العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 11-06-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

التشكيلات المسلحة في الائتلاف السوري

فايز سارة

 الشرق الاوسط

السبت 10/6/2017

ترددت في الآونة الأخيرة الدعوات لضم ممثلين عن تشكيلات المعارضة السورية المسلحة إلى الائتلاف الوطني السوري. بل إن جهوداً عملية بدأت في هذا الاتجاه من جانب رياض سيف، رئيس الائتلاف الجديد، الذي تم انتخابه أخيراً من أجل ضم ممثلين عن التشكيلات المسلحة إلى الائتلاف.

الفكرة في أساسها تبدو صحيحة. ذلك أن الفصل بين السياسي والعسكري في وضع المعارضة السورية، ترك آثاراً سياسية وميدانية كارثية، كما تدلل تجربة السنوات الست الماضية، بل إنه خلق رأسين – إن لم نقل رؤوساً للمعارضة – تتنافس وتتصارع بمستوى، قد يفوق مستوى صراعها مع معسكر خصومها من نظام الأسد وحلفائه، وهذا كان أمراً واضحاً في الأشهر الأخيرة بعدما اشتغل الروس علناً وبكثافة في آستانة على التشكيلات المسلحة، ولم تخفف الجهود التركية من التباينات والصراعات بين طرفي المعارضة السياسية والمسلحة رغم علاقاتها الوثيقة بالاثنين.

وباستثناء التنافس والصراع القائم بين طرفي المعارضة حول من يمثل السوريين، ومن يمكن أن يتكلم باسمهم، فإن أمر توحيد الطرفين تحت قيادة الائتلاف، يبدو أمراً غير عملي في ضوء التجربة المرة التي كرستها السنوات السابقة بين الطرفين، عندما اختار الائتلاف بين صفوفه ممثلين لهيئة أركان الجيش الحر، التي كانت شبه هامشية وشكلية في أغلب أوقاتها، وترك التشكيلات الفاعلة خارج اهتمامه أو في الهامش من الاهتمام، فيما كانت الثانية تعزز توجهاتها في التشكيك بشرعيته، وتأكيد هامشية تأثيره، وتسعى في آن معاً لتكون بديلاً عنه من الناحية السياسية، فيما هي قوة مباشرة على الأرض.

والأمر الثالث في القضية، سؤال يتصل بمحتوى ضم التشكيلات المسلحة للائتلاف، فلا الائتلاف بدل شيئاً من توجهاته ولا التشكيلات المسلحة فعلت، مما يعني أنه لا برنامج جديداً، يتطلب إعادة رسم علاقة جديدة بين الطرفين، تقوم على دمج التشكيلات في الائتلاف، وإذا كان الأمر يتصل بموضوع المفاوضات، فإن الطرفين موجودان في الهيئة العليا للمفاوضات، وبإمكانهما من خلالها – إذا رغبا – تطوير أدائهما المشترك فيها، أما إذا كان الأمر يتصل بموضوع تسيير الأوضاع في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، التي تتراجع أهميتها الميدانية، وتنحسر مساحاتها بصورة خطيرة، فهذه المناطق خارج التأثير السياسي للائتلاف بشكل عام، وإن كانت تخضع من الناحيتين السياسية والميدانية بشكل عام للقوة المسلحة، التي يتداخل فيها نفوذ جبهة النصرة المصنفة في دائرة التطرف والإرهاب وتشكيلات المعارضة المسلحة الموصوفة بالمعتدلة، وثمة صراعات وصدامات بين الطرفين فيها، ودخول الائتلاف على خط الواقعين السياسي والميداني فيها لن يبدل الأوضاع القائمة إلى الأحسن، إن لم يفاقمها.

وكما يبدو، فإن ثمة انسدادات سياسية وعملية في قضية ضم تشكيلات المعارضة المسلحة إلى الائتلاف، أو تمثيلها فيه، ولأن الأمر على هذا النحو، فمن الصعب تحقيق هذا الهدف في الواقع الحالي.

غير أنه، وإذا كانت ثمة رغبة مشتركة وصادقة، وتتوفر لها إرادة سياسية وعملية لدى الائتلاف الوطني والتشكيلات المسلحة، ودعم إقليمي ودولي، فإنه يمكن تشكيل مجلس سياسي مشترك، لا يقتصر على مشتركات الطرفين بما فيها من توافقات ومهمات، بل يكون نواة لمجلس أوسع، يضم غالبية قوى المعارضة السورية، ويكون له برنامج سياسي وطني شامل، يعالج المهمات الرئيسية في الوضع السوري.

إن الأهم في محتويات البرنامج السياسي المأمول، هو أن وحدة المعارضة بشقيها السياسي والعسكري، وخضوع الشق العسكري للقيادة السياسية، التي تتضمن تمثيلاً للطرفين، وتأكيد أن مكافحة التطرف والإرهاب بكل أشكاله وتعبيراته مهمة مركزية للمعارضة السورية، لا يمكن الحيدان عنها أو التهاون فيها، إضافة لمهمة العمل على تحقيق الانتقال السياسي في سوريا، وفق قرارات الشرعية الدولية انطلاقاً من بيان جنيف1، وتلبية حاجات الشعب السوري وإنهاء معاناته في إطلاق المعتقلين والمخطوفين، ورفع الحصار وعودة النازحين واللاجئين، وإعادة تطبيع حياة السوريين.

ورغم أهمية وضع برنامج سياسي موحد للمعارضة، فإنه لا بد من خلق قيادة قادرة على التعامل مع المهمات المطروحة وسط المعطيات القائمة والتطورات السياسية والميدانية الحالية، وتجييرها لصالح المهمات الرئيسية، التي دون التركيز عليها، والعمل على تحقيقها، سيظل السوريون ومعارضتهم كلها، يدورون في محيط مغلق بلا حل لقضيتهم، وسيظلون يدفعون فواتير حرب عبثية، لا تولد إلا الخسائر ومزيداً من المعاناة.

========================

بوتين يضع أوراقه على الطاولة

علي العبدالله

المدن

الخميس 8/6/2017

في سياق عملية عض أصابع بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية، وفي ظل ضغوط عسكرية وسياسية كبيرة ومتصاعدة، عبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن هواجسه ومخاوفه من التحركات الغربية بعامة والأميركية بخاصة، ضد روسيا: زحف حلف الناتو باتجاه الحدود الغربية لروسيا، نشر الدرع الصاروخية في دول أوروبا الشرقية(بولندا ورومانيا) بالإضافة إلى شبكة الرادار المرتبطة بالدرع في تركيا، ناهيك عن نشر شبكة صواريخ “ثاد” المضادة للصواريخ العابرة للقارات في كوريا الجنوبية وفي الالسكا، مطلقا تحذيرات سياسية ومعلنا عن حتمية الرد بتعزيز القدرات العسكرية الروسية، النووية منها بخاصة.

تزامنت هذه التصريحات مع تصعيد عسكري روسي في سوريا من خلال توسيع دائرة انتشار القوات الروسية في ريف حلب الشرقي وريف السويداء وتكثيف الغارات الجوية على مواقع المعارضة المسلحة في البادية ودرعا. 

جاء تصعيد اللهجة الروسية بعد تنامي التوتر مع الإدارة الأميركية الجديدة على خلفية موقف الأخيرة الصدامي في أكثر من ملف بدءا من وصف روسيا بـ “دولة معادية”، واستبعاد حصول تفاهم معها ما لم تغير سياستها، وفرض عقوبات جديدة عليها، مرورا بالإصرار على نشر الدرع الصاروخية في أوروبا وآسيا وآلاسكا، وصولا إلى الملف السوري حيث عادت واشنطن إلى موقف طرحه الرئيس الأميركي السابق يدعو إلى رحيل رئيس النظام، وقيام الولايات المتحدة بتعزيز تواجدها العسكري على الأرض السورية: إرسال مزيد من القوات وزيادة عدد القواعد العسكرية(غدت سبع قواعد) وتوسيعها، استهداف قوات حليفة للنظام السوري في بادية الشام، تجاهل مخرجات اجتماعات أستانة وجنيف، ما يعني عدم الاعتراف بهذه النتائج وبقاء الملف السوري معلقا حتى تنهي واشنطن معركتها مع “داعش” في الرقة  ودير الزور، مع احتمال دفع عناصر التنظيم الإرهابي إلى مناطق سيطرة النظام وتحولهم إلى مشكلة لروسيا، الضغط من أجل إخراج الميليشيات الشيعية التابعة لإيران من سوريا كمدخل للحوار مع موسكو على حل فيها، ما يعني خسارة روسيا للقوة البرية قبل عقد صفقة شاملة مع واشنطن. كانت مصادر إعلامية قد نقلت انطباعات المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا عن رد الفعل الروسي على الموقف الأميركي من الملف السوري حيث عبر عن “اهتزازه بعض الشيء” لأن الإدارة الأميركية ليست مهتمة بالحل السياسي في سورية وإنها تعتبر أن لديها مصالح وطنية أمنية بحتة وهي حريصة على أمن حدود حلفائها وتحديدا إسرائيل والأردن في جنوب سورية، بما في ذلك تأمين الحماية لحلفاء أميركا من تهديدات “داعش” أو “النصرة” أو “حزب الله”. وأنها(الإدارة الأميركية) وحدها من يستطيع ضمان هذه المصالح ولا حاجة إلى روسيا. ونُقل عن وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسن قوله لنظيره الروسي سيرغي لافروف: “إن الإدارة الأميركية لا تبالي كليا بمصير بشار الأسد وإنه إذا كانت روسيا عازمة على بقائه في منصبه فهذا سيمس بصورة روسيا ولا يهم مصالح الأميركيين”. وفي رأي دي ميستورا، إن مثل هذا الموقف يزعزع الروس لأنهم يفقدون ورقة تفاوض مع الجانب الأميركي وقد يدفعهم إلى تقديم “مبادرات أفضل” في شأن الحل في سورية.

عبرت روسيا عن تبرمها من التوجه الأميركي الجديد بالعمل على تعزيز حضورها العسكري في القطب الشمالي(أمر بوتين بإقامة قاعدة عسكرية هناك) ونشرت شبكة صواريخ اسكندر المتوسطة في كالينينغراد(قالت إن صواريخ اسكندر قادرة على تدمير الدرع الصاروخية في أوروبا خلال عشر دقائق) وعززت قواتها البحرية قبالة السواحل السورية (15 قطعة بينها الفرقاطتان “الأميرال غريغوروفيتش” و”الأميرال إيسين” المزودتان بصواريخ “كاليبر” المجنحة٬ كما انضمت إلى المجموعة مؤخرا الغواصة “كراسنودار” المزودة بصواريخ “كاليبر” أيضا) وأعلنت عن إنتاج أسلحة جديدة(طائرة ميغ31 سرعتها 3000كم/ساعة، وميغ 41 سرعتها 4500 كم/ساعة، لا تستطيع الصواريخ اللحاق بها، أبو القنابل، غواصة نووية آلية لا تحتاج إلى طواقم بشرية) وبتكثيف الغارات على مواقع المعارضة المسلحة واستهداف فصائل تدعمها واشنطن في بادية الشام ، والانخراط في السباق على الهيمنة على تركة “داعش” بزج طائراتها في مهمات قتالية على حدود المنطقة الشرقية وتغطية هجوم قوات النظام والميليشيات التابعة لإيران في ريفي حمص وحلب الشرقي من جهة، ورفض فكرة اتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية و”داعش” للانسحاب من الرقة، مع الضغط من أجل مشاركة قوات النظام وحلفائه في تحرير الرقة من جهة ثانية.

لم تكتف موسكو بتصعيد دورها العسكري في سوريا فقط بل غطت هجوم النظام وحلفائه على مواقع المعارضة المسلحة في ريفي حماة وحمص ومحافظة درعا قبيل تحديد حدود المناطق التي ستدخل تحت اتفاق تخفيض التصعيد مرفقا بهجوم إعلامي يحذر من تداعيات تقاسم النفوذ وترسيم حدود المناطق التي سينفذ فيها تخفيض التصعيد وتحوله إلى “شكل أو نموذج للتقسيم المستقبلي للأراضي السورية”، وفق تصريح الرئيس الروسي في منتدى بطرسبرغ الاقتصادي، والرد على مثل هذا الاحتمال وفق قول الرئيس الروسي:”إن الموقف الروسي يقوم على الحفاظ على وحدة الأراضي السورية٬ وأن تدخل مناطق تخفيض التصعيد في تعاون ما مع الحكومة المركزية للرئيس الأسد٬ وأن تبدأ حوارا ما٬ وتعاونا ما٬ وأن يشكل هذا كله صيغة للتعاون المستقبلي على الساحة السياسية٬ بهدف استعادة سوريا لسيطرتها على كامل أراضيها والحفاظ على وحدة تلك الأراضي”.

يرتبط التحرك الروسي، العسكري والسياسي، بسعي بوتين لاحتلال روسيا موقع الاتحاد السوفياتي الدولي وتأكيد ذلك بإقرار أميركي ما يدفعه إلى مقاومة سعي واشنطن لتثبيت حضورها ودورها المقرر في المشرق العربي لان نجاحها يعني انهيار تطلعاته وتصوراته.

========================

الصراع على الرقة عسكرياً وسياسياً

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 8/6/2017

بدأت، أخيراً، المعركة النهائية للسيطرة على مدينة الرقة، عاصمة «دولة الخلافة» في سوريا. ويبدو من أحدث الأخبار، أنها مسألة أيام أو أسابيع قليلة قبل إعلان انتهاء الاحتلال الداعشي لها. فهناك أخبار تتحدث عن حصول اتفاق لانسحاب قوات داعش بلا قتال باتجاه البادية السورية جنوباً، بينها وبين «قوات سوريا الديمقراطية» التي تقود الهجوم على المدينة. وهذا ليس بالأمر المستبعد بالنظر إلى سوابق أخرى أخلت فيها داعش مواقعها حين تيقنت من الهزيمة المحتومة.

وعلى رغم ذلك يواصل طيران «التحالف الدولي» بقيادة الولايات المتحدة قصفه التدميري للمدينة وجوارها المباشر مخلفاً مئات القتلى من المدنيين، منهم من كانوا في طريقهم إلى النزوح. سواء تعلق الأمر بالإدارة الأمريكية، أو بالقوات البرية المهاجمة، فكلاهما يسعى إلى «كسب معركة شرسة» حتى لو كان داعش في طريقه إلى الانسحاب بلا قتال. فكلما كبرت المعركة إعلامياً، ارتفع مردودها السياسي الذي هو بيت القصيد لدى كل الأطراف المتحاربة.

ويسعى النظام الكيماوي، أي إيران، إلى الحصول على حصته من «وليمة» الرقة الدموية، من خلال اندفاع ميليشياته لاستلام مدينة مسكنة من داعش على الطريق إلى مدينة الرقة. من المستبعد، في الشروط المنظورة، أن تسمح واشنطن بتقدم هذه القوات عميقاً باتجاه الرقة، وهي التي لم تتردد في ضربها، مرتين، في معركة أخرى، بعيدة جغرافياً، قرب معبر التنف الحدودي. فالواضح أن الأمريكيين قد رسموا حدود منطقة نفوذهم التي لن يسمحوا للإيرانيين وتابعه الكيماوي بالاقتراب منها. أما النظام ومشغِّلوه فما زالوا يحاولون اختبار الأمريكيين هنا وعينهم على دير الزور أكثر مما على الرقة نفسها. فما زال النظام يحتل قسماً من مدينة دير الزور، ويبدو أنه سيتمسك بوجوده هناك طمعاً في شراكة مع الأمريكيين في تحريرها من داعش، ما دام الغموض الأمريكي سارياً بصدد خططها بشأن تلك المدينة.

غير أن الوجه السياسي لمعركة الرقة يكاد يطغى على وجهها العسكري، ويتمحور حول السؤال الحارق: من سيسيطر على المدينة ويدير شؤونها بعد طرد داعش منها؟

المؤسف، من زاوية النظر السورية، أن تشتعل هذه المعركة بأدوات التنافر القومي ـ العرقي، في الوقت الذي لا تحسب فيه القوى المقررة أي حساب للسوريين أو لأهالي الرقة تحديداً. ففي الوقت الذي تسعى فيه قوات «حزب الاتحاد الديمقراطي» (الكردي) إلى توسيع رقعة سيطرتها الميدانية والقيام بالدور المطلوب منها أمريكياً في «محاربة الإرهاب» على أفضل وجه، طمعاً في تحالف استراتيجي مع الدولة العظمى الوحيدة، يتذمر رأي عام عربي معارض للنظام من هذا الدور الكردي، معترضاً على «احتلال كردي» محتمل للمدينة «العربية» إذا وافق الأمريكيون على ذلك. اعتراضاً أكثر حدة من معارضته لاحتلال داعش طوال السنوات السابقة، مع كل الفظائع التي ارتكبها هذا الأخير بحق الأهالي، فقط لأن «المحتل» الجديد المحتمل كردي لا عربي.

والحال أن الأمريكيين أكثر براغماتية من أن يتركوا إدارة المدينة ذات الغالبية العربية لقوات كردية، مهما بلغ اعتمادهم الميداني عليها، وبصرف النظر عن رؤاهم بعيدة المدى بشأن مستقبل الكيان السوري أو مستقبل علاقتهم مع المكون الكردي. ففي حسابات الأمريكيين بشأن الحروب الدائرة في سوريا، يحسب حساب للحساسيات التركية أكثر مما للحساسيات الأهلية في الرقة وغيرها من المناطق الشمالية القريبة من الحدود التركية.

ومن هذا المنظور يتوقع أن يعتمد الأمريكيون على إدارة مختلطة لمدينة الرقة بعد تحريرها من داعش، يغلب عليها المكون الأهلي العربي. فهذا مطلب تركي أيضاً إضافة إلى أن من شأنه نزع فتيل نزاعات محتملة بين العرب والكرد لا يريدها الأمريكيون. وتلوح في أفق الرقة فرصة حقيقية لتكون منطقة محررة ومحمية معاً من هجمات الطيران الأسدي أو الروسي، بخلاف ما كانت عليه الحال إبان تحريرها من النظام وقبل احتلالها من داعش. ومن المحتمل أن يتعمم نموذج الرقة هذا في المناطق الخاضعة للنفوذ الأمريكي بصورة عامة. هذا يعني نصف مساحة سوريا تقريباً. هل هذا جيد؟

يتوقف التقييم على زاوية النظر. فمن زاوية النظر الوطنية يبدو هذا تقسيماً فعلياً للأرض، وليس على أساس عرقي كما قد يعتبر البعض، بين مناطق نفوذ إحداها أمريكية. في حين تتوزع المناطق الأخرى بين الروس والأتراك والإيرانيين (ما لم تقرر أمريكا طرد هؤلاء الأخيرين من كل سوريا). ولن تكون الرقة ضمن منطقة النفوذ التركية التي قد تشمل، في مرحلة لاحقة، محافظة إدلب كما يتردد، بما في ذلك منطقة عفرين الكردية.

أما من زاوية نظر تعذر الوصول إلى حل سياسي مقبول ـ وهو ما يبدو حالياً وفي الأمد المنظور ـ واستمرار النزيف السوري بشراً وعمراناً، فقد يبدو تحرير الرقة تطوراً إيجابياً بوصفه تخفيفاً لآلام جزء من السوريين وتمكينهم من استعادة شيء من شروط الحياة الطبيعية.

ومن زاوية نظر موازين القوى في الصراع الدائر في سوريا، سيكون لتحرير الرقة أثر إيجابي على تعديل التوازنات القائمة لغير مصلحة الإيرانيين والروس وتابعهم السوري، من غير أن يصب بالمقابل في مصلحة تركيا. وميدانياً سيكون الرابح الأكبر هو حزب الاتحاد الديمقراطي.

وإذا تخلى الحزب المذكور عن ممارساته المشينة حيثما سيطرت قواته، سواء بحق الكرد أو العرب من السكان، فسيكون الفوز بمعركة الرقة لمصلحة القضية الكردية أيضاً. وإن كانت صفحة سوابقه لا تبشر بتحول مماثل.

 

٭ كاتب سوري

========================

الأسدية انتهت منذ اللحظة الأولى للثورة السورية

فراس قصاص

القدس العربي

الخميس 8/6/2017

أثمان باهظة، فاقت أي توقع أو تصور، دفعها ولا يزال يدفعها السوري، ونفق مظلم ومرعب دخل فيه الوضع في بلاده منذ سنوات، ولا ضوء يلوح في الأفق يضع حدا للمأساة المروعة، التي لم تزل تزداد فصولها وتتعاظم آثارها.

رغم ذلك ورغم ما يشاع على نطاق واسع من انتفاء السمة الثورية عن الحدث السوري، إلا أن هذا الأخير، المعلن مع ولادة التظاهرات السلمية التي خرج بها السوريون في مارس 2011 إنما يلبي من وجهة نظر هذه السطور كل المعايير النظرية الفلسفية والتاريخية، لاعتباره ثورة وفقا لكل قياس، بل ثورة عظيمة حوت انتصارها وتحققها الجوهري في لحظة اشتعالها الأولى.

لماذا؟

لأن الحدث السوري أصاب بآثاره وهزاته العنيفة كل المنطقة وربما العالم، ووضعهما أمام أسئلة صعبة، وتحديات ورهانات عديدة وجديدة، وقبل ذلك لأنه كان جذريا وكاشفا، عميقا وشاملا، أظهر وجه الاستبداد المركب الذي يخترق الوجود السوري، كشف جذوره الثقافية/المعرفية، وبنيته القروسطية المروعة، صرح عن المكبوت والمسكوت عنه في البنية السوسيولوجية السورية، وعرّى كل ما يجري فرضه قسرا، من مقولات الخطاب الرسمي للنظام السوري، عن المجتمع المتماهي المنسجم والمتفق على دور ورسالة وهوية عربية لذاته ولبلاده، النابذ لكل وعي طائفي أو مذهبي.

لقد غير هذا الحدث الهائل بآثاره وتداعياته، الشخصية السورية بشكل غير قابل للرجعة، وغير معها الحقل الاجتماعي السياسي الذي تتفاعل فيه بشكل عنيف وغير مسبوق. وإذ لم يسقط الأسد سقوطا ماديا بعد، وحيث ألحق ولم يزل بسوريا ومجتمعها، أذى يصل حد الخرافة، إلا أن القول بأن الأسدية وتاريخها قد انتهيا إلى الأبد في سوريا، يبدو أمرا مشروعا وله ما يبرره، فالأسدية بوصفها نظاما لإنتاج الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية، يتم بدلالتها وحدها، قد تعطلت تماما. لقد دخلت فواعل عديدة في عملية الإنتاج تلك، فواعل ليست منافسة للأسدية وخصائصها فقط وإنما معادية تماما، فبالإضافة إلى القوى القائمة على تجربة مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية، التي يشكل الكرد والعرب وبقية المكونات السورية نموذجا مجتمعيا جديدا واعدا، في علاقاته البينية، في قيمه ورهاناته، هذي التجربة التي فككت مؤسسات الاسدية التشريعية والتنفيذية والقضائية في مناطقها، وأرست الدعائم لمنظومة قانونية وتعليمية، ذات سقف أيديولوجي، متناقض جذريا مع ما شيدته سلطات الأسد في عموم البلاد خلال العقود الماضية، وبالإضافة إلى الآثار السياسية والاجتماعية والمعرفية التي طالت حقل القيمة والوعي الاجتماعي السياسي السوري، بعد سيطرة الفصائل الإسلامية المتشددة على مساحات شاسعة من سوريا، حازت المواقع المعارضة للنظام نفوذا مهما في إنتاج وعي سياسي وإرساء ثقافة معادية للأسدية، صارت لها سطوتها وحضورها بين ملايين اللاجئين والنازحين السوريين، الذين عاشوا قهرا استثنائيا وخبروا كافة أشكال العذابات التي مارسها النظام ضدهم، أثناء الحرب الشاملة التي شنها بشار الأسد على السوريين طوال الأعوام الست الماضية.

ليس ذلك فقط، بل إن الاسدية التي كانت فاعلة في محيطها الإقليمي، تتصارع على النفوذ والهيمنة خارج حدودها، كما في حالة لبنان، أصبحت الآن هشة وهامشية إلى حد بعيد، بل مخترقة حتى العمق من الخارج، تتسابق على تركتها وسلطتها ومناطق نفوذها مجالات إقليمية ودولية، حتى أنها فقدت هيبتها داخل مساحات نفوذها الاجتماعي بالذات، وبدأت تظهر إلى العلن مليشيات غير منضبطة تعمل لمصالحها الأضيق، كانت حتى وقت قريب محسوبة على بيئة النظام الحاضنة وتابعة له. والأسدية التي لم يخيل لأحد قبل مارس 2011 أن تتحدد بأفق زمني منظور ينهيها وينهي هيمنتها الشاملة على كل أشكال الحياة في سوريا، أمست الآن، تكافح جاهدة كي تكون مشاركة في مستقبل بلادها بشكل ما، فهذا أفضل سيناريو ترجوه وتعمل من اجل تحقيقه. وبعد أن كان مصير البلاد والأسدية فقط بيديها. تغير ذلك تماما الآن، فلا مصير البلاد ولا مصيرها هي ذاتها بيديها.

في المحصلة ألا يعني، فقدان الاسدية لأبرز خصائصها، فقدانها لهيبتها وتغولها وشموليتها المهيمنة على سوريا، وعلى أنظمة إنتاج الوعي وأشكال الدمج الهوياتي والمجتمعي فيها، ثم تلاشي نفوذ سياساتها خارج حدود سوريا، وفقدانها دورها المحوري بتحولها من موقع الفاعل في الصراع على الشرق الوسط إلى موقع هامشي عنوانه التصارع على تركتها وعلى سوريا، مرتهنة لفواعل خارجية تتحكم بمصيرها المادي الذي بات محددا بنهاية لم تعد بعيدة، ألا يعني ذلك كله أنها انتهت؟

========================

أميركا وإخراج إيران من اللعبة السورية

غازي دحمان

الحياة

الخميس 8/6/2017

تدرك إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن عملية تفكيك النفوذ الإيراني في المنطقة تحتاج لما هو أكثر من التكتيكات العادية التي جرى العمل بها خلال السنوات الماضية، من قبل الحلفاء، والتي اتخذت في الغالب طابعاً دفاعياً في مواجهة الهجوم الإيراني الشامل على كل المحاور.

ولا يمكن حصر محاربة النفوذ الإيراني عبر إغلاق طريق أو طرق إمداد لوجستية برية بين سورية والعراق، على رغم أهمية مثل هذا الأمر، ذلك أن إيران صنعت على مدار السنوات الست السابقة بنية عسكرية وأمنية متكاملة، واختبرت طرقاً وأساليب كثيرة للتعامل مع التطورات الطارئة، بما فيها إيجاد بدائل لنقل الأسلحة من إيران عبر إنشاء مصانع في أجزاء من الأراضي السورية للصواريخ الإيرانية، في حماة والقلمون، كما أنها أغرقت الساحة السورية بميليشيات أجنبية وميليشيات صنعتها محلياً لدرجة لم تعد معها بحاجة إلى تغذية قواتها بمزيد من العناصر في المدى القريب، مع إدراكها أن طريق بغداد- دمشق لن يبقى مغلقاً إلى آجال بعيدة.

التقدير أن هذه المعطيات لم تفت صناع الإستراتيجية الأميركية الجديدة تجاه إيران، وبخاصة أن جميعهم تعاطى عن كثب مع الذهنية الإيرانية وأساليب عملها من خلال التجربة العراقية، بالإضافة إلى وجود متغير مهم يتمثل بالعامل الروسي الذي يندمج مع الوجود الإيراني بحكم التنسيق المشترك والضرورة العملانية، وهو ما يستدعي التفكير بطريقة محتلفة وإستراتيجية عملية لتفكيك النفوذ الإيراني وتعطيل مفاعيله في سورية.

وعلى رغم عدم إعلان الإدارة الأميركية عن إستراتيجيتها في هذا الخصوص، إلا أن ملامح هذه الإستراتيجية تكشف احتواءها مكونين أساسيين: الخطوات الصغيرة، وفصل إيران عن روسيا.

وحتى اللحظة، نفذت أميركا العديد من الخطوات الصغيرة، منها قطع الطرق بين العراق وإيران، وضرب ميليشيات إيرانية في البادية السورية، وكان قد سبقهما ضرب إسرائيل مطار دمشق الدولي بصفته خط إمداد لوجستي إضافي، والواضح أن هذه الضربات والإجراءات، بالإضافة إلى مفعولها العسكري، فهي تهدف إلى إدراج الحضور الأميركي في الفضاء السوري، إذ يصبح أحد معطيات المشهد، ومن جهة أخرى يتيح لأميركا استكمال البنية اللازمة لإنفاذ إستراتيجيتها، سواء من خلال بناء المراكز والقواعد، أو تجهيز القوات المحلية الرديفة التي ستلقى على عاتقها مهمات السيطرة على الأرض.

بالإضافة إلى ذلك، تشكّل الخطوات الصغيرة إجراءً واقعياً للطرف الأميركي الغائب سنوات طويلة عن الميدان السوري، وفي الوقت ذاته لا يزال في طور اختبار الأرض والحلفاء المحليين والإقليميين وتفحّص الإمكانات في مواجهة أطراف رسخت وجودها عبر فترة زمنية مديدة.

أما بالنسبة إلى عملية فصل إيران عن روسيا، فالواضح أن الإدارة الأميركية صنعت سياقاً متكاملاً في هذا الاتجاه، من خلال نزع مبررات الوجود الإيراني في سورية عن قضية محاربة الإرهاب، وبخاصة بعد أن تم وضع إيران في الميزان ذاته الذي يتم فيه قياس «داعش» و «النصرة» وحساب نتائج وتداعيات أفعالهما على أمن المنطقة واستقرارها.

والمفارقة أن روسيا، ومن دون قصد، أفسحت المجال للإدارة الأميركية للعبور إلى نقطة المطالبة بإخراج إيران من الساحة السورية، بعد الهدنة التي توصّلت إليها بين قوات الأسد وفصائل المعارضة، ثم اتفاق المناطق الآمنة، وهو ما جعل الوجود الإيراني محل تساؤل وبخاصة أن إيران وميليشياتها لم يسبق لها قتال «داعش» الذي من المفترض، ووفق اتفاقات الهدنة في سورية، أن تتكفل قوات الأسد والمعارضة بقتاله.

أما روسيا فاستنفدت كل مبررات دفاعها عن الوجود الإيراني، وبخاصة أنه يعتمد بدرجة كبيرة على مكونات ميليشياوية يصعب تبرير انخراطها في الحرب السورية في ظل توجّه دولي يدعو إلى استعادة سيادة الدول في الإقليم، بمواجهة الفاعلين الآخرين من ميليشيات وفصائل، بل يعتبر هذه المكونات أحد أهم أسباب استمرار الأزمة، والمنطق ذاته ينطبق على فصائل المعارضة السورية التي سيكون مطلوباً منها التوحّد في إطار هيكلية جديدة لتهيئتها للاندماج ضمن هيكلية أوسع في إطار الحل السياسي المنشود.

لا شك في أن روسيا تواجه تطورات غير محسوبة في سورية، فهي لا تستطيع ولا تريد التخلي عن إيران، لأن ذلك سيرفع أكلاف وجودها في سورية، وهو ما لا تحتمله، على الأقل قبل أن يتم القضاء على كل ممكنات الثورة السورية وإخضاعها وإعادة بناء البنية الأمنية والعسكرية للنظام، وهذا يحتاج لسنوات.

بيد أن أميركا بنت قضية متكاملة لإخراج إيران وعزلها عن سورية وعن المنطقة، وتشتمل عناصر هذه القضية على أمن الحلفاء في الأردن وإسرائيل والخليج، ومستلزمات التوصل إلى حل في سورية، والقضاء على «داعش»، وتقليم أظافر الميليشيات الشيعية، وإنجاز هذه الأهداف لتحقيق حل واقعي لأزمة المنطقة بات يستلزم حكماً إخراج إيران وتوابعها من المنطقة.

يستدعي نجاح الخطة الأميركية توفر عاملين مهمين: الجدية والاستمرارية، ذلك أن روسيا ستحاول قدر استطاعتها إفشال المخطط الأميركي ما لم تظهر إدارة ترامب أنها جادة في قرارها إخراج إيران من اللعبة، كما أن إيران ستراهن على نزق أميركا وتعبها، وهنا يأتي دور حلفاء أميركا في المنطقة الذين عليهم الانخراط ضمن الجهود الأميركية وانتهاز فرصة التخلص من التهديد الإيراني.

========================

هذا الأسد... من تلك الهزيمة

حسان حيدر

الحياة

الخميس 8/6/2017

في ذكرى مرور خمسين عاماً على «نكسة» العام 1967، ما زال هناك العديد من الأسئلة حول سلسلة «الأخطاء» التي ارتكبها وزير الدفاع السوري حافظ الأسد، خلال حرب الأيام الستة التي انتهت بهزيمة عربية شاملة وخسارة الجولان وسيناء وما تبقى من فلسطين. ويعتقد كثيرون أن تصرفاته لم تكن «عفوية» تسببت بها المباغتة الإسرائيلية، بل حصلت بناء لنوايا مبيتة وقرارات واعية، وكان الهدف منها إعلان فشل النظام العربي «السنّي» في مواجهة إسرائيل، والتمهيد لقيام نظام طائفي جديد في سورية مثلته «الحركة التصحيحية» التي قادها بعد ثلاث سنوات.

ويستند هذا الاتهام ليس فقط الى تبيان ما فعله الأسد خلال الحرب، بل خصوصاً الى السياسة التي تبناها خلال حكمه على مدى ثلاثين عاماً، ثم تواصلت مع وريثه بشار، وقامت على تسيّد طائفة بعينها في سورية وإمساكها بالقرار السياسي والأمني والاقتصادي، وإقامة ما يشبه «تحالف الأقليات» في مواجهة الغالبية السنية، ومهادنة إسرائيل، ليخلصوا الى أن سلوكه خلال حرب الأيام الستة كان وليد سياسة متعمدة ذات خلفية طائفية عميقة تصرف في هديها.

وقد يرى آخرون في تقاعس حافظ الأسد عن مواجهة الجيش الأردني في 1970، دليلاً مضاداً لادعاء مناوءته للنظام السني العربي، لكن يبدو أن الديكتاتور الراحل رأى في منظمة التحرير الفلسطينية والتأييد الشعبي العربي المتصاعد لها، «خطراً أكبر» على مشروعه، وخشي من أن يؤدي نجاحها في الأردن الى تمددها نحو سورية المهيأة أكثر لاحتضانها. علماً أن تصرفه إزاء المنظمة لم يلغ عداوته لنظام الملك حسين الذي كان بين أوائل من استشرفوا خططه.

اقتنص الأسد بسرعة فرصة عرض السادات عليه فكرة حرب تشرين 1973، على رغم معرفته بأن الجيش السوري الذي أجرى تغييرات واسعة في أركانه بعد انقلابه، ليس مهيأً لخوضها. وعلى أي حال لم تكن نتيجة الحرب هي الأكثر أهمية بالنسبة اليه، بل الأهم أن يكون شارك في حرب بقيادته مع إسرائيل، بما يضمن له صفة «الزعيم الوطني»، ويساعده في إكمال الإجهاز على أي معارضة داخلية، والتفرغ لمهمة إخضاع سورية بالكامل، ولاحقاً لبنان، وابتزاز الدول العربية البعيدة من خط المواجهة.

لا أحد عرف آنذاك كيف نجا بأفعاله، ولماذا كوفئ وزير دفاع مهزوم بدل مساءلته وإقصائه، لكن السر يكمن على ما يبدو في قرار اتخذته «غرفة سوداء» ما، بتشجيع السوريين العلويين على الانضمام بكثافة الى حزب «البعث» والجيش منذ بداية ستينات القرن الماضي، ما ضمن له تأييداً في صفوفهما، أوصله لاحقاً الى السلطة.

وبالطبع، لم يشذ الأسد الابن عن نهج والده وتعليماته في الحفاظ على النظام العلوي بكل ما أوتي من وسائل، فأمعن في عدائه للغالبية العربية، وسارع الى الارتماء في حضن إيران، وانتقم من رموز الطائفة السنية في لبنان الذي سلمه الى «حزب الله»، قبل أن يباشر أطول وأشرس حرب إلغاء للشعب السوري، استعان خلالها على مواطنيه، ولا يزال، بميليشيات من إيران ولبنان والعراق وأفغانستان وباكستان، واستقدم الجيش الروسي، وأغرى تركيا بالتدخل، وشجع بعنفه اللامحدود على ظهور التطرف وانتشاره.

حافظ الأسد شارك في صنع هزيمة سورية في 1967، قبل أن يحولها ذريعة لإرساء نظام قائم على القهر والاستبداد والتمدد، ونجله بشار تسلم «الأمانة» وتفانى في تنفيذها.

========================

موقفنا : رسالة إلى مواطنينا من أبناء الأقليات كافة

لماذا تستهدف أنظمة الاستبداد الأقليات ..؟!

لماذا يستهدف بشار الأسد المسيحيين في سورية ولبنان؟!

ولماذا يقتل نظام الانقلاب في مصر الأقباط ؟!

زهير سالم

لقد آن لصبح الحق أن يسفر ، ولقد آن لأبناء العراق والشام ومصر جميعا أن يكفوا عن الانسياق وراء الغرائز .

يشهد لسان الحق والحقيقة أن هناك مؤامرة عالمية شريرة ، تبحث عن ذرائعها لضرب عموم أبناء المنطقة بعضهم ببعض . وإن كان المستهدف الأول من هذه المؤامرة تشويه الإسلام والنيل من المسلمين . ولا يعني أصحاب هذه المؤامرة أن يكون جميع أبناء الأقليات في المنطقة بعض وقودهم في هذه الحرب ، فتراهم يتاجرون بالكرد ، ويغامرون بالمسيحيين . ليكون الجميع في النهاية حطاما في هذه الحرب المجنونة ، التي لا أحد يستطيع أن يتكهن بمآلاتها..أو أن يتوقف بسهولة عن الانسياق في تداعياتها.

ولسان الحق والحقيقة والواقع يشهد أن أنظمة الاستبداد في المنطقة ، ونخص بالذكر منها نظام الولي الفقيه ، وبشار الأسد ، والسيسي تبحث هي الأخرى عن مدخلات لتصفي حساباتها مع أعدائها الوجوديين ، مع الأحرار من شعوب هذه المنطقة ، الذين يشكل الإسلام هويتهم الجامعة ، ومنبع ثقافتهم ، ومنهج حياتهم ، وسر بقائهم ، والذين سيظلون مستعدين لخوض حرب الدفاع عن وجودهم مهما كلفت التضحيات ؛ فأجدر بالعقلاء ألا يلقوا بأنفسهم بين شقي رحى تطحن لحساب غيرهم .

تتم المتاجرة طورا في الاستثمار في مظلومية لم تكن شعوب المنطقة قط مسئولة عنها ، كما يحدث في متاجرة الأمريكي والروسي بمظلومية الأشقاء الكرد ، فيحولون بعضهم أداة للظلم ، ووسيلة للعدوان .

 وتتم المتاجرة أخرى في الاستثمار في خوف غرائزي ، يتم استثارته بتقديم الكثير من كباش المحرقة كما نتابع مع مواطنينا المسيحيين في مصر وفي العراق والشام .

 الذين سنقصر نداءنا في هذا المقام عليهم عسى نستطيع أن ننبه غافلا ، أو نطمئن خائفا ، غفل عن مصدر الشر الحقيقي، وتماهى مع ما يدبره الأشرار المتربصون .

إن أولى الحقائق التي يجب أن يتوقف عندها مواطنينا من المسيحيين في مصر وفي سورية وفي العراق ، أنه لا الإسلام ولا المسلمون قد أعلنوا في أي ظرف الحرب عليهم ، أو أنهم أرادوهم بشر أو بسوء ، أو أنهم يمكن أن يطيعوا فيهم عدوا ، فيقبلوا أن ينزل بهم أي نوع من الأذى. إن شاهد التاريخ يشهد أن لو كان في شريعة الإسلام أو في عقول المسلمين وقلوبهم مثل هذا الذي ينسبه إليهم الأشرار ؛ لكان وضع العراق والشام ومصر مثل وضع الأندلس غداة خرجت من محاكم التفتيش ، أفلا تتفكرون!!

نسطر هذه الحقيقة عسى أن تعيها أذن واعية ، أو يتفتح لها قلب أو عقل أو ضمير . لا الإسلام ولا شريعته ولا مؤسساته تبيت شرا لأي من أصحاب الأديان الأخرى على خلفياتهم الدينية . ولقد نهج الكتاب العزيز للمسلمين (( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ )). وتحدث علماؤنا عن خيمة سابغة واسعة تجمع المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب تحت عنوان ( الأخلاق الملية ) لبيان الأرضية الواسعة التي تعم وتضم ( راجع مجموعة الفتاوى الكبرى لا بن تيمية ) وحسبك .

وثاني هذه الحقائق أننا نحن المسلمين ، الشهداء العدول على الناس ، نؤمن إيمانا جازما أن لعبة الغلو والتطرف ، والمنظم منها بشكل خاص ، هي جزء من مؤامرة كبرى. صار لاعبوها إليها بعد انتهاء الحرب الباردة ، وسقوط الخطر الأحمر ، حيث أعلن محركو الاستراتيجيات الدولية ، التحول إلى تصفية الحسابات التاريخية والثقافية والحضارية مع ما أطلقوا عليه ( الخطر الأخضر ) . ومن هنا كانت أحداث 11 / 9 / وتفجيرات محطات المترو ، ومن هنا كان ( صراع الحضارات ) و( نهاية التاريخ ) ومن هنا كان غزو العراق ، ومن هنا كان إطلاق اليد بالقتل والتدمير للولي الفقيه وعصاباته وأدواته ، ومنهم بشار الأسد ، ومن هنا عظم شأن تنظيمات مجهولة الهوية والتكوين لا أحد يدري حتى الآن كيف تنمو ، و لا من أين تتغذى ، ولا كيف تحصل على التمويل ، ولا كيف تصمد تحت الحصار والحرب السنين الطوال ..

وثالث هذه الحقائق أننا نحن المسلمين نؤمن أن قدرنا أن نواجه هذه الحرب مثلثة الرؤوس . وأن نتحمل أعبائها وتبعاتها ، لأنها حرب مفروضة علينا ولا خيار لنا إلا في دفعها . حرب يديرها عن بعد رعاة الشر العالمي من سراديبهم المظلمة ، وتنفذها أنظمة الاستبداد الاقليمي مثل نظام الولي الفقيه وبشار الأسد والسيسي ومن لف لفهم أو من ظاهرهم أو أعانهم سرا أو جهرا ، ويطعن بظهورنا فيها من خلف رؤوس الغلو والتطرف المنظم ، الذين بلغ عدد ضحاياهم من المسلمين مائة ضعف عن ضحاياهم ممن عداهم ..والرقم للتقصي وليس للمبالغة أو التهويل ..

ونعود مع الحقيقة الرابعة لنتساءل أي مصلحة لمواطنينا من المسيحيين أن يزجوا بأنفسهم ، تحت أقدام قطار الموت هذا ، الذي يريد البعض أن يجعل منهم ذرائع بالإمعان في قتلهم ، ثم التباكي عليهم كما يلعبها السيسي وكما يلعبها بشار ...؟!

هل يريد مواطنونا من المسيحيين حقا أن يعرفوا حقيقة من يقتلهم ، ومن يهجرهم ، ومن يسلبهم حقوقهم ؟!

 إن اول طلب نطلبه منهم إذن كما من جميع من على ساحتنا الوطنية الجامعة في هذا المقام أن نتوقف جميعا ومرة أخرى عن التفكير الغرائزي ، وأن نقبل معا بشواهد التاريخ والواقع ..نطالبهم ، وقلوبنا تتنزى ألما لما ينزل بنا وبهم معا أن يقبلوا منا صدقا معززا بشهادة تاريخ ممتد على مدى ألف وخمس مائة عام أولا ..

وشهادة واقع ممتد على مدى عقود من عمر الاستبداد الحقيقي الذي ضرب منطقتنا منذ نصف قرن تقريبا ..فهلموا يا أشقاء الوطن والدار لنجيب على أسئلة حقيقية حفيٌ براشد عاقل أن يفكر فيها :

دعونا نفتح سجلا للتاريخ القريب وخلال عقود ، وليجبنا مسيحيو سورية ومسيحيو لبنان :

* من حاول في 11/ 11 / 1976 اغتيال عميد الكتلة الوطنية اللبنانية ريمون إدة ، لكي لا يصبح رئيسا للجمهورية . ومن اضطره إلى الخروج من لبنان ، المسلمون أو استخبارات الأسد المريبة وبمعرفة كل قوى الشر في العالم ..

* من قصف في 5 / 11 / 1977 بلدة العيشية المسيحية في الجنوب اللبناني ، فقتل 41 مسيحيا ، وهجر باقي السكان كما يهجر اليوم على الأرض السورية ...من فعل ذلك المسلمون أو قوات الأسد العميلة ؟!

* من اغتال في شباط 1980 الطفلة الجميلة مايا بشر الجميل ، كما يغتال اليوم كل أطفال سورية ..المسلمون ..أو شبيحة الأسد المرعبون ؟!

* من حاول في 20 / 2 / 1981اغتيال بطرك الروم الكاثوليك مكسيموس لإشعال فتنة طائفية ،رجال الأزهر وثقافة الأزهر أسأل عن هذا أعداء الإنسانية والإنسان من مقترفي الزور والإثم أو المجرم المدلل عند كل دوائر الإجرام ..

* من قصف في 2 / 4 / 1981 أطفال المدارس في بيروت الشرقية أ فأصاب منهم المئات ...المسلمون ..أو الأزهريون أو كتائب الأسد التي كانت متمركزة في عرمون ؟!

* من اغتال في 14 / 8 / 1982 الرئيس اللبناني المسيحي بشير الجميل ، المسلمون أو الأزهريون أو حليف ميشيل عون حافظ الأسد ..

* من اغتال في 22 / 11 / 1989 / رئيس الجمهورية المسيحي الماروني رينية معوض المسلمون أو عملاء حافظ الأسد ..

* لن نتساءل من أخرج ميشيل عون من لبنان ، وجعله يلجأ إلى السفارة الفرنسية ، ثم إلى باريس ليقضي هناك سنوات ..ما نظن أن المسلمين هم الذين طردوه وأذلوه وهجروه ..

ونريد أن نقول للسيد ميشيل عون كل المعلومات السابقة ، نقلناها من كتابه الأسود عن نظام حافظ الأسد الذي لحسه حتى عن شبكات التواصل ..

* ثم نسأل أشقاء الدار من المسيحيين ليجيبوا برشد وعقل : ومن اغتال سمير قصير في 2 / 6 / 2005 ، المسلمون أو الذين يعلمون ويتسترون ؟ ومن اغتال جورج حاوي 21 / 6 / 2005 ، ومن اغتال جبران تويني 21 / 12 م 2005 ومن اغتال بيار الجميل في 21/ 11 / 2006 ، ومن اغتال انطوان غانم 19 / 9 / 2007 ، ومن حاول اغتيال مي شدياق ، ومن ..ومن ..إن القفز على كل هذه الحقائق واعتبار صاحب هذه الجرائم هو حامي حمى الأقليات والمسحية منها بشكل خاص ، لهو موقف غرائزي مقيت ، ينخرط في إطار مؤامرة شريرة لن يهلك فيها إلا البغاة الظالمون مهما عظمت التضحيات .

مرة أخرى ننادي على إخوة الدار :

 لماذا لم تتوقفوا ، ولم يتوقف حماة المسيحية في العالم ، عند الجريمة المفتاحية للوزير المسيحي ميشيل سماحة الذي خطط مع بشار الأسد وعلي مملوك لقتل الراعيين المارونيين البطرك صفير و بطرس الراعي واتهام المسلمين بذلك لخلق الفتنة ، واستدعاء الذريعة ، بلا مبالاة حقيقية بدماء الضحايا ، وبتبعات الفعل الشنيع ، فلماذا طمست هذه الجريمة ، ومحيت ، وتغشاها النسيان ...؟!

وأنتم أشقاء الدار في مصر الحبيبة

ونخص العقلاء منكم بالنداء : لماذا تجاهلتم جريمة العادلي باستهداف الكنيستين ، وأنتم تدركون أن دماء أبنائكم ، واستباحة مقدساتكم أصبحت ذريعة بيد السيسي لا ستجلاب المزيد من الدعم ، والحصول على المزيد من إطلاق اليد ليكون دوره في مصر كدور بشار الأسد في سورية ..؟!

إخوة الدار في مصر والشام والعراق ، تخوض أوطاننا اليوم ، وأنتم جزء منها ، معركتها في أرض مكشوفة مفتوحة ، فقد تعرى في عصر العري الحضاري والقيمي كل شيء ، وخياراتكم بأيدكم ، وبصوت العقل وشواهد التاريخ والحاضر نناديكم : اعرفوا أعداءكم واختاروا خندقكم ..

وهذه وقائع التاريخ شواهد على بشار والسيسي وعلى كل الأشرار المستبدين والمتواطئين معهم باسم الحضارة والديموقراطية وحقوق الإنسان . ومنذ البدء علمنا المعلم : من ثمارهم تعرفونهم ..

أما من جيرتكم أهل الإسلام فلم يكن لكم ولن يكون لكم إلا أمن وسلام .

3 / رمضان المبارك / 1438

29 / 5 / 2017

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

========================

لماذا يتسامح العالم مع التهجير القسري في سورية؟

رضوان زيادة

الحياة

الاربعاء 7/6/2017

من يتابع مجريات الأمور في سورية اليوم، يشعر في كل مرة بأن الكارثة السورية وصلت إلى أقصى القاع، لكنه يكتشف أن القاع ذاته لم يعد له قاع، وأن حقائق جديدة باتت تتشكل على الأرض، ففي عام 2011 لم يتصور أي سوري أن النظام السوري سيستخدم الطائرات المقاتلة كما فعل القذافي في أوائل عام 2011 لقتل شعبه. قلنا لأنفسنا في ذلك الوقت إننا «أكثر تحضراً»، وأن «إجرام» النظام مهما علا فإن «مهنية» الجيش والمؤسسات ربما تمنع ذلك، كما أن ما يسمى «المجتمع الدولي» لن يسمح بذلك. ونسمح لأنفسنا بالتذكر دوماً كيف تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ليبيا بعد التهديد باستخدام القوة الجوية ضد المدنيين في بنغازي! في عام 2013 وبعد ذلك بدأت البراميل المتفجرة تمطر وأصبحت السلاح الأكثر استخداماً وانتشاراً، كما باتت السلاح الأكثر شعبية لدى الأسد ضد المدنيين السوريين كل يوم وفي كل مدينة في المناطق التي أصبحت خارج سيطرة حكومة الأسد، فقد قتل أكثر من 120 ألفاً بسبب استخدام هذه البراميل المتفجرة، لكن استجابة المجتمع الدولي لهذه المأساة كانت تغض الطرف عن هذا الانتهاك المستمر للقانون الدولي الإنساني.

بعد ذلك، ما زلت أتذكر مناقشتنا في ورش العمل ومؤتمرات المعارضة السورية حول استخدام الأسلحة الكيماوية. كل واحد منا في عام 2012 قال بوضوح أن حكومة الأسد لا تستطيع عبور الخط الأحمر الذي رسمه الرئيس أوباما، ولكن فوق ذلك كله ليس لدى النظام حاجة لاستخدام مثل هذا النوع من الغاز مثل السارين وغيره لا سيما أنه يستمر في سياسة قتل الناس بالأسلحة التقليدية، لكن، وللأسف كنا مخطئين هنا مرة أخرى، استخدمت حكومة الأسد غاز السارين في آب (أغسطس) 2013، وقتل أكثر من 1400 بينهم 400 من الأطفال، ومرة أخرى أخبرتنا الحكومة السورية والعالم بأنها تخلت عن كل ترسانتها من الأسلحة الكيماوية بعد الاتفاق بين الولايات المتحدة تحت إدارة أوباما وروسيا في عام 2013، ولكن مرة أخرى استخدمت الحكومة السورية غاز السارين في نيسان (أبريل) 2017 وأسفر ذلك عن مقتل ما لا يقل عن 83 شخصاً في خان شيخون في إدلب، وبين هذين الحادثين استخدمت الحكومة السورية غاز الكلور 50 مرة على الأقل وفي شكل رئيسي وعلى نطاق واسع في معركة حلب حيث نجحت في إجبار المعارضة على مغادرة الأراضي التي تسيطر عليها منذ عام 2012 في منطقة شرق حلب.

الآن، ما هو القاع الجديد؟ كل واحد منا ينكر حقيقة أن سورية تمر بمرحلة من التقسيم، فليس واضحاً كيف سيبدو أو سيكون هذا التقسيم؟ وما هي القوى الدافعة وراء ذلك، ولكن منذ عام 2015 بدأت لعبة التغيير الديموغرافي وعلى نطاق ضيق اتسع نطاقه باطراد عبر ما سمته الحكومة السورية «المصالحة المحلية»، أما المعارضة فأطلقت عليها سياسة «التطهير العرقي» لغالبية السكان السنّة بمنح الجنسية لمزيد من الشيعة العراقيين والإيرانيين والأفغان ليحلوا محلهم في بلداتهم وقراهم التي تم إجبارهم على تركها.

لكن ما جرى الشهر الماضي كان لافتاً للغاية، وهي الصفقة التي أصبح يطلق عليها «المدن الأربع» التي تعني مبادلة بين المدنيين والمسلحين في الفوعة وكفريا (وهما بلدتان شيعيتان) اللتان كانتا تحت الحصار من قبل المعارضة السورية المسلحة، مع المدنيين والمقاتلين من الزبداني ومضايا (وهما مدينتان سنيتان) وكلتاهما كانتا تحت الحصار من قبل الحكومة السورية بشكل يمنع الغذاء أو المياه لمدة ثلاث سنوات تقريباً، وغطت وسائل الإعلام الدولية صور الأطفال من مضايا الذين ماتوا بسبب الجوع في عام 2014.

جاءت هذه الصفقة بعد خمس صفقات مختلفة قبلها شملت المدن الرئيسية التي شاركت في الاحتجاجات المناهضة للحكومة في عام 2011 ثم انضمت إلى المعارضة المسلحة بهدف منع قوات الحكومة السورية من الغزو أو الاحتلال بغية قتل المدنيين، كما جرى في مدينة حمص، حيث نظم النظام اتفاقاً مع مقاتلي «الجيش السوري الحر» لطرد المقاتلين البالغ عددهم 2250 مقاتلاً، فضلاً عن المدنيين المحاصرين معهم في المدينة إلى الريف الشمالي. وأدى هذا الاتفاق إلى إفراغ المدينة القديمة تماماً من سكانها الأصليين، لجذب المزيد من الموالين للحكومة بدلاً منهم، حيث انخفض عدد سكان حمص من مليون ونصف المليون في عام 2011 إلى ما يقرب من 400 ألف شخص الآن، و65 في المئة من سكان المدينة الأصليين غادروا إلى محافظة إدلب.

تبعتها مدينة داريا التي وضعتها حكومة الأسد تحت الحصار الشديد واعتمد المدنيون تماماً على الأنفاق تحت الأرض لمدة 4 سنوات من أجل استمرار الحياة كما تعرضت لقصف استثنائي عبر إسقاط البراميل المتفجرة في شكل يومي، حتى أن وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق شؤون الإغاثة في حالات الطوارئ، ستيفن أوبراين، وصف داريا في إحاطة له لمجلس الأمن بأنها «عاصمة البراميل المتفجرة»، ولكن وفي نهاية عام 2016 قرر المدنيون والمسلحون الانسحاب من المدينة بعد تهديدات من الحكومة بأنهم سيحرقون ما تبقى منها. غادر المدنيون إلى إدلب التي أصبحت عاصمة المعارضة. هذه هي الصفقة الثانية التي فتحت الباب للسياسة الجديدة التي اعتمدها النظام السوري والقائمة على «التهجير القسري». كان عدد سكان المدينة 250 ألفاً قبل عام 2011 واليوم تحولت إلى مدينة فارغة بالمطلق. وعندما أتم النظام السوري عملية التهجير زار الأسد المدينة الخاوية على عروشها وأجاب عن مسألة التغير السكاني في داريا وغيرها بالقول إن «التغير الديموغرافي هو تغير يتم عبر الأجيال».

ما جرى في داريا في كانون الأول (ديسمبر) 2016، تكرر في مدينة حلب في أوائل عام 2017، حيث بدأت قوات النظام السوري مع الميليشيات العراقية والإيرانية المدعومة من القوات الجوية الروسية باستخدام التكتيكات نفسها التي استخدمتها وتم توثيقها في شكل جيد من قبل تقرير مجلس الأطلسي بعنوان «كسر حلب» عبر استخدام البراميل المتفجرة والقنابل الثقيلة الأخرى واستهدفت جميعها المستشفيات والمراكز الطبية، ثم استخدام غاز الكلور عبر رسالة واضحة للمدنيين والمسلحين أنه لا يوجد رحمة وليس هناك خيار آخر بدلاً من قبول الصفقة التي تعني إخلاء المنازل والأحياء. نفس النمط تكرر في مضايا والزبداني.

ينص القانون الدولي الإنساني الدولي واتفاقيات جنيف التي وقعتها سورية والتزمت بها في المادة 129 بوضوح على أنه «لا يجوز لكل الأطراف في أي نزاع مسلح غير دولي أن تأمر بتهجير السكان المدنيين كلياً أو جزئياً لأسباب تتعلق بالنزاع»، كما أن ميثاق المحكمة الجنائية الدولية نص بوضوح على أن «تهجير السكان المدنيين لأسباب تتعلق بالنزاع، يشكل جريمة حرب».

إن منع التغيير الديموغرافي والتطهير العرقي الذي يحدث في سورية اليوم يتطلب موقفاً صريحاً وواضحاً من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، أنه لا معنى لاستمرار مفاوضات عبثية في جنيف إذا استمر التغيير السكاني لسورية بهدف تحقيق مخططات مسبقة لدى النظام السوري، كما أن ذلك يتطلب أيضاً قيادة جديدة من قبل الولايات المتحدة في الضغط على روسيا لوقف هذه السياسة المنهجية، وإلا فإننا سنستمر في رؤية سورية التي نعرفها وهي تختفي أمام أعيننا وإلى الأبد.

========================

سياسات بدل الإدانات

ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاثنين 5/6/2017

في أعوام الثورة السورية، تحولت المسألة الكردية السورية إلى قضية دولية بامتياز، لكن ائتلاف قوى الثورة والمعارضة، ومعظم المعنيين بالشؤون السورية، لم يغيروا رؤيتهم للعلاقة بين عرب وكرد سورية التي قامت خلال حكم "البعث" على علاقة مركزٍ بطرف، وتعينت بتبعية الطرف الكردي للمركز العربي، والحجة أن العرب يمثلون أغلبية سورية ساحقة، بينما الكرد إثنية قليلة العدد محدودة الوزن، لا يجوز أن يختلف وضعها عمّا تقرّره الأغلبية لها، حتى في حال قامت دولة ديمقراطية، لن يعبر قيامها، في هذه الرؤية، إلا عن حكم أغلبي هو الجهة الوحيدة التي يجب أن تخوّل ديمقراطيا بتحديد هوية وآليات اشتغال وسياسات الدولة وعلاقاتها بمكوناتها، وعلاقات هذه مع بعضها. لذلك، على الأقلية قبول ما تقرّره الأغلبية، وإلا غدت مواقفها ضربا من تهديد داخلي، يضمر مخاطر تمزّق المجتمع وتقوّض الدولة، الأمر الذي يلزم الأغلبية بالامتناع عن الاستجابة لمطالبها، مهما غلفتها بمفاهيم تخفي ما تضمره من تحدٍّ للجماعة الوطنية، يطاول وحدة مكوناتها وعيشها المشترك. في هذا الفهم، يصير من الطبيعي والمقبول إنكار حق الأقلية في الاختلاف مع الأغلبية، بحجة أنها حامل الخيار الديمقراطي والمجتمعي الشرعي، الجامع والمقبول وطنيا. وهناك ملاحظتان تطرحهما هذه الرؤية:

أولا: للديمقراطية نمط واحد لا يجوز أن تحيد عنه في ما يتعلق بتنظيم الدولة الإسلامية، وعلاقات مكونات المجتمع بعضها ببعض، هو النمط الأغلبي/ المركزي، بسلطته التي لا بد أن تتمتع بصلاحياتٍ مفتوحة تغطي كل مجالات الحياة العامة ومؤسسات الدولة ومفاصلهما، بما في ذلك اللامركزية منها. ومع أن الخروج على هذا التصور قد يكون صعبا في بلادٍ تعرّضت لتدميرٍ واسع، يتطلب إخراجُها منه سلطةً قويةً تمسك قضاياه بيد قويةٍ واسعة الصلاحيات والقدرات، فإن من الضروري طرحه لحوار وطني، يتوافق على حقوق مكونات الجماعة الوطنية السورية وعلاقاتها في ظل الدولة الديمقراطية، يمنع تمترس أي منها وراء مطالب قومية أو إثنية ضيقة، يمليها نزوع غير ديمقراطي نحو خصوصيةٍ ذات ميولٍ انقسامية مجتمعيا تفكيكية دولويا، تواجهها "الأغلبية" بممارساتٍ تستبعد أكثر فأكثر فرص الحوار والتفاهم، وآليات توازن المصالح والتوافق العامة.

ثانيا: ليست الديمقراطية نظام أغلبية تحدّد حقوق بقية مكونات مجتمعها، وتوزع نعمتها أو نقمتها عليها من دون أن يكون لها حق الاعتراض، أو إبداء الرأي بما يقرّر لها. الديمقراطية نظام تشاركي، يشتغل بآليات حوارية مغطاة قانونيا تحمي حقوقا عامة، بغض النظر عن أصحابها، وتنجح بقدر ما يكون بلوغها متاحا لجميع أطراف العقد الوطني بالطرق السلمية/ الحوارية، وبالحسابات التوازنية/ التوافقية.. إلخ.

لا تؤيد أغلبية كرد سورية مشروع حزب الاتحاد الديمقراطي (البايادا) الإقليمي، القائم على وجود أرض وطنية كردية، يقطنها شعب خاص، استعمره عرب سورية، فمن حقه تحريرها وإقامة دولته القومية عليها. يؤمن أغلبية الكرد بمشروعٍ مقابل، يعبّرون من خلاله عن انتمائهم إلى سورية دولةً ومجتمعا، في إطار إعادة تنظيم علاقاتهم معهما على أسس ديمقراطيةٍ، تقر بما لهم من حقوق. ويعلن معظم كرد سورية خوفهم من مشروع "البايادا"، بحمولته الانفصالية التي تخيف غيرهم من السوريين أيضا، لاعتقادهم أنها تهدّد بإطلاق صراع جديد، يتخطى عرب سورية وكردها، يرجّح أن يدمر ما أبقته حرب الأسد من حياةٍ وعمرانٍ لديهما، وأن يحول دون تسوية مشكلاتهم، بما بينهم من أخوة تاريخية، وانتماء مشترك.

هناك مشروع كردي سوري لا بد من حوار مع حملته يحدّد نمط الدولة الذي يلبي حاجة العرب والكرد إلى علاقاتٍ تنهض على حقوق ثابتة، ومعرّفة بدقة لجميع مكونات الجماعة الوطنية السورية من جهة، وقبول نهائي بوحدة دولة ومجتمع سورية من جهة أخرى. وهناك مشروع إقليمي الطابع، يتبناه حزب إقليمي الطابع بدوره، ليس معظم من ينتمون إليه كردا سوريين، يجب إفشاله استباقيا بالتفاهم مع كرد سورية الذين تحظى مطالبهم اليوم بتفهم معظم أطراف العمل الوطني، في ظل تخليها المتزايد عن نموذج مركز/ طرف ومسبقاته، والمغالطات التي تساوي الديمقراطية بحكم أغلبية تقرّر حقوق غيرها، من دون مشاركته أو موافقته.

تتحوّل المسألة الكردية إلى عقدة تشابكاتٍ داخليةٍ وإقليميةٍ ودولية، لا بد أن نبادر إلى تسويتها سوريّاً، وإلا حملت إلينا مخاطر إقليمية ودولية، لن تبقى بلادنا معها ما نريد لها أن تكون عليه حرّة وموحّدة. السؤال: هل نبادر أم ننتظر كالعادة وصول الفأس إلى الرأس؟

========================

هل يحتل العراق سورية؟

غازي دحمان

العربي الجديد

الاثنين 5/6/2017

قد يبدو غريباً مثل هذا السؤال، ولا يتناسق مع المنطق الطبيعي للأشياء، فالدول التي تذهب إلى احتلال غيرها ليست أي دول، بل لها سمات ظاهرة متشكّلة من فائضٍ في القوة، ومشروع استراتيجي طموح، واقتصاد متطور يبحث عن موانئ للتصدير والاستيراد وأسواق لفائض الإنتاج.

ليس هذا الترف متوفراً للعراق الحالي الذي يساعده تحالفٌ دوليٌّ عريض للتخلص من احتلال "داعش" الذي وصل به الأمر إلى حد السيطرة على ما يقارب نصف مساحة العراق، ولولا عشراف آلاف الغارات الجوية لدول التحالف التي أسهمت في إضعاف بنية القوة لدى "داعش"، وتدمير خطوط إمداده، لكان "داعش" قد غيّر خريطة العراق بشكل كبير ولعقود مقبلة.

لكن، وعلى الرغم من كل ما سبق، كان العراق يصدّر آلاف المقاتلين إلى سورية الذين انتشروا على كامل مساحة البلد من حلب إلى درعا. وعلى الرغم من انهيار الاقتصاد العراقي وعجزه عن سد الحاجات الأساسية لسكان الموصل وتكريت والرمادي، إلا أنه كان يموّل الجهود الإيرانية في الحرب السورية، وقد أشارت تقارير عديدة محايدة إلى هذا الأمر الذي لم يقف عند هذا الحد، بل لا تخفي جماعات الحشد الشعبي، وهي مليشيات يتجاوز عدد أفرادها مائة ألف، عزمها الدخول إلى سورية في وقت قريب، لمحاربة القوى المعارضة لنظام الأسد، مع العلم أن آلافاً من المقاتلين العراقيين جرى توطينهم في مناطق قريبة من دمشق، من خلال تهجير أهل تلك المناطق عنوة، كما داريا، أو منعهم من العودة إلى مناطقهم، كما جنوب دمشق وقرى القلمون الغربي.

"أعادت إيران صياغة الهوية العراقية، واستبدلت الهوية العربية بالهوية الشيعية، مستغلةً مرحلة الاضطرابات التي عانى منها العراق بعد الاحتلال الأميركي، وتصدّع الهوية الوطنية"

كيف يمكننا قراءة مثل هذه الظاهرة المتناقضة، والتي تدعو إلى الغرابة، ذلك أن الوضع الطبيعي للعراق أن ينكفئ على نفسه ويلملم شتاته، لا أن يبادر إلى الهجوم بهذه الكثافة!

يستدعي فهم هذه الظاهرة قراءة السياق الذي يصدر عنه العراق، وهو تفكيك الدولة نهائياً، ومعها جرى تفكيك الأطر والأهداف والاستراتيجيات الدولتية، وتحوّل مركز القرار إلى خارج العراق، إيران تحديداً التي باتت تضع الأهداف، وتصنع السياسات للعراق، كما تصنع توجهاته السياسية وتصوغ موقفه وموقعه الإقليمي، في ظل وجود نخبٍ حاكمة في العراق، أقرب إلى صفة الموظفين لدى الإدارة الإيرانية، يقودهم مدراء، على شاكلة قاسم سليماني، لتنفيذ المشاريع الإيرانية.

كما أعادت إيران صياغة الهوية العراقية، واستبدلت الهوية العربية بالهوية الشيعية، مستغلةً مرحلة الاضطرابات التي عانى منها العراق بعد الاحتلال الأميركي، وتصدّع الهوية الوطنية، ودخولها في مرحلة فراغ، ما سمح لإيران بتشكيلها على مقاسات مشروعها في المنطقة، وخصوصاً في جزئية السيطرة على سورية، حيث تنتشر مقامات آل البيت التي ستستدرج عشرات آلاف الشباب العراقي، المتشكّلة عقيدته على الفداء والثأر، والعدو واضح ومعلوم "شعب سورية الثائر على الأسد".

تشكّل سورية حيزاً مناسباً لتصريف الطاقة العراقية المتفجرة، بل ربما تبدو المنفذ الوحيد لاستيعاب الزخم العراقي، إذ على الرغم مما يشاع عن إجراءات أميركية لتقطيع أوصال المشروع الإيراني، فإن عدم وجود استراتيجية فاعلة في هذا الخصوص، يجعل الأمر برمّته يتحوّل إلى محفّز جديد للاندفاع العراقي صوب الحيّز السوري.

هذا الافتراض تؤهله حقيقةُ أن أدوار الوكلاء على الأرض في الحرب السورية هي الفاعلة، وذلك كونهم يشكلون أوراقاً يمكن المغامرة بها، فيما لا يجرؤ المشغّلون على الظهور المباشر، ربما لحساب ما قد يرتبه ظهورهم من استحقاقاتٍ، أو ما يستدعيه من صداماتٍ مباشرة، يسعى اللاعبون الأساسيون إلى تجنبها.

وثمّة عوامل داخلية "سورية" تشجع حصول الاحتلال العراقي لسورية، فنظام الأسد الذي لا حول ولا قوة له لن يكون منزعجاً من الاحتلال العراقي، ما دامت بغداد تموّل خزينته الفارغة، وما دام العنصر العراقي يؤمن له الكادر الذي يواجه خصومه، بعد أن استنزفت الطائفة العلوية (قُتل حوالى 150 ألفاً من شبابها).

كما لا يجب إنكار حقيقة وجود بيئة مساندة للاحتلال العراقي لسورية، بعد نجاح الدعاية الإيرانية بأن أذرعها "الحشد الشعبي وحزب الله" هم حماة الأقليات في سورية والعراق، وخصوصاً المسيحيين، وقد كانت لافتةً زيارة وفد من حركة النجباء العراقية الأسبوع الماضي، الأب لوقا الخوري معاون البطريرك لبطركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، الذي أشاد بدور المقاومة الإسلامية وحركة النجباء في سورية، وخصوصاً في منطقة محردة في الدفاع عن المسيح وتحرير مناطقهم من يد الإرهاب. وزار الوفد مدينة السويداء، واستقبلهم شيخ العقل لدى الطائفة الدرزية، حكمت الهجري، الذي أشاد بدور الحركة في سورية في تحقيق الانتصار.

"نظام الأسد الذي لا حول ولا قوة له لن يكون منزعجاً من الاحتلال العراقي، ما دامت بغداد تموّل خزينته الفارغة"

وعلى الرغم من الظاهر الفوضوي للقوة العراقية، إلا أنها تعمل وفق خطةٍ، هدفها حصار التجمعات السنية، وعزلها في العراق وسورية، وعزلها عن الأردن والعمق الخليجي، ولاحقاً عزلها عن تركيا، بما يضمن عدم وجود كتلةٍ مقابلةٍ قادرة على الدفاع عن نفسها أو مقاومة هذا الزحف على سورية، ما يعني أن هذه القوى تعمل وفق استراتيجية منسقة ومنظمة، تحصد نتائجها عشرات السنين المقبلة.

هل يحتل العراق سورية؟ كلّما طال عمر نظام الأسد، وغرقت الدول العربية بالخلافات الجانبية، واستمرت أميركا بممارسة الضجيج الفارغ، بتنا نقترب من عتبة مثل هذا الاحتمال، وصحيح أن العراق دولةٌ غير مؤهلة لإنجاز هذه المهمة، لكن لديه طاقات هائلة، تبحث عن مشغّل لها، وإيران التي مارست التنويم المغناطيسي على العراق تعرف بحرفية هائلة أزرار تشغيل هذا الكيان المشحون بطاقة كبيرة، وتضع له خريطة مسار صوب المقامات المقدّسة.

========================

مغامرات الناصرية والبعثية طريق إلى نكسة حزيران

د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاحد 4/6/2017

خمسون عاماً على هزيمة حزيران التي تُصادف هذه الأيام، ولا مراجعة حقيقية للحقبة الناصرية والبعثية التي ألحقت أفدح الضرر بالشخصية العربية قبل الأرض العربية، وحين نراجع الحقبة الناصرية تحديداً التي تولت كبر ووزر التبجح والتشدق بالتحرر والوحدة والعبارات الطنانة، بينما كانت تعمل على نقيضها، بدءاً من الانقلاب على حليف الأمس الإخوان المسلمين وتعليقهم على أعواد المشانق، ومن قبل التخلي عن السودان الذي احتفظ به العهد الملكي الذي انقلب عليه العهد الناصري، فكان أن قدم التخلي عن السودان قرباناً وعربوناً لعلاقة مع القوى الغربية والصهيونية النافذة في عالمنا، إلى مغامراته العديدة في العالم العربي وغير العربي، والآن فقط ربما نستطيع أن نفهم سهولة انقلابات عبد الناصر والبعثيين وأشكالهم بلا ضحايا مقابل ملايين الشهداء والمشردين والمعذبين والمعتقلين الذين لا يزالون يتسابقون على طريق التخلص من إرثهم وإجرامهم، ونفهم حينها مدى الدعم الذي حظوا به بالأمس يوم وصلوا إلى السلطة، واليوم من أجل بقائهم فيها..

لنعود إلى مغامرات عبد الناصر في سوريا، فقد سجلت الحوليات الموثوقة ثلاث محاولات تدخل عسكرية، وهو ما وضع عقيدة جديدة للجيش المصري بعد عقيدته في قمع الشعب وشنق المعارضين، ألا وهي عقيدة التدخل في شؤون الدول العربية، فجاءت المحاولة العسكرية الأولى للتدخل يوم قررت القاهرة عملية إنزال مظلي عشية الانفصال، وتحديداً في الثامن والعشرين من ديسمبر 1961، ولكن توقفت بطلب من موسكو لاعتبارات يقال إنها تتعلق بالسياسة الدولية، وتمهيداً لاعتراف موسكو بحكومة الانفصال، ثم جاءت محاولة جاسم علوان الانقلابية والتي كانت في الثامن عشر من تموز / أيلول عام 1963، وعلى الرغم من إبلاغ علوان لعبد الناصر أن حظوظ نجاحها لا تتعدى %30 إلا أن المغامر أصر على تنفيذها، بعد أن غادر علوان سراً سوريا إلى لبنان ومنها إلى القاهرة من أجل لقاء عبد الناصر الذي كان يستعد إلى إعلان نجاح مغامرته في الذكرى الثالثة للانفصال عام 1963، وجاءت المحاولة الثالثة التي كشف عنها منفذها قبل موته، والتي ظلت سراً لربع قرن تقريباً حيث أعلن العقيد جادو عز الدين قائد الجبهة السورية آنذاك بأن عبد الناصر دفعه لمحاولة انقلابية في سوريا، ولكن هدد الأميركيون بالرد عليها، وقد أبلغ عبد الناصر بالأمر من خلال الرئيس اللبناني يومها فؤاد شهاب.

لقد كلفت تلك المغامرات الناصرية الشعب الشامي الكثير، والذي ندفع ثمنه اليوم دماءً بغزارة، إذ مع كل محاولة انقلابية فاشلة كان الطائفيون المتقنعون بالبعث يقومون بتصفية ضباط السنة تحت ذريعة الناصرية ومعارضيهم، وهو ما تم تسريح واعتقال وقتل الآلاف منهم..

أما عن مغامراته في العراق فهي تفسر الكثير من تآمر عبد الناصر على العرب بدءاً من سوريا ثم العراق واليمن، فقد ضغط عليه السوفييت وفقاً لتسريبات المخابرات السوفيتية لاحقاً من أجل التدخل العسكري إلى جانب الطالباني ضد عبد الكريم قاسم، وذلك مقابل تسليح الجيش المصري بأسلحة روسية، وضم العراق غير الكردي إلى الجمهورية المتحدة، وهي جمهوريته السرابية المغامراتية...

المفارقة الغريبة وفي محاولة لا يمكن تفسيرها إلا هروباً للأمام نرى عبد الناصر لجأ إلى حرب اليمن بعد الانفصال عن سوريا عام 1961، تماماً كما جدد الأمر صدام حسين باحتلال الكويت عام 1990 إثر وقف الحرب مع إيران عام 1988، ومع هزيمة 1967 تحلل من مسؤولية فلسطين وتحريرها وتقاعد منها فحمل الفلسطينيون مسؤولية التحرير باعتبار منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد، لقد تسببت اليمن بكارثة حقيقية راح ضحيتها آلاف القتلى المصريين، وعمقت الجراح بين الشعوب العربية، فضلاً عن حرف البوصلة المصرية من حرب فلسطين التي رفع الناصريون لافتتها المربحة إلى حروب دنكوشوتية...;

========================

نحو أبرتايد عالمي (1-2)

برهان غليون

العربي الجديد

السبت 3/6/2017

كشفت الحرب، بل الحروب، الجارية على الأرض السورية، المستمرة منذ ست سنوات، عن الأزمة العميقة التي تهز نظام العالم الذي ولد من حربين أوروبيتين، أو بالأحرى غربيتين، سمّيتا عالميتين، أنهتا عصر الحروب القاريّة، وكرّستا، في الوقت نفسه، السيطرة الغربية على العالم. فخلال العقود الستة، أو السبعة الماضية، تبدل وجه العالم، ونمت قوى كثيرة في القارات الثلاث الكبرى، وتطوّرت اقتصاداتها وقواها العسكرية ومشاركتها الدولية ونفوذها، بعد أن لم يكن يُحسب لها حساب، كما غيرت ثورة المعرفة والمعلوماتية نمط تفكير الأجيال وتطلعاتها، بينما حافظ نظام نهاية الحرب العالمية الثانية العالمي، المجسّد بمنظومة الأمم المتحدة، على نفسه كما كان.

وبمقدار ما عجز هذا النظام المتجمد، كما هو متوقع، عن ترجيع صدى التغييرات الكبيرة والحثيثة التي جرت في توزيع القوة، وتطور المصالح، وغطّى على التناقضات الوليدة والمتفاقمة، وأخفق في المساهمة في إيجاد الحلول الملائمة لها، كما هو متوقع من أي منظومةٍ سياسيةٍ قانونية، أوجد التربة المناسبة لانتشار الحروب والنزاعات الداخلية والإقليمية التي أصبح من الصعب السيطرة عليها. وفي أحيان كثيرة، كان هو نفسه المشجع على مثل هذه النزاعات والمغذي لها، من أجل تفريغ التناقضات المستعصية على الحل في حروبٍ جانبية، أو موازية، يمكن التحكّم بها، بل والاستفادة منها، لتخفيف الضغوط على النظام الدولي وتثبيته ودعمه.

ومن بين هذه الحروب حروب الشرق الأوسط الكثيرة، وجديدها الحرب السورية التي تكاد تقتفي أثر الحرب العراقية، وتتحول إلى فوهة بركان دائم الاشتعال، لخفض مستوى التوترات الإقليمية والدولية. لكن الحرب السورية التي تكثفت فيها، وتقاطعت أيضا، حروبٌ عديدة، إقليمية ودينية وقومية ومذهبية وعالمية، لم تكشف اختلالات النظام الدولي فحسب، ولكنها لعبت، ولا تزال، دورا كبيرا في تعميقها وتفجير تناقضاتها. يتجلى ذلك في الانقلاب الزاحف على نموذج العالم المنظم والمتضامن والعادل الذي وعدت به الدول المنتصرة البشرية، بعد الحرب العالمية الثانية، وحاولت أن تكرّس قواعده في مواثيق الأمم المتحدة الكونية والشاملة، وفي مدوّنة حقوق الإنسان، ومن العودة إلى تأكيد منطق القوة على حساب القانون، والتمييز العنصري على حساب المساواة، ومبدأ السيطرة بالقوة بدل الحرية، وبالتالي المخاطرة بالاستثمار في مزيد من الفوضى والعنف، بدل السعي إلى وضع مزيدٍ من الاتساق داخل النظام. كيف حصل ذلك؟

 

قران القومية والرأسمالية

كانت القومية والرأسمالية اللتان ازدهرتا في القرنين التاسع عشر والعشرين أكبر قوتين

"كانت القومية والرأسمالية تمثلان قوةً تقدميةً بالمعنى التاريخي الحديث، ولكن اليوم تمثلان القوتين الأكثر محافظةً ورجعيةً في تاريخ البشرية الحديثة" وحركتين وعقيدتين ونظامين ساهما، بعد النزعة الإنسانية للقرن السادس عشر، في توليد العالم الجديد، الحي والديناميكي، على أنقاض الماضي التقليدي، البطيء والجامد. وكان لهما الفضل في تحديثه، والوصول إلى ما نسميه اليوم الحداثة أو العالم الحديث. ومن دونهما، لا نعرف كيف كان سيكون عليه مصير العالم.

وبهذا المعنى، كانت القومية والرأسمالية تمثلان قوةً تقدميةً بالمعنى التاريخي الحديث الذي يمكن تلخيصه في توسيع دائرة سيطرة البشر على مصيرهم، وتحقيق أوسع هامش مبادرةٍ لهم في مواجهة قوانين الطبيعة الجائرة، أو نظامها الخارج عن إرادة البشر، وكذلك في توسيع دائرة سيطرة الفرد وهامش مبادرته أيضا داخل نظمٍ اجتماعيةٍ، بقيت هي نفسها جامدة، حبيسة التقاليد والقيم الثابتة والمقدسة العصية على التجديد قروناً طويلة.

أما اليوم فهما تمثلان القوتين الأكثر محافظةً ورجعيةً في تاريخ البشرية الحديثة، وتشكلان المصدر الأكبر للبربرية الزاحفة، وإعادة العالم إلى عصور عبودية من طراز جديد، تختلط فيها قيم الاحتقار والعنصرية والكراهية والتمييز بين البشر مع خطابٍ يتم تجويفه باستمرار، حتى يكاد يتحول إلى ورقة توت، عن الحقوق الإنسانية، الفردية والجماعية. وكلاهما تتحملان المسؤولية الرئيسية عن إنتاج الشروخ والتصدّعات المتزايدة التي يكاد من الصعب تصور إمكانية تجاوزها ووقف آلية تحطيم الإنسان في داخل النظم الاجتماعية الخاصة، وعلى مستوى النظام الدولي المتحكم بها. وبالتالي، تجنب خطر القضاء على مستقبل المدنية الحديثة التي نشأت في حجرهما. وتكاد الحالة السورية تمثل ذروة هذه البربرية التي أصبحت العدو الأول لهذا النظام الدولي، والضامن له في الوقت نفسه.

والسبب أن القومية التي ولّدت مفهوم الأمة، وما تضمنته من ثورة سياسية ومفاهيم في السيادة والحرية والمواطنة والمشاركة الديمقراطية، من خلال فرضها نموذج الدولة السيدة، وفصلها السلطة الزمنية عن السلطة الروحية، أي في الواقع تحطيم أساس الاستبداد القائم على تماهي السلطة المركزية للدولة والعقيدة أو الدوغما العقائدية، وتحديدها حقوق الدول والمجتمعات، ووضعها قواعد التعامل في ما بينها، بصرف النظر عن عقيدة الجماعات والأفراد التي تقطن تحت سقفها، أي بعد أن كانت الحاضنة لإنتاج أكثر تنظيمات المجتمعات الإنسانية تقدّما، بالمقارنة مع ما سبق من نظم إقطاعية أو ملكية أو سلطانية أو إمبرطورية، تحولت، وبشكل أشد فأشد، إلى إطارٍ لتقسيم العالم الذي وحّدت تطلعاته وطموح شعوبه بين قطبين: الأول مسيطر ومتحكّم بالقوة العسكرية والعلمية والتقنية والمالية، حر وقانوني، وقطب ثان يمثل معظم المجتمعات البشرية أو أكثريتها يعيش تابعا فقيرا مستلب الإرادة تجاه الخارج والداخل معا، لا أمل له ولا مستقبل. وهي تدفع به بشكلٍ أكبر اليوم نحو تجاوز الاستقطاب الثنائي إلى التشظي والتبعثر والانحلال.

والسبب أن القومية التي بنت الدولة الأمة التي خلقت شروط تحرير الفرد وتحويله من رعيةٍ إلى مواطنٍ مشاركٍ في تقرير مصيره الفردي والجماعي هي نفسها التي رسّخت سياسات

"الحالة السورية تمثل ذروة هذه البربرية التي أصبحت العدو الأول للنظام الدولي، والضامن له في الوقت نفسه" الأنانية القومية، والاستهتار بمصير الدول والأمم الأخرى ومستقبلها، فبمقدار ما عمّقت الشعور بالمسؤولية لدى القادة المركزيين تجاه أمتهم وشعوبهم، حرمتهم من أي تعاطفٍ أو تفهم لمصالح الشعوب الأخرى، بل جرّدتهم من أي إحساسٍ بالمصائب التي تواجهها، أو المساعدة على حلها، وبرّرت لنفسها جميع المخططات والاستراتيجيات والحيل السياسية والقانونية والأخلاقية التي تشرعن نهب موارد الدول الأخرى والتحكم بمصيرها واستتباعها ووضعها في خدمتها.

وفي سبيل منع المجتمعات المنافسة من الدخول في دائرة الحداثة الفعلية والفعالة، عملت كل ما تستطيع لإجهاض نهضتها، والتفريق بين عناصر قوتها المادية والبشرية، في سبيل أن تحتفظ وحدها بالسيطرة العالمية وتضمن أطول فترة ممكنة تفوقها وهيمنتها، وتبعد عن نفسها أي منافسةٍ جدية. ولم تنجح في كسر قاعدة الهيمنة هذه إلا المجتمعات والشعوب الكبيرة والراسخة في الحضارة التي كانت من القوة والانتشار بحيث تملك هامش مناورة استراتيجية استثنائية، وتنتصر في امتحان القوة التاريخي الذي اتخذ في حضارةٍ كالصين شكل حرب تحرير طويلة دامت عقودا، أو بعض الشعوب التي وافتها ظروفٌ استثنائيةٌ ونجحت، بعد قرن من المناورات والحروب والنزاعات الداخلية والخارجية، في وضع أسس النهضة الحديثة، قبل أن تتحوّل هي نفسها أيضا إلى دول قومية إمبريالية. باختصار، إن الدولة الأمة التي حرّرت المجتمعات، في جزء كبير من المعمورة، ومكّنتها من تقرير مصيرها، والتعبير عن إرادتها، هي نفسها التي حلت عرى أكثر المجتمعات وفكّكتها عبر الاستعمار وبعده، وحكمت عليها بالدخول في أزمة فكرية وسياسية واقتصادية دائمة، وأدانتها بالبقاء في قفص الديكتاتورية والاستبداد والطغيان.

أما الرأسمالية التي فجرت طاقات الاقتصاد السياسي، من خلال تطوير روح المبادرة والاستثمار المنتج، وأطلقت في إثرها وأخصبت في حضنها ثورة تقنية وعلمية ومعلوماتية عالمية، فقد تحولت إلى أكبر عاملٍ في اجتياح الاقتصادات الأخرى، وإغلاق أفق التحول لدى الشعوب والمجتمعات التابعة، واستخدام ثرواتها البشرية والمادية من أجل دعم نموها الخاص وتقدم مجتمعاتها. وقد تحولت بشكل مضطرد إلى قوةٍ إمبريالية تتغذّى من المضاربات المالية والسياسية، فتضعف فرص الشعوب في بناء اقتصادات منتجةٍ، وتحرم أغلب سكان المعمورة من حقهم في التحرّر والسيادة والتنمية الطبيعية.

الزواج المثير بين القومية أو الدولة الأمة والرأسمالية ولد منذ ثلاثة قرون ظاهرة إمبريالية، أو نظام سيطرة عالمية متداخلة، غير مسبوق في قوته ووحشيته، في أي حقبةٍ، نظام عالمٍ على

"الدول الفقيرة تفقد أي أمل بالخروج من مأزقها وتأمين الموارد والخبرات والكفاءات، لتأهيل نفسها للحياة ضمن مجتمع الحداثة" المستوى نفسه من الانقسام والتناقض والتبعثر والاستقطاب على كل المستويات، وفي كل الميادين. ولم يحصل أن وجد قبله عالم عرف مستوىً من الثراء والتقدم التقني والعلمي وتجمع القوة وتمركزها، وفي الوقت نفسه اتساع دائرة الفقر والبؤس وهشاشة شروط الحياة وفقدانها أي معنىً عند مليارات البشر، كما يحصل في عالمنا اليوم. وإذا لم تحصل معجزةٌ، واستمر التنافس من دون معايير ولا حدود، واستمر سعي الأمم كل لإنقاذ نفسها من دون سؤال عن مصير الكل العالمي، كما يحصل اليوم في الولايات المتحدة وروسيا، ويتجلى في سورية المدمرة، فلن يكون هناك مخرج آخر سوى الانتحار الجماعي، ودفع العالم إلى الجنون والانفجار. فالدينامية التي دفعت الأمم من منطلق المصلحة القومية والأنانية إلى التنافس ومراكمة الموارد والأرباح وتعزيز السيطرة على رأس المال، هي نفسها التي وقفت، منذ قرنين، ولا تزال تقف ضد أي مشروع إنساني جماعي، يهدف إلى مساعدة الدول الفقيرة والشعوب التي زعزع استقرارها وحطم توازناتها ودمر اقتصاداتها وقوّض مسار تقدمها الاستعمار قبل أن تحول دون بنائها القومي والرأسمالي الهيمنة الدولية أو تحول القومية والرأسمالية إلى إمبريالية عالمية. وتكاد هذه الدول الفقيرة مع تصميم القوى الأكبر على تركها تتخبط في أزماتها ونزاعاتها وحروبها الداخلية والبينية نتيجة بؤسها، تفقد أي أمل بالخروج من مأزقها وتأمين الموارد والخبرات والكفاءات، لتأهيل نفسها للحياة ضمن مجتمع الحداثة والتقدم التقني والعلمي.

========================

حو أبرتايد عالمي (2/2)

برهان غليون

العربي الجديد

السبت 3/6/2017

مع تخلف الجزء الأكبر من البشرية عن اللحاق بركب المدنية، وتفاقم الأزمات الداخلية في كل المناطق، وصعود التوترات والنزوع المتزايد للحرب والقتال، تحولت الدول الغنية المتقدمة إلى واحة رخاء في صحراء قاحلة، وسوف تصبح "الهجرة" نحو هذه الواحة المحاصرة هي المشكلة الرئيسية لهذه الدول خلال العقود القادمة، ولن يكون أمامها وسيلة للرد عليها سوى رفع الجدران العالية، النفسية والمادية، وتطوير تقنيات الإبادة الجماعية لردع القادمين البرابرة، ودحر موجات المهاجرين. لكنها لن تستطيع، مهما حصنت نفسها، أن تقف أمام تسرب موجات وجيوش من المرشحين لركوب كل مخاطر الموت للخلاص بأنفسهم، والتغلب على الموت المعنوي والجسدي الذي صار مصيرهم الوحيد ومستقبلهم، نتيجة استبعادهم من الحضارة. لن يتوقف الضغط على هذه الواحات الصغيرة. ولن تفلح مهما أقامت من أسوارٍ وتحصيناتٍ في رد المهاجمين الذين لن يأتوا هذه المرة محاربين، ولكن عاشقين، ولن يزيد رفع جدران العنصرية والعزل، إلا في تعزيز إرادة الوصول إلى بر الأمان والتوغل إلى جنة الخلد الموعودة.

خسرت الدول الصناعية والمتقدمة معركتها منذ الآن، لأنها نظرت إلى العالم، وتعاملت معه كأنه غابة وحقل صيد، تنهب منه ما تشاء وتقتل ما تشاء وتدمر البيئة وشروط حياة الشعوب والأجناس من دون تفكير في المستقبل، ولا تأمل في النتائج. في الوقت الذي كانت تملك فيه من الموارد والخبرات والقيم الإنسانية التي مكّنتها من بناء نفسها، باعتبارها دولاً وأمماً متمدنة، ما لو استخدمت جزءا يسيرا منه، لفتحت أمامها وأمام الإنسانية طريقا آخر للأمن والسلام والازدهار الجماعي. كل ما كان عليها أن تفعله هو التخلي عن الأنانية القومية، والحد من شره السلطة والنفوذ والحرص على موارد الشعوب التي هي جزء من موارد الإنسانية بأكملها بدل هدرها على مذبح المنافسة الربحية ومراكمة الثروة ورؤوس الأموال. ولو تم ضبط آلية ومنطق الربح السريع والمفتوح لصالح التفكير في المستقبل، مستقبل الدول المتقدمة ومجتمعاتها وشعوب العالم ككل، لكان من الممكن صياغة سياساتٍ اقتصاديةٍ للكوكب بأكمله، تؤمن الحياة لجميع أبنائه، وفي الوقت نفسه تحافظ على الطبيعة والبيئة وتغير من أنماط الهدر والإدارة الوحشية للموارد البشرية والطبيعية التي اتبعتها رأسمالية منفلتة.

ما كانت الدول الصناعية بحاجة إلى أن تصرف من جيبها قرشا واحدا، كما فعلت الولايات

"سوف تصبح "الهجرة" نحو الدول الغنية المشكلة الرئيسية لهذه الدول خلال العقود المقبلة" المتحدة، عندما أعلنت مشروع مارشال لإنقاذ أوروبا التي اجتاحتها الحرب ودمرتها. بالعكس، لو أنها وفرت 10% من الموارد التي كرّستها للحروب الاستعمارية التي شنتها الدول المتقدمة على بعضها منذ القرن التاسع عشر، لتوسيع دائرة نفوذها والسيطرة على الموارد الطبيعية العالمية على حساب الشعوب التابعة، ولو عملت على توجيه جزءٍ من نفقات التسلح التي تنفقها البلاد التابعة نفسها، حماية للطغم الحاكمة من شعوبها ومن منازعاتها في ما بينها، ووجهت ريوع المناجم النفطية وغير النفطية في الدول المنتجة لأهداف غير شراء الأسلحة وتعزيز موقف صناعات السلاح، لكان وجه الأرض قد تغير تماما، وعمّت الخضرة الكرة الأرضية والسعادة البشرية بأكملها. كل ما كان يحتاجه الأمر هو مشروع مارشال على مستوى القارات، ورؤية شاملة لعموم الإنسانية، أي خروج من أفق القومية الأنانية والربحية الرأسمالية البليدة والميكانيكية. نظرت الولايات المتحدة إلى أوروبا حليفا، بينما نظر الغرب بأكمله للعالم النامي، أي لثلاثة أرباع البشرية، حقل صيد وقنص ونهب مفتوح لجميع الرأسماليين والمغامرين. هذه هي الحقيقة.

هل ضاعت الفرصة لمراجعة سياسات الدول المتقدمة الصناعية؟ للأسف نعم، ليس لأن هذه السياسات لا يمكن التراجع عنها أو تغييرها بعد الآن، فمن الممكن، في كل لحظة، العودة نحو سياسةٍ دولية أكثر شمولية ورؤية مستقبلية، إنما لأن الطغم والنخب الحاكمة في هذه الدول أصبحت حبيسة حسابات انتخابية، وأجندات شخصية وسياسية ضيقة الأفق وقصيرة المدى، لا تسمح لها بالتفكير في المستقبل البعيد، بل ربما القريب، ولأنها فقدت الروح النقدية التي تمكّنها من إعادة النظر في سياساتها، وإدراك أن ما كان صالحا من هذه السياسات منذ قرن لم يعد يمكن المراهنة عليه اليوم، مع تزايد مشكلات الفقر والتهميش الجماعية والحروب وتدمير البيئة الطبيعية، والأهم النفسية والاجتماعية عند الإنسان، ولأنها أصبحت رهينة محبسيها: الأنانية القومية والحسابات الضيقة التي تتحكّم بالسياسة في كل دولة، وحاكمية الربح والتراكم الرأسمالي، التي حللها ماركس بدقة، وأولويتهما في تحديد سياسة إدارة الموارد البشرية والنزاع الوحشي عليها، فهي لا ترى أمامها أكثر فأكثر إلا الظلام والسواد والخطر. ولا تجد طريقا للخلاص إلا بالعودة إلى ردود فعل الخائف والمرتعب والخاسر سلفا، أو الذي يشعر بأن القدر ينقلب عليه، وهو ينقلب بالفعل، وهو ما يفسّر نزوع السياسيين الطموحين، والفاقدين، أكثر فأكثر، لثقتهم بالسير الطبيعي والناجع للآليات القومية والرأسمالية معا، إلى تبني أيديولوجيات غصب التاريخ والنكوص على مبادئهم نفسها، واستبدالها بقيم العصر البربري الجديد، عصر الكراهية والعنصرية والعداء للأجنبي، أي أجنبة المختلف، والانكفاء بشكل أكبر على الأجندات القومية التي تشكل هي نفسها اليوم السبب الرئيسي لتدهور البيئة الدولية الفكرية والسياسية والاقتصادية.

 

مكر التاريخ

بمقدار ما كانت سياسات هؤلاء وراء إنتاج ما يعيشه العالم من تفجر النماذج والأشكال الجديدة للبربرية، فهم يشعرون اليوم بأنهم ربما اقتربوا من أن يدفعوا ثمنها، ويتحولوا إلى ضحية

"خسرت الدول الصناعية والمتقدمة معركتها منذ الآن، لأنها نظرت إلى العالم، وتعاملت معه كأنه غابة وحقل صيد" لسياساتهم الأنانية ذاتها. وربما كان بركان الشرق الأوسط الذي شهد أفظع نموذج للاستهتار بمصير الشعوب، وهدر أرواح أبنائها ومواردها، وتهميشها واحتقار نخبها ومستقبل أجيالها هو الذي يمثل اليوم، بما يقذفه من حمم على نفسه، وعلى العالم المحيط به، النموذج الأول لما سيتحول إلى محرقة عالمية خلال القرن المقبل، ما لم تحدث بالفعل ثورة فكرية عند النخب الحاكمة والطبقات السياسية السائدة في الدول المتقدّمة، وجزء كبير من النخب الفاسدة والجانحة في البلدان الفقيرة والتابعة. وأكثر فأكثر ستشكل تكاليف الأمن حاجزا قويا أمام توسع دائرة الاستثمار الرأسمالي، ما لم تتحول الحرب نفسها إلى القطاع القائد في رأسمالية حروب القرن الواحد والعشرين.

ليس الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وعقيدته الرثّة التي مكّنته من الفوز، ولن يكون الوحيد بين أبناء جلدته من السياسيين الطامحين إلى قيادة مرحلة الردة الجديدة على قيم العصر الذهبي الآفل للدولة القومية وللرأسمالية المنتجة والخلاقة، وعلى مثله وآماله وأوهامه. إنه يجسّد في ثورته الرثة ذاتها وجمهوره من الضائعين والمتذمرين من دون وجهةٍ ولا يقين، خيار الهرب نحو الهاوية الذي لم يعد لدى نظام العالم القائم بديلا له، إن لم تراجع النخب والطبقات السياسية الحاكمة خياراتها البالية والبائدة والفاسدة، وتتخلى عن معاييرها القومية المغلقة ورأسماليتها الريعية والطفيلية المتفاقمة.

ومن الواضح أن الترامبية سوف تقود الغرب، بمعناه الجيوسياسي والاقتصادي، الخائف على موقعه ومكانه وازدهار مجتمعاته واقتصاداته، نحو التطرّف والتشدد والانغلاق، تماما كما كان عليه الحال عندما قادت التاتشرية، وما مثلته من سياسات نيوليبرالية، الدول الصناعية بعد عقود من النمو المتسارع الذي أعقب نهاية الحرب العالمية الثانية. وفي أوروبا، هناك مرشحون كثيرون ينتظرون دورهم، ويمتشقون سيف ترامب الفكري والسياسي، لكسب انتخابات الرئاسات المقبلة، تماما كما يعزّز هذا المسار من تيارات الشمولية الراسخة في دول المحيط والأطراف، في آسيا وإيران وأفريقيا والعالم العربي. ألمانيا أنجيلا ميركل وحدها هي التي لا تزال تقاوم سحر نموذج جديد من سياسات الأبرتايد الذي اتبعته في الماضي النخبة البيضاء في جنوب أفريقيا، لكن هذه المرة على عموم المعمورة. ومقاومة ألمانيا نابعةٌ من تجربتها المريرة مع أشرس نسخة للعنصرية المريضة، ولدت في التاريخ الحديث، وراحت ضحيتها شعوب كثيرة، وأولهم الجماعات اليهودية، لكن أيضا أجيال كاملة من الشبيبة الألمانية التي ضُحّي بها على أعتاب وهم سيطرة قارية مجنونة.

لكن، بموازاة تحول العالم بأكمله إلى أبرتايد من دون ضفاف ولا حدود، تتحكّم فيه نخبة بيضاء، وأشباهها ومريدوها في الأمصار، بمصير المجتمعات، وتحكم عليها بالموت والفقر

"كل ما كان يحتاجه الأمر هو مشروع مارشال على مستوى القارات، ورؤية شاملة لعموم الإنسانية" والتهميش والحروب والنزاعات الدائمة، تولد أيضا في كل دولة ومجتمع، وأولها دولة الهجرة بامتياز، الولايات المتحدة، "أبرتايدات" داخلية، تخلق بين النخب الحاكمة والشعوب شرخا لا يمكن ترميمه، وتهم بأن تطلق هي أيضا حركة تطويق الشعوب، كما فعلت إسرائيل في الضفة الغربية وغزة، بالجدران العازلة، إن لم يكن بفرض حياة الغيتو وشروطه على النخب الحاكمة والمالكة، في ما تسمى اليوم المربعات الخضراء، وتحويل الدولة إلى قلعة محاصِرة ومحاصَرة في الوقت نفسه.

لا يبشر القضاء على الطبقة الوسطى، الحاضنة التاريخية لقيم التفتح والتسامح والتحرّر، بمستقبل زاهر للديمقراطية وقيم التضامن الإنسانية واحترام حقوق الإنسان. بالعكس، يشكل ذوبانها المادي والثقافي معا تربةً خصبةً لنشوء الفاشية التي تتغذّى من اليأس، والتي لا تستمد شعبيتها مما تعد به جماهير المهمشين بالتحرّر والازدهار، وإنما من تهديدها بإدخال كل من لا يزال خارجاً عنها في دائرة البؤس والاحتقار.

لم ينجح ترامب في أن يكون الممثل الشرعي لجمهورٍ متزايد من الجماهير الضائعة، إلا بمقدار ما برهن في سلوكه وفكره على أنه الوريث الشرعي للحضارة القومية والرأسمالية الرثة التي فقدت روحها، ووصلت في آخر عهودها إلى طريق مسدود، أفقدها ثقتها بالعالم وبالمستقبل. إنه رمز لحقبة شعاراتها السياسية الرئيسية الكراهية والعنصرية، ورائد جيل من القادة والنخب السياسية التي تحضر نفسها للحكم، في أكثر من دولة ومنطقة في العقود القليلة المقبلة.

========================

هذا النظام في خمسين عاماً

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 3/6/2017

في اليوم الرابع من شهر يونيو/ حزيران عام 1967، وجه أحد شعراء "البعث" رسالة إذاعية مفتوحة إلى الأمة العربية، تدعوها إلى الاصطياف في نهاريا، مدينته الفلسطينية التي قال إن الجيش السوري، جيش البعث، سيحرّرها في الساعات الأولى بعد نشوب حرب التحرير المقبلة. وفي اليوم التاسع منه، كانت رئيسة الاتحاد النسائي تطلق صرخات استغاثةٍ يائسة تناشد العالم وقف "العدوان الصهيوني" الذي يستهدف عزل دمشق، أقدم مدينة في العالم، والتي تتعرّض لموجات قصفٍ أسقطت عشرات آلاف الشهداء من الأطفال والنساء. في اليوم ذاته، أذاع وزير دفاع النظام، الفريق حافظ الأسد، بيانا أعلن فيه سقوط القنيطرة، عاصمة الجولان، في يد العدو الصهيوني الغاشم، وأمر جيشه بتنفيذ انسحابٍ كيفي منه، قال رجال القانون، في ما بعد، إنه كان أمرا بحل الجيش، والدليل أنه لم يدافع عن الأرض الوطنية، بل سلمها من دون قتال للعدو الذي لم يرسل قواته لاستلامها إلا بعد ثلاثة أيام.

بين وعد التحرير والدعوة إلى الاصطياف في نهاريا، وحرب لم تدم فعلا غير ساعات قليلة، سلم الأسد خلالها الجولان لإسرائيل، وحل الجيش، دمرت إسرائيل الطيران السوري على مدرجات مطاراته، وغنمت آلاف الدبابات والمدافع بذخائرها. بعد الهزيمة، قال النظام إن "الحزب القائد" أحبط مؤمراة استهدفت "نظام الثورة المعادي للصهيونية والإمبريالية"، ومنع العدو من إسقاط النظام الذي خرج منتصرا من المعركة. في المعارك الكبرى، هكذا قيل، ليس احتلال الأرض أمرا مهما، بما أنه يمكن تحريرها واستعادتها، أما النظام، فهو لا يعوّض أو يستعاد. صحيح أن العدو احتل الجولان، لكن فشل المؤامرة هو شرط تحريره، في سياق استراتيجية النظام لتحرير فلسطين، بطبيعة الحال.

ذات يوم، احتلت فرنسا أرضا ألمانية، فجمع رئيس أركان الجيش الألماني ضباطه، وطلب منهم وضع خطة لتحريرها، وأصدر إليهم أمرا يقول: "سنفكّر بها وسنعمل لتحريرها دوما، ولن نتحدث عنها أبدا". بعد احتلال الجولان، اعتمد النظام الموقف التالي: "سنتحدّث عن الجولان دوما، لن نفكر به أو نعمل لتحريره أبدا". هل نعجب إن كان يرزح، منذ خمسين عاما، تحت احتلال إسرائيل، وكان النظام قد حوله إلى "لا قضية"، في سياق صرف احتلاله إلى مزايداتٍ خطابيةٍ، لعبت دورا مهما في ردع معارضيه وملاحقتهم، واتهامهم بالعمالة للعدو، لأنهم يعيقون جهوده لتحرير فلسطين، ولمقاومة عملاء العدو في منظمة التحرير الفلسطينية، والقوى الوطنية اللبنانية التي رفضت احتلاله بلادهم، بموافقة إسرائيلية علنية، والذين دانوا دوره في دعم الحرب الإيرانية ضد العراق، وانتهاجه سياساتٍ طوت تماما، منذ عام 1974، صفحة الصراع العربي/ الإسرائيلي، وفتحت صفحة الصراعات العربية/ العربية، ويبدو أنها ستبقى مفتوحة إلى أن يشاء الله.

قال بيان أسدي عام 1967: لا أهمية للأرض الوطنية في سياق صد مؤامرة ضد النظام يقف وراءها العدو الخارجي. وفي عام 2011، عام الثورة، قال بيان أسدي آخر: لا أهمية للشعب في سياق صد مؤامرة داخلية ضد النظام، يتولاها الشعب. وفي الحالتين: لا أهمية إلا للنظام. في هذه الحالة: أين المشكلة إذا سلم أرضا وطنية إلى العدو مقابل بقائه، أو إذا أبيد الشعب، إن كان يريد إسقاطه؟

ما هذا النظام الذي يتخلي عن أرض وطنيةٍ، يقوّض احتلالها الدولة، ويلغي أحد أركان وجودها: سيادتها الكاملة على داخلها الوطني. وينقضّ، في الوقت نفسه، وبكل سلاح لديه، على شعبه، بجرم مطالبته بإصلاح أحواله؟ ما هذا النظام الذي تمت المحافظة عليه، لأنه تخلى عن الجولان، واحتل لبنان، وحارب فلسطين والعراق، ويقضي على شعب سورية بدعم إقليمي ودولي غير محدود؟ ولماذا، بربكم، لا تحميه إسرائيل وغيرها، إن كان يقوم منذ ستة أعوام بما عجزت عنه دوما: القضاء على دولة سورية ومجتمعها، الأمر الذي كان سيكلفها عشرات آلاف القتلى من جنودها، وسيدمر أجزاء واسعة من دولتها، من دون أن يكون نجاحها فيه مؤكّدا؟

إذا كانت النظم تحافظ على أرض وطنها وسلامة شعبها، بأي معيار وطني أو إنساني يراد لنا أن نسمي الأسدية نظاما، وهي التي فرّطت بالأولى وتقضي على الثاني؟ من غير إسرائيل أفاد من "نظام" خدمها نيفاً ونصف قرن؟

========================

سورية إلى أين؟ السوريون إلى أين؟

سميرة المسالمة

العربي الجديد

السبت 3/6/2017

لم يعد السؤال الملحّ اليوم سورية إلى أين؟ وفقط، فثمة سؤال آخر: السوريون إلى أين؟ وهو سؤال يطرح نفسه، بعد أن أغلقت في وجه السوريين كل المعابر، ورفعت الأسوار حولهم، حتى في بلاد اللجوء، فهم محاصرون، إما تحت قنابل النظام أو تحت رحمة قوانين جائرة في دولة احتلال (إسرائيل) أو دول الجوار، أو تحديد إجراءات الإقامة والسفر وتقييدها في دول اللجوء.

لا يعني السؤال أين يجب أن يذهب السوريون، تحت عنوان متابعة سياسة النظام في تهجير من تبقى منهم داخل سورية، أو بقاء الذين ينتظرون في المناطق الحدودية الساخنة حيث هم، وإنما المقصود الحديث عن سورية المستقبل، وسيناريوهات الحل المنتظر من المجتمع الدولي الذي صار يخيّرنا بين التقسيم أو التقاسم، بين أن نكون تحت النفوذ الإيراني أو الروسي، بين الإبقاء على روسيا، بمشاركة كل قوى العالم في سورية، مقابل خروج إيران والإبقاء على نظام الأسد، بين استمرار موتنا بيد النظام وفي معتقلاته، وتحت براميله العشوائية والغبية، أو موتنا تحت قصف الطائرات الأكثر تطوراً وتقنية وتصويباً وذكاءً؟

بالفعل، عن أي سوريين نتحدث؟ هل عن الذين يفضلون الموت تحت أنقاض بيوتهم، أو الذين يلوذون في مناطق تحت سيطرة النظام، ويعيشون ظروفاً اقتصادية قاسية، أم عن المشرّدين بين عابر للحدود، أو الذين يحاولون الاندماج بمجتمعاتهم الجديدة التي لن تستطيع أن تتقبلهم بالمرونة نفسها التي تتحدث بها تلك المجتمعات عن حقوق الإنسان وحق اللجوء.

في المختصر، نحن نتحدث عن سوريين تنقصهم حقوق المواطنة في كل شيء، وفي أي مكان، في سورية داخل مناطق النظام، وتحت حكم "المعارضة"، وفي خارج سورية في دول عربية، أو غربية، في ظل قوانين اللجوء، أو الحماية المؤقتة أو الإقامة وقتاً محدّداً.

إذاً، ووفقاً لما سبق، يدخل الحديث عن سورية الواحدة والشعب السوري الواحد اليوم في مأزق،

"يدخل الحديث عن سورية الواحدة والشعب السوري الواحد اليوم في مأزق، أو في التباسات" أو في التباسات، عند الاعتراف بالواقع، فالبلد بات مقسماً على أساس جغرافي وديمغرافي، بين سورية النظام وسورية المعارضة، وسورية القوات الديمقراطية "الكردية" وسورية مناطق جبهة النصرة وتنظيم داعش، وهناك سورية التي، على ما يبدو، نسيها السوريون في ظل انقساماتهم، وترزح تحت الاحتلال الإسرائيلي، وما فيها من سوريين رفضوا الهوية الإسرائيلية، وتشبثوا بسوريتهم التي يرونها تضيع ضمن كل هذه السوريات المنقسمة جغرافياً وديمغرافياً، إذ سورية كل السوريين غائبة حتى الآن.

سورية التي نشأت حسب خريطة سايكس بيكو، والتي انطلقت الثورة فيها عام 2011 ، والتي نادى القوميون العرب بشعاراتهم "التسويقية" بكسر حواجز حدودها مع الدول العربية، حالمين بالوطن العربي الواحد، بينما نادى "المتطرّفون من المتأسلمين" الذين جاءوا ليمتطوا الثورة، لإقامة دولتهم التي لا تعترف بحدود سورية أساساً، ولا بالسوريين شعباً واحداً، ولا بمشروع ثورتهم لإقامة دولة المواطنة، دولة مواطنين أحرار متساوين.

هذا المشروع الوطني وفق الرؤية الديمقراطية، والتي أعادت الأمل لسوريي الجولان بأن تعود قضيتهم إلى الواجهة، وأن تعود سورية إليهم، سورية هذه البديل لسورية الأسد، حيث استمر النظام بحكم سورية بطريقة استبدادية أمنية متغولة على حياة المواطنين المحرومين من أبسط حقوقهم.

هذه سورية التي سأل عنها أهلنا في الجولان في ندوة نظمها صالون الجولان (التابع لمركز حرمون)، في مدينة مجدل شمس، وحضرها نخبة من المثقفين السوريين والشخصيات الوطنية في الجولان، وشارك فيها لأول مرة شخصياتٌ من المعارضة السورية في الخارج، بمناسبة

"سورية

حتى الآن" الزيارة الأولى للكاتب ماجد كيالي إلى فلسطين، بلده التي يراها بعد أكثر من ستين عاماً على حلم اللقاء، والتي بدأها من بلد المولد سورية، من أرضها المحتلة الجولان، وأنهاها منها تأكيداً على انتمائه الكامل لكلا البلدين، سورية وفلسطين، حيث قال: "نمت ليلتي الأولى في هذه الرحلة في مجدل شمس في الجولان السورية، وأختم ليلتي الأخيرة منها، أنا الفلسطيني السوري أو السوري ـ الفلسطيني، سيان، فقد تصالحت هويتي الفلسطينية مع هويتي السورية، في الكفاح من أجل الحرية والمساواة، إذ قضية فلسطين ليست مجرد قطعة أرض، وإنما هي معنى للحرية والكرامة أيضاً".

حظيت بشرف المشاركة في الندوة، إضافة إلى الأصدقاء ميشيل كيلو وحازم نهار وزكريا السقال، من مجموعة العمل الوطني الديمقراطي، وكانت هذه التجربة سابقة فريدة من نوعها، أبدى فيها المشاركون من الجولان ترحيباً وتكريماً عرفوا به دوماً، كما عرفوا بروحهم الوطنية وانتمائهم القومي. طرحت في الندوة، أسئلة عديدة، ضمنها السؤال عن مصير الجولان المحتلة، مؤكدين رفضهم مشاريع التقسيم، سيما أن هذه المشاريع تصب في خانة إسرائيل التي ستكرّس اغتصابها الجولان، كما أنها ستصب في خانة إضعاف سورية وتقسيم شعبها.

طوال الفترة الماضية، تركت المعارضة السورية الجولان، وأهل الجولان، على الرغم من الحاجة إلى التواصل، وللتأكيد على أننا شعب واحد، واقترح أن ندوات كهذه ضرورية ومطلوبة. لذا هذه تحية لمن عمل على إقامة صالون الجولان، وهي ملاحظة للمعارضة لتلافي النقص في هذا الأمر. كما هي تحية لأهلنا الأعزاء في الجولان المحتل، المتمسكين بسوريتهم وهويتها، على الرغم من ظروف الاحتلال القاسية، بينما يعمل النظام بسياسة التهجير التي يتبعها، لسحبها من كل من طالب بالحرية والكرامة ودولة مواطنين أحرار ومتساوين، دولة ديمقراطية مدنية.

========================

المفتي العربي… صوت الدين أم سوط الحاكم؟

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 3/6/2017

بما أن الأنظمة العربية، وخاصة الجمهوريات أو الجملكيات، أممت كل شيء، وأخضعت كل مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والحزبية والأهلية والاقتصادية والتربوية والفنية والفكرية للأمن السياسي، فلا عجب أن تقوم بإخضاع المؤسسة الدينية لسلطانها، بحيث تصبح تلك المؤسسة مجرد خادم ذليل لدى الحاكم ونظامه. لطالما سمعنا في الماضي عن وعاظ السلاطين، ولا ضير في ذلك، لكن التغول الأمني داخل المؤسسة الدينية في عصر الديكتاتوريات العربية تجاوز مرحلة وعاظ السلاطين بأشواط طويلة.

لقد غدت مؤسسة الإفتاء في العديد من الدول العربية أشبه بفروع المخابرات، وغدا العاملون فيها مجرد عناصر أمنية آخر ما يهمهم نشر الدين الحنيف وتوعية الناس أخلاقياً وروحياً. لقد أصبحوا بوقاً مفضوحاً للأجهزة الأمنية، وخاصة في بلد كسوريا، حيث يصعب التمييز بين الخطاب الأمني والإعلامي الرديء للنظام وبين خطاب المؤسسة الدينية، لا بل إن خطباء المساجد، وخاصة خطيب الجامع الأموي الشهير في دمشق، يزايد على فضائيات النظام التعبوية في خطبه الرديئة، فقد وصل به الأمر إلى تمجيد الرئيس الروسي بوتين الذي تقتل طائراته السوريين ليل نهار، كما وصفه بأنه أحد الفاتحين، مع العلم أن وزير الدفاع الروسي اعترف بأن الطائرات الروسية شنت أكثر من سبعة وسبعين ألف غارة جوية على المدن والقرى السورية، ناهيك عن أن روسيا اعترفت على الملأ بأنها استخدمت أكثر من مئتي نوع من الأسلحة الجديدة على الأرض السورية، بحيث تلوثت الأجواء والأراضي السورية بالمواد المشعة لمئات السنين، مع ذلك لم يتورع خطيب الجامع الأموي عن الإطناب في تمجيد الروس. حتى وسائل إعلام النظام تخجل من تمجيد الجيش الروسي ورئيسه بنفس الطريقة التي مجده فيها مأمون رحمة.

لماذا أوغلت الديكتاتوريات في تسييس المؤسسة الدينية، وحولت وظيفة المفتي وخطباء الجوامع إلى مجرد أبواق أمنية مفضوحة؟ أليس من المخجل أن قرار تعيين مفتي الجمهورية والخطباء وطبقة رجال الدين المعتمدة من قبل قسم الأمن السياسي في المخابرات السورية؟ أليس من المضحك أن تصل خطبة الجمعة للخطباء من فروع الأمن في سوريا وغير سوريا طبعاً؟ هل يخطب مأمون رحمة وأمثاله من الخطباء العرب من رؤوسهم، أم مما وصله من فرع الأمن السياسي؟ لاحظوا أيضاً أن منصب مفتي الجمهورية يصدر بمرسوم رئاسي… هل رأيتم مدى أهميته التعبوية والدعائية بالنسبة للأنظمة الديكتاتورية؟ لا عجب إذاً أن المفتي وشلته يلقون علينــا خطبــاً عن عدل سيدنا عمر بن الخطاب ،وفي نهـــاية الخطبة يدعون لحـاكم قاتل مجرم لص يسرق قوت الشـــعوب ويشردها ويقتلها بالملايين.

وبما أن وظيفة المفتي في الديكتاتوريات العسكرية وظيفة أمنية وسياسية بالدرجة الأولى، فإن كل نظام يختار المفتي الذي يعبر عن توجهاته ومنطلقاته السياسية والحزبية والعقائدية، فإذا كان النظام يدّعي العلمانية والانفلات الاجتماعي مثلاً كالنظام السوري، فيقوم بتعيين «مفتن» مستعد أن يمشي في الشارع عارياً بحجة أن لا إكراه في الدين، ومستعد أيضاً أن يحلل الخمر والفاحشة بحجة أن «لكم دينكم ولي دين». وقد شاهدناه ذات مرة وهو يتشدق أمام وفد أمريكي في دمشق بليبراليته الإسلامية الصارخة، حيث قال حرفياً: «لو طلب مني نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن أكفر بالمسيحية أو اليهودية لكفرت بمحمد». وهي بلا شك رسائل سياسية من النظام للأمريكيين لا علاقة للمفتي الدجال بها أبداً، بل هو مجرد بوق يوصل رسائل سيده الدينية للغرب كي يرضى عنه ويعتبره متحرراً دينياً. ومعروف أنه كلما انقلب النظام على الدين لاقى تأييداً واحتضاناً غربياً أكثر. لهذا وضع على رأس المؤسسة الدينية مهرجين مستعدين أن يحللوا له كل شيء لإفراغ الدين من مضمونه وتوجيهه لخدمة الأهداف السياسية الدنيئة.

وإذا كان بعض الأنظمة العربية يريد أن يوهم الناس بأنه ملتزم جداً بالدين، وأن كل شيء في البلد يسير حسب التعاليم والقوانين الدينية فيقوم بتعيين «مفتي» يحرّم حتى الاستماع إلى زقزقة العصافير بحجة أنها حرام. وإذا كان النظام يدّعي التعايش ومحاربة الطائفية فيقوم بتعيين «مفتي» يحرّم حتى الحديث عن أي طائفة أو مذهب إسلامي آخر بحجة أن ذلك يثير الفتنة بين المذاهب والطوائف، مع العلم أن النظام نفسه يكون غارقاً في الطائفية والمذهبية حتى أذنيه، لهذا يتحجج بضرورة التعايش بين المذاهب والطوائف لا كي يسود الوئام بين الشعب، بل كي يحمي طائفته ونفسه من أتباع المذهب العام الذين يعاديهم في الباطن.

هل إذاً المفتي ورجال الدين في الديكتاتوريات العربية صوت الدين فعلاً، أم سوط المخابرات؟

========================

آذار وبحار الدم - الحلقة الأولى

محمد فاروق الإمام

حفنة من الضباط المغامرين يستولون على السلطة في دمشق

بعد أيام سيطل علينا ليل الثامن من آذار الطويل بكل ذكرياته الأليمة السوداوية التي لم تتوقف منذ فجر ذلك اليوم البئيس من عام 1963، الذي أطبق فيه حفنة من ضباط حزب البعث على مبنى الإذاعة والتلفزيون، قادمين على ظهر دبابة أدارت ظهرها للعدو الصهيوني ليعلنوا انقلابهم على الدولة المدنية وحكومتها المنتخبة بأرقى أساليب الديمقراطية الحديثة، وَيُرجعوا عقارب الساعة في سورية المدنية والحضارة إلى عهود الظلام والديكتاتورية والتخلف، تحت شعار (القومية والتقدمية والحرية والاشتراكية والوحدة)، ويدخلوا سورية في دياجير الظلمة والفساد والطائفية والهزائم والانكسارات التي توالت إلى يومنا هذا، حيث يقوم آخر هؤلاء البغاة بقتل الشعب السوري بدم بارد، وبذبحه من الوريد إلى الوريد، ويرتكب من المجازر ما لم يرتكبه غيره عبر التاريخ، ولو قدر لفرعون والنمرود ونيرون وهولاكو وهتلر وستالين أن يقوموا من قبورهم ويروا ما يفعله الباغي بشار بشعبه ووطنه لأخذتهم الشفقة وانتابهم الألم والحزن والخزي والعار!!

ولم يكتف هؤلاء البغاة بما يرتكبون من جرائم وآثام وتدمير البلاد وتهجير الناس إلى خارج حدود الوطن، بل استقدموا الحرس الثوري الإيراني وعشرات الميليشيات الشيعية الحاقدة، لتفعل بالسوريين ما لم يستطع ذنب الكلب فعله، وختم هؤلاء البغاة باستقدام روسيا وتسليمها البلاد لتستبيح الأرض والبحر والسماء.

بداية نستشهد بما قاله السيد أحمد أبو صالح أحد أهم قيادات حزب البعث ممن تسلموا أرفع المناصب السياسية والحزبية بعد انقلاب الثامن من آذار 1963 (عضو القيادة القومية وعضو القيادة القطرية وعضو المجلس الوطني وحمل عدد من الحقائب الوزارية ورشحه الأسد الأب ليكون رئيساً للجمهورية).

ففي آخر حلقة من برنامج شاهد على العصر الذي يعده ويقدمه الإعلامي البارز أحمد منصور على شاشة قناة الجزيرة الفضائية أجراه مع السيد أحمد أبو صالح وبثت الحلقة الأولى منه يوم: 20/7/2003، وكان آخر سؤال له:

أحمد منصور: تقييمك أيه الآن في نهاية هذه الشهادة؟

أحمد أبو صالح: يعني أنا في الحقيقة أرجو أن يتاح لي من العمر ما يكفي للتكفير عن الأخطاء التي ارتقت لمستوى خطيئات ارتكبتها بحياتي، لأن أثرها السلبي لم ينعكس علي فقط وإنما ---انعكس على الشعب المنكوب في سورية الذي أنا، بكل صدق، أطلب منه العفو والغفران على ما بدر مني.

الثامن من آذار 1963

لابد لنا قبل الحديث عن نجاح البعث بالاستيلاء على السلطة في سورية أن نتعرف على الوضع العسكري الذي يتمتع به هذا الحزب داخل الجيش السوري.

لم يكن لحزب البعث حتى عام 1958م أي جهاز تنظيمي حزبي داخل الجيش. صحيح أن هناك عدد كبير من الضباط البعثيين أو من الضباط المتعاطفين معهم، ينتهجون نهجه ويؤيدونه في نشاطه وتحركاته السياسية على صعيد الحكم والدولة. ولكنهم لا يقومون بذلك من خلال إطار تنظيمي بالمعنى الحقيقي، مرتبط مباشرة بقيادة الحزب. فعلاقة الضباط البعثيين بالحزب بقيت في الغالب علاقة تعاطف شخصي أو عائلي أو إيديولوجي، تتم عن طريق بعض قياديي الحزب، وعلى وجه الخصوص عن طريق أكرم الحوراني بالذات. (كثيرون من البعثيين المثقفين الذين كانوا ينظرون عموماً إلى تحركات العسكريين وتدخلاتهم في الشؤون السياسية بشيء من الاستياء وعدم الارتياح).

وفي هذا السياق لابد أن نذكر حقيقة، وهي أن الضباط البعثيين وحلفائهم لعبوا دوراً رئيسياً من الجانب السوري في فرض اتفاق الوحدة السورية-المصرية عام 1958م من خلف الدولة والحكومة الشرعية في دمشق، في الشكل الذي تمت فيه.

وبكثير من السذاجة كان هؤلاء يعتقدون بأنهم سيكونون شركاء لعبد الناصر في حكم الجمهورية الوليدة، وسيكون من حصتهم إدارة الإقليم السوري الذي لم يتمكنوا من حكمه من خلال صناديق الاقتراع. ولكن هؤلاء الذين اندفعوا بعواطفهم لم يكونوا ليدركوا آنذاك أن لعبد الناصر مفهومه الخاص للحكم وللدولة.. فهناك حيز كبير بين خطاباته الملتهبة وسياسته الواقعية الحذرة في الميادين المختلفة.. إضافة إلى عدم ثقته بأي حزب سياسي داخل الجمهورية العربية المتحدة، وبين صفوف الجيش على التحديد، حتى ولو كان هذا الحزب يعلن ولاءه وانتسابه إليه وحل نفسه كحزب البعث السوري مثلاً.

بعد قيام الوحدة السورية-المصرية بوقت قليل، أُبعد جميع الضباط المتسيّسين ومن جملتهم البعثيين، عن الجيش السوري مجموعة بعد أخرى. يقول منيف الرزاز في هذا الصدد: (فلئن تحمل الحكم وجود بعض البعثيين في الوزارات أو في أجهزة الحكم، فهو لم يقبل منذ اليوم الأول، وجود البعثيين في الجيش. فتسلّم كبارهم مناصب وزارية، ونقل بعضهم سفراء وموظفين في الخارجية ونقل معظم الباقين إلى مصر بدعوى التدريب والتخصص. فلم يكد يترك أحداً منهم في منصب قيادي مهم في سورية نفسها).

لقد كانت خيبة آمال البعثيين تحمل في طياتها مرارة عميقة، ويتملكهم شعور بالأسى والحزن من عبد الناصر، الذي استخف بهم بل وخانهم (على حد قول بعضهم). فمن القاهرة حيث منفاهم، أخذ الضباط البعثيون يديرون بأنظارهم نحو دمشق. وبالفعل، أنشأوا في القاهرة عام 1959م ما سمي (باللجنة العسكرية). وكانت في البداية تتكون من خمسة ضباط ثلاثة منهم نصيريون – علويون - (محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد) واثنان إسماعيليان (عبد الكريم الجندي وأحمد المير)، ثم وسعت اللجنة وصار عدد أعضائها خمسة عشر عضواً كانوا كالتالي:

(5 نصيريون و2 من الإسماعيلية و2 من الدروز سليم حاطوم وحمد عبيد، وستة من السنة منهم موسى الزعبي، ومصطفى الحاج علي، وأحمد سويداني، وأمين الحافظ، ومحمد رباح الطويل). وأحيط هذا التنظيم بالسرية المطلقة في فترة زمنية طويلة، رافضين ثلاثة أشياء رفضاً قاطعاً أساسها: لا للناصرية كمفهوم سياسي للحكم، لا لصيغة الوحدة السورية-المصرية ومضمونها، وأخيراً لا لقيادة الحزب القومية.

توسعت نواة اللجنة العسكرية بعد الانفصال وثبّتت مواقعها. وبقي التنظيم البعثي الجديد والأول داخل الجيش مستقلاً استقلالاً كلياً بالنسبة إلى التكتلات البعثية المتصارعة. رافضين كل سلطة تمارس عليهم أو أبوة تفرض. ينتابهم شعور بالاعتزاز بأنفسهم. يخامرهم الاعتقاد بأنهم أصبحوا جديرين بأن يقوموا بتحركاتهم السياسية لحسابهم الخاص، وانحصرت نقمتهم داخل الحزب على قادة البعث الثلاث: (ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وأكرم الحوراني)، وألقوا مسؤولية إخفاق الحزب طوال السنوات السابقة عليهم. وجعلوا تنظيمهم العسكري السري الخاص منذ البداية، بعيداً عن التيارات والاتجاهات البعثية من ناحيتي القيادة والهيكلية التنظيمية.

بعد إخفاق اللجنة العسكرية البعثية في الحركة الانقلابية التي شاركوا فيها في آذار 1962م، أبعد معظم الضباط البعثيين عن الجيش أو ألقي القبض على بعضهم. وحسب تأكيدات مصادر مختلفة: لم يبق في الجيش منهم سوى عدد قليل جداً، وفي مقدمتهم: (سليم حاطوم وصلاح جديد وسليمان حداد)، مع عدد من الضباط أقل شأناً ومن صف الضباط.

ومن خارج الجيش، عمل محمد عمران (محرك اللجنة العسكرية) على إعادة تشكيلها وتنظيمها وتوسيع قاعدتها بين الاحتياطيين والضباط المسرحين. وبنى علاقات وطيدة مع التكتلات العسكرية التي كانت تسعى لإسقاط الحكم الانفصالي: (تكتلات المستقلين والناصريين وحتى ضباط 28 أيلول 1961م).

ويذكر سامي الجندي في هذا الموضوع بأن أعضاء اللجنة العسكرية قد اتبعوا (خطة ذكية، فتسربوا إلى كل التنظيمات العسكرية دون استثناء). وهناك (بعض القوائم بأسماء الضباط وتنظيماتهم.. فيها عدد من البعثيين.. قوائم انفصالية فيها أسماء بعثية. كانوا بهذه الطريقة مطلعين على كل شيء يوجهون التنظيمات لمصلحتهم بحذر ودقة).

بالإضافة إلى هذا كله، فهم لم يهملوا أبداً اتجاهات البعث المختلفة، بغض النظر عن أي اعتبار. ومن أجل تحقيق هذا الهدف وزعت الأدوار على الضباط البعثيين كل حسب علاقاته الشخصية أو السياسية. (عبد الكريم الجندي) اتصل بحركة (الوحدويين الاشتراكيين) عن طريق ابن عمه (سامي الجندي)، (أحمد المير ومزهر هنيدي) اتصلا بالقيادة القطرية (لرياض المالكي وبالقطريين).

لقد كان غالبية أعضاء اللجنة العسكرية على اتصال دائم بما يسمى محور حمص، اللاذقية، دير الزور.. ويعني هذا بالكتل البعثية لأكرم الحوراني او القطريين عن طريق (عبد البر عيون السود ووهيب الغانم ومصلح سالم)، و(محمد عمران وسليم حاطوم) بقادة تيار (القيادة القومية)، و(حافظ الأسد) وكذلك (محمد عمران) بالناصريين وبعض المسؤولين في سفارة الجمهورية العربية المتحدة في بيروت.    

لم يكشف أعضاء اللجنة العسكرية أبداً عن (أوراقهم)، حتى إلى بعض اتجاهات البعث المقربة إليهم، والتي كانت تجهل تماماً، اسم ووجود هذا التنظيم للضباط البعثيين. لقد كانوا يتحدثون إلى المجموعات والكتل المعادية للحكم الانفصالي، باللغة التي كان كل من هؤلاء يرغب بسماعها. ولكن كل تكتل عسكري من ناحيته كان يفكر بأنه سيستخدم التكتلات الأخرى في الوقت المناسب.

كان الضباط البعثيون يدركون تمام الإدراك بأنهم قليلو العدد، فحاولوا أن يعوضوا عن هذا الضعف بتقوية تلاحمهم التنظيمي وبسريتهم المطلقة وبتحركهم الواسع. وهكذا استطاعوا أن يعطوا انطباعاً عاماً للجميع بأنهم أكثر عدداً وقوة مما هم عليه في الواقع.

بعد إخفاق اللجنة العسكرية البعثية في الحركة الانقلابية التي شاركوا فيها في آذار 1962م، أبعد معظم الضباط البعثيين عن الجيش (كما نوهنا)، أو ألقي القبض على بعضهم. وحسب تأكيدات مصادر مختلفة: لم يبق في الجيش منهم سوى عدد قليل جداً، وفي مقدمتهم: (سليم حاطوم وصلاح جديد وسليمان حداد)، مع عدد من الضباط أقل شأناً ومن صف الضباط.

==========================

آذار وبحار الدم - الحلقة الثانية

محمد فاروق الإمام

التنظيمات العسكرية المنافسة لتنظيم حزب البعث داخل الجيش السوري

يؤلف الناصريون على الصعيد العسكري اتجاهاً عريضاً يضم بين جنباته عدداً كبيراً من الضباط بالنظر إلى التكتلات الأخرى. ولكنه مع ذلك بقي تياراً عاماً، مجزأً، متناقضاً، وله عدة مراكز قوى للتقرير والتوجيه، ولم ينجح بالتالي في تكوين تنظيم موحد ومتماسك ومبني بناء قوياً، ولا في إيجاد خطة عمل تحدد الخطوات العملية وتتلاءم مع ظروف الواقع الجديدة. وكانت التعليمات والتوجيهات تأتيه من القاهرة أو من سفارة الجمهورية العربية المتحدة في بيروت. وكان يضع نصب عينيه هدفاً وحيداً، يتلخص في إزالة حكم الانفصال وإعادة الوحدة الفورية مع مصر.

مجموعات الضباط المستقلين

لقد كانت مجموعات الضباط المستقلين في الواقع، هي الأقوى من الناحية العددية.. ولربما الوحيدة التي يمكنها أن تقوم بعمل فعّال وحاسم ضد نظام الحكم. وإلى جانب الطموحين من كل نوع.. والفئات التي تسير مع التيار العام، فهي تحوي عناصر وحدوية وتقدمية دون أن نعطي إلى كلمة وحدوية وتقدمية معنىً محدداً وواضحاً. وإذا كان الضباط المستقلون وحدويين، ومتعاطفين مع القاهرة غير أنهم لا يفكرون أبداً في أن يتم هذا التعاون والتقارب بنفس طريقة الضباط الناصريين. لذلك فقد كان الاتجاه العام للضباط المستقلين أكثر ميلاً وأقرب للتعاون والتنسيق مع مجموعة الضباط البعثيين.

جماعة المقدم زياد الحريري

في النصف الثاني من عام 1962م، تجمع عدد من الضباط حول المقدم (زياد الحريري) قائد الجبهة السورية-الإسرائيلية، ثم انضم إليه اللواء (عدنان عقيل)، رئيس شعبة المخابرات، واللواء (نامق كمال)رئيس أركان الجيش والقوات المسلحة.

يقول اللواء عبد الكريم زهر الدين في مذكراته: (إن المؤامرة كانت تحاك في وضح النهار وبالعلن، دون أن يكون في استطاعة حكومة خالد العظم العاجزة من أن تضع حداً لتدهور الأوضاع التي ستؤدي حتماً إلى زوالها وزوال عهد الانفصال معها).

في مطلع عام 1962م، اتفقت المجموعات الثلاث داخل الجيش السوري على تنفيذ انقلاب عسكري مشترك، يطيح بالانفصال. ولكن رغم هذا الاتفاق فإن الحذر وسوء النية والشك وعدم الثقة فيما بينها كان طابع العلاقات بين الناصريين والبعثيين.

وقعت في أوائل عام 1963م حادثتان في غاية الأهمية: محاولة الانقلاب الفاشلة التي قادها (عبد الكريم النحلاوي) في 13 كانون الثاني. واستلام البعث السلطة في العراق في 8 شباط، والذي كان دعماً سياسياً ومعنوياً للضباط البعثيين السوريين.

بعد نجاح حركة البعث العراقي، وجد أعضاء اللجنة العسكرية أنفسهم مرغمين على تحسين صلاتهم بالقيادة القومية، التي من خلالها يحكم البعث في العراق. فقد صرح الحكام الجدد في العراق علناً بانتمائهم إلى اتجاه الأمين العام للحزب (ميشيل عفلق). عند ذلك لعب الضباط البعثيون السوريون بدهاء ورقة المقدم (زياد الحريري) الذي تحدد له بالفعل دور (حصان طروادة) وكان يخضع تحت مراقبة حذرة من قبل ضابطين بعثيين هما: (سليم حاطوم وسليمان حداد) اللذان كانا عضوين في قيادة الجبهة السورية-الإسرائيلية.

الشركاء المتربصون ببعض

وفي منتصف شهر شباط تقريباً، وضع منظمو الحركة الانقلابية لمساتهم الأخيرة على خطتهم الانقلابية: وقبل (48) ساعة من بدء عملية التنفيذ، سمّي (صلاح الدين البيطار) رئيس حكومة (اتحاد وطني)، بغض النظر عن التحفظات التي كان يبديها أعضاء اللجنة العسكرية بالنسبة لشخصه. وقد كانت لهذه التسمية أسبابها الجوهرية، وهي تتلخص في أن البيطار يحوز على ثقة القيادة القومية، ولا يثير كثيراً من مخاوف الناصريين. وقد تحددت ساعة الصفر في (7) آذار لانطلاق التحرك العسكري.

في هذه الأثناء بالذات حصل تعديل في قيادة الأركان العامة للجيش، وعين بعض الضباط الناصريين في مراكز مهمة، خاصة الشخصية القيادية فيهم اللواء (راشد القطيني) الذي سمي رئيساً لشعبة المخابرات، وكذلك اللواء (محمد الصوفي) العائد من الاتحاد السوفييتي، وعين قائداً للواء الخامس في حمص.

هذا التحول الجديد الذي لم يكن يتوقعه الناصريون، دفع القطيني والصوفي، في (6) آذار، إلى تراجعهما وإقناع حلفائهما من البعثيين بالرجوع كذلك عن قرارهم والتخلي عن مشروعهم الانقلابي. وفي حال إصرار البعثيين على تنفيذ خطتهم كما هي موضوعة، فإنهما لن يشتركا معهم في هذا التحرك العسكري. وكانت حجتهما أن الوضع العام في الجيش قد تحسن وأصبح أكثر ملاءمة من السابق للقيام بثورة (بيضاء).

لقد فرض على منظمي الانقلاب بعد تخلي الضباط الناصريين أن يدخلوا بعض التغيير في خطتهم، وأن يؤخروا تنفيذ عمليتهم مدة أخرى، فإن ابتعاد الناصريين وموقفهم السلبي من الحركة، أدى خدمة كبيرة لم يكن يحلم بها أعضاء اللجنة العسكرية، حيث أصبح الطريق ممهداً أمام الضباط البعثيين لكي يلعبوا دورهم كنواة وحيدة ومنظمة تنظيماً دقيقاً، وأن يكونوا محور الحركة الانقلابية، وبالتالي محور النظام الجديد.

لقد كان الضباط الناصريون - كما ذكرنا سابقاً - يشكلون على الصعيد العسكري، اتجاهاً عريضاً يضم عدداً كبيراً بالنظر إلى التكتلات الأخرى، ولكنه اتجاه مجزأ ومفكك وضعيف وغير متجانس ولا متلاحم، جمعتهم العاطفة ونشوة الوحدة، كذلك كان هذا التشكيل مخترق من قبل عناصر مدسوسة دسّتها اللجنة العسكرية البعثية بين أفرادها.. وفوق ذلك لم تكن لهم قيادة موحدة أو مرجعية يلتفون حولها.

أما الضباط المستقلون فقد تبلور موقفهم حول المقدم زياد الحريري، قائد الجبهة السورية مع إسرائيل، وكان معه من الضباط الكبار اللواء عدنان عقيل رئيس شعبة المخابرات، واللواء نامق كمال رئيس الأركان.

في منتصف شهر شباط تقريباً، وضع رجال اللجنة العسكرية لمساتهم الأخيرة على خطتهم الانقلابية. وقبل 48 ساعة من بدء عملية التنفيذ، سمي صلاح الدين البيطار رئيس حكومة (أتحاد وطني) وسبب اختيار اللجنة العسكرية لصلاح الدين البيطار، أنه يحوز على ثقة القيادة القومية، ولا يثير مخاوف الناصريين. وتحددت ساعة الصفر يوم 7 آذار 1963م لانطلاق التحرك العسكري.

أمام تخلي الناصريين عن المشاركة في مشروع الانقلاب، اضطر البعثيون إلى أن يدخلوا بعض التغيير في خطتهم، وأن يؤخروا تنفيذ عمليتهم 24 ساعة. فأصبح التاريخ الجديد لساعة الصفر صباح يوم الثامن من آذار، ومن ناحية أخرى شعر البعثيون بعد ابتعاد الناصريين عنهم وكأنهم أزاحوا كابوساً عن ظهورهم. وهكذا أصبحت الطريق ممهدة للانفراد بالانقلاب.

==========================

آذار وبحار الدم : تنفيذ انقلاب 8 آذار 1963م

الحلقة الثالثة

محمد فاروق الإمام

في ساعات الفجر الأولى من يوم الجمعة 8 آذار 1963م، طوقت الدبابات والسيارات المدرعة الإذاعة ومباني الحكومة، وتركزت في الساحات العامة. وأعلن المقدم سليم حاطوم، الذي احتل مبنى الإذاعة البيان الأول لقيام الانقلاب. وتم القبض عل العديد من السياسيين ورجال الحكومة البارزين، وتمكن رئيس الوزراء خالد العظم من الإفلات واللجوء إلى السفارة التركية بدمشق. وليتسلم حزب البعث السلطة الحقيقية في سورية.

تشكلت حكومة البيطار التي تضم كل القوى التي عارضت حكم الانفصال، واحتل البعثيون نصف حقائبها (منصور الأطرش وجمال الأتاسي وعبد الكريم زهور ووليد طالب وشبلي العيسمي وسامي الدروبي وإبراهيم ماخوس). كما اشترك فيها عن القوميين العرب (هاني الهندي وجهاد ضاحي). وأعضاء من حركة الوحدويين الاشتراكيين (سامي صوفان ثم سامي الجندي). ومن الجبهة العربية (نهاد القاسم وعبد الوهاب حومد).

وتألف المجلس الوطني لقيادة الثورة من عسكريين ومدنيين برئاسة اللواء لؤي الأتاسي، وضم كلاً من: (العسكريين: لؤي الأتاسي وزياد الحريري-غير بعثيين- فهد الشاعر وأمين الحافظ وصلاح جديد ومحمد عمران وأحمد أبو صالح وموسى الزعبي-بعثيون- أما المدنيون وكلهم بعثيون: (ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وشبلي العيسمي ومنصور الأطرش وحموديالشوفي).

وعلى الصعيد العسكري سمي (لؤي الأتاسي) قائداً أعلى للجيش، واللواء (زياد الحريري) رئيساً للأركان العامة، واللواء (راشد القطيني) نائباً لرئيس الأركان. كما اشترك عسكريان في وزارة البيطار: اللواء أمين الحافظ-بعثي- وزيراً للداخلية، واللواء محمد الصوفي-ناصري- وزيراً للدفاع.

ويلاحظ في هذا المجال، أن أحد مؤسسي هذه اللجنة حافظ الأسد لم يظهر في الواجهة ولم يحتل أي منصب واكتفى بقيادة القوى الجوية ليبقى متابعاً للعبة اللجنة العسكرية من وراء الكواليس، ساعياً لتثبيت أكبر عدد ممكن من الضباط الموالين في صفوف الجيش وخاصة القوى الجوية.

بعد ثلاثة أيام من نجاح البعثيين في انقلابهم، أي بتاريخ 11 آذار تحرك الناصريون داخل الجيش للإطاحة بالبعثيين. ولكن لم يُقدر لمشروعهم النجاح. وأدى إخفاق تحركهم إلى تصفية عدد كبير من ضباطهم، دون إثارة أية ضجة. ولم يصدر النظام البعثي الجديد أي بيان حول هذه الحركة.

==========================

آذار وبحار الدم- الحلقة الرابعة

محمد فاروق الإمام

قوائم تسريحات الضباط التي أصدرتها

قيادة حركة آذار 1963م

بعد وقوع الحركة بخمسة أيام فقط، أي بتاريخ 13 آذار 1963م صدرت نشرة عسكرية أخرجت من الجيش مئة وأربعة ضباط وهم من كبار ضباط الجيش، افتتحت بالفريق عبد الكريم زهر الدين، واختتمت بالمقدم بسام العسلي.

وبتاريخ 16 آذار - أي بعد ثمانية أيام من وقوع الحركة - صدرت نشرة أخرى، أخرجت من الجيش 150 ضابطاً، هم الطاقة الفعالة في الجيش (قادة الكتائب ورؤساء عمليات الألوية وقادة سرايا)، وكان المقدم خليل مصطفى - مؤلف كتاب سقوط الجولان - واحداً من الذين شملتهم النشرة.

ثم تتابعت النشرات، تسرح، وتحيل على التقاعد، وتنقل إلى الوظائف المدنية، حتى بلغ مجموع الضباط الذين أخرجوا من الجيش حتى أيار 1967م، لا يقل عن ألفي ضابط من خيرة ضباط الجيش المحترفين كفاءة وقدرة وعطاء وحيوية، مع عدد لا يقل عن ضعفه من ضباط الصف القدامى المحترفين للعمل العسكري، والجنود المتطوعين الذين يشكلون الملاك الحقيقي الفعال لمختلف الاختصاصات في الجيش.

وحتى لا يقال إن قيادة حركة آذار تسرح ضباط الجيش، استبدلت بالذين أخرجوا من الجيش (وخاصة الضباط) أعداداً كبيرة جداً من ضباط الاحتياط (الذين سبق لهم أن أدوا خدمة العلم) وجميعهم تقريباً من البعثيين حتى أصبح معظم ضباط الجيش ممن لا خبرة لهم ولا معرفة ولا لياقة بدنية من البعثيين وخاصة من الطائفة العلوية.

ملاحظة:

(التحقت بالجيش "خدمة إلزامية" يوم 20 تموز 1963م، وأُخضعت  لدورة عسكرية في مدارس قطنا، وهناك في هذه المدارس لم يكن بين العشرات من الضباط وضباط الصف ما يصل إلى عدد أصابع اليدين من الضباط وضباط الصف العاملين، فقد كان معظم الضباط وضباط الصف ممن التحقوا بخدمة الاحتياط من الضباط وضباط الصف البعثيين، وكانوا في معظمهم من المدرسين سابقاً، المترهلة أجسامهم، وكبيري السن، والذين كانوا لا يعرفون ألف باء العسكرية، وبعد انتهاء الدورة التي دامت لأكثر من أحد عشر شهراً، تخرجت وكان ترتيبي الأول "ماجور دوره"، ورغم ذلك أفرزت للخدمة في الجبهة "الجولان سابقاً" قبل أن يفرّط نظام البعث وجيشه العقائدي به ويسلمه للصهاينة دون دفع أو مدافعة. وفي القطعة التي خدمت بها  - في غير اختصاصي - التقيت أحد الضباط وكان قائداً للنقطة وقد استدعي من وظيفته كمدير مدرسة لقرية الشيخ بدر "محافظة طرطوس"، وقد كشف لي سراً - عن غير قصد - أنه عند استدعاء ضباط احتياط للعمل في الجيش، نزل من الجبل ألف ضابط، معظمهم انخرطوا في الجيش. في حين صرح لي أحد ضباط الصف، والذي كان - كما قال - يعمل صياداً للسمك في مدينة صيدا اللبنانية، استدعي مع نحو ثلاثة آلاف ضابط صف بعد انقلاب 8 آذار 1963م ليلتحقوا بالجيش، وكلهم كما قال لي من الجبل من محافظتي طرطوس واللاذقية).

(وفي هذا السياق تحضرني قصة وقعت لي مع قائد نقطتي الذي كان سابقاً مدير مدرسة في الشيخ بدر وهي نفس بلدته. فقد قام الطيران الإسرائيلي يوم 3/11/1964م بضرب الجبهة لمدة ثلث ساعة متواصلة، وقد ألقى العشرات من قنابل النابالمالمحرمة.. وفي بداية قدوم الطائرات الإسرائيلية هرول هذا الضابط مسرعاً وبطريقة ملفتة للنظر نحو (البلوكوس) – الملجأ -  فوقع منه مسدسه فلم يلتقطه، وسارعت أنا بالتقاطه وتقديمه له. وعند اقتراب الطائرات الصهيونية من نقطتنا، طلبت منه إعطائي الأمر بإطلاق النار عليها، وكررت طلبي لمرات عدة.. وكنت أشاهد الطيار الصهيوني الذي كان يقترب بطائرته حتى يكاد يلامس الأشجار الكثيفة التي كانت تغطي نقطتنا.. وكان يؤنبني قائلاً: إياك أن تطلق النار لأنك ستتهم بالخيانة لأنك كشفت النقطة وستعرضنا جميعاً للهلاك. لم أعد احتمل مشاهدتي للطائرة وطيارها.. وبين يدي مجموعة من ثلاثة رشاشات (م/ط 7/12)، فقمت بتوجيه هذه الرشاشات نحو السماء ورشقت أول طائرة اقتربت من النقطة.. وفعلت ذلك ثلاث مرات، وكنت في كل مرة أجبر الطيار على الإقلاع العامودي والفرار من سماء نقطتنا.. وكنت أسمع عويل ذلك الضابط الجبان وصراخه وتفوهه بعبارات الكفر والشتم والتهديد والوعيد، وقد خارت قواه، يهددني ويتوعدني بالويل والثبور.. بعد انتهاء العملية الصهيونية وخروج القائد الهمام من مخبئه، توجه إلي بكلمات نابية قاسية.. أقلها نعتي بالخيانة والعمالة.. في حين انقسم أفراد النقطة بين مؤيد ومندد بما قمت به. وقام القائد برفع تقرير إلى قيادة الجبهة طالباً إيقاع أقصى العقوبة بحقي.. ولكن قائد الجبهة في حينها اللواء "فهد الشاعر" منحني شهادة تقدير مع إجازة 12 يوماً.. وتبين لي فيما بعد أنه لم تطلق على هذه الطائرات في كل مواقع الجبهة طلقة واحدة إلا ما كنت قد أطلقته أنا).

لقد رافق عمليات التسريح حل بعض الوحدات المقاتلة، وتشكيل وحدات غيرها على أسس حزبية بحتة.. وبذلك أصبح الجيش عبئاً ثقيلاً على كاهل الشعب.. بدل أن يكون درعاً يدفع عنه وحصناً يذود عن حياضه.. ويحفظ أمنه وكرامته وحرياته.

توجت مرحلة تصفية الجيش بالأحكام الجائرة التي أصدرتها محكمة أمن الدولة التي كان يترأسها المقدم صلاح الضلي.. حيث تم إعدام عدد كبير من الضباط كان في مقدمتهم: (العقيد أركان حرب كمال مقصوصة والعقيد هشام شبيب والنقيب معروف التغلبي والنقيب ممدوح رشيد والملازم نصوح الجابي والمساعد بحري كلش).

بالإضافة إلى القتل والإعدام والتسريح غصت السجون بالمئات من الضباط والآلاف من باقي العسكريين.. وكان من أبرز هؤلاء المعتقلين: (اللواء محمد الجراح واللواء راشد قطيني والفريق محمد الصوفي والفريق عبد الكريم زهر الدين واللواء وديع مقعبري والعمداء مصطفى الدواليبي ونزار غزال وأكرم الخطيب وموفق عصاصة ودرويش الزوني وممدوح الحبال والعقداء هيثم المهايني ومحيي الدين حجار وحيدر الكزبري).

==========================

آذار وبحار الدم :خريف شهر العسل بين البـعث والناصـرية

آذار وبحار الدم - الحلقة الخامسة

محمد فاروق الإمام

منذ الساعات الأولى لنجاح حركة البعث في دمشق، أعلنت القاهرة تأييدها لهذه الحركة التي أنهت حكم الانفصال في سورية.. ولكن حكام مصر كان يقلقهم من غير شك أن يروا حزب البعث.. وهو الحزب الذي حاربته القاهرة بجميع الوسائل في السابق.. يمسك بزمام الأمور ويتربع على سدة الحكم في دمشق، بعد شهر فقط من استلامه الحكم في بغداد، وتشكيل جبهة بعثية موحدة في كل من سورية والعراق. كذلك فوجئ الضباط الناصريون بنجاح حركة 8 آذار. لأنهم لم يتصوروا أن حلفاء البارحة - بعد نصيحتهم بعدم تنفيذ مخططهم - تجرأوا واستمروا في تحركهم بهذه السرعة، لهذا فإنهم لم يعلنوا تأييدهم للحركة العسكرية إلا بعد مدة من نجاحها.

 

القيادة القومية لحزب البعث تجهل تحرك الانقلابيين

حتى ساعة قيام الانقلاب ونجاحه لم تكن القيادة القومية ولا كل الاتجاهات الحزبية الأخرى على علم بتحرك 8 آذار. وهذا ما يؤكده الدكتور منيف الرزاز الأمين العام الثاني للحزب في كتابه (التجربة المرة) حيث يقول: (هذه الحركة محض عسكرية، حضّرت لها ونفذتها مجموعات من الضباط المتحالفين، وعند نجاحها دعي الحزب إلى تبوؤ الحكم وتشكيل حكومة برئاسته. ولم يكن لهؤلاء الضباط برنامج محدد المعالم. وإنما وضعوا لهم هدفاً آنياً وحسب، وهو إسقاط النظام الانفصالي في سورية، على ان يبحثوا فيما بعد عن أسس للتفاهم مع الثورتين العراقية والمصرية).

لقد بقيت العلاقات زمناً طويلاً بين حزب البعث والجيش غامضة ومتناقضة إلى أبعد الحدود. يقول الرزاز: (لم يقم حزب البعث هو نفسه بتحقيق الثورة، ولكنه رسمياً هو الذي يحكم سورية).

على أية حال فقد تشكلت حكومة البيطار الأولى في العهد الجديد.. من كل القوى القومية الوحدوية التي قادت المعارضة ضد النظام الانفصالي. فمن البعثيين شارك كل من: (منصور الأطرش وجمال الأتاسي وعبد الكريم زهور ووليد طالب وشبلي العيسمي وسامي دروبي وإبراهيم ماخوس). وعن حركة القوميين العرب: (هاني الهندي وجهاد ضاحي). ومن الوحدويين الاشتراكيين: (سامي صوفان ثم سامي الجندي). ومن الجبهة العربية المتحدة: (نهاد القاسم وعبد الوهاب حومد). وتألف المجلس الوطني لقيادة الثورة من عسكريين ومدنيين برئاسة اللواء لؤي الأتاسي، وضم كل من:

العسكريون: (لؤي الأتاسي وزياد الحريري - غير بعثيين - فهد الشاعر وأمين الحافظ وصلاح جديد ومحمد عمران وأحمد أبو صالح وموسى الزعبي - بعثيون).

المدنيون وكلهم بعثيون: (ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وشبلي العيسمي ومنصور الأطرش وحمودي الشوفي).

وعلى الصعيد العسكري، سمي الأتاسي قائداً أعلى للجيش، واللواء زياد الحريري رئيساً للأركان العامة، واللواء راشد القطيني نائباً لرئيس الأركان. كما اشترك عسكريان في وزارة البيطار هما: اللواء أمين الحافظ - أصبح فيما بعد رئيساً للجنة العسكرية - (بعثي) وزيراً للداخلية، واللواء محمد الصوفي (ناصري) وزيراً للدفاع.

==========================

آذار وبحار الدم  : قادة اللجنة العسكرية الحقيقيون هم (محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد)

الحلقة السادسة

محمد فاروق الإمام

يمكننا أن نلاحظ بوضوح، أن المؤسسين والمحركين الأساسيين للجنة العسكرية هم (محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد)، وهؤلاء لم يحتلوا بادئ الأمر واجهة المسرح السياسي. بل استمروا في متابعة لعبتهم من وراء الكواليس، وسعوا تدريجياً لتثبيت مواقعهم داخل القوة الحقيقية الوحيدة في البلاد (الجيش).

في هذه الظروف الداخلية والعربية.. وجدت حركة البعث نفسها في مواجهة صريحة مع النظام الناصري. ولقد فرض عليها أن تدخل مع الناصرية بمجملها، في معركة مفتوحة كان مسرحها دمشق. فقد كان هدف القاهرة الأساسي.. هو عودة الوحدة السورية-المصرية قبل أي شيء آخر. وعلى هذا الأساس عبأت الجماهير السورية والعربية في سبيل تحقيق هذه الغاية، مع نجاح حركة 8 آذار تشكيل حكومة البيطار.

وهكذا ارتفعت صور الرئيس عبد الناصر ورفرفت أعلام الجمهورية العربية المتحدة في جميع أنحاء البلاد. وعمّت المظاهرات الشعبية والعمالية والطلابية؛ التي كان يقودها القوميون العرب والوحدويون الاشتراكيون العاصمة دمشق وكبرى المدن السورية حلب.. وهي تهتف هتافات واحدة (وحدة، وحدة، عبد الناصر). وبصريح العبارة فقد بات الشارع تسيطر عليه (القوى الناصرية). ومما يزيد (الطين بلة) فإن البعثيين في السلطة لم يكن لهم حتى ذلك الوقت؛ أي تنظيم سياسي أو حزبي يواجهون به الظروف المستجدة ويعدلوا من موازين القوى لصالحهم. لذلك عمدت سلطات البعث منذ الأيام الأولى إلى منع كل تظاهرة مهما كانت طبيعتها أو إلصاق صور أي زعيم عربي كان، وكان يقصد بذلك منع إلصاق صور عبد الناصر.

ومن ناحية أخرى فإن العناصر الناصرية المشاركة في الحكم، والتي تعتمد في قوة وجودها على هذا التيار الشعبي العام، ألحت في طلب الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة، دون قيد أو شرط.

وأخذت الأسئلة تطرح نفسها لمعرفة ما إذا كان النظام الجديد ضد التقارب أو الاتحاد مع الجمهورية العربية المتحدة؟ ألن تطرح حكومة البيطار علناً في بيانها الوزاري الذي نشر بعد ست أيام من نجاح حركة البعث بان مهمتها الأولى هي إقامة (وحدة-اتحادية) بين مصر وسورية والعراق، على أسس ديمقراطية شعبية.. وباعتماد مبدأ القيادة الجماعية، ألم ترسل من أجل ذلك في اليوم نفسه وفداً رسمياً إلى القاهرة لإجراء محادثات من أجل الاشتراك في المحادثات الوحدوية بين مصر وسورية والعراق؟.

في الحقيقة أن الصراع بين البعثيين والناصريين هو صراع على السلطة. يؤكد الدكتور جمال الأتاسي وزير الإعلام في حكومة البيطار الأولى للنظام الجديد: (إن الخلافات لها علاقة بالسيطرة على الحكم وبالنفوذ الذي سيحصل عليه كل طرف في المؤسسات القيادية والرسمية والشعبية لحركة 8 آذار).

وهكذا فإن القوى الناصرية في سورية معتمدة على الحملة الإعلامية التي تبثّها القاهرة، كانت تعمل عل عدم ترك أية مهلة للبعثيين وعدم تمكينهم من تثبيت أقدامهم في الحكم وإجبارهم على الدخول في أسرع وقت في المحادثات مع عبد الناصر.. في حين لا يزال فيه البعثيون يعانون من الضعف الشديد من ناحية التأييد الشعبي.

لقد عمل البعثيون دون تطبيل وتزمير منذ الساعات الأولى لتفادي ضعف التأييد الشعبي على تقوية موقعهم وجودهم في الوحدات العسكرية.. وذلك حتى يعوضوا عن ضعفهم العددي.. ويجابهوا الضغوطات الداخلية والخارجية التي يتعرضون لها. فأخذوا بتعاونهم مع الضباط المستقلين.. يبعدون عن الجيش العناصر التي أيدت الانفصال.. وكذلك العناصر الناصرية. وفي نفس الوقت أصدروا قراراً بالعزل المدني.. شمل عدداً كبيراً من السياسيين اليمينيين واليساريين.. بتهمة تأييد النظام الانفصالي وشمل كل من: (ناظم القدسي وخالد العظم ومأمون الكزبري ومعروف الدواليبي وصبري العسلي وسهيل الخوري وأكرم الحوراني وخليل الكلاس وعبد الغني قنوت ومصطفى حمدون وخالد بكداش).

وتسلم الضباط البعثيون بشكل أو بآخر قيادة معظم القطاعات العسكرية.. والتي من خلالها تمت بهم السيطرة الكاملة على الجيش.. الذي بدونه لن يستطيع الناصريون القيام بأية حركة أو انقلاب.

وبالفعل فإننا نجد أن الضباط الناصريين الذين كانوا يحتلون المراكز القيادية في الجيش.. قد سحب البعثيون البساط من تحتهم وتركوهم أشبه ما يكونون بالممثلين.. الذين يقومون بأدوار عسكرية في فلم حربي.. أي كانوا يحملون الرتب الفخرية.

أيضاً يجب أن لا ننسى دعم البعث العراقي للبعث السوري الخارجي.. الذي كانت له أهمية كبرى في مثل الظروف التي مر بها البعث السوري. ففي الأيام الأولى لنجاح حركة آذار.. وصل إلى دمشق وفد عراقي بقيادة علي صالح السعدي.. أمين سر قيادة القطر العراقي للحزب.

وعلى أثر المحادثات الرسمية بين البلدين. أعلن البيان المشترك السوري-العراقي في 11 آذار (أن المباحثات بين الطرفين تطرقت إلى الخطوات التي يجب اتباعها للدفاع عن الثورتين السورية والعراقية). وفي مؤتمره الصحفي.. يشير السعدي صراحة بأن القضية ليست قضية إقامة محور بين القاهرة وبغداد ولا بين بغداد ودمشق. ونقول من عندنا ولا محور بين القاهرة ودمشق.

==========================

آذار وبحار الدم

الحلقة السابعة

المحــادثات الثلاثيـة المصرية السورية العراقية

محمد فاروق الإمام

بعد نجاح حركة 8 آذار 1963م بستة أيام.. أي في 14 آذار.. جرت المحادثات في القاهرة بين مصر وسورية.. ثم انضمت العراق إليهما.. من أجل وضع الأسس لوحدة اتحادية. وإذا لم نتتبع هذه المفاوضات بالتفصيل.. أو اقتطاف بعض المقاطع من المناقشات التي تضمنتها.. غير أن هذه المناقشات قد أظهرت بصورة واضحة النوايا الخفية لكل فريق.. وكذلك السرعة الفائقة التي طرحت معها وعولجت بها القضايا الأساسية.

لقد ترأس جلسات المحادثات بين الوفود الثلاثة الرئيس عبد الناصر الذي كان في وضع القوة نسبياً.. وبالتالي نجح ببراعة.. أمام الرأي العام العربي.. في إخفاء ثغرات الضعف في حكمه ونظامه.. ووجد البعثيون أنفسهم في جو مثقل وحالة مشتتة وضع أقرب ما يكون إلى وضع المتهم.

لقد كان كل المشتركين في هذه المناقشات يناورون.. فهم جميعاً يتحدثون عن الوحدة العربية وعن آمال الجماهير العربي.. وفي حقيقة الأمر.. كانوا جميعاً بعيدين كل البعد عن هذه الاهتمامات.. مما جرّهم الحوار إلى ما يشبه (حوار الطرشان).

برز خلال المناقشات موقفان متعارضان: عبد الناصر أبدى عدم استعداده لعقد وحدة مع سورية يحكمها البعث وحده.. حيث ألقى عبد الناصر مسؤولية إخفاق الوحدة السورية-المصرية على البعثيين.. الذين وصل توجيه الاتهام إليهم إلى درجة (الخيانة). ومن الناحية السورية.. فإن البعث السوري.. بعد أن استخلص العبر من أخطائه التي ارتكبها في 1957-1958م عند قيام الجمهورية العربية المتحدة.. كان مصمماً على عدم الخضوع لأي ضغط مهما كانت طبيعته. فهاهو البعث يحكم قبضته على دمشق وبغداد.. بعد عناء كبير تعرض فيها إلى المزيد من العقبات والمحن.. وهو لا يريد أن يترك دمشق وبغداد لعبد الناصر. وإذا كان لابد من وحدة فإنها لن تقوم ضدهم أو بدونهم.

وبالفعل.. فقد رجحت كفة البعثيين في النهاية (ولو كان نظرياً على الأقل).. ففي 17 نيسان وقعت الوفود المصرية والسورية والعراقية ما سمي (ميثاق القاهرة).. والذي أعلن عن قيام دولة اتحادية بقيادة جماعية في مدة لا تزيد عن خمسة أشهر بين مصر وسورية والعراق تحت اسم (الجمهورية العربية المتحدة).. عاصمتها القاهرة. وكل قطر في هذه الدولة الجديدة يبقى محتفظاً بمؤسساته واستقلاله السياسي والداخلي. وتكون السلطة التشريعية والسلطة العليا مناطة بالمجلس القومي في الدولة الاتحادية الجديدة.. وهو مؤلف من مجلسين: مجلس نواب إقليمي منتخب انتخاباً مباشراً عن طريق الاقتراع السري العام.. ويضم في كل قطر عدداً من الممثلين حسب نسبة السكان.. ومجلس اتحادي يضم عدداً متساوياً من الأعضاء في كل إقليم من الأقاليم الثلاثة. والمجلس القومي هو الذي ينتخب رئيس الجمهورية ونوابه الثلاثة. والقوانين والتشريعات لا تصبح سارية المفعول إلا بعد الموافقة والتصديق عليها من قبل المجلس الإقليمي والمجلس الاتحادي. وأخيراً فإن مجلس الوزراء إنما يكون مسؤولاً مسؤولية مباشرة أمام المجلس القومي.

لم يتمالك البعثيون دهشتهم عندما وقع عبد الناصر على (ميثاق 17 نيسان). فهم لم يكونوا ليتصوروا أن رئيس الدولة المصرية سيقبل باتفاق يحد من صلاحياته ويقيم نظاماً اتحادياً مبنياً على أسس من القيادة الجماعية. لذلك فإن مخاوفهم كانت كبيرة لاعتقادهم بأن عبد الناصر عندما وقع هذا الميثاق.. قد أعطى نفسه مهلة خمسة أشهر.. يسعى خلالها لتغيير موازين القوى في دمشق وبغداد لمصلحته.

ومما كان يزيد من هذه المخاوف والشكوك تحركات الناصريين في دمشق ونشاطهم السياسي على الصعيد الداخلي.. المرتبط بتعليمات يتلقوها من القاهرة.. ولم يكن ذلك سراً. فالناصريون منذ الأيام الأولى قد حاولوا أن يثيروا المتاعب والاضطرابات في وجه النظام البعثي.. وطالبوا بإقامة وحدة فورية مع مصر.. ونظموا لهذا الغرض المظاهرات الشعبية في البلاد كلها.. لكي تمارس ضغوطاتها على السلطات الحكومية البعثية.

وفي نفس الوقت فقد كانت التنظيمات الناصرية تطالب بإشراكها في الحكم مناصفة. وهذه المنظمات هي: (حركة القوميين العرب، وحركة الوحدويين الاشتراكيين، والجبهة العربية المتحدة).. وكانت تلح على البعث أن يقبل مبدأ توزيع المناصب في الحكم معه على قدم المساواة. وهذا يعني أن البعث يجب أن يحتل فقط ربع المقاعد في المجلس الوطني لقيادة الثورة.. وأن يحمل ربع الحقائب الوزارية.

وقد صرح بهذا الصدد (نهاد القاسم).. زعيم الجبهة العربية المتحدة قائلاً: (إن القوى الوحدوية لا تضع إلا شرطاً واحداً وهو أن يقبل البعث مبدأ المساواة مع كافة المجموعات الوحدوية التي وقعت ميثاق القاهرة).

ونظراً للأوضاع السياسية والعسكرية التي وصل البعثيون بها إلى الحكم.. فإنهم وجدوا أنفسه معزولين تقريباً.. من ناحية التأييد الشعبي.. وفي كل المناطق السورية سواء في الريف أو المدن.

ورغم التأييد الشعبي الذي كانت تحظى به التنظيمات الناصرية فإنها كانت تدخل في الغالب في معارك جانبية بشكل مبعثر. وفي خضم الصراع الوحدوي الإعلامي الذي وصلت إليه من العنف الهستيري.. فإنها لم تستطع أن توحد صفها وتقيم تنظيماً سياسياً متجانساً أو تحدد برنامجاً موحداً. وهكذا فقد فسحت المجال لخصومها بإزالتها مجموعة بعد أخرى.

==========================

آذار وبحار الدم - الحلقة الثامنة

سورية على صفيح ساخن

محمد فاروق الإمام

في أثناء المحادثات الثلاثية وقبل توقيع (ميثاق 17 نيسان).. وقعت صدامات في سورية بين المتظاهرين الناصريين من جهة وبين رجال الشرطة والجيش من جهة أخرى. وفي أوائل نيسان صدر أمر عسكري بمنع التجول في جميع أنحاء البلاد.. وبمنع التجمعات وحمل السلاح تحت طائلة العقوبات الشديدة.. وقد أحدث منصب جديد وهو نائب الحاكم العرفي.. وعهد به إلى وزير الداخلية (اللواء أمين الحافظ).. يخوله ممارسة كافة السلطات الواردة في نصوص الأحكام حول حالة الطوارئ. وأول عمل قام به هو إغلاق المدارس والجامعات حيث تتمركز التنظيمات الناصرية.

في شهر أيار من نفس السنة.. وصل الجو السياسي إلى درجة عالية من التوتر أصبحت معه القطيعة أمراً لا يمكن تلافيه بين حلفاء الأمس: القوى الناصرية والحكم البعثي في سورية.. فقدم الوزراء الناصريون (نهاد القاسم وعبد الوهاب حومد وهاني الهندي وجهاد ضاحي وسامي صوفان وسامي الجندي) استقالاتهم من حكومة البيطار احتجاجاً لرفضها توزيع الحقائب والمناصب في مختلف أجهزة الدولة بالتساوي. وفي نفس الوقت تقدم ثلاثة وزراء بعثيين استقالاتهم وهم (جمال الأتاسي وعبد الكريم زهور وسامي الدروبي).

ولكن في الجيش بلغت التصفية أرقاماً خيالية بحق الضباط الناصريين.. ويأتي في مقدمتهم: (اللواء راشد القطيني نائب رئيس الأركان، واللواء محمد الصوفي وزير الدفاع، والرائد حسين القاضي رئيس الشعبة الثانية، والرائد جميل فياض قائد قوى الأمن الداخلي).

يقول الدكتور سامي الجندي أحد مؤسسي حزب البعث، وكان قد تقلد منصب وزير الإعلام بعد انقلاب آذار: (إنه بعد أن أسندت إليه مسؤولية وزارة الإعلام بثلاثة أيام، زاره (الرفاق) في مكتبه من أبناء طائفته مطالبين بالتخلص من أبناء دمشق وحلب وحماة وتعيين أبناء الطائفة في وظائفهم مكان المسلمين) – يقصد السنة -.

أمام هذه التطورات لم تبق القاهرة مكتوفة الأيدي.. بل شنت حملة إعلامية عنيفة ضد البعث السوري مع تجنب ذكر البعث العراقي. وفي المقابل رد البيطار على تهجمات القاهرة. وتدخل السياسي المغربي (المهدي بن بركة) واتصل بالمسؤولين في سورية والعراق ومصر.. واتفق مع البعثيين السوريين على النقاط الأربعة الأساسية التالية:

1-عودة الضباط الناصريين المسرحين إلى الجيش السوري.

2-تشكيل جبهة قومية موحدة تضم كل القوى الوحدوية.

3-عقد مؤتمر قمة بين مصر وسورية والعراق في 23 تموز.

4-التحضير لاجتماع عام يشترك فيه الاتحاد الوطني للقوى الشعبية في المغرب والاتحاد الاشتراكي العربي في مصر وجبهة التحرير الوطني الجزائرية وحزب البعث العربي الاشتراكي.

ولأجل تحقيق هذا الهدف فقد وصل وفدٌ سوريٌ إلى القاهرة برئاسة اللواء لؤي الأتاسي.. ويضم المقدم محمد عمران والمقدم فهد الشاعر والدكتور سامي الجندي وزير الإعلام. وقد طلب عبد الناصر أثناء محادثاته مع أعضاء الوفد - بالإضافة إلى عودة جميع الضباط الناصريين إلى الجيش - إنشاء حركة سياسية واحدة.. يشترك فيها كل القوى الاشتراكية العربية وتتخلى عن أية تسمية.. سواء كان ذلك اسم الاتحاد الاشتراكي العربي أو البعث أو أي حزب آخر. وبالتالي فإن عبد الناصر طلب بأن تكون هذه الحركة الجديدة تحت قيادته الشخصية.

==========================

آذار وبحار الدم - الحلقة التاسعة

المذبحة المبيتة

18 تموز 1963

محمد فاروق الإمام

بينما كانت تجري المحادثات في القاهرة بين عبد الناصر والوفد السوري. كان الناصريون - مدنيون وعسكريون - يعدون العدة للانقضاض على البعثيين مستهدفين حصنهم الحصين.. الجيش.

وكانت سلطات البعث على علم بكل تفاصيل خطط وتحركات الناصريين. (استطاع البعثيون اختراق الناصريين من خلال زرع أحد عناصرهم المقدم محمد نبهان - أحد منظري التحركات الناصرية - ليكون عينهم بين صفوف الناصريين، وكان يقدم المعلومات كاملة وتفصيلية عن خطط وتحركات الناصريين إلى أعضاء اللجنة العسكرية. مما أفشل كل تحركاتهم).

وفي 18 تموز في وضح النهار.. وفي الساعة الحادية عشرة صباحاً.. احتل ما يقرب من ألفين من المسلحين مواقعهم.. في الحدائق العامة المحيطة بمبنى القيادة العامة للأركان.. يقودها من العسكريين كل من: (اللواء راشد القطيني نائب رئيس الأركان السابق، والعقيد جاسم علوان - زعيم الحركة - واللواء محمد الجراح رئيس قوى الأمن الداخلي في عهد الوحدة، والمقدم أدهم مصطفى نائب عبد الحميد السراج رئيس الشعبة الثانية، والعقيد مروان السباعي رئيس الشعبة الثانية بعد السراج، والمقدم رائف المعرّي) ومن المدنيين: (جهاد ضاحي أحد قادة حركة القوميين العرب وزير المواصلات السابق، وعبد الصمد فتيّح أحد مسؤولي الجبهة العربية المتحدة ونائب رئيس المجلس السابق، وعبد الوهاب حومد أحد قادة الجبهة العربية المتحدة ووزير المالية السابق، ويوسف مزاحم أحد الوزراء السابقين في الجمهورية العربية المتحدة). وهاجموا الأركان من جبهتين في نفس الوقت، وكذلك مبنى الإذاعة، وحرس أركان القوات المسلحة. على أن ردّة فعل السلطات البعثية - العالمة مسبقاً بهذا التحرك الناصري - كانت أكثر عنفاً..وكانت معركة من أكثر المعارك دموية تعرفها دمشق. وكانت نتيجتها مئات من القتلى وإعدام فوري لثمانية عسكريين واثنا عشر مدنياً. واحتل الجيش - الذي بات بعثياً - النقاط الاستراتيجية في العاصمة. وأخذ (الحرس القومي) – ميليشيا شكلها حزب البعث - يطارد الناصريين في كل أرجاء البلاد السورية.

فقد توزع هذا الحرس على شكل حواجز ثابتة وطيارة في العاصمة دمشق، وكان في مقدمة القائمين على هذه الحواجز اللواء أمين الحافظ وزير الداخلية والعديد من القيادات الحزبية المتقدمة، الذين كانوا يستفزون المواطنين ويتعاملون معهم بقسوة وفوقية وينظرون إلى الجميع كأنهم متهمون بالعمالة والخيانة ومتآمرون على الوطن، كما انتشرت فرق من هذا الحرس في كافة المدن السورية لملاحقة الناصريين ومؤيديهم.

وقد يتساءل البعض لماذا لم تقم السلطات البعثية في دمشق بإلقاء القبض على قادة الحركة.. طالما أنها تعرفهم بأسمائهم وتعرف خططهم قبل أن يقدموا على تنفيذ العملية؟ والجواب بسيط: لأن البعث يريد ان يرهب كل معارضيه.. كما كان يريد أن يقضي عسكرياً على تنظيمات الناصريين السرية وعلى عناصرهم الأكثر نشاطاً.. ويزيد بالتالي من شقة الخلاف وقطع الجسور نهائياً ما بين دمشق والقاهرة.

مهما يكن من أمر.. فإن هذه هي المرة الأولى التي تُقمع فيها حركة انقلابية في سورية بكثير من العنف وإسالة الدماء الغزيرة التي لا مبرر لها.. وهي المرة الأولى أيضاً منذ الاستقلال التي يدافع فيها نظام عن بقائه في الحكم بالسلاح وإسالة الدماء. وبذلك يكون البعثيون في سورية أول من استنّوا هذه السنة السيئة.. والتي تشبه إلى حد بعيد السنة التي استنها قابيل عندما قتل أخاه هابيل.

بعد كل هذه الأحداث خرج عبد الناصر عن صمته ليعلن الحرب ضد البعث السوري.. معلناً في نفس الوقت انسحاب القاهرة من (ميثاق 17 نيسان) حول الوحدة الاتحادية الثلاثية بين مصر وسورية والعراق. وأعلن عبد الناصر: (أن السلطات التي تحكم اليوم في سورية لا تمثل الشعب السوري. لهذا فإنني أعلن قطع العلاقات مع الحكومة الفاشية التي تقيم في دمشق).

أما البعث السوري فقد اعتبر أن نقض ميثاق 17 نيسان هو بمثابة جريمة ترتكب ضد الوحدة العربية.. وانعطاف تاريخي خطير لا يختلف في شيء عن 28 أيلول 1961م، عند وقوع الانفصال السوري.. ولكنه بنفس الوقت يعلن (تمسكه) الذي لا يحيد عنه بهذا الاتفاق ويطلب تطبيق بنوده في الوقت المحدد.

==========================

آذار وبحار الدم - الحلقة العاشرة

هل كان البعث جاداً في عقد وحدة مع القاهرة ؟؟

محمد فاروق الإمام

لابد أن يتساءل المرء: هل البعثيون جادّون فعلاً ويسعون لعقد وحدة مع مصر؟ ولابد لنا قبل الإجابة أن نذكّر بأن البعثيين لا يؤلفون تكتلاً سياسياً موحداً أو منسجماً. وبالتالي، فليس لديهم برنامج واضح المعالم والخطوات العملية في هذا الميدان. فسياستهم سواء على الصعيد الداخلي أو على الصعيد العربي كانت عبارة عن سلسلة من ردّات الفعل بالنسبة للأحداث التي كانت تجري في سورية منذ 8 آذار. ومن جهة أخرى فإن الحزب كحزب، حتى استلام السلطة في دمشق، لم يكن منظماً بعد، ووجوده هو أقرب إلى الوجود الاسمي منه إلى الوجود الفعلي. أي أنه نوع من (اليافطة السياسية) إذا صحت التسمية أو صح التعبير.

فقيادة الحزب القومية - كما نوهنا سابقاً - لم تكن على علم رسمياً بالتحضير للحركة، ولا باليوم الذي سينفذ فيه الانقلاب. وعلى أية حال، فإن الغالبية العظمى من قادته وعلى رأسهم ميشيل عفلق كانوا في بغداد قبل أسبوعين من وقوع الحركة العسكرية في دمشق في 8 آذار. وكذلك فإن صلاح الدين البيطار لم يكلف بتأليف حكومة (اتحاد وطني) إلا قبل وقت وجيز جداً من بدء عملية التنفيذ.

وبكلمة صريحة ومختصرة.. ليس حزب البعث بقيادته القومية.. ولا قيادتيه القطريتين.. ولا حكومة البيطار.. ولا المجلس الوطني لقياد الثورة.. ولا حتى اللجنة العسكرية من يحكم سورية!! إن الذي يحكم سورية هو الثلاثي (صلاح جديد، ومحمد عمران، وحافظ الأسد). فهم وحدهم هم من يسيطر على الأوضاع السياسية والأمنية والعسكرية بأيد أخطبوطية.. ويمسكون بكل مفاصل الجيش والقوات المسلحة.

الواقع أن الاتجاه البعثي الذي يوصف بـ(الاتجاه القومي).. أي الاتجاه الذي تقوده القيادة القومية للحزب، كان في حقيقة الأمر يسعى إلى إيجاد جو من التفاهم مع القاهرة.. ويميل أيضاً إلى تحقيق شكل من الوحدة الاتحادية بين مصر وسورية والعراق.. على أن تضمن هذه الوحدة الاستقلال السياسي لكل قطر من الأقطار الثلاثة، وكذلك حرية تشكيل الأحزاب السياسية. وهذا الاتجاه يتمثل عملياً بالأمين العام للحزب ميشيل عفلق وبرئيس الوزراء صلاح الدين البيطار.

بالرغم من اعتدال هذا الاتجاه وصدقه في نواياه الوحدوية.. إلا أن القاهرة كانت تتهم القيادة القومية بالطريقة التي تقدم بها الوزراء البعثيون استقالاتهم من الحكومة سنة 1959م، والتي اعتبرها عبد الناصر من مقدمات الانفصال، بل ذهب إلى أبعد من ذلك باتهامهم بمسؤوليتهم عن حدوث الانفصال. ومن جهة ثانية استياء عبد الناصر من موقف القيادة القومية اللامبالي عند حدوث حركة الانفصال وتوقيع صلاح الدين البيطار على بيان السياسيين السوريين الانفصالي، أضف إلى ذلك الأحداث الأخيرة التي وقعت بين الناصريين والبعثيين، وتصفية البعثيين لكل الناصريين.

هنا وجدت القيادة القومية أنها جرَّت نفسها إلى مواقع الاتهام سواء من الناصريين الذين يتهمونهم بالخيانة، أم من بعض قواعد الحزب والضباط البعثيين الذين يتهمونهم بأنهم باعوا الحزب لعبد الناصر. يقول منيف الرزاز: (إن تهمة الناصرية توجه للبعثيين الوحدويين للتخلص منهم وإبعادهم _ الاتهام كان من قبل القطريين).

ويضيف الرزاز قائلاً: (ويبدو أن خطيئة صلاح الدين البيطار في توقيع وثيقة الانفصال، وفي سعيه حتى يقبل الحزب الاشتراك في وزارة الدكتور بشير العظمة أيام الانفصال، قد جرحته أمام الحزبيين الوحدويين جرحاً لم يسهل عليهم نسيانه، بالرغم من أنه قاد بعد ذلك الحملة الوحدوية في الحزب، وكان له كبير الأثر في الضغط من أجل البدء في مباحثات الوحدة الثلاثية بعد الثورة. ولكن هذه الحملة الوحدوية قد أساءت إليه عند الحزبيين القطريين والعسكريين والحاقدين على عبد الناصر، ففقد بذلك عطف الطرفين معاً).

ويتضح لنا من كل هذا أن علاقة القيادة القومية بحكم البعث السوري، وتحديدا بالعسكريين، بقيت عائمة وغير واضحة. فضعف القيادة القومية وعدم جدارتها منعاها من أن تقيم تنظيماً قوياً وأن تفرض سلطتها على الضباط البعثيين، وبالتالي من أن تمسك بيدها زمام الحكم، كذلك لم تستفد القيادة القومية من الدعم غير المحدود الذي منحتها إياه القيادة البعثية في العراق. مما دفع العديد من كادرات الحزب وأكثرية أعضائه تستنكر أبوتها، وترفض وصايتها.

ويقول منيف الرزاز حول هذا الموضوع: (فقد كان من عادة القيادة القومية أن تترك الأمور تسير، ثم تشكو من أنها سارت في طريق خاطئ. وتحاول أن تبادر إلى الإصلاح حين يكون وقت الإصلاح قد فات، تركت للجنة فرعية منها زمن الانفصال، أن تعيد تنظيم الحزب. ثم شكت من أن اللجنة قد أساءت استعمال صلاحياتها.. أشركت العسكريين في قيادة الحزب دون أن تعطي نفسها حق الإشراف على الحزب في الجيش، ثم شكت من أن العسكريين قد استولوا على الحزب. ولكن أكبر خطيئة ارتكبتها قيادة الحزب في هذه المرحلة، انقطاعها التام عن قواعد الحزب.. فلا اتصال ولا اجتماعات ولا نشرات. حتى جريدة الحزب لم يكتب فيها أحد من قيادة الحزب.. وتركوها جريدة لا تمثل رأي الحزب في شيء).

وفي تقرير حزبي، وصف أمين المكتب التنظيمي العسكري لحزب البعث الحالة التي وصل إليها الحزب فقال: (لقد وصل التنظيم إلى حالة من التشويه، لم يعد من الممكن تحملها من قبل الرفاق، وحل الولاء الشخصي والتكتلي محل الولاء الحزبي).

==========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com