العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 11-02-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

فشل سياسي روسي ووحشية عسكرية .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 8/2/2018

ظهر مؤتمر سوتشي السوري مهزلة، سواء من حيث الحضور أو من حيث ما تقرَّر فيه، حيث كانت القرارات معدة مسبقاً، وفي إطار توافق دولي بشكل ما، ولم تكن نتيجة نقاش في "المؤتمر" الذي لم يكن سوى حشد استعراضي. كانت روسيا مضطرّة إلى قبول ما طرحه مبعوث الأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، قبل أشهر في جنيف، وربط ما يمكن أن "يتقرّر" في سوتشي بمسار جنيف. كانت عاجزة عن تقرير ما تريد في مؤتمر لمَّ حشداً لا معنى له، ولا قيمة، فقط ظهر أنها ترعى مؤتمراً لـ "شعوب سورية"، أو كما أُسمي: مؤتمر الحوار الوطني. ولكي تقول إنها عقدت مؤتمراً سورياً، قبلت بمخرجاتٍ لا علاقة لها بالمؤتمر، ولا بحوار المؤتمرين، حيث أرادت القول إنها المتحكّم في الحل السوري.

مسرحية هزلية جرى تمثيلها، لكن لم ينته الأمر، فقد ظهرت روسيا لاعبا هزيلا يستجدي موافقة دي ميستورا ودولا أخرى، لكي تظهر أنها قادرة على عقد مؤتمر سوري، على الرغم من كل وجودها العسكري. وضع كاريكاتوري أظهر هزال مقدرة روسيا على فرض حلها السياسي. لهذا لجأت إلى العنف الشديد، حيث بدأت في سلسلة غاراتٍ وحشيةٍ على إدلب وسراقب وبلداتٍ عديدة في ريف إدلب، زادت من وحشيته، بعد أن ظهر أنه يمكن إسقاط طائراتها. وبالتالي، يمكن أن تُكبَّد خسائر كبيرة، وهي تعتقد أن وحشيتها سوف تجعلها قادرةً على فرض الحل الذي تريده، على الرغم من تنبيهها بأن طائراتها يمكن أن تتهاوى بسهولة.

هل سيؤدي ذلك إلى أن تنجح في فرض حلها الذي تريد؟ لا بالتأكيد، فحلها مستحيلٌ مهما فعلت، وهي وحدها لا تستطيع تحقيق حل سياسي، وحتى إنْ توافقت مع أميركا وتركيا وكل الدول الأخرى على حلها فسيسقط. قلتها منذ البدء، لا حلّ بوجود بشار الأسد وحاشيته، ولا حل من دون تحقيق مطالب طرحتها الثورة منذ البدء. الثورة لم تستطع الانتصار، وربما لا تستطيع الانتصار، لكن ليس من الممكن هزيمتها، مهما جرى تشويهها، ومهما جرى اختراع قوى لتجهضها من داخلها، وأيضاً بغضّ النظر عن التوافق مع دولٍ كانت تدعي دعمها. ولا شك في أن ما جرى من قصفٍ لقاعدة حميميم، وإسقاط طائرة لها، يُظهر أنه يمكن أن تغرق في أفغانستان جديدة. ولهذا، عليها التخلي عن عنجهيتها، وعن اعتقادها أنها قادرة على أن تقرّر ما تريد.

لم يخرج الشعب السوري بهدف التغيير، ولم يسقط كل هذا العدد الضخم من الشهداء، ويتشرّد ملايين السوريين، ويعتقل مئات الآلاف، لكي يبقى بشار الأسد وحاشيته. هذه هي المعادلة البسيطة التي كان من يمكن حلها قبل أن يجري ذلك كله، لكن عنجهية النظام، ثم إيران، والآن روسيا، هي التي أوصلت إلى ذلك من أجل بقاء النظام. لكن، ليس من الممكن أن يبقى، ومن المستحيل أن يبقى، مهما توحشت روسيا التي باتت تدافع عن مصداقيتها، وعن ادعائها أنها قوة عظمى مقرّرة. وتنطلق وحشيتها الآن من إقناع ذاتها أنها مقرّرة، على الرغم من كل الفشل الذي تعانيه. مرّت سنتان ونصف السنة مارست فيهما كل وحشيتها، واستخدمت كل أسلحتها الأكثر حداثة، وجرّبت كل ما تستطيع، لكنها تقف عاجزةً عن فرض الحل الذي تريده. فحين عقدت "سوتشي" ظهر مهزلة، وهي لم تتقدّم على الأرض إلا بصفقات، مع تركيا ومع "داعش" ومع جبهة النصرة، وفي منطق تحقيق المناطق "منخفضة التصعيد" التي رعتها تركيا، أو أميركا والأردن والدولة الصهيونية، أو مصر كما قيل. وكل ما فعلته هو قتل الشعب، وتدمير المستشفيات والمدارس والبنى التحتية، فهذا هو الفعل الحقيقي لطيرانها. وهذه هي وحشيتها.

ما يفعله الروس من قتل وتدمير يجب أن يفرض تحويل فلاديمير بوتين، ووزير دفاعه شويغو، إلى محكمة الجنايات الدولية، كونهما مجرمي حرب، بعد كل ما فعلوا. لكن أن يكون واضحاً لنا أننا نواجه احتلالاً روسياً، ومتعدّد الأطراف.

========================

موقفنا : الدواعش في لعبة الدور الذرائعي الذي لن ينتهي .. ماذا يراد بإلشمال السوري !؟ .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

11 / 2 / 2018

قلنا مرارا أننا نقصد بالداعشية والتدعش حالة من الأحادية الدينية أو الحضارية أو الثقافية أو الفكرية ، أحادية تمتزج بالغلو والغرور والاستعلاء ، والاستخفاف بالآخرين حياتهم وآراءهم ومصالحهم وكل عناصر وجودهم .

إن التدعش ، ليس حالة إسلامية ، ولا هو حالة دينية فقط ، بل هو حالة نفسية وعقلية يتلبس بها اليوم الكثير من صناع السياسة العالمية والإقليمية وهي أظهر ما تكون في عالمنا العربي ، على الساحتين الفلسطينية والسورية ؛ يمارسها جبابرة متغطرسون باسم الحرب على الإرهاب تارة ، أو الدفاع عن السلام وحقوق الإنسان أخرى.

وقد اشتغل (التدعش) الحالة منذ أربعة عقود تقريبا في إعلان حرب مستترة طورا وصريحة طورا آخر ؛ على الإسلام ( عقيدة وشريعة ومنهج حياة ). وكان محاربون من أبناء الإسلام يحاربونه باسمه، بكيد عالمهم وجهل جاهلهم، فيغرقونه ودعاته وشعوبه في لجج الماضي بدلا من التطلع الرشيد إلى المستقبل ، ويدورون بهذه الشعوب في مسارب فرعيات وجزئيات يظل عليها جدالهم واختلافهم . وكان هناك محاربون استراتيجيون يخططون ويدبرون ، ويقدمون ويؤخرون . سأكتفي فقط في هذا السياق بالإشارة إلى ما قرره الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشار نيكسون منذ أواخر الثمانينات من القرن العشرين ، وقبيل سقوط الاتحاد السوفياتي ، وكان يبشر بسقوطه ( 1999 ) حيث يؤكد في كتابه (نصر بلا حرب 1999)

أن الوقت قد حان إلى إعلان الحرب على ( الخطر الأخضر ) . عنوان ا(لحرب على الخطر الأخضر) هو القاعدة الأساسية للتفسير ؛ ثم يبقى كل ما نراه من أسماء وعناوين ومعارك وتصرفات مجرد تفاصيل ..

خبران عابران مرّا أمام أعيننا أول أمس سريعا دون أن يتوقف عندهما الكثيرون ، الخبران يؤكدان حقيقة ولا يكشفانها ، ولكن تأكيد الحقيقة في هذا الظرف ، له قيمته العلمية ، وله دلالته الاستخبارية أو الاستراتيجية التي يجب أن تدخل في حسابات الممسكين بقرارات ثورتنا الجميلة في هذه الظروف الصعبة .

إذ بعد إعلان الانتصار على ما يسمى ( تنظيم الدولة ..) الذي تنازع شرفه كل الأطراف الأمريكي والروسي والإيراني والأسدي ؛ شعر القوم أنهم مازالوا بحاجة إلى ذريعتهم القديمة المتجددة والمفيدة ، ليمرروا أمورا ، نكتب هذه المقالة للدعوة إلى التفكير فيها ..

الخبر الأول صدر عن المتحدث باسم الحكومة التركية : يؤكد قيام وحدات (البي واي دي) الإرهابية ، ولن أقول الكردية ، بإطلاق سراح ( 400 ) من عناصر داعش في عفرين ودير الزور شريطة مقاتلتهم الجنود الأتراك !!

وليسمح لنا المتحدث باسم الحكومة التركية أن نعيد صياغة الخبر ، حيث تفرض عليه التزاماته الدبلوماسية أن ينسب عملية إطلاق سراح هؤلاء الإرهابيين إلى فصائل إرهابية ؛ بينما الحقيقة أن إطلاق مثل هؤلاء لا يمكن أن يتم إلا برأي الأمريكان ومشورتهم وسبق تخطيطهم .

أما الخبر الثاني ، فقد صدر متزامنا مع الخبر الأول ، ومتساوقا معه :

عصابة بشار الأسد تعقد صفقة مع ( 200 ) من مقاتلي داعش في ريف حماة ، تفتح لهم ثغرة للانتقال من ريف حماة ، حيث هم محاصرون ، إلى ريف إدلب الجنوبي ، حيث يريد بشار الأسد أن يشيع الفساد والاقتتال ويسلط الناس بعضهم على بعض .

نعتقد أن الرسالة الأمريكية في منطقة عفرين والأسدية في جنوب إدلب واحدة .

نعتقد أن الأمر الذي لم يعد من المقبول أن يختلف العقلاء عليه هو الدور الذرائعي والأدواتي لهذه المجموعات على اختلاف مشاربها وعناوينها . والتي كان ينبغي للمشروع الإسلامي الوطني السوري ، أن ينبذها ، ولو لم ينبذها أحد في العالم ..

ويبقى هناك سؤالان على مائدة العقلاء :

الأول : ماذا يعد لنا أهل الكيد والمكر في كل من إدلب وعفرين ..

والثاني : كيف نحبط مكر هؤلاء ، وكيف نقطع الطريق على ما يمكرون ويخططون .

لا نعتقد أن الأجوبة سهلة ، ولكنها ليست المعادلة المستحيلة . وإن الأمر لسهل على من سهله الله عليه .

وأول ما ينبغي أن نكشفه للرأي العام العالمي والمحلي حقيقة الدور الأدواتي والذرائعي في لعبة تبادل الأدوار .

يقولون في علم السياسة : أن تقنعك عميلك أنه يخدم قضيته وأنك متفضل عليه وتساعده ..كم فصيل أمام أعيننا وقع في هذا الفخ؟!

وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ.

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

 

===========================

الوخز بالإبر في العضل الروسي .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 8/2/2018

شكل إسقاط طائرة السوخوي الروسية على جبهة جنوب إدلب، ضربة جديدة لهيبة روسيا وعضلاتها المفتولة. وإذا كانت جبهة تحرير الشام (النصرة سابقاً) قد تبنت العملية، فما زلنا نجهل مصدر الصاروخ الذي أسقط فخر الصناعة الحربية الروسية، وهل هو، كما يشاع، صاروخ ستينغر الأمريكي الشهير الذي تسبب بهزيمة الجيش السوفييتي في أفغانستان؟ وهل هو صاروخ وحيد، أم تمتلك التشكيلات المسلحة المعارضة عدداً آخر منها؟

من غير المحتمل أن تشاركنا الاستخبارات العسكرية الروسية جهلنا بصدد هذه الأسئلة، في الوقت الذي يرأس الدولة الروسية ضابط استخبارات مخضرم كفلاديمير بوتين الذي يستعد لتجديد ولايته، بعد أسابيع قليلة، مثخناً بوخزات مؤلمة.

فقبل إسقاط المقاتلة التي كانت تصلي المدن والبلدات في محافظة إدلب بنيران جهنم، تلقت قاعدتا حميميم وطرطوس الروسيتان ضربات غير مسبوقة بواسطة طائرات بلا طيار، مجهولة المصدر أيضاً، قبل نحو شهر من الآن، حققت إصابات مباشرة في الطائرات القابعة في حميميم.

مجموع هذه "الوخزات" المؤلمة، تشكل ظاهرة جديدة، لا يمكن فهمها إلا بوضعها في إطارها السياسي. وما دامت موسكو متكتمة على مصدر، أو مصادر، تلك التهديدات، فلا يبقى لنا غير المجازفة بإطلاق افتراضات على أرضية التحولات السياسية المتسارعة في الصراع السوري.

يتفق المراقبون، عموماً، على أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بشأن سوريا هي المتحول الأهم في الصراع السوري، مع التركيز على حدود تلك الاستراتيجية وتناقضاتها الداخلية الظاهرة التي لا بد أن تنعكس على وضعها موضع التطبيق.

في هذا الإطار يمكن قراءة الورقة الخماسية التي صدرت في واشنطن، الأسبوع الماضي، بشأن تصور للحل السياسي في سوريا، يختلف عن ـ بل يتعارض مع ـ الرؤية الروسية، ويعيد الاعتبار إلى مسار جنيف وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة. وهكذا رأينا كيف تمت ترجمة ذلك التعارض في مقاطعة واشنطن وحلفائها لاجتماع سوتشي، بما في ذلك قرار الهيئة العليا للمفاوضات (المعارضة) بالمقاطعة، على رغم الضغوط الروسية الشديدة عليها. بسبب هذه المقاطعة السورية المعارضة ـ الدولية، كما بسبب رعونة الراعي الروسي وصلافته في التعامل مع المشاركين، فشل الاجتماع فشلاً مدوياً بما لا يقل عن دوي صاروخ الأرض ـ جو الذي أسقط الطائرة الروسية.

إنها صفعات متلاحقة على خد بوتين الذي كان يحلم أن يستعيد صورة روسيا القوية الند للولايات المتحدة في عصر الحرب الباردة، وقد فاته أن القوة لا تتأتى فقط من العضلات المفتولة التي يمكن، دائماً، تنفيسها بوخزة صغيرة، بل تتطلب عناصر أخرى، اقتصادية واجتماعية وثقافية وعلمية ومالية، تشكل بمجموعها البنية التحتية للقوة، تفتقد إليها روسيا.

يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً هو: إلى أي مدى يمكن لواشنطن وحلفائها أن يذهبوا في مواجهة روسيا في سوريا؟ ما نعرفه، إلى الآن، أنها تركز على مواجهة النفوذ الإيراني العابر للدول، لا مواجهة روسيا نفسها. ربما يمكن الاستنتاج أن هذه الوخزات الموضعية للقوة الروسية تهدف إلى فك التحالف الروسي ـ الإيراني في سوريا، أي رفع الغطاء الروسي عن الوجود العسكري والسياسي الإيراني في سوريا. هذا ما تفعله إسرائيل أيضاً، وإن كان ذلك بطريقة مختلفة، في غارات، أصبحت روتينية، على مواقع القوات التابعة لإيران ومنشآتها العسكرية على الأراضي السورية، بتنسيق مسبق مع الروس. الهدف الثاني للوخزات الأمريكية هو لإفهام روسيا بمحدودية إمساكها بالملف السوري، وهشاشة وضعها العسكري، الأمر الذي تجلى بوضوح في إفشال اجتماع سوتشي الذي كان الروس يعلقون عليه آمالاً مبالغا في حجمها. بلغة الدبلوماسية الأمريكية، تريد واشنطن "تغيير سلوك" موسكو، وليس إنهاء وجودها في سوريا.

لا يمكن التشكيك في فهم بوتين لما هو متوقع منه أمريكياً، لكنه لا يملك وضعاً مريحاً وخيارات سهلة للاستجابة بدون دفع أثمان باهظة. فمن شأن فك التحالف مع إيران أن يضعف الوجود العسكري الروسي في سوريا أو يخفض من جدواه، إضافة إلى الانعكاسات السياسية الكبيرة لهذا التدهور في القوة الروسية. وإذا كانت إيران تتفهم، على مضض، التنسيق الروسي ـ الإسرائيلي في الأجواء السورية، باعتبار ذلك داخل "قواعد اللعب" المسموحة بين الأطراف الثلاثة، فلا يمكنها أن تقبل بتخلٍ روسي عنها لمصلحة واشنطن. ففي هذه الحالة الأخيرة تكون إيران قد خسرت كل استثمارها الكبير في الصراع السوري، وفقدت دمشق -"درة تاج" امبراطوريتها المتخيلة.

أما سعي المحور الذي تقوده واشنطن، لإنهاء التفرد الروسي بالملف السوري، فهو متحقق عملياً، سواء في منطقة النفوذ الأمريكي في غرب نهر الفرات، أو منطقة خفض التصعيد في الجنوب، ولا يحتاج الأمر إلا إلى ترجمة هذه الوقائع الميدانية إلى صفقة سياسية.

هناك، طبعاً، اللاعب التركي الذي يعمل على الاحتفاظ بحصة ما من كعكة تقرير مصير سوريا، انخفضت توقعاته من تقرير مصير النظام إلى إضعاف العامل الكردي في الشمال المحاذي لحدودها الجنوبية، ويرتبط دوره، إلى حد كبير، بما تقرره له موسكو أو واشنطن.

غير أن إسقاط طائرة السوخوي يشكل بذاته حدثاً مفتوحاً على الاحتمالات، لأنه أول اختراق لمبدأ أمريكي ثابت في الصراع السوري، هو "الخشية من وقوع الأسلحة المتطورة في الأيدي الخطأ". وهل من أيد أكثر خطأً، من وجهة النظر الأمريكية، من فرع منظمة القاعدة الذي تبنى إسقاط السوخوي؟

========================

أصل الحكاية في حرب أنقرة على عفرين .. أكرم البني

الحياة

الخميس 8/2/2018

... وأول الحكاية إعلان واشنطن نيتها الاستعانة بالميليشيا الكردية لتشكيل قوة عسكرية تراقب الحدود الشرقية والشمالية من سورية، ما أثار حفيظة أنقرة ووفر لها ذريعة كانت تنتظرها لوضع مشروعها المعلن باجتياح مدينة عفرين موضع التنفيذ، كمقدمة للتمدد عسكرياً نحو أرياف إدلب وحلب، وكرد استباقي على ما قد يخلفه تطور التحالف بين أميركا وقوات سورية الديموقراطية من أخطار في دعم الطموح القومي الكردي الذي طالما أرّقها، بخاصة أنها من نكث الوعد بإنجاز مصالحة تاريخية مع الأكراد لمعالجة معضلتهم القومية وآثرت كالعادة اللجوء إلى الخيار العسكري الدموي لتصفية هذه القضية في سورية وتركيا على حد سواء، وعزز هذا الخيار قلقها المتنامي من تواتر تجاوزات النظام وحلفائه لما تم إقراره في اجتماعات الآستانة بخصوص مناطق خفض التصعيد في أرياف إدلب وحماة، وتحسبها من أن يفضي تقدمهم العسكري هناك، إن لم تجاريه بتقدم موازٍ، إلى إضعاف أوراقها التفاوضية على المستقبل السوري، وتالياً قدرتها على تحسين نفوذها الإقليمي الذي تزداد حاجتها إليه اليوم مع تراجع شعبيتها داخلياً وانحسار علاقاتها الدولية، من دون أن نغفل الحافز المتعلق بأوهام بعض نخبها في استعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية.

ومن الحكاية، إن ما يُجرى في عفرين هو عنوان لتفاهمات بغيضة بين دول تعمل على اقتطاع لحم وطننا السوري واللعب بمصير شعبنا المنكوب، فما كانت أنقرة لتتجرأ وتقدم على هذه المعركة الدموية من دون ضوء أخضر من أهم الأطراف العالمية والإقليمية المؤثرة في الصراع السوري، والدليل وقوف الولايات المتحدة على الحياد بإعلانها أن منطقة عفرين خارج مجالها الحيوي، ومسارعة موسكو لسحب قوتها الرمزية من مشارف المدينة! والثمن سكوت حزب العدالة والتنمية عن القصف الروسي لمدينة إدلب وعن توغل قوات النظام والميليشيا الحليفة له في أريافها، واستيلائها على مواقع استراتيجية كمطار أبو الظهور العسكري، أسوة بالثمن الذي دفعته أنقرة لقاء تقدمها صوب جرابلس حين مكنت القوات الروسية من السيطرة على مدينة حلب.

ومن الحكاية، أن وراء تحول حكومة العدالة والتنمية من سياسة صفر مشاكل، إلى سياسة تدخلية نشطة تجاوزت المألوف في شؤون المنطقة، بخاصة في سورية والعراق، هو حضور نهج براغماتي فاقع ومذل يحدوه الحفاظ على السلطة بأية وسيلة، وإحياء مطامع حزب العدالة والتنمية في قيادة الإسلام السني، نهج لم يقف عند الخضوع لدور موسكو وإملاءتها ومهادنة التمدد الإيراني والتنسيق مع الطرفين لإخماد الكثير من البؤر السورية، أو عند التعاون على تطويع المعارضة السياسية والعسكرية السورية وتوظيفها في شكل خبيث بعيداً من مصالح الشعب ومطالبه المشروعة، بل وصل لفتح قنوات تواصل مع تنظيمي "القاعدة" و "داعش"، واستثمار ورقتيهما لضرب الصعود الكردي وتعزيز الموقع التفاوضي، ويدرج في هذا السياق دعم أنقرة المستمر هيئةَ تحرير الشام، المرتبطة بـ "القاعدة" والمصنفة إرهابية، إن بتغطية مصادر مدها بالأسلحة، وإن بتسهيل مرور آلاف الجهاديين للالتحاق بها.

ومن الحكاية، وبعيداً من الترويج المضلل لفكرة أن تركيا دولة ذات سيادة لها حق أممي مشروع في مواجهة ما تعتبره جماعات كردية إرهابية، فإن العصبية الدينية تجلت بأوضح صورها في مساندة الاجتياح التركي لعفرين، بخاصة من جماعات المعارضة السورية المسلحة التي تحمل أسماء وشعارات إسلاموية، ليخوض الجميع ما يعتبرونه واجباً دينياً مقدساً لاستئصال الكفرة والملحدين وعبر أشنع الوسائل وأشدها انتهاكاً لحقوق الإنسان، إحدى صورها التمثيل المقزز بجثة المقاتلة الكردية بارين كوباني! ليصح السؤال، ماذا بقي من النموذج التركي للعمارة الإسلامية الديموقراطية التي كان يعول عليها لإشاعة الاعتدال الإسلامي ولإنجاح التعايش بين الدين والديموقراطية والعلمانية؟!

ومن الحكاية، أن ثمة ما يشبه الإجماع للضغط على الشعب الكردي وتطلعاته المشروعة، أحد وجوهه ما نجم عن الاستفتاء الذي حصل في شمال العراق، ووجهه الآخر استحضار كل ما يخطر على البال من مثالب محقة تتعلق بممارسات الحزب الديموقراطي الكردي ووحدات حماية الشعب لتسويغ معركة سحقهم في عفرين، على أنهم من قمع مناهضيهم، ومن هجروا العشائر العربية في شرق البلاد، ومن خذلوا الثورة بداية انطلاقتها، وتعاونوا مع قوات النظام في غير منطقة، والأنكى تعمد إغفال حقائق معاكسة، أنهم الأكراد أنفسهم الذين رفضوا الاقتراح الروسي بتسليم عفرين للسلطة السورية لقاء وقف الحرب عليهم، وهم من قاتلوا قوات النظام في غير موقعة شرق البلاد، وهم الذين تصدوا ببسالة لتنظيم "داعش" وكانوا أول من هزمه في عين العرب/ كوباني، ومن طرده من مدينة الرقة.

وآخر الحكاية، أن إعلان الحرب على عفرين، وأياً يكن الغرض، هو عنوان لدعم لغة العنف ولتغذية منطق الغلبة وجحيم الفتك والتدمير، الأمر الذي لا يمت بصلة للقيم الأخلاقية والإنسانية، ويزيد الطين بلة اكتظاظ المدينة وأريافها بعشرات ألوف الفارين اليها من محافظتي إدلب وحلب، واحتمال أن تطول المعركة منذرة بمزيد من الضحايا والخراب، ولا يبرر صمتنا وعدم مناهضتنا هذه الحرب، القول أن السوريين ملزمون بالوفاء لأنقرة التي وقفت مع معاناتهم ومطالبهم، أو أن ذلك قد يؤثر سلباً في أوضاع ملايين اللاجئين في تركيا، ويفضي إلى تضييق الهامش المتاح لحراك المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري هناك، فكيف الحال وغالبيتها باتت تعتقد بأنه لم يبق لها من معين سوى أنقرة كي يضمن لها حصة في المستقبل السوري.

صحيح أن النظام وحلفاءه فقدوا كل قيمة أخلاقية عندما سوّغوا كل أنواع الفتك والتدمير للنيل من الشعب السوري وحلمه في الحرية والكرامة، لكن الصحيح أيضاً أن قادة أنقرة باتوا في الموقع ذاته، يسوغون لنصرة سلطانهم ومشروعهم الأيديولوجي أفعال عنف وتنكيل موازية لا تعير اهتماماً لآلام البشر ومعاناتهم، ولا تقيم وزناً لحيوات الناس وحقوقهم.

كاتب سوري

========================

روسيا والوحل الشامي .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاربعاء 7/2/2018

مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي البوتني في مارس المقبل، تُسجل الحملة الانتخابية التي دشنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتن يوم أعلن نصره على تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في قاعدة حميميم فشلاً ذريعاً، تطور الأمر إلى إصابة طائرة السوخوي 25 الروسية بصاروخ حراري في سراقب ومقتل قائدها، وكعادة الجيوش المحتلة حين تفشل في المواجهة العسكرية مع العسكريين والثوار تلجأ إلى الأساليب القذرة في استهداف المدنيين، فكان القصف بالصواريخ الباليستية من البارجة الروسية البحرية، لتفتك بعشرات الضحايا المدنيين قتلاً وجرحاً، بعضهم ممن نعرفه، ليخرج المحتل متباهياً بقتله مسلحين، وهي العبارة المعروفة الممجوجة، التي أتقنها برابرة العصر وكل عصر.

فشل بوتن في حربه بالشام، واستعجل الإعلان عن نصر خُلّبي يوم أعلنه من قاعدة حميميم، والذي لم يصمد لأيام حتى تعرضت قلعته في حميميم لعاصفة طائرات بلا طيار، فدمرت سبع طائرات في القاعدة، وضربت هيبته، وقت سعى إلى الظهور بمظهر الطاووس المنتصر، فكان ريشه أشد المعادين له، وتواصل الفشل الذي أدمن عليه سياسياً يوم قاطعت المعارضة السورية كلها مؤتمر "سوتشي"، وهو ما تسبب له في ذعر حقيقي، فأعلن سياسة الأرض المحروقة على المدنيين في شرقي إدلب وحماة وجنوب حلب، قتلاً بكل أنواع الأسلحة، وسط صمت عالمي غير مسبوق، ولكن قضى الله تبارك وتعالى أن تكون في الحملة مقتله يوم تم إسقاط طائرة السوخوي، فهزت هيبته وهيبة سلاحه الذي يتباهى به صباح مساء، مما غيّب عن الأجواء طائراته، خشية من وجود صواريخ حرارية أخرى بحوزة الثوار.

هذا الوضع يأتي في ظل الحديث الغربي والشرقي الروسي عن مخاوف روسية حقيقية من انزلاق روسيا نحو حرب شامية طويلة الأمد، لا سيما والذاكرة الروسية غضة طرية من أحداث الحرب الأفغانية، بالإضافة إلى أن الغزو الروسي للشام الذي أتى في سبتمبر من عام 2015 كان مقرراً له أشهر فقط، ثم الانسحاب، بينما يدخل الآن عامه الثالث، وتخلله خلال هذه السنوات الإعلان عن انسحابين دون أن يكتملا، وهو ما يعني أن المهمة الروسية تأخرت عن ميعادها الذي حدد لها.

الثمن الذي تدفعه روسيا اليوم في الشام لإبقاء عصابة طائفية مجرمة على رقاب الشعب السوري قد يكون بمنظارها القريب ثمن هزيل بسيط، ولكن الثمن الأكبر والبعيد المدى هو الأخطر معنوياً وأخلاقياً على سمعة روسيا الدولية والإقليمية والشعبية، وحتى بالمنظور البعيد، فإنه إذا ما استمر الغزو والاحتلال للشام، فإن حرب عصابات حقيقية ستكون هي المتوقعة، فاللعبة الحقيقية مع الاحتلال لم تبدأ بعد، إذ لا يزال يتم التعامل معه واقعياً وفعلياً، على أنه يسعى لتغيير نظام، خصوصاً مع وساطته في الأستانة، ووجود الغطاء التركي له، وأسباب أخرى كثيرة، ولكن حال تم رفع الغطاء التفاوضي والغطاء التركي عنه، فستكون للعبة قواعد جديدة، يدفع ثمنها بشكل كبير ومفتوح الروس أنفسهم، ولا ننسى أن لهم أعداء كثر يريدون النيل منهم في الشام.

ومن الأثمان غير المرئية التي تدفعها وستدفعها روسيا أكثر، هو فضح آلتها العسكرية المتهالكة، فإن كانت طائرات السوخوي المعروفة لم تستطع أن تصمد أمام مقاومة محرومة من جميع أشكال الدعم الجوي العالمي، فكيف ستصمد مثل هذه الآلة أمام دول إقليمية وكبرى وترساناتها العسكرية المعهودة، ومن قبل رأينا كيف تم اختراق الثكنة العسكرية في قاعدة حميميم، ولعل المتتبع لخطابات بوتن والقادة الروس يلمس هذا التأكيد المتواصل على اختبار أسلحتهم وصواريخهم في الشام في حملة تسويقية يومية، من أجل عرض أسلحتهم المختبرة على أجساد السوريين وأرضهم في بازارات السوق العالمي، لكن لم تجد لها زبائن حتى الآن.

الآن في ظل هذا التيه الروسي والعالمي في الشام، ماذا يتوجب على الفصائل فعله، باعتقادي أنه من غير المناسب أن تتحدث الفصائل عن غرفة عمليات بعد سبع سنوات من انطلاق أعظم ثورة ربما في تاريخ البشرية، ألم تتطور هذه الغرف لتكون حالة توحد واندماج؟ أم أن المكتوب على الفصائل هو غرف عمليات تنسحب منها متى تشاء، وبالتالي تُحرم من ترجمة أي انتصار أو تقدم عسكري لانتصار سياسي، بحيث يقطف ثمار الدماء والأشلاء سياسياً جهات أخرى؟ ينبغي أن تُجيب الفصائل عن هذا السؤال؟ وعليها أن تحدد ما الذي يحول دون هذا الاندماج؟ فيما إذا كانت أسباب داخلية فصائلية أم خارجية أم الاثنين معاً؟;

========================

سوتشي سورية ولعبة الأمم .. عمار ديوب

العربي الجديد

الثلاثاء 6/2/2018

لم تُخفِ روسيا هدفها من مؤتمرها السوري في سوتشي؛ فقبل انعقاده بأشهر، قالت بوضوح إن من يحضر سيوافق على بقاء النظام، وبعد ذلك، لا بأس بكثيرٍ من الثّرثرات. مخرجات سوتشي الآن هي تشكيل لجنة دستورية من 200 سوري، من أتباع النظام و"معارضين" لم يتجاوزوا في أطروحاتهم عام 2011، أي الإصلاح السياسي، من أمثال قدري جميل وهيثم مناع ورندة قسيس وحتى أحمد الجربا وآخرين. المشكلة ليست هنا، فهؤلاء يعلنون مواقفهم وبالروحية نفسها ومن دون توقف، المشكلة في المعارضة التي أعلنت أنها ستسقط النظام بكل أركانه، فهي وافقت على صيغة الدعوة الروسية لها، والتي تتوجه إلى الأفراد باعتبارهم كذلك، أي وافقوا ليس باسم المعارضة، على الرغم من أنهم منخرطون في هيئاتها؟ انسحاب "أفراد" أحمد طعمة، وبعد إذلال روسي لهم وتركهم في المطار ساعات طويلة، لا يغير شيئاً، ولا أسباب الانسحاب تغير في ذلك. الأسوأ توكيل الأتراك متابعة "سوتشي" باسم المعارضة. ما يعني أن المعارضة لم تنسحب، بل وكلت تركيا بأمر مستقبلها ومستقبل سورية، تركيا التي تنسج سياسة جديدة بالتحالف مع روسيا وإيران والنظام، والتي تتمحور حول إصلاحات سياسيةٍ لا تتضمن تغييراً في النظام. أي هناك توافق كبير بين أطراف المعارضة على بقاء النظام على الرغم من "المناكفات" الجانبية، والتي تحاول التنصّل من مواقف يتكرّر إطلاقها. وليس موقف هيئة التفاوض بعيداً عن موقف "معارضة تركيا"، فعلى الرغم من رفضها "سوتشي"، فهي توافق على حوار مع النظام من دون شروط مسبقة، أي توافق على النظام كما حال بيان "الرياض 2". المشكلة في النظام ذاته، فهو الخاسر الأكبر مع أية مفاوضات. ولهذا لا يقدم للمعارضة أية تنازلات، ومدعوم بمواقفه هذه من إيران، ويستفيد من الخلافات الروسية الإيرانية التركية من ناحية، ومن الخلافات الروسية الأميركية من ناحية أخرى.

"روسيا وأميركا وإيران وتركيا وبعض الدول العربية هي من تقرّر مصير سورية، وهذا سيستمر إلى حصول توافق أميركي روسي"

سهولة استجلاب النظام إيرانَ وروسيا والمليشيات الطائفية، وكذلك سهولة استدعاء المعارضة التدخل الخارجي، ساهمت في تفتيت "الهوية الوطنية"، ووضعت سورية في إطار لعبة المصالح الإقليمية والدولية. توضّح الأمر مع الارتهان المتتالي لأطراف الصراع السورية، حتى ليكاد يخرج الأمر كلياً من أيدي السوريين؛ فإيران وروسيا وأميركا وتركيا والفرنسيون والخليجيون جميعهم يتصارعون على الأرض السورية، وللجميع وكلاء محليون. وقد أشاد هؤلاء الوكلاء سلطاتٍ تماثل سلطة النظام في بطشها وقمعها وإفقارها وتهميشها الناس، وفي انعدام الوطنية. سورية التي كانت فيها ثورة من أجل واقع أفضل أصبحت فاقدةً للإرادة المستقلة، وتعمل من أجل مصالح الخارج. ممارسات السوريين في "سوتشي"، والتي تبدأ من عدم رفض الدعوات، إلى قبولها من شخصياتٍ لا علاقة لها بالسياسة، إلى قبولها من شخصياتٍ سياسيةٍ، ولكن كدعوات شخصية، إلى توكيل تركيا، إلى مخرجاتها، كلها عناصر توضح مقدار التدخل الدولي في الشأن السوري، وغياب السوريين عن تقرير مصيرهم بشكل مستقل؛ الجميع تابع لأطراف خارجية.

في خلفية رفض هيئة التفاوض مؤتمر سوتشي، هناك أطراف دولية شُكلّت بقيادة أميركا (ارتبط ذلك بسياسة أميركية جديدة) وفرنسا وبريطانية لجنةً جديدة، وأطلقت ورقة خاصة بها، وذلك لإفراغ مؤتمر سوتشي من أي فاعلية. القضية هنا بالتحديد، فكل أطراف المعارضة، بما فيها هيئة التفاوض، لا تعمل مستقلة؛ إذ يمكن القول إن الأطراف السورية تعمل وكلاء للخارج، ومحاولاتها لتحصيل مواقف لصالحها لا تفيد سورية دولة مستقلة، بل من أجل هذه الأطراف وكيلةً وتابعة.

مشكلات سورية التي تعقدت، وفي ظل ما حلّلنا أعلاه، تتوضح أنها ليست في وارد الحل، وأية حلول لها ستكون في إطار ما سبق، أي لترسيخ التبعية والاحتلالات الخارجية. وسيكون دمار أغلبية مدن سورية استثماراً جيداً لتلك الدول. وسيكون مصير اللاجئين كما مصير اللاجئين العراقيين والأفغان، وسواهم، أي لن يعودوا. شهداء الثورة أو قتلى النظام لن يطالب بهم أحد، وكذلك لن يُحاكَم المجرمون. ولن تتوقف الصراعات، وستستمر لصالح الخارج، كما يحدث في ريف إدلب وحماة وحلب والغوطة وعفرين، وقبل ذلك في الرقة ودير الزور، وكل استقرار لها يمكن أن يتفجر، حالما تحدث أي خلافات بين الدول.

الآن، يتمسّك السوريون، من غير التابعين، بجنيف1 وبهيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات. وقد نشر الروس والأميركان في 2012 مبادئ جنيف، حينما كان النظام والمعارضة قويين ومتعادلين، ولهما دورٌ فاعل في تقرير مصير سورية. ولكن ومع صفقة السلاح الكيميائي في 2013، انتهت إمكانية إسقاط النظام أو إنهاء المعارضة، وأصبح الخارج يقرّر بشكل كامل الوضح السوري. إذاً التمسك ببيان "جنيف 1" وقرارات مجلس الأمن الداعمة له، بالتحديد 2254 و2118، أصبح في ظل التدخل الدولي أمراً يفيد فقط التذكير بالقرارات الدولية، كما حال القرارات الدولية الخاصة بفلسطين. وبالتالي، يعود السؤال اللينيني يطرح مجدّداً: ما العمل إذاً؟

"لن تتوقف الصراعات، وستستمر لصالح الخارج، كما يحدث في ريف إدلب وحماة وحلب والغوطة وعفرين"

تأخذ سوداوية التحليل أعلاه شرعيتها من واقع العراق وأفغانستان وليبيا واليمن، وأخيراً سورية نفسها. الإشكال الآخر هو، وإجابة على السؤال، هناك غياب شبه كامل لأي تجمعات ثقافية أو سياسية أو ثورية مستقلة، وأغلبية هذه التجمعات أو الأفراد المستقلين الثوريين أصبحوا خارج سورية، وهذا تعقيدٌ إضافي، يمنع ظهور هيئات "ثورية" جديدة، ويدعم الفكرة المطروحة هنا، أن أغلبية المحاولات، ومنذ 2011، والتي عارضت الهيئات السياسية المكرّسة و"التابعة"، لم تستطع تشكيل قوى فاعلة، وتلاشت الواحدة إثر الأخرى، وما ظل منها سوى الاسم، أو هيئات هامشية للغاية.

على الرغم من تشاؤمية ذلك كله، والتي كان هدفها البحث عن البديل، فإن خيارات سورية مرهونة بها حالياً. ولو افترضنا أن الفشل سيكون مصيرها الدائم كما تكرّر، فهذا يعني أن مستقبل سورية خسرناه عقوداً مقبلة، وليس هناك إمكانية لتشكيل قوى بديلة سياسية وثورية ومسلحة مستقلة، من أجل استعادة القرار السوري.

الآن، روسيا وأميركا وإيران وتركيا وبعض الدول العربية هي من تقرّر مصير سورية، وهذا سيستمر إلى حصول توافق أميركي روسي، وأيضاً يمكن افتراض عدم حصوله؛ فالخلافات بين الدولتين العظميين أصبحت تناقش مستقبل سورية واحدة من القضايا الدولية الأخرى، وهنا تتوضح كارثية الوضع السوري.

.. نعم الطغاة يجلبون الغزاة، ولكن أيضاً الخيانة ليست وجهة نظر، فهل من يَعقل قبل فوات الأوان؟

========================

بكيت مرتين !؟ الجزائر في قلوب السوريين ، وستبقى !! .. يحيى حاج يحيى

بكيت مرتين ! في الأولى ألماً وحزناًً ، حينما قرأت أن  جزائريتين  كتبتا رسالة جامعية  بعنوان : تسول المرأة السورية في المجتمع الجزائري  !!!!!؟

والأخرى اعتزازاً واستبشاراً حين قرأت رد الدكتور الطيبي الأصيل ابن  الجزائر  الأصيلة على هاتين التافهتين  !!!

هذه كلمة من الدكتور تاج الدين الطيبي المحترم تعليقا على رسالة الماجيستر سيئة العنوان وضحلة المضمون :

سكتُّ .. ولكن ..!

ـــــــــــ

لمدة يومين وأنا أكاد أذوب خجلا .. ولولا الأعزاء في هذا الفضاء لأغلقت هذه الصفحة واختفيت هربا من ذلك الوخز الكبير ..والألم الممض ..!

كنت أظنها مزحة، ولكن ذاب الثلج وبان المرج وظهر أن التعفن في الجامعة الجزائرية جاوز المعقول واللامعقول، وبات من الممكن أن يكون موضوع مذكرة (ماجستر) في الجامعة مهينا وعديم أدب ومسيئا إلى درجة الرذيلة، فتُعنون طالبتان مذكرة ماستر بـ(ظاهرة تسول المرأة السورية في المجتمع الجوائري)، وتُشرف (دكتورة) بلهاء حمقاء على الموضوع، وهي من فصيلة من قال عن الجامعة:

ودخلت فيها جاهلا متواضعا * وخرجت منها جاهلا دكتورا

وتقبل جامعة ومجلسها العلمي هذا العنوان دون خجل...أو مراجعة ..

لم أجد ما يبلل غصتي، أو يخرج الشظايا المتلظية من حلقي، وها أنا أحس بالعار لأنني أنتمي إلى دولة نزل فيه المستوى إلى هذا الحضيض، وأحس بالخزي لأنني أنتمي إلى الجامعة الجزائرية التي باتت تؤوي كل منخنقة وموقوذة ومتردية ونطيحة وما أكل السبع ..

طبعا.. ليس المجتمع الجزائري مسؤولا عن هذا الانحدار الرهيب، والشعب الجزائري غير ما يشير إليه ذلك العنوان الخسيس، ولكن هذه طبيعة الزمن، تطفو فيه الشوائب، وترسب في قاعه القيم فلا تبدو إلا لمن يبحث ..

ها أنا أقل شأنا من أن أعتذر للماجدات السوريات، وأقول لهن:

إن نعل الماجدة منكن أشرف من وجهي الطالبتين ووجه مشرفتهما وكل الوجوه التي رضيت بهذا العار وصولا إلى أعلى وجه ..!

أنا أعلم من يتسولن في الشارع، وأنهن لسن بسوريات، وأن اختطاف اللهجة السورية والتسول بها من أسهل ما يكون، ممكن لكل غجري بل لكل لص يحمل الهوية الجزائرية، وما زلت أقول إنني بحكم معرفتي بالسوريين لا أستوعب ولا أصدق مطلقا أن يمد سوري يده للتسول، وأعرف حالات قريبة حاولنا فيها مساعدة الإخوة فما قبلوا منا، على أن تفاعل الإخوة السوريين مع الحادثة يدل دلالة عميقة على أنهم لا يحسون بحجم المأساة في بلدنا، المأساة الأخلاقية، الحضارية، الثقافية، الأخلاقية، ولا يدرون أنهم يعيشون الدمار المادي ونحن نعيش الدمار المعنوي بكل تشظياته ..

لو علموا أي معاناة نعيشها في الهوية والقيم لبكوا علينا ونسوا حالهم، وماذا يضير السورية والسوري أن يهاجرا ويعانيا ومعهما شرفهما وحمولتهما الحضارية والأخلاقية، ومعهما ضميرها المرتاح ثقافيا، يعرفان من يكونان وأي حضارة يمثلان؟ إنما المأساة في الجزائري والجزائرية اللذين شردتهما التجاذبات الثقافية، وجعلتهما يتسولان هويتها وهما داخل الوطن.. وحامت حولهما كل الأشباح القاتلة يوم كان الوطن العربي كله في عافية ..

المأساة في هذا التدمير الممنهج منذ مطلع التسعينات، تدمير بدأ بحرب دموية دفعنا ثمنها فاحشا، دفعنا ثمنا لا يمكن تخيله، وكان نظام (حافظ) البعثي يومها من أبرز الداعمين للإبادة، وكانت (فرق موته)تبث الرعب في ربوع هذا الوطن، ويومها كنا نحن في المطارات السورية (إرهابيين)، كنا لا نتنفس إلا ويتنفس معنا الرقيب، كانت كل رسائلنا وكل هواتفنا مكشوفة، وهذا لا يعانيه السوريون اليوم في هذا البلد، وها نحن أيض ضحايا البعث مثلكم، ومع نهاية التسعينات قالت لنا (الغيلان) الحاكمة:سنعيد لكم الأمن ولكننا سنسلب منكم الهوية والحياة والثقافة والأخلاق والمال والعدالة والأسرة ووووو...، وتمت المقايضة ونحن تحت سيف الجلاد، ومن يومها ونحن نُسلخ كل يوم ولما ينته السلخ بعد، ولكن لم يبق الكثير لنتعرى تماما، وحينها لن يبقى  من (الجزائرية) إلا التراب، أو الذكرى، وإن هذا الذي حصل من تلك (المذكرة) هو نتيجة ذلك التدمير، وعمل مقصود يراد به أن يظهر العفن على السطح، وإلا فإن الجزائري الحر والجزائرية الحرة يأنفان من مجرد تخيل ما حصل، وها أنا ذا أعلن أني غرقت في عرقي وخجلي ولم أستطع حتى التدقيق فيما كتب ..!!

للأسف .. حاولت أن أتشارك الهم مع بعض الأصدقاء ولكنني لم أفلح، كل أصيب بـ(إسكاتة) كما حصل لي..على أن السفه الذي حصل منا ما كان له أن يقابله سفهاء ظنوا أن الجزائري نذل، وكالوا لنا التهم، وجعلونا أقل شرفا، وكتبوا أننا سلمنا نساءنا للمحتل الفرنسي أيام الاحتلال، ولو أنا كنا أنذالا وفعلنا ذلك ما بقيت فرنسا عندنا كل ذلك الليل المظلم ..!

إن الخطأ لا يعالج بخطأ .. وما كتبه الجزائريون الأحرار عن المأساة السورية أولى بأن يُلتفت إليه ويعبر عن الموقف الحقيقي من الشعب السوري الأصيل .. وإنه لأمر بيّت بليل أن تظهر هذه المذكرة بعد عامين وينتبه إليها من لم ينتبه ..

أيها الإخوة السوريون..إن ظهورنا جسور لكم فاعبروا إلى الحرية والعدالة عليها إن شئتم، وخذوا منا حتى ترضوا، ولكن لا تؤاخذونا بما فعل السفهاء منا، فلكل شعب سفهاؤه، ومن أطاع السفهاء قطع من الوصل كل آصرة، وهتك كل وشيجة، ودمر كل صلة ..!!

الله المستعان..

=========================

الدستور السوري وديمقراطية هزّ الرؤوس .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الثلاثاء 6/2/2018

يدرك قادة الدول الست، الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا والسعودية والأردن، التي اجتمع وزراء خارجيتها في باريس (24 /1/ 2018)، ومعهم مبعوث هيئة الأمم المتحدة إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، أن التعاطي مع القضية السورية، بعد مضي سنوات خمس على إصدار بيان جنيف 1، لن يجدي نفعاً بالمضي في مسار التفاوض الحالي، الذي عقدت خلاله ثماني جولات، ضمنها ست في ظل إدارة دي ميستورا، على الرغم من محاولاته تجزئة قضايا الحل، بطرحه السلال الأربع، والاستناد إلى قرار مجلس الأمن 2254 الصادر عن مجلس الأمن الدولي (18/12/ 2015)، إذ لم يثمر ذلك كله شيئا على صعيد تقدم العملية السياسية المرجوّة، بسبب تعنت النظام ورفضه التفاوض وجهاً لوجه مع وفد المعارضة، تارة بحجة أنه لا يتفاوض مع الإرهاب، وتارة بدعوى أن الوفد المعارض ليس موحداً، ومرات أخرى بسبب رفض المعارضة شطب أولوية رحيل الأسد من مبادئها التفاوضية التي عادت وأكدت عليها في البيان الختامي لمؤتمر الرياض 2.

على هذا الأساس، أطلقت الدول المذكورة خطة عمل، لا يمكن وصفها بأنها تمثل الحل، لكن يمكن البناء عليها والعمل لتصويبها، وقد عنونتها باسم "اللاورقة" لحل الصراع السوري، بإدخال تعديلاتٍ على العملية التفاوضية، وما تتضمنه من عناوين وآليات واستهدافات، وضمن ذلك كيفية تعامل المبعوث الأممي، دي ميستورا، مع طرفي الصراع، أي النظام والمعارضة، ما يفيد بالاعتراف بفشل الجهود الدولية خلال السنوات الخمس، بيد أنه اعترافٌ مقرون

"بيان مؤتمر سوتشي يجعل من كل الدمار والخراب والقصف على السوريين، بفعل "فاعل" مبني للمجهول" بالتخلص من تلك الطريقة التي ثبت عقمها، سواء لشكل العملية التفاوضية (الجولات الثماني) أو لمحاورها وأجزائها، واختلاف الأولويات عند الطرفين، لتعيد مبادرة "اللاورقة"، جدولة الأولويات وترتيب المصطلحات، وإبعاد الأجندات الدخيلة لمصلحة المكونات السورية باعتبارها السوري، وليس حسب استطالاتها الإقليمية والدينية والمذهبية.

وحسب ما نشرته "العربي الجديد" (27 /1 /2018) من ترجمةٍ غير رسمية لتلك "اللاورقة"، التي اعترفت بعدم إحراز أي تقدم ملموس في العملية التفاوضية خلال الجولات الثماني التي اختتم آخرها في ديسمبر/ كانون الأول 2017، فإنها أوصت، أيضاً، بالتوجه إلى عملية سياسية متواصلة مع تمكين المبعوث الأممي من دعوة الأطراف، حسب الحاجة، إلى المشاركة الفاعلة ضمن فرق عمل تركّز على الدستور والانتخابات، في وقت تركز فيه فرق عمل أخرى على وضع تدابير بناء الثقة، مثل ملف المحتجزين ووقف إطلاق النار وإيصال المساعدات، أي أننا أمام جدول عمل واضح، ينهي السياحة التفاوضية لمصلحة التفاوض التخصصي والعياني، الأمر الذي سيواجه رفضاً من الطرفين المتفاوضين، كلّ وأسبابه:

ـ يرفض النظام هذه الطريقة التفاوضية، لأنها تضع حداً لرفضه المطلق الدخول إلى تفاصيل العملية التفاوضية التي حدّدتها المبادرة، كما أن مناقشة فكرة تحديد صلاحيات الرئيس، وتوسيع صلاحية رئيس الوزراء والبرلمان وعدم وضعهما تحت تصرف الرئيس، يعني إقرارا من وفد النظام بقبول الانتقال السياسي الذي يرفضه جملة وتفصيلاً. وبالتالي، فإن ما تضمنته اللاورقة يقع مباشرة على الخط الأحمر الذي وضعه النظام أمام أي عملية تفاوضية مع المعارضة. ولعل هذا ما جعل النظام يساند جهود موسكو بعقد مؤتمر سوتشي، على الرغم من أنه لا يرغب بأي تعديلات، أو إصلاحات دستورية، تتم بعيداً عن لجانه في ما يسمى "مجلس الشعب"، إلا أنه اتبع أهون الشرين، ولعل ما تضمنه بيان سوتشي كان أقل من خطورة ما قبل به النظام سلفاً.

ـ ترفض الأوساط النافذة في المعارضة "اللاورقة"، لأنها تحرج الوفد في مناقشة قضايا دستورية تخصصية من جهة، كما تحرج مكونات داخل الوفد لا تستطيع القبول بلامركزية الحكم، لاعتقادها أنه يصب في مصلحة الكرد فقط، فتحارب هذه الفكرة، على زعم أنها تعني التقسيم لسورية، من دون دراسة منعكسات اللامركزية على العملية الانتخابية من جهة، وعلى العملية التنموية من جهة أخرى، كما أن الرفض يتضمن مخاوف من النظام البرلماني "بغرفتين" المطروح، على الرغم من أنه يحقق عدالة التمثيل للمكونات وللمناطق، إضافة إلى أنه يختبر بجديةٍ قدرة المعارضة على تمثيل السوريين غير الموالين للنظام الحاكم، أيضاً لأن أطرافا داخل المعارضة ترى في روسيا شريكا لها، وصديقا لا يمكن أن يمر الحل السياسي إلا من خلال مبادرته، ومنها عقدها ما سمته مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي.

أمام هذا الواقع المتغير الذي فرض على الولايات المتحدة الأميركية أن تعود بثقلها السياسي إلى الملف السوري، لم توفر روسيا الدولة الداعمة لنظام الأسد جهدها لتشكيل حلفها (مع كل من تركيا وإيران) وبعض المعارضة المتوافقة معها، في مواجهة ما سعت إليه الدول التي أنتجت ما سميت "اللاورقة" التي تمهد لرفع يد روسيا عن الملف السوري، وأخذ المفاوضات السياسية باتجاه إنتاج وثائق دستورية، قد تمهد لإلغاء النظام الحالي شكلاً ومضموناً، الأمر الذي يفسر مسارعة روسيا وتيرة العمل لإنجاز مؤتمر سوتشي، وتضمين وثائقه بالنقاط 12 التي كان قدمها دي ميستورا، حول نظام الحكم في سورية، لتقطع الطريق على أي انعطافة نحو تغيير مسار المفاوضات، شكلاً أو مضمونا. وعلى الرغم من أنه لا خلاف أصلا بشأن نقاط دي ميستورا من حيث الجوهر بين النظام والمعارضة، إلا أن موسكو استخدمتها في بيان سوتشي الختامي، لتضليل المعارضين السوريين من جهة، ولكسب الأمم المتحدة إلى جانب مشروعها، في مواجهة المبادرة السداسية التي قدمت "لاورقة" لوفد المعارضة والمبعوث الأممي، في الاجتماع الخاص الذي عقد في فيينا 25 و26 من الشهر الماضي (يناير/ كانون الثاني).

وبينما راهنت موسكو على توافقات حشودها (1600 مشاركا) في سوتشي على بيانٍ أعد سلفاً، وأدرجت خلاله ما يوحي بأنه قفز على واقع النظام الحالي، وتمهيد لما يمكن تسميته العهد الجديد لسورية، وفق دستورٍ اعتبرته أوساط معارضة يلبي رغبتها في الانتقال السياسي المنشود، باعتباره يتحدث، في إحدى فقراته، عن "بناء جيش وطني قوي موحد، ويمارس واجباته وفقاً للدستور، ولأعلى المعايير، وبناء مؤسسات أمنية تخضع لسيادة القانون، وتحترم حقوق الإنسان"، متناسية أن الجيش السوري قبل أن تبدأ الثورة بصيحات الحرية كان جيشاً موحداً وقوياً، وقد أثبتت تلك القوة بتدميره مدناً وقرى كثيرة في سورية، ومواجهة كل من ساند الثورة بأقوى أنواع الأسلحة التي يمتلكها، في حين أنه، دستورياً وقانونياً، يخضع لمسؤوليات محدّدة، ليس منها مواجهة الشعب السوري، ما يفقد هذه الفقرة أهميتها، في الظروف الحالية، على الرغم من انزعاج إعلام النظام منها وتحويرها إلى أنها نصت "على الحفاظ على الجيش"، كما ينزع أي مصداقية عن القول إن تحولاً في الموقف الروسي أو حتى المشاركين في المؤتمر، بما يتعلق بحقوق المواطنين السوريين، وحمايتهم من تغول هذا الجيش والأجهزة الأمنية، لأن العبرة ليس بما يكتبه النظام والموالون له، وإنما بالقوى التي تحمي في الواقع

"شتان ما بين مؤتمر تقاد إليه جموع غفيرة، لإنتاج بيانٍ بديمقراطية هزّ الرؤوس، أو بالاستفتاءات، والديمقراطية التي تبنى على أساس حقوق المواطن الفرد الحر الكريم" ممارساته، وروسيا واحدةٌ من هذه القوى، الشريكة لهذه الأجهزة العسكرية والأمنية في كل انتهاكاتها لحقوق السوريين.

ولعل من المستغرب ألا تقرأ أوساط في المعارضة البيان الختامي لمؤتمر سوتشي إلا من خلال فقراتٍ لا خلاف عليها، تتحدث عن وحدة سورية أرضاً وشعباً، وفصل السلطات والمواطنة المتساوية وحق اختيار النظام، وبناء جيش وطني، من دون أن تقرأ أن هذا البيان يجعل من كل الدمار والخراب والقصف على السوريين، بفعل "فاعل" مبني للمجهول، وأنه يتعامل مع روسيا التي تقصف السوريين على أنها صديقة لهم، ولعل أخطر ما في البيان أنه تعامل مع كل ما حدث في سورية، وكأن المشكلة في فصل السلطات، على الرغم من أنها أصلا موجودة شكلا في كل دساتير سورية الحالية والسابقة، متناسياً المبدأ الأهم، وهو تداول السلطة، وصلاحيات كل سلطة من السلطات، وما هي مسؤولية النظام الذي حكم سورية أكثر من خمسين عاماً عن هذا كله، كما يتم تناسي المسألة الأساسية، وهي النص على حقوق المواطن، بتحديد المكانة السياسية والحقوقية للمواطن.

شتان ما بين مؤتمر تقاد إليه جموع غفيرة، لإنتاج بيانٍ بديمقراطية هزّ الرؤوس، أو بالاستفتاءات، والديمقراطية التي تبنى على أساس حقوق المواطن الفرد الحر الكريم، إذ لا ينفع من دون ذلك التشدق بالحرص على العيش في وطنٍ حر ذي سيادة، على نحو ما كان طوال نصف قرن.

========================

ما هو ثمن عفرين؟ .. يمان دابقي

العربي الجديد

الثلاثاء 6/2/2018

ما إن تحولت معركة عفرين التي أقرّتها الحكومة التركية إلى أمر واقع، حتى انهالت الروايات والتحليلات عن الثمن الواجب دفعه جرّاء إطلاق يد تركيا في عملية جراحية في عفرين، على غرار سابقتها في درع الفرات التي انتهت آنذاك بصفقة روسية تركية، أدت إلى إطلاق يد تركيا في مثلث جرابلس أعزاز الباب، مقابل رفع الفيتو التركي عن مدينة حلب.

يُعيدنا المشهد اليوم بشكل لا شعوري إلى سيناريو حلب، فمن غير الممكن تجاهل احتمال المقايضات والصفقات بين الدول الفاعلة في الملف السوري، لأسباب عدة، فالعملية العسكرية المسماة، غصن الزيتون، جاءت عقب تصريحات واشنطن بإنشاء قوة أمنية في شمال سورية قوامها 30 ألف مقاتل عمادها قوات سورية الديمقراطية، الأمر الذي أخرج تركيا من عباءة التردد، لتنتقل من الأقوال إلى الأفعال، وهو ما بدا أن تركيا لم يعد لها خيار آخر إزاء نكث أميركا وعودها لأنقرة أكثر من مرة، تجاه دعم الأكراد المستمر بالمال والسلاح، وهو ما تعتبره تركيا استفزازاً وتهديداً لأمنها القومي، إذ تعتقد تركيا أن واشنطن عازمة على محاصرة تركيا من شمال العراق إلى أقصى شمال غرب سورية بكيان كردي، يصل إلى البحر المتوسط.

أمام المرحلة الحرجة التي تمر بها تركيا، ارتفع زخم الحراك السياسي والتقارب مع نظيرتها روسيا، بغية نزع تأييد روسي بإطلاق يد تركيا في عفرين، على اعتبار أنّ روسيا تُعارض الوجود الأميركي في شمال شرق سورية، وكانت قد طالبت وزارة الدفاع الروسية واشنطن بسحب قواتها من سورية، عقب إعلان بوتين انتصاره الوهمي على التنظيمات الإرهابية في سورية نهاية الشهر الماضي، معتبراً، في الوقت نفسه، أنّ وجود القوات الروسية شرعي بناء على موافقة حكومة دمشق بذلك.

التقاء الأضداد بين تقاطع المصالح للدول الضامنة لوقف إطلاق النار قرّب وجهات النظر لتصب أخيراً في صالح تركيا، بالبدء بعملية عفرين، ما دفع واشنطن إلى إعطاء ضوء أخضر لتركيا جاء على لسان وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، منتتصف شهر يناير/ كانون الثاني الماضي، عقبه غض طرف روسي من خلال إعلان موسكو سحب قواتها في عفرين وتمركزها في تل رفعت. أما النظام السوري فلا حول له ولا قوة، وبدلاً من حفظ ماء الوجه، فقد تمزقت السيادة أكثر فأكثر، بعد التهديد الذي أعلنه نائب وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد، بإسقاط الطائرات التركية، وهو ما لم يحدث؟

ولم تعارض الدول الأوروبية، هي الآخرى، عملية عفرين، ويبدو أن هدفها هو الخلاص من ضغط المهاجرين بعد تعهد الرئيس التركي، أردوغان، بعودة ثلاثة ملايين نازح إلى سورية.

وقد تتمثل عن الأهداف القريبة لعملية غصن الزيتون، حسب ما صرحت هيئة الأركان التركية، عن تطهير منبج وعفرين من قوات سورية الديمقراطية، وتشكيل منطقة آمنة بعمق 30 كيلو متر، في مشهد يتكرر عن المطلب التركي السابق بإنشاء منطقة آمنة قبل أربعة سنوات؟

علاوة على ذلك، يبدو أن ما كان ممنوعا في الأمس بات مسموحا اليوم، وهو ما وضع إشارات استفهام عن الثمن والمقابل جرّاء إطلاق يد تركيا في عفرين بعملية قيل إنها ستكون محدودة، وقد لا تعدو أكثر من تضييق الخناق على الأحزاب الكردية الانفصالية، حتى يتسنّى لها الانسحاب من المناطق التي تعتبرها تركيا خطراً على أمنها القومي. وعليه، يتم طرح التساؤل إذا ما تحقّق هذا السيناريو، فهل ستعود المناطق إلى النظام السوري؟ أما أن سيناريو استنساخ درع الفرات سيتكرر في منبج وعفرين، لتكون تحت سلطة الجيش الحر المشاركة بأكثر من 22 ألف مقاتل تحت الوصاية التركية؟

فيما السيناريو الأهم الذي يتم تداوله بقوة الحديث عن مقايضة بين تركيا وروسيا، مفادها عفرين في مقابل التخلي عن إدلب، ويتم الربط والبناء في هذا الصدد، حسب ما تم من تفاهمات سابقة بملفي حلب والباب.

وعليه، سيتم توسيع رقعة النظام وإيران إلى ما بعد مطار أبو الضهور، وروسيا ستمتد إلى جسر الشغور لتُشكل خط دفاع أول عن مناطق نفوذها من جورين إلى طرطوس واللاذقية، وقد يتطلب تحقيق هذه المعادلة تقديم تسهيلات من جبهة النصرة كون تركيا لها الذراع الأطول عليها؟ سيما أنّ هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة) كانت قد أخلت، أخيرا، مناطق عديدة أمام تقدم قوات النظام في ريفي حلب الجنوبي وإدلب الجنوبي، وصولاً إلى أبو الضهور، الأمر الذي وضع إشارات استفهام حول النهج والسلوك الذي تتبعه هيئة تحرير الشام.

تخوف كبير ينتاب السوريين عن الثمن الذي ستقدمه تركيا في مقابل حماية أمنها القومي، ولم يعد الأمر خافيا على أحد بعد أن تحولت سورية إلى ساحة مقايضات وتصفية حسابات لتفاهمات الدول، خصوصاُ أن الشعب السوري شهد الكثير منها على حساب تضحياته.

========================

حول مؤتمر سوتشي .. حسام ميرو

الخليج

الاثنين 5/2/2018

منذ أن أسهمت روسيا بشكل مباشر في تخفيض حدة المعارك بسوريا، حاولت تظهير نجاحها الميداني عبر جولات أستانا، بالتعاون مع تركيا وإيران، من أجل ضبط الميدان العسكري، ما يسمح لها بإطلاق مسار سياسي، يتناسب مع رؤيتها للمسألة السورية برمتها، وقد أرادت أن يكون المسار السياسي بديلاً عن العملية الانتقالية، بالصيغة التي جاءت في قرار الأمم المتحدة 2254، الذي نص على "تشكيل حكومة انتقالية، وإجراء انتخابات برعاية أممية".

وقد تم التعويل على مفاوضات جنيف من أجل تحقيقه، لكن روسيا فعلياً عملت على تحويل معادلات الميدان العسكري، لخفض سقف تطلعات المعارضة من الحل السياسي، وبناء مسار مختلف كلياً عن مسار جنيف.

أرادت موسكو إيجاد شرعية لطرحها السياسي، القائم على البدء من بحث الدستور السوري، ولأجل ذلك قامت بتوسيع قاعدة المدعوين إلى "مؤتمر الحوار الوطني" في سوتشي، الذي دارت أعماله على مدار يومي 30 و31 يناير/كانون الثاني الماضي، وقد ضمّت قائمة المدعوين إلى المؤتمر حوالي 1600 شخصية سورية من داخل سوريا وخارجها، في مسعى لجعل المؤتمر نفسه مصدر الشرعية للجنة الدستورية التي ستنبثق عن المؤتمر، من أجل صياغة دستور جديد لسوريا.

ترى موسكو أن الوصول إلى التغيير في نظام الحكم في سوريا، يجب أن يكون متدرجاً، وتتناقض هذه الرؤية مع آليات جنيف التي تهدف إلى تشكيل هيئة حكم انتقالي، من شأنها بحسب موسكو أن تقوّض مؤسسات الدولة في سوريا، وبالتالي فهي ستقوّض الكثير من مصالح موسكو، لمصلحة دول إقليمية، حليفة للمعارضة السورية، وفي هذا الجانب تتقاطع موسكو وطهران، حيث ترغب طهران في ضمان أكبر نفوذ لها من داخل مؤسسات الدولة والنظام السياسي، وأجهزته الأمنية.

وعلى الرغم من وجود عقبات كبيرة في وجه هذه الرؤية، إلا أن موسكو أصرّت على عقد "مؤتمر الحوار الوطني" بمن حضر، بحيث تقوم لاحقاً بتدوير الزوايا، وحلحلة العقد، خصوصاً مع قوى المعارضة الرافضة، وهي الآلية ذاتها التي اتبعتها في مفاوضات أستانا، حيث رفضت الكثير من الفصائل المسلحة حضور "أستانا" عند انطلاقته، لكن سرعان ما عادت وانخرطت فيه، وبالتالي فإن موسكو تجد بأن المطلوب بداية هو تأمين شرعية "مؤتمر الحوار الوطني"، وجعله مرجعية من مرجعيات الحل السياسي، مع الأخذ بعين الاعتبار الحاجة لاحقاً إلى بناء ترتيبات مع قوى المعارضة الرافضة للمسار الروسي، بل وجعل المؤتمر نفسه، وما سينبثق عنه، عاملاً دافعا للمعارضة السورية، بحيث تخشى أن تبقى خارج إطار التسويات.

 

لكن موسكو عبر هذه المقاربة تتغافل عن مسألة جوهرية، وهي أن الدول الإقليمية كانت راغبة في تخفيض الصراع المسلح في سوريا، وأن أمريكا لم تمانع أن تلعب روسيا دوراً أساسياً في هذا المجال، لكن ترتيبات الحل السياسي مسألة تمسّ ترتيبات مجمل منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي فإن أي حل سياسي لا يأخذ في الحسبان محصلة المصالح الإقليمية، لن يكون من السهل تمريره، وسيكون من السهل خلط الأوراق من جديد.

كما أن مسائل جوهرية في صلب الحل السياسي لا تنال الأهمية المطلوبة، فمسألة اللاجئين السوريين في دول الجوار واحدة من المسائل المعقّدة التي ينبغي أن يشملها الحل السياسي؛ إذ لا يمكن إقناع ملايين اللاجئين بالعودة إلى بلدهم، قبل إحداث تغيير ملموس في بنية وشكل النظام السياسي، فالهوّة الموجودة في سوريا لا تقتصر على خلاف سياسي بين نظام ومعارضة، فقد تحوّلت بفعل ممارسات التهجير، إلى علامة افتراق واسعة بين تلك الملايين وبين النظام السياسي.

اقتصار مسعى "مؤتمر الحوار الوطني" على تشكيل لجنة دستورية لا يصب في مصلحة بناء توافقات سورية سورية، أو بناء توافقات روسية مع أمريكا ودول الإقليم؛ إذ إن التأسيس لدستور جديد مسألة وطنية وسياسية، ولا يمكن لها أن تحدث من دون بناء خطوات ثقة كبيرة، وفي مقدمتها إطلاق سراح آلاف المعتقلين، وإطلاق الحريات، وبناء مناخ وطني يسمح للسوريين بالتفاعل فيما بينهم، من أجل الخروج من الثنائيات التي أوجدتها السنوات السابقة، وإعادة الثقة لهم بإمكانية مشاركتهم في وضع عقد وطني جديد، عبر ممثليهم الحقيقيين!

========================

عن سياسة أميركية جديدة في سورية .. رضوان زيادة

العربي الجديد

الاثنين 5/2/2018

غابت السياسة الأميركية تماماً في سورية، في ظل هجمة عسكرية ودبلوماسية روسية، عبر سيطرتها التامة على مسار أستانة، وبناء تحالف سياسي – عسكري مع تركيا، لضمان تأثيرها على المعارضة السورية المسلحة في الشمال السوري. ولذلك، حاول وزير الخارجية الأميركية، ريكس تيلرسون، في جامعة ستانفورد يوم 17 يناير/ كانون الثاني 2018 تقديم ما أسماها سياسة الولايات المتحدة الجديدة تجاه سورية. في خطابٍ، مثل عودة محدودة للسياسة الأميركية في الملف السوري، لكنها تبدو محدودة وجزئية، إذ لم يتطرق الوزير لمسار أستانة، ولو أنه تحدث عن ضرورة الحفاظ على تخفيض العنف في مناطق خفض التصعيد، كما أقرتها مفاوضات أستانة. ولم يشر من قريب أو بعيد إلى مؤتمر سوتشي، في موقف يعكس تحفظاً أميركياً من خطوات روسيا الأحادية في فرض أجندتها السياسية على المسار السوري. حيث عملت روسيا، بشكل منهجي، على إفشال المفاوضات التي تعقدها الأمم المتحدة في جنيف، عبر دفع وفد النظام السوري إلى إثارة قضايا هامشية، وعدم الدخول بجدية في أية مفاوضات سياسية حقيقية بشأن المرحلة الانتقالية، أو الدستور أو الانتخابات، كما أقرها مجلس الأمن في القرار 2254.

"سورية ربما تحتاج إلى أكثر من 30 عاماً للتعافي، والعودة إلى وضعها الاقتصادي ما قبل عام 2011"

في المقابل، وكما أن الخطاب حدد أهدافاً سياسية واضحة، مثل العمل على بناء سورية موحدة ومستقلة وديمقراطية، وضمان عودة اللاجئين، وتنفيذ القرار 2254، لم يشر تيلرسون إلى الخطوات التي يمكن أن تتبعها وزارته، لضمان تحقيق هذه الأهداف، في ظل سيطرة الجانب الروسي على المسار السياسي في أستانة، ولا جدوى المحادثات أو عقمها تماماً في جنيف، أظهر تيلرسون دعمه المبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا، لكنه لم يتحدث، لا بالسلب أو الإيجاب، عن مسار جنيف الذي لم يصبح له أي تأثير أو معنى، وهو حقيقة بحكم الميت، من دون رغبة الأطراف في إعلان ذلك. وفي الوقت نفسه، لم يشر الوزير الأميركي إلى أية خطوات دبلوماسية جديدة، يمكن أن تلجأ إليها الولايات المتحدة في المستقبل، لضمان تحقيق هذه الأهداف، وهو ما يدفع كثيرين إلى القول إن هذه الأهداف ربما تتحول تماماً إلى سياسة الولايات المتحدة التي أعلنها الرئيس السابق، باراك أوباما، في أغسطس/ آب 2011، وهي أن الرئيس السوري، بشار الأسد، فقد شرعيته. وما زال المسؤولون الأميركيون يرددون الكلمات نفسها، من دون أن يكون لها معنى على صراع فقد فيه أكثر من نصف مليون سوري حياتهم، كما شرد أكثر من سبعة ملايين لاجئ، فضلاً عن أن نحو ثمانية ملايين نازح شردوا من بيوتهم وقراهم داخل سورية، ويمنع عليهم الخروج أو اللجوء، بسبب إغلاق دول الجوار حدودها مع سورية، ومنع عبور أي لاجئ إلى أراضيها منذ سنتين أو أكثر، بسبب استضافة هذه البلدان ملايين من اللاجئين، ولا تستطيع أن تتحمل أكثر من هذا العدد.

ولا شيء يظهر حجم المأساة السورية اليوم أكثر من تعداد الأرقام المخيفة التي تكشف واقع الاقتصاد السوري اليوم، فحسب الموازنة التي قدمتها الحكومة السورية أخيراً، تراجع الناتج المحلي الإجمالي من 60 مليار دولار عام 2010 إلى نحو 30 مليارا عام 2017. ولترتفع خسائر الحرب عن 275 مليار دولار بحسب إحصاءات سورية رسمية، وكلفة إعادة الإعمار

"يبدو الشرط الذي كرّره تيلرسون أن الولايات المتحدة لن تساهم في جهود إعادة الإعمار في سورية إذا لم تبدأ المرحلة الانتقالية في سورية ما بعد الأسد مؤثراً للغاية" عن 300 مليار دولار، بحسب منظمات دولية. ويقول تقرير للأمم المتحدة، صادر في سبتمبر/ أيلول 2017، إن نحو 85 % من السكان في سورية فقراء، منهم 6.7 ملايين سوري، يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد ويحتاجون مساعدة إنسانية طارئة، بعد أن ارتفعت الأسعار بمعدل 1100% وتثبيت الأجور عند 30 ألف ليرة (نحو 75 دولارا). وذكرت دراسة البنك الدولي أن 6 من بين كل 10 سوريين في فقر مدقع. وفي السنوات الأربع الأولى، فقد نحو 538 ألف وظيفة سنوياً، ما نتج عنه وصول عدد السوريين الذين لا يعملون، أو غير المنخرطين في أي شكل من الدراسة أو التدريب، إلى 6.1 ملايين شخص. وبلغ معدل البطالة بين الشباب 78%، لتترتب، وعلى المدى الطويل، على هذا الخمول في النشاط خسارة جماعية لرأس المال البشري، ما يؤدي إلى نقص في المهارات.

وتوضح الأرقام أن سورية ربما تحتاج إلى أكثر من 30 عاماً للتعافي، والعودة إلى وضعها الاقتصادي ما قبل عام 2011. هذا إذا توقفت الحرب تماماً هذا العام، وبدأت عمليات إعادة الإعمار على قدم وساق، بعد ضمان الاستقرار الأمني بشكل تام، وفي كل الأراضي السورية. وكل متابع للحرب السورية يعرف أن كل هذه التمنيات هي من ضرب الخيال تماماً. ولذلك يبدو الشرط الذي كرّره تيلرسون أن الولايات المتحدة لن تساهم في جهود إعادة الإعمار في سورية إذا لم تبدأ المرحلة الانتقالية في سورية ما بعد الأسد مؤثراً للغاية، في ظل مؤشرات الاقتصاد السوري، سيما أن الموقف الأوروبي يساند هذا الموقف الأميركي ويدعمه، وهو ما ردّده وزير الخارجية الفرنسي. لكن يبقى السؤال إن نظام الأسد الذي اتخذ قراراً واضحاً في استخدام سلاح الجو السوري، بكل قدراته وإمكاناته لقصف القرى والمدن السورية، هل سيكترث لقدرته أو عدم قدرته على إعادة الإعمار، لا تبدو هذه الورقة ضاغطة بشكل كاف على نظام الأسد، ليقبل بالعروض السخية من الولايات المتحدة وأوروبا، من أجل تمويل عمليات إعادة الإعمار في المدن السورية المدمرة والمهجرة.

========================

السرديات المتناقضة و"سوتشي" الخيبة .. يحيى العريضي

العربي الجديد

الاثنين 5/2/2018

من الاتحاد السوفييتي إلى روسيا الاتحادية، لا يلحظ المرء تغيّراً سياسياً جوهرياً في مقاربة تلك البلاد وسياسيها للقضايا الداخلية والخارجية. تدّعي تلك البلاد اليوم انتقالها إلى رحاب الديمقراطية؛ لكن الواقع يقول إنه كما كانت الدكتاتورية نهجاً في السابق هي اليوم ممارسة مغلَّفةً بمجلس للدمى، وإعلام يقول كل شيء يخرج من رئتي الرئيس فلاديمير بوتين ومن يعمل عنده؛ فمن يقول له لا، لا يختلف مصيره عمّن يقول لا، لبشار الأسد أو لدكتاتور كوريا الشمالية.

تصوير روسيا بوتين وماكينتها الإعلامية الموقف الروسي سلطوياً و"شعبياً" تجاه ما يحدث في سورية نسخة عن تصويره من سياسيي بشار الأسد ومخابراته وشبيحة منظومته، فبالنسبة لآلة إعلام بوتين والجهات الروسية المسؤولة عن السياسة والدعاية والرأي، كما يُرى ويسمع في تصريحاتهم؛ وعبر من تقابله من المسؤولين الروس؛ حيث تم الوقوف على هذه الحقائق في زيارة الهيئة السورية للتفاوض موسكو، ولقائها مع مسؤولين روس: "نظام بشار الأسد شرعي"، "يقاوم الإرهاب والمؤامرة الأميركية"، و"لا بديل له"، و"مصير سورية كمصير ليبيا والعراق إن نجح المخطط الأميركي والسعودي"، و"روسيا تقاتل الإرهاب في سورية، وتحديداً داعش"، و"تساعد الشرعية، ولا تقبل أن يتدخل الخارج في الشؤون السورية، لأن نية الخارج استعمارية تقسيمية تدميرية تستهدف الشرعية؛ وروسيا تقاوم ذلك كله"، و"إيران وحزب الله يحافظان على سورية ويقاومان الإرهاب كذلك"، و"الفيتو الذي استخدمته روسيا 11 مرة في مجلس الأمن، لم يكن إلا لإحباط المخططات الإمبريالية للتدخل في الشؤون

"تصوير روسيا بوتين وماكينتها الإعلامية الموقف الروسي سلطوياً و"شعبياً" تجاه ما يحدث في سورية نسخة عن تصويره من سياسيي بشار الأسد ومخابراته وشبيحة منظومته" السورية واستهداف شرعية حكومة الجمهورية العربية السورية". أما المعارضة بالنسبة لهم، فإن لم تكن "مجموعات إرهابية" فهي "عناصر مشتتة من الخونة، وأدواتٌ تشغلها قوى خارجية في مقدمتها أميركا والسعودية"، وهي "معارضات". وروسيا أخيراً ساعدت السعودية في جمعها في الرياض بوفد "واحد غير موحد" (عبارة قدري جميل ذاتها). أما الشعب السوري؛ فروسيا هي التي "تساعده بتخليصه من الإرهاب، وتقدّم له الإغاثة، وتجري المصالحات بينه وبين بعضه؛ وهي التي عقدت له أخيرا مؤتمراً سورياً وطنياً، وعلى حسابها الخاص".

وقبل الدخول في بعض تفاصيل حدث هذا المؤتمر، لا بد من الوقوف على سردية تتناقض تماماً مع رؤية الروس والنظام لمجمل الصراع في سورية، والتي لا ترى في الوجود الروسي في سورية إلا احتلالاً؛ ولا ترى في إعلان بوتين تجربته مئات أصناف السلاح في الساحة السورية وعليها إلا تصرفاً إجراماً ومحتقرا لسورية وشعبها، وترى أن استهداف روسيا الإرهاب المتمثل بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لم يزد عن 3% من حمم النار التي أسقطتها على سورية؛ وأن النسبة الباقية كانت على مدنيين سوريين، من جديدها في إدلب؛ وهي "منطقة خفض تصعيد". وأن محادثات أستانة أثبتت أنها إجهاضٌ لـ "وقف إطلاق النار"، واجتزاءٌ له في "مناطق خفض تصعيد"، تخترقه منظومة الأسد وإيران وروسيا "الراعي" يومياً؛ وإن 11 فيتو لبوتين في مجلس الأمن لم تكن إلا لحماية إجرام النظام. كما أنها متيقنة من أن استعجال بوتين "نصره" العسكري واستنفاره لتحقيق "منجز" سياسي نابع من ضغط الوقت عليه، كي يقدّم ورقة إنجازٍ للروس وللعالم، قبيل العملية الانتخابية الرئاسية الروسية في مارس/ آذار المقبل؛ حيث كان يحلم بصورة لـ 1700 سوري في "حوار وطني"، ينقلها إلى مجلس الأمن، لتكون صورته صانعا للسلام عبر الحوار؛ ولكن سرعان ما تكشف للعالم زيف ذلك الكرنفال وخلبيّته.

وبالعودة إلى هذا العمل "الخيري"، مؤتمر الحوار الوطني السوري، الذي جاء بعد أن كان اسمه، حسب بوتين، مؤتمر الشعوب السورية، الاسم الذي لقي انتقاداً هائلاً (حتى ممن يشبهون المنظومة البوتينية من شبيحة الأسد). وبعد تغيير اسمه ومكانه إلى حميميم؛ ليتبيّن أن عقده في قاعدة عسكرية روسية على الأرض السورية غير مناسب أو لائق؛ وبعد أن نُصِح بوتين بانتقاء هذا الاسم الجذّاب، مؤتمر الحوار الوطني السوري، واختيار مكان جذّاب، مدينة سوتشي

"مخابرات منظومة الأسد وإيران أرسلت 1200 شخص لا يستطيع بوتين أن يقنع حتى كلبه بأنهم يمثلون الشعب السوري" السياحية، بعد ذلك كله؛ يتبيّن للروس أن مخابرات منظومة الأسد وإيران أرسلت 1200 شخص لا يستطيع بوتين أن يقنع حتى كلبه بأنهم يمثلون الشعب السوري، كما اشتهى وأعلن.

وهنا سعى طاقمه إلى الحفاظ على بعض ماء الوجه، في مؤتمره سيئ الطالع، فيخرجون بـ "لجنة دستورية"، تضم أكثر من 160 عضوا؛ ويضطرون إلى رميها بين يدي المبعوث الأممي إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، ليفعل بها ما يريد؛ ويتعهدون بأن كل ما جرى في عهدة الأمم المتحدة، باعتبارها مقرّرا وراعيا للقرارات الدولية التي طالما سعوا (طاقم بوتين) إلى تعطيلها، عبر نظام يحمونه ويفلتونه كي يعرقل تلك القرارات. ولكن ذلك الطاقم يتعهد بأن يمارس الضغط الكافي على النظام، لكي ينخرط بالعملية السياسية في جنيف التي ستكون امتحان جديتهم بإيجاد حل سياسي للمسألة السورية، كما يعلن رئيسهم.

غير معروف إن كان الرئيس بوتين قد تيقّن أن من ساهم بإفشال مخططه ليس فقط استعجاله "النصر"، ومحاولته دمل جرحٍ على ألم، بل أولئك الذين اختاروا، ودفعوا له ب 1200 مخلوق ساهموا بخيبة حلمه. في هذا السياق، نشر كاتب هذه السطور في "العربي الجديد" في 8/1/2018، مقالا بعنوان "كأن بوتين يقول: ليت سوتشي لم يكن"؛ وربما هنا كان حدسه صحيحا. والآن، علَّ ذلك ومئات التكتيكات والأفعال التي قامت بها عصابة دمشق من عرقلةٍ لأي حل سياسي، تجد طريقها إلى ذهن بوتين، فيخطو الخطوة التي طال انتظارها في الضغط على تلك العصابة، ويدفعها باتجاه انخراط حقيقي في العملية السياسية. ومؤكّدٌ أنه يستطيع إن أراد؛ فشواهد شحنه رأس تلك المنظومة حيث يشاء، ومتى يشاء، موجودة. ولكن يبقى على أي حال أمل بوتين بأن يبيع تلك الورقة بسعرٍ لا بأس به؛ لكن مصيره أن يتأكد من أن تلك الورقة تتحول إلى عبء عليه يوماً بعد يوم.

========================

عفرين وتهافت الاعتبارات التركية .. علي العبدالله

الحياة

الاثنين 5/2/2018

مر أسبوعان على الحملة التركية على "وحدات حماية الشعب"، الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديموقراطي الكردي (السوري)، في منطقة عفرين استُخدمت فيها قوة نارية كبيرة وكثيفة: قوات برية ضخمة تشمل الدبابات والمدرعات وناقلات الجنود تساندها قاذفات أف 16 وطائرات درون (طائرات من دون طيار) وآلاف المقاتلين السوريين من كتائب تنتمي إلى الجيش السوري الحر، عرب وتركمان وكرد، راح ضحيتها عشرات القتلى والجرحى من المقاتلين والمدنيين وألحقت دماراً كبيراً ببلدات وقرى المنطقة، ما دفع الأهالي والنازحين السوريين فيها إلى الفرار باتجاه مركز مدينة عفرين وقرى ريف حلب الشمالي الشرقي.

وكشفت المعارك العنيفة التي دارت طوال الأيام الماضية صعوبة مهمة القوات المهاجمة في ضوء تداخل وتشابك المعطيات السياسية والعسكرية والجغرافية إن لجهة صلابة القوة المدافعة التي تخوض المواجهة معززة بعقيدة سياسية متينة وخبرة ميدانية كبيرة، من جهة، وجغرافيا مواتية وحاضنة شعبية محلية مؤيدة، من جهة ثانية، تكللها مراهنة على تحول إقليمي ودولي لصالحها على خلفية الضحايا والدمار الذي ألحقته وتلحقه القوات المعتدية بالمدنيين وبلدات وقرى المنطقة (بدأت بوادرها بالتحذير الفرنسي والتحرك الأميركي لتلبية المخاوف التركية ووقف العملية)، أو لجهة ضعف الغطاء الإقليمي والدولي واشتراطاته المقيدة (ضوء أصفر روسي يقيد فترة السماح ويمنع اجتياح مدينة عفرين، غض نظر غربي مصحوباً بضغط من أجل حماية المدنيين).

اعتمدت الحملة السياسية والديبلوماسية والإعلامية التركية لتبرير العملية العسكرية ضد "وحدات حماية الشعب" في منطقة عفرين على ربط معطيات بعضها ببعضها الآخر في محاكمة "منطقية" صورية (حزب العمال الكردستاني (التركي) حزب إرهابي، وفق التصنيف الدولي، حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي (السوري) فرع له، إذن هو حزب إرهابي بالتبعية، وبما أن الأول يقوم بأعمال إرهابية في تركيا فإن ما يقوم به الثاني، بغض النظر عن الظروف والسياق الخاص، هو عمل إرهابي بالضرورة، وبما أن عمليات الأول على الأراضي التركية خطر على الأمن القومي التركي، فإن ما يقوم به الثاني هو خطر على الأمن القومي التركي كذلك)، وصاغت قضية ورفعت راية "محاربة الإرهاب"، التي استخدمتها دول إقليمية ودولية كثيرة في تدخلاتها في دول وملفات ساخنة ما جعلها ورقة رائجة ورابحة، من حيث المبدأ على الأقل، وسعت إلى ترويج محاكمتها "المنطقية" و "مخاوفها الوطنية" على المستويات الداخلية والخارجية، والتلويح بورقة المهاجرين بالإعلان أن في تركيا 3.5 مليون سوري يجب أن يعودوا، أي يخرجوا من تركيا، إلى ديارهم، أو إلى أي مكان، كي تقطع الطريق على تدخلات إقليمية أو دولية يمكن أن تعترض على عمليتها العسكرية، وهذا بالإضافة إلى المقايضة في الملف السوري والتضحية بمطالب الثورة السورية وتطلعات ثوارها وحاضنتها الشعبية، من أجل الحصول على غطاء روسي لهذه العملية.

حاول النظام التركي عبر محاكمته "المنطقية" وضع حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي (السوري) في خانة الخطر على الأمن القومي التركي وإلصاق تهمة الإرهاب به ليس لأعمال إرهابية نفذها على الأراضي التركية أو ضد المصالح التركية في الخارج ولكن لارتباط الحزب المذكور بحزب العمال الكردستاني (التركي) المصنف دولياً كحزب إرهابي، علماً أن تصنيف الثاني جزء من مخلفات الحرب الباردة ليس إلا، حيث كانت تركيا في صف التحالف الغربي في مواجهة حلف وارسو والمنظمات اليسارية والماركسية، التي يعتبر الحزب أحد تشكيلاتها، في كل أنحاء العالم، ومن يقف ضدها أو يقاوم نظامها وسياستها يصنف من قبل التحالف الغربي كعدو وتصنف أعماله أعمالاً غير شرعية وإرهابية، علماً أن ممارساته العنيفة المرفوضة والمدانة نقطة ضعف قاتلة لسرديته حول الحقوق الكردية في تركيا. الطريف في الموقف تأييد أحزاب وقوى سياسية عربية (إسلامية وقومية) للموقف التركي وإدانتها ارتباط حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي (السوري) ووضعه في خانة الإرهاب، من دون أن تشعر أنها وهي تدين ارتباط هذا الحزب بحزب العمال الكردستاني التركي فإنها تدين نفسها في الوقت نفسه لأنها إما على ارتباط بأفكار وقوى خارج حدود الوطن السوري (الإخوان المسلمون، الجماعات السلفية السورية، الناصريون) أو إن لها امتدادا خارج الوطن السوري (البعثيون، السوريون القوميون الاجتماعيون)، وأن تبرير ارتباطها برابطة الدين أو العروبة أو الأمة السورية يجب أن يمنعها من إدانة ارتباط الكرد برابطة الكردستانية، من جهة، الوطني السوري وحده قادر على إدانة الارتباط بقوى خارجية لأنه يؤسس موقفه على الرابطة الوطنية فقط، وأن الحزب المذكور جزء من المعادلة السورية وإنها ستدخل معه، شاءت أم أبت، في مفاوضات حول الحل النهائي في سورية، من جهة ثانية.

تكمن نقطة ضعف "القضية" التي صاغتها الحملة السياسية والدبلوماسية والإعلامية التركية في بنيتها غير المنطقية لأنها خلطت معطيات مستويي الصراع التركي الكردي (حقوق الكرد وممارساتهم)، وأبرزت الثاني (مجريات الصراع ووقائعه وأدوات المتصارعين وأساليبهم) كي تغطي على الأول (حقوق شعب يريد تجسيد هويته القومية بصورة من صور الكيانات السياسية المعروفة: إدارة ذاتية، حكم ذاتي، فيدرالية، استقلال) وتلغيه بدلالة الثاني، واستثمرت ممارسات "الوحدات" في المناطق العربية والمختلطة التي سيطرت عليها (قمع، ابتزاز، تجنيد إجباري، طرد من القرى بحجة العلاقة مع داعش) في تأليب العرب ضد الكرد (مؤتمري العشائر العربية)، ودفع فصائل الجيش السوري الحر لتحمل الجزء الرئيس من المواجهة البرية وبذل الدم السوري في خدمة المشروع التركي.

قد تنجح الحملة العسكرية التركية بهزيمة "وحدات حماية الشعب" والسيطرة على منطقة عفرين، لكنها لن تنهي الصراع التركي الكردي داخل تركيا وخارجها بل ستزيده مرارة واحتقاناً وتبقيه ناراً متقدة يزيد أوارها كلما توفرت قدرات كردية على تصعيد الصراع، وأن الأجدى، على المدى الطويل، الانخراط في تسوية تاريخية تضع حداً للمواجهة الدامية وتفتح الطريق لاستقرار وازدهار شعوب المنطقة ودولها.

========================

بعيداً عن ضجيج "سوتشي"! .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 5/2/2018

بعد أن انتهت ضجة "سوتشي"، صار ولا بد أن نقف منه موقف المدقق، لا موقف الغاضبين المعارضين ولا موقف المؤيدين المتشجعين، فقد "ذاب الثلج وبان المرج" كما يقول المثل السوري، أي ظهرت نتائج "سوتشي"، التي أكدت ضياع فرصة أخرى للحل السوري، كان البعض يعتقد أنها لا بد آتية في إطار المحاولات، التي طالما اصطدمت بموقف النظام وحلفائه وتصلبهم، وبجدار العجز الدولي والإقليمي عن معالجة القضية السورية، وإنهاء معاناة أهلها، بل ومعاناة العالم الذي تتوالى عليه تداعيات القضية السورية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والأهم من ذلك كله الأخلاقية، لأن ثمة سؤالاً يطرحه الواقع السوري محتواه، كيف لعالم أن ينام وهو يتابع كل تلك الجرائم التي تقع على رؤوس السوريين، وأن يصبر على تلك المعاناة، التي لا شك أن شعباً، لم يواجهها على مدار التاريخ المكتوب.

لقد كرست السنوات الماضية روسيا طرفاً رئيسياً في القضية السورية، خاصة بعد التدخل العسكري الروسي أواخر عام 2015، وما أدى إليه من تغييرات سياسية وميدانية في الصراع داخل سوريا وحولها، وبدا لكثيرين في ظل التفويض الأميركي لروسيا في سوريا، والاستكانة الأوروبية للأمر الواقع، وتراجع الدور الإقليمي في القضية السورية، إنه لا بد من طرق أبواب موسكو ومحاولة التفاهم معها على دور جديد في سوريا، بحيث تقدم سياسة إيجابية، تساهم في الحل السوري، أو على الأقل المساهمة بوضع القضية السورية على سكة حل، يأتي متدرجاً، يوصل السوريين إلى بر الأمان ولو بعد وقت.

والحق فإن السوريين وبينهم أصحاب تلك النظرة، إضافة إلى متابعي القضية السورية، لم يغب عن بالهم طبيعة الدور الروسي في القضية السورية، ومواقف موسكو التي أيدت نظام الأسد ودعمته في مواجهة ثورة السوريين، ولم يتناسوا أن روسيا شكلت في تحالفها الدولي قوة حماية سياسية وعسكرية للنظام من السقوط أمام ضغوط العالم من جهة، وثورة السوريين من جهة أخرى، بل إنهم كانوا يرون، أن روسيا حققت كثيراً من أهدافها السورية، وأنه آن الأوان لها للانتقال إلى نسق سياسي آخر، يخفف عنها فاتورة الاستمرار في الصراع السوري وحول سوريا، ولا سيما من النواحي السياسية والعسكرية، وأن ذلك منسجم مع بعض الإعلانات الروسية المتكررة، بأن موسكو لا تتمسك ببقاء الأسد، وأنها تصر على أن يكون الحل سورياً وبيد السوريين وحدهم وشعارات أخرى.

وسط هذه المعطيات، بدا للبعض أن "سوتشي"، يمكن أن يمثل بداية، ولو بسيطة، من شأنها أن تدعم مسار جنيف المتعثر الذي لم ينجز سوى الفشل والخيبات للسوريين، وهذا ما شرحه الروس لكل من تواصلوا معهم في الفترة الأخيرة من أجل ضمان دعم الجهد الروسي لإنجاح المؤتمر.

وبخلاف ما جرى طرحه حول الطموحات الروسية من "سوتشي"، فإن الخطوات الإجرائية في مسار موسكو مضت في اتجاه آخر. فمن الناحية السياسية لم تقم موسكو بأي ضغوطات على تحالفها الإيراني - الأسدي للإعلان عن التزامات سياسية، وأقلها الوعد باتخاذ خطوات إجرائية في قضايا غير تفاوضية مثل إطلاق المعتقلين ورفع الحصار عن المناطق المحاصرة والسماح بمرور المساعدات، ولا في تأكيد التزاماتهما باتفاقيات خفض التصعيد، إنما تجاوزت ما سبق للمشاركة الواسعة في العمليات الدموية ضد المناطق الخارجة عن سيطرة النظام وحلفائه، في خطوة بدا أن هدفها مزدوج، إذ هي ضغط على المعارضة وحاضنتها الشعبية، وفسح المجال أمام تمدد النظام إلى مناطق جديدة في محيط دمشق وفي الشمال السوري.

وكرست موسكو في إجراءاتها، خطوة غير مسبوقة في اللقاءات السورية، لجهة تعويم الحضور السوري برفع عدد المشاركين، وجلب أعداد كبيرة من الهامشيين وغير المؤثرين سواء في الوفد القادم من الداخل السوري أو القادمين من الخارج بعد أن تم استبعاد قسم كبير من ممثلي المعارضة في الداخل والخارج على السواء، وخصوصاً الهيئة العليا للمفاوضات والقوى المنضوية فيها، مما جعل اللقاء دون حوامل سياسية، سواء لجهة النظام أو المعارضة في ظل غياب إقليمي ودولي مقصود لقوى مؤثرة في القضية السورية أهمها الولايات المتحدة.

الأهم في الإجراءات، ما تعلق بمحتوى المؤتمر في هدفه شديد التواضع، إذ هو مجرد اجتماع لـ"سوريين" وفي مدته وبرنامجه، فكان الأول يوماً واحداً والثاني غائماً لا تحديدات فيه، وكذلك الأمر في مخرجاته، التي لم تتجاوز نقطة واحدة هي تشكيل لجنة دستورية، كان بإمكان دي ميستورا وفريقه الأممي تشكيلها بجودة أفضل، وهذه بعض إجراءات، جعلت من "سوتشي" مجرد تظاهرة لا معنى لها، وإن كان لها معنى، فلم يكن أكثر من الإساءة إلى السوريين وقضيتهم.

خلاصة ما حدث في "سوتشي"، أنه أضاع فرصة روسية وسورية في آن معاً لعمل كان يمكن أن يكون أفضل، لو أن موسكو اعتبرته بداية لمرحلة جديدة في سياستها السورية، وهو من جهة ثانية، وضع الأطراف الأخرى كلها أمام سؤال التفويض الأميركي لروسيا، والاستكانة الأوروبية للأمر الواقع، وضرورة قيام الطرفين بخطوات جديدة في سياستهما السورية، قد تكون بدايتها ما يدور حالياً في أروقة السياسة الغربية الأميركية - الأوروبية عن ضرورات لموقف جديد في القضية السورية، يتجاوز الفشل الروسي في سوريا، ويعزز جهود جنيف نحو حل دولي للقضية السورية.

========================

الاستقطاب حول سوريا .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد  4/2/2018

ما تظاهر بالرضا من نتائج مؤتمر سوتشي غير روسيا وتركيا. وظلت إيران صامتة، وتكأكأ النظام السوري دونما استحسانٍ أو استهجان، ثم سارع لاتخاذ موقفٍ عنيفٍ ضد الهجمة التركية على عفرين، بعد أن كان قد اتهم الأكراد بالخيانة! أما الأكراد الذين اعتبروا أنّ الروس "خانوهم" وأنّ الأميركان تخلّوا عنهم، فقد طالبوا النظام بالتدخل للدفاع عن السيادة!

أردوغان الذي يهدد من زمان بالتدخل حتى لا تظهر دولةٌ كرديةٌ على حدوده، حصل على الموافقة الروسية، بعد أن اعتبر هو والروس أن الإعلان الأميركي عن تدريب قوة كردية من ثلاثين ألفاً، يعني دعماً من جانبهم للمطامح الكردية في شمال وشرق سوريا، أي على طول الحدود التركية السورية. وما اتفق معه المراقبون الأميركيون والأوروبيون في البداية، إذ تصوروا أن هذه القوة تعني أنّ الأميركيين سينسحبون بعد سقوط "داعش" وتهديداته. وبخاصةٍ أنّ العسكريين الأميركيين صرَّحوا بأنّ المقصود بالقوة الجديدة حفظ أمن المناطق حتى لا يظهر "داعش" مرةً أُخرى! لكنّ وزير الخارجية الأميركي تيلرسون ما عاد للحديث عن الانسحاب الأميركي، بل ربطه بالتقدم على مسار جنيف، والاتفاق على مصير الأسد. وهكذا يصبح الأمر سياسةً جديدةً في التجاذُب مع الدب الروسي. أو بعبارةٍ أُخرى تظهير الاعتراض على مؤتمر سوتشي. وهو ما تحدث فقط عن العمل على إيصال "داعش" لحدود الانقراض، وعن مصير الأسد، وعن التقدم على مسار جنيف، بل أضاف لذلك كله: محاصرة الوجود الإيراني في سوريا، والحديث عن الاستخدام المستجدّ للكيماوي. وتناغم مع الفرنسيين الذين أدانوا القصف على إدلب والغوطة الشرقية، كما تحدثوا عن الحصار والتجويع.

يعود الأميركيون إذن ومعهم الفرنسيون إلى حدٍ ما، لمعارضة الخطط الروسية لمستقبل سوريا، وتجاهُل الروس للتوافقات. وهذا الأمر أدى بالروس (الذين استحضروا دي مستورا إلى سوتشي لكنْ بشروطه) إلى القول إنّ جنيف تبقى هي الأساس.

عاد التجاذُب الأميركي الروسي إذن إلى الظهور والتفاقُم، مع تجنبٍ شديدٍ من الطرفين للاصطدام. ولدى الطرفين الكبيرين إرغامات. فالتركي والإيراني، كلاهما، مزعج للروس وللأميركيين. الأميركيون بدوا مرتبكين جداً في قصة عفرين، وسيزدادُ ارتباكهم إذا اقترب الأتراك من منبج. وأردوغان عاد ففصل بين العمليتين بعد أن كان قد ربطهما. لكنّ العلاقات بين الأتراك والأميركيين سائرة إلى مزيدٍ من السوء والسلبية. إنما من المؤكَّد أنّ الروس الذين انسحبوا من تل رفعت ليتيحوا مجال الحركة لجيش أردوغان، سيكونون مهتمين بإزعاج الأميركيين من خلال دفع أردوغان باتجاه منبج بعد أن ضربوا صدقية الأميركان بتخليهم عن حلفائهم الأكراد فيها.

أما الإيرانيون فهم مزعجون للروس، رغم التعاوُن معهم في المجال السوري. فهم والنظام يطمحون للسيطرة على إدلب وعلى الغوطة الشرقية. ثم إنهم يُخرجون الروس بالتقدم باتجاه الجولان، وتطوير صناعة الصواريخ في سوريا ولبنان، وهو أمر شكا منه نتنياهو للروس في زيارته موسكو قبل أيام. والإيرانيون (والنظام السوري) ليسوا مسرورين من استمرار ربط موسكو بين سوتشي وجنيف، مما يجدد حديث الانتقال السياسي، والأهم أنه يجدد حديث خروج الميليشيات الأجنبية من سوريا.

على أنّ هذا الإزعاج والانزعاج لا يُخفي حقيقتين، الأولى أنّ الأوراق الرابحة ما تزال بأيدي الطرفين الروسي والأميركي، والثانية أنّ القيد الأميركي على الروس ما عاد قاصراً على التشهير به في المجال الدولي، بل هو يملك قوات على الأرض، لا تقتصر على الأكراد، بل هناك جنودٌ أميركيون يبلغ عددهم الألفين وربما أكثر. ثم إنهم مع حلفائهم يسيطرون على مناطق النفط والمياه في شمال سوريا وشرقها، وعندهم قواعد في تلك المناطق، وعلى الحدود العراقية السورية.

وهكذا ما تزال الأزمة السورية شديدة التعقيد. فقد حقّق الروسي (ومن ورائه الإيراني والتركي) مكاسب على الأرض، وفي أستانا وسوتشي. بيد أنّ الأميركيين ما يزالون على الأرض أيضاً، وازداد تأثيرهم على المعارضة السورية السياسية والعسكرية. ويميل الأردنيون والسعوديون إلى وجهة نظرهم بشأن جنيف، وبشأن وقف النار الشامل والاهتمام بقضايا اللاجئين والمعتقلين، ومسائل الحصار والتجويع.

========================

موقفنا : حول الاشتباك مع العدو الصهيوني .. ليس دفاعا عن أرضنا بل هو صراع عليها .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

10 / 2 / 2018

العدوان الصهيوني الذي وقع فجر 10 / 2 / 2018 على الأرض السورية ، والاشتباك الذي نشأ عنه هو اشتباك مبرمج ومحسوب متعدد الأهداف . وقد كان هذا الاشتباك من السيناريوهات المنتظرة والمتصورة كمحاولة من عصابة بشار الأسد وحلفائها الطائفيين ، إلى غسل أيديهم من الجريمة الوطنية ، بافتعال نوع من الاشتباكات ، المحدودة وتحت السيطرة مع العدو الصهيوني .

وحين يوضع هذا الاشتباك في إطاره التكتيكي ، وفي إطار ما تم الإعلان عنه من قبل أطرافه ، ووفق المستجدات في المواقف الدولية والإقليمية ، ندرك أن هذا الاشتباك ليس حلقة في سياق المعركة التي تأخرت نصف قرن ، لتحرير الجولان السوري المحتل ، أو للدفاع عن الأرض السورية.

إن الظرف الوطني التي تعيشه سورية المحتلة والمدمرة والمبعثرة والمحاصر أبناؤها بالقتل والجوع ، ليس هو الظرف الأمثل ، لخوض حرب الدفاع عن السيادة ، التي كانت العصابة الأسدية تعلن دائما أنها ستحتفظ بحق الرد لظرف أمثل ..فأي عاقل منصف يرى أن سورية اليوم هي في الظرف الوطني والاستراتيجي والتعبوي الأمثل الذي يمكن أن يعينها على وضع حقوق الرد المختزنة على مدى عقود على الطاولة .

إن الحقيقة الناصعة والناطقة هي أن هذا الاشتباك المستنكر والمدان بأطرافه وأدواته هو في بعض أهدافه جزء من الصراع الدولي على سورية ، هذا الصراع ، الذي زجت الحماقة الأسدية سورية فيه إذ جعلتها مسرحا لصراعات دولية وإقليمية متعددة الانتماءات ، متضاربة المصالح ..

إننا من موقفنا الوطني ، ومن استشعارنا لحجم المؤامرة المفروضة على ووطننا وشعبنا ، ومعايشتنا للمحرقة الفاجعة التي تحاصر أهلنا في غوطة دمشق الأبية ، والمذبحة التي يتعرض لها أهلنا في ريف إدلب ، لا نستطيع أن نفصل وقائع هذا الاشتباك – المستنكر والمدان – عن مشروع القرار ( الكويتي – السويدي ) المقدم إلى مجلس الأمن ، لفرض وقف نار لمدة شهر في سورية ، ولتخفيف معاناة المواطنين المحاصرين في غوطة دمشق .

إن من بعض أهداف هذا الاشتباك التكتيكي المتوافق عليه هو إشغال الرأي العام ، عن المحرقة الأسدية – الروسية – الصفوية الكبرى ضد الشعب السوري، والتي بدأت أصوات الساسة حول العالم تتعالى أكثر فأكثر في استنكارها .

إن اعتقادنا الجازم الذي لا يداخله ريب ، أنه ورغم ، إدراكنا لطبيعة العلاقة بين أطراف الاشتباك من ( الشركاء المتشاكسين ) ، إلا أن القاعدة الأساسية والاستراتيجية للأعداء ( الصهيوني والصفوي والروسي والأسدي ) هي لقاؤهم على العداوة المطلقة للشعب السوري ، والرفض التام لمشروع حريته وكرامته ، وكذا تواطؤهم على إضعاف الدولة السورية ، وامتهانها ، وتحويلها إلى مناطق نفوذ تحت الهيمنة والسيطرة المتعددة الولاءات ..

ندين كل العدوانات على الدولة السورية والشعب السوري . ندين العدوان الصهيوني المستدام منذ الخامس من حزيران 1967 ، ندين هذا العدوان في وجوده وفي كل حلقاته ومشروعاته..

وندين المشروع والاحتلال الصفوي العدواني بكل أبعاده ، هذا العدوان الذي فتح له بشار الأسد منافذ الدولة والمجتمع السوري على كل المستويات ..

كما ندين العدوان الروسي الذي شرعنه المجرم الخائن بشار الأسد .. ومنحه الحق في استعمار سورية على مدى عقود من الزمان.

ندين ونستنكر الهولكست الأسدي الذي نفذ على الشعب السوري على مدى سبع سنوات بمشاركة ومباركة من أطراف الاشتباك ، الذين يتظاهرون اليوم أنهم في صراع . الهولكست الأسدي الذي كان صهيونيا – صفويا – روسيا بامتياز..

وإن كل مياه المحيطات لن تغسل الدم عن أيدي الطغاة المجرمين .

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

مَنْ تعمد ابتذال الآخر في سوتشي: بوتين أم الأسد؟ .. صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 3/2/2018

قد تتطلب الموضوعية التبصّر، قليلاً، قبل اتهام الاستخبارات الروسية بالغباء والحمق وسوء التقدير والتدبير؛ بافتراض أنها كانت شريكاً في إقناع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بجدوى عقد ما سُمّي بـ"مؤتمر الحوار الوطني" السوري في منتجع سوتشي، واتكاءً على مآلات الفشل الكارثية التي أسفر عنها، في نهاية المطاف. للمرء هنا أن يسارع، مطمئناً، إلى استبعاد مقادير مماثلة من الحماقة يمكن أن ينسبها البعض إلى وزارة الخارجية، في شخص الوزير سيرغي لافروف أو نائبه وذراع الخارجية الضارب ميخائيل بوغدانوف؛ لسبب جوهري أوّل هو أنّ إدارة بوتين، وبالنظر إلى تنشئة الرئيس نفسه في جهاز الـKGB، وإلى طبيعة النظام الذي يقوده منذ 1999، تعتمد على جهاز الأمن أكثر بكثير من أيّ جهاز سياسي أو دبلوماسي مدني آخر.

فما الذي أطاش صواب سيرغي ناريشكين، رئيس أجهزة الاستخبارات الروسية والمقرّب جداً من بوتين، حتى نصح رئيسه بعقد هذا المؤتمر، مدركاً ـ كما يقول منطق العقل والتعقل، بالطبع ـ أن دعوة 1600 مندوب، إلى جلسة واحدة تدوم ساعات قليلة؛ يمكن أن يؤول إلى أية نتيجة أخرى سوى الفشل الذريع، بعد المهزلة الفاضحة السقيمة؟ وعلى نطاق أعرض، ينطلق من إنجازات الكرملين ابتداءً من العام 2012، على صعيد السياسة الخارجية عموماً، والخيارات في سوريا بصفة خاصّة؛ أليس من الإنصاف التسليم بأنّ موسكو وجّهت "ضربات معلّم" فائقة البراعة، والجسارة أيضاً (ليس أقلها إعادة إحياء نظام القطبين، والانتشار العسكري خارج روسيا، وتجميل نظام بوتين عن طريق تنمية شعبيته كقائد روسي قومي صاحب سطوة كونية…)؛ بحيث يصعب أن تقترن بتلك الضربات حماقةٌ موصوفة من الطراز الذي كشفت عنه وقائع سوتشي؟

وهكذا، إذا جاز منح أجهزة بوتين فضيلة الشك (في أنها، منطقياً هنا أيضاً، أكثر ذكاء بالقياس إلى سجلها وأفعالها طيلة سبع سنوات من مناصرة نظام بشار الأسد خلال الانتفاضة)؛ فهل يجوز ترجيح تأويل آخر، نابع من خلفيات أخرى، ومسببات مختلفة، سواء خطط لها الكرملين ذاته؛ أم تولاها شريك سوتشي الثاني، في أنقرة؛ أم قفز إليها النظام السوري، بتسهيل من الشريك الثالث في طهران؟ في عبارة أخرى، هل أُريد لمؤتمر سوتشي أن يكون على هذه الشاكلة، الهابطة الهزيلة، التي تعلن الفشل مسبقاً؛ لأنّ هذا بالضبط، وليس أيّ مستوى من النجاح، هو المطلوب عن سابق قصد وتصميم؟ وإذا صحّ ترجيح مثل هذا، فمَن الذي تعمّد ابتذال الآخر في المحصلة كما شهدها العالم، والسوريون على نحو خاصّ: بوتين، أم الأسد؟

موسكو، بادئ ذي بدء، تشتغل اليوم على الملفّ السوري من زاوية أنها أنجزت، أو توشك على إتمام، الشطر العسكري من مشروعها في سوريا؛ والذي اختزله بوتين، خلال زيارته إلى قاعدة حميميم، في حكاية القضاء على "الإرهاب"، وكان يعني "داعش" أساساً، وإن اشتمل التلميح على سواها، و"جبهة النصرة" تحديداً. بذلك فإنّ الشطر التالي هو العملية السياسية، إذْ لن يستقرّ الوجود العسكري الروسي في سوريا على نحو مرضٍ، يوازي الكثير من ذاك الرصيد العسكري والمالي والسياسي الذي استثمره الكرملين، إلا إذا توفر في البلد نظام مستقرّ في الحدود الدنيا. استطراداً، ولأنّ موسكو تعرف أنّ الأسد لم يعد رقماً وارداً يُحتسب في مستقبل سوريا، حتى إذا توجب إعادة تأهيل بعض مفاصل نظامه (الجيش، الأجهزة الأمنية، شرائح الموالاة الاجتماعية المختلفة العابرة للطوائف ولكن داخل الطائفة العلوية أيضاً…)؛ فإنّ الحاجة إلى استدراج المعارضة السورية إلى المعادلة السياسية أمر بات مطلوباً، بل لا غنى عنه أيضاً.

من هنا ولدت صيغة مؤتمرات أستانة، التي تُبقي موسكو في قلب اللعبة التفاوضية دون أن تجعل منها طرفاً راعياً أو محرّكاً أو ضامناً؛ وتُدخل المعارضة السورية ـ وهي هنا، المعارضة الخارجية حصرياً، أياً كانت هيئاتها ـ كندّ مقابل للنظام، بما يكسر عملياً ذلك "التحريم" الذي كان الأسد يفرضه على معارضين ليسوا بالنسبة إليه سوى "إرهابيين". على قدم المساواة، وهذا جزء بالغ البراعة في الروليت الروسية، إذا جازت الاستعارة؛ كانت جولات أستانة تفرغ جولات جنيف/ فيينا من معظم محتواها التطبيقي، ليس لأنّ طاولات التفاوض تعددت وتبعثرت، فحسب؛ بل كذلك لأنّ المرجعيات ضاعت بين الأمم المتحدة وقراراتها، وبين ما يجري تفريخه في أستانة من وثائق ومشاريع دساتير و… تنازلات!

أيضاً، في متابعة الروليت إياه، كان نجاح موسكو في استدراج المعارضة السورية قد اقتضى، كذلك، استمالة حلفاء هذه الأخيرة، ممّن يتولون الجانب العسكري أوّلاً، قبل الجوانب الدبلوماسية أو المالية أو اللوجستية. ذلك دفع موسكو إلى عقد سلسلة تسويات مع حليف المعارضة الراهن الأبرز، أنقرة؛ وذلك بعد طور عاصف تضمّن إسقاط السلاح الجوي التركي طائرة روسية، وفرض موسكو عقوبات اقتصادية على تركيا، وتوتراً لم يشهد له تاريخ العلاقات الثنائية مثيلاً. وفي رأس ذلك الجهد الروسي للانفتاح على أنقرة، توجّب الإذعان لهاجس تركي قديم ومتأصل، هو مناهضة أيّ كيان مستقلّ أو شبه مستقلّ يقيمه الكرد على الحدود السورية ـ التركية. ولم يجد الكرملين عناء في الاستجابة، لأنّ موسكو لن تكون أوّل، ولا آخر، قوّة كونية تغدر بالكرد بعد تحالف؛ كما أنّ أيّ عمل عسكري تركي ضدّ الكرد في سوريا إنما يخدم المصالح الروسية، إذْ يدقّ إسفيناً في علاقات أنقرة مع واشنطن، راعية الكرد في سوريا.

ذلك، أيضاً، كان يردّ بعض الصاع إلى التطورات الأخيرة التي طرأت على الموقف الأمريكي من الملفّ السوري، سواء لجهة مستويات الدعم التسليحي المتزايدة للقوى الكردية، أو المشاركة العسكرية الميدانية الفعلية في توجيه "قوات سوريا الديمقراطية" شرق الفرات، وفي مواقع عديدة على امتداد منطقة الجزيرة؛ أو لجهة الحديث عن تشكيل قوّة كردية، برعاية أمريكية، قوامها 30 ألف جندي على طول الحدود السورية ـ التركية. هذا التصعيد، إذْ يستحق توصيفه هكذا، بدا في ناظر موسكو أشبه بالجزء الثاني المتمم لنظرية الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، حول ترك الروس يغرقون في المستنقع الروسي؛ أي الجزء الذي يعني استثمار التورّط الروسي على الأرض، دون الاضطرار إلى سداد رأسمال كبير، أو تكبد خسائر باهظة

وهكذا، في التأرجح (الإيجابي، الماهر والمرن كما يتوجب القول) بين مرجعيات حميميم وأستانة وجنيف، لعلّ الكرملين اختار أن يُظهر للعالم بأسره ثالثاً، وللجمهور الانتخابي الروسي ثانياً، ثمّ للسوريين أنفسهم أوّلاً؛ مقدار السخف الذي يمكن أن يتصف به أي "حوار وطني" سوري ـ سوري، يكون طرفه الأول "جمهور النظام"، القادم في رحلة سياحية للغناء والرقص والتدافع على الطعام؛ وطرفه الثاني "معارضة" بائسة تابعة، تنطق أنقرة باسمها في قاعة المؤتمر وهي نائمة على بلاط مطار سوتشي! وهذا قد يعني أنّ موسكو تعمدت تذكير الأسد بحقيقة سلطته "الشعبية"، إذا توهّم انتصاراً ما، يسوّل له الخروج من النير الروسي وإفشال مؤتمر سوتشي عن طريق ابتذاله؛ كما تعمدت تذكير المعارضة السورية بأنّ غيابها عن سوتشي ليس أشدّ هزالاً من حضورها في جنيف أو فيينا، فضلاً عن إمكانية اقتياد أفراد من أمثال أحمد طعمة يسهل أن تُلصق بهم صفة "المعارضة"!

ولعلّ خلاصة الرسالة الروسية تبدو هكذا، إذن: الملفّ بات في موسكو، ولها أن تخلط سوتشي بأستانة وجنيف وفيينا؛ إذْ أنّ ما استثمرته في سوريا، قرابة 30 شهراً بصفة خاصة، غير قابل للخسائر، ناهيك عن الأرباح غير المضاعفة!

========================

"اللاورقة" هل تؤسس للجمهورية السورية الثالثة؟ .. سميرة المسالمة

الحياة

السبت 3/2/2018

أمضت معظم كيانات المعارضة السورية جلّ وقتها، خلال سبع سنوات منذ اندلاع الثورة في سورية، وهي تطالب الولايات المتحدة الأميركية بالتدخل، بطريقة أو بأخرى، بوسائل الضغط السياسي او الضغط العسكري، لإسقاط نظام الأسد، أو لوضع حد لأعمال القصف الوحشية، التي واجه النظام بها ثورة السوريين، وحتى أنها لم تتوان عن الاحتفاء بأي تصريح، ولو كان تلميحاً، يخدم فكرة التدخّل المرجو. إلا أن نداءات تلك المعارضة، التي تستهدف انتزاع السلطة من الأسد ونظامه بالوسائل العسكرية، لم تكن يوماً على جدول أعمال أي من الأطراف الدولية، ما أسهم عن قصد أو غير قصد، باستمرار الصراع السوري، وذلك عبر دعمها التسليحي للطرفين (النظام والمعارضة)، وفق صيغة "لا غالب ولا مغلوب"، من خلال مشهدية تقسيم الأدوار وتناغمها، بين فريق داعم للنظام (روسيا وإيران)، وفريق صديق للمعارضة (الولايات المتحدة ومجموعة الدول الأوربية)، إضافة إلى تركيا الدولة الإقليمية، التي تلقت النتائج المباشرة للصراع بحكم موقعها الجغرافي المحاذي للحدود السورية، عبر موجات النزوح التي فاق تعدادها الثلاثة ملايين سوري.

إلا أننا يمكن أن ننظر إلى الاجتماع المغلق الذي عقد في باريس (24/1)، وحضره وزراء خارجية الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا والسعودية والأردن، وما نتج عنه من توافقات بخصوص الصراع السوري، على أنه خطوة جادة باتجاه التدخل الإيجابي لتنفيذ القرارات الأممية بطريقة القفز فوق المصطلحات الخلافية، بين المعارضة والنظام، ومنها على سبيل المثال (هيئة الحكم الانتقالي، الغاء النظام الرئاسي، والفيدرالية)، والتعاطي مع مضمون القرارات بما يحقق تنفيذها عبر دستور جديد، بعيداً من التراشق بالمصطلحات، التي أدت، خلال السنوات الماضية، إلى مزيد من الخلافات بين طرفي الصراع من جهة، وبين أطراف المعارضة مع بعضها بعضاً من جهة أخرى، ولأسباب في معظمها مبنية على مرجعيات المعارضات غير السورية.

على ذلك، فقد بدا، مؤخراً، أننا في مواجهة مفارقة غريبة، مع ظهور أصوات في المعارضة تنتقد أولى البوادر الجادة للتدخّل في الصراع السوري، بعيداً عن دعم فصيل عسكري هنا، أو فصيل مسلح هناك، وذلك بمسارعتها إلى كيل الاتهامات، أو طرح الشكوك، حول "اللاورقة"، التي نجمت عن الاجتماع المذكور، والتي يمكن البناء عليها، وبمثابة "خريطة طريق" لوضع حد للصراع السوري، بعد مشاورات تمت في واشنطن وباريس (بمبادرة أميركية -فرنسية)، باعتبار من رفضها يراها تجاوزاً للقرار 2254، وبيان جنيف1 (2012)، وأنها تحمل في طياتها مشروع تقسيم لسورية،على رغم أن التقديم لها من قبل الدول المعنيّة كان يستهدفإنهاء حال المماطلة في العملية التفاوضية، للتقدم بشكل أفضل وأكثر جدية نحو حلّ سياسي للنزاع، ووضع ثقلها وراء جهود ممثل الأمم المتحدة في سوريا. وفي الحقيقة فإن هذا الإضطراب في مواقف بعضالمعارضة يضعها من جديد أمام مواجهة ديبلوماسية مع أصدقائها، ويودي بها إلى التقارب مع موقف النظام من تلك "اللاورقة"،ومن الأطراف الدولية التي تقف خلفها، باعتبارها لا تصبّ في مصلحته، ولاتخدم سياسته التفاوضية، التي اعتمدت المراوغة في الجولات وتجنب الدخول في الملفات الأساسية.

أما بخصوص النقاط الخلافية مع تلك "اللاورقة"، والتي تقارب بين النظام وبعض أطراف المعارضة، فيمكن تلخيصها في الآتي:

أولاً، تطرح "اللاورقة" في مضامينها إدخال تغييرات على مسارات العملية التفاوضية، وموضوعاتها، بالخروج من مسار الجولات العبثية، التي كانت وصلت إلى ثماني جولات، من غير ذي عائد تفاوضي حقيقي بين الطرفين، ليحل مكانها اجتماع مفتوح التوقيت ودائم، لكل الأطراف المعنية، مع تحديد الموضوع المفترض مناقشته، في كل مرة، وتحديد الفترة الزمنية لانجازه.

ثانياً، توضّح "اللاورقة" مواضع الخلاف بين الطرفين المعنيين، (النظام والمعارضة) دون مواربة، وتضع أولياتها اليوم بما يتعلق بالإصلاح الدستوري الذي تراه أساساً عملياً في الانتقال السياسي وليس العكس، وضمن ذلك النص علىتقليص صلاحيات الرئيس وتوزيعها على الحكومة والبرلمان، وإعطاء صلاحيات موسعة لرئيس الحكومة الذي يتم تعيينه بعيداً من رأي رئيس الدولة، وإبطال حق الرئيس باقالته.

ثالثاً، تعتمد "اللاورقة" رؤية الاتحاد الأوروبي، التي طرحتها وزيرة الخارجية "موغريني"عام (2016)، لتصحيح مسار رؤية المعارضة في ما يتعلق بالنظام البرلماني، المشكل من غرفتين، إحداهما تختص بتمثيل كافة الأقاليم (المحافظات)، مع التأكيد أن الرئيس لا سلطة رئاسية له لحل البرلمان، ما يعني أننا إزاء نظام برلماني ولامركزي (فيدرالية من نوع ما، دون تسميتها صراحة).

رابعاً، تتحدث "اللاورقة" عن اصلاح أجهزة الأمن وضمان الرقابة المدنية على الأجهزة العسكرية والأمنية، ووضع حد لإفلاتها من العقاب، والتزامها الدستور وحقوق الإنسان.

هكذا، فإذا كان النظام معنياً جداً برفض البند الأول المذكور، وذلك لكسب الوقت وتفويت الفرصة على المعارضة بدخول مفاوضات جدية، ضمن مسار التفاوض الأممي، الذي يعني إحالة نتائجه إلى مجلس الأمن، واتخاذ قرارات تنفيذية حيال ذلك، فإن المعارضة على عكس ذلك، أي يفترض أن يكون لها كامل المصلحة في استثمار الوقت لمصلحة تفاوض يدخل في صلب القضايا الخلافية التي يتمنع النظام في الدخول في تفاصيلها، وإلتزام الحضور الكامل خلال الجولات.

وبينما يتعاظم خوف النظام من قلب شكل ونظام الحكم في سورية، لأن ذلك يعني إنهاء الواقع الرئاسي الحالي، والذهاب إلى مرحلة انتقالية دستورية، (وليست فوق دستورية)، حيث تجد "اللاورقة" مخرجاً لهذه المشكلة بالشروع باصلاح دستوري يتوافق مع رؤية سورية الجديدة، ولا يدخل في متاهات شرعية قرارات المرحلة الانتقالية ومراسيم قراراتها التنفيذية، ما يستوجب من المعارضة أن تناصر خطة اللاورقة في تفاصيلها هذه، بدل أن تتشاطر مع النظام مخاوفه وتتشارك معه في رفضها، أو حتى في التشكيك بأهدافها.

ولعل من المفيد التذكير أن "اللاورقة" تشير إلى انتهاء مفاعيل حكم النظام المركزي، وتشدد على رؤيا جديدة تسهل عملية الممارسة الديموقراطية والتنمية المناطقية للأقاليم وتمثيلها السياسي في البرلمان، ما يتيح الولادة الثالثة للجمهورية السورية، مراعية بذلك الحقوق المواطنية الكاملة للسوريين، وطرق بناء البيئة المحايدة والآمنة، وذلك عبر مشاركة الأطراف السورية الحقيقية في عملية مفاوضات جنيف، ووقف الأعمال القتالية، ورفع الحصار والافراج عن المعتقلين، وانسحاب الميليشيات الأجنبية ونزع السلاح.

لكن، على مايبدو، فإن مخاوف المعارضة المحسوبة على تركيا، نمت من خلال تبني "اللاورقة" فكرة الحكم اللامركزي، لأنها تخشى أن يصبّ هذا المفهوم ويتلاقى مع مصلحة حقوق القومية الكردية، وهو مايجعل هذا الرفض مرتبطاً بأجندة غير ديموقراطية من جهة، وهو يقع ضمن أخطاء المعارضة التي لا تريد التمييز بين القضية الكردية في سورية، وما يتعلق بأكراد تركيا ومنظمتهم المصنفة "إرهابية"، ويتلاقى مع رغبة النظام في استمرار قبضة الحكم المركزي على مقدرات ومساحة سورية، وهو ما أنتج أساساً هذا الظلم والاستبداد القائم وهذه الفروقات التنموية بين مناطق سوريا القريبة من العاصمة والبعيدة عن الخطط التنموية الرسمية.

نعم من قبيل الاستغراب أن تلك القوى، التي انتقدت وهاجمت "اللاورقة "بهذه السرعة رغم كل مافيها من ايجابيات، هي ذات الأصوات التي قبلت بحضور مؤتمر "سوتشي" الذي حمل فشله قبل انعقاده، مدّعية أن الخطة لم تذكر مصير رئيس النظام، ومستقبله في الانتخابات، متناسية أن أهم نقطة يمكن الارتكاز عليها هو ربط الدول المنتجة "للاورقة" النظام السوري بملف استخدام الأسلحة الكيماوية، وبدوره في انتشار الإرهاب والتطرف، ما يعني وضع روسيا في حالة الدفاع عن النفس- قبل أن تدافع عن بقاء النظام السوري- لئلا تكون شريكة في أكبر قضيتين خلال الألفية الثالثة.

========================

سوتشي فشل الحل الروسي .. بشير البكر

العربي الجديد

السبت 3/2/2018

لم يخرج مؤتمر سوتشي بما كانت تطمح إليه روسيا. وانتهى إلى فشل ذريع، على الرغم مما سخرته موسكو له من إمكانات، كي يكون تتويجا سياسيا لتدخلها العسكري المباشر في سورية منذ سبتمبر/ أيلول 2015، وكان الهدف الأساسي منه إنقاذ بشار الأسد من السقوط، وقال ذلك، عدة مرات، وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف الذي يعتز بأنه صاحب الإنجاز السوري بشقيه، الدبلوماسي والعسكري، هو من أوقع رئيسه فلاديمير بوتين في ورطة سوتشي على أساس حساباتٍ لا تبتعد عن رهانات النظام السوري وحليفه الإيراني، فحواها أن الشعب السوري يبحث عن حل بأي ثمن، ولم يعد معنيا بالشعارات التي رفعتها الثورة السورية، ومنها في الصميم إسقاط النظام.

حين بدأت التحضيرات لمؤتمر سوتشي منذ عدة أشهر، أرسل السوريون إلى روسيا أكثر من رسالة، تؤكد على أن هذا المسار لن ينطلي على السوريين الذين يفاوضون من أجل حل سياسي على أساس القرارات الدولية التي نصت على رحيل النظام. ولم يكن لدى السوريين أي مشكلة للجلوس على الطاولة الروسية، كما حصل في أستانة، وعبر عدة جولات، لكن موسكو أرادت ان تدعو الثورة السورية إلى لعبة روليت روسية تطلق، في نهايتها، الثورة رصاصةً على رأسها وتنتهي.

شحنت روسيا إلى سوتشي بضاعة النظام السوري الكاسدة، وأرادت، من مؤتمر مفبرك، أن تعيد تدويرها لتستخرج منها حلا، لكن المسرحية تحولت إلى فضيحةٍ، بسبب الإخراج الروسي الرديء الذي لم يتمكّن من تسويق نظام مستهلك.

وتبين في رفض السوريين "سوتشي" أن العزيمة لا تزال مشدودة، على الرغم من كل ما حصل على مدى سبع سنوات. ولذلك جاء قرار رفض المشاركة في المؤتمر بمثابة عملية تصويت واستفتاء على مقاطعة كل ما يمت للروس وإيران ونظام بشار الأسد، لكن الروس لم يتعاملوا مع هذه الرسالة، على الرغم من أنها تصل إليهم كل يوم، وعلى أثر كل غارة يقوم بها طيرانهم الحربي على المدنيين.

تبين من خلال "سوتشي" أنه ليس مصادفة انخراط الروس في حماية نظام الأسد، فهم كنظامين يقفان على أرضيةٍ واحدة. وبالنسبة لبوتين، يعتبر الأسد ابنا نجيبا لعقيدة التدمير والقتل البوتينية التي تم استنباتها في الشيشان، وصارت مبدأ للنظام الروسي، يطبقه في كل مكان وزمان. وعلى هذا الأساس، لا يكترث بوتين بالقوانين الدولية في التعامل مع المدنيين. وحين دعا المعارضة السورية إلى سوتشي، فإنه في حسابه إنما جلب مهزومين إلى الطاولة، ليوقعوا صك الاستسلام، ومن هنا فهو يستغرب أن يقول السوريون لا.

أراد الروس أن يمرّروا "سوتشي" بشتى الوسائل. وحين تعذّر ذلك، استمروا في سلوك القتل والتدمير، وعلينا أن ننتظر مزيدا من القتل والتوحش في الفترة المقبلة، ما دام بوتين لم يحقق مراده، وسيخوض الانتخابات الرئاسية في مارس/ آذار المقبل، من دون تحقيق السلام للشعب السوري.

نجاح المعارضة في إفشال سوتشي سوف يعرّضها لدفع ثمن كبير. ولذا عليها أن تعد العدة لذلك، وتجعل من الوحشية الروسية مادة للتحرّك، دوليا ضد روسيا من أجل تسجيل المسؤولية المباشرة عن كل ما أصاب السوريين من مآس منذ سبتمبر/ أيلول 2015.

واحدة من القضايا التي يجب أن يتمسك بها السوريون هي مقاضاة الروس والإيرانيين على ما ارتكبوه من جرائم في هذا البلد، ومثلما أن استخدام الأسلحة الكيميائية بات جريمةً موثقة دوليا، فإن المسؤولية عنها يتحملها ليس النظام وحده فقط، وإنما إيران وروسيا.

مرة أخرى، يفشل الروس في دفع عربة الحل السوري إلى الأمام، والسبب أنهم تحولوا إلى عدو للشعب السوري، ولم يعد هناك من السوريين من لديه وهمٌ بأن بوتين سوف يتخلى عن الأسد، من أجل سورية ديمقراطية.

========================

آذار وبحار الدم - الحلقة 44 .. الطليعة المقاتلة في اللاذقية .. محمد فاروق الإمام

كان الوضع في اللاذقية كما هو في حلب، حيث حاول الأخوة من تنظيم الطليعة المقاتلة في حماة إرسال بعض العناصر لتنشيط العمل في اللاذقية بالتعاون مع إخوة من المحافظة، إلا أن هذه الجهود أيضاً لم تكن تفي بالمطلوب وتعرضت للكشف والانهيار بسبب ضعف التنظيم هناك وقوة شوكة الطائفة العلوية في المحافظة.

الطليعة المقاتلة في حمص

أمّا في حمص فقد تهاوى العمل العسكري بشكل كاملٍ تماماً بعدما تمكنت السلطة من تجنيد عدد من الجواسيس في صفوف الإسلاميين، وقد أدت المواجهات والاعتقالات في صفوف الطليعيين إلى قتل العشرات واعتقال المئات منهم، كما وتم للسلطة كشف العديد من القواعد في المحافظة.

الطليعة المقاتلة في حماة

أمّا في حماة فبالرغم من أن الأوضاع والظروف الأمنية لم تكن بأحسن حالاً مما عليه بعض المحافظات الأخرى إلا أن تنظيم الطليعة كان يُبدي تماسكاً وصموداً كبيرين في وجه ما يجري حتى هذه الفترة، من هنا كانت محاولة المقاتلين في قيادة الطليعة لاستباق الأحداث والاستفادة من الإمكانات المتبقية لهم مع نهاية عام 1981 في كل من حماة وحلب ودمشق وبعض المحافظات الأخرى على قلتها، وذلك بتسخيرها للقيام بثورة شعبية تدعم انقلاباً عسكرياً في الجيش يقوده ضبّاطٌ إسلاميون في الجيش، إلا أنه ومع تزايد التوتر في الآونة الأخيرة من عام 1981 كانت الاتصالات بين هذه الفصائل قد انقطعت صلتها مع القيادة تماماً، وأخطر هذه الحالات كان اعتقال مراسل قيادة الطليعة المقاتلة بين حماة ودمشق كما مرَّ معنا وانقطاع الأخبار عن تنظيم دمشق نهائياً مع مطلع عام1982 وبالتالي غياب التنسيق فيما بينهم .

وكذلك كان على القيادة في حماة أيضاً أن تجد حلاًّ لبضع عشراتٍ من الأخوة طلاّب جامعة حلب المحاصرين في مدينة حلب والذين انقطعت فيهم السبُل بعد انكشاف تنظيمهم هناك، وفعلاً وفي أواسط شهر كانون ثاني 1982 تمكن الأخوة من تهريب حوالي عشرين من الأخوة وإيصالهم إلى حماة وتوزيعهم على عدّة قواعدٍ فيها، بالإضافة إلى تمكن بعض الأخوة بجهودهم الخاصّة من مغادرة حلب ودخول حماة بشكل إفراديّ وجماعيّ.

أمّا في حماة نفسها فكان تنظيم الطليعة بكامله قيادة وعناصر يعانون معاناةٍ شديدة من ضغط السلطة الأمني على المدينة، فمسلسل الاشتباكات اليومية في شوارع المدينة، وانكشاف العديد من القواعد، واعتقال المئات من المقاتلين وذويهم لم ينقطع طوال كل الفترة الماضية، وحسب تقديرات القيادة بلغ عدد الشهداء من الطليعيين أكثر من مئة مقاتل وعدد المعتقلين تجاوز بضع مئات منهم، وأصبح تأزم الوضع وتعقيداته هاجساً يومياً للقيادة التي لم تعد ترى أيَّ فائدة من الانتظار، لأنه في الواقع كان الانتظار عملية موت بطيء وإفناءٌ لإمكانيات الطليعة في حماة وفي سورية ككل .

يقول أحدهم: (كان الأسى والحزن يعصف بنا ونحن نرى الأخوة يُستشهدون تباعاً، والقواعد تُدمر واحدة بعد أخرى، وأصبحنا لا نأمنُ على أنفسنا حتى من بزوغ شمس النهار أو حتى حلول ظلام الليل، وأصبح الأخوة في حالة دفاع عن النفس وبلا أي تحرك مدروسٍ، وهم في انتظار التعليمات الجديدة من القيادة والمتوقعة في أية لحظة. ولم يكن أحدٌ يعلم لماذا هذا التأخير وما هي أسبابه؟ أو حتى إن كان هناك مَنْ يريد أن يُعطِّل اتخاذ مثل هذا القرار " قرار المواجهة الشاملة مع النظام الطائفي")؟

بدأت الطليعة تشعر أكثر من أي وقت مضى بأن السلطة قد أعطت الصلاحيات المطلقة للجيش وسرايا الدفاع والوحدات الخاصة وللأجهزة الأمنية المختلفة وحتى للعملاء والجواسيس بتدمير المدينة وإبادة شعبها، وحتّمت عليهم الحالة والظروف هذه أن يتفقد كلٌّ منهم من يعرف من رفاقه يومياً، بل صاروا يتفقدون بعضهم صباحاً ومساءً خوفاً من أن يُعتقل أحدهم فيقعوا في مصيدة الأمن، خصوصاً بعدما حصل قدرٌ من الانفتاح أكثر من اللازم بين عناصر الطليعة بسبب التطورات السريعة والأوضاع المتأزمة التي كانت تعصِفُ بهم فلم يعد يتوقع أحد من أين سيأتيهم الخرق فقد أصبح كل شيء ممكناً ومتوقعاً.

وقد تبين لهم فيما بعد أنه كان هناك تضارباً في التوجهات لم يعرفوا أسبابها لدى قيادة الطليعة في الخارج حول تبني قرار إعلان الثورة في سورية رغم ما بين أيديهم من معطيات وأسباب قوية تجعلهم يتخذون قرار المواجهة بأسرع ما يمكن.

كانت الأمور في حماة ليست هادئة، بل على العكس كانت الأمور في حماة تغلي مثل المرجل والمواجهات على أشدها بين الطليعة والسلطة، إلا أن الفارق الوحيد بين الماضي والحاضر هو أنه في الماضي أي قبل سنة أو سنتين أو أكثر كان عناصر الطليعة هم الذين يحددون ضربتهم وأين وكيف ومتى، أما في النصف الثاني من عام 1981 أصبحوا في موقع الدفاع عن النفس في أغلب الأحوال تجاه ما يحدث.

استفزاز التنظيم في حماة والإعلان عن النفير

اتبعت الأجهزة الأمنية السورية ما يعرف في أساليب مكافحة حرب العصابات بـ(استفزاز العصابيين) وقد أنهكت هذه الاستراتيجية تنظيم الطليعة في حماة تماماً، وكشفت معظم قواعده، وباتت قاعدته القيادية المركزية مرشحة في كل لحظة للانكشاف والسقوط. من هنا أخذ عمر جواد (أبو بكر) القائد الميداني للتنظيم يخطط للمواجهة وإعلان النفير. وكان ذلك يعني أنه قد وقع تماماً في فخ خطة (استفزاز العصابيين) التي تستهدف أساساً إخراج (العصابي) من مكمنه، فالقاعدة هي أن العصابات المحاصرة تخسر دوماً معركة المواجهة والدفاع المتمركز في منطقة محدودة.

يتبع

============================

ثمرات الحنظل الصفوي الذي تتجرعون !؟ ( قراءة في مقالة قديمة ) .. يحيى حاج يحيى

نشرتُ في  مجلة المجتمع ، ونشرة النذير التي كانت تصدر عن المجاهدين في سورية ( العدد١٠٥ بتاريخ ٢/ ٧ / ١٩٨٨ ) جزءاً من نص المقابلة التي أجرتها مجلة الوطن العربي في عددها / ٥٣٣/ مع الشيخ يوسف البدري عضو مجلس الشعب المصري بعد زيارته إلى إيران ، يقول الشيخ البدري ، تحت عنوان جامعة لتصدير الثورة : ( ذهبت إلى هذه الجامعة ، واستُقبلت استقبالاً حافلا ، وعرفت نظام الدراسة ، وهو يشتمل على تخريج دعاة وكوادر !؟ ويضيف : وأنا أحذر من هؤلاء ، فهم يعرفون لغة كل إقليم سيتوجهون إليه كلغة أهله ، حتى اللهجة العامية !؟ ويدرسون طباع هذا الإقليم وعاداته ومحبوباته ومبغوضاته ، ويعلمون كل شيء عنه  - كما علم مرافقي عني أشيائي الخاصة .. يجمعون هذه المعلومات عن كل شيء ، وكأنهم يعيشون مع سكان هذا الإقليم ... ؟! هذه جامعة خطيرة ، ومدة الدراسة فيها على مراحل : مرحلة عامة ثم تخصص ثم مرحلة تخرج .. وهي جامعة داخلية ، ويأخذ الطالب فيها أجراً ، واسم الجامعة هي جامعة الإمام الصادق ؟! ويضيف : إنها جامعة للتحرك من جديد ، تحرك الدولة الفاطمية لإقامة امبراطورية في مصر .. وقد علمت من الأحاديث مع هؤلاء أن القاهرة مطلوبهم .، ويقولون إن الطريق إلى القدس يمر ببغداد ، والطريق إلى العالم يمر بالقاهرة .. وهذا خطير .... )

وقد علقتُ عليه آنذاك : الشيء الذي لم يحدثنا عنه الشيخ البدري ، ماهي نسبة أبناء العالم الإسلامي في هذه الجامعة ؟

أحد المطلعين ( وهو زميل عراقي ) يذكر أنهم يعملون على استيعاب مئة ألف طالب من الدول الإسلامية !؟

فماذا نحن بعد ذلك فاعلون !

اللهم هذا جهد المقل في التبليغ ، وقد بلغت ... اللهم فاشهد !

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com