العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 12-06-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

من فلسطين إلى سوريا .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الاربعاء 8/6/2016

سأل فتى عربي أباه: بابا، أنا عمري الآن سبعة عشرة عاماً، ومنذ طفولتي أسمع أننا نحن "العرب جرب"، وأنه مكتوب على جبين كل منا ذلك. وسمعت من معلمي في مادة التاريخ قولاً أحاله إلى شاعر إنجليزي اسمه "كيبلنج"، فيه أن الشرق شرق والغرب غرب ولا يلتقيان.. فهل في هذا وذاك ما عليّ أنا وأصدقائي أن نأخذ به؟

إن ذلك الفتى أثار مسألة تحيل إلى ما أصبح استراتيجية يشتغل عليها معظم مفكري الاستشراق الغربيين، وما قد رسخ في عقول كثير من المثقفين الغربيين، إضافة إلى ما قد رسخ في مرجعيات عربية كثيرة، ثقافية وسياسية وعسكرية وغيرها، أما الفصيل الأكبر في مصداقية ذلك فقد أفصح عن نفسه في سياق الجامعات ومراكز البحوث الغربية، إضافة إلى مجموعات من شعوب الغرب نفسه، وإضافة إلى مجموعات أخرى ليست قليلة من شعوب أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وغيرها. أما القشة التي قصمت ظهر البعير، فأفصحت عن نفسها في عودة الاستعمار الغربي إلى معظم البلدان العربية بعد خروجه منها: لقد عاد عبر النظم الأمنية التي راحت تتصدر هذه البلدان بعد حصولها على الاستقلال من المستعمر الغربي إياه، الذي راح يؤسس لتلك النظم جزئياً أو كلياً في الاقتصادات والجيوش الوطنية الجديدة والمؤسسات المجتمعية والثقافية.. ولكن بشكل خاص في الحقول السياسية الحاكمة.

أما ما راح يسيطر على معظم البلدان المستقلة حديثاً، فتمثل في ما قام به الدخلاء السابقون (الاستعماريون)، بتعاون وثيق مع مجموعات من أهل تلك البلدان، وهذا بدوره راح يفصح عن نفسه عبر قانون جديد لضبط تخلف البلدان المعنية، إذ راح يحوله من تخلف تاريخي إلى "تخليف مصنع" من الخارج بأيدي الداخل، ومن ثم نشأت ظروف لتأسيس عالم جديد هو "العالم الثالث"، بمداخله المتمثلة في دعم الانقلابات العسكرية، التي مثلت رحم نظم سياسية أفضت إلى "دول أمنية".

في ذلك كله، كانت فلسطين تئن تحت ضغوط مفتوحة على أيدي مجموعات من الصهاينة يعلنون أن فلسطين حق لليهود! واللافت أن الصهيونية عممت إعلانها ذاك على العالم العربي نفسه، بكثير من الدهاء وعبر خطاب زائف حول "الأحقية التاريخية" و"الجدارة الحضارية".

ولن نقول إن ظفر الصهيونية بمعظم فلسطين جاء بسبب تفريط الفلسطينيين، وإنما نقول إن ذلك حدث نتيجة لتحالف الغرب الاستعماري من أجل الاحتفاظ بها للصهاينة، وله كذلك، بمثابة نافذة مباشرة على العالم العربي، ومن ثم منصة باتجاه الفعل المزدوج بين المنطقتين.

أما الجديد، فيتمثل في الخطر الذي يحمل في قلبه احتمالات تفكيك العالم العربي جراء أزمة الحرب الدائرة في سوريا. ففي هذا البلد، تتبلور إرهاصات لتفجير العالم، والأدهى من ذلك أن الموقف في سوريا حالياً يُفتح للأغراب من كل مكان، وعلى أيدي سوريين فقدوا الذاكرة التاريخية التي تخبرهم بأن سوريا جميعاً عصية على التفكيك والتقزيم أرضاً وشعباً. وهكذا انتقلت الكرة من سوريا إلى اليمن ثم إلى بلدان عربية أخرى.. لكن هذا مناقض للتاريخ العربي برمته، وهو يذكرنا بالحكمة التاريخية الذهبية القائلة: لا يصح إلا الصحيح، وعلى الجميع في الداخل والخارج أن يدركوا خطورة اللحظة المعيشة، فليس عبثاً أن السوريين يعودون إلى ذاكرتهم ليضعوا العالم كله أمام واحد من مقدساتهم.. عودوا إلى الأم الرؤوم، وإن لم تعودوا، فسوف يحدث ما هو أمر وأدهى.

======================

رسالتنا إلى أمة الصيام في شهر الصيام .. أيها الشعث الغبر المدفوعون بالأبواب .. لا تنسونا من دعائكم .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

6-6-2016

إخوة الإيمان والإسلام إخوة الصلاة والصيام ..

أهل الله عليكم شهر رمضان بالخير والبركة وبالأمن والأمان والسلامة والإسلام ، وجعله الله شهرا مباركا عليكم بطاعته ، وأعانكم وأعاننا على صيامه وقيامه والقيام بحق الله فيه ...

إخوة الإيمان والإسلام والصلاة والصيام ..

وهذا رمضان شهر القرآن التلقي والنزول ، والتلاوة والذكر ، فما ذكر الله في رمضان بمثل كلامه ، وهو شهر التدبر والامتثال للارتقاء إلى أفق : ( كان خلقه القرآن ) . هو رمضان شهر التقوى الخُلة الجامعة لكل خير ، النابذة لكل سوء وشر ، أعاننا الله جميعا على أداء حق هذا الشهر الكريم كما يحب ويرضى إنه سميع مجيب ...

إخوة الإيمان والإسلام والصلاة والصيام ...

وإن ما ينزل بأمتنا في هذه السنوات الشداد أمور عظام ، يبدي الشر ناجذيه لنا ، حتى وجدت أمة الهدى نفسها تعيش في ظل حقيقي لقول الله تعالى في محكم التنزيل (( وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا )). الحقيقة التي طالما موّهوا وطالما دارى المدارون منا . وها نحن اليوم نواجهها عارية قبيحة مرفوعة على رايات أهل الشر بقضهم وقضيضهم في العراق وفي الشام وفي اليمن وفي كل مكان (( قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ )) .

إخوة الإسلام والإيمان والصلاة والصيام ...

حقيقتان لا ينبغي أن تغيبا عن عقل مسلم مؤمن ولا عن قلبه ، في هذه الحرب الماكرة التي تدور على أهل الإسلام وبلاد المسلمين ، ويتوحد فيها أخلاط أهل الشر العالمي على نحو لم يسبق توحدهم على مثله على مر التاريخ .

الحقيقة الأولى هي أن كل ديار المسلمين موضوع على أجندة أهل الشر حسب سلم أولويات ؛ فإذا كانت المعركة اليوم في العراق والشام واليمن ، فهي في الغد حيث يقدر ويقرر الأشرار أن تكون . فالعراق والشام واليمن هي خندق الدفاع الأول عن باقي جزيرة العرب وعن مصر والسودان والجزائر وتونس والمغرب الأقصى بكل من فيه . علم هذا من علمه وجهله أو مارى فيه من جهله ..

والحقيقة الثانية هي أن كل المسلمين في هذه الحرب العوان الضروس مستهدفون ، وأولهم في الاستهداف العرب ، حملة رسالة الإسلام ، وحاضنوه ، ومبلغوه ، وممثلوه . الذين في بلادهم تنزلت كلمات الله ، وعلى ألسنتهم وبسواعدهم كان البلاغ . العرب الذين قهروا في أمسهم كسرى وقيصر يجتمع اليوم على حربهم كسرى وقيصر ويتابعهم على ذلك زعانف وأشباه .

وحين نقول إن كل المسلمين مستهدفون فإنما نقصد الجمع بغير استثناء ، العامة والخاصة ، الجمهور والنخبة ، الحكام ، من أولي البقية من قادة هذه الأمة ، والمحكومين . وإن كل ما يصرح به مسعرو هذه الحرب من التمييز ( الفئوي أو الطبقي ) بين أبناء هذه الأمة إنما هو مجرد تكتيك وقتي مرحلي. وحين ندرك أننا جميعا مستهدفون يكون المطلب أن نكون جميعا في ظلال قول الله تعالى في كتابه العزيز (( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ )) وللقتال في هذا العصر صوره ومراقيه ومراميه.

إخوة الإسلام والإيمان والصلاة والصيام ...

وتوجهنا في هذا المقام أولا، إلى أولي البقية من قادة هذه الأمة وزعمائها وحكامها ، ممن استرعاهم الله أمر هذه الأمة وحملهم أمانة الحفاظ على وجودها ، وصون عقيدتها ، وحماية بيضتها ...

أما الشرح والتفصيل ، وبيان المخاطر والتداعيات فأصحاب المقام أدرى به ، وأقدر على تقديره ، ومعرفة مخاطره وتبعاته وتداعياته ؛إلا أن ما يمكن أن نفيض فيه في أجواء شهر الصوم وشهر الصبر وشهر الجهاد وشهر التقوى ..

إن أخطر ما نجح فيه أعداء الأمة الماكرون هو اصطناع معركة حقيقية ، وإن قامت على وهم ، بين أولي البقية من قادة هذه الأمة وبين نخبها وجماهيرها . حتى غدا صاحب القرار من قادة هذه الأمة إن رام جِدا في أمر صدق وجد نفسه وحيدا ( كساع إلى الهيجا بغير سلاح ) .

إن ثقة الرائد بأمته وشعبه وبمن يتولى مسئوليته هي ثقة شرطية منعكسة بكل تأكيد . وهي شرط أساسي من شروط النصر في أي معركة ، فكيف إذا كانت المعركة معركة وجود ومصير ..

ثم إن توجهنا ثانيا، في أفياء هذا الشهر الكريم ، إلى نخب هذه الأمة ممن يهمهم أمرها ، بل ممن يهمهم ( بقاؤها ) فالمعركة اليوم هي معركة وجود أحكمت فيها قوى الشر كما نراها ثم أطبقت ...

بأنه قد آن الأوان لنبذ التنابذ ، ورمي الفرقة ، والاجتماع على القواسم التي تصون وتجمع ولا تبدد أو تفرق . لقد آن الأوان ليلتزم الجميع بالقول السديد والمنهج الرشيد (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ )) فالقول السديد هو عتبة منهج الرشيد ومقدمته ومدخله ، وأي صيام أعظم من صيام اللسان عن التنابذ بالإثم والعدوان ..

ثم الرسالة ثالثا في شهر رمضان لحملة رسالة رمضان ...

الرسالة إلى العلماء والدعاء الذين طالما علموا أن رمضان شهر الجهاد ، شهر بدر والفتح والقادسية والزلاقة وحطين وعين جالوت ..

الدعاة الذين علموا أن النصر مع الصبر ، وأن مع العسر يسرا ، وأنه لن يغلب عسر يسرين ليؤدوا رسالة رمضان حيث يجب أن تؤدى الرسالة ..

والرسالة رابعا إلى عامة المسلمين وخاصتهم

أيها المسلم فوق كل أرض وتحت كل نجم ...

إن الأمر ، أمر ما يحل بالمسلمين في العراق والشام واليمن ، لم يعد يحتاج إلى شرح وتطويل . وهاهي قوى الشر والكفر والعدوان والبغي يصولون ويجولون خلال ديار المسلمين . وها هو تحالف أهل الشر في كل يوم يتقوى ويزداد ويتسع ، ويوما بعد يوم تكشر عن أنيابها أفواه وتقمطرّ وجوه ..

إخوة الصلاة والصيام ...

تعلمون أن لكم في صيامكم إخوة يرابطون في سبيل الله فإن استطتعم أن تبروا صومكم بسهم تريشونه ، أو بلقمة فيها لمجاهد أو لمن خلفه بلغة فلا تبخلوا ((وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ )) وإنكم قد ( من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا ...)

أخي الصائم ...

أخي الصائم لا توكل بأخيك المسلم المنظمات الدولية ، والتي تسمى زورا بالإنسانية ، فها نحن نستحيي ان نخبرك ونحن في شهر العفاف ، ماذا حملوا إلى أهلك في داريا بين يدي شهر الصيام !!

أخي الصائم ..

 ومن تمام الركن في القيام بحق الله سهما في جهاد وتعاونا على بر ومعروف أن تسعى لإيصال الحقوق إلى الأحق والأولى من الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف وهم اليوم في العراق والشام واليمن الجماء الغفير ...

أخي الصائم ..

ومن معاني حديث من فطّر صائما أن تضم كل يوم إلى مائدة فطرك صائما عن بعد فتفطره .. صائما لا يجد اللقمة ولا البلغة ، ولا جرعة الماء و لا شق التمرة ويجمع إلى الجوع والمسغبة انه أرملة أو يتيم وخائف وابن سبيل .جزء من جهادك أن تعرف طريقك إليه وإن كره الأبالسة والمجرمون .

إخوة الصلاة والصيام والجهاد ..

 أنتم أيها القابضون على الجمر من أهل العراق والشام واليمن ..

أيها الرجال الميامين الأبطال في الفلوجة وفي الأنبار في الغوطة وفي حمص وحلب ودير الزور في تعز وفي الشمال والجنوب ..

تقبل الله جهادكم وصومكم وثبت أقدامكم وأنزل السكينة على قلوبكم وألزمكم كلمة التقوى وجعلكم أهلها والأحق بها ..

اللهم تقبل الشهداء وشاف الجرحى وفرج عن المعتقلين والأسرى .

ثم النداء إليكم أيها المستضعفون ...

إلى الرجال والنساء ، إلى المقهورين والمعتقلين والمشردين إلى الثكالى والأرامل والأيتام ...

اعفوا عمن خذلوكم ، تسامحوا مع من تشاغلوا عنكم ، وتولوا أمركم ثم غفلوا عنكم وأمة الإسلام كل أمة الإسلام اليوم تنتظر دعوة صالحة منكم وتذكروا مكانتكم ( رب أشعث أغبر ذو طمرين مدفوع بالأبواب لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره )

أيها الشعث الغبر المدفوعون بالأبواب هذا أوان تقسمون فيه على ربكم : ( اللهم فرج كرب المسلمين )

(( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ))

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

"ديبلوماسية الأزعر" .. زهير قصيباتي

الحياة

الاربعاء 8/6/2016

لم تكن موسكو في حاجة فعلية إلى إعلان حلب خطاً أحمر، لن تسمح لأنقرة ولا للفصائل السورية المعارِضة بإسقاطه. فغارات الطيران الحربي الروسي خلال الأيام الأخيرة رسالة صارخة عنوانها أن لا عودة عن دعم نظام الرئيس بشار الأسد. وإذ بدا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف واثقاً من هامش التحرك العسكري الأميركي في سورية بحيث لا يتجاوز قصف أهداف "داعش"، لم يرَ ما يحرج الأميركيين في إطلاقه وعداً بعدم السماح بانهيار ما بقي من سلطة للنظام وجيشه في حلب ومحيطها.

لا مفاجأة لواشنطن، يؤكد لافروف، ثم يلتقط الأسد الرسالة، ليصرّ بعد ساعات على "تحرير كل شبر من سورية، من الإرهاب"، وهو في قاموس النظام يعني أولاً "الخونة" المعارضين كما يعني "داعش" و "جبهة النصرة". وواضح أن الأسد في خطابه أمام برلمان انتُخِب في "مناطق النظام"، كان حريصاً على ثلاث رسائل:

- الأولى موجّهة إلى الروس مجدداً، وفحواها أن "الانتصارات" التي تحققت بمساعدتهم خصوصاً، تستكمل بسحق كل مَن يرفع السلاح، علماً أن مطلب التمييز بين فصائل معتدلة وأخرى "إرهابية"، يتقدّم ويتوارى تبعاً لإيقاع الكرملين في إدارة ملف مسار جنيف التفاوضي.

- الثانية التشديد على نفي وجود اختلافات بين النظام وحليفيه الروسي والإيراني، فيما المرجّح أن المقصود بالدرجة الأولى هو موسكو التي كانت دمشق نفت طرحها مشروع مسودة لدستور سوري جديد. ولم ينسَ الأسد في خطابه الذي نوّه بوقوف الثلاثي الروسي- الإيراني- الصيني معه "لنصرة المظلوم"، أن يخص "المقاومة الوطنية اللبنانية" بتقدير لدورها في الحرب مع "الإرهاب" ولمكافحته.

- الرسالة الثالثة ربما أراد منها الرئيس السوري الشماتة بنظيره التركي رجب طيب أردوغان الذي تهزّ بلاده التفجيرات، فيما تواجه أزمة ثقة مع الأميركيين وأزمة "استعداء" للروس، وثالثة مع الأوروبيين المرتابين إزاء نيات "السلطان" وأهدافه.

تشجَّع الأسد بوعد لافروف الذي يعني عدم السماح بإسقاط حلب في قبضة "السلطان"، وفيما الرئيس السوري مطمئن أيضاً إلى عدم تجاوز الأميركيين خط تمرين العضلات مع "داعش" وحده، تحدى "السفّاح أردوغان" أن يخوض معركة فاصلة في حلب، مستفزّاً إياه بأوصاف مثل "البلطجي الأزعر".

"ديبلوماسية" الأزعر لغة جديدة سهّلتها تعقيدات متاعب يواجهها أردوغان في الداخل والخارج، وإن كان بعضها نتيجة قراءات خاطئة لأحداث استثنائية في ذروة صراعات إقليمية، فالأكيد أن مواجهة الحلف الروسي- الإيراني- السوري- العراقي أكبر بكثير من تنافُس على النفوذ تخوضه تركيا منفردة ضد أركانه.

وبعيداً من "ديبلوماسية" الحملة على "البلطجي والإخونجي" التي استخدمها الأسد في تحدّي "السلطان" ونظامه "الفاشي"، لا يبدو حديثه عن "العملية السياسية" سوى مجرد استجابة لفظية لرغبة الروس، بينما لا يرى مفاوضاً للطرف الآخر في جنيف. فهل مبالغة القول أن قطار جنيف لن يقلع، وهو بلا عربات أصلاً؟

لا مبالغة كذلك في تلمُّس محاولات الروس صوغ نظام آخر في دمشق، يستطيعون حمايته، وإن عنى الأمر "تكييف" صلاحيات الرئيس بدستور جديد يتيح للمعارضة "المدجّنة" ادعاء شراكة في الحكم. وربما عبّر الخطاب عن رفض متجدّد لأي محاولة لتقليص صلاحيات الرئيس، غلّفه الأسد برفض مشاريع الخارج.

والكرملين في سعيه إلى "اختراع" نظام متكيّف في دمشق، ألا يسعى إلى تكرار نسخة من الوصاية الإيرانية على بغداد، ولو معدّلة؟... هجينة في العراق، مهجّنة في سورية؟

من شؤون الحلف الرباعي، أن تجدد طهران عرضها تحويل "الحشد الشعبي" الشيعي في العراق، المتهم بالتنكيل ببعض السنّة، إلى "حرس ثوري" آخر سيكون القبضة الحديد التي تستتبع حتماً مرشداً لبلاد الرافدين، يحكم في رعاية خامنئي.

تلك مجرد محطات في المسار الدموي على أرض سورية والعراق... قتل وإبادة، إرهاب ومجاعة، حشود مشرّدين و "حشود" إيرانية الهوى ما زال "داعش" يقدّم لها الهدايا المجانية.

يخطب الأسد في البرلمان مطمئناً إلى دور الروس في شطب وطنية المعارضة ودور الأميركيين في تكييف مسرح المواجهة مع "داعش". لم يحِن بعد أوان الصفقات ولا رسم الخرائط، وكلما طالت فصول التدمير والمجازر، تضخّم رهان "المستشار" الإيراني على الوصاية الناجزة بين دجلة والفرات. وأما الأطراف بالنسبة إليه، فما عليها إلا أن تتريّث، أو تدفع فاتورة مشاكسة "إمبراطورية" الحلف الرباعي الطامحة إلى رسم ملامح نظام عالمي مختلف.

ومرة أخرى، قد يجوز تفسير مآسي السوريين والعراقيين بالتقاء مصالح ديكتاتورية غبية وطموحات تكاد تكون انتحارية، لولا القرار الأميركي بإخلاء المسرح والتصفيق للضحايا.

======================

عن مصير السوريين وشكل دولتهم المستقبلية .. معتز حيسو

الحياة

الاربعاء 8/6/2016

لم يعد خافياً أن مآلات بنية الدولة السورية وشكلها تتأثر بطبيعة وأهداف الصراع الدائر فيها وعليها، بين دول كبرى وأخرى إقليمية. ويرتبط ذلك بمصالح وسياسات الدول ذات العلاقة. وفي الإطار ذاته، يتعلق ذلك بموقف أصحاب القرار المُعبِّر عن بنية السلطة السياسية وآليات اشتغالها ومصالح الفئات المشاركة في صناعة القرار في سورية. ويتقاطع ذلك مع اشتغال دول متعددة في توضيب قضايا المنطقة، خصوصاً سورية، كون تأثيرات شكل الحكم فيها سينعكس على باقي دول الإقليم.

والاشتغال على ذلك يتم في إطار تحجيم وتأطير السوريين. ما يعني أننا أمام لحظة مصيرية تقتضي تمسك السوريين بحقوقهم السياسية، وبدورهم في تحديد ملامح الدولة.

العوامل المذكورة إضافة إلى أزمة النظام العامة والمركبة وإشكالية أدائه السياسي، وكذلك إشكالية أداء المعارضة السياسية وما تعاني من تناقض وتشرذم وتنابذ وفساد، واندماج بعضها بفصائل مقاتلة تربطها علاقة عضوية بفصائل جهادية، وأخرى مدرجة على لوائح الإرهاب، كل ذلك ساهم ولا يزال في تدويل الأزمة السورية ومسارات تحولاتها.

وإذا كانت مصالح القيادة الروسية وطبيعة علاقتها مع النظام في سورية تدفعها إلى أن تقوم به، فإن الأمور نفسها تنطبق على حكومات أخرى متعددة. وجميعها يساهم في أشكال وسويات مختلفة في إطالة أمد الصراع، وإطالة عمر المجموعات الجهادية، إضافة إلى تفاقم الاستعصاء السياسي.

انطلاقاً من ذلك، لم يكن مستغرباً تسريب ما يعرف بـ "مسوَّدة الدستور الروسي لسورية" الذي رأى فيه البعض حصيلة تفاهم وتنسيق بين القياديتين الروسية والأميركية. ولا يقلل من حساسية وإشكالية تسريبه إعلامياً، نفي جهات روسية رسمية مسؤوليتها عنه وتأكيدها حق السوريين في صناعة مستقبلهم، وأن مسوَّدة الدستور المذكورة ما هي إلا وثيقة شارك في صوغها مركز كارتر بالتنسيق مع الأمم المتحدة ومكتب دي ميستورا وشخصيات من المعارضة السورية. وينسحب ما تقدم على نفي الحكومة السورية معلومات إعلامية أفادت باطلاعها على المسودة المشار إليها، ووضعها ملاحظات عليها.

وفي السياق هذا، تكشف مسوَّدة الدستور المسرَّبة عما يُخطط لمستقبل سورية في كواليس مراكز صناعة القرار، وارتباطه بمجريات الأوضاع السورية والتحولات الميدانية التي تكشف في الآونة الأخيرة عن إعادة تموضع الفصائل المقاتلة قبل استئناف مفاوضات جنيف. وسيكون لذلك انعكاسٌ واضح على الأطر السياسية والدستورية، وعلى شكل الحكم والدولة، ما يعني أننا سنشهد قريباً تسريبات تكشف عن خرائط جيو سياسية جديدة، تتحدد بموجبها آليات تقاسم السلطات ومناطق النفوذ وشكل الحكم. وستكون لذلك علاقة في شكل ما بما جاء في المسوَّدة وتحديداً ما يتعلق بالهوية القومية والدينية للدولة السورية، واللامركزية كأساس لنظام الحكم، ودور الجيش على المستويين الوطني والإقليمي، وطبيعة وآلية توزيع مراكز صناعة القرار، وفي الغالب سيتم اعتماد مبدأ المحاصصة الدينية والمذهبية والطائفية والعرقية والقومية. وسيكون لذلك تأثير ملحوظ في مستقبل الأوضاع في سورية وفي دور سورية الإقليمي.

أما في ما يخص الاقتصاد وبغض النظر عما جاء في المسوَّدة المسرَّبة، فالمرجح أن يتم تمكين اقتصاد ليبرالي حر، يضمن حرية النشاط الاقتصادي وانتقال الرساميل والالتزام بمعايير السوق. ومعلوم أن ذلك يُلغي دور الدولة الاجتماعي، ويرفع الحماية عن المواطن أمام التغوُّل الرأسمالي. ولذلك علاقة مباشرة بمصالح غير دولة تسعى إلى تلبيتها في سياق إدخال تغييرات جوهرية على بنية الاقتصاد وميوله الأساسية عبر ربطه في شكل مباشر بعجلة رأس المال العالمي المعولم.

* كاتب سوري

======================

التطهير الديموغرافي هدف المرحلة القادمة في سورية .. غازي دحمان

الحياة

الاربعاء 8/6/2016

بين معركة الرقة التي تلوح في الأفق، والمعارك التي تخطّط روسيا لشنها في مناطق عدة في سورية، وعلى خلفية التفجيرات التي قام بها تنظيم "داعش" في الساحل السوري وردة الفعل الطائفية، وبالتوازي مع التحضيرات لاقتحام مدينة الفلوجة، يبدو أن العنوان الواضح للحرب في المرحلة المقبلة سيكون التطهير الديمغرافي من دون رحمة.

تتغير أهداف الصراع في المنطقة وتتحرّك بشكل دائم، لدرجة يبدو معها هذا التغيّر المعطى الأكثر وضوحاً في فوضى المنطقة، ويبدو أن هذا التغيّر هو نتاج التطورات التي تحصل في قلب هذا الصراع سواء على مستوى الفاعلين وإمكاناتهم وظروفهم، أو لمدى ملاءمة هذه المتغيرات مع التحديثات التي يجريها الفاعلون على إستراتيجياتهم والتكتيكات التي يتبعونها في إدارة الصراع والأزمة في الوقت ذاته.

ورغم الفارق العلني بين الإستراتيجيتين الأميركية والروسية، إلا أنهما في هذه المرحلة تتقاربان إلى حد التناسخ في بعض المفاصل، سواء على صعيد الأهداف المتداخلة أو في التكنيك الذي يجري استخدامه في تصريف تلك الأهداف، ففي الوقت الذي تحصر إدارة أوباما أهدافها في المنطقة بمحاربة تنظيم "داعش" من دون الالتفات إلى أي تفصيل آخر في التشابكات المعقدة في أزمة المنطقة، تصّر روسيا على محاربة ما تسميه الإرهاب في سورية من دون النظر أيضاً الى الحقائق الصلبة على الأرض، وكذلك يسعى الطرفان إلى تحقيق أهدافهما باستخدام أدوات ذات طبيعة إشكالية في الصراع القائم، مثل اعتماد أميركا على الأكراد واستناد روسيا على إيران وأذرعها في إنجاز مهمتها.

لا شك في أن ذلك ينطوي على معان عديدة أهمها، أن إدارة الأزمة بهذه الطريقة ليس الهدف منها الوصول إلى تسويات سياسية حقيقية لصراعات المنطقة، بقدر ما تهدف إلى إعادة صياغة هيكلة المنطقة جغرافياً وديموغرافياً، والهدف من وراء ذلك إيجاد مخرج للقوى الكبرى من هذا الصراع ينهي مسؤوليتها، الأخلاقية والقانونية، بدرجة كبيرة عن المذبحة التي حصلت تحت ظلال تنافسها الجيوسياسي ويعيد ترتيب عناصر الصراع ونقلها من خانة الصراع السياسي الداخلي إلى صراع بين مكونات مجتمعية وكيانات طائفية وعرقية.

وفي ظل هذا النوع من الصراعات يسقط الكثير من المحظورات والمحرّمات الدولية، وخاصة عمليات التطهير الديموغرافي التي يتم احتسابها في إطار الصراع على المواقع والموارد والحدود ويجري إخفاء الفاعل فيها، وتنتهي بالاحتكام إلى الوقائع الأرضية والمساحات التي يستطيع كل فريق الاستحواذ عليها وتثبيت سيطرته فيها.

على ذلك، فإن الإستراتيجيتين الروسية والأميركية، ومن خلال سعيهما لتحقيق أهدافهما في المنطقة، تصنعان محفزات لدى أدواتهما للقيام بعمليات التطهير العرقي والطائفي، ذلك انه سيتم دمج هذه الأفعال ضمن هدف محاربة الإرهاب، ما يعني أن المرحلة المقبلة ستشهد ضغطاً على الجغرافيا التي يسكنها المكوّن الأكثري في سورية، وستشكل ذريعة القضاء على الإرهاب مساحة خطرة للمناورة والتغطية على أهداف أخرى، خاصة أن الطرفين الكردي والإيراني لا يخفيان أطماعهما الإقليمية في سورية والعراق.

لطالما واجهت إدارة أوباما منتقديها بترددها في التدخل بالأزمة السورية، بأن سبب موقفها هذا هو محدودية الخيارات التي تدفعها إلى الحذر من إحداث تغييرات من شأنها جلب الفوضى إلى سورية، وكذلك قالت روسيا إنها لا تؤيد بشار الأسد لكنها لا تريد حصول فوضى، لكن الطرفين يجريان تعديلاً على مقارباتهما للأزمة بحيث يبدآن ما يعتقدان أنه يشكل العلاج من أحد أخطر نتائج الفوضى وهو التطهير الديموغرافي للأكثرية العربية والسنية ما يدفع إلى التساؤل عن طبيعة تعريفهما للفوضى التي كان يقصدانها، وما هي الصيغة التي يرتبانها لسورية؟

لعل الغريب في الأمر أن أغلب أدوات هذه المرحلة مصنفة إرهابية مثل "وحدات حماية الشعب الكردي" التابعة لـ "حزب العمال الكردستاني" والأحزاب الشيعية المنضوية تحت قيادة قاسم سليماني، وهي التشكيلات التي سيتم الاعتماد عليها لإنجاز المهمتين الأميركية والروسية في سورية والعراق، والمعلوم أن هذه التشكيلات لا تتورع عن القيام بما هو مخالف للقوانين والأخلاق، بل أن البنية التي تتأسس عليها هذه التشكيلات والعقيدة التي تؤمن بها والتكتيكات التي تستخدمها لا تنتج سوى سلوك إرهابي، كما أن لها أهدافاً قومية وطائفية تتعارض مع مصالح الأغلبية ولا تتحقق إلا عبر إحداث تغييرات واسعة تشمل إعادة توزيع السكان والجغرافيا.

ولعلّ ما يرجّح احتمال حصول عمليات تطهير عرقي وطائفي واسع في المرحلة المقبلة، هو المناخ المتوتّر الذي ستتم فيه عمليات "التحرير" المزعومة، ذلك أن القرار الذي يؤسّس لهذه العمليات يجري بناؤه على سياسات رد فعل وعمليات انتقام مع وجود مكوّن انتهازي واضح، ففي الوقت الذي تريد إدارة أوباما أن تجعلها العتبة التي تؤمن فوز مرشح ديموقراطي ونافذة لخروج مشرف لأوباما، تريد روسيا جعلها نوعاً من استعراض القوة رداً على تشغيل منظومات الصواريخ الغربية في رومانيا، فيما تسعى القوى الشيعية للرد على هجمات بغداد وخسائر خان طومان ومقتل قادة كبار، وتعتقد القوى الكردية أنها ترّد على رفضها من المعارضة السورية والقوى الإقليمية كقوى مفاوضة.

* كاتب سوري

======================

استحقاقات أمام المعارضة السورية .. ماجد كيالي

الحياة

الثلاثاء 7/6/2016

لا تبدو المعارضة السورية، السياسية والعسكرية والمدنية، في أفضل أوقاتها أو أحوالها، لأسباب عديدة، ذاتية وموضوعية، داخلية وخارجية، وهذا لا يتعلق بها فحسب، فالنظام لم يعد يملك القوة ولا القدرة على السيطرة من دون الإسناد العسكري الخارجي، لاسيما من روسيا.

وإذا كان نظام الأسد لا يهمه، أو لا يبالي، سوى باستمرار سلطته على سورية والسوريين، ولو كانت شكلية، أي من دون سيادة فعلية، فإن المعارضة تبدو هي المعنية بتعزيز وجودها وشرعيتها، إزاء السوريين، وإزاء العالم.

وتتمثل مشكلة المعارضة، السياسية والعسكرية والمدنية، في أنها مفتّتة، وهذا لا يعني افتراض وجود تطابق أو اندماج بين مكوناتها، بقدر ما يعني أنها غير منتظمة، وأنها لا تشتغل على أساس تكاملي، وأنها ما زالت غير قادرة على مواجهة هذه المشكلة وحلها، بإيجاد إطار جامع ومنظم، ويضمن حال التنوع والتعدد في المجتمع السوري وتياراته السياسية، مع كل التقدير للجهد المبذول في تشكيل "هيئة المفاوضات".

مشكلة هذه المعارضة، أيضاً، أنها ما زالت تشتغل بمعزل عن حواضنها المجتمعية، ومن دون أي توسّطات أو شبكات متبادلة، في واقع تبدو فيه غالبية السوريين خارج معادلات الصراع، أو ضحية له، من دون أن يكون لها قدرة للتأثير عليه، بحكم انكسار كتلها الاجتماعية، بواقع تشرّد الملايين من السوريين أو بسبب خضوعهم للحصار أو لعلاقات الاستبعاد والتهميش، سواء في مناطق سيطرة النظام، أو في ما يعرف بـ "المناطق المحرّرة"، وهذه معضلة كبيرة في الواقع السوري.

فوق هذا وذاك، ثمة مشكلة كبيرة تتعلق بضعف إدراك المعارضة مكانتها ودورها، كما بمدى استثمارها هذه وذاك، إذ ما زالت حتى الآن غير قادرة على تطوير واقعها، بالتحول إلى طبقة سياسة واعية لذاتها، ولمهمتها في إثبات نفسها وشرعنة وجودها كبديل للنظام، وكممثل للسوريين، إذ لا يظهر ذلك في إدراكاتها السياسية، بقدر ما يظهر أنها تستكين فقط أو تنضبط للدور المرسوم لها من الفاعلين الدوليين والإقليميين، من دون أن تفعل شيئاً لإضفاء شرعية شعبية على شرعيتها الرسمية، أو لجهة تطوير أحوالها، بتوسيع هيئاتها، على قواعد مؤسسية وتمثيلية وديموقراطية.

بيد أن ثمة مشكلات أخرى خارجية للمعارضة تنبع أساساً من ضعف الإطار الدولي والعربي الداعم لها، أو من عدم حسمه موقفه في تقديم الإسناد لها، كما تنبع من تحوّل طبيعة الصراع، من الصراع في سورية إلى الصراع على سورية، ما يعني وجود مداخلات أو تخليق طبقات خارجية، تقيّد كفاح السوريين وتطيل عذاباتهم وتضرّ بصدقية ثورتهم، وتؤثر سلباً على مسارهم التحرّري. وبديهي أن ذلك لا يتوقّف على "الحرس الثوري" الإيراني وقوات "حزب الله" و "كتائب أبو الفضل العباس" و "عصائب أهل الحق" ولواء "فاطميون" وغير ذلك من ميليشيات، تشتغل كذراع إقليمية لإيران في دعم النظام، إذ إنه يشمل تنظيم "داعش" الذي يقاتل "عناصر "الجيش الحر" أكثر مما يقاتل النظام، و "جبهة النصرة" (المحسوبة على القاعدة")، والتي تشتغل وفق أجندة أخرى مضرة بإجماعات السوريين وبمقاصد ثورتهم، كما يشمل ذلك و"حدات حماية الشعب" (المحسوبة على حزب "الاتحاد الديموقراطي الكردي") التي تشتغل وفق مشروع خاص يشكّل نوعاً من انشقاق في الثورة السورية، ويشتغل بطريقة لا تضر بالنظام، وبطريقة تجعله يصطدم مع المعارضة، كما ببعض مكونات المجتمع الكردي.

لكن التطور الأهم والجديد في هذه المداخلات يتأتّى من التدخّل الروسي، الذي بات لاعباً عسكرياً أساسياً ومباشراً في الصراع السوري، بعد أن كان دوره يقتصر على الدعم السياسي والاقتصادي، كما يتأتى ذلك من التردّد الأميركي، إذ باتت الإدارة الأميركية تبدو، في هذه المرحلة، وكأنها أخذت على عاتقها تلزيم سورية إلى روسيا، ولو إلى حين.

الفكرة أن الصراع في سورية وعليها سيستمر، في المدى المنظور، فمرة يغلب هذا الشكل ومرة ذلك الشكل، وفي معظم الأحيان سيتداخل الشكلان، مع بقاء الغلبة للعامل الخارجي، بحكم ضعف إمكانات الطرفين المعنيين، أي النظام والمعارضة، وارتهانهما للإسناد الخارجي، السياسي والمالي والتسليحي، وفي الغضون فإن كلمة السر هنا هي عدم السماح بغلبة طرف على آخر، فلا النظام يربح ولا المعارضة تخسر، لا النظام ينهزم ولا المعارضة تنتصر.

ولعل معضلة السوريين الأساسية، في هذا السياق، أن بلدهم يجاور إسرائيل، وان سورية ليست بلداً نفطيا، وأنها بلد مفتاحي في المشرق العربي، بمعنى أنها، من بين كل الثورات الحاصلة في مصر وليبيا وتونس واليمن، هي التي تفتح على تغييرات أخرى في عموم المنطقة، ولا سيما في المشرق العربي، وهو ما لا يلائم العديد من الأطراف.

وتفيد تجربة السنوات الماضية أن الولايات المتحدة هي التي تملك الفصل في تسيير دفة الأحداث السورية، أي أنها حتى في دورها السلبي والانكفائي، على ما يظهر، هي التي توزّع الأدوار وهي التي توسّع أو تقلّص هامش تدخّلات الأطراف الدولية والإقليمية والعربية، ومن ضمنها أنها هي التي تتيح حتى لإيران وروسيا إسناد النظام، تماماً مثلما هي التي تسمح بأدوار أخرى لتركيا وغيرها من الدول العربية في الإسناد المحدود للمعارضة، الأمر الذي تنبغي ملاحظته والاشتغال عليه بالطريقة المناسبة.

وفقاً لهذا العرض، فإن المعارضة، بهيئاتها السياسية والعسكرية والمدنية، سيما القوى الفاعلة فيها أو المشكّلة لها، معنيّة بإجراء مراجعة نقدية ومسؤولة لأوضاعها: خطاباتها، ومساراتها، وأشكال عملها، وعلاقاتها بمجتمعها، لأن السير على ذات الطريق الذي سارت عليه في السنوات الماضية لن يؤدي إلا إلى تآكل صدقية الثورة، وانحسار دورها كمعارضة، وتالياً تبديد معاناة وتضحيات السوريين، وهو الأمر الذي يفيد النظام ويطيل أمد حياته.

في هذا الإطار ثمة استحقاقات وتحديات لا بد للمعارضة من تقديم الإجابات عليها أو مواجهتها، ولا سيما المتعلقة بالجوانب الآتية:

- إعادة تنظيم ومأسسة نفسها، بتشكيلاتها السياسية والعسكرية والمدنية، وتوسيع إطاراتها، وتدعيم شرعيتها الرسمية بشرعية شعبية، عبر تشكيل هيئات منبثقة منتخبة في مؤتمرات شعبية حيث أمكن في الداخل، وحيث توجد تجمعات أو جاليات سورية في الخارج، لأن البقاء على ذات الوضع هو وصفة للضياع والتشتت وفقدان الصدقية وانعدام الجدوى.

- القطع مع الجماعات العسكرية التابعة لكل من "داعش" و "القاعدة". وأصلاً، لا تعترف هذه الجماعات ولن تعترف بالثورة السورية ولا بمقاصدها، ولا تنضوي في أي من أطرها، بل إنها تعاديها أو تقاتلها، ولا تجدي في هذا الإطار المراهنة على هذه القوى أو اعتبارها مقاتلة للنظام، وهو ما أثبتته التجربة.

- إيجاد مقاربة سياسية مناسبة للقضية الكردية، وللتمثيل السياسي للكرد السوريين، في هيئات المعارضة، وضمنه صوغ خطابات لا تقلل من الصبغة القومية للشعب الكردي، ولا من وحدة سورية، ولا تعادي الصيغة الفيدرالية التي تتأسّس على قاعدة جغرافية (لا إثنية ولا طائفية) وضمن نظام ديموقراطي، وباختصار لا ينبغي ترك المكون الكردي لتلاعبات النظام والقوى الخارجية.

- التشبّث بالخطاب السياسي الذي ينبذ الاستبداد، ويتمسك بالمنطلقات الأساسية للثورة المتعلقة بإنهاء نظام الاستبداد، وإقامة دولة مدنية ديموقراطية، لا دينية ولا عسكرية، دولة مؤسسات وقانون ومواطنين أحرار ومتساوين، تحافظ على تعددية وتنوع المجتمع السوري وتغتني بهما، من دون هيمنة واتباع.

- مراجعة العمل المسلح وتصويبه، إذ إن استسهال التحول نحو الثورة المسلحة، والتسرع في التعويل عليها، كان له كبير الأثر في وصول الثورة إلى هذا المأزق، بالنظر إلى ضعف إمكاناتها، مع التقدير لكل التضحيات والبطولات التي بذلت. وطبعاً، فإن الحديث هنا لا يتناول الأفراد أو ظاهرة جماعات الدفاع الأهلية، أو المنشقين عن الجيش (الجيش الحر)، وإنما الجماعات العسكرية التي جرى ترتيبها من الخارج ودعمها، على حساب "الجيش الحر"، لفرض أجندة معينة، أو لصبغ الثورة بلون معين.

- التشبّث بقرارات المجتمع الدولي الخاصة بتشكيل هيئة حكم انتقالية كممهد للتغيير السياسي في سورية، والتجاوب مع العملية التفاوضية على قاعدة وقف كامل للقصف ووقف الأعمال القتالية، وإدخال المواد التموينية والطبية إلى المناطق المحاصرة والإفراج عن المعتقلين، مع الحرص على عدم تحويل القضية السورية، وهي قضية سياسية، إلى مجرد قضية إنسانية.

======================

الشعب السوري ضحية تعارض المصالح الدولية وتقاطعها .. عبدالباسط سيدا

الحياة

الثلاثاء 7/6/2016

المشروع الإيراني الرامي إلى التحكّم بمقدرات المنطقة وتحديد مساراتها مشروع قديم، جديد. إلا أنه اكتسب بعد الإنقلاب الخميني بعداً جديداً، تجسّد في تنوّع أدواته، واتساع حدود تطلعاته.

ففي مرحلة الشاه على سبيل المثال، كانت دائرة الاهتمام الإيراني تشمل منطقة الخليج حيث النفط الواعد، والعراق الجار المهدّد في ذلك الحين. وكان النظام الإيراني حينها يحاول إبهار محيطه بالنمط الغربي للحياة، الذي لم ينسجم تماماً مع الخصوصية الإيرانية، على رغم كل أساليب البطش والفرض التي اعتمدتها أجهزة الشاه القمعية.

أما في المرحلة الخمينية فقد أخذت الأمور منحى آخر، وذلك عبر القطع مع المرحلة السالفة بأسلوب دموي غير مسبوق، ورفع شعار الثورة الإسلامية، وتبني القضية الفلسطينية، بالإضافة إلى اختطاف المقاومة اللبنانية.

واللافت في الأمر أن السلطات الإيرانية اعتمدت في هذه المرحلة نهج استخدام الورقة المذهبية لتغريب الشيعة في دولة المنطقة عن مجتمعاتهم. وقد بدأت الجهود تلك بنشاطات ثقافية إعلامية، حاولت إظهار ما يحدث في إيران وكأنه صحوة إسلامية، وقد أثار هذا الأمر في بداية الأمر اهتمام وأحلام أوساط مسلمة واسعة، بصرف النظر عن أي اصطفاف مذهبي. ولكن مع الوقت، تبين للجميع أن المشروع الإيراني أكبر من أن يتحقق عبر العمل الثقافي الدعووي الموجه. فالتحوّلات المطلوبة إيرانياً على صعيد المنطقة كانت تستوجب وجود قوات محلية مسلحة، تتستّر خلف شعارات تدغدغ مشاعر البيئة الشعبية الحاضنة لها، وتصادر على احتمالية بروز أية قوة منافسة، بل تعمل على تغييبها. وكانت هذه القوات في نهاية المطاف أذرعاً قتالية، تحارب بالنيابة أو الوكالة لمصلحة المشروع الإيراني الشامل في المنطقة.

وكان التركيز منذ أوائل الثمانينات على حزب الله اللبناني، وعلى حزب العمال الكردستاني، كما تم تبنّي مشروع حماس، لتبدو اللوحة وكأنها مشاريع متنوعة متبانية على صعيد الأيديولوجيا المعلنة، والأهداف المتوخّاة. ولكن الموضوع في جوهره كان موضوع توزيع الأداور، وتقاسم المهمات. ومن الواضح أن سورية كانت الحجر الأساس في الاستراتيجية الإيرانية التوسعية. وكانت التشكيلات العسكرية المأتي على ذكرها هي الأدوات المنغّصة للقوى الأخرى المنافسة التي تتعارض مصالحها وتوجهاتها مع أهداف المشروع الإيراني. فحزب الله تم تكليفه بالحد من النفوذ السعودي في لبنان، كما استخدم من أجل التغلغل ضمن المجتمعات الخليجية عبر العمالة اللبنانية تحسباً لليوم الموعود. كما تولّى حزب العمال الكردستاني مهمة إرباك تركيا، والعمل في الوقت ذاته على التحكّم بالورقة الكردية في كل من سورية وتركيا وإيران، والسعي لإحداث خلخلة في كردستان العراق، مستفيداً من وضعية التنافس والتوجّس بين الأطراف السياسية الأساسية هناك، بخاصة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني الكردستاني.

أما حركة حماس، فقد أنيطت بها مهمة إشغال مصر، بالإضافة إلى اتخاذها ورقة دعائية تضليلية من جهة تبني القضية الفلسطينية، والتمويه على التوجهات المذهبية للمشروع السياسي الإيراني.

ولم تقتصر الجهود الإيرانية على تعبئة هذه القوى وحدها، بل شملت قوى أخرى لبنانية وفلسطينية وسورية وعراقية، علمانية ودينية، وكان التنسيق في هذا السياق مع النظام السوري على أكمل وجه، وفي أعلى درجاته.

وقد أدت التحوّلات الكبرى التي شهدها الإقليم إلى تمهيد الأرضية أمام المشروع الإيراني بصورة أسرع مما كان متوقعاً؛ ومن أهم هذه التحوّلات الغزو العراقي للكويت، وحرب الخليج الأولى، ومن ثم الدخول الأميركي إلى أفغانستان والعراق، لإسقاط نظام طالبان وصدام حسين، الأمر الذي استفادت منه إيران استراتيجياً، بخاصة في العراق، وتمكّنت من تحقيق التكامل بين عناصر مشروعها بدءاً من العراق ووصولاً إلى لبنان وسورية. ولم تكتف بذلك فحسب، بل امتدت إلى اليمن، وسعت إلى نقل المعركة إلى داخل المجتمعات الخليجية.

هكذا إلى أن وصلنا إلى هذه الوضعية البالغة الحساسية التي تهدد لا بانهيار دول الإقليم فحسب، بل بانهيار النظام الإقليمي كله، الأمر الذي يطرح تساؤلات جادة حول المستقبل الذي ينتظر المنطقة كلها.

من الواضح أن هناك تجاهلاً لافتاً من جانب أميركا لهواجس ومطالب حلفائها التقليديين في المنطقة، بخاصة السعودية وتركيا، الأمر الذي يضعنا أمام تساؤل محوري: هل المطلوب هو إضعاف - إن لم نقل إنهاك - القوى الإقليمية الكبرى، ما عدا إيران؟

ما تشهده المنطقة من صدامات وتفاعلات يبيّن إلى حد كبير أن التوجه الأميركي ومعه الروسي هو في هذا المنحى، وذلك مصادرة على احتمالية صعوبة التحكّم بنزوع هذه القوى للتوسع الاقتصادي في ميادين ما بعد إقليمية، الأمر الذي قد تترتب عليه منافسات، وربما صراعات تكون أكثر كلفة مما هو حاصل الآن.

ومن هنا كان التوجه نحو اعتماد سياسة الاستنزاف، وغض النظر عن تدخلات وتجاوزات الميليشيات المحلية الموجهة إيرانياً بأسمائها وتمظهراتها المختلفة، وذلك لتكون الحرب في المنطقة حرباً مضمرة، لا تصل الأمور فيها إلى حدّ المواجهة الصريحة بين القوى الإقليمية المتنافسة. ويبدو أن التباين المذهبي الذي تعيشه المنطقة منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام اعتمد ليكون وقوداً لهذا الصراع، وذلك تحاشياً لأي تدخل خارجي قد يوحّد المنطقة، عوضاً عن تفتيتها.

أما القوة الإيرانية التي من الواضح أنها منتشية اليوم في سائر الساحات فهي الأخرى لها مفاتيحها التي سيتم التعامل معها في الوقت المناسب، لتكتمل عملية إعادة ترتيب المعادلات الإقليمية وتفاعلاتها الدولية، ولتصبح الأمور قابلة للضبط في مرحلة ما بعد سايكس - بيكو، وهي الاتفاقية التي كانت تتناسب مع مصالح القوى المتحكّمة في القارة العجوز، في حين أن المرحلة الجديدة تتميّز بإمكانية التفاهم بين الخصمين اللدودين الأميركي والروسي على قاعدة المصالح المتغيّرة، التي كانت دائماً هي الموجّه للفعل السياسي على مستوى الجماعات الصغيرة والكبرى، وحتى على مستوى الأفراد.

الشعب السوري يدفع اليوم ضريبة هذه الهزات التكتونية التي تتقاطع مراكز دوائره على أرضه. ومن هنا يصبح السؤال عن مصير سورية الجغرافي والكيان السياسي مرتبطًا إلى حدٍ وثيق بمآلات الصراع الدولي- الإقليمي الملتهب حالياً على الأرض السورية. وهو صراع يستخدم السوريين معارضة وموالاة - كما يستخدم الميليشيات الإقليمية - وقوداً رخيصاً لإخراج خرائط جديدة إلى حيّز الوجود، خرائط كانت ستكون أكثر كلفة في حالة اعتماد الجيوش الأجنبية.

======================

انتقادات تركية وتجاهل أمريكي .. ميسرة بكور

القدس العربي

الثلاثاء 7/6/2016

انتقادات تركية لاذعة على لسان وزير خارجيتها، مولود جاويش أوغلو للولايات المتحدة الأمريكية على خلفية اندفاعها بخطى متسارعة في دعم جماعة سوريا الديمقراطية الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي يعد امتدادًا لحزب العمال الكردستاني التركي الإرهابي متجاهلين عمداً المصالح التركية وخطوطها الحمراء في ما يخص تمدد وحدات حماية الشعب الكُردية إلى غرب الفرات.

لم تكد تمضي بضع ليالٍ على تلك الانتقادات.حتى تمادى الأمريكي أكثر متجاهلاً تلك الانتقادات بأن فتح جبهة جدية في منطقة "منبج" في ريف حلب الشرقي على الحدود التركية السورية.

أتت هذه الخطوة تحت عنوان قطع شريان اتصال تنظيم الدولة مع تركيا ومنع تسرب المقاتلين منها إلى التنظيم، وهذا بحد ذاته تشكيك واتهام مباشر في نفس الوقت لتركيا وجهودها التي بذلتها خلال السنوات الماضية لوقف تدفق سيل المقاتلين الأجانب المتحمسين للانخراط في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية الذي يقاتل في جبهات متعددة في سوريا والعراق.

على الرغم من أن الوزير التركي لم يكتفِ بتوجيه الانتقادات،بل قدم حلولاً كاملة من شأنها الانعكاس ايجاباً لجهة حفظ المصالح القومية التركية وتلبي التطلعات الأمريكية في حربها المزعومة على الإرهاب.فكان أن قال جاويش أوغلو " إن معارضين سوريين عرباً مسلحون ومدعومون من قبل القوات الخاصة التركية والأمريكية، وكذلك من دول أخرى حليفة مثل ألمانيا وفرنسا، يمكنهم "بسهولة" التقدم باتجاه مدينة الرقة.

لكن السيد أوباما وإدارته الموقرة اكثر انشغالا واصراراً على أن لا تفوت أي فرصة تستفز الجانب التركي، تجلى ذلك بشكل واضح من خلال ردودهم على الانتقادات التركية بالقول أن أمريكا لا تعتبر جيش سوريا الديمقراطية منظمة إرهابية أو ينتمي لحزب العمال الكردستاني وانهم سيستمرون في دعمه.

عملاً بالمثل القائل من بيده القلم لا يكتب نفسه من الأشقياء.

وبكل وقاحة وسذاجة الكون يرتدي جنود أمريكيون بدلات عسكرية وضع عليها شارات جيش سوريا الديمقراطية الذي شكلته أمريكا من عناصر كردية انفصالية وعدد كبير من المرتزقة والقتلة المأجورين من جنسيات متعددة، هذا الفعل "المتعمد" إنحطاط آخر يضاف لجملة ما سبقه من تصرفات قذرة للجنود الأمريكان في العراق وافغانستان.

وبالعودة لتصريح وزير الخارجية التركي السابقة الذكر نجد أنه قال "نحن نقول نعم؛ يجب فتح جبهة جديدة ولكن ليس بمشاركة حزب الاتحاد الديمقراطي".

وهنا تجد حجم النفاق الأمريكي بحربة المزعومة على الإرهاب وتلاحظ حجم الإستفزاز للجانب التركي.

ليس فقط في مقام تجاهل المطالب التركية بل في ما نجم عن فتح هذه الجبهة"منبج" من ضغط اللاجئين على تركيا.

على المقلب الآخر يشعر الإنسان السوري المخلص لوطنيته أنه يعيش شرخا حقيقيا وانفصالا في إدراك تناقضات مفاهيم الحرب الكونية على الإرهاب وما جلبته عليه من كوارث وتداعيات حلت بهذا الشعب المكلوم المجرد من أي قوة غير إيمانه بالله وعدالة قضيته وحتمية انتصاره، برغم ما يحاك له الحائكون من مؤامرات قد تتسبب في تشظي سوريا الإقليم، لدويلات متبعثرة في فلك الخرائط الدولية التي تتحفنا بها مراكز الدراسات الغربية.

ونتيجة الحرب الكونية على الإرهاب. في ظل غياب تعريف واضح وشامل للإرهاب ومن هو الإرهابي الحقيقي في سوريا ومن الجهات المحلية والدولية المفوضة بمحاربته. يظل الإنسان السوري البسيط المستضعف وحده يدفع ويتحمل بجلد كل تبعيات هذا العبث الدولي من قوت عياله ومن دم شبابه وبنيانه.

لسان حال السوريين يقول وهم ينظرون بعين الريبة والقلق إلى التصرف الأمريكي والتمادي في دعم قوات سوريا الديمقراطية دون غيرها من كتائب الثوار السوريين، التي نازلت تنظيم الدولة في عديد المواقع وأنزلت به هزائم كبيرة، كم أنت منافق أيها المجتمع الدولي وكم أنتم منافقون في حربكم على الإرهاب.

قوات سوريا الديمقراطية رأس الحربة الأمريكية في الحرب على الإرهاب هي وحدات حماية الشعب الكردية الإنفصالية، سجلها وتاريخها حافلان بالجرائم ضد العرب والتركمان وبقية مكونات النسيج الاجتماعي السوري شمال البلاد، التي وثقتها منظمات حقوق الإنسان الدولية، وهي الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، الذي يقود عمليات إرهابية في تركيا، وهو مدرج على لائحة المنظمات الإرهابية التركية وشركائها الأوروبيين والأمريكان، والمجتمع الدولي المنافق.

ونزيد من الشعر بيت، أن ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي "المزعوم"اتهمت في بيان لها حزب الاتحاد الديمقراطي، واعتبرته "ذراعاً أمنياً للنظام السوري، يمارس القمع والتنكيل والاستبداد بحق أبناء الشعب الكردي في سوريا، ويرتكب أعمالاً ضده، لم يتجرأ النظام القيام بها في عز قوته". حسب ما نقلته "ARA News"

في غضون ذلك تزداد مخاوف السوريين الأحرار من تسليم الرقة لتلك القوة الباغية الانفصالية، وهو الأمر الذي يجعل منها قوة كبيرة ويمنحها مساحات واسعة من أرض سوريا على حساب الثوار.

لم يكد السوريون يستوعبون التصرف الأمريكي حتى أقتحم عليهم صراخ الروسي ضباب حيرتهم بالإعلان عن رغبتهم في التعاون مع الأمريكان لتحرير الرقة الأمر الذي رفضه الامريكان من قبل لأنهم يعلمون خبث النوايا الروسية، رغم أن مشاريعهم متوازية في سوريا لكنها لا تلتقي الا في تدمير المدن والحجر السوري ومنع انتصار الثورة.

لا يخفى على فطن أن روسيا المثقلة بجرائم الحرب والإبادة في سوريا تسعى إلى تسويق نفسها كشريك حقيقي على الإرهاب الذي اخترعه وأستنبته طفلهم المدلل "بشار الأسد"وتأمل في تبييض سجلها الإجرامي بحق السوريين، ومن ثم إدخال نظام دمشق في المعادلة مما يعطيه شيئًا من الشرعية التي طالما بحث عنها بل توسل من أجل إشراكه في ما يسميه الحرب على الإرهاب.

نعتقد أن روسيا ونظام الأسد سيعرقلان الخطوة الأمريكية رغم أن ما يسمونه جيش سوريا الديمقراطية يتعاون مع نظام الأسد، ذلك كون الإرهاب ومحاربته هما ترياق الحياة الذي يعتاش عليه نظام الأسد وهو الشماعة التي يعلق عليها وحليفه الروسي قتل وإبادة الشعب السور".

هذا ما يجليه بوضوح تأكيد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أن موسكو لم تتخل عن قرارها ضرب الجماعات المسلحة التي لم تنضم للهدنة في سوريا، وقال إن المهلة المعطى للمسلحين تنتهي هذا الأسبوع.

وبدأت عملياً في تنفيذ تهديداتها بأن استهدفت مدينة ادلب التي يشملها اتفاق وقف الأعمال العدائية واتفاق " الزبداني- الفوعة وكفريا " بهدف إعادة ترتيب الأوراق التي رتبتها أمريكا مع تنظيم جيش سوريا الديمقراطية المزعوم. وقد نذهب في اتجاه آخر وهو أن الروس يقدمون خدمة للكُرد والامريكان معاً، في التغطية على التقدم الذي احرزته وحدات حماية الشعب الكُردي المدعومة امريكياً غرب الفرات، ونقل الأضواء والضجيج إتجاه المجازر الروسية التي تعايشت معها موسكو واصبحت جزءا من ثقافتها وتراثها الحافل بالمجازر.

كاتب سوري

======================

طبخة البحص الأميركية.. في سورية .. وليد البني

العربي الجديد

الثلاثاء 7/6/2016

كل ما يجري هذه الأيام من أحاديث عن وجود، أو عدم وجود اتفاقات أميركية روسية بشأن مصير سورية، وإمكانية إيجاد حلول توقف الكارثة التي تضرب سورية وشعبها، لا يعدو أكثر من مجرد تحريك للبحص في القدر، لإيهام السوريين والعالم بأن إدارة أوباما تبذل مساعي جدية للمساعدة على ايجاد وسيلةٍ لإيقاف شلال الدم السوري، لكن الوقائع على الأرض وتجربة السوريين مع إدارة أوباما، منذ بداية انتفاضة الشعب السوري، لا تساعد على إقناع أحد بجدية هذه المساعي وجدواها.

ليس سهلاً على أي عاقل التصديق بأن مجموعة دعم سورية التي تضم الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، إضافة الى الاتحاد الأوروبي، لم تجد طريقة لإلزام نظام مافيا الأسد بتطبيق القرارات الأممية الخاصة بتسهيل نقل المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي تحاصرها قوات النظام والمليشيات المدعومة من إيران، غير إلقاء تلك المساعدات من الجو، وهي طريقة مكلفة، وغير مضمونة النتائج، والتي تجعل هذه المساعدات بيد من يمتلك السلاح، وليس بيد من يحتاج لها، أو غالباً ما تسقط في مناطق النظام ليقوم شبيحته ببيعها.

ماذا يعني أن تقول مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن إن مجموعة دعم سورية ستضطر إلى إلقاء الإغاثة من الجو، إذا ما استمر نظام دمشق بإعاقة وصولها براً؟. هل أصبح نظام متهالك مدان بارتكاب جرائم ضد الإنسانية من الغالبية الساحقة من دول العالم، ويعتمد على مليشيات طائفية أصولية، استقدمها من كل أصقاع الأرض للمحافظة على بقائه، أقوى من كل تلك القوى الدولية التي تحاول إلزامه بتمرير بعض الغذاء والدواء لملايين النساء والأطفال الذين يحاصرهم.

إيصال المساعدات إلى مستحقيها نصت عليه قرارات مجلس الأمن الذي لم يطالب متنفذي النظام بالخضوع لمحاكمةٍ يستحقونها في محكمة الجنايات الدولية، ولا بكشف مصير مئات آلاف المعتقلين الذين قتل النظام منهم عشرات الآلاف تعذيباً، ولا بقبول مرحلة انتقالية، تنهي المأساة السورية، إنه يطالبهم فقط بتمرير ما يمنع الموت عن مجموعاتٍ سكانيةٍ بشرية يحاصرها، ويمنعون عنها الحياة منذ سنوات.

 

من الواضح والواضح جداً أن درجة استخفاف هذه الدول والقوى بعقولنا وحياة ملايين السوريين وصلت الى مرحلةٍ تكاد تجعلهم شركاء في هذه الجرائم التي تُرتكب بحق شعبنا ووطننا، فكل ذي بصيرةٍ، يدرك أن لدى الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين ما يكفي من القوة والتأثير لإلزام مجموعة مافيوية صغيرة، كمافيا الأسد مخلوف، بتطبيق قرارات أممية تخص حياة مدنيين أبرياء ومصيرهم، لكن السؤال هنا: لماذا لا يقومون بذلك؟

المشكلة الأكبر في طريق الحل في سورية تكمن في إصرارالإدارة الأميركية على استغلال المأساة السورية أطول فترة ممكنة، بغض النظر عن ثمنها الإنساني الباهظ، ما دامت فاتورة الدم والدمار يتم تسديدها من دماء السوريين، ومستقبل وطنهم فقط، من دون أي كلفةٍ تُذكر على الولايات المتحدة واقتصادها.

كلنا يعلم أن جميع القوى المتقاتلة في سورية على عداء أو خلافٍ، بشكل أو آخر، مع الولايات

"لتتشابك أيادينا جميعاً، لإبعاد جميع المستبدين والظلاميين والغرباء" المتحدة وإسرائيل، بدءاً من التنظيمات الاسلامية المتطرفة على الجانبين (داعش، القاعدة، حزب الله)، مروراً بإيران وانتهاءً بروسيا. ببساطة "هي الحرب بين خصومنا وخسارة أي منهم تجعلنا أقوى فلماذا نوقفها". هذا ما أعتقد أن راسمي السياسة الاستراتيجية الأميركية يقولونه فيما بينهم، ويطبقونه استراتيجية لعملهم، مستغلين العقول الغيبية والمغرقة في الخرافة لقادة ايران ومليشياتها الطائفية في جهة، وأيضاً للجماعات التكفيرية وعقول قادتها المظلمة وقدرتهم على تجنيد وتجييش شباب المنطقة المقهورين وفاقدي الأمل في مستقبلٍ يجعل حياتهم أفضل، في الجهة الأخرى، إضافة إلى رغبة روسية في العودة قوة عظمى إلى الساحة الدولية، ولو على حساب دمار وطن وتشريد شعبه.

شركاء السوريين، ولو بنسبة واحد إلى ألف في الخسارة مما يجري في سورية، والمقصود الدول العربية والاتحاد الأوروبي، يبدون، ولسوء الحظ، مشتتي الجهد ومضطربي الحركة، ما يسهل المهمة أمام الأميركيين والإسرائيليين في مسعاهم إلى استغلال المقتلة السورية، لإضعاف أعدائهم، وللروس في محاولتهم العودة إلى الساحة الدولية من بوابة المأساة السورية.

مأساتنا، نحن السوريين، عميقة وستطول، وتخفيض كلفتها واختصار زمنها يتوقف على وعينا وقدرتنا على فهم ما يجري لنا وحولنا. وبالتالي، نبذ كل خلافاتنا واستعادة فكرة "أن تنوعنا هو مصدر غنى حضارتنا"، ورفض أي فكر يدعو الى تكفير السوري الآخر، أو تخوينه، أو التقليل من وطنيته، والقبول أن زمن الاستبداد والفساد وحكم المافيا العائلية وإجرامها لن ينتج إلا الدمار.

لتتشابك أيادينا جميعاً، لإبعاد جميع المستبدين والظلاميين والغرباء، ومنعهم من التحكم برقابنا، والعمل على استعادة وعينا على أساس وحدة وطننا، أرضاً وشعباً، في دولةٍ حرةٍ تساوي بين مواطنيها، ودستور حيادي لا يميز بين السوريين، بغض النظر عن إنتمائهم الديني أو العرقي أو الطائفي.

======================

هل هناك علاقة بين الخامس من حزيران ١٩٦٧ ، وبين واقع الثورة السورية؟؟ .. المحامي هيثم المالح

كلنا شركاء

الثلاثاء 7/6/2016

لم يكن يدر في خلد احد السوريين ، ان تفقد سورية احد اهم جزء من ترابها الوطني ( الجولان ) الذي يضم اراض تبدأ من مائتي مترا تحت منسوب البحر ، الى قمة جبل الشيخ لثلاثة آلاف متر تقريبا ، هذه البقعة الجغرافية التي تحوي كنوزا عظيمة بما فيها وادي خالد ، وذكريات النصر على الروم ، وخزان مياه للجنوب السوري ، واستحكامات عسكرية صرف على انشائها شعبنا في سورية الجريحة ، دماءه وماله .

حرض ذاكرتي الصديق الاستاذ عقاب يحيا في كتابته عن الخامس من حزيران ، وتعرض فيها لنكستها ، وهزيمة دول الطوق ، والواقع ،بالنسبة الى جبهة الجولان لم تكن هزيمة ،بالمعنى العسكري ، وانما كانت خيانة مكتملة الاركان والمعالم

وحين اعلن ( المرحوم ) حافظ الاسد سقوط ( القنيطره) عاصمة محافظتها لم تكن قدم جندي واحد من قوات عصابة ( صهيون) قد وطئت ارض الجولان ، كما لم يكن قد حصل اي اشتباك بين جنودنا وجنود العدو ، ولقد سألت شخصيا عميدا في الجيش ضمن فريق وزير الدفاع الذي كان هو حافظ الاسد ، وكان الجميع يقبعون في مخبأ تحت الارض ما يطلق عليه ( بلوكوس) وهذا العميد من اسرة ( بركات ) فاجابني العميد المذكور بصحة هذه المعلومات ، وبان الاوامر صدرت الى الجيش بالإنسحاب كيفيا ، قلت له وكيف قبلتم على انفسكم هذه الخيانه ، اوليس كان من الاجدر بكم اطلاق الرصاص على ( المرجوم ) قال لي نعم كان هذا واجبنا ولكن لم نفعله !!

من المعروف ان العديد من المثقفين و ( المشايخ ) ورجال الاعمال قد عملوا بل ودعموا الخائن المجرم حافظ الاسد ونظام حكمه ، بل واختلطوا بهم وصاهروهم بالانساب ، وغير ذلك ، ونافق الكثير من ابناء شعبنا لهذا النظام ، ولافراده من مسؤولي الجيش و( الامن ) وقدم الكثير الرشا من اجل متاع الدنيا الزائل ، ونسينا القرآن الكريم الذي يحضنا على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بقوله تعالى ( ولتكن منكم امة يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر) وكذلك حث الرسول للناس بالتصدي للحاكم بقوله ( سيد الشهداء حمزة ، ورجل قام الى امام جائر فامره ونهاه فقتله ) .

كتب الاخ الفاضل ( خليل مصطفى بريز ) كتابيه ( سقوط الجولان و ملفات الجولان ) اتهم فيهما حافظ الاسد بالخيانه ومع ذلك اختطف المؤلف من لبنان عام ١٩٦٨ ، عقب خيانة ( المرجوم ) في حين لم يسأل احد من السلطة او من خارجها وزير الدفاع عن ضياع الجولان ، وحكم على المؤلف ، خمسة عشر عاما بالسجن ، قضاها فعليا ، ثمان وعشرين عاما ، ولا ادري اذا كان لا يزال على قيد الحياة ، ارجو الله له المغفرة في كل حال

سال خياط ملابس ، احد العلماء : نحن نخيط اثواب الظلمة ، فهل نعتبر من اعوانهم ؟ فاجابه ، لا بل انت منهم ، ولقد ترك بعض المتعونين مع النظام ، ممن هم في موقع السياسة ، او من موقع الوظيفة ، تركوا التعاون مع النظام ( فانشقوا) عنه وهذا امر جيد ويحسب لهم ، ولكن فيما يتعلق باستلام اماكن قيادية في الثورة ، ينبغي علينا التفريق بين من تعاون على قمع المواطنين ( تعاون وثيق ) مع اجهزة القمع ، او انخرط ولا يزال في صفوف حزب البعث ، وفي العمل السياسي ففي رايي لا يجوز ان يتسلم هؤلاء قيادة في الثورة ، في حين نجد الان من كانو ينكلون بالمواطنين ، ولم يعلنوا توبتهم قد تقدموا الصفوف ، ويشكلون قيادات في احزاب ( معارضة) برزت ولا تزال في صفوف الثوره ، وكذلك من لا يزال في صفوف حزب البعث الذي مهد الطريق لاستمرار الخونة ، وتدمير المجتمع السوري ونشر الفساد .

ان في اعتماد امثال هؤلاء في صفوف الثوره من النواحي السياسية ، لا يمكن ان يخدم الثورة ، ولا ان يساهم في نجاحها.

الأستاذ هيثم المالح

رئيس اللجنة القانونية

في الإئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة

======================

معارك الشمال السوري المؤجلة .. د. علي حافظ

القدس العربي

الاثنين 6/6/2016

اتضحت معالم الخريطة العسكرية تقريباً لسيطرة القوى في الشمال السوري (حلب وادلب)، التي تعمل فيما بينها ـ بشكل غير معلن ـ على اقتسام مناطق الثوار في المحافظتين المذكورتين منذ بداية العام الماضي، بعدما أصبحت فصائلهم الحلقة الأضعف في المعادلة السورية المعقدة جداً.

برزت هذه القوى ـ الجيش السوري النظامي والشبيحة والمرتزقة ـ "قوات الأسد"، الدولة الإسلامية في العراق والشام ـ تنظيم الدولة، جبهة نصرة أهل الشام وجند الأقصى والحزب التركستاني وأحرار الشام وجيش السنة ـ "جيش الفتح"، وحدات حماية الشعب الكردية وجيش الثوار ـ "قوات سوريا الديمقراطية" ـ نتيجة غفلة الثوار، وضعف تخطيطهم العسكري وتفكيرهم الاستراتيجي، وتراجع الدعم المقدم لهم لتشرذمهم وعشوائيتهم، وغياب الرؤية والهدف الواضحين، وعدم وجود عقيدة وطنية ثابتة، وتردد أبرز الداعمين الأساسيين ـ السعودية، قطر، تركيا ـ في تقديم أسلحة نوعية تحدث الانقلاب المطلوب وترجح كفتهم، وذلك بسبب تعنت الجانب الأمريكي!

رغم التناقض والتنابذ والاختلاف بين هذه القوى الشريرة، إلا أنها اتفقت ـ بطريقة ما ـ على تقاسم تلك المناطق حسب القرب الجغرافي من أماكن تواجدها وتجمعها…

الأسد الذي بدا مهزوزاً بعدما أصبح سقوطه وشيكاً بداية عام 2014، اضطر إلى إيجاد تفاهمات ذكية أولاً مع "تنظيم الدولة"؛ ثم مع "جيش الفتح" و"قوات سوريا الديمقراطية" ـ حسب مبدأ "خذ وأعطي"؛ متخلياً لهم عن مناطق كاملة مع سلاحها وذخيرتها وعناصرها ومؤسساتها وإدارتها، مقابل احتفاظه الآمن بمناطق أخرى. ومن ثم العمل على استعادة عدد منها بعد فترة من الزمن. لكن هذا غير كاف، فلم يبق له غير الاستعانة بآخر صديق ـ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ـ طالباً منه التدخل دون قيد أو شروط؛ لاسترجاع ما بات يعرف إعلامياً بـ "سوريا المفيدة"!

بعد استعادة الأكراد، والعرب المقاتلين معهم، بلدة عين العرب "كوباني" ضمن غرفة عمليات "بركان الفرات"، اعتقد الجميع أن الأمر سيتوقف عند هذا الحد، وسيكتفي الأكراد بهذا الانتصار على "تنظيم الدولة"؛ الذي تحقق نتيجة التدخل الحاسم لطائرات التحالف الدولي ـ العربي. لكن هذا الانتصار المحدود أوقظ حلم الاستقلال النائم في أذهانهم منذ عشرات السنين؛ لتصبح كوباني "رأس جسر" للانطلاق نحو ربط الكنتونات الكردية السورية فيما بينها، أملاً في الوصول قريباً إلى منفذ على البحر الأبيض المتوسط، يؤمن تصدير النفط والغاز الموجود بكميات واعدة في المناطق التي احتلوها من سوريا!

إن حزب البي. كي. كي. ـ للعلم فقط ـ لم يُدعم ويقوى لولا هجوم "تنظيم الدولة" غير المبرر على المناطق الكردية.. لقد استغل الحزب هذا الهجوم بشكل ناجح جداً، ليروج بأن الأكراد معرضون للإبادة من قبل هذا التنظيم الباغي؛ وهذا ما جعل الكثير منهم يلتحقون بصفوفه مضطرين تحت ضغط هذه "البروباغاندا" الفعالة.. إضافة إلى وصول الدعم العسكري إليهم من كل حدب وصوب، باعتبارهم (مقاتلين أشاوس ضد برابرة تنظيم الدولة الإسلاميين)؛ حيث ساعد الأسد وبعض العناصر الفاسدة من الجيش الحر والفصائل الإسلامية المعتدلة بإيصاله إلى "كنتون عفرين"، لاسيما عن طريق باب السلامة الحدودي.. بعد ذلك تم تجميع عدد لابأس به من المتطوعين السوريين العرب في تركيا تحت مسمى "جيش الثوار"، ودعموا بالسلاح والذخيرة والمال؛ وأدخلوا إلى سوريا بحجة قتال أخوة المنهج ـ تنظيم الدولة والنصرة ـ، لكن اتضح أنهم راحوا يقاتلون أبناء مناطق ريف حلب الشمالي، ويحتلون أراضيهم تحت وصاية "وحدات حماية الشعب الكردية" وضمن ما عرف لاحقاً بـ "قوات سوريا الديمقراطية". في حين مُنع عناصر "الفرقة 30" التابعة للجيش الحر، والمجهزين تجهيزاً عسكرياً جيداً، من الوصول إلى جبهات "تنظيم الدولة"، ولوحقوا من قبل "جبهة النصرة"، وحدثت اشتباكات دامية بينهما أدت إلى قتل العديد من الطرفين، وأسر ضباط الفرقة والاستيلاء على سلاحها!

انطلى الأمر على الكثير من هؤلاء المرتزقة العرب، حيث وضعوا في الواجهة، لكن ليس لمقاتلة "تنظيم الدولة" و"النصرة"، بل لمقاتلة أبناء المناطق التي هاجموها؛ وكادوا يحتلون مارع ـ مهد الثورة في حلب وريفها ـ إلا أن استبسال الشباب هناك وإصرارهم على الصمود والثبات، منعهم من تحقيق حلمهم الشرير.. اتضح فيما بعد أن هؤلاء مجرد أدوات ارتزاقية في يد البي. كي. كي. الذي يسعى لإقامة "روجا آفا" (دولة غرب كردستان) في الأجزاء الشمالية من سوريا!

في الطرف المقابل، قام "جيش الفتح" بتحرير ادلب وريفها خلال وقت قياسي (حوالي 20 يوماً)؛ لكن فعلياً لم تجر معارك حقيقية هناك، وكادت الأحداث أن تكون أقرب إلى المسرحية الهزلية؛ فقد انسحبت قوات الأسد ضمن خطة تكتيكية معينة واتفاقات موضوعة مسبقاً، مقابل ترك حماة وجزء من ريفها لها؛ ولم يجر القتال إلا عند أطراف مشفى جسر الشغور، حيث نجحت قوات الأسد والميليشيات الداعمة لها من فك حصارعنه، وإنقاذ بعض الضباط والمسؤولين المتواجدين هناك، وبرفقتهم الكثير من الوثائق والأموال والتحف الأثرية والفنية، وكميات كبيرة من الذهب…

لم يحقق الانتصار في ادلب وريفها شيئاً استرتيجياً كبيراً للثوار، ولم يخفف العبء عن باقي المناطق، ولم يجلب الحرية والكرامة المنشودتين للأهالي؛ فقد استلمت "جبهة النصرة" زمام الأمور وأخذت تطبق قوانينها الجائرة بحق السكان المحليين؛ مع تراجع غريب وغير مفهوم للفصائل الإسلامية الأخرى، التي شاركت بقوة وزخم في تحرير ادلب ـ حركة أحرار الشام، فيلق الشام… ـ ولم تحرك ساكناً أمام تجاوزاتها، وسعيها غير المعلن للسيطرة الكاملة على المحافظة من أجل إقامة "منطقة توحش" هناك، وتحقيق حلمها الذي راود قاداتها طويلاً بإنشاء إمارة قريبة من البحر الأبيض المتوسط وأوروبا!

غرق "جيش الفتح" في ادلب، ولم يعد له وجود ونشاط تقريباً في حلب، وبقي مكتوف الأيدي تجاه الهجمات الشرسة التي تعرضت لها عاصمة الشمال السوري وريفها. ولم يقم سوى بتعزيز وجوده في مناطق ريفها الجنوبي تحسباً لأي هجوم غير منتظر، وحماية لحدود إمارته غير المعلنة!

وليس غريباً أن يتشكل "جيش فتح" جديد في هذا الريف بقيادة الجبهة، ويضم خلطة سلفية معتبرة ـ حركة أحرار الشام، جند الأقصى، جماعة تركستان، جيش السنة… ـ كان قد أعلن منذ عدة أيام عن بدء معارك تحرير ذلك الريف، لكنه لم يسيطر إلا على بلدة خان طومان المدمرة كلياً؛ وتوقف هناك إلى أجل غير مسمى.

الغريب في الأمر أن طائرات الأسد وبوتين لم تتحرك لقصفهم وإيقافهم؛ في حين جن جنونها، عندما تحركت الفصائل المعتدلة ـ حركة نور الدين الزنكي، جيش المجاهدين… ـ من الريف الغربي لتخفيف الضغط عن حلب، وحرقت المنطقة كلها تقريباً بقصفها بكل أنواع الأسلحة الثقيلة!

في المقابل استطاع "تنظيم الدولة" السيطرة على مناطق واسعة من سوريا والعراق نتيجة انسحابات الجيش الأسدي والمالكي، واستمر تفوقه بين مد وجزر على مرأى ودهشة وانبهار العالم أجمع؛ وعدم قدرته على الفعل والتصدي لهذا المشروع المدمر؛ حيث تركوه يكبر ويتمدد وينتفخ ويتورم مثل الإمبرطورية الرومانية!

أصبح "تنظيم الدولة" يجيد لعبة القط والفأر مع "قوات الأسد" في الكثير من المواقع ومناطق التماس بينهم.

يتحرك عناصر وآليات هذه القوى الشريرة ضمن مناطق قريبة من بعضها بعضاً، وعلى خطوط متوازية، تكون قوات الأسد دائماً أحد أطرافها، دون حدوث أية اشتباكات قوية أو نزاعات محتملة فيما بينها.. هذا يدل على أنها تسير وفق خطط مرسومة مسبقاً، واتفاقات معلومة، وتفاهمات أولية ـ حسب الموقع والأطراف المشاركة فيه ـ لتلافي المجابهة والمضايقات والقتال البيني قدر الإمكان…

وهكذا ستكون مدينة حلب ـ القسم المحرر من قوات النظام ـ إضافة إلى ريفها الغربي من نصيب الأسد؛ بينما ستذهب إعزاز ومعبر باب السلامة الحدودي إلى البي. كي. كي. ومن يقاتل معه من المرتزقة العرب؛ في حين سيأخذ "تنظيم الدولة" مدينة مارع وما حولها؛ وتسيطر "جبهة النصرة" ومن لف لفيفها من الفصائل الإسلامية الراديكالية على ريف حلب الجنوبي.

وقد تختلف الخطط، وتتبادل الأدوار في حال تعثر أحد الأطراف بالسيطرة على منطقة ما.. مثلاً يمكن لـ "البي. كي. كي." أن يأخذ مارع وما حولها؛ و"تنظيم الدولة" ـ اعزاز؛ والنظام ـ ريف حلب الجنوبي؛ و"النصرة" ـ ريف حلب الغربي…

الأسد يلعب لعبة قذرة، ساعياً بكل جهده وخبثه لوضع العالم أمام خيارات صعبة: إما هو أو إحدى تلك القوى الشريرة الأخرى!

اليوم كل الأنظار موجهة إلى الشمال السوري، لاسيما مدينتي مارع وحلب، وهذا الشمال المنهك المتعب المدمر مفتوح على جميع الاحتمالات.. القوة فقط هي التي تحدد كل شيء على أرضه؛ لذلك من دون انتصارات أو تحرير أو سيطرة من قبل الجيش الحر، لا يمكن تحقيق أي إنجاز يستطيع أن يصنع أفقاً سياسياً مقبولاً، يمكن الثوار من المناورة في رحابته غير المربكة!

كاتب وصحافي سوري

======================

مساعدات داريا بعد سنوات الحصار! .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 5-6-2016

يمتد حصار مدينة داريا في غوطة دمشق الغربية لنحو أربع سنوات مضت، وطوال تلك السنوات، لم يتح لأهل داريا والمقيمين فيها الحصول على ربطة خبز واحدة، أو علبة حليب لواحد من أطفالها، ولا حبة دواء لواحد من مرضاها. ومنع الحصار أهل المدينة الاستفادة من الخدمات العامة، التي كانت تصل إلى المدينة بصورة طبيعية قبل الحصار، فتم قطع إمدادات الكهرباء والماء والهاتف الأرضي، إضافة إلى شبكة الهاتف المحمول، وتركت المدينة لمصيرها بعد أن هاجر القسم الأكبر من سكانها، ولم يبقَ منهم سوى نحو عشرة آلاف نسمة، يعتمدون على الموارد المحدودة للمدينة، بما فيها من آبار شحيحة، وأراضٍ محدودة المساحة، لكن ببشر يتمتعون بقدرات عالية، حاولوا تنظيم حياتهم بطريقة منظمة ومضبوطة على وقع ظروف الحصار، وما يحيط به من حيثيات وتفاصيل.

كانت أوضاع داريا، يمكن أن تكون أقل مأساوية، لو أن القضية مجرد حصار. غير أن الأمر كان أكثر من ذلك بكثير. فالحصار كان خطوة أولى لإخضاع المدينة، والخطوة الثانية الأهم والأخطر كانت الحرب اليومية المتواصلة، التي تنوعت وتشاركت فيها كل أساليب القتل والدمار وأولها مراصد القناصات، التي تطلق رصاصها على كل ما يتحرك في المدينة المحاصرة، ثانيها هجمات من جنود النظام وميليشياته، والثالث هجمات بالمدفعية والدبابات، تتم وفق تقديرات قادة القوات التي تحاصر داريا، والأسلوب الرابع والأخطر، كان قصف المدينة بالبراميل الذي تحول إلى حدث شبه يومي، والهدف الرئيسي للحرب كان تدمير المدينة بمن فيها من أناس، وزعوا المياه والورود على جنود النظام في أول الثورة وسط إصرارهم على الاستمرار بها سلمية من أجل الحرية والكرامة والتغيير باتجاه نظام ديمقراطي، يوفر الحرية والعدالة والمساواة لكل السوريين.

لم يكن ذلك هو السبب الوحيد في غضبة النظام على داريا ومن تسلح من سكانها في إطار ظاهرة الجيش الحر للدفاع عن أنفسهم وأهلهم في وجه الحل الأمني - العسكري الذي أصر عليه نظام الأسد، وكانت مجزرة النظام في داريا التي تمت في أغسطس (آب) 2012، وقتل فيها 300 من سكانها أحد الأمثلة. بل إضافة لما سبق، فإن داريا تقع بالقرب من مطار المزة العسكري، حيث القاعدة الرئيسية لطيران النظام من مقاتلات السوخوي والميغ والحوامات، التي تشن هجمات البراميل والصواريخ في ريف دمشق والقنيطرة وصولاً إلى درعا، وفي مطار المزة العسكري، يوجد فرع التحقيق التابع لمخابرات القوى الجوية والموصوف بأحد أقذر فروع مخابرات النظام، كما أن موقع داريا بالقرب من معسكرات الفرقة الرابعة لقوات الأسد، وقربها من معضمية الشام المجاورة، التي تتحكم في الطريق إلى الجولان، كانت بين أسباب الحرب الشرسة على المدينة في السنوات الماضية.

وسط ظروف الحرب، عاشت المدينة سنواتها الأربع الماضية بإشراف ومتابعة مباشرة من مجلس محلي منتخب، يتابع كل تفاصيل حياة السكان واحتياجاتهم، قسم من سكانها يحملون السلاح للدفاع عنها في إطار جماعة مسلحة موحدة ومنظمة وتحت المساءلة، وقسم آخر يبذل أقصى جهوده من أجل توفير ما أمكن من غذاء ومياه، فيما يوفر آخرون من أبناء المدينة ما أمكن من خدمات الصحة وتعليم الأطفال والاتصالات والإعلام وسط ظروف بالغة القسوة، وحياة تقارب الأسطورة، تتم أكثر أوقاتها في ملاجئ، جرى بناؤها تحت القصف المتواصل.

داريا، التي أثبتت حضورها وصمودها في مواجهة حرب النظام، كانت في بداية الثورة - وقبلها أيضًا - نموذجًا مبكرًا للنضال السلمي وللأخوة السوريين وعيشهم المشترك. وغياث مطر المناضل السلمي الذي قتلته المخابرات الجوية تحت التعذيب مجرد مثال لمئات من شباب داريا السلميين الذين أكدوا وحدة المسلمين والمسيحيين فيها منذ هتافات الحرية الأولى، التي أطلقتها المدينة في مقدمة مدن الريف الدمشقي في الخامس والعشرين من مارس (آذار) 2011.

ولأن لداريا هذه الحالة، فقد كانت بين أول المناطق المحاصرة، التي تمت المطالبة بإدخال المساعدات الغذائية والطبية إليها، لكن النظام رفض بكل إصرار بدعوى أن كل الموجودين فيها من المسلحين، ومنع دخول القافلة الأولى التي وجهتها الأمم المتحدة قبل أشهر من دخول المدينة، وسكت المجتمع الدولي عن هذه الجريمة، التي تكرس جريمة حرب مستمرة أساسها حصار المدنيين في داريا، وسط آمال في أن تؤدي الضغوط الدولية من جانب الأمم المتحدة والدول الكبرى إلى إجبار النظام على تمرير المساعدات للمدينة في وقت لاحق، خاصة بعد أن زار وفد من الأمم المتحدة المدينة المحاصرة، واجتمع إلى سكانها ودقق في احتياجاتهم الغذائية والطبية على نحو خاص، ممهدًا بذلك لإدخال المساعدات للمدينة، طبقًا لوعود الأمم المتحدة.

قافلة مساعدات داريا، التي دخلت المدينة قبل أيام، كانت من خمس سيارات فقط، لكن أيًا منها لم تصل حمولتها إلى النصف، والأهم من ذلك، أن تلك الحمولة، لا تكاد تتصل بفكرة المساعدات الغذائية والطبية لمدينة محاصرة وسكان يعانون الحاجة إلى الغذاء والدواء، كما لاحظ الفريق الدولي الذي زار المدينة، ففي محتويات القافلة أدوية لمكافحة الحشرات مثل الناموس والقمل، وكمية قليلة من حليب الأطفال، التي لا تكفي لتوزيعها على الأطفال المحاصرين لمرة واحدة، بينما غابت الأغذية والأدوية والتجهيزات الطبية بصورة شبه كلية.

حالة داريا تعبير مكثف عن القضية السورية. سوريون يسعون إلى حياة أفضل ويدافعون عن أنفسهم وخياراتهم، ويدفعون فاتورة مكلفة، ونظام مصرّ على استمرار سياساته الدموية في القتل والتدمير والحصار، ومجتمع دولي مرتبك ومتخاذل عن فعل أبسط الأشياء وسط غياب المسؤولية الإنسانية والأخلاقية، قبل المسؤولية السياسية.

======================

رمضان "داعش": لا صيام عن الحسام! .. صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 5-6-2016

أنظار العالم، ومعها وسائل الإعلام وأعمدة التعليقات وعدسات التلفزة بالطبع، تتركز هذه الأيام على الفلوجة في العراق، وعلى منبج في سوريا؛ حيث تخوض تحالفات شتى، من كلّ حدب وصوب، معارك من كلّ ضرب أيضاً، ضدّ "داعش". ثمة أمريكا وتحالفها الدولي، وروسيا وتحالفاتها المحلية، والجيش العراقي، والجيش التركي، و"قوات الحشد الشعبي" بمختلف فيالقها وعصائبها، و"قوات سوريا الديمقراطية"، و"الجيش الحر" السوري، و"جيش الفتح"، و"جبهة النصرة"، و"أحرار الشام"؛ دون أن يُنسى الجنرال الإيراني قاسم سليماني، كليّ الحضور بين ريف دمشق وريف حلب وريف الأنبار.

ما تتجاهله العدسات والتعليقات والأخبار، عن سابق عمد في نماذج عديدة، هو مفهوم كلاسيكي اقترن بـ"داعش" منذ الأطوار الأبكر لصعودها واستقوائها ونجاحها في السيطرة على مناطق واسعة من العراق وسوريا: أنها، حتى حين تتقلص، لا تكفّ عن التمدد؛ وحين تتقهقر هنا، فإنها تتوسع هناك. نظرة بسيطة على خريطة هذه المعادلة، بعيداً عن بؤرة التركيز في الفلوجة ومنبج، سوف تبيّن التالي: التنظيم في كرّ وفرّ على جبهات سرت الليبية، في بن جواد والنوفلية وعلى مبعدة قريبة من أكبر محطات توليد الطاقة في أفريقيا؛ وتقارير، يتوجب أخذها على محمل الجدّ، أشارت إلى مسؤولية "داعش" عن مخطط إرهابي كان يُعدّ له جنوب مكة، في السعودية؛ وفي "ولاية سيناء"، حسب تعبير التنظيم، ثمة عمليات متواصلة وذات نسق متصاعد، أجبر دولة فيجي على سحب عشرات من جنودها العاملين ضمن قوات الأمم المتحدة في شبه الجزيرة؛ "ولاية حضرموت"، في اليمن، تشهد استمرار "غزوة أبو علي الأنباري" في المكلا، ومعها تتعاقب عمليات الانتحاريين والسيارات المفخخة؛ وأمّا في روسيا، فإنّ قوات الأمن في جمهورية إنغوشيا قتلت خمسة واعتقلت 12، بتهمة الانتماء إلى "داعش"، فاتضحت على نحو أفضل دلالات عمليات مماثلة جرت في سان بطرسبورغ وداغستان؛ وعلى منوال مشابه، وقعت مجابهات في "ولاية خراسان" التي شهدت قيام مقاتلين طاجيك بأداء البيعة للبغدادي، وكذلك في الأجزاء الباكستانية من بيشاور؛ هذا إذا لم يصدّق المرء ما تنشره وكالة "أعماق" عن عمليات التنظيم في بنغلادش، والفليبين، ونيجيريا.

وهكذا، يكفي أن يقلّب المرء أياً من التقارير الدورية الموثقة، أو الخرائط التحليلية، التي يصدرها "معهد دراسة الحرب" الأمريكي حول "داعش"؛ لكي يدرك، دون مشقة في الواقع، أنّ حال المدّ والجزر بين "الدولة" وشتى التحالفات التي تحاربها لم تعد مبدأ ناظماً لعلاقات القوّة بين الطرفين، بل صارت لعبة كبرى ذات قواعد متجددة ومتغايرة، شرقاً وغرباً. وفي المقابل، على جبهة السياسة والعقيدة والتجنيد والتعبئة، ليس جديداً أنّ "داعش" تحسن استغلال ما يلوح أنه ائتلاف العالم بأسره ضدّ "الخلافة"؛ ليس من جانب "الكفرة" و"الصليبيين" من قوى الغرب، فحسب؛ بل كذلك في صفوف "الصفويين" و"الروافض" و"المرتدين" من أبناء الديانة الإسلامية أيضاً. وإذْ ينجح التنظيم في تجنيد المسلمين أولاً، فإنه في المقابل لا يعدم مسيحياً كاثوليكياً يهتدي إلى هذا "الإسلام" الذي تبشّر به "داعش"، فيُقتل دفاعاً عن "الخلافة" (نموذج الفرنسي بيار شوليه، ابن الـ19 سنة، الذي نفّذ عملية انتحارية في العراق، صلاح الدين، السنة الماضية).

 والحال أنّ معارك الفلوجة ومنبج ليست سوى مظهر السطح الساخن من حرب واسعة النطاق، شاملة، مركبة، متعددة النطاقات، ليست البتة أقلّ سخونة؛ تكون فيها واشنطن أو موسكو أو انقرة أو بغداد محض أقطاب أولى، لا تختطّ المسارات دائماً، بل ترتهن لها أيضاً، تحت سقوف لعبة المدّ والجزر إياها. ولا يلوح، بذلك، أنّ رمضان "داعش" المقبل سوف يشهد الصيام عن الحسام!

======================

ترامب رئيساً .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 5-6-2016

ماذا كان على العالم أن يتوقع من سياسات باراك أوباما التي راقبت بأبرد دم يمكن تخيله قتل الشعب السوري خمسة أعوام، وأسهمت مواقفها في انهيار نظم قيمية وأخلاقية، لعبت دوراً تاريخياً عظيماً في عقلنة حياة الدول والبشر: دينياً ووضعياً؟.

وماذا كان يمكن أن يترتب على سياسات بوتين الشيشانية في سورية، غير ما نراه من انهيار النظام الدولي، محلياً وعالمياً، ومن صعود إرهابي حفّزته البوتنية، بما أحدثته من فوضى وعنف فيه، بعد أن قيدت بالفيتو أيدي الأمم المتحدة وعطلت مجلس الأمن، وجعلت منهما مكاناً لفرض سياساتٍ إجرامية النتائج، جسّدها ذبح الشعب السوري بيد الأسدية، المستعينة بالروس والإيرانيين ومرتزقتهما، وإبادته وتهجيره وتعذيبه وتجويعه ومحاصرته، وتدمير ثورته السلمية، وإغراقها في أشنع جحيم إرهابي.

وماذا كان يمكن أن تنتج سياسات ملالي طهران الذين أرسلوا جيشهم ومرتزقتهم إلى سورية، لحماية نظامٍ يفتك بشعبها، ويقتلع روح الحرية من صدور بناته وأبنائه، أعانته ممارساتهم الهمجية على دوس سائر القيم السماوية والوضعية، المكرّسة لحماية الإنسان وصون كرامته، وعلى تحقير الإسلام ديناً سماوياً، يشنون باسمه الحرب ضد أتباعه، ويرتكبون مجازر لا مثيل لها في تاريخ العالم، قديمه وحديثه.

يخيفنا أوباما باسم حزبه الديمقراطي من رئاسة دونالد ترامب، ويذكّرنا بتصريحاته العنصرية ضد الأجانب والمسلمين. كم يخاف أوباما علينا، وكم هو بريء من سياساته وسياسات بوتين والملالي ضدنا التي تتماهى تماماً مع عنصرية أبله اسمه ترامب، لا يخفي عنصريته كأوباما وبوتين وخامنئي، بل يتباهى بها، ويرجح أن يصير رئيس أميركا بفضلها. تُرى، أليس من العنصرية أن يتفرّج أوباما بدم بارد على شعبٍ مسالم يُباد، وألا يبذل أي جهدٍ لوقف إغراقه في دمائه؟ أم أن العنصرية تقتصر على تصريحات ترامب الأبله، ولا تشمل مواقف أوباما وأفعاله؟ وماذا يسمي أوباما وبوتين والملالي قتلهم شعباً لم يلحق أي ضرر بهم، ولم يثر ضدهم؟

 

لن يكون دونالد ترامب ظاهرة غريبة عن تاريخي أميركا وروسيا، اللتين فتكتا بشعوبٍ عديدة إبّان عصرهما الاستعماري والإمبريالي، وتفتكان اليوم بالعالم كله، باسم العصر الليبرالي الجديد، العنصري والتدميري، الذي لا يحترم قانوناً أو يلتزم بشرعيةٍ وحقوق؟.

لن يهبط ترامب على كرسي الرئاسة من السماء، إنه نتاج واقع وتاريخ أميركي صنعته سياساتٌ عنصريةٌ يتبناها من دون خجل، بينما يعتمدها أوباما في كل ما يقوم به من أفعال، كما في كثيرٍ من أقواله، ويتوهم أنه يستطيع التستر على عنصريته الخاصة بإدانة عنصرية ترامب، ومن لا يصدّق أنه عنصري مثله ويزيد، فليقرأ آخر أحاديثه عن العرب، وليتأمل حرصه على فاشيي طهران، على الرغم من (أو بسبب) ما يفعلونه بالمسلمين ودينهم، ويدعمونه من فتنٍ مذهبيةٍ وتطرف إرهابي. أخيراً، هل كان أوباما جاهلا بما فعله بوتين ضد الشيشان الذين لم يكتف بإبادة معظمهم، وإنما جند بعضهم في مخابراته، وأرسلهم إلى سورية، ليؤسسوا إماراتٍ إسلامية ساعدت الأسد على تدمير الثورة، وتحريض العالم عليها، وحاولت إقناعه بأن السوريين لا يستحقون الرحمة.

لن يهبط ترامب من السماء على كرسي رئاسةٍ، سبقه إليها عنصريون مجرمون، مثل هاري ترومان الذي ضرب اليابان المستسلمة عسكرياً بقنبلتين ذريتين، ليردع السوفييت عن اجتياح أوروبا، وكباراك أوباما الذي يتباكى دوماً على السوريين، ويحول، في الوقت نفسه، دون وقف المذابح ضدهم، بحجة الحفاظ على حياة الأميركيين الذين أرسل هو نفسه مئاتٍ منهم إلى بلادنا، لدعم قوات حزب الاتحاد الديمقراطي (البايادا) وإجهاض الثورة السورية، وتقويض دولتها ومجتمعها.

يُتوقع فوز ترامب بالرئاسة، لاتفاق برنامجه مع خطط أميركا التي يتعهد بمواصلتها. ومن المنتظر أيضا تحول هيلاري كلينتون إلى "رئيسة ترامبية"، في حال فازت. ألم يمر أوباما بتحولٍ كهذا في أثناء رئاسته، وينتقل من داعية مصالحة تاريخية بين الغرب والإسلام إلى عنصري يستمتع بقتل الفلسطينيين والسوريين والعراقيين واليمنيين، ويحمي قتلتهم؟

من الحكمة تخلينا عن الأمل بحدوث تبدل في سياسات أميركا تجاهنا، بعد أوباما. ومن الضروري أن نستعد لأنماط جديدة من سياساتها العنصرية ضدنا، ومن الإطباق علينا، بعد أن أمسكت طوال أعوام الثورة بخناقنا، وصار انتصارنا رهناً بفك قبضتها عن أعناقنا، باستعادة قرارنا الوطني المستقل، وليذهب رئيس واشنطن المقبل إلى... حيث ألقت.

======================

نهاية مشرق معذّب .. غازي دحمان

العربي الجديد

الاحد 5-6-2016

لم تعد العملية السلمية الخاصة بسورية موضع اهتمام القوى الكبرى الراعية لها، فقد أوضح مؤتمر فيينا هذه الحقيقة. لكن، في المقابل، استمرت عمليات التنسيق والتواصل بين هذه الأطراف، ما يعني أن أولوية الدول الراعية انتقلت إلى موضع آخر، وصناعة عملية مختلفة لسورية والمنطقة كلها.

تؤشر جملة الاستعدادات الجارية، وكذا التسريبات المتناثرة، وكان آخرها ما أشير إلى الصياغة الروسية للدستور السوري، إلى أن الأطراف الدولية في طور درس الفروض والخيارات، ومعرفة مدى إمكانية تفريغها على شكل وقائع جغرافية وديمغرافية، وأطر دستورية وهياكل سياسية قابلة للحياة والاستمرار.

الغريب أن هذا الحراك الدولي تجاه المنطقة لم تتم مقابلته على الجانب العربي سوى بالحدس، وتوقّع أن هناك شيئاً ما يطبخ للمنطقة العربية، والاكتفاء بالقلق والانتظار، بل إن بعض المهتمين في العالم العربي، وخصوصاً في المشرق، أراح نفسه من وجع التفكير بما لا يحب، بالاتكاء على وهم الرهان بأن المنطقة لن تتفكّك، وأن بقاءها موحّدة مصلحة عالمية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك بأن القوى الكبرى أصلاً تحبّذ العالم كياناتٍ كبرى يسهل التعامل معها، ولا تحبذ فوضى الكيانات، وكأن العالم لم يشهد إعادة رسم خرائط كاملة لمناطق وسط أوروبا وجنوب شرقها، وجنوب آسيا وجنوب شرقها. وفي القارة الأفريقية، جنوب الصحراء الكبرى، والاتحاد السوفيتي والدول التي قامت على أنقاضه، وذلك كله في مدىً زمني قصير وقريب من تاريخنا هذا.

 

لكن، لماذا يتم حصر القوى الدافعة للتفكك بالعنصر الخارجي، والعوامل الجيوسياسية، والتي، على الرغم من أهميتها، لا تشكل سوى محركٍ من ضمن ماكينة المحركات الدافعة إلى لتفكّك في منطقتنا، فالأمر أعمق وأبعد من أسطورة المؤامرة، بقدر ما هو نتاج ديناميات داخلية، ولّدتها أصلاً انحرافات متراكمة لممارسة السياسة في بلادنا على مدار عقود. والواقع أنه لا تستقيم الثورات مع بقاء الأطر الدستورية والهياكل السياسية نفسها على حالها، بعد أن وصلت إلى ذروة عجزها وانعدام فعاليتها.

أثبت الربيع العربي عدم قدرة المنظومات العربية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، على

"تتحمل البنى السلطوية القدر الأكبر من المسؤولية على ما آلت إليه الأمور من تفسخات جغرافية" استقبال (وتنظيم) المتغيرات الحادثة من داخلها ومن خارجها، وأن هذه المنظومات مصممة للعمل ضمن بيئةٍ وشروطٍ معينةٍ وظرف تاريخي محدّد، ما يعني أنها غير صالحة على الدوام بدون إجراء التحديثات المناسبة على أطرها وهياكلها التشغيلية، وهو أمر لم يحصل، بل طالما جرى قمع أي محاولةٍ في هذا الاتجاه، سواء بالسلم أو بالعنف.

على ذلك، تتحمل البنى السلطوية في العالم العربي القدر الأكبر من المسؤولية على ما آلت إليه الأمور من تفسخات جغرافية، وتهتّك في النسائج الاجتماعية، ذلك أنها لم تعمل سوى على مراكمة المشكلات، وتأجيل إيجاد الحلول اللازمة لها، في وقتٍ شهدت أغلب الكيانات العربية انفجاراً سكانياً هائلاً، نتجت عنه زيادة في عدد الشباب، بالتزامن مع تناقص قاعدة الموارد والفرص. وما حصل أن تلك البنى السلطوية رفضت إجراء التكيفات المناسبة للتحوّل إلى كياناتٍ عصريةٍ، تعمل وفق منطق الحوكمة والرشادة في الحكم، وتستخدم الآليات المناسبة لتحقيق ذلك، عبر الديمقراطية التمثيلية الضامنة توسيع قاعدة المشاركة السياسية، والسيطرة على الفساد والهدر اللذيْن كانا المحرك الأول للثورات العربية.

شكّل رفض النخب السلطوية إجراء أي تعديلٍ على سلوكها السياسي، مع استحالة قبول الشعوب التعايش مع المنطق القديم مزيجاً من حالة غير قابلةٍ للاستمرار ولا الاستقرار في الوقت نفسه، وقد وضعت تلك النخب مستقبل المنطقة أمام أحد خيارين، الاستمرار بتسيير الأمور وفق أليات الحكم والعقود الاجتماعية السابقة أو التهديد بتدمير البنية برمتها، مع إعدام البدائل الأخرى. وقد تسلّحت تلك النخب بصمت وخوف جزء من الشرائح الاجتماعية، لإثبات مدى صحة توجهاتها، واعتبار ذلك مؤشراً كافياً على شرعيتها، كما تلطّت خلف الصراعات الجيوسياسية، الإقليمية والدولية، للبرهنة على أن الأزمة في بلادها من صنع الخارج وتدبيره، غير أن استخدام العنف ومحاولة إدامة الأشكال السلطوية الماضية واستمرار الشعوب في البحث عن بدائل سياسية خارج حسابات القوى السلطوية أوجد حالة الأزمة المستفحلة، والتي دفعت قوى الخارج إلى التدخل، بذريعة السيطرة على التداعيات التي تجاوزت مساحة وحدود منشئها، وبالتالي، أصبح هذا الخارج شريكاً في الحل، انطلاقاً من شراكته بالضرر الواقع عليه، نتيجة تفاعلات الأزمة وتعاظم احتمالات الخطر، وتحوّلها إلى مصادر تهديد مؤكدة، وخصوصاً بعد قيام "داعش" بتفجيرات في أوروبا، وتهديده باستهداف مزيد من المناطق.

لم تخف تصريحات مسؤولي الدول الكبرى القناعة باستحالة عودة دول المشرق العربي إلى سابق ما كانت عليه، وأنه لا بد من إهادة هيكلة جديدة للخروج من هذا المأزق، ولن تخرج الهندسة التي تعمل هذه الدول على تصميمها عن تلك القناعة. وتدل كل المؤشرات على أننا ماضون في هذا الاتجاه، كما أن القوى الداعمة له، السلطوية والمتطرفة والخارج، هي صاحبة اليد العليا في الصراع

======================

وراثة الدولة الأسدية: سورية على مفترق طرق .. برهان غليون

العربي الجديد

الاحد 5-6-2016

يطرح انهيار الجغرافيا السياسية المشرقية في سياق ثورات الربيع العربي، وفي سورية خصوصاً، مصير الدولة القطرية التي نشأت على أنقاض السلطنة العثمانية، وساهمت في رسم حدودها الجغرافية والسياسية مصالح الدول الغربية. ومن الطبيعي أن يثير هذا الانهيار أسئلة معقدة على الباحثين، ويدفع إلى مراجعاتٍ واسعةٍ في الفكر والأيديولوجية والسياسة لدى العرب والسوريين. وفي مناسبة مرور مائة عام على اتفاقيات سايكس بيكو الشهيرة، يكتشف كثيرون فجأةً أنه لم يكن في المشرق شعوب، وإنما طوائف وعشائر وأقليات وأكثريات فحسب، وأن العروبة لا تتعدّى أن تكون مزحة ثقيلة، وأن الإسلام لم يكن ثقافةً وحضارةً شكلت جزءاً من تراث المسلم والمسيحي والمؤمن وغير المؤمن، لكنه كان مذاهب شتى وتحزباتٍ مغلقة وعصبياتٍ وأحقاداً ونزاعات ومظلوميات، وأن الخطأ الذي ارتكبه وزيرا خارجية بريطانيا وفرنسا عام 1916 لا يكمن، كما اعتقد القوميون العرب، في تقسيم "المملكة العربية" التي اتفقت دولتاهما مع قادة "الثورة العربية الكبرى" الحجازية الدمشقية على إنشائها، على أنقاض الإمبرطورية العثمانية، في أقاليم المشرق العربي الآسيوية، وإنما، بالعكس، في تشكيل دول قطرية "مصطنعة" على أنقاضها، في الشام والعراق والجزيرة العربية، تجمع بين شعوب ومذاهب وطوائف وإثنيات متنافرة، لا يوجد بين جماعاتها أي ألفةٍ أو تضامن، وليس لإنشائها سبب آخر سوى خدمة مصالح الدول الاستعمارية التي رسمت وحدها حدودها.

وفي هذا السياق، تظهر بوادر مراجعة نظرية غير مسبوقة، تدين الدولة السايكس بيكية، بالزوال، وتدعو إلى إقامة دول متعددة، أو ضمن فيدراليات تضمن الهوية الخاصة لكل مذهبٍ وقوميةٍ واستقلالهما. ويبدو التفاهم الأميركي الروسي الذي أخذ على عاتقه إعادة تنظيم شؤون المشرق العربي، وتحديد مستقبله، من وراء ذريعة الحرب ضد الإرهاب، وعبر تقاسم مهامها، إنذاراً أو نذيراً برسم تاريخ سياسي جديد للمنطقة. ويأمل فاعلون جدد كثيرون أن يدخلوا التاريخ من جديد على إثر إعلان الحداد على الاتفاقية البريطانية الفرنسية لعام 1916، وولادة اتفاقية بديلة، كيري-لافروف، تعيد رسم الخرائط وتحديد مناطق النفوذ.

يشترك في هذه المراجعة "الهدّامة" لتاريخ الدولة القطرية الحديثة في المشرق العربي أقطاب

"تظهر بوادر مراجعة نظرية غير مسبوقة، تدين الدولة السايكس بيكية، بالزوال، وتدعو إلى إقامة دول متعددة" الفكر السياسي المتناقضين، ويشارك في ترويجها باحثون أكاديميون، كانوا يدافعون دائماً في السابق عن شرعية وجود هذه الدولة، ويبينون الأسباب المنطقية القائمة وراء تكوينها، في مواجهة أصحاب الخطابات العربية القومية القديمة التي كانت تنكر شرعية وجودها، والخطابات الإسلاموية التي رفضت دائماً الاعتراف بحدودها ومضمونها، وحاربت القيم العميقة التي تحرّكها والتي تجعل منها في نظرهم غريبةً عن ثقافة المسلمين وتقاليدهم، وحاملةً، بالتالي، هوية مختلفة تدفع المجتمعات الاسلامية إلى الانخلاع عن هويتها، واستبدالها بهوية "علمانية"، تلغي تاريخها وتخون اعتقاداتها. وحتى قبل أن تنهار وتتفكّك فعلياً، كما يتوقع أو يحلم أعداؤها الكثيرون اليوم، يفقد وجود هذه الدولة السايكس بيكية أي معنىً عند تيارات الرأي العام، ويدفع كثيرين، تحت وقع المجازر المستمرة في سورية والعراق خصوصاً، إلى التسليم بنهاية صلاحيتها وضرورة التفكير ببديل عنها.

 

عن دولة سايكس بيكو والطامعين بوراثة أملاكها

أربعة انماط من "الدول" تهيئ نفسها لوراثة الدولة القطرية في المشرق العربي. الأول هو نمط الدولة الأقوامية -الإثنية التي تستمد شرعيتها ومبرّر وجودها، كسلطة مركزية سيدة ومستقلة، من الحق الطبيعي في الحفاظ على الهوية الخاصة بجماعةٍ متميزة لغوياً وثقافياً، وصيانتها، والتعبير عنها. وهي تختلف تماماً عن الدولة الأمة، كما تشير إليها الأدبيات الكلاسيكية الغربية، والتي تتجاوز مسألة الحفاظ على الهويات الإتنية والطائفية، لتأسيس اجتماعٍ سياسيٍّ غايته تعزيز فرص الحرية الشخصية والعدالة والتقدم وحكم القانون، أي المواطنة المتساوية. والنمط الثاني هو الدولة الطائفية أو المذهبية، فبعكس ما توحي به المظاهر السطحية، ليس الاختلاف باللغة والثقافة شرطاً لبروز شعور متميز بالهوية الخاصة، فقد تشعر طائفةٌ دينيةٌ أقليةٌ بأنها تشكل شعباً مختلفاً عن بقية الناطقين باللغة نفسها، أو الحاملين ثقافتها. ينبع هذا الشعور من أن تجربتها التاريخية الخاصة، ومعاناتها الطويلة كأقلية، يمكن أن تنتج لديها بالفعل خبرةً ثقافيةً مختلفةً، ومشاعر جماعية خاصة، تميزها في سلوكها وردود أفعالها عن الأكثرية الثقافية واللغوية التي تندرج فيها. ويكفي أن يوجد الفاعل السياسي والعسكري القادر على استثمار هذه الخبرة الثقافية التاريخية المختلفة لأهدافه الخاصة، حتى يتحوّل هذا الشعور بالتميز إلى مطالبةٍ بمعاملةٍ خاصة، أو حتى بالانفصال عن الجماعة التي تشترك معها في اللغة والثقافة. وما ينتشر اليوم من أدبياتٍ حول المظلوميات التاريخية يدخل في هذا السياق. فهو يعمل من خلال تغذيه مشاعر الخوف أو الكراهية أو الاتهام للآخر المجانس إلى التعويض عن غياب الثقافة، أو اللغة المختلفة التي تبرّر، أو يمكن أن تبرّر نزعة الانفصال والانشقاق. فالدولة الطائفية شكل آخر من الدولة الإتنية، وكل منهما يجد مبرّر وجوده في حماية هوية الجماعة المتميزة باللغة أو المذهب أو المعاناة التاريخية.

أما النمط الثالث من الدول المرشحة في الوقت الراهن لوراثة دولة سايكس بيكو فهي دولة

"القومية التي تتطابق مع مشاعر القرابة الإثنية والتقاليد والماضي، وتقدّس آثارهما، تخلق عصبية لا علاقة لها بالوطنية" أمراء الحرب، القائمة على سند ديني أو استيلائي، بمعنى فرض الأمر الواقع، أو كليهما. وتكاد إمارات الاستيلاء الصغيرة التي أنتجتها الحرب، والتي يحاول كل أمير فيها أن يرسم حدود دولته من دون أدنى حاجةٍ إلى السؤال عن الهدف والمبرر والشرعية، أو حتى لتعيين حدودٍ جغرافيةٍ أو سياسية، تملأ اليوم الجزء الأكبر من مساحة الدولة السورية.

 

ومثل أشباهها في الدولة الطائفية والإثنية، ليس للشعب مكان في بناء هذه الدول أو إقامتها. فهي مفروضة من دعاتها بالقوة أو بالتفاهم مع دول قوية حامية، على الأهالي، من دون أن يسأل أي فاعل سياسي وعسكري من المشاركين فيها، عن حقيقة الشعب الخاضع لسلطته، وفي ما إذا كان ينتمي بالفعل لقوميته أو طائفته، ومن باب أولى أن لا يسأله عن رأيه، ولا يعنى بإرادته. فالإمارات المقامة باسم العقيدة أو الشوكة، كما كان يحصل في التاريخ السابق للدولة الوطنية كله، مرتبطة بالتعريف بأميرها، وبالقوة التي يستطيع أن يجرّدها لتحقيق هدفه، تماماً كما ترتبط الدولة الطائفية والإتنية بزعامة الطائفة والإتنية ووجاهاتها. وهي مثلها لا تعنى برأي الأهالي، ولا يهمها أمر قرابتهم الثقافية أو المذهبية، وتستطيع إذا احتاج الأمر أن تغيّرهم أو تطرد من تشاء منهم وتفرض عليهم دين الأمير وخياراته، من دون أن تشعر بأي تجاوز لعرف أو قانون.

أما الوريث الرابع الذي يطرح نفسه بديلاً لهذه الدولة، فهو دولة كيري-لافروف التي يطمح الروس والأميركيون إلى بنائها على منطق المساومات والتسويات التي تنسجم مع التفاهمات المحتملة حول توزيع القوى والمصالح والنفوذ لكليهما في المنطقة المشرقية، وعلى حساب القوى الدولية الأخرى، أو بالتقاسم معها. وهذا ما يريد أن يكرّسه الاتفاق الروسي الأميركي الذي تحوّل إلى قرار في مجلس الأمن رقم 2254. وهي دولةٌ لم تحسم خريطتها بعد، لا الجغرافية ولا السياسية، ولا تزال مشروعاً بين المشاريع الأخرى المتنافسة على ملء الفراغ السياسي والجيوستراتيجي القائم. لكن، الواضح من التصريحات والممارسات المشتركة الأميركية الروسية أن العمل عليها يمكن أن يتم، مع استثناءاتٍ محدودة، من خلال إعادة هيكلة الدولة القطرية القديمة، وليس بإلغائها. لكن، مع العمل على إضعافها من الداخل باسم الفيدرالية، أو المحاصصة الطائفية والقومية، وفي جميع الحالات مع محاولة تفريغ السلطة المركزية والسيادة الوطنية من مضمونها، وربما مع تغييراتٍ ديمغرافيةٍ تكرس نتائج حروب التطهير العرقية والطائفية. وستكون دولة كيري-لافروف، في هذه الحالة، الحصيلة الأخيرة، أو القاسم المشترك الأعظم لدمج مفاهيم الدولة الثلاث المذكورة سابقاً، الإتنية والطائفية والاستيلائية.

 

بين قومية العرق وقومية الأرض: العصبية والوطنية

تُراهن هذه المشاريع على الضياع الايديولوجي والسياسي الذي أحدثته أزمة الدولة القطرية، وانهيار قدراتها على إقناع قطاعاتٍ من الرأي العام المشوش، والمشتت بخطها ورؤيتها. ويجمع بين أصحاب هذه المشاريع وهم مشترك، هو القدرة البناءة للنقاء المذهبي، أو الاتني، في تأسيس جماعةٍ سياسيةٍ مستقرةٍ ومنسجمةٍ ومسالمةٍ تضمن التخفيف من وتيرة الحرب، إن لم تساعد على وضعٍ حد لها. وهو وهم سنكتشف، بعد سنوات، كما يحصل أمامنا اليوم في العراق، أنه لن يقدّم اي حل لأزمة الاجتماع السياسي المتفجرة. وبدل أن يساهم في التهدئة، وفي فتح أفقٍ حقيقي لتوحيد إرادة الشعوب، وتطمين الجماعات، وتعبيد طريق إعادة بناء نسيج المجتمعات المتحللة والمتفككة، وتنظيم شؤونها وإطلاق قدراتها الانتاجية والابداعية، سوف يسعّر التناقضات، ويحرّض على استمرار النزاع بين الجماعات، وعلى تعميم أشكال العنف الهمجي التي رأينا أمثلةً شنيعةً لها في السنوات الخمس الماضية، في أكثر من بقعة ومكان من الأرض المشرقية، بمقدار ما يُضعف فرص التنمية البشرية، وقدرة الدولة على ضمان الحريات والعدالة وحكم القانون لجميع الأفراد بالتساوي، حتى داخل الطائفة أو الاتنية نفسها. وهذا يعني أنه لن تقوم دولة جديدة، بالمعنى البسيط للكلمة، أي كسلطة مؤسسية، تقوم بتطبيق العدالة والقانون وتحقيق الأمن والسلام، ولن تستقر على أوهام أمراء الحرب والتيارات المتطرفة والمنفلتة من عقالها، قوميةً كانت أو دينيةً أو مذهبيةً أو انتهازيةً تقوم على خدمة الاستراتيجية الاستعمارية الأجنبية.

يكتشف المتامل في تاريخ الدول ومصيرها أنها كلها صناعية، أي ناتجة من جمع شتات من

"يكتشف المتأمل في تاريخ الدول ومصيرها أنها كلها صناعية، أي ناتجة من جمع شتات من الشعوب والقوميات والمذاهب والأديان" الشعوب والقوميات والمذاهب والأديان. والذي يوحّدها ليس التراث الماضي، ولكن مشروع المستقبل. لذلك، كلما كانت صناعية كانت أكثر قدرة على التعامل مع حاجات الشعوب الجديدة وتلبية تطلعاتها الحقيقية، من دون أثقال الماضي ومستحقاته. وبالعكس، أفشل الدول هي التي لم تقطع مع الماضي، واستمرت على الاعتقاد بأن شرعيتها تستمد من تمثيلها جماعةً دينيةً، أو قومية عريقة، وبالتالي، من التاريخ والثقافة والتقاليد. وهذا ما تريد أن تعيد إنتاجه الأنماط المطروحة اليوم كدول هوية، دينية أو ثقافية، بديلاً للدولة المواطنية. وفي اعتقادي أن فشل مشروع القومية العربية الذي تمتع، في الستينات من القرن الماضي، بشعبيةٍ لم يحصل عليها أي مشروع آخر في المنطقة منذ قرون طويلة، هو أنه نظر إلى الدولة الأمة دولةً قومية، أي تجسيداً لهويةٍ عربية وقومية خاصة. وهذا ما حرمه من أن يدرك وظائف الدولة الحديثة التي لا علاقة لها بالوفاء لأي هوية، لكنها تهدف إلى تحرير الأفراد وتعزيز مشاركة الشعوب والمجتمعات في المدنية، أي إلى مساعدتها على الاندراج في حضارة عصرها، وإعادة إنتاج وتعميق قيمها في منطقتها. وهذا هو الأصل في إعادة تأسيس الدولة الأمة لهويةٍ جديدة، هي الهوية السياسية، النابعة من الرابطة المواطنية، والمستندة إلى قيمها، بالتالي، إنشاء حاضنة التعايش بين الهويات الأهلية أو ما قبل السياسية التي ورثها المجتمع، أو الجماعات المختلفة من الماضي.

فالقومية التي تتطابق مع مشاعر القرابة الإتنية والتقاليد والماضي، وتقدّس آثارهما، تخلق عصبية لا علاقة لها بالوطنية التي تعني التعلق بالدولة الأمة الحديثة. وربما غذّى مفهومها نزعاتٍ محافظةً تشجع على قطع صلات المجتمع بالحضارة، وتمنعه من الارتقاء في صيغ تنظيمه وتفكيره، وتدبير أموره وإدارته، وإنتاجه، إلى مستويات المشاركة في المدنية المعاصرة، بدل أن يشجع على التفاعل مع الحضارة. والحال أن الدولة الأمة لا تنشأ من الولاء للقوم والانتماء لثقافته، وإنما تتغذّى، بالعكس، من التعلق بالأرض والانتماء للإقليم، والتماهي الجماعي لكل الأفراد، بصرف النظر عن أصولهم وهوياتهم الأهلية، مع دولة الإقليم، أو ما أطلقنا عليه اسم الدولة القطرية التي تولد رابطةَ قرابةٍ وطنيةٍ، تنشأ من المشاركة في العيش وإدارة شؤون الدولة القائمة على مساحةٍ معينة من الأرض، وتعظيم فرص نموها وازدهارها بين أفرادٍ ينتمون لجماعاتٍ وثقافاتٍ مختلفة.

تنشأ الوطنية من الوفاء للأرض-الدولة، وتتقوّى من مشروع بنائها كدولة مواطنيها، وكوسيلة لتعزيز فرص تقدمهم، وازدهار حياتهم وسعادتهم معا، لا كوسيلة لضمان القرابات والعادات والتقاليد والوفاء لقيم التراث وتعظيمه. ويكفي، لإدراك ذلك، أن نقارن بين الأمة العربية التي فشلت في بناء دولة حديثة، تقطع مع التصوّرات الاهلية والثقافوية، على الرغم من تمتعها بتراث مشترك، لا مثيل له، يجمع الثقافة إلى الدين الواحد، وربما بسبب فشلها في هذا القطع، وتمحورها حول الأصل والهوية والثقافة والقوم، والأمة الأميركية التي ولدت في إطار دولةٍ انتزعت من العدم، وساهم في إنشائها مهاجرون ومغامرون وأفّاقون وقطاع طرقٍ لا توحدهم ثقافة، ولا لغة ولا دين، أمة شارك الجميع، على اختلافهم، في اصطناعها عبر الحروب والنزاعات والتسويات، بمقدار ما نجحوا في اكتشاف السر الذي يوحدهم، على الرغم من اختلافهم، ويسمح لهم بالتعايش على الرغم من نزاعاتهم. وهو ليس شيء آخر سوى السياسة.

=======================

ندمر أوطاننا بأيدينا ثم نتهم إسرائيل بالتآمر علينا! .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 4/6/2016

ليس هناك أدنى شك بأن إسرائيل تتمنى ليل نهار، لا بل تعمل جدياً على تحويل كل أعدائها في المنطقة العربية إلى صحارى قاحلة وشعوب متخلفة فقيرة هائمة على وجوهها. ولو كنا بقوة إسرائيل ونخشى من جيراننا، لتمنينا لهم مصيراً مشابهاً لحالنا الآن، فكل القوى عبر التاريخ حاولت أقصى جهدها كي تبقى في القمة على حساب تخلف الآخرين وخراب أوطانهم، فما بالك إذا كانوا يعادونها. حتى الأشقاء في البيت الواحد يغارون من بعضهم البعض أحياناً، وبعضهم يريد أن يكون أفضل من بقية الأشقاء، فما بالك بالأعداء. وكذلك الدول، فهي تحاول أن تكون أفضل وأقوى من غيرها، حتى على حساب شقاء الآخرين وكوارثهم. لاحظوا أن أمريكا مستعدة أن تدوس العالم أجمع من أجل المصالح الأمريكية. باختصار، لا يمكن أن نبرئ إسرائيل من التآمر على سوريا. لكن تعالوا ننظر إلى ما آلت إليه الأوضاع في بلادنا. هل إسرائيل هو السبب؟ أم إننا استسهلنا أن ننسب كل مصائبنا وكوارثنا وفشلنا وأخطائنا القاتلة إلى إسرائيل؟

لا يمر يوم إلا وتسمع أبواق حلف المماتعة والمقاولة بزعامة النظام السوري وهي تتهم إسرائيل بالتآمر على سوريا. صحيح أن تدمير الجيش السوري يصب في مصلحة إسرائيل. لكن من دمره؟ هل فقد جيشكم "الباصل" ثلاثة أرباع جنوده ومعداته في حرب تحرير القدس من إسرائيل؟ هل واجه جيش إسرائيل منذ أربعين عاماً؟ هل خسر رصاصة واحدة باتجاه الحدود الإسرائيلية؟ هل سمح لجندي سوري بأن ينظر باتجاه حدود إسرائيل، فما بالك أن يعكر صفوها؟ هل استنزف احتياطي الوقود المخصص للجيش والقوات المسلحة في حربه مع إسرائيل؟ أم إنه دمر جيشه، وخسر مئات الألوف من جنوده، واستهلك ملايين الليترات من الوقود لتشغيل آلته العسكرية ضد الشعب السوري بالدرجة الأولى؟ ألا يخوض جيش الأسد مئات المعارك يومياً، وكلها على الأرض السوريا ضد السوريين؟ كم معركة خاض ضد العدو الصهيوني وكم معركة خاضها ضد الشعب؟

هل إسرائيل يا ترى من اتخذت قرار إنزال الجيش السوري إلى الشوارع وتوريطه في حرب مع الشعب بعد أربعة أسابيع فقط على انتفاضة الشعب السوري من أجل أبسط حقوقه الإنسانية؟ بالطبع لا. إن من اتخذ قرار توريط الجيش السوري وتدميره هو صاحب قرار إنزال الجيش إلى شوارع المدن والقرى السوريا الثائرة. ولو افترضنا أن الذي دفع باتجاه هذا القرار هو الجناح الإسرائيلي داخل القيادة السوريا، فهذه مشكلة النظام الذي سمح لإسرائيل باختراقه على أعلى المستويات العسكرية والأمنية، وليست مشكلة إسرائيل.

لا بد أن نؤكد ثانية أن إسرائيل جارة عدوة، وتتربص بأعدائها ليل نهار. لكن لماذا يا بشار الأسد سمحت لبعض الضباط العسكريين والأمنيين الكبار أن ينفذوا المخطط الإسرائيلي في سوريا المتمثل بتوريط الجيش واستنزافه في حرب داخلية بدل محاربة إسرائيل؟

من الذي دمر المدن السوريا، وسوّاها بالأرض؟ الطيران الإسرائيلي، أم الطيران السوري؟ من الذي جعل مشاهد تدمير مدينة القنيطرة السوريا وبيروت اللبنانية وغزة الفلسطينية على أيدي الصهاينة تبدو أقل بشاعة بكثير مقارنة بمناظر تدمير حلب وحمص وإدلب ودير الزور وداريا وريف دمشق ودرعا ومئات القرى والمدن الأخرى؟ أيهما أكثر بشاعة: منظر شوارع مدينة غزة التي قصفها الطيران الإسرائيلي، أم مخيم اليرموك الفلسطيني في دمشق الذي اضطر ساكنوه أن يأكلوا أوراق الشجر بسبب الحصار الفاشي الذي فرضه الجيش السوري وأجهزة المخابرات عليه؟ كم مدينة وقرية سوريا دمر الطيران الإسرائيلي في كل حروبه مع سوريا، وكم دمر الطيران السوري؟ كم عدد الغارات التي شنها الطيران الإسرائيلي على السوريين، وكم شن طيران الأسد على المدنيين في سوريا؟ ألم يسمع بشار الأسد الشعب السوري وهو يطالبه بأن يعامله كما عاملت إسرائيل أعداءها؟ ألا يتمنى الكثير من السوريين أن يكونوا فلسطينيين بعدما وجدوا أن إسرائيل أرحم مع أعدائها من النظام السوري الفاشي مع شعبه؟ هل إسرائيل من دمر ألوف المدارس والمشافي والمخابز السوريا على مدى الخمس سنوات الماضية؟ هل إسرائيل من عذب عشرات الألوف من المتظاهرين السوريين حتى الموت لمجرد أنهم طالبوا بقليل من أوكسجين الحرية؟ أم فروع الأسد الأمنية التي تفوقت على النازيين والفاشيين كما أظهرت ألوف الصور المسربة من السجون السوريا؟

من الذي جعل السوريين طعاماً للأسماك والحيتان في عرض البحار؟ أليس الذي شردهم من ديارهم بوحشيته الهمجية؟ هل إسرائيل حرضت الطوائف السوريا على بعضها البعض على مبدأ فرق تسد، أم المخابرات السوريا كي تعيش على تناقضات الشعب السوري وتناحره الطائفي؟ كم قتل جيشكم "الباصل" من الإسرائيليين في كل حروبه، وكم قتل من السوريين؟ كم قتل الجيش الإسرائيلي من السوريين على مدى عقود، وكم قتل الجيش الأسدي؟ من الذي شرد نصف الشعب السوري: الجيش الإسرائيلي أم الجيش الأسدي الفاشي؟ ستقولون إن الذي دمر سوريا وشرد شعبها الجماعات الإرهابية التي أرسلتها إسرائيل وأمريكا، لا بأس: يعني تعترفون بهزيمتكم أمام الجماعات العميلة لإسرائيل؟ طيب لماذا بقيتكم في السلطة إذا كانت هذه الجماعات العميلة لإسرائيل فعلت بكم وبسوريا الأفاعيل؟ وإذا كانت الجماعات المتطرفة عميلة لإسرائيل، فلماذا أخرجتم شقيقاتها من سجونكم وزودتموها بالسلاح كي تدخل في معارك استنزاف مع الجيش السوري لتخويف الداخل والخارج من الخطر الإسلامي المتطرف؟ هل من فعل ذلك التآمر الإسرائيلي، أم مخابرات الأسد؟ كيف تتهمون تلك الجماعات المتطرفة بأنها صنيعة إسرائيلية وفي الآن ذاته تخرجونها من سجونكم لتقاتلكم؟ من المتآمر إذاً؟

صحيح أن إسرائيل سعيدة بدمار سوريا وتشريد شعبها وتآكل جيشها وبقاء إسرائيل الدولة الأقوى في المنطقة. لكن هل كانت إسرائيل ستكون سعيدة لو أن الحاكم في دمشق تصرف بحكمة، ولم يدمر البلاد، ويشرد العباد؟ لقد كان بمقدور الحاكم أن يتصرف بطريقة أخرى، ويجعل إسرائيل العدو اللدود لسوريا حزينة، لكنه جعلها سعيدة جداً دون أن يكلفها فلساً واحداً. لا شك بأن الدمار والخراب الذي حل بسوريا وأعادها نصف قرن إلى الوراء يصب في مصلحة إسرائيل بالدرجة الأولى، لكن هل إسرائيل هي من ضغط عليكم لتدمير بلدكم رغماً عنكم، أم أنكم دمرتم سوريا بأيديكم وبقراركم "الوطني المستقل" أيها الأوباش؟

ثم هل نسيتم يا من تتهمون إسرائيل بالتآمر عليكم بأن أقوى حليف لروسيا التي تحمي النظام في سوريا هي إسرائيل؟ بعبارة أخرى إسرائيل حليفة النظام إذا ما عملنا بالمبدأ السياسي الشهير: حليف حليفي حليفي. وبالتالي من حق السوريين أن يتهموا نظامهم بأنه دمر سوريا بعد أن فشل في السيطرة عليها من أجل عيون إسرائيل.

٭ كاتب وإعلامي سوري

======================

بثينة شعبان ومعركة منبج: "صحوات" أمريكا… وصفعاتها! .. صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 4/6/2016

الصفعات الأمريكية، على وجوه أولئك "المعارضين" السوريين، الذين أملوا الخير كله من أمريكا، وعليها علقوا الآمال جميعها؛ لا تتعاقب وتتنوّع في الزمان والمكان، فحسب؛ بل صارت أقرب إلى مزيج من جزاء مستحقّ لكلّ تابع ذيلي مراهق، ودرس سياسي وأخلاقي لكلّ ذي بصر وبصيرة. معركة منبج، الميدان الأحدث لاستكمال افتضاح السياسة الأمريكية المعادية لانتفاضة الشعب السوري، تشهد تطورات يومية في ميدان الصفع هذا؛ الأمر الذي لم يضع واشنطن أمام أي حرج في سَوْق أتباعها "المعارضين" السوريين إلى ميادين مهانة أخرى: منح بثينة شعبان تأشيرة دخول إلى أمريكا، خارج إطار الأمم المتحدة، على سبيل المثال.

فإذا جاز لـ"نادي الصحافة"، في واشنطن، وهو مؤسسة صحافية مستقلة، أن يستضيف مَنْ يشاء، متى شاء ـ وقد شاء استضافة شعبان للمشاركة في ندوة عن "مناهضة الإرهاب"، يحضرها أيضاً مندوب عن قوات "الحشد الشعبي" العراقية! ـ فليس لهذا النادي، أو أية جهة أمريكية، خرق القانون؛ متمثلاً في الأمر التنفيذي الرئاسي رقم 13582، المؤرخ في 18 آب/أغسطس 2011، الموجه من الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى وزارة الخزانة، والذي يفرض سلسلة عقوبات على شعبان ـ صحبة وليد المعلم وعلي عبد الكريم علي ـ تضاف إلى قائمة عقوبات سابقة شملت بشار الأسد وفاروق الشرع وعادل سفر ومحمد ابراهيم الشعار وعلي حبيب وعبد الفتاح قدسية ومحمد ديب زيتون. من جانب آخر، هل نسي السادة في نادي الصحافة أنّ شعبان تمثل نظاماً مسؤولاً عن اغتيال عشرات الصحافيين، أمثال ماري كالفن وميكا ياماموتو وجيل جاكيه، لكي يُذكر الأجانب منهم فقط؟ وحتى بعد أن تراجع النادي، واكتفى من شعبان بمشاركة عبر السكايب، فهل انتفى المحظور الأخلاقي حقاً؟

ولكن إذا كان للنادي أن يخرق القانون، ويتجاوز على الضمير المهني والمدونة الأخلاقية؛ فكيف، ومَنْ في البيت الأبيض أو وزارة الخارجية الأمريكية، كان سيسمح بمنح شعبان تأشيرة دخول؟ وإذا لم تكن أوامر الرئيس الأمريكي قابلة للتنفيذ من جانب مرؤوسيه، ألا يستذكر صاحب الإذن بالتأشيرة دورَ شعبان الإرهابي، المباشر والصريح، كما جاء في التسجيلات الصوتية، ثم الاعترافات، التي أدانت ميشال سماحة بالتخطيط لأعمال تفجير إرهابية في لبنان؟ ألم تسفّه شعبان يقين أوباما حول مسؤولية النظام السوري عن هجمات آب 2013 الكيميائية، وخرجت بتلك النظرية الوقحة: "المسؤول عن ذلك هم المسلحون الذين خطفوا الأطفال والرجال من قرى اللاذقية وأحضروهم إلى الغوطة حيث وضعوهم في مكان واحد واستخدموا ضدهم الأسلحة الكيميائية"؟

معركة منبج، في المقابل، لا تدور في واشنطن وفي أندية صحافية خاصة، بل على الأرض السورية، وبتدخل مباشر من وحدات عسكرية أمريكية أياً كانت صفتها. وهذا خيار سياسي بالطبع، قبل أن يكون عسكرياً، تنخرط فيه إدارة أوباما ضمن سلسلة اعتبارات؛ بعضها مستجدّ، يتصل بالتطورات الميدانية والعملياتية، وبعضها الآخر قديم ينبثق من "عقيدة أوباما" بصفة عامة، وتفاصيل هذه العقيدة كما تُرجمت في معالجة الملفّ السوري خصوصاً. وثمة مَن يذهب أبعد، محقاً بدرجة كبيرة ضمن أسباب موجبة، حين يرى في انفتاح وزارة الدفاع الأمريكية على "قوات سوريا الديمقراطية"، أو "قسد" كما ستُختصر هنا، محاولة لإعادة إنتاج "الصحوات" العراقية؛ بوصفها وحدات قتال بالإنابة، تتلقى من البنتاغون تدريباً وتسليحاً وإسناداً لوجستياً، وبعض الانخراط القتالي المباشر أحياناً، على نحو يجنّب واشنطن مفهوم التورط الشامل، ويخدم في الآن ذاته سلسلة أغراض تكتيكية، ليست بعيدة أيضاً عن خدمة ستراتيجيات عليا.

فإذا جاز أنّ حرب البيت الأبيض ضدّ "داعش" تدخل ضمن تلك الستراتيجيات العليا، فإنّ الانفتاح على "قسد" يندرج شرعاً ضمن التكتيكات التي تبيح المحظورات، أو بعضها على الأقلّ: كأن يُستثار جنرالات الجيش التركي، وهم أعزاء على واشنطن قبل، وربما أكثر بكثير، من الرئيس رجب طيب أردوغان؛ أو أن يُقال بأنّ وزارة الخارجية الأمريكية تصنّف "حزب العمال الكردستاني"، الـPKK، في خانة الإرهاب، لكن البنتاغون يتعاون مع أذرعه العسكرية في سوريا، ممثلة في "قسد" و"حزب الاتحاد الديمقراطي"، رغم أنّ آمري المجموعتين الفعليين ليسوا في سوريا بل في جبال قنديل، حيث القيادة العسكرية للـPKK. أكثر من هذا، إذا قيل إن واشنطن تفضّل العمل مع الكرد، كأقلية إثنية، مما يشجّع نزوعات انقسام وتشرذم "المتحد السوري"؛ ردّ ثقاة الخارجية والبنتاغون بأنّ "قسد" ليست كردية، بل تتألف من العرب بنسبة 80٪!

كلا الاعتبارين السابقين، إعادة إنتاج مفهوم الصحوات ومزج تكتيكات محاربة "داعش" بخلفياتها الستراتيجية، ينهض على اعتبار ثالث أقدم، وأبعد أثراً، وأشدّ أهمية في منظومة "عقيدة أوباما": أي، ترك الخصوم يغرقون في مستنقعات استنزاف سوريا تنتهي، في مآلاتها الختامية، إلى خدمة مصالح أمريكا… بالمجان! حرب أولى تخوضها إيران، التي لم تعد حليفة النظام السوري اقتصادياً وعسكرياً فقط، بل صارت طرفاً مقاتلاً بجنرالات الجيش النظامي وليس بضباط قاسم سليماني و"الحرس الثوري" وحدهم. وغنيّ عن القول إنّ هذا المستوى من التورّط لا يضعف إيران عسكرياً واقتصادياً فقط، بل يُثقل كاهلها سياسياً على مستويات داخلية وإقليمية، ويقطع خططها التنموية، ويربك برامجها التسليحية ولا سيما النووي منها؛ وبالتالي يضعفها أكثر ممّا كانت تفعل العقوبات الاقتصادية.

الحرب الثانية تخوضها إيران، أيضاً، ولكن بسلاح "حزب الله" اللبناني، وخسائر الحزب الجسيمة، البشرية والعسكرية، ليست البتة أكثر إضراراً به من خسائره السياسية والمعنوية. وهذا حزب كان يتفاخر بأنه "فصيل مقاومة" ضدّ إسرائيل، فكان أن مَسَخَ ذاته إلى فصيل قتال ضدّ الشعب السوري، ترك إسرائيل واستدار للدفاع عن نظام استبداد وفساد ومزرعة عائلية وجرائم حرب وإبادة. وتلك مشاعر لم تقتصر على جموع السنّة العرب والمسلمين الذين ساندوا الحزب طيلة عقود، بل شملت أيضاً قطاعات من الشيعة أنفسهم. وهنا أيضاً، على غرار التورّط الإيراني، ليست خسائر "حزب الله" إلا مكاسب أمريكية، بالمجان دائماً.

حرب الاستنزاف الثالثة تخوضها روسيا فلاديمير بوتين، ويراقب البيت الأبيض اشتعالها على مبعدة، وعن كثب، أو حتى بمشاركة وتنسيق (وتوريط؟)؛ كما في معركة منبج الراهنة على سبيل المثال. فإذا صحّ أنّ واشنطن اكتفت بمراقبة اهتراء النظام السوري عن بُعد، من الصفّ المتفرّج، متجاوبة في هذا مع رغبة إسرائيل في المدّ بعمر النظام حتى آخر حضيض ممكن من تدمير البلد واستنفاد قواه؛ فإنّ الشطر الآخر من الموقف الأمريكي اتخذ وجهة توظيف ما يُتاح توظيفه من خسائر موسكو، بحيث يتحوّل إلى أرباح أمريكية ميدانية. وهنا، أيضاً، يبدو مثال التعاون الروسي مع "قسد" نموذجاً على تجيير العلاقة لصالح أمريكا، الجهة الأكثر إغواءً في ناظر 25، على الأقلّ، من المجموعات الـ27 التي تشكّل كيان "قسد".

ويبقى اعتبار رابع، أقلّ أهمية، لأنه يتصل بمسلسل الصفعات التي تكيلها واشنطن لـ"معارضة" سورية رهنت ذاتها ـ الهزيلة أصلاً، زاعمة التمثيل، كاذبة التأصيل، تابعة الولاءات ـ لإدارة لم تكن في أيّ يوم صديقة تطلعات الشعوب العربية إلى التحرر والكرامة والديمقراطية والمواطنة العصرية؛ وكانت، على العكس، حليفة الدكتاتوريات وأنظمة النهب. فما الذي يجبر أوباما على التعاون مع "معارضة" لا تتقن من فنون السياسة إلا إدارة الخدّ الأيسر بعد صفعة الخدّ الأيمن؟ وإذا لم تكن صالحة حتى لتأمين رغيف الخبز والسترة والطلقة لأفراد "الجيش الحرّ"، مفخرتها الوحيدة؛ فلماذا يتوجب أن تستحق من واشنطن أي اهتمام، حتى في مرتبة… "الصحوات"؟

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

======================

صراع مفتوح .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 4/6/2016

بعد حقبة من التفاهم حول الأوضاع السورية، عادت مياه العلاقات الاميركية الروسية إلى مجاريها الصراعية. وكان بعض المتسرعين قد ظنوا أنها بلغت حقبة انفراج شامل، يغطي جميع مسائل خلافاتهما وصراعاتهما الدولية والمحلية والإقليمية، لمجرد أن جون كيري وسيرغي لافروف توافقا على حل في سورية، على الرغم من أن تفاصيله ظلت محل نزاع بينهما، وأن تعقيداته وتناقضاته دفعت روسيا إلى تكليف جيشها بالانخراط المباشر، وبقواته المتنوعة في الحرب السورية، استباقاً لتوافقها المبدئي مع أميركا، وتقوية لموقفها في الصراع مع خصمها الذي تأمل ما فعله جيشها بدم بارد، لاعتقاده أنه غزا مكاناً تضعف مشكلاته وتناقضات القوى المتصارعة فيه روسيا بدل أن تقويها، وأن غزوه لا يبدّل بالضرورة علاقات القوى الدولية أو المحلية، في المنطقة عامة وسورية بصورة خاصة، ولا يهدّد التفوق العسكري والسياسي الأميركي الذي يغطي الشرق الأوسط بكامله، كما قال فيما بعد دينيس روس، مسؤول الملف الفلسطيني السابق في إدارة بوش، وهو ينتقد سياسة أوباما السورية.

ومع أن أميركا وروسيا جدّدتا في القرار 2254 تمسكهما بوثيقة جنيف 1، مع تعديل تفسيري لفقرات منها بدت معها وكأنها غدت أقرب إلى ما يريده الروس، فإن إشاراتٍ عديدةً ما لبثت أن كشفت أن تعقيدات الحل السوري ترتبط بخلافاتهما أكثر مما ترتبط بالنصوص، وأن هذه الخلافات تزداد بقدر مع كل خطوة يتفقان عليها، وإلا فما معنى أن يتولى بوتين وأوباما شخصيا التفاوض حول تحويل الهدنة المؤقتة التي توصل إليها وزيرا خارجيتهما، الى وقف إطلاق نار دائم؟ وكيف نفهم عدم التواصل بينهما حيال هذا الموضوع، على الرغم من الإعلان الرسمي عن أنهما صارا مسؤولين عنه؟ أعتقد أن هذه الواقعة تكشف، بالأحرى، حجم خلافاتهما حول كل كبيرة وصغيرة في صراعٍ يحاول الروس انتزاع بعض أوراقه من اليد الأميركية القابضة عليها بقوة

والحال، يؤكد تعذر تطبيق أية صفقة شاملة حول الحل السياسي السوري ما بين البلدين من تناقضات مركبة: محلية وإقليمية ودولية، يصعب وصولهما إلى تفاهماتٍ حولها بسبب رهانات واشنطن الدولية والإقليمية، المتصلة بالأحداث السورية، وصراعاتهما الاستراتيجية التي يرفض البيت الأبيض حلها من خلال المدخل السوري، وموازين القوى التي أقامها الطرف الأميركي في الساحات السورية والإقليمية والدولية، من أجل التحكم منفرداً بالحرب أطول فترة ممكنة. أخيراً، أضيف إلى هذه العوامل عنصر إضافي، هو أن الغزو الروسي لسورية أضعف موسكو تجاه واشنطن، بدل أن يمكّنها من الضغط عليها، أو إجبارها على فتح حوار يسوّي مشكلاتهما البينية المباشرة التي لم تبد سياسات أميركا أي رد فعل إيجابي تجاهها، بل اعتبرتها عاملاً يتيح لها استنزاف قدرات روسيا، وإنهاك اقتصادها المنهك بالحصار، وعزلها دوليا. واليوم، تبدو موسكو أمام الحاجة إلى مراجعة وضع زجّت بنفسها فيه، قد تتحول إلى تنازلاتٍ تقنع واشنطن بربط الحل السوري بتسوية مسائل خلافهما الاستراتيجية التي سيعين نوع تفاهمهما عليها مكانة موسكو في الواقع الدولي.

والآن، والحل في سورية يرتبط أيضاً بحل مشكلات الدولتين التي تزداد تعقيداً على المستوى الدولي، ويتباعد التفاهم عليها في المستوى السوري، تطرح علينا أسئلةً ربما كان أهمها بالنسبة إلى سورية السؤال: هل تدفع موجة الشد والجذب الاستراتيجي الجديدة واشنطن الى استبدال سياسة الاحتواء البارد الذي مارسته حيال التدخل الروسي في سورية، بسياسات احتواء حار ونشط، يقنع بوتين بالكف عن تعنته الذي يعطل الحل السياسي، وبالتخلي عن وهم إنقاذ الأسد ونظامه ؟ هذا السؤال لا بد ان يكون محل حوار جدي في أوساط المعارضة السورية، استنادا إلى معلومات وافية ودقيقة تجمع من مصادرها الأصلية ومن أهل الخبرة الذين يعرفون الديبلوماسية الدولية ومشكلاتها العميقة، أكانوا سوريين ام أجانب.

أخيراً، ألا تمس حاجتنا، اليوم أيضاً، إلى وضع ذاتي يقنع واشنطن وموسكو باستحالة أي حل لا يلبي مطالب الشعب السوري، وبأن سورية قادرة على العيش دون الأسد ونظامه، وأنها ستحمي نفسها والعالم من ما تتعرض له من إرهاب؟

======================

معركة الرقة والرسائل الأميركية .. خورشيد دلي

العربي الجديد

السبت 4/6/2016

لم تثر معركة من الجدل والنقاش مثل معركة الرقة، مع أنها لم تبدأ عملياً، فالضجة الإعلامية التي أثارها إعلان قوات سوريا الديمقراطية تحريك قواتها باتجاه معقل "داعش"، أضافت غرابةً وتساؤلات، وحركت هواجس خامدة كثيرة في داخل سورية وخارجها. بدأت المعركة صوتياً بعد سلسلة زيارات لمسؤولين أميركيين إلى المناطق الكردية في شمال سورية، إذ سبق إعلان قوات سوريا الديقراطية تحركّها على محور عين عيسى إلقاء طائرات أميركية مناشير فوق مدينة الرقة، تدعو السكان إلى مغادرة المدينة، والابتعاد عن مقار "داعش" ومراكزها، لكن الأيام القليلة التي تلت كشفت أن هذه المعركة افتراضية أكثر مما هي حقيقية، وأن معركة تحرير الرقة التي هي معركة حياة أو موت لداعش لا يمكن أن تكون بهذا الشكل، من حيث عدد القوات ونوعية الأسلحة والخطط العسكرية والجهات المشاركة.

من دون شك، معركة الرقة استراتيجية، لا لأنها معقل تنظيم داعش وعاصمته في سورية، بل لأن جغرافية الرقة حيوية ومهمة لمجمل سورية، وحتى العراق وتركيا، إذ إنها تربط بين خمس محافظات سورية (الحسكة، ديرالزور، حماة، حمص، حلب). وعملياً السيطرة عليها تعني السيطرة على شبكة الطرق وخطوط المواصلات ونهر الفرات ومنشآت نفطية ومحطات لتوليد الطاقة عديدة، كما أنها مهمة للمعارك الجارية في العراق ضد "داعش"، بسبب الترابط الجغرافي بين الرقة والموصل، حيث خطوط الإمداد وانتقال المقاتلين، كما أنها حيوية لتركيا التي تنظر بحذر شديد إلى الصعود الكردي في سورية وتطلعات الكرد إلى ربط مناطقهم في القامشلي وكوباني وعفرين جغرافياً، استكمالاً لإقامة إقليم كردي مجاور جغرافياً لتركيا.

قبل الحديث عن الرسائل الأميركية من هذه المعركة، ثمّة من يتحدث عن إشكالياتٍ تشوب القوى المشاركة في المعركة، إذ إنه على الرغم من الرهان الأميركي على قوات وحدات حماية الشعب، التي تشكل العماد الأساسي لقوات سوريا الديمقراطية، إلا أن واشنطن تبدو حذرة من دخول القوات الكردية إلى مدينة الرقة، كي لا تحدث حروبٌ وصراعاتٌ بين الكرد والعرب، خصوصاً وأن مجتمع الرقة قبلي. وعليه، تحدثت مصادر عديدة عن تجهيز نحو خمسة آلاف مقاتل عربي سيتولون هذه المهمة، فيما ستقوم القوات الكردية بدور الإسناد والدعم. ومن جهة ثانية، ربط الكرد مشاركتهم في معركة الرقة بنوعٍ من الاعتراف الأميركي بالفيدرالية التي أعلنوها، وقد طرح وفد كردي من الإدارة الذاتية زار واشنطن أخيراً هذا المطلب، فضلا عن طلب دعم أميركي قوي لإشراكهم في مفاوضات جنيف، فيما لا تبدو واشنطن مشجعة أو على الأقل واضحة إزاء المطالب الكردية هذه. وفي جميع الأحوال، يبدي الكرد رغبوية فائقة لهذه المعركة، لقناعتهم بأن السيطرة على الرقة ستسهل لهم تحقيق تطلعاتهم. لكن، أبعد من هذه الإشكاليات، ثمّة من يرى التحريك الأميركي لمعركة الرقة انطوى على جملة من الرسائل، الأولى لروسيا، والتي بدت أنها فوجئت، فسارعت إلى إعلان الاستعداد للمشاركة فيها، ولتقديم الدعم لقوات سوريا الديمقراطية التي ربطت موقفها بموافقة الحليف الأميركي، الذي يبدو أنه أراد القول للروس إنه موجود عسكرياً على الرقعة السورية، وقادر على خلط عناصر القوة الروسية، وإن عليهم التعاون في إخراج سيناريو جنيف إلى بوابات التوافق من خلال الضغط على النظام. وكانت الرسالة الثانية موجهة لتركيا، مفادها بأن المتغيرات الداخلية التركية لا ينبغي أن تدفع أنقرة إلى الخروج عن القواعد السابقة على طرفي الحدود، والقيام بعمل عسكري، بعد أن لوحت أنقرة بذلك مراراً، في ظل إحساسها بأن كلفة الانتظار باتت أكثر من كلفة تدخل عسكري محدود، يغير من قواعد اللعبة، ولعل الرسالة الثالثة والأخيرة كانت موجهةً للداخل الأميركي، مع اقتراب موعد الانتخابات الأميركية، والمؤشرات التي توحي بأن المرشح الجمهوري، دونالد ترامب، هو الذي سيواجه الديمقراطيين في سباقٍ إلى البيت الأبيض، مما يعني أن إدارة أوباما باتت تنظر بأهمية إلى معركة الرقة كإنجاز ينبغي أن يتم تسخيره في معركة الانتخابات الرئاسية. وعليه، ثمّة من يرى أن معركة الرقة مؤجلة فعلاً، إلى حين موعد الانتخابات الأميركية، وأن ما جرى حتى الآن كان أقرب إلى حربٍ إعلاميةٍ تحضيرا للمعركة الحقيقية.

======================

حتى لا ننسى خيانات البعث الطائفي ، وآل أسد : كتاب سقوط الجولان !؟ .. تأليف: خليل مصطفى بريز .. عرض : يحيى حاج يحيى

كتاب وثائقي من تأليف الضابط السوري خليل مصطفى بريز ضابط استخبارات الجولان قبل الحرب (1967).

أراد أن يثبت فيه للذين أذهلهم (انتصار إسرائيل الساحق) أن ذلك لم يكن انتصاراً في حرب.. فإن الشعب لم يقاتل؟! ولو أخلي بينه وبين العدو لسطر صفحات من البطولات ولما كانت الفاجعة وقعت.

كما أراد أن يثبت أن الذي حدث لم يكن إلا مؤامرة متقنة وجريمة مدبرة، أعدت قبل سنوات طوال، عمل العدو وعملاؤه خلالها على تصفية كل ما يمكن أن يقف في وجههم ويحبط ما يدبرون حتى كان لهم ما أرادوا.. وكانت النكبة!!؟

فقبل النكبة قام حزب البعث الذي تسلط على الدولة بانقلابه 1963 بتسريح أفواج كثيرة من خيرة الضباط وخلال أربع سنوات تم إخراج أكثر من 85% من ضباط وعناصر الجيش وقد وصف الدكتور سامي الجندي أحد البعثيين القدامى في كتابه (كسرة خبز) الوضع بقوله: "كنت أنذرهم أن سبل الثورة باتت خطرة على نفسها وعلى الشعب، وأنها ما باتت ثورة بل انقلاب شرذمة، أدى بها الغرور والأنانية والتمسك بالحكم إلى طغيان بوليسي لا هدف له ولا رجاء منه غير الخراب والتخريب والولوغ بالدم والشرف.

وقد أحس الشعب السوري ونخبه بخطورة الموقف والممارسات فلم يسكت فحدثت انتفاضات وحركات عنيفة:

1- اضطرابات طرطوس 1964

2- أحداث حماة 1964 وهدم مسجد السلطان.

3- أحداث دمشق 1965 وقد تجاوب الشعب مع العلماء والتجار وهوجم المسجد الأموي بالمصفحات.

4- أحداث حماة 1966 وقد قمعها النظام بعنف.

5- الإضراب العام في شهر نيسان 1967 عقب المقال الفاجر في مجلة "جيش الشعب" الرسمية.

ولنا أن نتصور حجم الفاجعة التي وقعت في الخامس من حزيران 1967 من خلال ما كتبه زهدي الفاتح في كتاب (المسلمون والحرب الرابعة) إذ يقول: إن الجبهة السورية – الإسرائيلية "خط ماجينو" السوري المشهور الذي كلف البلاد أكثر من 300 مليون دولار – في ذلك الوقت- لتحصينه وتجهيزه بأحدث المعدات، والذي اشتهر بأنه لا يؤخذ؟! هذا الخط سقط بأيدي القوات الإسرائيلية خلال 48 ساعة فقط !؟

وما قالته مجلة التايم أول أيلول 1967: "إن سورية تسيطر على سلسلة من التلال الصخرية الشديدة الانحدار، تمتد لمسافة أربعين ميلاً، وتشرف على سهول منكشفة للنيران، وعلى جوانب التلال خطوط دفاعية مستقلة بعضها عن بعض، وكل خط منه تحميه ثلاث طبقات من الألغام، والأسلاك الشائكة والاستحكامات المنيعة، وللوصول إلى الطبقة العليا يجب عبور تسعة خطوط (ماجينو صغيرة)؟!! ولكن كل ذلك لم يستعمل، وهناك أمر آخر في غاية الخطورة: فالطرق والمحاور في منطقة الجبهة قليلة جداً، والأرض غاية في الوعورة وانعدام صلاحيتها للحركة السريعة للآليات، وقد سبق لقيادة الجيش أن حفرت التخريبات المختلفة على محاور التقدم المحتملة لقوات العدو، وقد كان من أبرزها: (الملاغم) التي وضعت في نقاط الممرات الإجبارية على الطرق ولو أنها نسفت لسدت الطريق أمام الآليات ووضعت العدو تحت النيران السورية، ويستطيع أي عسكري أن يفجرها ولكنها لم تنسف فلماذا سقط الجولان الحصين؟!!

ولعل سير الحوادث يكشف أن قتالاً صحيحاً لم يكن على أي مستوى، فمنذ الساعات الأولى أخذت القوات السورية وضع الترقب دونما تحريك لساكن على الجبهة، بل اكتفت بالبلاغات. وخلال أيام المعركة لم يظهر الطيران السوري إلا في طلعات متفرقة، وبعد هذا وطيلة أيام الحرب المسرحية اختفى اسم الطيران ولم يظهر إلا بعد انتهاء الحرب ومنذ مساء الخميس 8 حزيران، بدأت الشائعات تسري عن أوامر صدرت بالانسحاب ويا لهول ذاك الذي حدث.

1- فقائد الجيش اللواء أحمد سويداني، انهزم إلى دمشق عن طريق درعا.

2- وقائد الجبهة العقيد أحمد المير امتطى حماراً لأن الطيران الإسرائيلي كان يقضي على كل آلية تتحرك ووزير الدفاع الهالك حافظ أسد يرد على الضباط المتصلين بأنه قد أخذ علماً بالوضع وأنه قد اتخذ الإجراءات اللازمة؟!! ودب الفزع مع الفوضى وصار الطريق السالك الآمن إلى دمشق؟!! وانفرط عقد السيطرة القيادية وهرب الكثيرون واستمر الأمر حتى بلغ ذروته يوم السبت 10 حزيران بعد إذاعة البيان الفاجر الذي أعلن سقوط القنيطرة، ولم يكن جنود العدو قد رأوها بأعينهم بعد، ولا وطئتها أقدامهم.

وكان القادة أول الفارين، وأول من تبعهم وحدات الدبابات التي تركت ساحة القتال وعادت إلى دمشق (لتحمي الثورة).. وصدر البلاغ الفاجر من إذاعة دمشق ويحمل توقيع وزير الدفاع حافظ الأسد ويحمل الرقم 66 وكان هذا البيان هو طلقة الخلاص سددتها يد مجرم إلى رأس كل مقاومة استمرت في وجه العدو فانهارت القوى واستسلمت المقاومات الفردية المعزولة واستشهد الرجال، وأذيع البلاغ العسكري 66 بنصه:

"إن القوات الإسرائيلية استولت على مدينة القنيطرة بعد قتال عنيف دار منذ الصباح الباكر في منطقة القنيطرة ضمن ظروف غير متكافئة، وكان العدو يغطي سماء المعركة بإمكانات لا تملكها غير دولة كبرى، وقد قذف العدو في المعركة بأعداد كبيرة من الدبابات واستولى على مدينة القنيطرة على الرغم من صمود جنودنا البواسل، إن الجيش لا يزال يخوض معركة قاسية للدفاع عن كل شبر من أرض الوطن، كما أن وحدات لم تشترك في القتال بعد قد أخذت مراكزها."

وقد أكد المحللون السياسيون والمراقبون العسكريون أن النظام البعثي لم يمارس العمل الحربي إلا بعد 22 ساعة، وضيع فرصة عظيمة وأنه ترك الوثائق والخرائط فاستولى عليها العدو وأن القوات السورية الأساسية لم تقاتل وأن كل ما برز من قتال كان مقاومة بطولية من رجال رفضوا الهزيمة..

والأنكى من ذلك أنه بعد انتهاء المعركة قامت بعض الوحدات الفدائية بالتسلل للوصول إلى المستودعات التي تركها المنهزمون سليمة بيد العدو فهددهم مدير مكتب الأمن القومي إن عادوا إلى ذلك.

بل بلغت الوقاحة بالبعثيين المنهزمين ما جاء على لسان وزير خارجيتهم: "ليس مهماً أن يحتل العدو دمشق أو حتى حمص وحلب فهذه جميعاً أراضي يمكن تعويضها، وأبنية يمكن إعادتها، أما إذا قضى على حزب البعث، فكيف يمكن تعويضه وهو أمل الأمة العربية"

وخسرت سورية كرامة شعبها وروحه القتالية.

ومن مخازي هذه الحرب (المؤامرة) أن الأسرى من الجيش السوري لدى الصهاينة عُرضت عليهم أكداس من الوثائق التي تركها أكثر القادة دون إتلاف، لتكون غنيمة رائعة للعدو، يستفيد منها أكثر مما أفادته أجهزة الجاسوسية التابعة له بمئات المرات وكان هؤلاء الأسرى يفاجؤون أثناء التحقيق معهم بقول الصهاينة "هذه هي وثائقكم.. هذه هي خرائطكم.. هذه كانت نوايا قياداتكم المتعاقبة.. ها هي أمامنا موجودة في الوثائق والخرائط.. انظروا.. فنحن لسنا بحاجة إلى معلومات عنكم وعن جيشكم؟! إننا نريد المعلومات عن الفدائيين.. والخبراء الروس فقط؟!!

وبالنسبة للمقاومة الشعبية التي كان من الممكن أن تفعل شيئاً ما فإن القيادة قامت بتجريدها من أسلحتها وتركت في أيدي مجموعات قليلة منها أعداداً من البنادق وكميات محدودة من الذخيرة.. للتضليل، وذر الرماد في العيون.

ومما يؤكد أن العدو تسلم الجولان دون قتال هو روايات أكثر الذين شاهدوا الوحدات المعادية خلال تقدمها في الجولان إذ كانت هذه الوحدات من الدبابات تتقدم في تشكيلات المسير، ودون ما حماية من المشاة، مما يؤكد اطمئنانها إلى خلو الطريق أمامها من مقاومات قد تعطلها؟!

وأما الخسائر التي أصابت البلاد فتفوق حدود التصور في قيمتها وهولها.

1- فأول الخسائر هو كرامة الشعب، وروحه القتالية، وقدرته على الصمود وشرفه الذي ديس ولوث.

2- وثاني الخسائر، هو الأرض الكريمة الغالية الحبيبة بكل ما فيها من كنوز وثروات.

3- وفيما عدا ذلك فقد كانت الخسائر على الشكل التالي:

- في الأرواح، لم يتجاوز عدد القتلى 250 قتيلاً، كما لم يتجاوز عدد الجرحى 300 جريح، بينهم عدد من الضباط وحوالي سبعة أطباء.

- وأما الأسلحة: فحدث ولا حرج، فالمدفعية دمرت بكاملها، والمدافع المضادة للدبابات والطائرات ذهبت كلها بين مدمر أو غنيمة أخذها العدو بعد أن تركتها القوات، والأسلحة الأخرى تركت كلها في الأرض في العراء، جمع العدو قسماً منها، وجمع الفدائيون قسماً آخر، وجمع المهربون قسماً ثالثاً وباعوه، وقسم رابع وضئيل لا يزال مطموراً أو ملقى على الأرض وقد أكلها الصدأ.

والمدفعية الصاروخية أصبحت كتلاً من الحديد الأسود المحروق، وقاذفات اللهب، تركت سالمة للعدو ليستعملها ضد قواتنا وآلياتنا.

والدبابات دمر عدد منها لا يقل بمجموعه عن كتيبتين (40- 5- دبابة) وغنم العدو كتيبة دبابات برمائية تركها الجيش في الرفيد.

وأما الآليات.. فواحسرتا عليها.

الآلاف منها دمر، ابتداء من عربات الجيب حتى الشاحنات الكبرى مرواً بعربات الجند المدرعة.. مضافاً إليها عدد كبير من الشاحنات المدنية التي صادرتها السلطة لصالح الحرب، وأضف إلى ذلك، ما لا يقل عن ثلاث مئة صهريج بنزين لا تقل قيمة الواحد منها عن 70 ألف ليرة سورية.

والطائرات.. دمر منها وأعطب عدد لم أستطع الوقوف عليه بدقة، وخربت مدارج الطائرات في كل من مطاري المزة والضمير، وفي عدد من المطارات (السرية) الأخرى.

وأخيراً المستودعات الهائلة الجبارة، بكل محتوياتها، من وقود، أو ذخيرة، أو مواد طبية، أو أطعمة جافة أو ألبسة وتجهيزات ومفروشات.

ونعود إلى بلاغ وزير الدفاع /66/ الموقع باسم حافظ الأسد

ولنفترض جدلاً أن البلاغ كان صحيحاً.. وأن القوات الإسرائيلية قد دخلت القنيطرة وقت البلاغ تماماً أو قبيله بزمن بسيط.. فلماذا تترك الوحدات الباقية مواقعها، وتفر كالفئران؟؟

إن نظرة واحدة إلى خريطة الجولان.. توضح أن سقوط القنيطرة، لا يشكل خطراً أو تهديداً مباشراً ضد باقي القوات المقيمة في القطاعات الأخرى، وخاصة الأوسط والجنوبي..

إن القنيطرة تبتعد عن مواقع القوات الرئيسية في القطاع الأوسط، عشرين كيلو متراً، وعن مواقع القوات الرئيسية في الجنوبي خمسين كيلو مترا.. فهل يمكن أن يسمى احتلال العدو للقنيطرة، التفافاً أو تطويقاً ضد هذه القوات؟؟.

إن التطويق لا يكون تطويقاً، إلا إذا استطاعت القوات عزل الوحدات المطوقة تماماً. والإحاطة بها من كل جانب، وقطع طرق انسحابها أو تموينها ونجدتها، ومن ثم تبدأ القوات المطوقة زحفها لتدمير القوة المطوقة، أو إجبارها على الاستسلام.

وحتى في هذه الحالة –النادرة في الحروب- كثيراً ما تقوم القوة المطوقة بأعمال تتسم بطابع العنف والضراوة، بهدف فك الحصار، وفتح الطريق إما لانسحابها أو لتأمين وصول النجدات إليها..

وفي حالتنا هذه التي نناقش، يرى الناظر إلى الخريطة أن قوات الجولان لم يتم تطويقها، وأن نجدة الجولان كانت ممكنة –وهذا ما سبق للقيادات أن وضعته في احتمالها –إما عن طريق قطنا- مزرعة بيت جن- مسعدة (من الشمال)، وإما من الطرق المختلفة المؤدية من حوران إلى القطاع الجنوبي ثم الأوسط (من الجنوب)، وإما من الطرق المؤدية من دمشق إلى منطقة القنيطرة مباشرة (من الشرق).

وكذلك يرى الناظر إلى الخريطة، أن مجال المناورة كان واسعاً جداً، فالأرض فسيحة. والطرق متوفرة والليل كفيل بالسماح للقوات السورية بإجراء التحركات اللازمة حتى يتمّ الالتحام مع العدو، لطرده، أو وقف زحفه على الأقل..!

وأخيرا: تمت الصفقة ونجحت إسرائيل باحتلال الجولان، ونجح حزب البعث بالاحتفاظ بالسلطة في سورية فأين الصمود وأين التصدي؟ ثم أين الممانعة يا عميان العيون والقلوب والضمائر؟!

==========================

إلى من لا يهمّه الأمر .. د. يحيى العريضي

كلنا شركاء

السبت 4/6/2016

الإخوة في الدول العربية الشقيقة، الجارة العزيزة تركيا؛ السّوريون يعرفون تماما – وبعد زفرات الروح التي امتدت نصف عقد من الزمن- أنَّ بوليصة التأمين على سلطاتكم موجودة في البيت الأبيض، ونسخة منها في تل أبيب. ويعرفون أيضاً أنّ هاجسكم الأساسي ليس حقنَ دمائهم، بل خشيتكم أن تتحولوا مضطرين إلى مجرمين كبشار الأسد، وترتكبوا ما ارتكب بحقِّ شعوبِ بلدانٍ وُلّيتم عليها بعقود أبديّة مُذلّة لا تسمح لكم بممارسة آدميتكم.

نسي الملك فيصل في لحظة ذلك العقد، فكان حتفه. بعدها قرر أصحاب البوليصة أن يمنحونكم بعض الصلاحيات، فصار بإمكانكم أن تقولوا ما تشاؤون؛ شريطة ألا تفعلوا شيئا!

لا أدعي المعرفة المطلقة بالسوريين لكنّ درايتي بتركيبتهم الذهنية وطاقات أرواحهم الجبارة تدفعني للقول: إنكم لستم الوحيدين الذين تخشونهم، بل من يحتفظون لكم ببوليصة البقاء السلطوي أيضاَ

لم يكن صمت السوريين الذي دام نصف قرن جُبناً، بل كان صبر الجبابرة لعلمهم بأنْ لا داعم لهم الا الله، وكان ذلك أوّل شعاراتهم وأهمها عندما انتفضوا.

كانوا السند الحقيقي لأهلهم في فلسطين ذراع سورية الجنوبي، فأتى من يغلق ذلك الباب عندما صنع أشرس معتقل وسمّاه “فرع فلسطين”. كانوا الأشد غيرة على العراق، فصنع قامعوهم حزبا بجناحين بأهداف واحدة، ولكن أحدهما يبحث ليل نهار عن تدمير الآخر، وكان الأسد أول المباركين للقضاء على صدام حسين.

ثم جاء الخميني الذي كان يعيش في الغرب بما سماه “ثورة إسلامية” ليخلق للغرب نفسه عدوا جديداً بعد الإمبراطورية البلشفية التي عاش الغرب على عدائها لسبعة عقود

وفعلاً تحول الاسلام بفضل الملالي إلى العدو الجديد بعد أن وُصِم بالإرهاب، فكانت التغذية من الغرب، وكانت الفاتحة باحتجاز عاملي السفارة الأمريكية، وكان مصطلح “الشيطان الأكبر” اختراعا خمينيا للإشارة إلى أمريكا؛ وفي ظله فعل الملالي ما يحلو لهم.

مرت أمور تونس ومصر وليبيا وحتى اليمن دون أن يتولد عنها هذا المنسوب الهائل من الدم والدمار. والسبب واضح إنه القُرب من مخبأ البوليصة التي تحدثت عنها آنفاً.

كان السر هناك. نظام سوري أراح الكيان الصهيوني لعقود، فلا يمكن التخلي عنه بأيام أو شهور. لابد أنَّ الجهة المؤمّنة على الأنظمة وبالتوافق معهم اتخذت قراراً بألا يطال النظام عطب قاتل؛ وإن حدث فلتتحول سورية إلى حالة عطالة توازي زمنياً على الأقل تلك السنين التي نعم فيها الكيان بالطمأنينة والهدوء على حدوده الشمالية الأخطر عليه.

من هنا تم شل قرار أمريكا فأصبح يتراقص بين (لا سياسية، لا استراتيجية، تهديدات وتوصيفات بلاغية، قيادة من الخلف، لا مبالاة). خلالها وعلى ضوء لا فاعلية أمريكا المقصودة تحرك الدب أو الضبع الروسي على رائحة الدم السوري. فجرى استخدام تلك الحالة الروسية الفطائيسية خير استخدام من قبل أصحاب البوليصة، فأضحى المؤمنّين على سلطاتهم يغازلونها أحياناً ويلعبون معها شد حبال ملفاتها العالقة في النفط والاقتصاد وأوكرانيا أحياناً أخرى.

يعلم السوري أن أمريكا -ومنذ الكيماوي- سعت لإدارة أزمته، لا لحلها، فلا هي تدخلت لوقف “الهولوكوست السوري” -وقد كان هذا واجبها كقوة اختارت أن تكون المتحكم بمصير العالم- ولا هي سمحت للسوري أن يدافع عن نفسه، ولا لمن يريد دعمه في البقاء أن يقوم بواجبه. وبترتيب مع تل أبيب تم استخدام القيصر الصغير بطريقة جهنمية عبر إشعاره بأنه مهم وملفاته الأخرى تم استخدامها بطريقة ابتزازية، فزاد في التخريب مأساةً واتساعاً، وتحت يافطات أعذار لا حصر لها.

وأخيراً، ربما فطن إلى نهايات محتومة وخيمة بعد تدخله العسكري السافر في بلاد السوريين. فبدأ يعرض على الأمريكيين والإسرائيليين أصحاب المشروع التحالف في استهداف جهات عسكرية معينة في سورية وإدخال نظام الاسد معه،وبيده. ومقابل ذلك يفاوض على رأس الاسد عبر عملية سياسية تصوَّر نفسه مشتركا مع الامريكان فيها- وحتى مديرا لها عبر ايهامه باستلام الملف السوري. فيغيب عن ذهنه أن الامريكين جعلوا من الايرانيين أحد حجارة العثرة في وجهه، إن هو أراد تقرير مصير الأسد. وبدورهم الايرانيون توهموا أنَّ ضمانة تخريب أي مشروع بيدهم ونسوا أو تناسوا أن أصحاب البوليصة الأساسيين هم من يحدد مآل الأمور.

أشهر وتخرج من الادراج ملامح مشروع جديد مع رئيس أمريكي جديد، لتستمر عملية النزف والاستنزاف للجميع بحلة جديدة. وقتها تكون الامور قد ترتبت جيوسياسياً وربما بجغرافيا جديدة تناسب تماماً أصحاب النسخة الثانية من البوليصة.

وحدهم السوريون وسليقياً وبناء على تجارب الموت المتكرر يلتمسون ملامح شيفرة الأعداء الحقيقيين. هم يبقون الأخطر. وستترجم مخاطرهم بأشكال تصعب الإحاطة بها كمبيوترياً. أليس من اخترع أحدث الكمبيوترات المحمولة حمصياً سورياً فيه من جينات جوليا دومنا التي حكمت روماً يوماً؟

======================

حزيران 1967 وحزيران الراهن! .. أكرم البني

 الحياة

السبت 4/6/2016

أمر مفهوم أن لا تحظى في يومنا ذكرى هزيمة حزيران (يونيو) 1967 بالاهتمام المعهود، فالذين لم يعاصروها باتوا الأكثرية، عداكم عن انحسار وقعها النوعي عند من عاشها أمام هول الأحداث التي تشهدها مجتمعاتنا العربية، ومع ذلك تبقى هذه الهزيمة أبرز علامة في تاريخنا الحديث وأكثرها تأثيراً، وربما لا تضاهيها سوى ثورات الربيع العربي، ما يشجع على مقارنة تداعياتها مع ما يعتمل في البلدان التي طاولتها رياح التغيير.

أولاً، كشفت النتائج الوخيمة لهاتين المحطتين الوجه السلبي والمدمر لخيار اللجوء إلى السلاح ولمنطق المكاسرة والغلبة، وأكدت أن العنف هو ظاهرة خطيرة تمزق الكيانات البشرية وتحول الأوطان في حال استحوذت على الفضاء السياسي والمجتمعي إلى ما يشبه الجيوش والخنادق، مدمرة ثرواتها ومستقبل أجيالها ومنتهكة أبسط حقوقها.

في ما مضى أسقطت نكسة حزيران نموذج الدولة الأمنية الوصائية، وبدا العملاق القمعي الذي أرعب الشعوب قزماً أمام العدوان الإسرائيلي، ما أظهر أهمية الديموقراطية وتحرير الإنسان العربي من القهر والتمييز كشرط للنجاح في مقارعة العدو واسترداد الحقوق، لكن هذا الخيار لم يدم طويلاً، واعترضه صعود المقاومة الفلسطينية وتصدرها المشهد وتقديسها الكفاح المسلح كطريق وحيد للتحرير، ما منح أنظمة الاستبداد فرصة لم تضيعها لتوسل لغة السلاح والقوة وتسويغ شرعيتها تحت عنوان الاستعداد عسكرياً لإزالة آثار العدوان، والأهم لمحاصرة دعاة أولوية التنمية الديموقراطية وإجهاض أحلامهم.

وبالمثل، لم تطل أيضاً فترة الحراك السلمي، فما إن أعاد الربيع العربي المجتمع إلى السياسة، بعد أن غيبته آلة القمع والاضطهاد لعقود، وبعث من الرماد صور التظاهر والاحتجاج السلميين، حتى تصاعد العنف السلطوي والعنف المضاد، ليشكل الاندفاع الحثيث نحو العسكرة واللجوء إلى السلاح مدخلاً لوأد هذا التحول النوعي وإرجاع الناس إلى المربع الأول، إلى مناخ استعبادهم وإذلالهم واستبعاد دورهم الجمعي في المشاركة وتقرير مصير مجتمعاتهم.

وإذ يذهب البعض إلى تبرير السلاح والعنف كرد فعل على ممارسات دموية وظالمة من أنظمة لم تتوانَ عن استخدام كل الوسائل للحفاظ على مصالحها وامتيازاتها، لكن ما خلفه هذا الخيار من كوارث ومحن، أكد أنه الطريق الأقصر للهزيمة، والانجرار إلى أساليب القهر ذاتها التي ناهضها الحراك الشعبي، محطماً الآمال التي أثارتها رياح التغيير.

المسألة ليست رد فعل أو انتقاما وثأراً، بل مسألة بنيوية وأخلاقية في آن، فلن يستقيم الانتصار لشعاري الحرية والكرامة اللذين أجمعت عليهما الثورات العربية، إذا شوه العنف والتعصب بنيتنا الإنسانية ولجأنا إلى أساليب نضالية لا تنسجم مع رقي هذين الشعارين، خصوصاً أن انتشار عالم الصورة والإعلام الحي، يعطي النضال السلمي المزيد من الجدوى، ويمنحه قدرة متميزة لتعرية أساليب القمع ومحاصرتها.

ثانياً، لا يمكن التوقف عند تداعيات هاتين اللحظتين التاريخيتين من دون أن نلحظ عاملاً مشتركاً هو تنامي حضور الإسلام السياسي ودوره في المجتمعات العربية، ومثلما اعتبرت هزيمة حزيران 1967 هزيمة للمشروعين القومي والاشتراكي، ومهدت الطريق لتقدم مشروع الإسلام السياسي كبديل يدعي القدرة على تحقيق المطامح العربية، فانرياح الربيع العربي منح أيضاً جماعات الإسلام السياسي دفعة قوية بصفتها القوى الأكثر تنظيماً وشعبية وتعرضاً للاضطهاد. لكن الجديد هو اختلاف الصيرورة، فبينما فتحت هزيمة 1967 الباب واسعاً أمام إسلام سياسي صاعد وواعد، أظهرت تداعيات الربيع العربي فشله في السلطة وعجزه عن تقديم بديل يضمن حقوق الناس ويلبي حاجاتهم، مدشنة انحسار دوره تاريخياً، زاد الأمر وضوحاً انكشاف فظاعة مشروع الإسلامويين الجهاديين، الذين يصارعون الموت والاندثار في عالم ينبذهم ويلفظهم.

ثالثاً، مثلما شكلت نكسة حزيران صدمة قوية هزت بعنف التركيبة السياسية القائمة، وشجعت الاجتهادات والقراءات النقدية لتفسير ما حصل وتحديد أسباب ما وصلنا إليه، كذلك أحدث الربيع العربي هزة عميقة طاولت مختلف البنى الاجتماعية، وبخاصة العقل السياسي العربي، كاشفة حجم الهوة التي تفصله عن المجتمع، وأن جسرها يحتاج إلى ما يشبه الثورة في المفاهيم وفي طرائق التفكير، تبدأ بتحرره من سطوة الأيديولوجيات، ونقض الحجج والذرائع، التي أرجأت دوره في التصدي للاستبداد والعنف، والأهم إبراز وظيفته الحيوية في إعادة الاعتبار للإنسان بوصفه المحرك الرئيس لكل تحدٍ وتطور.

رابعاً، ومن وجوه التشابه، لا يمكن نسيان عمق الألم في عيون الناس وهم يتابعون أخبار الجبهات في حزيران 1967 وحالة ذهول غالبيتهم التي لا تريد تصديق أن إسرائيل هزمت جيوش العرب خلال ستة أيام، ومن يراقب المشهد الراهن، مع حفظ الفوارق، إن لجهة البعد الزمني، وإن لجهة اختلاف الظروف وطبيعة أطراف الصراع، لا يمكنه أن ينسى شدة العذابات والآلام التي تعانيها شعوب عربية لمجرد مطالبتها بحرياتها وحقوقها، وحالة ذهولها وهي تأبى تصديق أن الصراع بين أبناء الوطن الواحد يمكن أن يستمر لسنوات دموياً ومرعباً، وأن ثمة أطراف لا يردعها رادع في التفنن باستخدام كل وسائل القمع والتنكيل، من دون اكتراث بما تخلفه من دمار وضحايا ومفقودين ومشردين!

والحال، يبدو أن المجتمعات العربية قد جربت أخيراً كل الخيارات الأيديولوجية، من القومية إلى الاشتراكية إلى الإسلامية، وكانت النتائج مخيبة للآمال، فلا الأرض تحررت ولا الوحدة العربية أنجزت ولا حدثت التنمية والنهضة المنشودين ولا ارتقى الإنسان إلى مجتمع العدالة والحرية، ونظرة متأنية إلى تداعيات نكسة حزيران 1967 وانكسارات رياح التغيير في حزيران الراهن، تسقط الكثير من الأوهام المعششة في الأذهان وتكشف في الوقت ذاته بساطة المشكلة وأنها تعود أساساً إلى انعدام الثقة بالإنسان العربي، إلى غياب الحريات واحترام التنوع والتعددية، إلى مناخ الاستبداد والوصاية والعنف الذي ساد أمداً طويلاً ودفع بالتجارب جميعها إلى طريق مسدودة.

======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com