العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 12-08-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

القتل "القانوني".. جديد الإبداعات الأسدية

دلال البزري

العربي الجديد

الخميس 9/8/2018

الغرفة مظلمة، والمكيِّف يشتغل بنصف طاقته. ضباط، وموظفون حكوميون، محمومون منهمكون. انهم ينفّذون أوامر القيادة العليا، التعليمات واضحة: إدراح أسماء آلاف المعتقلين في خانة "المتوفّين". بشهادة رسمية، صادرة عن دوائر النفوس، المولجة مهمة تثبيت أسماء الأحياء والأموات. مع الجزم بأن الوفاة "طبيعية"، أو ناجمة عن "عملية إرهابية". والتشديد على أن لا تسليم لجثثهم. ولا إقامة مراسم للعزاء من أجلهم. والمطلوب أيضاً إيصال هذا الخبر إلى الأهل مباشرة، أو عبر المختار. آلاف من الأسماء، أصحابها من الذين اعتقلوا بين 2013 و2015. غالبيتهم لم يحمل السلاح. بل ورودأ كانوا يوزّعونها على أفراد الشرطة والجيش، في تظاهراتهم السلمية.

لا نخترع هنا قصة للتشويق، إنما الواقع يخترعها. والواقع هو بشار الأسد، بمساعدة ربما من القائمين على عرشه من محتلين. وقائعه تتجاوز الخيال. ولا نقاط استدلال لها، غير التي سبقتها من أشكال قتل. كأن ثمّة عملية تراكمية في القتل، تزيد من إبداع القاتل، تنّمّي خياله، ترفع من "شجاعته"، فيحسن في ابتكار ألوانها. مثل عمليات التراكم الرأسمالي أو العلمي المفضية إلى شيء جديد، لا يكون جديداً في سمائهم.. فأصحاب التراكم لا يعرفون أصلاً أنهم، بذلك، إنما يبدعون. التراكم الإجرامي: اقتحام الأحياء التي تظاهر سكانها سلمياً، فقتلهم ورميهم فوق الشاحنات الصغيرة تحت حرامات، وهم بـ"البيجامات" (كما حصل في داريا وجديدة عرطوز). ثم، القتل بالطائرات والمدفعيات، بالمجازر، بالكيميائي، بالخطف، بالقنص والتشبيح والسكاكين والعصي وكِعاب البنادق، والصواريخ المسْمارية والبراميل المتفجرة، وقد استهولناها وقتها، وأصبحت الآن من العاديات. وبموازاتها كلها، الابتزاز الصريح بالموت: فإما أن

"ما كان للتجربة الإجرامية التراكمية للأسد أن تتألق لولا البيئة العالمية الساكتة"  تموتوا، أو تموتوا؛ كما حصل أخيرا مع أهالي السويداء الذين وُضعوا بين خيارين: الموت عبر التجنيد الإلزامي أو الموت عن طريق "داعش". وهذا الأخير ارتكب مجزرةً بحقهم، وخطف من أبنائهم. وذلك بعد "انتصار" النظام على الإرهاب، ودخول قواته إلى بلداتهم وقراهم؛ فعجزت هذه القوات عن حمايتهم، أو بالأحرى عجّزت نفسها. ولسان حال قيادتها، على الرغم من كل التغطيات الخبيثة، المعهودة: ما عليكم سوى الإذعان لموتنا، لجريمتنا. إنهما أرحم من جرائم "داعش"، وأكثر نظامية، أكثر قانونية.

"القانونية" هي الصفة التي أرادتها السلطات السورية لطريقتها الجديدة بالقتل، فبعدما "انتصرت"، وصارت تتوهّم أن "نصرا" كهذا يفضي بها إلى "الحل السياسي"، باتَ لزاماً عليها أن تحلّ شؤونها القانونية. لكي يتمكن مندوبها إلى مجلس حقوق الإنسان من دوره الخطابي في الأمم المتحدة، فيعلن، أمام العالم أجمع أن لا غبار على بشار الأسد. إنه أصدر بحق المعتقلين في سجونه شهادة وفاة: لم يخفِ أحدا، لم يمحُ أحداً. كان لديه بضعة آلاف من السجناء، ومات هؤلاء لأسباب خارجة عن إرادة سجّانيهم الطيبة. وإليكم الشهادات الرسمية للوفاة، موقعة من الدوائر الرسمية، مثبّتة على الورق، بختم الجمهورية الرسمي.. إلخ. جريمة نصف معلنة، تغطيها حيثيات قانونية رسمية. جريمة عن سابق تصوّر وتصميم، أخذا وقتهما. جريمة منظَّمة، لها قنوات قانونية، داخلة في دهاليز البيروقراطية، وشبكاتها المتداخلة، السوداء، وموظفيها المذعورين من الطلبات المنهالة عليهم بتصديق شهادات "الوفاة"، أي القتل. وهم مذعورون من ارتكاب غلطة، أو هفوة. هل ارتجفوا؟ هل دمعت عين واحدهم؟ هل أوجعه قلبه؟ هل شطح في الخوف على نفسه؟ كيف لنا أن نعلم وظلمات شهادات الوفاة تنهمر على الأمهات والآباء والأحبة، كالصواعق فوق روؤسهم المنحنية من سنوات البحث والانتظار والابتزاز والصمت؟

يمكن أن يقول النظام أي شيء عن جرائمه، أن يتنصَّل منها، يمكن أن ينعت وثائق "سيزار" بـ"بنات خيال" صاحبها... طالما يعرّف نفسه مفلتاً مثل الشعرة من العجينة، كلما جاد على 

"ما عليكم سوى الإذعان لموتنا، لجريمتنا. إنهما أرحم من جرائم "داعش"، وأكثر نظامية، أكثر قانونية" السوريين بالجديد من جرائمه. أما الجريمة الجديدة، فلا تردّ سؤالا، لأنها شبه معلنة. الشباب السلميون اعتقلوا في سجونه، وماتوا فيها، بعد تعذيبٍ يتجاوز حدود المخايل (جمع مخيلة)، وجثثهم لم تسلم إلى ذويهم، ومنعوا من المواساة. وطالما بقيت الجثث مخفيةً، ومهما سجلت دوائر النفوس، مهما "قوْننت"، مهما سكت العالم والعرب، فإن المطلوب، بعد الجريمة، تسليم هذه الجثث، ودفنها، وفقاً لشرائع كل الأديان، بل وفقاً لشريعة الغاب التي يسكنها الحيوان. وتسليم الجثث يفتح الباب على مصراعيه أمام جرائم النظام، مهما تأخرت ساعتُه، أو خلال تأخّر ساعته. فالنظام، بإخفائه جثث قتلاه، إنما نظَّف مسرح جريمته على مرأى العالم وسمعه، لا خلف الكواليس. ذكاؤه خانه، أو الظروف، يعلم ذلك ربما، ولكنه كان مضطراً. ألحّ الروس عليه ليقوم بتسوية "أوضاعه القانونية"، تمهيداً للحل السياسي المتعثر، والذي يتلهفون إليه بحرقة. كان مضطراً، فكشف عن نصف أوراقه. هذه المرة لا يستطيع التكذيب. ولا يستطيع القول إن زلّة أو خطأ أو أي شيء آخر..

ما كان للتجربة الإجرامية التراكمية لبشار الأسد أن تنضج وتتألق، لولا البيئة العالمية الساكتة، الساكنة، التي لا ترى ولا تسمع ولا تقول. ولا بالتالي تفعل شيئاً. إنها بيئة ابنة عصرها. مضروبة بالوباء الاستبدادي، تغازل الاستبداد، تدلّعه، تمنحه الشرعية الفلسفية. والإعلان الرسمي عن الجريمة الأسدية أخيرا مرّ عليها مرور الكرام، فالأفضل لرجالاتها أن يسكتوا، تجنباً لدفع ثمن ثرثراتهم لاحقاً؛ فلا يكون لهم حصة في الجبنة السورية.

يبقى الضمير، ومعه سؤالٌ سوف يعمّر طويلاً: أين هي الجثث الآن؟ أين اختفت؟ كيف اختفت؟ بأية عملية بيروقراطية سجل "موتها" رسمياً؟ ومع السؤال، مشوار طويل طويل من الكشف والتفكيك للإجرام الأسدي. ساعتها، قد تضعف حاجة النظام الغريزية للقتل، بكوابح السؤال المستمر، فينْضب خياله، يصيبه الجفاف، وتضيق به أشكال القتل، فتتراجع تجربته التراكمية في القتل. فيقترب يوم الحساب.

==========================

موقفنا: نحن والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان .. مقاربة حضارية كلية

زهير سالم

9 / 8 / 2018

مركز الشرق العربي

تعتبر المواثيق الدولية لحقوق الإنسان في صيغتها العالمية ابنة القرن العشرين ، وقد اشتهرت بنسختها الأولى بمبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون الأربعة عشر . كما تعتبر هذه المواثيق في أصولها وفروعها ابنة الحضارة الغربية ، بخلفياتها الفلسفية والأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية.

لا شك أن أصول شجرة الحقوق التي دعا إليها الرئيس الأمريكي ويلسون منذ 1948 قد نمت وتفرعت وذهبت علوا وسفلا ويمينا ويسارا ، حتى أصبح المتابع لنمو هذه الشجرة يجد نفسه أمام شبكة من الحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية يصعب عليه الإحاطة بها ، أو إدراك مرامي كل صغيرة وكبيرة من تفاصيلها وشعيراتها ..

ولا نريد من قولنا عن مواثيق حقوق الإنسان هي بنت الحضارة الغربية لا انتقاصا ولا هضما . وإنما نريد وضع هذا الأمر في سياقه في تاريخ الأفكار ، وفي تاريخ النظم الحضارية والإنسانية على السواء . فهذه المنظومة من التشريعات والقوانين تأخذ صيغة العالمية بحكم عوامل عديدة منها أن الكلمة في المحافل السياسية والحقوقية هي للأقوى ، حتى في ميدان التنظيم والتقديم والتأخير ، وعقد التحالفات وإبرام الصفقات ..

كما لا نريد من نسبة منظومة هذه المواثيق إلى الحضارة الغربية أن ننفي عن الحضارات والشعوب الأخرى وأهمها الحضارة العربية الإسلامية ، سبقَها العملي إلى إقرار منظومة من الحقوق الإنسانية تجلت في صيغ ومتون فقهية نظرية وعملية على مدى ألف وخمس مائة عام ، وكانت في جملتها واقعا معاشا أكثر منها نصوصا مكتوبة ؛ نحتاط بهذا فقط ، حتى لا نشتت الحديث ، ويثير علينا المعترضون الإثارات ..

لنعيد القول : إن مواثيق حقوق الإنسان في صيغها الدولية المقررة والمعتمدة هي ابنة الحضارة الغربية ، المنتصرة المتغلبة ، وهذا الوصف يعيدنا إلى حظيرة فقه ( المتغلب ) الذي تعامل معه بعض الفقهاء المسلمين بكثير من الواقعية .

وبعيدا عن السياسة وتداعياتها يمكن أن نتحدث عن العديد من الأمثلة الواقعية التي فرضت فيها هذه الحضارة ، التي تدعي ( التجريبة ) وترتكز عليها ، أنموذجها غير المجرب ، في ميادين السياسة والاجتماع والاقتصاد ، واستُقبلت هذه النماذج من قبل الشعوب المستضعفة ، والحضارات المتنحية كمسلمات عالمية لا يجرؤ الكثيرون حتى على نقاشها ، بالروح العلمية التي قامت عليها الحضارة الغربية نفسها ..

ومن ذلك على سبيل المثال: النظام التعليمي التربوي في قواعده وأهدافه ووسائله ومدخلاته ومخرجاته . وحين نتحدث عن حقوق الطفل والأسرة والأبوين والأم والأب ..نجد أنفسنا أمام حالات صعبة الفهم ، ولاسيما حين يجرد الطفل من حقه من أبوين ، أو من محضن طبيعي دافئ وآمن..

وكذا نظام العقوبات المعتمد عالميا والذي ما زال ينتج للإنسانية المزيد من الجرائم التي تتكاثر كمّا ، وتزداد فحشا وإثما . فمثلا عرف الفقهاء المسلمون نظام العقوبة بأنه : الزاجر قبل الجريمة الرادع بعضها ، وها نحن لا نتابع في نظام العقوبات المعتمد عالميا لا زجرا ولا ردعا ، بل بيئة خصبة لنمو الجريمة يرتع فيها المجرمون ، على حساب الأبرياء الغافلون من أبناء المجتمعات .

وأخيرا وليس آخرا الحرية المنفلتة التي تعتمد نظام السوق أو الأثرة ، والذي يهدر الكرامة الإنسانية الفردية في جوانب اجتماعية ، والذي يحول ثروات الأرض إلى قلة قليلة تتحكم في كل شيء في الجانب الاقتصادي .

ولكي نكون واضحين وعلميين وموضوعيين ...

لا نريد أن نسبق إلى إدانة كل ما ذكرنا ، وإن كنا نملك رؤيتنا الخاصة ، ولا نريد أن ندعو إلى نسف كل ما ذكرنا ، وإنما الذي ندعو إليه فقط ، هو إعادة هذه العناوين وغيرها الكثير إلى المختبرات العلمية المختصة الاجتماعي منها والاقتصادي والسياسي ..ليكون للعلم وليس للهوى الكلمة الفصل في إقرار القيم والمواثيق ، وتمييز الجميل من القبيح ..

أزمة أخرى تواجه المتحمسين والمتعصبين لمواثيق حقوق الإنسان على المستوى النظري ...وذلك فيما يزعم بعضهم أنك لا يمكن أن تكون مسلما مؤمنا بشريعة الإسلام ومدافعا عن منظومة حقوق الإنسان في إطارها العام ، لأنه في الرأي الكليل هناك تناقض صارخ بين شريعة الإسلام وتلك المواثيق ..وهي دعوى تنفجر في وجه أصحابها أنفسهم ، وتنسف في حقيقتها أولى المداميك التي قامت عليها منظومة حقوق الإنسان والمتمثلة في ( حرية الاعتقاد ) .

وكأننا بأصحاب هذا الرأي يعيدون تقديم هذه ( المواثيق ) على أنها ( دين ناسخ لكل الأديان ) على طريقة (كهنة محاكم التفتيش) . فأي تناقض في الجمع بين دعوى كفالة حق الاعتقاد وبين نبذ المخالفين أو إكراههم على التخلي عن عقائدهم حتى ينالوا شرف الانتماء إلى (الدين الجديد ) ..

أزمة أخرى تصدم الضمير العالمي ، من المتزينين بالدعوة إلى حقوق الإنسان على المستوى العملي تتجسد في ازدواجية المعايير على مستوى التطبيق ...

تجرم المنظومة الحقوقية على سبيل المثال كل العقوبات الجسدية التي توقع على المجرمين ، كطريقة لمنع الجريمة ، وزجر المجرمين ، ولكن الذين أنجزوا هذه المنظومة ، ويدافعون بكل الحرارة عنها ، يسكتون عمليا عن جرائم كبرى تنتهك فيها إنسانية الإنسان في غولاغ السجون حول العالم ، حيث تتعدى الممارسات تعذيب الناس على عقائدهم وآرائهم وأفكارهم ، وحبهم أو بغضهم لرئيس كل ما يمكن أن يتصوره البشر السوي .. لن نذكر في السياق سجون حافظ وبشار الأسد ولا ..ولا .. إنما سنذكر بسجن باغرام وأبو غريب وغوانتنامو ... التي أدارها ويديرها سادة العالم من حملة لواء مواثيق حقوق الإنسان....!!

ونعود بعد كل هذا ، وعلى ضوء كل هذا ، لنعلن تمسكنا الواضح بالمنظومة الكلية للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان في إطارها الكلي الجامع وخطوطها العريضة التي تكرم الإنسان وتحميه . فهذه المواثيق في مراميها العامة تهدف إلى حماية الإنسان في إطار وجوده الفردي ووجوده الجماعي . وهي في جملتها نفس المواثيق التي دارت حول حفظها مقاصد الشريعة الإسلامية ، في حماية الحق في الحياة وفي الاعتقاد وفي صون العقل والعرض والمال ..

من حق أهل الإسلام بل من واجبهم ومن مصلحتهم أن يتبنوا هذه المنظومة الحقوقية الجماعية ، وأن يتواثقوا مع كل أخيار العالم على حفظها وحمايتها وصونها وتطويرها وتسديدها وترشيدها بما يجعلها أقرب للحق والرشد . من واجبهم أن يستبطنوا ذلك وأن يعلنوه ..وأن يربوا على احترام ما فيها من حق وخير ورشد أجيالهم ..

ولا يمنعنهم من ذلك فروع يشهرها في وجوههم عدميون منبتون ضاقت عقولهم فانحسر فقههم أو تقلص ..

ولا يمنعنّهم من ذلك أيضا منهزمون حضاريا لا يرون الحق والخير إلا فيما سرابيل الآخري ..

وإذا كان العالم أجمع هو دار ابن جدعان ، فنحن أول من يدعو وأول من يجيب . وفي سنة التدافع والتمحيص لنا غنى ..ولو حضرنا ميادين الحوار بحق لأغنينا العالم وأغنينا أنفسنا عن كثير من الترهات ..

نحن مع كل ميثاق وشرعة وقانون تكرم الإنسان وتصونه وتحميه .. وإن كان دَخَنٌ فالتعاون على البر والخير مع كل أهل البر والخير يحد منه وينفيه ..

__________

*مدير مركز الشرق العربي

===============================

نقد المنظور الطائفي في سورية

راتب شعبو

العربي الجديد

الخميس 9/8/2018

وفق المنظور الطائفي، يبدو أن هناك طائفة حاكمة في سورية، هي الطائفة العلوية، في مقابل أكثرية سنية محكومة. وعليه، يكون هدف الثورة السورية إسقاط حكم أقلية مذهبية لصالح حكم أكثرية مذهبية. على الرغم من وجود ما يبرّر تداول هذا المنظور منذ اندلاع الثورة، قبل سبع سنوات ونصف السنة، مثل استقدام مليشيات شيعية متعدّدة الجنسيات لتقاتل مع نظام الأسد، وقوف النسبة العظمى من الأقليات الدينية والمذهبية، ولاسيما العلويين، إلى جانب النظام، كون الجسد العسكري المواجه لنظام الأسد يقتصر على الإسلاميين السنة... إلخ، إلا أن هذا المنظور يعيد تعريف الثورة على أنها ثورة أكثرية سنية، وليست ثورة سورية، أي إنه يفرغ الثورة السورية من محتواها التحرّري والوطني.

لو قبلنا، مؤقتاً، بهذا المنظور، ووافقنا على أن هناك "طائفة حاكمة"، واعتبرنا أن المشكلة في سورية تتمثّل فعلاً في سيطرة هذه الطائفة على الدولة السورية، فسوف نقبل أن يكون المخرج من المشكلة هو كسر هذه السيطرة وإعادتها إلى الأكثرية المذهبية صاحبة الحق، كيفما كان الشكل الذي يمكن تحقيق هذه الغاية عبره، (سواء بإعطاء كل طائفةٍ نسبة من السيطرة على الدولة "المناصب"، تناسب نسبتها العددية في المجتمع، أو بإقصاء أبناء الأقليات المذهبية عن المراكز العليا في الدولة تحقيقاً لمبدأ حكم الأكثرية، أو بإحلال أشخاصٍ من منبتٍ أكثري في المواقع الحاسمة التي يحتلها الآن علويون، أو بأي صيغة آخرى)، يبقى السؤال: هل يضمن الحكم "الأكثري" (معرّفاً بأنه الحكم الذي يشغل فيه المناصب الأساسية في الدولة أشخاص من الأكثرية المذهبية) تحرّر السوريين من الظلم والقمع وإرهاب الدولة؟ هل يضمن تجاوز الفساد وتأمين نمو اقتصادي وتحسين مستوى معيشة المواطن؟ هل يضمن تحقيق مستوى أعلى من الكرامة والحرية والعدل التي خرج السوريون يطالبون بها؟

على من يميل إلى الإجابة بنعم عن الأسئلة السابقة البحث عن سبب الثورات التي اندلعت في بلدان عربية لا تعاني من "حكم أقلية". وعليه البحث عن سبب الفظاعات التي شهدتها

"الوهم بأنهم أصحاب سلطة، والخوف من بديل إسلامي، هو ما يربط الطائفة العلوية بنظام الأسد"  الجزائر، مثلاً، في ما تسمى "العشرية الدموية" طوال العقد الأخير من القرن الماضي، على الرغم من غياب الأقليات المذهبية هناك. وعليه تفسير القمع المعمم الذي شهدته سورية في زمن الحكم "الأكثري" خلال الوحدة مع مصر... إلخ.

الإشكالية (أو المشكلية) التي تشمل البلدان العربية هي غياب آلية ثابتة لإنتاج الشرعية السياسية، هي اقتصار الصلة بين الحكم والمحكومين على القسر، هي انغلاق الخط الراجع إلى التأثير المتبادل بين الحكم والمحكومين، فلا يستمدّ الحاكم مشروعيته من المحكومين، بل من قدرته على فرض نفسه على الداخل، ومن تحصيل قبول الخارج، في معادلةٍ لا محلّ فيها للمحكومين إلا موضوعا للحكم القسري. هذه هي الرحم السياسية المولدة لكل أسباب الاحتجاج والثورات، وما التلاوين الأخرى المتعلقة بعشيرة أو مذهب أو مناطق الحاكمين... إلخ، سوى تفاصيل وملامح مختلفة للأصل الواحد.

من المريح اختزال تعقيد المشهد السوري في حشره بخانةٍ طائفيةٍ بسيطة، وقد يكون هذا من بين أسباب شيوع المنظور الطائفي، فضلاً عن الخدمات التي يقدّمها هذا المنظور لحامليه السوريين، من حيث تطهير الذات عبر شيطنة الآخرين، وإعفاء النفس من مسؤولية الخطأ، فهناك مؤامرات وباطنيات وعقائد إجرامية وتواطؤات وخيانات وعبوديات... إلخ، وحدها المسؤولة عما وصلنا إليه. يقود هذا المنظور، من تلقاء نفسه، إلى رؤية الصراع في سورية صراعا بين خير مطلق وشر مطلق. هناك ذات فاسدة وذات طاهرة. وبطبيعة الحال، لا ينسجم هذا المنظور مع النقد الذاتي، ولا مع قبول النقد، لأن الخير والطهارة لا يقبلان النقص. ولا ينسجم أيضاً، وفي الوقت نفسه، مع قبول أي نسبةٍ من الخير في الشر المقابل. لذلك، يحيل هذا المنظور حامليه، كل من موقعه، وحسب قدراته، إلى جنود أو حماة أو محامين لصالح الخير الذي يتصوّرونه بلا نقص، ضد الشر الذي يتصوّرونه بلا نقص أيضاً.

في الحق أن هذا المنظور الذي عرضناه، بصورة حدّية أو صافية، له جاذبية خاصة، فيما يبدو، وقد تحكّم بنسبة كبيرة من الوعي المناصر للثورة، وساهم، من بين عوامل أخرى، في عرقلة العزل السياسي للطغمة الأسدية الحاكمة.

عودةً إلى مناقشة ما تم قبوله مؤقتاً أعلاه، من خلال التفكير بالسؤال: هل يمكن اعتبار الطائفة العلوية في سورية "طائفة حاكمة"؟ لا يقول الواقع المعيشي للعلويين في سورية إنهم طائفة حاكمة، لا المعاينة الميدانية لقراهم أو لأحياء الفقر التي يعيشون فيها في المدن أو على أطراف المدن، ولا الدراسات الاقتصادية الجادّة التي تتناول مناطق وجودهم، أو حصص هذه المناطق من الخطط التنموية، لا شيء من هذا يقول إنها طائفةٌ تحصل على نسبةٍ مميزةٍ من الدخل القومي، بسبب سيطرتها المفترضة على الدولة. يقول الواقع المعيشي للعلويين إنهم جزءٌ غير متميز من النسيج الشعبي السوري، ويميلون إلى شغل مواقع متدنيّة في السلم الاقتصادي الاجتماعي.

لا يغير شيئاً من اللوحة أن هناك نسبة من العلويين بلغت مناصب عليا في الدولة، ولا سيما في الجيش والأمن، ودخلت نادي الأثرياء ورجال الأعمال. كما لا يغير من اللوحة أن هذه النسبة من العلويين تتجاوز بكثير نسبة منبتهم من السكان، أو أنها وصلت إلى مناصبها بتفضيلات وحسابات طائفية. المعروف أن للعنصر العلوي، في الجيش والأمن خصوصا، فرصة أوفر في نيل الحظوة، وفي أن يصبح مستقرّا لسلطة، بصرف النظر عن رتبته، غير أن هذا يدخل في إطار آليات تعزيز السلطة الحاكمة، ولا تمسّ بصورة مؤثرة مستوى معيشة العلويين، أو نفوذهم إلى السلطة كطائفة.

والواقع أن أصحاب السلطة الأمنية والعسكرية العلويين الذين كانوا دائماً عصب السلطة المشدود، ونواة النظام الأمنية والعسكرية الصلبة، ليسوا، كما يمكن أن يتصوّر كثيرون، جسراً بين الطائفة والسلطة. ربما كان هذا التصور البسيط، أو الآلي، من أسس الاعتقاد بوجود طائفة حاكمة، هذا الاعتقاد الذي تجد ظلاً له عند كاتبٍ مهم، مثل ميشيل سورا.

النافذون العلويون مشدودون، في الواقع، إلى آليات السلطة واشتغالها في المجتمع، أكثر من انشدادهم إلى بيئتهم الاجتماعية ومتطلباتها وحساسياتها، ما يجعل من هؤلاء "أغوات" جددا يسكنون الفيلات الفخمة ذات السقوف القرميدية، بجوار بيوت وسطهم الفقيرة، ويصبحون غرباء مترفعين وذوي ميولٍ تسلطيةٍ مريضةٍ، لا تشبع من استجرار مشاعر الخضوع والتعظيم من الأهالي.

مع ذلك، لدى العلويين وهم بأنهم حاكمون، وأن نظام الأسد أقرب إليهم. التعبير الأمثل عن هذه المفارقة أن تجد صورة الرئيس "العلوي" في صدر بيت يفتقد للحد الأدنى من شروط الحياة 

"المفارقة أن تجد صورة الرئيس "العلوي" في صدر بيت يفتقد للحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة" الكريمة. أو أن تجد الصورة نفسها في صدر بيتٍ يوجد أحد أبنائه في سجون صاحب الصورة، سجين رأي وسنوات طويلة. يعرض العلوي في الجو النفسي – السياسي السوري ما يعاكس قول الشاعر: "ظلم ذوي القربى أشد مضاضةً"، وربما يطمح حملة المنظور الطائفي السّني إلى موقع مشابه.

يتعزّز شعور العلوي بالسلطة الوهمية بشعور آخر يأتي، هذه المرة، من السوريين غير العلويين، والذي يذهب، من دون تمعّن وبناء على مشاهدات مجزوءة وتعميمات خاطئة وانطباعات، إلى أن العلويين، كطائفة، حاكمون. وليس هذا الوهم المتبادل عديم القيمة بالتأكيد، إنه يشبه الرأسمال الرمزي الذي يمكن أن يدرّ مكاسب مادية لأصحابه، ويمكن تعزيزه بسبل شتّى، والاستثمار فيه، غير أنه يبقى وهماً ينبغي تبديده.

من المهم السؤال عن سبب عدم تفجّر هذا التناقض بين واقع معاشي وسياسي سيئ للعلويين وشعورهم بالولاء أو حتى التماهي مع نظام لا يوفر لهم، مثلهم مثل بقية السوريين، ما يبرّر الولاء... الجواب يكمن في خوفٍ، تجري تغذيته باستمرار، من انتقامٍ قادمٍ إذا سقط النظام وخلفه نظام إسلامي لا يبدو لهم أن هناك نظاما آخر غيره مرشح لخلافة النظام الحالي. ومن المفيد هنا ملاحظة الموقف العلوي العام، الرافض بشدة أي معارضة للنظام في سياق الثورة السورية الحالية، قياساً على موقفهم الأكثر انفتاحاً في أحداث 1979-1982. ذلك أنه قبل تلك الأحداث لم يكن في ذمة النظام دماء ومجازر، يخشى العلويون تحميلهم مسؤوليتها.

الوهم بأنهم أصحاب سلطة، والخوف من بديل إسلامي، هو ما يربط الطائفة العلوية بنظام الأسد. على هذا، فإن عزل نظام الأسد يحتاج إلى جهد نقدي، يبدد وهم العلويين بأن نظام الأسد "نظامهم"، ويبدّد وهم غير العلويين بأن نظام الأسد هو نظام "طائفة حاكمة"، ويحتاج إلى بروز معارضة ديمقراطية ذات وزن.

==========================

مجزرة السويداء: هل انتصر النظام على الثورة؟

ريمة جباعي

القدس العربي

الخميس 9/8/2018

ما حصل في سوريا عام 2011 هو لحظة ثورية حملت كشف حساب مباغت للمعنيين بالشأن العام والمعارضة السياسية والمثقفين، بينما كانت لشبابنا الذين نزلوا بصدورهم العارية أمام الرصاص تعني لحظة حياة أو موت لكسر سلاسل السجن، وكان على الجميع أن يحذوا حذوهم، لكن المعارضة والمثقفين وأصحاب المشاريع والمتسولين والمنتفعين والفقراء والخائفين من الغول الأسدي لم يفعلوا وبالتالي خسرنا اللحظة الثورية وبخسائر فادحة، لكنها أيضاً انتصار لا بد منه، فلم تكن الثورات يوماً، كما يحب الشعراء أن يتخيلوها، طاهرة وسلمية ونقية من الدم.

الوقفات الاحتجاجية

هناك خلط بين مظاهرات الثورة والوقفات الاحتجاجية التي تحدث في مجتمع أنجز بناء مؤسساته وحقق دولة مدنية تضمن له حقه في الاحتجاج السلمي، أما في مجتمعنا فهي لحظة ثورية مباغتة لم نعد لها عدة ولذلك كانت احتمالاتها مفتوحة على اللانهاية، فكانت الخسائر فادحة، إنما حققت شق نوافذ في جدار الظلام وقطعت الكثير من السلاسل، وعرّت الأيديولوجيات جميعاً الاجتماعية والدينية والسياسية، وهذا إنجاز مهم تبقى أهمية استغلاله مرهونة بمن يتولى المراجعات وإعادة الحسابات.

بدل أن توحد المعارضة صفها في شخص قد يكون أي شاب من الشارع (قائد رمز) وتنزل جميعهاً صفاً واحداً مع الشباب في الشارع، تركت الشارع وحيداً لا بل كسرته وزادت من تغوّل النظام عليه، وظلت تراهن وتراهن، وبعد أول مجزرة لم تتحمل المعارضة مسؤوليتها وتوقف حمام الدم وتجنّب البلد احتلالا خارجيا، بل ظلت تتنقل من تشكيل إلى تشكيل متهمة في كل مرة أن العالم يخذلها وأنها مخترقة.

أما النظام فهو يعمل منذ تولي حافظ الأسد بثبات ولم تباغته الثورة كان واثقاً أنه أعدّ لها العدة المناسبة، لذلك كان واثقاً من نفسه جداً ورفع شعارًاً مستفزاً (الأسد أو نحرق البلد) لو لم يرفعه لما تجاوز الخطوة الأولى، للجر إلى السلاح، وبدأ معركة حقيقية متنقلاً فيها من مرحلة إلى أخرى منتصراً، والمعارضة تتلمس رأسها، ثم تعيد وتصرّ على أنها لا زالت قادرة على اللحاق به.

مجزرة السويداء: لماذا؟

النظام لا يعاقب السويداء. هو يريدها هكذا، لأنه يخشى إن طلبت السويداء حماية باعتبارها أقلية أن تحصل عليها بسهولة، وهو لا يخشاها أيضاً كما يعتقد البعض، بل هي ورقته الرابحة وما يحصل في السويداء هو تسوية الأوراق النهائية للمصالح.

من يهوّل ويظن أن النظام يحمي أحداً أو يعاقب أحداً هو مجرد واهم أو مبرر لنفسه، أو مندد لغيره، لذلك من يرى المسألة بطريقة صحيحة عليه أن يتخذ المكان المناسب الآن للضغط على النظام.

المعركة مستمرة والسلاح واحد في الخارج والداخل، كل من يظن الآن أن بإمكانه إنقاذ شخص أو مدينة أو يشعر بالذنب فليفكر في كيفية الضغط على النظام بتحقيق منجزات حقيقية وبلا جعجعة.

إسرائيل لا تكره النظام

من يقول إن من في الخارج لا يعنيهم والداخل سيلاقون الويل، فالرد عليهم هو أن سكوتنا هو ما أوصلنا إلى هنا.

ومن يقول إن أهلي في الداخل، عليه ألا يتأكد أيضاً أنه لن يحميهم ذلك، بل قد يؤثر برأيه ورأيهم عبر رفض الأسد الآن في تحقيق شيء إيجابي.

النظام لا يحمي أحدا سوى نفسه تماماً كما هو الشعار الذي أطلقه موالوه: «الأسد أو نحرق البلد». لنفهم هذا جيداً.

لا أحد يبحث عن قوائم ولا بيانات، فقط يأخذ موقفا إما أن يصمت أو يقول بصوت عال لا أريد الأسد.

أهالي السويداء يجب أن يستثمروا في الحالة الهوليوودية التي تحيطهم لكن يجب أن تستثمر الحالة جيداً، انتبهوا جيدا المهم أن تكون السويداء ضد الأسد. استثمروا جيداً فيها.

الآن النظام ومعاونوه ومخبروه الذين صنع منهم معارضة كنجيب الذي يبدأ بكشف الحقيقة الآن لضرب المعارضة وليس لضرب السويداء لأنه انتهى.

مثال: عصام زهر الدين بطل عند السويداء لكنه قاتل عند الآخرين ورمز للأسد وحين انتهى النظام منه أعاده إلى السويداء مقتولا، وفي الوقت نفسه قتل الشيخ وحيد البلعوس قائد شيوخ الكرامة… هو يهادن في السويداء 50 ألف عسكري أو متخلف هذه قوة لا يستهان به أن تكون ضده (لا تضللكم التشويهات والتنديدات) هو أراد أن يحفظ ماء وجهه في مرحلته الأخيرة. لقد عمل على إثارة نخوة الدروز وهذا إما نستثمره نحن أو يستثمره هو.

وعلى الرغم من أن السويداء هي أكثر محافظة التي تحتاج لتثور على النظام كونه أفقرها نهائياً وأهان كرامة شرفائها بتوظيف من لا شرف لديهم لذلك وعلى مبدأ المثل الشائع في السويداء (دافنيه سوى، أو خلي الطابق مستور) يعني الكشف يعري الجميع وبالتالي هناك من سيتعرى.

من يزايد ويظن أنه يساهم الآن في التخفيف من حجم المجزرة إن كان مع النظام فليرفع صوته عالياً فنعرف من منا ومن معنا ويقول أنا مع بشار الأسد، ومن يعارض ويزاود ويقول إنه في الخارج وأهله في الداخل ويخشى عليهم، أيضاً ليكف عن المعارضة ويطلب منهم أن يكونوا مع بشار الأسد. الوطني يرى جيداً وهناك من لا يرى أبعد من أنفه

كاتبة ومترجمة من سوريا

==========================

الشطارة الروسية: اقتل… دمّر… هجّر… عمّر ثم أعد اللاجئين إلى ديارهم!

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 9/8/2018

شاطر هو المحتل الروسي، على رغم كل فظاظته، لأن أحداً لا يوقفه عند حده. جاء إلى سوريا لـ«محاربة الإرهاب» فدمر، على مدى 3 سنوات، بقدر ما يمكن لقنبلة نووية ذات حجم متوسط أن تفعل، ليضاف ذلك إلى مفعول القنبلة النووية الثانية التي يعادلها مجموع البراميل المتفجرة التي ألقاها طيران النظام على المباني السكنية في مختلف المدن السورية، لتكون النتيجة دمار نصف العمران وتهجير نصف السكان، وقتل نحو مليون سوري، معظمهم من المدنيين. ولم يستهدف الطيران الروسي داعش والنصرة المصنفتين على قوائم الأمم المتحدة للمنظمات الإرهابية، إلا في حالات نادرة. في حين كان استهداف المخابز والمستشفيات والمدارس والأسواق الشعبية، نهجاً «مبدئياً ثابتاً» لكل من الطيران الروسي وطيران النظام، وكانت منظمة الدفاع المدني المعروفة بالخوذ البيضاء التي عملت على رفع أنقاض القصف الروسي ـ الأسدي وإنقاذ الجرحى، عدوهما الأول. بل إن الطيران الروسي لم يوفر قوافل إغاثة تابعة للأمم المتحدة، فقصفت إحداها قرب حلب إبان حصارها القاسي في 2016.

بعد هذا القصف «التمهيدي» الطويل، انتقل الروسي، ببراعة بهلوان، من الحرب إلى «الحل السلمي»، فاخترع، في «السياسة» ما يعادل السوية التكنولوجية للصناعات الروسية الرديئة: مناطق خفض التصعيد (!) التي في ظلها واصل تدمير المدن المحاصرة وتهجير سكانها، مع تطويع الفصائل العسكرية غير المصنفة إرهابية في مسار آستانة، وتطويع «الهيئة العليا للمفاوضات» في مسار سوتشي.

وقبل الانتهاء من «خفض التصعيد» المدمر هذا، أوعزت روسيا للمبعوث الأممي ديمستورا بتشكيل «لجنة دستورية» مهمتها إعادة إنتاج النظام الكيماوي بموافقة «المعارضة» و«المجتمع المدني»، في الوقت الذي واصلت فيه قضم أراضي الجبهة الجنوبية لمصلحة تابعها في دمشق، وبالتوافق مع تل أبيب بما يلبي الهواجس الأمنية لإسرائيل. وبانتظار التئام لجنة ديمستورا للمصادقة على الدستور المكتوب في موسكو، أخرجت روسيا من جيبها ورقة إعادة اللاجئين، بصورة متوازية مع «خطوة رمزية لبناء الثقة» بين «معارضة» سوتشي والنظام الكيماوي، فحواها إطلاق سراح معتقلين بصورة متقابلة، اتضح أن النظام قد بدأها من طرف واحد على شكل قوائم شهادات الوفاة بحق آلاف ممن كانوا معتقلين لديه وماتوا «لأسباب صحية» متشابهة، ولكن ليست لهم جثث!

ولكي لا يبقى فراغ في سجون الأسد ومراكز اعتقاله المنتشرة كالسرطان على الأراضي السورية، بعد وفاة أولئك المعتقلين، بدأت أجهزة مخابراته حملات اعتقال جديدة، شملت المئات إلى الآن، في تلك المناطق التي استولى عليها بقوة الطيران الروسي، كحلب والغوطة الشرقية ودرعا وغيرها.

نشط الدبلوماسيون الروس في اتصالاتهم بالدول المضيفة للاجئين السوريين، فقدموا عروضاً مغرية لتخليصها من عبئهم، وكأن الحرب قد انتهت، والأرض السورية باتت جاهزة لاستقبال أولئك اللاجئين، بعدما تم القضاء على «الإرهاب»!

ولكن ماذا عن إعادة الإعمار لكي يجد العائدون المفترضون بيئة صالحة للحياة؟

الواقع أن ورقة إعادة اللاجئين هي الجزرة التي تحاول روسيا تقديمها لدول متلهفة على هذه الخطوة، كلبنان والأردن والدول الأوروبية، للحصول على تمويل إعادة ما دمره الطيران الروسي والأسدي. إنها ذروة الشطارة: أدمرها وأنا أجرب أكثر أسلحتي فتكاً، فأسوّقها، وأملأ بلادكم باللاجئين الفارين من جحيم قنابلي وصواريخي. وعليكم، بالمقابل (!) أن تفتحوا الخزنة وتعيدوا إعمار هذا الخراب لتتخلصوا من عبء اللاجئين! إنه منطق البلطجي الأكثر وقاحة، يستمد وقاحته من بيئة دولية بلغت حضيضاً من الخسة والرخاوة وانعدام الضمير، جعلها تقبل بأن يستغفلها البلطجي الروسي ويبتزها بهذه الطريقة، كما قبلت بمبدأ إعادة تأهيل كيان إجرامي اشتهر باستهداف المدنيين بالسلاح الكيماوي والبراميل المتفجرة وكل أنواع السلاح المتوفر لديه.

تعرف هذه البيئة الدولية أن إعادة اللاجئين، إذا تمت فعلاً، تعني الإلقاء بهم في فم الأسد، فلا أمان لأحد في ظل بقاء نظام إرهابي مستعد دائماً للذهاب في الإجرام إلى النهاية، فلا رادع يردعه، ولا حد يحد من ارتكاباته، دستوره الوحيد «الأسد ونحرق البلد»!

عليها أن تعرف، إذن، النتائج المحتملة لكل هذا الإذلال الذي يراد للسوري أن يتجرعه، إذلال إرغامه على العيش في ظل عصابة إجرامية أوغلت في دمهم إلى هذا الحد. فحين تحكم على الضحية باليأس المطلق وتحشرها في الزاوية الضيقة، عليك أن تتوقع تحولها إلى كتلة متفجرة عمياء من الحقد، وأن تتحمل عواقب ذلك.

من يعلم، ربما هذا بالضبط ما يريده أقوياء العالم. إرهاب متجدد، وحرب أبدية عليه، تغطي على المشكلات الحقيقية في عالمنا المعاصر!

==========================

عن نشوء «مسألة درزية»

مرزوق الحلبي 

الحياة

الخميس 9/8/2018

هذا الشرق شديد الولع بإنتاج المسائل ـ مسألة الأرمن مرة والمسألة الكردية ومسألة الأقباط والإزيديين ومسألة الفلسطينيين. وأخشى أننا في سبيلنا إلى مسألة جديدة هي «المسألة الدرزية». وهي مسألة ملتهبة في موقعين متجاوريْن، في إسرائيل وفي جبل الدروز جنوب سورية. والقضية في الموقعين متشابهة من حيث جوهرها على رغم الاختلاف في التفاصيل والحيثيات. ففي جبل العرب يقف الدروز أمام نظام متوحّش يخيّرهم بين الاندماج في توحّشه كفاعلين أو التحوّل إلى ضحية لتوحّشه. وفي إسرائيل، يقف الدروز بعد قانون القومية الذي سنّه الكنيست أمام خياريْن: إما أن ينخرطوا في نظام الأبرتهايد الذي أسسه القانون كمرتزقة وكقوة ضاربة أو الانحياز لمصلحة قوى في المجتمع اليهودي تُريد الحفاظ على الوضع القائم لجهة دولة يهودية ـ ديموقراطية تتوصّل إلى تسوية ما مع الفلسطينيين. أما دروز لبنان فمحنتهم مستمرّة منذ اغتال نظام الأسد الأب كمال جنبلاط واحتلّ لبنان ومنذ انقلب «حزب الله» على اتفاق الطائف ووضع البلد وبيروت تحت رحمته.

في العقيدة الدرزية، رواية تتحدث عن «المِحنة» التي ستُحيق بهم في الآخرة! وعليه سنجد الكثيرين من أتباع المذهب الدرزي يتحدثون بعد مجزرة السويداء قبل أسبوعين عن أن «المِحنة» هنا. ويقولونها بتركيب لغوي مجازي طريف وهو أنه سـ «تضيق حلقة الميم على أعناق الموحّدين»! ففي سورية يُفاوض ضباط روس دروز الجبل طالبين عودة المتخلفين الخمسين ألفاً للخدمة وملء الفراغ الناشئ عن قلة عدد المجندين واضطرار الإيرانيين وميليشياتهم إلى الانسحاب من محافظة درعا وفق الطلب الإسرائيلي. والمطلب الأساس في المفاوضات تجريد «شيوخ الكرامة» الذين يحمون المتخلفين عن الخدمة من السلاح وإخضاعهم للنظام المتمدّد جنوباً. المفاوضات التي يُشرف عليها الروس هي غطاء لسلسة من الضغوطات والتهديدات بدأت من سنوات مفادها الخضوع أو أنكم أنتم لقمة سائغة في فم داعش أو الفصائل التي لا حسب لها ولا نسب المؤتْمَتة في ورشة مخابرات النظام. وهي ليست مجرّد تهديدات فحسب، بل مجزرة بالفعل وبالاحتمال مسلّطة فوق رقاب الدروز كما رأينا في السويداء وباديتها.

أما في إسرائيل التي بدت أوضاع الدروز فيها مستقرّة بعض الشيء ـ بمعنى انعدام أي خطر وجودي عليها ـ فقد ألفى الدروز أنفسهم أمام قانون القومية الذي يُسقط عنهم مواطنتهم الكاملة ويجعلها مشروطة تماماً ورهينة مزاج المجتمع اليهودي الذي أعلن أنه يمتلك كل الأرض بين بحر ونهر حصرياً من حيث السيادة وتقرير المصير والملكية، للشعب اليهودي الذي فيها والذي لم يأتِ إليها بعد. القانون في نصّه ودلالته يتنكّر لمسيرة ستة عقود كان الدروز فيها جزءاً من المشروع الصهيوني ـ الإسرائيلي في موقعهم السياسي وتجنيدهم القسري. وعندما احتجوا مدعومين بشرائح واسعة من المجتمع اليهودي خيّرهم رئيس الحكومة في جلسات المفاوضات الماراثونية بين أن يكونوا مرتزقة مسلوخين عن انتمائهم العربي المشرقي مرهونين للسيد اليهودي وبين أن يذهبوا إلى سورية ـ جبل العرب! أما احتجاجهم الذي قضّ مضجع نتانياهو لأنه حرّك الشارع اليهودي ضده، فأتى حتى الآن بخطاب المواطنة/ الهويّة الإسرائيلية التي يُصادرها قانون القومية الجديد ويُلغيها لمصلحة مواطنة يهودية حصرية.

مع هذا، كان هذا الاحتجاج الخجول كافيا لأن يُحرّك النزعات اليهودية اليمينية العنصرية المُستعلية ضدهم واتهامهم بأنهم «غير مخلصين ولا يقدّرون معروف الشعب اليهودي معهم وحمايته لهم»، وعرّضهم لموجة تحريض مسمومة من نتانياهو وأوساطه! فوضعهم هذا مجدداً في خانة الدفاع عن صورتهم كمُحبّين لإسرائيل الدولة والعلم ومُخلصين لهما أيّما إخلاص.

الدروز في سورية رفضوا إلى الآن الإملاءات الروسية ومشروعات النظام، مُصرّين على أنهم لن يكونوا أداة لتقتيل الشعب السوري ولا لتدمير حاضرته، وهو الموقف الوطني الذي رسّخه «شيوخ الكرامة» ورئيسهم وحيد البلعوس الذي اغتالته مخابرات النظام مع 50 من رجاله في 2015. لكن في الوقت ذاته زاد الشحن والتوتّر الداخلي بين قلّة مؤيّدة للنظام بحجة أن لا خيار آخر، وبين كثرة تريد الوطن بغير النظام وتوحّشه لكنها تعرف الثمن الباهظ لذلك.

أما الدروز في إسرائيل الذين سلختهم المؤسسة الإسرائيلية عن مجموعة انتمائهم العربية فيجدون أنفسهم في وضع يُدافعون فيه عن إسرائيليتهم التي تترك لهم وللفلسطينيين عموماً في إسرائيل هامشاً من الحريات والمكانة في مواجهة تهويد المواطنة وخفض مكانتهم كجماعة في خريطة الجماعات داخل إسرائيل. من هنا، تأكيدهم المطالبة بمكانة متساوية كجزء من وضع سياسي ـ دستوري يضمن المساواة والمواطنة المعترف بها لكل الجماعات في الدولة. ورفضوا إلى الآن خطة الحكومة أن تكون لهم مكانة خاصة ـ ليست كاليهود ـ لكن أفضل من الفلسطينيين داخل إسرائيل. وقد أفشلت قياداتهم هذا المشروع الذي اعتبروه تطويباً لهم للمرة الثانية كمرتزقة. وهذه المرّة ليس في إسرائيل الدولة «اليهودية ـ الديموقراطية» التي تحتلّ الفلسطينيين بل إلى جانب نظام أبرتهايد إسرائيلي آخذ بالتنامي والظهور إلى العلن.

أما الدروز في لبنان فيقفون غير قادرين على الحركة لا في حدود الوطن المأزوم ـ لبنان ـ ولا تجاه الأخوة في إسرائيل أو سورية. وكل ما استطاعوا القيام به حيال الوضع في سورية هو التبرّع بالموارد وطلب التروي والتسلّح بالحكمة.

أرجّح أن الأوضاع في الموقعين ـ دروز إسرائيل ودروز سورية ـ مرشحة للتطور باتجاه التصعيد مع الاختلاف في طبيعة التصعيد في الحالتين. ففي إسرائيل لا يزال الأمر يحصل في الحيز السياسي الذي يوفّر هامشاً من الحريّات، أما في سورية فقد يذهب في مسار عنيف يفرضه النظام مدعوماً من الروس المعروفين بتوحّشهم في الشيشان.

==========================

في الهزيمة المذهبية للسوريين

سميرة المسالمة

الحياة

الخميس 9/8/2018

لم تستطع القوى التي تصدرت المشهد السوري، على جانبي الصراع، طرح منظومة أخلاقية تستنهض من خلالها السوريين، للالتفاف حولها في مواجهة منظومة الفساد والاستبداد التي رسّخها حكم الأجهزة الأمنية، منذ تولي رئيس «المكتب الثاني» (المخابراتي) زمن الوحدة مع مصر، إضافة لمهامه في الداخلية، تعيينات وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الأوقاف، ورئاسة المجلس الأعلى للتعليم، ما يعني ربط المجتمع بكل تفاصيله برجال الأمن والاستخبارات.

هذا الوضع لا يزال قائماً حتى يومنا الآن، عاكساً واقعنا المأسوي، حيث ورثت أجهزة النظام الأمنية (17 جهازاً) «المكتب الثاني»، بكل تفاصيل عمله، وطورتها بما يخدم تمكينها من استلاب كل أنواع الحريات، بحيث أصبحت فيه حتى القراءات النقدية للوحات الفن أو قصائد الشعر، تمر عبر انطباعات أزلام تلك الأجهزة وعملائهم، ما يتجلى اليوم في ادعاء هذا النظام تحديث الخطاب الديني، الذي يرتكز - وفق وزير أوقاف سورية- على فكر «السيد الرئيس» ومحدداته لتفسير نموذجي للقرآن، واستخدام المنظومة الدينية لتطويع الأفكار الشعبية لاستمرار الهيمنة واستغلال السوريين.

في الوقت ذاته فإن المحسوبين على كيانات المعارضة يواجهون تطورات الحياة في القرن الواحد والعشرين بالعودة إلى التفسير السلفي للدين، والذي أنتج ما يمكن تسميته الهزيمة السياسية للتيار الإسلامي في كل أنحاء العالم. وعلى رغم أن تدين السوريين كان يوصف دائماً بـ «الوسطي»، إلا أن الصراع على السلطة، خلال تطور مراحل الثورة منذ 2011 وحتى اليوم، أنبت تيارات دينية عديدة على السطح، استطالت ونمت مستغلة ظروف القهر والظلم التي يعيشها الشعب السوري، وحتى انها طغت على قيادة بعض كيانات المعارضة، لتمارس من خلال ذلك سلطتها في إدارة الصراع مع النظام، وكأنه صراع على المذاهب الحاكمة.

وبذلك حققت هذه المجموعات الدينية- بقصد أو عن غير قصد أحياناً- الغاية التي سعى إليها النظام، بإبعاد الثورة من غاياتها في التحرر من الاستبداد، وفق مفهوم الصراع السياسي والحقوقي، وأنهت حالة الصراع السلمي لتمارس عنفاً مقابلاً لعنف النظام عبر أدواتها المسلحة من فصائل ايدلوجية، خلال حكمها ما سمي بالمناطق المحررة، وكذلك من خلال تعاونها أو صمتها على ممارسات فصائل متطرفة، كـ «النصرة» و «جيش خالد»، التي وجهت ادواتها المسلحة باتجاهين: نحو المواطنين السلميين من حاضنة الثورة، ونحو الجيش الحر، ما نتج عنه ذوبان فصائل «الحر» لمصلحة الفصائل «المؤدلجة»، وابتعاد الحاضنة الشعبية من الثورة، المفترض أنها الأداة التي ستمكنها من وضع خاتمة لنظام الاستبداد وممارساته القمعية.

ولا يمكن فهم ظاهرة تمدد وتحول تلك الجماعات من دينية ومسلحة إلى منظومات خدمية وخاصة في مناطق الشمال وتوسعها، باتجاه التعليم والخدمات البلدية مثلاً، إلا من باب التنافس على موقع مجتمعي سلطوي ايديولوجي، يروج لأفكار مبسطة تبدأ من المسلمات في الواقع السوري، لتعبر من خلالها إلى التصرف بشؤون السوريين، تحت ذريعة الحكم باسم الشريعة، وبالتالي تمرير ما تريده من تبرير أعمالها غير المتّسقة مع مطالب الثورة في الحريات العامة والخاصة، لتكون بديلاً مقابلاً لايديولوجيا النظام القائمة على الاستبداد والهيمنة على الفكر، بدءاً من محاولاتهم السيطرة على ما يمكن تسميته دستور سورية الذي يعد داخل أروقة دول احتلال سورية، بما يخدم تمزيق اجماعات السوريين على وحدة سوريا شعبا وأرضاً، ومن خلال هيمنتهم السلطوية على سكان المناطق «المحررة»، والتغيير الايدلوجي الذي احدثوه بمساعدة غير مباشرة من النظام، وهو يتشابه مع التغيير الديمغرافي الذي فرضه النظام في مناطقه لضمانة مجتمع «متجانس»، وفق تعبير رئيس النظام، واعتبار هذا التجانس غاية الصراع في الثورة، الذي سعى إليه كل من الطرفين النظام والمجموعات الدينية.

وضمن حالة الاصطفافات على جانبي المتمكنين من السيطرة على الأرض بالقوة، بسبب امتلاكهما السلاح والدعم الدولي، سواء النظام المدعوم من إيران وروسيا، أو المحسوبين على الطرف المقابل المدعومين من تركيا، فخيارات السوريين انحصرت اليوم بين نظام مستبد، طوع «اجهزته الدينية» لتكون أداة قمعية لمصلحة أهدافه السلطوية، أو بين طرف مقابل له يملك الصفات ذاتها، وفي أحسن الأحوال ما يشبهها، ولكن تحت ذرائع مختلفة، فبينما يسميها النظام «أي الذرائع» قانون الدولة، تسميها تلك المجموعات حكم الشريعة، في استخدامات غير حقيقية، وغير مرتبطة بما تطالب به مجموع إرادات من انتفض بوجه استبداد النظام وعنفه.

على ذلك، يمكن فهم حالة الانقسام المجتمعي التي أحدثتها المنظومات الدينية الاستخباراتية، في الضفتين المتصارعتين على السلطة، (النظام كطرف، والجماعات العديدة كطرف مقابل) ضمن المهيئات المناخية لتقسيم سورية، على أساس مذهبي وطائفي ولاحقاً جغرافي، وهو ما تسعى إليه الأطراف ويظهر بوجه جلي في أحداث السويداء التي بقيت طرفاً بعيداً من كل المعارك الدائرة خلال السنوات السبعة الماضية، واستعصت عليهم لتكون طرفاً في دخول الحرب سواء طائفياً أو عسكرياً، ما جعلها اليوم ضمن أولويات النظام والمجموعات المتطرفة لتكون ساحة معركة تنبش في الجزر الطائفي لإثارة حرب لا تخمد رحاها في القريب العاجل، ويصعب استدراك نتائجها ما لم تتخذ الجهات المحلية داخل السويداء موقفاً حاسما، تحبط من خلاله خطة استدراجها إلى قائمة المتناحرين مذهبياً.

إن تعاطي النظام اليوم مع مسألة التجديد في الخطاب الديني، «وفق المرتكزات الفكرية للسيد الرئيس بشار الأسد» (بحسب وزير الأوقاف السوري)، على رغم ارتهان ذلك الخطاب أساساً لأجهزته الأمنية، في التوقيت الذي يدخل فيه أيضاً «المجلس الإسلامي» كطرف معارض، ويحدد نوع المعصية التي يرتكبها المشاركون في لجنة الدستور، التي نسقتها دول شركاء آستانة (روسيا، إيران، تركيا)، بأنها «تندرج في ما نهى الله عنه من التعاون على الإثم والعدوان»، وفق بيان المجلس الصادر في 13 تموز (يوليو)، يزيل اللبس عن أن السوريين يقعون اليوم تحت وطأة خطابات دينية مسيسة حسب وجهة السلاح الأقوى، في محاولة لإزاحة الثورة من مفهومها السياسي، إلى حالة الحرب المذهبية، التي تذهب بالدولة الوطنية التي تقبل الجميع بكل مذاهبهم وانتماءاتهم القومية، إلى ما قبل وجودها في تاريخ البشرية.

في المحصلة، فنحن كسوريين لا نزال بعيدين من صناعة منظومة أخلاقية لا تديرها أجهزة الاستخبارات المحلية والدولية، وما تتعرض له الشخصيات الوطنية غير المرتهنة لأي من اجندات المنظومات القيمية المخابراتية من حرب دعائية، هو انعكاس لمدى هيمنة هذه المجموعات، وابتعاد مريديها من فهم أسباب الثورة، التي يقع في مقدمها البحث خارج دائرة السلطة الأمنية عن منظومة قيمية، تواجه الفساد والاستبداد القائم، والمتشكل الآن بقوة السلاح المرتهن والموظف ضد السوريين كحالة وطنية.

* كاتبة سورية

==========================

الموت سيد من دمشق

أمجد ناصر

العربي الجديد

الثلاثاء 7/8/2018

لم يخطر في بالي سوى بيت شعر بول سيلان هذا، عندما قرأت أخبار توزيع النظام السوري، بكل برود واستهتار ويقين عميق بالإفلات من العقاب، أسماء مئات، إن لم يكن آلاف الشبان الذين قضوا في سجونه على مدار سني الثورة: الموت سيد من ألمانيا عينُه زرقاء.

حضور الشعريِّ في حالةٍ كثيفة الألم كهذه حتمي على ما يبدو. فماذا يمكن أن يقال حيال هذه الميتات المجهولة، حيال كل هذه الأسماء التي كانت لها وجوه وسير حياة يومية معلومة، وصارت أرقاماً أو تبليغات رسمية؟

يتحدّثون عن آلاف الأسماء التي انقطع خبرها وصارت أثراً بعد عين! يتحدّثون عن مجزرة عملت في صمت مطبق، وراء القضبان، وجدران الإسمنت، وفي الأقبية العميقة، سنين عديدة.

كيف يمكن لخبرٍ كهذا أن يثير ما يظنّ النشطاء السوريون أن يثيره في فضاء العالم المشبع بالنفاق، المستسلم، بلا أدنى مقاومة، لإرادة "الأيدي الإلهية" التي ترتفع، كقضاءٍ لا رادَّ له، تحت قبة مجلس الأمن الدولي، لتحمي الجريمة باعتبارها حقاً سيادياً؟ ما لا نلاحظه، أو نفعل ونعجز عن حرف مساره، أن كثرة الموت تزري بالموت، وتجعله أقل، وأن التكرار لا يعني مزيداً من تركيز الحقائق. كلا. الأمر مقلوب. وهذا ما يعرفه المجرمون، فالمثل السائر يقول إن سرقتَ فاسرق جملاً. إن قتلت فكثِّر، لأن فعلتك، يستحيل، حينها، تعدادُها وحصرها، فالدم يتوزّع في جهاتٍ ومسارب، ولا يعود له مُطالب. من يطالب بدم مجزرة؟ من في وسعه تبيَن وجوه الراقدين في قبور جماعية، وردَّ حقوقهم الفردية؟

لكي يكون الموت موتاً، وقابلاً لرد فعل إنساني وقانوني، عليه أن يكون فردياً، ومتعيّناً. وهذا يعني تحويل أسماء القتلى إلى وجوه وقصص ملموسة. غير ذلك ليس للموت كلفة، وهذا ما يعرفه نظام عائلة الأسد، ومارسه ونجح فيه، وأفلت كل مرةٍ من دفع الثمن. يعرف هذا النظام أنه لكي لا يكون لفعلته حساب عليه أن يدفعها خارج المتوقع والمتعارف عليه، حتى لتصبح عمل كائنات قادمةٍ من الفضاء الخارجي، لا يمكن التكهن بأفعالها، لأن لا مرجع لها، في تجاربنا وأذهاننا، ولا قياس.

التقط بعض النشطاء السوريين بعداً غير معهودٍ في سياسة السجن والإخفاء والتعذيب وهدر الكرامة البشرية التي سنَّها نظام عائلة الأسد دستوراً مُعلناً له، فإذا كانت صور العقاب وأشكاله التي تطاول المعترضين على النظام (أيِّ نظام في العالم حتى عند وحشيات القرن العشرين الثلاث: النازية والفاشية والستالينية) تبقى، غالباً، في حيز وسائل الإخضاع والسيطرة. بيد أن نظام عائلة الأسد أحدث تحوّلاً فريداً على هذه "السياسة" لفهم ما لا يُفهم. فكيف يمكن فهم إرساله برقيات، رسائل، أو نصوص هاتفية لآلاف العائلات، تفيدها بموت أبنائها وأقاربها المباشرين في السجون: سكتات قلبية؟ لكن ليس تحت التعذيب؟!

لقد بيّنت الحرب في سورية أن نظام عائلة الأسد ليس سوى جهاز أمني كبير بمئة جسد ووجه. كادت الحرب تقتلع النظام من جذوره، وخرجت معظم مناطق سورية من سيطرته، وكادت البلاد تتفكّك أجزاء، لكنَّ شيئاً واحداً ظل يعمل في كفاءةٍ طول الوقت: جهازه الأمني. هذا هو سرّ النظام السوري (الأسدي بالأحرى) ولا شيء غيره. ولا ضرورة للتذكير أن "حلفاءه" الذين مكَّنوه من "البقاء" حتى الآن لم يرهق كاهلهم على هذا الصعيد، فهنا اختصاصه، وبهذا هو قادرٌ على تقديم خدمةٍ حتى لرجل "كي جي بي" في موسكو. عندما تنكشف "الدولة" عن لا شيء سوى جهاز أمني، فهذا يعني أننا كنّا دائماً حيال عصابة وفرق موت صنعت "دولة" من عظام معارضيها. يعود صوت بول سيلان الفردي، ما بعد المحرقة، ليطلّ على دخان المحرقة السورية، ويتقمّصني: الموت سيدٌ من دمشق، مُكمَّمٌ بقناع غاز، على صدره تشعُّ محاجر القتلى بأضواء الفسفور.

==========================

محاولة لفهم ما يجري في سوريا

طريف يوسف آغا

القدس العربي

الثلاثاء 7/8/2018

زعماء دول العالم الثالث دون استثناء هم بالضرورة وكلاء (أي عملاء) لدول عظمى تحميهم مقابل تنفيذهم لطلباتها وحمايتهم لمصالحها.

عميل مزدوج

(نظام الأسد) يختلف عن بقية أنظمة دول العالم الثالث هذه أنه وبحكم دوره في المنطقة وموقعه الجغرافي، فهو (عميل مزدوج) للمعسكرين الرئيسيين: فهو ضامن لأمن إسرائيل وحدودها الشمالية وبالتالي محمي من قبلها وقبل أمريكا وبريطانيا وفرنسا، وهو أيضاً ضامن للقواعد العسكرية لروسيا في المنطقة وبالتالي محمي من قبلها وقبل من يدور في فلكها. هذا دولياً، أما على الصعيد الاقليمي، فهو أيضاً ضامن لمصالح إيران، والمحسوبة حالياً على روسيا، وبالتالي محمي من قبل آيات الله.

هذه الحقائق كانت معروفة قبل الثورة ولاتزال معتمدة حتى اليوم، وبالتالي فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا، وبشكل أو بآخر، ساهمت كل هذه الدول، بشكل مباشر أو غير مباشر، بإيصال هذا النظام إلى شفير الهاوية لتعود بعد ذلك وتنتشله وتبقيه في الحكم؟ الإجابة على هذا السؤال بالذات ليس بالسهل، فأي من هذه الدول كانت قادرة ومنذ البداية على إجبار النظام على إنهاء الاحتجاجات السلمية أو الثورة المسلحة، بتقديم تنازلات وإصلاحات للأولى أو بالقوة للثانية، ولكن لماذا تركوه يتخبط ثم يوغل بدماء الشعب ويدمر البلد وتركوا الفصائل المسلحة توغل بدماء جيشه وحلفائه، فهذا هو جوهر هذا المقال.

خط أحمر

هذا النظام والعائلة الحاكمة فيه هو خط أحمر لكافة الدول السابقة الذكر، وهي لا تسمح برحيله، وإلا لكان رحل كما رحل القذافي وبن علي وصالح ومبارك، والسبب الرئيسي أنه الضامن لأمن وأمان إسرائيل. وكافة هذه الدول التي دعمته سراً أو علناً، هي أيضاً تكرهه كونه كما ذكرنا عميلاً مزدوجاً، أو على الأقل لها ثأر ماضي معه كونه أساء لها في مرحلة ما وبشكل ما، وبالتالي وجدت في الثورة ضده الفرصة المناسبة لتلقينه درساً موجعاً دون أن تزيله. ولكن وفي الوقت نفسه استغلت تلك الفرصة لتقوية نفوذها في البلد باضعافها له وبمصادرتها لقراره السياسي والاستيلاء على موارده الاقتصادية، وسأختصر هنا الدافع لكل دولة لتوجيه صفعة له. أمريكا تعلم أن هذا النظام كان وراء أو ساهم استخباراتياً في تفجيرات المارينز في لبنان عام 1983 كما أنه كان وراء تسريب الأخبار التي أدت إلى فضيحة (إيران- كونترا غيت) عام 1987 والتي عصفت بإدارة الرئيس (ريغان) وكادت تطيح بها. وهو أيضاً من سهل دخول المسلحين الجهاديين عبر حدوده إلى العراق لمحاربة القوات الأمريكية بعد غزو عام 2003 مما دفع الرئيس (بوش الابن) حينها إلى حشد الجيش الأمريكي على الحدود السورية واتخذ القرار بالغزو لاسقاط النظام لولا تدخل رئيس الوزراء الاسرائيلي حينها (نتنياهو) وثنيه عن ذلك مقنعاً له أن (أمن إسرائيل من أمن النظام)، وهذا ما عاد وذكر به (رامي مخلوف) في بداية الثورة، مما أجبر (بوش) حينها على عقد تفاهمات مع عدوته إيران والتي قادت إلى هيمنة الأخيرة على العراق فيما بعد. ولذلك وبعد قيام الثورة السورية عام 2011 قامت الإدارة الأمريكية بتقديم الوعود بمساعدتها سياسياً وعسكرياً، مما شجع المتظاهرين السلميين على حمل السلاح وأعطى الثورة الأمل بالانتصار العسكري وألحق بالنظام العشرات من الهزائم العسكرية على طول البلاد وعرضها وعشرات الآلاف من جنوده الذين قتلوا خلال المعارك.

هناك ثأر مشابه لفرنسا مع هذا النظام، والسبب وقوفه وراء تفجيرات باريس في مطلع الثمانينيات وخروجه قبل ذلك من العباءة الفرنسية التي ضمنت أن تلبسها سوريا ثمناً لمنحها الاستقلال. ولم يكن الثأر البريطاني مختلفاً بعد اتهامه للنظام السوري بمحاولة تفجير طائرة ركاب إسرائيلية في مطار لندن عام 1986 مما أدى إلى قطع العلاقات بين البلدين لعدة سنوات في حينه. كافة هذه الدول الغربية والحليفة لبعضها وجدت الفرصة مناسبة لمعاقبة النظام وهي تعلم مسبقاً أن توجيه الضربات له لا يجب أن تؤدي إلى إسقاطه لأن ذلك يضر بأمن وأمان حليفتهم الرئيسية والأقوى في المنطقة وهي إسرائيل.

الأصدقاء الرسميون

هذا عن خصوم النظام الظاهريين، ولكن ماذا عن أصدقائه الرسميين، وخاصة الروس، ولماذا لم يضعوا ثقلهم منذ البداية للقضاء على الثورة أو تسويتها في أيامها الأولى ويوفرون على (مختار المهاجرين) الكوابيس التي مر بها عبر تلك السنوات. وهنا قد لا يذكر البعض أن للروس أيضاً ثأراً تاريخياً مع هذا النظام يعود إلى حرب حزيران/يونيو حين كان (الأسد الأب) وزيراً للدفاع وكان وراء هزيمة تلك الحرب عام 1967 والتي اعتبرها الروس أيضاً هزيمة لسلاحهم ومعداتهم العسكرية مقابل تلك الأمريكية والأوروبية. ثم وجه لهم صفعة ثانية خلال فترة حكم الرئيس (غورباتشيف) حين طلب الأخير من (الأسد الأب) دفع الديون المستحقة لروسيا وإلا فلن يبيعه المزيد من السلاح، فما كان من الأخير إلا أن تحول إلى الصين، المنافس الاقتصادي والسياسي والعسكري الأول لروسيا في آسيا في ذلك الوقت. أحدث صفعة كانت حين طلب النظام من إيران، وليس روسيا، أن تأتي لنجدته في بداية الثورة وبعد أن شارف جيشه على الانهيار، واحتقار الروس للنظام يثبته وصفهم لرئيسه (بذنب الكلب) وأيضاً المعاملة المهينة التي تلقاها (مختار المهاجرين) مرتين: الأولى حين تم شحنه إلى روسيا في طائرة شحن عام 2015 للقاء (بوتين) والثانية حين زار الأخير قاعدة (حميميم) العسكرية في اللاذقية مطلع العام الحالي. الهزائم والإهانات التي لحقت بنظام الأسد ساهمت في النتيجة بتقوية النفوذ الروسي في سوريا وضمنت وجودها العسكري وهيمنتها السياسية والاقتصادية إلى أجل غير مسمى، وخاصة فيما يتعلق بحقوق استثمار البترول والغاز الطبيعي. للإيرانيين أيضاً مشكلة مع هذا النظام تتلخص بالعداء التاريخي الذي حكم ولايزال المذهبين الشيعي والعلوي منذ نشأتهما، وما التحالف الذي نراه بينهما اليوم إلا أشبه بزواج المتعة والذي لن يلبث أن ينفرط حين زوال السبب وهو تحالفهما ضد عدو واحد يتمثل بأتباع المذهب السني.

كما أن للإيرانيين ثأرا مع نظام (الأسد الأب) حين أعلن الأخير الحرب على (حزب الله) الذي أسسته إيران في جنوب لبنان كجناح عسكري لها في شرق المتوسط، واستعمل الأسد حينها حليفه الشيعي (حركة أمل) لخوض تلك الحرب بالوكالة والتي انتصرت فيها إيران وفهمت حينها أنها لا يمكن أن تثق بنظام الأسد وأن التحالف بينهما هو مرحلي ليس إلا، وأن دعمه لها في حربها مع العراق لم يكن حباً بها وإنما حماية لنظامه ولابتزاز جيرانه العرب من أصحاب الثروات البترولية ليس إلا. وقد لعبت إيران نفس الدور الروسي، حيث شجعت النظام على الحل العسكري وتركته يتلقى الضربات الموجعة من الفصائل المسلحة من جهة ولتوسع تدخلها وانتشارها على كامل سوريا.

أخيراً لا يخفى على أحد الثأر الدفين الذي تحمله غالبية الشعب السوري ضد عائلة الأسد والذي يعود إلى المجازر التي ارتكبها الأخير في السبعينيات والثمانينيات وعلى رأسها مجزرة حماة عام 1882، وبالتالي فقد وجد الشعب بكافة أطيافه في تلك الثورة الفرصة لتصفية الحساب. ولاشك أن الخسائر الجسيمة بالأرواح التي لحقت بالنظام وأقليته الطائفية كانت فوق التصور وستبقى في ذاكرتها لعشرات بل ومئات السنين. ومن جهتي، فاني أرى أن الدولة التي تضررت حقاً مما حصل للنظام هي إسرائيل، وهي الدولة الوحيدة المجاورة والتي يمثل ضعف نظام الأسد تهديداً لأمنها القومي.

كان المراقبون يصفون نظام الأسد دائماً بالذكاء لكونه عميلاً مزدوجاً ويتقن اللعب على الحبلين كما يقال. ولكن يبدو أن من يلعب هذه اللعبة هو كمن يلعب بالنار، وخاصة إذا كان صغيراً ويلعب مع الكبار، إذ أن هذا السبب نفسه هو الذي أدى فيما بعد إلى وصوله إلى قرب الهاوية وأدى إلى إعادة البلد مئات السنين إلى الوراء، والمنتصرون الوحيدون في النهاية كانوا أعداء الوطن..

كاتب وشاعر سوري

يقيم في هيوستن / تكساس

==========================

كيانات المعارضة السورية وضحايا الحل العسكري

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 6/8/2018

ليس من قبيل التنديد بالبيان الرسمي الصادر عن الهيئة السورية العليا للمفاوضات، في 2 أغسطس/ آب الجاري، بخصوص اللجنة الدستورية والعملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة في جنيف، وإنما من قبيل المسؤولية عن مناقشة ما أورده باعتبارها مسلماتٍ تؤمن بها "الهيئة"، كثقافة متراكمة لها، "تطلب" من الشعب السوري الارتقاء "بمنظورنا إلى مستواها، بعيداً عن حلولٍ عسكريةٍ متوهمة، تؤدي إلى تدمير ما تبقى من وطننا". وإذا كان هذا التعبير الصادم الذي جاء في البيان يعبّر عن تلك الهيئة، بوصفها كيانا معارضا، كأنه ولد من عامة الشعب، وليس من كياناتٍ قائمة ومستمرة، ومجموعها شكل الهيئة، بل إن أكثرها تمثيلاً داخلها (من تلك الكيانات) يتحمل مباشرةً مسؤولية مباركة تحويل الصراع من سياسي إلى عسكري، بل وارتهاناتها لتبعات ذلك، وتوهمات قدرتها على مجابهة جيش النظام المدعوم بقوى إقليمية ودولية، ومنها مثلا روسيا وإيران.

قد يكون البيان الذي أصدرته الهيئة لتبرير انجرارها وارتهانها للحل الروسي المفروض عليها مقبولاً، فيما لو اقتصر على شرح وقائع الحال، وفقدانها أوراق قوة، باعتبارها جهة ممثلة لكيانات عديدة متناحرة ومتنافسة فيما بينها (كيانات سياسية وعسكرية ومنصّات تفاوضية)، وبعضها مرتهنٌ بفعل مرجعيته الكاملة للدول التي أنشأتها ورعتها وموّلتها، وتالياً أجبرتها على الجلوس جنباً إلى جنب بقرار دولي، ولم تستطع أن تجري عملية اندماج لمشروع وطني متكامل، قائم على الحل السياسي السوري - السوري. لذا، في هذه الحال، يمكن أن يبدو سرد السيرة الذاتية للعملية السياسية وانتكاساتها ضرورياً، ولكن من دون الاختباء وراء الشعب السوري وإرادته، وتحميله مسؤولية خياراتٍ لكيانات معارضة مرتهنة لإرادة من يتبنّاها، ولا 

"صيغة بيان هيئة التفاوض أخيرا خطابية تتشارك مع خطابية النظام في امتلاك الشعب السوري، والتّصرّف بشؤونه كأوصياء عليه وممثلين "منتخبين" له" علاقة للشعب السوري بها، لا من قبيل انتخابها أو شرعنتها أو حتى استمرارها.

البيان، بصيغته الخطابية التي تتشارك مع خطابية النظام في امتلاك الشعب السوري، والتّصرّف بشؤونه كأوصياء عليه وممثلين "منتخبين" له، وبالتالي تحميل الشعب بالتساوي مسؤولية الارتقاء "بمنظورنا" (النا الدالة على الفاعلين جمعت بين الهيئة كيانا معارضا والشعب السوري جميعه "المطالب بالارتقاء!")، إنما يمكن وصفه بالتدليس والافتراء على الشعب السوري، لأن خيارات الشعب بدايةً كانت المواجهة السلمية، وفي النهاية لم يكن هو الشريك بخياراتهم في أي مرحلة من مراحل تطور الصراع، سيما تحويله إلى مواجهات مسلحة، لأنه كان يعي أنها لن تثمر إلا أمراء حروبٍ يجلسون على طاولة تفاوض لاقتسام حريته، وليس لتمكينه منها. وبدلاً من أن يأتي البيان محاولة لشرح موجبات الانخراط باللجنة الدستورية، على الرغم من أنها تمثل اغتصاباً لحق السوريين في صناعة مستقبلهم التي تكفله لهم القرارات الدولية، وما يشكله الدستور المقترح من الجهة الراعية من خطرٍ محدقٍ على مستقبل سورية وطنا واحدا، واعترافاً بهزيمة خيارات الكيانات التي تشكلت منها هيئة المفاوضات، وخصوصا الفصائل والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، فقد جاء ليحمّل السوريين مسؤولية خراب سورية وتدميرها، بالتساوي مع صنّاع الحرب والمرتهنين لهم.

الشعب السوري الذي انتفض ضد النظام المستبد، متطلعاً إلى حريته، ومطالباً بكامل حقوق مواطنته، وأجبر، في لحظةٍ ما، على الدفاع عن نفسه ضد الممارسات العنفية للنظام، بحمل السلاح الفردي، ليس هو نفسه الذي يتحمّل مسؤولية خيارات تشكيل الفصائل المسلحة، ذات الأجندات الدولية، والمؤدلجة، وذات المطامع السلطوية التي لا يمكن تمييز ممارساتها عن ممارسات الأجهزة الأمنية التي ثار السوريون ضدّها، ما يعني أن التمييز الواجب هنا بين دفاع السوريين عن أنفسهم بالوسائل السلمية أو المسلحة يختلف تماما عن ادّعاءات الفصائل المرتهنة لمشغليها، والتي تدخل اليوم في تشكيل بعض الكيانات، ومنها هيئة التفاوض، وتتصدّر العملية التفاوضية، سواء في جنيف طرفا شريكا للمعارضة السياسية، أو في أستانة طرفا متفرّدا مقابلا للنظام، أو في سوتشي طرفا شريكا للنظام، والتي تحاول الهيئة، في بيانها، تبييض منتجاته، واستدراك ما فات بعضها الذي أجبر على عدم الحضور تحت ضغط الحاضنة الشعبية للثورة.

خيار الانسياق وراء الحل الروسي بديلا للحلول الأممية التي أقرّتها القرارات الدولية، تحت ضغط الخسائر العسكرية، تتحمل مسؤوليته الكيانات السياسية المرتهنة التي تبنّت الانتصارات "الموهومة والمدبرة" في البداية، وقبلت بالانقلاب العسكري عليها، عندما حكمت تلك الفصائل المناطق التي سميت "محرّرة"، تحت مسمّيات الإمارة أو الخلافة أو حكم المجالس المحلية أيضاً، لتمرير مشروع التقسيم الجغرافي، بعد التقسيم والتغيير الديمغرافي، التي أسهمت الفصائل نفسها مع النظام بشرعنته تحت مسمّى التسويات المحلية بداية، ومناطق خفض التصعيد لاحقا منتج مسار أستانة.

في المحصلة، يمكن القول إن الذهاب إلى المشاركة في اللجنة الدستورية ليس "محاولة استثمار فرصةٍ ممكنةٍ للبناء على ما تم إنجازه"، كما يحاول البيان الرسمي للهيئة تأكيده، وإنما هي 

"يمكن القول إن الذهاب إلى المشاركة في اللجنة الدستورية ليس "محاولة استثمار فرصةٍ ممكنةٍ للبناء على ما تم إنجازه"" مشاركة مأجورة في عملية انتزاع ما تحقّق بدماء السوريين من إلزام المجتمع الدولي على الاعتراف بحقهم في صناعة مستقبلهم، والتلاعب على القرارات الدولية بتجزئة محتواها، و"اختطاف الحل" من سياسي إلى ترقيعي، يبقي على الصراع مفتوحاً لمصلحة الدول الراعية لمساري أستانة وسوتشي، إلى أن تتحقّق مصالحها، على حساب المصلحة السورية، في حل يضمن للسوريين حياة مواطنة متساوية، وينهي استبداد النظام والفصائل الشبيهة له، والتي هي قاب قوسين أو أقل من الشراكة معه في صناعة منظومةٍ أمنيةٍ جديدة تطبق على رقاب السوريين من جديد.

الفرصة دائما متاحة للهيئة أن تقدّم للسوريين، وليس باسم السوريين، بياناً واضحاً لا يتعلق بتمسّكها بنسب تشكيل اللجنة الدستورية، لضمان تمثيل أعضاء غير منتخبين من الشعب السوري، وغير معني الشعب السوري بتحاصصاتهم، وإنما بياناً يشرح مسؤوليتها بوصفها كيانا مشكلا من كيانات مسؤولة مباشرة عن هزيمة سياسية، قبل أن تكون عسكرية، وتبرّر للناس سبب رفضها الانخراط بتشكيل لجنة دستورية، طالبها بها المجتمع الدولي نفسه منذ عام 2013، وتقول إنها تنفذ قراراته، وليس قرارات مؤتمر سوتشي، وما حجم مسؤولية تلك الكيانات عن كل الضحايا السوريين، بشراً وحجراً، منذ عام 2013، أي منذ رفضت أن تكون اللجنة الدستورية مدخلا لحل سياسي، على الرغم من كل عوامل القوة التي امتلكتها آنذاك، من وجود جيش حر، وليس فصائل مرتهنة، إلى تعاطف شعبي دولي إلى قرارات دولية، في الوقت الذي تقبلها الآن، وقد بدت أضعف حتى من تسمية أعضاء متخصّصين في صناعة الدستور، وقبلت بحكم العسكر والمحاصصات داخلها، وقزّمت السوريين إلى الصورة التي يظهر فيها ممثلوها في اللجنة الدستورية الروسية، وليست السورية.

==========================

عودة اللاجئين السوريين

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 6/8/2018

ثمة تصاعد واضح في الحديث عن عودة اللاجئين السوريين إلى سوريا، ولعل الأبرز في هذا الجانب إطلاق موسكو الخطة الروسية لإعادة اللاجئين، والتي تزامنت مع أحاديث أردنية ولبنانية وتركية، صدرت عن رسميين وكتاب ومتابعين للقضية السورية، توافقوا على قول، إن قضية اللاجئين في البلدان الثلاثة، ينبغي أن توضع في مسار الحل. بل إن البلدان الثلاثة وأطرافاً أخرى، وضعت خططاً وتصورات للمضي في هذا الطريق بما يتناسب مع موقعها في الصراع السوري، وظروفها الداخلية / الخارجية، ورؤيتها لحل قضية اللاجئين السوريين فيها.

ولعل الأهم من الأقوال والتصريحات، ملاحظة أن عمليات إعادة مجموعات من اللاجئين، بدأت بشكل محدود، كما هو الحال في لبنان الذي سلم الملف لحزب الله، وأخرى، يمكن أن تبدأ على نطاق واسع من جانب تركيا، فيما يستعد الأردن لبدء عملية واسعة لإعادة المقيمين على أراضيه بعد استكماله حيثيات تتصل بعودة اللاجئين.

ويشكل اللاجئون في البلدان الثلاثة، القسم الأكبر من اللاجئين السوريين. ففي تركيا قارب عدد اللاجئين الأربعة ملايين، وفي الأردن ولبنان، يقترب العدد في كل منهما من مليون، ليصل المجموع في الثلاثة قرابة ستة ملايين نسمة، يشكلون غالبية اللاجئين السوريين في العالم، مما يعني أن مصيرهم سيحدد المسار العام في القضية.

وإذا كانت عودة اللاجئين، تشكل طموحاً وهدفاً لغالبية السوريين، وهي حق إنساني لا ينبغي التساهل فيه، فهي من جهة أخرى، تمثل مخرجاً من الظروف غير الإنسانية والمعاشية الصعبة، التي يعيشها أغلب اللاجئين، وخصوصاً في لبنان والأردن.

وتمثل القضية بالنسبة للبلدان الثلاثة، عملية مرتبطة بأوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومتصلة بأهدافها ومصالحها، وفي البلدان الثلاثة، يشكل اللاجئون نسبة ملموسة من السكان (لبنان نحو 1 من 7، والأردن نحو 1 من 10، وتركيا نحو 4 من 100)، ويعاني لبنان والأردن من تداعيات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية، يفرضها وجود اللاجئين، فيما تبدو تداعيات القضية في تركيا مختلفة، الأبرز فيها تداعيات سياسية، تتعلق بالصراع السياسي والثقافي حول القضية السورية في الداخل التركي، مما يجعل عودتهم إلى بلدهم أمراً مطروحاً، وإن بدرجات متفاوتة، لكن المتفق عليه في موقف البلدان الثلاثة رغبتهم في إنهاء الملف بصورة ما.

أما عودة اللاجئين بالنسبة لنظام الأسد، فإنها متصلة بإعادة هندسة الخريطة الديموغرافية من الناحيتين الأمنية والسياسية. فالنظام الذي طرد ملايين السوريين أو دفعهم للخروج من بلدهم تحت القتل والاعتقال، لا يمكن أن يكون حريصاً على عودتهم إلا بإخضاعهم وفق شروط وأبرزها العودة إلى حظيرة النظام، والقبول بفكرة استمراره والموافقة على سياساته، كما تبدت في السنوات الماضية خاصة في ظل غياب أي موقف دولي، يجبره على إعادتهم دون شروط.

وكما هو واضح، فإن القضية محاطة بتناقضات واختلافات، مما يجعلها خارج الملفات الساخنة في القضية السورية، دون أن يعني ذلك تجاوزها، وهذا سيعطي للنظام فرصة أكبر لتكريس فهمه وخطته في إعادة اللاجئين، أو القسم المحتمل عودته منهم، لا سيما في ظل هامشية موقف الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة، وضعف أو عدم مبالاة مواقف الدول الغربية بالموضوع.

وبخلاف الإطار السياسي الذي يفرضه النظام للتعامل مع عودة اللاجئين إلى سوريا، فإن الواقع الميداني / العملي، يضيف صعوبات أخرى لعودة اللاجئين. حيث أغلب المناطق التي ستتم العودة إليها مناطق مدمرة كلياً أو بشكل كبير، مما يعني عدم جاهزيتها لاستقبال العائدين لا في الإسكان ولا في البنى التحتية، كما أن معظم المناطق تسيطر عليها قوات معادية للاجئين ومعبأة ضدهم من القوات الإيرانية والميليشيات الطائفية بالإضافة إلى الشبيحة، مما سيعرض العائدين للقتل والاعتقال وللاضطهاد والابتزاز في الحد الأدنى.

إن عودة اللاجئين إلى سوريا، ليست قضية إنسانية وحقوقية فقط، بل هي قضية سياسية أيضاً مرتبطة بطبيعة الحل الذي ستؤول إليه القضية السورية، وخصوصاً فيما يتعلق بطبيعة النظام القائم وسياساته، الذي لا ينظر إلى العائدين بوصفهم أعداء أو خصوماً، وإنما مواطنون يعودون إلى بلدهم وبيوتهم وأرضهم، ويستحقون كل المساعدة والدعم، وكل كلام خارج هذا الإطار أو إجراءات، لن يؤدي إلى حل للقضية، بل سيجعلها أصعب ويزيد تعقيداتها على نحو ما تتضمنه الخطة الروسية ذات الطبيعة الدعاوية والانتقائية، أو تكليف حزب الله اللبناني بملف العائدين السوريين من لبنان بما يتناسب وموقفه منهم، وفي الحالتين، فإن الخطة الروسية، وما يقوم به حزب الله، يصبان في خدمة سياسة نظام الأسد وسياسة إعادة رسم الديموغرافية السورية من الناحيتين الأمنية والسياسية وفق مصالحه وسياساته.

==========================


إشكالات الدعم والحل

ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاثنين 6/8/2018

يبحث الروس عن دعم مالي غربي وخليجي لإعادة الإعمار في سورية. ويقفزون ببحثهم عن الاشتراطات التي وضعها الغرب، لتقديم عونه المالي، وتتوقف على نوع الحل السياسي الذي تريد موسكو الوصول إليه، ويرجّح أن يكون بدون بشار الأسد، فإن لم يرحل في بدايته كان رحيله مسألةً من غير الجائز أن تتخطّى نهاية ولايته عام 2021.

هل يطلب الروس الأموال اللازمة لإعادة الإعمار، لأنهم توصلوا إلى تفاهم دولي مع أميركا بشأن الحل، ويريدون كسب الوقت، والبدء بإعادة إعمار البيوت التي دمّرتها طائراتهم على رؤوس ساكنيها، كي لا يرى العالم حجم الجريمة التي ارتكبوها ضد الآمنين، قبل أن ترحلهم عصابات الأسدية عنها؟ أم أنهم قرّروا إعادة الإعمار التزاما بسياساتهم التي انتهكت مسار الحل الذي أقرّته وثيقة جنيف، والقرارات الدولية للحل، وأخذت بمساراتٍ لم تقرّرها التوافقات الدولية أو منظمة الأمم المتحدة، ألغت "الهيئة الحاكمة الانتقالية" و"الانتقال الديمقراطي"، لأن تأسيس الأولى والشروع بالثاني يطيح الأسدية، أشخاصا ونظاما، وشنّت لإلغائهما أو تعطيلهما حربا تنتهك القانون الدولي والإنساني، من دون تفويضٍ من الأمم المتحدة أو مجلس الأمن، استخدمت فيها أسلحة فتاكة ممنوعة دوليا ضد ملايين الآمنين، بعد أن قامت بغزو من النمط الاستعماري لسورية، سوّغته بطلب مزعوم من رئيس مزعوم، فقد شرعيته بجميع معايير الوطنية والإنسانية، بما ارتكبه من جرائم جماعية ضد مصدر شرعية أي حاكم أو دولة: الشعب السوري الذي استحق الإبادة بيد موسكو، لأنه طالب بحريته، بعد استعباد سياسي دام قرابة ستة عقود.

هل ستتقيد روسيا برؤيتها لإخراج الشعوب من أوضاع تستوجب الثورات، بواسطة إصلاحات تقوم بها الحكومات؟ وأي حكومة هي التي ستقوم بالإصلاح، في حال صدق الروس، وكان هناك إصلاح؟ هل هي حكومة الذي قتل مليونا من السوريين، وشقّهم إلى معسكرين، وظيفة أحدهما إبادة الآخر؟ أم هي حكومة الانتقال الديمقراطي التي ألزمتها وثيقة جنيف بإصدار دستور يرسم ملامح دولته؟ أم هي أخيرا الحكومة التي ستنفذ التزامات الأسدية بوضع سورية تحت إشرافهم وإلحاقها بهم، وإن لم يكن الأسد على رأسها؟ إذا كان المعيار الذي سيعتمده الروس هو قرار مجلس الأمن رقم 2254 الذي يحبونه، فإنهم سيرغمون على قبول حكومةٍ لا تتبع لاستعمارهم أو تخضع له، تنجز إصلاحا يطيح الأسدية نظاما وعصابات، لأنهم لن يحصلوا بدونها على تمويلٍ لإعادة الإعمار التي يستبعد أيضا أن تتم بإشرافهم، أو يكون لهم الإسهام الأكبر في تنفيذها. ماذا سيختار الكرملين لمواجهة ورطة خصمه فيها، ليس المعارضة السورية المتهالكة، بل هو واشنطن التي تقصر سياساتها الدولية، بعد انتخاب ترامب على سلب الدول الأخرى أموالها؟

هل ستسعى روسيا، هذه المرة أيضا، إلى تطبيق الخطة التي سارت عليها بعد عام 2012، وقامت على خلط الأوراق والأولويات، والتلاعب بقرارات المجتمع الدولي؟ وهل تمهد اليوم أيضا لتقديم إعادة الإعمار على الحل الذي يفترض أن يسبقها، استغلالا لرغبة السوريين السياسية في العودة إلى وطنهم، ولابتزاز العالم ماليا والتهرّب من مسؤوليات السلام، بعد أن تقيدت بنسبة مائة بالمائة بالتزامات الحرب.

تطرح موسكو قضايا ما بعد السلام كأنها قضايا روسية، ليست سورية، ولا تعني السوريين. في هذه الأثناء، يرجوها من تحتقره وتستخف به في كل لقاء يجمعه ب "قيصرها" أن يحتل جيشها سورية إلى فترة غير محدّدة، بما أن مصيره يتوقف على تفاهم دولي وكلمة منها، بعد أن ذبح نفسه باليد الآثمة التي ذبح بها شعبه.

==========================


النظام السوري و"قسد" يداً بيد.. أين أنقرة؟

سمير صالحة

العربي الجديد

الاحد 5/8/2018

بدعوةٍ من النظام السوري في دمشق، عُقد أخيرًا اجتماع بين وفدٍ من "مجلس سوريا الديموقراطية" (الكردي) والحكومة السورية، كان هدفه، كما قالت المصادر الكردية، وضع الأُسس التي تمهد لحواراتٍ أوسع وأشمل، ولحل كل المشكلات العالقة، و"تسهيل دخول الجيش السوري إلى المناطق ذات الغالبية الكردية، وإعادة مؤسسات الدولة إليها في مقابل اعتراف الدستور المقبل بالمكون الكردي.. ومنحه حقوقه الثقافية"، كما قالت أجواء دمشق.

في المحصلة، ها هو "مجلس سوريا الديمقراطية" الذي هو امتداد لـ"قوات سوريا الديموقراطية" (قسد) وحزب الاتحاد الديموقراطي، وكلها تنظيمات تنسق مع حزب العمال الكردستاني، الإرهابي كما تراه أنقرة، والذي استبعد عن أكثر من طاولة حوار ومؤتمر إقليمي ودولي، بطلب من تركيا، يجلس اليوم مع النظام، فكيف ستتصرف أنقرة، وما هي حصتها في كل هذه التطورات؟

مطالب النظام السوري واقتراحاته التي قدمها قبل أسبوع إلى الوفد الكردي الذي يمثل "قوات سورية الديمقراطية" المفاوض في دمشق تكاد تلتقي كلها عند حقيقة إمساكه بخيوط الملف السوري في الداخل والخارج، شاء بعضُهم أم رفض. تسليم شرق سورية وشمال شرقها إلى النظام، ورفع العلم السوري ليكون الرمز الوحيد، وإلغاء الاتفاقيات والتفاهمات الموجودة بين الأكراد والقوى الغربية بشكل تدريجي، وتخلي "حزب الاتحاد الديموقراطي" عن فكرة الجيش الحدودي ومشروع الفيدرالية في مقابل نقاش مسالة اللامركزية الإدارية في سورية، مبادئ وأسس قد يقبل بها أي سوري يبحث عن إخراج بلاده من المستنقع.

الرئيس المشارك الأسبق لحزب الاتحاد الوطني (الكردي) السوري، صالح مسلم، يقول إن 

"قد تبدي تركيا ليونةً أكبر في قبول فتح خطوط الاتصال بين النظام والقوى الكردية" قرار التوجه إلى دمشق خيار ذاتي، لا دخل لأحد فيه، لكن الجميع يعرف أن المفاوض الكردي هناك كان يستقوي بموسكو وطهران، ويستفيد من تراجع نفوذ تأثير العواصم الإقليمية والغربية، وتفكّك قوى المعارضة السورية وتشتتها، وانشغال أنقرة بملفي إدلب ومنبج وبأزمة التوتر التركي الأميركي أخيرا. لا بل هو كان يفاوض النظام نيابةً عن واشنطن، وفي إطار تفاهمات روسية أميركية تمت في قمة هلسنكي.

ما جمع النظام والسوريين الأكراد حول طاولة واحدة هو إبلاغ موسكو أنقرة أنها لن تطلق يدها في إدلب وتل رفعت من دون مقابل، وأن الثمن على الأقل سيكون مساعدتها في الوصول إلى ما تريده، لناحية عدم عرقلة مشروعها في المفاوضات المباشرة السورية - السورية، وحماية دور النظام في المرحلة الانتقالية السياسية والدستورية، ثم قبول الصيغة التي ستقترحها موسكو حول إشراك "قوات سورية الديمقراطية" في صناعة المشهد السياسي الجديد، ما دامت تصرّ على موقع هذه القوات ودورها في تحرير سورية من جماعات "داعش" الإرهابية، لكن ما ساهم في صناعة المشهد أيضا في دمشق هو الولايات المتحدة الأميركية التي قبلت الاكتفاء بشرط حماية مصالح الحليف المحلي الكردي في سورية، ومحاصرة النفوذ التركي والإيراني، في مقابل تعهدات قدمها بوتين لترامب في هلسنكي، قادت إلى ترك روسيا تتحرّك كما تشاء في الجغرافيا السورية؟

نجحت موسكو أيضا في إقناع الأتراك بقبول ما تقوله هي إنّ المرحلة الانتقالية لا بد أن تأخذ في الاعتبار وجود الأسد أمام الطاولة، من دون أية تحديدات زمنية، وأن ترى قوات سورية الديمقراطية أمام هذه الطاولة لاحقا جنبا إلى جنب، مع بقية فصائل المعارضة السورية، وكان الثمن، كما يبدو، تعهدا روسيا لتركيا بعدم قيام الدولة الكردية المستقلة على حدودها الجنوبية، في مقابل عدم عرقلة (أو رفض) أنقرة للحوار بين النظام والمجموعات الكردية.

هل يعتبر الموقف الإسرائيلي أخيرا، ضرورة الحوار مع النظام في جنوب سورية والمناطق الحدودية، وكذا تصريح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن استعداده للاجتماع مع نظيره الإيراني، حسن روحاني، من دون شروط مسبقة، لبحث سبل تحسين العلاقات، رسائل موجهة إلى أنقرة، قبل أن تكون موجهة إلى النظام أو إلى طهران نفسها حول انطلاق المرحلة الجديدة في ملف الأزمة السورية التي تأخذ المتغيرات السياسية والميدانية بالاعتبار؟

قد تتمسّك أنقرة في رفض التطبيع السياسي مع دمشق، لكنها قد تبدي ليونةً أكبر في قبول فتح خطوط الاتصال بين النظام والقوى الكردية، وربما لاحقا بين دمشق وقوى معتدلة في المعارضة السورية المقرّبة منها، إذا ما شعرت أن ما تريده في الملف السوري قد ينجح عبر هذا السيناريو. وقد قال الرئيس المشارك لحركة المجتمع الديموقراطي، آلدار خليل، قبل أيام، "لا نرى أننا بعيدون عن أن نكون طرفاً أكثر تأثيراً في إدلب، من خلال دعمنا اجتثاث الإرهاب هناك، والمساهمة في الحد من الدور التركي، وإفشال مخططات أردوغان في إطالة أمد الحرب، وتحقيق أهدافه في عفرين". في المقابل، هناك ما ردّدته القيادات السياسية التركية مراتٍ حول أن أنقرة تريد تشكيل مناطق آمنة للسوريين، من أجل عودة مزيد من اللاجئين إلى بلادهم، عند الانتهاء من تطهير عفرين، والانتقال إلى المراحل الأخرى لخريطة طريق منبج، لكن أردوغان نفسه قال إن التطورات في سورية، سواء في منطقة تل رفعت أو منبج، "لا تسير حاليّا في الاتجاه المطلوب"، فهل هذا ما يدفع المجموعات الكردية للإعلان أنها جاهزة لتسليم المدن الواقعة تحت سيطرتها إلى دمشق، لسحب مبرّرات التدخل التركي في شمال سورية؟ المستفيد من ذلك كله سيكون مرة أخرى النظام في دمشق، وهو ما يعرفه أكثر من طرف، تتقدّمهم أنقرة.

وقد أعلنت تركيا أن أية عملية عسكرية ينفذها النظام في إدلب ستفسّرها أنها تتم بقرار روسي إيراني، لتهديد الاتفاقيات والتفاهمات المعلنة تحت سقف تفاهمات أستانة، لكن "قوات سورية الديمقراطية" أعلنت استعدادها للتوقف عن المطالبة بالنظام الفيدرالي، والعودة إلى التركيز على النظام اللامركزي، وإشعال الضوء الأخضر أمام عملية عسكرية مشتركة، تجمع قوات النظام والوحدات الكردية في إدلب ضد مجموعات جبهة النصرة هناك. ألن يفسّر تركيّاً على أنه محاولة محاصرة للنفوذ والدور التركيين، يقف من خلفها أكثر من لاعب محلي وإقليمي؟

هل ما نشر في الإعلام التركي، قبل أيام، عن وجود مفاوضات تركية روسية بشأن تسليم مدينة حلب للأتراك، لتولي ملف إعادة إعمارها وتسهيل عودة مئات آلاف اللاجئين السوريين إلى 

"نجحت موسكو في إقناع الأتراك بقبول ما تقوله هي إنّ المرحلة الانتقالية لا بد أن تأخذ في الاعتبار وجود الأسد أمام الطاولة" أراضيهم، ثم ربطه بمشروع تقسيم البلاد إلى ثلاث مناطق نفوذ، هو عملية رد تحيّة تركية على التقارب الأميركي الروسي والكردي السوري مع النظام، والغزل المتزايد بين تل أبيب وأطراف عديدة.

التقارب بين النظام وقيادات "حزب الاتحاد الديمقراطي" الكردي يعني أن أميركا تريد في منبج كسب عامل الوقت في مفاوضاتها مع أنقرة لمعرفة مسار الأمور في المباحثات بين دمشق و"قوات سورية الديمقراطية"، ولتحدّد، على ضوء ذلك، موقفها في شرق الفرات، وشكل خريطة التفاهمات مع تركيا، لكنه يعني أيضا أن أنقرة ستعيد ترتيب أولوياتها هي الأخرى في مسائل موقفها من دمشق.

بقي أنه إذا ما شعرت واشنطن أن أنقرة تتصلب في مطالبها ومواقفها السورية، وأنها تريد أن تلعب الورقة الإيرانية ضدها، فهي ستذهب مباشرة إلى طهران للحوار معها، بدل منح تركيا مثل هذه الفرصة والورقة. هل ما أعلنه ترامب أخيرا عن استعداد بلاده للحوار المباشر مع طهران، وإطلاق عملية التصعيد مع أنقرة، مقدّمة لهذا التحول في الموقف الأميركي؟ وتدرك أنقرة التي أفشلت خطة حرس الحدود الأميركية في شمال سورية، وحاصرت واشنطن في منبج، وتقدمت ميدانيا في إدلب، يراد لها أن تدفع، عاجلا أم آجلا، ثمن ذلك. والتقارب بين النظام و"قوات سوريا الديمقراطية" الذي شجعت الإدارة الأميركية عليه، ودخلت في عملية تفاهمات بشأنه مع موسكو، من دون أي تردد، هو جزء من الثمن الهادف إلى إضعاف تركيا وعزلها أكثر فأكثر في سورية.

========================

اللجوء السوري بين ملعب اليانكي وحنجرة «الممانعة»

صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 5/8/2018

منظمة Merci Corps الأمريكية، التي تعمل في ميدان إغاثة اللاجئين منذ تأسيسها في سنة 1980، لم تجد وجهة أفضل لتمثيل مأساة اللجوء السوري من هذه المقارنة: أعدادهم تكفي لملء 221 من ملاعب الـ»يانكي»! وهذه، لمَن يجهل خصائصها، ملاعب تستوعب أكثر من 54 ألف متفرج، خلال مباريات البيسبول وكرة القدم الأمريكية، في نيويورك.

ثمة حسن نيّة في اختيار هذا التشبيه، بالطبع، ولعلّ المنظمة أدرى بتلافيف دماغ المواطن الأمريكي ومنعرجات وجدانه، فسار خطابها على هذا النحو لاستقطاب التبرع والتضامن؛ خاصة وأنّ التشبيه أعقب مباشرة تسجيل الأرقام الصلبة: فرار 12 مليون سوري بعيداً عن مناطق القصف الجوي والعنف الأرضي، بينهم 5،6 مليون لاجئ داخل سوريا ذاتها، ولكن خارج مناطق سكنهم الأصلية. منظمات أخرى تفضّل استكمال هذا الرقم بإضافة تفصيل حاسم، هو أنّ الأطفال يشكلون نصف هذه الأعداد؛ وحين يتصل الأمر بظروف الغذاء والصحة والتعليم، فللمرء أن يحدّث ولا حرج.

في المقابل، لا يعدم المرء قراءة أخرى لمشهد اللجوء السوري، ليست مغايرة ومناقضة لأيّ وكلّ قراءة متكئة على الحدود الدنيا لمفاهيم الإغاثة والتكافل الإنساني، فحسب؛ بل هي أقرب إلى انتهاج الهمجية العارية، التي تزعم الحداثة والعلمانية والانتماء إلى العصر مع ذلك، ولكن تلك التي قد تأنف من اعتناقها أعتى الفاشيات في التاريخ البشري. وليست الحكومات ذات التوجه العنصري والانعزالي، في هنغاريا والنمسا مثلاً، هي المقصودة هنا؛ بل نموذج بيان العار الذي أصدرته شخصيات أردنية، صنّفت في خانة «الإرهابيين» جميع اللاجئين نحو الأردن هرباً من القصف الوحشي لطيران النظام السوري والطيران الروسي في مناطق حوران.

الطريف، الفاضح تماماً، أنّ معظم هؤلاء يزعمون معارضة النظام الأردني، ولكنهم يتنازلون في شأن اللجوء السوري تحديداً، فيطالبون النظام (ذاته، الذي يعارضونه) بـ»إغلاق الحدود الأردنية في وجه المجاميع الإرهابية التي تحاول الفرار من محافظة درعا». أكثر من هذا، يلحون على «التنسيق الكامل بين رفاق السلاح في الجيش العربي الأردني والجيش العربي السوري»، في مستوى «الأعمال العسكرية اللازمة للتصدي للمجموعات الإرهابية».

مثال آخر على مقدار التلفيق الذي يكتنف مسألة اللجوء السوري هو الموقف من إخلاء عناصر «الخوذ البيضاء»، بعد وقوعهم في حالة حصار مطبق بين وحدات النظام السوري والميليشيات الإيرانية من جهة، والاحتلال الإسرائيلي من جهة مقابلة. مفهوم تماماً أن تسارع أجهزة النظام إلى تأثيم هذه المنظمة، وأن تقتدي بها المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا فتوجه إلى متطوعي المنظمة تهمة التورط في «أنشطة استفزازية إجرامية»، إذْ أنّ المنظمة فضحت الكثير من مجازر الجيش الروسي في مناطق مختلفة من سوريا. وليس غريباً، أيضاً، أن تتعالى حناجر «الممانعة» العربية بالصراخ الصاخب ضدّ إجلاء هؤلاء إلى الأردن، قبيل توطينهم في كندا وألمانيا وبريطانيا، وذلك بذريعة إجلائهم عبر مناطق الاحتلال الإسرائيلي (وكأنّ أربع رياح الأرض مشرعة أمامهم، سوى ذلك!).

اللافت، في المقابل، هو مواقف بعض كتّاب اليسار في الولايات المتحدة وأوروبا، ممّن يعتبرون المنظمة «صنيعة» أجهزة الاستخبارات الغربية، وأنها شاركت في تلفيق أشرطة الفيديو حول فظائع النظام السوري والقصف الروسي والميليشيات الإيرانية؛ كما كانت، على نحو خاصّ، وراء «فبركة» الأدلة حول قيام النظام باستخدام الأسلحة الكيميائية. وإذا صحّ أنّ هذه المواقف تندرج في خيار أعرض، انطوى منذ البدء على تبييض صفحة النظام بذريعة العداء للإمبريالية؛ فإنّ مشاركة عدد من كتّاب اليسار في تجريم «الخوذ البيضاء» هو القاع الأشدّ انحطاطاً لسيرورة الوقوف خلف نظام استبدادي وراثي، انتهى إلى ارتكاب جرائم الحرب الأفظع والأقبح.

وبين ملعب اليانكي وحنجرة «الممانعة»، ثمة لعبة أمم جديدة تدور اليوم، وغداً أيضاً؛ وقودها 12 مليون لاجئ سوري، من لحم ودمّ وكبرياء وكرامة وحلم…

========================


ما الطابع الإجرامي الذي يميز أطراف القتال في سوريا

منصور العمري

عنب بلدي

الاحد 5/8/2018

في المقالات السابقة من سلسلة العدالة للسوريين، تحدثت عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية مثالًا، وفي مقالات سابقة شرحت جرائم أخرى ترتكب في سوريا:

مقتل عبدالله تيسير العيسى.. جريمة تشاركية لعدوّين في سوريا، “التعفيش” في القانون الدولي، هجمات التحالف وقوانين الحرب، تسييف.. النوم على حد السيف.

في هذا العدد، سأتحدث باختصار عن جرائم أخرى ترتكب في سوريا، من قبل جميع الأطراف، مع مراعاة أن نظام الأسد هو المرتكب الأكبر بما لا يقارن ببقية الأطراف، ولكن هذا لا يبرر ولا يخفف مطلقًا من وطأة الجرائم التي ترتكبها الأطراف الأخرى وضرورة المحاسبة وتحقيق العدالة للجميع. لأكمل في المقالات المقبلة الحديث عن تجارب أمم تعرضت لجرائم كبرى مشابهة لما تعرض له السوريون، وخاضت معارك طويلة في سبيل تحقيق العدالة للضحايا.

الجرائم المرتكبة في سوريا

استهداف المدنيين، والهجمات العشوائية التي تطال المدنيين والبنى المدنية كالمشافي والمدارس والمكاتب الإعلامية وغيرها، واستخدام البراميل المتفجرة والذخائر العنقودية والأسلحة الحارقة والكيماوية وغيرها من الأسلحة العشوائية والمحظورة دوليًا، ومنع المساعدات الإنسانية وسرقتها، وحصار المدنيين وتجويعهم، والإخلاء القسري، والتشريد التعسفي، بما فيه ترحيل السكان، وعمليات الطرد الجماعي، والنزوح الجماعي، وغير ذلك من الممارسات التي تنطوي على تشريد إجباري وغير طوعي للناس من أراضيهم ومجتمعاتهم. الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والقتل تحت التعذيب وظروف الاعتقال غير الإنسانية والتعذيب، والإعدامات الميدانية والموجزة والتعسفية. الخطف، وطلب الفدية، والسجون السرية، وملاحقة المعارضة والصحفيين، وتجنيد الأطفال.

كل طرف في سوريا له طابع إجرامي يميزه عن البقية، باستثناء نظام الأسد الذي لم يترك جريمة تعرفها البشرية تقريبًا إلا وارتكبها في إطار مساعيه للاحتفاظ بسوريا مزرعة خاصة له.

فرض كل طرف هذه التسميات على نفسه من خلال ممارساته الغالبة، وهذا لا يعني أنه لم يرتكب جرائم أخرى.

نظام الأسد

تشمل مفردة “نظام” في تعبير “نظام الأسد” الأسد نفسه رأس النظام، وأذرعه الأمنية والسياسية، و”الجيش العربي السوري”، والحكومة السورية، والبرلمان السوري. جميع هؤلاء مسؤولون عن الجرائم الذي يرتكبها هذا النظام.

 

يمكن إطلاق التسميات أدناه على مكونات نظام الأسد والأطراف الأخرى في سوريا، كل حسب الطابع الإجرامي أو الانتهاك الغالب على ممارساته:

الحكومة السورية: حكومة جرائم ضد الإنسانية. وزير الداخلية، الأمن السياسي والسجون المدنية: وزير التعذيب. وزارة الدفاع، السجون العسكرية: وزير المسلخ البشري. الجيش العربي السوري: جيش التعفيش. المخابرات: خط إنتاج قتلى تحت التعذيب، مخابرات الإرهاب. البرلمان السوري: برلمان الدمى. وحدات حماية الشعب: وحدات تجنيد الأطفال، وصيد المعارضين والصحفيين. الجيش الحر: النهب. داعش: الذبح والسرقة والاغتصاب، أو داعش الأسد. النصرة: الخطف ومطاردة الصحفيين. حزب الله اللبناني الطائفي: حصار المدنيين، الابتزاز، أو حزب إيران في لبنان. الميليشيات الطائفية العراقية والأفغانية والباكستانية: حصار المدنيين، أو ميليشيات إيران. الحرس الثوري الإيراني: تكتيكات جرائم الحرب. سلاح الجو الروسي: سلاح قصف المشافي، سياسة الأرض المحروقة، قصف البنى المدنية والمدنيين. التحالف الدولي للأضرار الجانبية غير المتناسبة، وإنكار المجازر. القوات التركية: تجاهل جرائم من تدعمهم. الائتلاف السوري لتهديد الصحفيين وتمثيل الداعمين.

 

تحميل المسؤوليات في القانون الدولي

عندما يغلب طابع إجرامي ما على طرف محدد، فهو مؤشر قوي على أن هذا الطابع نتج عن تكرار الجريمة في سياسة ممنهجة ومتعمدة، وليست ممارسات فردية.

 

فما مسؤولية القادة عن الأفراد الذين يتبعونهم؟

يجب أن تدرج الدول، أو القيادات المسؤولة أحكام القانون الإنساني الدولي في قوانينها العسكرية والتعليمات الموجهة إلى القوات المسلحة ومدونة الانضباط العسكري، ويجب عليها أن تضمن معرفة قادتها من العسكريين بهذه الأحكام.

مثلًا، على قادة الجيش الحر، ووزارة الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة، المسؤولة هيكليًا عن الجيش الحر في سوريا، مسؤولية القيادة أيضًا. عدم السيطرة الفعلية لوزارة الدفاع ورئيس الوزراء على القوات المقاتلة في سوريا، لا يبرر لها أو يبعدها عن المسؤولية عن الجرائم المرتكبة، ويمكن محاسبة وزير الدفاع ورئيس الوزراء على هذه الجرائم إن لم يتخذوا إجراءات كافية تمنعها، كالنهب واختطاف المدنيين والصحفيين وغيرها، طالما هم في مناصبهم فهم مسؤولون.

كما تلتزم السلطات السياسية والعسكرية باتخاذ التدابير الضرورية لضمان احترام التزامات القانون الإنساني.

تلتزم الدول والقادة بالبحث عن أشخاص يزعم أنهم ارتكبوا أو أمروا بارتكاب انتهاكات وجرائم وإحالتهم إلى المحاكم.

فمثلًا حين أعلنت قيادة “الجيش الحر” محاسبة أحد عناصره لاعتدائه على مشفى مدني وترويع المدنيين، تكون قد أبعدت نفسها عن توجيه تهمة بهذه الجريمة إليها، وهي مسؤوليتها في النهاية، أما إن لم تحاسب المرتكب، فتصبح شريكة له.منذ بدء نظام الأسد بارتكاب جرائمه مع انطلاق الثورة السورية، لم نسمع عن حالة واحدة لمحاسبة مجرم، بل على العكس، يحصن الأسد مجرميه ضد المحاسبة بالمراسيم والقوانين.

الدول والقيادات مسؤولة عن جميع الأعمال التي يرتكبها أفراد قواتها المسلحة، وعن أشخاص أو كيانات مفوضة بالقيام بقدر من السلطة، أو أشخاص أو مجموعات تعمل في الواقع بناء على تعليماتها أو تحت إشرافها أو سيطرتها، أو أشخاص أو مجموعات خاصة تعترف بها الدولة أو القيادة وتتبناها كتصرفات صادرة عنها.

كما أن الدول والقيادات تتحمل مسؤولية تحقيق العدالة بالطرق القانونية والإجراءات القانونية الواجبة، لأي شخص تعرض لجريمة أو انتهاك، ضمن الأراضي الواقعة تحت سيطرتها. فمثلًا إن تعرض شخص لجريمة في مناطق سيطرة القوات التركية أو المدعومة من تركيا، على هذه القوات وعلى تركيا أن تحقق في جرائم الحرب التي يزعم ارتكابها من قبل مواطنيها أو قواتها المسلحة أو على أراضيها ومحاكمة المرتكبين. لا يغفل القانون عن الطبيعة الهرمية للقيادات والجيوش وأجهزة المخابرات وغيرها من التنظيمات الجماعية، لذلك يضع التزامات محدّدة على القادة، ويحملهم المسؤولية الجنائية على المستوى الشخصي عن أفعال وتجاوزات ارتكبوها بأنفسهم، وأيضًا عن أفعال ارتكبها مرؤوسوهم أو شخصيات تحت سيطرتهم الفعلية، حتى لو كانت غير رسمية.

يتحمل القائد المسؤولية كالتالي:

إن ارتكب بنفسه الجريمة أو أصدر أمرًا بارتكابها.

إن علم بارتكاب جريمة ولم يحاسب مرتكبها، أي إن عرف بها أو توفرت لديه معلومات تمكنه من استنتاج بأن مثل هذا الانتهاك أو الجريمة كانت ترتكب أو سترتكب. مثالها حين أعلم صحفي أمريكي بشار الأسد بما يحدث في صيدنايا، نعلم أن الأسد وعصابته يعلمون بكل الجرائم المرتكبة في سوريا، فهم من يأمر بارتكابها، ولكن في القضاء يجب توافر دليل مادي على هذه المعرفة، ويكفي أن نرى أحدهم يُعلم الأسد بجريمة ما كاستخدام البراميل، حتى تكون دليلًا ماديًا على علمه بها وعدم إيقافها، وبالتالي مسؤوليته الجنائية عنها.

إن لم يكن يعلم بارتكاب الجريمة، بسبب فشله في اتخاذ إجراءات تمنع ارتكابها، فهو مسؤول أيضًا.

=======================


سوريا: الانتداب الروسي وورقة اللاجئين

د. خطار أبودياب

العرب

السبت 4/8/2018

كرست قمة هلسنكي في 16 يوليو المكاسب الروسية في سوريا من دون بلورة توافق شامل بين موسكو وواشنطن، وأسفرت محادثات أستانة 10، في مدينة سوتشي آخر يوليو عن توافق الثلاثي الروسي – التركي – الإيراني على تفعيل ملفي اللجنة الدستورية وعودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم. في هذه الأثناء ركز الجانب الروسي على الترويج لما سمي مبادرة إعادة اللاجئين كأسلوب تمهيدي لتأهيل النظام والدفع إلى التطبيع معه واستدراج التمويل الخارجي لإعادة الإعمار وبدء قطف ثمار التدخل الواسع وفرض التصور الروسي للحل السياسي.

لم تكن معاناة السوريين والجانب الإنساني من المأساة الدائرة فصولا منذ 2011 ضمن جدول الأعمال الروسي أو الأولويات بالنسبة لموسكو. لكن بعد النجاح في إدارة التقاطعات والسحق العسكري لمعارضي النظام تحت غطاء تركيب مناطق “خفض التصعيد” وبنوع من التسليم الأميركي والدولي، يتضح أن ورقة اللاجئين يمكن أن تكون المفتاح لتحصين السيطرة واستمرار التحكم بالملف السوري في انتداب ليس على الشاكلة التي أقرتها عصبة الأمم منذ قرن من الزمن، لكن وفق معايير استخدمتها القيادة الروسية من الشيشان وأبخازيا وأوكرانيا وتفرضها في سوريا مع منظومة سلطوية مارست القتل الجماعي وتصفية المعتقلين بالألوف والترانسفير الجماعي الداخلي والخارجي في تجاوز لأرقام التغريبة الفلسطينية.

إذ تشير التقديرات إلى حوالي سبعة ملايين لاجئ في الجوار السوري والخارج، وحوالي ستة ملايين نازح أو مهجر في الداخل، وهذا يدل على أن نحو نصف الشعب السوري معني بهذه المعضلة، وتم أخيرا تسريب كلام منسوب لمسؤول أمني سوري كبير يقول فيه إن “العدد الهائل للمطلوبين (ثلاثة ملايين) لن يشكل صعوبة لإتمام الخطة المستقبلية، لأن سوريا بـ10 ملايين صادق مطيع للقيادة أفضل من سوريا بـ30 مليون مخرب”. وتكلم هذا الضابط عن استئصال الخلايا السرطانية تماما كما رئيسه الذي شدد على أهمية “تنقية المجتمع السوري”.

ولذا مع هكذا ذهنية وممارسة ومع إبلاغ أهالي آلاف المعتقلين عن وفاة بالطبع غير طبيعية في المعتقلات، يصعب الاعتقاد بإذعان النظام بتطبيق الاقتراحات الروسية مهما كان التمويه والضحالة فيها واستنادا إلى القانون رقم 10 الذي يكرس التغيير الديموغرافي، ومن المهازل أن يتلهى المنخرطون في مسار أستانة في آخر اجتماع لهم في سوتشي بالكلام عن مشروع تجريبي لإطلاق المعتقلين في وقت انكشاف فضيحة “العار الجماعي” في اعتراف النظام السوري بتسليم السجل المدني قوائم تضم أسماء 1000 شخص من مدينة داريا بدمشق قُتلوا في سجونه خلال فترة اعتقالهم على مدى سنوات الحراك الثوري السوري.

وتلا ذلك تسليم لوائح مماثلة من حلب وحمص وريف دمشق والجنوب، ويقدر عدد الذين تم الإبلاغ عن تصفيتهم مؤخرا بحوالي 16 ألفا في مسعى للإيهام بإغلاق ملف المعتقلين الذين يعدون حوالي ستمئة ألف شخص حسب تقديرات متقاطعة. وانطلاقا من ذلك يخشى اللاجئ والنازح السوري من عمليات الاعتقال التي لا يزال النظام ينفذها انتقاما من المعارضين له، فضلا عن أن أجزاء كبيرة من البنية التحتية في سوريا لا تزال مدمرة وغير صالحة للسكن.

في البداية جرى تسويق المبادرة الروسية مع إغراق بالتفاؤل، حيث صرحت وزارة الدفاع الروسية عن إمكان 1.7 مليون لاجئ سوري العودة في وقت قريب: نحو 890 ألف لاجئ من لبنان، نحو 300 ألف لاجئ من تركيا، نحو 200 ألف لاجئ من الدول الأوروبية، نحو 150 ألف لاجئ من الأردن، نحو 100 ألف لاجئ من العراق ونحو 100 ألف لاجئ من مصر.

الجهد الروسي لإدخال ورقة اللاجئين في سياق ترسيخ الانتداب على سوريا دونه معوقات تتصل بأدوار القوى الإقليمية ومصالحها المتضاربة وطبيعة النظام بحد ذاته

لكن حقيقة الأرقام الفعلية تنكشف عبر وثيقة قدمتها موسكو إلى السفارات الأوروبية العاملة في دمشق أو بيروت، وورد فيها أنه يمكن الآن استقبال 336.5 ألف لاجئ في 76 مركزا سكنيا على الأراضي السورية، في المناطق الأقل تضررا جراء الحرب.

ومع إعادة إعمار البنية التحتية في محافظة دمشق، بما فيها منطقة الغوطة الشرقية، والمدن الكبرى مثل حماة وحمص وحلب، سيصبح من الممكن استقبال ما بين 550 و600 ألف لاجئ خلال فترة من 3 إلى 6 أشهر.

وهذا الاستدراك يدل على أهمية استدراج الدعم الخارجي وقد أقر وزير الخارجية الروسية، سيرجي لافروف، الخميس الماضي، بالصعوبات التي تواجه موسكو لأن “الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مستعدان حاليا فقط لتقديم المساعدات الإنسانية لسوريا، على أن يشاركا في إعادة الإعمار بعد الانتهاء من عملية الانتقال السياسي”، وفِي غمز من قناة الأوروبيين استغرب لافروف موقف الاتحاد الأوروبي حيال إعادة الإعمار، وقال إنه “لو تطلع الاتحاد إلى مصلحته لكان مهتما بتأمين الظروف اللازمة لعودة اللاجئين من أراضيه إلى سوريا”. وهكذا يحاول ثعلب الدبلوماسية الروسية مقايضة إعادة اللاجئين من ألمانيا خصوصا، في مسعى لانخراط برلين في إعادة الإعمار والتطبيع مع النظام.

ويصل الأمر بخبير أوروبي متابع للشأن السوري إلى القول “ليس هناك من مبادرة أو خطة روسية متكاملة بل مجرد اقتراحات تتضمن أرقاما أقل بكثير من المتداولة وهي أقرب إلى المسح الطوبوغرافي والحاجات اللوجستية من أجل استدراج التمويل، ولا يوجد فيها أي بند عن الضمانات الأمنية والسياسية”، والأدهى من ذلك أن هذه الأفكار التي جرى نقلها إلى واشنطن خلال قمة هلسنكي لم تحظَ بموافقة وانخراط أميركيين، وكلام لافروف عن الموقف الأوروبي يزيده تفاقما وجود غطاء فعلي من منظمة الأمم المتحدة لتنظيم العودة وفق معايير المفوضية العليا للاجئين.

بالطبع تستفيد موسكو من الفراغ ومن عدم تقديم منظمة الأمم المتحدة والجانب الأوروبي اقتراحات ملموسة لتحريك معضلة اللجوء السوري التي تلقي بثقلها على المجتمعات والدول المجاورة المضيفة، وخاصة لبنان وربط ذلك بالانقسام فيه حيال التطبيع مع النظام السوري، لا تبدو العروض الروسية مغرية في كل من ألمانيا وتركيا والأردن ويتم التعامل معها بحذر وحيطة، أما في لبنان فيوجد رهان على تحريك الملف لكنه يمكن أن يشكل عامل ضغط على فريق الرئيس سعد الحريري لكي لا يقتصر التطبيع مع دمشق على الجانب الأمني.

في رؤية مخالفة لأي تشكيك بالمبادرة الروسية والغطاء الدولي والإقليمي الذي تتمتع به، تراهن الأوساط المقربة من موسكو على صفقة متكاملة روسية غربية مع مباركة إيرانية تركية (يلاحظ غياب البعد العربي) تقضي بالتسليم ببقاء المنظومة الحاكمة مقابل تسهيل عودة النازحين. ويتمثل العنصر الآخر للمقايضة في إغراء كعكة إعادة الإعمار ومشاريعها الضخمة.

يتضح أن رهانات موسكو لا تقتصر على ترتيب إنهاء النظام سيطرته على الشمال بعد معركتي الغوطة والجنوب، ولهذا يتم ربط أفكار عودة اللاجئين باللجنة الدستورية وإعادة الإعمار في استعجال لتحويل الإنجاز العسكري إلى إنجاز سياسي، مع عدم وجود سياسة متماسكة في حدها الأدنى لإدارة الرئيس دونالد ترامب واختلال ميزان القوى الإقليمي.

بيد أن هذا الجهد الروسي لإدخال ورقة اللاجئين في سياق ترسيخ الانتداب على سوريا دونه معوقات كثيرة تتصل بأدوار القوى الإقليمية ومصالحها المتضاربة وطبيعة النظام السوري بحد ذاته. ولذلك يستغل فريق الرئيس فلاديمير بوتين كل فرصة لتحريك الأحجار على رقعة الركام السوري وسط صمت العالم ومباركته.

==========================

مَن هما طرفا الصراع في سوريا؟

فاروق يوسف

العرب

السبت 4/8/2018

كما لو أننا لا نزال في عام 2011 هناك مَن يتحدث عن نظام ومعارضة في سوريا. كل تلك الزلازل التي ضربت سوريا وكل الجيوش التي دخلت وخرجت وكل الأموات الذين غادروا والأحياء الذين تشردوا وكل المدن التي محيت والمخيمات التي انتعشت والزوارق التي غرقت لم يغيروا شيئا في المعادلة التي لا يزال طرفاها النظام والمعارضة. هناك شيء من السخرية السوداء في ذلك المنطق.

صنعت الحرب في سوريا أكبر موجة نزوح في التاريخ. وحدها ألمانيا استقبلت مليونا من اللاجئين السوريين مرة واحدة. كان مشهد السوريين العالقين بين الحدود في أوروبا الشرقية من المشاهد النادرة في التاريخ المعاصر. لقد أعادنا ما جرى إلى زمن الهجرات الكبرى، غير أن الفرق أن السوريين واجهوا هذه المرة رصاص شرطة الحدود بصدور عارية.

كل تلك المشاهد لم تحدث خللا في المعادلة التي ظلت ثابتة بين النظام ومعارضيه، بالرغم من أن وجوه المعارضين أنفسهم كانت قد تغيرت غير مرة. اختفت وجوه بطريقة غامضة، وتحولت وجوه أخرى إلى مجرد خلفية للمشهد السياسي الكئيب الذي لا يخلو من الفقرات المضحكة.

أما النظام فإن حاله هو الآخر لا تسر، فحربه الكونية أعفته من الكثير من الالتزامات التي يمكن أن تقيّده. حررته السنوات السبع العصيبة من مسؤولياته ما دفع به إلى أن يتخلى عن إدارة سوريا والحرب معا لسواه، على أمل أن تكون النتائج لصالحه، وهو أمر مشكوك فيه.

وبسبب تدخل قوى عظمى في الصراع فإن ذلك الصراع لم يعد سوريا – سوريا، بل كان يتخذ هيئة الصراع الأميركي – الروسي بشكل مباشر أحيانا، وأحيانا أخرى عن طريق الوكلاء الإقليميين. وفي الحالتين فإن السوريين الرسميين من الحكم والمعارضة باتوا مجرد بيادق على رقعة شطرنج، ليس من اليسير التكهن بالخطوات المقبلة التي ينوي اللاعبان القيام بها. واقعيا فإن النظام ومعارضته باتا طرفين مسيرين.

الطرفان فقدا القدرة على إدارة الصراع لا بسبب المؤتمرات الدولية التي صار المشاركون فيها يملكون القدرة على التحكم بمصير سوريا فحسب، بل وأيضا بسبب كونهما فقدا منذ سنوات المبادرة على الأرض.

لقد مزق النزاع المسلح الهوية السورية وتشظت القضية التي خرج من أجلها السوريون في احتجاجاتهم السلمية.

 

بدأ الأمر بتركيا التي رعت أول مؤتمر للمعارضة السورية، وانتهى بروسيا التي تملك قواعد عسكرية على الأرض السورية، مرورا بالولايات المتحدة وإيران ودول إقليمية أخرى، إضافة إلى نشاط أجهزة المخابرات الأوروبية التي صارت تمد يدا هنا ويدا هناك.

لذلك يبدو مشهد بشار الجعفري، وهو ممثل النظام في المفاوضات، مضحكا وهو يستعرض عضلات بلاغته الخاوية في مواجهة معارضة لا تملك سوى أن تلجأ إلى وصفات دعائية باتت مستهلكة ولم يعد أحد يحفل بها. تلك مسرحية تتكرر كلما عُقد مؤتمر يتعلق بالنزاع السوري.

وهي مسرحية تستمد حيويتها من الأخبار التي يتغذى عليها الإعلام الدولي. هناك صورة زائفة لما يجري في سوريا.

ففي الوقت الذي صار مصير البلد في أيدي الكبار، هناك مسعى دولي للإيحاء بأن السوريين نظاما ومعارضة لا يزال في إمكانهم أن يقولوا كلمتهم. وهو ما يناسب النظام ومعارضيه ولكنه يخون الحقيقة. وهي الحقيقة التي يعرفها الطرفان اللذان لن يعترفا بأنهما صارا مجرد واجهتين محليتين لصراع دولي.

في ظل تلك الحقيقة يبدو الحديث عن طرفي النزاع السوري مضحكا. ذلك لأنه لا يمت إلى ما يجري على أرض الواقع بصلة. وليس من باب التكهن القول إن النظام ومعارضته لن يكسبا بالنتيجة إلا الفتات والقشور. فلا النظام قادر على استعادة سيطرته على سوريا التاريخية، ولا المعارضة ستتمكن من أن تحصل على حصة من السلطة في دمشق. طرفا النزاع في سوريا كما تروج الأخبار ليسا سوى ممثلين فاشلين.

==========================


ممانعون راغبون

رشا عمران

العربي الجديد

السبت 4/8/2018

لا يتوانى الممانعون السوريون والعرب عن اتهام السوريين، المعارضين نظام الأسد، بالعمالة لإسرائيل، مطلقين عليهم أسماء مضحكة، كثوار الناتو والقطوإسرائيليين وعملاء الرجعية، وإلى آخر ما هنالك من هذه الاتهامات المدهشة، لفرط سذاجتها ونمطيتها وثباتها منذ عقود طويلة، من دون النظر إلى المتغيرات التي حدثت عبر تلك العقود على المستويين، المحلي والدولي، وعلى المنظومتين، الاجتماعية والسياسية، في منطقة الشرق الأوسط خصوصا، وفي العالم عموما؛ فمنذ عام 1979، لمّا حدثت الثورة الإسلامية الخمينية في إيران، وصولا إلى عام 2001 وتفجير برجي التجارة في نيويورك بما عرف بهجمات 11 سبتمبر، وانتهاء بعام 2011 تاريخ انطلاق ما كان يجب أن يكون ربيعا عربيا، تغيّرت التحالفات السياسية الدولية، وظهرت نظرياتٌ سياسيةٌ واقتصادية جديدة حكمت العالم، وفضحت ما كان يحدث في الخفاء، من دعم للديكتاتوريات العسكرية والأنظمة الشمولية، التي كانت تدّعي العداء للعالم الرأسمالي، من هذا العالم نفسه.

ولكي لا تحدث مزايداتٌ في هذا الخصوص، فإنه من نافل القول إن إسرائيل هي العدو الأول لكل عربي، أو حتى لكل مؤمن بأن الفكر الإنساني المحمل على العدالة والخير والمحبة، يجب أن يسود العالم ويحكمه، وهو ما يجعل لإسرائيل شركاء في العنصرية والكراهية والشر، لا يقلون عنها سوءا، ويتمتعون بغباءٍ وعنجهيةٍ، تحاول دولة الاحتلال نفيهما عنها في بروباغندا إعلامية مدروسة بعمق، ويجب أن لا تخفى على أحدٍ مهما كانت الذريعة.

غير أن الممانعين العرب يصرّون على التعامي عن هؤلاء الشركاء في أحسن الأحوال، بينما هم في غالبيتهم حلفاء لهم، ومروجون سياساتهم، ومبرّرون جرائمهم، ومعادون بشراسة لكل من يعلن موقفا ضدهم، أكان المعلن فردا أو مجموعات بشرية كبيرة، والتهمة دائما هي الخيانة، والعمالة للعدو الإسرائيلي. والغريب أن الممانعين العرب يعيشون في بلاد مطبعة دبلوماسيا وربما اقتصاديا، وقريبا ثقافيا، مع العدو الصهيوني، وقسم كبير منهم يدافع عن نظامه المطبّع بشراسة، وقسم آخر يتعامل في يومياته مع هذا العدو، في التصاريح والموافقات في داخل الأراضي المحتلة، أو في أثناء دخولها، وقسم يحمل جنسيته، مفاخرا بما تتيحه له من حريةٍ ويسر في التنقل بين بلدان العالم.

والغريب أن هؤلاء لم يحيدوا عن مواقفهم هذه قيد أنملةٍ منذ انطلاقة الثورة السورية، واصطفافهم إلى جانب النظام ضد الشعب الثائر، على الرغم من كل الفضائح التي تكشفت في علاقة النظام السوري مع إسرائيل، وانكشاف خديعة المقاومة والممانعة، سواء في التصريحات المتبادلة، أو في غضّ النظر عن الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة على مواقع عسكرية سورية، واحتفاظ النظام بحق الرد الأبدي في الوقت الذي تقصف به طائراته وصواريخه السوريين في مدنهم وقراهم، أو في التنسيق العلني والكبير بين روسيا (دولة وصية على سورية) وإسرائيل، بما يخصّ الوضع السوري، بشقيه العسكري والسياسي؛ ظلوا ممعنين في تأييدهم المقرف والمشبوه نظام الإجرام في سورية، وباحثين عن أي فرصةٍ لكيل الشتائم والاتهامات للسوريين المضادين له، وليس هيجانهم ضد فريق القبعات البيض، واتهامه بالعمالة، بعد إنقاذ رجاله وعائلاتهم من الأمم المتحدة إلى الأردن عبر إسرائيل، سوى حالة واحدة من حالات الهيجان التخوينية للسوريين الثائرين التي أصابتهم منذ بداية عام 2011، ولمّا تهدأ بعد.

ولا يشفع موت من يعتبرونه خائنا له، ليصمتوا عنه ولو قليلا، افتحوا صفحاتهم واقرأوا تعليقاتهم، إثر رحيل مي سكاف وقبلها فدوى سليمان، وسترون العجب العجاب من الشتائم والاتهامات، والغريب إصرارهم على أن كل صاحب موقف هو بالضرورة عميلٌ تم استئجاره بالمال، ويقبض من الدول المتآمرة على النظام الممانع، وفي طليعتها إسرائيل وأميركا ودول الخليج طبعا، وكأن أصحاب الحق لا يستطيعون أيضا اتهامهم بالقبض من النظام السوري وإيران، ولا يستطيعون اتهامهم بعمالةٍ مقابلةٍ إثر فضح علاقة النظام بإسرائيل.

أما سقوطهم الأخلاقي الكبير فهو في احتفائهم بحرية الطفلة الفلسطينية، عهد التميمي، التي اعتقلها العدو الإسرائيلي، إثر محاولتها صفع جندي إسرائيلي، ثم خروجها من المعتقل، بكامل صحتها وأناقتها، وبعد إتمامها دراستها داخل المعتقل، في وقتٍ يفصح النظام السوري عن أسماء سبعة آلاف معتقل ومعتقلة، من خيرة أبناء سورية، قتلوا في معتقلاته خلال الأعوام السبعة الماضية، لم يعلق أحد منهم على هذه الجريمة النكراء وكأنها لم تحدث، ومن كتب منهم عن هذا الأمر، فلكي يشتم المقارنين بين معتقل العدو والمعتقلات الوطنية في سورية! أما مصير عشرات الآلاف، بل ومصير سورية بكاملها التي أحرقها النظام فلا يهم، طالما هو باق إلى الأبد.

==========================

موقفنا : ألا يستحق هذا الشعب الحر البطل الجميل بيان معذرة وتوضيح من الذين قادوه فخذلوه وضيعوه

زهير سالم

8 / 8 / 2018

مركز الشرق العربي

وحديثتا في هذا المقام ليس عن دولي ولا عن إقليمي ... وإنما عن المتسنمين ذرا المسئولية من القادة الأفذاذ السوريين السوريين السوريين .. ومن الذين حسبناهم سوريين ..

حديثنا إلى كل من جلس على كرسي قرار في مجمع من مجامع السوريين ‘ فكان يوما قائد عشرة أو قائد مائة أو قائد ألف ..وثق به الناس ، وألقوا إليه بمقاليد قرارهم ، ودعموه وانتظروا منه ، وما زالوا يتذكرون ما وعدهم ، وينتظرون ...

يموت الوالد ويترك لولده ثروة يسبق إلى التصرف بها فينميها أو يدسيها ، فيمشي عمره بين الناس في عز هذا أو في ذلة ذاك ..!! وأحرى بمن بدد ميراث ثورة شعب حر جميل أن يبوء بإثمها إلى يوم الدين !!

يفلس التاجر في شركة صغرى أو كبرى فيقف الناس فوق رأسه يطالبونه بمعاذير الإفلاس ، كيف وقع ، ومن أين كان ؟ ومن حق اليوم أن يسأل كل ثاكل وثاكلة ، يتيم ويتيمة ..كيف كان ثمرة كل ذلك الضنى ما نرى ونسمع ونعيش ..

لا يشكك مشكك في أن هذه الثورة السورية الهدارة بكل عنفوانها وزخمها وقوتها ومضائها وجمالها كانت هبة الله للسوريين جميعا أولاً..لم يفجر براكينها فئة ولا جماعة ولا حزب ولا يمين ولا يسار ولا إسلامي ولا علماني ولا دولي ولا إقليمي ولا صغير ولا كبير ..

كانت هبة الله لشعب مظلوم مستضعف تمكن منه الاستبداد والظلم والفساد على مدى عقود متطاولة .. قال الله : اشتريت .. وقال أحرار سورية شبابها وشيوخها نساؤها وأطفالها : بعنا ..بعنا ، يا رب .. وصدقوا البيع ، فكان منهم الملايين من الصابرين المحتسبين رباطا في الخنادق ، وتجلدا في سجون الظالمين ، ومصابرة على لأواء الهجرة والتشريد .. تضحيات جلى ما عرفها شعب ، بكمها وكيفها ، على مر التاريخ ..

وفي شدة البأس وحين حمي الوطيس تدافع قوم من السوريين إلى مقاليد القرار ، وقالوا لهذا الشعب الحر الجميل الذي كان يبذل دما أحمر قانيا ، وتضحيات جساما مما تحتمله قلوب الأمهات الثكالى ، والزوجات الأرامل ، والأطفال الذين كانوا ينتحب الواحد منهم فوق رأس أبيه الشهيد البطل الجميل ينادي عليه : لا تتركني وتروح يا يوب ..

قالوا لهذا الشعب الحر الجميل : نحن نكفيك ..نحن ننصرك ..نحن ..نحن كلام محفوظ مسجل على قائليه ..كلام قيل على سرير السلطة ، أو هو فحيح أفعوان ذكر ، وليس كما قال الأول

إن للحسن يا دليلة أفعى ..كم سمعنا فحيحها في سرير

أفعوان حب السلطة حين يتمكن من قلب صاحبه يفعل فيه كما في قلب بشار الأسد ، ويتضاءل أمامه فحيح كل دليلة على سرير الحسن عبر التاريخ ..على السلطة وإن كانت رعاية مثل الفجلة يقتل الولد والده والوالد ولده ويقطع الأخ حباله مع أخيه ..

لا أحب لأحد أن يشخصن هذا الكلام ، فهو ليس موجها لشخص أبدا ، بل هو موجه لكل شخص ، لكل من تسلم مقعد مسئولية في هذه الثورة الجميلة فخذل وضيع وفرط ، ولكلٍ من هؤلاء حسب سعة قواعده وجمهوره ، وحسب ارتفاع منسوب الثقة التي عقدت عليه ..

واليوم وهذا الاحتلال الروسي ينفرد بسورية والسوريين ، وينفرد في سورية والمنطقة من حولها في الداخل والخارج في سابقة لم يشهدها تاريخ التدافع السياسي لا في أيام الحجر والمقلاع ، ولا في أيام الترس والرمح ، ولا في أيام الصواريخ العابرة للقارات .. فراغ مطلق تعمل فيه أنياب بوتين ومخالبه ؛ ولا دولي يعترض ، ولا وجهٌ إقليمي يتمعر، ولا الفريسة المعلقة للذبح تثغو أو تموء ..

ليبقى السؤال التاريخي الذي سيدور مع الزمان لكل هؤلاء السادة القادة الاستراتيجيين المنظرين المؤمنين منهم والملحدين الدينيين منهم والمدنيين ..

ألا نستحق نحن المسحوقين تحت سنابك غروركم وادعائكم وتحملكم ما لستم له بأهل ، وتدافعكم على ما ليس لكم بحق ، بيانا وتوضيحا : يحكي لنا كيف كان ما كان ..؟! وكيف وصلنا إلى ما نحن فيه في بضع سنين من الزمان ...؟

ألا نستحق أن تشرحوا لعقولنا التي كنتم دائما تتهمونها بالقصور ، وعدم المعرفة ، وقصر النظر ، وضيق النفس .. كيف تبدد ذاك الزخم من الطاقات التي كانت قادرة على نسف الجبال ؟! وفيم أريقت تلك الدماء ؟ وعلام ذرفت تلك الدموع ؟!

لا تحدثوننا عن المؤامرة الكونية ، فقد حدثنا عنها بشار الأسد من قبل طويلا ، بل بسّطوا لعقولنا كيف استرسلتم مع "أصدقائكم " منذ مؤتمرهم الأول في تونس من الديمستورات ومن الوزراء والأمراء والسفراء في "روديترات" التبديد والتبريد ..يوم كان كل العقلاء حولكم يصرخون ..يستغيثون ..ينادون : لا حملت رجلاك يا جمل ...

كل الهزائم والانكسارات تدفن يتيمة بصمت وبلا مأتم ولا معزين ، ولا قراء فاتحة .. فهل ينتصر السوريون على هذه العادة اللئيمة الذميمة اليوم..؟!

صناع الهزائم في العالم الحر يتحملون نتائج خيبتهم وتفريطهم ، وفي عالم المنكودين يكون صنع الهزيمة شهادة خبرة وتأهيل ، يصنع الواحد الهزيمة الأولى فيتأهل لصنع الثانية والثالثة والرابعة والأربعين ..كما أهلت هزيمة السابعة والستين حافظ الأسد وابنه من بعده إلى كل هذا الذي نرى وترون ..

وختم الرسالة : يا صناع واقعنا بكل ما فيه من مرارة وألم وخيبة ..

ألقوا معاذيركم ...اشرحوا للناس ونحن منهم ، ما كان منكم وعليكم ، حدثونا عن سر غيابكم وصمتكم وتلاشيكم ..كملح في ماء ..

قد تهربون من أسئلتنا اليوم وغدا ، فأين أنتم من سؤال الله يوم الدينونة الكبرى تهربون ؟! يوم تشهد عليكم كل قطرة دم سفكت من نحر شهيد ، كل زفرة حرى انطلقت من صدر حرة ..وكل دمعة ذل سالت على خد يتيم ..

ألقوا معاذيركم لعلكم تُقنعون فتفلحون ...

_____________

* مدير مركز الشرق العربي

=============================

روسيا أمام أكاذيبها

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 4/8/2018

يبدو أن روسيا عاقدة العزم على الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة السلام في سورية، فبأي فهمٍ قد تنجز ذلك؟ هل ستنجزه بسياسة "عفو يصدره بشار عن الشعب يعيده إلى ما كان فيه من سعادة قبل ثورته "الإرهابية"؟ أم ستذكّرهم بما يمكن أن يحل بهم من بلايا في حال رفضوا يد الصفح الأسدية الممدوة لهم؟ أم ستنجزه باعتبارها قوةً تمسك بمفاتيح الواقع السوري، أنقذت الأسد بذريعة صعوبة إيجاد بديل له بسبب الحرب، وبما أنها ستنتهي قريبا، فإنه سيكون لدى موسكو ما يكفي من وقتٍ للبحث عن بديلٍ للأسد، وربما لنظامه الذي أتعب الاتحاد السوفييتي، بهزائمه المتتالية الباهظة الكلفة، وبسياساته العربية التي لعبت دورا خطيرا في إسقاط مصر الناصرية، وتخريب العالم العربي، وأخيرا بمواقفه الدولية التي تأرجحت بانتهازيةٍ بين الدولتين العظميين، وتحدثت لغةً معاديةً لأميركا وإسرائيل، من دون أن تتوقف يوما عن تقديم الخدمات لهما، وستتعب روسيا أيضا، ليس فقط بتأرجحه بينها وبين بديلها الإيراني، وإنما أيضا لأنه سيكون على موسكو أن تختار بينه وبين الشعب السوري الذي خسرته، وحان الوقت لاستعادة شيء من ثقته بها، فإن راهنت على ردّ بشار الجميل لها، تكون دولةً مارقة، يؤكد رهانها عليه أنها لا تعرف من الذي أنقذته، ونسيت سيرة أبيه في الغدر برفاقه وبالسوريين شعبا، والبطش بهم، وبالفلسطينيين واللبنانيين والعراقيين، وتكون كمن يجعل من نفسه دريئةً تتلقى ضرباتٍ لن تنتهي بنهاية الفصائل الملغومة، وستستمر بآلاف الصيغ، بعد أن يتكشف حجم الجرائم التي ارتكبتها الأسدية ضد العزل والآمنين من أبناء سورية إناثا وذكورا، ممن تعرّضوا للتصفية بعشرات الآلاف في سجونها ومعتقلاتها، وبدأت ترسل سجلات وقوائم بأسمائهم إلى دوائر الأحوال المدنية، لتضاف مأساتهم، وهم سوريون عزّل يحميهم القانون ويبت القضاء في أمرهم، إلى مأساة ملايين السوريين في كل مكان من قراهم ومدنهم، وكانت الصواريخ والقنابل تنهال عليهم من طائراتٍ روسية تقتلهم بصورة جماعية، وهم نيام في أحيان كثيرة، أو تحت رحمة من لا رحمة لديهم من طيّاري جيش الأسدية الذي ليس جيشا، وليس عربيا، وليس سوريا.

ماذا ستختار روسيا عندما سيأتي السلام الموعود، بعد أن اختارت في الماضي الأسدية، شخوصا ونظاما، لرفضها التغيير بواسطة الثورات، وقبوله كإصلاح تقوم به الحكومات بالطرق القانونية والشرعية؟ هل ستتذكّر موسكو أن الحرب انتهت، وحان زمن التغيير بالقانون، وهل ستعمل للخروج من واقع سجنت نفسها فيه، قاتلت خلاله شعبا ليس معاديا لها، وقتلت وجرحت مئات الآلاف منه، دفاعا عن نظام تعلم أن مطالبة شعبه بالحرية كانت محقة، وأن جيشها أسهم في إخماد أنفاسه بقوة السلاح، لإرغامه على الرضوخ لظلم أشد من الظلم الذي كان فيه قبل ثورته.

إذا كانت روسيا صادقةً في ما تدّعيه حول شن الحرب على سورية، لأنها ترفض التغيير بالثورات وتربطه بالحكومات، ألا يجب عليها طرد الأسد من السلطة، لأنه فقد شرعيته، ولن يكون شرعيا لأنه غمس يديه حتى الإبط بدماء شعبه، ولأن احترام الشرعية يُلزمها بإخراجه من سورية، لتسترد حياتها مسارها الطبيعي، وشرعية حكامها هويتها الأصلية التي لا تعني شيئا غير قبول الشعب الطوعي بحكامه؟!

تقف روسيا أمام اختبار سوري لن تستطيع اجتيازه، إن هي تماهت مع النظام الأسدي، لأنها ستكون عندئذ من جنسه: دولة قتلة قوّضوا حرية شعب سورية بالقوة الغاشمة، بعد أن قوّضوا باستبدادهم ومروقهم القدر القليل من الحرية، الذي ناله شعب روسيا بثورته التي أجهضوها.

==========================

أنقرة أمام أخطر امتحاناتها السورية

باسل الحاج جاسم

العربي الجديد

السبت 4/8/2018

كثير من الغموض يخيّم على مصير مناطق كثيرة في الشمال السوري الممتد على أربع محافظات، إدلب وحلب وحماة واللاذقية، لا سيما بعد سيناريو درعا وتخلي واشنطن العلني عن دعم المعارضة في الجنوب السوري، بعد أن كانت طرفاً ضامناً في اتفاق التهدئة هناك، إلا أن مستقبل إدلب بات يتصدر معظم التصريحات السياسية والإعلامية، بالإضافة إلى تحذيراتٍ من مختلف الأطراف بشأن الكارثة الإنسانية التي تتربص بالمدينة، في حال شن أي هجوم عسكري عليها.

يعيش في إدلب اليوم قرابة أربعة ملايين نسمة، ونصفهم ممن هجروا إليها من مدن ومحافظات سورية أخرى، الأمر الذي يجعل أي عملية عسكرية على المدينة كارثية من الناحية الإنسانية، كما أنها ستضع علاقات وتفاهمات أنقرة - موسكو على المحكّ، وتدفع محادثات أستانة الخماسية نحو المجهول.

ولعل أبرز تعقيدات شن عملية عسكرية واسعة على إدلب تكمن في المساحة الشاسعة للمحافظة، وامتلاك المعارضة هناك مقاتلين كثيرين، وكميات ضخمة من السلاح الثقيل، وتعزّزت قوتها أكثر، بعد نزوح آلاف المقاتلين إليها من مناطق كانت تحت سيطرة المعارضة سابقاً، وهو الشيء الذي يجعل أي هجوم عسكري عليها باهظ الثمن للطرف المهاجم.

لا يمكن تجاهل حقيقة أن أكثر من سيناريو ينتظر إدلب والمعارضة التي حشرت فيها، من بينها السيناريو العسكري، وقد يساهم تعقيد حالة إدلب، في دفع الأطراف الأخرى إلى تجزئة الملف 

"استشعرت أنقرة الخطر الذي يحيق بإدلب وبعض مناطق الشمال السوري" وقضم المناطق المحيطة بشكل تدريجي، بعضها عسكري، وبعضها الآخر عبر تسوياتٍ، وربما تبادل في المناطق. وبكلام آخر، سيكون هناك سيناريو مزيج للمحافظة (غير مستبعد أن يتضمن أيضاً صفقات) بين القوى صاحبة النفوذ الحقيقي، في إطار نظرة أوسع للمرحلة التالية من الصراع في سورية وعليها، وذلك كله في حال لم تتمكن تركيا، في فترة زمنية باتت قصيرة، من التعامل، بشكل ناعم وسريع، مع المنظمات الموجودة هناك، والمصنفة على قوائم الإرهاب.

الواضح أن أنقرة استشعرت الخطر الذي يحيق بإدلب، وبعض مناطق الشمال، واتصال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قبل أيام، بنظيره الروسي، فلاديمير بوتين، وإشارته إلى أن تقدُّم قوات النظام السوري نحو الشمال، بشكل مماثل لما حصل في الجنوب، يعني تدمير جوهر اتفاق أستانة، لم يكن سوى خطوة استباقية، في ظل التركيز الإعلامي الكبير على مصير الشمال السوري، وفي ضوء التقارير التي تعلن محافظة إدلب وجهة عسكرية مقبلة .

لا يرضي الوضع في إدلب اليوم وانتشار المنظمات المصنفة على قوائم الإرهاب تركيا، لكن ما تخشاه هو وقوع كارثة إنسانية هناك، بذريعة وجود تلك المنظمات، خصوصا بعد حشر كل أصناف المعارضة فيها، بالإضافة إلى كل الرافضين أي تسوياتٍ وتهجيرهم إلى إدلب من باقي المناطق والمدن السورية. وبالتأكيد العواصم الأوروبية الفاعلة أقرب إلى تسوية بإشراف تركي، حتى لا تشهد المنطقة موجة نزوحٍ جديدة، على غرار ما حصل في العام 2015، إلا أن هناك صعوبة كبيرة أمام المهمة التركية، وخصوصا في ما يتعلق بمصير عناصر هيئة تحرير الشام الأجانب.

ولا يخفى أن المعارضة السورية لم تعد تتحكم باتجاه الأوضاع داخل سورية، منذ ظهور التنظيمات الإرهابية، المتطرّفة منها والانفصالية، وسيطرتها على مناطق واسعة في الجغرافيا السورية، وهو ما جعل الأولويات تتغيّر لدى القوى العظمى والإقليمية في تعاملها مع الحالة السورية.

ويكتنف الغموض مصير إدلب تحديدا، لا سيما بعد جمع مجموعات وفصائل عسكرية كثيرة، مختلفة المشارب والتوجهات فيها، بالإضافة إلى وجود المنظمات المصنّفة على قوائم الإرهاب. وسبب الغموض عدة أمور، أبرزها أن تلك الفصائل التي فشلت بالتعامل في إدارة مناطقها، وفهم توجهات القوى الدولية والإقليمية الفاعلة على الأرض السورية، وتمسّكت بتفرقها، فحالها بالتأكيد لن يكون أفضل في إدلب، وستقبل هناك بالشروط التي كانت مرفوضة بالنسبة لها في مناطقها، والهدوء النسبي الذي تعيشه المدينة اليوم مرحلي.

لم يعد سرّا أن إعلان إدلب منطقة وقف إطلاق نار شامل مرتبط بإعلانها خالية من أي وجودٍ

"المعارضة السورية لم تعد تتحكم باتجاه الأوضاع داخل سورية" لقوى مصنّفة إرهابية، فكل طرف دولي سيجعل من المنظمات المصنفة إرهابية في إدلب هدفا له، ويؤكد المشهد اليوم على أرض إدلب أن الوقت مبكر على إعلانها منطقة آمنة، لا سيما أن تركيا لم تظهر أي توجهات سياسية أو عسكرية جديدة للتعامل مع الوضع في إدلب، حيث فوضى السلاح.

ويعزّز الاعتقاد بأن إدلب باتت في مرمى النيران ما تم تنفيذه سابقاً بدعم روسيا من شن عمليات عسكرية انتهت بالسيطرة على حلب، مرورا بالغوطة الشرقية، وصولا إلى الجنوب السوري، بعد أن عقدت تفاهمات مع الولايات المتحدة والأردن وإسرائيل انتهت بوصول قوات النظام إلى الحدود الجنوبية لسورية، للمرة الأولى منذ ستة أعوام.

يبقى القول إنه لا يمكن تجاهل السلاسة والسرعة التي تم فيها تنفيذ أو استكمال تنفيذ اتفاق سابق لإفراغ بلدتي كفريا الفوعة، وتوقيت هذه العملية الذي يتزامن مع رسم مرحلة جديدة من عمر الصراع في سورية وعليها، وملامحها الواضحة "ظاهريا" بانتصار فريق روسيا وإيران والنظام، ما يجعل غضّ الطرف الروسي عن استكمال عملية الإخلاء يثير تساؤلاتٍ كثيرة بشأن ما ينتظر الشمال السوري خصوصا، وخريطة سورية بشكل عام، ويجعل كل الخيارات المتناقضة مطروحة في الوقت نفسه، من سيناريو عسكري شامل إلى صفقة كاملة المعالم.

==========================


إسقاط النظام والمعارضة من الحل في سورية

سميرة المسالمة 

الحياة

السبت 4/8/2018

استطاعت روسيا أن تنجز عملية تفكيك ناجحة للنظام السوري في شكله التقليدي وصلاحياته المفتوحة، كما أدت الدور نفسه مع أطياف المعارضة بشقّيها السياسي والعسكري، مع فارق كبير بين دورها التفكيكي للطرفين، حيث اختلف الهدف من العملية داخل بنية النظام عنها لدى المعارضة. فبالنسبة الى النظام، كانت الأولوية لديها ليس حمايته أو تحصينه من الانهيار، وإنما الإبقاء على شرعيته المعترف بها أممياً، مع ضمانة تقدّمها المجتمع الدولي بإعادة صياغته وفق جدولة جديدة، وعلى مساحة تحددها هي داخل الحدود السورية وخارجها، والتي تسعى موسكو الى جعلها حدوداً مرنة، قابلة للانضغاط نحو الداخل وفق ما يخدم تفاهماتها الدولية، وضمن ما يسمى دستور سورية الجديد، الذي تؤسس لشرعنته من خلال احتضان الأمم المتحدة لمحادثات في شأنه تحت غطاء القرار 2254 وضمن سياق ما يسمى مسار جنيف.

في حين أن المسعى الروسي لاحتواء المعارضة جرى لأهداف مغايرة تماماً لما فعلته عند تفكيك بنية النظام، التي حافظت على ضمان بقاء شرعيته كطرف مفاوض للمجتمع الدولي، وليس للمعارضة، التي أصبحت مجرد أسماء لكيانات مفتعلة دولياً، من المجلس الوطني إلى الائتلاف، ثم هيئة التفاوض، وبعدها وفود تفاوض مساري آستانا وسوتشي، ونهاية وفد التفاوض.

وعلى رغم سحب عوامل القوة من النظام كحاكم للبلاد، إلا أنها ساهمت في وحدانية تمثيله للدولة السورية في الهيئات الدولية الأممية، في الوقت نفسه الذي يتصدر أجندة موسكو ملف إنهاء الاعتراف الدولي بالمعارضة ككيانات وفصائل، وتحويلها إلى «أفراد» غير صالحين لإعادة التدوير، خلال مراحل الحل «المفترض» المتقدمة، وذلك لخسارتهم مرجعياتهم الكيانية من جهة، وعدم قبول الطرف المقابل بهم من جهة ثانية، ما يفسّر استبدال الأسماء والصفات مع كل مرحلة من مراحل الصراع في سورية، والتبعية المطلقة للشخصيات المنتدبة لتمثيل الوفود للدول التي رشحتها لهذه المهمات.

سعت روسيا خلال حراكها الديبلوماسي، خارج صندوق النظام والمعارضة، إلى مد جسور التفاهمات العابرة لخلافاتها البينية مع كل من الدول المؤثرة في القرار الدولي، وجاء ذلك تزامناً مع تحركها العسكري داخل الأراضي السورية، وبسط سيطرتها المباشرة عليها، مع التزامها في الوقت نفسه الصمت تجاه الضربات الإسرائيلية على شريكتها الاستراتيجية إيران في مساري آستانا وسوتشي، وحيادها غير الإيجابي حول حصار تركيا غربياً وأميركياً، وتضييق مساحة تحركها داخل الملف السوري من خلال سحب ملف الكرد منها، وإبعاد خطرها عنه بمد جسور التواصل لهم مع النظام مباشرة، وأخيراً إحباط محاولاتها في سوتشي 30 - 31 تموز (يوليو) المنصرم بتمديد اتفاق خفض التصعيد في إدلب، وترك المجال مفتوحاً أمام خيارات الحل العسكري الذي يلوح به النظام السوري.

ومن الملاحظ أن النظام السوري لا يتجاهل حقيقة أدوار روسيا داخلياً وخارجياً، بل يتعامل معها من مبدأ «قوة الوقت الراهن»، ومن تصوراته المخابراتية في القدرة على التلاعب قدر المستطاع على التناقضات الدولية مع روسيا، وعلى احتمالات تضارب المصالح مع الجانب الإيراني داخل سورية، وفي دول نفوذها، أي في كل من العراق ولبنان واليمن، وحتى في العلاقة بين إيران كنظام حكم، وبين الولايات المتحدة الأميركية كقوة عظمى حليفة لإسرائيل، وفي تنافس على المكانة والدور الإقليمي معها لحماية الحدود الإسرائيلية، وتمرير مشروع الغاز في المنطقة، ما يعني أنه على رغم تسلــيمه بأنها صاحبة اليد العليا في التفاهمات الدولية حول سورية، إلا أنه لم يفقد الأمل في السعي لإيجاد مساحة يتنفس من خلالها كقوة حاكمة، مع ضآلة الفرص الممكنة في ظل وجود قوتي احتلال (روسيا وإيران)، تتنافسان جدياً على النفوذ السياسي والأمني والاقتصادي وحتى المجتمعي، ومن هنا تبرز المشكلات التي يصنعها وفد النظام خلال المحادثات سواء في آستانا أو جنيف أو سوتشي لغاية اللعب على الوقت حيناً والتحايل على الاستحقاقات في أحايين ثانية.

وما لا يمكن إخفاؤه، أن روسيا أدركت واقع المعارضة الممزقة واستطالاتها الدولية، وأجنداتها المغلقة التي لا تتقاطع في ما بينها، بل تتنافس، وتتناحر، وتصل إلى مراحل إعلان الحرب في ما بين فصائلها، وتمكنت من خلال ذلك العمل عليها وفق مرحلتين:

أولاهما، عقد تفاهمات مع الدول الراعية لكيانات المعارضة بضمان مصالحهم بعيداً من أذرعهم المحلية من معارضات سياسية ومسلّحة، وهذا ما تمثل بحراك ديبلوماسي روسي من وإلى هذه الدول عربياً وتركياً وإيرانياً وغربياً وأخيراً أميركياً.

ثانيتهما، استثمار خلافات المعارضات، بخاصة المسلحة منها، والاستفادة من مطامعها السلطوية، لتحفيزها على مصالحات منفردة، تضمن لها الحفاظ على ميزات فرضتها على مناطق نفوذها بقوة السلاح أو الخروج الآمن إلى مناطق أخرى مع كل مكتسباتها المالية، وهذا لغاية كشفها على المســـتوى الشعبي الذي تتاجر به، وقد عبر الشارع عن ردة فعله تجاهها في شكل مباشر وصريح، وعلى مستوى الدول الداعمة لها، لإنهاء روابط الصلة في شكل يسمح لها بتمرير مشروع إذابتها من الساحة السورية، وهذا ما حدث في مناطق خفض التصعيد تباعاً، وما ينتظر فصائل المنطقة الأخيرة إدلب، وفق مشروع روسي - تركي مشترك، ويصب نهاية في مصلحة استعادتها إلى النفوذ الشكلي للنظام السوري.

وعلى رغم كل ما تقدم، ما زالت وفود «المعارضة» تدير معاركها التفاوضية بالأمنيات، وبالتعاطي مع أوهام الدعم الدولي لحق الشعب السوري في صناعة مستقبله، على رغم أنهم ساهموا - عبر سنوات نزاعهم البيني إلى جانب نزاعهم مع النظام على السلطة - في التنازل عن هذا الحق، عبر انسياقهم وراء المشروع الروسي الذي استطاع التلاعب في الحقوق المكتسبة للسوريين في القرارات الأممية والبيانات الدولية من بيان جنيف1 وحتى القرار 2401.

وأيضاً فقد تمكنت روسيا من قلب الطاولة على محادثات جنيف بتلفيق مساري آستانا وسوتشي، وخلط أوراق التفاوض ليتقدم بند صياغة الدستور الجديد، على أهم مكتسب للثورة، وهو الاعتراف بوجوب قيام مرحلة انتقالية تهيئ المناخات الآمنة لمؤتمر وطني، ينتخب لجنة دستورية يبدأ من خلالها تأسيس الجمهورية السورية الثالثة، الأمر الذي بات مستبعداً الآن بعد إقرار تشكيل لجنة دستورية تمثل مصالح الدول الشريكة لموسكو في اغتيال الثورة السورية، وما كان ذلك ليمر لولا قبول أطياف المعارضة بممارسة دور شاهد الزور في تمثيلها لثورة السوريين، وارتهاناتها لأدوار وظيفية مرحلية، مكنت موسكو من إنجاح مشروعها في إعادة تدوير استخدامات النظام السوري دولياً من جديد.

==========================

خلفية مهمة وفد «سورية الديموقراطية» في دمشق وأبعادها

عبدالباسط سيدا

الحياة

السبت 4/8/2018

كثرت التكهنات والتحليلات حول العوامل التي أدت إلى توجّه وفد ممّن يُسمى «مجلس سورية الديموقراطية» إلى دمشق، بناء على دعوة من الأجهزة الأمنية للتوافق على مستقبل المناطق التي تهيمن عليها القوات العسكرية التابعة للمجلس المذكور، الذي يمثل حزب الاتحاد الديموقراطي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، عموده الفقري، هذا الحزب المدعوم حالياً من الجانب الأميركي الذي أوكلت إليه مهمة محاربة «داعش» في العديد من المناطق، ومنها: المنبج والرقة ومنطقة دير الزور والحسكة. فهناك من يتحدث عن خشية هذا الحزب من انسحاب أميركي، أو من يتحدث عن استراتيجية لهذا الحزب، هدفها المصادرة على احتمالات تدخّل تركي، أي منع تكرار سيناريو عفرين.

واللافت في الأمر، الربط بين هذا الحزب وكرد سورية، كأن هذا الحزب يمثل إرادة الكرد السوريين، ولسان حالهم. وبالتالي، فإن أي صفقة يعقدها مع النظام أو غيره ستسجّل باسم الكرد السوريين، هذا في حين أن المطّلع على جانب من تاريخ كرد سورية، وموقعهم من الثورة السورية، سيدرك أن علاقة هذا الحزب مع المجتمع الكردي السوري شبيهة تماماً إلى حدٍ كبير بعلاقة «داعش» مع المجتمع العربي السني السوري. فهي علاقة هيمنة وسيطرة بقوة السلاح، تقوم على قمع كل الأصوات والإرادات المناهضة للنظام السوري. والأمثلة في هذا الميدان لا حصر لها، يستطيع كل باحث مهتم أن يتابعها من خلال العودة إلى يوميات الثورة السورية وتطوراتها، وتحوّل مساراتها.

فهذا الحزب دخل أصلاً إلى المناطق الكردية السورية بناء على اتفاق أمني مع النظام السوري منذ بداية الثورة، وبالتفاهم مع النظام الإيراني الذي ما زال هو الموجّه والمتحكّم بقيادات حزب العمال الكردستاني في قنديل، وهي القيادات الفعلية التي تشرف على كل صغيرة وكبيرة ضمن مناطق ما تسمى بالإدارة الذاتية التي أعلنها حزب الاتحاد الديموقراطي من جانب واحد.

ويتذكّر المهتمون المتابعون جيداً بنود الخطة التي وضعها الحزب المذكور لنفسه من أجل التفرّد والتحكّم بالمناطق الكردية، وكبح النشاطات التي كان يقوم بها الشباب الكردي الذين تفاعلوا مع الثورة السورية منذ اليوم الأول. ففي البداية، أعلنوا أنهم سيعملون من أجل الحفاظ على الخصوصية الكردية، وحماية المناطق الكردية. كما زعموا أنهم ضد النظام، لكنهم من دعاة «الخط الثالث». ثم اقتربوا من المعارضة بعد محادثاتهم مع تركيا. حتى أن الولايات المتحدة الأميركية كانت تريد الانفتاح عليهم، لكن شرط أن يقطعوا علاقتهم مع النظام، ويتفاهموا مع المعارضة.

لكن مع تغيّر الأولويات الأميركية في المنطقة كلها في عهد إدارة أوباما، لا سيما في مرحلة المفاوضات حول الملف النووي الإيراني، يبدو أن توافقاً ما قد تم مع الروس من أجل التخلي عن شرط إزاحة بشار الأسد عن الحكم، والتركيز على ملف الإرهاب الذي يثير أسئلة وشكوكاً كثيرة.

ومن الواضح أن ذلك التوافق لم يكن في غياب إسرائيل. وهنا حدث ما يمكن تسميته توزيع المهام بين الجانبين الروسي والأميركي، مع تدخل إسرائيلي وقت اللزوم.

دخل الروس الساحة السورية في صورة علنية وبقوة عبر قواتهم العسكرية، بخاصة الجوية منها في خريف عام 2015 وسط أجواء تميّزت بصمت أميركي وعربي وإقليمي.

وفي المقابل، أكتفى الأميركان بالتدخل الجوي وبإرسال بعض المستشارين والخبراء. لذلك، كان عليهم العثور على طرف له وجود على الأرض، يستخدمونه في الحرب التي أعلنوها على «داعش»، فوجدوا في حزب الاتحاد الديموقراطي ضالتهم بعد الإخفاق الذريع الذي مُني به برنامج تدريب فصائل الجيش الحر. فقد اشترطت تلك الفصائل أن يشمل قتالها في سورية محاربة داعش والنظام معاً. في حين أن المطلوب أميركياً كان محاربة النظام فقط من دون النظام.

ونحن إذا تابعنا السلاسة التي كان، وما زال، يتنقّل بموجبها الحزب المعني هنا بين الأميركان والروس، ودخوله في الصفقات الأمنية مع مختلف الأطراف، وجدنا أنه تفاهم في منطقة عفرين مع الروس، وفي كوباني والجزيرة تفاهم مع الأميركان، وفي جميع الأحوال كان ينسّق مع النظام. نحن إذا تابعنا ذلك كله، ندرك أن الجميع كان يتحرّك بموجب التوافقات الكبرى التي كانت قد تمت بين القوتين الأكبر، وبناء على تفاهمات مع القوى الإقليمية المعنية بالوضع السوري.

ومع الوقت، تحوّلت قوات الحزب المعني إلى قوات مرتزقة في واقع الأمر. تعرض خدماتها على الجميع بمن فيهم النظام. ومن أجل ذلك، تطبق التجنيد الإجباري بحق الشباب الكرد في سورية، لتستخدمهم وقوداً في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل. لكنها مطلوبة من جانب القوى العليا المشرفة على هندسة الأوضاع في سورية، لتصبح متناغمة مع استراتيجاتها، وفي معزل عن تضحيات السوريين وتطلعاتهم.

ويبدو أن التفاهم الثلاثي الأميركي - الروسي - الإسرائيلي بتفرعاته الإقليمية استمر في مرحلة ترامب، وأسفر عن جملة تحوّلات لمصلحة النظام بعد أن حصل هذا الأخير على تزكية إسرائيلية واضحة، ربما تكون جزءاً من صفقة أشمل، يجري العمل عليها في الخفاء.

فما حصل في الغوطة والجنوب السوري، وما يحصل حالياً في مناطق الشمال الغربي، لا يخرج عن نطاق ترتيب الأوضاع لمصلحة النظام على المستوى الداخلي. أما المساعي الروسية من أجل تأمين عودة اللاجئين السوريين من دول الجوار، وحتى من أوروبا، إلى الداخل السوري، فهي تأتي في نطاق التفاهمات الدولية المشار إليها، والرغبة في تسويق النظام على المستويين الدولي والإقليمي.

ومن هنا، نرى أن تحرّك حزب الاتحاد الديموقراطي باتجاه دمشق إنما هو في جوهره خطوة متكاملة مع الجهود المبذولة لتمكين النظام، ومدّه بأسباب القوة على المستوى الداخلي، حتى يصبح القبول به دولياً وإقليمياً مسألة تحصيل حاصل.

أما الحديث عن موضوع تشكيل اللجان بين الحزب المعني والجانب الحكومي، وذلك من أجل حل المشكلات، والبحث في طبيعة آلية العلاقة مستقبلاً بين المناطق الخاضعة هذا الحزب، فهي كلها مسائل للاستهلاك المحلي، تتماثل إلى حدٍ بعيد مع تلك المزاعم التي كانت تتحدث عن تحرير المناطق المعنية من جانب الحزب المعني. هذا في حين أن الجميع يعلم أنه لم تكن هناك معركة واحدة بين هذا الحزب والنظام. وإنما كانت هناك مسرحيات سيئة الإخراج لتضليل الناس. فالنظام بكل قوته لم يغادر المناطق المعنية، لم يغادر القامشلي والحسكة ودير الزور على وجه التحديد. فهو ما زال يحتفظ بقياداته الأمنية، ويمتلك القوات العسكرية، ويسيطر على المطار. ويسيّر الإدارات، ويدفع الرواتب. وكل ما كان يحصل كان يتم ضمن دائرة إعادة توزيع المهام وتقاسم الأدوار.

واليوم، بعد أن انتهت المهمة، حان الوقت لعملية التسليم والاستلام العكسية، مع بعض الرتوش التزيينية بطبيعة الحال هنا وهناك، حفاظاً على ماء الوجه، أو ربما، وبكلام أدق، تحسباً لاحتمالات مستقبلية تدفع بالنظام نحو استخدام الحزب المذكور في مهمات جديدة.

الوضع الكردي السوري هو جزء من الوضع السوري العام. فما يسري على الأخير يسري على الأول. ومثلما قد تم الاتفاق على الوضع العام، يبدو أن الاتفاق قد تم على الوضع الكردي أيضاً. وذلك على أساس إيجاد صيغة من التوافق بين مصالح القوى الدولية والإقليمية ومطالبها. أما المتطلبات والتطلعات الكردية، فهي لن تكون سوى مادة للإيهام والتعمية، شأنها في ذلك شأن تطلعات سائر السوريين ومطالباتهم.

==========================

الاحتلال الخارجي والاحتلال الداخلي وتبادل الأدوار!؟

يحيى حاج يحيى

الاحتلال الخارجي كما هو معروف  : دولة تفرض نفسها  على دولة أخرى

وقد يكون سياسياً كتبعية بعض  حكومات المنطقة ، أو عسكرياً كما كان في الجزائر وغيرها من بلاد العرب ، أو اقتصادياً وأمثلته كثيرة فيما يسمى العالم الثالث  !؟ وهناك الثقافي والصناعي والتقني والزراعي ! وأمثلته بعدد الأنظمة الذليلة ، والشعوب الساكتة عن حقوقها !

وعندما يضطر الخارجي للرحيل ولو ظاهرياً ، يبحث عمن يحل محله من نخب :  سياسيين ، أو عسكريين ، أو أحزاب ، أو طوائف عقدية ، أو عرقية !وهو ينظر إليها بعين العناية والمتابعة ، وهي تنظر إليه بعين المنقذ والمخلص !؟

فعملاء الاستعمار زمن الانتداب في سورية الذين بكوا على فراق الأم الحنون ( فرنسا ) نادبين حظهم لأنها تتركهم لعدوهم التاريخي  ( الشعب السوري ) كما في رسائلهم  إلى زعمائها في باريس ، اعتادوا على العمالة  !؟فهم يبحثون  عن ولي نعمة يسندهم ويؤيدهم ، فوجدوا في إيران بغيتهم ، وحين لم  يشعروا  بالطمأنينة ، جلبوا احتلالاً آخر ، وهو الاحتلال الروسي  

إن مما يعرض المجتمع للاحتراب الداخلي أن تعمد طائفة أو عرق معين إلى فرض رؤيته على المكونات الأخرى ، فيصادر حريتها  ، ويلغي رأيها ،ويحرمها من حقوقها ، ويتمتع بخيرات البلد ، وكأنه مُلك خاص لطائفته أو عِرقه  ، مما يهدد السلم الاجتماعي ، وتتعرض فيه المواطنة إلى افتئات وظلم كبيرين !؟ وهذا مايسعى إليه الاحتلالان  الداخلي والخارجي  وهما يتبادلان الأدوار !؟

إن إلغاء الاحتلال الخارجي مالم يتبعه إلغاء للاحتلال الداخلي ، يجعل البلد ، أي بلد عرضة للوقوع تحت نفوذهما مجتمِعين ، أو منفرِدين 

وهذا أمر مُشاهد ومحسوس في سورية ولبنان ، ودول أخرى من دول الإقليم مرشحة لتكون فيها هذا الحالة المزرية !؟

=============================

سوريا.. الامتحان الصعب

رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 4/8/2018

قبل شهور قلت على قناة تلفزيونية، إنني أدعو الله أن تعود سوريا كما كانت دولة واحدة غير ممزقة، وليكن النظام الخصم وحده نقاومه بالسياسة والسلم، دون احتلال روسي أو إيراني، وأن تخرج من سوريا الميليشيات التي تدفقت كطوفان ملأ ساحات سوريا بدماء شعبها وأغرق الجميع، يومها اعترض عليّ كثير ممن كانوا يأملون نصراً شاملاً، لم أكن أراه ممكناً، بعد أن تمزقت المعارضة عسكرياً وسياسياً، وقد خسرت دعمها الدولي.

ولا أحد ينكر أن الصراع مع النظام كان مجرد مطالبة بالحرية وبالكرامة، وكانت الاستجابة سهلة ويسيرة على الطريقة المغربية لو أن النظام اعترف بحق الشعب، لكنه استبد، وحول الصراع السلمي إلى مسلح، ولولا أن «حزب الله» دخل المعركة بشعارات طائفية، لبقيت شعارات الثورة لا تتجاوز حد الكرامة والحرية، ولولا أن النظام أطلق سراح المتشددين من سجونه، وهو يعلم أنهم سيسارعون إلى شعارات دينية، لما ظهرت «النصرة» وأمثالها ممن حاربوا شعار الثورة ورفعوا راياتهم السوداء، ولولا أن خطة جهنمية صنعت «داعش» وشغلت العالم بهذا التنظيم الفاجر لما ظهر تحالف دولي هدفه مكافحة «داعش»، حتى باتت قضية مكافحة الإرهاب هي الشغل الشاغل، بينما ملايين السوريين يقتلون ويشردون ويموتون تحت التعذيب، وقد باتت قضيتهم هامشية، وتحت راية مكافحة الإرهاب دمرت مدن وقرى واستبيحت حرمات، وانتصر الحسم العسكري الذي أعلنه النظام من البداية ونفذته روسيا بكل الوسائل، من الطائرات التي لم تتوقف عن القصف إلى ما سمي بخفض التصعيد الذي انتهى إلى مصالحات وإذعان.

أما وقد عاد النظام إلى جل المناطق التي كانت خارجة عليه، فإن ما تبقى على المجتمع الدولي الذي ادعى لسنوات دعمه لمطالب الشعب بالحرية والكرامة والديموقراطية، هو أمران أمام فداحة التراجيديا الدموية التي عاشتها سورية عبر ثماني سنوات، أولهما قانوني، وثانيهما أخلاقي.

فأما الأمر القانوني، فهو التزام مجلس الأمن والأمم المتحدة بتنفيذ القرار الدولي 2254 وما سبقه من قرارات ذات صلة، فما يجري حالياً هو تجاهل مطلق لهذه القرارات، وأخطرها تجاوز إقامة هيئة حكم انتقالي غير طائفي، فالقفز الحاصل نحو وضع الدستور قبل إنشاء الهيئة مخالفة معلنة للقرار 2254.

كانت روسيا التي أصرت على تنفيذ رؤية النظام بتنفيذ الحل العسكري وإهمال الحل السياسي، قد حظيت بتفويض دولي سراً وعلانية، والواضح أن العالم الذي صمت عامين على قيام «داعش» وميلشيات طائفية أخرى بإنهاء قوة «الجيش الحر»، لم يعد يجد أمامه معارضة مقنعة بأن تكون بديلاً عن النظام، فقد فرغت الساحة أو كادت ضمن خطة محكمة فلم يبق غير التنظيمات التي سمت نفسها بأسماء دينية، وأهمها «النصرة»، مع شتات من الفصائل التي بقيت من «الجيش الحر»، وقد توقف عنها الدعم، فصارت ضعيفة إلا من إيمانها بحقها في الدفاع عن الشعب ومطالبه، لكنها شغلت بمواجهة الإرهاب الذي استهدفها منذ البداية. وقد جاءت اتفاقية ترامب وبوتين (الموقعة في فيتنام) بعيداً عن قرارات مجلس الأمن، لتختصر القضية السورية في دستور وانتخابات، وعبرت الولايات المتحدة عن تخليها الكامل في رسالة وزعتها على الفصائل المعارضة في حوران، فكان السقوط المدوي، واليوم تتوجه الأنظار إلى إدلب أمام سلسلة من الاحتمالات، فالنظام يريد متابعة الحسم العسكري، وروسيا تعد بألا تتسع الحرب في إدلب، وتركيا تبحث عن مخرج سياسي عبر التمسك بخفض التصعيد، ولم يكن في لقاء آستانة الأخير، ما يطمئن ثلاثة ملايين مواطن في إدلب يترقبون الخطر القادم.

والوقائع تشير إلى أن النظام قد يسترد كل المناطق بفضل روسيا وإيران، ولئن كان في هذا الاسترداد حفاظ على وحدة سوريا وصد لأية خطة للتقسيم، إلا أنه يبدو مخيفاً من خطر الانتقام الذي يتوعد النظام به معارضيه، وقد جمعهم في إدلب وهو بالتأكيد لن يقول لهم (اذهبوا فأنتم الطلقاء).

==========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com