العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 11-01-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

40 كيلومتراً... بلا إرهاب .. زهير قصيباتي

الحياة - الخميس 8-1-2015

المنطقة العازلة أو الآمنة حلم قديم لكثيرين من السوريين والمعارضين، توقّف أمامه الغرب، وما زال يتأمله. عازلة تمنع هجمات النظام، بالبراميل والكلور وغيرها، وآمنة للذين ينزحون إليها طلباً للرحمة.

الغرب تمنّع، لكن إيران وحدها استجابت!... وفي مكان آخر هو العراق، حيث النظام يترعرع تحت قبعتها ووصايتها، ولكن عازلة لمَنْ؟ لتنظيم «داعش» وإخوانه الإرهابيين، يقول قائد القوات البرية الإيرانية أحمد رضا بوردستان، مفتخراً بأن هؤلاء لن يمكنهم الاقتراب من إيران... داخل أراضي العراق.

كانت حلماً لتركيا أيضاً تلك المنطقة العازلة، شمال غربي سورية. تلقفت طهران زمام المبادرة، لتضيّق الخناق على البغدادي، ولو على حساب بغداد والسيادة العراقية. وقد تعتبر إيران أن من حقها أن تقاتل العدو خارج أراضيها، لمنع وصوله إليها، تكراراً لطروحات «حزب الله» حول صدّ «التكفيريين» على الأراضي السورية لئلا يصِلوا إلى لبنان. وهم وصلوا.

يفكّر الآخرون، إيران تنفِّذ، ولعلها لم تستأذن الحكم العراقي إعلان المنطقة العازلة ذات الأربعين كيلومتراً من أراضي بلاد الرافدين، أو انتزعت موافقته بصمت. وما الحائل أو المُحرِج ما دام مئات من «المستشارين» العسكريين الإيرانيين وعشرات من قادة «الحرس الثوري» وآلاف من عناصره، يؤازرون «أبو الفضل العباس» لرد جميله حين كان يقاتل أعداء نظام بشار الأسد في سورية.

ولن يكون غريباً أو مدهشاً، أن نسمع بالخبرات التي تكتسبها طائرات بلا طيار، يرسلها المرشد علي خامنئي، لرصد مواقع الإرهابيين «الدواعش» في العراق، وتقديم المعلومات «هدية» للمقاتلات الأميركية، تسهّل مهمتها. سقطت إذاً نظرية تقسيم المهمات بين واشنطن وطهران لمطاردة رجال «أبو بكر البغدادي»، فما يحصل على الأرض وفي الجو، شراكة استراتيجية كاملة بين الولايات المتحدة وإيران، لذلك قلما باتت تعلن أعداد الغارات التي يشنها الطيران الحربي لأي دولة عربية منضوية في الحرب على «داعش». غيّرت الرياح الإقليمية و «أبوّة» خامنئي «الشيطان الأكبر»، فبات البغدادي أكبر منه... و «الإمبريالي» شريك مصالح.

مرة أخرى، قد لا يجدي السؤال: لماذا يمتنع العرب عن حماية مصالحهم، ويلومون الآخرين في ابتلاع حقوقهم؟... والحال أن كل ما فعلته إيران منذ انطلاق شرارة «الربيع العربي»، أنها سرّعت خطى تصدير خططها ومشاريعها إلى الإقليم، بأدوات وفيّة لطموحات المرشد. فليصدّق من يصدّق حين يسمع البيان الإيراني عن الحرص على وحدة العراق وقوة جيشه وتسليحه، فيما الجيش يبتلع «العقيدة العسكرية» التي يباركها المرشد. ويبتلع معها أي قرار قد تتخذه طهران لتوسيع أحزمة الأمن حول حدودها المترامية مع العراق.

وبين إيران وتركيا، فارق وحيد كبير: أن الأولى نجحت في مد أصابعها إلى حيث كانت تطمح، بين بحر قزوين والبحر المتوسط والبحر الأحمر، ومن مضيق هرمز إلى شط العرب. أما شراسة الرئيس رجب طيب أردوغان في التعاطف مع السوريين المنكوبين بالإبادة وبالوصاية الإيرانية على «قلب العروبة»، ومع الفلسطينيين في فصول محنتهم الكبرى على أرضهم، من القدس إلى غزة، فلم تدرأ عنهم الذل، ولا أوقفت جريمة الصمت الغربي... ولا أخافت إسرائيل بالعضلات التركية.

بداهة، لا إيران، ولا تركيا أو إسرائيل وأميركا، جمعيات للبر والإحسان، وبديهي كذلك أن جَلْد الذات لم يبرأ معه أي جرح عربي. العجز العربي من ملامح المنطقة، أدركت ذلك إسرائيل مبكراً، وعلى خطاها أنقرة وطهران. ولكن، هل هي مجرد مصادفة إعلان الإيراني توسيع نطاق أمنه أربعين كيلومتراً اقتطعها من أراضي العراق «افتراضياً» لئلا يقترب «داعش» من حدوده، فيما جريمة غاز الكلور الجديدة في سورية، لا تستوقف أحداً أمام الحرب المنسيّة؟

اللاجئون الهاربون من جحيم البراميل والغاز، أعدادهم ملايين أطاحت مرتبة الأفغان على قوائم النزوح في العالم. وما المشكلة، ألا يجدر بهم الرهان على سيناريو الروس في حوار العميان في موسكو؟

بين عميان وطرشان و «جهاديين» ضد جميع المسلمين، تتربع إيران على عرش «المظلومية» لمد جناحَيْ التشيُّع السياسي، يفرد أردوغان جناحَيْ تركيا على الإسلام السياسي ولا ينقذه... تهرب إسرائيل إلى يهوديتها بذريعة مواجهة طوفان الجيران المتعصبين.

يحصي جيران العرب أوراقهم، فيما العرب يتأملون زحف الأطلال، ويحذّرون، ولكن مَنْ؟ بين مشاريع الإمبراطوريات من حولهم، يتنقّلون بين التلاعب بمفاهيم الدين لإنشاء كيانات لعصابات سياسية، وبين التلاعب بالسياسة لتركيع شعوب الغاز والكلور، و «رعايا البغدادي»... بخرافة «خلافة» لا تخلّف سوى الرماد وأنهار من دماء.

============================

موقفنا : نستنكر العدوان على الصحيفة الفرنسية مهما يكن الفاعل أو الدافع .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 7/1/2015

في وسط الأجواء الراعفة التي تكاد تعم بلاد المسلمين فتُردي منهم كل يوم مئات القتلى والجرحى ، وتشرد منهم كل يوم الآلاف ، تحركت يد الإثم في باريس ظهر اليوم الأربعاء ، لتقتل وتفجر في قلب العاصمة الفرنسية باريس في عدوان سافر ومستنكر ومدان ضد صحيفة وصحفيين في مؤسسة للكلمة نتفق معها أو نختلف ...

لا يسعنا ونحن نتابع الحادث المروع إلا أن نعلن استنكارنا وإدانتنا للعملية ( الجريمة ) بكل دلالات كلمة ( الجريمة ) في كل لغات العالم . نستنكر وندين العمل البشع الجبان مهما كانت هوية فاعله ومهما كانت دوافعه ، فلا سبب بل فلا ذريعة دينية ولا مدنية تجعل مثل هذا الجريمة مسوغة أو مقبولة أو مفسرة بأي حال ...

وبالنسبة إلينا – نحن المسلمين - ستكون الجريمة أبشع وأشد نكارة وإثما إذا ثبت كما تتداول بعض وسائل الإعلام ،أن بعض المهووسين المتسمين باسم الإسلام ، أو الذين يتحركون بزعمهم لنصرته ، هم وراء هذا الفعل الإرهابي الشنيع ...

(( الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ.. )) ذلك ما يصدق بحق على مرتكبي هذا الفعل الوحشي الجبان . لن يطول يوم حتى يكتشف العالم أجمع والعرب والمسلمون منهم بشكل خاص خيوط الشر والإثم التي تحرك هؤلاء الدمى الذين أصبحوا معول هدم حقيقي يهدد وجود الأمة ويصادر مشروعها ..

ومع تأكيد استنكارنا ورفضنا للجريمة وإدانتنا المطلقة لمرتكبيها ومحركيهم وداعميهم ؛ نتقدم بأحر مشاعر العزاء للشعب والحكومة الفرنسية ولأسر الضحايا الأبرياء وندعو الله أن يمن بالشفاء العاجل للجرحى والمصابين .

لندن : 16 / ربيع الأول / 1436

7 / 1 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

============================

كلنا سوريون .. منير الخطيب

السفير - الخميس 8-1-2015

حسناً فعل لبنان بفرض فيزا على السوريين. هكذا تنتهي حفلة التكاذب الأخوي. من مصلحة النازح السوري ألا يأتي إلى لبنان. فالناجي من جحيم الإرهاب، والهارب من جهنم النظام، سيجد نفسه لاجئا إلى هاوية عنصرية اسمها لبنان. خسارته ستكون مضاعفة، وأمله بحياة لائقة سيكون منعدما.

كان السوري طالب الرزق العادي يرى في لبنان أخوة وأشقاء. غالبية السوريين شبت على مقولة شعب واحد في دولتين، وكذلك غالبية اللبنانيين لا تعرف الداخل السوري إلا بصفته امتدادا لها. عرف الشعب الواحد سيئات الحكام في البلدين، واختبر عمق العلاقة بالحديد والنار. الحكام يذهبون والروابط تبقى. العابرون يومياً، صبح مساء، عبر المصنع وجوسية والدبوسية أو العريضة، وفي الاتجاهين لرؤية قريب، أو للبحث عن عمل، أو لشراء حاجيات أو دواء أو غذاء أرخص ثمناً، هم العلاقات والروابط والأشقاء.

حسناً فعل لبنان. النازح السوري يكفيه ما ابتُلِيَ به. ومن القهر أن نمطره بمحاضرات عن مقارنات كاذبة بيننا وبين دول النزوح الأخرى. أحوال النازحين في الأردن أفضل من أحوالهم في ربوعنا، صحيح هم في مخيمات، ولكن تحت رعاية دولية تعفيهم ذل السؤال. أما في تركيا المتورطة بالحرب على سوريا، بما هو أكبر من تورط لبنان، فلم يعد ينقص النازح السوري سوى التصويت في الانتخابات، ليتساوى بالحقوق مع المواطن التركي. وما تقدمه الدول الأوروبية وغيرها للسوريين، يُخجِل العربَ والمسلمين. ويكفي لافتة الترحيب بالسوريين التي رفعت في مطار سويدي وكتب فيها: «أهلا بالسويديين الجدد».

حسناً فعل لبنان. تخيلوا السوري الذي ولد وعاش ومات على صوت فيروز ووديع الصافي، لو أتيحت له فرصة دخول لبنان، وقرأ في صحفه عن لون بشرة النازح، ولهجته ورائحته. بالتأكيد لفضّل العودة. من المفترض، أن نشكر هذا النازح الذي أغنى ذائقة اللبنانيين بموسيقى جديدة، ورفع مستوى مطابخهم بطعمات منوعة ونكهات متعددة تتسرب من عشرات المطاعم، وأعاد الحياة إلى معارضهم الصغيرة، ووزع في قاعاتهم فناً ولوحات وألوانا مختلفة.

أتاح لنا النازحون السوريون إعادة التعرف إلى شقيق عكّرت السياسة علاقتنا به، وحولنا مرافئنا ومعابرنا إلى شريان سلاح إليه، وذهب شبابنا ليقاتلوا فيه على جبهات متواجهة. في المقابل، رفعنا عليه سيف «الفيزا»، وبحجة لا يقبلها عقل. كأن الذي يمول الإرهاب عاجز عن تأمين حجز فندق، أو قاصر عن توفير ألف دولار.

حسناً فعل لبنان. هو أغلق الحدود بوجه السوري الذي أحب لبنان ولا يزال يرى فيه شقيقاً أصغر مشاكساً. من حسن طالع النازح السوري ألا يأتي ليسمع اللبنانيين يتهمونه بأنه يريد الاستقرار في بلدهم وتغيير الديموغرافيا فيه. هو اعتاد على طبابة واستشفاء وتعليم مجاني وبمستويات عالية، فلماذا يريد دولة الغذاء والدواء والشهادة الفاسدة الباهظة الثمن.

حسنا فعل لبنان. أغلق حدوده في وجه الذين بنوا بيوته ومدوا طرقاته. كنا سنخجل من النظر في أعينهم. لو كنا في بلد يحترم ذاته لقلنا: «نحن كلنا سوريون».

============================

عن اختلاف التجربة الثورية بين تونس وسورية .. حسين عبدالعزيز

الحياة - الاربعاء 7-1-2015

إذا كانت جميع الثورات العالمية تشترك في هدف واحد هو القضاء على أنظمة الحكم القائمة واستبدالها بأنظمة أفضل، فإن مسار الثورات يختلف اختلافاً كبيراً بسبب اختلاف طبائع العمران (ابن خلدون) أو اختلاف نظام الحكم وظروفه التاريخية (مونتسكيو).

الاختلاف في صيرورة الثورات أدى إلى انقسام حاد ليس في صفوف المفكرين فحسب، بل في صفوف الشعوب أيضاً، بين مؤيد لهذه الثورات ورافض لها بسبب زعزعتها المنظومة الاجتماعية - الاقتصادية.

حدث هذا في أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ويحدث اليوم بشدة في العالم العربي، بحيث أصبحت الثورة التونسية ونجاحاتها تفصيلاً صغيراً مقابل تطورات الأحداث في سورية، الأمر الذي دفع الكثيرين إلى نزع صفة الثورة عن الحراك الاحتجاجي في هذا البلد، وهذه عملية قلب أيديولوجي للمعرفة رغم ما تتضمنه من حقيقة، فالهدف من نزع صفة الثورة ليس لتصحيح مسارها والابتعاد عن أخطائها، وإنما من أجل اتهامها بالإرهاب والعمالة تمهيداً للقضاء عليها لمصلحة الثورة المضادة بقيادة الأنظمة.

إن العودة إلى أهم ثورتين في العالم (الإنكليزية والفرنسية) ربما يسعف في فهم ما تشهده بلدان الربيع العربي، حيث اتخذت هاتان الثورتان المتجاورتان مسارب متناقضة: الأولى كانت أكثر سلمية وتسامحاً، في حين كانت الثانية أكثر عنفاً وانتقاماً، لكنّ الثورتين حققتا النتائج ذاتها مع احتفاظ كل منهما بسمات خاصة.

وصفت الثورة الإنكليزية بالمجيدة لأنها كانت ثورة سلمية سريعة اقتصرت على النخبة، حيث كان طرفاها البرلمان من جهة وويليام الثالث الحاكم الأعلى لهولندا من جهة ثانية. بدأت الثورة عام 1688 بعزل الملك جيمس الثاني وتنصيب ابنته ماري وزوجها وليام أورانج وانتهت في العام الذي يليه بإعلان الحقوق.

لا يمكن بطبيعة الحال اختزال أول وأهم ثورة كبيرة في العالم الحديث بمجرد عزل ملك والإتيان بآخر، لكن هذه السرعة والتكلفة البسيطة لهذه الثورة مرتبطة بكونها نتاج مسار ثوري طويل ومتقطع يعود إلى ما قبل «الماغنا كارتا» عام 1215، ثم الحروب وحركات الإصلاح الدينية ثم الحروب الأهلية (1642 - 1651)، وهذا المسار الثوري الطويل وما رافقه من تطور فكري هو الذي حال دون اتخاذ الثورة الإنكليزية مساراً عنيفاً على غرار الجارة فرنسا.

وكان التنوير الإنكليزي متسامحاً مع أنواع كثيرة من الإيمان والكفر، ولم يكن هناك نزاع بين السلطات المدنية والدينية، ولم تكن هناك حاجة للإطاحة بالدين لأنه لم يكن هناك بابا ولا محاكم تفتيش ولا كهنوت محتكر ولا كنيسة مضطهدة. لقد مال الإنكليز إلى الحلول الوسط، وهو الميل الذي يعني في الشؤون الاجتماعية إيثار الإصلاح على الثورة، كما يقول برتراند راسل.

لم يكن في فرنسا بسبب قوة الملكية المطلقة مؤسسات قابلة للحياة ولا طبقة نبلاء وبرلمان تستطيع مواجهة الملك الذي أخذ في تقوية البورجوازية الصاعدة لمواجهة الإقطاع، لكن الذي جرى مع الوقت أن هذه البورجوازية بدأت تتسم بسمات الإقطاع وهذه ممارسة ميزت فرنسا.

بالمقابل، فشلت الطبقة الأرستقراطية في الاندماج بالرأسمالية الوليدة والتحول إلى التجارة الزراعية، واستعاضت عن هذا العجز بخلق ترتيبات إقطاعية لاستخراج الفائض الاقتصادي من الفلاحين والقضاء على ما تبقى من امتيازاتهم، الأمر الذي حال دون التوصل إلى حل يرضي الفلاحين ويجنب البلاد العنف كما حدث في إنكلترا.

لقد خاضت الديموقراطية الفرنسية صراعاً عنيفاً مع دولة ذات صلة وثيقة بقوى تحاول الحفاظ على النسق الاجتماعي وإعادة إنتاجه وعلى رأسها الكنيسة التي لم تشهد أي حركة إصلاح، وهذا ما يفسر سبب الحركة العنيفة المناهضة للدين والكهنوت وتفوق المعارك السياسية والأيديولوجية على الإصلاحات المجتمعية، وهي السمة التي طبعت الديموقراطية الفرنسية إلى الآن.

هذا الوضع الراديكالي انعكس على مستوى البنية الفوقية، فالفلاسفة الفرنسيون الذين كانوا غير فاعلين في الحياة السياسية بسبب الاستبداد الملكي، طوروا أيديولوجيات مثالية مفارقة للواقع باسم العقل والحقوق والطبيعة والحرية والمساواة ... إلخ، وهذه الأيديولوجيات طبعت التنوير الفرنسي بطابعها: فولتير يدعو إلى إعلان الحرب على الكنيسة، وديدرو يدعو إلى قتل الملك، وباسم هذه الأيديولوجيات وغيرها ستكشف الثورة عن أنيابها وتنجب عهد الرعب الفرنسي أثناء الثورة مع روبسبيير واليعاقبة.

ومثلما كان الخلاف في مسار التجربتين الإنكليزية والفرنسية يعود إلى الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي سبق الثورة وخلاله، كذلك الأمر في تونس وسورية، المثالين المتناقضين عربياً.

بدأت تونس في مرحلة ما بعد الاستقلال بتشكيل أسس الدولة الحديثة تحت نظام حكم شمولي مع الحبيب بورقيبة، لكنه استطاع تأسيس دولة ومؤسسات قوية أدت إلى تشكل طبقة وسطى ذات أهداف تنويرية، وطبقة علمية عالية لها مصلحة في التغيير الديموقراطي، ومجتمع مدني فاعل مقارنة بالمحيط العربي.

هذا التحديث أدى إلى فصل مؤسّسات المجتمع الأهلي عن مؤسسات الدولة، الأمر الذي سمح بالفصل بين الدولة ونظام الحكم، وكان من نتيجته أثناء الثورة وقوف الجيش مع الدولة وليس مع النظام. وكما ساهم هذا التحديث في منح المجتمع المدني دوراً فاعلاً أثناء الثورة وفي لعب دور رئيس في توحيد النشاط الاحتجاجي وتوجيهه في ظل مجتمع متجانس، وهذه أيضاً خصوصية تونسية ومصرية في العالم العربي. كذلك كان لتونس تاريخ من النضال الاجتماعي لم تعرفه معظم البلدان العربية.

أما في سورية فلم تتشكل دولة مركزية حديثة في مرحلة ما بعد الاستقلال، على رغم بدء تشكل إرهاصات هوية وطنية جامعة أطلت بنفسها فوق الانتماءات الصغيرة أثناء محاربة المستعمر الفرنسي، بيد أن هذه الهوية الجامعة سرعان ما تم القضاء عليها نتيجة فشل الأيديولوجية القومية في القضاء على الهويات الفرعية أولاً، وإبطائها البناء الوطني ثانياً، وبسبب طبيعة نظام البعث الذي استخدم الانتماءات الطائفية والجهوية لمصلحته، وأسس لنظام شمولي قضى على أي حراك سياسي من شأنه أن يبلور هوية وطنية على أسس حديثة ثالثاً.

ترافق بناء الدولة السورية في مرحلة البعث مع بناء النظام لنفسه، وما أن انتهت أحداث الثمانينات حتى بدأت مؤسسات الدولة تتراجع لمصلحة النظام ومؤسساته، وكانت فورة المؤسسات الأمنية على حساب المؤسسات الأخرى أوضح تعبير عن ذلك. وبفعل وجود أيديولوجية قومية اخترقت المجتمع، اكتسبت القومية طابعاً مؤسساتياً ضمن البنية الشمولية لدولة شبه لينينيّة أعطت الرئيس حرية كبيرة في تعديل الاجتهادات بما يناسب مصلحته.

استطاع نظام البعث توحيد نفسه بالدولة، فأصبح هو الدولة والدولة هي البعث. لقد تماهى الحزب بالسلطة، والسلطة بالدولة التي اخترقت المجتمع وأذابته كلياً، وحالت دون نشوء مجتمع مدني وأحزاب سياسية لها مصلحة في بناء نظام ديموقراطي، وهو السبب الذي أدى إلى خروج قيادة الشارع أثناء الثورة من الذين تغلبت عليهم صفة الحداثة.

ثم كان لغياب التجانس الهوياتي في المجتمع السوري دور رئيسي في عدم تحول الحركة الاحتجاجية إلى مطلب وطني لدى كل الطوائف، وهذه خصوصية تفردت بها سورية بين بلدان الربيع العربي.

* إعلامي وكاتب سوري

============================

ما بعد انتخاب قيادة الائتلاف .. فايز سارة

الشرق الاوسط - الثلاثاء 6-1-2015

من المقرر أن تعلن نتائج العملية الانتخابية في الائتلاف الوطني السوري في ختام أعمال هيئته العامة الأخيرة، وهو تقليد درج عليه الائتلاف كل 6 أشهر منذ تأسيسه قبل أكثر من عامين بقليل. وبغض النظر عن الفريق الذي سيفوز في الانتخابات بسبب التجاذبات القائمة في الائتلاف بين اتجاهين متوافقين في بعض النقاط ومختلفين في نقاط أخرى، فإن أمام القيادة الجديدة للائتلاف مهمات، تكاد تكون متماثلة من حيث المبدأ، وإن اختلفت تفاصيلها، وتنوعت سبل الوصول إليها.

أولى المهمات أمام القيادة الجديدة في الائتلاف، هي عملية تعزيز وحدته الداخلية، عبر سلسلة من الإصلاحات، التي تتضمن إجراءات سياسية أساسها الانفتاح السياسي الداخلي، وتوسيع حيز الحوار بين التشكيلات المكونة للائتلاف سواء في مستوى الكتل والجماعات السياسية أو على مستوى الشخصيات المستقلة في الائتلاف، وتعزيز فكرة المشاركة بعيدا عن الإقصاء والتهميش، ووفقا لبرنامج عمل، يعلن الجميع موافقتهم عليه، وهي خطوة يترافق معها وضع أساسي لإحداث تبدلات تنظيمية وإدارية داخل الائتلاف، وذلك من خلال إقرار نظام أساسي جديد ونظام مالي، وآخر إداري، ومن شأن هذه الخطوة إعادة ترتيب الأوضاع والعلاقات الداخلية في صيغ محددة وواضحة، تضع أساسا لتطوير الائتلاف وعمل مؤسساته وأجهزته، وتمنع حصول أي تجاوزات فيه، وتضع آليات للمحاسبة في حالة التجاوزات، كما سيكون أمام القيادة الجديدة مهمة ثالثة في المستوى الداخلي أساسها خلق روح جديدة في عمل وأداء الائتلاف في المستقبل، روح تنقل عمل الائتلاف من الروحية الفردية والاعتباطية، التي سادت في الفترات السابقة، إلى روح العمل الجماعي المؤسسي والمنظم الذي صار حاجة لا بد من العمل على أساسها حاليا وفي المستقبل.

والمهمة الثانية لقيادة الائتلاف الجديدة، هي العمل على إطلاق برنامج يرسم السياسات المطلوبة سواء في المستوى المرحلي أو في المستوى الاستراتيجي خدمة لهدف التغيير العميق في سوريا، والذي يعتبر تغيير نظام الأسد وإقامة نظام ديمقراطي تعددي، وحشد أوسع قوى المعارضة السياسية والشعبية من أبرز محطاته وأهمها، نظرا لما تمثله طبيعة النظام في سوريا من أثر على حياة السوريين ومستقبلهم ووحدة السوريين وتكاتفهم من أجل ذلك.

ويبدو من حيث المبدأ، أن برنامج النقاط الثماني الذي أقرته كتل الائتلاف الرئيسية في بداية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أساس صالح للبرنامج المرحلي لأنه يحتوي على أسس إصلاحية، تتعلق بأمرين مهمين؛ أولهما البنى والعلاقات الداخلية، والثاني علاقة الائتلاف بالمؤسسات التابعة له، وهي الحكومة السورية المؤقتة ووحدة تنسيق الدعم والمجلس العسكري الأعلى، ويمكن إضافة بعض النقاط لهذا البرنامج لاستكماله فيما يتعلق بالجوانب السياسية، وأبرزها وضع أسس للتعامل مع المبادرات والجهود السياسية الإقليمية والدولية حول القضية السورية، وتعزيز فرص التواصل والحوار مع قوى المعارضة ومنظمات المجتمع المدني والأهلي من أجل الوصول إلى تفاهمات مشتركة، وصيغ للعمل المشترك.

ومما لا شك فيه، أنه ينبغي الاستفادة من روح ونهج برنامج النقاط الثماني في الذهاب نحو صياغة برنامج سياسي عام للائتلاف، يكون بديلا لشعارات اعتبرت بمثابة برنامج في فترات سابقة، وتم الاشتغال عليها بطريقة عشوائية، لم يتم إخضاعها للتدقيق والتقييم الموضوعي بعيدا عن الحسابات السياسية الشخصية والحزبوية أو التكتلية، التي سادت حتى الآن.

وثمة مهمة أساسية ثالثة، لا بد أن تكون بين مهمات القيادة الجديدة للائتلاف، وهي تكوين فريق من مستويين؛ أولهما فريق عمل داخلي، يشكل إطارا لعمل المؤسسة القيادية من حيث التفكير والتخطيط والتنفيذ، يدفعها نحو التأثير العميق في محيطها العملي في المستويين الداخلي والخارجي، والثاني فريق عمل استشاري، يفتح آفاقا لعمل الائتلاف وعلاقاته الخارجية من حيث الأفكار والمبادرات، والخيارات.

وإذا كان ينبغي أن يتشكل الفريق الأول من قيادات الائتلاف الحالية والسابقة، فإن الفريق الثاني يمكن أن يتشكل من بعض قيادات الائتلاف ومن شخصيات في قوى المعارضة الأخرى ومن شخصيات سورية قريبة من المعارضة ومعنية بمصلحة سوريا والسوريين، مما يعطي الفريق الثاني قدرة على الانفتاح على مختلف القضايا والموضوعات المطروحة في المستويين الراهن والمستقبلي.

قيادة الائتلاف الجديدة، ينبغي أن تكون جديدة ليس في أسمائها، بل في عقلها وروحها وفي توجهاتها وفي قدراتها العملية، وقد كان الأمر مطروحا على هذا النحو قبيل الانتخابات رغم التباينات الحاصلة بين اتجاهي الائتلاف، ذلك أن هناك إحساسا عميقا لدى الجميع بالخطر المحيط بثورة السوريين بالكارثة التي وصل إليها الوضع السوري نتيجة تفاعلات الوضع الداخلي مع استمرار النظام وممارساته وتمدد جماعات التطرف والإرهاب وممارساتها، التي تشكل وجها آخر لنظام الأسد من جهة، ووسط استمرار التردي في الموقف الدولي من القصية السورية.

لقد آن الأوان لحدوث تبدل نوعي في قيادة الائتلاف من حيث تفكيرها وممارساتها وطريقة تعاملها مع القضية، وإذا لم يحدث ذلك فإن الائتلاف إلى نهاية محتومة قد لا يطول وقت حلولها.

===================

اضطراب قوات النظام السوري مقدمة لإنهياره .. العميد الركن أحمد رحال

القدس العربي - الثلاثاء 6-1-2015

تحرر وادي الضيف ولحق به على وجه السرعة معسكر الحامدية وقبضات المعارضة تطبق الحصار ( الآن) على مطار أبو الضهور في ريف ادلب. برقيات الاستغاثة التي يطلقها ضباط (النظام) من داخل أسوار المطار يعود صداها ودون استجابة فقد فرغ ريف الساحل من شبابه وكذلك معظم مناطق سيطرة النظام، ولم تعد تلك الخزانات البشرية قادرة على الزج بدماء جديدة تبقي سلطات النظام قادرة على البقاء. أبناء الطبقة الأولى من أصحاب الحظوة ورؤوس الأموال والمناصب العالية في هرم النظام أصبحوا خارج البلاد بعد حصولهم على إيفادات أو بعثات أو مهمات خارجية، وببطاقات سفر (ذهاب فقط). أما أبناء أصحاب الطبقة الثانية وللتهرب من التجنيد أو دعوات الاحتياط في جيش النظام فقد اعتمدوا على الرشاوى أو التخفي للفرار من المحرقة التي وضعهم فيها النظام أو استطاعوا الهرب عبر زوارق بحرية خاصة أو عبر رحلات سفن الركاب التي تنطلق من مرفأي اللاذقية وطرطوس باتجاه مدينة مرسين التركية ومنها لأوروبا. أما من لا يسعفهم الحظ ويقعون في براثن النظام فيساقون إلى معسكرات الجيش ويزج بهم في المعارك ولكن سرعان ما يعودون إلى ذويهم محملين بتوابيت الموت. على امتداد الجغرافية السورية عانت قوات النظام من شبه انهيار عسكري فتقدم المعارضة في الجبهة الجنوبية وتحرير معظم القطعات العسكرية ومستودعات الأسلحة والذخيرة أصاب النظام بمقتل ولم يفلح وزير دفاع النظام (فهد فريج الجاسم) بوقف انهيار قواته هناك ولم تفلح أيضاً حركة الإعدامات التي طالت بعض الضباط والجنود ب (تهمة التخاذل)، وقبل عودة (الوزير) حمل معه خبر سيطرة المعارضة على بلدة الشيخ مسكين ومساكن الضباط فيها.

الضربة القاسية الأخرى التي تلقاها النظام كانت بإنهاء تواجد قواته في ريف إدلب الجنوبي بعد تحرير المعارضة لمعسكر الحامدية وكافة الحواجز المحيطة بوادي الضيف أو (وادي الذئاب) كما يطلق عليه محلياً، سيطرة المعارضة على تلك المنطقة أخلت بالمخططات العسكرية للنظام التي كانت تهدف إلى تقطيع أوصال المساحات المحررة عبر بؤر عسكرية تمنع تواصل جبهات المعارضة أيضاً في الشمال الشرقي لسوريا وما حول مطار دير الزور فوضع قوات النظام ليس بأفضل مما تعانيه في الجنوب وتخوض مع مقاتلي تنظيم الدولة معركة حياة أو موت وهي تدرك أن خسارة مطار دير الزور تعني الخروج نهائياً من كامل المنطقة الشرقية. وفي جبهة حلب فقوات النظام وحلفائه أخفقوا بمعركتهم الهادفة لتطويق حلب وباءت محاولاتهم بفشل ذريع اضطرهم للانكفاء للخلف مع تدعيم دفاعات بلدتي نبل والزهراء (الشيعيتين) خوفاً من سقوطها بيد المعارضة. هذا الواقع المأساوي الذي وصلت إليه قوات النظام وضعت الحليف الإيراني والروسي في حيرة من أمره، ووجدنا رئيس مجلس الشورى (البرلمان) الإيراني علي لاريجاني يطير على وجه السرعة إلى دمشق لاستقصاء الموقف هناك ومن ثم يغادر إلى بيروت لحض جماعة الضاحية الجنوبية على الزج بقوات إضافية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي عاد من تركيا بعد اجتماع مطول دام حوالي أربع ساعات ونصف مع صاحب الضيافة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قدم شرحاً كافياً ووافياً عن حقيقة ما يجري في سوريا دفعت ببوتين إلى عزل سفيره في دمشق عظمات محمدوف وتعيين ألكسندر كينشاك بديلاً عنه تعبيراً عن غضبه من القراءة المغلوطة التي وٌضع قصر الكرملين فيها. التردي بأداء قوات الأسد أمام ضربات الثوار واندحاره في معظم المواجهات التي يخوضها مع قوات المعارضة يفسر عسكرياً بأحد خيارين: إما توقف الدعم عن نظام الأسد ووصول حلفائه لمرحلة اليأس من فائدة تقديم أي جرعات إضافية، أو أن شرايين النظام قد تقطعت ولم تعد تستفيد أو تمتلك القدرة على احتواء أي ضخ عسكري وبالتالي وصول الأسد لمرحلة الموت السريري كما وصفه سياسي لبناني مؤخرا. هذا الانهيار العسكري وهذا الانفلات بالسيطرة الذي تعاني منه قوات النظام نجم عن أخطاء وقعت بها منظومة القيادة التي يسيطر عليها قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني ومنها: تهميش دور معظم قادة قوات النظام وتنوع مراكز السيطرة وغرف القيادة والتخبط في القرارات المتخذة إضافة إلى النقص بالطاقات البشرية. ولتدارك هذا الوضع العسكري المتردي فقد أُنشأت وعلى عجل وكخطوات إسعافية العديد من الفصائل التي زج بها إلى جانب جيش النظام. فمن قوات الدفاع الوطني إلى وحدات الحماية الشعبية إلى المجموعات المناطقية والمحلية إضافة إلى الفصائل الحليفة القادمة من خارج الحدود كقوات الباسيج والحرس الثوري الإيراني وعناصر حزب الله اللبناني والكتائب الشيعية العراقية ( أبو الفضل عباس، عصائب أهل الحق وغيرها) إضافة إلى مرتزقة الهند وأفغانستان، هذا الخليط غير المنسجم والذي أعطي وتحت ضغط الحاجة إلى خدماته الكثير من الاستقلالية بالعمل والتقاسم بجغرافية السيطرة والتغاضي عن تجاوزاته مما أوجد محميات أمنية وجزر تشبيحية ودخلوا في تنازع صلاحيات بين تلك الفصائل وصلت لمرحلة الاشتباكات كما حصل في الفترة الأخيرة في مدينة يبرود عندما اندلعت اشتباكات قوية بين حزب الله وقوات الدفاع الوطني بعد اختطاف قائدهم من قبل عناصر حزب الله، وتلك حادثة من حوادث كثر نجمت عن خلافات في تقاسم المنافع أو السيطرة على مناطق النفوذ.

الروس والإيرانيون يبدو أنهم وصلوا لقناعة مفادها أن مرحلة بشار الأسد قد انتهت وتستحيل معها قدراتهم على إخراجه سليماً من غرفة الإنعاش والموت السريري الذي وصل إليه لكن روسيا تحاول الاستفادة من وجوده وفي اللحظات الأخيرة لاستثماره ك (خيال المآتة) عبر الضخ بمبادرات حلول تدخلها في (بازار) سياسي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

===================

أيها الذاهبون إلى جليد موسكو .. د. يحيى العريضي

القدس العربي - الثلاثاء 6-1-2015

أيها الذاهبون إلى جليد موسكو؛ سأفترض أنكم تمتلكون قدرات سياسية كبيرة، وأنكم خبراء بالجيوبوليتيك. ومن خلال معرفتكم المعمقة بالعلاقات الدولية، خاصة مبدأ القوة الذي يسود هذا العالم، تحفظون عن ظهر قلب أن منطق القوة يتحكّم بقوة المنطق والحق.

وسأفترض أنكم كبشر وصلتم إلى مرحلة اقتناع وانسحاق بأن العين السورية البائسة المحاصرة الجائعة المحروقة المشردة المُهانة، غير قادرة على مقابلة المخرز المجرم المدعّم من قوى عالمية غاشمة؛ وإن هذا العالم الأهوج الأحول الأشوه تخلى عن المسألة السورية؛ ولابد لكم من التمسّك حتى بأحبال الهواء لكي «تنقذوا شعب سوريا أو ما تبقى من سوريا»، وسأفترض أكثر من ذلك أنكم تعتقدون أن خطوة سياسية كهذه، ستضع ليس فقط النظام في زاوية حرجة، بل أولئك الداعمين له، وعلى رأسهم روسيا.

لا أدري إن كان بعضكم على بينة من أن روسيا ذاتها التي ترسل إليكم ما يشبه «مذكرات جلب» – ومع الأرهاصات الأولى للحرب العالمية الثانية- كانت في حالة غزل وحوار مع ألمانيا هتلر النازية، للتوصل إلى تسويات سلمية، وهكذا فعلت بعض الدول الأوروبية حينها. لقد كان ذلك قبل أن يدركوا جميعاً أن لا حوار ولا مفاوضات مع مخلوق قرر إلغاء الآخر (هتلر). يبدو أنكم نسيتم أو تتناسون أن نظام الإجرام في دمشق مبني على النهج ذاته؛ الذي تمثل بشعاره «الأسد أو نحرق البلد».

لابد نسيتم أيضاً أن روسيا ذاتها غير مصدقة أنه يمكن لأحد أن يقبل بها راعياً لأي مناقشة أو حوار، مع عصابة تعتبر مصيرها قضيتها ذاتها، والأحرى بمن يقبل الدعوة أن يكون جدول أعماله بندا واحدا يتمثل بإنهاء الاحتلال الروسي لسورية. عصابة دمشق خصم رخيص، خصمكم الأساسي صاحب الدعوة.

صاحب الدعوة هذا هو الذي ضمن إعلان النظام عن تسليم أسلحة سورية الكيماوية خلال خمس دقائق. إنه السلاح الذي دفع السوريون ثمنه دمهم ودموعهم. فعلها صاحب الدعوة بالتنسيق مع آلهته في إسرائيل والمافيا العالمية ثمن استمرار عصابة دمشق بزهق أرواح السوريين وسفك دمائهم. صاحب الدعوة هذا أجهض وقف قتل السوريين مرات باستخدامه الفيتو في مجلس الأمن.

صاحب الدعوة هذا هو الذي أجهض مؤتمر جنيف وحصر توجهه؛ في محاربة الإرهاب. ذلك الأصرارعلى مسألة «محاربة الإرهاب « ليس نتاج عبقرية النظام. إنها النجاسة الروسية – الإيرانية التي برمجت عصابة دمشق منذ بداية انتفاضة سورية ودفعتها باتجاه توصيف صرخات حرية سورية ارهاباً.

صاحب الدعوة بالتعاون مع ملالي إيران هم من برمج انتخاب رئاسة عصابة دمشق.

هؤلاء مسؤولون عن كل دقيقة إضافية في عمر عصابة دمشق التي تأتي على أعمار السوريين. أنتم لابد تعلمون أن كل طلقة أو قذيفة أو صاروخ تذبح السوريين، مصدرها ترسانة من يدعوكم إلى موسكو. وكل رسالة « انتصار» يعلنها النظام على السوريين من إخراج موسكوفي – إيراني. وكل ورطة سقط فيها النظام كان المنقذ له عصابة بوتين. وكل.. وكل..

ألم تسألوا أنفسكم لماذا يدعوكم الروس وبشخوصكم، لتمهدوا، ثم تتشاوروا، ثم ربما تتحاوروا؟ ومع من ستتحاورون؟ حتماً، مع من لا إرادة ولا قدرة له على التنفس إلا بإذن جلاّديه في دمشق؟

لا أريد، لا سمح الله، أن أستخف بقدراتكم المعرفية حول بحث روسيا لنفسها عن دور في هذه الأوقات الصعبة عليها؛ وحول وجود فراغ في المسألة السورية الآن، وحول الأزمة التي تجد روسيا نفسها بها الآن، أو أي دافع ذاتي لروسيا وراء حركة من هذا النوع بعد أن ركلتها أمريكا بقصدية الى زاوية اللعب بسقط المتاع…. كل ذلك من منسياتكم.

هل تعتقدون أن روسيا تجهل تبعثر المعارضة السورية وتشتتها وضعفها؟ وهل إذا زادتها بعثرة وتناقضاً وخلافاً يكون إنجازها قليلا؟ ولكن هل تعتقدون أن روسيا لا تدرك بالمطلق أن مجرد ولوجكم في مسألة كهذه يضع بيدها ذخيرة سياسية مهمة تذهب بها إلى مجلس الأمن وتنسف ما جاء في القرار الدولي الذي ينص على، حكومة سورية ذات صلاحيات واسعة. مهما كانت درجة تبعثر وتشتت المعارضة، ومهما تعثر ذلك القرار الدولي، إلا أن حصول روسيا على صك بالنسف الكلي لجنيف 1 يبقى الأداة الأهم رسمياً في إنقاذ عصابة دمشق من استحقاق دولي لا مهرب منه.

تحت يافطة حق أُريد به باطل تتحركون؛ إنها يافطة وقف المأساة السورية، أي سوري شريف لا يريد ذلك؟ ولكن ما تفعلونه يفاقمها، لا يوقفها، مؤدى ما تفعلونه هو صك إعادة تأهيل واستمرار لنظام القتل.. والنظام لا يستطيع الاستمرار، إلا باستمرار شلال الدم والقتل والدمار. عندما يقول صاحب الدعوة وعصابته التي يحميها، إن المسألة مسألة تشاور، وليست هناك شروط مسبقة؛ فهذا يعني ان أي أمر يهم السوريين جائعين معتقلين مدمرين مقتولين مهانين مشردين سيُعتَبر شرطاً؛ والشروط ممنوعة؛ فماذا تريدون فعله في التشاور؟! الاطمئنان على صحة وليد المعلم؟!

لم تبق جهة تطل على آلام السوري ودمار بلده إلا وزرعت في الرؤوس الخفيفة وغير النظيفة، ليس هناك قرار بإزاحة نظام الأسد؛ لأن البلد سيدخل في فوضى عارمة؛ والجهات الارهابية ستنتشر وتقوى، ربما هذا هو البعبع الذي تحمله هذه البروباغندا؛ وهي التي تسرّع خطاكم باتجاه موسكو.

كم أنتم واهمون! ليست هناك قوة في الدنيا تستطيع أن تبقي العصابة حاكمة لسورية أو لجزء منها. ولم يبق مسعى أو دعاية أو تكتيك أو استراتيجية إعادة تأهيل إلا واستُخدمت؛ على الأقل لاعطاء مزيد من الوقت للعصابة؛ علّ إعادة تأهيلها تكون ممكنة. ومن هنا بالمناسبة تم اللجوء حتى (لشخوصكم الكريمة) علّه يفيد في إعادة تأهيل عصابة الإجرام.

كم هم يائسون أولئك الذين يحاولون جاهدين إعادة تأهيل هذه العصابة المجرمة. المسألة ليست ضرورة رمي العصابة إلى محكمة الجنايات؛ المحافل الإجرامية الأعلى كفيلة بتعطيلها؛ ولا المسألة مسألة حرج اخلاقي أو خشية من وصمة عار عالمية تلحق بالكبار تدعي المسؤولية عن حقوق الإنسان والسلم العالمي؛ إنها حالة الفوضى القادمة، وتحوّل العالم إلى غابات من الوحوش. فما يحدث في سورية قابل أن يحدث في أي دولة، وسيصبح النموذج المطبق، إن لم يتم ايقافه وردعه وبسرعة. سيصبح ما يسكتون عليه» نهج العالم».

ربما تسألون: ما العمل؟ ولكنني لن أسارع الى إطلاق الوصفة الجاهزة المكررة، دعوة إلى مؤتمر وطني يرتب أموره سياسيا وعسكريا، مهمته الأساسية الأولى اسقاط الطاغية رغما عن حماته، تتبعه جمعية تأسيسية تنتج دستورا جديدا للبلاد، تتبعه انتخابات برلمانية فرئاسية، رغم ان هذا ليس كلاما في الاحلام؛ ويراه كثيرون مخرجاً؛ الا انني أقول: ليتوفر من يطلق هذه الدعوة، وليقرر السوريون ما يريدون. لا تحملوا وزر ما تُدفعون إليه. إنها شهادة زور مضحكة مبكية. مضحكة لأن عصابة موسكو التي ستتلقفها لن تفيد منها، ولن تكون حبل نجاة لعصابة دمشق. ومبكية لأنها تؤذي بدون سبب من تغتصبون الكلام باسمهم، وحتما ستكون مبكية أكثر لكم لأنكم ربما ستسقطون كثيرا.

ما تعودت أن أكون قاسياً أو جارحاً بكلامي؛ ولكنني كتبت من باب الحرص، لأنني أعرف أن بين الأسماء المطروحة أناسا أحترمهم بعمق، وأعرف جوهرهم الخيّر؛ وأراهن بانهم لن يفعلوها.

٭ إعلامي وأكاديمي سوري

===================

رجالات سورية - الحلقة الخامسة : الأديب والشاعر شفيق مؤيد العظم .. محمد فاروق الإمام

ذات نهار عربي من عام 1916 كان كوكبة من عشاق الحرية العرب يتأهبون لملاقاة الموت أمام المشانق التي نصبها جمال باشا السّفاح في دمشق وبيروت بعد محاكمة صورية في سجن عالية بلبنان، وبين هذه الكوكبة كان شفيق بك العظمأحد رجال الدولة في سوريا ابن المرحوم أحمد مؤيد باشا العظم شهيد السفاح جمال باشا، ولد بدمشق سنة 1861 وتلقى دراسته في مدرسة عنطورا بلبنان أتقن من اللغات الفرنسية والتركية وألم بالإنكليزية، وكان أديبا وشاعرا باللغة العربية، له قلم سيال يستهوي القلوب والعقول معاً، ولسان فصيح يخلب السامعين، ومن حدة ذكائه أنه تعلم التركية وبرع فيها كأحد أبنائها في مدة قصيرة بعد أن تجاوز الثلاثين من عمره. كان شفيق العظم شاعراً وأديبا ًوكاتباً مجيداً وموهوباً وكان مثقفاً ثقافة عميقة، ويعد مرجعاً كبيراً في علم الاقتصاد والمال، ولطالما اعتمدت عليه الدولة في قضايا اقتصادية مهمة.

عين في شبابه بوظائف مختلفة منها مديرية الدفتر الخانقاني بدمشق ومصلحة الجمارك في بيروت وكان في الخامسة والعشرين من عمره آنذاك. ولما سافر والده المرحوم أحمد مؤيد باشا إلى اسطنبول والتقى السلطان عبد الحميد الثانيأصدر جلالته ارادته بتعيينه مترجما في المابين فعين براتب أربعين ليرة عثمانية ذهبا، وفي سنة 1896 عهد إليه بمفوضية الديون العامة في اسطنبول براتب قدره 120 ليرة عثمانية ذهبية. فبقي فيها إلى سنة 1901 وقد حدث ان عمدت الدولة إلى تمديد الخط الحديدي من رياق إلى حلب واقتضى لها أن تقدم اعتمادا لإدارة الديون العامة كي تكفل (الضمانة الكيلو مترية) للخط وعزمت على إحالة جباية أعشار ولايتي سوريا وحلب إلى الإدارة المشار إليها لهذا السبب ثم عقد مجلس من رجال الدولة لإنجاز هذا العمل فدعا المجلس شفيق بك مفوض الديون العامة واستشاره في الموضوع، فرفض الشهيد الموافقة على هذا المشروع غير أن السلطان أقره فيما بعد فاضطر شفيق بك إلى الاستقالة من مفوضية الديون العامة، فما كان من هذه الإدارة التي كان الشهيد معارضا لها إلا أن قدرت له هذه الشهامة فعينته مفوضا عنها في إدارة حصر الدخان براتب 200 ليرة عثمانية ذهبية لأن أمور الحصر كانت في جملة الرسوم الستة التي تؤلف موارد الديون العامة المودوعة إليها من قبل الدولة لتسديد مطالبها وقد ابت على المرحوم وطنيته أن يوافق على احالة أعشار الولايتين إلى إدارة الديون العامة باعتبار أن هذا العمل كان مخلا باعتبار الدولة وقد تخلى عن الوظيفة لهذا السبب. بقيالشهيد المرحوم مفوضا لإدارة الديون العامة لدى شركة حصر الدخان حتى إعلان الدستور في سنة 1908.

لما أعلن الدستور لم يرشح نفسه للنيابة فما كان من أبناء المؤيد في دمشق إلا أن رشحوه ونال من الأصوات ما أهله لأن يكون نائبا عن دمشق في المجلس النيابي العثماني، وكان راتب النائب 20 ليرة عثمانية فقبل النيابة، واستقال من مفوضية حصر الدخان باختياره لأن القانون لا يجيز اجتماع النيابة مع أي وظيفة ثانية ولأن استقالته من مفوضية الحصر كان موقوفا على موافقة مجلس الديون العامة المؤلف من ممثلي الدول الأجنبية الدائنة ولا سلطة لأحد علي هذا المجلس أجاب المرحوم حينئذ (بماذا أعتذر للذين رشحوني ومنحوني ثقتهم واعتمادهم ؟).

كان شفيق بك من أعاظم من أنجبته البلاد السورية وقد تناولت اسمه دون علم منه مراسلات ومذكرات سفراء فرنسا وانكلترا وقناصلها في مصر وسوريا مع وزارات الخارجية المنسوبة لهاتين الدولتين بسبب مكانته السامية التي أدت إلى ترشيحه من قبل الأحزاب السياسية والجمعية اللامركزية القائمة أثناء الحرب العالمية الأولى لتولي رئاسة الحكومة في سوريا إذا أعلن استقلالها كما دعي لتولي رئاسة المؤتمر الذي عقده زعماء ووجوه البلاد السورية في باريس فاشترط لقبول رئاسة المؤتمر أن يعقد المؤتمر في اسطنبول بدلا من باريس وقد أجاب المعترضين على ذلك بقوله (فليفعل بنا الأتراك ما شاؤوا وأرادوا من سجن ونفي وتغريب فنحن وأياهم أبناء دولة واحدة ولابد لهم من أن يتراجعوا وأن يتفاهموا معنا في آخر الأمر وخير لنا أن نغسل ثيابنا فيما بيننا وأن لا ننشرها أمام الغرباء والأجانب). ولكنهم لم يقبلوا ذلك منه وعقد المؤتمر الذي باء بالفشل في باريس برئاسة الأستاذ المرحوم عبد الحميد الزهراوي.

إن الاتحاديين ما كان ليخفى عليهم صدق واخلاص المرحوم شفيق بك وفقا لما كانت تنطوي عليه طبيعة أجداده من إخلاص وتفاني في سبيل الدولة منذ القديم ولكن لهؤلاء الأشقياء من دواعي الانتقام ما جعله يتخذون من شهرته وتداول اسمه في المخابرات كما ورد آنفا دون علمه وسيل اتهموه فيها بالاشتراك بالجمعيات والأحزاب التي رشحته وبالاتصال بالقناصل والسفراء وأن ينتهزوا الفرصة للإيقاع به، أما الأسباب التي دعت الاتحاديين للنقمة عليه فهي متعددة أهمها :

1-استياؤهم منه لقيامه بتأسيس جمعية الإخاء العربي بعد إعلان الدستور كحزب يعمل على خدمة مصالح البلاد العربية ضمن كيان الدولة كما هي الحال في جميع المجالس النيابية لدى الأمم المتمدنة الراقية ولكنهم فسروها على عكس ذلك.

2-صفعه واهانته لطلعت باشا في مجلس النواب العثماني.

3-زواجه – بعد وفاة زوجته الأولى - من نعمت خانم أرملة المشير المرحوم جواد باشا الصدر الأعظم التي لم يبق من وزراء الاتراك وعظمائهم من لم يخطبها لنفسه فرفضتهم جميعا واقترنت بشفيق بك ولكنها توفيت بعد سنة أثناء ولادتها فادعى أخو المشير جواد باشا أن الطفل ولد ميتا ولكن ثبت بشهادة كبار الأطباء أمثال بسيم عمر باشا وقنبور أوغلي وغيرهم الذين اعتنوا بتوليدها أنه ولد حيا وعاش بضعة أيام بعد ولادته فارتدوا فاشلين.

في هذه الفترة ساهم شفيق العظم في تأسيس عدد من الأحزاب والجمعيات منها: حزب الإخاء العربي العثماني، وهو حزب عربي التكوين والهدف، وكان عضواً بارزاً في تأسيس الحزب الحر المعتدل، ثم حزب الحرية والائتلاف وهما الحزبان النيابيان اللذان دافعا عن الدستور أحسن الدفاع. ولما أحلت الحكومة الاتحادية المجلس الأول بعد الدستور، رشح شفيق نفسه مرة ثانية للنيابة فأخفق كما أخفق زميلاه (شكري العسلي وعبد الحميد الزهراوي) بسبب تزوير الانتخابات، من أجل حرمان الشعب العربي من نواب أقوياء يدافعون عن حقوقه المهضومة.

على الرغم من المؤامرات والدسائس التي كانت تحاك له في السر والعلانية، وحرمانه الكثير من حقوقه، إلا أنه كان كثير الاهتمام بحالة الدولة، كثير التفكر في مستقبلها، ومع ذلك فإن إخلاصه لم ينجه من انتقام السفاحين بسبب خلافاته مع طلعت باشا حول القروض التي اقترضتها الحكومة الاتحادية باسم الدولة، ولم تنتفع منها الدولة بشيء. مما أثار أحقاد الاتحاديين عليه، حتى جاء اليوم الذي صفت فيها جماعة الاتحاد والترقي حسابها مع خصومها ومنهم شفيق فسجن في عالية في لبنان، وكان قرار اتهامه بأنه مؤسساً لجمعية الإخاء العربي، وأنه كان على اتصال وتبادل مذكرات مع السفير الفرنسي في اسطنبول ومأموري فرنسا السياسيين في مصر وسوريا لأجل إمارة سوريا واستقلال العرب، ودعوة القوى العسكرية الفرنسية إلى المملكة، ثم أسس الرابطة اللامركزية، وثبت أنه بعد العفو العام اشتغل بهذه المسائل واتفق مع زعماء سورية على انسلاخ سورية من جسم الدولة.

وفي السجن طال شعره كثيراً بعد أن مكث فيه أربعة أشهر من غير حلاقة، فتدلى شعره حتى بلغ قمة كتفيه وامتدت لحيته البيضاء الناصعة حتى بلغت أسفل صدره، فأراد جمال باشا السفاح ليلة الغدر به أن يخفف من هيبته على المشنقة فبعث إليه حلاقاً من عنده، فلما دخل عليه ورأى تلك الهيبة المجسمة وذاك الوقار الساكن، أخذته الرعشة وكاد يغمى عليه، فالتفت إليه شفيق وقال له: (لا تخف اذهب وأخبر من أرسلك أنني أريد أن ألقى وجه ربي بهذه الشيبة التي يستحيي من عذابها).

وتقدم شفيق العظم إلى المشنقة برباطة جأش نادرة المثال، فألقى خطبة بليغة موجزة، بين فيها الغاية الشريفة التي كان يهدف إليها رجال العرب، ثم طلب من الحاضرين قراءة الفاتحة، وكان ذلك يوم السادس من شهر أيار عام 1916 في ساحة الشهداء (المرجة) في دمشق.

===================

موقفنا : مثلث الشر اللبناني يفرض التأشيرة والإقامة على السوريين .. نكران الماضي وقطيعة الحاضر وتهديد المستقبل .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 5/1/2015

في تصريح مريب جاء تمهيدا لتنفيذ القرار اللبناني ( !!! ) بفرض تأشيرة دخول مع نظام الإقامة على السوريين في لبنان ، قال السيد نبيل قاووق نائب رئيس المجلس التنفيذي لحزب الله ، وبحسب ما نقلت عنه وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية الأحد في 4 / 1 / 2015 أي عشية تطبيق القرار السابقة الجرمية في تاريخ العلاقة الأخوية ( إن المعادلة الثلاثية اللبنانية الجيش- والمقاومة – والشعب ، هي التي حمت البلاد مما وصفه بالإمارات التكفيرية الإجرامية ) ومع أن السيد قاووق نفى أن تكون هذه العصابات التكفيرية الإجرامية ممثلة لأهل السنة ، وأنه أكد أن هذه العصابات قتلت من أهل السنة أكثر مما قتلت من الشيعة ؛ إلا أن القرار القاطع الظالم الذي استدعى إدانات غير مسبوقة من كثير من المنظمات الحقوقية الدولية العاملة حول العالم ، بما فيها المفوضية الأوربية لحقوق الإنسان ، قد صدر عمليا بحق الشريحة التي يطاردها القتل والانتهاك والخوف على أيدي عصابات بشار الأسد وعصابات حزب الله أي ما يسميه السيد قاووق ( المقاومة ) في سورية . أي أن القرار صدر ضد الشعب السوري وسواده العام بشكل خاص.

ليس غريبا أن نستمع من السيد قاووق مثل هذا التخريج للقرار القاطع الظالم ، الذي لا يقل قطيعة وظلما عن صحيفة قريش القاطعة الظالمة التي أكلتها الأرضة على حائط الكعبة . ليس غريبا أن نستمع إلى تخريج تحت عناوين مثل ( شعب وجيش ومقاومة ) ، كما يقتل بشار الأسد ويدمر تحت عنوان ( الجيش العربي السوري ) فدائما يحتاج المصادرون لإرادة الشعوب ، المستبدون بقرارها إلى مثل هذه العناوين للاختباء خلفها ، والتذرع بها .

لا يخفى على متابع أن القرار القاطع الظالم قد صدر أصلا بإرادة الولي الفقيه من طهران بل بإشارة من أصبعه ، فكل من في لبنان اليوم هو رهين إشارة من هذه الأصبع ، و أنه صدر لمصلحة مريدي الولي الفقيه في كل من دمشق وبيروت . وقد رقص على قرع طبل هذا القرار كل الدائرين في فلك ( ميشيل عون ) في محاولة تسويغ لقرار هو بمثابة الجريمة ليس بحق القانون الدولي ، والقانون الإنساني فقط ؛ بل بحق التاريخ والجغرافيا وبحق الماضي والحاضر والمستقبل . وهو جريمة أيضا ليس بحق سورية والسوريين فقط بل قبل ذلك وبعده ومن الكينونة إلى الصيرورة هو جريمة بحق لبنان واللبنانيين ...

لن ندين ولن نشجب ونستنكر بل سنترك للتاريخ القادم أن يقول كلمته في كل ما يفعله هؤلاء المجرمون ..

سؤال واحد سيظل مرتسما في الأفق : وأين كان الإمام الأوزاعي يوم اتخذ المجرمون هذا القرار في لبنان ...؟!

رحم الله الإمام الأوزاعي ...

لندن : 13 / ربيع الأول / 1436

5 / 1 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

===================

حوارات موسكو السورية أو أوسلو الجديدة .. برهان غليون

العربي الجديد - الاحد 4-1-2015

عثر الروس في ما أطلق عليه اسم المبادرة الرامية إلى جمع المعارضة السورية في موسكو، وإعدادها للحوار مع نظام الأسد، على مناسبة استثنائية، ليعيدوا تعويم أنفسهم دبلوماسياً على الساحة الدولية، ويجدوا الأرضية المشتركة للتعاون مع الغرب، لعل ذلك يكون مقدمة لإعادة إصلاح العلاقات الروسية الأميركية المتدهورة.

فالحقيقة أن الرهان الرئيسي لسلسلة الاجتماعات التي ستتولى تنظيمها روسيا، إذا نجحت الدعوة، ليس بقاء النظام ولا حتى القضية السورية بأكملها، وإنما الخروج من العزلة والطريق المسدود الذي وصلت إليه سياسة الرئيس بوتين. وبما أنهم غير قادرين على التنازل في أوكرانيا لأسباب أيديولوجية وقومية ورمزية، فقد وجدوا أن أفضل ما يمكن أن يجمعهم مع الغرب هو بيع القضية السورية. ولا أعني بذلك أن لدى الروس الرغبة في التنازل في سورية في مقابل تمسكهم بأوكرانيا، وإنما مساعدة الغرب على التغطية على رغبته في التملص من التزاماته تجاه الشعب السوري، وإراحة باله من الانتقادات التي بدأت تتفاقم لسياسة أوباما، والغرب عموماً، التي أدت إلى تراجع المعارضة الديمقراطية السورية، وحصول طفرة كبيرة لقوى التطرف والإرهاب العالمية على أراضي سورية والعراق، بسبب تردد الغرب في دعم الثورة السورية، وإجبار الأسد على التنحي، كما كان قد طالب منذ السنة الأولى للثورة.

بمجرد قبول المعارضة السورية الالتقاء مع ممثلي النظام السوري، خارج أي إطار سياسي أو قانوني، وعلى أرضية ما سمي الحوار الوطني المباشر، ومن دون شروط، تكون موسكو قد ساهمت في دفن مفاوضات جنيف، وجميع قرارات مجلس الأمن التي تنص على مفاوضات رسمية واضحة، لها هدف محدد، هو الانتقال نحو نظام ديمقراطي، وآلية تنفيذية هي تشكيل هيئة حكم انتقالي تعد البلاد للحقبة القادمة، وشروط أساسية معروفة، في مقدمتها وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح المعتقلين، والاعتراف بحق التظاهر السلمي، وتقديم المسؤولين عن الجرائم إلى المحاكمة. كل هذا سوف ينسى، ولن يبقى إلا ما يتفق عليه "المعارضون السوريون" الذين اختارتهم موسكو بالاسم، وبحسب ميولهم واتجاهاتهم القريبة منها، ليفاوضوا بعضهم على حساب تهميش الشعب السوري وتغييبه، تماماً كما فعل النظام من قبل، وتسليمه لتسلط أجهزة نظام القتل المنظم، من دون شروط، أي من دون غطاء سياسي أو قانوني تمثله قرارات الأمم المتحدة وبيان جنيف. ولا يعني ترك السوريين يتحاورون للوصول إلى حل، من دون رعاية دولية وقرارات ملزمة، في حرب يتدخل فيها العالم كله، وتخوض فيها إيران وروسيا حرباً طاحنة ضد الشعب واستقلال سورية وحريتها، لا يعني إلا شيئاً واحداً هو استقالة المجتمع الدولي، وإجباره السوريين على القبول بمفاوضات بشروط الأسد، أي بالتسليم للقوة.

الرابح الأول من هذا السيناريو هو الروس الذين سيمسكون، من خلال هذه العملية، بكل الأوراق، وسيتمتعون بهامش مبادرةٍ لا حدود لها تجاه الأسد والمعارضة والغرب معاً. وسيفرضون الحل الذي يتماشى مع مصالحهم وتصوراتهم التي لم يخفوها على أحد في أي يوم، وهي أولوية محاربة الإرهاب، أي التمرد والثورة وحركات الاحتجاج، وحماية النظام القائم وأي نظام، باسم الدفاع عن مؤسسات الدولة، وهذا كان موقفهم قبل الثورة وخلالها وسيستمر بعدها.

"لا يعير الروس أي أهمية لاحتجاجات المعارضة على سياسات الأسد وطابع نظامه الأمني، لأنهم، ببساطة، لا يتصورون الدولة هم أيضا إلا مؤسسة أمنية، ولا يعترفون بحقوق الشعب الروسي، حتى يعترفوا للشعب السوري بحقوقه الأساسية.

" ولا يعيرون أي أهمية لاحتجاجات المعارضة على سياسات الأسد وطابع نظامه الأمني، لأنهم، ببساطة، لا يتصورون الدولة هم أيضا إلا مؤسسة أمنية، ولا يعترفون بحقوق الشعب الروسي، حتى يعترفوا للشعب السوري بحقوقه الأساسية.

والرابح الثاني هو الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة التي تنتظر الفرصة، لتتحرر من التزاماتها تجاه الشعب السوري، بعد أن تبين لها أن ثمن هذه الالتزامات أكبر من المقاطعة الاقتصادية، والمساعدة الإنسانية والكلمات الطيبة، والغرب غير قادر على ذلك، أو ليس في وارد أن يقدم أي تضحية لصالح شعبٍ، لا يشعر تجاهه بأي تعاطف أو قرابة سياسية أو ثقافية أو إنسانية. ولن يستطيع أن يتملص من وعوده والتزاماته التي فرضت عليه في بداية الثورة، طالما استمرت المعارضة بالتمسك بقرارات مجلس الأمن وبيان جنيف وآليات تطبيقه المتفق عليها.

والمستفيد الثالث هو نظام الأسد الذي سيضمن، بهذه الحوارات الشكلية، تخفيف الضغط الدولي السياسي والعسكري عنه، وربما إعادة تأهيله، بدعم من الروس والعرب الخائفين من الإرهاب، الذي شجع عليه الأسد نفسه من قبل، مع تعديلات شكلية، بما فيها احتمال استبدال الأسد وبعض الشخصيات الكريهة المرتبطة به، لحفظ ماء وجه الغربيين، في حال نجحت موسكو في إقناع حليفتها طهران بإمكانية ضمان مصالحها الرئيسية من دونه، وهي مصالح ليس بإمكان الغرب تحملها، ولا الحرب ضدها، ومحورها تصميم إيران على الاحتفاظ "بجيش شعبي" في سورية، كما صرح نائب قائد الحرس الثوري، شبيه بجيش حزب الله في لبنان وأكبر منه.

ما يحصل للحركة الوطنية الديمقراطية السورية، في كفاحها ضد نظامٍ لا تقل رعايته الدولية عن التي حظيت بها، ولا تزال، المنظومة الصهيونية في فلسطين، هو طبق الأصل لما حصل للحركة الوطنية الفلسطينية عندما تخلت عن قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة، مرجعية لمفاوضات السلام، وتركت مؤتمر مدريد عام ١٩٩١، وبحثت عن "اختراق" من خلال قناة أوسلو السرية، والتي لا تخضع فيها المفاوضات لأي مرجعية قانونية، ولا تلتزم بأية ضوابط دولية. وكانت نتيجتها كارثة على حلم الدولة الفلسطينية، بمقدار ما أدخلت المفاوضات التي بدت واعدة، في البداية، في نفق لم تخرج منه حتى اليوم، مكّن تل أبيب من التحكم بمسارها وأجندتها واجتماعاتها، وتحولت فيها القضية الفلسطينية إلى مسألة ثانوية في السياسة الدولية، وتحررت فيها الولايات المتحدة من التزاماتها، وغسلت بفضلها إسرائيل من كل خطاياها وجرائمها التاريخية.

ينبغي للمشاركين المحتملين في اجتماعات موسكو أن يدركوا أن أي خروج عن إطار جنيف يعني تحرير المجتمع الدولي من التزاماته تجاه الشعب السوري المنكوب، وتركه فريسة لمحور الأسد إيران روسيا يستفرد به، مع مباركة الغرب والولايات المتحدة وتشجيعهما. وكل قبول من المعارضين السوريين بالأسد شريكا في مشروع إنقاذ سورية واستعادة السلام والاستقرار فيها، بعد قتله المنهجي والمتعمد مئات الألوف من أبناء الشعب السوري، وتشريده الملايين منهم، وتدمير شروط حياتهم الحاضرة ومستقبلهم، يعني غسل النظام وتبرئته من جرائمه. ويعني، أكثر من ذلك، تجريم الثورة والمعارضة، وتحميلهما المسؤولية في الجرائم التي كان الأسد ونظامه المسؤول الأول عنها، سواء تعلق الأمر بالتي ارتكبها مع ميليشياته مباشرة، أو التي دفعت إليها سياساته العدوانية والإجرامية.

أخيراً، لا أعتقد أن العالم قد عرف معارضة قبلت بأن تفاوض عدوها، والمسدس على رأسها، ونجحت في تحقيق أدنى نتيجة لشعبها. وكم سيكون من المهانة أن يقبل معارضون سوريون، أو من يطلقون على أنفسهم هذا الاسم، الدخول في حوار أو مفاوضات مع نظام لا يزال مستمراً في قصف المدنيين بالبراميل المتفجرة، لقتل المزيد منهم، وارتكاب مجزرة مرعبة كل يوم، يذهب ضحيتها مئات الضحايا بين قتلى وجرحى ومعطوبين مدى الحياة.

على الأقل، وحتى لا تظهر بمظهر العجز والذل والتسول على الحل السياسي من خصم لم يتعامل معها ومع الشعب كله، خلال نصف قرن، إلا بالسلاح، ولم يرحم طفلاً ولا شاباً ولا شيخاً، ولم يتردد في محاربة شعبه بالسلاح الكيماوي، من واجب المتحدثين باسم المعارضة، مهما كانوا، وحفظاً لكرامتهم الشخصية، حتى لا نقول احتراماً لدم الشهداء والضحايا، أن يرفضوا الجلوس على مائدة مفاوضات إلى جانب المتهم، رسمياً، بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، من منظمات حقوق الإنسان، وأن يعلقوا مشاركتهم بوقف النظام استخدام البراميل المتفجرة والأسلحة الثقيلة ضد المدنيين، مع العلم أن الأسد خلال كل تاريخه، ابناً عن أب وأباً عن جد، لم يحترم كلمةً، ولم يعرف معنى الالتزام ولم يف بوعد.

سيسأل بعضهم ما هو الحل، إذا كان اجتماع موسكو ينذر بأوسلو سورية، تقود إلى التنازل بعد التنازل من دون نتيجة، وإلى المقامرة بتضحيات الشعب الهائلة؟

الجواب بالتأكيد ليس في الدعوة إلى استمرار الحرب، وإنما في التمسك بمبدأ المفاوضات القائمة على أسس متينة، تقود، بالفعل، إلى حل يضمن، في الوقت نفسه، استمرار الدولة ومؤسساتها، وتلبية الجزء الرئيسي من مطالب الشعب، وفي مقدمها حقه في تقرير مصيره بحرية، ووضع حد لحكم الوصاية البوليسية، ورهنه الدولة لمشاريع الهيمنة الإقليمية والدولية. وهذا ليس هدفاً صعباً ولا مستحيلاً، ولا حتى بعيداً، فالنظام قد هلك تماماً، وكذلك حلفاؤه الذين يواجهون أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية متفاقمة. ونحن، اليوم، في مرحلة عض الأصابع الأخيرة. والشعب السوري الذي خسر كل ما كان بإمكانه أن يخسره وما كان بإمكان أعتى أعدائه أن يكبده إياه، هو الأقدر والأقوى على الصمود، وإجبار خصمه الهمجي، مهما كان لؤمه، على أن يكون الأول في الصراخ والاستسلام. والشعب الذي قدم ما حيّر العالم من تضحيات، وما واجه من تحالفات، وما عانى من خيانات، هو الذي سيصمد، وستكون له الكلمة الأخيرة، ولن يقبل بغير الكرامة والحرية والنصر.

===================

سنذهب إلى موسكو حتماً .. خطيب بدلة

العربي الجديد - الاحد 4-1-2015

ما إن أعلنت الخارجية الروسية عن مبادرتها المتعلقة بتسوية الأزمة السورية ضمن مؤتمر "موسكو 1"، حتى نط سيادةُ الفريق الأول الركن الدكتور بشار بن حافظ الأسد من مقعده، مثل تلميذ مجتهد، وقال مخاطباً الأستاذ بوغدانوف: حاضر أستاذ. سَجّل عندك، نحن سنذهب.

وحينما بدأ سائقُ الطائرة الذاهبة إلى موسكو بعملية إحماء المحركات، استعداداً للإقلاع، لم ينتظر الرفيق وليد المعلم حتى يكتمل الركاب، ثم يأتي متبختراً على طريقة الركاب المهمين(VIP)، بل إنه‏ اندفع داخلاً من باب الطيارة برشاقة الأيائل، على الرغم من كونه ما يزالُ نشوانَ بخمر العافية، على حد تعبير المطرب الراحل وديع الصافي، ولم تُفلح عملية مجازات القلب الإكليلية التي أُجريت له أخيراً في تخفيض وزنه ولو بضع غرامات. وبدلاً من أن يجلس في جناح ال (Business class)، رمى بثقله في مقدمة الطيارة، كما لو أنه الأديب الكبير محمد الماغوط الذي زعم أنه حينما يغضب من الوطن يغادره في أقرب طائرة، ويجلس في المقدمة ليكون أول مغادري أرض الوطن، وفي العودة، بعدما يقتله الحنين، يجلس في مقدمة الطيارة ليكون أول الداخلين في المجال الجوي للوطن.

حينما عرف الشعب السوري، على اختلاف انتماءاته ومشاربه، بوجود مبادرة روسيةٍ، تهدف إلى وقف مسلسل القتل والتهديم والتشريد المستمر في سورية، من دون انقطاع منذ أربع سنوات، فرحَ، واستبشرَ، وانفرجت أساريره، وأيقن أن روسيا، هذه الدولة العظمى، لا يمكن أن تتخلى عنه، وعن قضيته، وأدرك أن دعم الحكومة الروسية النظام السوري بالمال والسلاح والفيتو كان ينم عن بعد نظر تاريخي، فلو لم يدعموه لسقط، أجَلَّكُم الله، وإذا سقط ستمتلئ البلد بالإرهاب!

ولئن كان الروسُ قد أعلنوا، عشر مرات في السنوات الأربع، أنهم غير متمسكين بالأسد، وفي المرة الحادية عشرة، أعلنوها بوجود الشيخ معاذ الخطيب، إلا أنهم أدركوا، الآن، بذكاء منقطع النظير، أنهم كانوا مخطئين، وأنهم يجب أن يتمسكوا بالأسد. لسبب بسيط، هو أنه لا يمكن لابن آدم عاقل أن يتخيل سورية من دون أسد! وهذا ما صرحت به، ذات يوم، السيدة أنيسة مخلوف والدة الدكتور بشار الأسد، إذ قالت، بطريقة السجع الهمذانية: سورية لبيت الأسد، من الوالد إلى الولد.

بعد أن تولدت لدى القيادة الروسية القناعة التامة بضرورة الإبقاء على الأسد في السلطة، بدأتْ تنفيذ إجراءات تنم عن ذكاء دبلوماسي، من النوع الذي يسميه وليد المعلم غير مسبوق. أولُها الامتناعُ عن إشهار أي ورقة أو لائحة تتضمن التصور الروسي للعملية السلمية المقترحة، فذلك يؤدي إلى احتراق الفكرة، وزوال متعة المفاجأة في ذروة اللحظة الدرامية. وثانيها التأكيد على أن من واجب أطراف الصراع في سورية عدم التمسك بمبادرة السيد كوفي عنان، ذات النقاط الست، (جنيف 1) لأنها صدرت في يونيو/حزيران 2012، يعني أنها قد أصبحت بايتة. هذا إذا لم نقل إن الزمان أكل عليها وشرب! ولأن النظام والائتلاف ذهبا إلى جنيف في فبراير/شباط 2014، وجرّبا تطبيقها، وأخفقا، يعني أنها مبادرة مُجَرَّبة، والمثل يقول: مَنْ جَرَّبَ المُجَرَّب حَلَّتْ به الندامة.

السبب الثالث الذي يدفع الروس للتمسك بالأسد، أن الروس والأسد متمسكان بمبدأ مكافحة الإرهاب، مع الأخذ بالاعتبار أن الميليشيات القادمة من إيران والعراق ولبنان لمساندة النظام السوري ليست إرهابية، فهي تتألف من أناس مدنيين، ديمقراطيين، عَلمانيين، دنيويين، وكل ما يهمهم في الحياة أن يسود العدل بين الناس، كائناً من كانوا، وتحت أسقف الأوطان.

نعم.. اقتنع الشعب السوري، الآن، بالمخطط الروسي، وجهز ممثلوه أنفسهم للذهاب إلى موسكو، من دون قيد أو شرط، ولولا أن السيد وليد المعلم سبقهم للجلوس في مقدمة الطيارة، لجلسوا كلهم فيها.

===================

مبادرات "غامضة" .. سلام الكواكبي

العربي الجديد - الاحد 4-1-2015

في بداية ولايته الرئاسية (20072012)، أطلق نيكولا ساركوزي مشروع "الاتحاد من أجل المتوسط". وتبين للمراقبين، في الوهلة الأولى، هشاشة بنيته وخلوّه من المضمون. دفع هذا الغموض مجموعات بحثية، كما دوائر رسمية معنية، إلى عقد ندوات في سعي إلى استنباط مضامين واضحة للمشروع. وفي جهدهم لتحديد معالم وخلفيات إطلاقه، طوّر المحللون ثلاثة أسباب، يتمحور أولها حول السعي إلى إدخال تركيا في وحدة إقليمية اقتصادية، تحجب عنها طموح الانتماء إلى الاتحاد الأوروبي. أما ثانيها، فقد تبيّن أنه رغبة في إدماج مستبدين متوسطيين (الأسد، مبارك، بن علي مثلاً وليس حصراً) في عمل إقليمي، بعيداً عن قيود مسار برشلونة (1995) الذي وضع معايير مرتبطة بالحقوق والحريات الأساسية. وثالث الأسباب تجسّد في الرغبة إلى إدخال إسرائيل في العائلة المتوسطية، بعيداً عن معوقات الملف السياسي المرتبط باحتلالها الأراضي الفلسطينية. ومع كل ما سبق، ظلّ المشروع خالي الوفاض عملياً، وما زالت المساعي مستمرة منذ إطلاقه لإيجاد معنى واضح له.

وفي إطار مفهوم الغموض "غير البنّاء" نفسه، انطلقت، في الأسابيع الأخيرة من العام المنصرم، مبادرات دبلوماسية عدة، تتعلق بالسعي إلى وقف المقتلة السورية. وكان أوضحها

"في إطار مفهوم الغموض "غير البنّاء" نفسه، انطلقت، في الأسابيع الأخيرة من العام المنصرم، مبادرات دبلوماسية عدة، تتعلق بالسعي إلى وقف المقتلة السورية. وكان أوضحها غموضاً خطة "تجميد الصراع" في مدينة حلب" غموضاً خطة "تجميد الصراع" في مدينة حلب، والتي تبنّى تسويقها المبعوث الأممي الجديد ستيفان دي ميستورا. وبعد فترة من التساؤل حول الفكرة ومضامينها، ارتاح بعضهم إلى العملية التشاركية التي وصمت أسلوب دي ميستورا الذي بدأ عملية تقصّي آراء وتجميع أفكار ولقاء أطراف متعددة معنية بالمقتلة السورية. وكان بعضهم ينظر إلى هذا الأسلوب وكأنه رغبة في تقاسم الأفكار وإقناع الإرادات حول مشروع قائم، وواضح المعالم والأهداف. وبعد فترة وجيزة، ومن خلال البناء على التصريحات المتعددة، كما الشهادات الحيّة، لمن شارك في اللقاءات والمشاورات، تبين أن المبعوث الأممي أطلق فكرة عامة، وبدأ في عملية تجميع المضمون على مبدأ "من كل بستان وردة"، أو "من كل جبهة، نقطة دم". واقتنع كل من قابلوه بأنهم أثّروا فيه وفي مضمون خطته. وربما حنكته الدبلوماسية، إضافة إلى قربه الشديد من مجموعة سانت إيجيدو التفاوضية في روما، قد مكّناه في إقناع محاوريه بأنه مصغٍ جيد. يُضاف إلى حسن النيات تلك، أن الوضع الإنساني الكارثي في هذه المدينة الشهيدة لم يعد يحتمل ترف النقاشات، فهي تتعرض لأبشع أنواع القصف والحصار والتهجير، وحيث لم تستطع كل الهيئات الأممية المساعدة، ولو في الحد الأدنى، في تخفيف معاناة سكانها.

المشروع إذاً، وفي معالمه الحالية، ليس وقف إطلاق للنار وليس هدنة. والأسئلة المتعلقة به يمكن أن تطرح إلى ما لا نهاية لغموضه الجليّ. فهل سيحتاج تطبيقه في صيغته المقترحة (وما هي؟) إلى قوى حفظ سلام دولية أو عربية أو إقليمية؟ وما صلاحياتها وحدود عملها؟ هل سيراقب حسن تطبيق المشروع موظفون أمميون بصلاحيات، أو من دون صلاحيات، كما جرت عليه العادة؟ وكيف سيتم فرضه؟ عبر مجلس الأمن والفصل السابع، أم كما بدا من تصريحات المبعوث توافقياً (بين من ومن)؟ هل سيعني التجميد، أيضاً، انسحاب القوات الأجنبية العاملة لدى جانبي الصراع؟ هل سيكون اللبنانيون والعراقيون وغيرهم في مليشيات القتل الطائفي معنيين بهذا الانسحاب؟ هل سيغادر جهاديو الموت لدى القوى المتطرفة من الطرف الآخر؟ من سيستطيع أن يفرض عليهم هذا الانسحاب؟ أية قوى معارضة سياسية سيكون لديها السيطرة العسكرية والسياسية والأخلاقية على الفصائل المُحاربة/المُتحاربة على الأرض؟ من سيكون له القدرة على فرض الانسحاب على قوى، من أية جهة أتت، وجودها مرتبط باللصوصية والتطهير الإثني؟ ما الخطوات اللاحقة للتجميد المقترح؟ هل ستعمم التجربة لتكون بداية مسار حل سياسي فعلي وفعّال في مجمل البلاد؟ كيف للجيش السوري الحر أن يفرض التجميد، إن وافق عليه واقتنع به، على إخوته الأعداء، من دون أية إمكانات مادية وتسليحية للسيطرة على الأرض؟

استيقظ الدب الروسي متأخراً. وخروجاً عن عادة السبات الشتوي المُحبّذ له، أطلق مبادرة غموضها مدعومٌ بضعف الثقة المستحقة التي بنت عليها موسكو سمعتها السياسية، من خلال دعمها المادي والمعنوي موت السوريين. وهي، أيضاً، تسعى إلى تأجيج خلافات المعارضة، لتزيد من تفسّخها. ويظل بعضهم يخشى من تكامل مقصود، أو عفوي، بين المبادرتين، الروسية والأممية، ما يُفقد الثانية صبغة الحياد النسبي.

يضاعف المبعوث الأممي من جهوده ولقاءاته، لتضمين مشروعه بنية واضحة، ولمحاولة الإجابة على كل هذه الأسئلة. وعلى الرغم من ضعف الأمل، إلا أن على قوى المعارضة التعامل معه بجدية وبعقلانية. ويجب السعي إلى تضمين المشروع بالمحتوى الإيجابي لدرء خطر تكرير تجربة القوقعة الفارغة التي تمخض عنها مشروع هلامي، كما "الاتحاد من أجل المتوسط". كذلك يجب أن تتمكن المعارضة السورية من التوافق على منهجية سياسية، تبعد المشروع، قدر الإمكان، عن السيناريو الروسي. ثقة مشروطة بالمبادرة الأممية، وشكّ مشروع بالمبادرة الروسية.

===================

الافتخار الإيراني بالاستيلاء على الدول .. د. رضوان السيد

الاتحاد - الاحد 4-1-2015

لا يكاد يمر يوم منذ الفشل في التوصل إلى اتفاقٍ بشأن النووي بين الولايات المتحدة وإيران، إلاّ ويخرج علينا مسؤول مدني أو عسكري إيراني مفتخراً بالاستيلاء على دولٍ عربية إمّا من جانب الميليشيات الشيعية (العربية) التي سلْحتْها إيران، والتي يسميها الإيرانيون جيوشاً شعبية عملت وتعمل لمصلحة «الثورة»– أو من جانب قوات الحرس الثوري التي غيّرت الموازين الاستراتيجية في البر والبحر! وكان علي لاريجاني رئيس مجلس الشورى الإيراني قد قال في لبنان إنّ بعض التنظيمات الإيرانية هذه هي أفعَلُ من الدول، وضرب مَثَلاً على ذلك كلاً من «حزب الله» و«حماس»! وهكذا فهناك عدة وجوه في نظر إيرانيي نظام ولاية الفقيه للتقدم الإيراني في المنطقة العربية: إقامة تنظيمات (فاعلة) أكثر من الدول- وانتصار الثورة أو انتصار ممارساتها خارج الحدود- وحق إيران «الثورة» في التدخل في العالم العربي لحماية الشيعة تارةً، ولنشر قيم «الثورة» تارةً أُخرى- وأخيراً وليس آخراً القول بالتغير الاستراتيجي بالمنطقة لمصلحة إيران، في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. والتغير الظاهر لمصلحة إيران أو لمصلحة ميليشيات تابعة لها مباشرةً حاصل بالفعل. فقد أطْلعَنا، نائب قائد الحرس الثوري على واقعة ما كنا نعرفُها، وهي أنه حتى في سوريا ما أرسلت إيران «حزب الله» من لبنان، وميليشيات من العراق وأفغانستان واليمن فقط؛ بل أنشأت تنظيماً اسمه «حزب الله» في سوريا. ولأنّ تنظيماً خاضعاً لسلطة الولي المرشد بالمعنى الديني لا بد أن يكونَ شيعياً، ولأنّ الشيعة في سوريا لا يزيدون عدداً على المئة ألف صغاراً وكباراً؛ فإنّ قيام تنظيم شيعي في سوريا، لا بد أنه اعتمد – كما تواردت الأنباء – على شيعةٍ من العراق وأفغانستان ولبنان واليمن جرى تجنيسهم وتمليكهم في سوريا! وكلُّ ذلك بموافقة الرئيس القومي العربي (الأخير) بشار الأسد!

معظم الوقائع التي ذكرها ولايتي ولاريجاني وجعفري وآخرون خلال الأسابيع الماضية كانت معروفة. إنما لماذا اهتمّ المسؤولون السياسيون والعسكريون بحشدها والإعلان عنها هذه الأيام؟

لنلاحظ أنّ كلَّ الذين تحدثوا عن قوة إيران في البلاد العربية هم إمّا مستشارون للمرشد أو قريبون منه، أو قادة في الحرس الثوري العامل بالفعل في البلاد العربية. ولذلك يريد مراقبون غربيون وإيرانيون معارضون الاستنتاج أنّ هؤلاء يريدون المزايدة على الرئيس روحاني وسياساته التي يعتبرونها مُحابيةً لأميركا وللعرب. وأنه يكون عليه مراعاة مصالحهم بالداخل، وتقدمهم في السياسات الخارجية، فهم شركاء في كل شيء، دونما أوهامٍ يمكن أن تنشأ لدى روحاني وطاقمه نتيجة نجاحه الكاسح في الانتخابات الرئاسية. على أنّ هناك من يقول (من المراقبين الفرنسيين على الخصوص) إنّ التنسيق قائمٌ بين الطرفين من خلال مكتب القائد. وإنّ رفع وتيرة التصعيد ( في اليمن وسوريا مثلاً) إنما كان بناءً على طلب روحاني، لإنذار الأميركان (والعرب) بما يمكن أن يحدث إذا لم تُستجبْ رغباتُ إيران في النووي وفي المنطقة.

بيد أنّ هذه «الإيجابيات» الظاهرة في نظر الحرس الثوري ومكتب القائد لا تبدو في الأبناء المتسربة من أوساط أنصار إيران في العراق وسوريا ولبنان. فنظام الأسد يبدو ضعفُهُ بقدر ما يبدو ضعفُ وانقسام مُعارضيه. وبين الحرس الثوري وميليشياته في سوريا آلاف القتلى والجرحى. لم تعد إيران تتحمل الإنفاق على نظام الأسد وعلى الميليشيات التي أرسلتْها لمساعدته. فالحرس الثوري الذي يقود ميليشيات جديدة وقديمة بالعراق واليمن أيضاً، يزيد الأعباء على نفسِه وعلى الدولة الإيرانية. والخصوم والأصدقاء يعرفون أنها التزاماتٌ لا تفيد إيران في شيء، إلاّ إذا كانت أرباحثها تقاس بمدى التخريب في دول الجوار وبلدانه.

لقد قال رفسنجاني مراراً إنّ التحشيد الطائفي الإيراني وشتم الصحابة هو الذي أنتج «داعشاً» وأمثاله. وهذا يعني أنّ اجتياحات الحرس الثوري للبلدان والإنسان والعمران، ولّدت وستولّد موجات عنف جديدة بالفعل وردَّ الفعل. فاندفاعاتُ الحرس الثوري الطائفية الفَخُور، لها نتائج مفزعة على المجتمعات العربية الشيعية والسنية؛ لكنْ لها أيضاً نتائج بعيدة المدى على المجتمع الإيراني والدولة الإيرانية. فإيران مجتمع تعددي أيضاً. وفي الأهواز حركة تسنُّنٍ وتسلُّف لا لشيء إلاّ انتقاماً للقمع الطائفي والإثني الذي تمارسه السلطة. وعندما ظهر «داعش» في الموصل، ظهرت مئاتُ الشعارات المؤيِّدة له في منطقة ساننداج الكردية بإيران!

أستاذ الدراساتت الإسلامية بالجامعة اللبنانية

===================

وساطة روسيا في سوريا كوساطة أمريكا مع الفلسطينيين .. د. فيصل القاسم

القدس العربي - السبت 3-1-2015

ومن نكد الدنيا على السوريين أن روسيا التي دعمت النظام السوري بكل أنواع السلاح والمال كي يقتل الشعب، ويشرده، ويدمر البلاد، ويقمع الثورة ليبقى حاكماً ولو على حطام الوطن، هي من تتنطع الآن لإيجاد حل للأزمة السورية. إنه العهر السياسي في أحقر أشكاله. لم ينس السوريون، ولن ينسوا السفير الروسي في مجلس الأمن الدولي وهو يستخدم الفيتو المرة تلو الأخرى ضد أي تحرك دولي لوضع حد للمأساة السورية. لن ينسوا ذلك الفيتو الذي، وإن كان بالتواطؤ مع أمريكا، إلا أنه كان دائماً يحقن النظام المتهالك بجرعة جديدة من الوحشية ليستمر في صلفه وعناده وهمجيته التي أدت إلى تهجير أكثر من نصف الشعب السوري وتدمير وطن كان اسمه سوريا بدعم روسي لا تخطئه عين. لن ينسى السوريون أن روسيا، وعندما وجدت أن النظام قد يتضرر من عقاب دولي بعد استخدامه الفاشي للسلاح الكيماوي، عملت كل ما بوسعها لتسليم السلاح الاستراتيجي السوري لأمريكا لتنقذ رقبة الأسد، وتعطيه مزيداً من الوقت كي يمعن في تدمير سوريا وتشريد شعبها.

والآن وبعد أن وجدت روسيا أن خطتها لفرض النظام على السوريين بالقوة الغاشمة قد فشلت، راحت تحاول إيجاد حل لا يحقق مطالب الشعب السوري، بقدر ما يحاول الحفاظ على ما تبقى من النظام، بعد أن وجدت أن جيش الأسد قد تلاشى، وأن وضعها الاقتصادي والسياسي في العالم لم يعد يساعدها كثيراً في الحفاظ على آخر مستعمرة لها في الشرق الأوسط.

لا أحد يمكن أن يعارض حلاً مقبولاً للكارثة السورية، لكن لا يمكن لسوري يمتلك قليلاً من العقل أن يثق بالنوايا الروسية الجديدة لحل الأزمة، لأن موسكو تعلم علم اليقين أن ذهاب بشار الأسد سيجعلها تفقد أغلى ما تملك في المنطقة، خاصة وأنه منحها عقود نهب الثروات السورية من غاز ونفط لربع عقد قادم مقابل دعمه بالحديد والنار كي يبقى في الحكم حتى لو خلت سوريا من شعبها، ولم يبق فيها سوى النظام وعصابته. وبالمناسبة كل عمليات تدمير المدن في سوريا كانت على الطريقة الشيشانية. فلو قارنا عملية تدمير مدينة حمص لوجدناها نسخة طبق الأصل عن الطريقة التي استخدمها الرئيس الروسي بوتين لتدمير عاصمة الشيشان غروزني. ومن يضع الخطط التدميرية لنظام الأسد لا يمكن أن تتوقع منه حلاً يرضي السوريين. واللعبة الروسية الجديدة لا تحاول وضع حد للمحنة السورية بقدر ما تحاول أن تضحك على بعض المعارصين السوريين، وتغريهم ببعض المكاسب الحقيرة كي تمعن في إجهاض الثورة، وكي تستعدي العالم على كل من يحاول لاحقاً معارضة النظام، ولو بالكلام. وإذا أردنا أن نلخص الطريقة التي تتعامل من خلالها روسيا مع المعارضة السورية المزعومة، يمكن أن نسردها في النكتة التالية:

يُحكى أن شخصاً التقى بفتاة في الشارع، فأعجب بها، ثم سألها إذا كان ممكناً أن يواعدها، فغضبت الفتاة غضباً شديداً، وبصقت عليه، لكنه سرعان ما عرض عليها ألف دولار كمقدمة، فرفضت رفضاً قاطعاً، ثم عرض عليها خمسة آلاف دولار، فأيضاً رفضت، ثم عرض عشرة آلاف دولار، فرفضت، فقال لها: «ما رأيك بخمسين ألف دولار»، فصمتت الفتاة قليلاً، ثم قالت: «لا بأس». عندها قال لها الشاب: «حسناً، فلنجلس ونتفاوض»، فجلست الفتاة، فقال لها الشاب: «عليك أن تعترفي الآن أولاً أنك قابلة للبيع والشراء، كي لا نقول شيئاً آخر. وبالتالي سأتعامل معك على هذا الأساس. إنسي السعر الأخير، وتعالي نحكي بزنس بشكل واقعي». وهكذا يتعامل الروس ويضحكون على بعض المعارضات السورية. وعدوا بعض المعارضين وعوداً كبيرة كالتخلي عن الأسد وغير ذلك، وعندما وافق بعض المعارضين على التفاوض، قال لهم الروس ما قاله الشاب لتلك الفتاة في الشارع: يعني بما أنكم قابلون بالتفاوض: تعالوا نتفق على السعر، وانسوا الوعود الكبيرة. التي أغريناكم بها كي تقعوا في شباكنا.

هذه هي قصة الوساطة الروسية لحل الأزمة السورية. يريدون الضحك على بعض المعارضين وتصويرهم على أنهم يمثلون الشعب السوري، بينما هم لا يمثلون سوى أنفسهم، ولا يمونون على أحد على الأرض، وقوتهم عسكرياً تكاد تكون صفراً. ثم تذهب روسيا إلى الأمم المتحدة لتقول للعالم: لقد وافقت المعارضة السورية على الحل، وبالتالي فإن كل من يعارض النظام، أو يتصدى له على الأرض من الآن فصاعداً هو إرهابي خارج عن طاعة الموالاة والمعارضة، ولا بد من تجريمه وتجريم كل من يدعمه بقرارات دولية تحت البند السابع.

إن الوساطة الروسية بين النظام السوري والمعارضين السوريين تشبه تماماً الوساطة الأمريكية بين إسرائيل والفلسطينيين. هل كانت أمريكا في يوم من الأيام نزيهة في وساطتها بين ربيبتها إسرائيل والفلسطينيين؟ بالطبع لا، فهي الخصم والحكم بالنسبة للفلسطينيين. وكذلك الأمر بالنسبة لروسيا والنظام، فالعلاقة بين موسكو والأسد كالعلاقة العضوية بين إسرائيل وأمريكا. وبالتالي على السوريين أن يسألوا أنفسهم: ماذا جنى الفلسطينيون من وراء قبولهم بالوساطة الأمريكية بينهم وبين إسرائيل على مدى عقود؟ لا شيء غير الضحك على الذقون. وكذلك السوريون، فإنهم إذا وثقوا بالوساطة الروسية بينهم وبين النظام السوري، فلن يحصدوا سوى الخيبة التي حصدها الفلسطينيون من أمريكا.

 

٭ كاتب واعلامي سوري

===================

المشهد السوري القاتم وكثرة الطباخين .. حسين العودات

السفير - السبت 3-1-2015

إن الظروف والوقائع القائمة في سوريا وطبيعة الصراع وتفرعاته وما نتج عنه من معطيات نفسية واقتصادية وسياسية وثقافية، تستبعد إمكانية الوصول إلى تسوية للصراع، متوازنة ودائمة في وقت قريب. ذلك لأن الأمور أصبحت أكثر تعقيداً مما كانت عليه طوال السنوات الماضية، حيث تشارك في صنعها: السلطة السورية والمعارضة السياسية والمعارضة المسلحة والمنظمات الإرهابية، وتتدخل دول الجوار بلا استثناء في هذا الصراع، كما أن لدول أخرى دوراً فيه مثل إيران وروسيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، فضلاً عن الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، وغيرهم الكثير (وآذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق «الحج27») وفي إطار هذا التداخل والتشابك وكثرة المؤثرين والشركاء في الصراع والطباخين والمتدخلين في التسوية : يصعب إيجاد حل متوازن سياسي في وقت قصير، لأن كل طرف يحاول تحقيق رغباته ومصالحه وآرائه «ليشهدوا منافع لهم» تتناقض مع منافع الأطراف الأخرى أو تتباين معها، سواء في الداخل أم بين القوى الإقليمية والدولية، ولعل الأزمة السورية هي من أكثر الأزمات صعوبة في العصر الحديث وأكثرها تأثراً بمواقف أطراف عديدة إضافة إلى تعدّد أصحاب القرار وتفاوت قدراتهم ومصالحهم.

لم يعُد بالإمكان الآن الإحاطة بالصراع السوري واستيعابه كما كان الحال ممكناً بُعيد الانتفاضة أو عند بداية الأزمة. ويزيد الأمور تعقيداً وجود متطرفين في داخل السلطة وبين صفوف المعارضة وقرب هؤلاء المتطرفين من مراكز اتخاذ القرار أو مشاركتهم فيه. كما يزيدها تعقيداً رفض أهل السلطة بشكل عام أي حل سياسي، إلا إذا وافق أو حقق جميع مطالبهم ورغباتهم في أن تبقى الأمور كما كانت عليه قبل الانتفاضة. وشجع أهل السلطة على ذلك أنهم استطاعوا سابقاً إفشال جميع المبادرات التي طرحت، سواء العربية منها أم الدولية، ما أكد قدرتهم على المناورة وعلى تعطيل أي مبادرة أو أي مشروع حل لا يعجبهم، وفي الواقع، لا يعجبهم أي مشروع تسوية يتضمن تغييراً أو تطويراً جدياً أو إصلاحاً. وفي ضوء ذلك، تبقى أي مبادرة أو مشروع حل، في نظر أهل السلطة، أمراً عارضاً يمكن إفشاله بانتظار إيجاد ظروف أخرى تحقق النصر النهائي لهم عسكرياً كان أم سياسياً، ولا يأخذون بالاعتبار مصالح شعبهم أو مصالح حلفائهم ودول الجوار وضرورات الاستقرار والسلم العالميين، وكلها تقتضي إطفاء النار السورية التي بدأت تحرق أطراف هذه الجهات، ولكن لا يستطيع أهل السلطة دائماً وبلا تبصر واعتماداً على «الفهلوة» رفض كل مبادرة عربية أو غربية لحل الأزمة، وسيجدون أنفسهم يوماً مضطرين للقبول بهذه المبادرات.

ويبدو أن السياسة الروسية (وربما بالاتفاق ضمناً مع السياسة الإيرانية) ألحّت عليها مصالحها التي أحدقت بها المخاطر جراء الأزمة الأوكرانية والخوف من وصول الإرهاب إلى القوقاز للعمل لإيجاد تسوية للأزمة السورية، فكانت مبادرتها الأخيرة هذه مؤشراً واضحاً على رغبة موسكو بالوصول إلى تسوية، برغم أن مشروع مبادرتها الحالية لا يوحي بأنه يرضي المعارضة، لأنه – بحسب رأيها - دعوة للقاء أو التشاور لا للتفاوض ولا حتى للحوار، وليس له جدول أعمال ومحاور واضحة ولا خريطة طريق تتضمن مراحل زمنية لحل الأزمة، مما دفع بعض أطراف المعارضة للاعتقاد بأن هدف المبادرة الروسية هو خلط الأوراق وإنقاذ النظام بعد أن أصابه الإنهاك والتعب العسكري والاقتصادي والضعف بشكل عام، ولا تهدف للوصول إلى تسوية عادلة، وكان الدبلوماسيون الروس واضحين، فأكدوا لجميع أطياف المعارضة السورية الداخلية والخارجية بأن لقاء موسكو يهدف للتشاور وتبادل الرأي بين أعضائها الثمانية والعشرين المدعوين لهذا اللقاء بشكل فردي، لا للوصول لاتفاق على خريطة طريق، وتحديد مدة زمنية تقود للنهاية السعيدة من خلال اجتماع وفدي المعارضة والسلطة الذي يلي اجتماع أعضاء المعارضة مباشرة.

كانت لافتة للنظر موافقة تيارات المعارضة السريعة على عقد لقاء يجمعها في القاهرة، تمهيداً للوصول إلى برنامج موحد وقيادة موحدة، بعدما كان «الائتلاف الوطني لقوى المعارضة»، الممثل الرئيس للمعارضة الخارجية يرفض سابقاً اللقاء بقوى المعارضة الداخلية، لأنه يعتبر نفسه الممثل الوحيد للمعارضة، بشقيها الداخلي والخارجي، المعترف به من عشرات الدول، ويتهم المعارضة الداخلية بالتخاذل ومداراة السلطة. وهذا ما دعا بعض المطلعين للقول إن «الائتلاف» استجاب لطلب سعودي دعاه للقاء بفصائل المعارضة الداخلية كنتيجة طبيعية للمصالحة الخليجية، إضافة لشعور «الائتلاف» بضعفه من جهة واستجابة لطلبات عديدة من القوى المؤثرة العربية والدولية من جهة أخرى. وعلى الأغلب، كان اجتماع القاهرة استجابة من قوى المعارضة جميعها للرغبة المصرية في الدخول شريكاً في حل الأزمة السورية بعدما ابتعدت مصر كثيراً عنها ولم تتدخل بها طوال أربع سنوات، برغم أنها ذات دور أساسي ومؤثر في المنطقة.

ويبدو أن الإدارة الأميركية شجعت على لقاء المعارضة في القاهرة لتخطف المبادرة من يد الروس بعدما رأت أنها يمكن أن تكون بداية حل وتفوز روسيا بقصب السبق، وهي لا ترغب بأن يكون الحل آتياً من موسكو، فضلاً عن أن معظم أطراف المعارضة والدول العربية ذات العلاقة تتمنى أن ينطلق الحل من القاهرة، أي من بلد عربي لا من عواصم أجنبية. وهذا ما يحقق الرغبة المصرية ورغبة الجامعة العربية ورغبات الدول العربية الأخرى. وعلى أي حال، اتفقت قوى المعارضة التي اجتمعت في القاهرة على أسلوب التعاون بين أطرافها مستقبلاً وصولاً إلى تشكيل وفد موحد يمثلها سواء جرى تفاوض مع أهل السلطة أم مع غيرهم، كما اتفقت على عقد مؤتمر تشاوري بين أطرافها في القاهرة أيضاً، يضم قوى المعارضة الداخلية والخارجية كافة، وصولاً إلى برنامج موحد (أو على الأقل ثوابت محددة) وخريطة طريق صالحة لتحقيق التسوية، وتكون المعارضة بلقائها هذا قررت ما كان يجب أن تقرره قبل أربع سنوات، وقبلت ما كانت ترفضه طوال مدة الأزمة.

يمكن الوصول إلى تسوية للأزمة السورية لو رغبت هذه الأطراف جميعها بذلك، لأنها قادرة على إلزام أهل السلطة وقوى المعارضة السياسية والمسلحة بالقبول بالتسوية، من خلال تنازلات متبادلة، وقبول حل يساهم فيه الجميع ويحقق إقامة نظام سياسي جديد مدني ديموقراطي تداولي، وهذا ما تخشى السلطة السورية القائمة إقراره، وتحاول الالتفاف عليه مسبقاً بالمماطلة والتسويف والتمسك بالتفاصيل، أو أحياناً بطرح شعارات رنانة كما كان شأنها مع حميع المبادرات السابقة العربية والدولية. وليس من المستبعد أن يقول الوفد الرسمي هذه المرة في موسكو إن السلطة لا توافق إلا على مشاورات فقط، وإذا أصرت المعارضة سيقول إن السلطة لا تجري مفاوضات مع أحد من مواطنيها لأنها تملك القوة العسكرية والشرعية والرؤيا الواضحة. وإذا أصر الآخرون تدعوهم لعقد مفاوضات في دمشق وليس خارج الحدود، باسم السيادة والوطنية.

لقد أصبح مشهد الأزمة السورية الآن كما يلي: عسكرياً، يستمر الصراع المسلح في سوريا ويزداد عنفاً ووحشية مع مرور الأيام بين السلطة والمعارضة المسلحة وبينها وبين المنظمات الإرهابية، وبين هذه وفصائل المعارضة المسلحة الأخرى وبين المنظمات الإرهابية بعضها مع البعض الآخر. فالكل يحارب الكل، وسياسياً، تحاول الديبلوماسية الروسية تمرير مشروعها الذي تشكك المعارضة في مصداقيته وفي جدواه. وتحاول المعارضة توحيد صفوفها وتتعاون لتفعيل دور مصري، ويلقى هذا تشجيعاً من دول الخليج، وتبحث السلطة السورية عن أفضل الطرق لإفشال أي مبادرة تحت وهم إمكانية تحقيق نصر عسكري تعد به منذ سنوات عدة، وتنتظر تركيا إقرار منطقة عازلة، وتدير الإدارة الأميركية وجهها باتجاه «داعش» وظهرها لسوريا، ولا يستطيع الأوروبيون عمل أي شيء فعال، وهو ما يجعل المشهد السوري قاتماً ومحزناً.

============================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com