العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 11-10-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

حول التحرش العسكري الروسي بتركيا .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 8/10/2015

بفاصل يوم واحد، تحرش الطيران الروسي بتركيا مرتين. في الأولى (3102015) خرقت طائرات روسية المجال الجوي التركي، ثم بررت موسكو ذلك بـ"سوء الأحوال الجوية" التي لم تمنعها من مواصلة غاراتها على فصائل الجيش الحر المدعومة من واشنطن وبعضها من أنقرة.

وعلى رغم قيام الخارجية التركية باستدعاء السفير الروسي في أنقرة لتسليمه احتجاجاً رسمياً من الحكومة التركية على ذلك الخرق، قامت طائرة من طراز ميغ 29 "مجهولة التابعية" كما ورد في بيان هيئة الأركان التركية، مدعومة بالدفاعات الجوية الروسية، بمضايقة دورية جوية تركية من عشر طائرات اف 16، في المنطقة الحدودية مع سوريا، لمدة أربع دقائق وثلاثين ثانية بالتمام والكمال (5102012).

وإذا كان الخرق الجوي الأول اختباراً فظاً لقواعد الاشتباك التي وضعتها تركيا في أعقاب إسقاط نظام دمشق لطائرة حربية تركية، في العام 2012، ورسالةً روسية مهددة لأنقرة بعد يوم واحد من تصريحات لرئيس الجمهورية التركية أردوغان، انتقد فيها الضربات الجوية الروسية لفصائل الجيش الحر؛ فالتحرش الجوي الثاني هو، بالأحرى، اختبار أكثر فظاظة بعد، للإدارة الأمريكية ولحلف الناتو اللذين عبرا عن تضامنهما مع أنقرة بعد الحادثة الأولى.

على رغم ارتفاع نبرة الانتقادات الأمريكية والأطلسية لروسيا، سواء على ضرباتها الجوية ضد الجيش الحر والفصائل الإسلامية المعتدلة، وفقاً لتصنيفات واشنطن، أو لتحرشاتها الخشنة بتركيا العضو في الحلف الأطلسي، فالسياسة الأمريكية في سوريا لم تتغير قيد أنملة بعد تصاعد التدخل العسكري الروسي المباشر، وقوامها أن الأولوية هي لمحاربة داعش مع تجنب أي احتكاك مباشر مع نظام دمشق الكيماوي. وزاد الرئيس الأمريكي باراك أوباما الأمر وضوحاً حين صرح، تعقيباً على التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا، قائلاً إن بلاده لا تسعى إلى أي صدام مع الروس في سوريا.

ليس هذا وحسب ما يشجع الرئيس الروسي بوتين إلى مزيد من التصعيد ضد تركيا، فهو يدرك أيضاً ضعف موقف تركيا في مستويات عدة. فالخلافات التركية مع الأمريكيين بشأن سوريا معروفة ومعلنة. صحيح أن الحكومة التركية تراجعت خطوة أمام الضغوط الأمريكية ففتحت قواعدها الجوية أمام استخدام طيران التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمحاربة داعش، لكنها لم تحصل من حليفتها، بالمقابل، على المنطقة الآمنة التي كانت تحلم بها داخل الأراضي السورية (من جرابلس إلى إعزاز). وصحيح أن الإدارة الأمريكية قد غضت النظر عن حرب الحكومة التركية على حزب العمال الكردستاني تحت غطاء محاربة داعش، في الفترة الأولى، لكن واشنطن استدركت ذلك لاحقاً وأخذت تنتقد تلك الحرب غير المتكافئة وتدعو الحكومة التركية إلى استئناف عملية السلام الداخلي مع الكرد. أما الدول الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا، فقد كانت انتقادتها للحكومة التركية، بهذا الصدد، أكثر حدة من الانتقادات الأمريكية.

تضاف الانتقادات المذكورة إلى ضغوط أمريكية ـ أطلسية مستمرة بشأن تهاون أنقرة في ضبط حدودها أمام الجهاديين الذين ينتقلون إلى داخل الأراضي السورية للانضمام إلى داعش أو النصرة أو منظمات جهادية أخرى.

لا شك أن عوامل الخلاف بين تركيا وحلفائها الأطلسيين المذكورة أعلاه قد شجعت بوتين على جاره التركي الذي بات يحاصره جغرافياً من الشمال والجنوب كما بين فكي كماشة. لكن عوامل الضعف التركي أمام موسكو لا تقتصر على ذلك، بل تتعداها إلى العلاقات الثنائية بين البلدين بمعزل عن حلف الناتو. ويأتي على رأس قائمة هذه العوامل الاعتماد التركي الكبير على الغاز الروسي (58٪ من احتياجاتها، مع العلم أن 20٪ إضافية من هذه الاحتياجات تلبيها إيران، حليفة روسيا في الصراع السوري). يضاف إلى ذلك تلزيم تركيا لروسيا بإنشاء مفاعلات نووية تبلغ ماليتها عشرين مليار دولار. وتعتبر روسيا ثاني أكبر شريك تجاري لتركيا، وقد اتفق الطرفان على زيادة حجم التبادل التجاري بينهما إلى مئة مليار دولار سنوياً، بحلول العام 2023. ويأتي السواح الروس على رأس قائمة من يرتادون تركيا التي تعتمد على قطاعها السياحي بنسبة كبيرة من حجم ناتجها القومي. وبهذا الصدد يذكّر معارضو أردوغان، بنبرة لا تخلو من شماتة، بكلامه في موسكو، قبل أسبوعين، مخاطباً الرئيس الروسي: "آن الأوان لتضمونا إلى منظمة شنغهاي للتعاون الاقتصادي، لكي ننتهي من موضوع الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي".

وهناك ما يمكن تسميته بـ"لوبي روسي" في تركيا، داخل المؤسسة العسكرية وفي التيار العلماني، يعارض سياسة الحكومة التركية في سوريا منذ خمس سنوات، وارتفع صوته أكثر في الأسابيع الأخيرة.

واليوم يضطر أردوغان إلى طلب الحماية من حلفائه الأطلسيين بعد طول فتور بين الجانبين. فتور بلغ درجة قرارين من واشنطن وبرلين بسحب بطاريات الباتريوت من الحدود التركية، من المفترض أن يتم تنفيذهما هذا الشهر، ما لم تتراجع العاصمتان عن قرار السحب هذا في أعقاب التطورات المنذرة بالأخطار على الحدود الجنوبية لتركيا.

نذكر من عوامل الضعف التركي أمام تحرشات روسيا، أخيراً، ذهاب تركيا إلى أول انتخابات مكررة في تاريخها الجمهوري. انتخابات من غير المتوقع أن تغير التركيبة السياسية للبرلمان التي أسفرت عنها الانتخابات السابقة التي جرت في شهر حزيران / يونيو الماضي. وهو ما يعني استمرار عجز "حزب الرئيس" عن تشكيل حكومة بمفرده، ليضطر إلى تشكيل ائتلاف حكومي قد يكون عنواناً لعدم الاستقرار.

بين روسيا وتركيا تاريخ من الحروب يمتد على نحو خمسة قرون، يمكن اعتبار الحرب الباردة فصلها الأخير، تبادل فيها الطرفان النصر والهزيمة. بلدان كانا امبراطوريتين سابقاً، لكنهما اليوم دولتان تنخرهما الكثير من المشكلات. المرجح أنهما لا تريدان العودة إلى خوض الحروب.

ولكن من يدري؟ فأية شرارة غير محسوبة يمكنها أن تخرج الأمور عن السيطرة.

======================

موقفنا : حتى تسمو العدو عدوا وتسموا الولي الفقيه ودولته عدوا .. وتعاملوها معاملة إسرائيل .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 7/10/2015

لسنا أمة ضعيفة ، ولسنا شعبا ضعيفا ، ولسنا قوى وهيئات وأحزابا ضعيفة ؛ وإنما ضعف المرتعشين هو الذي يقتلنا . بل هو أخطر علينا من سارين الأسد ومن براميله ، ومن الولي الفقيه وموقوتات حقده التاريخي يفجرها بين ظهراني أمتنا على كل أرض ، ومن حسن نصر الله وعصاباته يبثهم على أرضنا قتلة مجرمين ، ومن بوتين العدو الألد المحتل وطيرانه المدنس لسمائنا وجنوده يجوسون خلال ديارنا ...

لسنا أمة ضعيفة ، وإن تحالف أشرار العالم علينا ، ولسنا ضعفاء وإن عز الناصر ، وقلة الوسائل ، وطمع البعيد ، وتخاذل القريب ، وصمت الدعيّ ، وتداعت الأمم ...

لسنا ضعفاء بل على الضعف والذلة والقلة ثار شبابنا فأعطوا كثيرا فما أكدوا ، وما جنحوا إلى السلامة وإن كان السلم عشق أرواحهم وقبلة عقولهم ومهوى قلوبهم . على الغثائية التي وصفت ثار شباب أمتك – سيدي رسول الله - ، فرفضوا أكل الخمير والنوم على الوثير ..رفضوا حياة الذلة وعشقوا الموت فطاروا إليه ينادون : هي لله ..هي لله .

 ضعف المرتشعين الذين انقلب ضعفهم إلى تجارة بأعراض الحرائر ، ودماء الشهداء ، وعذابات المعتقلين ، وخوف المهددين ، ومعاناة المهجرين مقابل بسمة من سفير ، أو صورة على عتبات وكيل ، فتردوا وما زالوا يترددون حتى اليوم في أن يسموا العدو المجاهر بالعداوة عدوا، فيظنون في أنفسهم الكَيَس وهم العاجزون ، والحكمة وهم (هبنقات) القرن الحادي والعشرين .

 قال ربنا جلّ في علاه : (( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا )) وقال عن المنافقين المتقلبين المتلونين (( هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ .. )) وقال : (( لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ )) .

فأي عداوة منذ انطلاق الثورة السورية المباركة لم تجاهر بها دولة الولي الفقيه في طهران ، أو دولة الروسي الحقير في موسكو . أي مطمح أو أي مطمع أو تعلة أو رجاء ...يجعل أمة محمد رسول الله قادتها وأفرادها ، تغضي على الذل وتنام على الضيم وتسكت عن عداوة عدو لم يترك بابا للشر إلا فتحه على أمتنا في كل قطر من أقطارها ، وعلى شعبنا السوري الثائر حبا في حياة كريمة في كل مدينة من مدنه وفي كل قرية من قراه ؛ (( أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا )) أتلتمسون عندهم النصرة؟! و (( إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ )) ألا عجبا لقوم أصبحت جرأتهم على ربهم ، وعلى أوليائه ، وعلى الدعاة لدينه مكان جرأتهم على عدو يمكر بهم فيصانعونه ويكيد لهم فيوادونه ، ويحاربهم ويسالمونه ، ويقتلهم فيذوبون عشقا فيه ...

إن قاعدة انطلاقنا إلى معارج قوتنا وعزتنا وشموخنا وانتصارنا ومجدنا هي إباؤنا الضيم ، ورفضنا الظلم ،وأن يعلن خيار الأمة أجمع حكاما وشعوبا : العدو عدوا ، وأن تنبذ إلى العدو بلا مهادنة ولا مواربة ولا مناورة ولا مداورة . أن تنبذ إلى هذا العدو وإلى من لا ينبذ إليه على سواء . (( وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ )) (( وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ )) .

لا والله لا يستقيم أمر هذه الأمة حتى تجاهر بالعداوة من جاهرها وترد كيد من كاد لها ومكر من مكر بها (مكر الليل والنهار) فتعلن إيران الولي الفقيه بملاليها وحواشيها وزعانفها وشوائبها دولة عدوة مثل دولة إسرائيل وتعاملها ما عاملت به دولة بني صهيون قبل أن يكون بين ظهراني الأمة خائن اسمه (حافظ الأسد ) أو مدلس مراوغ اسمه ( أنور السادات ) .

إسرائيل تحتل فلسطين العربية وإيران تحتل الأحواز العربية ، والجزر العربية وانقطع الكلام وحسم الجدال ..

إسرائيل تملك مشروعا صهيونيا تدميرا لا يماري فيه إلا مماحك وإيران تملك مشروعا صفويا أخطر من مشروع إسرائيل لما يجد له في خواصر الأمة الرخوة ، وعند آكلي السحت وبائعيه من رواج ...إسرائيل تهدد حصون الأمة من خارجها وإيران تهدد هذه الحصون من داخلها تحمل نفاقا اسم ديننا ، وتدعي كذبا وزورا الحفاظ على ما نؤكد أنه أكبر همنا .

فلتقطع كل الدول العربية علاقاتها السياسية والاقتصادية والثقافية مع العدو القديم الجديد مع الرافضي المخادع ومع الشعوبي المستكبر . ولترد حجر البغي من حيث جاء . وكفى تلجلجا في حبال الذلة وشراك الهوان.

إن على الحركات الإسلامية أجمع اليوم وفي مقدتها كبرى هذه الحركات جماعة الإخوان المسلمين وجماعة الإخوان المسلمين في سورية بشكل خاص أن تعلن بلسان فصيح وبيان صريح إن دولة الولي الفقيه وزعانفها وملحقاتها وملصقاتها هي العدو . وأن من يوادها أو يصانعها فإنما هو شريك فيما يجري على السوريين من قتل واعتقال وتهجير . فلا يهادن في العرض إلا من تعلمون ، ولا يتنازل عن الدم ويخوض مع الخائضين إلا من هان عليه العرض والدين ...

وإن من أعظم الحيف أن تكون أرض مسلمة أغلى من أرض . وأن يكون دم امرئ مسلم دون دم . وإن من تهون عليه دماء السوريين وأعراضهم وديارهم فقد هان هو وهان عليه كل شيء قول فصل وما هو بالهزل . ومن يماري فيه أو يداهن فيه فقد خلع الربقة وآل إلى حيث وضع نفسه ..

نعم الشعب السوري وأمة العرب والمسلمين ليسوا ضعفاء وإنما من ضعف الأدعياء أتينا . وبترددهم وتلجلجهم دُهينا . ويوم نجرؤ على أن نسمي العدو عدوا ، والمداهن في دينه أو في عرضه أو في دماء بني قومه مداهنا نكون ... وإلا فقد تودع منا

( إذا هابت أمتي أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم ) صدقت سيدي رسول الله ..

لندن : 24 / ذو الحجة / 1436

7 / 10 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

========================

روسيا تغامر .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 8/10/2015

حطّت روسيا في سورية، يكون الشعب السوري بذلك قد هزم عدوين عملا على سحق ثورته، النظام الذي كان واضحاً ضعفه نهاية سنة 2012، ما استدعى جلب حزب الله الذي أُعدّ لقتال الجيش الصهيوني، فمنع انتصاره سنة 2006، وحشد من الميليشيا الطائفية العراقية (فصائل أبو العباس وحزب الله العراق وفيلق بدر وعصائب أهل الحق وغيرها)، وأيضاً الحرس الثوري الإيراني الذي بات ضباطه هم من يقودون الحرب ضد الشعب، ولميم من الأشتات من باكستان وأفغانستان واليمن.

يظهر، الآن، أن كل هذا الحشد فشل، وظهر، في الأشهر الأخيرة، أن ميزان القوى العسكري اختلّ كثيراً لمصلحة الثورة والقوى التي تقاتل النظام، والتي تخضع لسيطرة دول إقليمية، كانت تريدها أن تحقق انتصارات لإقناع الروس والإيرانيين بضرورة الحل السياسي، مع إبعاد بشار الأسد فقط. ولهذا، أوقفت تقدم بعضها في سهل الغاب، وحاصر أخرى في درعا. عملت على تحقيق انتصارات من أجل المساومة فقط.

الآن، لم تقبل روسيا المعادلة، ومن الواضح أنها تتمسك بالأسد "إلى النهاية"، طبعاً ربما لأنها لا تثق بغيره في بنية السلطة. لهذا تقدمت بحشد عسكري جوي متطور، ويبدو أنها ستدفع بحشدٍ برّيٍّ تحت عنوان "تطوع الروس". وعلى الرغم من أن الهدف هو الحرب ضد داعش، يبدو الأمر في الواقع بعيداً عن ذلك، حيث أن معظم القصف الجوي تركز على الشمال الغربي والوسط، أي على المناطق الذي حققت الكتائب المسلحة فيها انتصارات كبيرة، وباتت على مشارف الساحل. إلى الآن، قامت الطائرات الروسية بغارات هزيلة على الرقة وريف حمص الشرقي، لكنها ركّزت كل قصفها على الوسط والغرب، حيث عملت الكتائب المسلحة على طرد داعش منها منذ زمن سابق.

إذن، حرب روسيا هي ضد القوى التي تقاتل النظام، وليس على داعش التي هي من أدوات النظام وروسيا (عبر الشيشانيين المجندين في داعش ويلعبون دوراً قيادياً فيها). ويبدو أن موسكو تريد أن تسحق الثورة وتكرّس النظام، مع إدخال مدّعي معارضة في "حكومة وحدة وطنية" بديلاً من هيئة الحكم الانتقالية كاملة الصلاحية. بالتالي، أتوا لكي يجربوا مغامرة حزب الله وإيران، اللذين هزما بقدرة الشعب السوري، على الرغم من حصار كل "الأصدقاء" بمنع التسليح، خصوصاً المتعلق بالصواريخ المضادة للطائرات، تلك الطائرات التي شكلت الخطر الأكبر ضد الثورة، سواء بعمليات القتل والتدمير، أو بمنع تقدم الكتائب المسلحة في عديد المناطق.

سيجرّب الروس حظهم للإبقاء على بشار الأسد، وأظن أنه لن يكون أحسن من حظوظ من سبقهم، على الرغم من أنهم يمتلكون قدرة نيرانية هائلة وتفوقاً تكنولوجياً أعلى. لكن، تحسم الحروب على الأرض وليس من الجو. لهذا سيواجهون ما واجهه حزب الله وإيران من حرب تستنزفهم. ربما كانوا يدخلون تجربة أفغانية جديدة، ويبدو أن غطرسة بوتين، وعقدة المواجهة التي تحكمه، سوف تقودانه إلى منزلق كبير يأتي على دولته، لأن الحرب، هنا، سوف تستنزف الاقتصاد الروسي، الضعيف والمحاصر والمأزوم، خصوصاً بعد انهيار أسعار النفط إلى أكثر من النصف، في بلد تكون نسبة النفط والغاز المصدّر هي 70% من الصادرات، وتبلغ 52% من ميزانية الدولة. الاتحاد السوفييتي حين دخل حرب أفغانستان كان مضعضعاً، ويعاني من مشكلات كبيرة أدت الحرب إلى انهياره. وروسيا الآن تعاني من ضعف شديد كذلك، سيقود التدخل إلى استهلاك قدراتها بالضرورة.

بعد ذلك، تدخل روسيا في تنافس عالي الحدة من دول إقليمية لها مصالح في سورية، وبالتالي، سوف سيكون هناك من يزيد دعمه الكتائب المسلحة، لكي تغرق روسيا في المستنقع فتخسر سورية.

روسيا تغامر وستفشل، على الرغم من كل المآسي التي سوف يتعرض لها الشعب السوري، بعد مآسيه الكبيرة السابقة.

======================

سورية نحو واقع تقسيمي إلى خمس مناطق .. غازي دحمان

الحياة

الخميس 8/10/2015

فيما يشبه وضع ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، ووضع الأراضي الفلسطينية خارج الخط الأخضر بعد عام 1967، تتجه سورية إلى عملية تقسيم إداري واقعي بين مجموعة من الدول والقوى، بحيث يدير كل طرف الإقليم الذي يملك فيه نقاط قوة تساعده على تحقيق قدر من النجاح، عبر عملية الضبط والإدارة ويحقق له مصالحه الأمنية والإستراتيجية.

صورة المشهد تتضح رويداً رويداً من خلال الإجراءات العملانية التي تتخذها بعض القوى إضافة الى الكثير من الأفعال المتناسقة على مساحة الإقليم المستهدف، والتي بنتيجتها صارت سورية عبارة عن تشكّل فيديرالي إسمي في ظل سلطة منهارة، أما على أرض الواقع فهناك قوى خارجية تدير الأمور مباشرة أو تعد العدّة لهذه الأدارة، وتبعاً لذلك يتضح أن سورية مقسمة إلى خمسة أقاليم، تتولى كل قوة إدارة إقليم معين، وإن لم يكن ثمة اتفاق حالي على هذا التقسيم لكنه سيفرض نفسه كأمر واقع وستجد الأطراف نفسها منخرطة فيه وفي مرحلة مقبلة قد يتحول إلى خيار واقعي ونهائي.

ترجّح التطورات الأخيرة في سورية احتمال حصول هذا التطور في مرحلة قريبة، ولعلّ ما يرفع منسوب احتمال حصوله أنّ إمكانية التوصل إلى حل سياسي شامل في هذه المرحلة أمر بعيد المنال وإمكانية التوافق على صيغة معينة لمحاربة التطرف والتخلص من نظام الأسد أمر مستبعد أيضاً، في ظل انفجار غير مسبوق لمفرزات الأزمة على صعيد اللاجئين وتهديد الاستقرار والأمن العالميين، وبالتالي فإن هذا المناخ يساهم في تشجيع الأطراف على الذهاب إلى تحقيق مصالحها المباشرة على الأرض السورية عبر تقاسم أقاليمها وفق الخريطة التالية:

المنطقة الأولى: اللاذقية طرطوس حماة وحمص، هذه المنطقة تضم المكونات العلوية والمسيحية والإسماعيلية، ستكون تحت إدارة وإشراف روسيا مباشرة، لأنها باتت تشكل التجمع الأكبر للأقليات في سورية، ولأن التواجد الروسي تقليدي فيها من خلال ميناء طرطوس، وقد بدأت روسيا بالفعل تجهيز البنية التحتية فيها من أجل إقامة طويلة، وتشكل بيئة هذه المنطقة حاضناً للوجود الروسي لأنه يحميها من القوى الإسلامية السنيّة التي باتت على حدودها ولأنها تنسجم مع نمط الحياة الروسي أكثر من انسجامها مع الوجود الإيراني الشيعي المتديّن الذي بات يهدد هويتها، كما انها تندمج بالمشروع الإستراتيجي الروسي الذي يريد احتكار الشواطئ السوريّة والإشراف على إنتاج الغاز الذي تتولاه الشركات الروسية في البحر المتوسط في قبرص ولبنان وإسرائيل.

المنطقة الثانية: دمشق وريفها والقلمون حتى القصير، تحت ادارة إيرانية، حيث عملت ايران على خلخلة الوجود السنّي في هذه المنطقة وإضعاف فعاليته العسكرية وتشير الأعمال التي يقوم بها "حزب الله" والميليشيات الإيرانية الى أنها أفعال أبعد من خدمة نظام الأسد وحسب بل من أجل خلق واقع نهائي على شكل كيان وبخاصة أنه يلتصق بالوجود الشيعي شرقي لبنان، وسيزداد نفوذ إيران في هذه المنطقة بعد أن تشعر بفقدانها منطقة الساحل لمصلحة روسيا حيث سيصبح معبرها الوحيد إلى لبنان وجسرها الذي يربط مشروعها الإستراتيجي مع العراق من الشرق عبر الحفاظ على طريق بغداد - دمشق حتى معبر التنف وغرباً مع السلسلة الشرقية لجبال لبنان ومعبر المصنع.

المنطقة الثالثة: حلب وريفها وإدلب وأجزاء من أرياف حماة وحمص الشرقية، حيث سنّة الوسط والشمال الأقرب إلى نمط التدّين التركي ومن السهل دمجها في النشاط الاقتصادي لتركيا وقد بدأت التعامل بالفعل بالعملة التركية، وشكّلت تركيا في هذه المنطقة بنية عسكرية تابعة لها وتشكل الفناء الخلفي للأمن التركي، ولا تخفي أنقرة رغبتها في وضعها تحت ادارتها لإبعاد أخطار الفوضى السورية عن حدودها.

المنطقة الرابعة: درعا وأريافها تحت إدارة أردنية وخليجية، وفي هذه المنطقة ترتبط غالبية الفصائل المقاتلة بعلاقات جيدة مع الأردن ودول الخليج ما يسهل كثيراً إدارتها والتحكم بها، كما أن العشائر الموجودة في هذه المنطقة لها امتدادات في الفضاء الأردني الخليجي وأمر إدارتها سيكون بفعل الواقع وذلك لمنع تشكل تيّارات متطرفة فيها ولمواجهة التمدد الإيراني من دمشق ورغبة في تحرير دمشق نفسها من الاحتلال الإيراني في مرحلة لاحقة.

المنطقة الخامسة: السويداء وأجزاء من القنيطرة تحت إدارة إسرائيلية بذريعة حماية الدروز وإبعاد خطر المجموعات الأصولية، وقد كشفت حادثة محاولة احتلال الفصائل المعارضة في درعا مطار الثعلة عن وجود تيار إسرائيلي قوي داخل مؤسسات الجيش والأمن الإسرائيلية لديه ميول في دعم إقليم درزي منفصل كمنطقة عازلة ويدعم هذا الخيار دروز إسرائيل الذين لهم علاقات نافذة في المؤسسات المذكورة.

ليس من الصعب أن تجد الأطراف جميعاً المبررات الكافية للقيام بهذه الإجراءات، بل إن جميعها ستقدم على هذا الأمر بذريعة حماية السكان الذين يقعون تحت إدارتها، وحتى حماية وحدة سورية ومستقبلها، وسيحصل ذلك في ظل بيئة دولية صارت تطلب الخلاص من الأزمة السورية وترحّب بكل من يتقدم باقتراح لإراحتها منها، غير أن ظهور هذه الخريطة مرتبط بدرجة كبيرة بالإعلان عن تشكّل أول منطقة والمتوقع أنها ستكون في الساحل وتحت الإدارة الروسية في وقت قريب.

======================

تداعيات التدخل الروسي في سورية على المشهد الإقليمي .. خالد بن نايف الهبَّاس

الحياة

الخميس 8/10/2015

عُرف عن السياسة الخارجية الروسية عدم الحسم منذ عهد الاتحاد السوفياتي السابق وحتى قريباً، فلم تنقذ موسكو حلفاءها من الهزيمة عبر العقود، كما هي الحال مع العراق وليبيا ودول شرق أوروبا. لكن الاستثناء لذلك هو التدخل العسكري الروسي لضم جزيرة القرم وتدخلها العسكري أخيراً لدعم النظام السوري بعد أن أوشك على السقوط.

كذلك عُرف عن القوى العظمى أنها مهما تعارضت مصالحها فهي تبقي على مقدار معين من التنسيق في ما بينها كي لا تجد نفسها في صدام عسكري مع بعضها الآخر، بخاصة أن روسيا الآن بدأت تستعيد جزءاً لا بأس به من عافيتها الاقتصادية والعسكرية بعد نحو عقدين من التقهقر والضعف أمام التمدد الغربي الذي اقترب من المحيط الاستراتيجي لروسيا في وسط آسيا وشرق أوروبا. ومهما كان النظام الدولي المعاصر في حال تحول نحو تعدد الأقطاب، بما يستوجبه ذلك من حتمية تقاسم النفوذ الدولي، فإن هذا التحول البنيوي لم تكتمل فصوله حتى هذه اللحظة، حيث لا تزال السيطرة الغربية على مفاصل السياسة الدولية واضحة، والحضور الغربي في مناطق عدة من العالم هو الأبرز نظراً إلى التفوق الاقتصادي والعسكري والتقني الواضح لدى أميركا وحلفائها الغربيين. لكن، ما الذي تغير بالنسبة إلى سورية، ولماذا رأينا هذا التدخل العسكري الصريح والمفاجئ لموسكو لدعم النظام السوري ومحاربة داعش؟ وما هي تداعيات ذلك على الساحتين الدولية والإقليمية؟

لا يخفى على المتابع أن السياسة الخارجية الأميركية في السنوات القليلة الماضية أصابها مقدار كبير من التراجع، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط.

فبعد سنوات من التوسع غير المدروس في عهد الرئيس جورج بوش في أفغانستان والعراق وما ترتب عليه من تكاليف سياسية ومالية وعسكرية باهظة، والتي تزامنت مع الأزمة المالية العالمية أيضاً، كان لزاماً على واشنطن أن تعيد النظر في التزاماتها الخارجية، والتركيز على القضايا الجوهرية في محاولة واضحة لإعادة صوغ "الاستراتيجية الكبرى" لأميركا حول العالم، والذي أيضاً يتواكب مع ميل الرئيس أوباما إلى عدم استخدام القوة العسكرية لتحقيق أهداف السياسة الخارجية الأميركية، والاعتماد بدلاً من ذلك على "المشاركة" بدلاً من "التدخل". تُضاف إلى ذلك رغبة واشنطن في احتواء الصعود السريع للصين في مناطق عدة من العالم، لا سيما في الشرق الآسيوي الذي أصبح مركز الثقل للاقتصاد العالمي.

بالنسبة إلى روسيا، فإن التراجع الأميركي شكَّل فرصة سانحة لاستعادة جزء من دورها المفقود على الساحة الدولية، فكان البدء في أوكرانيا ومن ثم في سورية، لا سيما أن الأزمة السورية دخلت عامها الخامس من دون حل، حيث لم تستطع واشنطن وحلفاؤها الغربيون أو الإقليميون نزع فتيل الأزمة وأصبحت المحاولات السياسية تدور في حلقة مفرغة مع تباعد المواقف المؤيدة للنظام السوري وتلك المعارضة له. صانع القرار الروسي قرأ جيداً العزوف الأميركي عن فعل شيء تجاه سورية، الأمر الذي جعله يقرر التدخل للحفاظ على موطئ قدم له في الشرق الأوسط في ظل تقهقر النظام السوري في الأشهر الأخيرة وقرب سقوطه، حتى وإن تم التدخل الروسي تحت ذريعة مكافحة الإرهاب الذي يمثله "داعش". لكن الإعلان عن تعاون رباعي بين موسكو وطهران وبغداد ودمشق مؤشر واضح إلى أن الأمر له أبعاد استراتيجية ولا يتوقف عند تمدد "داعش". والحقيقة أن الإخفاق الأميركي في العراق تسري عليه الحسابات الاستراتيجية نفسها التي تسري على سلبية واشنطن تجاه الأزمة السورية.

الأمر الآخر الذي يتوجب ذكره هنا يتعلق برغبة موسكو في أن تصبح لاعباً مؤثراً في مستقبل سورية، سواء في ظل بقاء الأسد أو عدمه، وهذا لا يمكن أن يحصل من دون دور روسي فاعل في تطورات الأزمة السورية يتجاوز دورها "المعطل" منذ بدء الأزمة في آذار (مارس) 2011، والذي كان داعماً ومدافعاً عن النظام السوري، لكن لم يكن حاسماً في شكل أو آخر، فكل ما نتج من هذا "الدور المعطل" كان إطالة أمد الأزمة وزيادة كلفتها المادية والبشرية، لكن من دون حسمها.

إن التطور الأخطر في التدخل الروسي يتمثل في استباحة المنطقة العربية من جديد من جانب القوى العظمى، فلا نعلم حتى هذه اللحظة ما ستكون عليه حسابات واشنطن المستقبلية، وما إذا كانت ستقف موقف المتفرج من بعث الدور الروسي في المنطقة، أم ستتقاسم النفوذ معها، أو تترك موسكو تدخل في مستنقع أزمات الشرق الأوسط لإنهاكها. وما دور القوى الإقليمية غير العربية في حسابات القوى العظمى تجاه المنطقة العربية؟ هذا يقودنا إلى سؤال منطقي وهو: ما مصير المنطقة في ظل هذه التطورات؟ فالدول العربية تعاني من عدد كبير من المشاكل السياسية والأمنية، أصبح بموجبها النظام الإقليمي - العربي منهكاً وغير قادر على صون الأمن القومي العربي إزاء التحديات الإقليمية والدولية الجمة التي تجابهه. وفي ظل ظهور متغيرات جديدة على المشهد السياسي الإقليمي والمتمثلة بتداعيات الثورات العربية والإرهاب والتأزم المذهبي والطائفي والفراغ السياسي والأمني الواضح في مناطق عدة من الوطن العربي، فإن مستقبل المنطقة العربية يبدو على أحسن تقدير غامضاً وغير مطمئن.

======================

وداعاً للمعارضة "المعتدلة"... وداعاً لـ "الحل السياسي" .. عبدالوهاب بدرخان

الحياة

الخميس 8/10/2015

كل ردود الفعل والتعليقات على التدخل الروسي وعملياته الجوية جاء في سياق "قبول مبدئي" بهذا التدخل ومجرد اعتراض جدلي على الأهداف التي ضربها، فهي أكدت مجيئه أولاً لتعويم نظام بشار الاسد ولذلك تركّزت الغارات على مواقع المعارضة التي أنزلت هزائم بهذا النظام، وثانياً لمنافسة الولايات المتحدة وتحالفها الدولي في الحرب على تنظيم "داعش" ما يفسّر انشاء روسيا "الحلف الرباعي" الذي يضمّها مع ايران والعراق ونظام دمشق. وحين راقب فلاديمير بوتين مواقف باراك اوباما بعدما عاين عن كثب مواقف الاوروبيين، لا بد أنه لاحظ رسوخها في الركون للأمر الواقع الذي فرضه، فخصومه لن يتدخلوا ضدّه في سورية. لكنه لم يقرر الذهاب الى سورية من أجل الاسد، ولا من أجل ايران، بل من أجل اوكرانيا. كان جانب مهم من لقاء نيويورك مع أوباما خُصّص لأوكرانيا ولم يسمع فيه بوتين ما يتمنّاه. لذلك قرّر خوض حربه في سورية... على طريقة الدبّ الروسي.

مع الطلعات الجويّة الأولى، وتكرارها، أكد الرئيس الروسي لكل من تحادث معه في الشهور الأخيرة أنه بلع تعهّداته التي تركّزت برمّتها على انهاء الأزمة السورية بـ "حل سياسي" تقوده روسيا وتكون ضماناً للأسد ولحسن سلوكه في فترة محدودة من المرحلة الانتقالية، وبالتزامن يجري تفعيل الحرب ضد "داعش". وعلى رغم أن هذا السيناريو مثالي وأجمل من أن يصدّق، إلا أن الحدّ من الارهاب، ومن موجات المهاجرين بالنسبة الى اوروبا، شجّع مختلف الأطراف على استشفاف بعض المعقولية فيه، كما شكّل هدفين يستحقان في نظرها "الثمن السياسي". لذا راحت العواصم الغربية تتحاذق بالصيغ والألفاظ لتغيير مواقفها السابقة واعلان استعدادها لقبول استمرار الأسد في موقعه. مع ذلك كان الجميع متيقّناً بأن الخيار الروسي المطروح يحتاج الى تفاوض واتفاق دوليين مسبقين، وبأن بوتين لن يحسم خياراته إلا بعد لقائه مع اوباما، إلا أن انكشاف ضخامة الإعداد للتدخل العسكري والاعلان عن "الحلف الرباعي وإقامة مركز استخباري تابع له في بغداد استبقت ذلك اللقاء، وأثارت كمّاً من التساؤلات عن نيات روسيا وأهدافها وخططها. بل ان بوتين استبق خطابه من على منبر اللأمم المتحدة مكرّراً أن محاربة "داعش" تمر بالضرورة عبر التنسيق من الاسد ونظامه.

طالما أن الاميركيين والأوروبيين يواصلون فرض عقوبات اقتصادية على روسيا وليسوا مستعدّين بعد للتفاوض على أوكرانيا والأمن الاوروبي، وطالما أن واشنطن تبدي ميلاً الى البحث مع ايران في تسوية سورية، لذلك لم يبق أمام بوتين سوى انتزاع "الورقة السورية" لتوسيع نطاق التفاوض والحؤول دون أي تخريب على المقايضات التي يسعى اليها. وهكذا تبيّن لواشنطن أن "الخطة ب" لما بعد الاتفاق النووي لم تكن ايرانية فحسب بل ايرانية - روسية، أقله في ما يتعلّق بسورية. كانت ايران حاولت الحصول على دور مشترك مع الولايات المتحدة في محاربة الارهاب في العراق، وكذلك في سورية، مقترحة اعتماداً على الميليشيات لم يلقَ قبولاً لدى الاميركيين، أما الروس فلا يمانعونه ولا يرون ضرورةً للنظر في الاعتبارات التي دعت اميركا وحلفاءها الى استبعاد ميليشيات شيعية وقوات أسدية عن القتال في مناطق سنّية حتى لو كان الهدف/ أو بالأخص لأن الهدف دحر تنظيم "داعش" واقتلاعه من بيئة سنّية يضطهدها ويفتك بأبنائها. ذاك أن سجل السوابق والارتكابات لـ "الجيش الأسدي" في سورية وميليشيات ايران العراقية يجعل التعاون معهما بمثابة "تشريع" دولي للاستباحة والمجازر والانتهاكات ضد السكان.

يوم الأربعاء الـ 30 من أيلول (سبتمبر) شنّت مقاتلات حربية روسية هجماتها الأولى على مناطق المعارضة السورية التي تقاتل ضد النظام، وقال الاعلام الروسي الذي استعاد فوراً "بروباغنديته" السوفياتية أن الضربات "دمّرت مواقع لتنظيم الدولة الإسلامية الارهابي"، ولا يزال يكرّر هذه الصيغة. لا مجال لأن يعترف بسقوط بضع عشرات من المدنيين ولا بأنه لم يُصَب أي موقع "داعشي" لأن - ببساطة - لا وجود للتنظيم في تلك المناطق. تعرّف المواطنون السوريون لتوّهم الى قصف تنافس ضراوته براميل النظام والصواريخ البالستية والمقذوفات الكيماوية التي ظنوا أنها ذروة ما يمكن أن يتعرّضوا له. كادوا يترحّمون على وحشية النظام اذ جاءتهم وحشية أشدّ... وفي اليوم نفسه أعلن "التحالف الدولي" بقيادة الولايات المتحدة أن طائراته قامت بغارات عدّة على مواقع محدّدة لـ "داعش"... ثم أعلن عن وصول مئات المقاتلين من "لواء الفاطميين" التابع لـ "الحرس الثوري" الايراني للمشاركة في هجوم بري ضد مناطق المعارضة.

في ذلك الوقت كان الأسد يتفرّج: أميركا تضرب "داعش" وروسيا تضرب المعارضة وهو يتفرّج، فالدولتان الكُبريان جاءتا الى مصيدة الإرهاب التي أعدّها والايرانيين لهما، ولا يهمه مَن يُقتل وما يُدمّر في سورية، المهم أن يبقى ونظامه في السلطة، ولو فوق ركام من الخراب. ثمة تغيير سياسي وعسكري في المعادلة جعل النظام يبدي علامات انفراج واستقواء، فإعلامه يوحي بأنه "يدير" المعركة، ووزير خارجيته يقول للمعارضة من نيويورك أنها لن تحقق على طاولة المفاوضات "ما فشلت في تحقيقه على الأرض"، مقتبساً عبارة "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة" الموجّهة سابقاً الى اسرائيل. ثم ها هو الأسد نفسه يخيّر العالم بين "انتصار الحلف الرباعي" و"إلا فنحن أمام تدمير المنطقة بأكملها، وليس دولة أو دولتين".

ليس مؤكّداً أن الأسد سيبقى طويلاً ليتمتّع بما يتوقّعه من "انتصار" أو "دمار" لكنه غير مخطئ في أن المعطى الروسي غيّر المسار لمصلحته وأجّج الصراع على النحو الذي يأمله، وإنْ كان حديثه عن النتائج مبكراً وغبياً. لا شك في أن الرهان الأكبر للاسد على أن بوتين يشبهه في الوحشية بل يتفوّق عليه، بدليل أنه باشر حملته السورية بمنطق ابادة لا بمنطق حرب، فلا تمييز بين مدني وغير مدني كما يفعل "التحالف الدولي" (الاميركي). فما المتوقع من نهج كهذا؟

لم يؤخذ الأميركيون وحلفاؤهم على حين غَرّة، فكل شيء كان أمامهم لكنهم بدوا كمن يُخدعون بإرادتهم، فهم كانوا واضحين منذ البداية في أنهم لن يتدخلوا عسكرياً في سورية، وكانوا واضحين أخيراً في تنازلهم لروسيا عن ورقة "تنحّي الاسد"، ولم يكن ذلك ليعني بالنسبة الى روسيا سوى أنهم مشوّشون يفتقدون أي استراتيجية وأي خيارات - يريدون رحيل الاسد ولا يريدون اسقاطه عسكرياً، ويقولون أنهم مع الشعب السوري ولا يثقون بالمعارضة - لذا كانت مواقفهم أشبه بدعوة الى بوتين للتدخل، ففعل. لكن، اذا لم يوضح سريعاً توجهاته نحو حل سياسي، فإن التطورات العسكرية ستقوّض هذا الحل وستحمل خصومه الدوليين والاقليميين على اعادة ترتيب أوراقهم وتفعيل دعمهم للمعارضة ومساعدتها على الصمود. في المقابل، اذا أصرّ على اخضاع الأزمة السورية للمقايضات الدولية واللعب على نغمة التقسيم الإيرانية - الأسدية فإنه سيستفز كل القوى الاقليمية وعليه أن يقرر اذا كان الاسد يستحق مثل هذه المجازفة ومن أجل ماذا.

والأهم أخيراً، اذا واظب على أسلوبه الأهوج الحالي فإن سحقه للمعارضة قد يرضيه بنتائج سريعة ستبقى غير نهائية، بل سيثبت دفعه الوضع السوري نحو "الأفغنة" وحرب طويلة الأمد لن تسهّل القضاء على "داعش" - هدفه المعلن، بل ستشعل عندئذ الحروب الدينية والمذهبية التي ظلّت تحت الاحتواء خلال الوجود السوفياتي في افغانستان، إلا أنها ستصبح علنية ومكشوفة مع الوجود الروسي في سورية.

======================

الأمم المتحدة وتحديات الأمن والسلم الدوليين .. عبدالله تركماني

العربي الجديد

الاربعاء  7/10/2015

تغيّرات جوهرية حصلت على الساحة الدولية، منذ بداية ربيع الثورات العربية في تونس، أواخر سنة 2010، وخصوصاً مع الثورة السورية في مارس/آذار 2011، وتكشفت تجاذبات دولية تنطوي على إمكانية العودة بالأمم المتحدة إلى حقبة الحرب الباردة.

حسناً، ها نحن في سنة 2015، بعد مرور 70 عاماً على تأسيس الأمم المتحدة، وقد قُتل من الناس في الحروب بالوكالة، منذ 1945، أكثر مما قُتل في الحرب العالمية الثانية نفسها. وكان ذلك امتحاناً لدور الأمم المتحدة في أهم مرتكزات وجودها، حول حفظ الأمن والسلم الدوليين. وإذا كانت المنظمة نجحت، إلى حد ما، على مستوى تفعيل السبل الوقائية لحفظ السلم والأمن الدوليين، عبر بلورة مجموعة من الآليات المرتبطة بالحد من الأزمات، من خلال حفظ السلام، صنع السلام، بناء السلام والدبلوماسية الوقائية التي تسعى إلى مواجهة العوامل المسببة للنزاعات والأزمات واحتوائها قبل حدوثها، فإنّ عملها على مستوى التدخلات الزجرية لحفظ السلم والأمن الدوليين، أو لرد العدوان، بعد نهاية الحرب الباردة، تميّز بعدم الفعالية، كما تبين إزاء الكارثة السورية التي وصّفها الأمين العام بأنها "أكبر كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية". وقد تمكنت الأمم المتحدة من أن يتحاشى العالم قيام حرب عالمية ثالثة‏،‏ ولكن، قامت حروب صغيرة أخرى كثيرة‏.‏ فبدلاً من أن تكون جزءاً من الحل لتهديداتٍ واضحة، يتعرض لها السلام والأمن الدوليان، فإنّ المنظمة الأممية الآن جزء من المشكلة.

ولعل صعود الدول المارقة يطرح تحديات هائلة، بدءاً من إدارتها الحروب بالوكالة، من خلال مليشيات غير دولتية، وانتشار أسلحة الدمار الشامل والإرهاب، مروراً بالنزاعات الدينية والمذهبية والعرقية، وليس انتهاء بالنزاعات على الموارد الطبيعية وموجات الهجرة والاتجار بالبشر، غير أنّ معظم الأزمات تبقى من دون حل، أو في طريق مسدود. ويعود ذلك، أساساً، إلى انقسامات حادة داخل مجلس الأمن الدولي (الهيئة السياسية الوحيدة للأمم المتحدة التي تملك سلطات لحل النزاعات المسلحة).

وعليه، تتعرض المنظمة، منذ عقدين على الأقل، لانتقاداتٍ تتهمها بأنها تتسم بعدم الفاعلية، وصارت تعاني من بيرقراطية مفرطة، فضلاً عن انتقاداتٍ تتعلق بتكلفتها الباهظة، وبأنها فشلت في حفظ السلم الدولي في أكثر من منطقة، وصلت، منذ أسابيع قليلة، إلى اعتراف الأمين العام بفشل المنظمة في التعامل مع كارثة اللاجئين السوريين.

لم تعد التركيبة الحالية لمجلس الأمن، وفق مبدأ حق النقض "الفيتو" المتاح لخمس دول، أمراً

"تتعرض الأمم المتحدة منذ عقدين على الأقل لانتقاداتٍ تتهمها بأنها تتسم بعدم الفاعلية، وصارت تعاني من بيرقراطية مفرطة" مستساغاً. فما ذنب الشعب السوري، مثلاً، الذي استعمل في حقه السلاح الكيماوي المحرَّم دولياً وإنسانياً وأخلاقياً، لتأتي روسيا فتشهر "الفيتو" ضد أي تدخُّلٍ لحماية المدنيين السوريين؟ وما ذنب الفلسطينيين الذين تستعمل ضدهم الولايات المتحدة الأميركية عشرات "الفيتوهات"، كلما تعلق الأمر بإدانة إسرائيل؟

ينصرف الحديث عن ضرورة إصلاح هيكل منظمة الأمم المتحدة من أجل تفعيل دورها، في المقام الأول، إلى ضرورة إصلاح مجلس الأمن، باعتباره أخطر أجهزة الأمم المتحدة. ويتطلب الأمر إلغاء حق "الفيتو"، أو عقلنة استخدامه، إضافة إلى إقرار نوع من التوازن في الوظائف بين مختلف أجهزة المنظمة، وخصوصاً بين الجمعية العامة ومجلس الأمن في كل المسائل المرتبطة بالمحافظة على السلم والأمن الدوليين، وتعزيز التعاون المتكافئ بينها في هذا الشأن، بشكلٍ يكفل بلورة عمل جماعي متكامل وأكثر فعالية.

ويمكن للجهود المطالبة بالإصلاح أن تستفيد من ضغوط الرأي العام العالمي المساند، عموماً، لحدوث تنظيم دولي يكرس مبادئ الشرعية الدولية. كما يمكن لهذه الجهود أن تستفيد أكثر من منظمات المجتمع المدني العالمي التي باتت تلعب دوراً كبيراً على الساحة العالمية.

والواقع أنّ التحديات التي تواجهها المنظمة الأممية، اليوم، لا تقل حدة عن أي وقت مضى. فمزيد من الأزمات تندلع في مزيد من الأماكن، ومزيد من الانتهاكات للقانون الإنساني الدولي وقوانين حقوق الإنسان تحدث بشكل متكرر، ومزيد من البشر أُجبروا على النزوح بفعل الصراعات على نحو غير مسبوق منذ عقود. ولعل تفعيل دور الجمعية العامة في حفظ السلم والأمن الدوليين، خصوصاً بعد صدور قرار "الاتحاد من أجل السلم" في عام 2005، الذي مكّنها من تولِّي مسؤوليات المجلس، في حال عدم القدرة على تحمُّل واجباته المرتبطة بحفظ السلم والأمن الدوليين، على الرغم من وجود حالة تستدعي التدخل، يكون أحد أهم المداخل لإصلاح الأمم المتحدة.

وأيضاً يبدو تعزيز التعاون بين الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية أحد هذه المداخل، بسبب قدرة هذه المنظمات على حل المشكلات والصراعات، فهي جزء من المشهد الدولي الجديد الذي تكون فيه المشكلات معقدة للغاية ومتشابكة، إلى درجة أنه لا يمكن لأحد أن يعمل بمفرده، ومن دون مساعدة الآخرين وتعاونهم. فالمنظمات الإقليمية تمتلك عدداً من الميّزات، بالمقارنة مع المنظمات الدولية، أبرزها كونها الكيان التنظيمي الأول المخوَّل بالحفاظ على السلم والأمن الدوليين، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، كما أنها الأكثر قدرة على الاستجابة لفهم وتحليل عوامل وأسباب الصراع داخل نطاقها الإقليمي، وهذه الميّزة اكتسبتها بسبب قدرتها على فهم وإدراك الأبعاد الاجتماعية والسياسية والثقافية في منطقتها الإقليمية، حيث يمكنها فهم وإدراك الحساسيات الإثنية والسياسية والثقافية بأقاليمها.

لا شك أنّ الأمم المتحدة تواجه مشكلات عويصة ومعقدة، تهدد بقاءها. ولكن، هناك دول عديدة، ربما تشكل الغالبية على الساحة الدولية، ترى أنّ من مصلحتها بقاء المنظمة الدولية وتطويرها. وفي الواقع، تؤدي منظمة الأمم المتحدة اليوم دوراً رئيسياً مهماً ومؤثراً في مسار العلاقات الدولية المعاصرة، وهو دور قد يختلف كثيرون حوله، إيجاباً أو سلباً، لكنّ الجميع يتفقون على أنّ هذه المنظمة الدولية العريقة تشكل عنصراً لا بديل عنه لضبط واقع العلاقات الدولية القائمة، والحد من الأزمات ومظاهر العنف والنزاع التي لا تخلو منها بقعة في العالم.

ولكنّ التوقف عند لحظة التأسيس هو بحكم المستحيل، ولا يستقيم مع واقع التغيير الذي شهده العالم، المحكوم باستراتيجيات وتحالفات وتحولات كبرى في النظام الدولي لصالح قوى جديدة.

======================

عن دوافع هجرة السوريين إلى الغرب .. أكرم البني

الحياة

الاربعاء  7/10/2015

ثلاثة أسباب مستجدة يمكنها تفسير التدفق المحموم للمهاجرين السوريين طلباً للجوء الإنساني في بلدان أوروبا الغربية، وهؤلاء لا يتحدرون فقط من أفواج الهاربين من أتون العنف، وإنما من أسر لا تزال حياتها آمنة نسبياً.

أول الأسباب شيوع إحساس عام لدى السوريين بانسداد الأفق وانعدام الأمل بخلاص قريب، أو على الأقل بتحسن الوضع الأمني واستعادة حياة عامة تهتكت مقوماتها. فكيف الحال وثمة يقين عند غالبيتهم بأن القادم سيكون أسوأ، إن بالعجز عن توفير أبسط مستلزمات العيش، كالغذاء والكساء، وإن بصعوبة التكيف مع شح الماء والكهرباء، وإن بتراجع الخدمات التعليمية والصحية وفقدان فرص العمل؟! وكيف الحال وقد بات هاجس معظم الشباب الهروب من العنف والاقتتال، بينما يتنامى لدى الجامعيين منهم إحساس بعدم جدوى تحصيلهم العلمي مع غياب الإمكانات المرجوة لممارسة اختصاصاتهم عملياً. والأهم شيوع حالة قلق وخوف عامة من انحسار شروط الأمن والسلامة، حيث غدا حامل السلاح هو الآمر الناهي ويمكنه من دون مساءلة تقرير كل ما يتعلق بمصير الناس وحيواتهم وممتلكاتكم، وتتواتر يومياً الحكايات عن حجم تعديات المسلحين وتنوع تجاوزاتهم، إن كانوا مع النظام أو المعارضة، وعن مواطنين أبرياء، يتعرضون ولأسباب تافهة، للإذلال والابتزاز والأذى والقتل، من دون أن يطاول المرتكبين أي حساب أو عقاب؟! فأي خيار يبقى، حين تقتل فتاة لمجرد أنها زجرت مسلحاً حاول استمالتها، وحين تعجز عائلة عن تأمين فدية لاسترداد ابنها المخطوف، وعندما يرى شاب زميله يفارق الحياة في الحرم الجامعي جراء شظايا قذائف الهاون العشوائية؟!.

صحيح أن أسباب نزوح السوريين كثيرة، وأساسها تصاعد العنف المفرط ضد المدنيين، إن بالإمعان السلطوي في الفتك والتنكيل وإن بما تمارسه جماعات إسلاموية متشددة، لكن الصحيح أيضاً أن العنف كان أشد أحياناً، ولم يخلق موجة واسعة من الهجرة إلى أوروبا كالتي نراها الآن، ربما لأن الصراع الدموي قد طاول وأرهق الناس ودمر ما تبقى من مقومات عيشهم، وربما لأن ما كان محتملاً كمحنة موقتة لم يعد يحتمل على المدى البعيد!

في ضوء ما سبق يمكن فهم هذا التنوع الغريب لطالبي اللجوء، من شباب يرغبون في إكمال دراستهم الجامعية ويخشون الالتحاق بالخدمة العسكرية أو بالتعبئة الإجبارية للجماعات الجهادية، إلى أسر كاملة تريد تجنيب أطفالها الصغار الأذى ولتضمن لهم مستقبلاً آمناً ومستقراً، الى بعض الشرائح الميسورة التي أنفقت مدخراتها ولم يعد من خيار أمامها للعيش سوى اللجوء الإنساني، إلى العديد من أصحاب الكفاءات العلمية الذين يبحثون عن فرص، بمن فيهم من يعملون في الخارج ويتحسبون من العودة الى البلاد مع نهاية عقودهم وانتهاء صلاحية وثائقهم، ناهيكم عن ناشطين مدنيين وسياسيين ضاقت بهم السبل مع سيطرة لغة السلاح وباتوا مهددين من قبل كل الأطراف!

السبب الثاني، يتعلق بالمتغيرات التي طاولت حياة اللاجئين القدامى في بلدان الجوار، فقد شكل الأكراد السوريون أكثرية اللاجئين الى العراق، لكنهم لم يحطوا الرحال طويلاً، وتشير المعلومات إلى نجاح معظمهم في الوصول إلى ألمانيا، تطلعاً لشروط حياة أفضل! بينما اتخذ لاجئو الطبقات الوسطى من لبنان، محطة تضعهم على قوائم الهجرة التابعة للأمم المتحدة، وينسحب الأمر نفسه على اللاجئين الذي يعيشون في الأردن خارج المخيمات، بخاصة مع تضييق كلا البلدين على شروط منحهم الإقامة وفرص العمل!

والأهم اللاجئون في تركيا، حيث بدأوا يتحسسون رؤوسهم وتتحرك عندهم نوازع الهجرة من المخيمات أو المدن التركية نحو أوروبا، ليس فقط جراء تراجع فرص العيش والتعليم والصحة مع تراجع المعونات المقدمة من منظمات الإغاثة الدولية بل خشية من مستجدات سياسية أثارتها نتائج الانتخابات التركية وأظهرت تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية! فلماذا لا يتخوف اللاجئون السوريون من هزيمة أردوغان ويتحسبون من قدوم حكومة لا تتعاطف معهم بل تعتبرهم أحد مسببات مشاكل تركيا، بخاصة أن مرارة التجربة التي عاشها أقرانهم في مصر بعد سقوط مرسي لا تزال تحت اللسان حين تصاعدت المضايقات ومظاهر التمييز والإذلال ضدهم ما دفع الكثيرين للهجرة نحو بلدان أخرى كان لأوروبا منهم حصة وافرة؟!

وثالث الأسباب يتعلق بالترحيب اللافت الذي يلقاها اللاجئون السوريين في أهم بلدان أوروبا الغربية وبخاصة في ألمانيا، وتالياً التسهيلات السريعة والمباشرة التي تمنح لهم، وتفضيلهم عن غيرهم من طالبي اللجوء، والسبب ربما تعويض أوروبي عن موقف سلبي ومتخاذل من المحنة السورية، وربما استجابة لضغط شعبي أخلاقي أظهرته الحشود الأهلية المرحبة باللاجئين السوريين في غير مدينة غربية!

وكالعادة، لا يضيع العقل التآمري هذه الظاهرة، فيطل برأسه، مرة، لتحميل الحكومة التركية مسؤولية تسهيل هذه التدفقات المتواترة من طالبي اللجوء السوريين، إما رداً على تمنع الغرب من منحها ضوء أخضر لإقامة منطقة عازلة، وإما رداً على سحب الأطلسي منظومة الباتريوت من أراضيها، وإما رداً على تخفيض المعونات الدولية المقدمة لإغاثة هؤلاء اللاجئين! ومرة ثانية، للطعن بالترحيب الغربي على أنه خطة خبيثة غرضها سرقة الكفاءات والكوادر السورية، وتسهيل التغيير الديموغرافي في البلاد، وتلبية حاجة أوروبا العجوز وألمانيا الهرمة لتجديد دمائها بالشباب السوري! هي فترة قصيرة وتبرد حمى هجرة السوريين إلى الغرب، وبلا شك سوف تتراجع فرص القبول وتكتفي البلدان الأوروبية بمن وصلوا إليها لاستيعابهم ودمجهم بمجتمعاتها، لكن ما أثارته هذه الهجرة وبخاصة مشاهد الموت الجماعي غرقاً، زاد من إلحاح الحاجة لإطفاء بؤرة التوتر السورية ومعالجة جذور الصراع الدائر بما يلبي تطلعات الناس وحقوقهم، ليس فقط للحفاظ على من تبقى من السوريين في بلدهم، بل لتوفير أهم الشروط الأمنية والسياسية المشجعة لعودة الجميع كمشاركين في إعادة بناء وطنهم حراً وكريماً!

 

* كاتب سوري

======================

"داعش" وفوكوياما و"الربيع العربي" .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 6/10/2015

قد يعترض البعض على الترتيب الذي يضع "فوكوياما" بعد "داعش"، مُعلناً أن الأول منهما جاء بعد ثانيهما، انطلاقاً من أن فوكوياما ظهر قبل "داعش" وأسس لمجيئه ولظهوره في بنية النظام الرأسمالي الاستعماري الإمبريالي، ذلك الاعتراض صحيح، ولكن الترتيب الثاني (داعش) أولاً يقود إلى وضع اليد على صحته، انطلاقاً من أن هذا الأخير يمكن أن يلقي ضوءاً ساطعاً على ما أنجزه فوكوياما، الذي أتى ونظَّر للغرب في بنيته الأخيرة المعبَّأة بكل "معطيات العالم"، حتى حينه.

على هذا النحو، تمكن "فوكوياما" من تقديم أطروحته الأخيرة والدفاع عنها، حين أعلن أن البشرية بلغت قمة مسيرتها التاريخية، حين دخلت المرحلة الأميركية. فلقد أقصت هذه الأخيرة برأيه ما سبقها، وأدخلت العالم في مرحلته الأخيرة من تطوره. ومن ثم، فقد أصبح القطار التاريخي خصوصاً في "عربته الأميركية" المرجعية البشرية والمنقذة الأخيرة، ومن ثم غدا التاريخ العالمي ذا مرحلتين اثنتين حاسمتين، مرحلة ما قبل العولمة والمرحلة الأخيرة مرحلة العولمة، التي يُراد لها أن تكون نهاية التاريخ وغايته وأيقونته.

في هذا المقصد من المسألة، يبرز السؤال التالي: هل تطور التاريخ منذ بداياته وحتى بلوغه النظام العولمي المتصاعد، هو المرحلة التي أسست لـ"داعش"، وإذا عرفنا أن الاستغلال الإنساني وهدْر كرامة البشر وغياب العدالة وهيمنة الظلامية مع غياب التعددية والتسامح والإفقار والاستبداد والتهميش قدم ضبطاً لتقسيم العالم إلى فريقين، الفريق الذي يجسد تلك الأوضاع، والفريق الآخر المغاير، والذي يسعى إلى استيلاد عالم جديد يجد الإنسان فيه شخصه محققاً أو قابلاً للتحقيق، نقول: إذا عرفنا ذلك، فإننا آنئذٍ نجد (داعشاً) قد ولد في "أحشاء المرحلة الأولى بصفته إرهاصاً بذلك القادم البعيد".

وقد جاء "الربيع العربي"، بعُجره وبُجره، ليفضح أسطورة النظام العولمي كمخلِّص للبشرية لا بديل عنه، وليظهر هذا الفضح بصيغته الأكثر شجاعة وحيوية، مما جعل ذلك الربيع يبدو حقاً أنه أحد طرق الوصول إلى الحرية والكرامة والتقدم، وهذا يظهر تماماً في تكالب قوى الشر هنا وهناك وهنالك، على إسقاطه. ما يحدث في سوريا سيمثِّل مخزوناً غنياً هائلاً للمؤرخين أولاً، وللخلاص من ثلاثية الفساد والإفساد والاستبداد ثانياً، ولعل ذلك سيجيب عن أسئلة وإشكالات هائلة ستبقى برسم من سيتصدى لذلك راهناً ولاحقاً.

ها هنا نكون قد ولجنا الحقل الأكبر الذي يتمثل بالحاضنة الكبرى لكل النيران المنطلقة الآن في العالم العربي، نعني المجتمع والسلطة والدين. وفي سبيل ضبط ذلك عبْر خطاب عربي منهجي صارم، نرى ضرورة النظر إليه في ضوء ثلاث مداخلات. أما الأولى منها فيقدمها ما أعلنه كارل ماركس، بأنه كلما ارتفعت قيمة الأشياء، هبطت قيمة الإنسان. أما المداخلة الثانية فقد قدَّمها الباحث الأميركي "ميشال بوغنون" في كتاب (أميركا التوتاليتارية)، حين كتب بوضوح دقيق فيه: العولمة هي "السوق المطلقة" ما بعد الحداثة، التي بتنا نعيش مظاهرها الكاسحة ليس في الغرب وحده، وإنما كذلك في بلدان عربية. وتبقى المداخلة الثالثة، المحددة بكون الدين، الذي يُراد له أن يكون حقاً وفعلاً، أفيون الشعوب، وذلك من مجموعات من السياسيين والمثقفين الراديكاليين.

أما تلك الأخيرة من المداخلات الثلاث، التي كرَّسنا لها قسطاً وافراً مما كتبناه، فتكمن إشكاليتها – على صعيد الإسلام وغيره وبأيدي الكثير من الباحثين والأكثر من المؤمنين، في النظر إلى "المطلق اللاهوتي" و"النسبي المجتمعي"، على أن أولهما يأتي ضمن رؤية النسبي له، لكنه هو يقدم على رؤية ذات بعد مباشر وشخصي غالباً. ومن شأن هذا أن يجعل التواصل مع المطلق قابلاً للتحقق لدى نخبة أو نُخب فحسب من البشر. أما غير ذلك فهو أمر يقوم على أن النظر إلى المطلق يدخل في إطار البسطاء والرعاع من القوم.

أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق

======================

فرصة لا تعوض! .. ميشيل كيلو

البيان

الاثنين  5/10/2015  

هب العالم المتمدن للدفاع عن حق السوريين في اللجوء إلى مجتمعاته، واتخذت أغلبية مواطنيه مواقف أيدت استقبالهم باسم حق الإنسان في الحياة والرعاية، بينما عارضت أقلية عنصرية قدوم اللاجئين إلى بلدانها وطالبت بطردهم لأسباب ثقافية ودينية، مع أن معظم رجال الدين تبنوا الموقف الأول، الإنساني.

بذلك، انطوى الانقسام على رمزية عظيمة الدلالات، وضعت الإنسانيين في صف اللاجئين، والعنصريين في صف النظام الذي هجر معظمهم، وقربت الرأي العام الواسع من مطالبهم، بينما اعتمد العنصريون أباطيل مما يتبناه النظام الأسدي ضدهم، تتهمهم بالأصولية والإرهاب.

هذا الوضع بمغازيه المهمة، التي تبشر بإنهاء غربة الرأي العام العالمي عن القضية السورية، وبتشكله كرأي عام يرى فيها قضية عادلة يجب أن يتضامن معها، يمثل نقلة خطيرة المعاني يمكننا جعلها حاسمة التأثير سياسياً وإعلامياً بالنسبة لمواقف الدول من شعب سوريا، في ظل توفر عاملين:

ـ وجود علامات جدية تؤكد تراجع سلبية الرأي العام العالمي حيال مأساة سوريا، بفضل احتكاكه الحالي مع جوانب ملموسة منها يجسدها معظم اللاجئين إلى أوروبا، واتساع حملات التضامن معهم إلى أوساط متزايدة من الناس، بالأخص من لهم منهم رمزية كثيفة وفاعلة في مجتمعاتهم كالفنانين والرياضيين والسياسيين والمثقفين ورجال الدين والنقابيين.

هذه المنطويات المهمة للتضامن مع لاجئين صار ينظر إليهم كضحايا مأساة طالت وشرعت نتائجها تهدد جوارها القريب والبعيد، يمكن أن تترجم إلى سياسات علينا كسوريين العمل لجعلها سياسات ضاغطة على المواقف التي تعمل لإطالة الصراع في بلادنا، وخاصة منها سياسات واشنطن، التي سبق لرأي عام دولي أن ضغط عليها ضغطاً فاعلاً ومؤثراً لعب دوراً جد مهم في وقف حربها ضد فيتنام.

ضرورة شروع المعارضة السورية بعمل منظم، منهجي وقادر على تحريك الجاليات السورية والعربية في كل مكان من العالم، وتنظيم حملات إعلامية تشارك فيها قطاعات أوروبية كالمثقفين والإعلاميين وقادة السياسة والنقابات والأحزاب ومنظمات النساء وأساتذة الجامعات ورجال الدين والمغتربين العرب المقيمين في أميركا خاصة، وتغطية الحياة العامة لهذه البلدان بشبكات من الناشطين والمساندين، تزود يومياً بالمعلومات التي تعينها على إنجاح عملها المساند لحق الشعب السوري في الحرية، ونقل حقائق ما يدور في بلادنا من صراع ويكتنفه من أسرار وخفايا.

هذه المهمة يجب أن يتوفر إجماع وطني وسياسي سوري واسع حولها، ولا بد أن تبقى فوق أية خلافات، وعلى الائتلاف القيام بها دون إبطاء، لأنه قد يتخلص بواسطتها من ضعف مواقفه السياسية والعسكرية، وتراجع مكانته الدولية، ويحتوي بعض ما يجري تحت أعيننا من ألاعيب ومخاطر دولية وإقليمية تنتهك حقوقنا، ومن تطورات استيطانية ونقلات استراتيجية من شأنها تغيير طابع الصراع الدائر في وطننا، بنقله إلى مرحلة جديدة تعجز المعارضة عن مواجهتها بقواها الذاتية، التي تزداد تناقصاً وتشتتاً وضعفاً، بما تعتمده قياداتها من سياسات، وتقيمه من علاقات بين فصائلها، ومع العالم بشقيه المعادي صراحة والمعادي ضمناً لنا.

يرتبط نجاح ما هو مطلوب لبناء رأي عام عالمي داعم لنا بتقدم وعيه لقضيتنا ودعمه لها، وبالتالي بقدرتنا نحن على وعي متطلباتها والتواصل مع الآخرين وتحويلهم إلى طرف صديق لنا، وبما نحققه من نجاح في تنظيم أنفسنا ونقيمه من مؤسسات سيكون لها دور حاسم في تحقيق أمانينا وإنقاذ وطننا. يقترب العالم من قضيتنا، فهل سنعرف نحن كيف نقترب منه ونكسبه؟

======================

روسيا أو إيران: دعم "الدولة" ودعم الأهل .. دارا عبدالله

الحياة

الاثنين  5/10/2015

على خلاف ما تُظهره التحالفات السياسيَّة، من تماسك وتفاهم ضمن عناصر المعسكر السياسي الواحد، إلا أنَّ هذه الدول المُتحالفة مع بعضها، تخوض صراعات أنانيَّة حادّة أحياناً، لا تقلُّ لؤماً عن صراعاتها مع خصومها في المعسكرات المضادّة، على رغم أنَّها تتوضّع في الضفة السياسيَّة نفسها، ولعلَّ التحالف الروسي الإيراني إزاء الأزمة السوريَّة المُشتعلة منذ حوالى أربع سنواتٍ، خير دليل على صحَّة هذا الادّعاء.

فبقدر ما يبدو التحالف قويّاً، فإنَّ التنافس الموضعي على استلام زمام المبادرة ومفاتيح الفعل، قويّ أيضاً.

فروسيا وإيران تعارضان الولايات المتحدة في سورية مثلاً، ولكن روسيا قريبة أكثر إلى موقف الولايات المتحدة بالنسبة الى الملف النووي الإيراني.

انتقال الوجود العسكري الروسي في سورية، والذي كان فعلاً مقتصراً على القاعدة البحريّة في سواحل البحر الأبيض المتوسّط، من المستوى الخفي إلى المستوى المباشر الظاهر، هو إذعان وإشارة على تحول ميداني مرتقب في هذا الوجود العسكري.

من المعلوم أنَّ هنالك فاعلين أساسيَّين يدعمان نظام الأسد سياسيّاً وعسكريّاً، وهما الفاعل الدولي الروسي، والفاعل الإقليمي الإيراني. لكن ثَّمةَ فروقاً أساسيَّة سياسيَّة واجتماعيَّة وواقعيَّة حاسمة بين آليَّة تمدُد النفوذين واشتغالهما. فالنفوذ الروسي مُباشر ورسميّ، ويبقى اتّصاله الدائم على مستوى الدولة البيروقراطيَّة وأدواتها المعروفة، كالجيش والأجهزة الأمنيَّة وأدوات العنف الرسميَّة الأخرى التابعة للسلطة. وغالباً ما يكون الدعم علنيّاً ومكشوفاً، يُقال بصراحةٍ في المؤتمرات الصحافيَّة للمسؤولين السياسيين الروس. النفوذ الروسي لا يتدخّل في شكل كبير في حيثيّات الصراع الأهلي بين المكوّنات الأوليَّة، ولا يسيّس الصدوع في النّسيج الأهليّ. في حين أنَّ للنفوذ الإيراني بعداً طائفياً أهلياً عميقاً، هو تفتيتي وتفسيخي وتهشيمي.

الجمهوريّة الإسلامية الإيرانيَّة، في كل تجارب نفوذها السياسيّ في المنطقة، تفضل استغلال (وليس اختلاق كما يبالغ البعض، وذلك من أجل رفع المسؤوليَّة عن النظام الرسمي الاستبدادي العربي في تحقيق الاندماج المجتمعي وإخماد المسألة الطائفيَّة) الجيوب الشيعية المشتعلة والمهمشة، والتي تعاني من شعورٍ بالغُبن والطرفيَّة في أصقاع العالم العربي، وتسليحها وعسكرتها وحشدها، وربطها عسكرياً وسياسياً وروحياً مباشرة مع المركز الإيراني الدولتي، كما في حالة ميليشيا "حزب الله" الشيعية في لبنان، والميليشيات التي يديرها قاسم سليماني في سورية، وميليشيا الحوثي في اليمن، وميليشيات الحشد الشعبي في العراق. إيران لا تفضل الدعم الرسمي المباشر على مستوى الدولة، بل تهبط إلى قاع المجتمع، في تفعيل دقيق لديناميّات الحرب الأهليَّة، وتأخذ موقفاً من الصراع الأهلي المحتدم بين الجماعات الثابتة، وفي كثيرٍ من الأحيان، كما في "حزب الله" والحوثيين، تتجاوز قوّة هذه الميليشيات الأهليَّة الطائفيَّة مقدرة القوّات الرسمية للدولة.

في النفوذ السياسي الإقليمي الإيراني الكثير من الأهلي والقليل من الدولة، وفي النفوذ السياسي الدولي الروسي، الكثير من الدولة والقليل من الأهلي. النفوذ الروسي هو من "فوق"، بينما النفوذ الإيراني من "تحت". ولعلَّ ما يختصر هذا المشهد صور الجنرالات الروس مع جنود الجيش العربي السوري من جهة، وصور قاسم سليماني وهو يشرب الشاي مع الأهالي في القرى السوريّة من جهة ثانية.

أمَّا ما يجعل المجتمع الدولي، خصوصاً الولايات المتّحدة، مرتاحاً وغير عابئ بالنفوذ الروسي، بل يجعل واشنطن سعيدة برجحان كفة السيطرة للتمدد الروسي على حساب الإيراني، فهو بالدرجة الأولى أن روسيا ليست دولة "ممانعة" ولا تمتلك موقفاً معادياً مطلقاً تجاه دولة إسرائيل.

ومصلحة إسرائيل عامل حاسم في فهم سلوك القوى الكبرى، على عكس إيران، التي فعلاً تشكل قوّة إقليمية منافسة ومعيقة للتمدد والاستقرار الإسرائيليين، وذلك خلافاً لبعض التحليلات السائدة في الصحافة العربيَّة والقائلة إنَّ الجميع عملاء للجميع، والكل متفق مع الكل.

ولأننا كسوريين، لا نمتلك ترف الاختيار في بلدنا، وعلاقتنا بالقرار السياسي السوري الداخلي باتت كعلاقة السائح بالدول الي يزورها، فأعتقد، بسبب الفرق بين آلية اشتغال النفوذ الإيراني والنفوذ الروسي، أنَّ الأخير يبقى أقرب إلى السياسة والحل والتفاوض، كما أنَّ ضرره على النسيج الأهليّ المجتمعيّ أقل وطأة، من النفوذ الإيراني.

ولأننا بالضبط، كسوريين، لا نستطيع هذه الأيام سوى أن نختار بين ما هو سيّء وما هو أسوأ، فإنَّ علينا ربّما أن نفرح قليلاً للتمدد الروسي، وهنا جوهر المأساة!

* كاتب سوري

======================

الصراع الدولي في سوريا .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 4/10/2015

جاء الروس إلى سوريا لمساعدة الرئيس بشار الأسد، ولأهداف خاصة بهم أيضاً. وقد صار واضحاً منذ أربع سنوات أنّ الرئيس بوتين أشدّ أنصار النظام السوري حماساً بعد خامنئي. وفي السنوات الماضية (2012- 2015) كان للروس على الأرض السورية زُهاء ستة آلاف مقاتل ومستشار وخبير تدريب. المقاتلون كانوا مختصين بحماية القاعدة البحرية في طرطوس، والسفارة الروسية، ومراكز مصالح روسية مهمة في البلاد. أما الآخرون، وكلُّهم ضباط من رُتَب عالية، فكانوا وما يزالون في غُرَف عمليات الجيش السوري بالمنطقة المركزية وسائر المناطق، وبمراكز التدريب على الأسلحة الجديدة، وخاصة سلاح الطيران والإلكترونيات العالية التي ما عاد همها مراقبة "داعش" والمعارضة السورية فقط، بل ومراقبة الأتراك والقوى الغربية التي تقاتل "داعش" بسوريا والعراق، وتقدم لقوى المعارضة مساعدات. ويقدّر الخبراء التكاليف التي حصل عليها الروس من سوريا خلال السنوات الماضية بحدود العشرين مليار دولار، دفعت نصفها إيران والمالكي.

في كل اندفاعة روسية أو مجادلة مع الولايات المتحدة، يعود بوتين ومعه لافروف إلى النموذج الليبي، والذي يعتقد الروس أن الأميركيين خدعوهم بشأنه عام 2011. لذلك لن يسمحوا بتكراره في سوريا. أي أنّ زيادة تدخلهم إنما جاءت بعد تجدد خوفهم من انهيار النظام كما حدث عام 2013. ففي ذلك الوقت ضاعفت موسكو مساعداتها العسكرية وصارت تتدخل في العمليات، وزاد الإيرانيون مساعداتهم عشرة أضعاف، وفي منتصف 2014 كان لدى الإيرانيين أربعون ألف مقاتل في سوريا بين حرس ثوري وميليشيات. وقلّت الأعداد جزئياً بسبب ظهور "داعش" بالعراق، وانسحاب بعض الميليشيات الشيعية، لكن العدد هناك لا يزال وازناً. إيران وحرسها وميليشياتها و"حزب الله" وقوات الدفاع الوطني، يقاتلون بسوريا على الأرض منذ عامين ونصف. وقد أوقفوا مع الروس تقدم المعارضة عامي 2013 و2014. لكنهم تلقوا انتكاسات قوية في 2015 في شمال سوريا وجنوبها، وهذا فضلاً عن صمود المعارضة المسلحة في سائر المناطق والتي اجتمع عليها "داعش" والنظام وإيران منذ 2013. لكن ليس هذا هو السبب فقط. بل هناك وجوه فشل عانى منها بوتين وعسكريوه، وذلك في أوكرانيا التي ما استطاعوا تحقيق تقدم في شرقها، وعانوا ويعانون من العقوبات الاقتصادية الغربية. كما أن هناك انتكاسة بالعراق، فعندما تضايق حلفاؤهم من "داعش" ما لجأوا إليهم بل لجأوا للولايات المتحدة التي أنشأت تحالفاً ضد "داعش" رفضت روسيا وإيران الدخول فيه. والآن يدخل بوتين متحدياً الولايات المتحدة، في سوريا بالقتال إلى جانب الأسد، وفي العراق بإنشاء مركز استخباري لمساعدة الأسد، حسب العبادي الذي قال ذلك حتى لا ينزعج الأميركيون الذين لا يحبون فكرة أن يجمع الروس معلومات عنهم هناك.

ماذا تستطيع الولايات المتحدة فعله؟ بدا الأميركيون متفاجئين ومرتبكين، لأنّ الروس بدأوا غاراتهم بسوريا على معارضة الأسد (وليس على "داعش")! يستطيع الأميركيون وحلفاؤهم الأتراك والعرب في الأسابيع القادمة، وبعد مراقبة التصرفات الروسية والإيرانية، القيام بأمرين: الأول إنشاء منطقة آمنة كما تطالب تركيا منذ سنتين. لكن هل يجرؤ الأميركيون والأتراك، أمام مخاطر اندفاع بوتين وهياجه، وإمكان مغامرته بضرب المنطقة بالطيران رغم عدم ضرب الغربيين والاتراك لمناطق النظام؟! والثاني زيادة دعم المعارضة بأسلحةٍ نوعية. وهذا أمر لا مشكلة فيه، لكن هل يشمل السلاح المضاد للطيران؟ لا أظن ذلك. ويستطيع هؤلاء الاستغناء عن برنامج إنشاء معارضة خاصة، ودعم "جيش الفتح" والجيش الأول. لكنْ عندهم مشكلة "النصرة" بالشمال. وهذه المشكلة ليست موجودة في الجنوب، فهل تنشأ منطقة آمنة هناك؟ لا أظن الأردن يجرؤ على ذلك!

يندفع الروس والإيرانيون مجدداً كما في عام 2013. والمطلوب اندفاعة خليجية تركية بغطاء أميركي. سيزداد النزاع شراسة ودموية، وستزداد كل الأطراف عنفاً. الأميركيون يتحدثون عن عام، وقد يكونون مخطئين ويطول الأمر أكثر. فيا للعرب، ويا لسوريا!

------------------

*أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية -بيروت

======================

في الموقف القطري الثابت من الثورة السورية .. د. وائل مرزا

الشرق القطرية

الاحد 4/10/2015

مرةً أخرى، تُعيد دولة قطر التأكيد على موقفها الثابت والواضح من ثورة الشعب السوري. ومرةً أخرى، يأتي هذا الموقف على لسان أميرها من فوق منبر الأمم المتحدة، ليسمعه العالمُ أجمع في أضخم مناسبةٍ سنويةٍ سياسيةٍ عالمية. ومرةً أخرى، تروي قطر للعالم الرواية الأصلية للثورة، وتضعهُ أمام مسؤولياته حين تُصارحهُ بتلك الرواية، كما هي عليه في الحقيقة، بعيداً عن عمليات التزييف وخلط الأوراق الإعلامية والسياسية السائدة والمتصاعدة في الفترة الأخيرة.

فمن اللحظة الأولى، عند الحديث عن سوريا في خطابه أمام الجمعية العامة الأسبوع الماضي، يبسط الأمير جملة مُعطيات توضح طبيعة المُجرم وأفعاله وما يترتبُ عليها، وذلك حين يقول: "تتولَّد عن الأزمة السورية بأبعادها وتداعياتها الراهنة والمستقبلية نتائج كارثية على منطقة الشرق الأوسط، بل والعالم، في ظل استمرار الجرائم البشعة والأعمال الوحشية التي يرتكبها النظام بحق الشعب السوري، وتهديد كيان الدولة وشعبها، وخلق بيئةٍ خصبة لتفاقم ظاهرة التطرف والإرهاب تحت رايات دينية ومذهبية وعرقية زائفة تهدد الإنسان والمجتمع والإرث الحضاري في سورية والمنطقة".

يُسمي الأمير الأشياء بأسمائها: "الجرائم البشعة والأعمال الوحشية"، ويَذكرُ بكل وضوح مَن يقوم بتلك الأفعال: "التي يرتكبها النظام بحق الشعب السوري". ليست هذه إذاً حرباً على (الإرهاب) قامت مُصادفةً على الأرض السورية تستدعي نسيان كل شيء آخر وحشد الدول لمحاربته، في ردٍ غير مباشر على المبادرات الروسية التي تتمحور حول موضوع الإرهاب ولا شيء سواه.

لهذا، يشرح الأمير بشكلٍ مُفصل الصيرورة التي وصلت بالوضع في سوريا إلى ما هو عليه، مُذكراً الجميع بالحقائق التي يحاول الكثيرون طَمسها، وذلك في قوله: "في هذا السياق عبثَ النظام السوري بمفهوم الإرهاب، فسمى المظاهرات السلمية إرهاباً، ومارسَ هو الإرهاب الفعلي. وحين أوصلت أعمال القصف وقتل المدنيين الناس إلى تبني العمل المسلح، ودخلت بعض المنظمات غير الملتزمة بمطالب الثورة السورية ومبادئها فضاء العمل السياسي بدون استئذان، تحوّلت سوريا إلى ساحة حرب، فحاول النظام أن يخيف المجتمع الدولي مِن البديل".

فوق هذا، يُعيد الأمير تذكير النظام السياسي العالمي بنصيبه هو في عملية صناعة الأزمة السورية، بدل شرعنة جرائم النظام، عملياً، بدعوى عدم وجود (البديل)، وذلك من خلال التأكيد بأنه "كان على المجتمع الدولي أن يوقف المجازر في الوقت المناسب، ويوفّر الظروف للشعب السوري لإنتاج البديل العقلاني المدني العادل للاستبداد. وهل ثمة استبدادٌ في العالم يعترف أن له بديلاً؟ وهل يمكن، أصلاً، أن ينمو البديل ويتطوّر في ظله؟" مع الإشارة إلى أن "تقاعس المجتمع الدولي عن اتخاذ القرارات والتدابير اللازمة لإنهاء هذه الكارثة يُعَدُّ جريمة كبرى"..

هي "جريمةٌ" إذاً مع استمرار التقاعس المذكور، ومُرتكبُها هو المجتمع الدولي الذي يتظاهر باستنكار جرائم النظام. وحتى يكون هناك تقديمٌ للحلول العملية يُطالب الأمير بـ"تفعيل وتعزيز دور الجمعية العامة باعتبارها الإطار الأوسع للتعامل مع قضايا الشعوب في ظل عجز أو تقاعس مجلس الأمن عن إيجاد الحلول العادلة لها". ثم يدعو إلى "التعاون من أجل فرض حلٍ سياسيٍ في سورية، ينهي عهد الاستبداد ويُحِّلُ محلَّه نظاماً تعددياً يقوم على المواطنة المتساوية للسوريين جميعاً، ويُبْعد عن سورية التطرف والإرهاب".

يطرح الأمير الحل ويشرحُ طبيعته، وفي معرض الحديث عن إمكانية تطبيق هذا الحل يطرح السؤال الذي يجب طرحهُ بالتحديد بعيداً عن عمليات التضليل الإعلامي والسياسي، فيقول: "ليس السؤال إذا كان هذا ممكناً، فهذا ممكن إذا توفرت الإرادة لدى دول بعينها. إن السؤال المطروح علينا جميعاً هو: هل ترون أن استمرار الوضع الحالي في سورية ممكن؟ لقد تحول الصراع في هذا البلد إلى حرب إبادة وتهجير جماعي للسكان. ولهذا تبعات خطيرة على الإقليم والعالم كله، وحتى على الدول التي لا تستعجل الحل لأنها لا تتأثر بالصراع مباشرة، ولا تصلها حشود المهجرين"..

وعلى طريق استمرار مصارحة العالم بالحقائق المتعلقة بثورة الشعب السوري، جاءت أيضاً التصريحات القوية لوزير الخارجية الدكتور خالد العطية في مقابلةٍ مع وكالة رويترز. ففي معرض الحديث عن (مبادرات) روسيا أكد الوزير أنه "لا أحد يمكنه أن يرفض دعوة السيد بوتين إلى تحالف ضد الإرهاب. لكننا نحتاج إلى أن نعالج السبب".. وليكون الجواب واضحاً تماماً أضاف قائلاً: "نحن نعتقد بقوة أن النظام السوري - وتحديداً بشار الأسد- هو السبب الحقيقي".

لا مجال، في رؤية قطر، لقبول عمليات (الاستغباء) التي تحصلُ هنا وهناك تحت اسم المبادرات السياسية. لهذا، يقول الوزير بكل شفافية: "لا يمكننا أن نعمل معا ونقول (للأسد) حسناً.. أنت حليفنا في محاربة الإرهابيين الذين أوجدتهم أو أحضرتهم إلى هنا"..

ثم إنه ينتقل للحديث بشكلٍ صريح عن الآليات العملية الممكنة للوصول إلى الحل السياسي الذي يتحدث عنه الجميع، ثم يتصرفون وكأن طريقة الوصول إليه لغزٌ لا يمكن اكتشافه، رغم أنه يدخل في ألف باء السياسة. من هنا، يحل الوزير لهم هذا اللغز وهو يتحدث عن المقاومين الذين يتصدون للبراميل المتفجرة قائلاً: "إنهم بحاجة للحصول على وسائل للدفاع عن أنفسهم... عندئذ فقط سيدرك بشار أنه بحاجة للقدوم إلى الطاولة للتوصل إلى هذا الحل السياسي الذي يشمل رحيله".

وأخيراً، يُعيد الوزير ترتيب الأوراق التي يريد الكثيرون خلطها فيما يتعلق بالعلاقة بين الدفاع عن السوريين وهم يواجهون إجرام الأسد وبين واجب محاربة (الإرهاب)، وذلك بقوله: "لم نعالج جذور القضية.. لا يمكنك أن تجلب الشعب السوري وتجبره على الذهاب لمحاربة الدولة الإسلامية وحدهم... إن قضيتهم ليست الدولة الإسلامية بل النظام الحاكم. هم سيحاربون الدولة الإسلامية، لكن عليهم أن يحاربوا أولاً النظام الذي أوجد الدولة الإسلامية".

كبيرةٌ هي حاجة السوريين في كثيرٍ من المجالات. لكن من أكثر الأمور إستراتيجيةً بالنسبة لثورتهم عدمُ السماح للأطراف المُختلفة بممارسة أسوأ ما تنطوي عليه (لعبةُ الأمم) من عمليات تزييفٍ لرواية الثورة، وخلطٍ للأوراق، وتضليلٍ إعلامي وسياسي، واستخدامٍ خبيثٍ للأسماء والمُسميات، وإعادة ترتيبٍ للأولويات بشكلٍ مُخادع.

وبما أن صوت الثورة السورية ضعيفٌ في المحافل العالمية حين يتعلق الأمر بهذا الموضوع، لألف سببٍ وسبب، فإن قيام قطر بهذا الدور يُعتبر دعماً استثنائياً للشعب السوري وثورته يفوق كل نوعٍ آخر من أنواع الدعم والتأييد.

======================

موقفنا : إعلان الجهاد لا يكون في فراغ ولا يكون المسؤول سائلا .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 6/10/2015

حيث وجد الاحتلال وجدت المقاومة . والدول العربية، والهيئات والأحزاب والقوى العربية ، والمثقفون العرب ، والفضائيات العربية التي ما تزال تتردد في تسمية الغزو الروسي الأرثوذكسي الصليبي في سورية ( احتلالا ) هي في حقيقة أمرها من ( الأصدقاء ) الذين خبرهم الشعب السوري على مدى السنوات الخمس الماضيات ، فعرف من أمرهم ما يكره أن يقول .

هو احتلال حقيقي بما أنزل من جنود وعتاد على الأرض السورية ، وبما احتجر من هذه الأرض حتى على كبار ضباط بشار الأسد الذي يقول إنه استدعاه . وهو احتلال متعدد الأهداف منها الديني الذي باركته الكنيسة ، ومنها الاستراتيجي ، ومنها السياسي ، ومنها الاقتصادي ..وربما يكون على رأس هذه الأهداف إرادة الشرير بوتين المشاركة : في كسر إرادة الشعب السوري ، وفرض الحل العسكري عليه بعد أن عجزت عليه عصابات ( يالثارات الحسين ) ( ويالثارات العباس )من لبنان والعراق وإيران وأفغانستان .

ونعود للقول حيث وجد الاحتلال وجبت المقاومة حسب كل مرجعيات أهل المرجعيات على هذه الأرض . الاحتلال يستدعي المقاومة ويفرضها أي يجعلها (حسب شريعة الإسلام ) فريضة عينية ، تجب على أهل الأرض التي وقع فيها الاحتلال ، وعلى من يليهم من المسلمين حتى ينكشف الكرب ، وتزول الغمة ، وتتحرر الأرض من رجس المحتلين ، وتستأصل منها شأفة من وطأ لهم أو استدعاهم . وهذا من بدهيات دين الإسلام ومن المعلوم من شريعته بالضرورة لا ينكرها إلا صاحب هوى أو زيغ ..

إن أمر الجهاد في الإسلام أمر عظيم . فهو ذرورة سنام هذا الدين . وهو عبادة جماعية لا تكون إلا بأمر صاحب أمر وترتيبه أو بإذنه . فإن غاب أو تخلف ولي الأمر لأي سبب ، آل الأمر إلى أهل الرشد من رجال هذه الأمة يعقدون اللواء قبل أن يطلقوا النداء ، ليجمعوا الأمة ورجالها عليهم وحول لوائهم ، لكي لا يكون الأمر فوضى في التقدير والتدبير والمنهج والسلوك كالذي آل إليه الأمر في بلدنا الحبيب سورية بسبب تخاذل أصحاب اللواء عن واجبهم ، وتقاصرهم عن دورهم ، وإخلائهم الساحة لضلّال لا يفقهون ، وأصحاب أهواء إلى الرشد لا ينتهون ، ورافعي رايات عميّة هي إلى الضلالة أقرب منها إلى الرشد ، وإلى الحَوَر أولى منها بالكَوَر ، دع عنا ما يقول القائلون عن اختراقات وارتباطات وتوظيفات . وما نرى ونسمع من جرائم وموبقات وانتهاكات شرعية وإنسانية أبشع ما فيها أنها تُرتكب باسم الإسلام شريعته ومنهجه ومشروعه ...

مع الاحتلال الروسي لأرض الشام الطهور ، بادرت قوى إسلامية هي معقد أمل ، وهيئات علمية رصينة فيهم أكثر من خمسين عالما وداعية من العربية السعودية، والعشرات من العلماء السوريين ، هم من خيرة الخيرة من أولياء هذه الأمة ؛ إلى الصدع بالحق ، وإعلان البراء من الاحتلال وأهله وداعميه ، والولاء للإسلام عقيدته وشريعته ، ويعلنون على أمة الإسلام فرضية جهاد الدفع العيني ( نفير عام ، يجب على الرجل والمرأة ، والصغير والكبير يخرج فيه الولد بغير إذن أبيه والمرأة بغير إذن زوجها ) . تعلن هذه القوى وهؤلاء العلماء فرضية الجهاد العيني ، ويحرّضون المسلمين القادرين للالتحاق به حسب قواعده ، كما يطالبون أصحاب القرار وأصحاب القدرة بالاستنفار للنصرة والدعم والتأييد ..

وهو إعلان على مشروعيته الفقهية ، ودعوات على وجاهتها ومكانتها والاحترام للداعين إليها ؛ ليست مادة لبيانات كلامية ، ولديباجات بلاغية ، وهي كذلك ليست حديث متكئ على أريكة ، وإعلانها ليس طريقة لمقاومة احتلال ، أو النكء في عدو ما لم ترتبط عمليا بمستحقاتها ومقدماتها .. إلا إذا كان القوم – وحاشاهم – لا يأخذون كلامهم بجد ، ولا يمسّكون بالكتاب بقوة .

يستنفرون المسلمين ، ونعم ما يفعلون ، ولكن إلى أي صف ينفر هؤلاء المستجيبون؟! وتحت أي راية يصطفون ؟ّ! والله ولّى بعض هؤلاء إذ ابتلاهم بالمسئولية أن يعقدوا الراية ، راية الرشد ، وأن يرفعوا اللواء ، لواء الحق ، وأن يتقدموا الصف مرتلين : (( فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ))

تكليف – لا تكلف إلا نفسك – خوطب به سيدنا رسول بوصفه عاقدَ لواء . بوصفه نبيا إماما وسيدا مطاعا . وهو ليس تكليفا لفرد إنْ قال كثر عليه المخالفون والمعترضون والمشاغبون حتى يزيد حال الأمة فرقة ، وفرقتها شعثا . ثم يجد نفسه في وضع لا يدري ما يأتي ولا مايدع ، فهو إن مرّ مريره كان على صير أمر يمرُّ ولا يحلو ...

المثير فيما كان في سياقات هذه الدعوات والإعلانات أن بعضهم بعد ( أن أعلن الجهاد فرضا عينيا )، وألزم به من سواه ؛ قال إنه يضع إمكاناته وإمكانات جماعته تحت تصرف الشعب السوري والثورة السورية؟!!! ومالي لا أكثر إشارات التعجب في فقه مغلوط ، وهرم منكوس ؛ فكيف يصبح المسئول في ساعة العسرة سائلا ، والمطلوب منه طالبا ، والمنتَظر منتِظرا..يضعون إمكاناتهم تحت تصرف من أمّل فيهم ليضع إمكانته تحت تصرفهم ، وليسير خفقا تحت لواء الحق لوائكم ، وخلف راية الرشد رايتكم .

تفتيت الشريعة الإسلامية وتجزيئها عمل داعشي بالمعنى المفتوح للتدعش ، فاحذروه ...

وإنه الهروب... الذي ينعكس يأسا وخيبة وما أصعب أن ييأس الإنسان بعد طويل أمل ، وأن يخيب بعد كبير رجاء ..

(( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ))

لندن :22 /ذو الحجة/ 1436

6 / 10 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

في الموقف القطري الثابت من الثورة السورية .. د. وائل مرزا

الشرق القطرية

الاحد 4/10/2015

مرةً أخرى، تُعيد دولة قطر التأكيد على موقفها الثابت والواضح من ثورة الشعب السوري. ومرةً أخرى، يأتي هذا الموقف على لسان أميرها من فوق منبر الأمم المتحدة، ليسمعه العالمُ أجمع في أضخم مناسبةٍ سنويةٍ سياسيةٍ عالمية. ومرةً أخرى، تروي قطر للعالم الرواية الأصلية للثورة، وتضعهُ أمام مسؤولياته حين تُصارحهُ بتلك الرواية، كما هي عليه في الحقيقة، بعيداً عن عمليات التزييف وخلط الأوراق الإعلامية والسياسية السائدة والمتصاعدة في الفترة الأخيرة.

فمن اللحظة الأولى، عند الحديث عن سوريا في خطابه أمام الجمعية العامة الأسبوع الماضي، يبسط الأمير جملة مُعطيات توضح طبيعة المُجرم وأفعاله وما يترتبُ عليها، وذلك حين يقول: "تتولَّد عن الأزمة السورية بأبعادها وتداعياتها الراهنة والمستقبلية نتائج كارثية على منطقة الشرق الأوسط، بل والعالم، في ظل استمرار الجرائم البشعة والأعمال الوحشية التي يرتكبها النظام بحق الشعب السوري، وتهديد كيان الدولة وشعبها، وخلق بيئةٍ خصبة لتفاقم ظاهرة التطرف والإرهاب تحت رايات دينية ومذهبية وعرقية زائفة تهدد الإنسان والمجتمع والإرث الحضاري في سورية والمنطقة".

يُسمي الأمير الأشياء بأسمائها: "الجرائم البشعة والأعمال الوحشية"، ويَذكرُ بكل وضوح مَن يقوم بتلك الأفعال: "التي يرتكبها النظام بحق الشعب السوري". ليست هذه إذاً حرباً على (الإرهاب) قامت مُصادفةً على الأرض السورية تستدعي نسيان كل شيء آخر وحشد الدول لمحاربته، في ردٍ غير مباشر على المبادرات الروسية التي تتمحور حول موضوع الإرهاب ولا شيء سواه.

لهذا، يشرح الأمير بشكلٍ مُفصل الصيرورة التي وصلت بالوضع في سوريا إلى ما هو عليه، مُذكراً الجميع بالحقائق التي يحاول الكثيرون طَمسها، وذلك في قوله: "في هذا السياق عبثَ النظام السوري بمفهوم الإرهاب، فسمى المظاهرات السلمية إرهاباً، ومارسَ هو الإرهاب الفعلي. وحين أوصلت أعمال القصف وقتل المدنيين الناس إلى تبني العمل المسلح، ودخلت بعض المنظمات غير الملتزمة بمطالب الثورة السورية ومبادئها فضاء العمل السياسي بدون استئذان، تحوّلت سوريا إلى ساحة حرب، فحاول النظام أن يخيف المجتمع الدولي مِن البديل".

فوق هذا، يُعيد الأمير تذكير النظام السياسي العالمي بنصيبه هو في عملية صناعة الأزمة السورية، بدل شرعنة جرائم النظام، عملياً، بدعوى عدم وجود (البديل)، وذلك من خلال التأكيد بأنه "كان على المجتمع الدولي أن يوقف المجازر في الوقت المناسب، ويوفّر الظروف للشعب السوري لإنتاج البديل العقلاني المدني العادل للاستبداد. وهل ثمة استبدادٌ في العالم يعترف أن له بديلاً؟ وهل يمكن، أصلاً، أن ينمو البديل ويتطوّر في ظله؟" مع الإشارة إلى أن "تقاعس المجتمع الدولي عن اتخاذ القرارات والتدابير اللازمة لإنهاء هذه الكارثة يُعَدُّ جريمة كبرى"..

هي "جريمةٌ" إذاً مع استمرار التقاعس المذكور، ومُرتكبُها هو المجتمع الدولي الذي يتظاهر باستنكار جرائم النظام. وحتى يكون هناك تقديمٌ للحلول العملية يُطالب الأمير بـ"تفعيل وتعزيز دور الجمعية العامة باعتبارها الإطار الأوسع للتعامل مع قضايا الشعوب في ظل عجز أو تقاعس مجلس الأمن عن إيجاد الحلول العادلة لها". ثم يدعو إلى "التعاون من أجل فرض حلٍ سياسيٍ في سورية، ينهي عهد الاستبداد ويُحِّلُ محلَّه نظاماً تعددياً يقوم على المواطنة المتساوية للسوريين جميعاً، ويُبْعد عن سورية التطرف والإرهاب".

يطرح الأمير الحل ويشرحُ طبيعته، وفي معرض الحديث عن إمكانية تطبيق هذا الحل يطرح السؤال الذي يجب طرحهُ بالتحديد بعيداً عن عمليات التضليل الإعلامي والسياسي، فيقول: "ليس السؤال إذا كان هذا ممكناً، فهذا ممكن إذا توفرت الإرادة لدى دول بعينها. إن السؤال المطروح علينا جميعاً هو: هل ترون أن استمرار الوضع الحالي في سورية ممكن؟ لقد تحول الصراع في هذا البلد إلى حرب إبادة وتهجير جماعي للسكان. ولهذا تبعات خطيرة على الإقليم والعالم كله، وحتى على الدول التي لا تستعجل الحل لأنها لا تتأثر بالصراع مباشرة، ولا تصلها حشود المهجرين"..

وعلى طريق استمرار مصارحة العالم بالحقائق المتعلقة بثورة الشعب السوري، جاءت أيضاً التصريحات القوية لوزير الخارجية الدكتور خالد العطية في مقابلةٍ مع وكالة رويترز. ففي معرض الحديث عن (مبادرات) روسيا أكد الوزير أنه "لا أحد يمكنه أن يرفض دعوة السيد بوتين إلى تحالف ضد الإرهاب. لكننا نحتاج إلى أن نعالج السبب".. وليكون الجواب واضحاً تماماً أضاف قائلاً: "نحن نعتقد بقوة أن النظام السوري - وتحديداً بشار الأسد- هو السبب الحقيقي".

لا مجال، في رؤية قطر، لقبول عمليات (الاستغباء) التي تحصلُ هنا وهناك تحت اسم المبادرات السياسية. لهذا، يقول الوزير بكل شفافية: "لا يمكننا أن نعمل معا ونقول (للأسد) حسناً.. أنت حليفنا في محاربة الإرهابيين الذين أوجدتهم أو أحضرتهم إلى هنا"..

ثم إنه ينتقل للحديث بشكلٍ صريح عن الآليات العملية الممكنة للوصول إلى الحل السياسي الذي يتحدث عنه الجميع، ثم يتصرفون وكأن طريقة الوصول إليه لغزٌ لا يمكن اكتشافه، رغم أنه يدخل في ألف باء السياسة. من هنا، يحل الوزير لهم هذا اللغز وهو يتحدث عن المقاومين الذين يتصدون للبراميل المتفجرة قائلاً: "إنهم بحاجة للحصول على وسائل للدفاع عن أنفسهم... عندئذ فقط سيدرك بشار أنه بحاجة للقدوم إلى الطاولة للتوصل إلى هذا الحل السياسي الذي يشمل رحيله".

وأخيراً، يُعيد الوزير ترتيب الأوراق التي يريد الكثيرون خلطها فيما يتعلق بالعلاقة بين الدفاع عن السوريين وهم يواجهون إجرام الأسد وبين واجب محاربة (الإرهاب)، وذلك بقوله: "لم نعالج جذور القضية.. لا يمكنك أن تجلب الشعب السوري وتجبره على الذهاب لمحاربة الدولة الإسلامية وحدهم... إن قضيتهم ليست الدولة الإسلامية بل النظام الحاكم. هم سيحاربون الدولة الإسلامية، لكن عليهم أن يحاربوا أولاً النظام الذي أوجد الدولة الإسلامية".

كبيرةٌ هي حاجة السوريين في كثيرٍ من المجالات. لكن من أكثر الأمور إستراتيجيةً بالنسبة لثورتهم عدمُ السماح للأطراف المُختلفة بممارسة أسوأ ما تنطوي عليه (لعبةُ الأمم) من عمليات تزييفٍ لرواية الثورة، وخلطٍ للأوراق، وتضليلٍ إعلامي وسياسي، واستخدامٍ خبيثٍ للأسماء والمُسميات، وإعادة ترتيبٍ للأولويات بشكلٍ مُخادع.

وبما أن صوت الثورة السورية ضعيفٌ في المحافل العالمية حين يتعلق الأمر بهذا الموضوع، لألف سببٍ وسبب، فإن قيام قطر بهذا الدور يُعتبر دعماً استثنائياً للشعب السوري وثورته يفوق كل نوعٍ آخر من أنواع الدعم والتأييد.

======================

روسيا والمستنقع السوري .. رأي الشرق

الشرق القطرية

الاحد 4/10/2015

لم يكن العالم يحتاج إلى الكثير من الوقت ليعلم أن الهدف من التدخل العسكري الروسي في سوريا باستخدام طائراتها الحربية المتطورة لشن غارات جوية هناك، هو حماية المجرم بشار الأسد من السقوط الوشيك الذي كان يتهدده بعد تقدم المعارضة الأخير في جبهات القتال المختلفة.

ومنذ اليوم الأول للغارات الروسية في سوريا، تواترت التقارير عن أن الأهداف التي استهدفتها الطائرات لتكشف للعالم الدور المشبوه الذي تلعبه موسكو في حماية النظام المتهم بارتكاب جرائم إبادة جماعية ضد شعبه بالأسلحة الكيماوية والبراميل المتفجرة، وذلك تحت غطاء الادعاء بأنها تستهدف تنظيم الدولة الإسلامية وفي إطار الحرب على الإرهاب والتطرف.

وقد قال وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون إن ضربة جوية واحدة تستهدف تنظيم الدولة الإسلامية من بين كل 20 ضربة تشنها روسيا في سوريا، مؤكدا ان الضربات الجوية الروسية لا تستهدف التنظيم المتشدد على الإطلاق وان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يقتل المدنيين دعما للرئيس السوري بشار الأسد.

عشرات المدنيين بينهم اطفال ونساء سقطوا جراء الغارات الروسية التي استهدفت ايضا مستشفيات ميدانية ومواقع لفصائل المعارضة السورية من بينها الجيش الحر وفصيل تدعمه واشنطن. وبحسب الاستخبارات البريطانية، فإن خمسة في المائة فقط من الضربات استهدفت تنظيم الدولة الاسلامية، كما أن معظم الغارات قتلت مدنيين واستهدفت فصائل معتدلة.

وهذا الأمر، هو ما دفع سبع دول عربية وأجنبية هي قطر والسعودية وتركيا والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، الى ان تدعو روسيا لوقف هجماتها وغاراتها التي تستهدف المعارضة السورية والمدنيين السوريين، خلافا لما تدعيه من انها دخلت سوريا لمحاربة تنظيم الدولة.

إن محاولة روسيا لإنقاذ وحماية "سفاح سوريا"، لن تؤدي إلا الى تعقيد الوضع المعقد أصلا في سوريا، ورفع حصاد ضحايا آلة الحرب من المدنيين ودفع من تبقى منهم الى النزوح والبحث عن مهاجر جديدة، وستنتهي هذه المحاولات الروسية اليائسة الى البحث عن سبل للخروج من المستنقع الذي ستغرق فيه.

لا سبيل، لإخراج سوريا من أزمتها، الا بالعودة من جديد الى مقررات "جنيف1" بما يضمن عملية انتقالية لا مكان فيها لبشار الأسد الذي تلطخت يداه بالدماء.

======================

أوباما.. هل يصحّح خطأه؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 4/10/2015

قبل قرابة عام، أعلن الرئيس الأميركي، باراك أوباما، أولوية للمسألة العراقية على السورية، وقرّر أن يرى الصراع بين الشعب السوري المطالب بحريته ونظامه الاستبدادي القاتل من منظور مكافحة الإرهاب والحرب على "داعش". وبذلك، وقع فصل غير مفهوم وخاطئ بين السياسي والعسكري في قضيةٍ سياسيةٍ بامتياز، هي ثورة سورية وحرب النظام الأسدي عليها. وحدثت ثغرة دخل بوتين منها إلى المسألة السياسية السورية، ثم رتب عليها، قبل أشهر، دوراً عسكرياً مباشراً لبلاده فيها، بدا معه أن حضورها السياسي في سورية رجح على حضور أميركا التي تصرّفت وكأن ثورة السوريين صارت وراءها، وأنها لم تعد تحظى بما تستحقه من اهتمام لديها، والدليل: الطريقة المتحفظة والمترددة التي صاغ عسكر واشنطن، من خلالها، برنامج الإعداد العسكري للجماعات السورية المقاتلة التي وعدوا بتدريبها، وأخذت شكلاً أقرب إلى التنصل من واجبات أميركا حيال الشعب السوري، التي اتسمت بالتدني والهامشية، طوال فترة الثورة.

يبدو أن أوباما أدرك خطأه بعد الغزو الروسي لسورية، وما يمكن أن يفضي إليه من نتائج نهائية لصالح الأسد ونظامه، أقنع كثيرين بأن روسيا انتزعت زمام المبادرة من الغرب، وفرضت عليه اللعب بشروطها، وفي ظل قدرتها على ممارسة ابتزاز عسكري/ ميداني في وسعه إطالة بقاء النظام والأسد، وتعزيز مقاومته، للفترة التي يقررها قادة الكرملين الذين بدا، وهلة، وكأنهم سددوا ضربة ناجحة إلى درجةٍ لم يعد بمقدور أحد معها الخروج عن الإطار الذي رسمه بوتين للتطورات اللاحقة. في هذه اللحظة، وقعت بلبلة أميركية واضحة، ربما كانت شخصية وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، مسؤولة عنها، بما يكتنف تصرفاته من غموض، وتصريحاته من ارتباك، كثيراً ما تحول إلى تخبط.

بعد لقاء أوباما مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقع ما يلفت النظر ويستحق أقصى درجة من اهتمام المعنيين بالثورة السورية، ذلك أن أوباما أعلن، في لقاء لمكافحة الإرهاب، تراجعه عن خطته التي أعطت الأولوية للحرب ضد الإرهاب، عكس موقفه بأن ربط نجاح هذه الحرب برحيل بشار الأسد الذي عليه إخلاء مكانه لـ"زعيم جديد" يتولى قيادة سورية. هذه النقلة المهمة في موقف أوباما التي تعيد طرح القضية السياسية من بوابتها الصحيحة المتفقة مع وثيقة جنيف، توقف أمور سورية من جديد على قدميها، وتعيد إلى سياسات أميركا جانبها الغائب وتوازنها المفقود.

بدل الالتقاء مع الروس، يمثل موقف أوباما افتراقا واضحا عنهم، في النقطة الحاسمة التي تجعل من بشار الأسد القضية الجوهرية للمسألة السورية، على عكس ما أشيع، بعد الدخول العسكري الروسي إلى بلادنا، وما قيل عن اتفاق أميركي/روسي حول استمرار المجرم رئيساً في أثناء المرحلة الانتقالية. وبهذا الموقف الذي ربط الحل السياسي والانتصار على "داعش" برحيل الأسد، أفرغ البيت الأبيض وجود روسيا العسكري في سورية من وظيفته التي هي إنقاذ الأسد، وعزل موسكو عن بقية الدول الفاعلة في الحدث السوري، وفتح الباب أمام تعرّض قواتها لتحديات عسكرية، تعني ترجمتها إلى أفعال توريطها بمصاعب لا تترك لها من خيار، غير الانكفاء عن سورية، أو خوض حربٍ لا مصلحة لها فيها، لن يسوّغ إنقاذ الأسد ما سيتكبده جيشها فيها من خسائر.

هل ستتمسك أميركا بموقفها الجديد الذي يفتح باب الحل في سورية، ويقطع مع سياساتها السلبية حيال ثورتها وشعبها، ويدخلها في مكاسرة حافلة بالتحديات مع موسكو وإيران في بلادنا والشرق الأوسط؟

======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com