سورية بعد سنوات من عنف دموي ومدمر، والحدث الأهم هو صموده النسبي حتى الآن، إن كان مجرد هدنة موقتة أم وقفاً للأعمال العدائية، ويبقى أن ثمة أسباباً ومعوقات تجعل الأمل ضعيفاً في أن يغدو هذا الاتفاق فاتحة لوقف الصراع نهائياً ووضع البلاد على سكة المعالجة السياسية.

أولاً، أن ينجم اتفاق وقف إطلاق النار عن إرادة دولية أساسها التوافق بين واشنطن وموسكو، يثير الشكوك حول فرص نجاحه وثباته ما دام يرتهن إلى درجة صدقية هذا التوافق ومدى جدية الطرفين في إجبار حلفائهما المحليين على تنفيذه، فكيف الحال مع غموض آليات مراقبته وتحديد الجهة المسؤولة عن خرقه ووسائل محاصرتها وردعها؟ يزيد الأمر تعقيداً التباين اللافت في تحديد ماهية الجماعات التي لا يشملها الاتفاق وتوصف بالإرهابية، ثم وجود نيات مضمرة لدى الراعين، ليس في الإصرار على إنجاح الاتفاق ومعالجة مثالبه ونواقصه، بل للتصعيد وخلق بدائل حربية في حال فشله، أوضحها استمرار الضربات الروسية لمحاصرة بعض أطراف المعارضة المسلّحة، ثم التهديد الأميركي بالانتقال إلى «الخطة ب» للتدخل في مجرى الصراع السوري، هذا ناهيكم عن حضور قوى إقليمية ليست لها مصلحة في إخماد بؤرة التوتر السورية، بل يهمها إذكاء الصراع عبر تمويل الأطراف المتنافسة وتشجيعها لخرق الاتفاق وخلق ذرائع تطيح فرص التهدئة، ولا تخفى على أحد تجارب مريرة في المنطقة لعب فيها التدخل الإقليمي دوراً نافذاً في تسعير الصراعات المحلية ومنع الوصول إلى حلول ملموسة في شأنها.

ثانياً، يتقدم في خصوصية الصراع السوري احتمال تحويل وقف النار من بعض الأطراف التي يغريها منطق الغلبة وما تحققه من تقدّم على الأرض، إلى ورقة لربح الوقت كي تمعن في سياسة الحصار والإخضاع وتتوغل أكثر في الفتك والتنكيل لتحسين مواقعها الميدانية، بخاصة أن أهم القوى المتصارعة لا تزال تراهن، وإن بدرجات متفاوتة، على الخيار العسكري لكسر إرادة الآخر، إن من جهة نظام أدمن رفض تقديم التنازلات السياسية ويحلم بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء وتحقيق انتصارات يستعيد بها السيطرة على البلاد، وإن من قوى وجماعات نمت على هامش سنوات الحرب المتواصلة ولا مصلحة لها في وقف إطلاق النار والخضوع للمسار السياسي، وستفعل ما في وسعها لإفشال هذا الخيار، والقصد أن طول أمد الصراع وتداعيات الحصار والعقوبات الاقتصادية خلق ما يسمى اقتصاد حرب، بات يسيطر على مجريات الحياة، ويدار ممن تصحّ تسميتهم بأمراء حرب يتعزز نفوذهم وامتيازاتهم من استمرار العنف ووأد فرص التسوية والسلام، وتعزز هذا الواقع الطبيعة المعقدة والمتفردة لبعض مراكز القوة لدى النظام والمعارضة المسلّحة وتعدد مرجعياتها، ما يكشف مروحة واسعة من الأسباب المحلية التي تؤدي إلى إفشال أي هدنة وإطالة أمد الاقتتال.

ثالثاً، صحيح أن استمرار الاستعصاء العسكري يعتبر دافعاً رئيساً لوقف العنف ولغة السلاح، ربطاً بتوصل غالبية الأطراف المتصارعة، وإن على مضض، إلى قناعة باستحالة تحقيق نصر حاسم، وصحيح أن وقف إطلاق النار لن يكون مقبولاً ومستداماً إلا بتوفير الشروط السياسية الضرورية لاستمراره والمستندة إلى صيغة عادلة للحل تلبي مطامح الناس في التغيير وإقامة مؤسسات ديموقراطية واعدة، الأمر الذي يقع على عاتق المفاوضات المرتقبة في جنيف وقدرة الأطراف الفاعلة فيها على دفع العملية السياسية إلى الأمام، لكن الصحيح أيضاً أن ما قد يعزز وقف النار في الخصوصية السورية هو فصل الملف الإنساني والإغاثي عن الملف السياسي، والبدء بإلغاء توظيف معاناة الناس لربح بعض النقاط، واعتبار مصير البشر وشروط حياتهم، مسألة أعلى وأنبل من الغايات السياسية لأي طرف في الصراع، وإذ نعترف بوجود عقبات متنوعة تعترض هذا الخيار، نعترف أيضاً بأن النجاح في الفصل بين المفاوضات حول أسس نظام الحكم القــادم وبــين تقدم الملف الإنساني، كالشروع في فك الحصار عن مناطق محاصرة منذ مدد طويلة وإيصال المساعدات الغذائية والدوائية لها وكشف مصير المفقودين وإطلاق سراح المعتقلين، يمكنه أن يأتي بمناخ جديد ينعش بعض الأمل عند من يقاسون الأمرّين من فظاعة الصراع ودمويته، ويثير الثقة بجدوى التهدئة وخيار المعالجة السياسية، والقصد أنه ثبت في كثير من الصراعات الأهلية أن التركيز على الوجه الإنساني وضمان تنفيذ القرارات المتعلّقة بالملفات الإغاثية، بما في ذلك القدرة على توفير الخدمات وتحسين شروط الحياة، يعتبر دافعاً قوياً لأطراف النزاع للتهدئة والتواصل، ويفتح الباب تالياً لتفعيل دور قوى واسعة من المجتمع متضررة من استمرار منطق السلاح وهيمنة لغة القوة، بما في ذلك تمكين جهات من المجتمع المدني لتضطلع بدور أكثر أهمية في دعم وقف مستدام لإطلاق النار، ما دامت تستطيع التواصل مع مختلف الأطراف الداخلية الفاعلة والتوسط في ما بين.

أخيراً، وعلى رغم مرور سنوات من العنف المفرط والدم والخراب، تلمس لدى عموم السوريين توقاً شديداً الى الخلاص مما هم فيه ورغبة عارمة في وقف القتال وإحلال السلام، تحدوهم دوافع قوية لتمكين اتفاق وقف إطلاق النار القائم، وتشديد المطالبة بالجدية والصدقية في تنفيذه، وإدانة كل من يخرقه أو يتجاوزه.

والحال هذه، وبعيداً من تشاؤم العقل، ينتعش بعض الأمل بأن يشكل اتفاق وقف إطلاق النار الساري، فرصة لتخفيف حدة الاستقطاب وذاك التفشّي المفزع للغة الحقد والإلغاء، وربما لاستعادة شيء من العقلانية التي دمّرها منطق الحرب، بخاصة مع تنامي اقتناع بعبثية استمرار القتال وبأن الجميع سيخرج خاسراً منه، والأهم فرصة لاجتراح حل سياسي يحاصر جماعات التطرف والإقصاء ودعاة العنف والغلبة، ويمهد لإنقاذ سورية وشعبها المنكوب من دوامة الفتك والتنكيل والخراب.

======================

روسيا أمام امتحان الهدنة وتحدّي السلام .. برهان غليون

العربي الجديد

السبت 5-3-2016

على الرغم من كل ما يقال في الأوساط الدبلوماسية التي كانت تصطف في لحظة ذعرٍ سابقة وراء أطروحة الحفاظ على الأسد كأفضل الشرّين مقابل داعش، ليس هناك أحد، بما في ذلك طهران، المدافع الأول عن نظام دمشق، يعتقد بالفعل أن من الممكن وقف الحرب السورية مع الإبقاء على الأسد. المشكلة كانت، ولا تزال، كيف يمكن إزاحته، قبل التفاهم بين أصحاب المصالح الرئيسية والدول الفاعلة على مرحلة ما بعد الأسد.

بمعنى آخر، قبلت جميع الأطراف الدولية والإقليمية أن يستمر نزيف الدم السوري، وأن يضحّى بالسوريين، بانتظار أن تضمن كل الأطراف مصالحها في سورية المستقبل. ولأن هذه المصالح متناقضة ومتنافية، استمر القتال، مع ترديد جميع الأطراف، في وجه خصومها، شعاراً واحداً تبرّر به حربها وتدعو الآخرين إلى التراجع: ليس هناك حسم عسكري، ولا مخرج، إلا بالحل السياسي. لكن، في الواقع، جميع الأطراف تسعى إلى تغيير ميزان القوى، قبل أن تقبل بالدخول في أي مفاوضات جدية. أما الأسد فكان، ولا يزال وسيبقى، لا يفكر بشيء آخر سوى سحق أعدائه واستعادة مملكته الوراثية، معتقداً، عن حق، أنه مهما كان الحل السياسي القادم فسوف يكون لا محالة على حسابه، ولن يكون حل من دون خروجه حياً أو ميتاً من المسرح.

بيان فيينا ثم إصدار قرار مجلس الأمن رقم 2254 بتوافق جميع الأطراف، أظهر كما لو أن شرخاً ما حصل في هذه الحلقة المفرغة، أوحى للجميع بأن دورة جديدة من مفاوضات الحل السياسي يمكن أن تبدأ، أو أن الشروط لإطلاقها أصبحت جاهزة. منذ التدخل العسكري الروسي الواسع والمباشر في الحرب. وهذا ما بعث بعض التفاؤل في أوساط الرأي العام، ويمكن أن يخلق زخماً ما لو ثبتت الهدنة التي أعلنت في 27 من فبراير/ شباط 2016، ويكمن وراء هذا التغيير التفاهم الأميركي الروسي الذي يضمر وجود إرادة مشتركة لوضع حدٍّ للحرب الداخلية السورية، أو على الأقل، لتغيير قواعد اللعبة الحربية المستمرة منذ خمس سنوات، يقود إلى تخفيف حدة العنف، وتقليص النتائج المدمرة لاستمرارها على البيئة الإقليمية والدولية.

في هذا المستوى من التحليل، هناك من دون شك فرصة للتقدم نحو عمليةٍ سياسيةٍ جديدةٍ أكثر حظا من سابقاتها جنيف 1 و2، لأن جميع الأطراف المعنية المحلية والإقليمية مضطرة للمشاركة فيها، حتى لو أنها ليست مقتنعة بها، ولأن روسيا التي عرقلت العملية السياسية في السابق هي اليوم العراب الرئيسي لجنيف 3، بمشاركة واشنطن ومباركتها.

وهناك، من دون شك أيضاً، مصلحة كبيرة لروسيا في إنجاح المهمة التي أوكلت لها، والدفع

"روسيا التي أوكل إليها دور رعاية الحل السياسي لا تملك أي رصيد إيجابي في مسألة الاستجابة لتطلعات الشعوب" بعمليةٍ قد تفضي إلى الخروج تدريجياً من الحرب. فليس من مصلحتها الغرق في مستنقع حرب عصاباتٍ لا تنتهي، على الطريقة الأفغانية، كما أن موسكو تدرك أن هذه فرصتها الكبيرة لتبسط نفوذها في المشرق الذي كانت على وشك أن تطرد منه، وأن تتحول من قوةٍ خارجيةٍ مهمشةٍ إلى القوة الإقليمية المهيمنة التي تملك بين يديها مفتاح إعادة تنظيم العلاقات بين دول المنطقة وترتيب أوضاعها، بمقدار ما أصبحت الدولة الوحيدة التي تملك علاقاتٍ قويةً مع جميع الأطراف المتنازعة والمتنافسة العربية والإيرانية. وإذا نجحت في تجميد النزاع الإقليمي وتحقيق الحد الأدنى من الاستقرار في منطقةٍ ملتهبة، ستتحول إلى مركز استقطاب، وتقطف ثمار تقرب جميع الدول في الإقليم منها والمراهنة عليها والاعتراف بها دولة عظمى مشاركة في صنع أجندة السياسة الدولية، بعد أن كانت مهمشة تماماً. يُضاف إلى ذلك أن الروس الذين أنقذوا المشروع الإيراني من الفشل ونظام الأسد من الانهيار يملكون وحدهم وسائل الضغط الكافية، إذا أرادوا، لإجبار الطرفين على التأقلم مع المطلب الدولي في تحقيق الهدنة، ثم الانتقال إلى عملية سياسية. لا يشذ عن ذلك إلا تركيا التي ستبدو الخاسرة الرئيسية في هذه التسوية الروسية الموعودة.

المشكلة الأولى في هذا التغيير الحاصل من حول القضية السورية هو أن باعثه ليس تحقيق تطلعات الشعب السوري التي تدخلت جيوش وقوى إقليمية ودولية عديدة لقطع الطريق عليه، ولا حتى السعي إلى تخفيف معاناة السوريين، بالرغم من احتمال أن يكون ذلك من آثارها. الحافز الحقيقي لذلك هو خوف الغربيين والروس معا من مضاعفات استمرار الحرب على مصالحهم الاستراتيجية، سواء ما تعلق منها بتجذر الإرهاب وانتشاره وتمدده في اتجاهها، وقد عانى بعضها منذ الآن من التفجيرات الإرهابية، أو بتفاقم أزمة اللجوء التي تهدد بتقويض التفاهم الهش أصلا داخل الاتحاد الأوروبي وبدرجة ثالثة الضغط المتزايد لدول الخليج العربي التي تشعر بالتهديد المباشر على أمنها الوطني والإقليمي. وهذا يعني أن المقاربة الدولية للحل سوف تكون مرتبطةً بشكل أكبر بتحقيق هذه الرهانات الإقليمية والدولية الجيوسياسية، بصرف النظر عن مصالح السوريين ومستقبل سورية نفسها، أو ربط هذه المصالح الأخيرة بأجندة الحل الدولية. بل من الأغلب أن تتم على حساب سورية والسوريين سواء بالذهاب نحو نوع من التقسيم السياسي الذي يشرعن تقاسم مناطق النفوذ بين الدول، أو التقسيم الطائفي الذي يضمن للجميع التدخل للتحكم بمستقبل البلاد ومصيرها.

المشكلة الثانية أن روسيا التي أوكل إليها دور رعاية الحل السياسي لا تملك أي رصيد إيجابي في مسألة الاستجابة لتطلعات الشعوب، بل ربما كانت من أكثر الدول عداءً لها، وأن معالجتها هذا النوع من الثورات، أو التحولات الاجتماعية، تكاد تقتصر على اللجوء إلى العنف واستخدام القوة. وما من شك في أن مثل هذه المقاربة المغرقة في الرجعية والمحافظة، والتي تركّز في جوهرها على الحفاظ على مؤسسات النظام، أي في الواقع على نظامٍ ومؤسساتٍ، كان فسادها السبب في الانفجار والأزمة الراهنة، ستشكل العائق الرئيس أمام تقدم العملية السياسية، وربما مقتلها. والسبب أن موسكو، حتى لو تمكّنت بالضغط العسكري من دفع المعارضة والدول الداعمة لها إلى الانخراط في المفاوضات، إلا أن رؤيتها تفتقر إلى البصيرة التي يحتاجها التوصل إلى تسويةٍ متوازنةٍ، توفق بين تطلعات الشعب السوري الذي قدّم أعظم التضحيات في السنوات الخمس الماضية، ومصالح الأطراف الإقليمية والدولية التي ساهمت في الكارثة التي حلت به، بما فيها روسيا نفسها. كما أنها تفتقر إلى المرونة الكافية للتعامل مع قوىً سورية مشتتة، نظامية وغير نظامية، تابعة للدول أو مستقلة عنها. بالإضافة إلى أنها تفتقر للروح الإبداعية الضرورية لصوغ التوافقات الممكنة بين المصالح والرهانات المتباينة والمتناقضة والمتداخلة. وعلى الأغلب، سيحتاج الوضع إلى وقت طويل، قبل أن تدرك روسيا نقائص مقاربتها، في ما لو حصل وأدركت ذلك، وأن تتقدّم باقتراحاتٍ إيجابية قادرة على فكفكة العقد القائمة، وإعادة ترتيب الوضعين، الداخلي والإقليمي.

والمشكلة الثالثة موقف روسيا المسبق من نتائج مفاوضات التسوية السياسية، والذي يدفعها إلى

"وقف الحرب وإحلال السلام في سورية والمنطقة لن يتحققا إلا بالاعتراف بأسبقية مصالح السوريين، المعارضين والموالين، التي يتقدمها تفكيك نظام الرق والعبودية والانتقال نحو نظام ديمقراطي" تبرير الاستمرار في الحسم العسكري، أو في تحقيق تغيير جذري في ميزان القوى على الأرض، من أجل فرض وجهة نظرها القائمة على مبدأ تعزيز وضع النظام، وإجبار المعارضة على الاندماج به من خلال حكومة وحدةٍ وطنيةٍ، ضماناً لمصالح الدول التي تعتقد خطأ أن نظام الأسد هو آخر حاجز أمام توسع الإرهاب وانتشاره وسيطرة منظماته. والحال، لا يمكن لمصير الهدنة أن ينفصل عن إطلاق عمليةٍ سياسيةٍ ذات صدقية تنظر إلى مصالح جميع الأطراف، وتدرك مركزية الرهانات القائمة وراء تضحيات السوريين واستبسالهم. ولن يكون من الممكن إطلاق مثل هذه العملية، ما لم تتوقف جميع الأطراف، وليس طرفاً واحداً عن التفكير في الحسم العسكري، أو في تغيير أساسي لميزان القوى على الأرض. ولا يهم ما إذا كان الساعي إلى هذا الحسم بشار الأسد أو الرئيس بوتين. ففي حال استمرار بعض الأطراف في سياسة الحسم العسكري، لن يعني قبول الأطراف الأخرى بها سوى تحييد نفسها، وإخراجها من الصراع، والمقصود هنا بشكل خاص فصائل الجيش الحر.

مهما كانت قوة موسكو وقدرتها على المبادرة، لن يكون من الممكن تحقيق أي تقدم في العملية السياسية، وقبل ذلك في وقف إطلاق النار، قبل أن يدرك الروس أنه لا يمكن إنهاء الحرب السورية فقط من خلال التوصل إلى تسويةٍ، لا تأخذ في الاعتبار سوى مصالح الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة فيها. وأن وقف الحرب وإحلال السلام في سورية والمنطقة لن يتحققا إلا بالاعتراف بأسبقية مصالح السوريين، المعارضين والموالين، التي يتقدمها تفكيك نظام الرق والعبودية والذل والانتقال نحو نظام ديمقراطي، ومؤسسات قانونية، ودولة مدنية تخضع لحكم القانون، وتساوي بين جميع مواطنيها وتتعامل معهم من منطق الاحترام والسيادة، وتضع نفسها في خدمتهم، بدل أن تجندهم لتحقيق مصالح طغمة صغيرة تعمل وسيطاً لخدمة مصالح الدول الأجنبية على حساب مصلحة شعبها وضد تحرر أبنائه وانعتاقهم.

الاعتقاد بأن حرباً ضروساً أزهقت أرواح أكثر من نصف مليون سوري يمكن أن تنتهي من دون تحديد المسؤوليات ومعاقبة الجناة مهما كانوا، أو أن السلام والمصالحة الإنسانية والوطنية يمكن أن يعودا من دون مساءلة أحد.

فكما أن الحرب لا يمكن أن تنتهي بالتوصل إلى تسويةٍ تقتصر على توزيع مناطق النفوذ والمصالح بين الأطراف الإقليمية والدولية، وتتجاهل مصالح الشعب السوري وحقوقه، كذلك لا يمكن للسلام الأهلي في سورية أن يتحقق إذا أصرّت موسكو على تجاهل مبادئ المساءلة والعدالة وتطبيق القانون. هذا هو الطريق الوحيد الذي يمكن أن يخرج سورية من محنة الحرب، ويضعها على طريق التفاهم والتعاون والازدهار.

======================

داريا، وردة الحياة في وجه الموت .. رشا عمران

العربي الجديد

السبت 5-3-2016

اسمها يعني، بالسريانية القديمة، الدور الكثيرة العامرة. بلدة قديمة قدم دمشق، تقع وسط الغوطة الغربية، وربما هي أكبر بلدات الغوطة ومدنها. كان أهل دمشق يعرفونها جيّداً، يعرفون جوامعها وكنائسها، يعرفون التنوع في سكانها، مثلما كانوا يعرفون خيرها وخيراتها. كانت داريا المصدر الأول لخضار وفاكهة الأسواق الدمشقية العريقة، مثلما أصبحت لاحقاً مصدراً للمفروشات الخشبية للطبقة الوسطى في دمشق. مع ذلك، ثمّة ما كان مجهولاً لغالبية السوريين عن داريا، ولا تعرفه سوى قلة تشتغل بالشأن المدني المحظور عقوداً، عملت مجموعة من شبابها وشاباتها، قبل بدء الثورة بسنوات، على تشكيل نواةٍ لمجتمع مدني في البلدة، تنظيف شوارعها وتنظيمها، إقامة مكتباتٍ صغيرة وندوات للقراءة والسينما وحلقات للنقاش، نشاطات ترفيهية للأطفال، تتلمذت هذه المجموعة على نهج المفكر الإسلامي السوري، جودت سعيد، مؤسس تيار الإسلام السلمي اللاعنفي الذي يعتبر أن لا حل للإسلام سوى بدول ديموقراطية، تحترم حقوق الجميع، أسوة بالدول الغربية. في دعوته، كان ثمة ما يشير إلى ضرورة فصل الدين عن الدولة، لكي يبقى الإسلام محافظاً على روحه السمحاء النبيلة، كثيرون من شباب داريا وشاباتها آمنوا بهذا النهج، وعملوا على تطبيقه في بلدتهم على نطاق ضيق. اعتقل كثيرون من نشطائها في بداية الألفية الثانية، وحرم كثيرون منهم من حقوقهم المدنية.

لهذا، عندما بدأت الثورة، خرجت داريا، في أولى المظاهرات السلمية التي كانت مثالاً ناصعاً ومبهجاً عن شكل الثورة السورية، يتذكّر الجميع مظاهرتها الأولى في 25 مارس/ آذار 2011، والتي أعقبتها مظاهرات كانت تخرج كل يوم جمعة في سورية. يتذكّر الجميع أيضاً يوم الجمعة العظيمة، والمظاهرات التي عمت سورية. يتذكّرالجميع كيف حمل المتظاهرون الورود وزجاجات المياه، وتقدّموا بها إلى جنود النظام وشبيحته الذين كانوا يحاصرون البلدة، في بادرة حسن نية من ناشطي داريا السلميين، تقول، على غرار ما قاله المصريون في ميدان التحرير وقتها "الجيش والشعب إيد واحدة"، غير أن اليد الواحدة انقسمت، وامتد جزء منها بالبطش والموت على الجزء الآخر. سقط من شباب داريا يومها سبعة شهداء، ليكونوا فاتحة الدم فيها، وفاتحة العنف غير المسبوق الذي قوبلت به سلميتها الرائعة، والذي استمر بحصار البلدة وانتشار الحواجز الأمنية فيها، وقطع الاتصالات عنها، واعتقال معظم نشطائها السلميين وتصفيتهم، بدءاً بالشاب المعتز بالله الشعار الذي تمت تصفيته على أحد الحواجز في الأول من مايو/ أيار، ثم لتطال يد البطش الجميع، في مقدمتهم الناشطين، أسامة نصار ويحيى الشربجي الذي قال: "أن أكون مقتولاً خير من أكون قاتلا"، لترتفع وتيرة العنف مع اعتقال الناشط غياث مطر، صاحب فكرة حمل الورود، وإعادته جثة مشوهةً إلى عائلته بعد أربعة أيام من اعتقاله. ومع بدء تسليح الثورة، دخلت داريا كغيرها في هذه الموجة، على أن الفكر المدني السلمي ظل موجوداً بقوةٍ فيها. مع السلاح، أصدر ناشطو داريا مجلة "عنب بلدي"، وهي فاتحة المطبوعات الثورية في المدن والبلدات الثائرة، واستمروا في نشاطهم المدني في قلب البلدة، واستطاعوا بإصرارهم تخفيف حدة التطرف الذي كان ينتشر كالنار في البلدات الثائرة. حيّدت داريا قليلاً عن نهج التطرف، وظل حراكها المدني فعالاً، وكلما ظهرت رايةٌ سوداء فيها، كانت تخفض سريعاً ليظهر علم الثورة من جديد، ما كان يثير جنون النظام السوري الذي كان يعمل على انتشار السلاح العشوائي والمتطرّف، ليسد ذرائع جرائمه. هذا الإصرار على المدنية في داريا، عرّضها لاقتحاماتٍ متواصلة، ولقصف الطائرات وبراميل الموت، ولجنون إجرام الدولة المنظم. وإلى اليوم، مازالت داريا تخوض صراع بقائها، كما أراد لها شبابها، الراحلون منهم والباقون، صراع البقاء في وجه الموت، وصراع المدنيّة في وجه التطرف، وصراع السلمية في وجه السلاح، وصراع الوردة في وجه الرصاصة. ولعل ما تعرّضت له قبل الهدنة الأخيرة من محاولات تدمير، يدل على ذلك، ولعل أيضاً، مظاهراتها المطالبة برحيل النظام وإيقاف القتل، أول ايام الهدنة، مؤشراً على إصرار أهل داريا على تلقين دروس الوطنية للجميع.

======================

الهدنة وعودة المظاهرات في سورية .. عمار ديوب

العربي الجديد

السبت 5-3-2016

ما إن سرت الهدنة على الأرض في سورية، في ليل 27 فبراير/ شباط الماضي، حتى عادت المظاهرات الشعبية. عمّت مدن سورية بأكملها، من درعا إلى حمص وحماة وحلب وجسر الشغور والقنيطرة، وريف دمشق وسواها. إذاً، هناك رغبة كبيرة في استعادة القرار الثوري للداخل، ورفض الخيار العسكري من كل الأطراف، ونزعة الالتحاق بالدول الإقليمية والعظمى.

أكثر المُكرهين على الهدنة هم النظام وإيران وحزب الله والمليشيات الطائفية أولاً، والتنظيمات العسكرية المناهضة له ثانياً، فالنظام يعلم أن الهدنة "تقويه"، لكنها بداية النهاية له! تثبت الهدنة التقدم الروسي على الأرض السورية، لكن الانتقادات الروسية لم تتوقف عن ملاحقة كل ما يصدر عن النظام، وأن هدف الروس بسط سيطرتهم على سورية، وهذا لا يتحقق من دون حلٍّ سياسي، سيقلص نفوذه ونفوذ حلفه الإقليمي، ويجعله طرفاً، وليس مسيطراً على سورية.

كانت الهدنة شرطاً لوفد الرياض للتفاوض، وأراد الروس والأميركان البدء بهذا الإجراء الأكثر أهمية للسوريين الذين فرحوا بالهدنة، وراحوا يجدّدون العودة إلى المظاهرات الشعبية، وإلى شعارهم المركزي حينذاك: الشعب يريد إسقاط النظام. هم أرادوا إيصال رسالةٍ واضحةٍ للعالم: نريد الهدنة ونريد التفاوض، ونريد تحقيق أهدافنا في سورية للجميع، وكل هذا التدخل يجب أن يوصل السوريين إلى هذه الغاية تحديداً.

تأتي الهدنة ويلوح، وعلى لسان وزراء خارجية أميركا وروسيا وبريطانيا، كلام عن التقسيم. هناك قوى سورية تعتاش من أفكار كهذه أيضاً، ولا سيما أن الحل العسكري لم يُسقط النظام، وبالتالي، أي حل سياسي ستخسر منه بالضرورة، ويأتي التقسيم ليعطيها سلطةً على بقعةٍ محددة. يشار في ذلك لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، ولما قيل عن سورية المفيدة، وهناك داعش وأيضاً مناطق أخرى. هذه "الثرثرات" ترفضها تركيا، اللاعب الأكبر في الساحة الإقليمية، وكذلك السعودية. وإذا كانت إيران لم تمانع بذلك، فإن الروس، وعلى الرغم من تصريحهم عن الفيدرالية، فإن سياساتهم تنطلق من أن تدخلهم لصالح احتلال سورية، والهيمنة على قرارها الوطني، عقوداً متتالية. ويتأتى الدعم لحزب الاتحاد الديمقراطي في هذا الإطار، أي أن الفيدرالية لا تساوي التقسيم، بل تساوي توسيعاً أكبر في الحقوق للمناطق، ولا سيما للحزب الكردي المذكور، وبما يبقي التحكم الفعلي على سورية في العاصمة دمشق تحديداً، أي أن الفيدرالية تعطي حقوقاً أكبر للأقاليم، لكنها تُبقي كذلك المركز في دمشق.

تأتي الهدنة في سياق عملية التفاوض من أجل سورية دولةً بحدودها الراهنة. ترفض المعارضة التقسيم بالكامل، والقوى المسلحة الرافضة للنظام رافضة، في الوقت نفسه، داعش وحزب الاتحاد الديمقراطي "با يا دي"، وبالتالي هي قوى من أجل سورية بأكملها، وبموافقتها على الهدنة، والمشاركة في وفد التفاوض من قبل، فهي تصطف مع كل الأطراف الساعية نحو دولة لكل السوريين، وفق بنود فيينا وجنيف.

رسالة المظاهرات أنها تتوافق مع أي جهدٍ يُنهي الحرب في سورية، وينهي وجود السلاح،

"رسالة المظاهرات أنها تتوافق مع أي جهدٍ يُنهي الحرب في سورية، وينهي وجود السلاح" ويوحد كل الجهود للخلاص من استخدام السلاح ضد الشعب، بدءاً بالنظام والمليشيات الداعمة له وإيران وحزب الله، وكذلك من سلاح داعش ودولتها، ومعها بقية الجهاديات، ولا سيما جبهة النصرة، وكذلك التخلص من انفلات العمل العسكري في سورية. وتدفع المظاهرات إلى توحيد (أو تنسيق) جهود الفصائل التي تمتلك حساً وطنياً، وتدعم التفاوض، وتقرّ بفشل الحل العسكري.

تتجه السياسات الدولية والإقليمية نحو تثبيت الهدنة، والبدء بالتفاوض من ناحية. ومن ناحية أخرى، ستتوسع المظاهرات ما دامت الهدنة مستمرة وتؤيّد الهدنة. النظام وحده من خرق الهدنة، ومنذ اليوم الأول لها، وسيبحث دائماً عن طرق لإفشالها، فهو وعلى الرغم من فائدته العظمى من تثبيت الأطراف المتصارعة في أماكنها، فإنه الخاسر الأكبر، حالما تبدأ المفاوضات على الحكم الانتقالي والنظام المقبل.

إذاً، هناك إرادة دولية ومحلية للبدء بالحل السياسي، وقبالة ذلك، هناك النظام وإيران وحزب الله سيكونون من أكبر المتضرّرين منها. يريد التنسيق الأميركي الروسي تفادي حرب إقليمية واسعة، وتحديداً بعد التهديدات المتكررة لتركيا والسعودية أن التدخل الروسي يُمكّن إيران والنظام، ويشكل خطراً على الأمن الداخلي لهذه الدول. إذاً انتهت اللعبة الدولية والإقليمية على الأراضي السورية، وصار التنسيق الدولي يريد خلاصاً من الكارثة، والتي أصبحت تهدد بمشكلات إقليمية ودولية كبرى. وهنا، نشير إلى أزمة اللاجئين في أوروبا، والتي أصبحت تشكل خطراً حقيقياً على دواخل تلك البلاد، وتستخدم في صعود اليمين العنصري في أوروبا والتخوف من اندلاع مشكلاتٍ اجتماعيةٍ بسببها هناك.

لا أريد أن أبدو متفائلاً، ولا سيما وأن خمس سنوات عجاف مضت من أعمار السوريين، وقد أفشل النظام عشرات المحاولات لإنهاء المأساة المستمرة، لكن جملة ما أشرنا إليه يوضح أن إغلاق المسرح السوري أصبح ضرورة. إذاً، الهدنة شرط للتفاوض، وبداية نحو الحل السياسي.

ما سيكون لاحقاً للتفاوض هو الموقف من الوجود الروسي في سورية، وكذلك الوجود الأميركي، ولا سيما من خلال الدعم الواسع لقوات سورية الديمقراطية، فهي قوات "أميركية" الآن، وإذا كانت المظاهرات تنديداً بالنظام وترحيباً بالهدنة، فهي ستكون ضد الوجود الروسي والأميركي في المرحلة اللاحقة.

لم تكن الثورة لتستبدل الاستبداد بالاحتلال، لكنها تمكر كما مكر الآخرون بها، وسربلوها بالدماء والتبعية، وبكل أشكال المأسي. والآن، حان وقت التغيير في سورية، وربما المواجهة ضد الاحتلال الخارجي.

======================

عاش بشار الأسد… يسقط صدام حسين! .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 5-3-2016

حتى معمر القذافي، الذي كنا نعتقد أن أمريكا لا تأخذه على محمل الجد، كان في واقع الأمر مستهدفاً أمريكياً وأوروبياً، وانتظر الغرب الحراك الليبي كي ينقض عليه، ويتخلص منه إلى غير رجعة. وحدث طبعاً ـ ولا حرج ـ عن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين. حتى لو تحالف صدام مع أمريكا لفترة من الزمن، وخاصة خلال الحرب الإيرانية ـ العراقية، وحتى لو انصاع للكثير من الأوامر الأمريكية، إلا أنه في نهاية المطاف، تمرد على السيد الأمريكي، وبات في نظر الغرب وإسرائيل خطراً لا بد من التخلص منه. وقد كانت بداية الإيقاع به تشجيعه على غزو الكويت، ليكون ذلك الفخ القاتل الذي كانت مقدمة لإنهاء النظام والقضاء في ما بعد على الخطر الأكبر في المنطقة، ألا وهو العراق.

لاحظوا كيف تأهبت أمريكا بعد الغزو العراقي للكويت. فقد حشدت على الفور أكثر من ثلاثين دولة لطرد القوات العراقية من الكويت ووضع حد للتهديدات العراقية لباقي دول المنطقة. لم تسمح أمريكا ولا أوروبا لصدام حسين بأن يزعزع الاستقرار، أو يهدد أحداً، فقامت بتقليم أظافره عسكرياً، وضربت جيشه ضربة نجلاء وهو خارج من الكويت، وفرضت عليه عقوبات منعته حتى من استيراد أقلام الرصاص. ثم كانت اتفاقية «خيمة صفوان» المُذلة التي كبلت العراق وجيشه عسكرياً، وكانت في الواقع بمثابة صك استسلام عراقي لأمريكا. ولا ننسى كيف تم فرض مناطق حظر جوي في شمال العراق وجنوبه، بحيث تقسم العراق منذ ذلك الوقت عملياً، حتى لو لم يتم الإعلان عن التقسيم إعلامياً.

ولم تكتف أمريكا بحصار النظام العراقي السابق لأكثر من ثلاثة عشر عاماً وتكبيل يديه وخنقه اقتصادياً وسياسياً لمنعه من تهديد أحد في المنطقة، بل إنها عمدت إلى حل الجيش العراقي على الفور، عندما غزت العراق في عام 2003 كي لا تقوم قائمة لذلك النظام الذي تجرأ، وتمرد على الجبروت الأمريكي، وهدد بعضاً من حلفاء أمريكا في المنطقة، وخاصة إسرائيل، عبر صواريخ سكود.

ولا ننسى أيضاً أن كل التهم والذرائع، التي استخدمتها أمريكا لعقاب صدام حسين، كانت مفبركة، وعلى رأسها طبعاً أكذوبة امتلاك النظام لأسلحة الدمار الشامل. فقد أثبتت الأيام أن أمريكا فبركت الحجج والبراهين كي تبرر سحقها لصدام حسين ونظامه. ويذكر أحد الصحافيين الأمريكيين أنه سأل الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش في مكتبه: «أين أسلحة الدمار الشامل العراقية التي صدعتم رؤوسنا بها؟ لماذا لم نر أياً منها»، فرد بوش بسخرية: «مهلاً، مهلاً. تريد أن ترى أسلحة الدمار الشامل العراقية؟ ها هي في درج مكتبي». وقد فتح بوش الدرج وهو يضحك بصوت عال ليسخر من السؤال، وكأنه يقول للصحافي: « ليس العيب فينا، بل فيمن صدق أكذوبة أسلحة الدمار الشامل العراقية».

قارنوا الآن بين الموقف الأمريكي من صدام حسين وبشار الأسد. لقد ضربت أمريكا صدام بيد من حديد لمجرد أنه فكر بتهديد الأمن والاستقرار في المنطقة، بينما هدد بشار الأسد قبل حولي أربع سنوات ونصف السنة، في مقابلة مع صحيفة «التايمز» البريطانية، بأنه سيزلزل المنطقة بأكملها. ولا شك في أن الشرق والغرب سمع ذلك التهديد الرهيب، لكن لم تنبس أمريكا ولا إسرائيل ببنت شفة، بل تركتاه ينفذ تهديداته بأكملها. وبعد سنوات على تهديده، ها نحن نرى كامل الشرق الأوسط يهتز على وقع الاضطرابات السورية التي يقودها بشار.

بعبارة أخرى، باركت أمريكا بصمت كل ما يفعله بشار منذ ذلك الحين، ليس بحق الشعب السوري فحسب، بل بحق كل دول المنطقة. فلم تبق دولة إلا وتأثرت بالأزمة السورية، بما فيها حلفاء أمريكا كالأردن ودول الخليج وتركيا. لكن ماذا فعلت أمريكا لوضع الأسد عند حده، كما فعلت مع صدام حسين؟ لا شيء، بل تركته يخرب المنطقة كلها، ويزعزع استقرارها، ويهدد حتى أبواب أوروبا عن طريق تهجير ملايين السوريين ودفهم إلى إغراق العواصم الأوروبية، بحيث باتت اتفاقية «شينيغن» بين الدول الأوروبية في مهب الريح بسبب الوضع السوري الذي يقوده بشار الأسد شخصياً.

وحدث ولا حرج عن الجماعات المتطرفة التي أنتجها النظام السوري بشهادة الأمريكيين أنفسهم، والتي راحت تهز المنطقة، وتهدد القاصي والداني فيها على مرأى ومسمع الأمريكيين. لا يمكن القول أبداً إن أمريكا عاجزة عن وقف بشار الأسد عند حده. فانظروا ماذا فعلت بصدام عنما فعل عُشر ما فعله بشار، ناهيك عن أن الحجج التي ساقتها أمريكا لغزو العراق كأسلحة الدمار الشامل كانت كاذبة كما أسلفنا، بينما استخدم نظام الأسد سلاح الدمار الشامل الكيماوي أمام أعين العالم أجمع. واكتفت أمريكا فقط بتجريده من الكيماوي، وتركته يستمر في العبث بأمن المنطقة.

ما الفرق بين صدام حسين وبشار الأسد؟ الفرق أن صدام، وحتى القذافي، كانا يشكلان خطراً حقيقياً على الغرب، بينما بشار هو قائد مشروع الفوضى الخلاقة الأمريكي وحصان طروادة لتدمير المنطقة وإعادة تشكيلها حسب المشروع الأمريكي المعروف بالشرق الأوسط الجديد. ولو لم تكن أمريكا راضية تمام الرضى عن الدور الذي يلعبه نظام الأسد لما بقي يوماً واحداً.

أكاد أسمع الإدارة الأمريكية وهي تهتف بصوت خافت: عاش بشار الأسد، يسقط صدام حسين!

٭ كاتب وإعلامي سوري

======================

الأسد يمنح العفو وبوتين يبشرنا بالفيدرالية .. محمد فاروق الإمام

طلع علينا المسمى برئيس الجمهورية العربية السورية بشار الأسد، المتورط حتى شحمتي أذنيه في مستنقع شلالات الدم التي تنزف من أجساد الشعب السوري منذ خمس سنوات، والمتسبب بنزوح وتهجير ما يزيد على اثني عشر مليون سوري في بقاع الأرض داخل سورية وخارجها، بحثاً عن الأمان الذي فقدوه على يد هذا الرجل بفعل ما يمطرهم به من براميل الموت المتفجرة والصواريخ المدمرة والقنابل المملوءة بالغازات القاتلة.

طلع علينا هذا الرئيس المزعوم بتصريح مثير للضحك والاشمئزاز والقرف حتى التقيؤ، فقدرد على سؤال حول ما على عنصر المعارضة السورية فعله ليُقبل كمواطن سوري،

قال: "عليه إلقاء السلاح في مقابل منحه العفو الكامل"، حسبما نقلت على لسانه صفحة "رئاسة الجمهورية السورية" الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك".

بوتين من جهته، وعلى لسان نائب وزير خارجيته سيرغي ريا بيكوف، الذي صرح بأن موسكو تحبذ سورية دولة فيدرالية، وهذا الطرح الروسي يخالف ما ذهبت إليه تركيا من أن بوتين يخطط لإقامة دولة علوية في الساحل السوري، كما ويخالف ما ذهبت إليه واشنطن من أن سورية تتجه إلى الانهيار إذا فشلت الهدنة.

الأسد الصغير يعرض على السوريين الذين اضطرهم لحمل السلاح دفاعاً عن النفس والأهل والعرضأن يلقوا السلاح في مقابل العفو عنهم، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن هذا الرجيم في حالة هذيان وفقدان للتوازن، وقد نسي أنه لا يسيطر إلا على 20% من الأراضي السورية، وهذه السيطرة جاءت بفضل المليشيات والمرتزقة التي جيشتها إيران من العراق والضاحية الجنوبية وباكستان وأفغانستان، يضاف إليهم مؤخراً ميليشيا الحماية الكردية،وأنه خلال خمس سنوات من المواجهة مع الشعب السوري أزهق أرواح ما يزيد على نصف مليون مواطن سوري بين طفل ورجل وامرأة، وغيب في سجونه ومعتقلاته نحو هذا العدد، وأرغم اثني عشر مليوناً على الهجرة أو النزوح خارج البلاد وداخلها، وإمعاناً في هذيانه راح يحضر لانتخابات في أواخر نيسان القادم، وكأنه لا يدري أنه وقّع على الهدنة مع المعارضة السورية برعاية الأمم المتحدة والدول الكبرى، وهي المقدمة لمفاوضات ستجري بين فريقه والمعارضة حول تشكيل حكومة مؤقتة ذات صلاحيات كاملة لا وجود له ولا لفريقه ممن تلطخت أيديهم بدماء السوريين فيها، بحسب ما جاء في جنيف 1 وجنيف 2 والقرار الصادر عن مجلس الأمن رقم (2254).

بوتين الذي هرول سريعاً لإنقاذ ذيل كلبه بشار، بعد إخفاق الحرس الثوري الإيراني وميليشيا حزب اللات والمرتزقة التي جندتها طهران من العراق وأفغانستان وباكستان في تمكينه من رقاب السوريين، هرول سريعاً إلى سورية بكل هيبته كدولة عظمى تملك ثاني ترسانة حربية في العالم من أسلحة الدمار الشامل والتقليدي البرية والجوية والبحرية، والذي راح منذ أن وطئت قدماه أرض سورية باتباع سياسة الأرض المحروقة عبر قصف المدن والبلدات والقرى السورية بمختلف أنواع الذخائر المدمرة والحارقة والقاتلة على مدى شهور عدة، دون أن يحقق على الأرض أي مكاسب تذكر، اللهم إلا قتل المدنيين وتدمير المستشفيات والمساجد والمدارس والمؤسسات الحكومية والخدمية، وعندما أصيب بخيبة الأمل من ذيل كلبه بشار الأسد الذي لم يتمكن من التغيير المطلوب على الأرض، رغم كل ما قدمته له موسكو من دعم جوي وصاروخي، راح يطرح فكرة "سورية الفيدرالية" ويعود بنا إلى تجديد حلم قياصرة روسيا في "معاهدة بطرس بورغ" التي جمعت إضافة إلى موسكو كل من بريطانيا وفرنسا، لاقتسام أراضي الدولة العثمانية الواقعة شرق المياه الدافئة "البحر المتوسط"، سورية الكبرى التي تضم سورية الحالية وفلسطين المحتلة ولبنان والأردن، وقد انسحبت روسيا من هذه المعاهدة بعد قيام الثورة البلشفية فيها عام 1917.

بوتين صاحب عقلية رجل المخابرات الذي لا يؤمن إلا بالعنف واتخاذ القرارات المنفردة والتشبث بها، والجاهل بالتاريخ ومعادن الأمم لم يتنبه إلى قراءة تاريخ سورية والتعرف على شعب سورية العظيم الذي يفضل الموت على الذل والاستكانة، جهل بوتين وحماقته جعلاه يغفل ما فعله السوريون في مواجهة فرنسا التي استعمرت بلدهم، وأرادت تفتيت سورية إلى دويلات على أساس عرقي وطائفي، فجعلت من سورية خمس دويلات، لم تدم طويلاً لتعود سورية موحدة كما هي اليوم، فسورية بشعبها المتسامح لم يعرف يوماً الطائفية والعرقية، ولولم يكن كذلك لما تمكن العلويون من حكم سورية لنصف قرن تقريباً، رغم أنهم أقلية لا يزيد عددهم على 8% من السوريين في مقابل 80% من المسلمين السنة.

وإذا ما جرب بوتين حظه في الإقدام على هذه الخطوة فسيعجل بهزيمته يجرجر أذيال الخيبة والهوان، لأنه سيكون في مواجهة كل السوريين بمن فيهم الشرفاء والوطنيين من الطائفة العلوية، كما حدث ذلك أيام الاستعمار الفرنسي.

وكلمة أخيرة نقولها لذيل كلب روسيا بشار الأسد "إنك راحل لا محالة فتخير أي طريق تريده، كما قال الجبير، بالسياسة أم بالحرب". ونقول لبوتين "إنك مهزوم لا محالة فتخير بين المحافظة على ماء وجهك أو بتعفير جبينك بالهزيمة التي ستفوق ما ذقته في أفغانستان!!".

===================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com